Lafzullah

أحكام القرآن — البقرة 2:223 – البقرة 2:238

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. البقرة 2:223
  2. البقرة 2:224
  3. البقرة 2:225
  4. البقرة 2:226
  5. البقرة 2:227
  6. البقرة 2:228
  7. البقرة 2:229
  8. البقرة 2:230
  9. البقرة 2:231
  10. البقرة 2:232
  11. البقرة 2:233
  12. البقرة 2:234
  13. البقرة 2:235
  14. البقرة 2:236
  15. البقرة 2:237
  16. البقرة 2:238

البقرة 2:223

بابُ الحَيْضِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾: اَلْمَحِيضُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْحَيْضِ نَفْسِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِهِ مَوْضِعُ الحَيْضِ؛ كَـ "اَلْمَقِيلُ"؛ و"اَلْمَبِيتُ"؛ هُما مَوْضِعُ القَيْلُولَةِ؛ ومَوْضِعُ البَيْتُوتَةِ؛ ولَكِنْ في فَحْوى اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَحِيضِ في هَذا المَوْضِعِ هو الحَيْضُ؛ لِأنَّ الجَوابَ ورَدَ بِقَوْلِهِ: "هُوَ أذًى"؛ وذَلِكَ صِفَةٌ لِنَفْسِ الحَيْضِ؛ لا المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ؛ وكانَتْ مَسْألَةُ القَوْمِ عَنْ حُكْمِهِ؛ وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ يُجاوِرُونَهم بِالمَدِينَةِ؛ وكانُوا يَجْتَنِبُونَ مُؤاكَلَةَ النِّساءِ ومُشارَبَتَهُنَّ؛ ومُجالَسَتَهُنَّ في حالِ الحَيْضِ؛ فَأرادُوا أنْ يَعْلَمُوا حُكْمَهُ في الإسْلامِ؛ فَأجابَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِقَوْلِهِ هَذا: "هُوَ أذًى"؛ يَعْنِي أنَّهُ نَجَسٌ؛ وقَذَرٌ؛ ووَصْفُهُ لَهُ بِذَلِكَ قَدْ أفادَ لُزُومَ اجْتِنابِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِلُزُومِ اجْتِنابِ النَّجاساتِ؛ فَأطْلَقَ فِيهِ لَفْظًا عَقَلُوا مِنهُ الأمْرَ بِتَجَنُّبِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأذى اسْمٌ يَقَعُ عَلى النَّجاساتِ؛ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا أصابَ نَعْلَ أحَدِكم أذًى فَلْيَمْسَحْها بِالأرْضِ؛ ولْيُصَلِّ فِيها؛ فَإنَّهُ لَها طَهُورٌ»؛ فَسَمّى النَّجاسَةَ أذًى؛ وأيْضًا لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾؛ اَلْإخْبارَ عَنْ حالِهِ في تَأذِّي الإنْسانِ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ الإخْبارَ بِنَجاسَتِهِ؛ ولُزُومِ اجْتِنابِهِ؛ ولَيْسَ كُلُّ أذًى نَجاسَةً؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]؛ والمَطَرُ لَيْسَ بِنَجَسٍ؛ وقالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]؛ وإنَّما كانَ الأذى المَذْكُورُ في الآيَةِ عِبارَةً عَنِ النَّجاسَةِ؛ ومُفِيدًا لِكَوْنِهِ قَذَرًا يَجِبُ اجْتِنابُهُ؛ لِدَلالَةِ الخِطابِ عَلَيْهِ؛ ومُقْتَضى سُؤالِ السّائِلِينَ عَنْهُ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيما يَلْزَمُ اجْتِنابُهُ مِنَ الحائِضِ؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ لَهُ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنها بِما (p-٢١)فَوْقَ المِئْزَرِ؛ ووَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَتْهُ عائِشَةُ؛ ومَيْمُونَةُ -: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُباشِرُ نِساءَهُ وهُنَّ حُيَّضٌ فَوْقَ الإزارِ». واتَّفَقُوا أيْضًا عَلى أنَّ عَلَيْهِ اجْتِنابَ الفَرْجِ مِنها؛ واخْتَلَفُوا في الِاسْتِمْتاعِ مِنها بِما تَحْتَ الإزارِ؛ بَعْدَ أنْ يَجْتَنِبَ شَعائِرَ الدَّمِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ؛ وأُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّ لَهُ أنْ يَطَأها فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ؛ وقالا: يَجْتَنِبُ مَوْضِعَ الدَّمِ؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ والضَّحّاكِ؛ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ؛ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَهُ مِنها ما فَوْقَ الإزارِ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وأبِي يُوسُفَ؛ والأوْزاعِيِّ؛ ومالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ قَدِ انْتَظَمَ الدَّلالَةَ مِن وجْهَيْنِ عَلى حَظْرِ ما تَحْتَ الإزارِ؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾؛ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي لُزُومَ اجْتِنابِها فِيما تَحْتَ المِئْزَرِ؛ وفَوْقَهُ؛ فَلَمّا اتَّفَقُوا عَلى إباحَةِ الِاسْتِمْتاعِ مِنها بِما فَوْقَهُ سَلَّمْناهُ لِلدَّلالَةِ؛ وحُكْمُ الحَظْرِ قائِمٌ فِيما دُونَهُ؛ إذْ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؛ وذَلِكَ في حُكْمِ اللَّفْظِ الأوَّلِ في الدَّلالَةِ عَلى مِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَلا يُخَصُّ مِنهُ عِنْدَ الِاخْتِلافِ إلّا ما قامَتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ عُمَيْرٍ - مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -؛ «أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ العِراقِ سَألُوا عُمَرَ عَمّا يَحِلُّ لِزَوْجِ الحائِضِ مِنها؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: سَألْتُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "لَكَ مِنها ما فَوْقَ الإزارِ؛ ولَيْسَ لَكَ مِنها ما تَحْتَهُ"؛» ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ الشَّيْبانِيِّ؛ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: "كانَتْ إحْدانا إذا كانَتْ حائِضًا أمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَتَّزِرَ في فَوْرِ حَيْضِها؛ ثُمَّ يُباشِرُها؛ فَأيُّكم يَمْلِكُ إرْبَهُ كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ؟"؛» ورَوى الشَّيْبانِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ؛ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ مِثْلَهُ. ومَن أباحَ لَهُ ما دُونَ المِئْزَرِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ؛ عَنْ ثابِتٍ؛ عَنْ أنَسٍ؛ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُخْرِجُونَ الحائِضَ مِنَ البَيْتِ؛ ولا يُؤاكِلُونَها؛ ولا يُجامِعُونَها في بَيْتٍ؛ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ؛ واصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ»؛ وبِما رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَها: "ناوِلِينِي الخُمْرَةَ"؛ فَقالَتْ: إنِّي حائِضٌ؛ فَقالَ: " لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ في يَدِكِ".» قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنها لَيْسَ فِيهِ الحَيْضُ حُكْمُهُ حُكْمُ ما كانَ فِيهِ قَبْلَ الحَيْضِ؛ في الطَّهارَةِ؛ وفي جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ؛ والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ لِمَن رَأى حَظْرَ ما دُونَ مِئْزَرِها أنَّ قَوْلَهُ - في حَدِيثِ أنَسٍ - (p-٢٢)إنَّما فِيهِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وما كانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ؛ فَأخْبَرَ عَنْ مُخالَفَتِهِمْ في ذَلِكَ؛ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنا إخْراجُها مِنَ البَيْتِ؛ وتَرْكُ مُجالَسَتِها؛ وقَوْلُهُ: «"اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ"؛» جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الجِماعَ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ النِّكاحِ؛ والمُجامَعَةِ؛ وحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْناهُ قاضٍ عَلَيْهِ؛ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ إخْبارًا عَنْ حالِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وحَدِيثُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ حالِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وقَدْ أخْبَرَ فِيهِ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَمّا يَحِلُّ مِنَ الحائِضِ؛ وذَلِكَ لا مَحالَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أنَسٍ؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ لَمْ يُسْألْ عَمّا يَحِلُّ مِنها إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ إتْيانِ الحائِضِ؛ والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ السُّؤالُ في حالِ نُزُولِ الآيَةِ؛ عُقَيْبَها؛ لاكْتَفى بِما ذَكَرَهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «" اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ"؛» وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُؤالَ عُمَرَ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ تَعارَضَ حَدِيثُ عُمَرَ؛ وحَدِيثُ أنَسٍ؛ لَكانَ حَدِيثُ عُمَرَ أوْلى بِالِاسْتِعْمالِ؛ لِما فِيهِ مِن حَظْرِ الجِماعِ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ وفي ظاهِرِ حَدِيثِ أنَسٍ الإباحَةُ؛ والحَظْرُ والإباحَةُ إذا اجْتَمَعا فالحَظْرُ أوْلى؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّ خَبَرَ عُمَرَ يَعْضُدُهُ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ وخَبَرَ أنَسٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ؛ وما يُوافِقُ القُرْآنَ مِنَ الأخْبارِ فَهو أوْلى مِمّا يَخُصُّهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّ خَبَرَ أنَسٍ مُجْمَلٌ؛ عامٌّ؛ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ إباحَةِ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ وخَبَرَ عُمَرَ مُفَسَّرٌ فِيهِ بَيانُ الحُكْمِ في المَوْضِعَيْنِ؛ مِمّا تَحْتَ الإزارِ؛ وما فَوْقَهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطُّهْرِ العارِضِ في حالِ الحَيْضِ قالَ أصْحابُنا جَمِيعًا - فِيمَن تَرى يَوْمًا دَمًا؛ ويَوْمًا طُهْرًا -: إنَّ ذَلِكَ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ (p-٣٢)أبُو يُوسُفَ: إذا كانَ الطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أقَلَّ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَهو كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: إذا كانَ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ فَهو كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ وإذا كانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ أوْ أكْثَرَ مِنَ العَشَرَةِ؛ فَإنَّهُ يُنْظَرُ إلى الدَّمَيْنِ؛ والطُّهْرِ الَّذِي بَيْنَهُما؛ فَإنْ كانَ الطُّهْرُ أكْثَرَ مِنهُما فُصِلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ وإنْ كانا سَواءً؛ أوْ أقَلَّ؛ فَهو كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ ومَتى كانَ الطُّهْرُ أكْثَرَ مِنَ الدَّمَيْنِ؛ فَفُصِلَ بَيْنَهُما؛ اعْتُبِرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّمَيْنِ بِنَفْسِهِ؛ فَإنْ كانَ الأوَّلُ مِنهُما ثَلاثَةَ أيّامٍ فَإنَّهُ يَكُونُ حَيْضًا؛ وكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ ثَلاثًا؛ وكانَ الآخَرُ مِنهُما ثَلاثًا؛ فالآخَرُ حَيْضٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ واحِدٌ مِنهُما ثَلاثًا فَلَيْسَ واحِدٌ مِنهُما بِحَيْضٍ؛ وقالَ مالِكٌ: إذا رَأتْ يَوْمًا دَمًا؛ ويَوْمًا طُهْرًا؛ أوْ يَوْمَيْنِ؛ ثُمَّ رَأتْ دَمًا كَذَلِكَ؛ فَإنَّهُ تُلْغى أيّامُ الطُّهْرِ؛ وتُضَمُّ أيّامُ الدَّمِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ؛ فَإنْ دامَ بِها ذَلِكَ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلاثَةِ أيّامٍ؛ عَلى أيّامِ حَيْضِها؛ فَإنْ رَأتْ في خِلالِ أيّامِ الِاسْتِظْهارِ أيْضًا طُهْرًا ألْغاهُ؛ حَتّى يَحْصُلَ ثَلاثَةَ أيّامٍ دَمُ الِاسْتِظْهارِ؛ وأيّامَ الطُّهْرِ تُصَلِّي؛ وتَصُومُ؛ ويَأْتِيها زَوْجُها؛ ويَكُونُ ما جُمِعَ مِن أيّامِ الدَّمِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ حَيْضَةً واحِدَةً؛ ولا يُعْتَدُّ بِأيّامِ الطُّهْرِ في عِدَّةٍ مِن طَلاقٍ؛ فَإذا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلاثَةِ أيّامٍ بَعْدَ أيّامِ حَيْضِها؛ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ وتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ إذا انْقَطَعَ عَنْها مِن أيّامِ الطُّهْرِ؛ وإنَّما أُمِرَتْ بِالغُسْلِ لِأنَّها لا تَدْرِي لَعَلَّ الدَّمَ لا يَرْجِعُ إلَيْها؛ وحَكى الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: مَعْلُومٌ أنَّ الحائِضَ لا تَرى الدَّمَ أبَدًا سائِلًا؛ وكَذَلِكَ المُسْتَحاضَةُ؛ إنَّما تَراهُ في وقْتٍ؛ ويَنْقَطِعُ في وقْتٍ؛ ولا خِلافَ أنَّ انْقِطاعَ دَمِها ساعَةً؛ ونَحْوَها؛ لا يُخْرِجُها مِن حُكْمِ الحَيْضِ في وقْتِ رُؤْيَةِ الطُّهْرِ؛ وانْقِطاعِ الدَّمِ في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ؛ وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ كَما قالُوا جَمِيعًا في انْقِطاعِهِ ساعَةً؛ ونَحْوَها؛ ولِأنَّ الطُّهْرَ الَّذِي بَيْنَهُما لَيْسَ بِطُهْرٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَجْعَلُ الطُّهْرَ الصَّحِيحَ يَوْمًا؛ ولا يَوْمَيْنِ؛ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ الطُّهْرَ الَّذِي بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ أيّامٍ؛ عَلى ما بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ طُهْرُ اليَوْمِ واليَوْمَيْنِ؛ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ طُهْرًا يُوجِبُ الصَّلاةَ؛ والصَّوْمَ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّمَيْنِ حَيْضَةً تامَّةً؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الطُّهْرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ في الفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ وجُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما حَيْضَةً تامَّةً؛ وجَبَ أنْ يَسْقُطَ حُكْمُهُ؛ ويَصِيرَ مَعَ ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مِنَ الدَّمِ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في الصُّفْرَةِ؛ والكُدْرَةِ؛ في أيّامِ الحَيْضِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصارِيَّةِ قالَتْ: كُنّا لا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ؛ ولا بِالكُدْرَةِ؛ بَعْدَ الغُسْلِ شَيْئًا؛ واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّ الصُّفْرَةَ في أيّامِ الحَيْضِ حَيْضٌ؛ (p-٣٣)مِنهم أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ ومالِكٌ؛ واللَّيْثُ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ؛ والشّافِعِيُّ؛ واخْتَلَفُوا في الكُدْرَةِ؛ فَقالَ جَمِيعُ مَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُمْ: إنَّها حَيْضٌ في أيّامِ الحَيْضِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْها دَمٌ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا تَكُونُ الكُدْرَةُ حَيْضًا إلّا بَعْدَ الدَّمِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ؛ وأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ؛ قالَتا: "لا تُصَلِّي الحائِضُ حَتّى تَرى القَصَّةَ البَيْضاءَ"؛ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ الكُدْرَةَ حَيْضٌ بَعْدَ الدَّمِ؛ فَلَمّا كانَ وُجُودُها عُقَيْبَ الدَّمِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الكُدْرَةَ مِنَ اخْتِلاطِ أجْزاءِ الدَّمِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَها إذا وُجِدَتْ في أيّامِ الحَيْضِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْها دَمٌ؛ وأنْ يَكُونَ الوَقْتُ المُعْتادُ فِيهِ الدَّمُ دَلالَةً عَلى أنَّ الكُدْرَةَ مِنَ اخْتِلاطِ أجْزاءِ الدَّمِ بِالبَياضِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لِلْوَقْتِ تَأْثِيرًا في ذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ تَرى الدَّمَ في أيّامِ حَيْضِها؛ وبَعْدَها؛ فَيَكُونُ ما رَأتْهُ في أيّامِها حَيْضًا؛ وما بَعْدَ أيّامِها غَيْرَ حَيْضٍ؛ وكانَ الوَقْتُ عِلْمًا لِكَوْنِهِ حَيْضًا؛ ودَلالَةً عَلَيْهِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الكُدْرَةَ مِن أجْزاءِ دَمِ الحَيْضِ؛ وأنْ يَكُونَ حَيْضًا. وقَدِ اخْتُلِفَ في حَيْضِ المُبْتَدَأةِ؛ إذا رَأتِ الدَّمَ؛ واسْتَمَرَّ بِها؛ فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: عَشَرَةٌ مِنها حَيْضٌ؛ وما زادَ فَهو اسْتِحاضَةٌ؛ إلى آخِرِ الشَّهْرِ؛ فَيَكُونُ حَيْضُها عَشَرَةً؛ وطُهْرُها عِشْرِينَ؛ ولَمْ يُذْكَرْ عَنْهم خِلافٌ في الأُصُولِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ: تَأْخُذُ في الصَّلاةِ بِالثَّلاثِ؛ أقَلَّ الحَيْضِ؛ وفي الزَّوْجِ بِالعَشَرَةِ؛ ولا تَقْضِي صَوْمًا عَلَيْها إلّا بَعْدَ العَشَرَةِ؛ وتَصُومُ العَشْرَ مِن رَمَضانَ؛ وتَقْضِي سَبْعًا مِنها؛ وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: تَقْعُدُ مِثْلَ أيّامِ نِسائِها؛ وقالَ مالِكٌ: تَقْعُدُ ما تَقْعُدُ نَحْوُها مِنَ النِّساءِ؛ ثُمَّ هي مُسْتَحاضَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: حَيْضُها أقَلُّ ما يَكُونُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ بِتَرْكِ الصَّلاةِ إلى أكْثَرِ الحَيْضِ؛ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ؛ فَصارَتْ مَحْكُومًا لَها بِحُكْمِ الحَيْضِ في هَذِهِ الأيّامِ؛ ومِثْلُها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العَشَرَةُ كُلُّها حَيْضًا؛ لِوُقُوعِ الحُكْمِ لَها بِذَلِكَ؛ وعَدَمِ عادَتِها لِخِلافِهِ؛ ألا تَرى أنَّ الكُلَّ يَقُولُونَ: إنَّ الدَّمَ لَوِ انْقَطَعَ عَنِ العَشَرَةِ لَكانَ كُلُّهُ حَيْضًا؟ فَثَبَتَ أنَّ العَشَرَةَ مَحْكُومٌ لَها فِيها؛ لِحُكْمِ الحَيْضِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ نَقْضُ ذَلِكَ إلّا بِدَلالَةٍ؛ وأيْضًا فَلَوْ كانَ ما زادَ عَلى الأقَلِّ مَشْكُوكًا فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الزِّيادَةِ عَلى الأكْثَرِ؛ لَكانَ الأوْلى ألّا يُنْقَضَ ما حَكَمْنا بِهِ حَيْضًا بِالشَّكِّ؛ ألا تَرى أنَّهُ ﷺ حَكَمَ لِلشَّهْرِ الَّذِي يُغَمُّ الهِلالُ في آخِرِهِ بِثَلاثِينَ؛ بِقَوْلِهِ: «"فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ"؟» لَمّا كانَ ابْتِداءُ الشَّهْرِ يَقِينًا لَمْ يُحْكَمْ بِانْقِضائِهِ بِالشَّكِّ؛ فَإنْ قِيلَ: فَمَن كانَتْ لَها – عادَةً - دُونَ العَشْرِ؛ فَزادَ الدَّمُ؛ رُدَّتْ إلى أيّامِ (p-٣٤)عادَتِها؛ ولَمْ يَكُنْ حُكْمُنا لَها بَدِيًّا في الزِّيادَةِ؛ بِحُكْمِ الحَيْضِ مانِعًا مِنَ اعْتِبارِ أيّامِها؛ وكَذَلِكَ مَن رَأتِ الدَّمَ في أوَّلِ أيّامِها كانَتْ مَأْمُورَةً بِتَرْكِ الصَّلاةِ؛ ولَوْ دُونَ الثَّلاثِ؛ فَإنِ انْقَطَعَ ما دُونَ الثَّلاثِ حَكَمْنا بِأنَّ ما رَأتْهُ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا؛ وإنْ تَمَّ ثَلاثًا كانَ حَيْضًا؛ قِيلَ لَهُ: أمّا الَّتِي كانَ لَها أيّامٌ مَعْرُوفَةٌ؛ فَإنَّ حُكْمَ الزِّيادَةِ لَمْ يَقَعْ إلّا مُراعًى مُعْتَبَرًا بِانْقِطاعِهِ في العَشَرَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «"اَلْمُسْتَحاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِها"؛» فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الزِّيادَةِ مُراعاةً لِعِلْمِنا بِأنَّ لَها أيّامًا مَعْرُوفَةً؛ وأمّا المُبْتَدَأةُ فَلَمْ يَكُنْ لَها قَبْلَ ذَلِكَ أيّامٌ يَجِبُ اعْتِبارُها؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ رُؤْيَتُها الدَّمَ في العَشَرَةِ غَيْرَ مُراعاةٍ؛ بَلْ عِنْدَنا أنَّ ما رَأتْهُ المُبْتَدَأةُ في العَشَرَةِ هو كالعادَةِ؛ يَصِيرُ ذَلِكَ أيّامًا لَها في العَدَدِ؛ والوَقْتِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ الدَّمُ الَّذِي رَأتْهُ المُبْتَدَأةُ في العَشْرِ مُراعًى؛ بَلْ واجِبٌ أنْ يُحْكَمَ لَها فِيهِ بِحُكْمِ الحَيْضِ؛ إذْ كانَ مِثْلُهُ يَكُونُ حَيْضًا؛ وأمّا مَن رَأتِ الدَّمَ في أوَّلِ أيّامِها؛ وحَكَمْنا لَها فِيهِ بِحُكْمِ الحَيْضِ؛ في بابِ الأمْرِ بِتَرْكِ الصَّلاةِ؛ والصِّيامِ؛ ثُمَّ انْقِطاعُهُ دُونَ الثَّلاثِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حَيْضًا؛ فَلِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ مُراعًى في الِابْتِداءِ؛ لِعِلْمِنا بِأنَّ لِأقَلِّ الحَيْضِ مِقْدارًا؛ مَتى قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ الَّذِي رَأتْهُ حَيْضًا؛ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ وقَعَ مُراعًى؛ ولَيْسَ لِلْمُبْتَدَأةِ بَعْدَ رُؤْيَتِها لِلدَّمِ ثَلاثًا حالٌ يَجِبُ مُراعاتُها؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العَشَرَةُ كُلُّها حَيْضًا؛ لِعَدَمِ الدَّلالَةِ المُوجِبَةِ لِلِاقْتِصارِ بِهِ عَلى ما دُونَها؛ وأمّا أبُو يُوسُفَ فَإنَّهُ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ مَن كانَ حَيْضُها خَمْسًا؛ أوْ سِتًّا؛ فَكانَتْ شاكَّةً في السِّتَّةِ؛ وقالُوا جَمِيعًا: إنَّها تَأْخُذُ بِالأقَلِّ في الصَّلاةِ؛ وكَذَلِكَ المِيراثُ؛ والرَّجْعَةُ؛ وتَأْخُذُ في الأزْواجِ بِالأكْثَرِ احْتِياطًا؛ وكَذَلِكَ المُبْتَدَأةُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ هَذا نَظِيرًا لِمَسْألَتِنا مِن قِبَلِ أنَّ هَذِهِ قَدْ كانَتْ لَها أيّامٌ مَعْلُومَةٌ؛ وقَدْ تَيَقَّنّا الخَمْسَةَ؛ وشَكَكْنا في السِّتَّةِ؛ فاحْتَطْنا لَها في الصَّلاةِ؛ والصَّوْمِ؛ واحْتَطْنا أيْضًا في الأزْواجِ؛ فَلَمْ نُبِحْها لَهم بِالشَّكِّ؛ والمُبْتَدَأةُ لَيْسَ لَها أيّامٌ يَجِبُ اعْتِبارُها؛ فَما رَأتْهُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَكُونُ مِثْلُهُ حَيْضًا؛ فَهو حَيْضٌ؛ ولا مَعْنى لِرَدِّها إلى أقَلِّ الحَيْضِ؛ إذْ لَيْسَ مَعَنا دَلالَةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ؛ ويَفْسُدُ هَذا القَوْلُ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ لَيْسَ بِعادَةٍ لَها فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما زادَ عَلَيْهِ في امْتِناعِ وُجُوبِ الرَّدِّ إلَيْهِ؛ فَوَجَبَ حِينَئِذٍ اعْتِبارُ الأكْثَرِ؛ لِوُقُوعِ الحُكْمِ بِكَوْنِهِ حَيْضًا؛ وعَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى نَقْضِ هَذا الحُكْمِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ عِدَّةَ الآيِسَةِ؛ والصَّغِيرَةِ؛ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ بَدَلًا مِنَ الحَيْضِ؛ فَجَعَلَ مَكانَ كُلِّ حَيْضَةٍ؛ وطُهْرٍ شَهْرًا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إذا اسْتَمَرَّ بِها الدَّمُ؛ ولَمْ تَكُنْ لَها عادَةٌ؛ فَواجِبٌ أنْ تُسْتَوْفى لَها حَيْضَةٌ؛ وطُهْرٌ؛ (p-٣٥)ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ لِأكْثَرِ الطُّهْرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ؛ ولِأكْثَرِ الحَيْضِ مِقْدارٌ مَعْلُومٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يُسْتَوْفى لَها أكْثَرُ الحَيْضِ؛ ويَكُونَ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ طُهْرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِقْدارٌ مِنَ الطُّهْرِ في بَقِيَّةِ الشَّهْرِ بِالِاعْتِبارِ أوْلى مِن غَيْرِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ مِنَ الطُّهْرِ لِبَقِيَّةِ الشَّهْرِ هو الَّذِي يَبْقى بَعْدَ أكْثَرِ الحَيْضِ؛ ألا تَرى أنَّكَ إذا نَقَّصْتَ الحَيْضَ مِنَ العَشَرَةِ احْتَجْتَ أنْ تَزِيدَ ما نَقَّصْتَهُ مِنها في الطُّهْرِ؟ ولَيْسَ زِيادَةُ الطُّهْرِ بِأنْ يَكُونَ خَمْسَةً؛ أوْ سِتَّةً؛ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ أكْثَرُ الحَيْضِ؛ ويُجْعَلَ الباقِي مِنَ الشَّهْرِ طُهْرًا؛ ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اسْتِيفاءِ حَيْضَةٍ؛ وطُهْرٍ؛ في الشَّهْرِ؛ لِهَذِهِ المُبْتَدَأةِ؛ «قَوْلُهُ ﷺ لِحَمْنَةَ: "تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ كَما تَحِيضُ النِّساءُ في كُلِّ شَهْرٍ"؛» فَأخْبَرَ أنَّ عادَةَ النِّساءِ في كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةٌ؛ وطُهْرٌ؛ فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا اعْتَبَرْتَ لَها سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ كَما قالَ ﷺ-؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها أنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ قالَ ذَلِكَ في المُبْتَدَأةِ؛ والثّانِي أنَّ هَذِهِ كانَتْ عادَةَ المَرْأةِ المُخاطَبَةِ بِذَلِكَ؛ أعْنِي: سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ فَلا يُعْتَبَرُ بِها غَيْرُها؛ فاسْتِدْلالُنا مِنَ الخَبَرِ بِما وصَفْنا صَحِيحٌ؛ لِأنّا أرَدْنا إثْباتَ الحَيْضَةِ؛ والطُّهْرِ؛ في الشَّهْرِ؛ في المُتَعارَفِ المُعْتادِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَقْعُدُ مِثْلَ حَيْضِ نِسائِها؛ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّ المُسْتَحاضَةَ إلى وقْتِ نِسائِها؛ وإنَّما رَدَّ واحِدَةً إلى عادَتِها؛ فَقالَ: «"تَقْعُدُ أيّامَ أقْرائِها"؛» وأمَرَ أُخْرى أنْ تَقْعُدَ في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ وأمَرَ أُخْرى أنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ ولَمْ يَقُلْ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ: اُقْعُدِي أيّامَ نِسائِكِ؛ وأيْضًا فَإنَّ أيّامَ نِسائِها؛ والأجْنَبِيّاتِ؛ ومَن كانَتْ دُونَ سِنِّها؛ وفَوْقَها؛ سَواءٌ؛ وقَدْ يَتَّفِقْنَ في السِّنِّ؛ مَعَ اخْتِلافِ عاداتِهِنَّ في الحَيْضِ؛ فَلَيْسَ لِنِسائِها في ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ دُونَ غَيْرِهِنَّ؛ وقَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ يُوجِبُ إباحَةَ وطْئِها؛ ولَمْ يُفَرِّقُوا في ذَلِكَ بَيْنَ أقَلِّ الحَيْضِ؛ وأكْثَرِهِ؛ ومِنهم مَن لا يُجَوِّزُ وطْأها إلّا بَعْدَ الِاغْتِسالِ في أقَلِّ الحَيْضِ؛ وأكْثَرِهِ؛ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أصْحابُنا: إذا انْقَطَعَ دَمُها؛ وأيّامُها دُونَ العَشَرَةِ؛ فَهي في حُكْمِ الحائِضِ؛ حَتّى تَغْتَسِلَ؛ إذا كانَتْ واجِدَةً لِلْماءِ؛ أوْ يَمْضِي عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ؛ فَإذا كانَ أحَدُ هَذَيْنِ خَرَجَتْ مِنَ الحَيْضِ؛ وحَلَّ لِزَوْجِها وطْؤُها؛ وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ إنْ كانَتْ آخِرَ حَيْضَةٍ؛ وإذا كانَتْ أيّامُها عَشَرَةً ارْتَفَعَ حُكْمُ الحَيْضِ بِمُضِيِّ العَشَرَةِ؛ وتَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ امْرَأةٍ جُنُبٍ في إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجِ؛ وانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ. واحْتَجَّ مَن أباحَ وطْأها في سائِرِ الأحْوالِ عِنْدَ مُضِيِّ أيّامِ حَيْضِها؛ وانْقِطاعِ دَمِها قَبْلَ (p-٣٦)الِاغْتِسالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ و"حَتّى" غايَةٌ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ ما بَعْدَها بِخِلافِها؛ فَذَلِكَ عُمُومٌ في إباحَةِ وطْئِها بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]؛ ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]؛ فَكانَتْ هَذِهِ نِهاياتٌ لِما قُدِّرَ بِها؛ وكانَ حُكْمُ ما بَعْدَها بِخِلافِها؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ؛ فَمَعْناها انْقِطاعُ الدَّمِ؛ وقالُوا: وقَدْ قُرِئَ: "حَتّى يَطَّهَّرْنَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ وهو يَحْتَمِلُ ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ فَيُرادُ بِهِ انْقِطاعُ الدَّمِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يُقالَ: "طَهُرَتِ المَرْأةُ"؛ و"تَطَهَّرَتْ"؛ إذا انْقَطَعَ دَمُها؛ كَما يُقالُ: "تَقَطَّعَ الحَبْلُ"؛ و"تَكَسَّرَ الكُوزُ"؛ والمَعْنى: اِنْقَطَعَ؛ وانْكَسَرَ؛ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ فِعْلًا مِنَ المَوْصُوفِ بِذَلِكَ. واحْتَجَّ مَن حَظَرَ وطْأها في كُلِّ حالٍ حَتّى تَغْتَسِلَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ فَشَرَطَ في إباحَتِهِ شَيْئَيْنِ؛ أحَدُهُما: اِنْقِطاعُ الدَّمِ؛ والآخَرُ: اَلِاغْتِسالُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الغُسْلِ؛ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: "لا تُعْطِ زَيْدًا شَيْئًا حَتّى يَدْخُلَ الدّارَ؛ فَإذا دَخَلَها وقَعَدَ فِيها؛ فَأعْطِهِ دِينارًا"؛ فَيُعْقَلُ بِهِ أنَّ اسْتِحْقاقَ الدِّينارِ مَوْقُوفٌ عَلى الدُّخُولِ؛ والقُعُودِ؛ جَمِيعًا؛ وكَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَشَرَطَ الأمْرَيْنِ في إحْلالِها لِلْأوَّلِ؛ فَلا تَحِلُّ لَهُ بِأحَدِهِما؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ مَشْرُوطٌ في إباحَةِ الوَطْءِ المَعْنَيانِ؛ وهُما: اَلطُّهْرُ الَّذِي يَكُونُ بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ والِاغْتِسالُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّما هو انْقِطاعُ الدَّمِ؛ لا الِاغْتِسالُ؛ لِأنَّها لَوِ اغْتَسَلَتْ وهي حائِضٌ لَمْ تَطْهُرْ؛ فَلا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ إلّا مَعْنًى واحِدًا؛ وهو انْقِطاعُ الدَّمِ؛ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الخُرُوجُ مِنَ الحَيْضِ؛ وإذا قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ؛ مِنَ انْقِطاعِ الدَّمِ؛ ومِنَ الغُسْلِ؛ لِما وصَفْنا آنِفًا؛ فَصارَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ مُحْكَمَةً؛ وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ مُتَشابِهَةً؛ وحُكْمُ المُتَشابِهِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المُحْكَمِ؛ ويُرَدُّ إلَيْهِ؛ فَيَحْصُلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ؛ عَلى وجْهٍ واحِدٍ؛ وظاهِرُهُما يَقْتَضِي إباحَةَ الوَطْءِ بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ الَّذِي هو خُرُوجٌ مِنَ الحَيْضِ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ما احْتَمَلَتْهُ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ مِنَ المَعْنَيَيْنِ؛ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ ويَكُونُ كَلامًا سائِغًا؛ مُسْتَقِيمًا؛ كَما تَقُولُ: "لا تُعْطِهِ حَتّى يَدْخُلَ الدّارَ؛ فَإذا دَخَلَها فَأعْطِهِ"؛ ويَكُونُ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ الغايَةِ؛ وإنْ كانَ حُكْمُها بِخِلافِ ما قَبْلَها؛ وإذا (p-٣٧)كانَ لِلِاحْتِمالِ فِيهِ مَساغٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ وكانَ واجِبًا حَمْلُ الغايَةِ عَلى حَقِيقَتِها؛ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ التِّلاوَةِ إباحَةُ وطْئِها بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ الَّذِي تَخْرُجُ بِهِ مِنَ الحَيْضِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى فِيها احْتِمالٌ؛ وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ فَإذا حَلَّ لَهُنَّ أنْ يَتَطَهَّرْنَ بِالماءِ؛ أوِ التَّيَمُّمِ؛ كَقَوْلِهِ: "إذا غابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ"؛ مَعْناهُ: قَدْ حَلَّ لَهُ الإفْطارُ؛ وقَوْلِهِ: "مَن كُسِرَ؛ أوْ عَرِجَ؛ فَقَدْ حَلَّ؛ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ"؛ مَعْناهُ: فَقَدْ جازَ لَهُ أنْ يَحِلَّ؛ وكَما يُقالُ لِلْمُطَلَّقَةِ؛ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها: "إنَّها قَدْ حَلَّتْ لِلْأزْواجِ"؛ ومَعْناهُ: قَدْ حَلَّ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ؛ وعَلى هَذا المَعْنى «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "إذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي"؛» وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ تُزَلِ الغايَةُ عَنْ حَقِيقَتِها بِحَظْرِ الوَطْءِ بَعْدَها؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَإنَّ الغايَةَ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها؛ ونِكاحُ الزَّوْجِ الثّانِي؛ وهو وطْؤُهُ إيّاها؛ هو الَّذِي يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ الواقِعَ بِالثَّلاثِ؛ ووَطْءُ الزَّوْجِ الثّانِي مَشْرُوطٌ لِذَلِكَ؛ وقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِالوَطْءِ قَبْلَ طَلاقِهِ إيّاها؛ وطَلاقُ الزَّوْجِ الثّانِي غَيْرُ مَشْرُوطٍ في رَفْعِ التَّحْرِيمِ الواقِعِ بِالثَّلاثِ؛ فَإذًا لا دَلِيلَ لِلشّافِعِيِّ في الآيَةِ؛ عَلى الحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنا؛ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ؛ ولا عَلى نَفْيِ قَوْلِ مُخالِفِيهِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَإنَّ الآيَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى ما احْتَمَلَتْ مِنَ التَّأْوِيلِ عَلى حَقِيقَتِها في الحالَتَيْنِ؛ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُما؛ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ فِيمَن كانَتْ أيّامُها عَشْرًا؛ فَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ اسْتِباحَةُ وطْئِها بِمُضِيِّ العَشْرِ؛ وقَوْلُهُ: "يَطَّهَّرْنَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ مُسْتَعْمَلانِ في الغُسْلِ؛ إذا كانَتْ أيّامُها دُونَ العَشْرِ؛ ولَمْ يَمْضِ وقْتُ الصَّلاةِ؛ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُضِيَّ وقْتِ الصَّلاةِ يُبِيحُ وطْأها عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ فِيما بَعْدُ؛ ولا يَكُونُ فِيهِ اسْتِعْمالُ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى المَجازِ؛ بَلْ هُما مُسْتَعْمَلانِ عَلى الحَقِيقَةِ في الحالَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَتِ القِراءَتانِ - كالآيَتَيْنِ - تُسْتَعْمَلانِ مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ؟ قِيلَ لَهُ: لَوْ جَعَلْناهُما كالآيَتَيْنِ كانَ ما ذَكَرْنا أوْلى مِن قِبَلِ أنَّهُ لَوْ ورَدَتْ آيَتانِ تَقْتَضِي إحْداهُما انْقِطاعَ غايَةِ الدَّمِ لِإباحَةِ الوَطْءِ؛ والأُخْرى تَقْتَضِي الغُسْلَ غايَةً لَها؛ لَكانَ الواجِبُ اسْتِعْمالَهُما عَلى حالَيْنِ؛ عَلى أنْ تَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُقَرَّةً عَلى حَقِيقَتِها فِيما اقْتَضَتْهُ مِن حُكْمِ الغايَةِ؛ ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِعْمالِهِما في حالَيْنِ؛ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا؛ ولَوِ اسْتَعْمَلْناهُما عَلى ما يَقُولُ المُخالِفُ؛ كانَ فِيهِ إسْقاطُ إحْدى الغايَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّها وإنْ طَهُرَتْ؛ وانْقَطَعَ دَمُها؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَطَأها حَتّى تَغْتَسِلَ؛ فَلَوْ جَعَلْنا ذَلِكَ دَلِيلًا مُبْتَدَأً كانَ سائِغًا؛ مُقْنِعًا؛ وإنَّما اعْتَبَرَ أصْحابُنا - فِيمَن (p-٣٨)كانَ أيّامُها دُونَ العَشْرِ؛ فانْقَطَعَ دَمُها - بِما وصَفْنا؛ مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يُعاوِدَها الدَّمُ؛ فَيَكُونَ حَيْضًا؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ طُهْرٍ تَراهُ المَرْأةُ يَكُونُ طُهْرًا صَحِيحًا؛ لِأنَّ الحائِضَ تَرى الدَّمَ سائِلًا مَرَّةً؛ ومُنْقَطِعًا مَرَّةً؛ فَلَيْسَ في انْقِطاعِهِ في وقْتٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حائِضًا فِيهِ وُقُوعُ الحُكْمِ بِزَوالِ الحَيْضِ؛ فَقالُوا: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ فِيمَن وصَفْنا حالَها مُعْتَبَرٌ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ إمّا بِالِاغْتِسالِ؛ فَيَزُولُ عَنْها حُكْمُ الحَيْضِ بِالِاتِّفاقِ؛ وبِاسْتِباحَتِها الصَّلاةَ؛ وذَلِكَ يُنافِي حُكْمَ الحَيْضِ؛ أوْ بِمُضِيِّ وقْتِ صَلاةٍ؛ فَيَلْزَمُها فَرْضُ الصَّلاةِ؛ ولُزُومُ فَرْضِها مُنافٍ لِبَقاءِ حُكْمِ الحَيْضِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَلْزَمَ الحائِضَ فَرْضُ الصَّلاةِ؛ فَإذا انْتَفى حُكْمُ الحَيْضِ؛ وثَبَتَ حُكْمُ الطُّهْرِ؛ ولَمْ يَبْقَ إلّا الِاغْتِسالُ؛ لَمْ يُمْنَعِ الوَطْءُ؛ بِمَنزِلَةِ امْرَأةٍ جُنُبٍ؛ جائِزٌ لِزَوْجِها وطْؤُها؛ وعَلى هَذا المَعْنى عِنْدَنا ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في اعْتِبارِ الِاغْتِسالِ في انْقِضاءِ العِدَّةِ. وقَدْ رَوى عِيسى الخَيّاطُ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحابَةِ؛ الخَبَرَ فالخَبَرَ؛ مِنهم أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ قالُوا: "اَلرَّجُلُ أحَقُّ بِامْرَأتِهِ ما لَمْ تَغْتَسِلْ مِن حَيْضَتِها الثّالِثَةِ". ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ؛ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ وأبِي الدَّرْداءِ؛ وأمّا إذا كانَتْ أيّامُها عَشَرَةً فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا وُجُودُ الحَيْضِ بَعْدَ العَشَرَةِ؛ فَوَجَبَ الحُكْمُ بِانْقِضائِهِ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ بَقاءِ حُكْمِهِ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما مَنَعَ مِن وطْءِ الحائِضِ؛ أوْ مِمَّنْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حائِضًا؛ فَأمّا مَعَ ارْتِفاعِ حُكْمِ الحَيْضِ وزَوالِهِ؛ فَهو غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِن وطْءِ زَوْجَتِهِ؛ لِأنَّهُ (تَعالى) قالَ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ وقَدْ طَهُرَتْ لا مَحالَةَ؛ ألا تَرى أنَّها مُنْقَضِيَةُ العِدَّةِ إنْ كانَتْ مُعْتَدَّةً؛ وأنَّ حُكْمَها حُكْمُ سائِرِ الطّاهِراتِ؛ ولا تَأْثِيرَ لِوُجُوبِ الِاغْتِسالِ عَلَيْها في مَنعِ وطْئِها عَلى ما بَيَّناهُ؟ فَإنْ قِيلَ: إذا انْقَطَعَ دَمُها فِيما دُونَ العَشَرَةِ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْها الغُسْلُ؛ ولُزُومُ الغُسْلِ يُنافِي بَقاءَ حُكْمِ الحَيْضِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لُزُومُ الغُسْلِ عَلى الحائِضِ؛ كَما قُلْتَ في لُزُومِ فَرْضِ الصَّلاةِ؛ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ الغُسْلُ مِن مُوجِباتِ الحَيْضِ فَلُزُومُهُ غَيْرُ مُنافٍ لِحُكْمِهِ؛ وبَقائِهِ؛ ألا تَرى أنَّ السَّلامَ لَمّا كانَ مِن مُوجِباتِ تَحْرِيمِهِ الصَّلاةُ لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ بِانْتِهائِهِ إلى آخِرِها نافِيًا لِبَقاءِ حُكْمِها؟ وكَذَلِكَ الحَلْقُ لَمّا كانَ مِن مُوجِباتِ الإحْرامِ لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ نافِيًا لِبَقاءِ إحْرامِهِ ما لَمْ يَحْلِقْ؛ كَذَلِكَ الغُسْلُ لَمّا كانَ مِن مُوجِباتِ الحَيْضِ لَمْ يَكُنْ وُجُوبُهُ عَلَيْها مانِعًا مِن بَقاءِ حُكْمِ الحَيْضِ؛ وأمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَتْ مِن مُوجِباتِ الحَيْضِ؛ وإنَّما هو حُكْمٌ آخَرُ يَخْتَصُّ لُزُومُهُ بِالطّاهِرَةِ مِنَ النِّساءِ؛ دُونَ الحائِضِ؛ فَفي لُزُومِها نَفْيٌ لِحُكْمِ الحَيْضِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ لَمّا احْتَمَلَ (p-٣٩)الغُسْلَ صارَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ عَلى الحائِضِ الغُسْلَ بَعْدَ انْقِضاءِ حَيْضِها؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هو إطْلاقٌ مِن حَظْرٍ؛ وإباحَةٍ؛ ولَيْسَ هو عَلى الوُجُوبِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ وهو إباحَةٌ ورَدَتْ بَعْدَ حَظْرٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَعْنِي في الفَرْجِ؛ وهو الَّذِي أمَرَ بِتَجَنُّبِهِ في الحَيْضِ؛ في أوَّلِ الخِطابِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾؛ وقالَ السُّدِّيُّ؛ والضَّحّاكُ: مِن قِبَلِ الطُّهْرِ؛ دُونَ الحَيْضِ؛ وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: مِن قِبَلِ النِّكاحِ؛ دُونَ الفُجُورِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا كُلُّهُ مُرادُ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِأنَّهُ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فانْتَظَمَتِ الآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾؛ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: اَلْمُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ لِلصَّلاةِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْمُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ أشْبَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرُ الطَّهارَةِ؛ فالمُرادُ بِها الطَّهارَةُ بِالماءِ لِلصَّلاةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾؛ مَدْحًا لِمَن تَطَهَّرَ بِالماءِ لِلصَّلاةِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]؛ ورُوِيَ أنَّهُ مَدَحَهُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾: اَلْحَرْثُ: اَلْمُزْدَرَعُ؛ وجُعِلَ في هَذا المَوْضِعِ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ؛ وسَمّى النِّساءَ حَرْثًا لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الأوْلادِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ إباحَةَ الوَطْءِ مَقْصُورَةٌ عَلى الجِماعِ في الفَرْجِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَرْثِ؛ واخْتُلِفَ في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ؛ فَكانَ أصْحابُنا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ؛ ويَنْهَوْنَ عَنْهُ أشَدَّ النَّهْيِ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ والشّافِعِيِّ؛ فِيما حَكاهُ المُزَنِيُّ؛ قالَ الطَّحاوِيُّ: وحَكى لَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ أنَّهُ سَمِعَ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: ما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَحْرِيمِهِ؛ ولا تَحْلِيلِهِ شَيْءٌ؛ والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ؛ ورَوى أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ قالَ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ في دِينِي يَشُكُّ فِيهِ أنَّهُ حَلالٌ؛ يَعْنِي وطْءَ المَرْأةِ في دُبُرِها؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ قالَ: فَأيُّ شَيْءٍ أبْيَنُ مِن هَذا؛ وما أشُكُّ فِيهِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَقُلْتُ لِمالِكِ ابْنِ أنَسٍ: إنَّ عِنْدَنا بِمِصْرَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُنا عَنِ الحارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ عَنْ أبِي الحُبابِ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ؛ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: ما تَقُولُ في الجَوارِي؟ أنُحَمِّضُ لَهُنَّ؟ فَقالَ: وما التَّحْمِيضُ؟ فَذَكَرْتُ الدُّبُرَ؛ قالَ: ويَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ (p-٤٠)المُسْلِمِينَ؟ فَقالَ مالِكٌ: فَأشْهَدُ عَلى رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِي الحُبابِ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ؛ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ عَنْهُ؛ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؛ فَإنَّكَ تَذْكُرُ عَنْ سالِمٍ أنَّهُ قالَ: كَذَبَ العَبْدُ؛ أوْ كَذَبَ العِلْجُ عَلى أبِي؛ يَعْنِي نافِعًا؛ كَما كَذَبَ عِكْرِمَةُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقالَ مالِكٌ: وأشْهَدُ عَلى يَزِيدَ بْنِ رُومانَ يُحَدِّثُنِي عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ رَوى سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَجُلًا أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها؛ فَوَجَدَ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ إلّا أنَّ زَيْدَ بْنَ أسْلَمَ لا يُعْلَمُ لَهُ سَماعٌ مِنَ ابْنِ عُمَرَ؛ ورَوى الفَضْلُ بْنُ فَضالَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ؛ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ؛ عَنْ أبِي النَّضْرِ؛ أنَّهُ قالَ لِنافِعٍ؛ مَوْلى ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ قَدْ أكْثَرَ عَلَيْكَ القَوْلَ: إنَّكَ تَقُولُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ أفْتى أنْ تُؤْتى النِّساءُ في أدْبارِهِنَّ؛ قالَ نافِعٌ: كَذَبُوا عَلَيَّ؛ إنَّ ابْنَ عُمَرَ عَرَضَ المُصْحَفَ يَوْمًا؛ حَتّى بَلَغَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ فَقالَ: يا نافِعُ؛ هَلْ تَعْلَمُ مِن أمْرِ هَذِهِ الآيَةِ؟ قُلْتُ: لا؛ قالَ: إنّا كُنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَجْبِي النِّساءَ؛ وكانَتْ نِساءُ الأنْصارِ قَدْ أخَذْنَ عَنِ اليَهُودِ؛ أنَّما يُؤْتَيْنَ عَلى جَنُوبِهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبَبَ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأنَّ نافِعًا قَدْ حُكِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ السَّبَبِ؛ وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أيْضًا: قالَ ذَلِكَ نافِعٌ؛ يَعْنِي تَحْلِيلَ وطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ؛ بَعْدَما كَبِرَ؛ وذَهَبَ عَقْلُهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ إباحَةُ ذَلِكَ؛ وأصْحابُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ هَذِهِ المَقالَةَ؛ لِقُبْحِها؛ وشَناعَتِها؛ وهي عَنْهُ أشْهَرُ مِن أنْ تَنْدَفِعَ بِنَفْيِهِمْ عَنْهُ؛ وقَدْ حَكى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ؛ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ الجُوزَجانِيِّ؛ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مالِكِ بْنِ أنَسٍ؛ فَسُئِلَ عَنِ النِّكاحِ في الدُّبُرِ؛ فَضَرَبَ بِيَدِهِ إلى رَأْسِهِ؛ وقالَ: "اَلسّاعَةَ اغْتَسَلْتُ مِنهُ"؛ وقَدْ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ؛ عَلى ما ذَكَرْنا؛ وهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ويُرْوى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ كانَ لا يَرى بِذَلِكَ بَأْسًا؛ ويَتَأوَّلُ فِيهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]؛ مِثْلَ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ تَشْتَهُونَ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "مَحاشُّ النِّساءِ حَرامٌ"؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: " هي اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى "؛ وقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ؛ فَكَأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِتَعارُضِ ما رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ؛ وظاهِرُ الكِتابِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلى الوَطْءِ في الفَرْجِ؛ الَّذِي هو مَوْضِعُ الحَرْثِ؛ وهو الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ؛ وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثارٌ كَثِيرَةٌ في تَحْرِيمِهِ؛ رَوى خُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ وعَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ؛ كُلُّهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَأْتُوا النِّساءَ (p-٤١)فِي أدْبارِهِنَّ» . ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى"؛» يَعْنِي إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ؛ ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ عَنْ حَكِيمٍ الأثْرَمِ؛ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن أتى حائِضًا؛ أوِ امْرَأةً في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ» . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ؛ «عَنْ جابِرٍ؛ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: مَن أتى امْرَأتَهُ وهي مُدْبِرَةٌ جاءَ ولَدُهُ أحْوَلَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً؛ ما كانَ في الفَرْجِ» . ورَوَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "فِي صِمامٍ واحِدٍ"». ورَوى مُجاهِدٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ؛ قالَ: يَعْنِي: كَيْفَ شِئْتَ في مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها» . وذَكَرَ ابْنُ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ؛ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ في دُبُرِها؛ فَقالَ: هَذا يَسْألُنِي عَنِ الكُفْرِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ قالَ: كَيْفَ شِئْتَ؛ إنْ شِئْتَ عَزْلًا؛ أوْ غَيْرَ عَزْلٍ؛ رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ؛ عَنْ كَثِيرٍ الرِّياحِيِّ الأصَمِّ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وهَذا عِنْدَنا في مِلْكِ اليَمِينِ؛ وفي الحُرَّةِ؛ إذا أذِنَتْ فِيهِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْنا مِن مَذْهَبِ أصْحابِنا؛ عَنْ أبِي بَكْرٍ؛ وعُمَرَ؛ وعُثْمانَ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وآخَرِينَ غَيْرِهِمْ؛ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]؛ يَقْتَضِي إباحَةَ وطْئِهِنَّ في الدُّبُرِ؛ لِوُرُودِ الإباحَةِ مُطْلَقَةً؛ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ؛ ولا مَخْصُوصَةٍ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ ثُمَّ قالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ أبانَ بِذَلِكَ مَوْضِعَ المَأْمُورِ بِهِ؛ وهو مَوْضِعُ الحَرْثِ؛ ولَمْ يُرِدْ إطْلاقَ الوَطْءِ بَعْدَ حَظْرِهِ إلّا في مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ فَهو مَقْصُورٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وهو قاضٍ مَعَ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]؛ كَما كانَ حَظْرُ وطْءِ الحائِضِ قاضِيًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦]؛ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُرَتَّبَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن حُكْمِ الحائِضِ؛ ومَن يَحْظُرُ ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾؛ فَحَظْرُ وطْءِ الحائِضِ لِلْأذى المَوْجُودِ في الحَيْضِ؛ وهو القَذَرُ؛ والنَّجاسَةُ؛ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في غَيْرِ مَوْضِعِ الوَلَدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فاقْتَضى هَذا التَّحْلِيلُ حَظْرَ وطْئِهِنَّ إلّا في مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ ومَن يُبِيحُهُ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُسْتَحاضَةَ يَجُوزُ وطْؤُها بِاتِّفاقٍ مِنَ الفُقَهاءِ؛ مَعَ وُجُودِ الأذى هُناكَ؛ وهو دَمُ الِاسْتِحاضَةِ؛ وهو نَجَسٌ؛ (p-٤٢)كَنَجاسَةِ دَمِ الحَيْضِ؛ وسائِرِ الأنْجاسِ؛ ويُجِيبُونَ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِهِ إباحَةَ مَوْضِعِ الحَرْثِ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى إباحَةِ الجِماعِ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِلْوَلَدِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ الإباحَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ ويُجابُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ الإباحَةِ مَقْصُورَةً عَلى الوَطْءِ في الفَرْجِ؛ وأنَّهُ هو الَّذِي عَناهُ اللَّهُ (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ إذْ كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ؛ ولَوْلا قِيامُ دَلالَةِ الإجْماعِ لَما جازَ الجِماعُ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ ولَكِنّا سَلَّمْناهُ لِلدَّلالَةِ؛ وبَقِيَ حُكْمُ الحَظْرِ فِيما لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ.

البقرة 2:224

قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾؛ اَلْآيَةَ: قَدْ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ تُجْعَلَ يَمِينُهُ مانِعَةً مِنَ البِرِّ؛ والتَّقْوى؛ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ؛ فَإذا طُلِبَ مِنهُ ذَلِكَ قالَ: قَدْ حَلَفْتُ؛ فَيَجْعَلَ اليَمِينَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو مَندُوبٌ إلَيْهِ؛ أوْ هو مَأْمُورٌ بِهِ مِنَ البِرِّ؛ والتَّقْوى؛ والإصْلاحِ؛ فَإنْ حَلَفَ حالِفٌ ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ فَلْيَفْعَلْ؛ ولْيَدَعْ يَمِينَهُ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ؛ وطاوُسٍ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢]؛ ورَوى أشْعَثُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: حَلَفَ أبُو بَكْرٍ في يَتِيمَيْنِ كانا في حِجْرِهِ؛ كانا فِيمَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ؛ أحَدُهُما مِسْطَحٌ؛ وقَدْ شَهِدَ بَدْرًا؛ ألّا يَصِلَهُما؛ وألّا يُصِيبا مِنهُ خَيْرًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢]؛ فَكَسا أحَدَهُما؛ وحَمَلَ الآخَرَ؛ وقَدْ ورَدَ مَعْناهُ في السُّنَّةِ أيْضًا؛ وقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ؛ وعَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ؛ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها؛ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . وهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾؛ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ لِأنَّ مَعْناهُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ألّا يُمْنَعَ بِيَمِينِهِ مِن فِعْلِ ما هو خَيْرٌ؛ بَلْ يَفْعَلُ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ ويَدَعُ يَمِينَهُ؛ والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾؛ يُرِيدُ بِهِ كَثْرَةَ الحَلِفِ؛ وهو ضَرْبٌ مِنَ الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وابْتِذالٌ لِاسْمِهِ في كُلِّ حَقٍّ؛ وباطِلٍ؛ لَأنْ تَبَرُّوا في الحَلِفِ بِها؛ وتَتَّقُوا المَأْثَمَ فِيها؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ: "مَن أكْثَرَ ذِكْرَ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ عُرْضَةً؛ يَقُولُ القائِلُ: قَدْ جَعَلْتَنِي عُرْضَةً لِلَّوْمِ"؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎............... ∗∗∗ فَلا تَجْعَلِينِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ (تَعالى) مُكْثِرِي الحَلِفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]؛ فالمَعْنى: لا تَعْتَرِضُوا اسْمَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَبْذُلُوهُ في كُلِّ شَيْءٍ؛ لَأنْ تَبَرُّوا إذا حَلَفْتُمْ؛ وتَتَّقُوا المَأْثَمَ فِيها إذا قَلَّتْ أيْمانُكُمْ؛ لِأنَّ كَثْرَتَها تُبْعِدُ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى؛ (p-٤٣)وتُقَرِّبُ مِنَ المَآثِمِ؛ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْهاكم عَنْ كَثْرَةِ الأيْمانِ؛ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ لِما في تَوَقِّي ذَلِكَ مِنَ البِرِّ؛ والتَّقْوى؛ والإصْلاحِ؛ فَتَكُونُونَ بَرَرَةً؛ أتْقِياءَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ وإذا كانَتِ الآيَةُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ؛ ولَيْسا مُتَضادَّيْنِ؛ فالواجِبُ حَمْلُها عَلَيْهِما جَمِيعًا؛ فَتَكُونُ مُفِيدَةً لِحَظْرِ ابْتِذالِهِ اسْمَ اللَّهِ (تَعالى)؛ واعْتِراضِهِ بِاليَمِينِ في كُلِّ شَيْءٍ؛ حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا؛ ويَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ يَمِينَهُ عُرْضَةً مانِعَةً مِنَ البِرِّ؛ والتَّقْوى؛ والإصْلاحِ؛ وإنْ لَمْ يُكْثِرْ؛ بَلِ الواجِبُ عَلَيْهِ ألّا يُكْثِرَ اليَمِينَ؛ ومَتى حَلَفَ لَمْ يَحْتَجِرْ بِيَمِينِهِ عَنْ فِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ إذا كانَ طاعَةً؛ وبِرًّا؛ وتَقْوى؛ وإصْلاحًا؛ كَما قالَ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ؛ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها؛ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .

البقرة 2:225

قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) اللَّغْوَ في مَواضِعَ؛ فَكانَ المُرادُ بِهِ مَعانِيَ مُخْتَلِفَةً؛ عَلى حَسَبِ الأحْوالِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْها الكَلامُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]؛ يَعْنِي كَلِمَةً فاحِشَةً؛ قَبِيحَةً؛ و﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]؛ عَلى هَذا المَعْنى؛ وقالَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]؛ يَعْنِي الكُفْرَ؛ والكَلامَ القَبِيحَ؛ وقالَ: ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]؛ يَعْنِي الكَلامَ الَّذِي لا يُفِيدُ شَيْئًا؛ لِيَشْغَلُوا السّامِعِينَ عَنْهُ؛ وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ يَعْنِي الباطِلَ؛ ويُقالُ: "لَغا في كَلامِهِ؛ يَلْغُو"؛ إذا أتى بِكَلامٍ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ وقَدْ رُوِيَ في لَغْوِ اليَمِينِ مَعانٍ عَنِ السَّلَفِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الشَّيْءِ؛ يَراهُ كَذَلِكَ؛ فَلا يَكُونُ"؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ أنْ تَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ؛ وأنْتَ تَعْلَمُ؛ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ وقالَتْ عائِشَةُ: "هُوَ «قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ؛ وبَلى واللَّهِ» "؛ ورُوِيَ عَنْها مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: "وذَلِكَ عِنْدَنا في النَّهْيِ عَنِ اليَمِينِ عَلى الماضِي"؛ رَوى عَنْها عَطاءٌ أنَّها قالَتْ: "قَوْلُ الرَّجُلِ: فَعَلْنا واللَّهِ كَذا؛ وصَنَعْنا واللَّهِ كَذا"؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الحَرامِ؛ فَلا يُؤاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ"؛ وهَذا التَّأْوِيلُ مُوافِقٌ لِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]؛ أنْ يَمْتَنِعَ بِاليَمِينِ مِن فِعْلٍ مُباحٍ؛ أوْ يُقْدِمَ بِها عَلى فِعْلٍ مَحْظُورٍ؛ وإذا كانَ اللَّغْوُ مُحْتَمِلًا لِهَذِهِ المَعانِي؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمّا عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ﴾؛ أنَّ مُرادَهُ ما عَقَدَ قَلْبُهُ فِيهِ عَلى الكَذِبِ؛ والزُّورِ؛ وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المُؤاخَذَةُ هي عِقابَ الآخِرَةِ؛ وألّا تَكُونَ الكَفّارَةَ المُسْتَحَقَّةَ بِالحِنْثِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الكَفّارَةَ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِكَسْبِ القَلْبِ لِاسْتِواءِ حالِ (p-٤٤)القاصِدِ بِها لِلْخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ وتَساوِي حُكْمِ العَمْدِ؛ والسَّهْوِ؛ فَعُلِمَ أنَّ مُرادَهُ ما يَسْتَحِقُّ مِنَ العِقابِ بِقَصْدِهِ إلى اليَمِينِ الغَمُوسِ؛ وهي اليَمِينُ عَلى الماضِي؛ قالَ القاصِدُ بِها خِلافَها إلى الكَذِبِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اللَّغْوُ هي الَّتِي لا يُقْصَدُ بِها إلى الكَذِبِ؛ وهي عَلى الماضِي؛ ويَظُنُّ أنَّهُ كَما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَسَمّاها لَغْوًا مِن حَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها حُكْمٌ في إيجابِ كَفّارَةٍ؛ ولا في اسْتِحْقاقِ عُقُوبَةٍ؛ وهي الَّتِي رُوِيَ مَعْناها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وعائِشَةَ؛ أنَّها «قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ؛ وبَلى واللَّهِ»؛ في عَرْضِ كَلامِهِ؛ وهو يَظُنُّ أنَّهُ صادِقٌ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ اللَّغْوِ مِنَ الكَلامِ؛ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ؛ ولا حُكْمَ لَهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - فِيمَن حَلَفَ عَلى الحَرامِ - فَلا يُؤاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ؛ يَعْنِي بِهِ عِقابَ الآخِرَةِ؛ وإنْ كانَتِ الكَفّارَةُ واجِبَةً إذا حَنِثَ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: "كُلُّ يَمِينٍ لَيْسَ لَهُ الوَفاءُ بِها فَهي لَغْوٌ؛ لا تَجِبُ فِيها كَفّارَةٌ"؛ وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والأوْلى الَّذِي قَدَّمْنا؛ إلّا أنَّ سَعِيدًا يُوجِبُ الكَفّارَةَ؛ ومَسْرُوقًا لا يُوجِبُها؛ وإنْ حَنِثَ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى؛ وهي أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ ما تَجِبُ فِيهِ الكَفّارَةُ مِنها؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ حِنْثُ النِّسْيانِ.

البقرة 2:226

بابُ الإيلاءِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْإيلاءُ في اللُّغَةِ هو الحَلِفُ؛ يَقُولُونَ: "آلى؛ يُؤْلِي؛ إيلاءً؛ وألِيَّةً"؛ قالَ كُثَيِّرٌ: ؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ فَهَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ؛ وقَدِ اخْتُصَّ في الشَّرْعِ بِالحَلِفِ عَلى تَرْكِ الجِماعِ؛ الَّذِي يُكْسِبُ الطَّلاقَ بِمُضِيِّ المُدَّةِ حَتّى إذا قِيلَ: "آلى فُلانٌ مِنَ امْرَأتِهِ"؛ عُقِلَ بِهِ ذَلِكَ؛ وقَدِ اخْتُلِفَ فِيما يَكُونُ بِهِ مُولِيًا عَلى وُجُوهٍ؛ أحَدُها ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ رِوايَةُ الحَسَنِ؛ وعَطاءٍ؛ أنَّهُ إذا حَلَفَ ألّا يَقْرَبَها لِأجْلِ الرَّضاعِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ وإنَّما يَكُونُ مُولِيًا إذا حَلَفَ ألّا يُجامِعَها عَلى وجْهِ الضِّرارِ؛ والغَضَبِ؛ والثّانِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ كُلَّ يَمِينٍ حالَتْ دُونَ الجِماعِ إيلاءٌ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرِّضا والغَضَبِ؛ وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ؛ وابْنِ سِيرِينَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ والثّالِثُ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ في الجِماعِ وغَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ؛ نَحْوَ أنْ يَحْلِفَ ألّا يُكَلِّمَها؛ فَيَكُونَ مُولِيًا؛ وقَدْ رَوى جَعْفَرُ بْنُ بُرْقانَ؛ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ؛ قالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأةً؛ فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ؛ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّ في حَلْقِها شَيْئًا؛ قالَ: تاللَّهِ لَقَدْ خَرَجْتُ وما أُكَلِّمُها؛ قالَ: عَلَيْكَ بِها قَبْلَ أنْ (p-٤٥)تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مُوافَقَةِ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ ويَدُلُّ عَلى مُوافَقَةِ ابْنِ عُمَرَ في أنَّ الهِجْرانَ مِن غَيْرِ يَمِينٍ هو الإيلاءُ؛ والرّابِعُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ إنْ هَجَرَها فَهو إيلاءٌ؛ ولَمْ يَذْكُرِ الحَلِفَ؛ فَأمّا مَن فَرَّقَ بَيْنَ حَلِفِهِ عَلى تَرْكِ جِماعِها ضِرارًا؛ وبَيْنَهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ الضِّرارِ؛ فَإنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الجِماعَ حَقٌّ لَها؛ ولَها المُطالَبَةُ بِهِ؛ ولَيْسَ لَهُ مَنعُها حَقَّها مِن ذَلِكَ؛ فَإذا حَلَفَ عَلى تَرْكِ حَقِّها مِنَ الجِماعِ كانَ مُولِيًا حَتّى تَصِلَ إلى حَقِّها مِنَ الفُرْقَةِ؛ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا إمْساكُها بِمَعْرُوفٍ؛ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ؛ وأمّا إذا قَصَدَ الصَّلاحَ في ذَلِكَ؛ بِأنْ تَكُونَ مُرْضِعَةً فَحَلَفَ ألّا يُجامِعَها لِئَلّا يَضُرَّ ذَلِكَ بِالصَّبِيِّ؛ فَهَذا لَمْ يَقْصِدْ مَنعَ حَقِّها؛ ولا هو غَيْرُ مُمْسِكٍ لَها بِمَعْرُوفٍ؛ فَلا يَلْزَمُ التَّسْرِيحُ بِالإحْسانِ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِيَمِينِهِ حُكْمُ الفُرْقَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنِ اعْتَبَرَ الضِّرارَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُذْنِبًا يَقْتَضِي الفَيْءَ غُفْرانُهُ؛ وهَذا عِنْدَنا لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ مَن كانَ هَذا وصْفَهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ شَمِلَتِ الجَمِيعَ؛ وقاصِدُ الضَّرَرِ أحَدُ مَن شَمِلَهُ العُمُومُ؛ فَرَجَعَ هَذا الحُكْمُ إلَيْهِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى اسْتِواءِ حالِ المُطِيعِ؛ والعاصِي؛ في ذَلِكَ أنَّهُما يَسْتَوِيانِ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِالحِنْثِ؛ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَسْتَوِيا في إيجابِ الطَّلاقِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ؛ وأيْضًا سائِرُ الأيْمانِ المَعْقُودَةِ لا يَخْتَلِفُ فِيها حُكْمُ المُطِيعِ؛ والعاصِي؛ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها مِن إيجابِ الكَفّارَةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا يَتَعَلَّقانِ بِاليَمِينِ؛ وأيْضًا لا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الرَّجْعَةِ عَلى وجْهِ الضِّرارِ وغَيْرِهِ؛ كَذَلِكَ الإيلاءُ؛ وفُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ المُطِيعِ؛ والعاصِي؛ فَهي عامَّةٌ في الجَمِيعِ؛ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ إذا قَصَدَ ضِرارَها بِيَمِينٍ عَلى الكَلامِ ونَحْوِهِ؛ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾؛ لا خِلافَ أنَّهُ قَدْ أضْمَرَ فِيهِ اليَمِينَ عَلى تَرْكِ الجِماعِ؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ الحالِفَ عَلى تَرْكِ جِماعِها مُولٍ؛ فَتَرْكُ الجِماعِ مُضْمَرٌ في الآيَةِ عِنْدَ الجَمِيعِ؛ فَأثْبَتْناهُ؛ وما عَدا ذَلِكَ مِن تَرْكِ الكَلامِ؛ ونَحْوِهِ؛ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى إضْمارِهِ في الآيَةِ؛ فَلَمْ يُضْمِرْهُ؛ ويَدُلُّ عَلى ما بَيَّنّاهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ ومَعْلُومٌ عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ هو الجِماعُ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ فِيهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾؛ هو الجِماعُ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن أنَّ الهِجْرانَ يُوجِبُ الطَّلاقَ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ شاذٌّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: إذا حَلَفَ؛ ثُمَّ هَجَرَها مُدَّةَ الإيلاءِ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ خِلافُ الكِتابِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾؛ والألِيَّةُ: اَلْيَمِينُ؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ وهِجْرانُها لَيْسَ (p-٤٦)بِيَمِينٍ؛ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفّارَةِ؛ ورَوى أشْعَثُ؛ عَنِ الحَسَنِ أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ كانَتْ عِنْدَهُ امْرَأةٌ في خُلُقِها سُوءٌ؛ فَكانَ يَهْجُرُها خَمْسَةَ أشْهُرٍ؛ وسِتَّةَ أشْهُرٍ؛ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْها؛ ولا يَرى ذَلِكَ إيلاءً؛ وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ؛ وفُقَهاءُ الأمْصارِ بَعْدَهُمْ؛ في المُدَّةِ الَّتِي إذا حَلَفَ عَلَيْها يَكُونُ مُولِيًا؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ وعَطاءٌ: "إذا حَلَفَ عَلى أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ ثُمَّ تَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لَمْ يُجامِعْها؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا"؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا؛ ومالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ والأوْزاعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَكَمِ؛ وقَتادَةَ؛ وحَمّادٍ أنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا؛ إنْ تَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بانَتْ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ؛ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: وكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ ألّا يَقْرَبَها في هَذا البَيْتِ فَهو مُولٍ؛ فَإنْ تَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بانَتْ بِالإيلاءِ؛ وإنْ قَرِبَها في غَيْرِهِ قَبْلَ المُدَّةِ سَقَطَ الإيلاءُ؛ ولَوْ حَلَفَ ألّا يَدْخُلَ هَذِهِ الدّارَ وفِيها امْرَأتُهُ؛ ومِن أجْلِها حَلَفَ؛ فَهو مُولٍ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ ( تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾؛ والإيلاءُ هو اليَمِينُ. وقَدْ ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّ تَرْكَ جِماعِها بِغَيْرِ يَمِينٍ لا يُكْسِبُهُ حُكْمَ الإيلاءِ؛ وإذا حَلَفَ عَلى أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ فَمَضَتْ مُدَّةُ اليَمِينِ؛ كانَ تارِكًا لِجِماعِها فِيما بَقِيَ مِن مُدَّةِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ الَّتِي هي التَّرَبُّصُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ وتَرْكُ جِماعِها بِغَيْرِ يَمِينٍ لا تَأْثِيرَ لَهُ في إيجابِ البَيْنُونَةِ؛ وما دُونَ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ لا يُكْسِبُهُ حُكْمَ البَيْنُونَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ لَهُ تَرَبُّصَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ فَلَمْ يَبْقَ هُناكَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجابُ الفُرْقَةِ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ تارِكِ جِماعِها بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ فَلا يَلْحَقُهُ حُكْمُ الإيلاءِ. وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ: "إنَّهُ إذا حَلَفَ ألّا يَقْرَبَها في هَذا البَيْتِ؛ أنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا"؛ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الإيلاءَ كُلُّ يَمِينٍ في زَوْجَةٍ يَمْنَعُ جِماعَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ لا يَحْنَثُ؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ وهَذِهِ اليَمِينُ لَمْ تَمْنَعْهُ جِماعَها هَذِهِ المُدَّةَ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى جِماعِها بِغَيْرِ حِنْثٍ؛ بِأنْ يَقْرَبَها في غَيْرِ ذَلِكَ البَيْتِ؛ وقَدِ اخْتُلِفَ أيْضًا فِيمَن حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ سَواءً؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وزُفَرُ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ والثَّوْرِيُّ: "هُوَ مُولٍ؛ فَإنْ لَمْ يَقْرَبْها في المُدَّةِ حَتّى مَضَتْ؛ بانَتْ بِالإيلاءِ". ورَوى عَطاءٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "كانَ إيلاءُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ السَّنَةَ؛ والسَّنَتَيْنِ؛ فَوَقَّتَ اللَّهُ (تَعالى) لَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ فَمَن كانَ إيلاؤُهُ دُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُولٍ"؛ وقالَ مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: "إذا حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ فَلَيْسَ بِمُولٍ حَتّى يَحْلِفَ عَلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ ظاهِرُ الكِتابِ؛ وهو قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾؛ فَجَعَلَ هَذِهِ المُدَّةَ تَرَبُّصًا لِلْفَيْءِ فِيها؛ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ التَّرَبُّصَ أكْثَرَ مِنها؛ فَمَنِ (p-٤٧)امْتَنَعَ مِن جِماعِها بِاليَمِينِ هَذِهِ المُدَّةَ أكْسَبَهُ ذَلِكَ حُكْمَ الإيلاءِ؛ الطَّلاقَ؛ ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَلِفِ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ وبَيْنَهُ عَلى أكْثَرَ مِنها؛ إذْ لَيْسَ لَهُ تَرَبُّصُ أكْثَرَ مِن هَذِهِ المُدَّةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ ظاهِرَ الكِتابِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُولِيًا في حَلِفِهِ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ وأقَلَّ مِنها؛ وأكْثَرَ مِنها؛ لِأنَّ مُدَّةَ الحَلِفِ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ؛ وإنَّما خَصَّصْنا ما دُونَها بِدَلالَةٍ؛ وبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ وما فَوْقَها؛ فَإنْ قِيلَ: إذا حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ سَواءً؛ لَمْ يَصِحَّ تَعَلُّقُ الطَّلاقِ بِها؛ لِأنَّكَ تُوقِعُ الطَّلاقَ بِمُضِيِّها؛ ولا إيلاءَ هُناكَ؛ قِيلَ لَهُ: لا يَمْتَنِعُ؛ لِأنَّ مُضِيَ المُدَّةِ إذا كانَ سَبَبًا لِلْإيقاعِ لَمْ يَجِبِ اعْتِبارُ بَقاءِ اليَمِينِ في حالِ وُقُوعِهِ؛ ألا تَرى أنَّ مُضِيَ الحَوْلِ لَمّا كانَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكاةِ؛ فَلَيْسَ بِواجِبٍ أنْ يَكُونَ الحَوْلُ مَوْجُودًا في حالِ الوُجُوبِ؛ بَلْ يَكُونُ مَعْدُومًا مُنْقَضِيًا؛ وأنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ كَلَّمْتِ فُلانًا فَأنْتِ طالِقٌ؛ كانَتْ هَذِهِ يَمِينًا مَعْقُودَةً؛ فَإنْ كَلَّمَتْهُ طُلِّقَتْ في الحالِ؛ وقَدِ انْحَلَّتْ فِيها اليَمِينُ؛ وبَطَلَتْ؟ كَذَلِكَ مُضِيُّ مُدَّةِ الإيلاءِ؛ لَمّا كانَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الطَّلاقِ لَمْ يَمْتَنِعْ وُقُوعُهُ؛ واليَمِينُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْفَيْءُ في اللُّغَةِ هو الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ يَعْنِي حَتّى تَرْجِعَ مِنَ البَغْيِ إلى العَدْلِ؛ الَّذِي هو أمْرُ اللَّهِ؛ وإذا كانَ الفَيْءُ الرُّجُوعَ إلى الشَّيْءِ؛ اقْتَضى ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ إذا حَلَفَ ألّا يُجامِعَها عَلى وجْهِ الضِّرارِ؛ ثُمَّ قالَ لَها: قَدْ فِئْتُ إلَيْكِ؛ وقَدْ أعْرَضْتُ عَمّا عَزَمْتُ عَلَيْهِ مِن هِجْرانِ فِراشِكِ بِاليَمِينِ؛ أنْ يَكُونَ قَدْ فاءَ إلَيْها؛ سَواءٌ كانَ قادِرًا عَلى الجِماعِ؛ أوْ عاجِزًا؛ هَذا هو مُقْتَضى ظاهِرِ اللَّفْظِ؛ إلّا أنَّ أهْلَ العِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلَيْها لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلّا الجِماعَ؛ واخْتَلَفُوا فِيمَن آلى وهو مَرِيضٌ؛ أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَها مَسِيرَةُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ أوْ هي رَتْقاءُ؛ أوْ صَغِيرَةٌ؛ أوْ هو مَجْبُوبٌ؛ فَقالَ أصْحابُنا: إذا فاءَ إلَيْها بِلِسانِهِ؛ ومَضَتِ المُدَّةُ؛ والعُذْرُ قائِمٌ؛ فَذَلِكَ فَيْءٌ صَحِيحٌ؛ ولا تُطَلَّقُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ؛ ولَوْ كانَ مُحْرِمًا بِالحَجِّ؛ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الحَجِّ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلّا الجِماعَ؛ وقالَ زُفَرُ: فَيْؤُهُ بِالقَوْلِ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ: إذا آلى وهي صَغِيرَةٌ لا تُجامَعُ مِثْلُها؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا حَتّى تَبْلُغَ الوَطْءَ؛ ثُمَّ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مُذْ بَلَغَتِ الوَطْءَ؛ وهو رَأْيُ ابْنِ القاسِمِ بْنِ عَمْرٍو؛ ولَمْ يَرْوِهِ عَنْ مالِكٍ؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ؛ في المُولِي إذا وقَفَ عِنْدَ انْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ ثُمَّ راجَعَ امْرَأتَهُ؛ أنَّهُ إنْ لَمْ يُصِبْها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلَيْها؛ ولا رَجْعَةَ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِن مَرَضٍ؛ أوْ سِجْنٍ؛ أوْ ما أشْبَهَ (p-٤٨)ذَلِكَ؛ فَإنَّ ارْتِجاعَهُ إيّاها ثابِتٌ عَلَيْها؛ وإنْ مَضَتْ عِدَّتُها؛ ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَإنْ لَمْ يُصِبْها حَتّى يَنْقَضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛ وقَفَ أيْضًا. وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: قالَ مالِكٌ: إنْ مَضى الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ؛ وهو مَرِيضٌ؛ أوْ مَحْبُوسٌ؛ لَمْ يُوقَفْ حَتّى يَبْرَأ؛ لِأنَّهُ لا يُكَلَّفُ ما لا يُطِيقُ؛ وقالَ مالِكٌ: لَوْ مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وهو غائِبٌ؛ إنْ شاءَ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ؛ وسَقَطَ عَنْهُ الإيلاءُ؛ قالَ إسْماعِيلُ: وإنَّما قالَ ذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّ الكَفّارَةَ قَبْلَ الحِنْثِ جائِزَةٌ عِنْدَهُ؛ وإنْ كانَ لا يُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ؛ وقالَ الأشْجَعِيُّ؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ؛ في المُولِي: إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ مِن مَرَضٍ؛ أوْ كِبَرٍ؛ أوْ حَبْسٍ؛ أوْ كانَتْ حائِضًا؛ أوْ نُفَساءَ؛ فَلْيَفِئْ بِلِسانِهِ؛ يَقُولُ: قَدْ فِئْتُ إلَيْكِ؛ يَجْزِيهِ ذَلِكَ؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا آلى مِنَ امْرَأتِهِ؛ ثُمَّ مَرِضَ؛ أوْ سافَرَ؛ فَأشْهَدَ عَلى الفَيْءِ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ وهو مَرِيضٌ؛ أوْ مُسافِرٌ؛ ولا يَقْدِرُ عَلى الجِماعِ؛ فَقَدْ فاءَ؛ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ؛ وهي امْرَأتُهُ؛ وكَذَلِكَ إنْ ولَدَتْ في الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ أوْ حاضَتْ؛ أوْ طَرَدَهُ السُّلْطانُ؛ فَإنَّهُ يُشْهِدُ عَلى الفَيْءِ؛ ولا إيلاءَ عَلَيْهِ. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إذا مَرِضَ بَعْدَ الإيلاءِ؛ ثُمَّ مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛ فَإنَّهُ يُوقَفُ؛ كَما يُوقَفُ الصَّحِيحُ؛ فَإمّا فاءَ؛ وإمّا طَلَّقَ؛ ولا يُؤَخَّرُ إلى أنْ يَصِحَّ؛ وقالَ المُزَنِيُّ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ: إذا آلى المَجْبُوبُ فَفَيْؤُهُ بِلِسانِهِ؛ وقالَ في الإيلاءِ: لا إيلاءَ عَلى المَجْبُوبِ؛ قالَ: ولَوْ كانَتْ صَبِيَّةً فَآلى مِنها؛ اسْتُؤْنِفَتْ بِهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛ بَعْدَما تَصِيرُ إلى حالٍ يُمْكِنُ جِماعُها؛ والمَحْبُوسُ يَفِيءُ بِاللِّسانِ؛ ولَوْ أحْرَمُ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلّا الجِماعَ؛ ولَوْ آلى وهي بِكْرٌ؛ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى افْتِضاضِها؛ أُجِّلَ أجَلَ العِنِّينِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى جِماعِها في المُدَّةِ كانَ فَيْؤُهُ بِاللِّسانِ؛ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وهَذا قَدْ فاءَ؛ لِأنَّ الفَيْءَ الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ؛ وهو قَدْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن وطْئِها بِالقَوْلِ؛ وهو اليَمِينُ؛ فَإذا فاءَ بِالقَوْلِ؛ فَقالَ: قَدْ فِئْتُ إلَيْكِ؛ فَقَدْ رَجَعَ عَمّا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنهُ بِالقَوْلِ إلى ضِدِّهِ؛ فَتَناوَلَهُ العُمُومُ؛ وأيْضًا لَمّا تَعَذَّرَ جِماعُها قامَ القَوْلُ فِيهِ مَقامَ الوَطْءِ في المَنعِ مِنَ البَيْنُونَةِ؛ وأمّا تَحْرِيمُ الوَطْءِ بِالإحْرامِ؛ والحَيْضِ؛ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ؛ أمّا الإحْرامُ فَلِأنَّهُ كانَ يَفْعَلُهُ ولا يُسْقِطُ حَقَّها مِنَ الوَطْءِ؛ وأمّا الحَيْضُ؛ والنِّفاسُ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ لِلْمُولِي تَرَبُّصَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الحَيْضِ فِيها؛ واتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى أنَّ المُرادَ الفَيْءُ؛ بِالجِماعِ؛ في حالِ إمْكانِ الجِماعِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَنْقُلَهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ؛ مَعَ إمْكانِ وطْئِها؛ وتَحْرِيمُ الوَطْءِ لا يُخْرِجُهُ مِن إمْكانِهِ؛ فَصارَ بِمَنزِلَةِ الإحْرامِ؛ والظِّهارِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُنِعَ مِنَ الوَطْءِ بِتَحْرِيمِهِ؛ لا بِالعَجْزِ؛ وتَعَذُّرِهِ؛ ولِأنَّ حَقَّها باقٍ في الجِماعِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ أبانَها (p-٤٩)بِخُلْعٍ؛ وهو مُولٍ مِنها؛ لَمْ يَكُنِ التَّحْرِيمُ الواقِعُ مُوجِبًا لِجَوازِ فَيْئِهِ بِالقَوْلِ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ لَوْ وطِئَها في هَذِهِ الحالِ بَطَلَ الإيلاءُ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الفَيْءُ بِالقَوْلِ لا يُسْقِطُ اليَمِينَ؛ فَواجِبٌ بَقاؤُها؛ إذْ لا تَأْثِيرَ لِلْفَيْءِ بِالقَوْلِ في إسْقاطِها؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَيْرُ واجِبٍ مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ بِبَقاءِ اليَمِينِ؛ وبُطْلانُ الإيلاءِ مِن جِهَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الطَّلاقِ؛ ألا تَرى أنَّهُ إذا طَلَّقَها ثَلاثًا؛ ثُمَّ عادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ؛ كانَتِ اليَمِينُ باقِيَةً؛ لَوْ وطِئَها حَنِثَ؛ ولَمْ يَلْحَقْها بِها طَلاقٌ؛ وإنْ تَرَكَ وطْأها؟ وكَذَلِكَ لَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ لِامْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ؛ لَمْ يَكُنْ إيلاءً؛ فَإنْ تَزَوَّجَها كانَتِ اليَمِينُ باقِيَةً؛ لَوْ وطِئَها لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ؛ ولا يَكُونُ مُولِيًا في حُكْمِ الطَّلاقِ؛ فَلَيْسَ بَقاءُ اليَمِينِ إذًا عِلَّةً في حُكْمِ الطَّلاقِ؛ فَجازَ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ يَفِيءَ إلَيْها بِلِسانِهِ؛ فَيَسْقُطَ حُكْمُ الطَّلاقِ في هَذِهِ اليَمِينِ؛ ويَبْقى حُكْمُ الحِنْثِ بِالوَطْءِ؛ وإنَّما شَرَطَ أصْحابُنا في صِحَّةِ الفَيْءِ بِالقَوْلِ وُجُودَ العُذْرِ في المُدَّةِ كُلِّها؛ ومَتى كانَ الوَطْءُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِنَ المُدَّةِ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ عِنْدَهم إلّا الجِماعَ مِن قِبَلِ أنَّ الفَيْءَ بِالقَوْلِ قائِمٌ مَقامَ الوَطْءِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِئَلّا يَقَعَ الطَّلاقُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ؛ فَمَتى قَدَرَ عَلى الوَطْءِ في المُدَّةِ بَطَلَ الفَيْءُ بِالقَوْلِ؛ كالمُتَيَمِّمِ إذا أُقِيمَ تَيَمُّمُهُ مَقامَ الطَّهارَةِ بِالماءِ؛ في إباحَةِ الصَّلاةِ؛ كانَ مَتى وجَدَ الماءَ؛ قَبْلَ الفَراغِ مِنها؛ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ؛ وعادَ إلى أصْلِ فَرْضِهِ؛ سَواءٌ كانَ وُجُودُهُ لِلْماءِ في أوَّلِ الصَّلاةِ؛ أوْ في آخِرِها؛ كَذَلِكَ القُدْرَةُ عَلى الوَطْءِ؛ في المُدَّةِ؛ تُبْطِلُ حُكْمَ الفَيْءِ بِالقَوْلِ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: إذا فاءَ بِالقَوْلِ؛ لِوُجُودِ العُذْرِ في المُدَّةِ؛ ثُمَّ انْقَضَتِ المُدَّةُ؛ والعُذْرُ قائِمٌ؛ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الإيلاءِ مِنها؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن حَلَفَ عَلى أجْنَبِيَّةٍ ألّا يَقْرَبَها؛ ثُمَّ تَزَوَّجَها؛ فَيَكُونُ يَمِينُهُ باقِيَةً؛ إنْ قَرِبَها حَنِثَ؛ وإنْ تَرَكَ جِماعَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لَمْ تُطَلَّقْ.

البقرة 2:227

قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اِخْتَلَفَ السَّلَفُ في عَزِيمَةِ الطَّلاقِ إذا لَمْ يَفِئْ؛ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَزِيمَةُ الطَّلاقِ انْقِضاءُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ؛ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ؛ وقالُوا: إنَّها تَبِينُ بِتَطْلِيقَةٍ؛ واخْتُلِفَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وأبِي الدَّرْداءِ؛ فَرُوِيَ عَنْهم مِثْلُ قَوْلِ الأوَّلِينَ؛ ورُوِيَ عَنْهم أنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ؛ فَإمّا أنْ يَفِيءَ إلَيْها؛ وإمّا أنْ يُطَلِّقَها؛ وهو قَوْلُ عائِشَةَ؛ وأبِي الدَّرْداءِ؛ والقَوْلُ الثّالِثُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وسالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ والزُّهْرِيِّ؛ وعَطاءٍ؛ وطاوُسٍ؛ قالُوا: "إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَهي تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ"؛ وذَهَبَ أصْحابُنا إلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومَن تابَعَهُ؛ فَقالُوا: إذا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛ قَبْلَ أنْ يَفِيءَ؛ بانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ؛ وهو قَوْلُ (p-٥٠)الثَّوْرِيِّ؛ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ وقالَ مالِكٌ؛ واللَّيْثُ؛ والشّافِعِيُّ؛ بِما رُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ؛ وعائِشَةَ؛ أنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ؛ فَإمّا أنْ يَفِيءَ؛ وإمّا أنْ يُطَلِّقَ؛ ويَكُونُ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً إذا طَلَّقَ؛ قالَ مالِكٌ: ولا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ حَتّى يَطَأها في العِدَّةِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: ولَوْ عَفَتْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ المُدَّةِ كانَ لَها بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَطْلُبَ؛ ولا يُؤَجِّلَ في الجِماعِ أكْثَرَ مِن يَوْمٍ؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وسالِمٍ؛ ومَن تابَعَهُما: إنَّها تُطَلَّقُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً؛ بِمُضِيِّ المُدَّةِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الَّتِي حَصَلَ عَلَيْها اخْتِلافُ السَّلَفِ؛ ولَوْلا احْتِمالُهُ لَها لَما تَأوَّلُوهُ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ تَأْوِيلُ اللَّفْظِ المُؤَوَّلِ عَلى ما لا احْتِمالَ فِيهِ؛ وقَدْ كانَ السَّلَفُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ عالِمِينَ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الألْفاظِ؛ والمَعانِي المُخْتَلِفَةِ؛ وما لا يَحْتَمِلُها؛ فَلَمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى احْتِمالِ اللَّفْظِ لَها؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ قَدْ كانَ شائِعًا؛ مُسْتَفِيضًا فِيما بَيْنَهُمْ؛ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ ظَهَرَ مِن واحِدٍ مِنهم عَلى غَيْرِهِ؛ فَصارَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنهم عَلى تَوَسُّعِ الِاجْتِهادِ في حَمْلِهِ عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ احْتَجْنا أنْ نَنْظُرَ في الأوْلى مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ؛ وأشْبَهِها بِالحَقِّ؛ فَوَجَدْنا ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ قالَ: عَزِيمَةُ الطَّلاقِ انْقِضاءُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ قَبْلَ الفَيْءِ إلَيْها؛ فَسَمّى تَرْكَ الفَيْءِ حَتّى تَمْضِيَ المُدَّةُ عَزِيمَةَ الطَّلاقِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ قالَهُ شَرْعًا؛ أوْ لُغَةً؛ وأيَّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَحُجَّتُهُ ثابِتَةٌ؛ واعْتِبارُ عُمُومِهِ واجِبٌ؛ إذا كانَتْ أسْماءُ الشَّرْعِ لا تُؤْخَذُ إلّا تَوْقِيفًا؛ وإذا كانَ هَكَذا؛ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في المُولِي أحَدُ شَيْئَيْنِ: إمّا الفَيْءُ؛ وإمّا عَزِيمَةُ الطَّلاقِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ الفَيْءُ مَقْصُورًا عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ وأنَّهُ فائِتٌ بِمُضِيِّها فَتُطَلَّقُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الفَيْءُ باقِيًا لَما كانَ مُضِيُّ المُدَّةِ عَزِيمَةً لِلطَّلاقِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ العَزِيمَةَ إنَّما هي في الحَقِيقَةِ عَقْدُ القَلْبِ عَلى الشَّيْءِ.؛ تَقُولُ: عَزَمْتُ عَلى كَذا؛ أيْ: عَقَدْتُ قَلْبِي عَلى فِعْلِهِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُضِيُّ المُدَّةِ أوْلى؛ بِمَعْنى عَزِيمَةِ الطَّلاقِ؛ مِنَ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الوَقْفَ يَقْتَضِي إيقاعَ طَلاقٍ بِالقَوْلِ؛ إمّا أنْ يُوقِعَهُ الزَّوْجُ؛ وإمّا أنْ يُطَلِّقَها القاضِي عَلَيْهِ؛ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِالوَقْفِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ وُقُوعُ الفُرْقَةِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ؛ لِتَرْكِهِ الفَيْءَ فِيها أوْلى؛ بِمَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يَذْكُرْ إيقاعًا مُسْتَأْنَفًا؛ وإنَّما ذَكَرَ عَزِيمَةً؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ نَزِيدَ في الآيَةِ ما لَيْسَ فِيها؛ ووَجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ (p-٥١)اقْتَضى ذَلِكَ أحَدَ أمْرَيْنِ؛ مِن فَيْءٍ؛ أوْ عَزِيمَةِ طَلاقٍ؛ لا ثالِثَ لَهُما؛ والفَيْءُ إنَّما هو مُرادٌ في المُدَّةِ؛ المَقْصُورِ الحُكْمُ عَلَيْها؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]؛ و"اَلْفاءُ" لِلتَّعْقِيبِ؛ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفَيْءُ عُقَيْبَ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الفَيْءَ عُقَيْبَ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الفَيْءَ لِمَن لَهُ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ وإذا كانَ حُكْمُ الفَيْءِ مَقْصُورًا عَلى المُدَّةِ؛ ثُمَّ فاتَ بِمُضِيِّها؛ وجَبَ حُصُولُ الطَّلاقِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أنْ يَمْنَعَ الفَيْءَ والطَّلاقَ جَمِيعًا؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الفَيْءُ في المُدَّةِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى صِحَّةِ الفَيْءِ فِيها؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُرادٌ فِيها؛ فَصارَ تَقْدِيرُهُ: "فَإنْ فاؤُوا فِيها"؛ وكَذَلِكَ قُرِئَ في حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ فَحَصَلَ الفَيْءُ مَقْصُورًا عَلَيْها دُونَ غَيْرِها؛ وتَمْضِي المُدَّةُ بِفَوْتِ الفَيْءِ؛ وإذا فاتَ الفَيْءُ حَصَلَ الطَّلاقُ؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]؛ فَعَطَفَ بِالفاءِ عَلى التَّرَبُّصِ في المُدَّةِ؛ دَلَّ عَلى أنَّ الفَيْءَ مَشْرُوطٌ بَعْدَ التَّرَبُّصِ؛ وبَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ؛ وأنَّهُ مَتى ما فاءَ فَإنَّما عَجَّلَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَعْجِيلُهُ؛ كَمَن عَجَّلَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا؛ قِيلَ لَهُ: لَوْلا أنَّ الفَيْءَ مُرادُ اللَّهِ (تَعالى) لَما صَحَّ وُجُودُهُ فِيها؛ وكانَ يَحْتاجُ بَعْدَ هَذا الفَيْءِ إلى فَيْءٍ بَعْدَ مُضِيِّها؛ فَلَمّا صَحَّ الفَيْءُ في هَذِهِ المُدَّةِ دَلَّ عَلى أنَّهُ مُرادُ اللَّهِ (تَعالى) بِالآيَةِ؛ ولِذَلِكَ بَطَلَ مَعَهُ عَزِيمَةُ الطَّلاقِ؛ ثُمَّ قَوْلُكَ إنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ إنَّما هو بَعْدَ المُدَّةِ؛ مَعَ قَوْلِكَ: إنَّ الفَيْءَ في المُدَّةِ صَحِيحٌ؛ كَهو بَعْدَها؛ تَبْطُلُ مَعَهُ عَزِيمَةُ الطَّلاقِ؛ مُناقَضَةٌ مِنكَ في اللَّفْظِ؛ كَقَوْلِكَ: إنَّهُ مُرادٌ في المُدَّةِ غَيْرُ مُرادٍ فِيها؛ وقَوْلُكَ: إنَّهُ كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ إذا عَجَّلَهُ؛ لا يُزِيلُ عَنْكَ ما وصَفْنا مِنَ المُناقَضَةِ؛ لِأنَّ الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يُخْرِجُهُ التَّأْجِيلُ مِن حُكْمِ اللُّزُومِ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَما صَحَّ البَيْعُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ مِلْكُهُ مِنَ الأثْمانِ عَلى وقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ لا يَصِحُّ عَقْدُ البَيْعِ عَلَيْهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: بِعْتُكَهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ؛ لا يَلْزَمُكَ إلّا بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ كانَ البَيْعُ باطِلًا؟ والتَّأْجِيلُ الَّذِي ذَكَرْتَ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ الثَّمَنُ واجِبًا؛ مِلْكًا لِلْبائِعِ؛ ومَتى عَجَّلَهُ وأسْقَطَ الأجَلَ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِبِ العَقْدِ؛ إلّا أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْفَيْءِ في الإيلاءِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ فَواتَ الفَيْءِ يُوجِبُ الطَّلاقَ؛ وإذا كانَ الفَيْءُ مُرادًا في المُدَّةِ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ فَواتُهُ فِيها مُوجِبًا لِلطَّلاقِ عَلى ما بَيَّنّا؛ وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ ( تَعالى): ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]؛ فِيهِ ضَمِيرُ المُولِي المَبْدُوءِ بِذِكْرِهِ في الآيَةِ؛ وهو الَّذِي لَهُ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ إيقاعُ الفَيْءِ عُقَيْبَ اليَمِينِ؛ ودَلِيلٌ آخَرُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فَلَمّا كانَتِ البَيْنُونَةُ واقِعَةً بِمُضِيِّ المُدَّةِ في تَرَبُّصِ الأقْراءِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (p-٥٢)حُكْمُ تَرَبُّصِ الإيلاءِ؛ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنّا لَوْ وقَفْنا المُولِي لَحَصَلَ التَّرَبُّصُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ وذَلِكَ خِلافُ الكِتابِ؛ ولَوْ غابَ المُولِي عَنِ امْرَأتِهِ سَنَةً؛ أوْ سَنَتَيْنِ؛ ولَمْ تَرْفَعْهُ المَرْأةُ؛ ولَمْ تُطالِبْ بِحَقِّها؛ لَكانَ التَّرَبُّصُ غَيْرَ مَقْدُورٍ بِوَقْتٍ؛ وذَلِكَ خِلافُ الكِتابِ؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ لَمّا كانَتِ البَيْنُونَةُ واقِعَةً بِمُضِيِّ المُدَّةِ في تَرَبُّصِ الأقْراءِ وجَبَ مِثْلُهُ في الإيلاءِ؛ والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما: ذِكْرُ التَّرَبُّصِ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ المُدَّتَيْنِ؛ والوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ المُدَّتَيْنِ واجِبَةٌ عَنْ قَوْلِهِ؛ وتَعَلَّقَ بِها حُكْمُ البَيْنُونَةِ؛ فَلَمّا تَعَلَّقَتْ في إحْداهُما بِمُضِيِّها كانَتِ الأُخْرى مِثْلَها لِلْمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ فَإنْ قِيلَ: تَأْجِيلُ العِنِّينِ حَوْلًا بِالِاتِّفاقِ؛ وتَخْيِيرُ امْرَأتِهِ بَعْدَ مُضِيِّ الحَوْلِ؛ إذا لَمْ يَصِلْ إلَيْها في الحَوْلِ؛ ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ زِيادَةً في الأجَلِ؛ كَذَلِكَ ما ذَكَرْتَ مِن حُكْمِ الإيلاءِ؛ إيجابُ الوَقْفِ بَعْدَ المُدَّةِ لا يُوجِبُ زِيادَةً فِيها؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ في الكِتابِ؛ ولا في السُّنَّةِ تَقْدِيرُ أجَلِ العِنِّينِ؛ وإنَّما أُخِذَ حُكْمُهُ مِن قَوْلِ السَّلَفِ؛ والَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ يُؤَجَّلُ حَوْلًا؛ هُمُ الَّذِينَ خَيَّرُوها بِمُضِيِّهِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها؛ ولَمْ يُوقِعُوا الطَّلاقَ قَبْلَ مُضِيِّ المُدَّةِ؛ ومُدَّةُ الإيلاءِ مُقَدَّرَةٌ بِالكِتابِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ التَّخْيِيرِ مَعَها؛ فالزّائِدُ فِيها مُخالِفٌ لِحُكْمِهِ؛ وأيْضًا فَإنَّ أجَلَ العِنِّينِ إنَّما يُوجِبُ لَها الخِيارَ بِمُضِيِّهِ؛ وأجَلَ المُولِي عِنْدَكَ إنَّما يُوجِبُ عَلَيْهِ الفَيْءَ؛ فَإنْ قالَ: أفِيءُ؛ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما؛ ولَوْ قالَ العِنِّينُ: أنا أُجامِعُها؛ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهِ؛ وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِاخْتِيارِها. فَإنْ قِيلَ: لَمّا لَمْ يَكُنِ الإيلاءُ بِصَرِيحِ الطَّلاقِ؛ ولا كِنايَةً عَنْهُ؛ فالواجِبُ ألّا يَقَعَ الطَّلاقُ؛ قِيلَ لَهُ: ولَيْسَ اللِّعانُ بِصَرِيحِ الطَّلاقِ؛ ولا كِنايَةً عَنْهُ؛ فَيَجِبُ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ ألّا تُوقَعَ الفُرْقَةُ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ؛ ولا يَلْزَمُنا عَلى أصْلِنا؛ لِأنَّ الإيلاءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الفُرْقَةِ؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: "لا أقْرَبُكِ"؛ يُشْبِهُ كِنايَةَ الطَّلاقِ؛ ولَمّا كانَ أضْعَفَ أمْرًا مِن غَيْرِها فَلا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ؛ إلّا بِانْضِمامِ أمْرٍ آخَرَ إلَيْهِ؛ وهو مُضِيُّ المُدَّةِ؛ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَقُولُهُ؛ إذْ قَدْ وجَدْنا مِنَ الكِناياتِ ما لا يَقَعُ فِيهِ الطَّلاقُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ؛ إلّا بِانْضِمامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ؛ وهو قَوْلُ الزَّوْجِ لِامْرَأتِهِ: قَدْ خَيَّرْتُكِ؛ وقَوْلُهُ: أمْرُكِ بِيَدِكِ؛ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ فِيهِ إلّا بِاخْتِيارِها؛ فَكَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ في الإيلاءِ إنَّهُ كِنايَةٌ؛ إلّا أنَّهُ أضْعَفُ حالًا مِن سائِرِ الكِناياتِ؛ فَلا يَقَعُ فِيهِ الطَّلاقُ بِاللَّفْظِ؛ دُونَ انْضِمامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ؛ فَأمّا اللِّعانُ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مَعْنى الكِناياتِ؛ لِأنَّ قَذْفَهُ إيّاها بِالزِّنا؛ وتَلاعُنَهُما؛ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ البَيْنُونَةِ بِحالٍ؛ وأيْضًا فَإنَّ اللِّعانَ مُخالِفٌ لِلْإيلاءِ مِن جِهَةِ أنَّ حُكْمَهُ لا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ؛ (p-٥٣)والإيلاءُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِغَيْرِ الحاكِمِ؛ فَكَذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الفُرْقَةِ؛ وبِهَذا المَعْنى فارَقَ العِنِّينُ أيْضًا؛ لِأنَّ تَأْجِيلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالحاكِمِ؛ والإيلاءُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مِن غَيْرِ حاكِمٍ؛ فَكَذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حُكْمِ الفُرْقَةِ؛ واحْتَجَّ مَن قالَ بِالوَقْفِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أنَّهُ لَمّا قالَ: "سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ دَلَّ عَلى أنَّ هُناكَ قَوْلًا مَسْمُوعًا؛ وهو الطَّلاقُ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا جَهْلٌ مِن قائِلِهِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ "اَلسَّمِيعُ" لا يَقْتَضِي مَسْمُوعًا؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا؛ ولا مَسْمُوعَ؛ وأيْضًا قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤]؛ ولَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ؛ فَإذا لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا؛ وعَلَيْكم بِالصَّمْتِ» . وأيْضًا جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ راجِعًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ سامِعٌ لِما تَكَلَّمَ بِهِ؛ عَلِيمٌ بِما أضْمَرَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ أنَّ القائِلِينَ بِالوَقْفِ يُثْبِتُونَ هُناكَ مَعانِيَ أُخَرَ؛ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ؛ إذْ كانَتِ الآيَةُ إنَّما اقْتَضَتْ أحَدَ شَيْئَيْنِ؛ مِن فَيْءٍ؛ أوْ طَلاقٍ؛ ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ مُطالَبَةِ المَرْأةِ؛ ولا وقْفِ القاضِي الزَّوْجَ عَلى الفَيْءِ؛ أوِ الطَّلاقِ؛ فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُلْحِقَ بِالآيَةِ ما لَيْسَ فِيها؛ ولا أنْ نَزِيدَ فِيها ما لَيْسَ مِنها؛ وقَوْلُ مُخالِفِينا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ ولا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ عَلى مُوجِبِ حُكْمِ الآيَةِ؛ وقَوْلُنا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ عَلى حُكْمِ الآيَةِ؛ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ فِيها؛ فَكانَ أوْلى؛ ومَعْلُومٌ أيْضًا أنَّ اللَّهَ (تَعالى) إنَّما حَكَمَ في الإيلاءِ بِهَذا الحُكْمِ لِإيصالِ المَرْأةِ إلى حَقِّها مِنَ الجِماعِ؛ أوِ الفُرْقَةِ؛ وهو عَلى مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وقَوْلُ مَن قالَ بِالوَقْفِ يَقُولُ: إنْ لَمْ يَفِئْ أمَرَهُ بِالطَّلاقِ؛ فَإذا طَلَّقَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَجْعَلَهُ طَلاقًا بائِنًا؛ أوْ رَجْعِيًّا؛ فَإنْ جَعَلَهُ بائِنًا فَإنَّ صَرِيحَ الطَّلاقِ لا يَكُونُ بائِنًا عِنْدَ أحَدٍ فِيما دُونَ الثَّلاثِ؛ وإنْ جَعَلَهُ رَجْعِيّا فَلا حَظَّ لِلْمَرْأةِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَتى شاءَ راجَعَها؛ فَتَكُونُ امْرَأتَهُ كَما كانَتْ؛ فَلا مَعْنى لِإلْزامِهِ طَلاقًا لا تَمْلِكُ بِهِ المَرْأةُ بُضْعَها؛ وتَصِلُ بِهِ إلى حَقِّها؛ وأمّا قَوْلُ مالِكٍ: إنَّهُ لا يَصِحُّ رَجْعَتُهُ حَتّى يَطَأها في العِدَّةِ؛ فَقَوْلٌ شَدِيدُ الِاخْتِلالِ؛ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّهُ قالَ: إذا طَلَّقَها طَلاقًا رَجْعِيًّا؛ والطَّلاقُ الرَّجْعِيُّ لا تَكُونُ الرَّجْعَةُ فِيهِ مَوْقُوفَةً عَلى مَعْنى غَيْرِها؛ والثّانِي أنَّهُ إذا مَنَعَهُ الرَّجْعَةَ؛ إلّا بَعْدَ الوَطْءِ؛ فَقَدْ نَفى أنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا؛ وهو لَوْ راجَعَها لَمْ تَكُنْ رَجْعَةً؛ والثّالِثُ أنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ الوَطْءُ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ عِنْدَهُ؛ ولا تَقَعُ الرَّجْعَةُ فِيهِ بِنَفْسِ الوَطْءِ؛ فَكَيْفَ يُباحُ لَهُ وطْؤُها؟ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ بِمُضِيِّ المُدَّةِ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ ظاهِرُ الفَسادِ؛ مِن وُجُوهٍ؛ (p-٥٤)أحَدُها ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ في الفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذا؛ والثّانِي أنَّ سائِرَ الفُرَقِ الحادِثَةِ في الأُصُولِ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ فَإنَّها تُوجِبُ البَيْنُونَةَ؛ مِن ذَلِكَ فُرْقَةُ العِنِّينِ؛ واخْتِيارُ الأمَةِ؛ ورِدَّةُ الزَّوْجِ؛ واخْتِيارُ الصَّغِيرَيْنِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَصْرِيحٌ بِإيقاعِ الطَّلاقِ وجَبَ أنْ يَكُونَ بائِنًا. وقَدِ اخْتُلِفَ في إيلاءِ الذِّمِّيِّ؛ فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: إذا حَلَفَ بِعِتْقٍ؛ أوْ طَلاقٍ؛ ألّا يَقْرَبَها؛ فَهو مُولٍ؛ وإنْ حَلَفَ بِصَدَقَةٍ؛ أوْ حَجٍّ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ وإنْ حَلَفَ بِاللَّهِ؛ كانَ مُولِيًا؛ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ؛ ولَمْ يَكُنْ مُولِيًا في قَوْلِ صاحِبَيْهِ؛ وقالَ مالِكٌ: لا يَكُونُ مُولِيًا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إيلاءُ الذِّمِّيِّ صَحِيحٌ"؛ ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "اَلذِّمِّيُّ كالمُسْلِمِ؛ فِيما يَلْزَمُهُ مِنَ الإيلاءِ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِما يَتَعَلَّقُ بِالحِنْثِ مِنَ الحَقِّ الَّذِي يَلْزَمُهُ؛ فَواجِبٌ عَلى هَذا أنْ يَصِحَّ إيلاءُ الذِّمِّيِّ؛ إذا كانَ بِالعِتْقِ؛ والطَّلاقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ؛ كَما يَلْزَمُ المُسْلِمَ؛ وأمّا الصَّدَقَةُ؛ والصَّوْمُ؛ والحَجُّ؛ فَلا يَلْزَمُهُ إذا حَنِثَ؛ لِأنَّهُ لَوْ أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِإيجابِهِ؛ ولِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ هَذِهِ القُرَبِ؛ لِأنَّهُ لا قُرْبَةَ لَهُ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الزَّكَواتُ؛ والصَّدَقاتُ؛ الواجِبَةُ عَلى المُسْلِمِينَ في أمْوالِهِمْ؛ في أحْكامِ الدُّنْيا؛ فَوَجَبَ عَلى هَذا ألّا يَكُونُ مُولِيًا بِحَلِفِهِ بِالحَجِّ؛ والعُمْرَةِ؛ والصَّدَقَةِ؛ والصِّيامِ؛ إذْ لا يَلْزَمُهُ بِالجِماعِ شَيْءٌ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَحْلِفْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]؛ يَقْتَضِي عُمُومَ المُسْلِمِ؛ والكافِرِ؛ ولَكِنّا خَصَّصْناهُ بِما وصَفْنا؛ وأمّا إذا حَلَفَ بِاللَّهِ (تَعالى) فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ جَعَلَهُ مُولِيًا؛ وإنْ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفّارَةٌ في أحْكامِ الدُّنْيا؛ مِن قِبَلِ أنَّ حُكْمَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ (تَعالى) قَدْ تَعَلَّقَ عَلى الكافِرِ؛ كَهي عَلى المُسْلِمِ؛ بِدَلالَةِ أنَّ إظْهارَ الكافِرِ تَسْمِيَةَ اللَّهِ (تَعالى) عَلى الذَّبِيحَةِ يُبِيحُ أكْلَها؛ كالمُسْلِمِ؛ ولَوْ سَمّى الكافِرُ بِاسْمِ المَسِيحِ لَمْ تُؤْكَلْ؛ فَثَبَتَ حُكْمُ تَسْمِيَتِهِ؛ وصارَ كالمُسْلِمِ في حُكْمِها؛ فَكَذَلِكَ الإيلاءُ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمانِ؛ أحَدُهُما الكَفّارَةُ؛ والآخَرُ الطَّلاقُ؛ فَثَبَتَ حُكْمُ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ في بابِ الطَّلاقِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّ الإيلاءَ لا يَكُونُ إلّا بِالحَلِفِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وأنَّهُ لا يَكُونُ بِحَلِفِهِ بِالعَتاقِ؛ والطَّلاقِ؛ والصَّدَقَةِ؛ ونَحْوِها؛ وهَذا غَلَطٌ مِن قائِلِهِ؛ لِأنَّ الإيلاءَ إذا كانَ هو الحَلِفَ؛ وهو حالِفٌ بِهَذِهِ الأُمُورِ؛ ولا يَصِلُ إلى جِماعِها إلّا بِعِتْقٍ؛ أوْ طَلاقٍ؛ أوْ صَدَقَةٍ يَلْزَمُهُ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُولِيًا؛ كَحَلِفِهِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ الجَمِيعَ؛ إذْ كانَ مَن حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنهُ فَهو مُولٍ. * * فَصْلٌ ومِمّا تُفِيدُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأحْكامِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مِنها مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ؛ عَلى (p-٥٥)امْتِناعِ جَوازِ الكَفّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ؛ فَقالَ: "لَمّا حَكَمَ اللَّهُ لِلْمُولِي بِأحَدِ حُكْمَيْنِ؛ مِن فَيْءٍ؛ أوْ عَزِيمَةِ الطَّلاقِ؛ فَلَوْ جازَ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عَلى الحِنْثِ لَسَقَطَ الإيلاءُ بِغَيْرِ فَيْءٍ؛ ولا عَزِيمَةِ طَلاقٍ؛ لِأنَّهُ إنْ حَنِثَ لا يَلْزَمُهُ بِالحِنْثِ شَيْءٌ؛ ومَتى لَمْ يَلْزَمِ الحالِفَ بِالحِنْثِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ وفي جَوازِ تَقْدِيمِ الكَفّارَةِ إسْقاطُ حُكْمِ الإيلاءِ بِغَيْرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وذَلِكَ خِلافُ الكِتابِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ".

البقرة 2:228

بابُ الأقْراءِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾: اِخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُرادِ بِـ "اَلْقُرْءِ"؛ اَلْمَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ عَلِيٌّ؛ وعُمَرُ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ وأبُو مُوسى: هو الحَيْضُ؛ وقالُوا: هو أحَقُّ بِها ما لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ؛ ورَوى وكِيعٌ؛ عَنْ عِيسى الحافِظِ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ الخَبَرَ فالخَبَرَ؛ مِنهم أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ قالُوا: اَلرَّجُلُ أحَقُّ بِامْرَأتِهِ ما لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ؛ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ؛ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ؛ وعائِشَةُ: إذا دَخَلَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها؛ قالَتْ عائِشَةُ: "اَلْأقْراءُ: اَلْأطْهارُ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّها إذا دَخَلَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها؛ ولا تَحِلُّ لِلْأزْواجِ حَتّى تَغْتَسِلَ؛ وقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: اَلْأقْراءُ: اَلْحَيْضُ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ والأوْزاعِيِّ؛ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ إلّا أنَّ أصْحابَنا قَدْ قالُوا: لا تَنْقَضِي عِدَّتُها؛ إذا كانَتْ أيّامُها دُونَ العَشَرَةِ؛ حَتّى تَغْتَسِلَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ؛ أوْ يَذْهَبَ وقْتُ صَلاةٍ؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: "اَلْيَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ في ذَلِكَ مِثْلُ المُسْلِمَةِ"؛ وهَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِمَّنْ جَعَلَ الأقْراءَ الحَيْضَ؛ غَيْرُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ وقالَ أصْحابُنا: اَلذِّمِّيَّةُ تَنْقَضِي عِدَّتُها بِانْقِطاعِ الدَّمِ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ؛ لا غُسْلَ عَلَيْها؛ فَهي في مَعْنى مَنِ اغْتَسَلَتْ فَلا تَنْتَظِرُ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَّمِ شَيْئًا آخَرَ؛ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: إذا انْقَطَعَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ بَطَلَتِ الرَّجْعَةُ؛ ولَمْ يُعْتَبَرِ الغُسْلُ؛ وقالَ مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: اَلْأقْراءُ: اَلْأطْهارُ؛ فَإذا طَعَنَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَقَدْ بانَتْ؛ وانْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَصَلَ مِنَ اتِّفاقِ السَّلَفِ وُقُوعُ اسْمِ الأقْراءِ عَلى المَعْنَيَيْنِ؛ مِنَ الحَيْضِ؛ ومِنَ الأطْهارِ؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ اللَّفْظَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لَهُما لَما تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهم أهْلُ اللُّغَةِ؛ والمَعْرِفَةِ بِمَعانِي الأسْماءِ؛ وما يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ المَعانِي مِنَ العِباراتِ؛ فَلَمّا تَأوَّلَها فَرِيقٌ عَلى الحَيْضِ؛ وآخَرُونَ عَلى الأطْهارِ؛ (p-٥٦)عَلِمْنا وُقُوعَ الِاسْمِ عَلَيْهِما؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ قَدْ كانَ شائِعًا بَيْنَهُمْ؛ مُسْتَفِيضًا؛ ولَمْ يُنْكِرْ واحِدٌ مِنهم عَلى مُخالِفِيهِ في مَقالَتِهِ؛ بَلْ سَوَّغَ لَهُ القَوْلَ فِيهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى احْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَيَيْنِ؛ وتَسْوِيغِ الِاجْتِهادِ فِيهِ؛ ثُمَّ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِيهِما؛ أوْ مَجازًا فِيهِما؛ أوْ حَقِيقَةً في أحَدِهِما؛ مَجازًا في الآخَرِ؛ فَوَجَدْنا أهْلَ اللُّغَةِ مُخْتَلِفِينَ في مَعْنى القُرْءِ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ فَقالَ قائِلُونَ مِنهُمْ: هو اسْمٌ لِلْوَقْتِ؛ حَدَّثَنا بِذَلِكَ أبُو عَمْرٍو؛ غُلامُ ثَعْلَبٍ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ كانَ إذا سُئِلَ عَنْ مَعْنى القُرْءِ لَمْ يَزِدْهم عَلى: "اَلْوَقْتُ"؛ وقَدِ اسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يا رُبَّ مَوْلًى حاسِدٍ مُباغِضِ ∗∗∗ عَلَيَّ ذِي ضِغْنٍ وضَبٍّ فارِضِ ؎لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ يَعْنِي وقْتًا تَهِيجُ فِيهِ عَداوَتُهُ؛ وعَلى هَذا تَأوَّلُوا قَوْلَ الأعْشى: ؎وفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا ؎مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةً ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا يَعْنِي وقْتَ وطْئِهِنَّ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَتَأوَّلُهُ عَلى الطُّهْرِ نَفْسِهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: لِما ضاعَ فِيها مِن طُهْرِ نِسائِكَ؛ وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ ∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ يَعْنِي لِوَقْتِها في الشِّتاءِ؛ وقالَ آخَرُونَ: هو الضَّمُّ؛ والتَّأْلِيفُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ عَلى خَلاءٍ ∗∗∗ وقَدْ أمِنَتْ عُيُونَ الكاشِحِينا ؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا يَعْنِي لَمْ تَضُمَّ في بَطْنِها جَنِينًا؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ"؛ إذا جَمَعْتُهُ؛ و"قَرَوْتُ الأرْضَ"؛ إذا جَمَعْتَ شَيْئًا إلى شَيْءٍ؛ وسَيْرًا إلى سَيْرٍ؛ ويَقُولُونَ: "ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ"؛ أيْ: ما اجْتَمَعَ رَحِمُها عَلى ولَدٍ قَطُّ؛ ومِنهُ: "أقْرَأتِ النُّجُومُ"؛ إذا اجْتَمَعَتْ في الأُفُقِ؛ ويُقالُ: "أقْرَأتِ المَرْأةُ"؛ إذا حاضَتْ؛ فَهي مُقْرِئٌ؛ ذَكَرَهُ الأصْمَعِيُّ؛ والكِسائِيُّ؛ والفَرّاءُ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: هو الخُرُوجُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ؛ وهَذا قَوْلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شاهِدٌ مِنَ اللُّغَةِ؛ ولا هو ثابِتٌ عَمَّنْ يُوثَقُ بِهِ مِن أهْلِها؛ ولَيْسَ فِيما ذَكَرْنا مِنَ الشَّواهِدِ ما يَلِيقُ بِهَذا المَعْنى؛ فَهو ساقِطٌ؛ مَرْدُودٌ؛ ثُمَّ يَقُولُ: وإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُ الوَقْتَ؛ فالحَيْضُ أوْلى بِهِ؛ لِأنَّ الوَقْتَ إنَّما يَكُونُ وقْتًا لِما يَحْدُثُ فِيهِ؛ والحَيْضُ هو الحادِثُ؛ ولَيْسَ الطُّهْرُ شَيْئًا أكْثَرَ مِن عَدَمِ الحَيْضِ؛ ولَيْسَ هو شَيْئًا حادِثًا؛ (p-٥٧)فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحَيْضُ أوْلى بِمَعْنى الِاسْمِ؛ وإنْ كانَ هو الضَّمَّ؛ والتَّأْلِيفَ؛ فالحَيْضُ أوْلى بِهِ؛ لِأنَّ دَمَ الحَيْضِ إنَّما يَتَألَّفُ ويَجْتَمِعُ مِن سائِرِ أجْزاءِ البَدَنِ؛ في حالِ الحَيْضِ؛ فَمَعْناهُ أوْلى بِالِاسْمِ أيْضًا. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَتَألَّفُ الدَّمُ ويَجْتَمِعُ في أيّامِ الطُّهْرِ؛ ثُمَّ يَسِيلُ في أيّامِ الحَيْضِ؛ قِيلَ لَهُ: أحْسَنْتَ؛ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ؛ ودَلالَتُهُ قائِمَةٌ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ قَدْ صارَ القُرْءُ اسْمًا لِلدَّمِ؛ إلّا أنَّكَ زَعَمْتَ أنَّهُ يَكُونُ اسْمًا لَهُ في حالِ الطُّهْرِ؛ وقُلْنا: يَكُونُ اسْمًا لَهُ في حالِ الحَيْضِ؛ فَلا مَدْخَلَ إذًا لِلطُّهْرِ في تَسْمِيَتِهِ بِالقُرْءِ؛ لِأنَّ الطُّهْرَ لَيْسَ هو الدَّمَ؛ ألا تَرى أنَّ الطُّهْرَ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا مَعَ عَدَمِ الدَّمِ تارَةً؛ ومَعَ وُجُودِهِ أُخْرى؛ عَلى أصْلِكَ؟ فَإذًا القُرْءُ اسْمٌ لِلدَّمِ؛ ولَيْسَ بِاسْمٍ لِلطُّهْرِ؛ ولَكِنَّهُ لا يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ إلّا بَعْدَ ظُهُورِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ؛ إلّا في هَذِهِ الحالِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلا يُتَيَقَّنُ كَوْنُهُ في الرَّحِمِ في حالِ الطُّهْرِ؛ فَلَمْ يَجُزْ كُونُهُ في حالِ الطُّهْرِ أنْ نُسَمِّيَهُ بِاسْمِ القُرْءِ؛ لِأنَّ القُرْءَ اسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ؛ ولا حُكْمَ لَهُ قَبْلَ سَيَلانِهِ؛ وقَبْلَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ؛ وأيْضًا.. فَمِن أيْنَ لَكَ العِلْمُ بِاجْتِماعِ الدَّمِ في الرَّحِمِ في حالِ الطُّهْرِ؛ واحْتِباسِهِ فِيهِ؛ ثُمَّ سَيَلانِهِ في وقْتِ الحَيْضِ؟ فَإنَّ هَذا قَوْلٌ عارٍ مِن دَلِيلٍ يَقُومُ عَلَيْهِ؛ ويَرُدُّهُ ظاهِرُ الكِتابِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ فاسْتَأْثَرَ (تَعالى) بِعِلْمِ ما في الأرْحامِ؛ ولَمْ يُطْلِعْ عِبادَهُ عَلَيْهِ؛ فَمِن أيْنَ لَكَ القَضاءُ بِاجْتِماعِ الدَّمِ في حالِ الطُّهْرِ؛ ثُمَّ سَيَلانِهِ في وقْتِ الحَيْضِ؟ وما أنْكَرْتُ مِمَّنْ قالَ: إنَّما يَجْتَمِعُ مِن سائِرِ البَدَنِ؛ ويَسِيلُ في وقْتِ الحَيْضِ؛ لا قَبْلَ ذَلِكَ؛ ويَكُونُ أوْلى بِالحَقِّ مِنكَ؛ لِأنّا قَدْ عَلِمْنا يَقِينًا وُجُودَهُ في هَذا الوَقْتِ؛ ولَمْ نَعْلَمْ وُجُودَهُ في وقْتٍ قَبْلَهُ؛ فَلا يُحْكَمُ بِهِ لِوَقْتٍ مُتَقَدِّمٍ؛ وإذْ قَدْ بَيَّنّا وُقُوعَ الِاسْمِ عَلَيْهِما؛ وبَيَّنّا حَقِيقَةَ ما يَتَناوَلُهُ هَذا الِاسْمُ في اللُّغَةِ؛ فَلْيَدُلَّ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيْضِ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ في الحَقِيقَةِ؛ وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى الطُّهْرِ إنَّما هو مَجازٌ؛ واسْتِعارَةٌ؛ وإنْ كانَ ما قَدَّمْنا مِن شَواهِدِ اللُّغَةِ؛ وما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِن حَقِيقَتِها؛ كافِيَةً في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقِيقَتَهُ تَخْتَصُّ بِالحَيْضِ دُونَ الطُّهْرِ؛ فَنَقُولُ: لَمّا وجَدْنا أسْماءَ الحَقائِقِ الَّتِي لا تَنْتَفِي عَنْ مُسَمَّياتِها بِحالٍ؛ ووَجَدْنا أسْماءَ المَجازِ قَدْ يَجُوزُ أنْ تَنْتَفِيَ عَنْها في حالٍ؛ وتَلْزَمَها في أُخْرى؛ ثُمَّ وجَدْنا اسْمَ القُرْءِ غَيْرَ مُنْتَفٍ عَنِ الحَيْضِ بِحالٍ؛ ووَجَدْناهُ قَدْ يَنْتَفِي عَنِ الطُّهْرِ؛ لِأنَّ الطُّهْرَ مَوْجُودٌ في الآيِسَةِ؛ والصَّغِيرَةِ؛ ولَيْسَتا مِن ذَواتِ الأقْراءِ؛ عَلِمْنا أنَّ اسْمَ القُرْءِ لِلطُّهْرِ الَّذِي بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ مَجازٌ؛ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُجاوَرَتِهِ لِلْحَيْضِ؛ كَما يُسَمّى الشَّيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ؛ إذا كانَ مُجاوِرًا لَهُ؛ وكانَ مِنهُ بِسَبَبٍ؛ ألا تَرى أنَّهُ حِينَ جاوَرَ الحَيْضَ سُمِّيَ بِهِ؛ وحِينَ لَمْ (p-٥٨)يُجاوِرْهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجازٌ في الطُّهْرِ؛ حَقِيقَةٌ في الحَيْضِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الحَيْضُ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ أنَّهُ لَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ؛ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما؛ فَلَوْ أنَّهُما تَساوَيا في الِاحْتِمالِ لَكانَ الحَيْضُ أوْلاهُما؛ وذَلِكَ لِأنَّ لُغَةَ النَّبِيِّ ﷺ ورَدَتْ بِالحَيْضِ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ بِقَوْلِهِ: «"اَلْمُسْتَحاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِها"؛» وقالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْشٍ: «"فَإذا أقْبَلَ قُرْؤُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ؛ وإذا أدْبَرَ فاغْتَسِلِي؛ وصَلِّي ما بَيْنَ القُرْءِ إلى القُرْءِ"؛» فَكانَتْ لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ القُرْءَ: اَلْحَيْضُ؛ فَوَجَبَ ألّا يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ إلّا مَحْمُولًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ - لا مَحالَةَ - نَزَلَ بِلُغَتِهِ ﷺ؛ وهو المُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُرادَ الألْفاظِ المُحْتَمِلَةِ لِلْمَعانِي؛ ولَمْ تَرِدْ لُغَتُهُ بِالطُّهْرِ؛ فَكانَ حَمْلُهُ عَلى الحَيْضِ أوْلى مِنهُ عَلى الطُّهْرِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ؛ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ عَنْ مُظاهِرِ بْنِ أسْلَمَ؛ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «طَلاقُ الأمَةِ ثِنْتانِ؛ وقُرْؤُها حَيْضَتانِ» . قالَ أبُو عاصِمٍ: فَحَدَّثَنِي مُظاهِرٌ قالَ: حَدَّثَنِي بِهِ القاسِمُ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: «"وعِدَّتُها حَيْضَتانِ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ قالَ: حَدَّثَنا مُعَلّى قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى؛ عَنْ عَطِيَّةَ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «تَطْلِيقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ "؛» فَنَصَّ عَلى الحَيْضَتَيْنِ في عِدَّةِ الأمَةِ؛ وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ مُخالِفِينا؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ عِدَّتَها طُهْرانِ؛ ولا يَسْتَوْعِبُونَ لَها حَيْضَتَيْنِ. وإذا ثَبَتَ أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضَتانِ كانَتْ عِدَّةُ الحُرَّةِ ثَلاثَ حِيَضٍ؛ وهَذانِ الحَدِيثانِ - وإنْ كانَ وُرُودُهُما مِن طَرِيقِ الآحادِ - فَقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى اسْتِعْمالِهِما في أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ عَلى النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ؛ فَأوْجَبَ ذَلِكَ صِحَّتَهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في سَبايا أوْطاسٍ -: "لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ؛ ولا حائِلٌ حَتّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ"؛» ومَعْلُومٌ أنَّ أصْلَ العِدَّةِ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِبْراءِ؛ فَلَمّا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتِبْراءَ الأمَةِ بِالحَيْضَةِ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ وجَبَ أنْ تَكُونَ العِدَّةُ بِالحَيْضِ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْضُوعٌ في الأصْلِ لِلِاسْتِبْراءِ؛ أوْ لِمَعْرِفَةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الحَبَلِ؛ وإنْ كانَ قَدْ تَجِبُ العِدَّةُ عَلى الصَّغِيرَةِ؛ والآيِسَةِ؛ لِأنَّ الأصْلَ لِلِاسْتِبْراءِ؛ ثُمَّ حُمِلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الآيِسَةِ؛ والصَّغِيرَةِ؛ لِئَلّا يُتَرَخَّصَ في الَّتِي قارَبَتِ البُلُوغَ؛ وفي الكَبِيرَةِ؛ الَّتِي قَدْ يَجُوزُ أنْ تَحِيضَ؛ وتَرى الدَّمَ بِتَرْكِ العِدَّةِ؛ فَأوْجَبَ عَلى الجَمِيعِ العِدَّةَ؛ احْتِياطًا لِلِاسْتِبْراءِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ (p-٥٩)أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فَأوْجَبَ الشُّهُورَ عِنْدَ عَدَمِ الحَيْضِ؛ فَأقامَها مَقامَها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأصْلَ هو الحَيْضُ؛ كَما أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]؛ عَلِمْنا أنَّ الأصْلَ الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ إلى الصَّعِيدِ هو الماءُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) حَصَرَ الأقْراءَ بِعَدَدٍ يَقْتَضِي اسْتِيفاءَهُ لِلْعِدَّةِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ واعْتِبارُ الطُّهْرِ فِيهِ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَها بِكَمالِها فِيمَن طَلَّقَها لِلسُّنَّةِ؛ لِأنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ أنْ يُوقِعَهُ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْها فِيهِ؛ فَلا بُدَّ إذا كانَ كَذَلِكَ مِن أنْ يُصادِفَ طَلاقُهُ طُهْرًا قَدْ مَضى بَعْضُهُ؛ ثُمَّ تَعْتَدَّ بَعْدَهُ بِطُهْرَيْنِ آخَرَيْنِ؛ فَهَذانِ طُهْرانِ وبَعْضُ الثّالِثِ؛ فَلَمّا تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الثَّلاثِ إذا أرادَ طَلاقَ السُّنَّةِ؛ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ الحَيْضُ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ العَدَدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ بِكَمالِهِ؛ ولَيْسَ هَذا كَقَوْلِهِ ( تَعالى): ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ فالمُرادُ شَهْرانِ؛ وبَعْضُ الثّالِثِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُرْها بِعَدَدٍ؛ وإنَّما ذَكَرَها بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ والأقْراءُ مَحْصُورَةٌ بِعَدَدٍ؛ وإنَّما ذَكَرَها بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ والأقْراءُ مَحْصُورَةٌ بِعَدَدٍ لا يَحْتَمِلُ الأقَلَّ مِنهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: "رَأيْتُ ثَلاثَةَ رِجالٍ"؛ ومُرادُكَ رَجُلانِ؛ وجائِزٌ أنْ تَقُولَ: "رَأيْتُ رِجالًا"؛ والمُرادُ رَجُلانِ؟ وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ مَعْناهُ: عَمَلُ الحَجِّ في أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ؛ ومُرادُهُ: في بَعْضِها؛ لِأنَّ عَمَلَ الحَجِّ لا يَسْتَغْرِقُ الأشْهُرَ؛ وإنَّما يَقَعُ في بَعْضِ الأوْقاتِ مِنها؛ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى اسْتِيفاءِ العَدَدِ؛ وأمّا الأقْراءُ فَواجِبٌ اسْتِيفاؤُها لِلْعِدَّةِ؛ فَإنْ كانَتِ الأقْراءُ الأطْهارَ؛ فَواجِبٌ أنْ يُسْتَوْفى العَدَدُ المَذْكُورُ؛ كَما يُسْتَغْرَقُ الوَقْتُ كُلُّهُ؛ فَيَكُونُ جَمِيعُ أوْقاتِ الطُّهْرِ عِدَّةً إلى انْقِضاءِ عَدَدِها؛ فَلَمْ يَجُزْ الِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما دُونَ العَدَدِ المَذْكُورِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحَيْضَ؛ إذا أمْكَنَ اسْتِيفاءُ العَدَدِ عِنْدَ إيقاعِ طَلاقِ السُّنَّةِ؛ وكَما لَمْ يَجُزْ الِاقْتِصارُ في عِدَّةِ الآيِسَةِ؛ والصَّغِيرَةِ؛ عَلى شَهْرَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]؛ كَذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لَمْ يَجُزْ أنْ تَكُونَ اثْنَيْنِ وبَعْضَ الثّالِثِ. فَإنْ قِيلَ: إذا طَلَّقَها في الطُّهْرِ فَبَقِيَّتُهُ قُرْءٌ تامٌّ؛ قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها بِوُجُودِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ الثّالِثِ؛ إذا كانَ الجُزْءُ مِنهُ قُرْءًا تامًّا؛ فَإنْ قِيلَ: اَلْقُرْءُ هو الخُرُوجُ مِن حَيْضٍ؛ أوْ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ إلّا أنَّهم قَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها وهي حائِضٌ لَمْ يَكُنْ خُرُوجُها مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ مُعْتَدًّا بِهِ قُرْءًا؛ فَإذا ثَبَتَ أنَّ خُرُوجَها مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ غَيْرُ مُرادٍ بَقِيَ الوَجْهُ الآخَرُ؛ وهو خُرُوجُها مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ ويُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ثَلاثَةِ أقْراءٍ كامِلَةٍ إذا طَلَّقَها في الحَيْضِ؛ قِيلَ لَهُ: قَوْلُ القائِلِ: اَلْقُرْءُ هو خُرُوجٌ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ أوْ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ؛ قَوْلٌ يَفْسُدُ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا (p-٦٠)فِي مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ فَقالَ مِنهم قائِلُونَ: هي الحَيْضُ؛ وقالَ آخَرُونَ: هي الأطْهارُ؛ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهُمْ: إنَّهُ خُرُوجٌ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ؛ أوْ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ فَقَوْلُ القائِلِ بِما وصَفْتَ خارِجٌ عَنْ إجْماعِ السَّلَفِ؛ وقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ مِنهم بِخِلافِهِ؛ فَهو ساقِطٌ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ اخْتَلَفُوا في مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ عَلى ما قَدَّمْنا مِن أقْوالِهِمْ فِيهِ؛ ولَمْ يَقُلْ مِنهم أحَدٌ فِيما ذُكِرَ مِن حَقِيقَتِهِ ما يُوجِبُ احْتِمالَ خُرُوجِها مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ؛ أوْ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ فَيَفْسُدُ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا؛ ويَفْسُدُ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعى مَعْنًى لِاسْمٍ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَ بِشاهِدٍ مِنها عَلَيْهِ؛ أوْ رِوايَةٍ عَنْ أهْلِها فِيهِ؛ فَلَمّا عَرِيَ هَذا القَوْلُ مِن دَلالَةِ اللُّغَةِ؛ ورِوايَةٍ فِيها؛ سَقَطَ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّهُ لَوْ كانَ القُرْءُ اسْمًا لِلِانْتِقالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ سُمِّيَ بِهِ في الأصْلِ غَيْرُهُ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنَ الِانْتِقالِ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ مَوْضُوعٍ لَهُ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ وإنَّما هو مَنقُولٌ مِن غَيْرِهِ؛ فَإذا لَمْ يُسَمَّ شَيْءٌ مِن ضُرُوبِ الِانْتِقالِ بِهَذا الِاسْمِ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ لَهُ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ انْتِقالُها مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ قُرْءًا؛ ثُمَّ انْتِقالُها مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ قُرْءًا ثانِيًا؛ ثُمَّ انْتِقالُها مِنَ الطُّهْرِ الثّانِي إلى الحَيْضِ قُرْءًا ثالِثًا؛ فَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها بِدُخُولِها في الحَيْضَةِ الثّانِيَةِ؛ إذْ لَيْسَ بِحَيْضٍ عَلى أصْلِكَ اسْمُ القُرْءِ بِالِانْتِقالِ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ؛ دُونَ الِانْتِقالِ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ. فَإنْ قِيلَ: الظّاهِرُ يَقْتَضِيهِ؛ إلّا أنَّ دَلالَةَ الإجْماعِ مَنَعَتْ مِنهُ؛ قِيلَ لَهُ: ما أنْكَرْتُ مِمَّنْ قالَ لَكَ: إنَّ المُرادَ الِانْتِقالُ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ؛ إلّا أنَّهُ إذا طَلَّقَها في الحَيْضِ لَمْ يُعْتَدَّ بِانْتِقالِها مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ فِيهِ؛ بِدَلالَةِ الإجْماعِ؛ وحُكْمُ اللَّفْظِ باقٍ بَعْدَ ذَلِكَ في سائِرِ الِانْتِقالاتِ؛ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ؛ فَإذا لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْفِصالُ مِمّا ذَكَرْنا؛ وتَعارَضا؛ سَقَطا؛ وزالَ الِاحْتِجاجُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: اِعْتِبارُ خُرُوجِها مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ أوْلى مِنَ اعْتِبارِ خُرُوجِها مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ؛ لِأنَّ في انْتِقالِها مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ دَلالَةً عَلى بَراءَةِ رَحِمِها مِنَ الحَبَلِ؛ وخُرُوجُها مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ غَيْرُ دالٍّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ تَحْبَلَ المَرْأةُ في آخِرِ حَيْضِها؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا: ؎ومُبَرَّأً مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيَلِ يَعْنِي أنَّ أُمَّهُ لَمْ تَحْبَلْ بِهِ في بَقِيَّةِ حَيْضِها؛ فَيُقالُ لَهُ: قَوْلُكَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَحْبَلَ بِهِ في بَقِيَّةِ حَيْضِها؛ قَوْلٌ خَطَأٌ؛ لِأنَّ الحَبَلَ لا يُجامِعُهُ الحَيْضُ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ؛ ولا حائِلٌ (p-٦١)حَتّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ"؛» فَجَعَلَ وُجُودَ الحَيْضِ عِلْمًا لِبَراءَةِ رَحِمِها مِنَ الحَبَلِ؛ فَثَبَتَ أنَّ الحَمْلَ والحَيْضَ لا يَجْتَمِعانِ؛ ومَتى حَمَلَتِ المَرْأةُ وهي حائِضٌ ارْتَفَعَ الحَيْضُ؛ ولا يَكُونُ الدَّمُ المَوْجُودُ مِنَ الحَبَلِ حَيْضًا؛ وإنَّما يَكُونُ دَمَ اسْتِحاضَةٍ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُكَ: إنَّ خُرُوجَها مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى بَراءَةِ رَحِمِها؛ قَوْلٌ خَطَأٌ؛ وأمّا اسْتِشْهادُهُ بِقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا فَإنَّهُ مِنَ العَجائِبِ؛ وما عِلْمُ هَذا الشّاعِرِ الجاهِلِ بِذَلِكَ؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ [الجن: ٢٦]؛ يَعْنِي أنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ذَلِكَ؛ دُونَ خَلْقِهِ؛ وأنَّ الخَلْقَ لا يَعْلَمُونَ مِنهُ إلّا ما عَلَّمَهُمْ؛ مَعَ دَلالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى انْتِفاءِ اجْتِماعِ الحَيْضِ؛ والحَبَلِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ ما ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا؛ لِأنَّهُ إذا كانَتِ العِدَّةُ بِالأقْراءِ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَّحِمِ مِنَ الحَبَلِ؛ والطُّهْرُ لا اسْتِبْراءَ فِيهِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ طُهْرٌ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ الِاعْتِبارُ بِالحِيَضِ؛ الَّتِي هي عِلْمٌ لِبَراءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الحَبَلِ؛ إذْ لَيْسَ في الطُّهْرِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ العِدَّةَ بِالأقْراءِ اسْتِبْراءٌ أنَّها لَوْ رَأتِ الدَّمَ ثُمَّ ظَهَرَ بِها حَبَلٌ كانَتِ العِدَّةُ هي الحَبَلُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العِدَّةَ لِذَواتِ الأقْراءِ؛ إنَّما هي اسْتِبْراءٌ مِنَ الحَبَلِ؛ والِاسْتِبْراءُ مِنَ الحَبَلِ إنَّما يَكُونُ بِالحَيْضِ؛ لا بِالطُّهْرِ؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ لِلصَّغِيرَةِ؛ والآيِسَةِ؛ طُهْرٌ صَحِيحٌ؛ ولَيْسَ بِاسْتِبْراءٍ؛ والمَعْنى الآخَرُ أنَّ الطُّهْرَ مُقارِنٌ لِلْحَبَلِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ الِاسْتِبْراءَ لا يَقَعُ بِما يُقارِنُهُ؛ وإنَّما يَقَعُ بِما يُنافِيهِ؛ وهو الحَيْضُ؛ فَيَكُونُ دَلالَةً عَلى بَراءَةِ رَحِمِها مِنَ الحَبَلِ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العِدَّةُ بِالحِيَضِ؛ دُونَ الأطْهارِ؛ واحْتَجَّ مَنِ اعْتَبَرَ الأطْهارَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ «وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ حِينَ طَلَّقَ ابْنُهُ امْرَأتَهُ حائِضًا: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيَدَعْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"». قالَ: فَهَذا يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّها بِالأطْهارِ؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ؛ بَعْدَ ذِكْرِهِ الطَّلاقَ في الطُّهْرِ: «"فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطُّهْرِ؛ دُونَ الحَيْضِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ العِدَّةَ بِالأطْهارِ؛ دُونَ الحَيْضِ؛ والثّانِي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]؛ وذَلِكَ عُقَيْبَ الطَّلاقِ في الطُّهْرِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُحْصى هو بَقِيَّةَ الطُّهْرِ؛ وهو الَّذِي يَلِي الطَّلاقَ؛ فَيُقالُ لَهُ: أمّا قَوْلُهُ: «"فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» فَإنَّ اللّامَ قَدْ تَدْخُلُ في ذَلِكَ لِحالٍ ماضِيَةٍ؛ ومُسْتَقْبَلَةٍ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ: «"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ"؛» يَعْنِي لِرُؤْيَةٍ ماضِيَةٍ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩]؛ يَعْنِي الآخِرَةَ؟ فاللّامُ هَهُنا لِلِاسْتِقْبالِ؛ والتَّراخِي؛ ويَقُولُونَ: "تَأهَّبَ لِلشِّتاءِ"؛ يَعْنِي وقْتًا مُسْتَقْبَلًا؛ (p-٦٢)مُتَراخِيًا عَنْ حالِ التَّأهُّبِ؛ وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْماضِي؛ والمُسْتَقْبَلِ؛ ومَتى تَناوَلَ المُسْتَقْبَلَ فَلَيْسَ في مُقْتَضاهُ وُجُودُهُ عُقَيْبَ المَذْكُورِ بِلا فَصْلٍ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ؛ ووَجَدْنا قَوْلَهُ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ؛ فِيهِ ذِكْرُ حَيْضَةٍ ماضِيَةٍ؛ والحَيْضَةُ المُسْتَقْبَلَةُ مَعْلُومَةٌ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: «"مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيَدَعْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الحَيْضَةِ الماضِيَةِ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العِدَّةَ إنَّما هي الحَيْضُ؛ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً؛ إذْ هي مَعْلُومٌ كَوْنُها عَلى مُجْرى العادَةِ؛ فَلَيْسَ الطُّهْرُ حِينَئِذٍ بِأوْلى بِالِاعْتِبارِ مِنَ الحَيْضِ؛ لِأنَّ الحَيْضَ في المُسْتَقْبَلِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا؛ فَجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ؛ إذا كانَ مَعْلُومًا؛ كَما أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ طُهْرًا بَعْدَ الطَّلاقِ؛ وإنَّما ذَكَرَ طُهْرًا قَبْلَهُ؛ ولَكِنَّ الطُّهْرَ لَمّا كانَ مَعْلُومًا وُجُودُهُ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ إذا طَلَّقَها فِيهِ؛ عَلى مُجْرى العادَةِ؛ جازَ عِنْدَكَ رُجُوعُ الكَلامِ إلَيْهِ؛ وإرادَتُهُ بِاللَّفْظِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَجائِزٌ أنْ تَحِيضَ عُقَيْبَ الطَّلاقِ بِلا فَصْلٍ؛ فَلَيْسَ إذًا في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الِاعْتِدادِ بِهِ هو الطُّهْرُ دُونَ الحَيْضِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها في آخِرِ الطُّهْرِ فَحاضَتْ عُقَيْبَ الطَّلاقِ بِلا فَصْلٍ؛ فَإنَّ عِدَّتَها يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الحَيْضَ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ بِمُقْتَضى لَفْظِهِ ﷺ؛ إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ ذِكْرُ حَيْضٍ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ ولا طُهْرٍ؛ فَإذا حاضَتْ عُقَيْبَ الطَّلاقِ كانَ ذَلِكَ عِدَّتَها. ثُمَّ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ؛ في اعْتِبارِ الحَيْضِ؛ بَيْنَ وُجُودِهِ عُقَيْبَ الطَّلاقِ؛ ومُتَراخِيًا عَنْهُ؛ فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الحَيْضُ هو المُعْتَدَّ بِهِ مِنَ الأقْراءِ؛ دُونَ الطُّهْرِ؛ فَإنْ قِيلَ: اَلْحَيْضَةُ الماضِيَةُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ تَكُونَ مُرادَةً بِالخَبَرِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الطَّلاقِ مِنَ الحَيْضِ لا يَكُونُ عِدَّةً؛ قِيلَ لَهُ: إذا كانَتْ تَعْتَدُّ بِهِ بَعْدَ الطَّلاقِ جازَ أنْ يُسَمِّيَها عِدَّةً؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَسَمّاهُ زَوْجًا قَبْلَ النِّكاحِ؛ ويَلْزَمُ مُخالِفَنا مِن ذَلِكَ ما لَزِمَنا؛ لِأنَّهُ ﷺ ذَكَرَ الطُّهْرَ؛ وأمَرَهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ؛ ولَمْ يَذْكُرِ الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَ الطَّلاقِ؛ فَقَدْ سَمّى الطُّهْرَ الَّذِي قَبْلَهُ عِدَّةً؛ لِأنَّهُ بِهِ تَعْتَدُّ عِنْدَكَ؛ فَما أنْكَرْتُ أنْ تُسَمّى الَّتِي قَبْلَ الطَّلاقِ عِدَّةً؛ إذْ كانَتْ بِها تَعْتَدُّ؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَإنَّ الإحْصاءَ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالطُّهْرِ؛ دُونَ الحَيْضِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذِي عَدَدٍ فالإحْصاءُ يَلْحَقُهُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الَّذِي يَلِي الطَّلاقَ هو الطُّهْرَ؛ وقَدْ أُمِرْنا بِالإحْصاءِ؛ فَأوْجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ الأمْرُ بِالإحْصاءِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الفَوْرِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ الإحْصاءَ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى أشْياءَ ذَوِي عَدَدٍ؛ فَأمّا شَيْءٌ واحِدٌ قَبْلَ انْضِمامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ؛ فَلا عِبْرَةَ بِإحْصائِهِ؛ فَإذًا لُزُومُ الإحْصاءِ يَتَعَلَّقُ بِما يُوجَدُ في (p-٦٣)المُسْتَقْبَلِ مِنَ الأقْراءِ؛ مُتَراخِيًا عَنْ وقْتِ الطَّلاقِ؛ ثُمَّ حِينَئِذٍ الطُّهْرُ لا يَكُونُ أوْلى بِهِ مِنَ الحَيْضِ؛ إذْ كانَتْ سِمَةُ الإحْصاءِ تَتَناوَلُهُما جَمِيعًا؛ وتَلْحَقُهُما عَلى وجْهٍ واحِدٍ؛ وأيْضًا فَيَلْزَمُكَ عَلى هَذا أنْ تَقُولَ: إنَّها لَوْ حاضَتْ عُقَيْبَ الطَّلاقِ أنْ تَكُونَ عِدَّتُها بِالحَيْضِ؛ لِلُزُومِ الإحْصاءِ عُقَيْبَهُ؛ والَّذِي يَلِيهِ في هَذِهِ الحالِ الحَيْضُ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو العِدَّةَ. وقالَ بَعْضُ المُخالِفِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ مَعْناهُ: في عِدَّتِهِنَّ؛ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: "كَتَبَ لِغُرَّةِ الشَّهْرِ"؛ مَعْناهُ: في هَذا الوَقْتِ؛ وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ "فِي" هي ظَرْفٌ؛ واللّامُ - وإنْ كانَتْ مُتَصَرِّفَةً عَلى مَعانٍ - فَلَيْسَ في أقْسامِها الَّتِي تَتَصَرَّفُ عَلَيْها؛ وتَحْتَمِلُها؛ كَوْنُها ظَرْفًا؛ والمَعانِي الَّتِي تَنْقَسِمُ إلَيْها لامُ الإضافَةِ كَثِيرَةٌ؛ مِنها: لامُ المِلْكِ؛ كَقَوْلِكَ: "لَهُ مالٌ"؛ ولامُ الفِعْلِ؛ كَقَوْلِكَ: "لَهُ كَلامٌ؛ ولَهُ حَرَكَةٌ"؛ ولامُ العِلَّةِ؛ كَقَوْلِكَ: "قامَ لِأنَّ زَيْدًا جاءَهُ؛ وأعْطاهُ لِأنَّهُ سَألَهُ"؛ ولامُ النِّسْبَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "لَهُ أبٌ؛ ولَهُ أخٌ"؛ ولامُ الِاخْتِصاصِ؛ كَقَوْلِكَ: "لَهُ عِلْمٌ؛ ولَهُ إرادَةٌ"؛ ولامُ الِاسْتِغاثَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "يا لَبَكْرٍ؛ ويا لَدارِمٍ"؛ ولامُ "كَيْ"؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣]؛ ولامُ العاقِبَةِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ فَهَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَنْقَسِمُ إلَيْها هَذِهِ اللّامُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها ما ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ مَعْناهُ: في عِدَّتِهِنَّ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِدَّةُ مَوْجُودَةً حَتّى يُطَلِّقَها فِيها؛ كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: "طَلَّقَها في شَهْرِ رَجَبٍ"؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها قَبْلَ أنْ يُوجَدَ مِنهُ شَيْءٌ؛ فَبانَ بِذَلِكَ فَسادُ قَوْلِ هَذا القائِلِ؛ وتَناقُضُهُ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ الطُّهْرُ الَّذِي مَسْنُونٌ فِيهِ طَلاقُ السُّنَّةِ؛ أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها بَعْدَ الجِماعِ في الطُّهْرِ لَكانَ مُخالِفًا لِلسُّنَّةِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ ما تَعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ؛ بِكَوْنِهِ جَمِيعًا مِن حَيْضٍ؛ أوْ طُهْرٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِإيقاعِ طَلاقِ السُّنَّةِ في وقْتِ الطُّهْرِ؛ بِكَوْنِهِ عِدَّةً مُحْصاةً مِنها؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها وهي حائِضٌ لَكانَتْ مُعْتَدَّةً عُقَيْبَ الطَّلاقِ؛ ونَحْنُ مُخاطَبُونَ بِإحْصاءِ عِدَّتِها؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِلُزُومِ الإحْصاءِ؛ ولا لِوَقْتِ طَلاقِ السُّنَّةِ؛ لِكَوْنِهِ هو المُعْتَدَّ بِهِ؛ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ القائِلُ - الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَ اعْتِراضِهِ في هَذا الفَصْلِ -: وقَدِ اعْتَبَرْتُمْ - يَعْنِي أهْلَ العِراقِ - مَعانِيَ أُخَرَ؛ غَيْرَ الأقْراءِ مِنَ الِاغْتِسالِ؛ أوْ مُضِيِّ وقْتِ الصَّلاةِ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما أوْجَبَ العِدَّةَ بِالأقْراءِ؛ ولَيْسَ الِاغْتِسالِ؛ ولا مُضِيِّ وقْتِ الصَّلاةِ في شَيْءٍ؛ فَيُقالُ لَهُ: لَمْ نَعْتَبِرْ غَيْرَ الأقْراءِ الَّتِي هي عِنْدَنا؛ ولَكِنّا لَمْ نَتَيَقَّنِ انْقِضاءَ الحَيْضِ؛ والحُكْمَ بِمُضِيِّهِ؛ إلّا بِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ لِمَن كانَتْ أيّامُها دُونَ العَشَرَةِ؛ وهو (p-٦٤)الِاغْتِسالُ؛ واسْتِباحَةُ الصَّلاةِ بِهِ؛ فَتَكُونُ طاهِرًا بِالِاتِّفاقِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ وعَلِيٍّ؛ وعَبْدِ اللَّهِ؛ وعُظَماءِ السَّلَفِ: مِن بَقاءِ الرَّجْعَةِ إلى أنْ تَغْتَسِلَ؛ أوْ يَمْضِيَ عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ -؛ فَيَلْزَمُها فَرْضُها؛ فَيَكُونُ لُزُومُ فَرْضِ الصَّلاةِ مُنافِيًا لِبَقاءِ حُكْمِ الحَيْضِ؛ وهَذا إنَّما هو كَلامٌ في مُضِيِّ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ؛ ووُقُوعِ الطُّهْرِ مِنها؛ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ في المَسْألَةِ في شَيْءٍ؛ ألا تَرى أنّا نَقُولُ: إنَّ أيّامَها إذا كانَتْ عَشَرَةً انْقَضَتْ عِدَّتُها بِمُضِيِّ العَشَرَةِ؛ اغْتَسَلَتْ أوْ لَمْ تَغْتَسِلْ؛ لِحُصُولِ اليَقِينِ بِانْقِضاءِ الحَيْضَةِ؛ إذْ لا يَكُونُ الحَيْضُ عِنْدَنا أكْثَرَ مِن عَشَرَةٍ؛ فالمُلْزِمُ لَنا - ذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ الحَيْضِ - مُغْفَلٌ في إلْزامِهِ؛ واضِعٌ لِلْأقْراءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها. قالَ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وقَدْ أفْرَدْنا لِهَذِهِ المَسْألَةِ كِتابًا؛ واسْتَقْصَيْنا القَوْلَ فِيها أكْثَرَ مِن هَذا؛ وفِيما ذَكَرْناهُ هَهُنا كِفايَةٌ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ العِدَّةِ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ؛ ومُرادُهُ؛ مَقْصُورٌ عَلى الحُرَّةِ؛ دُونَ الأمَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ عَلى النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ؛ وقَدْ رَوَيْنا عَنْ عَلِيٍّ؛ وعُمَرَ؛ وعُثْمانَ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ؛ وآخَرِينَ مِنهُمْ؛ أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ عَلى النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ؛ وقَدْ رَوَيْنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ طَلاقَ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ»؛ والسُّنَّةُ والإجْماعُ قَدْ دَلّا عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ (تَعالى) في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ هو الحَرائِرُ؛ دُونَ الإماءِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾: رَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي الضُّحى؛ عَنْ مَسْرُوقٍ؛ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ قالَ: "كانَ مِنَ الأمانَةِ أنِ ائْتُمِنَتِ المَرْأةُ عَلى فَرْجِها". ورَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ - قالَ: "اَلْحَيْضَ؛ والحَبَلَ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "اَلْحَيْضَ"؛ والحَكَمُ عَنْ مُجاهِدٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ أحَدُهُما: "اَلْحَمْلَ"؛ وقالَ الآخَرُ: "اَلْحَيْضَ"؛ وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ اسْتَحْلَفَ امْرَأةً أنَّها لَمْ تَسْتَكْمِلِ الحَيْضَ؛ وقَضى بِذَلِكَ عُثْمانُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا وعَظَها بِتَرْكِ الكِتْمانِ دَلَّ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُها في وُجُودِ الحَيْضِ؛ أوْ عَدَمِهِ؛ وكَذَلِكَ في الحَبَلِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا مِمّا خَلَقَ اللَّهُ (تَعالى) في رَحِمِها؛ ولَوْلا أنَّ قَوْلَها فِيهِ مَقْبُولٌ لَما وُعِظَتْ بِتَرْكِ الكِتْمانِ؛ ولا كِتْمانَ لَها؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ إذا قالَتْ: "أنا حائِضٌ"؛ لَمْ يَحِلَّ لِزَوْجِها وطْؤُها؛ وأنَّها إذا قالَتْ: "قَدْ طَهُرْتُ"؛ حَلَّ لَهُ وطْؤُها؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ إذا قالَ لَها: "أنْتِ طالِقٌ إنْ حِضْتِ"؛ فَقالَتْ: "قَدْ حِضْتُ"؛ طُلِّقَتْ؛ وكانَ قَوْلُها كالبَيِّنَةِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ سائِرِ الشُّرُوطِ؛ إذا عُلِّقَ بِها الطَّلاقُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ: "إنْ دَخَلْتِ الدّارَ؛ وكَلَّمْتِ زَيْدًا"؛ فَقالُوا: لا يُقْبَلُ قَوْلُها؛ إذا لَمْ يُصَدِّقْها الزَّوْجُ؛ إلّا بِبَيِّنَةٍ؛ وتُصَدَّقُ في الحَيْضِ؛ والطُّهْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أوْجَبَ عَلَيْنا (p-٦٥)قَبُولَ قَوْلِها في الحَيْضِ؛ والحَبَلِ؛ وفي انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وذَلِكَ مَعْنًى يَخُصُّها؛ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُها؛ فَجُعِلَ قَوْلُها كالبَيِّنَةِ؛ فَكَذَلِكَ سائِرُ ما تَعَلَّقَ مِنَ الأحْكامِ بِالحَيْضِ؛ فَقَوْلُها مَقْبُولٌ فِيهِ. وقالُوا: لَوْ قالَ لَها: "عَبْدِي حُرٌّ إنْ حِضْتِ"؛ فَقالَتْ: "قَدْ حِضْتُ"؛ لَمْ تُصَدَّقْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ في غَيْرِها؛ أعْنِي عِتْقَ العَبْدِ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما جَعَلَ قَوْلَها كالبَيِّنَةِ في الحَيْضِ فِيما يَخُصُّها مِنَ انْقِضاءِ عِدَّتِها؛ ومِن إباحَةِ وطْئِها؛ أوْ حَظْرِهِ؛ فَأمّا فِيما لا يَخُصُّها؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِها؛ فَهو كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّرُوطِ؛ فَلا تُصَدَّقُ عَلَيْهِ؛ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في تَصْدِيقِ المُؤْتَمَنِ فِيما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لَمّا وعَظَهُ بِتَرْكِ البَخْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ فِيهِ؛ ولَوْلا أنَّهُ مَقْبُولُ القَوْلِ فِيهِ لَما كانَ مَوْعُوظًا بِتَرْكِ البَخْسِ؛ وهو لَوْ بَخَسَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ إذا كَتَمَ؛ أوْ أظْهَرَ؛ كانَ المَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ فِيما كَتَمَ؛ وفِيما أظْهَرَ؛ لِدَلالَةِ وعْظِهِ إيّاهُ بِتَرْكِ الكِتْمانِ عَلى قَبُولِ قَوْلِهِ فِيها. وذَلِكَ كُلُّهُ أصْلٌ في أنَّ كُلَّ مَنِ ائْتُمِنَ عَلى شَيْءٍ فالقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ؛ كالمُودَعِ إذا قالَ: "قَدْ ضاعَتِ الوَدِيعَةُ"؛ أوْ "قَدْ رَدَدْتُها"؛ وكالمُضارِبِ؛ والمُسْتَأْجِرِ؛ وسائِرِ المَأْمُونِينَ عَلى الحُقُوقِ؛ ولِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ثُمَّ قَوْلَهُ (تَعالى) - عَطْفًا عَلَيْهِ -: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ بِأمانَةٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمانَةً لَما عَطَفَ الأمانَةَ عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ الشَّيْءُ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ؛ وإنَّما يُعْطَفُ عَلى غَيْرِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾؛ إنَّما هو مَقْصُورُ الحُكْمِ عَلى الحَبَلِ؛ دُونَ الحَيْضِ؛ لِأنَّ الدَّمَ إنَّما يَكُونُ حَيْضًا إذا سالَ؛ ولا يَكُونُ حَيْضًا وهو في الرَّحِمِ؛ لِأنَّ الحَيْضَ هو حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالدَّمِ الخارِجِ؛ فَما دامَ في الرَّحِمِ فَلا حُكْمَ لَهُ؛ ولا مَعْنى لِاعْتِبارِهِ؛ ولا ائْتِمانِ المَرْأةِ عَلَيْهِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا صَحِيحٌ؛ إذِ الدَّمُ لا يَكُونُ حَيْضًا إلّا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الرَّحِمِ؛ ولَكِنَّ دَلالَةَ الآيَةِ قائِمَةٌ عَلى ما ذَكَرْنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ وقْتَ الحَيْضِ إنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى قَوْلِها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ دَمٍ سائِلٍ حَيْضًا؛ وإنَّما يَكُونُ حَيْضًا بِأسْبابٍ أُخَرَ؛ نَحْوَ الوَقْتِ؛ والعادَةِ؛ وبَراءَةِ الرَّحِمِ عَنِ الحَبَلِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ؛ وكانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ إنَّما تُعْلَمُ مِن جِهَتِها؛ فَهي إذا قالَتْ: "قَدْ حِضْتُ ثَلاثَ حِيَضٍ"؛ فالقَوْلُ قَوْلُها؛ بِمُقْتَضى الآيَةِ؛ وكَذَلِكَ إذا قالَتْ: "لَمْ أرَ دَمًا؛ ولَمْ تَنْقَضِ عِدَّتِي"؛ فالقَوْلُ قَوْلُها؛ وكَذَلِكَ إذا قالَتْ: " قَدْ أسْقَطْتُ سُقْطًا قَدِ اسْتَبانَ خَلْقُهُ؛ وانْقَضَتْ عِدَّتِي"؛ فالقَوْلُ قَوْلُها؛ وإنَّما التَّصْدِيقُ مُتَعَلِّقٌ بِحَيْضٍ قَدْ وُجِدَ؛ ودَمٍ قَدْ (p-٦٦)سالَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الحَيْضَ لا يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِلَوْنِ الدَّمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اخْتُصَّتْ هي بِالرُّجُوعِ إلى قَوْلِها؛ دُونَنا؛ لِأنَّها وإيّانا مُتَساوُونَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الألْوانِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ دَمَ الحَيْضِ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ بِلَوْنِهِ مِن لَوْنِ دَمِ الِاسْتِحاضَةِ؛ وأنَّهُما عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ؛ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ الحَيْضَ بِلَوْنِ الدَّمِ؛ وإنَّما لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلّا مِن جِهَتِها عِنْدَ سُقُوطِ اعْتِبارِ لَوْنِ الدَّمِ؛ لِما وصَفْنا مِن أنَّ وقْتَ الحَيْضِ؛ والعادَةَ فِيهِ؛ ومِقْدارَهُ؛ وأوْقاتَ الطُّهْرِ؛ إنَّما يُعْلَمُ مِن جِهَتِها؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ دَمٍ حَيْضًا؛ وكَذَلِكَ وُجُودُ الحَمْلِ النّافِي لِكَوْنِ الدَّمِ حَيْضًا؛ وإسْقاطُ سُقْطٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ المَرْجِعُ فِيهِ إلى قَوْلِها؛ لِأنّا لا نَعْلَمُهُ نَحْنُ؛ ولا نَقِفُ عَلَيْهِ؛ إلّا مِن جِهَتِها؛ فَلِذَلِكَ جُعِلَ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَها. وذَكَرَ هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّ قَوْلَ المَرْأةِ مَقْبُولٌ في وُجُودِ الحَيْضِ؛ ويُحْكَمُ بِبُلُوغِها إذا كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ سِنًّا تَحِيضُ فِيهِ مِثْلُها؛ وذَلِكَ لِما ذَكَرْنا مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾؛ قالَ مُحَمَّدٌ: ولَوْ قالَ صَبِيٌّ مُراهِقٌ: "قَدِ احْتَلَمْتُ"؛ لَمْ يُصَدَّقْ فِيهِ؛ حَتّى يُعْلَمَ الِاحْتِلامُ؛ أوْ بُلُوغُ سِنٍّ يَكُونُ مِثْلُهُ بالِغًا فِيها؛ فَفارِقٌ بَيْنَ الحَيْضِ؛ والِاحْتِلامِ؛ والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَيْضَ إنَّما يُعْلَمُ مِن جِهَتِها؛ لِتَعَلُّقِهِ بِالأوْقاتِ؛ والعادَةِ؛ والمَعانِي الَّتِي لا تُعْلَمُ مِن جِهَةٍ غَيْرِها؛ ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى قَبُولِ قَولِها فِيهِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاحْتِلامُ؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ خُرُوجُ المَنِيِّ عَلى وجْهِ الدَّفْقِ؛ والشَّهْوَةِ؛ بِأسْبابٍ أُخَرَ غَيْرِ خُرُوجِهِ؛ ولا اعْتِبارَ فِيهِ بِوَقْتٍ؛ ولا عادَةٍ؛ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ فِيهِ حَتّى نَعْلَمَ يَقِينًا صِحَّةَ ما قالَ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّ دَمَ الحَيْضِ؛ والِاسْتِحاضَةِ؛ لَمّا كانا عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ لِمَن شاهَدَ الدَّمَ أنْ يَقْضِيَ لَهُ بِحُكْمِ الحَيْضِ؛ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى قَوْلِها؛ إذْ كانَ إنَّما هو شَيْءٌ تَعْلَمُهُ هي دُونَنا؛ وأمّا الِاحْتِلامُ فَلا يَشْتَبِهُ فِيهِ خُرُوجُ المَنِيِّ عَلى أحَدٍ شاهَدَهُ؛ وهو يُدْرَكُ ويُعْلَمُ مِن غَيْرِ التِباسٍ مِنهُ بِغَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ نَحْتَجْ فِيهِ إلى الرُّجُوعِ إلى قَوْلِهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ لَيْسَ بِشَرْطٍ في النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ؛ وإنَّما هو عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ؛ وأنَّهُ مِن شَرائِطِ الإيمانِ؛ فَعَلَيْها ألّا تَكْتُمَ. ومَن يُؤْمِنُ؛ ومَن لا يُؤْمِنُ؛ في هَذا النَّهْيِ سَواءٌ؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢]؛ وقَوْلِ مَرْيَمَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] . قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾؛ قَدْ تَضَمَّنَ ضُرُوبًا مِنَ الأحْكامِ؛ أحَدُها أنَّ ما دُونَ الثَّلاثِ لا يَرْفَعُ الزَّوْجِيَّةَ؛ ولا يُبْطِلُها؛ وإخْبارٌ بِبَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ سَمّاهُ بَعْلًا بَعْدَ الطَّلاقِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بَقاءِ التَّوارُثِ؛ وسائِرِ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ؛ ما دامَتْ مُعْتَدَّةً؛ ودَلَّ عَلى أنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ؛ (p-٦٧)ما دامَتْ مُعْتَدَّةً؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ يَعْنِي فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الثَّلاثَةِ القُرُوءِ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ إباحَةَ هَذِهِ الرَّجْعَةِ مَقْصُورَةٌ عَلى حالِ إرادَةِ الإصْلاحِ؛ ولَمْ يُرِدْ بِها الإضْرارَ بِها؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾؛ مَعَ بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ؛ وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما قَدْ زالَ عَنْهُ مِلْكُهُ؛ فَأمّا فِيما هو في مِلْكِهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: "بِرَدِّها إلى مِلْكِهِ"؛ مَعَ بَقاءِ مِلْكِهِ فِيها؟ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ هُناكَ سَبَبٌ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ زَوالُ النِّكاحِ عِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ جازَ إطْلاقُ اسْمِ الرَّدِّ عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى المانِعِ مِن زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ فَسَمّاهُ رَدًّا؛ إذْ كانَ رافِعًا لِحُكْمِ السَّبَبِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ زَوالُ المِلْكِ؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ وهو مُمْسِكٌ لَها في هَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّها زَوْجَتُهُ؛ وإنَّما المُرادُ الرَّجْعَةُ المُوجِبَةُ لِبَقاءِ النِّكاحِ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَيْضِ؛ الَّتِي لَوْ لَمْ تَكُنِ الرَّجْعَةُ لَكانَتْ مُزِيلَةً لِلنِّكاحِ؛ وهَذِهِ الرَّجْعَةُ - وإنْ كانَتْ إباحَتُها مَعْقُودَةً بِشَرِيطَةِ إرادَةِ الإصْلاحِ - فَإنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ إذا راجَعَها مُضارًّا في الرَّجْعَةِ؛ مُرِيدًا لِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْها؛ أنَّ رَجْعَتَهُ صَحِيحَةٌ؛ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الرَّجْعَةُ صَحِيحَةً إذا وقَعَتْ عَلى وجْهِ الضِّرارِ؛ لَما كانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ بِفِعْلِها. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى جَوازِ إطْلاقِ لَفْظِ العُمُومِ في مُسَمَّياتٍ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ ما انْتَظَمَهُ العُمُومُ؛ فَلا يَمْنَعُ ذَلِكَ اعْتِبارَ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيما يَشْمَلُهُ في غَيْرِ ما خُصَّ بِهِ المَعْطُوفُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ عامٌّ في المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا؛ وفِيما دُونَها؛ لا خِلافَ في ذَلِكَ؛ ثُمَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ حُكْمٌ خاصٌّ فِيمَن كانَ طَلاقُها دُونَ الثَّلاثِ؛ ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ الِاقْتِصارَ بِحُكْمِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ عَلى ما دُونَ الثَّلاثِ؛ ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ؛ والسُّنَّةِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]؛ وذَلِكَ عُمُومٌ في الوالِدَيْنِ؛ الكافِرَيْنِ؛ والمُسْلِمَيْنِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان: ١٥]؛ وذَلِكَ خاصٌّ في الوالِدَيْنِ المُشْرِكَيْنِ؛ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ عُمُومَ أوَّلِ الخِطابِ في الفَرِيقَيْنِ؛ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ والكُفّارِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. (p-٦٨) * * بابُ حَقِّ الزَّوْجِ عَلى المَرْأةِ .. وحَقِّ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلى صاحِبِهِ حَقًّا؛ وأنَّ الزَّوْجَ مُخْتَصٌّ بِحَقٍّ لَهُ عَلَيْها؛ لَيْسَ لَها عَلَيْهِ مِثْلُهُ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآيَةِ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ مِنَ الحَقِّ مُفَسَّرًا؛ وقَدْ بَيَّنَهُ في غَيْرِها؛ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ؛ فَمِمّا بَيَّنَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ مِن حَقِّ المَرْأةِ عَلَيْهِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]؛ وكانَتْ هَذِهِ النَّفَقَةُ مِن حُقُوقِها عَلَيْهِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛ فَجَعَلَ مِن حَقِّها عَلَيْهِ أنْ يُوَفِّيَها صَداقَها؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]؛ فَجَعَلَ مِن حَقِّها عَلَيْهِ ألّا يَأْخُذَ مِمّا أعْطاها شَيْئًا؛ إذا أرادَ فِراقَها؛ وكانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاسْتِبْدالِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ فَجَعَلَ مِن حَقِّها عَلَيْهِ تَرْكُ إظْهارِ المَيْلِ إلى غَيْرِها؛ وقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مِن حَقِّها القَسْمُ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ نِسائِهِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَرْكَ إظْهارِ المَيْلِ إلى غَيْرِها؛. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ عَلَيْهِ وطْأها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ يَعْنِي: لا فارِغَةً فَتَتَزَوَّجُ؛ ولا ذاتَ زَوْجٍ؛ إذْ لَمْ يُوَفِّها حَقَّها مِنَ الوَطْءِ؛ ومِن حَقِّها ألّا يُمْسِكَها ضِرارًا؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]؛ إذا كانَ خِطابًا لِلزَّوْجِ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن حَقِّها؛ إذا لَمْ يَمِلْ إلَيْها؛ ألّا يَعْضُلَها عَنْ غَيْرِهِ بِتَرْكِ طَلاقِها؛ فَهَذِهِ كُلُّها مِن حُقُوقِ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ؛ وقَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الآياتُ إثْباتَها لَها. ومِمّا بَيَّنَ اللَّهُ (تَعالى) مِن حَقِّ الزَّوْجِ عَلى المَرْأةِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]؛ فَقِيلَ فِيهِ: حِفْظُ مائِهِ في رَحِمِها؛ ولا تَحْتالُ في إسْقاطِهِ؛ ويَحْتَمِلُ حِفْظَ فِراشِها عَلَيْهِ؛ ويَحْتَمِلُ: حافِظاتٌ لِما في بُيُوتِهِنَّ مِن مالِ أزْواجِهِنَّ؛ ولِأنْفُسِهِنَّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ قَدْ أفادَ ذَلِكَ لُزُومَها طاعَتَهُ؛ لِأنَّ وصْفَهُ بِالقِيامِ عَلَيْها يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ (p-٦٩)واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤]؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْها طاعَتَهُ في نَفْسِها؛ وتَرْكَ النُّشُوزِ عَلَيْهِ. وقَدْ رُوِيَ في حَقِّ الزَّوْجِ عَلى المَرْأةِ؛ وحَقِّ المَرْأةِ عَلَيْهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ؛ بَعْضُها مُواطِئٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ؛ وبَعْضُها زائِدٌ عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ؛ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ؛ وغَيْرُهُ؛ قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفاتٍ؛ فَقالَ: اِتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فَإنَّكم أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ؛ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ؛ وإنَّ لَكم عَلَيْهِنَّ ألّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَإنْ فَعَلْنَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ؛ ولَهُنَّ عَلَيْكم رِزْقُهُنَّ؛ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» . ورَوى لَيْثٌ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما حَقُّ الزَّوْجِ عَلى الزَّوْجَةِ؟ فَذَكَرَ فِيها أشْياءَ: "لا تَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِن بَيْتِهِ إلّا بِإذْنِهِ؛ فَإنْ فَعَلَتْ كانَ لَهُ الأجْرُ؛ وعَلَيْها الوِزْرُ"؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما حَقُّ الزَّوْجِ عَلى زَوْجَتِهِ؟ قالَ: "لا تَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ إلّا بِإذْنِهِ؛ ولا تَصُومُ يَوْمًا إلّا بِإذْنِهِ"». ورَوى مِسْعَرٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ؛ وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ؛ وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ اَلْآيَةَ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ التَّفْرِيقِ؛ إذا أعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِها؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ الحَقِّ عَلَيْها مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِنَّ؛ فَسَوّى بَيْنَهُما؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَسْتَبِيحَ بُضْعَها مِن غَيْرِ نَفَقَةٍ يُنْفِقُها عَلَيْها؛ وهَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنِ البُضْعِ؛ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُما؛ ويَسْتَحِقُّ البُضْعَ عَلَيْها مِن أجْلِها؛ لِأنَّهُ قَدْ مَلَكَ البُضْعَ بِعَقْدِ النِّكاحِ؛ وبَدَلُهُ هو المَهْرُ؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّها لَوْ كانَتْ بَدَلًا لَما اسْتَحَقَّتِ التَّفْرِيقَ بِالآيَةِ؛ لِأنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ فاقْتَضى ذَلِكَ تَفْضِيلَهُ عَلَيْها فِيما يَتَعَلَّقُ بَيْنَهُما مِن حُقُوقِ النِّكاحِ؛ وأنْ يَسْتَبِيحَ بُضْعَها؛ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى نَفَقَتِها؛ وأيْضًا فَإنْ كانَتِ النَّفَقَةُ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْها بِتَسْلِيمِها نَفْسَها في بَيْتِهِ فَقَدْ أوْجَبْنا لَها عَلَيْهِ مِثْلَ ما أبَحْنا مِنها لَهُ؛ وهو فَرْضُ النَّفَقَةِ؛ وإثْباتُها في ذِمَّتِهِ لَها؛ فَلَمْ تَخْلُ في هَذِهِ الحالِ مِن إيجابِ الحَقِّ لَها؛ كَما أوْجَبْناهُ لَهُ عَلَيْها؛ ومِمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الأحْكامِ؛ إيجابُ مَهْرِ المِثْلِ؛ إذا لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا؛ لِأنَّهُ قَدْ مَلَكَ عَلَيْها بُضْعَها بِالعَقْدِ؛ واسْتَحَقَّ عَلَيْها تَسْلِيمَ نَفْسِها إلَيْهِ؛ فَعَلَيْهِ (p-٧٠)لَها مِثْلُ مِلْكِهِ عَلَيْها؛ ومِثْلُ البُضْعِ هو قِيمَتُهُ؛ وهي مَهْرُ المِثْلِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ فَقَدْ عُقِلَ بِهِ وُجُوبُ قِيمَةِ ما يَسْتَمْلِكُهُ عَلَيْهِ؛ بِما لا مِثْلَ لَهُ مِن جِنْسِهِ؛ وكَذَلِكَ مِثْلُ البُضْعِ هو مَهْرُ المِثْلِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ مِن ذَلِكَ ما لا شَطَطَ فِيهِ؛ ولا تَقْصِيرَ؛ كَما «قالَ ﷺ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ ولَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا؛ ولَمْ يَدْخُلْ بِها: "لَها مَهْرُ مِثْلِ نِسائِها؛ ولا وكْسَ؛ ولا شَطَطَ"؛» وقَوْلُهُ: «"أيُّما امْرَأةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها فَنِكاحُها باطِلٌ؛ فَإنْ دَخَلَ بِها فَلَها مَهْرُ مِثْلِ نِسائِها؛ ولا وكْسَ؛ ولا شَطَطَ"؛» فَهَذا هو المَعْنى المَعْرُوفُ المَذْكُورُ في الآيَةِ؛ وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَها عَلى أنَّهُ لا مَهْرَ لَها؛ فَإنَّ المَهْرَ واجِبٌ لَها؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَن شَرَطَ نَفْيَ المَهْرِ في النِّكاحِ؛ وبَيْنَ مَن لَمْ يَشْرِطْ في إيجابِهِ لَها مِثْلَ الَّذِي عَلَيْها. وقَوْلُهُ: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: مِمّا فُضِّلَ بِهِ الرَّجُلُ عَلى المَرْأةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]؛ فَأخْبَرَ بِأنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَيْها بِأنْ جُعِلَ قَيِّمًا عَلَيْها. وقالَ (تَعالى): ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]؛ فَهَذا أيْضًا مِمّا يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّفْضِيلَ عَلَيْها؛ ومِمّا فُضِّلَ بِهِ عَلَيْها ما ألْزَمَها اللَّهُ مِن طاعَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤]؛ ومِن دَرَجاتِ التَّفْضِيلِ ما أباحَهُ لِلزَّوْجِ مِن ضَرْبِها عِنْدَ النُّشُوزِ؛ وهِجْرانِ فِراشِها؛ ومِن وُجُوهِ التَّفْضِيلِ عَلَيْها ما مَلَكَ الرَّجُلُ مِن فِراقِها بِالطَّلاقِ؛ ولَمْ تَمْلِكْهُ؛ ومِنها أنَّهُ جَعَلَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها ثَلاثًا سِواها؛ ولَمْ يَجْعَلْ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ؛ ما دامَتْ في حِبالِهِ؛ أوْ في عِدَّةٍ مِنهُ؛ ومِنها زِيادَةُ المِيراثِ عَلى قَسْمِها؛ ومِنها أنَّ عَلَيْها أنْ تَنْتَقِلَ إلى حَيْثُ يُرِيدُ الزَّوْجُ؛ ولَيْسَ عَلى الزَّوْجِ اتِّباعُها في النَّقْلَةِ؛ والسُّكْنى؛ وأنَّهُ لَيْسَ لَها أنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا إلّا بِإذْنِ زَوْجِها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ضُرُوبٌ أُخَرُ مِنَ التَّفْضِيلِ؛ سِوى ما ذَكَرْنا؛ مِنها حَدِيثُ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ؛ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ؛ عَنْ جابِرٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كانَ النِّساءُ لِأزْواجِهِنَّ"؛» وحَدِيثُ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ؛ عَنْ حَفْصٍ؛ اِبْنِ أخِي أنَسٍ؛ عَنْ أنَسٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ؛ ولَوْ صَلُحَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها؛ مِن عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْها؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ مِن قَدَمِهِ إلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةً بِالقَيْحِ والصَّدِيدِ؛ ثُمَّ لَحَسَتْهُ لَما أدَّتْ حَقَّهُ» . ورَوى الأعْمَشُ؛ عَنْ أبِي حازِمٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ؛ فَأبَتْ؛ فَباتَ غَضْبانَ عَلَيْها؛ لَعَنَتْها المَلائِكَةُ (p-٧١)حَتّى تُصْبِحَ» . وفِي حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ؛ «عَنْ عَمَّةٍ لَهُ؛ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: "أذاتُ زَوْجٍ أنْتِ؟"؛ فَقالَتْ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَأيْنَ أنْتِ مِنهُ؟"؛ قالَتْ: ما آلُوهُ إلّا ما عَجَزْتُ عَنْهُ؛ قالَ: "فانْظُرِي أيْنَ أنْتِ مِنهُ؛ فَإنَّما هو جَنَّتُكِ؛ أوْ نارُكِ"». ورَوى سُفْيانُ؛ عَنْ أبِي زِيادٍ؛ عَنِ الأعْرَجِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"لا تَصُومُ المَرْأةُ يَوْمًا وزَوْجُها شاهِدٌ؛ مِن غَيْرِ رَمَضانَ؛ إلّا بِإذْنِهِ"». وحَدِيثُ الأعْمَشِ؛ عَنْ أبِي صالِحٍ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّساءَ أنْ يَصُمْنَ إلّا بِإذْنِ أزْواجِهِنَّ». فَهَذِهِ الأخْبارُ؛ مَعَ ما تَضَمَّنَتْهُ دَلالَةُ الكِتابِ؛ تُوجِبُ تَفْضِيلَ الزَّوْجِ عَلى المَرْأةِ في الحُقُوقِ الَّتِي يَقْتَضِيها عَقْدُ النِّكاحِ؛ وقَدْ ذُكِرَ في قَوْلِهِ ( تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ نَسْخٌ في مَواضِعَ؛ أحَدُها ما رَواهُ مُطْرِفٌ؛ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ؛ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ عِدَّةُ النِّساءِ في الطَّلاقِ؛ والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَدْ بَقِيَ نِساءٌ لَمْ تَنْزِلْ عِدَّتُهُنَّ بَعْدُ؛ الصِّغارُ؛ والكِبارُ؛ والحُبْلى؛ فَنَزَلَتْ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]»؛ ورَوى عَبْدُ الوَهّابِ؛ عَنْ سَعِيدٍ؛ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ فَجَعَلَ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ ثَلاثَ حِيَضٍ؛ ثُمَّ نَسَخَ مِنها الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها في العِدَّةِ؛ ونُسِخَ مِنَ الثَّلاثَةِ القُرُوءِ امْرَأتانِ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فَهَذِهِ العَجُوزُ؛ الَّتِي لا تَحِيضُ؛ ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فَهَذِهِ البِكْرُ؛ عِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ؛ ولَيْسَ الحَيْضُ مِن أمْرِها في شَيْءٍ؛ ونُسِخَ مِنَ الثَّلاثَةِ القُرُوءِ الحامِلُ؛ فَقالَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فَهَذِهِ أيْضًا لَيْسَتْ مِنَ القُرُوءِ في شَيْءٍ؛ إنَّما أجَلُها أنْ تَضَعَ حَمْلَها. قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَسْخِ شَيْءٍ؛ وإنَّما أكْثَرُ ما فِيهِ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عِدَّةِ الصَّغِيرَةِ؛ والآيِسَةِ؛ والحُبْلى؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلِمُوا خُصُوصَ الآيَةِ؛ وأنَّ الحُبْلى لَمْ تَدْخُلْ فِيها؛ مَعَ جَوازِ أنْ تَكُونَ مُرادَةً بِها؛ وكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ؛ لِأنَّهُ كانَ جائِزًا أنْ يَشْتَرِطَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ بَعْدَ بُلُوغِها؛ وإنْ طُلِّقَتْ وهي صَغِيرَةٌ؛ وأمّا الآيِسَةُ فَقَدْ عُقِلَ مِنَ الآيَةِ أنَّها لَمْ تُرَدْ بِها؛ لِأنَّ الآيِسَةَ هي الَّتِي لا يُرْجى لَها حَيْضٌ؛ فَلا جائِزَ أنْ يَتَناوَلَها مُرادُ الآيَةِ بِحالٍ؛ وأمّا حَدِيثُ قَتادَةَ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عامَّةً في اقْتِضائِها إيجابَ العِدَّةِ بِالأقْراءِ في المَدْخُولِ بِها؛ وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ وأنَّهُ نُسِخَ مِنها غَيْرُ المَدْخُولِ بِها؛ وهَذا مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ كَما قالَ. وأمّا قَوْلُهُ: ونُسِخَ عَنِ الثَّلاثَةِ القُرُوءٍ امْرَأتانِ؛ وهُما الآيِسَةُ؛ والصَّغِيرَةُ؛ فَإنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ النَّسْخِ في الآيَةِ؛ وأرادَ بِهِ التَّخْصِيصَ؛ وكَثِيرًا ما يُوجَدُ (p-٧٢)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ؛ إطْلاقُ لَفْظِ النَّسْخِ؛ ومُرادُهُمُ التَّخْصِيصُ؛ فَإنَّما أرادَ قَتادَةُ بِذِكْرِ النَّسْخِ في الآيِسَةِ التَّخْصِيصَ؛ لا حَقِيقَةَ النَّسْخِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ وُرُودُ النَّسْخِ إلّا فِيما قَدِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ؛ وثَبَتَ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ تَكُونَ الآيِسَةُ مُرادَةً بِعِدَّةِ الأقْراءِ؛ مَعَ اسْتِحالَةِ وُجُودِها مِنها؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ التَّخْصِيصَ؛ وقَدْ يَحْتَمِلُ وجْهًا؛ عَلى بُعْدٍ؛ عِنْدَنا؛ وهو أنْ يَكُونَ مَذْهَبُ قَتادَةَ أنَّ الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُها؛ وإنْ كانَتْ شابَّةً؛ تُسَمّى آيِسَةً؛ وأنَّ عِدَّتَها مَعَ ذَلِكَ الأقْراءُ؛ وإنْ طالَتِ المُدَّةُ فِيها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّ الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُها مِنَ الآيِساتِ؛ تَكُونُ عِدَّتُها عِدَّةَ الآيِسَةِ؛ وإنْ كانَتْ شابَّةً؛ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ فَإنْ كانَ إلى هَذا ذَهَبَ؛ في مَعْنى الآيِسَةِ؛ فَهَذِهِ جائِزٌ أنْ تَكُونَ مُرادَةً بِالأقْراءِ؛ لِأنَّها يُرْجى وُجُودُها مِنها. وأمّا قَوْلُهُ: ونُسِخَ مِنَ الثَّلاثَةِ القُرُوءٍ الحامِلُ؛ فَإنَّ هَذا أيْضًا جائِزٌ؛ سائِغٌ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ وُرُودُ العِبارَةِ بِأنَّ عِدَّةَ الحامِلِ ثَلاثُ حِيَضٍ؛ بَعْدَ وضْعِ الحَمْلِ؛ وإنْ كانَتْ مِمَّنْ لا تَحِيضُ؛ وهي حامِلٌ؛ فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ عِدَّتُها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ؛ بَعْدَ وضْعِ الحَمْلِ؛ فَنُسِخَ بِالحَمْلِ؛ إلّا أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَدْ أخْبَرَ أنَّ الحامِلَ لَمْ تَكُنْ مُرادَةً بِعِدَّةِ الأقْراءِ؛ وأنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَأخْبَرَ بِأنَّهُ لَمْ تَنْزِلْ في الحامِلِ؛ والآيِسَةِ؛ والصَّغِيرَةِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ( تَعالى) ذَلِكَ؛ ولَيْسَ يَجُوزُ إطْلاقُ النَّسْخِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ إلّا فِيما قَدْ عُلِمَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ؛ ووُرُودُ الحُكْمِ النّاسِخِ لَهُ مُتَأخِّرًا عَنْهُ؛ إلّا أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ النَّسْخِ؛ والمُرادُ التَّخْصِيصُ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ فَلا يَضِيقُ؛ وأوْلى الأشْياءِ بِنا حَمْلُهُ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾؛ لَمْ يَرِدْ إلّا خاصًّا في المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الحَيْضِ؛ المَدْخُولِ بِهِنَّ؛ وأنَّ الآيِسَةَ؛ والصَّغِيرَةَ؛ والحامِلَ؛ لَمْ يَرِدْنَ قَطُّ بِالآيَةِ؛ إذْ لَيْسَ مَعَنا تارِيخٌ لِوُرُودِ هَذِهِ الأحْكامِ؛ ولا عُلِمَ بِاسْتِقْرارِ حُكْمِها؛ ثُمَّ نَسْخِهِ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ هَذِهِ الآياتِ ورَدَتْ مَعًا؛ وتَرَتَّبَتْ أحْكامُها عَلى ما اقْتَضاها مِنَ اسْتِعْمالِها؛ وبُنِيَ العامُّ عَلى الخاصِّ مِنها. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجْهٌ آخَرُ مِنَ النَّسْخِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وهو ما رَوى الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ؛ عَنْ أبِيهِ عَطِيَّةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾؛ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ كانَ أحَقَّ بِرَدِّها؛ وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا؛ فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وعَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ وقالَ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فَنُسِخَ؛ واسْتَثْنى مِنها؛ فَقالَ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ (p-٧٣)طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ ورُوِيَ فِيها وجْهٌ آخَرُ؛ وهو ما رَوى مالِكٌ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ؛ ثُمَّ راجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ كانَ ذَلِكَ لَهُ؛ وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ؛ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ؛ فَطَلَّقَها حَتّى إذا شارَفَتِ انْقِضاءَ العِدَّةِ راجَعَها؛ ثُمَّ طَلَّقَها؛ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا آوِيكِ إلَيَّ؛ ولا تَحِلِّينَ مِنِّي أبَدًا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ جَدِيدًا مِن يَوْمِئِذٍ؛ مَن كانَ مِنهم طَلَّقَ؛ أوْ لَمْ يُطَلِّقْ. ورَوى شَيْبانُ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾؛ قالَ: في القُرُوءِ الثَّلاثَةِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ لِكُلِّ مَرَّةٍ قُرْءٌ؛ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما كانَ قَبْلَها؛ فَجَعَلَ اللَّهُ حَدَّ الطَّلاقِ ثَلاثًا؛ فَجَعَلَهُ أحَقَّ بِرَجْعَتِها؛ ما لَمْ تُطَلَّقْ ثَلاثًا.

البقرة 2:229

بابُ عَدَدِ الطَّلاقِ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذُكِرَتْ في مَعْناهُ وُجُوهٌ؛ أحَدُها أنَّهُ بَيانٌ لِلطَّلاقِ الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ؛ يُرْوى ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وقَتادَةَ؛ والثّانِي أنَّهُ بَيانٌ لِطَلاقِ السُّنَّةِ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ والثّالِثُ أنَّهُ أمَرَ بِأنَّهُ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا فَعَلَيْهِ تَفْرِيقُ الطَّلاقِ؛ فَيَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالطَّلاقِ مَرَّتَيْنِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُما الثّالِثَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ بَيانٌ لِما يَبْقى مَعَهُ الرَّجْعَةُ مِنَ الطَّلاقِ؛ وإنْ ذَكَرَ مَعَهُ الرَّجْعَةَ عُقَيْبَهُ؛ فَإنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيانَ المُباحِ مِنهُ؛ وأمّا ما عَداهُ فَمَحْظُورٌ؛ وبَيَّنَ مَعَ ذَلِكَ حُكْمَهُ إذا أوْقَعَهُ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ عُقَيْبَهُ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَقْصِدَ فِيهِ الأمْرُ بِتَفْرِيقِ الطَّلاقِ؛ وبَيانُ حُكْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِإيقاعِ ما دُونَ الثَّلاثِ مِنَ الرَّجْعَةِ؛ أنَّهُ قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ مَعًا لَما جازَ أنْ يُقالَ: "طَلَّقَها مَرَّتَيْنِ"؛ وكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلى آخَرَ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: "أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ"؛ حَتّى يُفَرِّقَ الدَّفْعَ؛ فَحِينَئِذٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ. وإذا كانَ هَذا هَكَذا؛ فَلَوْ كانَ الحُكْمُ المَقْصُودُ بِاللَّفْظِ هو ما تَعَلَّقَ بِالتَّطْلِيقَتَيْنِ مِن بَقاءِ الرَّجْعَةِ؛ لَأدّى ذَلِكَ إلى إسْقاطِ فائِدَةِ ذِكْرِ المَرَّتَيْنِ؛ إذا كانَ هَذا الحُكْمُ ثابِتًا في المَرَّةِ الواحِدَةِ إذا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لِلْمَرَّتَيْنِ إنَّما هو أمْرٌ بِإيقاعِهِ مَرَّتَيْنِ؛ ونَهْيٌ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما في مَرَّةٍ واحِدَةٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ لَكانَ الواجِبُ حَمْلَهُ (p-٧٤)عَلى إثْباتِ الحُكْمِ في إيجابِ الفائِدَتَيْنِ؛ وهُما: الأمْرُ بِتَفْرِيقِ الطَّلاقِ؛ مَتى أرادَ أنْ يُطَلِّقَ اثْنَتَيْنِ؛ وبَيانُ حُكْمِ الرَّجْعَةِ؛ إذا طَلَّقَ كَذَلِكَ؛ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَوْعِبًا لِلْمَعْنَيَيْنِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الخَبَرَ؛ فَإنَّ مَعْناهُ الأمْرُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وما جَرى هَذا المُجْرى مِمّا هو في صِيغَةِ الخَبَرِ؛ ومَعْناهُ الأمْرُ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ؛ ولَيْسَ بِخَبَرٍ؛ أنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لَوُجِدَ مُخْبَرُهُ عَلى ما أُخْبِرَ بِهِ؛ لِأنَّ أخْبارَ اللَّهِ (تَعالى) لا تَنْفَكُّ مِن وُجُودِ مُخْبَراتِها؛ فَلَمّا وجَدْنا النّاسَ قَدْ يُطَلِّقُونَ الواحِدَةَ؛ والثَّلاثَ مَعًا - ولَوْ كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ اِسْمًا لِلْخَبَرِ لاسْتَوْعَبَ جَمِيعَ ما تَحْتَهُ -؛ ثُمَّ وجَدْنا في النّاسِ مَن يُطَلِّقُ لا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الخَبَرَ؛ وأنَّهُ تَضَمَّنَ أحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إمّا الأمْرَ بِتَفْرِيقِ الطَّلاقِ؛ مَتى أرَدْنا الإيقاعَ؛ أوِ الإخْبارَ عَنِ المَسْنُونِ المَندُوبِ إلَيْهِ مِنهُ؛ وأوْلى الأشْياءِ حَمْلُهُ عَلى الأمْرِ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بِمَعْنى قَوْلِهِ: "طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ؛ مَتى أرَدْتُمُ الطَّلاقَ"؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي الإيجابَ؛ وإنَّما يَنْصَرِفُ إلى النَّدْبِ بِدَلالَةٍ؛ ويَكُونُ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"اَلصَّلاةُ مَثْنى مَثْنى؛ والتَّشَهُّدُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ وتَمَسْكُنٌ؛ وخُشُوعٌ"؛» فَهَذِهِ صِيغَةُ الخَبَرِ؛ والمُرادُ الأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ. وعَلى أنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ المَسْنُونِ مِنَ الطَّلاقِ كانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى حَظْرِ جَمْعِ الِاثْنَتَيْنِ؛ أوِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ مُنْتَظِمٌ لِجَمِيعِ الطَّلاقِ المَسْنُونِ؛ فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِن مَسْنُونِ الطَّلاقِ إلّا وقَدِ انْطَوى تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ؛ فَإذا ما خَرَجَ عَنْهُ فَهو عَلى خِلافِ السُّنَّةِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مَن جَمَعَ اثْنَتَيْنِ؛ أوْ ثَلاثًا؛ في كَلِمَةٍ فَهو مُطَلِّقٌ لِغَيْرِ السُّنَّةِ؛ فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ الدَّلالَةَ عَلى مَعانٍ؛ مِنها أنَّ مَسْنُونَ الطَّلاقِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أعْدادِ الثَّلاثِ؛ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا؛ ومِنها أنَّ لَهُ أنْ يُطَلِّقَ اثْنَتَيْنِ في مَرَّتَيْنِ؛ ومِنها أنَّ ما دُونَ الثَّلاثِ تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ؛ ومِنها أنَّهُ إذا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ في الحَيْضِ وقَعَتا؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ حَكَمَ بِوُقُوعِهِما؛ ومِنها أنَّهُ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الزِّيادَةَ عَلى الثَّلاثِ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّهم كانُوا يُطَلِّقُونَ ما شاؤُوا مِنَ العَدَدِ؛ ثُمَّ يُراجِعُونَ؛ فَقُصِرُوا عَلى الثَّلاثِ؛ ونُسِخَ بِهِ ما زادَ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُكْمِ العَدَدِ المَسْنُونِ مِنَ الطَّلاقِ؛ ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الوَقْتِ المَسْنُونِ فِيهِ إيقاعُ الطَّلاقِ؛ وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ طَلاقَ العِدَّةِ؛ «فَقالَ لِابْنِ عُمَرَ - حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ -: "ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ؛ إنَّما طَلاقُ العِدَّةِ أنْ تُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ (p-٧٥)أوْ حامِلًا وقَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"». فَكانَ طَلاقُ السُّنَّةِ مَعْقُودًا بِوَصْفَيْنِ؛ أحَدُهُما العَدَدُ؛ والآخَرُ الوَقْتُ؛ فَأمّا العَدَدُ فَألّا يَزِيدَ في طُهْرٍ واحِدٍ عَلى واحِدَةٍ؛ وأمّا الوَقْتُ فَأنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في طَلاقِ السُّنَّةِ لِذَواتِ الأقْراءِ؛ فَقالَ أصْحابُنا: أحْسَنُ الطَّلاقِ أنْ يُطَلِّقَها إذا طَهُرَتْ قَبْلَ الجِماعِ؛ ثُمَّ يَتْرُكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وإنْ أرادَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا؛ طَلَّقَها عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ واحِدَةً قَبْلَ الجِماعِ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: وبَلَغَنا عَنْ إبْراهِيمَ؛ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِبُّونَ ألّا يَزِيدُوا في الطَّلاقِ عَلى واحِدَةٍ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ؛ وأنَّ هَذا عِنْدَهم أفْضَلُ مِن أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ واحِدَةً. وقالَ مالِكٌ؛ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ الماجِشُونُ؛ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ؛ والأوْزاعِيُّ: "طَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ قَبْلَ الجِماعِ تَطْلِيقَةً واحِدَةً"؛ ويَكْرَهُونَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ؛ لَكِنَّهُ إنْ لَمْ يُرِدْ رَجْعَتَها تَرَكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها مِنَ الواحِدَةِ. وقالَ الشّافِعِيُّ - فِيما رَواهُ عَنْهُ المُزَنِيُّ -: لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا؛ ولَوْ قالَ لَها: "أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ"؛ وهي طاهِرٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ طُلِّقَتْ ثَلاثًا مَعًا. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَنَبْدَأُ بِالكَلامِ عَلى الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ؛ فَنَقُولُ: إنَّ دَلالَةَ الآيَةِ الَّتِي تَلَوْتَها ظاهِرَةٌ في بُطْلانِ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِإيقاعِ الِاثْنَتَيْنِ في مَرَّتَيْنِ؛ فَمَن أوْقَعَ الِاثْنَتَيْنِ في مَرَّةٍ فَهو مُخالِفٌ لِحُكْمِها؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الثَّلاثِ؛ لِما فِيها مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَنا مِنَ الطَّيِّباتِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الزَّوْجاتِ قَدْ تَناوَلَهُنَّ هَذا العُمُومُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ فَوَجَبَ بِحَقِّ العُمُومِ حَظْرُ الطَّلاقِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِها؛ ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ في إباحَةِ إيقاعِ الثَّلاثِ في وقْتِ السُّنَّةِ؛ وإيقاعِ الواحِدَةِ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ لاقْتَضَتِ الآيَةُ حَظْرَهُ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ مِن دَلائِلِ الكِتابِ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُبِحِ الطَّلاقَ ابْتِداءً لِمَن تَجِبُ عَلَيْها العِدَّةُ إلّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ فَلَمْ يُبِحِ الطَّلاقَ المُبْتَدَأ لِذَواتِ العِدَدِ إلّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ؛ وحُكْمُ الطَّلاقِ مَأْخُوذٌ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ لَوْلاها لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ؛ فَلَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُهُ مَسْنُونًا إلّا عَلى هَذِهِ (p-٧٦)الشَّرِيطَةِ؛ وبِهَذا الوَصْفِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَن أدْخَلَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ"؛» وأقَلُّ أحْوالِ هَذا اللَّفْظِ حَظْرُ خِلافِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الَّتِي تَلَوْنا؛ مِن إيقاعِ الطَّلاقِ المُبْتَدَإ مَقْرُونًا بِما يُوجِبُ الرَّجْعَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ؛ عَنْ مالِكٍ؛ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا عَنْبَسَةُ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «أخْبَرَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ إنْ شاءَ طَلَّقَها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّ؛ فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَما أمَرَ اللَّهُ"؛» فَذَكَرَ سالِمٌ في رِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ؛ ونافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها؛ ثُمَّ يَدَعَها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ إنْ شاءَ طَلَّقَ؛ أوْ أمْسَكَ». ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ؛ ورَوى يُونُسُ؛ وأنَسُ بْنُ سِيرِينَ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ قالَ: "إنْ شاءَ طَلَّقَ؛ وإنْ شاءَ أمْسَكَ"؛» والأخْبارُ الأُوَلُ أوْلى؛ لِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما ورَدَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ؛ وإنَّما ساقَ بَعْضُهم لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى وجْهِهِ؛ وحَذَفَ بَعْضُهم ذِكْرَ الزِّيادَةِ؛ إغْفالًا؛ أوْ نِسْيانًا؛ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُهُ بِما فِيهِ مِن زِيادَةِ ذِكْرِ الحَيْضَةِ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الشّارِعَ ﷺ قالَ ذَلِكَ عارِيًا مِن ذِكْرِ الزِّيادَةِ؛ وذَكَرَهُ مَرَّةً مَقْرُونًا بِها؛ إذْ كانَ فِيهِ إثْباتُ القَوْلِ مِنهُ في حالَيْنِ؛ وهَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُهُ؛ وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ الشّارِعُ ﷺ قَدْ قالَ ذَلِكَ في حالَيْنِ؛ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ مِنهُما هو الخَبَرَ الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ؛ والآخَرُ مُتَأخِّرًا عَنْهُ؛ فَيَكُونَ ناسِخًا لَهُ؛ وأنْ يَكُونَ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ هو المُتَقَدِّمَ؛ ثُمَّ ورَدَ بَعْدَهُ ذِكْرُ الزِّيادَةِ؛ فَيَكُونَ ناسِخًا لِلْأوَّلِ؛ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ؛ ولا سَبِيلَ لَنا إلى العِلْمِ بِتارِيخِ الخَبَرَيْنِ؛ لا سِيَّما وقَدْ أشارَ الجَمِيعُ مِنَ الرُّواةِ إلى قِصَّةٍ واحِدَةٍ؛ فَإذا لَمْ يُعْلَمِ التّارِيخُ وجَبَ إثْباتُ الزِّيادَةِ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ لا يُعْلَمُ تارِيخُهُما فالواجِبُ الحُكْمُ بِهِما مَعًا؛ ولا يُحْكَمُ بِتَقَدُّمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ كالغَرْقى والقَوْمُ يَقَعُ عَلَيْهِمُ البَيْتُ؛ وكَما نَقُولُ في البَيْعَيْنِ (p-٧٧)مِن قِبَلِ رَجُلٍ واحِدٍ: "إذا قامَتْ عَلَيْهِما البَيِّنَةُ؛ ولَمْ يُعْلَمْ تارِيخُهُما؛ فَيُحْكَمُ بِوُقُوعِهِما مَعًا"؛ فَكَذَلِكَ هَذانِ الخَبَرانِ؛ وجَبَ الحُكْمُ بِهِما مَعًا؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُما تارِيخٌ؛ فَلَمْ يَثْبُتِ الحُكْمُ إلّا مَقْرُونًا بِالزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ. والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ الشّارِعَ قَدْ ذَكَرَ الزِّيادَةَ وأثْبَتَها؛ وأمَرَ بِاعْتِبارِها؛ بِقَوْلِهِ: «"مُرْهُ فَلْيَدَعْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ"؛» لِوُرُودِها مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ؛ فَإذا كانَتْ ثابِتَةً في وقْتٍ؛ واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً بِالخَبَرِ الَّذِي فِيهِ حَذْفُ الزِّيادَةِ؛ واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنسُوخَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُ النَّسْخِ بِالِاحْتِمالِ؛ ووَجَبَ بَقاءُ حُكْمِ الزِّيادَةِ؛ ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ؛ وأمَرَ الشّارِعُ ﷺ بِالفَصْلِ بَيْنَ التَّطْلِيقَةِ المُوقَعَةِ في الحَيْضِ؛ وبَيْنَ الأُخْرى؛ الَّتِي أمَرَهُ بِإيقاعِها؛ بِحَيْضَةٍ؛ ولَمْ يُبِحْ لَهُ إيقاعَها في الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الحَيْضَةَ؛ ثَبَتَ إيجابُ الفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ تَطْلِيقَتَيْنِ بِحَيْضَةٍ؛ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ الجَمْعُ بَيْنَهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ ﷺ كَما أمَرَهُ بِإيقاعِها في الطُّهْرِ؛ ونَهاهُ عَنْها في الحَيْضِ؛ فَقَدْ أمَرَهُ أيْضًا بِألّا يُواقِعَها في الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَها فِيها؛ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إذا طَلَّقَها؛ ثُمَّ راجَعَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ جازَ لَهُ إيقاعُ تَطْلِيقَةٍ أُخْرى في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ فَقَدْ خالَفَ بِذَلِكَ ما أرَدْتَ تَأْكِيدَهُ مِنَ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ في الخَبَرِ؛ قِيلَ لَهُ: ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في الأُصُولِ؛ ومَنعَهُ مِن إيقاعِ التَّطْلِيقَةِ الثّانِيَةِ في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ وإنْ راجَعَها؛ حَتّى يَفْصِلَ بَيْنَهُما بِحَيْضَةٍ؛ وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ والرِّوايَةُ الأُخْرى غَيْرُ مَعْمُولٍ عَلَيْها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في النَّهْيِ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ مَجْمُوعَةً؛ بِما لا مَساغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ؛ وهو ما حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ الجَوْهَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ زُرَيْقٍ؛ أنَّ عَطاءً الخُراسانِيَّ حَدَّثَهم عَنِ الحَسَنِ قالَ: «حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَةً وهي حائِضٌ؛ ثُمَّ أرادَ أنْ يُتْبِعَها بِتَطْلِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ عِنْدَ القُرْأيْنِ الباقِيَيْنِ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "يا ابْنَ عُمَرَ؛ ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ؛ إنَّكَ قَدْ أخْطَأْتَ السُّنَّةَ؛ والسُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ"؛ فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَراجَعْتُها؛ وقالَ: "إذا هي طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ أوْ أمْسِكْ"؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أرَأيْتَ لَوْ كُنْتُ طَلَّقْتُها ثَلاثًا؛ أكانَ لِي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: "لا؛ كانَتْ تَبِينُ؛ وتَكُونُ مَعْصِيَةً"؛» فَأخْبَرَ ﷺ نَصًّا في هَذا الحَدِيثِ بِكَوْنِ الثَّلاثِ مَعْصِيَةً؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في سائِرِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ - حِينَ ذَكَرَ الطُّهْرَ الَّذِي هو وقْتٌ لِإيقاعِ طَلاقِ السُّنَّةِ -: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ ولَمْ يُخَصِّصْ ثَلاثًا مِمّا دُونَها؛ كانَ ذَلِكَ إطْلاقًا لِلِاثْنَتَيْنِ؛ والثَّلاثِ مَعًا؛ قِيلَ (p-٧٨)لَهُ: لَمّا ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا؛ مِن إيجابِهِ الفَصْلَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِحَيْضَةٍ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ؛ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما أرادَ واحِدَةً؛ لا أكْثَرَ مِنها؛ لِاسْتِحالَةِ إرادَتِهِ نَسْخَ ما أوْجَبَهُ بَدِيًّا مِن إيجابِهِ الفَصْلَ بَيْنَهُما؛ وما اقْتَضاهُ ذَلِكَ مِن حَظْرِ الجَمْعِ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ النّاسِخِ؛ والمَنسُوخِ في خِطابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ النَّسْخَ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الحُكْمِ؛ والتَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ في خِطابٍ واحِدٍ: "قَدْ أبَحْتُ لَكم هَذا النّابَ مِنَ السِّباعِ؛ وقَدْ حَظَرْتُهُ عَلَيْكُمْ"؟ لِأنَّ ذَلِكَ عَبَثٌ؛ واللَّهُ (تَعالى) مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ العَبَثِ؛ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ مَبْنِيٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِهِ في ابْتِداءِ الخِطابِ؛ وهو ألّا يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وأيْضًا فَلَوْ خَلا هَذا اللَّفْظُ مِن دَلالَةِ حَظْرِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ لَما دَلَّ عَلى إباحَتِهِ لِوُرُودِهِ مُطْلَقًا عارِيًا مِن ذِكْرِ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ لَمْ يَقْتَضِ اللَّفْظُ فِيهِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ في نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ: إنَّهُ إنَّما يَقْتَضِي أدْنى ما يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ؛ وإنَّما يُصْرَفُ إلى الأكْثَرِ بِدَلالَةٍ - كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: "طَلِّقِ امْرَأتِي" - أنَّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ إيقاعُهُ بِالأمْرِ إنَّما هو تَطْلِيقَةٌ واحِدَةٌ؛ لا أكْثَرُ مِنها؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا - فِيمَن قالَ لِعَبْدِهِ: "تَزَوَّجْ" -: إنَّهُ يَقَعُ عَلى امْرَأةٍ واحِدَةٍ؛ فَإنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ نِكاحُ واحِدَةٍ مِنهُما إلّا أنْ يَقُولَ المَوْلى: أرَدْتُ اثْنَتَيْنِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَلْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ لَمْ يَقْتَضِ إلّا تَطْلِيقَةً واحِدَةً؛ وما زادَ عَلَيْها فَإنَّما يَثْبُتُ بِدَلالَةٍ. فَهَذا الَّذِي قَدَّمْناهُ مِن دَلالَةِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ عَلى حَظْرِ جَمْعٍ الثَّلاثِ؛ والِاثْنَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ قَدْ ورَدَ بِمِثْلِهِ اتِّفاقُ السَّلَفِ؛ مِن ذَلِكَ ما رَوى الأعْمَشُ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ أبِي الأحْوَصِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: "طَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها تَطْلِيقَةً واحِدَةً؛ وهي طاهِرٌ؛ في غَيْرِ جِماعٍ؛ فَإذا حاضَتْ وطَهُرَتْ؛ طَلَّقَها أُخْرى"؛وقالَ إبْراهِيمُ مِثْلَ ذَلِكَ. ورَوى زُهَيْرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ أبِي الأحْوَصِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: مَن أرادَ الطَّلاقَ الَّذِي هو الطَّلاقُ؛ فَلْيُطَلِّقْ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُراجِعَها راجَعَها؛ وأشْهَدَ رَجُلَيْنِ؛ وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ في مَرَّةٍ أُخْرى فَكَذَلِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَقُولُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ ورَوى ابْنُ سِيرِينَ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَوْ أنَّ النّاسَ أصابُوا حَدَّ الطَّلاقِ ما نَدِمَ أحَدٌ عَلى امْرَأةٍ يُطَلِّقُها وهي طاهِرٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ أوْ حامِلًا قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُها؛ فَإذا بَدا لَهُ أنْ يُراجِعَها راجَعَها؛ وإنْ بَدا لَهُ أنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَها خَلّى سَبِيلَها. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: أخْبَرَنا أيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ؛ عَنْ مُجاهِدٍ (p-٧٩)قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ قالَ: فَسَكَتَ ابْنُ عَبّاسٍ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ رادُّها إلَيْهِ؛ ثُمَّ قالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ؛ ثُمَّ يَقُولُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ؛ يا ابْنَ عَبّاسٍ؛ وإنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ؛ فَلَمْ أجِدْ لَكَ مَخْرَجًا؛ عَصَيْتَ رَبَّكَ؛ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ؛ وإنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أيْ قَبْلَ عِدَّتِهِنَّ. وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي ثَلاثًا؛ فَقالَ: أثِمْتَ بِرَبِّكَ؛ وحَرُمَتْ عَلَيْكَ امْرَأتُكَ؛ وأبُو قِلابَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها؛ فَقالَ: لا أرى مَن فَعَلَ ذَلِكَ إلّا قَدْ حُرِجَ؛ ورَوى ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانُوا يُنَكِّلُونَ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَقْعَدٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ؛ أوْجَعَهُ ضَرْبًا؛ وفَرَّقَ بَيْنَهُما؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ حَظْرُ جَمْعِ الثَّلاثِ؛ ولا يُرْوى عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ خِلافُهُ؛ فَصارَ إجْماعًا. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَرَضِهِ؛ وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعَبْ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ جَمْعُ الثَّلاثِ مَحْظُورًا لَما فَعَلَهُ؛ وتَرْكُهُمُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم رَأوْهُ سائِغًا لَهُ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ في الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتَ؛ ولا في غَيْرِهِ أنَّهُ طَلَّقَ ثَلاثًا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ وإنَّما أرادَ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي جُوِّزَ عَلَيْهِ الطَّلاقُ؛ وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في أحادِيثَ رَواها جَماعَةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ؛ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَماضُرَ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ ثُمَّ قالَ لَها في مَرَضِهِ: إنْ أخْبَرْتِنِي بِطُهْرِكِ لَأُطَلِّقَنَّكِ؛ فَبَيَّنَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْها ثَلاثًا مُجْتَمِعَةً. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ شَبِيهًا بِهَذا؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا أبانُ ابْنُ يَزِيدَ العَطّارُ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ «أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حَدَّثَتْهُ أنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ طَلَّقَها؛ وأنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ ونَفَرًا مِن بَنِي مَخْزُومٍ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ إنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ وإنَّهُ تَرَكَ لَها نَفَقَةً يَسِيرَةً؛ فَقالَ: "لا نَفَقَةَ لَها"؛» وساقَ الحَدِيثَ؛ فَيَقُولُ المُحْتَجُّ لِإباحَةِ إيقاعِ الثَّلاثِ مَعًا بِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثًا؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ؛ وهَذا خَبَرٌ قَدْ أُجْمِلَ فِيهِ ما فُسِّرَ في غَيْرِهِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ خالِدٍ الرَّمْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ عَقِيلٍ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّها كانَتْ عِنْدَ (p-٨٠)أبِي حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ؛ وأنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ طَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ؛ فَزَعَمَتْ أنَّها جاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ؛ قالَ أبُو داوُدَ: وكَذَلِكَ رَواهُ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كُلُّهم عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ فَبُيِّنَ في هَذا الحَدِيثِ ما أُجْمِلَ في الحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ أنَّهُ إنَّما طَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ؛ وهو أوْلى؛ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ؛ والأوَّلُ فِيهِ ذِكْرُ الثَّلاثِ؛ ولَمْ يُذْكَرْ إيقاعُهُنَّ مَعًا؛ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهُنَّ؛ عَلى ما ذُكِرَ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِن دَلائِلِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ واتِّفاقِ السَّلَفِ؛ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مَحْظُورٌ. فَإنْ قِيلَ فِيما قَدَّمْناهُ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ عَلى حَظْرِ جَمْعِ الِاثْنَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ: إنَّهُ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْتَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ تَفْرِيقُهُما في طُهْرَيْنِ؛ وفِيهِ إباحَةُ تَطْلِيقَتَيْنِ في مَرَّتَيْنِ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي إباحَةَ تَفْرِيقِ الِاثْنَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وإذا جازَ ذَلِكَ في طُهْرٍ واحِدٍ جازَ جَمْعُهُما بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن قِبَلِ أنَّ ذَلِكَ اعْتِبارٌ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ ورَفْعِهِ رَأْسًا؛ وإزالَةِ فائِدَتِهِ؛ وكُلُّ قَوْلٍ يُؤَدِّي إلى رَفْعِ حُكْمِ اللَّفْظِ فَهو ساقِطٌ؛ وإنَّما صارَ مُسْقِطًا لِفائِدَةِ اللَّفْظِ؛ وإزالَةِ حُكْمِهِ مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ قَدِ اقْتَضى تَفْرِيقَ الِاثْنَتَيْنِ؛ وحَظْرَ جَمْعِهِما في لَفْظٍ واحِدٍ؛ عَلى ما قَدَّمْنا مِن بَيانِهِ؛ وإباحَتُكَ لَتَفْرِيقِهِما في طُهْرٍ واحِدٍ يُؤَدِّي إلى إباحَةِ جَمْعِهِما في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ وفي ذَلِكَ رَفْعُ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ ومَتى حَظَرْنا تَفْرِيقَهُما وجَمْعَهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وأبَحْناهُ في طُهْرَيْنِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ بَلْ فِيهِ اسْتِعْمالُهُ عَلى الخُصُوصِ في بَعْضِ المَواضِعِ؛ دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُؤَدِّ قَوْلُنا بِالتَّفْرِيقِ في طُهْرَيْنِ إلى رَفْعِ حُكْمِهِ؛ وإنَّما أوْجَبَ تَخْصِيصَهُ؛ إذْ كانَ اللَّفْظُ مُوجِبًا لِلتَّفْرِيقِ؛ واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ إذا أوْجَبَ التَّفْرِيقَ فَرَّقَهُما في طُهْرَيْنِ؛ فَخَصَصْنا تَفْرِيقَهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ بِدَلالَةِ الِاتِّفاقِ؛ مَعَ اسْتِعْمالِ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ ومَتى أبَحْنا التَّفْرِيقَ في طُهْرٍ واحِدٍ أدّى ذَلِكَ إلى رَفْعِ حُكْمِ اللَّفْظِ رَأْسًا؛ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُهُ لِلطَّلاقِ مَرَّتَيْنِ وتَرْكُهُ سَواءً؛ وهَذا قَوْلٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ. واحْتَجَّ مَن أباحَ ذَلِكَ أيْضًا بِحَدِيثِ عُوَيْمِرٍ العَجْلانِيِّ؛ حِينَ «لاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ؛ فَلَمّا فَرَغا مِن لِعانِهِما قالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها؛ هي طالِقٌ ثَلاثًا؛ فَفارَقَها قَبْلَ أنْ يُفَرِّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُما»؛ قالَ: فَلَمّا لَمْ يُنْكِرِ الشّارِعُ ﷺ إيقاعَ الثَّلاثِ مَعًا؛ دَلَّ عَلى إباحَتِهِ؛ وهَذا الخَبَرُ لا يَصِحُّ لِلشّافِعِيِّ الِاحْتِجاجُ بِهِ؛ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ (p-٨١)أنَّ الفُرْقَةَ قَدْ كانَتْ وقَعَتْ بِلِعانِ الزَّوْجِ قَبْلَ لِعانِ المَرْأةِ؛ فَبانَتْ مِنهُ؛ ولَمْ يَلْحَقْها طَلاقٌ؛ فَكَيْفَ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْها طَلاقًا لَمْ يَقَعْ؛ ولَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ؟ فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُهُ عَلى مَذْهَبِكَ؟ قِيلَ لَهُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسَنَّ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ؛ ومَنعِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّطْلِيقاتِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الشّارِعُ ﷺ؛ وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ الفُرْقَةُ لَمّا كانَتْ مُسْتَحَقَّةً مِن غَيْرِ جِهَةِ الطَّلاقِ؛ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إيقاعَها بِالطَّلاقِ؛ وأمّا مَن قالَ: سُنَّةُ الطَّلاقِ ألّا يُطَلِّقَ إلّا واحِدَةً؛ وهو ما حَكَيْناهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ؛ واللَّيْثِ؛ والحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؛ والأوْزاعِيِّ؛ فَإنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى إباحَةٍ الثَّلاثِ في الأطْهارِ المُتَفَرِّقَةِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ وفي ذَلِكَ إباحَةٌ لِإيقاعِ الِاثْنَتَيْنِ؛ ولَمّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لا يَجْمَعُهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِهِما في الطُّهْرَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ أنَّهُ لِلثّالِثَةِ؛ وفي ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهُ في إيقاعِ الثَّلاثِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَقَدِ انْتَظَمَ إيقاعَ الثَّلاثِ لِلْعِدَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ: لِأوْقاتِ العِدَّةِ؛ كَما بَيَّنَهُ الشّارِعُ ﷺ في قَوْلِهِ: «"يُطَلِّقْها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» وإذا كانَ المُرادُ بِهِ أوْقاتَ الأطْهارِ تَناوَلَ الثَّلاثَ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ فَقَدْ عُقِلَ مِنهُ تَكْرارُ فِعْلِ الصَّلاةِ لِدُلُوكِها في سائِرِ الأيّامِ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنْ أوْقاتِ الأطْهارِ اقْتَضى تَكْرارَ الطَّلاقِ في سائِرِ الأوْقاتِ؛ وأيْضًا لَمّا جازَ لَهُ إيقاعُ الطَّلاقِ في الطُّهْرِ الأوَّلِ؛ لِأنَّها طاهِرٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ طُهْرًا لَمْ يُوقِعْ فِيهِ طَلاقًا؛ جازَ إيقاعُهُ في الطُّهْرِ الثّانِي لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ راجَعَها جازَ لَهُ إيقاعُ الطَّلاقِ في الطُّهْرِ الثّانِي؛ وجَبَ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ لَهُ إذا لَمْ يُراجِعْها؛ لِوُجُودِ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ جازَ إيقاعُهُ في الطُّهْرِ الأوَّلِ؛ إذْ لا حَظَّ لِلرَّجْعَةِ في إباحَةِ الطَّلاقِ؛ ولا في حَظْرِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ راجَعَها؛ ثُمَّ جامَعَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ إيقاعُ الطَّلاقِ فِيهِ؛ ولَمْ يَكُنْ لِلرَّجْعَةِ تَأْثِيرٌ في إباحَتِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها في الطُّهْرِ الثّانِي؛ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ كَما جازَ لَهُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُراجِعْ؟ فَإنْ قِيلَ: لا فائِدَةَ في الثّانِيَةِ؛ والثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ أنْ يُبِينَها أمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالواحِدَةِ؛ بِأنْ يَدَعَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ وهَذا هو الفارِقُ بَيْنَهُ إذا راجَعَها؛ أوْ لَمْ يُراجِعْها؛ في إباحَةِ الثّانِيَةِ؛ والثّالِثَةِ؛ إذا راجَعَ؛ وحَظْرِهِما إذا لَمْ يُراجِعْ؛ قِيلَ لَهُ: في إيقاعِ الثّانِيَةِ؛ (p-٨٢)والثّالِثَةِ فَوائِدُ بِتَعَجُّلِها؛ لَوْ لَمْ يُوقِعِ الثّانِيَةَ والثّالِثَةَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ؛ وهو أنْ تَبِينَ مِنهُ بِإيقاعِ الثّالِثَةِ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها؛ فَيَسْقُطَ مِيراثُها مِنهُ لَوْ ماتَ؛ ويَتَزَوَّجَ أُخْتَها؛ أوْ أرْبَعًا سِواها؛ عَلى قَوْلِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ في العِدَّةِ؛ فَلَمْ يَخْلُ في إيقاعِ الثّانِيَةِ؛ والثّالِثَةِ مِن فَوائِدَ؛ وحُقُوقٍ تَحْصُلُ لَهُ؛ فَلَمْ تَكُنْ لَغْوًا مُطْرَحًا؛ وجازَ مِن أجْلِها إيقاعُ ما بَقِيَ مِن طَلاقِها في أوْقاتِ السُّنَّةِ؛ كَما يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ راجَعَها؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * ذِكْرِ الِاخْتِلافِ في الطَّلاقِ بِالرِّجالِ قالَ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اِتَّفَقَ السَّلَفُ؛ ومَن بَعْدَهم مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ عَلى أنَّ الزَّوْجَيْنِ المَمْلُوكَيْنِ خارِجانِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الرِّقَّ يُوجِبُ نُقْصانَ الطَّلاقِ؛ فَقالَ عَلِيٌّ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: "اَلطَّلاقُ بِالنِّساءِ"؛ يَعْنِي أنَّ المَرْأةَ إنْ كانَتْ حُرَّةً فَطَلاقُها ثَلاثٌ؛ حُرًّا كانَ زَوْجُها؛ أوْ عَبْدًا؛ وأنَّها إنْ كانَتْ أمَةً فَطَلاقُها اثْنَتانِ؛ حُرًّا كانَ زَوْجُها؛ أوْ عَبْدًا؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وأبِي يُوسُفَ؛ وزُفَرَ؛ ومُحَمَّدٍ؛ والثَّوْرِيِّ؛ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ وقالَ عُثْمانُ؛ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: "اَلطَّلاقُ بِالرِّجالِ"؛ يَعْنُونَ أنَّ الزَّوْجَ إنْ كانَ عَبْدًا فَطَلاقُهُ اثْنَتانِ؛ سَواءٌ كانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً؛ أوْ أمَةً؛ وإنْ كانَ حُرًّا فَطَلاقُهُ ثَلاثٌ؛ حُرَّةً كانَتِ الزَّوْجَةُ؛ أوْ أمَةً؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أيُّهُما رَقَّ نَقَصَ الطَّلاقُ بِرِقِّهِ؛ وهو قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ. وقَدْ رَوى هُشَيْمٌ عَنْ مَنصُورِ بْنِ زادانَ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اَلْأمْرُ إلى المَوْلى في الطَّلاقِ؛ أذِنَ لَهُ العَبْدُ؛ أوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] . رَوى هِشامٌ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ؛ عَنْ أبِي مَعْبَدٍ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ غُلامًا كانَ لِابْنِ عَبّاسٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: اِرْجِعْها؛ لا أُمَّ لَكَ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ؛ فَأبى؛ فَقالَ: هي لَكَ؛ فاتَّخِذْها؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى طَلاقَهُ واقِعًا؛ لَوْلاهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: اِرْجِعْها؛ وقَوْلُهُ: هي لَكَ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ أمَةً؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الغُلامُ حُرًّا؛ لِأنَّهُما إذا كانا مَمْلُوكَيْنِ؛ فَلا خِلافَ أنَّ رِقَّهُما يُنْقِصُ الطَّلاقَ؛ وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ لا يَرى طَلاقَ العَبْدِ شَيْئًا؛ ويَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ المُبارَكِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ؛ أنَّ عُمَرَ بْنَ مُعَتِّبٍ أخْبَرَهُ «أنَّ أبا حَسَنٍ؛ مَوْلى بَنِي نَوْفَلٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ اسْتَفْتى ابْنَ عَبّاسٍ في مَمْلُوكٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَتَيْنِ؛ ثُمَّ أعْتَقَها بَعْدَ (p-٨٣)ذَلِكَ؛ هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أنْ يَخْطُبَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ قالَ: نَعَمْ؛ قَضى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قالَ أبُو داوُدَ: وقَدْ سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قالَ: قالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: قالَ ابْنُ المُبارَكِ لِعُمَرَ: مَن أبُو حَسَنٍ هَذا؟ لَقَدْ تَحَمَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً؛ قالَ أبُو داوُدَ: وأبُو حَسَنٍ هَذا رَوى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ؛ وكانَ مِنَ الفُقَهاءِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا الحَدِيثُ يَرُدُّهُ الإجْماعُ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ ومَن بَعْدَهم مِنَ الفُقَهاءِ؛ أنَّهُما إذا كانا مَمْلُوكَيْنِ أنَّها تَحْرُمُ بِالِاثْنَتَيْنِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ بِالنِّساءِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ؛ وعائِشَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ"؛» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَنَدِهِ؛ وقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الأُمَّةُ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ في نُقْصانِ العِدَّةِ؛ وإنْ كانَ وُرُودُهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ؛ فَصارَ في حَيِّزِ التَّواتُرِ؛ لِأنَّ ما تَلَقّاهُ النّاسُ بِالقَبُولِ مِن أخْبارِ الآحادِ فَهو عِنْدَنا في مَعْنى المُتَواتِرِ؛ لِما بَيَّنّاهُ في مَواضِعَ؛ ولَمْ يُفَرِّقِ الشّارِعُ في قَوْلِهِ: «وعِدَّتُها حَيْضَتانِ»؛ بَيْنَ مَن كانَ زَوْجُها حُرًّا؛ أوْ عَبْدًا؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ اعْتِبارُ الطَّلاقِ بِها دُونَ الزَّوْجِ؛ ودَلِيلٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الرِّقَّ يُوجِبُ نَقْصَ الطَّلاقِ؛ كَما يُوجِبُ نَقْصَ الحَدِّ؛ ثُمَّ كانَ الِاعْتِبارُ في نُقْصانِ الحَدِّ بِرِقِّ مَن يَقَعُ بِهِ دُونَ مَن يُوقِعُهُ؛ وجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ نُقْصانُ الطَّلاقِ بِرِقِّ مَن يَقَعُ بِهِ؛ دُونَ مَن يُوقِعُهُ؛ وهو المَرْأةُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ تَفْرِيقَ الثَّلاثِ عَلَيْها؛ عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ؛ وإنْ كانَ حُرًّا؛ إذا كانَتِ الزَّوْجَةُ أمَةً؛ ألا تَرى أنَّهُ إذا أرادَ تَفْرِيقَ الثَّلاثِ عَلَيْها في أطْهارٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَمْ يُمْكِنْهُ إيقاعُ الثّالِثَةِ بِحالٍ؟ فَلَوْ كانَ مالِكًا لِلْجَمِيعِ لَمَلَكَ التَّفْرِيقَ عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ؛ كَما لَوْ كانَتْ حُرَّةً؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مالِكٍ لِلثَّلاثِ إذا كانَتِ الزَّوْجَةُ أمَةً. واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ الحِجاجِ لِإيقاعِ الطَّلاقِ (اَلثَّلاثِ) مَعًا قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ مَعًا؛ مَعَ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قَدْ أبانَ عَنْ حُكْمِهِ إذا أوْقَعَ اثْنَتَيْنِ؛ بِأنْ يَقُولَ: "أنْتِ طالِقٌ؛ أنْتِ طالِقٌ"؛ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ السُّنَّةِ؛ فَإذا كانَ في مَضْمُونِ الآيَةِ الحُكْمُ بِجَوازِ وُقُوعِ الِاثْنَتَيْنِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِهِما لَوْ أوْقَعَهُما مَعًا؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما؛ وفِيها الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فَحَكَمَ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِ بِالثّالِثَةِ؛ بَعْدَ الِاثْنَتَيْنِ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إيقاعِهِما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ أوْ في أطْهارٍ؛ (p-٨٤)فَوَجَبَ الحُكْمُ بِإيقاعِ الجَمِيعِ عَلى أيِّ وجْهٍ أوْقَعَهُ؛ مِن مَسْنُونٍ؛ أوْ غَيْرِ مَسْنُونٍ؛ ومُباحٍ؛ أوْ مَحْظُورٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدَّمْتَ بَدِيًّا في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِها بَيانُ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ والمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الطَّلاقِ؛ وإيقاعُ الطَّلاقِ (اَلثَّلاثِ) مَعًا خِلافُ المَسْنُونِ عِنْدَكَ؛ فَكَيْفَ نَحْتَجُّ بِها في إيقاعِها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُباحِ؛ والآيَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْها عَلى هَذا الوَجْهِ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي كُلِّها؛ مِن إيقاعِ الِاثْنَتَيْنِ؛ والثَّلاثِ لِغَيْرِ السُّنَّةِ؛ وأنَّ المَندُوبَ إلَيْهِ؛ والمَسْنُونَ تَفْرِيقُها في الأطْهارِ؛ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُرادُ الآيَةِ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: "طَلِّقُوا ثَلاثًا في الأطْهارِ؛ وإنْ طَلَّقْتُمْ جَمِيعًا مَعًا وقَعْنَ"؛ كانَ جائِزًا؟ وإذا لَمْ يَتَنافَ المَعْنَيانِ واحْتَمَلَتْهُما الآيَةُ؛ وجَبَ حَمْلُها عَلَيْهِما؛ فَإنْ قِيلَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى ما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ وقَدْ بَيَّنَ الشّارِعُ الطَّلاقَ لِلْعِدَّةِ؛ وهو أنْ يُطَلِّقَها في ثَلاثَةِ أطْهارٍ؛ إنْ أرادَ إيقاعَ الثَّلاثِ؛ ومَتى خالَفَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ؛ قِيلَ لَهُ: نَسْتَعْمِلُ الآيَتَيْنِ عَلى ما تَقْتَضِيانِهِ مِن أحْكامِهِما؛ فَنَقُولُ: إنَّ المَندُوبَ إلَيْهِ؛ المَأْمُورَ بِهِ؛ هو الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ؛ عَلى ما بَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وإنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ؛ وجَمَعَ الثَّلاثَ وقَعْنَ؛ لِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى؛ وهي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾؛ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ نَفْيٌ لِما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى؛ عَلى أنَّ في فَحْوى الآيَةِ؛ الَّتِي فِيها ذِكْرُ الطَّلاقِ لِلْعِدَّةِ؛ دَلالَةً عَلى وُقُوعِها إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ؛ وهو قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودُ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَلَوْلا أنَّهُ إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ وقَعَ؛ ما كانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ بِإيقاعِهِ؛ ولا كانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ بِطَلاقِهِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُقُوعِها إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى) في نَسَقِ الخِطابِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ إذا أوْقَعَ الطَّلاقَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ؛ كانَ لَهُ مَخْرَجًا مِمّا أوْقَعَ؛ إنْ لَحِقَهُ نَدَمٌ؛ وهو الرَّجْعَةُ؛ وعَلى هَذا المَعْنى تَأوَّلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ حِينَ قالَ لِلسّائِلِ الَّذِي سَألَهُ؛ وقَدْ طَلَّقَ ثَلاثًا: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلَمْ أجِدْ لَكَ مَخْرَجًا؛ عَصَيْتَ رَبَّكَ؛ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: لَوْ أنَّ النّاسَ أصابُوا حَدَّ الطَّلاقِ؛ ما نَدِمَ رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأتَهُ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ عاصِيًا في إيقاعِ الثَّلاثِ مَعًا لَمْ يَقَعْ؛ إذْ لَيْسَ هو الطَّلاقَ المَأْمُورَ بِهِ؛ كَما لَوْ وكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا بِأنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ؛ لَمْ يَقَعْ إذا جَمَعَهُنَّ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ قِيلَ لَهُ: أمّا كَوْنُهُ عاصِيًا في الطَّلاقِ (p-٨٥)فَغَيْرُ مانِعٍ صِحَّةَ وُقُوعِهِ؛ لِما دَلَّلْنا عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ الظِّهارَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا؛ وحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ؛ فَكَوْنُهُ عاصِيًا لا يَمْنَعُ لُزُومَ حُكْمِهِ؛ والإنْسانُ عاصٍ لِلَّهِ في رِدَّتِهِ عَنِ الإسْلامِ؛ ولَمْ يَمْنَعْ عِصْيانُهُ مِن لُزُومِ حُكْمِهِ؛ وفِراقِ امْرَأتِهِ؛ وقَدْ نَهاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ مُراجَعَتِها ضِرارًا؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فَلَوْ راجَعَها وهو يُرِيدُ ضِرارَها لَثَبَتَ حُكْمُها؛ وصَحَّتْ رَجْعَتُهُ. وأمّا الفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَكِيلِ؛ فَهو أنَّ الوَكِيلَ إنَّما يُطَلِّقُ لِغَيْرِهِ؛ وعَنْهُ يُعَبِّرُ؛ ولَيْسَ يُطَلِّقُ لِنَفْسِهِ؛ ولا يَمْلِكُ ما يُوقِعُهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِن حُقُوقِ الطَّلاقِ؛ وأحْكامِهِ؟ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مالِكًا لِما يُوقِعُهُ؛ وإنَّما يَصِحُّ إيقاعُهُ لِغَيْرِهِ مِن جِهَةِ الأمْرِ؛ إذْ كانَتْ أحْكامُهُ تَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ دُونَهُ؛ لَمْ يَقَعْ مَتى خالَفَ الأمْرَ؛ وأمّا الزَّوْجُ فَهو مالِكُ الطَّلاقِ؛ وبِهِ تَتَعَلَّقُ أحْكامُهُ؛ ولَيْسَ يُوقِعُ لِغَيْرِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ مِن حَيْثُ كانَ مالِكًا لِلثَّلاثِ؛ وارْتِكابُ النَّهْيِ في طَلاقِهِ غَيْرُ مانِعٍ وُقُوعَهُ؛ كَما وصَفْنا في الظِّهارِ؛ والرَّجْعَةِ؛ والرِّدَّةِ؛ وسائِرِ ما يَكُونُ بِهِ عاصِيًا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وطِئَ أُمَّ امْرَأتِهِ بِشُبْهَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ؟ وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن حُكْمِ الزَّوْجِ في مِلْكِهِ لِلثَّلاثِ؛ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا أوْقَعَهُنَّ مَعًا وقَعَ؛ إذْ هو مُوقِعٌ لِما مَلَكَ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنا سَنَدَهُ؛ حِينَ قالَ: «أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها ثَلاثًا؛ أكانَ لِي أنْ أُراجِعَها؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لا.. كانَتْ تَبِينُ؛ ويَكُونُ مَعْصِيَةً"». وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ؛ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكانَةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ البَتَّةَ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "ما أرَدْتَ بِالبَتَّةِ؟"؛ قالَ: واحِدَةً؛ قالَ: "آللَّهِ؟"؛ قالَ: آللَّهِ؛ قالَ: "هُوَ عَلى ما أرَدْتَ"؛» فَلَوْ لَمْ تَقَعِ الثَّلاثُ إذا أرادَها لَما اسْتَحْلَفَهُ بِاللَّهِ ما أرادَ إلّا واحِدَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أقاوِيلِ السَّلَفِ فِيهِ؛ وأنَّهُ يَقَعُ؛ وهو مَعْصِيَةٌ؛ فالكِتابُ؛ والسُّنَّةُ؛ وإجْماعُ السَّلَفِ؛ تُوجِبُ إيقاعَ الثَّلاثِ مَعًا؛ وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً. وذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ قالَ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ خَشِنًا؛ وكانَ يَقُولُ: طَلاقُ الثَّلاثِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: اَلطَّلاقُ الثَّلاثُ تُرَدُّ إلى الواحِدَةِ؛ واحْتَجَّ بِما رَواهُ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طَلَّقَ رُكانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ؛ فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا؛ فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَيْفَ طَلَّقْتَها؟"؛ فَقالَ: طَلَّقْتُها ثَلاثًا؛ قالَ: "فِي مَجْلِسٍ واحِدٍ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ؛ فارْجِعْها إنْ شِئْتَ"؛ قالَ: فَرَجَعْتُها؛» وبِما رَوى أبُو عاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ عَنِ (p-٨٦)ابْنِ طاوُسٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ؛ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ؛ تُرَدُّ إلى الواحِدَةِ؟ قالَ: نَعَمْ؛» وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ مُنْكَرانِ؛ وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ ومالِكُ بْنُ الحارِثِ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ إياسٍ؛ والنُّعْمانُ بْنُ أبِي عَيّاشٍ؛ كُلُّهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فِيمَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ أنَّهُ قَدْ عَصى رَبَّهُ؛ وبانَتْ مِنهُ امْرَأتُهُ؛ وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أبِي الصَّهْباءِ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ؛ وهو «أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ؛ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ؛ واحِدَةً؛ فَقالَ عُمَرُ: لَوْ أجَزْناهُ عَلَيْهِمْ». وهَذا مَعْناهُ عِنْدَنا أنَّهم إنَّما كانُوا يُطَلِّقُونَ ثَلاثًا؛ فَأجازَها عَلَيْهِمْ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَيّاشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيُّ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ «أنْ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ؛ لَمّا لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ؛ قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها؛ فَهي طالِقٌ ثَلاثًا؛ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِ». وما قَدَّمْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ؛ والسُّنَّةِ؛ والِاتِّفاقِ؛ يُوجِبُ إيقاعَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ؛ وإنْ كانَ مَعْصِيَةً؛ وزَعَمَ بَعْضُ الجُهّالِ؛ مِمَّنْ لا يُعَدُّ خِلافُهُ؛ أنَّهُ لا يَقَعُ إذا طَلَّقَ في الحَيْضِ؛ واحْتَجَّ بِما حَدَّثَنامُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ؛ «أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيْمَنَ؛ مَوْلى عُرْوَةَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ؛ وأبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ؛ فَقالَ: كَيْفَ تَرى في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا؟ فَقالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ حائِضًا؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ وهي حائِضٌ؛ فَقالَ: فَرَدَّها عَلَيَّ؛ ولَمْ يَرَها شَيْئًا؛ وقالَ: "إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ؛ أوْ لِيُمْسِكْ"؛» قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ فَقَدْ رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؛ مِن ذَلِكَ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ إبْراهِيمَ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: «سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: قُلْتُ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ قالَ: تَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ قالَ: فَإنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ فَأتى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ فَقالَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيُطَلِّقْها في قُبُلِ عِدَّتِها"؛ قالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِها؟ قالَ: فَمَهْ؟ أرَأيْتَ إنْ عَجِزَ واسْتَحْمَقَ؟» فَهَذا خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ في هَذا الحَدِيثِ؛ أنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ في سائِرِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الشّارِعَ أمَرَهُ بِأنْ يُراجِعَها؛ ولَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ واقِعًا لَما احْتاجَ إلى الرَّجْعَةِ؛ وكانَتْ لا تَصِحُّ (p-٨٧)رَجْعَتُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: "راجَعَ امْرَأتَهُ"؛ ولَمْ يُطَلِّقْها؛ إذْ كانَتِ الرَّجْعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الطَّلاقِ؛ ولَوْ صَحَّ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يُبِنْها مِنهُ بِذَلِكَ الطَّلاقِ؛ ولَمْ تَقَعِ الزَّوْجِيَّةُ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾: قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَتِ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ؛ وقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ اِقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الإمْساكِ المَذْكُورِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ وهَذا الإمْساكُ إنَّما هو الرَّجْعَةُ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الطَّلاقِ؛ وقَدْ كانَ وُقُوعُ الطَّلاقِ مُوجِبُهُ التَّفْرِقَةُ عِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ فَسَمّى اللَّهُ (تَعالى) الرَّجْعَةَ إمْساكًا لِبَقاءِ النِّكاحِ بِها بَعْدَ مُضِيِّ ثَلاثِ حِيَضٍ؛ ورَفَعَ حُكْمَ البَيْنُونَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وإنَّما أباحَ لَهُ إمْساكَها عَلى وصْفٍ؛ وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ؛ وهو وُقُوعُهُ عَلى وجْهٍ يَحْسُنُ؛ ويَجْمُلُ؛ فَلا يَقْصِدُ بِهِ ضِرارَها؛ عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وإنَّما أباحَ لَهُ الرَّجْعَةَ عَلى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ؛ ومَتى راجَعَ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ كانَ عاصِيًا؛ فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فَلَوْلا صِحَّةُ الرَّجْعَةِ لَما كانَ لِنَفْسِهِ ظالِمًا بِها. وفِي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ دَلالَةٌ عَلى وُقُوعِ الرَّجْعَةِ بِالجِماعِ؛ لِأنَّ الإمْساكَ عَلى النِّكاحِ إنَّما هو الجِماعُ؛ وتَوابِعُهُ؛ مِنَ اللَّمْسِ؛ والقُبْلَةِ؛ ونَحْوِها؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ مَن يَحْرُمُ عَلَيْهِ جِماعُها تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لا يَصِحُّ لَهُ عَقْدُ النِّكاحِ عَلَيْها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإمْساكَ عَلى النِّكاحِ مُخْتَصٌّ بِالجِماعِ؛ فَيَكُونُ بِالجِماعِ مُمْسِكًا لَها؛ وكَذَلِكَ اللَّمْسُ؛ والقُبْلَةُ لِلشَّهْوَةِ؛ والنَّظَرُ إلى الفَرْجِ بِشَهْوَةٍ؛ إذْ كانَتْ صِحَّةُ عَقْدِ النِّكاحِ مُخْتَصَّةً بِاسْتِباحَةِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ فَمَتى فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كانَ مُمْسِكًا لَها؛ بِعُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما أنَّ المُرادَ بِهِ الثّالِثَةُ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ غَيْرُ ثابِتٍ؛ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ؛ ويَرُدُّهُ الظّاهِرُ أيْضًا؛ وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا الثَّوْرِيُّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ؛ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟ قالَ: "اَلتَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ"؛» وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ مِنهُمُ السُّدِّيُّ؛ والضَّحّاكُ؛ أنَّهُ تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وهَذا التَّأْوِيلُ أصَحُّ؛ إذْ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ المَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ ثابِتًا؛ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ سائِرَ المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها؛ عُقَيْبَ الطَّلاقِ؛ الإمْساكَ والفِراقَ؛ إنَّما أرادَ بِهِ تَرْكَ الرَّجْعَةِ (p-٨٨)حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ مِنها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ والمُرادُ بِالتَّسْرِيحِ تَرْكُ الرَّجْعَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ "فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ طَلِّقُوهُنَّ واحِدَةً أُخْرى"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ؛ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ ولَمْ يُرِدْ بِهِ إيقاعًا مُسْتَقْبَلًا؛ وإنَّما أرادَ بِهِ تَرْكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ والجِهَةُ الأُخْرى أنَّ الثّالِثَةَ مَذْكُورَةٌ في نَسَقِ الخِطابِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فَإذا كانَتِ الثّالِثَةُ مَذْكُورَةً في صَدْرِ هَذا الخِطابِ؛ مُفِيدَةً لِلْبَيْنُونَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ؛ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ عَلى فائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ؛ وهي وُقُوعُ البَيْنُونَةِ بِالِاثْنَتَيْنِ؛ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وأيْضًا لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ المَقْصِدَ فِيهِ عَدَدُ الطَّلاقِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ؛ ونَسْخُ ما كانَ جائِزًا مِن إيقاعِ الطَّلاقِ بِلا عَدَدٍ مَحْصُورٍ؛ فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ هو الثّالِثَةَ لَما أبانَ عَنِ المَقْصِدِ في إيقاعِ التَّحْرِيمِ بِالثَّلاثِ؛ إذْ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَما دَلَّ عَلى وُقُوعِ البَيْنُونَةِ المُحَرِّمَةِ لَها؛ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ وإنَّما عُلِمَ التَّحْرِيمُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فَوَجَبَ ألّا يَكُونَ قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ هو الثّالِثَةَ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ هو الثّالِثَةَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾؛ عُقَيْبَ ذَلِكَ؛ هي الرّابِعَةَ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ؛ وقَدِ اقْتَضى طَلاقًا مُسْتَقْبَلًا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ هو تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ مُنْتَظِمٌ لِمَعانٍ؛ مِنها تَحْرِيمُها عَلى المُطَلِّقِ ثَلاثًا حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ؛ مُفِيدٌ في شَرْطِ ارْتِفاعِ التَّحْرِيمِ الواقِعِ بِالطَّلاقِ الثَّلاثِ؛ (اَلْعَقْدِ؛ والوَطْءِ) جَمِيعًا؛ لِأنَّ النِّكاحَ هو الوَطْءُ في الحَقِيقَةِ؛ وذِكْرُ الزَّوْجِ يُفِيدُ العَقْدَ؛ وهَذا مِنَ الإيجازِ؛ والِاقْتِصارِ عَلى الكِنايَةِ المُفْهِمَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ؛ وقَدْ ورَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ مُسْتَفِيضَةٌ في أنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ حَتّى يَطَأها الثّانِي؛ مِنها حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ عُرْوَةَ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ «أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ فَتَزَوَّجَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ إنَّها كانَتْ تَحْتَ رِفاعَةَ؛ فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ؛ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ وإنَّهُ؛ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما مَعَهُ إلّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ؛ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؛ لا.. حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ؛ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"». (p-٨٩)ورَوى ابْنُ عُمَرَ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ؛ ولَمْ يَذْكُرا قِصَّةَ امْرَأةِ رِفاعَةَ؛ وهَذِهِ أخْبارٌ قَدْ تَلَقّاها النّاسُ بِالقَبُولِ؛ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى اسْتِعْمالِها؛ فَهي عِنْدَنا في حَيِّزِ التَّواتُرِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ؛ إلّا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ أنَّهُ قالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بِنَفْسِ عَقْدِ النِّكاحِ؛ دُونَ الوَطْءِ؛ ولَمْ نَعْلَمْ أحَدًا تابَعَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو شاذٌّ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ غايَةُ التَّحْرِيمِ: اَلْمُوقَعُ بِالثَّلاثِ؛ فَإذا وطِئَها الزَّوْجُ الثّانِي ارْتَفَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ المُوقَعُ؛ وبَقِيَ التَّحْرِيمُ مِن جِهَةِ أنَّها تَحْتَ زَوْجٍ كَسائِرِ النِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ؛ فَمَتى فارَقَها الثّانِي؛ وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ حَلَّتْ لِلْأوَّلِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾؛ مُرَتَّبٌ عَلى ما أوْجَبَ مِنَ العِدَّةِ عَلى المَدْخُولِ بِها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ ونَحْوِهِما مِنَ الآيِ الحاظِرَةِ لِلنِّكاحِ في العِدَّةِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾؛ نَصَّ عَلى ذِكْرِ الطَّلاقِ؛ ولا خِلافَ أنَّ الحُكْمَ في إباحَتِها لِلزَّوْجِ الأوَّلِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الطَّلاقِ؛ وأنَّ سائِرَ الفُرَقِ الحادِثَةِ بَيْنَهُما؛ مِن نَحْوِ مَوْتٍ؛ أوْ رِدَّةٍ؛ أوْ تَحْرِيمٍ بِمَنزِلَةِ الطَّلاقِ؛ وإنْ كانَ المَذْكُورُ نَفْسُهُ هو الطَّلاقَ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ أيْضًا عَلى جَوازِ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ لِأنَّهُ أضافَ التَّراجُعَ إلَيْها مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَلِيِّ؛ وفِيهِ أحْكامٌ أُخَرُ؛ نَذْكُرُها عِنْدَ ذِكْرِنا لِأحْكامِ الخُلْعِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ولَكِنّا قَدَّمْنا ذِكْرَ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِهِ في المَعْنى بِذِكْرِ الِاثْنَتَيْنِ؛ وإنْ تَخَلَّلَهُما ذِكْرُ الخُلْعِ؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * بابُ الخُلْعِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ فَحَظَرَ عَلى الزَّوْجِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها؛ إلّا عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ؛ وعُقِلَ بِذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أخْذُ ما لَمْ يُعْطِها؛ وإنْ كانَ المَذْكُورُ هو ما أعْطاها؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ قَدْ دَلَّ عَلى حَظْرِ ما فَوْقَهُ؛ مِن ضَرْبٍ؛ أوْ شَتْمٍ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ قالَ طاوُسٌ: يَعْنِي فِيما افْتَرَضَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في العِشْرَةِ؛ والصُّحْبَةِ؛ وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو أنْ تَقُولَ المَرْأةُ: "واللَّهِ لا أغْتَسِلُ لَكَ مِن جَنابَةٍ"؛ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ﴿إلا أنْ يَخافا﴾؛ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَظُنّا؛ وقالَ أبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ: أنْشَدَهُ الفَرّاءُ - رَحِمَهُ اللَّهُ (تَعالى) -: ؎إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ ∗∗∗ تَرْوِي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها (p-٩٠)ولا تَدْفِنَنِّي بِالعَراءِ فَإنَّنِي ... أخافُ إذا ما مِتُّ ألّا أذُوقَها وقالَ آخَرُ: ؎أتانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ ∗∗∗ وما خِفْتُ يا سَلّامُ أنَّكَ عائِبِي يَعْنِي: ما ظَنَنْتُ؛ وهَذا الخَوْفُ مِن تَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ (تَعالى) عَلى وجْهَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما سَيِّئَ الخُلُقِ؛ أوْ جَمِيعًا؛ فَيُفْضِيَ بِهِما ذَلِكَ إلى تَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ (تَعالى) فِيما ألْزَمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن حُقُوقِ النِّكاحِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وإمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مُبْغِضًا لِلْآخَرِ؛ فَيَصْعُبَ عَلَيْهِ حُسْنُ العِشْرَةِ؛ والمُجامَلَةُ؛ فَيُؤَدِّيَ بِهِ ذَلِكَ إلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) في تَقْصِيرِهِ في الحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ؛ وفِيما ألْزَمَ الزَّوْجَ؛ مِن إظْهارِ المَيْلِ إلى غَيْرِها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ فَإذا وقَعَ أحَدُ هَذَيْنِ؛ وأشْفَقا مِن تَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ (تَعالى)؛ الَّتِي حَدَّها لَهُما؛ حَلَّ الخُلْعُ. ورَوى جابِرٌ الجُعْفِيُّ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى؛ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: كَلِماتٌ إذا قالَتْهُنَّ المَرْأةُ حَلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ الفِدْيَةَ؛ إذا قالَتْ لَهُ: "لا أُطِيعُ لَكَ أمْرًا؛ ولا أبَرُّ لَكَ قَسَمًا؛ ولا أغْتَسِلُ لَكَ مِن جَنابَةٍ"؛ وقالَ المُغِيرَةُ: عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: لا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ الفِدْيَةَ مِنَ امْرَأتِهِ إلّا أنْ تَعْصِيَهُ؛ ولا تَبَرَّ لَهُ قَسَمًا؛ وإذا فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ وكانَ مِن قِبَلِها؛ حَلَّتْ لَهُ الفِدْيَةُ؛ وإنْ أبى أنْ يَقْبَلَ مِنها الفِدْيَةَ؛ وأبَتْ أنْ تُعْطِيَهُ؛ بَعَثا حَكَمَيْنِ؛ حَكَمًا مِن أهْلِهِ؛ وحَكَمًا مِن أهْلِها. وذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَرْكُها إقامَةَ حُدُودِ اللَّهِ اسْتِخْفافًا بِحَقِّ الزَّوْجِ؛ وسُوءُ خُلُقِها؛ فَتَقُولُ: "واللَّهِ لا أبَرُّ لَكَ قَسَمًا؛ ولا أطَأُ لَكَ مَضْجَعًا؛ ولا أُطِيعُ لَكَ أمْرًا"؛ فَإذا فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنها الفِدْيَةُ؛ ولا يَأْخُذُ أكْثَرَ مِمّا أعْطاها شَيْئًا؛ ويُخَلِّي سَبِيلَها؛ وإنْ كانَتِ الإساءَةُ مِن قِبَلِها؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ يَقُولُ: إنْ كانَ عَنْ غَيْرِ ضِرارٍ؛ ولا خَدِيعَةٍ؛ فَهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى). وقَدِ اخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَرَوى حَجّاجٌ؛ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ تُرِيدُ مِنهُ امْرَأتُهُ الخُلْعَ؛ قالَ: لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا؛ قُلْتُ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ قالَ: هَذِهِ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]؛ ورَوى أبُو عاصِمٍ؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أرَأيْتَ إذا كانَتْ لَهُ ظالِمَةً؛ مُسِيئَةً؛ فَدَعاها إلى الخُلْعِ؛ أيَحِلُّ لَهُ؟ قالَ: لا؛ إمّا أنْ يَرْضى فَيُمْسِكَ؛ وإمّا أنْ يُسَرِّحَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهو قَوْلٌ شاذٌّ؛ يَرُدُّهُ ظاهِرُ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ واتِّفاقُ (p-٩١)السَّلَفِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]؛ اَلْآيَةَ؛ ما يُوجِبُ نَسْخَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مَقْصُورَةُ الحُكْمِ عَلى حالٍ مَذْكُورَةٍ فِيها؛ فَإنَّما حُظِرَ الخُلْعُ إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ وأرادَ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ؛ غَيْرِها؛ وأباحَهُ إذا خافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ؛ بِأنْ تَكُونَ مُبْغِضَةً لَهُ؛ أوْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ؛ أوْ كانَ هو سَيِّئَ الخُلُقِ؛ ولا يَقْصِدُ مَعَ ذَلِكَ الإضْرارَ بِها؛ لَكِنَّهُما يَخافانِ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ في حُسْنِ العِشْرَةِ؛ وتَوْفِيَةِ ما ألْزَمَهُما اللَّهُ (تَعالى) مِن حُقُوقِ النِّكاحِ؛ وهَذِهِ الحالُ غَيْرُ تِلْكَ؛ فَلَيْسَ في إحْداهُما ما يُعْتَرَضُ بِهِ عَلى الأُخْرى؛ ولا يُوجِبُ نَسْخَها؛ ولا تَخْصِيصَها أيْضًا؛ إذْ كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما ورَدَتْ فِيهِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]؛ إذا كانَ خِطابًا لِلْأزْواجِ؛ فَإنَّما حُظِرَ عَلَيْهِمْ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِها؛ إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ قاصِدًا لِلْإضْرارِ بِها؛ إلّا أنْ تَأْتِيَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛ فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ؛ وأبُو قِلابَةَ: يَعْنِي أنْ يَظْهَرَ مِنها عَلى زِنًا؛ ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ؛ والزُّهْرِيِّ؛ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أنَّ الخُلْعَ لا يَحِلُّ إلّا مِنَ النّاشِزِ؛ فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الآياتِ نَسْخٌ؛ وجَمِيعُها مُسْتَعْمَلٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:230

بابُ عَدَدِ الطَّلاقِ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذُكِرَتْ في مَعْناهُ وُجُوهٌ؛ أحَدُها أنَّهُ بَيانٌ لِلطَّلاقِ الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ؛ يُرْوى ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وقَتادَةَ؛ والثّانِي أنَّهُ بَيانٌ لِطَلاقِ السُّنَّةِ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ والثّالِثُ أنَّهُ أمَرَ بِأنَّهُ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا فَعَلَيْهِ تَفْرِيقُ الطَّلاقِ؛ فَيَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالطَّلاقِ مَرَّتَيْنِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُما الثّالِثَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ بَيانٌ لِما يَبْقى مَعَهُ الرَّجْعَةُ مِنَ الطَّلاقِ؛ وإنْ ذَكَرَ مَعَهُ الرَّجْعَةَ عُقَيْبَهُ؛ فَإنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيانَ المُباحِ مِنهُ؛ وأمّا ما عَداهُ فَمَحْظُورٌ؛ وبَيَّنَ مَعَ ذَلِكَ حُكْمَهُ إذا أوْقَعَهُ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ عُقَيْبَهُ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَقْصِدَ فِيهِ الأمْرُ بِتَفْرِيقِ الطَّلاقِ؛ وبَيانُ حُكْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِإيقاعِ ما دُونَ الثَّلاثِ مِنَ الرَّجْعَةِ؛ أنَّهُ قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ مَعًا لَما جازَ أنْ يُقالَ: "طَلَّقَها مَرَّتَيْنِ"؛ وكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلى آخَرَ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: "أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ"؛ حَتّى يُفَرِّقَ الدَّفْعَ؛ فَحِينَئِذٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ. وإذا كانَ هَذا هَكَذا؛ فَلَوْ كانَ الحُكْمُ المَقْصُودُ بِاللَّفْظِ هو ما تَعَلَّقَ بِالتَّطْلِيقَتَيْنِ مِن بَقاءِ الرَّجْعَةِ؛ لَأدّى ذَلِكَ إلى إسْقاطِ فائِدَةِ ذِكْرِ المَرَّتَيْنِ؛ إذا كانَ هَذا الحُكْمُ ثابِتًا في المَرَّةِ الواحِدَةِ إذا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لِلْمَرَّتَيْنِ إنَّما هو أمْرٌ بِإيقاعِهِ مَرَّتَيْنِ؛ ونَهْيٌ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما في مَرَّةٍ واحِدَةٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ لَكانَ الواجِبُ حَمْلَهُ (p-٧٤)عَلى إثْباتِ الحُكْمِ في إيجابِ الفائِدَتَيْنِ؛ وهُما: الأمْرُ بِتَفْرِيقِ الطَّلاقِ؛ مَتى أرادَ أنْ يُطَلِّقَ اثْنَتَيْنِ؛ وبَيانُ حُكْمِ الرَّجْعَةِ؛ إذا طَلَّقَ كَذَلِكَ؛ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَوْعِبًا لِلْمَعْنَيَيْنِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الخَبَرَ؛ فَإنَّ مَعْناهُ الأمْرُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وما جَرى هَذا المُجْرى مِمّا هو في صِيغَةِ الخَبَرِ؛ ومَعْناهُ الأمْرُ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ أمْرٌ؛ ولَيْسَ بِخَبَرٍ؛ أنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لَوُجِدَ مُخْبَرُهُ عَلى ما أُخْبِرَ بِهِ؛ لِأنَّ أخْبارَ اللَّهِ (تَعالى) لا تَنْفَكُّ مِن وُجُودِ مُخْبَراتِها؛ فَلَمّا وجَدْنا النّاسَ قَدْ يُطَلِّقُونَ الواحِدَةَ؛ والثَّلاثَ مَعًا - ولَوْ كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ اِسْمًا لِلْخَبَرِ لاسْتَوْعَبَ جَمِيعَ ما تَحْتَهُ -؛ ثُمَّ وجَدْنا في النّاسِ مَن يُطَلِّقُ لا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الخَبَرَ؛ وأنَّهُ تَضَمَّنَ أحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إمّا الأمْرَ بِتَفْرِيقِ الطَّلاقِ؛ مَتى أرَدْنا الإيقاعَ؛ أوِ الإخْبارَ عَنِ المَسْنُونِ المَندُوبِ إلَيْهِ مِنهُ؛ وأوْلى الأشْياءِ حَمْلُهُ عَلى الأمْرِ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بِمَعْنى قَوْلِهِ: "طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ؛ مَتى أرَدْتُمُ الطَّلاقَ"؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي الإيجابَ؛ وإنَّما يَنْصَرِفُ إلى النَّدْبِ بِدَلالَةٍ؛ ويَكُونُ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"اَلصَّلاةُ مَثْنى مَثْنى؛ والتَّشَهُّدُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ وتَمَسْكُنٌ؛ وخُشُوعٌ"؛» فَهَذِهِ صِيغَةُ الخَبَرِ؛ والمُرادُ الأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ. وعَلى أنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ المَسْنُونِ مِنَ الطَّلاقِ كانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى حَظْرِ جَمْعِ الِاثْنَتَيْنِ؛ أوِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ مُنْتَظِمٌ لِجَمِيعِ الطَّلاقِ المَسْنُونِ؛ فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِن مَسْنُونِ الطَّلاقِ إلّا وقَدِ انْطَوى تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ؛ فَإذا ما خَرَجَ عَنْهُ فَهو عَلى خِلافِ السُّنَّةِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مَن جَمَعَ اثْنَتَيْنِ؛ أوْ ثَلاثًا؛ في كَلِمَةٍ فَهو مُطَلِّقٌ لِغَيْرِ السُّنَّةِ؛ فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ الدَّلالَةَ عَلى مَعانٍ؛ مِنها أنَّ مَسْنُونَ الطَّلاقِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أعْدادِ الثَّلاثِ؛ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا؛ ومِنها أنَّ لَهُ أنْ يُطَلِّقَ اثْنَتَيْنِ في مَرَّتَيْنِ؛ ومِنها أنَّ ما دُونَ الثَّلاثِ تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ؛ ومِنها أنَّهُ إذا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ في الحَيْضِ وقَعَتا؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ حَكَمَ بِوُقُوعِهِما؛ ومِنها أنَّهُ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الزِّيادَةَ عَلى الثَّلاثِ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّهم كانُوا يُطَلِّقُونَ ما شاؤُوا مِنَ العَدَدِ؛ ثُمَّ يُراجِعُونَ؛ فَقُصِرُوا عَلى الثَّلاثِ؛ ونُسِخَ بِهِ ما زادَ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُكْمِ العَدَدِ المَسْنُونِ مِنَ الطَّلاقِ؛ ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الوَقْتِ المَسْنُونِ فِيهِ إيقاعُ الطَّلاقِ؛ وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ طَلاقَ العِدَّةِ؛ «فَقالَ لِابْنِ عُمَرَ - حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ -: "ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ؛ إنَّما طَلاقُ العِدَّةِ أنْ تُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ (p-٧٥)أوْ حامِلًا وقَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"». فَكانَ طَلاقُ السُّنَّةِ مَعْقُودًا بِوَصْفَيْنِ؛ أحَدُهُما العَدَدُ؛ والآخَرُ الوَقْتُ؛ فَأمّا العَدَدُ فَألّا يَزِيدَ في طُهْرٍ واحِدٍ عَلى واحِدَةٍ؛ وأمّا الوَقْتُ فَأنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في طَلاقِ السُّنَّةِ لِذَواتِ الأقْراءِ؛ فَقالَ أصْحابُنا: أحْسَنُ الطَّلاقِ أنْ يُطَلِّقَها إذا طَهُرَتْ قَبْلَ الجِماعِ؛ ثُمَّ يَتْرُكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وإنْ أرادَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا؛ طَلَّقَها عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ واحِدَةً قَبْلَ الجِماعِ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: وبَلَغَنا عَنْ إبْراهِيمَ؛ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِبُّونَ ألّا يَزِيدُوا في الطَّلاقِ عَلى واحِدَةٍ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ؛ وأنَّ هَذا عِنْدَهم أفْضَلُ مِن أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ واحِدَةً. وقالَ مالِكٌ؛ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ الماجِشُونُ؛ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ؛ والأوْزاعِيُّ: "طَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ قَبْلَ الجِماعِ تَطْلِيقَةً واحِدَةً"؛ ويَكْرَهُونَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ؛ لَكِنَّهُ إنْ لَمْ يُرِدْ رَجْعَتَها تَرَكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها مِنَ الواحِدَةِ. وقالَ الشّافِعِيُّ - فِيما رَواهُ عَنْهُ المُزَنِيُّ -: لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا؛ ولَوْ قالَ لَها: "أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ"؛ وهي طاهِرٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ طُلِّقَتْ ثَلاثًا مَعًا. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَنَبْدَأُ بِالكَلامِ عَلى الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ؛ فَنَقُولُ: إنَّ دَلالَةَ الآيَةِ الَّتِي تَلَوْتَها ظاهِرَةٌ في بُطْلانِ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِإيقاعِ الِاثْنَتَيْنِ في مَرَّتَيْنِ؛ فَمَن أوْقَعَ الِاثْنَتَيْنِ في مَرَّةٍ فَهو مُخالِفٌ لِحُكْمِها؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الثَّلاثِ؛ لِما فِيها مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَنا مِنَ الطَّيِّباتِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الزَّوْجاتِ قَدْ تَناوَلَهُنَّ هَذا العُمُومُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ فَوَجَبَ بِحَقِّ العُمُومِ حَظْرُ الطَّلاقِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِها؛ ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ في إباحَةِ إيقاعِ الثَّلاثِ في وقْتِ السُّنَّةِ؛ وإيقاعِ الواحِدَةِ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ لاقْتَضَتِ الآيَةُ حَظْرَهُ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ مِن دَلائِلِ الكِتابِ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُبِحِ الطَّلاقَ ابْتِداءً لِمَن تَجِبُ عَلَيْها العِدَّةُ إلّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ؛ مِنها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ ﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ فَلَمْ يُبِحِ الطَّلاقَ المُبْتَدَأ لِذَواتِ العِدَدِ إلّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ؛ وحُكْمُ الطَّلاقِ مَأْخُوذٌ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ لَوْلاها لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ؛ فَلَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُهُ مَسْنُونًا إلّا عَلى هَذِهِ (p-٧٦)الشَّرِيطَةِ؛ وبِهَذا الوَصْفِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَن أدْخَلَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ"؛» وأقَلُّ أحْوالِ هَذا اللَّفْظِ حَظْرُ خِلافِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الَّتِي تَلَوْنا؛ مِن إيقاعِ الطَّلاقِ المُبْتَدَإ مَقْرُونًا بِما يُوجِبُ الرَّجْعَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ؛ عَنْ مالِكٍ؛ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا عَنْبَسَةُ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «أخْبَرَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ إنْ شاءَ طَلَّقَها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّ؛ فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَما أمَرَ اللَّهُ"؛» فَذَكَرَ سالِمٌ في رِوايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ؛ ونافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها؛ ثُمَّ يَدَعَها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ إنْ شاءَ طَلَّقَ؛ أوْ أمْسَكَ». ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ؛ ورَوى يُونُسُ؛ وأنَسُ بْنُ سِيرِينَ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ قالَ: "إنْ شاءَ طَلَّقَ؛ وإنْ شاءَ أمْسَكَ"؛» والأخْبارُ الأُوَلُ أوْلى؛ لِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّما ورَدَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ؛ وإنَّما ساقَ بَعْضُهم لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى وجْهِهِ؛ وحَذَفَ بَعْضُهم ذِكْرَ الزِّيادَةِ؛ إغْفالًا؛ أوْ نِسْيانًا؛ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُهُ بِما فِيهِ مِن زِيادَةِ ذِكْرِ الحَيْضَةِ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ الشّارِعَ ﷺ قالَ ذَلِكَ عارِيًا مِن ذِكْرِ الزِّيادَةِ؛ وذَكَرَهُ مَرَّةً مَقْرُونًا بِها؛ إذْ كانَ فِيهِ إثْباتُ القَوْلِ مِنهُ في حالَيْنِ؛ وهَذا مِمّا لا نَعْلَمُهُ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُهُ؛ وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ الشّارِعُ ﷺ قَدْ قالَ ذَلِكَ في حالَيْنِ؛ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ مِنهُما هو الخَبَرَ الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ؛ والآخَرُ مُتَأخِّرًا عَنْهُ؛ فَيَكُونَ ناسِخًا لَهُ؛ وأنْ يَكُونَ الَّذِي لا زِيادَةَ فِيهِ هو المُتَقَدِّمَ؛ ثُمَّ ورَدَ بَعْدَهُ ذِكْرُ الزِّيادَةِ؛ فَيَكُونَ ناسِخًا لِلْأوَّلِ؛ بِإثْباتِ الزِّيادَةِ؛ ولا سَبِيلَ لَنا إلى العِلْمِ بِتارِيخِ الخَبَرَيْنِ؛ لا سِيَّما وقَدْ أشارَ الجَمِيعُ مِنَ الرُّواةِ إلى قِصَّةٍ واحِدَةٍ؛ فَإذا لَمْ يُعْلَمِ التّارِيخُ وجَبَ إثْباتُ الزِّيادَةِ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ لا يُعْلَمُ تارِيخُهُما فالواجِبُ الحُكْمُ بِهِما مَعًا؛ ولا يُحْكَمُ بِتَقَدُّمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ كالغَرْقى والقَوْمُ يَقَعُ عَلَيْهِمُ البَيْتُ؛ وكَما نَقُولُ في البَيْعَيْنِ (p-٧٧)مِن قِبَلِ رَجُلٍ واحِدٍ: "إذا قامَتْ عَلَيْهِما البَيِّنَةُ؛ ولَمْ يُعْلَمْ تارِيخُهُما؛ فَيُحْكَمُ بِوُقُوعِهِما مَعًا"؛ فَكَذَلِكَ هَذانِ الخَبَرانِ؛ وجَبَ الحُكْمُ بِهِما مَعًا؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُما تارِيخٌ؛ فَلَمْ يَثْبُتِ الحُكْمُ إلّا مَقْرُونًا بِالزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ. والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ الشّارِعَ قَدْ ذَكَرَ الزِّيادَةَ وأثْبَتَها؛ وأمَرَ بِاعْتِبارِها؛ بِقَوْلِهِ: «"مُرْهُ فَلْيَدَعْها حَتّى تَطْهُرَ؛ ثُمَّ تَحِيضَ؛ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ ثُمَّ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ"؛» لِوُرُودِها مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ؛ فَإذا كانَتْ ثابِتَةً في وقْتٍ؛ واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً بِالخَبَرِ الَّذِي فِيهِ حَذْفُ الزِّيادَةِ؛ واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنسُوخَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُ النَّسْخِ بِالِاحْتِمالِ؛ ووَجَبَ بَقاءُ حُكْمِ الزِّيادَةِ؛ ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ؛ وأمَرَ الشّارِعُ ﷺ بِالفَصْلِ بَيْنَ التَّطْلِيقَةِ المُوقَعَةِ في الحَيْضِ؛ وبَيْنَ الأُخْرى؛ الَّتِي أمَرَهُ بِإيقاعِها؛ بِحَيْضَةٍ؛ ولَمْ يُبِحْ لَهُ إيقاعَها في الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الحَيْضَةَ؛ ثَبَتَ إيجابُ الفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ تَطْلِيقَتَيْنِ بِحَيْضَةٍ؛ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ الجَمْعُ بَيْنَهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ ﷺ كَما أمَرَهُ بِإيقاعِها في الطُّهْرِ؛ ونَهاهُ عَنْها في الحَيْضِ؛ فَقَدْ أمَرَهُ أيْضًا بِألّا يُواقِعَها في الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَها فِيها؛ ولا فَرْقَ بَيْنَهُما. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إذا طَلَّقَها؛ ثُمَّ راجَعَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ جازَ لَهُ إيقاعُ تَطْلِيقَةٍ أُخْرى في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ فَقَدْ خالَفَ بِذَلِكَ ما أرَدْتَ تَأْكِيدَهُ مِنَ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ في الخَبَرِ؛ قِيلَ لَهُ: ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في الأُصُولِ؛ ومَنعَهُ مِن إيقاعِ التَّطْلِيقَةِ الثّانِيَةِ في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ وإنْ راجَعَها؛ حَتّى يَفْصِلَ بَيْنَهُما بِحَيْضَةٍ؛ وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ والرِّوايَةُ الأُخْرى غَيْرُ مَعْمُولٍ عَلَيْها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في النَّهْيِ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ مَجْمُوعَةً؛ بِما لا مَساغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ؛ وهو ما حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ الجَوْهَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ زُرَيْقٍ؛ أنَّ عَطاءً الخُراسانِيَّ حَدَّثَهم عَنِ الحَسَنِ قالَ: «حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَةً وهي حائِضٌ؛ ثُمَّ أرادَ أنْ يُتْبِعَها بِتَطْلِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ عِنْدَ القُرْأيْنِ الباقِيَيْنِ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "يا ابْنَ عُمَرَ؛ ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ؛ إنَّكَ قَدْ أخْطَأْتَ السُّنَّةَ؛ والسُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ"؛ فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَراجَعْتُها؛ وقالَ: "إذا هي طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ أوْ أمْسِكْ"؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أرَأيْتَ لَوْ كُنْتُ طَلَّقْتُها ثَلاثًا؛ أكانَ لِي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: "لا؛ كانَتْ تَبِينُ؛ وتَكُونُ مَعْصِيَةً"؛» فَأخْبَرَ ﷺ نَصًّا في هَذا الحَدِيثِ بِكَوْنِ الثَّلاثِ مَعْصِيَةً؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في سائِرِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ - حِينَ ذَكَرَ الطُّهْرَ الَّذِي هو وقْتٌ لِإيقاعِ طَلاقِ السُّنَّةِ -: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ ولَمْ يُخَصِّصْ ثَلاثًا مِمّا دُونَها؛ كانَ ذَلِكَ إطْلاقًا لِلِاثْنَتَيْنِ؛ والثَّلاثِ مَعًا؛ قِيلَ (p-٧٨)لَهُ: لَمّا ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا؛ مِن إيجابِهِ الفَصْلَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِحَيْضَةٍ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ؛ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما أرادَ واحِدَةً؛ لا أكْثَرَ مِنها؛ لِاسْتِحالَةِ إرادَتِهِ نَسْخَ ما أوْجَبَهُ بَدِيًّا مِن إيجابِهِ الفَصْلَ بَيْنَهُما؛ وما اقْتَضاهُ ذَلِكَ مِن حَظْرِ الجَمْعِ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ النّاسِخِ؛ والمَنسُوخِ في خِطابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ النَّسْخَ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الحُكْمِ؛ والتَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ في خِطابٍ واحِدٍ: "قَدْ أبَحْتُ لَكم هَذا النّابَ مِنَ السِّباعِ؛ وقَدْ حَظَرْتُهُ عَلَيْكُمْ"؟ لِأنَّ ذَلِكَ عَبَثٌ؛ واللَّهُ (تَعالى) مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ العَبَثِ؛ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ مَبْنِيٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِهِ في ابْتِداءِ الخِطابِ؛ وهو ألّا يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وأيْضًا فَلَوْ خَلا هَذا اللَّفْظُ مِن دَلالَةِ حَظْرِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ لَما دَلَّ عَلى إباحَتِهِ لِوُرُودِهِ مُطْلَقًا عارِيًا مِن ذِكْرِ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ لَمْ يَقْتَضِ اللَّفْظُ فِيهِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ في نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ: إنَّهُ إنَّما يَقْتَضِي أدْنى ما يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ؛ وإنَّما يُصْرَفُ إلى الأكْثَرِ بِدَلالَةٍ - كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: "طَلِّقِ امْرَأتِي" - أنَّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ إيقاعُهُ بِالأمْرِ إنَّما هو تَطْلِيقَةٌ واحِدَةٌ؛ لا أكْثَرُ مِنها؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا - فِيمَن قالَ لِعَبْدِهِ: "تَزَوَّجْ" -: إنَّهُ يَقَعُ عَلى امْرَأةٍ واحِدَةٍ؛ فَإنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ نِكاحُ واحِدَةٍ مِنهُما إلّا أنْ يَقُولَ المَوْلى: أرَدْتُ اثْنَتَيْنِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَلْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ"؛ لَمْ يَقْتَضِ إلّا تَطْلِيقَةً واحِدَةً؛ وما زادَ عَلَيْها فَإنَّما يَثْبُتُ بِدَلالَةٍ. فَهَذا الَّذِي قَدَّمْناهُ مِن دَلالَةِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ عَلى حَظْرِ جَمْعٍ الثَّلاثِ؛ والِاثْنَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ قَدْ ورَدَ بِمِثْلِهِ اتِّفاقُ السَّلَفِ؛ مِن ذَلِكَ ما رَوى الأعْمَشُ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ أبِي الأحْوَصِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: "طَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَها تَطْلِيقَةً واحِدَةً؛ وهي طاهِرٌ؛ في غَيْرِ جِماعٍ؛ فَإذا حاضَتْ وطَهُرَتْ؛ طَلَّقَها أُخْرى"؛وقالَ إبْراهِيمُ مِثْلَ ذَلِكَ. ورَوى زُهَيْرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ أبِي الأحْوَصِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: مَن أرادَ الطَّلاقَ الَّذِي هو الطَّلاقُ؛ فَلْيُطَلِّقْ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُراجِعَها راجَعَها؛ وأشْهَدَ رَجُلَيْنِ؛ وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ في مَرَّةٍ أُخْرى فَكَذَلِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَقُولُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ ورَوى ابْنُ سِيرِينَ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَوْ أنَّ النّاسَ أصابُوا حَدَّ الطَّلاقِ ما نَدِمَ أحَدٌ عَلى امْرَأةٍ يُطَلِّقُها وهي طاهِرٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ أوْ حامِلًا قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُها؛ فَإذا بَدا لَهُ أنْ يُراجِعَها راجَعَها؛ وإنْ بَدا لَهُ أنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَها خَلّى سَبِيلَها. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: أخْبَرَنا أيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ؛ عَنْ مُجاهِدٍ (p-٧٩)قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ قالَ: فَسَكَتَ ابْنُ عَبّاسٍ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ رادُّها إلَيْهِ؛ ثُمَّ قالَ: يَنْطَلِقُ أحَدُكم فَيَرْكَبُ الأُحْمُوقَةَ؛ ثُمَّ يَقُولُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ؛ يا ابْنَ عَبّاسٍ؛ وإنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ؛ فَلَمْ أجِدْ لَكَ مَخْرَجًا؛ عَصَيْتَ رَبَّكَ؛ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ؛ وإنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أيْ قَبْلَ عِدَّتِهِنَّ. وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي ثَلاثًا؛ فَقالَ: أثِمْتَ بِرَبِّكَ؛ وحَرُمَتْ عَلَيْكَ امْرَأتُكَ؛ وأبُو قِلابَةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها؛ فَقالَ: لا أرى مَن فَعَلَ ذَلِكَ إلّا قَدْ حُرِجَ؛ ورَوى ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانُوا يُنَكِّلُونَ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَقْعَدٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ؛ أوْجَعَهُ ضَرْبًا؛ وفَرَّقَ بَيْنَهُما؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ حَظْرُ جَمْعِ الثَّلاثِ؛ ولا يُرْوى عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ خِلافُهُ؛ فَصارَ إجْماعًا. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَرَضِهِ؛ وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعَبْ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ جَمْعُ الثَّلاثِ مَحْظُورًا لَما فَعَلَهُ؛ وتَرْكُهُمُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم رَأوْهُ سائِغًا لَهُ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ في الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتَ؛ ولا في غَيْرِهِ أنَّهُ طَلَّقَ ثَلاثًا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ وإنَّما أرادَ أنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي جُوِّزَ عَلَيْهِ الطَّلاقُ؛ وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في أحادِيثَ رَواها جَماعَةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ؛ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَماضُرَ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ ثُمَّ قالَ لَها في مَرَضِهِ: إنْ أخْبَرْتِنِي بِطُهْرِكِ لَأُطَلِّقَنَّكِ؛ فَبَيَّنَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْها ثَلاثًا مُجْتَمِعَةً. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ شَبِيهًا بِهَذا؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا أبانُ ابْنُ يَزِيدَ العَطّارُ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ «أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ حَدَّثَتْهُ أنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ طَلَّقَها؛ وأنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ ونَفَرًا مِن بَنِي مَخْزُومٍ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ إنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ وإنَّهُ تَرَكَ لَها نَفَقَةً يَسِيرَةً؛ فَقالَ: "لا نَفَقَةَ لَها"؛» وساقَ الحَدِيثَ؛ فَيَقُولُ المُحْتَجُّ لِإباحَةِ إيقاعِ الثَّلاثِ مَعًا بِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهُ طَلَّقَها ثَلاثًا؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ؛ وهَذا خَبَرٌ قَدْ أُجْمِلَ فِيهِ ما فُسِّرَ في غَيْرِهِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ خالِدٍ الرَّمْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ عَقِيلٍ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّها كانَتْ عِنْدَ (p-٨٠)أبِي حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ؛ وأنَّ أبا حَفْصِ بْنَ المُغِيرَةِ طَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ؛ فَزَعَمَتْ أنَّها جاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ؛ قالَ أبُو داوُدَ: وكَذَلِكَ رَواهُ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كُلُّهم عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ فَبُيِّنَ في هَذا الحَدِيثِ ما أُجْمِلَ في الحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ أنَّهُ إنَّما طَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ؛ وهو أوْلى؛ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ؛ والأوَّلُ فِيهِ ذِكْرُ الثَّلاثِ؛ ولَمْ يُذْكَرْ إيقاعُهُنَّ مَعًا؛ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهُنَّ؛ عَلى ما ذُكِرَ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِن دَلائِلِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ واتِّفاقِ السَّلَفِ؛ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مَحْظُورٌ. فَإنْ قِيلَ فِيما قَدَّمْناهُ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ عَلى حَظْرِ جَمْعِ الِاثْنَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ: إنَّهُ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْتَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ تَفْرِيقُهُما في طُهْرَيْنِ؛ وفِيهِ إباحَةُ تَطْلِيقَتَيْنِ في مَرَّتَيْنِ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي إباحَةَ تَفْرِيقِ الِاثْنَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وإذا جازَ ذَلِكَ في طُهْرٍ واحِدٍ جازَ جَمْعُهُما بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن قِبَلِ أنَّ ذَلِكَ اعْتِبارٌ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ ورَفْعِهِ رَأْسًا؛ وإزالَةِ فائِدَتِهِ؛ وكُلُّ قَوْلٍ يُؤَدِّي إلى رَفْعِ حُكْمِ اللَّفْظِ فَهو ساقِطٌ؛ وإنَّما صارَ مُسْقِطًا لِفائِدَةِ اللَّفْظِ؛ وإزالَةِ حُكْمِهِ مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ قَدِ اقْتَضى تَفْرِيقَ الِاثْنَتَيْنِ؛ وحَظْرَ جَمْعِهِما في لَفْظٍ واحِدٍ؛ عَلى ما قَدَّمْنا مِن بَيانِهِ؛ وإباحَتُكَ لَتَفْرِيقِهِما في طُهْرٍ واحِدٍ يُؤَدِّي إلى إباحَةِ جَمْعِهِما في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ وفي ذَلِكَ رَفْعُ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ ومَتى حَظَرْنا تَفْرِيقَهُما وجَمْعَهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وأبَحْناهُ في طُهْرَيْنِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ بَلْ فِيهِ اسْتِعْمالُهُ عَلى الخُصُوصِ في بَعْضِ المَواضِعِ؛ دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُؤَدِّ قَوْلُنا بِالتَّفْرِيقِ في طُهْرَيْنِ إلى رَفْعِ حُكْمِهِ؛ وإنَّما أوْجَبَ تَخْصِيصَهُ؛ إذْ كانَ اللَّفْظُ مُوجِبًا لِلتَّفْرِيقِ؛ واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ إذا أوْجَبَ التَّفْرِيقَ فَرَّقَهُما في طُهْرَيْنِ؛ فَخَصَصْنا تَفْرِيقَهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ بِدَلالَةِ الِاتِّفاقِ؛ مَعَ اسْتِعْمالِ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ ومَتى أبَحْنا التَّفْرِيقَ في طُهْرٍ واحِدٍ أدّى ذَلِكَ إلى رَفْعِ حُكْمِ اللَّفْظِ رَأْسًا؛ حَتّى يَكُونَ ذِكْرُهُ لِلطَّلاقِ مَرَّتَيْنِ وتَرْكُهُ سَواءً؛ وهَذا قَوْلٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ. واحْتَجَّ مَن أباحَ ذَلِكَ أيْضًا بِحَدِيثِ عُوَيْمِرٍ العَجْلانِيِّ؛ حِينَ «لاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ؛ فَلَمّا فَرَغا مِن لِعانِهِما قالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها؛ هي طالِقٌ ثَلاثًا؛ فَفارَقَها قَبْلَ أنْ يُفَرِّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُما»؛ قالَ: فَلَمّا لَمْ يُنْكِرِ الشّارِعُ ﷺ إيقاعَ الثَّلاثِ مَعًا؛ دَلَّ عَلى إباحَتِهِ؛ وهَذا الخَبَرُ لا يَصِحُّ لِلشّافِعِيِّ الِاحْتِجاجُ بِهِ؛ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ (p-٨١)أنَّ الفُرْقَةَ قَدْ كانَتْ وقَعَتْ بِلِعانِ الزَّوْجِ قَبْلَ لِعانِ المَرْأةِ؛ فَبانَتْ مِنهُ؛ ولَمْ يَلْحَقْها طَلاقٌ؛ فَكَيْفَ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْها طَلاقًا لَمْ يَقَعْ؛ ولَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ؟ فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُهُ عَلى مَذْهَبِكَ؟ قِيلَ لَهُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسَنَّ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ؛ ومَنعِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّطْلِيقاتِ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الشّارِعُ ﷺ؛ وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ الفُرْقَةُ لَمّا كانَتْ مُسْتَحَقَّةً مِن غَيْرِ جِهَةِ الطَّلاقِ؛ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إيقاعَها بِالطَّلاقِ؛ وأمّا مَن قالَ: سُنَّةُ الطَّلاقِ ألّا يُطَلِّقَ إلّا واحِدَةً؛ وهو ما حَكَيْناهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ؛ واللَّيْثِ؛ والحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؛ والأوْزاعِيِّ؛ فَإنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى إباحَةٍ الثَّلاثِ في الأطْهارِ المُتَفَرِّقَةِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ وفي ذَلِكَ إباحَةٌ لِإيقاعِ الِاثْنَتَيْنِ؛ ولَمّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لا يَجْمَعُهُما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِهِما في الطُّهْرَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ أنَّهُ لِلثّالِثَةِ؛ وفي ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهُ في إيقاعِ الثَّلاثِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَقَدِ انْتَظَمَ إيقاعَ الثَّلاثِ لِلْعِدَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ: لِأوْقاتِ العِدَّةِ؛ كَما بَيَّنَهُ الشّارِعُ ﷺ في قَوْلِهِ: «"يُطَلِّقْها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها؛ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ"؛» وإذا كانَ المُرادُ بِهِ أوْقاتَ الأطْهارِ تَناوَلَ الثَّلاثَ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ فَقَدْ عُقِلَ مِنهُ تَكْرارُ فِعْلِ الصَّلاةِ لِدُلُوكِها في سائِرِ الأيّامِ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ لَمّا كانَ عِبارَةً عَنْ أوْقاتِ الأطْهارِ اقْتَضى تَكْرارَ الطَّلاقِ في سائِرِ الأوْقاتِ؛ وأيْضًا لَمّا جازَ لَهُ إيقاعُ الطَّلاقِ في الطُّهْرِ الأوَّلِ؛ لِأنَّها طاهِرٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ؛ طُهْرًا لَمْ يُوقِعْ فِيهِ طَلاقًا؛ جازَ إيقاعُهُ في الطُّهْرِ الثّانِي لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ راجَعَها جازَ لَهُ إيقاعُ الطَّلاقِ في الطُّهْرِ الثّانِي؛ وجَبَ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ لَهُ إذا لَمْ يُراجِعْها؛ لِوُجُودِ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ جازَ إيقاعُهُ في الطُّهْرِ الأوَّلِ؛ إذْ لا حَظَّ لِلرَّجْعَةِ في إباحَةِ الطَّلاقِ؛ ولا في حَظْرِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ راجَعَها؛ ثُمَّ جامَعَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ إيقاعُ الطَّلاقِ فِيهِ؛ ولَمْ يَكُنْ لِلرَّجْعَةِ تَأْثِيرٌ في إباحَتِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها في الطُّهْرِ الثّانِي؛ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ كَما جازَ لَهُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُراجِعْ؟ فَإنْ قِيلَ: لا فائِدَةَ في الثّانِيَةِ؛ والثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ أنْ يُبِينَها أمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالواحِدَةِ؛ بِأنْ يَدَعَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ وهَذا هو الفارِقُ بَيْنَهُ إذا راجَعَها؛ أوْ لَمْ يُراجِعْها؛ في إباحَةِ الثّانِيَةِ؛ والثّالِثَةِ؛ إذا راجَعَ؛ وحَظْرِهِما إذا لَمْ يُراجِعْ؛ قِيلَ لَهُ: في إيقاعِ الثّانِيَةِ؛ (p-٨٢)والثّالِثَةِ فَوائِدُ بِتَعَجُّلِها؛ لَوْ لَمْ يُوقِعِ الثّانِيَةَ والثّالِثَةَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ؛ وهو أنْ تَبِينَ مِنهُ بِإيقاعِ الثّالِثَةِ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها؛ فَيَسْقُطَ مِيراثُها مِنهُ لَوْ ماتَ؛ ويَتَزَوَّجَ أُخْتَها؛ أوْ أرْبَعًا سِواها؛ عَلى قَوْلِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ في العِدَّةِ؛ فَلَمْ يَخْلُ في إيقاعِ الثّانِيَةِ؛ والثّالِثَةِ مِن فَوائِدَ؛ وحُقُوقٍ تَحْصُلُ لَهُ؛ فَلَمْ تَكُنْ لَغْوًا مُطْرَحًا؛ وجازَ مِن أجْلِها إيقاعُ ما بَقِيَ مِن طَلاقِها في أوْقاتِ السُّنَّةِ؛ كَما يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ راجَعَها؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * ذِكْرِ الِاخْتِلافِ في الطَّلاقِ بِالرِّجالِ قالَ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اِتَّفَقَ السَّلَفُ؛ ومَن بَعْدَهم مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ عَلى أنَّ الزَّوْجَيْنِ المَمْلُوكَيْنِ خارِجانِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الرِّقَّ يُوجِبُ نُقْصانَ الطَّلاقِ؛ فَقالَ عَلِيٌّ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: "اَلطَّلاقُ بِالنِّساءِ"؛ يَعْنِي أنَّ المَرْأةَ إنْ كانَتْ حُرَّةً فَطَلاقُها ثَلاثٌ؛ حُرًّا كانَ زَوْجُها؛ أوْ عَبْدًا؛ وأنَّها إنْ كانَتْ أمَةً فَطَلاقُها اثْنَتانِ؛ حُرًّا كانَ زَوْجُها؛ أوْ عَبْدًا؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وأبِي يُوسُفَ؛ وزُفَرَ؛ ومُحَمَّدٍ؛ والثَّوْرِيِّ؛ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ وقالَ عُثْمانُ؛ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: "اَلطَّلاقُ بِالرِّجالِ"؛ يَعْنُونَ أنَّ الزَّوْجَ إنْ كانَ عَبْدًا فَطَلاقُهُ اثْنَتانِ؛ سَواءٌ كانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً؛ أوْ أمَةً؛ وإنْ كانَ حُرًّا فَطَلاقُهُ ثَلاثٌ؛ حُرَّةً كانَتِ الزَّوْجَةُ؛ أوْ أمَةً؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: أيُّهُما رَقَّ نَقَصَ الطَّلاقُ بِرِقِّهِ؛ وهو قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ. وقَدْ رَوى هُشَيْمٌ عَنْ مَنصُورِ بْنِ زادانَ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اَلْأمْرُ إلى المَوْلى في الطَّلاقِ؛ أذِنَ لَهُ العَبْدُ؛ أوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] . رَوى هِشامٌ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ؛ عَنْ أبِي مَعْبَدٍ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ غُلامًا كانَ لِابْنِ عَبّاسٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: اِرْجِعْها؛ لا أُمَّ لَكَ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ؛ فَأبى؛ فَقالَ: هي لَكَ؛ فاتَّخِذْها؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى طَلاقَهُ واقِعًا؛ لَوْلاهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: اِرْجِعْها؛ وقَوْلُهُ: هي لَكَ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ أمَةً؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الغُلامُ حُرًّا؛ لِأنَّهُما إذا كانا مَمْلُوكَيْنِ؛ فَلا خِلافَ أنَّ رِقَّهُما يُنْقِصُ الطَّلاقَ؛ وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ لا يَرى طَلاقَ العَبْدِ شَيْئًا؛ ويَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ المُبارَكِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ؛ أنَّ عُمَرَ بْنَ مُعَتِّبٍ أخْبَرَهُ «أنَّ أبا حَسَنٍ؛ مَوْلى بَنِي نَوْفَلٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ اسْتَفْتى ابْنَ عَبّاسٍ في مَمْلُوكٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَتَيْنِ؛ ثُمَّ أعْتَقَها بَعْدَ (p-٨٣)ذَلِكَ؛ هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أنْ يَخْطُبَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ قالَ: نَعَمْ؛ قَضى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قالَ أبُو داوُدَ: وقَدْ سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قالَ: قالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: قالَ ابْنُ المُبارَكِ لِعُمَرَ: مَن أبُو حَسَنٍ هَذا؟ لَقَدْ تَحَمَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً؛ قالَ أبُو داوُدَ: وأبُو حَسَنٍ هَذا رَوى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ؛ وكانَ مِنَ الفُقَهاءِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا الحَدِيثُ يَرُدُّهُ الإجْماعُ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ ومَن بَعْدَهم مِنَ الفُقَهاءِ؛ أنَّهُما إذا كانا مَمْلُوكَيْنِ أنَّها تَحْرُمُ بِالِاثْنَتَيْنِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ بِالنِّساءِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ؛ وعائِشَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ"؛» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَنَدِهِ؛ وقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الأُمَّةُ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ في نُقْصانِ العِدَّةِ؛ وإنْ كانَ وُرُودُهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ؛ فَصارَ في حَيِّزِ التَّواتُرِ؛ لِأنَّ ما تَلَقّاهُ النّاسُ بِالقَبُولِ مِن أخْبارِ الآحادِ فَهو عِنْدَنا في مَعْنى المُتَواتِرِ؛ لِما بَيَّنّاهُ في مَواضِعَ؛ ولَمْ يُفَرِّقِ الشّارِعُ في قَوْلِهِ: «وعِدَّتُها حَيْضَتانِ»؛ بَيْنَ مَن كانَ زَوْجُها حُرًّا؛ أوْ عَبْدًا؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ اعْتِبارُ الطَّلاقِ بِها دُونَ الزَّوْجِ؛ ودَلِيلٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الرِّقَّ يُوجِبُ نَقْصَ الطَّلاقِ؛ كَما يُوجِبُ نَقْصَ الحَدِّ؛ ثُمَّ كانَ الِاعْتِبارُ في نُقْصانِ الحَدِّ بِرِقِّ مَن يَقَعُ بِهِ دُونَ مَن يُوقِعُهُ؛ وجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ نُقْصانُ الطَّلاقِ بِرِقِّ مَن يَقَعُ بِهِ؛ دُونَ مَن يُوقِعُهُ؛ وهو المَرْأةُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَمْلِكُ تَفْرِيقَ الثَّلاثِ عَلَيْها؛ عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ؛ وإنْ كانَ حُرًّا؛ إذا كانَتِ الزَّوْجَةُ أمَةً؛ ألا تَرى أنَّهُ إذا أرادَ تَفْرِيقَ الثَّلاثِ عَلَيْها في أطْهارٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَمْ يُمْكِنْهُ إيقاعُ الثّالِثَةِ بِحالٍ؟ فَلَوْ كانَ مالِكًا لِلْجَمِيعِ لَمَلَكَ التَّفْرِيقَ عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ؛ كَما لَوْ كانَتْ حُرَّةً؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مالِكٍ لِلثَّلاثِ إذا كانَتِ الزَّوْجَةُ أمَةً. واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ الحِجاجِ لِإيقاعِ الطَّلاقِ (اَلثَّلاثِ) مَعًا قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ مَعًا؛ مَعَ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ قَدْ أبانَ عَنْ حُكْمِهِ إذا أوْقَعَ اثْنَتَيْنِ؛ بِأنْ يَقُولَ: "أنْتِ طالِقٌ؛ أنْتِ طالِقٌ"؛ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ السُّنَّةِ؛ فَإذا كانَ في مَضْمُونِ الآيَةِ الحُكْمُ بِجَوازِ وُقُوعِ الِاثْنَتَيْنِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِهِما لَوْ أوْقَعَهُما مَعًا؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما؛ وفِيها الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فَحَكَمَ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِ بِالثّالِثَةِ؛ بَعْدَ الِاثْنَتَيْنِ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إيقاعِهِما في طُهْرٍ واحِدٍ؛ أوْ في أطْهارٍ؛ (p-٨٤)فَوَجَبَ الحُكْمُ بِإيقاعِ الجَمِيعِ عَلى أيِّ وجْهٍ أوْقَعَهُ؛ مِن مَسْنُونٍ؛ أوْ غَيْرِ مَسْنُونٍ؛ ومُباحٍ؛ أوْ مَحْظُورٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدَّمْتَ بَدِيًّا في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِها بَيانُ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ والمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الطَّلاقِ؛ وإيقاعُ الطَّلاقِ (اَلثَّلاثِ) مَعًا خِلافُ المَسْنُونِ عِنْدَكَ؛ فَكَيْفَ نَحْتَجُّ بِها في إيقاعِها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُباحِ؛ والآيَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْها عَلى هَذا الوَجْهِ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى هَذِهِ المَعانِي كُلِّها؛ مِن إيقاعِ الِاثْنَتَيْنِ؛ والثَّلاثِ لِغَيْرِ السُّنَّةِ؛ وأنَّ المَندُوبَ إلَيْهِ؛ والمَسْنُونَ تَفْرِيقُها في الأطْهارِ؛ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُرادُ الآيَةِ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: "طَلِّقُوا ثَلاثًا في الأطْهارِ؛ وإنْ طَلَّقْتُمْ جَمِيعًا مَعًا وقَعْنَ"؛ كانَ جائِزًا؟ وإذا لَمْ يَتَنافَ المَعْنَيانِ واحْتَمَلَتْهُما الآيَةُ؛ وجَبَ حَمْلُها عَلَيْهِما؛ فَإنْ قِيلَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى ما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ وقَدْ بَيَّنَ الشّارِعُ الطَّلاقَ لِلْعِدَّةِ؛ وهو أنْ يُطَلِّقَها في ثَلاثَةِ أطْهارٍ؛ إنْ أرادَ إيقاعَ الثَّلاثِ؛ ومَتى خالَفَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ؛ قِيلَ لَهُ: نَسْتَعْمِلُ الآيَتَيْنِ عَلى ما تَقْتَضِيانِهِ مِن أحْكامِهِما؛ فَنَقُولُ: إنَّ المَندُوبَ إلَيْهِ؛ المَأْمُورَ بِهِ؛ هو الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ؛ عَلى ما بَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وإنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ؛ وجَمَعَ الثَّلاثَ وقَعْنَ؛ لِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى؛ وهي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾؛ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ نَفْيٌ لِما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى؛ عَلى أنَّ في فَحْوى الآيَةِ؛ الَّتِي فِيها ذِكْرُ الطَّلاقِ لِلْعِدَّةِ؛ دَلالَةً عَلى وُقُوعِها إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ؛ وهو قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودُ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَلَوْلا أنَّهُ إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ وقَعَ؛ ما كانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ بِإيقاعِهِ؛ ولا كانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ بِطَلاقِهِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُقُوعِها إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى) في نَسَقِ الخِطابِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ إذا أوْقَعَ الطَّلاقَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ؛ كانَ لَهُ مَخْرَجًا مِمّا أوْقَعَ؛ إنْ لَحِقَهُ نَدَمٌ؛ وهو الرَّجْعَةُ؛ وعَلى هَذا المَعْنى تَأوَّلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ حِينَ قالَ لِلسّائِلِ الَّذِي سَألَهُ؛ وقَدْ طَلَّقَ ثَلاثًا: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ وإنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلَمْ أجِدْ لَكَ مَخْرَجًا؛ عَصَيْتَ رَبَّكَ؛ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: لَوْ أنَّ النّاسَ أصابُوا حَدَّ الطَّلاقِ؛ ما نَدِمَ رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأتَهُ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ عاصِيًا في إيقاعِ الثَّلاثِ مَعًا لَمْ يَقَعْ؛ إذْ لَيْسَ هو الطَّلاقَ المَأْمُورَ بِهِ؛ كَما لَوْ وكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا بِأنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ؛ لَمْ يَقَعْ إذا جَمَعَهُنَّ في طُهْرٍ واحِدٍ؛ قِيلَ لَهُ: أمّا كَوْنُهُ عاصِيًا في الطَّلاقِ (p-٨٥)فَغَيْرُ مانِعٍ صِحَّةَ وُقُوعِهِ؛ لِما دَلَّلْنا عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ الظِّهارَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا؛ وحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ؛ فَكَوْنُهُ عاصِيًا لا يَمْنَعُ لُزُومَ حُكْمِهِ؛ والإنْسانُ عاصٍ لِلَّهِ في رِدَّتِهِ عَنِ الإسْلامِ؛ ولَمْ يَمْنَعْ عِصْيانُهُ مِن لُزُومِ حُكْمِهِ؛ وفِراقِ امْرَأتِهِ؛ وقَدْ نَهاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ مُراجَعَتِها ضِرارًا؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فَلَوْ راجَعَها وهو يُرِيدُ ضِرارَها لَثَبَتَ حُكْمُها؛ وصَحَّتْ رَجْعَتُهُ. وأمّا الفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَكِيلِ؛ فَهو أنَّ الوَكِيلَ إنَّما يُطَلِّقُ لِغَيْرِهِ؛ وعَنْهُ يُعَبِّرُ؛ ولَيْسَ يُطَلِّقُ لِنَفْسِهِ؛ ولا يَمْلِكُ ما يُوقِعُهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِن حُقُوقِ الطَّلاقِ؛ وأحْكامِهِ؟ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مالِكًا لِما يُوقِعُهُ؛ وإنَّما يَصِحُّ إيقاعُهُ لِغَيْرِهِ مِن جِهَةِ الأمْرِ؛ إذْ كانَتْ أحْكامُهُ تَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ دُونَهُ؛ لَمْ يَقَعْ مَتى خالَفَ الأمْرَ؛ وأمّا الزَّوْجُ فَهو مالِكُ الطَّلاقِ؛ وبِهِ تَتَعَلَّقُ أحْكامُهُ؛ ولَيْسَ يُوقِعُ لِغَيْرِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَقَعَ مِن حَيْثُ كانَ مالِكًا لِلثَّلاثِ؛ وارْتِكابُ النَّهْيِ في طَلاقِهِ غَيْرُ مانِعٍ وُقُوعَهُ؛ كَما وصَفْنا في الظِّهارِ؛ والرَّجْعَةِ؛ والرِّدَّةِ؛ وسائِرِ ما يَكُونُ بِهِ عاصِيًا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وطِئَ أُمَّ امْرَأتِهِ بِشُبْهَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ؟ وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن حُكْمِ الزَّوْجِ في مِلْكِهِ لِلثَّلاثِ؛ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا أوْقَعَهُنَّ مَعًا وقَعَ؛ إذْ هو مُوقِعٌ لِما مَلَكَ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنا سَنَدَهُ؛ حِينَ قالَ: «أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها ثَلاثًا؛ أكانَ لِي أنْ أُراجِعَها؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لا.. كانَتْ تَبِينُ؛ ويَكُونُ مَعْصِيَةً"». وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ؛ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكانَةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ البَتَّةَ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "ما أرَدْتَ بِالبَتَّةِ؟"؛ قالَ: واحِدَةً؛ قالَ: "آللَّهِ؟"؛ قالَ: آللَّهِ؛ قالَ: "هُوَ عَلى ما أرَدْتَ"؛» فَلَوْ لَمْ تَقَعِ الثَّلاثُ إذا أرادَها لَما اسْتَحْلَفَهُ بِاللَّهِ ما أرادَ إلّا واحِدَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أقاوِيلِ السَّلَفِ فِيهِ؛ وأنَّهُ يَقَعُ؛ وهو مَعْصِيَةٌ؛ فالكِتابُ؛ والسُّنَّةُ؛ وإجْماعُ السَّلَفِ؛ تُوجِبُ إيقاعَ الثَّلاثِ مَعًا؛ وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً. وذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ قالَ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ خَشِنًا؛ وكانَ يَقُولُ: طَلاقُ الثَّلاثِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: اَلطَّلاقُ الثَّلاثُ تُرَدُّ إلى الواحِدَةِ؛ واحْتَجَّ بِما رَواهُ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طَلَّقَ رُكانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ؛ فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا؛ فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَيْفَ طَلَّقْتَها؟"؛ فَقالَ: طَلَّقْتُها ثَلاثًا؛ قالَ: "فِي مَجْلِسٍ واحِدٍ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ؛ فارْجِعْها إنْ شِئْتَ"؛ قالَ: فَرَجَعْتُها؛» وبِما رَوى أبُو عاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ عَنِ (p-٨٦)ابْنِ طاوُسٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ؛ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ؛ تُرَدُّ إلى الواحِدَةِ؟ قالَ: نَعَمْ؛» وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ مُنْكَرانِ؛ وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ ومالِكُ بْنُ الحارِثِ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ إياسٍ؛ والنُّعْمانُ بْنُ أبِي عَيّاشٍ؛ كُلُّهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فِيمَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ أنَّهُ قَدْ عَصى رَبَّهُ؛ وبانَتْ مِنهُ امْرَأتُهُ؛ وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أبِي الصَّهْباءِ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ؛ وهو «أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ؛ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ؛ واحِدَةً؛ فَقالَ عُمَرُ: لَوْ أجَزْناهُ عَلَيْهِمْ». وهَذا مَعْناهُ عِنْدَنا أنَّهم إنَّما كانُوا يُطَلِّقُونَ ثَلاثًا؛ فَأجازَها عَلَيْهِمْ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَيّاشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيُّ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ «أنْ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ؛ لَمّا لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ؛ قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها؛ فَهي طالِقٌ ثَلاثًا؛ فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِ». وما قَدَّمْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ؛ والسُّنَّةِ؛ والِاتِّفاقِ؛ يُوجِبُ إيقاعَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ؛ وإنْ كانَ مَعْصِيَةً؛ وزَعَمَ بَعْضُ الجُهّالِ؛ مِمَّنْ لا يُعَدُّ خِلافُهُ؛ أنَّهُ لا يَقَعُ إذا طَلَّقَ في الحَيْضِ؛ واحْتَجَّ بِما حَدَّثَنامُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ؛ «أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيْمَنَ؛ مَوْلى عُرْوَةَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ؛ وأبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ؛ فَقالَ: كَيْفَ تَرى في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا؟ فَقالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ حائِضًا؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ وهي حائِضٌ؛ فَقالَ: فَرَدَّها عَلَيَّ؛ ولَمْ يَرَها شَيْئًا؛ وقالَ: "إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ؛ أوْ لِيُمْسِكْ"؛» قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ فَقَدْ رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؛ مِن ذَلِكَ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ إبْراهِيمَ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: «سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: قُلْتُ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ قالَ: تَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ قالَ: فَإنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ فَأتى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ فَقالَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها؛ ثُمَّ لْيُطَلِّقْها في قُبُلِ عِدَّتِها"؛ قالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِها؟ قالَ: فَمَهْ؟ أرَأيْتَ إنْ عَجِزَ واسْتَحْمَقَ؟» فَهَذا خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ في هَذا الحَدِيثِ؛ أنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ في سائِرِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الشّارِعَ أمَرَهُ بِأنْ يُراجِعَها؛ ولَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ واقِعًا لَما احْتاجَ إلى الرَّجْعَةِ؛ وكانَتْ لا تَصِحُّ (p-٨٧)رَجْعَتُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: "راجَعَ امْرَأتَهُ"؛ ولَمْ يُطَلِّقْها؛ إذْ كانَتِ الرَّجْعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الطَّلاقِ؛ ولَوْ صَحَّ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يُبِنْها مِنهُ بِذَلِكَ الطَّلاقِ؛ ولَمْ تَقَعِ الزَّوْجِيَّةُ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾: قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَتِ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ؛ وقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ اِقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الإمْساكِ المَذْكُورِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ وهَذا الإمْساكُ إنَّما هو الرَّجْعَةُ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الطَّلاقِ؛ وقَدْ كانَ وُقُوعُ الطَّلاقِ مُوجِبُهُ التَّفْرِقَةُ عِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ فَسَمّى اللَّهُ (تَعالى) الرَّجْعَةَ إمْساكًا لِبَقاءِ النِّكاحِ بِها بَعْدَ مُضِيِّ ثَلاثِ حِيَضٍ؛ ورَفَعَ حُكْمَ البَيْنُونَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وإنَّما أباحَ لَهُ إمْساكَها عَلى وصْفٍ؛ وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ؛ وهو وُقُوعُهُ عَلى وجْهٍ يَحْسُنُ؛ ويَجْمُلُ؛ فَلا يَقْصِدُ بِهِ ضِرارَها؛ عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وإنَّما أباحَ لَهُ الرَّجْعَةَ عَلى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ؛ ومَتى راجَعَ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ كانَ عاصِيًا؛ فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ فَلَوْلا صِحَّةُ الرَّجْعَةِ لَما كانَ لِنَفْسِهِ ظالِمًا بِها. وفِي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ دَلالَةٌ عَلى وُقُوعِ الرَّجْعَةِ بِالجِماعِ؛ لِأنَّ الإمْساكَ عَلى النِّكاحِ إنَّما هو الجِماعُ؛ وتَوابِعُهُ؛ مِنَ اللَّمْسِ؛ والقُبْلَةِ؛ ونَحْوِها؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ مَن يَحْرُمُ عَلَيْهِ جِماعُها تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لا يَصِحُّ لَهُ عَقْدُ النِّكاحِ عَلَيْها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإمْساكَ عَلى النِّكاحِ مُخْتَصٌّ بِالجِماعِ؛ فَيَكُونُ بِالجِماعِ مُمْسِكًا لَها؛ وكَذَلِكَ اللَّمْسُ؛ والقُبْلَةُ لِلشَّهْوَةِ؛ والنَّظَرُ إلى الفَرْجِ بِشَهْوَةٍ؛ إذْ كانَتْ صِحَّةُ عَقْدِ النِّكاحِ مُخْتَصَّةً بِاسْتِباحَةِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ فَمَتى فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كانَ مُمْسِكًا لَها؛ بِعُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما أنَّ المُرادَ بِهِ الثّالِثَةُ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ غَيْرُ ثابِتٍ؛ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ؛ ويَرُدُّهُ الظّاهِرُ أيْضًا؛ وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا الثَّوْرِيُّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ؛ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟ قالَ: "اَلتَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ"؛» وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ مِنهُمُ السُّدِّيُّ؛ والضَّحّاكُ؛ أنَّهُ تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وهَذا التَّأْوِيلُ أصَحُّ؛ إذْ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ المَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ ثابِتًا؛ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ سائِرَ المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها؛ عُقَيْبَ الطَّلاقِ؛ الإمْساكَ والفِراقَ؛ إنَّما أرادَ بِهِ تَرْكَ الرَّجْعَةِ (p-٨٨)حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ مِنها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ والمُرادُ بِالتَّسْرِيحِ تَرْكُ الرَّجْعَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ "فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ طَلِّقُوهُنَّ واحِدَةً أُخْرى"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ؛ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ ولَمْ يُرِدْ بِهِ إيقاعًا مُسْتَقْبَلًا؛ وإنَّما أرادَ بِهِ تَرْكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ والجِهَةُ الأُخْرى أنَّ الثّالِثَةَ مَذْكُورَةٌ في نَسَقِ الخِطابِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فَإذا كانَتِ الثّالِثَةُ مَذْكُورَةً في صَدْرِ هَذا الخِطابِ؛ مُفِيدَةً لِلْبَيْنُونَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ؛ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ عَلى فائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ؛ وهي وُقُوعُ البَيْنُونَةِ بِالِاثْنَتَيْنِ؛ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وأيْضًا لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ المَقْصِدَ فِيهِ عَدَدُ الطَّلاقِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ؛ ونَسْخُ ما كانَ جائِزًا مِن إيقاعِ الطَّلاقِ بِلا عَدَدٍ مَحْصُورٍ؛ فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ هو الثّالِثَةَ لَما أبانَ عَنِ المَقْصِدِ في إيقاعِ التَّحْرِيمِ بِالثَّلاثِ؛ إذْ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَما دَلَّ عَلى وُقُوعِ البَيْنُونَةِ المُحَرِّمَةِ لَها؛ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ وإنَّما عُلِمَ التَّحْرِيمُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فَوَجَبَ ألّا يَكُونَ قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ هو الثّالِثَةَ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ التَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ هو الثّالِثَةَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾؛ عُقَيْبَ ذَلِكَ؛ هي الرّابِعَةَ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ؛ وقَدِ اقْتَضى طَلاقًا مُسْتَقْبَلًا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ هو تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ مُنْتَظِمٌ لِمَعانٍ؛ مِنها تَحْرِيمُها عَلى المُطَلِّقِ ثَلاثًا حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ؛ مُفِيدٌ في شَرْطِ ارْتِفاعِ التَّحْرِيمِ الواقِعِ بِالطَّلاقِ الثَّلاثِ؛ (اَلْعَقْدِ؛ والوَطْءِ) جَمِيعًا؛ لِأنَّ النِّكاحَ هو الوَطْءُ في الحَقِيقَةِ؛ وذِكْرُ الزَّوْجِ يُفِيدُ العَقْدَ؛ وهَذا مِنَ الإيجازِ؛ والِاقْتِصارِ عَلى الكِنايَةِ المُفْهِمَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ؛ وقَدْ ورَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ مُسْتَفِيضَةٌ في أنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ حَتّى يَطَأها الثّانِي؛ مِنها حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ عُرْوَةَ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ «أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا؛ فَتَزَوَّجَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ إنَّها كانَتْ تَحْتَ رِفاعَةَ؛ فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ؛ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ وإنَّهُ؛ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما مَعَهُ إلّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ؛ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؛ لا.. حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ؛ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"». (p-٨٩)ورَوى ابْنُ عُمَرَ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ؛ ولَمْ يَذْكُرا قِصَّةَ امْرَأةِ رِفاعَةَ؛ وهَذِهِ أخْبارٌ قَدْ تَلَقّاها النّاسُ بِالقَبُولِ؛ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى اسْتِعْمالِها؛ فَهي عِنْدَنا في حَيِّزِ التَّواتُرِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ؛ إلّا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ أنَّهُ قالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بِنَفْسِ عَقْدِ النِّكاحِ؛ دُونَ الوَطْءِ؛ ولَمْ نَعْلَمْ أحَدًا تابَعَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو شاذٌّ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ غايَةُ التَّحْرِيمِ: اَلْمُوقَعُ بِالثَّلاثِ؛ فَإذا وطِئَها الزَّوْجُ الثّانِي ارْتَفَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ المُوقَعُ؛ وبَقِيَ التَّحْرِيمُ مِن جِهَةِ أنَّها تَحْتَ زَوْجٍ كَسائِرِ النِّساءِ الأجْنَبِيّاتِ؛ فَمَتى فارَقَها الثّانِي؛ وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ حَلَّتْ لِلْأوَّلِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾؛ مُرَتَّبٌ عَلى ما أوْجَبَ مِنَ العِدَّةِ عَلى المَدْخُولِ بِها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ ونَحْوِهِما مِنَ الآيِ الحاظِرَةِ لِلنِّكاحِ في العِدَّةِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾؛ نَصَّ عَلى ذِكْرِ الطَّلاقِ؛ ولا خِلافَ أنَّ الحُكْمَ في إباحَتِها لِلزَّوْجِ الأوَّلِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الطَّلاقِ؛ وأنَّ سائِرَ الفُرَقِ الحادِثَةِ بَيْنَهُما؛ مِن نَحْوِ مَوْتٍ؛ أوْ رِدَّةٍ؛ أوْ تَحْرِيمٍ بِمَنزِلَةِ الطَّلاقِ؛ وإنْ كانَ المَذْكُورُ نَفْسُهُ هو الطَّلاقَ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ أيْضًا عَلى جَوازِ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ لِأنَّهُ أضافَ التَّراجُعَ إلَيْها مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَلِيِّ؛ وفِيهِ أحْكامٌ أُخَرُ؛ نَذْكُرُها عِنْدَ ذِكْرِنا لِأحْكامِ الخُلْعِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ولَكِنّا قَدَّمْنا ذِكْرَ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ يَتَّصِلُ بِهِ في المَعْنى بِذِكْرِ الِاثْنَتَيْنِ؛ وإنْ تَخَلَّلَهُما ذِكْرُ الخُلْعِ؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * بابُ الخُلْعِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ فَحَظَرَ عَلى الزَّوْجِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها؛ إلّا عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ؛ وعُقِلَ بِذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أخْذُ ما لَمْ يُعْطِها؛ وإنْ كانَ المَذْكُورُ هو ما أعْطاها؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ قَدْ دَلَّ عَلى حَظْرِ ما فَوْقَهُ؛ مِن ضَرْبٍ؛ أوْ شَتْمٍ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ قالَ طاوُسٌ: يَعْنِي فِيما افْتَرَضَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في العِشْرَةِ؛ والصُّحْبَةِ؛ وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وقالَ الحَسَنُ: هو أنْ تَقُولَ المَرْأةُ: "واللَّهِ لا أغْتَسِلُ لَكَ مِن جَنابَةٍ"؛ وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ﴿إلا أنْ يَخافا﴾؛ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَظُنّا؛ وقالَ أبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ: أنْشَدَهُ الفَرّاءُ - رَحِمَهُ اللَّهُ (تَعالى) -: ؎إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ ∗∗∗ تَرْوِي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها (p-٩٠)ولا تَدْفِنَنِّي بِالعَراءِ فَإنَّنِي ... أخافُ إذا ما مِتُّ ألّا أذُوقَها وقالَ آخَرُ: ؎أتانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ ∗∗∗ وما خِفْتُ يا سَلّامُ أنَّكَ عائِبِي يَعْنِي: ما ظَنَنْتُ؛ وهَذا الخَوْفُ مِن تَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ (تَعالى) عَلى وجْهَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما سَيِّئَ الخُلُقِ؛ أوْ جَمِيعًا؛ فَيُفْضِيَ بِهِما ذَلِكَ إلى تَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ (تَعالى) فِيما ألْزَمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن حُقُوقِ النِّكاحِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وإمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مُبْغِضًا لِلْآخَرِ؛ فَيَصْعُبَ عَلَيْهِ حُسْنُ العِشْرَةِ؛ والمُجامَلَةُ؛ فَيُؤَدِّيَ بِهِ ذَلِكَ إلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) في تَقْصِيرِهِ في الحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ؛ وفِيما ألْزَمَ الزَّوْجَ؛ مِن إظْهارِ المَيْلِ إلى غَيْرِها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ فَإذا وقَعَ أحَدُ هَذَيْنِ؛ وأشْفَقا مِن تَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ (تَعالى)؛ الَّتِي حَدَّها لَهُما؛ حَلَّ الخُلْعُ. ورَوى جابِرٌ الجُعْفِيُّ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى؛ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: كَلِماتٌ إذا قالَتْهُنَّ المَرْأةُ حَلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ الفِدْيَةَ؛ إذا قالَتْ لَهُ: "لا أُطِيعُ لَكَ أمْرًا؛ ولا أبَرُّ لَكَ قَسَمًا؛ ولا أغْتَسِلُ لَكَ مِن جَنابَةٍ"؛ وقالَ المُغِيرَةُ: عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: لا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ الفِدْيَةَ مِنَ امْرَأتِهِ إلّا أنْ تَعْصِيَهُ؛ ولا تَبَرَّ لَهُ قَسَمًا؛ وإذا فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ وكانَ مِن قِبَلِها؛ حَلَّتْ لَهُ الفِدْيَةُ؛ وإنْ أبى أنْ يَقْبَلَ مِنها الفِدْيَةَ؛ وأبَتْ أنْ تُعْطِيَهُ؛ بَعَثا حَكَمَيْنِ؛ حَكَمًا مِن أهْلِهِ؛ وحَكَمًا مِن أهْلِها. وذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَرْكُها إقامَةَ حُدُودِ اللَّهِ اسْتِخْفافًا بِحَقِّ الزَّوْجِ؛ وسُوءُ خُلُقِها؛ فَتَقُولُ: "واللَّهِ لا أبَرُّ لَكَ قَسَمًا؛ ولا أطَأُ لَكَ مَضْجَعًا؛ ولا أُطِيعُ لَكَ أمْرًا"؛ فَإذا فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنها الفِدْيَةُ؛ ولا يَأْخُذُ أكْثَرَ مِمّا أعْطاها شَيْئًا؛ ويُخَلِّي سَبِيلَها؛ وإنْ كانَتِ الإساءَةُ مِن قِبَلِها؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ يَقُولُ: إنْ كانَ عَنْ غَيْرِ ضِرارٍ؛ ولا خَدِيعَةٍ؛ فَهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى). وقَدِ اخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَرَوى حَجّاجٌ؛ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أبِي الصَّهْباءِ قالَ: سَألْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ تُرِيدُ مِنهُ امْرَأتُهُ الخُلْعَ؛ قالَ: لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا؛ قُلْتُ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ قالَ: هَذِهِ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]؛ ورَوى أبُو عاصِمٍ؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أرَأيْتَ إذا كانَتْ لَهُ ظالِمَةً؛ مُسِيئَةً؛ فَدَعاها إلى الخُلْعِ؛ أيَحِلُّ لَهُ؟ قالَ: لا؛ إمّا أنْ يَرْضى فَيُمْسِكَ؛ وإمّا أنْ يُسَرِّحَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهو قَوْلٌ شاذٌّ؛ يَرُدُّهُ ظاهِرُ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ واتِّفاقُ (p-٩١)السَّلَفِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]؛ اَلْآيَةَ؛ ما يُوجِبُ نَسْخَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مَقْصُورَةُ الحُكْمِ عَلى حالٍ مَذْكُورَةٍ فِيها؛ فَإنَّما حُظِرَ الخُلْعُ إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ وأرادَ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ؛ غَيْرِها؛ وأباحَهُ إذا خافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ؛ بِأنْ تَكُونَ مُبْغِضَةً لَهُ؛ أوْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ؛ أوْ كانَ هو سَيِّئَ الخُلُقِ؛ ولا يَقْصِدُ مَعَ ذَلِكَ الإضْرارَ بِها؛ لَكِنَّهُما يَخافانِ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ في حُسْنِ العِشْرَةِ؛ وتَوْفِيَةِ ما ألْزَمَهُما اللَّهُ (تَعالى) مِن حُقُوقِ النِّكاحِ؛ وهَذِهِ الحالُ غَيْرُ تِلْكَ؛ فَلَيْسَ في إحْداهُما ما يُعْتَرَضُ بِهِ عَلى الأُخْرى؛ ولا يُوجِبُ نَسْخَها؛ ولا تَخْصِيصَها أيْضًا؛ إذْ كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما ورَدَتْ فِيهِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]؛ إذا كانَ خِطابًا لِلْأزْواجِ؛ فَإنَّما حُظِرَ عَلَيْهِمْ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِها؛ إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ قاصِدًا لِلْإضْرارِ بِها؛ إلّا أنْ تَأْتِيَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛ فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ؛ وأبُو قِلابَةَ: يَعْنِي أنْ يَظْهَرَ مِنها عَلى زِنًا؛ ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ؛ والزُّهْرِيِّ؛ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أنَّ الخُلْعَ لا يَحِلُّ إلّا مِنَ النّاشِزِ؛ فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الآياتِ نَسْخٌ؛ وجَمِيعُها مُسْتَعْمَلٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:231

بابُ المُضارَّةِ في الرَّجْعَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ مُقارَبَةُ البُلُوغِ؛ والإشْرافُ عَلَيْهِ؛ لا حَقِيقَتُهُ؛ لِأنَّ الأجَلَ المَذْكُورَ هو العِدَّةُ؛ وبُلُوغَهُ هو انْقِضاؤُها؛ ولا رَجْعَةَ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وقَدْ عَبَّرَ عَنِ العِدَّةِ بِالأجَلِ في مَواضِعَ؛ مِنها قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ (p-٩٨)بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ ومَعْناهُ مَعْنى ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ وقالَ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]؛ وقالَ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ فَكانَ المُرادُ بِالآجالِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيِ هي العِدَدَ؛ ولِما ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]؛ والمُرادُ مُقارَبَتُهُ دُونَ انْقِضائِهِ؛ ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ؛ واللُّغَةِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ ومَعْناهُ: إذا أرَدْتُمُ الطَّلاقَ؛ وقارَبْتُمْ أنْ تُطَلِّقُوا؛ فَطَلِّقُوا لِلْعِدَّةِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ مَعْناهُ: إذا أرَدْتَ قِراءَتَهُ؛ وقالَ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]؛ ولَيْسَ المُرادُ العَدْلَ بَعْدَ القَوْلِ؛ ولَكِنْ قَبْلَهُ؛ يَعْزِمُ عَلى ألّا يَقُولَ إلّا عَدْلًا؛ فَعَلى هَذا ذَكَرَ بُلُوغَ الأجَلِ؛ وأرادَ بِهِ مُقارَبَتَهُ؛ دُونَ وُجُودِ نِهايَتِهِ؛ وإنَّما ذَكَرَ مُقارَبَةَ البُلُوغِ عِنْدَ الأمْرِ بِالإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ؛ وإنْ كانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ في سائِرِ أحْوالِ بَقاءِ النِّكاحِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَ إلَيْهِ التَّسْرِيحَ؛ وهو انْقِضاءُ العِدَّةِ؛ وجَمْعُهُما في الأمْرِ؛ والتَّسْرِيحِ؛ إنَّما لَهُ حالٌ واحِدٌ لَيْسَ يَدُومُ؛ فَخَصَّ حالَ بُلُوغِ الأجَلِ بِذَلِكَ؛ لِيَنْتَظِمَ المَعْرُوفُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ اَلْمُرادُ بِهِ الرَّجْعَةُ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ مَعْناهُ: تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وأباحَ الإمْساكَ بِالمَعْرُوفِ؛ وهو القِيامُ بِما يَجِبُ لَها مِن حَقٍّ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِهِ؛ وأباحَ التَّسْرِيحَ أيْضًا عَلى وجْهٍ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِألّا يَقْصِدَ مُضارَّتَها بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْها بِالمُراجَعَةِ؛ وقَدْ بَيَّنَهُ عُقَيْبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفِراقِ بِالمَعْرُوفِ أنْ يُمَتِّعَها عِنْدَ الفُرْقَةِ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ في إيجابِ الفُرْقَةِ بَيْنَ المُعْسِرِ العاجِزِ عَنِ النَّفَقَةِ؛ وبَيْنَ امْرَأتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) إنَّما خَيَّرَهُ بَيْنَ أحَدِ شَيْئَيْنِ؛ إمّا إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ؛ وإمّا تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ؛ وتَرْكُ الإنْفاقِ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ؛ فَمَتى عَجَزَ عَنْهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ؛ فَيُفَرِّقُ الحاكِمُ بَيْنَهُما؛ قالَ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا جَهْلٌ مِن قائِلِهِ؛ والمُحْتَجِّ بِهِ؛ لِأنَّ العاجِزَ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأتِهِ يُمْسِكُها بِمَعْرُوفٍ؛ إذْ لَمْ يُكَلَّفِ الإنْفاقَ في هَذِهِ الحالِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ: إنَّ المُعْسِرَ غَيْرُ مُمْسِكٍ بِالمَعْرُوفِ؛ إذْ كانَ تَرْكُ الإمْساكِ بِمَعْرُوفٍ ذَمًّا؛ والعاجِزُ غَيْرُ مَذْمُومٍ بِتَرْكِ الإنْفاقِ؛ ولَوْ كانَ العاجِزُ عَنِ النَّفَقَةِ غَيْرَ مُمْسِكٍ (p-٩٩)بِمَعْرُوفٍ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الصُّفَّةِ؛ وفُقَراءُ الصَّحابَةِ؛ الَّذِينَ عَجَزُوا عَنِ النَّفَقَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ نِسائِهِمْ؛ غَيْرَ مُمْسِكِينَ بِمَعْرُوفٍ؛ وأيْضًا فَقَدْ عَلِمْنا أنَّ القادِرَ عَلى الإنْفاقِ؛ المُمْتَنِعَ مِنهُ؛ غَيْرُ مُمْسِكٍ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّفْرِيقَ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ التَّفْرِيقِ عَلى العاجِزِ؛ دُونَ القادِرِ؛ والعاجِزُ مُمْسِكٌ بِمَعْرُوفٍ؛ والقادِرُ غَيْرُ مُمْسِكٍ؟ وهَذا خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾؛ رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ؛ والحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ وإبْراهِيمَ: هو تَطْوِيلُ العِدَّةِ عَلَيْها بِالمُراجَعَةِ؛ إذا قارَبَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها؛ ثُمَّ يُطَلِّقُها حَتّى تَسْتَأْنِفَ العِدَّةَ؛ فَإذا قارَبَتِ انْقِضاءَ العِدَّةِ راجَعَها؛ فَأمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِإمْساكِها بِمَعْرُوفٍ؛ ونَهاهُ عَنْ مُضارَّتِها بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ دَلَّ عَلى وُقُوعِ الرَّجْعَةِ؛ وإنْ قَصَدَ بِها مُضارَّتَها؛ لَوْلا ذَلِكَ ما كانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُها؛ وصارَتْ رَجْعَتُهُ لَغْوًا؛ لا حُكْمَ لَها. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾؛ رُوِيَ عَنْ عَمْرٍو؛ عَنِ الحَسَنِ؛ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ؛ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقُولُ: كُنْتُ لاعِبًا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَن طَلَّقَ؛ أوْ حَرَّرَ؛ أوْ نَكَحَ؛ فَقالَ: كُنْتُ لاعِبًا؛ فَهو جادٌّ"؛» فَأخْبَرَ أبُو الدَّرْداءِ أنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ الآيَةِ؛ وأنَّها نَزَلَتْ فِيهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَعِبَ الطَّلاقِ؛ وجِدَّهُ سَواءٌ؛ وكَذَلِكَ الرَّجْعَةُ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ عُقَيْبَ الإمْساكِ؛ أوِ التَّسْرِيحِ؛ فَهو عائِدٌ عَلَيْهِما؛ وقَدْ أكَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا بَيَّنَهُ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ ماهِكٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلطَّلاقُ؛ والنِّكاحُ؛ والرَّجْعَةُ "؛» ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ عَنْ عُمَرَ قالَ: "أرْبَعٌ واجِباتٌ عَلى كُلِّ مَن تَكَلَّمَ بِهِنَّ: اَلْعَتاقُ؛ والطَّلاقُ؛ والنِّكاحُ؛ والنَّذْرُ"؛ ورَوى جابِرٌ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ؛ عَنْ عَلِيٍّ؛ أنَّهُ قالَ: "ثَلاثٌ لا يُلْعَبُ بِهِنَّ: اَلطَّلاقُ؛ والنِّكاحُ؛ والصَّدَقَةُ"؛ ورَوى القاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: "إذا تَكَلَّمْتَ بِالنِّكاحِ؛ فَإنَّ النِّكاحَ جِدُّهُ؛ ولَعِبُهُ سَواءٌ؛ كَما أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ؛ ولَعِبَهُ سَواءٌ"؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ؛ ولا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ وهَذا أصْلٌ في إيقاعِ طَلاقِ المُكْرَهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَوى حُكْمُ الجادِّ؛ والهازِلِ فِيهِ؛ وكانا إنَّما يَفْتَرِقانِ مَعَ قَصْدِهِما إلى القَوْلِ مِن جِهَةِ وُجُودِ إرادَةِ أحَدِهِما لِإيقاعِ حُكْمٍ ما لَفَظَ بِهِ؛ والآخَرُ غَيْرُ مُرِيدٍ لِإيقاعِ حُكْمِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلنِّيَّةِ تَأْثِيرٌ في دَفْعِهِ؛ وكانَ المُكْرَهُ قاصِدًا إلى القَوْلِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِحُكْمِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لِفَقْدِ نِيَّةِ الإيقاعِ تَأْثِيرٌ في دَفْعِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ شَرْطَ (p-١٠٠)وُقُوعِهِ وُجُودُ لَفْظِ الإيقاعِ مِن مُكَلَّفٍ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:232

بابُ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ اَلْمُرادُ حَقِيقَةُ البُلُوغِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ والعَضْلُ يَعْتَوِرُهُ مَعْنَيانِ؛ أحَدُهُما المَنعُ؛ والآخَرُ الضِّيقُ؛ يُقالُ: "عَضَلَ الفَضاءُ بِالجَيْشِ"؛ إذا ضاقَ بِهِمْ؛ و"اَلْأمْرُ المُعْضِلُ" هو المُمْتَنِعُ؛ و"داءٌ عُضالٌ": مُمْتَنِعٌ؛ وفي التَّضْيِيقِ يُقالُ: "عَضَلْتَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ"؛ إذا ضَيَّقْتَ؛ و"عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها"؛ إذا عَسَرَ وِلادُها؛ و"أعْضَلَتْ"؛ والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ الأمْرَ المُمْتَنِعَ يَضِيقُ فِعْلُهُ؛ وزَوالُهُ؛ والضِّيقُ مُمْتَنِعٌ أيْضًا؛ ورُوِيَ أنَّ الشَّعْبِيَّ سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ صَعْبَةٍ؛ فَقالَ: "زَبّاءُ؛ ذاتُ وبَرٍ؛ لا تَنْسابُ؛ ولا تَنْقادُ؛ ولَوْ نَزَلَتْ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ لَأعْضَلَتْ بِهِمْ". وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]؛ مَعْناهُ: لا تَمْنَعُوهُنَّ؛ أوْ: لا تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ في التَّزْوِيجِ؛ وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن وُجُوهٍ عَلى جَوازِ النِّكاحِ؛ إذا عَقَدَتْ عَلى نَفْسِها بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ ولا إذْنِ ولِيِّها؛ أحَدُها إضافَةُ العَقْدِ إلَيْها؛ مِن غَيْرِ شَرْطِ إذْنِ الوَلِيِّ؛ والثّانِي نَهْيُهُ عَنِ العَضْلِ إذا تَراضى الزَّوْجانِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْلا أنَّ الوَلِيَّ يَمْلِكُ مَنعَها عَنِ النِّكاحِ لَما نَهاهُ عَنْهُ؛ كَما لا يُنْهى الأجْنَبِيُّ الَّذِي لا وِلايَةَ لَهُ عَنْهُ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِيما نُهِيَ عَنْهُ؛ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى إثْباتِ الحَقِّ؟ وأيْضًا فَإنَّ الوَلِيَّ يُمْكِنُهُ أنْ يَمْنَعَها مِنَ الخُرُوجِ؛ والمُراسَلَةِ في عَقْدِ النِّكاحِ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ العَضْلِ مُنْصَرِفًا إلى هَذا الضَّرْبِ مِنَ المَنعِ؛ لِأنَّها في الأغْلَبِ تَكُونُ في يَدِ الوَلِيِّ؛ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَنعُها مِن ذَلِكَ؛ ووَجْهٌ آخَرُ مِن دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ وهو أنَّهُ لَمّا كانَ الوَلِيُّ مَنهِيًّا عَنِ العَضْلِ إذا زَوَّجَتْ هي نَفْسَها مِن كُفُؤٍ فَلا حَقَّ لَهُ في ذَلِكَ؛ كَما لَوْ نُهِيَ عَنِ الرِّبا؛ والعُقُودِ الفاسِدَةِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِيما قَدْ نُهِيَ عَنْهُ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ؛ وإذا اخْتَصَمُوا إلى الحاكِمِ فَلَوْ مَنَعَ الحاكِمُ مِن مِثْلِ هَذا العَقْدِ كانَ ظالِمًا؛ مانِعًا مِمّا هو مَحْظُورٌ عَلَيْهِ مَنعُهُ؛ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ أيْضًا في الفَسْخِ؛ فَيَبْقى العَقْدُ لا حَقَّ لِأحَدٍ في فَسْخِهِ؛ فَيَنْفُذُ؛ ويَجُوزُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما نَهى اللَّهُ – سُبْحانَهُ - الوَلِيَّ عَنِ العَضْلِ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ إذا عَقَدَهُ غَيْرُ الوَلِيِّ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلِمْنا أنَّ المَعْرُوفَ؛ مَهْما كانَ مِن شَيْءٍ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ عَقْدَ الوَلِيِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في نَصِّ الآيَةِ جَوازَ عَقْدِها؛ ونَهْيَ الوَلِيِّ عَنْ مَنعِها؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَعْرُوفِ ألّا يَجُوزَ عَقْدُها؛ لِما فِيهِ مِن نَفْيِ مُوجِبِ (p-١٠١)الآيَةِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى وجْهِ النَّسْخِ؛ ومَعْلُومٌ امْتِناعُ جَوازِ النّاسِخِ؛ والمَنسُوخِ في خِطابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ النَّسْخَ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الحُكْمِ؛ والتَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المَعْرُوفَ المَشْرُوطَ في تَراضِيهِما لَيْسَ هو الوَلِيَّ؛ وأيْضًا فَإنَّ الباءَ تَصْحَبُ الأبْدالَ؛ فَإنَّما انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى مِقْدارِ المَهْرِ؛ وهو أنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِها؛ لا نَقْصَ فِيهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّها إذا نُقِصَتْ مِن مَهْرِ المِثْلِ فَلِلْأوْلِياءِ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في جَوازِ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَقَدْ حَوى الدَّلالَةَ مِن وجْهَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ أحَدُهُما إضافَتُهُ عَقْدَ النِّكاحِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ والثّانِي: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَنَسَبَ التَّراجُعَ إلَيْهِما مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَلِيِّ؛ ومِن دَلائِلِ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ فَجازَ فِعْلُها في نَفْسِها مِن غَيْرِ شَرْطِ الوَلِيِّ؛ وفي إثْباتِ شَرْطِ الوَلِيِّ في صِحَّةِ العَقْدِ نَفْيٌ لِمُوجِبِ الآيَةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما أرادَ بِذَلِكَ اخْتِيارَ الأزْواجِ؛ وألّا يَجُوزَ العَقْدُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما عُمُومُ اللَّفْظِ في اخْتِيارِ الأزْواجِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ والثّانِي أنَّ اخْتِيارَ الأزْواجِ لا يَحْصُلُ لَها بِهِ فِعْلٌ في نَفْسِها؛ وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالعَقْدِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ أحْكامُ النِّكاحِ؛ وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ الِاخْتِيارَ مَعَ العَقْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ .

البقرة 2:233

بابُ الرَّضاعِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ الخَبَرُ؛ ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِن مَفْهُومِ الخِطابِ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الخَبَرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لَوُجِدَ مَخْبَرُهُ؛ فَلَمّا كانَ في الوالِداتِ مَن لا يُرْضِعُ؛ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الخَبَرَ؛ ولا خِلافَ أيْضًا في أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الخَبَرَ؛ وإذا لَمْ يَكُنِ المُرادُ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ؛ الَّذِي هو الخَبَرُ؛ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ إيجابَ الرَّضاعِ عَلى الأُمِّ؛ وأمْرَها بِهِ؛ إذْ قَدْ يَرِدُ الأمْرُ في صِيغَةِ الخَبَرِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وأنْ يُرِيدَ بِهِ إثْباتَ حَقِّ الرَّضاعِ لِلْأُمِّ؛ وإنْ أبى الأبُ؛ أوْ تَقْدِيرَ ما يَلْزَمُ الأبَ مِن نَفَقَةِ الرَّضاعِ؛ فَلَمّا قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦]؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الرَّضاعَ؛ شاءَتِ الأُمُّ؛ أوْ أبَتْ؛ وأنَّها مُخَيَّرَةٌ في أنْ تُرْضِعَ؛ أوْ لا تُرْضِعَ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الوَجْهانِ الآخَرانِ؛ وهو أنَّ الأبَ إذا أبى اسْتِرْضاعَ الأُمِّ أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ وأنَّ أكْثَرَ ما يَلْزَمُهُ في نَفَقَةِ الرَّضاعِ لِلْحَوْلَيْنِ؛ فَإنْ أبى أنْ يُنْفِقَ نَفَقَةَ الرَّضاعِ أكْثَرَ مِنهُما لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ (p-١٠٥)ثُمَّ لا يَخْلُو بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾؛ مِن أنْ يَكُونَ عُمُومًا في سائِرِ الأُمَّهاتِ؛ مُطَلَّقاتٍ كُنَّ؛ أوْ غَيْرَ مُطَلَّقاتٍ؛ أوْ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُطَلَّقاتِ؛ مَقْصُورَ الحُكْمِ عَلَيْهِنَّ؛ فَإنْ كانَ المُرادُ سائِرَ الأُمَّهاتِ؛ المُطَلَّقاتِ مِنهُنَّ؛ والمُزَوَّجاتِ؛ فَإنَّ النَّفَقَةَ الواجِبَةَ لِلْمُزَوَّجاتِ مِنهُنَّ هي نَفَقَةُ الزَّوْجِيَّةِ؛ وكِسْوَتُها؛ لا لِلرَّضاعِ؛ لِأنَّها لا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الرَّضاعِ مَعَ بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَتَجْتَمِعُ لَها نَفَقَتانِ؛ إحْداهُما لِلزَّوْجِيَّةِ؛ والأُخْرى لِلرَّضاعِ؛ وإنْ كانَتْ مُطَلَّقَةً فَنَفَقَةُ الرَّضاعِ أيْضًا مُسْتَحَقَّةٌ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ أوْجَبَها بِالرَّضاعِ؛ ولَيْسَتْ في هَذِهِ الحالِ زَوْجَةً؛ ولا مُعْتَدَّةً مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]؛ فَتَكُونُ مُنْقَضِيَةَ العِدَّةِ بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ وتَكُونُ النَّفَقَةُ المُسْتَحَقَّةُ أُجْرَةَ الرَّضاعِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ طَلَّقَها بَعْدَ الوِلادَةِ؛ فَتَكُونُ عَلَيْها العِدَّةُ بِالحَيْضِ. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ مِن أصْحابِنا في وُجُوبِ نَفَقَةِ الرَّضاعِ؛ ونَفَقَةِ العِدَّةِ مَعًا؛ فَفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ أنَّها تَسْتَحِقُّهُما مَعًا؛ وفي الأُخْرى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ لِلرَّضاعِ شَيْئًا مَعَ نَفَقَةِ العِدَّةِ؛ فَقَدْ حَوَتِ الآيَةُ الدَّلالَةَ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِرَضاعِ ولَدِها في الحَوْلَيْنِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لَهُ غَيْرَها إذا رَضِيَتْ بِأنْ تُرْضِعَهُ؛ والثّانِي أنَّ الَّذِي يَلْزَمُ الأبَ في نَفَقَةِ الرَّضاعِ إنَّما هو سَنَتانِ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأبَ لا يُشارِكُ في نَفَقَةِ الرَّضاعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْجَبَ هَذِهِ النَّفَقَةَ عَلى الأبِ لِلْأُمِّ؛ وهُما جَمِيعًا وارِثانِ؛ ثُمَّ جَعَلَ الأبَ أوْلى بِإلْزامِ ذَلِكَ مِنَ الأُمِّ؛ مَعَ اشْتِراكِهِما في المِيراثِ؛ فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في اخْتِصاصِ الأبِ بِإلْزامِ النَّفَقَةِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ كَذَلِكَ حُكْمُهُ في سائِرِ ما يَلْزَمُهُ مِن نَفَقَةِ الأوْلادِ الصِّغارِ؛ والكِبارِ الزَّمْنى؛ يَخْتَصُّ هو بِإيجابِهِ عَلَيْهِ؛ دُونَ مُشارَكَةِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ يَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ لَها في حالِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِشُمُولِ الآيَةِ لِسائِرِ الوالِداتِ مِنَ الزَّوْجاتِ؛ والمُطَلَّقاتِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ مِنَ النَّفَقَةِ؛ والكِسْوَةِ؛ هو عَلى قَدْرِ حالِ الرَّجُلِ؛ في إعْسارِهِ؛ ويَسارِهِ؛ إذْ لَيْسَ مِنَ المَعْرُوفِ إلْزامُ المُعْسِرِ أكْثَرَ مِمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويُمْكِنُهُ؛ ولا إلْزامُ المُوسِرِ الشَّيْءَ الطَّفِيفَ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّها عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ؛ مَعَ اعْتِبارِ حالِ الزَّوْجِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عُقَيْبَ ذَلِكَ -: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾؛ فَإذا اشْتَطَّتِ المَرْأةُ؛ وجَلَبَتْ مِنَ النَّفَقَةِ أكْثَرَ مِنَ المُعْتادِ (p-١٠٦)المُتَعارَفِ لِمِثْلِها؛ لَمْ تُعْطَ؛ وكَذَلِكَ إذا قَصَّرَ الزَّوْجُ عَنْ مِقْدارِ نَفَقَةِ مِثْلِها في العُرْفِ؛ والعادَةِ؛ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ؛ وأُجْبِرَ عَلى نَفَقَةِ مِثْلِها. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ؛ بِطَعامِها؛ وكِسْوَتِها؛ لِأنَّ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ (تَعالى) في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ هي أُجْرَةُ الرَّضاعِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَسْوِيغِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ إذْ لا تَوَصُّلَ إلى تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ بِالمَعْرُوفِ إلّا مِن جِهَةِ غالِبِ الظَّنِّ؛ وأكْثَرِ الرَّأْيِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا بِالعادَةِ؛ وكُلُّ ما كانَ مَبْنِيًّا عَلى العادَةِ فَسَبِيلُهُ الِاجْتِهادُ؛ وغالِبُ الظَّنِّ؛ إذْ لَيْسَتِ العادَةُ مَقْصُورَةً عَلى مِقْدارٍ واحِدٍ لا زِيادَةَ عَلَيْهِ؛ ولا نُقْصانَ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى هو مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ؛ وهو اعْتِبارُ حالِهِ في إعْسارِهِ؛ ويَسارِهِ؛ ومِقْدارِ الكِفايَةِ؛ والإمْكانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾؛ واعْتِبارُ الوُسْعِ مَبْنِيٌّ عَلى العادَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾؛ يُوجِبُ بُطْلانَ قَوْلِ أهْلِ الإجْبارِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُكَلِّفُ عِبادَهُ ما لا يُطِيقُونَ؛ وإكْذابٌ لَهم في نِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ؛ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ؛ ويَنْسُبُونَ إلَيْهِ مِنَ السَّفَهِ؛ والعَبَثِ؛ عُلُوًّا كَبِيرًا. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾؛ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ قالُوا: "هُوَ المُضارَّةُ في الرَّضاعِ "؛ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ قالا: "إذا قامَ الرَّضاعُ عَلى شَيْءٍ خُيِّرَتِ الأُمُّ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَمَعْناهُ: لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها بِألّا تُعْطى إذا رَضِيَتْ بِأنْ تُرْضِعَهُ بِمِثْلِ ما تُرْضِعُهُ بِهِ الأجْنَبِيَّةُ؛ بَلْ تَكُونُ هي أوْلى؛ عَلى ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ فَجَعَلَ الأُمَّ أحَقَّ بِرَضاعِ الوَلَدِ هَذِهِ المُدَّةَ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّها إذا رَضِيَتْ بِأنْ تُرْضِعَ بِمِثْلِ ما تُرْضِعُ بِهِ غَيْرُها؛ لَمْ يَكُنْ لِلْأبِ أنْ يُضارَّها؛ فَيَدْفَعَهُ إلى غَيْرِها؛ وهو كَما قالَ - في آيَةٍ أُخْرى -: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ فَجَعَلَها أوْلى بِالرَّضاعِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦]؛ فَلَمْ يُسْقِطْ حَقَّها مِنَ الرَّضاعِ إلّا عِنْدَ التَّعاسُرِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّها لا تُضارَّ بِوَلَدِها إذا لَمْ تَخْتَرْ أنْ تُرْضِعَهُ؛ بِأنْ يُنْتَزَعَ مِنها؛ ولَكِنَّهُ يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِأنْ يُحْضِرَ الظِّئْرَ إلى عِنْدِها؛ حَتّى تُرْضِعَهُ في بَيْتِها؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ أصْحابِنا. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ مُحْتَمِلَةً لِلْمُضارَّةِ في نَزْعِ الوَلَدِ مِنها؛ واسْتِرْضاعِ غَيْرِها؛ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ؛ فَيَكُونُ الزَّوْجُ مَمْنُوعًا مِنَ اسْتِرْضاعِ غَيْرِها إذا رَضِيَتْ هي بِأنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ (p-١٠٧)مِثْلِها؛ وهي الرِّزْقُ؛ والكِسْوَةُ بِالمَعْرُوفِ؛ وإنْ لَمْ تُرْضِعْ أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلى إحْضارِ المُرْضِعَةِ حَتّى تُرْضِعَهُ في بَيْتِها؛ حَتّى لا يَكُونَ مُضارًّا لَها بِوَلَدِها؛ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِإمْساكِ الوَلَدِ؛ ما دامَ صَغِيرًا؛ وإنِ اسْتَغْنى عَنِ الرِّضاعِ بَعْدَما يَكُونُ مِمَّنْ يَحْتاجُ إلى الحَضانَةِ؛ لِأنَّ حاجَتَهُ إلى الأُمِّ؛ بَعْدَ الرَّضاعِ؛ كَهي قَبْلَهُ؛ فَإذا كانَتْ في حالِ الرَّضاعِ أحَقَّ بِهِ - وإنْ كانَتِ المُرْضِعَةُ غَيْرَها – عَلِمْنا أنَّ في كَوْنِهِ عِنْدَ الأُمِّ حَقًّا لَها. وفِيهِ حَقٌّ لِلْوَلَدِ أيْضًا؛ وهو أنَّ الأُمَّ أرْفَقُ بِهِ؛ وأحْنى عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ في الغُلامِ عِنْدَنا؛ إلى أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ؛ ويَشْرَبَ وحْدَهُ؛ ويَتَوَضَّأ وحْدَهُ؛ وفي الجارِيَةِ حَتّى تَحِيضَ؛ لِأنَّ الغُلامَ إذا بَلَغَ الحَدَّ الَّذِي يَحْتاجُ فِيهِ إلى التَّأْدِيبِ؛ ويَعْقِلُهُ؛ فَفي كَوْنِهِ عِنْدَ الأُمِّ؛ دُونَ الأبِ؛ ضَرَرٌ عَلَيْهِ؛ والأبُ - مَعَ ذَلِكَ - أقْوَمُ بِتَأْدِيبِهِ؛ وهي الحالُ الَّتِي قالَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ: «"مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ؛ واضْرِبُوهم عَلَيْها لِعَشْرٍ؛ وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ"؛» فَمَن كانَتْ سِنُّهُ سَبْعًا؛ فَهو مَأْمُورٌ بِالصَّلاةِ؛ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ؛ والتَّأْدِيبِ؛ لِأنَّهُ يَعْقِلُها؛ فَكَذَلِكَ سائِرُ الأدَبِ الَّذِي يَحْتاجُ إلى تَعَلُّمِهِ؛ وفي كَوْنِهِ عِنْدَها في هَذِهِ الحالِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ؛ ولا وِلايَةَ لِأحَدٍ عَلى الصَّغِيرِ فِيما يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ؛ وأمّا الجارِيَةُ فَلا ضَرَرَ عَلَيْها في كَوْنِها عِنْدَ الأُمِّ إلى أنْ تَحِيضَ؛ بَلْ كَوْنُها عِنْدَها أنْفَعُ لَها؛ لِأنَّها تَحْتاجُ إلى آدابِ النِّساءِ؛ ولا تَزُولُ هَذِهِ الوِلايَةُ عَنْها إلّا بِالبُلُوغِ؛ لِأنَّها تَسْتَحِقُّها عَلَيْها بِالوِلادَةِ؛ ولا ضَرَرَ عَلَيْها في كَوْنِها عِنْدَها؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ أوْلى إلى وقْتِ البُلُوغِ؛ فَإذا بَلَغَتِ احْتاجَتْ إلى التَّحْصِينِ؛ والأبُ أقْوَمُ بِتَحْصِينِها؛ فَلِذَلِكَ كانَ أوْلى بِها. وبِمِثْلِ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى ما وصَفْنا ورَدَ الأثَرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وهو ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ عَلِيًّا اخْتَصَمَ هو وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ؛ وجَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ في بِنْتِ حَمْزَةَ؛ وكانَتْ خالَتُها تَحْتَ جَعْفَرٍ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اِدْفَعُوها إلى خالَتِها؛ فَإنَّ الخالَةَ والِدَةٌ"؛» فَكانَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ جَعَلَ الخالَةَ أحَقَّ مِنَ العَصَبَةِ؛ كَما حَكَمَتِ الآيَةُ بِأنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِإمْساكِ الوَلَدِ مِنَ الأبِ؛ وهَذا أصْلٌ في أنَّ ذَواتِ الرَّحِمِ المَحْرَمِ أوْلى بِإمْساكِ الصَّبِيِّ وحَضانَتِهِ؛ مِن حَضانَةِ العَصَبَةِ مِنَ الرِّجالِ؛ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ مِنهُمْ؛ وقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعانِيَ؛ مِنها أنَّ الخالَةَ لَها حَقُّ الحَضانَةِ؛ وأنَّها أحَقُّ بِهِ مِنَ العَصَبَةِ؛ وسَمّاها والِدَةً؛ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ذاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الصَّبِيِّ؛ لَها هَذا الحَقُّ؛ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ هَذا الحَقُّ مَقْصُورًا عَلى الوِلادَةِ؛ وقَدْ رَوى عُمَرُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِابْنٍ لَها إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ حِينَ كانَ بَطْنِي لَهُ وِعاءً؛ وثَدْيِي لَهُ (p-١٠٨)سِقاءً؛ وحِجْرِي لَهُ حِواءً؛ أرادَ أبُوهُ أنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي؛ فَقالَ: "أنْتِ أحَقُّ بِهِ ما لَمْ تَتَزَوَّجِي"؛» ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ مِنهم عَلِيٌّ؛ وأبُو بَكْرٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؛ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ؛ في آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يُخَيَّرُ الغُلامُ إذا أكَلَ أوْ شَرِبَ وحْدَهُ؛ فَإنِ اخْتارَ الأبَ كانَ أوْلى بِهِ؛ وكَذَلِكَ إنِ اخْتارَ الأُمَّ كانَ عِنْدَها؛ ورُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بَيْنَ أبَوَيْهِ؛ فَقالَ لَهُ: "اِخْتَرْ أيَّهُما شِئْتَ"؛» ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ؛ قالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَيَّرَ صَبِيًّا بَيْنَ أبَوَيْهِ؛ فَأمّا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ بالِغًا؛ لِأنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى غُلامًا بَعْدَ البُلُوغِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ خَيَّرَ غُلامًا؛ وقالَ: "لَوْ قَدْ بَلَغَ هَذا - يَعْنِي أخًا لَهُ صَغِيرًا – لَخَيَّرْتُهُ"؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ كانَ كَبِيرًا؛ وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ امْرَأةً خاصَمَتْ زَوْجَها إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالَتْ: إنَّهُ طَلَّقَنِي؛ وإنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَنْزِعَ مِنِّي ابْنِي؛ وقَدْ نَفَعَنِي؛ وسَقانِي مِن بِئْرِ أبِي عِنَبَةَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اِسْتَهِما عَلَيْهِ"؛ فَقالَ: مَن يُحاجُّنِي في ابْنِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يا غُلامُ؛ هَذِهِ أُمُّكَ؛ وهَذا أبُوكَ؛ فاخْتَرْ أيَّهُما شِئْتَ"؛ فَأخَذَ الغُلامُ بِيَدِ أُمِّهِ؛» وقَوْلُ الأُمِّ: "قَدْ سَقانِي مِن بِئْرِ أبِي عِنَبَةَ"؛ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ كَبِيرًا. وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ لا اخْتِيارَ لِلصَّغِيرِ في سائِرِ حُقُوقِهِ؛ وكَذَلِكَ في الأبَوَيْنِ؛ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: لا يُخَيَّرُ الغُلامُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْتارُ إلّا شَرَّ الأمْرَيْنِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هو كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَخْتارُ اللَّعِبَ؛ والإعْراضَ عَنْ تَعَلُّمِ الأدَبِ؛ والخَيْرِ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦]؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الأبَ أقْوَمُ بِتَأْدِيبِهِ وتَعْلِيمِهِ؛ وأنَّ في كَوْنِهِ عِنْدَ الأُمِّ ضَرَرًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يُنَشَّأُ عَلى أخْلاقِ النِّساءِ؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾؛ فَإنَّهُ عائِدٌ عَلى المُضارَّةِ؛ نَهْيُ الرَّجُلِ أنْ يُضارَّها بِوَلَدِها؛ ونَهْيُ المَرْأةِ أيْضًا أنْ تُضارَّ بِوَلَدِهِ؛ والمُضارَّةُ مِن جِهَتِها قَدْ تَكُونُ في النَّفَقَةِ وغَيْرِها؛ فَأمّا في النَّفَقَةِ فَأنْ تَشْتَطَّ عَلَيْهِ؛ وتَطْلُبَ فَوْقَ حَقِّها؛ وفي غَيْرِ النَّفَقَةِ أنْ تَمْنَعَهُ مِن رُؤْيَتِهِ؛ والإلْمامِ بِهِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ تَغْتَرِبَ بِهِ؛ وتُخْرِجَهُ عَنْ بَلَدِهِ؛ فَتَكُونَ مُضارَّةً لَهُ بِوَلَدِهِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ تُرِيدَ ألّا يُطِيعَهُ؛ وتَمْتَنِعَ مِن تَرْكِهِ عِنْدَهُ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ؛ يَنْطَوِي عَلَيْها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾؛ فَوَجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ هو عَطْفٌ عَلى جَمِيعِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ؛ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ لِأنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مَعْطُوفٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالواوِ؛ وهي حَرْفُ الجَمْعِ؛ فَكانَ الجَمِيعُ مَذْكُورًا في حالٍ واحِدَةٍ؛ (اَلنَّفَقَةِ؛ والكِسْوَةِ)؛ والنَّهْيُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ مُضارَّةِ الآخَرِ؛ (p-١٠٩)عَلى ما اعْتَوَرَها مِنَ المَعانِي الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها؛ ثُمَّ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ يَعْنِي: اَلنَّفَقَةُ والكِسْوَةُ؛ وألّا يُضارَّها؛ ولا تُضارَّهُ؛ إذْ كانَتِ المُضارَّةُ قَدْ تَكُونُ في النَّفَقَةِ؛ كَما تَكُونُ في غَيْرِها؛ فَلَمّا قالَ - عَطْفًا عَلى ذَلِكَ -: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلى الوارِثِ جَمِيعَ المَذْكُورِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ؛ والحَسَنِ؛ وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ؛ وعَطاءٍ؛ وقَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ قالُوا: "اَلنَّفَقَةُ"؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والشَّعْبِيِّ: "عَلَيْهِ ألّا يُضارَّ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُما: "عَلَيْهِ ألّا يُضارَّ"؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُما لَمْ يَرَيا النَّفَقَةَ واجِبَةً عَلى الوارِثِ؛ لِأنَّ المُضارَّةَ قَدْ تَكُونُ في النَّفَقَةِ؛ كَما تَكُونُ في غَيْرِها؛ فَعَوْدُهُ عَلى المُضارَّةِ لا يَنْفِي إلْزامَهُ النَّفَقَةَ؛ ولَوْلا أنَّ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ ما كانَ لِتَخْصِيصِهِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُضارَّةِ فائِدَةٌ؛ إذْ هو في ذَلِكَ كالأجْنَبِيِّ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ المُضارَّةُ في النَّفَقَةِ؛ وفي غَيْرِها؛ قَوْلُهُ ( تَعالى) - عُقَيْبَ ذَلِكَ -: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُضارَّةَ قَدِ انْتَظَمَتِ الرَّضاعَ؛ والنَّفَقَةَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَن تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ فَنَفَقَتُهُ عَلى العَصَباتِ"؛ وذَهَبَ في ذَلِكَ إلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلى الأبِ؛ دُونَ الأُمِّ؛ لِأنَّهُ عَصَبَةٌ؛ فَوَجَبَ أنْ تَخْتَصَّ بِها العَصَباتُ بِمَنزِلَةِ العَقْلِ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: "اَلنَّفَقَةُ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ؛ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ"؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ عَلى الوارِثِ ألّا يُضارَّها؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى عَلى الوارِثِ النَّفَقَةَ؛ لِأنَّ المُضارَّةَ تَكُونُ فِيها. وقالَ مالِكٌ: لا نَفَقَةَ عَلى أحَدٍ إلّا الأبُ خاصَّةً؛ ولا تَجِبُ عَلى الجَدِّ؛ وعَلى ابْنِ الِابْنِ لِلْجَدِّ؛ وتَجِبُ عَلى الِابْنِ لِلْأبِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: لا تَجِبُ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ عَلى أحَدٍ مِن قَرابَتِهِ إلّا الوالِدُ؛ والوَلَدُ؛ والجَدُّ؛ ووَلَدُ الوَلَدِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ واتِّفاقُ السَّلَفِ عَلى ما وصَفْنا مِن إيجابِ النَّفَقَةِ؛ يَقْضِيانِ بِفَسادِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ المَذْكُورِينَ في النَّفَقَةِ؛ والمُضارَّةِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلالَةٍ؛ وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ السَّلَفِ فِيمَن تَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الوَرَثَةِ؛ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهُمْ: إنَّ الأخَ؛ والعَمَّ؛ لا تَجِبُ عَلَيْهِما النَّفَقَةُ؛ وقَوْلُ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ خارِجٌ عَنْ قَوْلِ الجَمِيعِ. ومِن حَيْثُ وجَبَ عَلى الأبِ - وهو ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ - وجَبَ عَلى مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ؛ لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ فَذَكَرَ ذَوِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ؛ وجَعَلَ لَهم أنْ (p-١١٠)يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِذَلِكَ؛ لَوْلاهُ لَما أباحَهُ لَهم. فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنا فِيهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ ولا يَسْتَحِقّانِ النَّفَقَةَ؛ قِيلَ لَهُ: هو مَنسُوخٌ عَنْهم بِالِاتِّفاقِ؛ ولَمْ يَثْبُتْ نَسْخُ ذَوِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَأوْجَبُوا النَّفَقَةَ عَلى ابْنِ العَمِّ؛ إذا كانَ وارِثًا؛ قِيلَ لَهُ: اَلظّاهِرُ يَقْتَضِيهِ؛ وخَصَّصْناهُ بِدَلالَةٍ؛ فَإنْ قِيلَ: فَإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ مُوجِبًا لِلنَّفَقَةِ عَلى كُلِّ وارِثٍ؛ فالواجِبُ إيجابُ النَّفَقَةِ عَلى الأبِ؛ والأُمِّ؛ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِما مِنهُ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما المُرادُ: وعَلى الوارِثِ غَيْرِ الأبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأبِ؛ في أوَّلِ الخِطابِ؛ بِإيجابِ جَمِيعِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ دُونَ الأُمِّ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ الأبَ مَعَ سائِرِ الوَرَثَةِ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ نَسْخَ ما قَدْ تَقَدَّمَ؛ وغَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ النّاسِخِ؛ والمَنسُوخِ في شَيْءٍ واحِدٍ؛ في خِطابٍ واحِدٍ؛ إذْ كانَ النَّسْخُ غَيْرَ جائِزٍ إلّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الحُكْمِ؛ والتَّمْكِينِ مِنَ الفِعْلِ. وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ: "إذا وُلِدَ مَوْلُودٌ وأبُوهُ مَيْتٌ؛ أوْ مَعْدُومٌ؛ فَعَلى أُمِّهِ أنْ تُرْضِعَهُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾؛ فَلا يَسْقُطُ عَنْها بِسُقُوطِ ما كانَ يَجِبُ عَلى الأبِ؛ فَإنِ انْقَطَعَ لَبَنُها - بِمَرَضٍ؛ أوْ غَيْرِهِ - فَلا شَيْءَ عَلَيْها؛ وإنْ كانَ يُمْكِنُها أنْ تَسْتَرْضِعَ فَلَمْ تَفْعَلْ؛ وخافَتْ عَلَيْهِ المَوْتَ؛ وجَبَ عَلَيْها أنْ تَسْتَرْضِعَ؛ لا مِن جِهَةِ ما عَلى الأبِ؛ لَكِنْ مِن جِهَةِ أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ إعانَةَ مَن يَخافُ عَلَيْهِ؛ إذا أمْكَنَهُ"؛ وهَذا الفَصْلُ مِن كَلامِهِ يَشْتَمِلُ عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الِاخْتِلالِ؛ أحَدُها أنَّهُ أوْجَبَ الرَّضاعَ عَلى الأُمِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾؛ وأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ فَإنَّما جَعَلَ عَلَيْها الرَّضاعَ بِحِذاءِ ما أوْجَبَ لَها مِنَ النَّفَقَةِ؛ والكِسْوَةِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ إلْزامُها ذَلِكَ بِغَيْرِ بَدَلٍ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ لُزُومَ النَّفَقَةِ لِلْأبِ؛ بَدَلًا مِنَ الرَّضاعِ؛ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَنافِعُ في الحُكْمِ حاصِلَةً لِلْأبِ؛ مِلْكًا بِاسْتِحْقاقِ البَدَلِ عَلَيْهِ؛ فاسْتَحالَ إيجابُها عَلى الأُمِّ؛ وقَدْ أوْجَبَها اللَّهُ (تَعالى) عَلى الأبِ؛ بِإلْزامِها بَدَلَها مِنَ النَّفَقَةِ؛ والكِسْوَةِ. والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾؛ لَيْسَ فِيهِ إيجابُ الرَّضاعِ عَلَيْها؛ وإنَّما جَعَلَ بِهِ الرَّضاعَ حَقًّا لَها؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّها لا تُجْبَرُ عَلى الرَّضاعِ إذا أبَتْ؛ وكانَ الأبُ حَيًّا؛ وقَدْ نَصَّ اللَّهُ (تَعالى) عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: ٦]؛ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى إيجابِ الرَّضاعِ عَلَيْها في حالِ فَقْدِ الأبِ؛ وهو لَمْ يَقْتَضِ إيجابَهُ عَلَيْها في حالِ حَياتِهِ؛ وهو المَنصُوصُ عَلَيْهِ في الآيَةِ؛ ثُمَّ زَعَمَ أنَّهُ إنِ انْقَطَعَ لَبَنُها (p-١١١)- بِمَرَضٍ؛ أوْ غَيْرِهِ - فَلا شَيْءَ عَلَيْها؛ وإنْ أمْكَنَها أنْ تَسْتَرْضِعَ؛ وهَذا أيْضًا مُنْتَقَضٌ؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ مَنافِعُ الرَّضاعِ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْها لِلْوَلَدِ؛ في حالِ فَقْدِ الأبِ؛ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَيْها في مالِها؛ إذا تَعَذَّرَ عَلَيْها الرَّضاعُ؛ كَما وجَبَ عَلى الأبِ اسْتِرْضاعُهُ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنافِعُ الرَّضاعِ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْها في مالِها؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إلْزامُها الرَّضاعَ؛ وما الفارِقُ بَيْنَ لُزُومِها مَنافِعَ الرَّضاعِ؛ وبَيْنَ لُزُومِ ذَلِكَ في مالِها؛ إذا تَعَذَّرَ عَلَيْها؟ ثُمَّ ناقَضَ فِيهِ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ لَمْ يُلْزِمْها نَفَقَتَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الرَّضاعِ؛ ويُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّضاعِ؛ وبَيْنَ النَّفَقَةِ بَعْدَ الرَّضاعِ؛ وهُما جَمِيعًا مِن نَفَقَةِ الصَّغِيرِ؛ فَمِن أيْنَ أوْجَبَ الفارِقَ بَيْنَهُما؟ ولَوْ جازَتِ الفُرْقَةُ مِن هَذا الوَجْهِ لَجازَ مِثْلُهُ في الأبِ؛ حَتّى يُقالَ: إنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ إنَّما هو نَفَقَةُ الرَّضاعِ؛ فَإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الرَّضاعِ فَلا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِلصَّغِيرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) إنَّما أوْجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتَها؛ وكِسْوَتَها لِلرَّضاعِ. ثُمَّ زَعَمَ أنَّهُ إذا أمْكَنَها أنْ تَسْتَرْضِعَ؛ وخافَتْ عَلَيْهِ المَوْتَ؛ فَعَلَيْها أنْ تَسْتَرْضِعَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُلْزِمُها ذَلِكَ؛ لَوْ خافَتْ عَلَيْهِ المَوْتَ؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى هَذا المَعْنى؛ فَكَيْفَ خَصَّها بِإلْزامِها ذَلِكَ دُونَ جِيرانِها؛ ودُونَ سائِرِ النّاسِ؟ وهَذا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ؛ وتَشَبُّهٌ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِدَلالَةٍ؛ ولا مُسْتَنِدٍ إلى شُبْهَةٍ؛ وقَدْ حُكِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ؛ أنَّهُ لا يُوجِبُ النَّفَقَةَ إلّا عَلى الأبِ لِلِابْنِ؛ وعَلى الِابْنِ لِلْأبِ؛ ولا يُوجِبُها لِلْجَدِّ عَلى ابْنِ الِابْنِ؛ وهو قَوْلٌ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ السَّلَفِ؛ والخَلَفِ جَمِيعًا؛ لا نَعْلَمُ عَلَيْهِ مُوافِقًا؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ ظاهِرَ الكِتابِ يَرُدُّهُ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]؛ إلى قَوْلِهِ ( تَعالى): ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]؛ والجَدُّ داخِلٌ في هَذِهِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّهُ أبٌ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]؛ وهو مَأْمُورٌ بِمُصاحَبَتِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ لا خِلافَ في ذَلِكَ؛ ولَيْسَ مِنَ الصُّحْبَةِ بِالمَعْرُوفِ تَرْكُهُ جائِعًا؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى سَدِّ جَوْعَتِهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ فَذَكَرَ بُيُوتَ هَؤُلاءِ الأقْرِباءِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْتَ الِابْنِ؛ ولا ابْنِ الِابْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»؛ فَأضافَ إلَيْهِ مِلْكَ الِابْنِ؛ كَما أضافَ إلَيْهِ بَيْتَ الِابْنِ؛ واقْتَصَرَ عَلى إضافَةِ البُيُوتِ إلَيْهِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ أرادَ بُيُوتَ الِابْنِ؛ وابْنِ الِابْنِ؛ أنَّهُ قَدْ كانَ مَعْلُومًا قَبْلَ ذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ مالُ نَفْسِهِ؛ فَإنَّهُ لا وجْهَ لِقَوْلِ القائِلِ: "لا جُناحَ عَلَيْكَ في أكْلِ مالِ نَفْسِكَ"؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ هي بُيُوتُ الأبْناءِ؛ وأبْناءِ الأبْناءِ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرْهُما جَمِيعًا؛ كَما ذَكَرَ سائِرَ الأقْرِباءِ. وقَدِ اخْتَلَفَ (p-١١٢)مُوجِبُو النَّفَقَةِ عَلى الوَرَثَةِ؛ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ؛ فَقالَ أصْحابُنا: هي عَلى كُلِّ مَن كانَ مِن أهْلِ المِيراثِ عَلى قَدْرِ مِيراثِهِ مِنَ الصَّبِيِّ؛ إذا كانَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهُ؛ ولا نَفَقَةَ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الصَّبِيِّ؛ وإنْ كانَ وارِثًا؛ ولِذَلِكَ أوْجَبُوا النَّفَقَةَ عَلى الخالِ؛ والمِيراثَ لِابْنِ العَمِّ؛ لِأنَّ ابْنَ العَمِّ لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ والخالُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ وارِثًا في هَذِهِ الحالِ - فَهو مِن أهْلِ المِيراثِ؛ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ وارِثًا في حالِ الحَياةِ؛ لِأنَّ المِيراثَ لا يَكُونُ في حالِ الحَياةِ؛ وبَعْدَ المَوْتِ لا يُدْرى مَن يَرِثُهُ؛ وعَسى أنْ يَكُونَ هَذا الصَّبِيُّ يَرِثُ هَذا الَّذِي عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِمَوْتِهِ قَبْلَهُ؛ وجائِزٌ أنْ يَحْدُثَ لَهُ مِنَ الوَرَثَةِ مَن يَحْجُبُ مَن أوْجَبْنا عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حُصُولَ المِيراثِ؛ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِن أهْلِ المِيراثِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: اَلنَّفَقَةُ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ وارِثٍ - ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ كانَ؛ أوْ غَيْرَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ -؛ فَيُوجِبُها عَلى ابْنِ العَمِّ؛ دُونَ الخالِ؛ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مَوْلى العَتاقَةِ لا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ؛ وإنْ كانَ وارِثًا؛ وكَذَلِكَ المَرْأةُ لا تَجِبُ عَلَيْها نَفَقَةُ زَوْجِها الصَّغِيرِ؛ وهي مِمَّنْ يَرِثُهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَوْنَهُ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ شَرْطٌ في إيجابِ النَّفَقَةِ. وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾؛ فَإنَّهُ لا يَخْلُو تَوْقِيتُ الحَوْلَيْنِ مِن أحَدِ المَعْنَيَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرًا لِمُدَّةِ الرَّضاعِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ؛ أوْ لِما يَلْزَمُ الأبَ مِن نَفَقَةِ الرَّضاعِ؛ فَلَمّا قالَ - في نَسَقِ التِّلاوَةِ؛ بَعْدَ ذِكْرِ الحَوْلَيْنِ -: ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الحَوْلَيْنِ لَيْسا تَقْدِيرًا لِمُدَّةِ الرَّضاعِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ؛ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ الفِصالُ الَّذِي عَلَّقَهُ بِإرادَتِهِما بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ وإذا كانَ الفِصالُ مُعَلَّقًا بِتَراضِيهِما؛ وتَشاوُرِهِما بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذِكْرَ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ هو مِن جِهَةِ تَوْقِيتِ نِهايَةِ الرَّضاعِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ؛ وأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُما رَضاعٌ. وقَدْ رَوى مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾؛ فَجَعَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - الرَّضاعَ حَوْلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ إنْ أرادا أنْ يَفْطِماهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ؛ أوْ بَعْدَهُ؛ فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ أرادا فِصالا﴾؛ عَلى ما قَبْلَ الحَوْلَيْنِ؛ وبَعْدَهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ وظاهِرُهُ الِاسْتِرْضاعُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ذِكْرِ الفِصالِ؛ الَّذِي عَلَّقَهُ بِتَراضِيهِما؛ (p-١١٣)فَأباحَهُ لَهُما؛ وأباحَ لِلْأبِ الِاسْتِرْضاعَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَما أباحَ لَهُما الفِصالَ إذا كانَ فِيهِ صَلاحُ الصَّبِيِّ؛ ودَلَّ ما وصَفْنا عَلى أنَّ ذِكْرَ الحَوْلَيْنِ إنَّما هو تَوْقِيتٌ لِما يَلْزَمُ الأبَ في الحُكْمِ؛ مِن نَفَقَةِ الرَّضاعِ؛ ويُجْبِرُهُ الحاكِمُ عَلَيْهِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:234

بابُ ذِكْرِ عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ والتَّرَبُّصُ بِالشَّيْءِ: اَلِانْتِظارُ بِهِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]؛ يَعْنِي: يَنْتَظِرُ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]؛ فَأمَرَهُنَّ اللَّهُ (تَعالى) بِأنْ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ هَذِهِ المُدَّةَ عَنِ الأزْواجِ؛ ألا تَرى أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ ؟ وقَدْ كانَتْ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها سَنَةً؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أحْكامًا؛ مِنها تَوْقِيتُ العِدَّةِ سَنَةً؛ ومِنها أنَّ نَفَقَتَها؛ وسُكْناها؛ كانَتا في تَرِكَةِ زَوْجِها ما دامَتْ مُعْتَدَّةً؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ ومِنها أنَّها كانَتْ مَمْنُوعَةً مِنَ الخُرُوجِ في هَذِهِ السَّنَةِ؛ فَنَسَخَ مِنها مِنَ المُدَّةِ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ؛ ونَسَخَ أيْضًا وُجُوبَ نَفَقَتِها؛ وسُكْناها في التَّرِكَةِ بِالمِيراثِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ مِن غَيْرِ إيجابِ نَفَقَةٍ؛ ولا سُكْنى؛ ولَمْ يَثْبُتْ نَسْخُ الإخْراجِ؛ فالمَنعُ مِنَ الخُرُوجِ في العِدَّةِ الثّانِيَةِ قائِمٌ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ؛ وقَدْ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ وعُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ؛ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ قالَ: كانَ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها نَفَقَتُها؛ وسُكْناها؛ سَنَةً؛ فَنَسَخَتْها آيَةُ المَوارِيثِ؛ فَجَعَلَ لَهُنَّ الرُّبُعَ؛ أوِ الثُّمُنَ؛ مِمّا تَرَكَ الزَّوْجُ؛ قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ؛ إلّا أنْ يَرْضى الوَرَثَةُ» . (p-١١٩)قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ؛ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنْ حُمَيْدٍ؛ عَنْ نافِعٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ وأُمِّ حَبِيبَةَ؛ «أنَّ امْرَأةً أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَذَكَرَتْ أنَّ بِنْتًا لَها تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها؛ واشْتَكَتْ عَيْنَها؛ وهي تُرِيدُ أنْ تُكَحِّلَها؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ كانَتْ إحْداكُنَّ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ؛ وإنَّما هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ»؛ قالَ حُمَيْدٌ: فَسَألْتُ زَيْنَبَ: وما رَمْيُها بِالبَعْرَةِ؟ فَقالَتْ: كانَتِ المَرْأةُ في الجاهِلِيَّةِ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها عَمَدَتْ إلى شِراءِ بَيْتٍ لَها؛ فَجَلَسَتْ فِيهِ سَنَةً؛ فَإذا مَرَّتْ سَنَةٌ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِبَعْرَةٍ مِن ورائِها؛ رَواهُ مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ حُمَيْدٍ؛ عَنْ نافِعٍ؛ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ؛ وذَكَرَتِ الحَدِيثَ؛ وقالَتْ فِيهِ: كانَتِ المَرْأةُ في الجاهِلِيَّةِ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها دَخَلَتْ حِفْشًا؛ ولَبِسَتْ شَرَّ ثِيابِها؛ ولَمْ تَمَسَّ طِيبًا؛ ولا شَيْئًا؛ حَتّى تَمُرَّ سَنَةٌ؛ ثُمَّ تُؤْتى بِدابَّةٍ؛ حِمارٍ؛ أوْ شاةٍ؛ أوْ طَيْرٍ؛ فَتَفْتَضُّ بِهِ؛ فَقَلَّما تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلّا ماتَ؛ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطى بَعْرَةً؛ فَتَرْمِي بِها؛ ثُمَّ تُراجِعُ بَعْدُ ما شاءَتْ مِن طِيبٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ عِدَّةَ الحَوْلِ مَنسُوخَةٌ بِـ ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ وأخْبَرَ بِبَقاءِ حَظْرِ الطِّيبِ عَلَيْها في العِدَّةِ. وعِدَّةُ الحَوْلِ؛ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ؛ فَهي مُتَقَدِّمَةٌ في التَّنْزِيلِ؛ وعِدَّةُ الشُّهُورِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْها؛ ناسِخَةٌ لَها؛ لِأنَّ نِظامَ التِّلاوَةِ لَيْسَ هو عَلى نِظامِ التَّنْزِيلِ وتَرْتِيبِهِ؛ واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ عِدَّةَ الحَوْلِ مَنسُوخَةٌ بِعِدَّةِ الشُّهُورِ؛ عَلى ما وصَفْنا؛ وأنَّ وصِيَّةَ النَّفَقَةِ؛ والسُّكْنى؛ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها مَنسُوخَةٌ إذا لَمْ تَكُنْ حامِلًا؛ واخْتَلَفُوا في نَفَقَةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها أيْضًا؛ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أيْضًا في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ - خاصَّةً - في غَيْرِ الحامِلِ. واخْتَلَفُوا في عِدَّةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ؛ فَقالَ عَلِيٌّ - وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -: "عِدَّتُها أبْعَدُ الأجَلَيْنِ"؛ وقالَ عُمَرُ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ؛ وابْنُ عُمَرَ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ في آخَرِينَ: "عِدَّتُها أنْ تَضَعَ حَمْلَها"؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عِدَّتَها أنْ تَضَعَ حَمْلَها؛ وتَطْهُرَ مِن نِفاسِها؛ ولا يَجُوزُ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ وهي تَرى الدَّمَ؛ وأمّا عَلِيٌّ فَإنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ يُوجِبُ الشُّهُورَ؛ وقَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ يُوجِبُ انْقِضاءَ العِدَّةِ بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ فَجَمَعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ في إثْباتِ حُكْمِهِما لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ وجَعَلَ انْقِضاءَ عِدَّتِها أبْعَدَ الأجَلَيْنِ؛ مِن وضْعِ الحَمْلِ؛ أوْ مُضِيِّ الشُّهُورِ؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ . (p-١٢٠)فَحَصَلَ بِما ذَكَرْنا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ عامٌّ في المُطَلَّقَةِ؛ والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ وإنْ كانَ مَذْكُورًا عُقَيْبَ ذِكْرِ الطَّلاقِ؛ لِاعْتِبارِ الجَمِيعِ بِالحَمْلِ في انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لِأنَّهم قالُوا جَمِيعًا: إنَّ مُضِيَّ الشُّهُورِ لا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُها إذا كانَتْ حامِلًا؛ حَتّى تَضَعَ حَمْلَها؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ مُسْتَعْمَلًا عَلى مُقْتَضاهُ؛ ومُوجِبِهِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ اعْتِبارُ الشُّهُورِ مَعَهُ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ – خاصَّةً - في غَيْرِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ مُسْتَعْمَلٌ في المُطَلَّقاتِ غَيْرِ الحَوامِلِ؛ وأنَّ الأقْراءَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ مَعَ الحَمْلِ في الحامِلِ؛ بَلْ كانَتْ عِدَّةُ الحامِلِ المُطَلَّقَةِ وضْعَ الحَمْلِ مِن غَيْرِ ضَمِّ الأقْراءِ إلَيْها؛ وقَدْ كانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ الحَمْلُ؛ والأقْراءُ مَجْمُوعَيْنِ عِدَّةً لَها؛ بِألّا تَنْقَضِيَ عِدَّتُها بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ حَتّى تَحِيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِدَّةُ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها هي الحَمْلَ؛ غَيْرَ مَضْمُومٍ إلَيْهِ الشُّهُورُ. ورُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ - في هَذِهِ الآيَةِ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] -؛ في المُطَلَّقَةِ؛ والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؟ قالَ: "فِيهِما جَمِيعًا» "؛ وقَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ ولَدَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ تَتَزَوَّجَ»؛ ورَوى مَنصُورٌ؛ عَنْ إبْراهِيمَ؛ عَنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ أبُو السَّنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ؛ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ وضَعَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِبِضْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً؛ فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَتَزَوَّجَ»؛ وهَذا حَدِيثٌ قَدْ ورَدَ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ؛ لا مَساغَ لِأحَدٍ في العُدُولِ عَنْهُ؛ مَعَ ما عَضَّدَهُ مِن ظاهِرِ الكِتابِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ - خاصَّةً - في الحَرائِرِ؛ دُونَ الإماءِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ؛ فِيما نَعْلَمُهُ؛ وبَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها شَهْرانِ؛ وخَمْسَةُ أيّامٍ؛ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ. وقَدْ حُكِيَ عَنِ الأصَمِّ أنَّها عامَّةٌ في الأمَةِ؛ والحُرَّةِ؛ وكَذَلِكَ يَقُولُ في عِدَّةِ الأمَةِ في الطَّلاقِ: إنَّها ثَلاثُ حِيَضٍ؛ وهو قَوْلٌ شاذٌّ؛ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ السَّلَفِ؛ والخَلَفِ؛ مُخالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ لِأنَّ السَّلَفَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ مِنَ الحَيْضِ؛ والشُّهُورِ؛ عَلى النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» . وهَذا خَبَرٌ قَدْ تَلَقّاهُ الفُقَهاءُ بِالقَبُولِ؛ واسْتَعْمَلُوهُ في تَنْصِيفِ عِدَّةِ الأمَةِ؛ فَهو في حَيِّزِ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ عِنْدَنا. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ إذا لَمْ تَعْلَمْ بِمَوْتِهِ؛ وبَلَغَها الخَبَرُ؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ وابْنُ عُمَرَ؛ (p-١٢١)وعَطاءٌ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: "عِدَّتُها مُنْذُ يَوْمِ يَمُوتُ؛ وكَذَلِكَ في الطَّلاقِ؛ مِن يَوْمِ طَلَّقَ"؛ وهو قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ زَيْدٍ؛ في آخَرِينَ؛ وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ وقالَ عَلِيٌّ؛ والحَسَنُ البَصْرِيُّ؛ وخِلاسُ بْنُ عَمْرٍو: "مِن يَوْمِ يَأْتِيها الخَبَرُ؛ في المَوْتِ؛ وفي الطَّلاقِ مِن يَوْمِ طَلَّقَ"؛ وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ؛ وقالَ الشَّعْبِيُّ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "إذا قامَتِ البَيِّنَةُ فالعِدَّةُ مِن يَوْمِ يَمُوتُ؛ وإذا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَمِن يَوْمِ يَأْتِيها الخَبَرُ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ عَلى هَذا المَعْنى؛ بِأنْ يَكُونَ قَدْ خَفِيَ عَلَيْها وقْتُ المَوْتِ؛ فَأمَرَها بِالِاحْتِياطِ؛ مِن يَوْمِ يَأْتِيها الخَبَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) نَصَّ عَلى وُجُوبِ العِدَّةِ بِالمَوْتِ؛ والطَّلاقِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فَأوْجَبَ العِدَّةَ فِيهِما بِالمَوْتِ؛ وبِالطَّلاقِ؛ فَواجِبٌ أنْ تَكُونَ العِدَّةُ فِيهِما مِن يَوْمِ المَوْتِ؛ والطَّلاقِ؛ ولَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ مِن يَوْمِ طَلَّقَ؛ ولَمْ يَعْتَبِرُوا وقْتَ بُلُوغِ الخَبَرِ؛ كَذَلِكَ عِدَّةُ الوَفاةِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا سَبَبا وُجُوبِ العِدَّةِ؛ وأيْضًا فَإنَّ العِدَّةَ لَيْسَتْ هي فِعْلَها فَيُعْتَبَرَ فِيها عِلْمُها؛ وإنَّما هي مُضِيُّ الأوْقاتِ؛ ولا فارِقَ بَيْنَ عِلْمِها بِذَلِكَ؛ وبَيْنَ جَهْلِها بِهِ؛ وأيْضًا لَمّا كانَتِ العِدَّةُ مُوجَبَةً عَنِ المَوْتِ؛ كالمِيراثِ - وإنَّما يُعْتَبَرُ في المِيراثِ وقْتُ الوَفاةِ؛ لا وقْتُ بُلُوغِ خَبَرِها - وجَبَ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ العِدَّةُ؛ وألّا يَخْتَلِفَ فِيها حُكْمُ العِلْمِ؛ والجَهْلِ؛ كَما لا يَخْتَلِفُ في المِيراثِ؛ وأيْضًا فَإنَّ أكْثَرَ ما في العِلْمِ أنْ تَجْتَنِبَ ما تَجْتَنِبُهُ المُعْتَدَّةُ؛ مِنَ الخُرُوجِ؛ والزِّينَةِ؛ إذا عَلِمَتْ؛ فَإذا لَمْ تَعْلَمَ فَتَرْكُ اجْتِنابِ ما يَلْزَمُ اجْتِنابُهُ في العِدَّةِ لَمْ يَكُنْ مانِعًا مِنَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ عالِمَةً بِالمَوْتِ؛ فَلَمْ تَجْتَنِبِ الخُرُوجَ؛ والزِّينَةَ؛ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ في انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ فَكَذَلِكَ إذا لَمْ تَعْلَمْ بِهِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾: ذَكَرَ سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ؛ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ - في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ والمُعْتَدَّةِ مِنَ الطَّلاقِ بِالشُّهُورِ -: "إنَّهُ إنْ وجَبَتْ مَعَ رُؤْيَةِ الهِلالِ اعْتَدَّتْ بِالأهِلَّةِ؛ كانَ الشَّهْرُ ناقِصًا؛ أوْ تامًّا؛ وإنْ كانَتِ العِدَّةُ وجَبَتْ في بَعْضِ شَهْرٍ؛ لَمْ تَعْمَلْ عَلى الأهِلَّةِ؛ واعْتَدَّتْ تِسْعِينَ يَوْمًا في الطَّلاقِ؛ وفي الوَفاةِ مِائَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا"؛ وذَكَرَ أيْضًا سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ؛ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ؛ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ قالَ: " إنْ كانَتِ العِدَّةُ وجَبَتْ في بَعْضِ شَهْرٍ فَإنَّها تَعْتَدُّ بِما بَقِيَ مِن ذَلِكَ الشَّهْرِ أيّامًا؛ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِما يَمُرُّ عَلَيْها مِنَ الأهِلَّةِ شُهُورًا؛ ثُمَّ تُكْمِلُ الأيّامَ الأُوَلَ ثَلاثِينَ يَوْمًا؛ وإذا وجَبَتِ العِدَّةُ مَعَ رُؤْيَةِ الهِلالِ اعْتَدَّتْ بِالأهِلَّةِ"؛ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ في الإجارَةِ مِثْلُهُ. وقالَ ابْنُ (p-١٢٢)القاسِمِ: "وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في الأيْمانِ؛ والطَّلاقِ"؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا في الإجارَةِ؛ ورَوى عُمَرُ بْنُ خالِدٍ؛ عَنْ زُفَرَ - في الإيلاءِ في بَعْضِ الشَّهْرِ - أنَّها تَعْتَدُّ بِكُلِّ شَهْرٍ يَمُرُّ عَلَيْها؛ ناقِصًا؛ أوْ تامًّا؛ قالَ: وقالَ أبُو يُوسُفَ: "تَعْتَدُّ بِالأيّامِ؛ حَتّى تَسْتَكْمِلَ مِائَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا؛ ولا تَنْظُرُ إلى نُقْصانِ الشَّهْرِ؛ ولا إلى تَمامِهِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا عَلى ما حَكاهُ سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ؛ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ؛ في عِدَّةِ الشُّهُورِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في مُدَّةِ العِدَدِ؛ وأجَلِ الإيلاءِ؛ والأيْمانِ؛ والإجاراتِ؛ إذا عُقِدَتْ عَلى الشُّهُورِ؛ مَعَ رُؤْيَةِ الهِلالِ؛ أنَّهُ تُعْتَبَرُ الأهِلَّةُ في سائِرِ شُهُورِهِ؛ سَواءٌ كانَتْ ناقِصَةً؛ أوْ تامَّةً؛ وإذا كانَ ابْتِداءُ المُدَّةِ في بَعْضِ الشَّهْرِ فَهو عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ وأمّا وجْهُ مَنِ اعْتَبَرَ في ذَلِكَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ الأوَّلِ بِالعَدَدِ ثَلاثِينَ يَوْمًا؛ وسائِرَ الشُّهُورِ بِالأهِلَّةِ؛ ثُمَّ يُكْمِلُ الشَّهْرَ الآخَرَ بِالأيّامِ؛ مَعَ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ؛ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ؛ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاثِينَ"؛» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ كُلَّ شَهْرٍ ابْتِداؤُهُ؛ وانْتِهاؤُهُ بِالهِلالِ؛ واحْتَجْنا إلى اعْتِبارِهِ؛ فَواجِبٌ اعْتِبارُهُ بِالهِلالِ؛ ناقِصًا كانَ؛ أوْ تامًّا؛ كَما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاعْتِبارِهِ في صَوْمِ رَمَضانَ؛ وشَعْبانَ؛ وكُلُّ شَهْرٍ لَمْ يَكُنِ ابْتِداؤُهُ وانْتِهاؤُهُ بِالأهِلَّةِ فَهو ثَلاثُونَ؛ وإنَّما يَنْقُصُ بِالهِلالِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنِ ابْتِداءُ الشَّهْرِ الأوَّلِ بِالهِلالِ وجَبَ فِيهِ اسْتِيفاءُ ثَلاثِينَ يَوْمًا؛ مِن آخِرِ المُدَّةِ؛ وسائِرُ الشُّهُورِ - لَمّا أمْكَنَ اسْتِيفاؤُها بِالأهِلَّةِ - وجَبَ اعْتِبارُها بِها؛ وعَلى قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ سائِرَ الشُّهُورِ بِالأيّامِ يَقُولُ: لَمّا لَمْ يَكُنِ ابْتِداءُ المُدَّةِ بِالهِلالِ وجَبَ اسْتِيفاءُ هَذا الشَّهْرِ بِالأيّامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا؛ فَيَكُونُ انْقِضاؤُهُ في بَعْضِ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ؛ ثُمَّ يَكُونُ كَذَلِكَ حُكْمُ سائِرِ الشُّهُورِ؛ قالُوا: ولا يَجُوزُ أنْ يُجْبَرَ هَذا الشَّهْرُ مِن أحَدِ الشُّهُورِ؛ ويُجْعَلَ ما بَيْنَهُما شُهُورًا بِالأهِلَّةِ؛ لِأنَّ الشُّهُورَ سَبِيلُها أنْ تَكُونَ أيّامُها مُتَّصِلَةً؛ مُتَوالِيَةً؛ فَوَجَبَ اسْتِيفاءُ شَهْرٍ كامِلٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا؛ مُنْذُ أوَّلِ المُدَّةِ؛ أيّامًا مُتَوالِيَةً؛ فَيَقَعُ ابْتِداءُ الشَّهْرِ الثّانِي في بَعْضِ الشَّهْرِ الثّانِي؛ فَتَكُونُ الشُّهُورُ وأيّامُها مُتَوالِيَةً؛ مُتَّصِلَةً. ومَن يَعْتَبِرُ الأهِلَّةَ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الشُّهُورِ بَعْدَ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ يَحْتَجُّ بِما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن أنَّهُ قَدِ اسْتَقْبَلَ الشَّهْرَ الَّذِي يَلِيهِ بِالهِلالِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ انْتِهاؤُهُ بِالهِلالِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]؛ واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ بِالنَّقْلِ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمَ؛ وصَفَرَ؛ ورَبِيعًا الأوَّلَ؛ وعَشْرًا مِن رَبِيعٍ الآخَرِ؛ فاعْتُبِرَ الهِلالُ فِيما يَأْتِي مِنَ الشُّهُورِ؛ دُونَ عَدَدِ الأيّامِ؛ فَوَجَبَ مِثْلُهُ في نَظائِرِهِ مِنَ المُدَّةِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وعَشْرًا﴾؛ (p-١٢٣)ظاهِرُها أنَّها اللَّيالِي؛ والأيّامُ مُرادَةٌ مَعَها؛ ولَكِنْ غُلِّبَتِ اللَّيالِي عَلى الأيّامِ - إذا اجْتَمَعَتْ في التّارِيخِ؛ وغَيْرِهِ -؛ لِأنَّ ابْتِداءَ شُهُورِ الأهِلَّةِ بِاللَّيالِيِ؛ مُنْذُ طُلُوعِ الأهِلَّةِ؛ فَلَمّا كانَ ابْتِداؤُها اللَّيْلَ غُلِّبَتِ اللَّيالِي؛ وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ دُونَ الأيّامِ؛ وإنْ كانَتْ تُفِيدُ ما بِإزائِها مِنَ الأيّامِ؛ ولَوْ ذَكَرَ جَمْعًا مِنَ الأيّامِ أفادَتْ ما بِإزائِها مِنَ اللَّيالِي؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]؛ وقالَ (تَعالى) - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ والقِصَّةُ واحِدَةٌ؛ فاكْتَفى تارَةً بِذِكْرِ الأيّامِ عَنِ اللَّيالِي؛ وتارَةً بِذِكْرِ اللَّيالِي عَنِ الأيّامِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"اَلشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ"؛ وفي لَفْظٍ آخَرَ: " تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ» "؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العَدَدَيْنِ إذا أُطْلِقَ أفادَ ما بِإزائِهِ مِنَ الآخَرِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا اخْتَلَفَ العَدَدانِ؛ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ؛ فُصِلَ بَيْنَهُما في اللَّفْظِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] ؟ وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: "صُمْنا عَشْرًا مِن شَهْرِ رَمَضانَ"؛ فَيُعَبِّرُونَ بِذِكْرِ اللَّيالِي عَنِ الأيّامِ؛ لِأنَّ "عَشْرًا" لا تَكُونُ إلّا لِلَّيالِي؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: "عَشْرَةَ أيّامٍ"؛ لَمْ يَجُزْ فِيها إلّا التَّذْكِيرُ؟ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: ؎أقامَتْ ثَلاثًا بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ∗∗∗ وكانَ النَّكِيرُ أنْ تَضِيفَ وتَجْأرا فَقالَ: ثَلاثًا؛ وهي اللَّيالِي؛ وذَكَرَ اليَوْمَ واللَّيْلَةَ في المُرادِ؛ وإذا ثَبَتَ ما وصَفْنا كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾؛ مُفِيدًا لِكَوْنِ المُدَّةِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ الِاعْتِبارِ؛ وعَشْرَةَ أيّامٍ؛ زائِدَةً عَلَيْها؛ وإنْ كانَ لَفْظُ العَدَدِ وارِدًا بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ.

البقرة 2:235

بابُ التَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ في العِدَّةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾؛ الآيَةَ؛ وقَدْ قِيلَ في الخِطْبَةِ: إنَّها الذِّكْرُ الَّذِي يُسْتَدْعى بِهِ إلى عُقْدَةِ النِّكاحِ؛ والخُطْبَةُ – بِالضَّمِّ -: اَلْمَوْعِظَةُ؛ المُتَّسِقَةُ عَلى ضُرُوبٍ مِنَ التَّأْلِيفِ؛ وقَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ الخُطْبَةَ ما لَهُ أوَّلٌ؛ وآخِرٌ؛ كالرِّسالَةِ؛ والخِطْبَةُ لِلْحالِ؛ نَحْوَ "اَلْجِلْسَةُ"؛ و"اَلْقِعْدَةُ"؛ وقِيلَ - في التَّعْرِيضِ -: إنَّهُ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لَهُ؛ كَقَوْلِ القائِلِ: ما أنا بِزانٍ؛ يُعَرِّضُ بِغَيْرِهِ أنَّهُ زانٍ؛ ولِذَلِكَ رَأى عُمَرُ فِيهِ الحَدَّ؛ وجَعَلَهُ كالتَّصْرِيحِ؛ والكِنايَةُ: اَلْعُدُولُ عَنْ صَرِيحِ اسْمِهِ إلى ذِكْرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ فالهاءُ كِنايَةٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اَلتَّعْرِيضُ بِالخِطْبَةِ أنْ يَقُولَ لَها: إنِّي أُرِيدُ أنْ أتَزَوَّجَ امْرَأةً مِن أمْرِها.. وأمْرِها.. يُعَرِّضُ لَها بِالقَوْلِ"؛ وقالَ الحَسَنُ: "هُوَ أنْ يَقُولَ لَها: إنِّي بِكِ لَمُعْجَبٌ؛ وإنِّي فِيكِ لَراغِبٌ؛ ولا تُفَوِّتِينا نَفْسَكَ"؛ «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - وهي في العِدَّةِ -: "لا تُفَوِّتِينا نَفْسَكِ"؛ ثُمَّ خَطَبَها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ عَلى أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ»؛ وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ قالَ: "هُوَ أنْ يَقُولَ لَها - وهي في العِدَّةِ -: إنَّكِ لَكَرِيمَةٌ؛ وإنِّي فِيكِ لَراغِبٌ؛ وإنَّ اللَّهَ لَسائِقٌ إلَيْكِ خَيْرًا؛ أوْ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ"؛ (p-١٢٩)وقالَ عَطاءٌ: "هُوَ أنْ يَقُولَ: إنَّكِ لَجَمِيلَةٌ؛ وإنِّي فِيكِ لَراغِبٌ؛ وإنْ قَضى اللَّهُ شَيْئًا كانَ"؛ فَكانَ التَّعْرِيضُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ يَدُلُّ فَحَواهُ عَلى رَغْبَتِهِ فِيها؛ ولا يَخْطُبُها بِصَرِيحِ القَوْلِ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾: "أنْ يَقُولَ: إنِّي فِيكِ لَراغِبٌ؛ وإنِّي لَأرْجُو أنْ نَجْتَمِعَ". وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾؛ يَعْنِي: أضْمَرْتُمُوهُ؛ مِنَ التَّزْوِيجِ؛ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها؛ فَأباحَ التَّعْرِيضَ بِالخِطْبَةِ؛ وإضْمارَ نِكاحِها مِن غَيْرِ إفْصاحٍ بِهِ؛ وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ؛ عَنْ بَعْضِ النّاسِ؛ أنَّهُ احْتَجَّ في نَفْيِ الحَدِّ في التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ بِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يَجْعَلِ التَّعْرِيضَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَنزِلَةِ التَّصْرِيحِ؛ كَذَلِكَ لا يُجْعَلُ التَّعْرِيضُ بِالقَذْفِ كالتَّصْرِيحِ؛ قالَ إسْماعِيلُ: فاحْتَجَّ بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ إذِ التَّعْرِيضُ بِالنِّكاحِ قَدْ فُهِمَ بِهِ مُرادُ القائِلِ؛ فَإذا فُهِمَ بِهِ مُرادُهُ؛ وهو القَذْفُ؛ حُكِمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ القاذِفِ؛ قالَ: وإنَّما يُزِيلُ الحَدَّ عَنِ المُعَرِّضِ بِالقَذْفِ مَن يُزِيلُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِتَعْرِيضِهِ أنَّهُ أرادَ القَذْفَ؛ إذْ كانَ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِهِ؛ قالَ: ويَنْبَغِي عَلى قَوْلِهِ هَذا أنْ يَزْعُمَ أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ جائِزٌ؛ مُباحٌ؛ كَما أُبِيحَ التَّعْرِيضُ بِالخِطْبَةِ بِالنِّكاحِ؛ قالَ: وإنَّما اخْتِيرَ التَّعْرِيضُ بِالنِّكاحِ؛ دُونَ التَّصْرِيحِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ لا يَكُونُ إلّا مِنهُما؛ وتَقْتَضِي خِطْبَتُهُ جَوابًا مِنها؛ ولا يَقْتَضِي التَّعْرِيضُ جَوابًا في الأغْلَبِ؛ فَلِذَلِكَ افْتَرَقا. قالَ أبُو بَكْرٍ: الكَلامُ الأوَّلُ؛ الَّذِي حَكاهُ عَنْ خَصْمِهِ في الدَّلالَةِ بِهِ عَلى نَفْيِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ؛ صَحِيحٌ؛ ونَقْضُهُ ظاهِرُ الِاخْتِلالِ؛ واضِحُ الفَسادِ؛ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ أنَّهُ لَمّا حَظَرَ عَلَيْهِ المُخاطَبَةَ بِعَقْدِ النِّكاحِ صَرِيحًا؛ وأُبِيحَ لَهُ التَّعْرِيضُ بِهِ؛ اخْتَلَفَ حُكْمُ التَّعْرِيضِ؛ والتَّصْرِيحِ في ذَلِكَ؛ عَلى أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُخالِفٌ لِحُكْمِ التَّصْرِيحِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما؛ كَما خالَفَ اللَّهُ (تَعالى) بَيْنَ حُكْمِهِما في خِطْبَةِ النِّكاحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الحُدُودَ مِمّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ؛ فَهي في حُكْمِ السُّقُوطِ؛ والنَّفْيُ آكَدُ مِنَ النِّكاحِ فَإذا لَمْ يَكُنِ التَّعْرِيضُ في النِّكاحِ كالتَّصْرِيحِ؛ وهو آكَدُ في بابِ الثُّبُوتِ مِنَ الحَدِّ؛ كانَ الحَدُّ أوْلى ألّا يَثْبُتَ بِالتَّعْرِيضِ؛ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ خَطَبَها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ بِالتَّعْرِيضِ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما عَقْدُ النِّكاحِ؛ فَكانَ تَعْرِيضُهُ بِالعَقْدِ مُخالِفًا لِلتَّصْرِيحِ؛ فالحَدُّ أوْلى ألّا يَثْبُتَ بِالتَّعْرِيضِ؛ وكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلى أنَّ الإقْرارَ في العُقُودِ كُلِّها لا يَثْبُتُ بِالتَّعْرِيضِ؛ ويَثْبُتُ بِالتَّصْرِيحِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) فَرَّقَ بَيْنَهُما في النِّكاحِ؛ فَكانَ الحَدُّ أوْلى ألّا يَثْبُتَ بِهِ؛ وهَذِهِ الدَّلالَةُ واضِحَةٌ عَلى الفارِقِ بَيْنَهُما في سائِرِ ما يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِالقَوْلِ؛ وهي كافِيَةٌ مُغْنِيَةٌ في جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما وصَفْنا؛ وإنْ أرَدْنا رَدَّهُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ القِياسِ؛ (p-١٣٠)لِعِلَّةٍ تَجْمَعُهُما؛ كانَ سائِغًا؛ وذَلِكَ أنَّ النِّكاحَ حُكْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ؛ كالقَذْفِ؛ فَلَمّا اخْتَلَفَ حُكْمُ التَّصْرِيحِ؛ والتَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ بِهَذا المَعْنى؛ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالتَّعْرِيضِ؛ وإنْ كانَ حُكْمُهُ ثابِتًا بِالإفْصاحِ؛ والتَّصْرِيحِ؛ كَما حَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ في النِّكاحِ؛ وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ التَّصْرِيحِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ مُرادُهُ؛ كَما عُرِفَ بِالتَّصْرِيحِ؛ فَإنِّي أظُنُّهُ نَسِيَ عِنْدَ هَذا القَوْلِ حُكْمَ اللَّهِ (تَعالى) في الفَصْلِ بَيْنَ التَّعْرِيضِ؛ والتَّصْرِيحِ بِالخِطْبَةِ؛ إذْ كانَ المُرادُ مَفْهُومًا؛ مَعَ الفارِقِ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِمَفْهُومِ المُرادِ فَذَلِكَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ في الخِطْبَةِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُهُما فِيها؛ فَإذا كانَ نَصُّ التَّنْزِيلِ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما فَقَدِ انْتُقِضَ هَذا الإلْزامُ؛ وصَحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ؛ عَلى ما وصَفْنا. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ مَن أزالَ الحَدَّ عَنِ المُعَرِّضِ بِالقَذْفِ فَإنَّما أزالَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِتَعْرِيضِهِ أنَّهُ أرادَ القَذْفَ؛ لِاحْتِمالِ كَلامِهِ لِغَيْرِهِ؛ فَإنَّها وكالَةٌ لَمْ تَثْبُتْ عَنِ الخَصْمِ؛ وقَضاءٌ عَلى غائِبٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أحَدًا لا يَقُولُ بِأنَّ حَدَّ القَذْفِ مُتَعَلِّقٌ بِإرادَتِهِ؛ وإنَّما يَتَعَلَّقُ عِنْدَ خُصُومِهِ بِالإفْصاحِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ فالَّذِي يُحِيلُ بِهِ خَصْمُهُ مِن أنَّهُ أزالَ الحَدَّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مُرادَهُ؛ لا يَقْبَلُونَهُ؛ ولا يَعْتَمِدُونَهُ؛ وأمّا إلْزامُهُ خَصْمَهُ أنْ يُبِيحَ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ؛ كَما يُبِيحُ التَّعْرِيضَ بِالنِّكاحِ؛ فَإنَّهُ كَلامُ رَجُلٍ غَيْرِ مُتَثَبِّتٍ فِيما يَقُولُهُ؛ ولا ناظِرٍ في عاقِبَةِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حُكْمُ إلْزامِهِ لَهُ؛ فَنَقُولُ: إنَّ خَصْمَهُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ لَمْ يَجْعَلْ ما ذَكَرَهُ عِلَّةً لِلْإباحَةِ حَتّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ إباحَةُ التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ؛ وإنَّما اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى إيجابِ الفارِقِ بَيْنَ التَّعْرِيضِ؛ والتَّصْرِيحِ؛ فَأمّا الحَظْرُ والإباحَةُ فَمَوْقُوفانِ عَلى دَلالَتِهِما مِن غَيْرِ هَذا الوَجْهِ؛ وأمّا قَوْلُهُ: إنَّما أُجِيزَ التَّعْرِيضُ بِالنِّكاحِ؛ دُونَ التَّصْرِيحِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ لا يَكُونُ إلّا مِنهُما؛ وتَقْتَضِي خِطْبَتُهُ جَوابًا مِنها؛ ولا يَقْتَضِي التَّعْرِيضُ جَوابًا في الأغْلَبِ؛ فَإنَّهُ كَلامٌ فارِغٌ؛ لا مَعْنى تَحْتَهُ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُنْتَقَضٌ؛ وذَلِكَ أنَّ التَّعْرِيضَ بِالنِّكاحِ؛ والتَّصْرِيحَ بِهِ؛ لا يَقْتَضِي واحِدٌ مِنهُما جَوابًا؛ لِأنَّ النَّهْيَ إنَّما انْصَرَفَ إلى خِطْبَتِها لَوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الجَوابَ؛ كَما لا يَقْتَضِي التَّعْرِيضَ؛ ولَمْ يُجْزِ الخِطابُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ العَقْدِ المُقْتَضِي لِلْجَوابِ؛ حَتّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُما بِما ذُكِرَ؛ فَقَدْ بانَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ التَّعْرِيضِ؛ والتَّصْرِيحِ؛ في نَفْيِ اقْتِضاءِ الجَوابِ؛ وهَذا المَوْضِعُ هو الَّذِي فَرَّقَتِ الآيَةُ فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ فَأمّا العَقْدُ المُقْتَضِي لِلْجَوابِ فَإنَّما هو مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾؛ وإنْ كانَ نَهْيُهُ عَنِ العَقْدِ نَفْسِهِ فَقَدِ (p-١٣١)اقْتَضاهُ نَهْيُهُ عَنِ الإفْصاحِ بِالخِطْبَةِ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ؛ كَدَلالَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ عَلى حَظْرِ الشَّتْمِ؛ والضَّرْبِ؛ وأمّا وجْهُ انْتِقاضِهِ فَإنَّهُ لا خِلافَ عَلى أنَّ العُقُودَ المُقْتَضِيَةَ لِلْجَوابِ لا تَصِحُّ بِالتَّعْرِيضِ؛ وكَذَلِكَ الإقْراراتُ لا تَصِحُّ بِالتَّعْرِيضِ؛ وإنْ لَمْ تَقْتَضِ جَوابًا مِنَ المُقِرِّ لَهُ؛ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ ما يَقْتَضِي مِن ذَلِكَ جَوابًا؛ وما لا يَقْتَضِيهِ؛ فَعَلِمْتَ أنَّ اخْتِلافَهُما مِن هَذا الوَجْهِ لا يُوجِبُ الفارِقَ بَيْنَهُما. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾؛ فَإنَّهُ مُخْتَلَفٌ في المُرادِ بِهِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ والشَّعْبِيُّ؛ ومُجاهِدٌ: "مُواعَدَةُ السِّرِّ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْها عَهْدًا؛ أوْ مِيثاقًا؛ أنْ تَحْبِسَ نَفْسَها عَلَيْهِ؛ ولا تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ"؛ وقالَ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ وأبُو مِجْلَزٍ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: اَلزِّنا؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: لا تُنْكَحُ المَرْأةُ في عِدَّتِها؛ ثُمَّ يَقُولُ: "سَأُسِرُّهُ"؛ ولا يُعْلِمُ بِهِ؛ أوْ يَدْخُلُ عَلَيْها؛ فَيَقُولُ: لا يُعْلَمُ بِدُخُولِي حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: اَللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ المَعانِي كُلِّها؛ لِأنَّ الزِّنا قَدْ يُسَمّى "سِرًّا"؛ قالَ الحُطَيْئَةُ: ؎ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ وأرادَ بِالسِّرِّ الزِّنا؛ وصَفَهم بِالعِفَّةِ عَنْ نِساءِ جِيرانِهِمْ؛ وقالَ رُؤْبَةُ - يَصِفُ حِمارَ الوَحْشِ؛ وأتانَهُ؛ لَمّا كَفَّ عَنْها حِينَ حَمَلَتْ -: ... ؎قَدْ أحْصَنَتْ مِثْلَ دَعامِيصِ الرَّنَقْ ؎أجِنَّةً في مُسْتَكِنّاتِ الحَلَقْ ∗∗∗ ∗∗∗ فَعَفَّ عَنْ أسْرارِها بَعْدَ العَسَقْ يَعْنِي: بَعْدَ اللُّزُوقِ؛ يُقالُ: "عَسِقَ بِهِ"؛ إذا لَزِقَ بِهِ؛ وأرادَ بِالسِّرِّ هَهُنا الغَشَيانَ؛ وعَقْدُ النِّكاحِ نَفْسُهُ يُسَمّى سِرًّا؛ كَما يُسَمّى بِهِ الوَطْءُ؛ ألا تَرى أنَّ الوَطْءَ؛ والعَقْدَ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُسَمّى نِكاحًا؟ ولِذَلِكَ ساغَ تَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى الوَطْءِ؛ وعَلى العَقْدِ؛ وعَلى التَّصْرِيحِ بِالخِطْبَةِ؛ لِما بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وأظْهَرُ الوُجُوهِ وأوْلاها بِمُرادِ الآيَةِ؛ مَعَ احْتِمالِها لِسائِرِ ما ذَكَرْنا؛ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومَن تابَعَهُ؛ وهو التَّصْرِيحُ بِالخِطْبَةِ؛ وأخْذُ العَهْدِ عَلَيْها أنْ تَحْبِسَ نَفْسَها عَلَيْهِ لِيَتَزَوَّجَها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لِأنَّ التَّعْرِيضَ المُباحَ إنَّما هو في عَقْدٍ يَكُونُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وكَذَلِكَ التَّصْرِيحُ واجِبٌ أنْ يَكُونَ حَظْرُهُ مِن هَذا الوَجْهِ بِعَيْنِهِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لَمْ نَسْتَفِدْهُ إلّا بِالآيَةِ؛ فَهو لا مَحالَةَ مُرادٌ بِها؛ وأمّا حَظْرُ إيقاعِ العَقْدِ في العِدَّةِ فَمَذْكُورٌ بِاسْمِهِ في نَسَقِ التِّلاوَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾؛ فَإذا كانَ ذَلِكَ (p-١٣٢)مَذْكُورًا في نَسَقِ الخِطابِ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ؛ دُونَ التَّعْرِيضِ؛ وبِالإفْصاحِ؛ دُونَ الكِنايَةِ؛ فَإنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ بِالكِنايَةِ المَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا﴾؛ هو الَّذِي قَدْ أفْصَحَ بِهِ في المُخاطَبَةِ؛ وكَذَلِكَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى الزِّنا؛ فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ بِالزِّنا مَحْظُورَةٌ في العِدَّةِ وغَيْرِها؛ إذْ كانَ تَحْرِيمُ اللَّهِ (تَعالى) الزِّنا تَحْرِيمًا مُبْهَمًا مُطْلَقًا؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ؛ ولا مَخْصُوصٍ بِوَقْتٍ؛ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إبْطالِ فائِدَةِ تَخْصِيصِهِ حَظْرَ المُواعَدَةِ بِالزِّنا بِكَوْنِها في العِدَّةِ؛ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادًا؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُ بَعْدَ ألّا يَخْرُجَ مِنهُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ الَّذِي ذَكَرْناهُ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ بِالتَّزْوِيجِ لِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ؛ ولِخَوْفِكم أنْ يَسْبِقَكم إلَيْهِنَّ غَيْرُكُمْ؛ وأباحَ لَهُمُ التَّوَصُّلَ إلى المُرادِ مِن ذَلِكَ بِالتَّعْرِيضِ؛ دُونَ الإفْصاحِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى ما اعْتَبَرَهُ أصْحابُنا في جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى اسْتِباحَةِ الأشْياءِ مِنَ الوُجُوهِ المُباحَةِ؛ وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً مِن وُجُوهٍ أُخَرَ؛ ونَحْوُهُ «ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أتاهُ بِلالٌ بِتَمْرٍ جَيِّدٍ؛ فَقالَ: "أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا؟"؛ فَقالَ: لا؛ إنَّما نَأْخُذُ الصّاعَ بِالصّاعَيْنِ؛ والصّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لا تَفْعَلُوا؛ ولَكِنْ بِيعُوا تَمْرَكم بِعَرَضٍ؛ ثُمَّ اشْتَرُوا بِهِ هَذا التَّمْرَ"؛» فَأرْشَدَهم إلى التَّوَصُّلِ إلى أخْذِ التَّمْرِ الجَيِّدِ؛ ولِهَذا البابِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذا؛ سَنَذْكُرُهُ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ وأباحَ لَهُمُ الأكْلَ؛ والجِماعَ؛ في لَيالِي رَمَضانَ؛ وعَلِمْنا أنَّهُ لَوْ لَمْ يُبِحْ لَهم لَكانَ فِيهِمْ مَن يُواقِعُ المَحْظُورَ عَنْهُ؛ فَخَفَّفَ عَنْهم رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ هو عَلى هَذا المَعْنى. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾؛ قِيلَ فِيهِ: إنَّ أصْلَ العُقْدَةِ في اللُّغَةِ هو الشَّدُّ؛ تَقُولُ: "عَقَدْتُ الحَبْلَ"؛ و"عَقَدْتُ العَقْدَ"؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَقْدِ الحَبْلِ في التَّوَثُّقِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾؛ مَعْناهُ: ولا تَعْقِدُوهُ؛ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ أنْ تَعْقِدُوهُ في العِدَّةِ؛ ولَيْسَ المَعْنى ألّا تَعْزِمُوا بِالضَّمِيرِ عَلى إيقاعِ العَقْدِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أباحَ إضْمارَ عَقْدٍ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ؛ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾؛ والإكْنانُ في النَّفْسِ هو الإضْمارُ فِيها؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ إنَّما تَضَمَّنَ النَّهْيَ عَنْ إيقاعِ العَقْدِ في العِدَّةِ؛ وعَنِ العَزِيمَةِ عَلَيْهِ فِيها؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾؛ يَعْنِي بِهِ انْقِضاءَ العِدَّةِ؛ وذَلِكَ في مَفْهُومِ الخِطابِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى بَيانٍ؛ ألا تَرى أنَّ فُرَيْعَةَ بِنْتَ مالِكٍ؛ حِينَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ؛ أجابَها (p-١٣٣)بِأنْ قالَ: «لا؛ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ»؟ فَعَقَلَتْ مِن مَفْهُومِ خِطابِهِ انْقِضاءَ العِدَّةِ؛ ولَمْ يَحْتَجْ إلى بَيانٍ مِن غَيْرِهِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ عَلى امْرَأةٍ نِكاحًا؛ وهي في عِدَّةٍ مِن غَيْرِهِ؛ فَإنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ في حُكْمِ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً في عِدَّتِها مِن غَيْرِهِ؛ فَرَوى ابْنُ المُبارَكِ قالَ: حَدَّثَنا أشْعَثُ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: بَلَغَ عُمَرَ أنَّ امْرَأةً مِن قُرَيْشٍ تَزَوَّجَها رَجُلٌ مِن ثَقِيفٍ في عِدَّتِها؛ فَأرْسَلَ إلَيْهِما؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهُما؛ وعاقَبَهُما؛ وقالَ: "لا يَنْكِحُها أبَدًا"؛ وجَعَلَ الصَّداقَ في بَيْتِ المالِ؛ وفَشا ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ؛ فَبَلَغَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - فَقالَ: "رَحِمَ اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ ما بالُ الصَّداقِ؛ وبَيْتِ المالِ؟ إنَّهُما جَهِلا؛ فَيَنْبَغِي لِلْإمامِ أنْ يَرُدَّهُما إلى السُّنَّةِ"؛ قِيلَ: فَما تَقُولُ أنْتَ فِيها؟ قالَ: "لَها الصَّداقُ بِما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها؛ ويُفَرَّقُ بَيْنَهُما؛ ولا جَلْدَ عَلَيْهِما؛ وتُكْمِلُ عِدَّتَها مِنَ الأوَّلِ؛ ثُمَّ تُكْمِلُ العِدَّةَ مِنَ الآخَرِ؛ ثُمَّ يَكُونُ خاطِبًا"؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ؛ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ رُدُّوا الجَهالاتِ إلى السُّنَّةِ؛ ورَوى ابْنُ أبِي زائِدَةَ؛ عَنْ أشْعَثَ مِثْلَهُ؛ وقالَ فِيهِ: فَرَجَعَ عُمَرُ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اتَّفَقَ عَلِيٌّ؛ وعُمَرُ؛ عَلى قَوْلٍ واحِدٍ؛ لِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَجَعَ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ؛ واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُما؛ ولَها مَهْرُ مِثْلِها؛ فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها مِنَ الأوَّلِ تَزَوَّجَها الآخَرُ إنْ شاءَ"؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ والشّافِعِيِّ؛ وقالَ مالِكٌ؛ والأوْزاعِيُّ؛ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا؛ قالَ مالِكٌ؛ واللَّيْثُ: ولا بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَ مَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ مِنَ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ رَجُلًا لَوْ زَنا بِامْرَأةٍ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها؛ والزِّنا أعْظَمُ مِنَ النِّكاحِ في العِدَّةِ؛ فَإذا كانَ الزِّنا لا يُحَرِّمُها عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا؛ فالوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أحْرى ألّا يُحَرِّمَها عَلَيْهِ؛ وكَذَلِكَ مَن تَزَوَّجَ أمَةً عَلى حُرَّةٍ؛ أوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ؛ ودَخَلَ بِهِما؛ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا؛ فَكَذَلِكَ الوَطْءُ عَنْ عَقْدٍ كانَ في العِدَّةِ؛ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ وطْئًا بِشُبْهَةٍ؛ أوْ زِنًا؛ وأيَّهُما كانَ فالتَّحْرِيمُ غَيْرُ واقِعٍ بِهِ؛ فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُوجِبُ الزِّنا والوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا عِنْدَكُمْ؛ كالَّذِي يَطَأُ أُمَّ امْرَأتِهِ؛ أوِ ابْنَتَها فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا مِمّا نَحْنُ فِيهِ بِسَبِيلٍ؛ لِأنَّ كَلامَنا إنَّما هو في وطْءٍ يُوجِبُ تَحْرِيمَ المَوْطُوءَةِ نَفْسِها؛ فَأمّا وطْءٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ غَيْرِها فَإنَّ ذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ وطْءٍ عِنْدَنا؛ زِنًا كانَ أوْ وطْئًا بِشُبْهَةٍ؛ أوْ مُباحًا؛ وأنْتَ لَمْ تَجِدْ في الأُصُولِ وطْئًا يُوجِبُ تَحْرِيمَ المَوْطُوءَةِ؛ فَكانَ قَوْلُكَ خارِجًا عَنِ الأُصُولِ؛ وعَنْ أقاوِيلِ السَّلَفِ أيْضًا؛ لِأنَّ عُمَرَ قَدْ رَجَعَ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ جَعَلَ المَهْرَ في بَيْتِ المالِ؛ (p-١٣٤)فَإنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَهْرٌ حَصَلَ لَها مِن وجْهٍ مَحْظُورٍ؛ فَسَبِيلُهُ أنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ في بَيْتِ المالِ؛ ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ ومَذْهَبُ عُمَرَ في جَعْلِ مَهْرِها لِبَيْتِ المالِ؛ إذْ قَدْ حَصَلَ لَها ذَلِكَ مِن وجْهٍ مَحْظُورٍ؛ يُشْبِهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الشّاةِ المَأْخُوذَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مالِكِها؛ قُدِّمَتْ إلَيْهِ مَشْوِيَّةً؛ فَلَمْ يَكَدْ يُسِيغُها حِينَ أرادَ الأكْلَ مِنها؛ فَقالَ: "إنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أنَّها أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ"؛ فَأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَقالَ: "أطْعِمُوها الأُسارى"؛ ووَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنا أنَّها صارَتْ لَهم بِضَمانِ القِيمَةِ؛ فَأمَرَهم بِالصَّدَقَةِ بِها؛ لِأنَّها حَصَلَتْ لَهم مِن وجْهٍ مَحْظُورٍ؛ ولَمْ يَكُونُوا قَدْ أدَّوُا القِيمَةَ إلى أصْحابِها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ مَهْرَها لِبَيْتِ المالِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ وإبْراهِيمُ؛ والزُّهْرِيُّ: "اَلصَّداقُ لَها"؛ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وفي اتِّفاقِ عُمَرَ؛ وعَلِيٍّ؛ عَلى أنْ لا حَدَّ عَلَيْهِما؛ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النِّكاحَ في العِدَّةِ لا يُوجِبُ الحَدَّ؛ مَعَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ كانَتْ عالِمَةً بِكَوْنِها في العِدَّةِ؛ ولِذَلِكَ جَلَدَها عُمَرُ؛ وجَعَلَ مَهْرَها في بَيْتِ المالِ؛ وما خالَفَهُما في ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ؛ فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في أنَّ كُلَ وطْءٍ عَنْ عَقْدٍ فاسِدٍ أنَّهُ لا يُوجِبُ الحَدَّ؛ سَواءٌ كانا عالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ؛ أوْ غَيْرَ عالِمَيْنِ بِهِ؛ وهَذا يَشْهَدُ لِأبِي حَنِيفَةَ فِيمَن وطِئَ ذاتَ مَحْرَمٍ مِنهُ بِنِكاحٍ؛ أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في العِدَّةِ إذا وجَبَتْ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ ومالِكٌ - في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ عَنْهُ -؛ والثَّوْرِيُّ؛ والأوْزاعِيُّ: "إذا وجَبَتْ عَلَيْها العِدَّةُ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنَّ عِدَّةً واحِدَةً تَكُونُ لَهُما جَمِيعًا؛ سَواءٌ كانَتِ العِدَّةُ بِالحَمْلِ؛ أوْ بِالحَيْضِ؛ أوْ بِالشُّهُورِ"؛ وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ؛ واللَّيْثُ؛ والشّافِعِيُّ: "تَعْتَدُّ لِكُلِّ واحِدٍ عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً"؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فَيَقْتَضِي كَوْنَ عِدَّتِها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ؛ إذا طَلَّقَها زَوْجُها ووَطِئَها رَجُلٌ بِشُبْهَةٍ؛ لِأنَّها مُطَلَّقَةٌ قَدْ وجَبَتْ عَلَيْها عِدَّةٌ؛ ولَوْ أوْجَبْنا عَلَيْها أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ قُرُوءٍ؛ كُنّا زائِدِينَ في الآيَةِ ما لَيْسَ فِيها؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَن وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ مِنَ المُطَلَّقاتِ؛ وبَيْنَ غَيْرِها؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُطَلَّقَةٍ قَدْ وطِئَها أجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ؛ وبَيْنَ مَن لَمْ تُوطَأْ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ عِدَّتُها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن عَلَيْها عِدَّةٌ مِن رَجُلٍ؛ أوْ مِن رَجُلَيْنِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي (p-١٣٥)مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ لِأنَّ العِدَّةَ إنَّما هي بِمُضِيِّ الأوْقاتِ؛ والأهِلَّةِ؛ والشُّهُورِ؛ وقَدْ جَعَلَها اللَّهُ (تَعالى) وقْتًا لِجَمِيعِ النّاسِ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشُّهُورُ والأهِلَّةُ وقْتًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِعُمُومِ الآيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَجُوزُ لَهُ عَقْدُ النِّكاحِ عَلَيْها قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها مِنهُ؛ فَعَلِمْنا أنَّها في عِدَّةٍ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّ العِدَّةَ مِنهُ لا تَمْنَعُ مِن تَزْوِيجِها. فَإنْ قِيلَ: مُنِعَ مِن ذَلِكَ لِأنَّ العِدَّةَ مِنهُ تَتْلُوها عِدَّةٌ مِن غَيْرِهِ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَها؛ ثُمَّ يَمُوتُ هو قَبْلَ بُلُوغِها مَواضِعَ الِاعْتِدادِ مِنَ الثّانِي؛ فَلا تَلْزَمُها عِدَّةٌ مِنَ الثّانِي؛ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ في هَذِهِ الحالِ مُعْتَدَّةً مِنهُ؛ لَما مُنِعَ العَقْدُ عَلَيْها؛ لِأنَّ عِدَّةً تَجِبُ في المُسْتَقْبَلِ لا تَرْفَعُ عَقْدًا ماضِيًا؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَيْضَ إنَّما هو اسْتِبْراءٌ لِلرَّحِمِ مِنَ الحَبَلِ؛ فَإذا طَلَّقَها الأوَّلُ ووَطِئَها الثّانِي بِشُبْهَةٍ؛ قَبْلَ أنْ تَحِيضَ؛ ثُمَّ حاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِبْراءُ؛ ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِبْراءُ مِن حَمْلِ الأوَّلِ غَيْرَ الِاسْتِبْراءِ مِن حَمْلِ الثّانِي؛ فَوَجَبَ أنْ تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ مِنهُما جَمِيعًا؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ؛ وأبانَها؛ ثُمَّ وطِئَها في العِدَّةِ بِشُبْهَةٍ؛ أنَّ عَلَيْها عِدَّتَيْنِ؛ عِدَّةً مِنَ الوَطْءِ؛ وتَعْتَدُّ بِما بَقِيَ مِنَ العِدَّةِ الأُولى مِنَ العِدَّتَيْنِ؛ ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ العِدَّةُ مِن رَجُلَيْنِ؛ أوْ مِن رَجُلٍ واحِدٍ؛ فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا حَقٌّ واجِبٌ لِرَجُلٍ واحِدٍ؛ والأوَّلُ واجِبٌ لِرَجُلَيْنِ؛ قِيلَ لَهُ: لا فارِقَ بَيْنَ الرَّجُلِ الواحِدِ؛ والرَّجُلَيْنِ؛ لِأنَّ الحَقَّيْنِ إذا وجَبا لِرَجُلٍ واحِدٍ فَواجِبٌ إيفاؤُهُما إيّاهُ جَمِيعًا؛ كَوُجُوبِهِما لِرَجُلَيْنِ؛ في لُزُومِ تَوْفِيَتِهِما إيّاهُما؛ ألا تَرى أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ؛ والرَّجُلِ الواحِدِ؛ في آجالِ الدُّيُونِ؛ ومَواقِيتِ الحَجِّ؛ والإجاراتِ؛ ومُدَدِ الإيلاءِ؛ في أنَّ مُضِيَّ الوَقْتِ الواحِدِ يُصَيِّرُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ؛ فَتَكُونُ الشُّهُورُ الَّتِي لِهَذا؛ هي بِعَيْنِها لِلْآخَرِ؟ وقَدْ رَوى أبُو الزِّنادِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ؛ عَنْ عُمَرَ؛ في الَّتِي تَزَوَّجَتْ في العِدَّةِ؛ أنَّهُ أمَرَها أنْ تَعْتَدَّ مِنهُما؛ وظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عِدَّةً واحِدَةً مِنهُما. فَإنْ قِيلَ: رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ؛ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "تَعْتَدُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِها مِنَ الأوَّلِ؛ ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنَ الآخَرِ"؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِيهِ أنَّها تَعْتَدُّ مِنَ الآخَرِ عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً؛ فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ مَعْناهُ عَلى بَقِيَّةِ العِدَّةِ؛ لِيُوافِقَ حَدِيثَ أبِي الزِّنادِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:236

بابُ مُتْعَةِ المُطَلَّقَةِ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾؛ تَقْدِيرُهُ: "ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ؛ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً"؛ ألا تَرى أنَّهُ عَطَفَ (p-١٣٦)عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ؟ فَلَوْ كانَ الأوَّلُ بِمَعْنى: "ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ؛ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً؛ أوْ لَمْ تَفْرِضُوا"؛ لَما عَطَفَ عَلَيْها المَفْرُوضَ لَها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: "ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ؛ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً"؛ وقَدْ تَكُونُ "أوْ" بِمَعْنى الواوِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]؛ مَعْناهُ: ولا كَفُورًا؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [المائدة: ٦]؛ والمَعْنى: وجاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ؛ وأنْتُمْ مَرْضى؛ ومُسافِرُونَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]؛ مَعْناهُ: ويَزِيدُونَ؛ فَهَذا مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ؛ وهي في النَّفْيِ أظْهَرُ في دُخُولِها عَلَيْهِ أنَّها بِمَعْنى الواوِ؛ مِنهُ ما قَدَّمْنا مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]؛ مَعْناهُ: ولا كَفُورًا؛ لِدُخُولِها عَلى النَّفْيِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوِ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]؛ "أوْ" في هَذِهِ المَواضِعِ بِمَعْنى الواوِ؛ فَوَجَبَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ لَمّا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ؛ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ؛ فَيَكُونُ شَرْطُ وُجُوبِ المُتْعَةِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ مِن عَدَمِ المَسِيسِ؛ والتَّسْمِيَةِ جَمِيعًا؛ بَعْدَ الطَّلاقِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها في الحَيْضِ؛ وأنَّها لَيْسَتْ كالمَدْخُولِ بِها؛ لِإطْلاقِهِ إباحَةَ الطَّلاقِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ مِنهُ بِحالِ الطُّهْرِ؛ دُونَ الحَيْضِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ؛ وفُقَهاءُ الأمْصارِ؛ في وُجُوبِ المُتْعَةِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: "لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ"؛ وعَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهُ؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: "لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ؛ إلّا الَّتِي تُطَلَّقُ وقَدْ فُرِضَ لَها صَداقٌ ولَمْ تُمَسَّ؛ فَحَسْبُها نِصْفُ ما فُرِضَ لَها"؛ ورُوِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُهُ؛ وقالَ شُرَيْحٌ؛ وإبْراهِيمُ؛ والحَسَنُ: "تُخَيَّرُ الَّتِي تُطَلَّقُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ولَمْ يُفْرَضْ عَلى المُتْعَةِ"؛ وقالَ شُرَيْحٌ - وقَدْ سَألُوهُ في مَتاعٍ -: "لا نَأْبى أنْ نَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ"؛ فَقالَ: إنِّي مُحْتاجٌ؛ فَقالَ: "لا نَأْبى أنْ نَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ"؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي العالِيَةِ: "لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعٌ"؛ وسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ المُتْعَةِ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ؛ فَقالَ: "لا؛ عَلى المُتَّقِينَ"؛ ورَوى ابْنُ أبِي الزِّنادِ عَنْ أبِيهِ - في كِتابِ البَيْعَةِ -: "وكانُوا لا يَرَوْنَ المَتاعَ لِلْمُطَلَّقَةِ واجِبًا؛ ولَكِنَّها تَخْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ؛ وفَضْلٌ"؛ ورَوى عَطاءٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "إذا فَرَضَ الرَّجُلُ؛ وطَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ؛ فَلَيْسَ لَها إلّا المَتاعُ"؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: "اَلْمُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَها؛ والَّتِي قَدْ فُرِضَ لَها لَيْسَ لَها مُتْعَةٌ"؛ وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ؛ عَنْ نافِعٍ قالَ: "كانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَرى لِلْمُطَلَّقَةِ مُتْعَةً واجِبَةً؛ إلّا لِلَّتِي أُنْكِحَتْ بِالعِوَضِ؛ ثُمَّ يُطَلِّقُها قَبْلَ أنْ (p-١٣٧)يَدْخُلَ بِها"؛ ورَوى مَعْمَرٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: "مُتْعَتانِ؛ إحْداهُما يَقْضِي بِها السُّلْطانُ؛ والأُخْرى حَقٌّ عَلى المُتَّقِينَ؛ مَن طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَفْرِضَ؛ ولَمْ يَدْخُلْ؛ أخَذَ بِالمُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ لا صَداقَ عَلَيْهِ؛ ومَن طَلَّقَ بَعْدَما يَدْخُلُ؛ أوْ يَفْرِضُ؛ فالمُتْعَةُ حَقٌّ عَلَيْهِ"؛ وعَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَهَذا قَوْلُ السَّلَفِ فِيها؛ وأمّا فُقَهاءُ الأمْصارِ فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ؛ وأبا يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدًا؛ وزُفَرَ؛ قالُوا: "اَلْمُتْعَةُ واجِبَةٌ لِلَّتِي طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ولَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا؛ وإنْ دَخَلَ بِها فَإنَّهُ يُمَتِّعُها؛ ولا يُجْبَرُ عَلَيْها"؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ والأوْزاعِيِّ؛ إلّا أنَّ الأوْزاعِيَّ زَعَمَ أنَّ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ؛ إذا كانَ مَمْلُوكًا؛ لَمْ تَجِبِ المُتْعَةُ؛ وإنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ولَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى؛ وأبُو الزِّنادِ: "اَلْمُتْعَةُ لَيْسَتْ واجِبَةً؛ إنْ شاءَ فَعَلَ؛ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ؛ ولا يُجْبَرُ عَلَيْها"؛ ولَمْ يُفَرِّقا بَيْنَ المَدْخُولِ بِها؛ وبَيْنَ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ وبَيْنَ مَن سُمِّيَ لَها؛ وبَيْنَ مَن لَمْ يُسَمَّ لَها؛ وقالَ مالِكٌ؛ واللَّيْثُ: "لا يُجْبَرُ أحَدٌ عَلى المُتْعَةِ؛ سَمّى لَها؛ أوْ لَمْ يُسَمِّ لَها؛ دَخَلَ بِها؛ أوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ وإنَّما هي مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ؛ ولا يُجْبَرُ عَلَيْها؛ قالَ مالِكٌ: "ولَيْسَ لِلْمُلاعَنَةِ مُتْعَةٌ عَلى حالٍ مِنَ الحالاتِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "اَلْمُتْعَةُ واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ؛ ولِكُلِّ زَوْجَةٍ؛ إذا كانَ الفِراقُ مِن قِبَلِهِ؛ أوْ يَتِمُّ بِهِ؛ إلّا الَّتِي سَمّى لَها؛ وطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: نَبْدَأُ بِالكَلامِ في إيجابِ المُتْعَةِ؛ ثُمَّ نُعْقِبُهُ بِالكَلامِ عَلى مَن أوْجَبَها لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ؛ والدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾؛ وقالَ (تَعالى) - في آيَةٍ أُخْرى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ وقالَ - في آيَةٍ أُخْرى -: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ فَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآياتُ الدَّلالَةَ عَلى وُجُوبِ المُتْعَةِ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ لِأنَّهُ أمْرٌ؛ والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى النَّدْبِ؛ والثّانِي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾؛ ولَيْسَ في ألْفاظِ الإيجابِ آكَدُ مِن قَوْلِهِ: ( حَقًّا عَلى )؛ والثّالِثُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾؛ وهو تَأْكِيدٌ لِإيجابِهِ؛ إذْ جَعَلَها مِن شَرْطِ الإحْسانِ؛ وعَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ فَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ( حَقًّا عَلى )؛ عَلى الوُجُوبِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] تَأْكِيدٌ لِإيجابِها؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ قَدْ دَلَّ عَلى الوُجُوبِ؛ مِن حَيْثُ هو أمْرٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ (p-١٣٨)بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ جَعَلَها لَهُنَّ؛ وما كانَ لِلْإنْسانِ فَهو مِلْكُهُ؛ لَهُ المُطالَبَةُ بِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "هَذِهِ الدّارُ لِزَيْدٍ ". فَإنْ قِيلَ: لَمّا خَصَّ المُتَّقِينَ؛ والمُحْسِنِينَ؛ بِالذِّكْرِ في إيجابِ المُتْعَةِ عَلَيْهِمْ؛ دَلَّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ؛ وأنَّها نَدْبٌ؛ لِأنَّ الواجِباتِ لا يَخْتَلِفُ فِيها المُتَّقُونَ؛ والمُحْسِنُونَ؛ وغَيْرُهُمْ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما ذَكَرَ المُتَّقِينَ؛ والمُحْسِنِينَ؛ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِها؛ ولَيْسَ تَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ نَفْيًا عَلى غَيْرِهِمْ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ وهو هُدًى لِلنّاسِ كافَّةً؛ وكَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ مُوجِبًا ألّا يَكُونَ هُدًى لِغَيْرِهِمْ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ أوْ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾؛ غَيْرُ نافٍ أنْ يَكُونَ حَقًّا عَلى غَيْرِهِمْ؛ وأيْضًا فَإنّا نُوجِبُها عَلى المُتَّقِينَ؛ والمُحْسِنِينَ؛ بِالآيَةِ؛ ونُوجِبُها عَلى غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ وذَلِكَ عامٌّ في الجَمِيعِ بِالِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أوْجَبَها مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى المُحْسِنِينَ؛ والمُتَّقِينَ؛ أوْجَبَها عَلى غَيْرِهِمْ؛ ويَلْزَمُ هَذا السّائِلَ ألّا يَجْعَلَها نَدْبًا أيْضًا؛ لِأنَّ ما كانَ نَدْبًا لا يَخْتَلِفُ فِيهِ المُتَّقُونَ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فَإذا جازَ تَخْصِيصُ المُتَّقِينَ؛ والمُحْسِنِينَ بِالذِّكْرِ في المَندُوبِ إلَيْهِ مِنَ المُتْعَةِ؛ وهم وغَيْرُهم فِيهِ سَواءٌ؛ فَكَذَلِكَ جائِزٌ تَخْصِيصُ المُحْسِنِينَ والمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ في الإيجابِ؛ ويَكُونُونَ هُمْ؛ وغَيْرُهم فِيهِ سَواءً؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا لَمْ يُخَصِّصِ المُتَّقِينَ؛ والمُحْسِنِينَ في سائِرِ الدُّيُونِ مِنَ الصَّداقِ؛ وسائِرِ عُقُودِ المُدايَناتِ؛ عِنْدَ إيجابِها عَلَيْهِمْ؛ وخَصَّهم بِذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ المُتْعَةِ؛ دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِواجِبَةٍ؛ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ لَفْظُ الإيجابِ مَوْجُودًا في الجَمِيعِ؛ فالواجِبُ عَلَيْنا الحُكْمُ بِمُقْتَضى اللَّفْظِ؛ ثُمَّ تَخْصِيصُهُ بَعْضَ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِ الحَقَّ بِذِكْرِ التَّقْوى؛ والإحْسانِ؛ إنَّما هو عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ؛ ووُجُوهُ التَّأْكِيدِ مُخْتَلِفَةٌ؛ فَمِنها ما يَكُونُ ذُكِرَ بِتَقْيِيدِ التَّقْوى؛ والإحْسانِ؛ ومِنها ما يَكُونُ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ الأداءِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ومِنها ما يَكُونُ بِالأمْرِ بِالإشْهادِ عَلَيْهِ؛ والرَّهْنِ بِهِ؛ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ عَلى نَفْيِ الإيجابِ؟ وأيْضًا فَإنّا وجَدْنا عَقْدَ النِّكاحِ لا يَخْلُو مِن إيجابِ البَدَلِ؛ إنْ كانَ مُسَمًّى؛ فالمُسَمّى؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَسْمِيَةٌ؛ فَمَهْرُ المِثْلِ؛ ثُمَّ كانَتْ حالُهُ إذا كانَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ أنَّ البُضْعَ لا يَخْلُو مِنَ اسْتِحْقاقِ البَدَلِ لَهُ؛ مَعَ وُرُودِ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وفارَقَ النِّكاحُ بِهَذا المَعْنى سائِرَ العُقُودِ؛ لِأنَّ عَوْدَ المَبِيعِ إلى مِلْكِ البائِعِ يُوجِبُ سُقُوطَ الثَّمَنِ كُلِّهِ؛ وسُقُوطُ حَقِّ الزَّوْجِ عَنْ بُضْعِها بِالطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لا يُخْرِجُهُ مِنَ اسْتِحْقاقِ بَدَلِ ما هو نِصْفُ المُسَمّى؛ فَوَجَبَ (p-١٣٩)أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهُ؛ إذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ تَسْمِيَةٌ؛ والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما وُرُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وأيْضًا فَإنَّ مَهْرَ المِثْلِ مُسْتَحَقٌّ بِالعَقْدِ؛ والمُتْعَةُ هي بَعْضُ مَهْرِ المِثْلِ؛ فَتَجِبُ كَما يَجِبُ نِصْفُ المُسَمّى؛ إذا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. فَإنْ قِيلَ: مَهْرُ المِثْلِ دَراهِمُ؛ ودَنانِيرُ؛ والمُتْعَةُ إنَّما هي أثْوابٌ؛ قِيلَ لَهُ: اَلْمُتْعَةُ أيْضًا عِنْدَنا دَراهِمُ؛ ودَنانِيرُ؛ لَوْ أعْطاها لَمْ يُجْبَرْ عَلى غَيْرِها؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنَّها بَعْضُ مَهْرِ المِثْلِ يَسُوغُ عَلى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إذا رَهَنَها بِمَهْرِ المِثْلِ رَهْنًا؛ ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ كانَ رَهْنًا بِالمُتْعَةِ؛ مَحْبُوسًا بِها؛ إنْ هَلَكَ هَلَكَ بِها؛ وأمّا أبُو يُوسُفَ فَإنَّهُ لا يَجْعَلُهُ رَهْنًا بِالمُتْعَةِ؛ فَإنْ هَلَكَ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ والمُتْعَةُ واجِبَةٌ؛ باقِيَةٌ عَلَيْهِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَها بَعْضَ مَهْرِ المِثْلِ؛ ولَكِنَّهُ أوْجَبَها بِمُقْتَضى ظاهِرِ القُرْآنِ؛ وبِالِاسْتِدْلالِ؛ وبِالأُصُولِ؛ عَلى أنَّ البُضْعَ لا يَخْلُو مِن بَدَلٍ؛ مَعَ وُرُودِ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وأنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ في العَقْدِ؛ وبَيْنَ عَدَمِها؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ حُصُولُ مِلْكِ البُضْعِ لَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ؛ فَوُجُوبُ مَهْرِ المِثْلِ بِالعَقْدِ؛ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ؛ كَوُجُوبِ المُسَمّى فِيهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ حُكْمُهُما في وُجُوبِ بَدَلِ البُضْعِ؛ عِنْدَ وُرُودِ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وأنْ تَكُونَ المُتْعَةُ قائِمَةً مَقامَ بَعْضِ مَهْرِ المِثْلِ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ بَعْضَهُ؛ كَما تَقُومُ القِيَمُ مَقامَ المُسْتَهْلَكاتِ. وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - في المُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وقَدْ سُمِّيَ لَها أنَّ لَها نِصْفَ الصَّداقِ -: "هُوَ مُتْعَتُها"؛ فَكانَتِ المُتْعَةُ اسْمًا لِما يُسْتَحَقُّ بَعْدَ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ويَكُونُ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا قامَتْ مَقامَ بَعْضِ مَهْرِ المِثْلِ؛ فَهو عِوَضٌ مِنَ المَهْرِ؛ والمَهْرُ لا يَجِبُ لَهُ عِوَضٌ قَبْلَ الطَّلاقِ؛ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ؛ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَقُلْ: "إنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ"؛ وإنْ قامَ مَقامَهُ؛ كَما لا نَقُولُ: إنَّ قِيَمَ المُسْتَهْلَكاتِ أبْدالٌ لَها؛ بَلْ كَأنَّها هِيَ؛ حِينَ قامَتْ مَقامَها؛ ألا تَرى أنَّ المُشْتَرِيَ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ بَدَلِ المَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ؛ بِبَيْعٍ؛ ولا غَيْرِهِ؟ ولَوْ كانَ اسْتَهْلَكَهُ مُسْتَهْلِكٌ كانَ لَهُ أخْذُ القِيمَةِ مِنهُ؛ لِأنَّها تَقُومُ مَقامَهُ؛ كَأنَّها هُوَ؛ لا عَلى مَعْنى العِوَضِ؛ فَكَذَلِكَ المُتْعَةُ تَقُومُ مَقامَ بَعْضِ مَهْرِ المِثْلِ؛ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ؛ كَما يَجِبُ نِصْفُ المُسَمّى بَدَلًا مِنَ البُضْعِ مَعَ الطَّلاقِ؛ فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُتْعَةُ تَقُومُ مَقامَ بَعْضِ مَهْرِ المِثْلِ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ؛ لَوَجَبَ اعْتِبارُها بِالمَرْأةِ؛ كَما يُعْتَبَرُ مَهْرُ المِثْلِ بِحالِها؛ دُونَ حالِ الزَّوْجِ؛ فَلَمّا أوْجَبَ اللَّهُ (تَعالى) اعْتِبارَ المُتْعَةِ بِحالِ الرَّجُلِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ لَمْ يَجُزْ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الطَّلاقِ؛ لِأنَّ البُضْعَ يَحْصُلُ لَها بِالطَّلاقِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ تَسْتَحِقَّ بَدَلَ ما يَحْصُلُ لَها؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها (p-١٤٠)لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ بِواجِبَةٍ؛ قِيلَ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ في اعْتِبارِ حالِهِ؛ دُونَ حالِها؛ فَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ وأصْحابُنا المُتَأخِّرُونَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ؛ فَكانَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: "يُعْتَبَرُ فِيها حالُ المَرْأةِ أيْضًا"؛ ولَيْسَ فِيهِ خِلافُ الآيَةِ؛ لِأنّا نَسْتَعْمِلُ حُكْمَ الآيَةِ مَعَ ذَلِكَ في اعْتِبارِ حالِ الزَّوْجِ؛ ومِنهم مَن يَقُولُ: "يُعْتَبَرُ حالُهُ؛ دُونَ حالِها"؛ ومَن قالَ بِهَذا يَلْزَمُهُ سُؤالُ هَذا السّائِلِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ مَهْرَ المِثْلِ إنَّما وجَبَ اعْتِبارُهُ بِها في الحالِ الَّتِي يَحْصُلُ فِيها البُضْعُ لِلزَّوْجِ؛ إمّا بِالدُّخُولِ؛ وإمّا بِالمَوْتِ القائِمِ مَقامَ الدُّخُولِ في اسْتِحْقاقِ كَمالِ المَهْرِ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ قِيَمِ المُتْلَفاتِ في اعْتِبارِها بِأنْفُسِها؛ وأمّا المُتْعَةُ فَإنَّها لا تَجِبُ عِنْدَنا إلّا في حالِ سُقُوطِ حَقِّهِ مِن بُضْعِها؛ لِسَبَبٍ مِن قِبَلِهِ؛ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ؛ فَلَمْ يَجِبِ اعْتِبارُ حالِ المَرْأةِ؛ إذِ البُضْعُ غَيْرُ حاصِلٍ لِلزَّوْجِ؛ بَلْ حَصَلَ لَها بِسَبَبٍ مِن قِبَلِهِ؛ مِن غَيْرِ ثُبُوتِ حُكْمِ الدُّخُولِ؛ فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ حالُهُ؛ دُونَها؛ وأيْضًا.. لَوْ سَلَّمْنا لَكَ أنَّها لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَها؛ لِأنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ؛ بِدَلالَةِ أنَّ بَدَلَ البُضْعِ هو المَهْرُ؛ وقَدْ مَلَكَهُ بِعَقْدِ النِّكاحِ؛ والدُّخُولُ والِاسْتِمْتاعُ إنَّما هُما تَصَرُّفٌ في مِلْكِهِ؛ وتَصَرُّفُ الإنْسانِ في مِلْكِهِ لا يُوجِبُ عَلَيْهِ بَدَلًا؛ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَها؛ ولِذَلِكَ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ أبِيهِ؛ وابْنِهِ الصَّغِيرِ؛ بِنَصِّ الكِتابِ؛ والإنْفاقُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ؛ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَها؛ والزَّكَواتُ والكَفّاراتُ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ؛ وهُنَّ واجِباتٌ؛ فالمُسْتَدِلُّ بِكَوْنِها غَيْرَ بَدَلٍ عَنْ شَيْءٍ؛ عَلى نَفْيِ إيجابِها؛ مُغَفَّلٌ؛ وأيْضًا فاعْتِبارُها بِالرَّجُلِ وبِالمَرْأةِ إنَّما هو كَلامٌ في تَقْدِيرِها؛ والكَلامُ في التَّقْدِيرِ لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِالإيجابِ؛ ولا بِنَفْيِهِ؛ وأيْضًا لَوْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً؛ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً بِحالِ الرَّجُلِ؛ فَلَمّا قالَ (تَعالى): ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ دَلَّ عَلى الوُجُوبِ؛ إذْ ما لَيْسَ بِواجِبٍ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِحالِ الرَّجُلِ؛ إذْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ مِنهُ في حالِ اليَسارِ؛ والإعْسارِ؛ فَلَمّا قَدَّرَها بِحالِ الرَّجُلِ؛ ولَمْ يُطْلِقْها؛ فَيُخَيَّرَ الرَّجُلُ فِيها؛ دَلَّ عَلى وُجُوبِها؛ وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ دَلِيلٍ في المَسْألَةِ. وقالَ هَذا القائِلُ أيْضًا: لَمّا قالَ (تَعالى): ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ اِقْتَضى ذَلِكَ ألّا تَلْزَمَ المُقْتِرَ الَّذِي لا يَمْلِكُ شَيْئًا؛ وإذا لَمْ تَلْزَمْهُ لَمْ تَلْزَمِ المُوسِرَ؛ ومَن ألْزَمَها المُقْتِرَ فَقَدْ خَرَجَ مِن ظاهِرِ الكِتابِ؛ لِأنَّ مَن لا مالَ لَهُ لَمْ تَقْتَضِ الآيَةُ إيجابَها عَلَيْهِ؛ إذْ لا مالَ لَهُ فَيُعْتَبَرَ قَدَرُهُ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ نَجْعَلَها دَيْنًا عَلَيْهِ؛ وألّا يَكُونَ مُخاطَبًا بِها؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ إغْفالٌ مِنهُ لِمَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يَقُلْ: "عَلى المُوسِعِ عَلى قَدْرِ مالِهِ؛ (p-١٤١)وعَلى المُقْتِرِ عَلى قَدْرِ مالِهِ"؛ وإنَّما قالَ (تَعالى): ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ ولِلْمُقْتِرِ قَدَرٌ يُعْتَبَرُ بِهِ؛ وهو ثُبُوتُهُ في ذِمَّتِهِ حَتّى يَجِدَ فَيُسَلِّمَهُ؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ فَأوْجَبَها عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَوْ كانَ مُعْسِرًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ؛ لِأنَّ لَهُ ذِمَّةً تَثْبُتُ فِيها النَّفَقَةُ بِالمَعْرُوفِ؛ حَتّى إذا وجَدَها أعْطاها؛ كَذَلِكَ المُقْتِرُ في حُكْمِ المُتْعَةِ؛ وكَسائِرِ الحُقُوقِ الَّتِي تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ؛ وتَكُونُ الذِّمَّةُ كالأعْيانِ؛ ألا تَرى أنَّ شِراءَ المُعْسِرِ بِمالٍ في ذِمَّتِهِ جائِزٌ؟ وقامَتِ الذِّمَّةُ مَقامَ العَيْنِ في بابِ ثُبُوتِ البَدَلِ فِيها؛ فَكَذَلِكَ ذِمَّةُ الزَّوْجِ المُقْتِرِ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ؛ يَصِحُّ إثْباتُ المُتْعَةِ فِيها؛ كَما تَثْبُتُ فِيها النَّفَقاتُ؛ وسائِرُ الدُّيُونِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ النِّكاحِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) حَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلاقِ فِيهِ؛ مَعَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ؛ والطَّلاقُ لا يَقَعُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ؛ وقَدْ تَضَمَّنَتِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ شَرْطَهُ أنْ لا صَداقَ لَها لا يُفْسِدُ النِّكاحَ؛ لِأنَّها لَمّا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَن سَكَتَ عَنِ التَّسْمِيَةِ؛ وبَيْنَ مَن شَرَطَ أنْ لا صَداقَ؛ فَهي عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ وزَعَمَ مالِكٌ أنَّهُ إذا شَرَطَ أنْ لا مَهْرَ لَها فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ فَإنْ دَخَلَ بِها صَحَّ النِّكاحُ؛ ولَها مَهْرُ مِثْلِها؛ وقَدْ قَضَتِ الآيَةُ بِجَوازِ النِّكاحِ؛ وشَرْطُهُ أنْ لا مَهْرَ لَها لَيْسَ بِأكْثَرَ مِن تَرْكِ التَّسْمِيَةِ؛ فَإذا كانَ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ لا يَقْدَحُ في العَقْدِ؛ فَكَذَلِكَ شَرْطُهُ أنْ لا مَهْرَ لَها؛ وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لِلْمَدْخُولِ بِها؛ لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُتْعَةَ بَدَلٌ مِنَ البُضْعِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ تَسْتَحِقَّ بَدَلَيْنِ؛ فَلَمّا كانَتْ مُسْتَحِقَّةً بَعْدَ الدُّخُولِ المُسَمّى؛ أوْ مَهْرِ المِثْلِ لَمْ يَجُزْ أنْ تَسْتَحِقَّ مَعَهُ المُتْعَةَ؛ ولا خِلافَ أيْضًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ المُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ لا تَسْتَحِقُّها عَلى وجْهِ الوُجُوبِ إذا وجَبَ لَها نِصْفُ المَهْرِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ أحَدُهُما أنَّها لَمْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ وُجُوبِ بَعْضِ المَهْرِ؛ فَألّا تَسْتَحِقَّهُ مَعَ وُجُوبِ جَمِيعِهِ أوْلى؛ والثّانِي أنَّ المَعْنى فِيهِ أنَّها قَدِ اسْتَحَقَّتْ شَيْئًا مِنَ المَهْرِ؛ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في المَدْخُولِ بِها؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا وجَبَتِ المُتْعَةُ حِينَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِنَ المَهْرِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُها عِنْدَ اسْتِحْقاقِ المَهْرِ أوْلى؛ قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أنْ تَسْتَحِقَّها إذا وجَبَ نِصْفُ المَهْرِ؛ لِوُجُوبِها عِنْدَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنهُ؛ وأيْضًا فَإنَّما اسْتَحَقَّتْها عِنْدَ فَقْدِ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ لِعِلَّةِ أنَّ البُضْعَ لا يَخْلُو مِن بَدَلٍ؛ قَبْلَ الطَّلاقِ؛ وبَعْدَهُ؛ فَلَمّا لَمْ يَجِبِ المَهْرُ وجَبَتِ المُتْعَةُ؛ ولَمّا اسْتَحَقَّتْ بَدَلًا آخَرَ لَمْ يَجُزْ أنْ تَسْتَحِقَّها؛ فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ وذَلِكَ عامٌّ في سائِرِهِنَّ؛ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ قِيلَ لَهُ: هو كَذَلِكَ؛ إلّا أنَّ المَتاعَ اسْمٌ لِجَمِيعِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): (p-١٤٢)﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ [غافر: ٣٩]؛ وقالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ: ؎إنَّما نِعْمَةُ قَوْمٍ مُتْعَةٌ ∗∗∗ وحَياةُ المَرْءِ ثَوْبٌ مُسْتَعارٌ فالمُتْعَةُ؛ والمَتاعُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى جَمِيعِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ؛ ونَحْنُ مَتى أوْجَبْنا لِلْمُطَلَّقاتِ شَيْئًا مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ مِن مَهْرٍ؛ أوْ نَفَقَةٍ؛ فَقَدْ قَضَيْنا عُهْدَةَ الآيَةِ؛ فَمُتْعَةُ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها نِصْفُ المَهْرِ المُسَمّى؛ والَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها عَلى قَدْرِ حالِ الرَّجُلِ؛ والمَرْأةِ؛ ولِلْمَدْخُولِ بِها تارَةً المُسَمّى؛ وتارَةً المِثْلُ؛ إذا لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى؛ وذَلِكَ كُلُّهُ مُتْعَةٌ؛ ولَيْسَ بِواجِبٍ إذا أوْجَبْنا لَها ضَرْبًا مِنَ المُتْعَةِ أنْ تُوجَبَ لَها سائِرُ ضُرُوبِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ إنَّما يَقْتَضِي أدْنى ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؛ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ يَقْتَضِي إيجابَهُ بِالطَّلاقِ؛ ولا يَقَعُ عَلى ما اسْتَحَقَّتْهُ قَبْلَهُ مِنَ المَهْرِ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ تَقُولَ: "ولِلْمُطَلَّقاتِ المُهُورُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً لَهُنَّ قَبْلَ الطَّلاقِ"؛ فَلَيْسَ في ذِكْرِ وُجُوبِهِ بَعْدَ الطَّلاقِ ما يَنْفِي وُجُوبَهُ قَبْلَهُ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما جازَ ذِكْرُ وُجُوبِهِ في الحالَيْنِ؛ مَعَ ذِكْرِ الطَّلاقِ؛ فَتَكُونُ فائِدَةُ وُجُوبِهِ بَعْدَ الطَّلاقِ إعْلامَنا أنَّ مَعَ الطَّلاقِ يَجِبُ المَتاعُ؛ إذْ كانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الطَّلاقَ يُسْقِطُ ما وجَبَ؛ فَأبانَ عَنْ إيجابِهِ بَعْدَهُ؛ كَهو قَبْلَهُ؛ وأيْضًا إنْ كانَ المُرادُ مَتاعًا وجَبَ بِالطَّلاقِ؛ فَهو عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ؛ إمّا نَفَقَةُ العِدَّةِ لِلْمَدْخُولِ بِها؛ أوِ المُتْعَةُ؛ أوْ نِصْفُ المُسَمّى لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ وذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّلاقِ؛ لِأنَّ النَّفَقَةَ تُسَمّى مَتاعًا؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ فَسَمّى النَّفَقَةَ والسُّكْنى الواجِبَتَيْنِ لَها مَتاعًا؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتْعَةَ غَيْرُ واجِبَةٍ مَعَ المَهْرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَها المُطالَبَةُ بِها قَبْلَ الطَّلاقِ؛ فَلَوْ كانَتِ المُتْعَةُ تَجِبُ مَعَ المَهْرِ بَعْدَ الطَّلاقِ لَوَجَبَتْ قَبْلَ الطَّلاقِ؛ إذْ كانَتْ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ؛ ولَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ الطَّلاقِ؛ فَكانَ يَكُونُ حُكْمُها حُكْمَ المَهْرِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ وُجُوبِ المُتْعَةِ والمَهْرِ. فَإنْ قِيلَ: فَأنْتُمْ تُوجِبُونَها بَعْدَ الطَّلاقِ لِمَن لَمْ يُسَمَّ لَها؛ ولَمْ يُدْخَلْ بِها؛ ولا تُوجِبُونَها قَبْلَهُ؛ ولَمْ يَكُنِ انْتِفاءُ وُجُوبِها قَبْلَ الطَّلاقِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ وُجُوبِها بَعْدَهُ؛ وكَذَلِكَ قُلْنا في المَدْخُولِ بِها؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ المُتْعَةَ بَعْضُ مَهْرِ المِثْلِ؛ إذْ قامَ مَقامَ بَعْضِهِ؛ وقَدْ كانَتِ المُطالَبَةُ لَها واجِبَةً بِالمَهْرِ؛ قَبْلَ الطَّلاقِ؛ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ بِبَعْضِهِ بَعْدَهُ؛ وأنْتَ لَسْتَ تَجْعَلُ المُتْعَةَ بَعْضَ المَهْرِ؛ فَلَمْ يَخْلُ إيجابُها مِن أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ؛ أوْ مِنَ الطَّلاقِ؛ فَإنْ كانَتْ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ مَعَ (p-١٤٣)مَهْرِ المِثْلِ فَواجِبٌ أنْ تَسْتَحِقَّها قَبْلَ الطَّلاقِ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ اسْتَحالَ وُجُوبُها عَنِ الطَّلاقِ في حالِ حُصُولِ البُضْعِ لَها؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ. * * ذِكْرُ تَقْدِيرِ المُتْعَةِ الواجِبَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾؛ وإثْباتُ المِقْدارِ عَلى اعْتِبارِ حالِهِ في الإعْسارِ؛ واليَسارِ؛ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادُ؛ وغالِبُ الظَّنِّ؛ ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ في الأزْمانِ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) شَرَطَ في مِقْدارِها شَيْئَيْنِ؛ أحَدُهُما اعْتِبارُها بِيَسارِ الرَّجُلِ؛ وإعْسارِهِ؛ والثّانِي أنْ يَكُونَ بِالمَعْرُوفِ مَعَ ذَلِكَ؛ فَوَجَبَ اعْتِبارُ المَعْنَيَيْنِ في ذَلِكَ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ؛ وكانَ المَعْرُوفُ مِنهُما مَوْقُوفًا عَلى عاداتِ النّاسِ فِيها؛ والعاداتُ قَدْ تَخْتَلِفُ وتَتَغَيَّرُ؛ وجَبَ بِذَلِكَ مُراعاةُ العاداتِ في الأزْمانِ؛ وذَلِكَ أصْلٌ في جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُؤَدِّيًا إلى اجْتِهادِ رَأْيِنا. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ شَيْخَنا أبا الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ اعْتِبارُ حالِ المَرْأةِ؛ وذَكَرَ ذَلِكَ أيْضًا عَلِيُّ بْنُ مُوسى القُمِّيُّ في كِتابِهِ؛ واحْتَجَّ بِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) عَلَّقَ الحُكْمَ في تَقْدِيرِ المُتْعَةِ بِشَيْئَيْنِ: حالِ الرَّجُلِ بِيَسارِهِ؛ وإعْسارِهِ؛ وأنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ: فَلَوِ اعْتَبَرْنا حالَ الرَّجُلِ وحْدَهُ عارِيًا مِنَ اعْتِبارِ حالِ المَرْأةِ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأتَيْنِ؛ إحْداهُما شَرِيفَةٌ؛ والأُخْرى دَنِيَّةٌ مَوْلاةٌ؛ ثُمَّ طَلَّقَهُما قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ولَمْ يُسَمِّ لَهُما أنْ تَكُونا مُتَساوِيَتَيْنِ في المُتْعَةِ؛ فَتَجِبُ لِهَذِهِ الدَّنِيَّةِ؛ كَما تَجِبُ لِهَذِهِ الشَّرِيفَةِ؛ وهَذا مُنْكَرٌ في عاداتِ النّاسِ وأخْلاقِهِمْ؛ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ قالَ: ويَفْسُدُ مِن وجْهٍ آخَرَ قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ حالَ الرَّجُلِ وحْدَهُ؛ دُونَها؛ وهو أنَّهُ لَوْ كانَ رَجُلًا مُوسِرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ؛ فَتَزَوَّجَ امْرَأةً دَنِيَّةً؛ مَهْرُ مِثْلِها دِينارٌ؛ أنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِها وجَبَ لَها مَهْرُ مِثْلِها؛ إذا لَمْ يُسَمِّ لَها شَيْئًا؛ دِينارٌ واحِدٌ؛ ولَوْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَتْهُ المُتْعَةُ عَلى قَدْرِ حالِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أضْعافَ مَهْرِ مِثْلِها؛ فَتَسْتَحِقُّ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ الطَّلاقِ أكْثَرَ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ وهَذا خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أوْجَبَ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ ما أوْجَبَهُ لَها بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَإذا كانَ القَوْلُ بِاعْتِبارِ حالِ الرَّجُلِ؛ دُونَها؛ يُؤَدِّي إلى مُخالَفَةِ مَعْنى الكِتابِ؛ ودَلالَتِهِ؛ وإلى خِلافِ المَعْرُوفِ في العاداتِ؛ سَقَطَ؛ ووَجَبَ اعْتِبارُ حالِها مَعَهُ؛ ويَفْسُدُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلانِ مُوسِرانِ أُخْتَيْنِ فَدَخَلَ أحَدُهُما بِامْرَأتِهِ؛ كانَ لَها مَهْرُ مِثْلِها؛ ألْفُ دِرْهَمٍ؛ إذْ لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا؛ وطَلَّقَ الآخَرُ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ؛ أنْ تَكُونَ المُتْعَةُ لَها عَلى قَدْرِ (p-١٤٤)حالِ الرَّجُلِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أضْعافَ مَهْرِ أُخْتِها؛ فَيَكُونَ ما تَأْخُذُهُ المَدْخُولُ بِها أقَلَّ مِمّا تَأْخُذُهُ المُطَلَّقَةُ؛ وقِيمَةُ البُضْعَيْنِ واحِدَةٌ؛ وهُما مُتَساوِيَتانِ في المَهْرِ؛ فَيَكُونَ الدُّخُولُ مُدْخِلًا عَلَيْها ضَرَرًا؛ ونُقْصانًا في البَدَنِ؛ وهَذا مُنْكَرٌ؛ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ حالِ المَرْأةِ مَعَهُ. وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ولَمْ يُسَمِّ لَها؛ وكانَتْ مُتْعَتُها أكْثَرَ مِن نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها؛ فَإنَّها لا تُجاوِزُ بِها نِصْفَ مَهْرِ مِثْلِها؛ فَيَكُونَ لَها الأقَلُّ؛ مِن نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها؛ ومِنَ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُسَمّى لَها أكْثَرَ مِن نِصْفِ التَّسْمِيَةِ؛ مَعَ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُعْطِيَها عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ أكْثَرَ مِن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ؛ ولَمّا كانَ المُسَمّى؛ مَعَ ذَلِكَ؛ أكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ - فَلَمْ تَسْتَحِقَّ بَعْدَ الطَّلاقِ أكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ - فَفي مَهْرِ المِثْلِ أوْلى. ولَمْ يُقَدِّرْ أصْحابُنا لَها مِقْدارًا مَعْلُومًا لا يُتَجاوَزُ بِهِ؛ ولا يُقْصَرُ عَنْهُ؛ وقالُوا: هي عَلى قَدْرِ المُعْتادِ؛ المُتَعارَفِ في كُلِّ وقْتٍ؛ وقَدْ ذُكِرَ عَنْهُمْ: ثَلاثَةُ أثْوابٍ: دِرْعٌ؛ وخِمارٌ؛ وإزارٌ؛ والإزارُ هو الَّذِي تَسْتَتِرُ بِهِ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ الخُرُوجِ. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ في مِقْدارِها أقاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ؛ عَلى حَسَبِ ما غَلَبَ في رَأْيِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ فَرَوى إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "أعْلى المُتْعَةِ الخادِمُ؛ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ؛ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ"؛ ورَوى إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ؛ عَنْ أبِي مُجَلَّزٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أخْبِرْنِي عَلى قَدْرِي؛ فَإنِّي مُوسِرٌ؛ أكْسُو كَذا.. أكْسُو كَذا.. فَحَسَبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ قِيمَةَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا؛ ورَوى عَمْرٌو؛ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَيْسَ في المُتْعَةِ شَيْءٌ يُوَقَّتُ عَلى قَدْرِ المَيْسَرَةِ؛ وكانَ حَمّادٌ يَقُولُ: يُمَتِّعُها بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها؛ وقالَ عَطاءٌ: أوْسَعُ المُتْعَةِ دِرْعٌ؛ وخِمارٌ؛ ومِلْحَفَةٌ؛ وقالَ الشَّعْبِيُّ: كِسْوَتُها في بَيْتِها دِرْعٌ؛ وخِمارٌ؛ ومِلْحَفَةٌ؛ وجِلْبابٌ؛ ورَوى يُونُسُ؛ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ مِنهم مَن يُمَتِّعُ بِالخادِمِ؛ والنَّفَقَةِ؛ ومِنهم مَن يُمَتِّعُ بِالكِسْوَةِ؛ والنَّفَقَةِ؛ ومَن كانَ دُونَ ذَلِكَ فَثَلاثَةُ أثْوابٍ: دِرْعٌ؛ وخِمارٌ؛ ومِلْحَفَةٌ؛ ومَن كانَ دُونَ ذَلِكَ مَتَّعَ بِثَوْبٍ واحِدٍ؛ ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: أفْضَلُ المُتْعَةِ خِمارٌ؛ وأوْضَعُها ثَوْبٌ؛ ورَوى الحَجّاجُ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ عَنْها؛ فَقالَ: لَها المُتْعَةُ عَلى قَدْرِ مالِهِ؛ وهَذِهِ المَقادِيرُ كُلُّها صَدَرَتْ عَنِ اجْتِهادِ آرائِهِمْ؛ ولَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ما صارَ إلَيْهِ مِن مُخالَفَتِهِ فِيهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّها عِنْدَهم مَوْضُوعَةٌ عَلى ما يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ؛ وهي بِمَنزِلَةِ تَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ؛ وأُرُوشِ الجِناياتِ؛ الَّتِي لَيْسَ لَها مَقادِيرُ مَعْلُومَةٌ في النُّصُوصِ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ (p-١٤٥)ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ قِيلَ: إنَّ أصْلَ الفَرْضِ: اَلْحَزُّ في القِداحِ؛ عَلامَةً لَها تُمَيِّزُ بَيْنَها؛ والفُرْضَةُ: اَلْعَلامَةُ في قَسْمِ الماءِ؛ عَلى خَشَبٍ؛ أوْ جَصٍّ؛ أوْ حِجارَةٍ؛ يَعْرِفُ بِها كُلُّ ذِي حَقٍّ نَصِيبَهُ مِنَ الشُّرْبِ؛ وقَدْ سُمِّيَ الشَّطُّ الَّذِي تَرْفَأُ فِيهِ السُّفُنُ "فُرْضَةً"؛ لِحُصُولِ الأثَرِ فِيهِ بِالنُّزُولِ إلى السُّفُنِ؛ والصُّعُودِ مِنها؛ ثُمَّ صارَ اسْمُ الفَرْضِ في الشَّرْعِ واقِعًا عَلى المِقْدارِ؛ وعَلى ما كانَ في أعْلى مَراتِبِ الإيجابِ مِنَ الواجِباتِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]؛ مَعْناهُ: أنْزَلَ؛ وأوْجَبَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ؛ وتَبْلِيغَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى) - عِنْدَ ذِكْرِ المَوارِيثِ -: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]؛ يَنْتَظِمُ الأمْرَيْنِ؛ مِن مَعْنى الإيجابِ لِمَقادِيرِ الأنْصِباءِ الَّتِي بَيَّنَها لِذَوِي المِيراثِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ اَلْمُرادُ بِالفَرْضِ هَهُنا تَقْدِيرُ المَهْرِ؛ وتَسْمِيَتُهُ في العَقْدِ؛ ومِنهُ: فَرائِضُ الإبِلِ؛ وهي المَقادِيرُ الواجِبَةُ فِيها عَلى اعْتِبارِ أعْدادِها؛ وأسْنانِها؛ فَسَمّى التَّقْدِيرَ فَرْضًا؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِالحَزِّ الواقِعِ في القِداحِ؛ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهِ مِن غَيْرِها؛ وكَذَلِكَ سَبِيلُ ما كانَ مُقَدَّرًا مِنَ الأشْياءِ؛ فَقَدْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ تَسْمِيَةُ المِقْدارِ في العَقْدِ؛ أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ المُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَن فُرِضَ لَها؛ وطُلِّقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَلَمّا كانَ الأوَّلُ عَلى نَفْيِ التَّسْمِيَةِ؛ كانَ الثّانِي عَلى إثْباتِها؛ فَأوْجَبَ اللَّهُ (تَعالى) لَها نِصْفَ المَفْرُوضِ؛ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَن سُمِّيَ لَها بَعْدَ العَقْدِ ثُمَّ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: "لَها مَهْرُ مِثْلِها"؛ وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ وكانَ أبُو يُوسُفَ يَقُولُ: "لَها نِصْفُ الفَرْضِ"؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْلِهِما؛ وقالَ مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: "لَها نِصْفُ الفَرْضِ"؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَها مَهْرَ مِثْلِها أنَّ مُوجَبَ هَذا العَقْدِ مَهْرُ المِثْلِ؛ وقَدِ اقْتَضى وُجُوبُ مَهْرِ المِثْلِ بِالعَقْدِ وُجُوبَ المُتْعَةِ بِالطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَمّا تَراضَيا عَلى تَسْمِيَةٍ لَمْ يَنْتَفِ مُوجَبُ العَقْدِ مِنَ المُتْعَةِ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذا الفَرْضَ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى في العَقْدِ كَما لَمْ يَكُنْ مَهْرُ المِثْلِ مُسَمًّى فِيهِ؛ وإنْ كانَ واجِبًا بِهِ؛ فَلَمّا كانَ وُرُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُسْقِطًا لِمَهْرِ المِثْلِ بَعْدَ وُجُوبِهِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى في العَقْدِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ المَفْرُوضِ بَعْدَهُ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: مَهْرُ المِثْلِ لَمْ يُوجِبْهُ العَقْدُ؛ وإنَّما وجَبَ بِالدُّخُولِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ اسْتِباحَةُ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ شَرَطَ في العَقْدِ أنَّهُ لا مَهْرَ لَها لَوَجَبَ لَها المَهْرُ؛ فَلَمّا كانَ المَهْرُ بَدَلًا مِنَ اسْتِباحَةِ البُضْعِ؛ ولَمْ يَجُزْ نَفْيُهُ بِالشَّرْطِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ؛ (p-١٤٦)مِن حَيْثُ اسْتَباحَ البُضْعَ؛ أنْ يَلْزَمَهُ المَهْرُ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ الدُّخُولَ؛ بَعْدَ صِحَّةِ العَقْدِ؛ إنَّما هو تَصَرُّفٌ فِيما قَدْ مَلَكَهُ؛ وتَصَرُّفُ الإنْسانِ في مِلْكِهِ لا يُلْزِمُهُ بَدَلًا؛ ألا تَرى أنَّ تَصَرُّفَ المُشْتَرِي في السِّلْعَةِ لا يُوجِبُ عَلَيْهِ بَدَلًا بِالتَّصَرُّفِ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِحْقاقِها لِمَهْرِ المِثْلِ بِالعَقْدِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ لَها أنْ تَمْنَعَ نَفْسَها بِمَهْرِ المِثْلِ؛ ولَوْ لَمْ تَكُنْ قَدِ اسْتَحَقَّتْهُ بِالعَقْدِ فَكَيْفَ كانَ يَجُوزُ لَها أنْ تَمْنَعَ نَفْسَها بِما لَمْ يَجِبْ بَعْدُ؟ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ لَها المُطالَبَةَ بِهِ؛ ولَوْ خاصَمَتْهُ إلى القاضِي لَقَضى بِهِ لَها؛ والقاضِي لا يَبْتَدِئُ إيجابَ مَهْرٍ لَمْ تَسْتَحِقَّهُ كَما يَبْتَدِئُ إيجابَ سائِرِ الدُّيُونِ؛ إذا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةً؛ وذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَها مَهْرٌ قَدِ اسْتَحَقَّتْ مَهْرَ المِثْلِ بِالعَقْدِ؛ ومَلَكَتْهُ عَلى الزَّوْجِ؛ حَسَبَ مِلْكِها لِلْمُسَمّى؛ لَوْ كانَتْ في العَقْدِ تَسْمِيَةٌ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ مَهْرُ المِثْلِ واجِبًا بِالعَقْدِ لَما سَقَطَ كُلُّهُ بِالطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ كَما لا يَسْقُطُ جَمِيعُ المُسَمّى؛ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَسْقُطْ كُلُّهُ؛ لِأنَّ المُتْعَةَ بَعْضُهُ؛ عَلى ما قَدَّمْنا؛ وهي بِإزاءِ نِصْفِ المُسَمّى لِمَن طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وزَعَمَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ المَهْرَ لا يَجِبُ بِالعَقْدِ؛ وإنِ اسْتَباحَ الزَّوْجُ البُضْعَ؛ قالَ: "لِأنَّ الزَّوْجَ بِإزاءِ الزَّوْجَةِ كالثَّمَنِ بِإزاءِ المَبِيعِ"؛ فَإنْ كانَ كَما قالَ فَواجِبٌ ألّا يَلْزَمَهُ المَهْرُ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّ الوَطْءَ كانَ مُسْتَحَقًّا لَها عَلى الزَّوْجِ؛ كَما اسْتَحَقَّ هو التَّسْلِيمَ عَلَيْها؛ إذْ ما اسْتَباحَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِإزاءِ ما اسْتَباحَهُ الآخَرُ؛ فَمِن أيْنَ صارَ الزَّوْجُ مَخْصُوصًا بِإيجابِ المَهْرِ إذا دَخَلَ بِها؟ ويَنْبَغِي ألّا يَكُونَ لَها أنْ تَحْبِسَ نَفْسَها بِالمَهْرِ إذا لَمْ تَسْتَحِقَّ ذَلِكَ بِالعَقْدِ؛ وواجِبٌ أيْضًا ألّا تَصِحَّ تَسْمِيَةُ المَهْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن جِهَتِهِ بِما عَقَدَ عَلَيْهِ؛ كَما صَحَّ مِن جِهَتِها؛ فَلا يَلْزَمُهُ المَهْرُ؛ كَما لا يَلْزَمُها لَهُ شَيْءٌ؛ وواجِبٌ عَلى هَذا ألّا يُقَوَّمَ البُضْعُ عَلَيْها بِالدُّخُولِ؛ وبِالوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ؛ وألّا يَصِحَّ أخْذُ البَدَلِ مِنها لِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ بُضْعِها؛ وهَذا كُلُّهُ - مَعَ ما عَقَلَتِ الأُمَّةُ مِن أنَّ الزَّوْجَ يَجِبُ عَلَيْهِ المَهْرُ بَدَلًا مِنَ اسْتِباحَةِ البُضْعِ - يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ قَوْلِ هَذا القائِلِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ؛ حِينَ قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي خَطَبَ إلَيْهِ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ: "قَدْ مَلَكْتَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"؛» يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ في مَعْنى المالِكِ لِبُضْعِها؛ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ الفَرْضَ الواقِعَ بَعْدَ العَقْدِ يُسْقِطُهُ الطَّلاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ أنَّ الفَرْضَ إنَّما أُقِيمَ مَقامَ مَهْرِ المِثْلِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إيجابُهُ مَعَ مَهْرِ المِثْلِ؛ ولَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يُسْقِطَهُ الطَّلاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ كَما يَسْقُطُ مَهْرُ المِثْلِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الفَرْضَ إنَّما أُلْحِقَ بِالعَقْدِ؛ ولَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ؛ فَمِن حَيْثُ بَطَلَ العَقْدُ بَطَلَ (p-١٤٧)ما أُلْحِقَ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: فالمُسَمّى في العَقْدِ ثُبُوتُهُ كانَ بِالعَقْدِ؛ ولا يَبْطُلُ بِبُطْلانِهِ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ كانَ أبُو الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: "إنَّ المُسَمّى قَدْ بَطَلَ؛ وإنَّما يَجِبُ نِصْفُ المَهْرِ حَسَبَ وُجُوبِ المُتْعَةِ "؛ وكَذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: "هَذا مُتْعَتُها"؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ المَهْرَ قَدْ يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ فَإذا سَمّى دِرْهَمَيْنِ في العَقْدِ وجَبَ بِقَضِيَّةِ الآيَةِ ألّا تَسْتَحِقَّ بَعْدَ الطَّلاقِ أكْثَرَ مِن دِرْهَمٍ؛ وهَذا لا يَدُلُّ عِنْدَنا عَلى ما قالُوا؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَسْمِيَةَ الدِّرْهَمَيْنِ عِنْدَنا تَسْمِيَةُ العَشَرَةِ؛ لِأنَّ العَشَرَةَ لا تَتَبَعَّضُ في العَقْدِ؛ والتَّسْمِيَةُ لِبَعْضِها تَسْمِيَةٌ لِجَمِيعِها؛ كَما أنَّ الطَّلاقَ لَمّا لَمْ يَتَبَعَّضْ؛ كانَ إيقاعُهُ لِنِصْفِ تَطْلِيقَةٍ إيقاعًا لِجَمِيعِها؛ والَّذِي قَدْ فَرَضَ أقَلَّ مِن عَشَرَةٍ قَدْ فَرَضَ العَشَرَةَ عِنْدَنا؛ فَيَجِبُ نِصْفُها بَعْدَ الطَّلاقِ؛ وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الآيَةُ وُجُوبُ نِصْفِ المَفْرُوضِ؛ ونَحْنُ نُوجِبُ نِصْفَ المَفْرُوضِ ثُمَّ نُوجِبُ الزِّيادَةَ إلى تَمامِ خَمْسَةِ دَراهِمَ بِدَلالَةٍ أُخْرى؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:237

ذِكْرُ اخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ في الطَّلاقِ بَعْدَ الخَلْوَةِ قالَ أبُو بَكْرٍ: تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾؛ واخْتَلَفُوا في المَسِيسِ المُرادِ بِالآيَةِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: "إذا أغْلَقَ بابًا؛ وأرْخى سِتْرًا؛ ثُمَّ طَلَّقَها؛ فَلَها جَمِيعُ المَهْرِ"؛ ورَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ؛ عَنْ طاوُسٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "لَها الصَّداقُ كامِلًا"؛ وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ؛ وإبْراهِيمَ؛ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ؛ ورَوى فِراسٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: "لَها نِصْفُ الصَّداقِ؛ وإنْ قَعَدَ بَيْنَ رِجْلَيْها"؛ والشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُرْسَلٌ؛ ورُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ ورَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ؛ عَنْ عُمَرَ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "إذا فَرَضَ الرَّجُلُ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ فَلَيْسَ لَها إلّا المَتاعُ"؛ فَمِنَ النّاسِ مَن ظَنَّ أنَّ قَوْلَهُ في هَذا كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "فَرَضَ"؛ يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا؛ وقَوْلَهُ: "قَبْلَ أنْ يَمَسَّ"؛ يُرِيدُ: قَبْلَ الخَلْوَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَأوَّلَهُ عَلى الخَلْوَةِ في حَدِيثِ طاوُسٍ عَنْهُ؛ فَأوْجَبَ لَها المُتْعَةَ قَبْلَ الخَلْوَةِ. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "اَلْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ تَمْنَعُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ وطِئَ أوْ لَمْ يَطَأْ؛ وهي ألّا يَكُونَ أحَدُهُما مُحْرِمًا؛ أوْ مَرِيضًا؛ أوْ لَمْ تَكُنْ حائِضًا؛ أوْ صائِمَةً في رَمَضانَ؛ أوْ رَتْقاءَ؛ فَإنَّهُ إنْ كانَ (p-١٤٨)كَذَلِكَ؛ ثُمَّ طَلَّقَها؛ وجَبَ لَها نِصْفُ المَهْرِ؛ إذا لَمْ يَطَأْها؛ والعِدَّةُ واجِبَةٌ في هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها؛ إنْ طَلَّقَها فَعَلَيْها العِدَّةُ"؛ وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: "لَها المَهْرُ كامِلًا؛ إذا خَلا بِها ولَمْ يَدْخُلْ بِها؛ إذا جاءَ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ؛ وإنْ كانَتْ رَتْقاءَ فَلَها نِصْفُ المَهْرِ"؛ وقالَ مالِكٌ: "إذا خَلا بِها؛ وقَبَّلَها؛ وكَشَفَها؛ إنْ كانَ ذَلِكَ قَرِيبًا؛ فَلا أرى لَها إلّا نِصْفَ المَهْرِ؛ وإنْ تَطاوَلَ ذَلِكَ فَلَها المَهْرُ؛ إلّا أنْ تَضَعَ لَهُ ما شاءَتْ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً فَدَخَلَ بِها عِنْدَ أهْلِها؛ قَبَّلَها؛ ولَمَسَها؛ ثُمَّ طَلَّقَها ولَمْ يُجامِعْها؛ أوْ أرْخى عَلَيْها سِتْرًا؛ أوْ أغْلَقَ بابًا؛ فَقَدْ تَمَّ الصَّداقُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "إذا خَلا بِها فَلَها نِصْفُ المَهْرِ؛ إذْ لَمْ يَدْخُلْ بِها؛ وإنِ ادَّعَتِ الدُّخُولَ بَعْدَ الخَلْوَةِ فالقَوْلُ قَوْلُها بَعْدَ الخَلْوَةِ"؛ وقالَ اللَّيْثُ: "إذا أرْخى عَلَيْها سِتْرًا فَقَدْ وجَبَ الصَّداقُ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا خَلا بِها ولَمْ يُجامِعْها حَتّى طَلَّقَ؛ فَلَها نِصْفُ المَهْرِ؛ ولا عِدَّةَ عَلَيْها". قالَ أبُو بَكْرٍ: مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الكِتابِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛ فَأوْجَبَ إيفاءَ الجَمِيعِ؛ فَلا يَجُوزُ إسْقاطُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا بِدَلِيلٍ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]؛ فَفِيهِ وجْهانِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]؛ والثّانِي: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]؛ وقالَ الفَرّاءُ: "اَلْإفْضاءُ: اَلْخَلْوَةُ؛ دَخَلَ بِها؛ أوْ لَمْ يَدْخُلْ"؛ وهو حُجَّةٌ في اللُّغَةِ؛ وقَدْ أخْبَرَ أنَّ الإفْضاءَ اسْمٌ لِلْخَلْوَةِ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ الخَلْوَةِ؛ وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لا يَكُونُ مَمْنُوعًا فِيها مِنَ الِاسْتِمْتاعِ؛ لِأنَّ الإفْضاءَ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَضاءِ مِنَ الأرْضِ؛ وهو المَوْضِعُ الَّذِي لا بِناءَ فِيهِ؛ ولا حاجِزَ يَمْنَعُ مِن إدْراكِ ما فِيهِ؛ فَأفادَ بِذَلِكَ اسْتِحْقاقَ المَهْرِ بِالخَلْوَةِ عَلى وصْفٍ؛ وهي الَّتِي لا حائِلَ فِيها بَيْنَهُما؛ ولا مانِعَ مِنَ التَّسْلِيمِ؛ والِاسْتِمْتاعِ؛ إذْ كانَ لَفْظُ الإفْضاءِ يَقْتَضِيهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]؛ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ؛ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الإيتاءِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ قالَ: أخْبَرَنا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأسْوَدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"مَن كَشَفَ خِمارَ امْرَأةٍ؛ ونَظَرَ إلَيْها؛ وجَبَ الصَّداقُ؛ دَخَلَ بِها؛ أوْ لَمْ (p-١٤٩)يَدْخُلْ"؛» وهو عِنْدَنا اتِّفاقُ الصَّدْرِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ حَدِيثَ فِراسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ لا يُثْبِتُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مِن طَرِيقِ فِراسٍ؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَوْفٌ؛ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: "قَضى الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ أنَّهُ مَن أغْلَقَ بابًا؛ وأرْخى سِتْرًا؛ فَقَدْ وجَبَ المَهْرُ؛ ووَجَبَتِ العِدَّةُ"؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَضاءُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"عَلَيْكم بِسُنَّتِي؛ وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي؛ وعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ"». ومِن طَرِيقِ النَّظَرِ أنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مِن جِهَتِها لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الوَطْءَ؛ أوِ التَّسْلِيمَ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى جَوازِ نِكاحِ المَجْبُوبِ؛ مَعَ عَدَمِ الوَطْءِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ صِحَّةَ العَقْدِ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالوَطْءِ؛ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ ألّا يَصِحَّ العَقْدُ عِنْدَ عَدَمِ الوَطْءِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَتْ صِحَّتُهُ بِصِحَّةِ التَّسْلِيمِ كانَ مَن لا يَصِحُّ مِنها التَّسْلِيمُ مِن ذَواتِ المَحارِمِ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْها العَقْدُ؟ وإذا كانَتْ صِحَّةُ العَقْدِ مُتَعَلِّقَةً بِصِحَّةِ التَّسْلِيمِ مِن جِهَتِها؛ فَواجِبٌ أنْ تَسْتَحِقَّ كَمالَ المَهْرِ بَعْدَ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ بِحُصُولِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ صِحَّةُ العَقْدِ لَهُ؛ وأيْضًا فَإنَّ المُسْتَحَقَّ مِن قِبَلِها هو التَّسْلِيمُ؛ ووُقُوعُ الوَطْءِ إنَّما هو مِن قِبَلِ الزَّوْجِ؛ فَعَجْزُهُ وامْتِناعُهُ لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ اسْتِحْقاقِ المَهْرِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المَخْلُوِّ بِها: "لَها المَهْرُ كامِلًا؛ ما ذَنْبُهُنَّ إنْ جاءَ العَجْزُ مِن قِبَلِكُمْ؟"؛ وأيْضًا لَوِ اسْتَأْجَرَ دارًا؛ وخُلِّيَ بَيْنَها وبَيْنَهُ؛ اسْتُحِقَّ الأجْرُ؛ لِوُجُودِ التَّسْلِيمِ؛ كَذَلِكَ الخَلْوَةُ في النِّكاحِ؛ وإنَّما قالُوا: إنَّها إذا كانَتْ مُحْرِمَةً؛ أوْ حائِضًا؛ أوْ مَرِيضَةً؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا تَسْتَحِقُّ بِهِ كَمالَ المَهْرِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ هُناكَ تَسْلِيمًا آخَرَ صَحِيحًا تَسْتَحِقُّ بِهِ كَمالَ المَهْرِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ تَسْلِيمًا صَحِيحًا؛ ولَمّا لَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ المُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ النِّكاحِ؛ لَمْ تَسْتَحِقَّ كَمالَ المَهْرِ؛ واحْتَجَّ مَن أبى ذَلِكَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾؛ وقالَ (تَعالى) في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ فَعَلَّقَ اسْتِحْقاقَ كَمالِ المَهْرِ؛ ووُجُوبَ العِدَّةِ بِوُجُودِ المَسِيسِ؛ وهو الوَطْءُ؛ إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ وُجُودَ المَسِّ بِاليَدِ؛ والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ قَدِ اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ فِيهِ عَلى ما وصَفْنا؛ فَتَأوَّلَهُ عَلِيٌّ؛ وعُمَرُ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ وزَيْدٌ؛ وابْنُ عُمَرَ؛ عَلى الخَلْوَةِ؛ فَلَيْسَ يَخْلُو هَؤُلاءِ مِن أنْ يَكُونُوا تَأوَّلُوها مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ؛ أوْ مِن جِهَةِ أنَّهُ اسْمٌ لَهُ في الشَّرْعِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ تَأْوِيلُ اللَّفْظِ عَلى ما لَيْسَ بِاسْمٍ لَهُ في الشَّرْعِ؛ ولا في اللُّغَةِ؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمُ (p-١٥٠)اسْمًا لَهُ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ فَهم حُجَّةٌ فِيها؛ لِأنَّهم أعْلَمُ بِاللُّغَةِ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمْ؛ وإنْ كانَ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ فَأسْماءُ الشَّرْعِ لا تُؤْخَذُ إلّا تَوْقِيفًا؛ وإذا صارَ ذَلِكَ اسْمًا لَها صارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: "وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ الخَلْوَةِ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ"؛ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ المَسِّ بِاليَدِ؛ وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى الجِماعِ؛ وبَعْضُهم عَلى الخَلْوَةِ؛ ومَتى كانَ اسْمًا لِلْجِماعِ؛ كانَ كِنايَةً عَنْهُ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ؛ وإذا أُرِيدَ بِهِ الخَلْوَةُ سَقَطَ اعْتِبارُ ظاهِرِ اللَّفْظِ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ مَعْناهُ؛ وهو المَسُّ بِاليَدِ؛ ووَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلى الحُكْمِ مِن غَيْرِهِ؛ وما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلالَةِ يَقْتَضِي أنَّ مُرادَ الآيَةِ هو الخَلْوَةُ؛ دُونَ الجِماعِ؛ فَأقَلُّ أحْوالِهِ ألّا يُخَصَّ بِهِ ما ذَكَرْنا مِن ظَواهِرِ الآيِ؛ والسُّنَّةِ. وأيْضًا لَوِ اعْتَبَرْنا حَقِيقَةَ اللَّفْظِ اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَوْ خَلا بِها؛ ومَسَّها بِيَدِهِ؛ أنْ تَسْتَحِقَّ كَمالَ المَهْرِ؛ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ المَسِّ؛ وإذا لَمْ يَخْلُ بِها؛ ومَسَّها بِيَدِهِ؛ خَصَّصْناهُ بِالإجْماعِ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ الجِماعَ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ ما هو مِثْلُهُ؛ وفي حُكْمِهِ؛ مِن صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ وما قامَ مَقامَهُ مِنَ الفُرْقَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ في إباحَتِها لِلزَّوْجِ الأوَّلِ؛ وقَدْ حُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ في المَجْبُوبِ؛ إذا جامَعَ امْرَأتَهُ؛ أنَّ عَلَيْهِ كَمالَ المَهْرِ إنْ طَلَّقَ مِن غَيْرِ وطْءٍ؛ فَعَلِمْنا أنَّ الحُكْمَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِوُجُودِ الوَطْءِ؛ وإنَّما هو مُتَعَلِّقٌ بِصِحَّةِ التَّسْلِيمِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ التَّسْلِيمُ قائِمًا مَقامَ الوَطْءِ لَوَجَبَ أنْ يُحِلَّها لِلزَّوْجِ الأوَّلِ؛ كَما يُحِلُّها الوَطْءُ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ التَّسْلِيمَ إنَّما هو عِلَّةٌ لِاسْتِحْقاقِ كَمالِ المَهْرِ؛ ولَيْسَ بِعِلَّةٍ لِإحْلالِها لِلزَّوْجِ الأوَّلِ؛ ألا تَرى أنَّ الزَّوْجَ لَوْ ماتَ عَنْها قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتَحَقَّتْ كَمالَ المَهْرِ؛ وكانَ المَوْتُ بِمَنزِلَةِ الدُّخُولِ؛ ولا يُحِلُّها ذَلِكَ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ؟ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾؛ اَلْمُرادُ بِهِ الزَّوْجاتُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الأزْواجَ لَقالَ: "إلّا أنْ يَعْفُوا"؛ ولا خِلافَ في ذَلِكَ؛ وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وجَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ ويَكُونُ عَفْوُها أنْ تَتْرُكَ بَقِيَّةَ الصَّداقِ؛ وهو النِّصْفُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) لَها بَعْدَ الطَّلاقِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾؛ فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ الصَّداقُ عَرَضًا بِعَيْنِهِ؛ وعَقارًا لا يَصِحُّ فِيهِ العَفْوُ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مَعْنى العَفْوِ في هَذا المَوْضِعِ أنْ تَقُولَ: قَدْ عَفَوْتُ؛ وإنَّما العَفْوُ هو التَّسْهِيلُ؛ أوِ التَّرْكُ؛ والمَعْنى فِيهِ أنْ تَتْرُكَهُ لَهُ عَلى الوَجْهِ الجائِزِ في عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ؛ فَكانَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنْ تُمَلِّكَهُ إيّاهُ؛ وتَتْرُكَهُ لَهُ تَمْلِيكًا بِغَيْرِ عِوَضٍ تَأْخُذُهُ مِنهُ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: في هَذا دَلالَةٌ عَلى جَوازِ (p-١٥١)هِبَةِ المُشاعِ فِيما يُقَسَّمُ؛ لِإباحَةِ اللَّهِ (تَعالى) لَها تَمْلِيكَ نِصْفِ الفَرِيضَةِ إيّاهُ؛ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ما كانَ مِنها؛ عَيْنًا؛ أوْ دَيْنًا؛ ولا بَيْنَ ما يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ؛ أوْ لا يَحْتَمِلُها؛ فَوَجَبَ بِقَضِيَّةِ الآيَةِ جَوازُ هِبَةِ المُشاعِ؛ فَيُقالُ لَهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَنْتَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى في العَفْوِ أنْ تَقُولَ: قَدْ عَفَوْتُ؛ إذْ لا خِلافَ عَلى أنَّ رَجُلًا لَوْ قالَ لِرَجُلٍ: قَدْ عَفَوْتُ لَكَ عَنْ دارِي هَذِهِ؛ أوْ: قَدْ أبْرَأْتُكَ مِن دارِي هَذِهِ؛ أنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ تَمْلِيكًا؛ ولا يَصِحُّ بِهِ عَقْدُ هِبَةٍ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ؛ وما نُصَّ عَلَيْهِ في الآيَةِ مِنَ العَفْوِ غَيْرَ مُوجِبٍ لِجَوازِ عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ بِهِ؛ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِهِ تَمْلِيكُها عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَجُوزُ عَلَيْهِ عُقُودُ الهِباتِ؛ والتَّمْلِيكاتِ؛ إذْ كانَ اللَّفْظُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ التَّمْلِيكُ غَيْرَ مَذْكُورٍ؛ فَصارَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلى الدَّلالَةِ؛ فَما جازَ في الأُصُولِ؛ جازَ في ذَلِكَ؛ وما لَمْ يَجُزْ في الأُصُولِ؛ مِن عُقُودِ الهِباتِ؛ لَمْ يَجُزْ في هَذا؛ ومَعَ هَذا.. فَإنْ كانَ هَذا السّائِلُ عَنْ ذَلِكَ مِن أصْحابِالشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يُجِيزَ الهِبَةَ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ – سُبْحانَهُ - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَهْرِ المَقْبُوضِ؛ وغَيْرِ المَقْبُوضِ؛ فَإذا عَفَتْ؛ وقَدْ قَبَضَتْ؛ فَواجِبٌ أنْ يَجُوزَ مِن غَيْرِ تَسْلِيمِهِ إلى الزَّوْجِ؛ وإذا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ وكانَ مَحْمُولًا عَلى شُرُوطِ الهِباتِ كَذَلِكَ في المُشاعِ؛ وإنْ كانَ مِن أصْحابِ مالِكٍ؛ واحْتَجَّ بِهِ في جَوازِها في المُشاعِ؛ وقَبْلَ القَبْضِ؛ كانَ الكَلامُ عَلى ما قَدَّمْناهُ. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ فَإنَّ السَّلَفَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَقالَ عَلِيٌّ؛ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ؛ ونافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ؛ وقَتادَةُ؛ ونافِعٌ: "هُوَ الزَّوْجُ"؛ وكَذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والثَّوْرِيُّ؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ؛ والأوْزاعِيُّ؛ والشّافِعِيُّ؛ قالُوا: "عَفْوُهُ أنْ يُتِمَّ لَها كَمالَ المَهْرِ؛ بَعْدَ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ"؛ قالُوا: "وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾؛ اَلْبِكْرُ؛ والثَّيِّبُ"؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ذَلِكَ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما ما رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنْ عَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "هُوَ الزَّوْجُ"؛ ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ؛ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "رَضِيَ اللَّهُ بِالعَفْوِ؛ وأمَرَ بِهِ؛ وإنْ عَفَتْ فَكَما عَفَتْ؛ وإنْ ضَنَّتْ وعَفا ولِيُّها جازَ؛ وإنْ أبَتْ"؛ وقالَ عَلْقَمَةُ؛ والحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ وعَطاءٌ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وأبُو الزِّنادِ: "هُوَ الوَلِيُّ"؛ وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: "إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وهي بِكْرٌ؛ جازَ عَفْوُ أبِيها عَنْ نِصْفِ الصَّداقِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾؛ اَللّاتِي قَدْ دُخِلَ بِهِنَّ"؛ قالَ: "ولا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَعْفُوَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصَّداقِ إلّا الأبُ وحْدَهُ؛ لا وصِيٌّ؛ ولا غَيْرُهُ"؛ وقالَ اللَّيْثُ: لِأبِي البِكْرِ أنْ يَضَعَ مِن صَداقِها عِنْدَ عُقْدَةِ (p-١٥٢)النِّكاحِ؛ ويَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْها؛ وبَعْدَ عُقْدَةِ النِّكاحِ لَيْسَ لَهُ أنْ يَضَعَ شَيْئًا مِن صَداقِها؛ ولا يَجُوزُ أيْضًا عَفْوُهُ عَنْ شَيْءٍ مِن صَداقِها بَعْدَ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ ويَجُوزُ لَهُ مُبارَأةُ زَوْجِها وهي كارِهَةٌ؛ إذا كانَ ذَلِكَ نَظَرًا مِن أبِيها لَها؛ فَكَما لَمْ يَجُزْ لِلْأبِ أنْ يَضَعَ شَيْئًا مِن صَداقِها بَعْدَ النِّكاحِ؛ كَذَلِكَ لا يَعْفُو عَنْ نِصْفِ صَداقِها بَعْدَ ذَلِكَ؛ وذَكَرَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ؛ أنَّ مُبارَأتَهُ عَلَيْها جائِزَةٌ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ مُتَشابِهٌ لِاحْتِمالِهِ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ تَأوَّلَهُما السَّلَفُ عَلَيْهِما؛ فَوَجَبَ رَدُّهُ إلى المُحْكَمِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ وقالَ (تَعالى) في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فَهَذِهِ الآياتُ مُحْكَمَةٌ؛ لا احْتِمالَ فِيها لِغَيْرِ المَعْنى الَّذِي اقْتَضَتْهُ؛ فَوَجَبَ رَدُّ الآيَةِ المُتَشابِهَةِ؛ وهي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ إلَيْها؛ لِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى) النّاسَ بِرَدِّ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ؛ وذَمَّ مُتَّبِعِي المُتَشابِهِ مِن غَيْرِ حَمْلِهِ عَلى مَعْنى المُحْكَمِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ وأيْضًا لَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعانِي وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُوافَقَةِ الأُصُولِ؛ ولا خِلافَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِلْأبِ هِبَةُ شَيْءٍ مِن مالِها لِلزَّوْجِ؛ ولا لِغَيْرِهِ؛ فَكَذَلِكَ المَهْرُ؛ لِأنَّهُ مالُها. وقَوْلُ مَن حَمَلَهُ عَلى الوَلِيِّ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ عَلى غَيْرِهِ في هِبَةِ مالِهِ؛ فَلَمّا كانَ قَوْلُ القائِلِينَ بِذَلِكَ مُخالِفًا لِلْأُصُولِ؛ خارِجًا عَنْها؛ وجَبَ حَمْلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى مُوافَقَتِها؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ أصْلًا بِنَفْسِهِ؛ لِاحْتِمالِهِ لِلْمَعانِي؛ وما لَيْسَ بِأصْلٍ في نَفْسِهِ فالواجِبُ رَدُّهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأُصُولِ؛ واعْتِبارُهُ بِها؛ وأيْضًا لَوْ كانَ المَعْنَيانِ جَمِيعًا في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ؛ ووُجِدَ نَظائِرُهُما في الأُصُولِ؛ لَكانَ في مُقْتَضى اللَّفْظِ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أوْلى بِظاهِرِ اللَّفْظِ مِنَ الوَلِيِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ الوَلِيَّ بِحالٍ؛ لا حَقِيقَةً؛ ولا مَجازًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾؛ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العُقْدَةُ مَوْجُودَةً؛ وهي في يَدِ مَن هي في يَدِهِ؛ فَأمّا عُقْدَةٌ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فَغَيْرُ جائِزٍ إطْلاقُ اللَّفْظِ عَلَيْها بِأنَّها في يَدِ أحَدٍ؛ فَلَمّا لَمْ تَكُنْ هُناكَ عُقْدَةٌ مَوْجُودَةٌ في يَدِ الوَلِيِّ؛ قَبْلَ العَقْدِ؛ ولا بَعْدَهُ؛ وقَدْ كانَتِ العُقْدَةُ في يَدِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلاقِ؛ فَقَدْ تَناوَلَهُ اللَّفْظُ بِحالٍ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَمْلُهُ عَلى الزَّوْجِ أوْلى مِنهُ عَلى الوَلِيِّ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما حَكَمَ (p-١٥٣)اللَّهُ (تَعالى) بِذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ ولَيْسَتْ عُقْدَةُ النِّكاحِ بِيَدِ الزَّوْجِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ أنْ يُرِيدَ الَّذِي كانَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ؛ والوَلِيُّ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ؛ ولا هي في يَدِهِ في الحالِ؛ فَكانَ الزَّوْجُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ مِنَ الوَلِيِّ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ فَنَدَبَهُ إلى الفَضْلِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾؛ ولَيْسَ في هِبَةِ مالِ الغَيْرِ إفْضالٌ مِنهُ عَلى غَيْرِهِ؛ والمَرْأةُ لَمْ يَكُنْ مِنها إفْضالٌ؛ وفي تَجْوِيزِ عَفْوِ الوَلِيِّ إسْقاطُ مَعْنى الفَضْلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ وجَعَلَهُ (تَعالى) بَعْدَ العَفْوِ أقْرَبَ لِلتَّقْوى؛ ولا تَقْوى لَهُ في هِبَةِ مالِ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ الغَيْرُ لَمْ يَقْصِدْ إلى العَفْوِ؛ فَلا يَسْتَحِقُّ بِهِ سِمَةَ التَّقْوى؛ وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ الزَّوْجَ مَندُوبٌ إلى ذَلِكَ؛ وعَفْوُهُ؛ وتَكْمِيلُ المَهْرِ لَها جائِزٌ مِنهُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِها؛ وإذا كانَ الزَّوْجُ مُرادًا انْتَفى أنْ يَكُونَ الوَلِيُّ مُرادًا بِها؛ لِأنَّ السَّلَفَ تَأوَّلُوهُ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ إمّا الزَّوْجِ؛ وإمّا الوَلِيِّ؛ وإذْ قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الزَّوْجَ مُرادٌ؛ وجَبَ أنْ تَمْتَنِعَ إرادَةُ الوَلِيِّ. فَإنْ قالَ قائِلٌ - عَلى ما قَدَّمْنا فِيما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِنَ النَّدْبِ إلى الفَضْلِ؛ وإلى ما يَقْرُبُ مِنَ التَّقْوى -: وإنْ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مَخْصُوصًا بِهِ المالِكُ؛ دُونُ مَن يَهَبُ مالَ الغَيْرِ؛ لَيْسَ يَمْتَنِعُ في الأُصُولِ أنْ تَلْحَقَ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ الوَلِيَّ؛ وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ في مالِ مَن يَلِي عَلَيْهِ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ بِإخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ مِن مالِ الصَّغِيرِ؛ وكَذَلِكَ الأُضْحِيَةُ؛ والخِتانُ؛ قِيلَ: أغْفَلْتَ مَوْضِعَ الحِجاجِ مِمّا قَدَّمْناهُ؛ وذَلِكَ أنّا قُلْنا: هو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلثَّوابِ؛ والفَضْلِ؛ بِالتَّبَرُّعِ بِمالِ الغَيْرِ؛ فَعارَضْتَنا بِمَن وجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ في مالِهِ؛ فَأخْرَجَهُ عَنْهُ ولِيُّهُ؛ وهو الأبُ؛ ونَحْنُ نُجِيزُ لِلْوَصِيِّ؛ ولِغَيْرِ الوَصِيِّ؛ أنْ يُخْرِجَ عَنْهُ هَذِهِ الحُقُوقَ؛ ولا نُجِيزُ عَفْوَهم عَنْهُ؛ فَكَيْفَ تَكُونُ الأُضْحِيَةُ؛ وصَدَقَةُ الفِطْرِ؛ والحُقُوقُ الواجِبَةُ؛ بِمَنزِلَةِ التَّبَرُّعِ؛ وإخْراجِ ما لا يَلْزَمُ مِن مِلْكِها؟ وزَعَمَ بَعْضُ مَنِ احْتَجَّ لِمالِكٍ أنَّهُ لَوْ أرادَ الزَّوْجَ لَقالَ: "إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ"؛ لِما قَدْ تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَيَكُونُ الكَلامُ راجِعًا إلَيْهِما جَمِيعًا؛ فَلَمّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ذِكْرِ مَن لا يُعْرَفُ إلّا بِالصِّفَةِ؛ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الزَّوْجَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا الكَلامُ فارِغٌ؛ لا مَعْنى تَحْتَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَذْكُرُ إيجابَ الأحْكامِ تارَةً بِالنُّصُوصِ؛ وتارَةً بِالدَّلالَةِ عَلى المَعْنى المُرادِ؛ مِن غَيْرِ نَصٍّ عَلَيْهِ؛ وتارَةً بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ المَعانِيَ؛ وهو في بَعْضِها أظْهَرُ؛ وبِهِ أوْلى؛ وتارَةً بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ يَتَناوَلُ مَعانِيَ مُخْتَلِفَةً؛ يُحْتاجُ في الوُصُولِ إلى المُرادِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ؛ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ في القُرْآنِ؛ وقَوْلُهُ: لَوْ أرادَ الزَّوْجَ (p-١٥٤)لَقالَ: "أوْ يَعْفُوَ"؛ حَتّى يَرْجِعَ الكَلامُ إلى الزَّوْجِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ ولَمّا عَدَلَ عَنْهُ إلى لَفْظٍ مُحْتَمِلٍ؛ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ؛ لا مَعْنى لَهُ؛ ويُقالُ لَهُ: لَوْ أرادَ الوَلِيَّ لَقالَ: "اَلْوَلِيُّ"؛ ولَمْ يُورِدْ لَفْظًا يَشْتَرِكُ فِيهِ الوَلِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ هَذا القائِلُ: إنَّ العافِيَ هو التّارِكُ لِحَقِّهِ؛ وهي إذا تَرَكَتِ النِّصْفَ الواجِبَ لَها فَهي عافِيَةٌ؛ وكَذَلِكَ الوَلِيُّ؛ فَإنَّ الزَّوْجَ إذا أعْطاها شَيْئًا غَيْرَ واجِبٍ لَها لا يُقالُ لَهُ: "عافٍ"؛ وإنَّما هو "واهِبٌ"؛ وهَذا أيْضًا كَلامٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَأوَّلُوهُ عَلى الزَّوْجِ قالُوا: إنَّ عَفْوَهُ هو إتْمامُ الصَّداقِ لَها؛ وهُمُ الصَّحابَةُ؛ والتّابِعُونَ؛ وهم أعْلَمُ بِمَعانِي اللُّغَةِ؛ وما تَحْتَمِلُهُ؛ مِن هَذا القائِلِ؛ وأيْضًا فَإنَّ العَفْوَ في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَ هو قَوْلَهُ: "قَدْ عَفَوْتُ"؛ وإنَّما المَعْنى فِيهِ تَكْمِيلُ المَهْرِ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ؛ أوْ تَمْلِيكُ المَرْأةِ النِّصْفَ الباقِيَ بَعْدَ الطَّلاقِ إيّاهُ؛ ألا تَرى أنَّ المَهْرَ لَوْ كانَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ؛ لَكانَ حُكْمُ الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ؛ والنَّدْبُ المَذْكُورُ فِيها قائِمًا فِيهِ؛ ويَكُونُ عَفْوُ المَرْأةِ أنْ تُمَلِّكَهُ النِّصْفَ الباقِيَ لَها بَعْدَ الطَّلاقِ؛ لا بِأنْ تَقُولَ: "قَدْ عَفَوْتُ"؛ ولَكِنْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ عُقُودُ التَّمْلِيكاتِ؟ فَكَذَلِكَ العَفْوُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ؛ لَيْسَ هو أنْ يَقُولَ: "قَدْ عَفَوْتُ"؛ لَكِنْ بِتَمْلِيكٍ مُبْتَدَإٍ؛ عَلى حَسَبِ ما تَجُوزُ التَّمْلِيكاتُ؛ وكَذَلِكَ لَوْ كانَتِ المَرْأةُ قَدْ قَبَضَتِ المَهْرَ؛ واسْتَهْلَكَتْهُ؛ كانَ عَفْوُ الزَّوْجِ في هَذِهِ الحالَةِ إبْراءَها مِنَ الواجِبِ عَلَيْها؛ ولَوْ كانَ المَهْرُ دَيْنًا في ذِمَّةِ الزَّوْجِ؛ كانَ عَفْوُها إبْراءَهُ مِنَ الباقِي؛ فَكُلُّ عَفْوٍ أُضِيفَ إلى المَرْأةِ فَمِثْلُهُ يُضافُ إلى الزَّوْجِ. ويُقالُ: فَما تَقُولُ في عَفْوِ الوَلِيِّ؟ عَلى أيِّ صِفَةٍ هُوَ؟ فَإنّا نَجْعَلُ عَفْوَ الزَّوْجِ عَلى مِثْلِها؛ فالِاشْتِغالُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ في لَفْظِ العَفْوِ؛ والعُدُولِ عَنْهُ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُنْتَقَضٌ عَلى قائِلِهِ؛ إلّا أنِّي ذَكَرْتُهُ إبانَةً عَنِ اخْتِلالِ قَوْلِ المُخالِفِينَ؛ ولَجْئِهِمْ إلى تَزْوِيقِ الكَلامِ بِما لا دَلالَةَ فِيهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾؛ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ البِكْرَ إذا عَفَتْ عَنْ نِصْفِ الصَّداقِ؛ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ البِكْرِ؛ والثَّيِّبِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾؛ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ؛ وابْتِداءُ خِطابِهِ؛ حِينَ قالَ (تَعالى): ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾؛ عامًّا في الأبْكارِ؛ والثَّيِّبِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾؛ عامًّا في الفَرِيقَيْنِ مِنهُما؛ وتَخْصِيصُ الثَّيِّبِ بِجَوازِ العَفْوِ؛ دُونَ البِكْرِ؛ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾؛ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إذا تَزَوَّجَها عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ؛ ودَفَعَها إلَيْها؛ ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وقَدِ اشْتَرَتْ بِها مَتاعًا؛ أنْ يَكُونَ لَها نِصْفُ الألْفِ؛ وتَضْمَنُ (p-١٥٥)لِلزَّوْجِ النِّصْفَ؛ وقالَ مالِكٌ: يَأْخُذُ الزَّوْجُ نِصْفَ المَتاعِ الَّذِي اشْتَرَتْهُ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما جَعَلَ لَهُ نِصْفَ المَفْرُوضِ؛ وكَذَلِكَ المَرْأةُ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مِنها ما لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا؛ ولا هو قِيمَةٌ لَهُ؟ وهو أيْضًا خِلافُ الأُصُولِ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوِ اشْتَرى عَبْدًا بِألْفِ دِرْهَمٍ؛ وقَبَضَ البائِعُ الألْفَ؛ واشْتَرى بِها مَتاعًا؛ ثُمَّ وجَدَ المُشْتَرِي بِالعَبْدِ عَيْبًا؛ فَرَدَّ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلى المَتاعِ الَّذِي اشْتَراهُ البائِعُ سَبِيلٌ؛ وكانَ المَتاعُ كُلُّهُ لِلْبائِعِ؛ وعَلَيْهِ أنْ يَرُدَّ عَلى المُشْتَرِي ألْفًا مِثْلَها؛ فالنِّكاحُ مِثْلُهُ؛ لا فارِقَ بَيْنَهُما؛ إذْ لَمْ يَقَعْ عَقْدُ النِّكاحِ عَلى المَتاعِ؛ كَما لَمْ يَقَعْ عَقْدُ البَيْعِ عَلَيْهِ؛ وإنَّما وقَعَ عَلى الألْفِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ.

البقرة 2:238

بابُ الصَّلاةِ الوُسْطى .. وذِكْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ فِيهِ أمْرٌ بِفِعْلِ الصَّلاةِ؛ وتَأْكِيدُ وُجُوبِها بِذِكْرِ المُحافَظَةِ؛ وهي الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَكْتُوباتُ؛ المَعْهُوداتُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ؛ وذَلِكَ لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْها؛ إشارَةً بِها إلى مَعْهُودٍ؛ وقَدِ انْتَظَمَ ذَلِكَ القِيامَ بِها؛ واسْتِيفاءَ فُرُوضِها؛ وحِفْظَ حُدُودِها؛ وفِعْلَها في مَواقِيتِها؛ وتَرْكَ التَّقْصِيرِ فِيها؛ إذْ كانَ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ كُلَّهُ؛ وأكَّدَ الصَّلاةَ الوُسْطى بِإفْرادِها بِالذِّكْرِ؛ مَعَ ذِكْرِهِ سائِرَ الصَّلَواتِ؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ إمّا أنْ تَكُونَ أفْضَلَ الصَّلَواتِ؛ وأوْلاها بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها؛ فَلِذَلِكَ أفْرَدَها بِالذِّكْرِ عَنِ الجُمْلَةِ؛ وإمّا أنْ تَكُونَ المُحافَظَةُ عَلَيْها أشَدَّ مِنَ المُحافَظَةِ عَلى غَيْرِها؛ وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ يَدُلُّ بَعْضُها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وبَعْضُها عَلى الوَجْهِ الثّانِي؛ فَمِنها ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: هي الظُّهْرُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِالهَجِيرِ؛ ولا يَكُونُ وراءَهُ إلّا الصَّفُّ؛ أوِ الصَّفّانِ؛ والنّاسُ في قائِلَتِهِمْ؛ وتِجارَتِهِمْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ وفي بَعْضِ ألْفاظِ الحَدِيثِ: فَكانَتْ أثْقَلَ الصَّلَواتِ عَلى الصَّحابَةِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) ذَلِكَ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وإنَّما سَمّاها "وُسْطى" لِأنَّ قَبْلَها صَلاتَيْنِ؛ وبَعْدَها صَلاتَيْنِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ؛ وحَفْصَةَ؛ وأُمِّ كُلْثُومٍ؛ أنَّ في مُصْحَفِهِنَّ: "حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ"؛ ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَتْ: "حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وصَلاةِ العَصْرِ"؛ وقَرَأْتُها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ (تَعالى) فَأنْزَلَ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ فَأخْبَرَ البَراءُ أنَّ ما في مُصْحَفِ (p-١٥٦)هَؤُلاءِ مِن ذِكْرِ صَلاةِ العَصْرِ مَنسُوخٌ. وقَدْ رَوى عاصِمٌ عَنْ زِرٍّ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قاتَلْنا الأحْزابَ فَشَغَلُونا عَنْ صَلاةِ العَصْرِ؛ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اَللَّهُمَّ امْلَأْ قُلُوبَ الَّذِينَ شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى نارًا» . قالَ عَلِيٌّ: كُنّا نَرى أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ ومِقْسَمٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّها صَلاةُ العَصْرِ»؛ وكَذَلِكَ رَوى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِن قَوْلِهِ: إنَّها صَلاةُ العَصْرِ؛ وكَذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ وعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: اَلْمَغْرِبُ؛ وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ صَلاةُ العَصْرِ "اَلْوُسْطى"؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِن صَلاةِ النَّهارِ؛ وصَلاتَيْنِ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ الصَّلَواتِ وُجُوبًا كانَتِ الفَجْرَ؛ وآخِرَها العِشاءُ الآخِرَةُ؛ فَكانَتِ العَصْرُ هي الوُسْطى في الوُجُوبِ؛ ومَن قالَ: إنَّ الوُسْطى الظُّهْرُ؛ يَقُولُ: لِأنَّها وُسْطى صَلاةِ النَّهارِ بَيْنَ الفَجْرِ؛ والعَصْرِ؛ ومَن قالَ: اَلصُّبْحُ؛ فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها تُصَلّى في سَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ وبَياضٍ مِنَ النَّهارِ؛ فَجَعَلَها وُسْطى في الوَقْتِ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ عَلى نَفْيِ وُجُوبِ الوِتْرِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَما كانَ لَها وُسْطى؛ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ سِتًّا؛ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كانَتِ الوُسْطى العَصْرَ فَوَجْهُهُ ما قِيلَ: إنَّها وُسْطى في الإيجابِ؛ وإنْ كانَتِ الظُّهْرَ فَلِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ: اَلْفَجْرِ؛ والعَصْرِ؛ فَلا دَلالَةَ عَلى نَفْيِ وُجُوبِ الوِتْرِ؛ الَّتِي هي مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ وأيْضًا فَإنَّها وُسْطى الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ؛ ولَيْسَ الوِتْرُ مِنَ المَكْتُوباتِ؛ وإنْ كانَتْ واجِبَةً؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ واجِبٍ فَرْضًا؛ إذْ كانَ الفَرْضُ هو أعْلى في مَراتِبِ الوُجُوبِ؛ وأيْضًا فَإنَّ فَرْضَ الوِتْرِ زِيادَةٌ ورَدَتْ بَعْدَ فَرْضِ المَكْتُوباتِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «"إنَّ اللَّهَ زادَكم إلى صَلاتِكم صَلاةً؛ وهي الوِتْرُ"؛» وإنَّما سُمِّيَتْ وُسْطى قَبْلَ وُجُوبِ الوِتْرِ. وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ في مَعْنى القُنُوتِ؛ في أصْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ؛ ورُوِيَ عَنِ السَّلَفِ فِيهِ أقاوِيلُ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ وعَطاءٍ؛ والشَّعْبِيِّ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾: مُطِيعِينَ؛ وقالَ نافِعٌ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: اَلْقُنُوتُ: طُولُ القِيامِ؛ وقَرَأ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ"؛» يَعْنِي القِيامَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْقُنُوتُ: اَلسُّكُوتُ؛ والقُنُوتُ: اَلطّاعَةُ؛ ولَمّا كانَ أصْلُ القُنُوتِ الدَّوامَ عَلى الشَّيْءِ؛ جازَ أنْ يُسَمّى مُدِيمُ الطّاعَةِ "قانِتًا"؛ وكَذَلِكَ مَن أطالَ القِيامَ؛ والقِراءَةَ؛ والدُّعاءَ في الصَّلاةِ؛ أوْ أطالَ الخُشُوعَ؛ والسُّكُوتَ؛ كُلُّ هَؤُلاءِ فاعِلُو القُنُوتِ؛ ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِيهِ (p-١٥٧)عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ؛» والمُرادُ بِهِ: أطالَ قِيامَ الدُّعاءِ. وقَدْ رَوى الحارِثُ؛ عَنْ شِبْلٍ؛ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَنَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ»؛ فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نُسَلِّمُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في الصَّلاةِ؛ فَيَرُدُّ عَلَيْنا؛ قَبْلَ أنْ نَأْتِيَ أرْضَ الحَبَشَةِ؛ فَلَمّا رَجَعْتُ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ؛ فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ؛ وإنَّهُ قَضى ألّا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ"؛ ورَوى عَطاءُ بْنُ يَسارٍ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِالإشارَةِ؛ فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: «كُنّا نَرُدُّ السَّلامَ في الصَّلاةِ؛ فَنُهِينا عَنْ ذَلِكَ»؛ ورَوى إبْراهِيمُ الهَجَرِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عِياضٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ؛ فَنَزَلَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ وفي حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ؛ إنَّما هي التَّسْبِيحُ؛ والتَّكْبِيرُ؛ وقِراءَةُ القُرْآنِ"؛» فَفي هَذِهِ الأخْبارِ حَظْرُ الكَلامِ في الصَّلاةِ. ولَمْ يَخْتَلِفِ الرُّواةُ عَلى أنَّ الكَلامَ كانَ مُباحًا في الصَّلاةِ؛ إلى أنْ حُظِرَ؛ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى حَظْرِهِ؛ إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: "يَجُوزُ فِيها؛ لِإصْلاحِ الصَّلاةِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "كَلامُ السَّهْوِ لا يُفْسِدُها"؛ ولَمْ يُفَرِّقْ أصْحابُنا بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ؛ وأفْسَدُوا الصَّلاةَ بِوُجُودِهِ فِيها؛ عَلى وجْهِ السَّهْوِ وقَعَ؛ أوْ لِإصْلاحِ الصَّلاةِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَلَوْنا مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ ورِوايَةَ مَن رَوى أنَّها نَزَلَتْ في حَظْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ - مَعَ احْتِمالِهِ لَهُ لَوْ لَمْ تَرِدِ الرِّوايَةُ بِسَبَبِ نُزُولِها -؛ لَيْسَ فِيهِما فَرْقٌ بَيْنَ الكَلامِ الواقِعِ عَلى وجْهِ السَّهْوِ؛ والعَمْدِ؛ وبَيْنَهُ إذا قُصِدَ بِهِ إصْلاحُ الصَّلاةِ؛ أوْ لَمْ يُقْصَدْ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الأخْبارِ المَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَظْرِهِ فِيها؛ لَمْ يُفَرِّقْ فِيها بَيْنَ ما قُصِدَ بِهِ إصْلاحُ الصَّلاةِ؛ وبَيْنَ غَيْرِهِ؛ ولا بَيْنَ السَّهْوِ؛ والعَمْدِ مِنهُ؛ فَهي عامَّةٌ في الجَمِيعِ. فَإنْ قِيلَ: اَلنَّهْيُ عَنِ الكَلامِ في الصَّلاةِ مَقْصُورٌ عَلى العامِدِ؛ دُونَ النّاسِي؛ لِاسْتِحالَةِ نَهْيِ النّاسِي؛ قِيلَ لَهُ: حُكْمُ النَّهْيِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى النّاسِي؛ كَهو عَلى العامِدِ؛ وإنَّما يَخْتَلِفانِ في المَأْثَمِ؛ واسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ؛ فَأمّا في الأحْكامِ الَّتِي هي فَسادُ الصَّلاةِ؛ وإيجابُ قَضائِها؛ فَلا يَخْتَلِفانِ؛ ألا تَرى أنَّ النّاسِيَ بِالأكْلِ؛ والحَدَثِ؛ والجِماعِ في الصَّلاةِ؛ في حُكْمِ العامِدِ؛ فِيما يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِن أحْكامِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ مِن إيجابِ القَضاءِ؛ وإفْسادِ الصَّلاةِ؛ وإنْ كانا مُخْتَلِفَيْنِ في حُكْمِ المَأْثَمِ؛ واسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ؟ وإذا كانَ ذَلِكَ؛ عَلى ما وصَفْنا؛ كانَ حُكْمُ النَّهْيِ فِيما يَقْتَضِيهِ مِن إيجابِ القَضاءِ؛ مُعَلَّقًا بِالنّاسِي؛ كَهو بِالعامِدِ؛ لا فارِقَ (p-١٥٨)بَيْنَهُما فِيهِ؛ وإنِ اخْتَلَفا في حُكْمِ المَأْثَمِ؛ والوَعِيدِ؛ فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ ما قُصِدَ بِهِ الإصْلاحُ لِلصَّلاةِ؛ وبَيْنَ ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إصْلاحُها؛ وعَلى فَسادِ قَوْلِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ النّاسِي؛ والعامِدِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ -: «"إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ"؛» وحَقِيقَتُهُ الخَبَرُ؛ فَهو مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيها كَلامُ النّاسِ؛ فَلَوْ بَقِيَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الكَلامِ؛ لَكانَ قَدْ صَلُحَ الكَلامُ فِيها مِن وجْهٍ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما وقَعَ فِيهِ كَلامُ النّاسِ لَيْسَ بِصَلاةٍ لِيَكُونَ مُخْبَرُهُ خَبَرًا مَوْجُودًا في سائِرِ ما أخْبَرَ بِهِ؛ ومِن وجْهٍ آخَرَ؛ أنَّ ضِدَّ الصَّلاحِ هو الفَسادُ؛ وهو يَقْتَضِيهِ في مُقابَلَتِهِ؛ فَإذا لَمْ يَصْلُحْ فِيها ذَلِكَ فَهي فاسِدَةٌ؛ إذا وقَعَ الكَلامُ فِيها؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ صَلُحَ الكَلامُ فِيها مِن غَيْرِ إفْسادٍ؛ وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الخَبَرِ. واحْتَجَّ الفَرِيقانِ جَمِيعًا - مِن مُخالِفِينا - اللَّذَيْنِ حَكَيْنا قَوْلَهُما بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ في قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ؛ ورُوِيَ مِن طُرُقٍ؛ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدى صَلاتَيِ العَشِيِّ؛ الظُّهْرَ؛ أوِ العَصْرَ؛ ثُمَّ قامَ إلى خَشَبَةٍ في مُقَدِّمِ المَسْجِدِ؛ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْها؛ إحْداهُما عَلى الأُخْرى؛ يُعْرَفُ في وجْهِهِ الغَضَبُ؛ قالَ: وخَرَجَ سَرَعانُ النّاسِ؛ فَقالُوا: أقَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ وفي النّاسِ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ فَهاباهُ أنْ يُكَلِّماهُ؛ فَقامَ رَجُلٌ طَوِيلُ اليَدَيْنِ؛ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّيهِ ذا اليَدَيْنِ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أنَسِيتَ؛ أمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ فَقالَ لَهُ: "لَمْ أنْسَ؛ ولَمْ تَقْصُرِ الصَّلاةُ"؛ فَقالَ: بَلْ نَسِيتَ؛ فَأقْبَلَ عَلى القَوْمِ؛ فَقالَ: "أصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟"؛ قالُوا: نَعَمْ؛ فَجاءَ فَصَلّى بِنا الرَّكْعَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ؛ وسَلَّمَ؛ وسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ؛» قالُوا: فَأخْبَرَ أبُو هُرَيْرَةَ بِما كانَ مِنهُ؛ ومِنهُمْ؛ مِنَ الكَلامِ؛ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ البِناءِ؛ وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ مُتَأخِّرَ الإسْلامِ؛ ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ؛ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: أتَيْنا أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْنا: حَدِّثْنا؛ فَقالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – "ثَلاثَ سِنِينَ» "؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ والنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ؛ فَخَرَجَ خَلْفَهُ؛ وقَدْ فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ؛ قالُوا: فَإذا كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بَعْدَ إسْلامِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ نَسْخَ الكَلامِ كانَ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَمّا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ؛ كانَ الكَلامُ في الصَّلاةِ مَحْظُورًا؛ لِأنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَهُ بِنَسْخِ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ كانَ بَعْدَ حَظْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ وقالَ أصْحابُ مالِكٍ: إنَّما لَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلاةُ؛ لِأنَّهُ كانَ لِإصْلاحِها؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: لِأنَّهُ وقَعَ ناسِيًا؛ (p-١٥٩)فَيُقالُ لَهُمْ: لَوْ كانَ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ بَعْدَ نَسْخِ الكَلامِ لَكانَ مُبِيحًا لِلْكَلامِ فِيها؛ ناسِخًا لِحَظْرِهِ المُتَقَدِّمِ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهم أنَّ جَوازَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِحالٍ دُونَ حالٍ. وقَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ؛ عَنْ أبِي حازِمٍ؛ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"مَن نابَهُ في صَلاتِهِ شَيْءٌ فَلْيَقُلْ: (سُبْحانَ اللَّهِ)؛ إنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ؛ والتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ"؛» ورَوى سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ؛ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ"؛» فَمَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ مِنَ الكَلامِ؛ وأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ القَوْمِ تَسْبِيحٌ في قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ؛ ولا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ تَرْكَهُ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قِصَّةَ ذِي اليَدَيْنِ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَهُمُ التَّسْبِيحَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلَّمَهُمُ التَّسْبِيحَ ثُمَّ يُخالِفُونَهُ إلى غَيْرِهِ؛ ولَوْ كانُوا خالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ لَظَهَرَ فِيهِ النَّكِيرُ عَلَيْهِمْ في تَرْكِهِمُ التَّسْبِيحَ المَأْمُورَ بِهِ إلى الكَلامِ المَحْظُورِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قِصَّةَ ذِي اليَدَيْنِ كانَتْ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا قَبْلَ حَظْرِ الكَلامِ؛ ثُمَّ حُظِرَ الكَلامُ في الصَّلاةِ؛ وإمّا أنْ تَكُونَ بَعْدَ حَظْرِ الكَلامِ بَدِيًّا مِنهُ؛ ثُمَّ أُبِيحَ الكَلامُ؛ ثُمَّ حُظِرَ بِقَوْلِهِ: «"اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ؛ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ"؛» وقَدْ كانَ نَسْخُ الكَلامِ بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى مَعْمَرٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ؛ أوِ العَصْرَ» ..."؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ؛ قالَ الزُّهْرِيُّ: فَكانَ هَذا قَبْلَ بَدْرٍ؛ ثُمَّ اسْتُحْكِمَتِ الأُمُورُ بَعْدَهُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: " «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ؛ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ»؛ وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «سَلَّمَ رَجُلٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ إشارَةً؛ وقالَ: "كُنّا نَرُدُّ السَّلامَ في الصَّلاةِ؛ فَنُهِينا عَنْ ذَلِكَ»؛ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مِن أصاغِرِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ويَدُلُّ عَلى صِغَرِ سِنِّهِ ما رَوى هِشامٌ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: "وما عِلْمُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ؛ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وإنَّما كانا غُلامَيْنِ صَغِيرَيْنِ"؛ وكانَ قُدُومُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الحَبَشَةِ إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ؛ ومَن كانَ مَعَهُ بِالحَبَشَةِ؛ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ؛ وقَدْ رَوى أهْلُ السِّيَرِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَتَلَ أبا جَهْلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ بَعْدَما أثْخَنَهُ ابْنا عَفْراءَ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِحَظْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنَ الحَبَشَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ والنَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ؛ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ؛ (p-١٦٠)عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العُمَرِيِّ؛ عَنْ نافِعٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ ذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ ذِي اليَدَيْنِ؛ فَقالَ: كانَ إسْلامُ أبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَما قُتِلَ ذُو اليَدَيْنِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ كانَ قَبْلَ إسْلامِهِ؛ لِأنَّ إسْلامَهُ كانَ عامَ خَيْبَرَ؛ فَثَبَتَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَشْهَدْ تِلْكَ القِصَّةَ؛ وإنْ حَدَّثَ بِها؛ كَما قالَ البَراءُ: ما كُلُّ ما نُحَدِّثُكم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْناهُ؛ ولَكِنْ سَمِعْنا؛ وحَدَّثَنا أصْحابُنا. ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ؛ عَنْ أنَسٍ قالَ: واللَّهِ ما كُلُّ ما نُحَدِّثُكم بِهِ سَمِعْناهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ولَكِنْ كانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنا بَعْضًا؛ ولا يَتَّهِمُ بَعْضُنا بَعْضًا؛ وقَدْ رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القارِيِّ «أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ؛ ما أنا قُلْتُ: مَن أدْرَكَ الصُّبْحَ وهو جُنُبٌ فَلْيُفْطِرْ؛ ولَكِنْ مُحَمَّدٌ قالَهُ ورَبِّ هَذا البَيْتِ»؛ ثُمَّ لَمّا أُخْبِرَ بِرِوايَةِ عائِشَةَ؛ وأُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غَيْرِ احْتِلامٍ؛ ثُمَّ يَصُومُ يَوْمَهُ ذَلِكَ»؛ قالَ: لا عِلْمَ لِي بِهَذا؛ إنَّما أخْبَرَنِي بِهِ الفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ؛ فَلَيْسَ في رِوايَتِهِ بِحَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى مُشاهَدَتِهِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ أخْبارِهِ أنَّهُ قالَ: " صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّهُ صَلّى بِالمُسْلِمِينَ؛ وهو مِنهُمْ؛ كَما رَوى مِسْعَرُ بْنُ كِدامٍ؛ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ؛ عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّا وإيّاكم كُنّا نُدْعى بَنِي عَبْدِ مَنافٍ؛ فَأنْتُمُ اليَوْمَ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ؛ ونَحْنُ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ»؛ إنَّما يَعْنِي أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ حَظْرُ الكَلامِ في الصَّلاةِ مُتَقَدِّمًا لِبَدْرٍ لَما شَهِدَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ؛ لِأنَّهُ كانَ صَغِيرَ السِّنِّ؛ وكانَ يَتِيمًا في حِجْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حِينَ خَرَجَ إلى مُؤْتَةَ؛ ومِثْلُهُ لا يُدْرِكُ قِصَّةً كانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ؛ قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ قَدْ شَهِدَ إباحَةَ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ أُبِيحَ بَعْدَ الحَظْرِ؛ ثُمَّ حُظِرَ؛ فَكانَ آخِرُ أمْرِهِ الحَظْرَ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أبُو هُرَيْرَةَ أيْضًا قَدْ شَهِدَ إباحَةَ الكَلامِ في الصَّلاةِ بَعْدَ حَظْرِهِ؛ ثُمَّ حُظِرَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّ إخْبارَهُ عَنْ قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ لا مَحالَةَ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُشاهَدَةٍ؛ لِأنَّهُ أسْلَمَ بَعْدَها؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ أخْبَرَ عَنْ حالِ المُسْلِمِينَ في كَلامِهِمْ في الصَّلاةِ إلى نُزُولِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ ويَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: "كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ"؛ إخْبارًا عَنِ المُسْلِمِينَ؛ وهو مِنهُمْ؛ كَما قالَ النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ: "قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ وكَما قالَ الحَسَنُ: "خَطَبَنا ابْنُ عَبّاسٍ بِالبَصْرَةِ"؛ وهو لَمْ يَكُنْ بِها يَوْمَئِذٍ؛ إنَّما طَرَأ عَلَيْها بَعْدَهُ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ ذِي اليَدَيْنِ كانَتْ في حالِ إباحَةِ الكَلامِ؛ أنَّ فِيها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنَدَ إلى جِذْعٍ في المَسْجِدِ؛ وأنَّ سَرَعانَ النّاسِ خَرَجُوا فَقالُوا: "أقَصُرَتِ الصَّلاةُ؟"؛ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-١٦١)أقْبَلَ عَلى القَوْمِ فَسَألَهُمْ؛ فَقالُوا: صَدَقَ؛ وبَعْضُ هَذا الكَلامِ كانَ عَمْدًا؛ وبَعْضُهُ كانَ لِغَيْرِ إصْلاحِ الصَّلاةِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّها كانَتْ في حالِ إباحَةِ الكَلامِ. وجُمْلَةُ الأمْرِ في ذَلِكَ: إنْ كانَ في حالِ إباحَةِ الكَلامِ بَدِيّا قَبْلَ حَظْرِهِ فَلا حُجَّةَ لِلْمُخالِفِ فِيهِ؛ وإنْ كانَ بَعْدَ حَظْرِ الكَلامِ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أُبِيحَ بَعْدَ الحَظْرِ؛ ثُمَّ حُظِرَ؛ فَكانَ آخِرُ أمْرِهِ الحَظْرَ؛ ونُسِخَ بِهِ ما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: «"اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ؛ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ"؛» كانَ بَعْدَ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ إذْ لَوْ كانَ مُتَقَدِّمًا لَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ المَأْمُورِ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ؛ ولَكانَ القَوْمُ لا يُخالِفُونَهُ إلى الكَلامِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَظْرِ الكَلامِ؛ والأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ ناسِخٌ لِحَظْرِ الكَلامِ؛ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَلِفًا في اسْتِعْمالِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ تَقْضِيَ عَلَيْهِ الأخْبارُ الوارِدَةُ في الحَظْرِ؛ لِأنَّ مِن أصْلِنا أنَّهُ مَتى ورَدَ خَبَرانِ؛ أحَدُهُما خاصٌّ؛ والآخَرُ عامٌّ؛ واتَّفَقُوا عَلى اسْتِعْمالِ العامِّ؛ واخْتَلَفُوا في اسْتِعْمالِ الخاصِّ؛ كانَ الخَبَرُ المُتَّفَقُ عَلى اسْتِعْمالِهِ قاضِيًا عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ؛ فَإنْ قِيلَ: قَدْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ حَدَثِ السّاهِي؛ والعامِدِ؛ فَهَلّا فَرَّقْتُمْ بَيْنَ سَهْوِ الكَلامِ؛ وعَمْدِهِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا سُؤالٌ فارِغٌ لا يَسْتَحِقُّ الجَوابَ؛ إلّا أنْ يَتَبَيَّنَ وجْهُ الدَّلالَةِ في إحْدى المَسْألَتَيْنِ عَلى الأُخْرى؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا فارِقَ عِنْدَنا بَيْنَ حَدَثِ السّاهِي؛ والعامِدِ؛ في إفْسادِ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِهِ؛ وإنَّما الفارِقُ بَيْنَ ما كانَ مِن فِعْلِهِ؛ أوْ سَبْقِهِ مِن غَيْرِ فِعْلِهِ؛ فَأمّا لَوْ سَها فَحَكَّ قُرْحَةً؛ وخَرَجَ مِنها دَمٌ؛ أوْ تَقَيَّأ؛ فَسَدَتْ صَلاتُهُ؛ وإنْ كانَ ساهِيًا؛ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ سَلامِ السّاهِي؛ والعامِدِ؛ وهو كَلامٌ في الصَّلاةِ؛ فَكَذَلِكَ سائِرُ الكَلامِ فِيها؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما السَّلامُ ضَرْبٌ مِنَ الذِّكْرِ؛ مَسْنُونٌ بِهِ الخُرُوجُ مِنَ الصَّلاةِ؛ فَإذا قَصَدَ إلَيْهِ عامِدًا فَسَدَتْ بِهِ الصَّلاةُ؛ كَما يَخْرُجُ بِهِ مِنها في آخِرِها؛ وإذا كانَ ساهِيًا فَهو ذِكْرٌ مِنَ الأذْكارِ؛ لا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ؛ وإنَّما كانَ ذِكْرًا لِأنَّهُ سَلامٌ عَلى المَلائِكَةِ؛ وعَلى مَن حَضَرَهُ مِنَ المُصَلِّينَ؛ وهو لَوْ قالَ: "اَلسَّلامُ عَلى مَلائِكَةِ اللَّهِ؛ وجِبْرِيلَ؛ ومِيكالَ"؛ أوْ: "عَلى نَبِيِّ اللَّهِ"؛ لا تَفْسُدُ صَلاتُهُ؛ فَلَمّا كانَ ضَرْبًا مِنَ الأذْكارِ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ عامِدًا لَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ مَوْجُودٌ مِثْلُهُ في الصَّلاةِ؛ لا يُفْسِدُها؛ وهو قَوْلُهُ: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ؛ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ"؛ وإذا كانَ مِثْلُهُ قَدْ يُوجَدُ في الصَّلاةِ ذِكْرًا مَسْنُونًا؛ لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا لَها إذا وقَعَ مِنهُ ناسِيًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ»؛ وما أُبِيحَ في الصَّلاةِ مِنَ الكَلامِ فَلَيْسَ بِداخِلٍ فِيهِ؛ (p-١٦٢)فَلا تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ؛ ولَمْ يَتَناوَلْهُ الخَبَرُ؛ وإنَّما أفْسَدْنا بِهِ الصَّلاةَ إذا تَعَمَّدَ؛ لا مِن حَيْثُ كانَ مِن كَلامِ النّاسِ المَحْظُورِ في الصَّلاةِ؛ ولَكِنْ مِن جِهَةِ أنَّهُ مَسْنُونٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ؛ فَإذا عَمَدَ لَهُ فَقَدْ قَصَدَ الوَجْهَ المَسْنُونَ لَهُ؛ فَقَطَعَ صَلاتَهُ؛ وأيْضًا لَمّا كانَ مِن شَرْطِ الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ تَرْكُ الكَلامِ فِيها؛ ومَتى تَعَمَّدَ الكَلامَ؛ لَمْ تَكُنْ صَلاةً عِنْدَ الجَمِيعِ؛ إذا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلى إصْلاحِها؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُودُ الكَلامِ فِيها مُخْرِجًا لَها مِن أنْ تَكُونَ صَلاةً شَرْعِيَّةً؛ كالطَّهارَةِ؛ لَمّا كانَتْ مِن شَرْطِها لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُها في تَرْكِ الطَّهارَةِ؛ سَهْوًا؛ أوْ عَمْدًا؛ وكَذَلِكَ تَرْكُ القِراءَةِ؛ والرُّكُوعِ؛ والسُّجُودِ؛ وسائِرِ فُرُوضِها؛ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُ السَّهْوِ والعَمْدِ فِيها؛ لِأنَّ الصَّلاةَ لَمّا كانَتِ اسْمًا شَرْعِيًّا؛ وكانَتْ صِحَّةُ هَذا الِاسْمِ لَها مُتَعَلِّقَةً بِشَرائِطِهِ؛ مَتى عُدِمَتْ زالَ الِاسْمُ؛ وكانَ مِن شُرُوطِها تَرْكُ الكَلامِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ فِيها يَسْلُبُها اسْمَ الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ولَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِلصَّلاةِ؛ فَلَمْ نُجِزْهُ؛ فَإنْ ألْزَمُونا عَلى ذَلِكَ الصِّيامَ؛ وما شُرِطَ فِيهِ مِن تَرْكِ الأكْلِ؛ وتَعَلُّقِ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ فِيهِ حُكْمُ السَّهْوِ؛ والعَمْدِ؛ فَإنّا نَقُولُ: إنَّ القِياسَ فِيهِما سَواءٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لَوْلا الأثَرُ لَوَجَبَ ألّا يَخْتَلِفَ فِيهِ حُكْمُ الأكْلِ؛ سَهْوًا أوْ عَمْدًا؛ وإذا سَلَّمُوا القِياسَ فَقَدِ اسْتَمَرَّتِ العِلَّةُ وصَحَّتْ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) في أوَّلِ الخِطابِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ؛ والمُحافَظَةَ عَلَيْها؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى لُزُومِ اسْتِيفاءِ فُرُوضِها؛ والقِيامِ بِحُدُودِها؛ لِاقْتِضاءِ ذِكْرِ المُحافَظَةِ لَها؛ وأكَّدَ الصَّلاةَ الوُسْطى بِإفْرادِها بِالذِّكْرِ؛ لِما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ مِن فائِدَةِ ذِكْرِ التَّأْكِيدِ لَها؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فاشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلى لُزُومِ السُّكُوتِ؛ والخُشُوعِ فِيها؛ وتَرْكِ المَشْيِ والعَمَلِ فِيها؛ وذَلِكَ في حالِ الأمْنِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حالَ الخَوْفِ؛ وأمَرَ بِفِعْلِها عَلى الأحْوالِ كُلِّها؛ ولَمْ يُرَخِّصْ في تَرْكِها لِأجْلِ الخَوْفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ قَوْلُهُ: "فَرِجالًا"؛ جَمْعُ راجِلٍ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: "راجِلٌ"؛ و"رِجالٌ"؛ كَـ "تاجِرٌ"؛ و"تِجارٌ"؛ و"صاحِبٌ"؛ و"صِحابٌ"؛ و"قائِمٌ"؛ و"قِيامٌ"؛ وأمَرَ بِفِعْلِها في حالِ الخَوْفِ راجِلًا؛ ولَمْ يَعْذُرْ في تَرْكِها؛ كَما أمَرَ المَرِيضَ بِفِعْلِها عَلى الحالِ الَّتِي يُمْكِنُهُ فِيها فِعْلُها؛ مِن قِيامٍ؛ وقُعُودٍ؛ وعَلى جَنْبٍ؛ وأمَرَهُ بِفِعْلِ الصَّلاةِ راكِبًا في حالِ الخَوْفِ؛ إباحَةً لِفِعْلِها بِالإيماءِ؛ لِأنَّ الرّاكِبَ إنَّما يُصَلِّي بِالإيماءِ؛ لا يَفْعَلُ فِيها قِيامًا؛ ولا رُكُوعًا؛ ولا سُجُودًا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في صَلاةِ الخَوْفِ قالَ: " فَإنْ كانَ خَوْفًا أشَدَّ مِن ذَلِكَ صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ؛ ورُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ؛ وغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها "؛ قالَ نافِعٌ: (p-١٦٣)لا أرى ابْنَ عُمَرَ قالَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو الخَوْفُ دُونَ القِتالِ؛ فَإذا خافَ وقَدْ حَصَرَهُ العَدُوُّ جازَ لَهُ فِعْلُها كَذَلِكَ؛ ولَمّا أباحَ لَهُ فِعْلَها راكِبًا لِأجْلِ الخَوْفِ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ مِنَ الرُّكْبانِ؛ وبَيْنَ مَن تَرَكَ اسْتِقْبالَها؛ تَضَمَّنَتِ الدَّلالَةَ عَلى جَوازِ فِعْلِها مِن غَيْرِ اسْتِقْبالِها؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِفِعْلِها عَلى كُلِّ حالٍ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن أمْكَنَهُ اسْتِقْبالُها؛ وبَيْنَ مَن لَمْ يُمْكِنْهُ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن لا يُمْكِنُهُ اسْتِقْبالُها جائِزٌ لَهُ فِعْلُها عَلى الحالِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْها فِيها؛ ويَدُلُّ مِن جِهَةٍ أُخْرى عَلى ذَلِكَ؛ وهي أنَّ القِيامَ؛ والرُّكُوعَ؛ والسُّجُودَ؛ مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ؛ وقَدْ أباحَ تَرْكَها حِينَ أمَرَهُ بِفِعْلِها راكِبًا؛ فَتَرْكُ القِبْلَةِ أحْرى بِالجَوازِ؛ إذا كانَ فِعْلُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ آكَدَ مِنَ القِبْلَةِ؛ فَإذا جازَ تَرْكُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ فَتَرْكُ القِبْلَةِ أحْرى بِالجَوازِ. فَإنْ قِيلَ - عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُبِحْ تَرْكَ الصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ؛ وأمَرَ بِها عَلى الحالِ الَّتِي يُمْكِنُ فِعْلُها -: قَدْ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ أرْبَعَ صَلَواتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كانَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ؛ ثُمَّ قَضاهُنَّ عَلى التَّرْتِيبِ»؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَرْكِ الصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الأمْرُ بِالصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ؛ بَعْدَ تَقْدِيمِ تَأْكِيدِ فُرُوضِها؛ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ ثُمَّ زادَها تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأمَرَ فِيها بِالدَّوامِ عَلى الخُشُوعِ؛ والسُّكُونِ؛ والقِيامِ؛ وحَظَرَ فِيها التَّنَقُّلَ مِن حالٍ إلّا إلى حالٍ هي الصَّلاةُ مِنَ الرُّكُوعِ؛ والسُّجُودِ؛ ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ لَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ شَرْطَ جَوازِ الصَّلاةِ فِعْلُها عَلى هَذِهِ الأوْصافِ؛ فَبَيَّنَ حُكْمَ هَذِهِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ؛ في حالِ الخَوْفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ فَأمَرَ بِفِعْلِها في هَذِهِ الحالِ؛ ولَمْ يَعْذُرْ أحَدًا مِنَ المُكَلَّفِينَ في تَرْكِها؛ ولَمْ يَذْكُرْ حالَ القِتالِ؛ إذْ لَيْسَ جَمِيعُ أحْوالِ الخَوْفِ هي أحْوالَ القِتالِ؛ لِأنَّ حُضُورَ العَدُوِّ يُوجِبُ الخَوْفَ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ قائِمٌ؛ فَإنَّما أمَرَ بِفِعْلِها في هَذِهِ الحالِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ حالَ القِتالِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ لِأنَّهُ كانَ مَشْغُولًا بِالقِتالِ؛ والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ يَمْنَعُ الصَّلاةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: «"مَلَأ اللَّهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا كَما شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى "؛» وكَذَلِكَ يَقُولُ أصْحابُنا: إنَّ الِاشْتِغالَ بِالقِتالِ يُفْسِدُها؛ فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتُ مِن أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّما لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ؛ والواقِدِيُّ جَمِيعًا؛ أنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ كانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ؛ وقَدْ صَلّى النَّبِيُّ (p-١٦٤)ﷺ فِيها صَلاةَ الخَوْفِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ إنَّما كانَ لِلْقِتالِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّتَها؛ ويُنافِيها. ويَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَقُولُ: إنَّ الخائِفَ تَجُوزُ لَهُ الصَّلاةُ وهو ماشٍ؛ وإنْ كانَ طالِبًا؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ المَشْيِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فالطّالِبُ غَيْرُ خائِفٍ؛ لِأنَّهُ إنِ انْصَرَفَ لَمْ يَخَفْ؛ واللَّهُ – سُبْحانَهُ - إنَّما أباحَ ذَلِكَ لِلْخائِفِ؛ وإذا كانَ مَطْلُوبًا فَجائِزٌ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ راكِبًا؛ وماشِيًا؛ إذا خافَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) حالَ الخَوْفِ؛ وأمَرَ بِالصَّلاةِ عَلى الوَجْهِ المُمْكِنِ؛ مِن راجِلٍ؛ وراكِبٍ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حالَ الأمْنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في حالِ الخَوْفِ؛ وهو الصَّلاةُ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الذِّكْرِ في الصَّلاةِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ المُخاطَبَةُ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ اَلْأمْرَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ؛ واسْتِيفاءِ فُرُوضِها؛ وشُرُوطِها؛ وحِفْظِ حُدُودِها. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ تَضَمَّنَ إيجابَ القِيامِ فِيها؛ ولَمّا كانَ القُنُوتُ اسْمًا يَقَعُ عَلى الطّاعَةِ اقْتَضى أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أفْعالِ الصَّلاةِ طاعَةً؛ وألّا يَتَخَلَّلَها غَيْرُها؛ لِأنَّ القُنُوتَ هو الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ؛ فَأفادَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الكَلامِ فِيها؛ وعَنِ المَشْيِ؛ وعَنْ الِاضْطِجاعِ؛ وعَنِ الأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ وكُلِّ فِعْلٍ لَيْسَ بِطاعَةٍ؛ لِما تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ مِنَ الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الطّاعاتِ؛ الَّتِي هي مِن أفْعالِ الصَّلاةِ؛ والنَّهْيِ عَنْ قَطْعِها بِالِاشْتِغالِ بِغَيْرِها؛ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ القُنُوتِ؛ الَّذِي هو الدَّوامُ عَلَيْها؛ واقْتَضى أيْضًا الدَّوامَ عَلى الخُشُوعِ؛ والسُّكُونِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَنْطَوِي عَلَيْهِ؛ ويَقْتَضِيهِ؛ فانْتَظَمَ هَذا اللَّفْظُ - مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهِ - جَمِيعَ أفْعالِ الصَّلاةِ؛ وأذْكارِها؛ ومَفْرُوضِها؛ ومَسْنُونِها؛ واقْتَضى النَّهْيَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ لَيْسَ بِطاعَةٍ فِيها؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.