Lafzullah

أحكام القرآن — البقرة 2:239 – البقرة 2:286

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. البقرة 2:239
  2. البقرة 2:240
  3. البقرة 2:243
  4. البقرة 2:244
  5. البقرة 2:247
  6. البقرة 2:258
  7. البقرة 2:259
  8. البقرة 2:262
  9. البقرة 2:263
  10. البقرة 2:267
  11. البقرة 2:268
  12. البقرة 2:272
  13. البقرة 2:273
  14. البقرة 2:275
  15. البقرة 2:279
  16. البقرة 2:280
  17. البقرة 2:282
  18. البقرة 2:283
  19. البقرة 2:284
  20. البقرة 2:286

البقرة 2:239

بابُ الصَّلاةِ الوُسْطى .. وذِكْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ فِيهِ أمْرٌ بِفِعْلِ الصَّلاةِ؛ وتَأْكِيدُ وُجُوبِها بِذِكْرِ المُحافَظَةِ؛ وهي الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَكْتُوباتُ؛ المَعْهُوداتُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ؛ وذَلِكَ لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْها؛ إشارَةً بِها إلى مَعْهُودٍ؛ وقَدِ انْتَظَمَ ذَلِكَ القِيامَ بِها؛ واسْتِيفاءَ فُرُوضِها؛ وحِفْظَ حُدُودِها؛ وفِعْلَها في مَواقِيتِها؛ وتَرْكَ التَّقْصِيرِ فِيها؛ إذْ كانَ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ كُلَّهُ؛ وأكَّدَ الصَّلاةَ الوُسْطى بِإفْرادِها بِالذِّكْرِ؛ مَعَ ذِكْرِهِ سائِرَ الصَّلَواتِ؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ إمّا أنْ تَكُونَ أفْضَلَ الصَّلَواتِ؛ وأوْلاها بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها؛ فَلِذَلِكَ أفْرَدَها بِالذِّكْرِ عَنِ الجُمْلَةِ؛ وإمّا أنْ تَكُونَ المُحافَظَةُ عَلَيْها أشَدَّ مِنَ المُحافَظَةِ عَلى غَيْرِها؛ وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ يَدُلُّ بَعْضُها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وبَعْضُها عَلى الوَجْهِ الثّانِي؛ فَمِنها ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: هي الظُّهْرُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِالهَجِيرِ؛ ولا يَكُونُ وراءَهُ إلّا الصَّفُّ؛ أوِ الصَّفّانِ؛ والنّاسُ في قائِلَتِهِمْ؛ وتِجارَتِهِمْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ وفي بَعْضِ ألْفاظِ الحَدِيثِ: فَكانَتْ أثْقَلَ الصَّلَواتِ عَلى الصَّحابَةِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) ذَلِكَ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وإنَّما سَمّاها "وُسْطى" لِأنَّ قَبْلَها صَلاتَيْنِ؛ وبَعْدَها صَلاتَيْنِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ؛ وحَفْصَةَ؛ وأُمِّ كُلْثُومٍ؛ أنَّ في مُصْحَفِهِنَّ: "حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ"؛ ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَتْ: "حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وصَلاةِ العَصْرِ"؛ وقَرَأْتُها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ نَسَخَها اللَّهُ (تَعالى) فَأنْزَلَ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ فَأخْبَرَ البَراءُ أنَّ ما في مُصْحَفِ (p-١٥٦)هَؤُلاءِ مِن ذِكْرِ صَلاةِ العَصْرِ مَنسُوخٌ. وقَدْ رَوى عاصِمٌ عَنْ زِرٍّ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قاتَلْنا الأحْزابَ فَشَغَلُونا عَنْ صَلاةِ العَصْرِ؛ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اَللَّهُمَّ امْلَأْ قُلُوبَ الَّذِينَ شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى نارًا» . قالَ عَلِيٌّ: كُنّا نَرى أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ ومِقْسَمٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّها صَلاةُ العَصْرِ»؛ وكَذَلِكَ رَوى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِن قَوْلِهِ: إنَّها صَلاةُ العَصْرِ؛ وكَذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ وعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: اَلْمَغْرِبُ؛ وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ صَلاةُ العَصْرِ "اَلْوُسْطى"؛ لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِن صَلاةِ النَّهارِ؛ وصَلاتَيْنِ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ الصَّلَواتِ وُجُوبًا كانَتِ الفَجْرَ؛ وآخِرَها العِشاءُ الآخِرَةُ؛ فَكانَتِ العَصْرُ هي الوُسْطى في الوُجُوبِ؛ ومَن قالَ: إنَّ الوُسْطى الظُّهْرُ؛ يَقُولُ: لِأنَّها وُسْطى صَلاةِ النَّهارِ بَيْنَ الفَجْرِ؛ والعَصْرِ؛ ومَن قالَ: اَلصُّبْحُ؛ فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّها تُصَلّى في سَوادٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ وبَياضٍ مِنَ النَّهارِ؛ فَجَعَلَها وُسْطى في الوَقْتِ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ عَلى نَفْيِ وُجُوبِ الوِتْرِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَما كانَ لَها وُسْطى؛ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ سِتًّا؛ فَيُقالُ لَهُ: إنْ كانَتِ الوُسْطى العَصْرَ فَوَجْهُهُ ما قِيلَ: إنَّها وُسْطى في الإيجابِ؛ وإنْ كانَتِ الظُّهْرَ فَلِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ النَّهارِ: اَلْفَجْرِ؛ والعَصْرِ؛ فَلا دَلالَةَ عَلى نَفْيِ وُجُوبِ الوِتْرِ؛ الَّتِي هي مِن صَلاةِ اللَّيْلِ؛ وأيْضًا فَإنَّها وُسْطى الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ؛ ولَيْسَ الوِتْرُ مِنَ المَكْتُوباتِ؛ وإنْ كانَتْ واجِبَةً؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ واجِبٍ فَرْضًا؛ إذْ كانَ الفَرْضُ هو أعْلى في مَراتِبِ الوُجُوبِ؛ وأيْضًا فَإنَّ فَرْضَ الوِتْرِ زِيادَةٌ ورَدَتْ بَعْدَ فَرْضِ المَكْتُوباتِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «"إنَّ اللَّهَ زادَكم إلى صَلاتِكم صَلاةً؛ وهي الوِتْرُ"؛» وإنَّما سُمِّيَتْ وُسْطى قَبْلَ وُجُوبِ الوِتْرِ. وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ في مَعْنى القُنُوتِ؛ في أصْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ؛ ورُوِيَ عَنِ السَّلَفِ فِيهِ أقاوِيلُ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ وعَطاءٍ؛ والشَّعْبِيِّ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾: مُطِيعِينَ؛ وقالَ نافِعٌ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: اَلْقُنُوتُ: طُولُ القِيامِ؛ وقَرَأ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ"؛» يَعْنِي القِيامَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْقُنُوتُ: اَلسُّكُوتُ؛ والقُنُوتُ: اَلطّاعَةُ؛ ولَمّا كانَ أصْلُ القُنُوتِ الدَّوامَ عَلى الشَّيْءِ؛ جازَ أنْ يُسَمّى مُدِيمُ الطّاعَةِ "قانِتًا"؛ وكَذَلِكَ مَن أطالَ القِيامَ؛ والقِراءَةَ؛ والدُّعاءَ في الصَّلاةِ؛ أوْ أطالَ الخُشُوعَ؛ والسُّكُوتَ؛ كُلُّ هَؤُلاءِ فاعِلُو القُنُوتِ؛ ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِيهِ (p-١٥٧)عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ؛» والمُرادُ بِهِ: أطالَ قِيامَ الدُّعاءِ. وقَدْ رَوى الحارِثُ؛ عَنْ شِبْلٍ؛ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فَنَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ»؛ فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نُسَلِّمُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في الصَّلاةِ؛ فَيَرُدُّ عَلَيْنا؛ قَبْلَ أنْ نَأْتِيَ أرْضَ الحَبَشَةِ؛ فَلَمّا رَجَعْتُ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ؛ فَقالَ: "إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ؛ وإنَّهُ قَضى ألّا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ"؛ ورَوى عَطاءُ بْنُ يَسارٍ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِالإشارَةِ؛ فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: «كُنّا نَرُدُّ السَّلامَ في الصَّلاةِ؛ فَنُهِينا عَنْ ذَلِكَ»؛ ورَوى إبْراهِيمُ الهَجَرِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عِياضٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ؛ فَنَزَلَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ وفي حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ؛ إنَّما هي التَّسْبِيحُ؛ والتَّكْبِيرُ؛ وقِراءَةُ القُرْآنِ"؛» فَفي هَذِهِ الأخْبارِ حَظْرُ الكَلامِ في الصَّلاةِ. ولَمْ يَخْتَلِفِ الرُّواةُ عَلى أنَّ الكَلامَ كانَ مُباحًا في الصَّلاةِ؛ إلى أنْ حُظِرَ؛ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى حَظْرِهِ؛ إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: "يَجُوزُ فِيها؛ لِإصْلاحِ الصَّلاةِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "كَلامُ السَّهْوِ لا يُفْسِدُها"؛ ولَمْ يُفَرِّقْ أصْحابُنا بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ؛ وأفْسَدُوا الصَّلاةَ بِوُجُودِهِ فِيها؛ عَلى وجْهِ السَّهْوِ وقَعَ؛ أوْ لِإصْلاحِ الصَّلاةِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَلَوْنا مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ ورِوايَةَ مَن رَوى أنَّها نَزَلَتْ في حَظْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ - مَعَ احْتِمالِهِ لَهُ لَوْ لَمْ تَرِدِ الرِّوايَةُ بِسَبَبِ نُزُولِها -؛ لَيْسَ فِيهِما فَرْقٌ بَيْنَ الكَلامِ الواقِعِ عَلى وجْهِ السَّهْوِ؛ والعَمْدِ؛ وبَيْنَهُ إذا قُصِدَ بِهِ إصْلاحُ الصَّلاةِ؛ أوْ لَمْ يُقْصَدْ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ الأخْبارِ المَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَظْرِهِ فِيها؛ لَمْ يُفَرِّقْ فِيها بَيْنَ ما قُصِدَ بِهِ إصْلاحُ الصَّلاةِ؛ وبَيْنَ غَيْرِهِ؛ ولا بَيْنَ السَّهْوِ؛ والعَمْدِ مِنهُ؛ فَهي عامَّةٌ في الجَمِيعِ. فَإنْ قِيلَ: اَلنَّهْيُ عَنِ الكَلامِ في الصَّلاةِ مَقْصُورٌ عَلى العامِدِ؛ دُونَ النّاسِي؛ لِاسْتِحالَةِ نَهْيِ النّاسِي؛ قِيلَ لَهُ: حُكْمُ النَّهْيِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى النّاسِي؛ كَهو عَلى العامِدِ؛ وإنَّما يَخْتَلِفانِ في المَأْثَمِ؛ واسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ؛ فَأمّا في الأحْكامِ الَّتِي هي فَسادُ الصَّلاةِ؛ وإيجابُ قَضائِها؛ فَلا يَخْتَلِفانِ؛ ألا تَرى أنَّ النّاسِيَ بِالأكْلِ؛ والحَدَثِ؛ والجِماعِ في الصَّلاةِ؛ في حُكْمِ العامِدِ؛ فِيما يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِن أحْكامِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ مِن إيجابِ القَضاءِ؛ وإفْسادِ الصَّلاةِ؛ وإنْ كانا مُخْتَلِفَيْنِ في حُكْمِ المَأْثَمِ؛ واسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ؟ وإذا كانَ ذَلِكَ؛ عَلى ما وصَفْنا؛ كانَ حُكْمُ النَّهْيِ فِيما يَقْتَضِيهِ مِن إيجابِ القَضاءِ؛ مُعَلَّقًا بِالنّاسِي؛ كَهو بِالعامِدِ؛ لا فارِقَ (p-١٥٨)بَيْنَهُما فِيهِ؛ وإنِ اخْتَلَفا في حُكْمِ المَأْثَمِ؛ والوَعِيدِ؛ فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ ما قُصِدَ بِهِ الإصْلاحُ لِلصَّلاةِ؛ وبَيْنَ ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إصْلاحُها؛ وعَلى فَسادِ قَوْلِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ النّاسِي؛ والعامِدِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ -: «"إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ"؛» وحَقِيقَتُهُ الخَبَرُ؛ فَهو مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيها كَلامُ النّاسِ؛ فَلَوْ بَقِيَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الكَلامِ؛ لَكانَ قَدْ صَلُحَ الكَلامُ فِيها مِن وجْهٍ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما وقَعَ فِيهِ كَلامُ النّاسِ لَيْسَ بِصَلاةٍ لِيَكُونَ مُخْبَرُهُ خَبَرًا مَوْجُودًا في سائِرِ ما أخْبَرَ بِهِ؛ ومِن وجْهٍ آخَرَ؛ أنَّ ضِدَّ الصَّلاحِ هو الفَسادُ؛ وهو يَقْتَضِيهِ في مُقابَلَتِهِ؛ فَإذا لَمْ يَصْلُحْ فِيها ذَلِكَ فَهي فاسِدَةٌ؛ إذا وقَعَ الكَلامُ فِيها؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ صَلُحَ الكَلامُ فِيها مِن غَيْرِ إفْسادٍ؛ وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الخَبَرِ. واحْتَجَّ الفَرِيقانِ جَمِيعًا - مِن مُخالِفِينا - اللَّذَيْنِ حَكَيْنا قَوْلَهُما بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ في قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ؛ ورُوِيَ مِن طُرُقٍ؛ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدى صَلاتَيِ العَشِيِّ؛ الظُّهْرَ؛ أوِ العَصْرَ؛ ثُمَّ قامَ إلى خَشَبَةٍ في مُقَدِّمِ المَسْجِدِ؛ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْها؛ إحْداهُما عَلى الأُخْرى؛ يُعْرَفُ في وجْهِهِ الغَضَبُ؛ قالَ: وخَرَجَ سَرَعانُ النّاسِ؛ فَقالُوا: أقَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ وفي النّاسِ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ فَهاباهُ أنْ يُكَلِّماهُ؛ فَقامَ رَجُلٌ طَوِيلُ اليَدَيْنِ؛ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّيهِ ذا اليَدَيْنِ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أنَسِيتَ؛ أمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ فَقالَ لَهُ: "لَمْ أنْسَ؛ ولَمْ تَقْصُرِ الصَّلاةُ"؛ فَقالَ: بَلْ نَسِيتَ؛ فَأقْبَلَ عَلى القَوْمِ؛ فَقالَ: "أصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟"؛ قالُوا: نَعَمْ؛ فَجاءَ فَصَلّى بِنا الرَّكْعَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ؛ وسَلَّمَ؛ وسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ؛» قالُوا: فَأخْبَرَ أبُو هُرَيْرَةَ بِما كانَ مِنهُ؛ ومِنهُمْ؛ مِنَ الكَلامِ؛ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ البِناءِ؛ وقَدْ كانَ أبُو هُرَيْرَةَ مُتَأخِّرَ الإسْلامِ؛ ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ؛ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: أتَيْنا أبا هُرَيْرَةَ فَقُلْنا: حَدِّثْنا؛ فَقالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – "ثَلاثَ سِنِينَ» "؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ والنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ؛ فَخَرَجَ خَلْفَهُ؛ وقَدْ فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ؛ قالُوا: فَإذا كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بَعْدَ إسْلامِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ نَسْخَ الكَلامِ كانَ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَمّا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ؛ كانَ الكَلامُ في الصَّلاةِ مَحْظُورًا؛ لِأنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَهُ بِنَسْخِ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ كانَ بَعْدَ حَظْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ وقالَ أصْحابُ مالِكٍ: إنَّما لَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلاةُ؛ لِأنَّهُ كانَ لِإصْلاحِها؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: لِأنَّهُ وقَعَ ناسِيًا؛ (p-١٥٩)فَيُقالُ لَهُمْ: لَوْ كانَ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ بَعْدَ نَسْخِ الكَلامِ لَكانَ مُبِيحًا لِلْكَلامِ فِيها؛ ناسِخًا لِحَظْرِهِ المُتَقَدِّمِ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهم أنَّ جَوازَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِحالٍ دُونَ حالٍ. وقَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ؛ عَنْ أبِي حازِمٍ؛ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"مَن نابَهُ في صَلاتِهِ شَيْءٌ فَلْيَقُلْ: (سُبْحانَ اللَّهِ)؛ إنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ؛ والتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ"؛» ورَوى سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ؛ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ"؛» فَمَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ مِنَ الكَلامِ؛ وأمَرَ بِالتَّسْبِيحِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ القَوْمِ تَسْبِيحٌ في قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ؛ ولا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ تَرْكَهُ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قِصَّةَ ذِي اليَدَيْنِ كانَتْ قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَهُمُ التَّسْبِيحَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلَّمَهُمُ التَّسْبِيحَ ثُمَّ يُخالِفُونَهُ إلى غَيْرِهِ؛ ولَوْ كانُوا خالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ لَظَهَرَ فِيهِ النَّكِيرُ عَلَيْهِمْ في تَرْكِهِمُ التَّسْبِيحَ المَأْمُورَ بِهِ إلى الكَلامِ المَحْظُورِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قِصَّةَ ذِي اليَدَيْنِ كانَتْ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا قَبْلَ حَظْرِ الكَلامِ؛ ثُمَّ حُظِرَ الكَلامُ في الصَّلاةِ؛ وإمّا أنْ تَكُونَ بَعْدَ حَظْرِ الكَلامِ بَدِيًّا مِنهُ؛ ثُمَّ أُبِيحَ الكَلامُ؛ ثُمَّ حُظِرَ بِقَوْلِهِ: «"اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ؛ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ"؛» وقَدْ كانَ نَسْخُ الكَلامِ بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى مَعْمَرٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ؛ أوِ العَصْرَ» ..."؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ؛ قالَ الزُّهْرِيُّ: فَكانَ هَذا قَبْلَ بَدْرٍ؛ ثُمَّ اسْتُحْكِمَتِ الأُمُورُ بَعْدَهُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: " «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ؛ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ»؛ وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «سَلَّمَ رَجُلٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ إشارَةً؛ وقالَ: "كُنّا نَرُدُّ السَّلامَ في الصَّلاةِ؛ فَنُهِينا عَنْ ذَلِكَ»؛ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مِن أصاغِرِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ويَدُلُّ عَلى صِغَرِ سِنِّهِ ما رَوى هِشامٌ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: "وما عِلْمُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ؛ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وإنَّما كانا غُلامَيْنِ صَغِيرَيْنِ"؛ وكانَ قُدُومُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الحَبَشَةِ إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ؛ ومَن كانَ مَعَهُ بِالحَبَشَةِ؛ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ؛ وقَدْ رَوى أهْلُ السِّيَرِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَتَلَ أبا جَهْلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ بَعْدَما أثْخَنَهُ ابْنا عَفْراءَ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِحَظْرِ الكَلامِ في الصَّلاةِ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنَ الحَبَشَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ والنَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ؛ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ؛ (p-١٦٠)عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العُمَرِيِّ؛ عَنْ نافِعٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ ذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ ذِي اليَدَيْنِ؛ فَقالَ: كانَ إسْلامُ أبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَما قُتِلَ ذُو اليَدَيْنِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ كانَ قَبْلَ إسْلامِهِ؛ لِأنَّ إسْلامَهُ كانَ عامَ خَيْبَرَ؛ فَثَبَتَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَشْهَدْ تِلْكَ القِصَّةَ؛ وإنْ حَدَّثَ بِها؛ كَما قالَ البَراءُ: ما كُلُّ ما نُحَدِّثُكم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْناهُ؛ ولَكِنْ سَمِعْنا؛ وحَدَّثَنا أصْحابُنا. ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ؛ عَنْ أنَسٍ قالَ: واللَّهِ ما كُلُّ ما نُحَدِّثُكم بِهِ سَمِعْناهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ولَكِنْ كانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنا بَعْضًا؛ ولا يَتَّهِمُ بَعْضُنا بَعْضًا؛ وقَدْ رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القارِيِّ «أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ؛ ما أنا قُلْتُ: مَن أدْرَكَ الصُّبْحَ وهو جُنُبٌ فَلْيُفْطِرْ؛ ولَكِنْ مُحَمَّدٌ قالَهُ ورَبِّ هَذا البَيْتِ»؛ ثُمَّ لَمّا أُخْبِرَ بِرِوايَةِ عائِشَةَ؛ وأُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غَيْرِ احْتِلامٍ؛ ثُمَّ يَصُومُ يَوْمَهُ ذَلِكَ»؛ قالَ: لا عِلْمَ لِي بِهَذا؛ إنَّما أخْبَرَنِي بِهِ الفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ؛ فَلَيْسَ في رِوايَتِهِ بِحَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى مُشاهَدَتِهِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ أخْبارِهِ أنَّهُ قالَ: " صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّهُ صَلّى بِالمُسْلِمِينَ؛ وهو مِنهُمْ؛ كَما رَوى مِسْعَرُ بْنُ كِدامٍ؛ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ؛ عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّا وإيّاكم كُنّا نُدْعى بَنِي عَبْدِ مَنافٍ؛ فَأنْتُمُ اليَوْمَ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ؛ ونَحْنُ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ»؛ إنَّما يَعْنِي أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ حَظْرُ الكَلامِ في الصَّلاةِ مُتَقَدِّمًا لِبَدْرٍ لَما شَهِدَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ؛ لِأنَّهُ كانَ صَغِيرَ السِّنِّ؛ وكانَ يَتِيمًا في حِجْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حِينَ خَرَجَ إلى مُؤْتَةَ؛ ومِثْلُهُ لا يُدْرِكُ قِصَّةً كانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ؛ قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ قَدْ شَهِدَ إباحَةَ الكَلامِ في الصَّلاةِ؛ فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ أُبِيحَ بَعْدَ الحَظْرِ؛ ثُمَّ حُظِرَ؛ فَكانَ آخِرُ أمْرِهِ الحَظْرَ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أبُو هُرَيْرَةَ أيْضًا قَدْ شَهِدَ إباحَةَ الكَلامِ في الصَّلاةِ بَعْدَ حَظْرِهِ؛ ثُمَّ حُظِرَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّ إخْبارَهُ عَنْ قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ لا مَحالَةَ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُشاهَدَةٍ؛ لِأنَّهُ أسْلَمَ بَعْدَها؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ أخْبَرَ عَنْ حالِ المُسْلِمِينَ في كَلامِهِمْ في الصَّلاةِ إلى نُزُولِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ ويَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: "كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ"؛ إخْبارًا عَنِ المُسْلِمِينَ؛ وهو مِنهُمْ؛ كَما قالَ النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ: "قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ وكَما قالَ الحَسَنُ: "خَطَبَنا ابْنُ عَبّاسٍ بِالبَصْرَةِ"؛ وهو لَمْ يَكُنْ بِها يَوْمَئِذٍ؛ إنَّما طَرَأ عَلَيْها بَعْدَهُ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ ذِي اليَدَيْنِ كانَتْ في حالِ إباحَةِ الكَلامِ؛ أنَّ فِيها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنَدَ إلى جِذْعٍ في المَسْجِدِ؛ وأنَّ سَرَعانَ النّاسِ خَرَجُوا فَقالُوا: "أقَصُرَتِ الصَّلاةُ؟"؛ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-١٦١)أقْبَلَ عَلى القَوْمِ فَسَألَهُمْ؛ فَقالُوا: صَدَقَ؛ وبَعْضُ هَذا الكَلامِ كانَ عَمْدًا؛ وبَعْضُهُ كانَ لِغَيْرِ إصْلاحِ الصَّلاةِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّها كانَتْ في حالِ إباحَةِ الكَلامِ. وجُمْلَةُ الأمْرِ في ذَلِكَ: إنْ كانَ في حالِ إباحَةِ الكَلامِ بَدِيّا قَبْلَ حَظْرِهِ فَلا حُجَّةَ لِلْمُخالِفِ فِيهِ؛ وإنْ كانَ بَعْدَ حَظْرِ الكَلامِ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أُبِيحَ بَعْدَ الحَظْرِ؛ ثُمَّ حُظِرَ؛ فَكانَ آخِرُ أمْرِهِ الحَظْرَ؛ ونُسِخَ بِهِ ما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: «"اَلتَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ؛ والتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ"؛» كانَ بَعْدَ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ إذْ لَوْ كانَ مُتَقَدِّمًا لَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ المَأْمُورِ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ؛ ولَكانَ القَوْمُ لا يُخالِفُونَهُ إلى الكَلامِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَظْرِ الكَلامِ؛ والأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ ناسِخٌ لِحَظْرِ الكَلامِ؛ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَلِفًا في اسْتِعْمالِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ تَقْضِيَ عَلَيْهِ الأخْبارُ الوارِدَةُ في الحَظْرِ؛ لِأنَّ مِن أصْلِنا أنَّهُ مَتى ورَدَ خَبَرانِ؛ أحَدُهُما خاصٌّ؛ والآخَرُ عامٌّ؛ واتَّفَقُوا عَلى اسْتِعْمالِ العامِّ؛ واخْتَلَفُوا في اسْتِعْمالِ الخاصِّ؛ كانَ الخَبَرُ المُتَّفَقُ عَلى اسْتِعْمالِهِ قاضِيًا عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ؛ فَإنْ قِيلَ: قَدْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ حَدَثِ السّاهِي؛ والعامِدِ؛ فَهَلّا فَرَّقْتُمْ بَيْنَ سَهْوِ الكَلامِ؛ وعَمْدِهِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا سُؤالٌ فارِغٌ لا يَسْتَحِقُّ الجَوابَ؛ إلّا أنْ يَتَبَيَّنَ وجْهُ الدَّلالَةِ في إحْدى المَسْألَتَيْنِ عَلى الأُخْرى؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا فارِقَ عِنْدَنا بَيْنَ حَدَثِ السّاهِي؛ والعامِدِ؛ في إفْسادِ الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِهِ؛ وإنَّما الفارِقُ بَيْنَ ما كانَ مِن فِعْلِهِ؛ أوْ سَبْقِهِ مِن غَيْرِ فِعْلِهِ؛ فَأمّا لَوْ سَها فَحَكَّ قُرْحَةً؛ وخَرَجَ مِنها دَمٌ؛ أوْ تَقَيَّأ؛ فَسَدَتْ صَلاتُهُ؛ وإنْ كانَ ساهِيًا؛ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ سَلامِ السّاهِي؛ والعامِدِ؛ وهو كَلامٌ في الصَّلاةِ؛ فَكَذَلِكَ سائِرُ الكَلامِ فِيها؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما السَّلامُ ضَرْبٌ مِنَ الذِّكْرِ؛ مَسْنُونٌ بِهِ الخُرُوجُ مِنَ الصَّلاةِ؛ فَإذا قَصَدَ إلَيْهِ عامِدًا فَسَدَتْ بِهِ الصَّلاةُ؛ كَما يَخْرُجُ بِهِ مِنها في آخِرِها؛ وإذا كانَ ساهِيًا فَهو ذِكْرٌ مِنَ الأذْكارِ؛ لا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ؛ وإنَّما كانَ ذِكْرًا لِأنَّهُ سَلامٌ عَلى المَلائِكَةِ؛ وعَلى مَن حَضَرَهُ مِنَ المُصَلِّينَ؛ وهو لَوْ قالَ: "اَلسَّلامُ عَلى مَلائِكَةِ اللَّهِ؛ وجِبْرِيلَ؛ ومِيكالَ"؛ أوْ: "عَلى نَبِيِّ اللَّهِ"؛ لا تَفْسُدُ صَلاتُهُ؛ فَلَمّا كانَ ضَرْبًا مِنَ الأذْكارِ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ عامِدًا لَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ مَوْجُودٌ مِثْلُهُ في الصَّلاةِ؛ لا يُفْسِدُها؛ وهو قَوْلُهُ: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ؛ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ"؛ وإذا كانَ مِثْلُهُ قَدْ يُوجَدُ في الصَّلاةِ ذِكْرًا مَسْنُونًا؛ لَمْ يَكُنْ مُفْسِدًا لَها إذا وقَعَ مِنهُ ناسِيًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ»؛ وما أُبِيحَ في الصَّلاةِ مِنَ الكَلامِ فَلَيْسَ بِداخِلٍ فِيهِ؛ (p-١٦٢)فَلا تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ؛ ولَمْ يَتَناوَلْهُ الخَبَرُ؛ وإنَّما أفْسَدْنا بِهِ الصَّلاةَ إذا تَعَمَّدَ؛ لا مِن حَيْثُ كانَ مِن كَلامِ النّاسِ المَحْظُورِ في الصَّلاةِ؛ ولَكِنْ مِن جِهَةِ أنَّهُ مَسْنُونٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ؛ فَإذا عَمَدَ لَهُ فَقَدْ قَصَدَ الوَجْهَ المَسْنُونَ لَهُ؛ فَقَطَعَ صَلاتَهُ؛ وأيْضًا لَمّا كانَ مِن شَرْطِ الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ تَرْكُ الكَلامِ فِيها؛ ومَتى تَعَمَّدَ الكَلامَ؛ لَمْ تَكُنْ صَلاةً عِنْدَ الجَمِيعِ؛ إذا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلى إصْلاحِها؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُودُ الكَلامِ فِيها مُخْرِجًا لَها مِن أنْ تَكُونَ صَلاةً شَرْعِيَّةً؛ كالطَّهارَةِ؛ لَمّا كانَتْ مِن شَرْطِها لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُها في تَرْكِ الطَّهارَةِ؛ سَهْوًا؛ أوْ عَمْدًا؛ وكَذَلِكَ تَرْكُ القِراءَةِ؛ والرُّكُوعِ؛ والسُّجُودِ؛ وسائِرِ فُرُوضِها؛ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُ السَّهْوِ والعَمْدِ فِيها؛ لِأنَّ الصَّلاةَ لَمّا كانَتِ اسْمًا شَرْعِيًّا؛ وكانَتْ صِحَّةُ هَذا الِاسْمِ لَها مُتَعَلِّقَةً بِشَرائِطِهِ؛ مَتى عُدِمَتْ زالَ الِاسْمُ؛ وكانَ مِن شُرُوطِها تَرْكُ الكَلامِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ فِيها يَسْلُبُها اسْمَ الصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ولَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِلصَّلاةِ؛ فَلَمْ نُجِزْهُ؛ فَإنْ ألْزَمُونا عَلى ذَلِكَ الصِّيامَ؛ وما شُرِطَ فِيهِ مِن تَرْكِ الأكْلِ؛ وتَعَلُّقِ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ فِيهِ حُكْمُ السَّهْوِ؛ والعَمْدِ؛ فَإنّا نَقُولُ: إنَّ القِياسَ فِيهِما سَواءٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لَوْلا الأثَرُ لَوَجَبَ ألّا يَخْتَلِفَ فِيهِ حُكْمُ الأكْلِ؛ سَهْوًا أوْ عَمْدًا؛ وإذا سَلَّمُوا القِياسَ فَقَدِ اسْتَمَرَّتِ العِلَّةُ وصَحَّتْ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) في أوَّلِ الخِطابِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ؛ والمُحافَظَةَ عَلَيْها؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى لُزُومِ اسْتِيفاءِ فُرُوضِها؛ والقِيامِ بِحُدُودِها؛ لِاقْتِضاءِ ذِكْرِ المُحافَظَةِ لَها؛ وأكَّدَ الصَّلاةَ الوُسْطى بِإفْرادِها بِالذِّكْرِ؛ لِما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ مِن فائِدَةِ ذِكْرِ التَّأْكِيدِ لَها؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فاشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلى لُزُومِ السُّكُوتِ؛ والخُشُوعِ فِيها؛ وتَرْكِ المَشْيِ والعَمَلِ فِيها؛ وذَلِكَ في حالِ الأمْنِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حالَ الخَوْفِ؛ وأمَرَ بِفِعْلِها عَلى الأحْوالِ كُلِّها؛ ولَمْ يُرَخِّصْ في تَرْكِها لِأجْلِ الخَوْفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ قَوْلُهُ: "فَرِجالًا"؛ جَمْعُ راجِلٍ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: "راجِلٌ"؛ و"رِجالٌ"؛ كَـ "تاجِرٌ"؛ و"تِجارٌ"؛ و"صاحِبٌ"؛ و"صِحابٌ"؛ و"قائِمٌ"؛ و"قِيامٌ"؛ وأمَرَ بِفِعْلِها في حالِ الخَوْفِ راجِلًا؛ ولَمْ يَعْذُرْ في تَرْكِها؛ كَما أمَرَ المَرِيضَ بِفِعْلِها عَلى الحالِ الَّتِي يُمْكِنُهُ فِيها فِعْلُها؛ مِن قِيامٍ؛ وقُعُودٍ؛ وعَلى جَنْبٍ؛ وأمَرَهُ بِفِعْلِ الصَّلاةِ راكِبًا في حالِ الخَوْفِ؛ إباحَةً لِفِعْلِها بِالإيماءِ؛ لِأنَّ الرّاكِبَ إنَّما يُصَلِّي بِالإيماءِ؛ لا يَفْعَلُ فِيها قِيامًا؛ ولا رُكُوعًا؛ ولا سُجُودًا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في صَلاةِ الخَوْفِ قالَ: " فَإنْ كانَ خَوْفًا أشَدَّ مِن ذَلِكَ صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ؛ ورُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ؛ وغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها "؛ قالَ نافِعٌ: (p-١٦٣)لا أرى ابْنَ عُمَرَ قالَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو الخَوْفُ دُونَ القِتالِ؛ فَإذا خافَ وقَدْ حَصَرَهُ العَدُوُّ جازَ لَهُ فِعْلُها كَذَلِكَ؛ ولَمّا أباحَ لَهُ فِعْلَها راكِبًا لِأجْلِ الخَوْفِ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ مِنَ الرُّكْبانِ؛ وبَيْنَ مَن تَرَكَ اسْتِقْبالَها؛ تَضَمَّنَتِ الدَّلالَةَ عَلى جَوازِ فِعْلِها مِن غَيْرِ اسْتِقْبالِها؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِفِعْلِها عَلى كُلِّ حالٍ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن أمْكَنَهُ اسْتِقْبالُها؛ وبَيْنَ مَن لَمْ يُمْكِنْهُ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن لا يُمْكِنُهُ اسْتِقْبالُها جائِزٌ لَهُ فِعْلُها عَلى الحالِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْها فِيها؛ ويَدُلُّ مِن جِهَةٍ أُخْرى عَلى ذَلِكَ؛ وهي أنَّ القِيامَ؛ والرُّكُوعَ؛ والسُّجُودَ؛ مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ؛ وقَدْ أباحَ تَرْكَها حِينَ أمَرَهُ بِفِعْلِها راكِبًا؛ فَتَرْكُ القِبْلَةِ أحْرى بِالجَوازِ؛ إذا كانَ فِعْلُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ آكَدَ مِنَ القِبْلَةِ؛ فَإذا جازَ تَرْكُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ فَتَرْكُ القِبْلَةِ أحْرى بِالجَوازِ. فَإنْ قِيلَ - عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُبِحْ تَرْكَ الصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ؛ وأمَرَ بِها عَلى الحالِ الَّتِي يُمْكِنُ فِعْلُها -: قَدْ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ أرْبَعَ صَلَواتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كانَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ؛ ثُمَّ قَضاهُنَّ عَلى التَّرْتِيبِ»؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَرْكِ الصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الأمْرُ بِالصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ؛ بَعْدَ تَقْدِيمِ تَأْكِيدِ فُرُوضِها؛ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ ثُمَّ زادَها تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ فَأمَرَ فِيها بِالدَّوامِ عَلى الخُشُوعِ؛ والسُّكُونِ؛ والقِيامِ؛ وحَظَرَ فِيها التَّنَقُّلَ مِن حالٍ إلّا إلى حالٍ هي الصَّلاةُ مِنَ الرُّكُوعِ؛ والسُّجُودِ؛ ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ لَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ شَرْطَ جَوازِ الصَّلاةِ فِعْلُها عَلى هَذِهِ الأوْصافِ؛ فَبَيَّنَ حُكْمَ هَذِهِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ؛ في حالِ الخَوْفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ فَأمَرَ بِفِعْلِها في هَذِهِ الحالِ؛ ولَمْ يَعْذُرْ أحَدًا مِنَ المُكَلَّفِينَ في تَرْكِها؛ ولَمْ يَذْكُرْ حالَ القِتالِ؛ إذْ لَيْسَ جَمِيعُ أحْوالِ الخَوْفِ هي أحْوالَ القِتالِ؛ لِأنَّ حُضُورَ العَدُوِّ يُوجِبُ الخَوْفَ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ قائِمٌ؛ فَإنَّما أمَرَ بِفِعْلِها في هَذِهِ الحالِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ حالَ القِتالِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ لِأنَّهُ كانَ مَشْغُولًا بِالقِتالِ؛ والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ يَمْنَعُ الصَّلاةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: «"مَلَأ اللَّهُ قُبُورَهم وبُيُوتَهم نارًا كَما شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى "؛» وكَذَلِكَ يَقُولُ أصْحابُنا: إنَّ الِاشْتِغالَ بِالقِتالِ يُفْسِدُها؛ فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتُ مِن أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّما لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ؛ والواقِدِيُّ جَمِيعًا؛ أنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ كانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ؛ وقَدْ صَلّى النَّبِيُّ (p-١٦٤)ﷺ فِيها صَلاةَ الخَوْفِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ إنَّما كانَ لِلْقِتالِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّتَها؛ ويُنافِيها. ويَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَقُولُ: إنَّ الخائِفَ تَجُوزُ لَهُ الصَّلاةُ وهو ماشٍ؛ وإنْ كانَ طالِبًا؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾؛ ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ المَشْيِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فالطّالِبُ غَيْرُ خائِفٍ؛ لِأنَّهُ إنِ انْصَرَفَ لَمْ يَخَفْ؛ واللَّهُ – سُبْحانَهُ - إنَّما أباحَ ذَلِكَ لِلْخائِفِ؛ وإذا كانَ مَطْلُوبًا فَجائِزٌ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ راكِبًا؛ وماشِيًا؛ إذا خافَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) حالَ الخَوْفِ؛ وأمَرَ بِالصَّلاةِ عَلى الوَجْهِ المُمْكِنِ؛ مِن راجِلٍ؛ وراكِبٍ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حالَ الأمْنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في حالِ الخَوْفِ؛ وهو الصَّلاةُ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الذِّكْرِ في الصَّلاةِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ المُخاطَبَةُ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾؛ اَلْأمْرَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ؛ واسْتِيفاءِ فُرُوضِها؛ وشُرُوطِها؛ وحِفْظِ حُدُودِها. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾؛ تَضَمَّنَ إيجابَ القِيامِ فِيها؛ ولَمّا كانَ القُنُوتُ اسْمًا يَقَعُ عَلى الطّاعَةِ اقْتَضى أنْ يَكُونَ جَمِيعُ أفْعالِ الصَّلاةِ طاعَةً؛ وألّا يَتَخَلَّلَها غَيْرُها؛ لِأنَّ القُنُوتَ هو الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ؛ فَأفادَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الكَلامِ فِيها؛ وعَنِ المَشْيِ؛ وعَنْ الِاضْطِجاعِ؛ وعَنِ الأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ وكُلِّ فِعْلٍ لَيْسَ بِطاعَةٍ؛ لِما تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ مِنَ الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الطّاعاتِ؛ الَّتِي هي مِن أفْعالِ الصَّلاةِ؛ والنَّهْيِ عَنْ قَطْعِها بِالِاشْتِغالِ بِغَيْرِها؛ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ القُنُوتِ؛ الَّذِي هو الدَّوامُ عَلَيْها؛ واقْتَضى أيْضًا الدَّوامَ عَلى الخُشُوعِ؛ والسُّكُونِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَنْطَوِي عَلَيْهِ؛ ويَقْتَضِيهِ؛ فانْتَظَمَ هَذا اللَّفْظُ - مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهِ - جَمِيعَ أفْعالِ الصَّلاةِ؛ وأذْكارِها؛ ومَفْرُوضِها؛ ومَسْنُونِها؛ واقْتَضى النَّهْيَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ لَيْسَ بِطاعَةٍ فِيها؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.

البقرة 2:240

ذِكْرُ إحْدادِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ عَلَيْها اجْتِنابَ الزِّينَةِ؛ والطِّيبِ؛ مِنهم عائِشَةُ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ؛ وابْنُ عُمَرَ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ومِنَ التّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ؛ وحَكاهُ عَنْ فُقَهاءِ المَدِينَةِ؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا؛ وسائِرِ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَهم فِيهِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ؛ عَنْ مالِكٍ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ؛ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نافِعٍ؛ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ أنَّها أخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الأحادِيثِ؛ قالَتْ زَيْنَبُ: «دَخَلْتُ عَلى أُمِّ حَبِيبَةَ؛ حِينَ تُوُفِّيَ أبُوها؛ أبُو سُفْيانَ؛ فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ؛ خَلُوقٌ؛ أوْ غَيْرُهُ؛ فَدَهَنَتْ مِنهُ جارِيَةً؛ ثُمَّ مَسَّتْ بِعارِضَيْها؛ ثُمَّ قالَتْ: واللَّهِ ما لِي بِالطِّيبِ مِن حاجَةٍ؛ غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ؛ إلّا عَلى زَوْجٍ؛ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا"؛» «قالَتْ زَيْنَبُ: ودَخَلْتُ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ؛ حِينَ تُوُفِّيَ أخُوها؛ فَدَعَتْ بِطِيبٍ؛ فَمَسَّتْ مِنهُ؛ ثُمَّ قالَتْ: واللَّهِ ما لِي بِالطِّيبِ مِن حاجَةٍ؛ غَيْرَ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – يَقُولُ - وهو عَلى المِنبَرِ -: لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ؛ إلّا عَلى زَوْجٍ؛ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا» . قالَتْ زَيْنَبُ: وسَمِعْتُ أُمِّي؛ أُمَّ سَلَمَةَ؛ تَقُولُ: (p-١٢٦)«جاءَتِ امْرَأةٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها؛ وقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَها؛ أفَنَكْحُلُها؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لا"؛ مَرَّتَيْنِ؛ أوْ ثَلاثًا؛ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لا"؛ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّما هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ؛ وقَدْ كانَتْ إحْداكُنَّ في الجاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ"؛» قالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وما تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ؟ فَقالَتْ زَيْنَبُ: كانَتِ المَرْأةُ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها دَخَلَتْ حِفْشًا؛ ولَبِسَتْ شَرَّ ثِيابِها؛ ولَمْ تَمَسَّ طِيبًا؛ ولا شَيْئًا؛ حَتّى تَمُرَّ بِها سَنَةٌ؛ ثُمَّ تُؤْتى بِدابَّةٍ؛ حِمارٍ؛ أوْ شاةٍ؛ أوْ طَيْرٍ؛ فَتَفْتَضُّ بِهِ؛ فَقَلَّما تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلّا ماتَ؛ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِها؛ ثُمَّ تُراجِعُ بَعْدُ ما شاءَتْ مِن طِيبٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَحَظَرَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاكْتِحالَ في العِدَّةِ؛ وأخْبَرَ بِالعِدَّةِ الَّتِي كانَتْ تَعْتَدُّها إحْداهُنَّ؛ وما تَجْتَنِبُهُ مِنَ الزِّينَةِ والطِّيبِ؛ ثُمَّ قالَ: "إنَّما هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ"؛ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ العِدَّةَ مُحْتَدٌّ بِها - العِدَّةَ الَّتِي كانَتْ سَنَةً - في اجْتِنابِ الطِّيبِ؛ والزِّينَةِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي بُكَيْرٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ قالَ: حَدَّثَنِي بَدِيلٌ؛ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ؛ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اَلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها لا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيابِ؛ ولا المُمَشَّقَةَ؛ ولا الحِلْيَةَ؛ ولا تَخْتَضِبُ؛ ولا تَكْتَحِلُ»؛ ورَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"اَلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها لا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيابِ؛ ولا المُمَشَّقَةَ؛ ولا الحُلِيَّ؛ ولا تَخْتَضِبُ؛ ولا تَكْتَحِلُ"؛» ورَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لَها - وهي مُعْتَدَّةٌ مِن زَوْجِها -: «لا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ؛ ولا بِالحِنّاءِ؛ فَإنَّهُ خِضابٌ» . قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أرْبَعَةَ أحْكامٍ؛ أحَدُها الحَوْلُ؛ وقَدْ نُسِخَ مِنهُ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ وعَشْرٍ؛ والثّانِي نَفَقَتُها وسُكْناها في مالِ الزَّوْجِ؛ فَقَدْ نُسِخَ بِالمِيراثِ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْجَبَها لَها عَلى وجْهِ الوَصِيَّةِ لِأزْواجِهِمْ؛ كَما كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً لِلْوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ فَنُسِخَتْ بِالمِيراثِ؛ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ"؛» ومِنها الإحْدادُ؛ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلالَةُ مِنَ الآيَةِ؛ فَحُكْمُهُ باقٍ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ومِنها انْتِقالُها عَنْ بَيْتِ زَوْجِها؛ فَحُكْمُهُ باقٍ في حَظْرِهِ؛ فَنُسِخَ مِنَ الآيَةِ حُكْمانِ؛ وبَقِيَ حُكْمانِ؛ ولا نَعْلَمُ آيَةً اشْتَمَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أحْكامٍ فَنُسِخَ مِنها اثْنانِ؛ وبَقِيَ اثْنانِ؛ غَيْرَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾؛ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ السُّكْنى الواجِبَةُ في مالِ الزَّوْجِ؛ فَقَدْ نُسِخَ كَوْنُها في مالِ الزَّوْجِ؛ فَصارَ حَظْرُ (p-١٢٧)الإخْراجِ مَنسُوخًا؛ إلّا أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما وُجُوبُ السُّكْنى في مالِ الزَّوْجِ؛ والثّانِي حَظْرُ الخُرُوجِ؛ والإخْراجِ؛ لِأنَّهم إذا كانُوا مَمْنُوعِينَ مِن إخْراجِها فَهي لا مَحالَةَ مَأْمُورَةٌ بِاللَّبْثِ؛ فَإذا نُسِخَ وُجُوبُ السُّكْنى في مالِ الزَّوْجِ؛ بَقِيَ حُكْمُ لُزُومِ اللَّبْثِ في البَيْتِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في نَفَقَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: نَفَقَتُها عَلى نَفْسِها؛ حامِلًا كانَتْ؛ أوْ غَيْرَ حامِلٍ؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وعَطاءٍ؛ وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ؛ ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ؛ وعَبْدِ اللَّهِ قالا: إذا ماتَ عَنْها زَوْجُها فَنَفَقَتُها مِن جَمِيعِ المالِ؛ ورَوى الحَكَمُ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْضُونَ في الحامِلِ؛ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ إنْ كانَ المالُ كَثِيرًا فَنَفَقَتُها مِن نَصِيبِ ولَدِها؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا فَمِن جَمِيعِ المالِ؛ ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: يُنْفَقُ عَلَيْها مِن جَمِيعِ المالِ؛ وقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: لا نَفَقَةَ لَها؛ ولا سُكْنى في مالِ المَيْتِ؛ حامِلًا كانَتْ؛ أوْ غَيْرَ حامِلٍ؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: هي في مالِ الزَّوْجِ بِمَنزِلَةِ الدَّيْنِ عَلى المَيْتِ؛ إذا كانَتْ حامِلًا؛ وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: نَفَقَتُها عَلى نَفْسِها؛ وإنْ كانَتْ حامِلًا؛ ولَها السُّكْنى إنْ كانَتِ الدّارُ لِلزَّوْجِ؛ وإنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فالمَرْأةُ أحَقُّ بِسُكْناها؛ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها؛ وإنْ كانَتْ في بَيْتٍ بِكِراءٍ؛ فَأخْرَجُوها؛ لَمْ يَكُنْ لَها سُكْنى في مالِ الزَّوْجِ؛ هَذِهِ رِوايَةُابْنِ وهْبٍ عَنْهُ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: لا نَفَقَةَ لَها في مالِ المَيْتِ؛ ولَها السُّكْنى إنْ كانَتِ الدّارُ لِلْمَيْتِ؛ وإنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهي أحَقُّ بِالسُّكْنى مِنَ الغُرَماءِ؛ وتُباعُ لِلْغُرَماءِ؛ ويُشْتَرَطُ السُّكْنى عَلى المُشْتَرِي؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ كانَتْ حامِلًا أُنْفِقَ عَلَيْها مِن جَمِيعِ المالِ؛ حَتّى تَضَعَ؛ فَإذا وضَعَتْ أُنْفِقَ عَلى الصَّبِيِّ مِن نَصِيبِهِ؛ هَذِهِ رِوايَةُ الأشْجَعِيِّ عَنْهُ؛ ورَوى عَنْهُ المُعافى أنَّ نَفَقَتَها مِن حِصَّتِها؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ - في المَرْأةِ يَمُوتُ زَوْجُها وهي حامِلٌ -: "لا نَفَقَةَ لَها؛ وإنْ كانَتْ أُمَّ ولَدٍ فَلَها النَّفَقَةُ مِن جَمِيعِ المالِ؛ حَتّى تَضَعَ"؛ وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - في أُمِّ الوَلَدِ -: إذا كانَتْ حامِلًا مِنهُ فَإنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْها مِنَ المالِ؛ فَإنْ ولَدَتْ كانَ ذَلِكَ في حَظِّ ولَدِها؛ وإنْ لَمْ تَلِدْ كانَ ذَلِكَ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ - لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها -: اَلنَّفَقَةُ مِن جَمِيعِ المالِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ - في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها - قَوْلَيْنِ؛ أحَدُهُما: "لَها النَّفَقَةُ؛ والسُّكْنى"؛ والآخَرُ: "لا نَفَقَةَ لَها؛ ولا سُكْنى". قالَ أبُو بَكْرٍ: لا تَخْلُو نَفَقَةُ الحامِلِ مِن أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ إمّا أنْ تَكُونَ واجِبَةً عَلى حَسَبِ وُجُوبِها بَدِيًّا؛ حِينَ كانَتْ عِدَّتُها حَوْلًا؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾؛ أوْ أنْ تَكُونَ واجِبَةً عَلى حَسَبِ وُجُوبِها لِلْمُطَلَّقَةِ المَبْتُوتَةِ؛ أوْ تَجِبُ لِلْحامِلِ؛ (p-١٢٨)دُونَ غَيْرِها؛ لِأجْلِ الحَمْلِ؛ والوَجْهُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّها كانَتْ واجِبَةً عَلى وجْهِ الوَصِيَّةِ؛ والوَصِيَّةُ لِلْوارِثِ مَنسُوخَةٌ؛ والوَجْهُ الثّانِي لا يَصِحُّ أيْضًا مِن قِبَلِ أنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً في حالِ الحَياةِ؛ وإنَّما تَجِبُ حالًا فَحالًا؛ عَلى حَسَبِ مُضِيِّ الأوْقاتِ؛ وتَسْلِيمِ نَفْسِها في بَيْتِ الزَّوْجِ؛ ولا يَجُوزُ إيجابُها بَعْدَ المَوْتِ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ سَبِيلَها أنْ يَحْكُمَ بِها الحاكِمُ عَلى الزَّوْجِ؛ ويُثْبِتَها في ذِمَّتِهِ؛ وتُؤْخَذَ مِن مالِهِ؛ ولَيْسَ لِلزَّوْجِ ذِمَّةٌ فَتَثْبُتُ فِيها؛ فَلَمْ يَجُزْ أخْذُها مِن مالِهِ إذا لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ؛ والثّانِي أنَّ ذَلِكَ المِيراثَ قَدِ انْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ بِالمَوْتِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ دَيْنٌ عِنْدَ المَوْتِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُها في مالِ الوَرَثَةِ؛ ولا في مالِ الزَّوْجِ؛ فَتُؤْخَذُ مِنهُ؛ وإنْ كانَتْ حامِلًا لَمْ يَخْلُ إيجابُ النَّفَقَةِ لَها في مالِ الزَّوْجِ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ وُجُوبُها مُتَعَلِّقًا بِكَوْنِها في العِدَّةِ؛ أوْ لِأجْلِ الحَمْلِ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إيجابَها لِأجْلِ العِدَّةِ غَيْرُ جائِزٍ؛ ولا يَجُوزُ إيجابُها لِأجْلِ الحَمْلِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ نَفْسَهُ لا يَسْتَحِقُّ نَفَقَةً عَلى الوَرَثَةِ؛ إذْ هو مُوسِرٌ مِثْلُهم بِمِيراثِهِ؛ ولَوْ ولَدَتْهُ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلى الوَرَثَةِ؛ فَكَيْفَ تَجِبُ لَهُ في حالِ الحَمْلِ؟ فَلَمْ يَبْقَ وجْهٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:243

بابُ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ؛ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ؛ فَماتُوا؛ فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ؛ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهُمْ؛ فَأحْياهُمُ اللَّهُ"؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهم (p-١٦٥)فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "فَرُّوا مِنَ القِتالِ"؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) كَرِهَ فِرارَهم مِنَ الطّاعُونِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ وإذا كانَتِ الآجالُ مُوَقَّتَةً؛ مَحْصُورَةً؛ لا يَقَعُ فِيها تَقْدِيمٌ؛ ولا تَأْخِيرٌ عَمّا قَدَّرَها اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فالفِرارُ مِنَ الطّاعُونِ عُدُولٌ عَنْ مُقْتَضى ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ الطِّيَرَةُ؛ والزَّجْرُ؛ والإيمانُ بِالنُّجُومِ؛ كُلُّ ذَلِكَ فِرارٌ مِن قَدَرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي لا مَحِيصَ لِأحَدٍ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ جابِرٍ الحَضْرَمِيِّ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «" اَلْفِرارُ مِنَ الطّاعُونِ كالفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ؛ والصّابِرُ فِيهِ كالصّابِرِ في الزَّحْفِ"؛» ورَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ عَنْ سَعْدٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لا عَدْوى؛ ولا طِيَرَةَ؛ وإنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ في شَيْءٍ فَهي في الفَرَسِ؛ والمَرْأةِ؛ والدّارِ؛ وإذا سَمِعْتُمْ بِالطّاعُونِ بِأرْضٍ ولَسْتُمْ بِها فَلا تَهْبِطُوا عَلَيْهِ؛ وإذا كانَ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا عَنْهُ"؛» ورُوِيَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ في الطّاعُونِ؛ ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلى الشّامِ؛ حَتّى إذا كانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ التُّجّارُ؛ فَقالُوا: "اَلْأرْضُ سَقِيمَةٌ"؛ فاسْتَشارَ المُهاجِرِينَ؛ والأنْصارَ؛ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ؛ فَعَزَمَ عَلى الرُّجُوعِ؛ فَقالَ لَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: "أفِرارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟"؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُها يا أبا عُبَيْدَةَ؛ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ؛ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ إبِلٌ فَهَبَطْتَ بِها وادِيًا لَهُ عُدْوَتانِ؛ إحْداهُما خَصِيبَةٌ؛ والأُخْرى جَدِيبَةٌ؛ ألَسْتَ إنْ رَعَيْتَ الخَصِيبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ؛ وإنْ رَعَيْتَ الجَدِيبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ؟ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَقالَ: عِنْدِي مِن هَذا عِلْمٌ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذا سَمِعْتُمْ بِهِ في أرْضٍ فَلا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ؛ وإذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنهُ"؛ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ؛ وانْصَرَفَ». فَفِي هَذِهِ الأخْبارِ النَّهْيُ عَنِ الخُرُوجِ عَنِ الطّاعُونِ؛ فِرارًا مِنهُ؛ والنَّهْيُ عَنِ الهُبُوطِ عَلَيْهِ أيْضًا؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَتِ الآجالُ مُقَدَّرَةً؛ مَحْصُورَةً؛ لا تَتَقَدَّمُ؛ ولا تَتَأخَّرُ عَنْ وقْتِها؛ فَما وجْهُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ دُخُولِ أرْضٍ بِها الطّاعُونُ؛ وهو قَدْ مَنَعَ الخُرُوجَ مِنها بَدِيًّا لِأجْلِهِ؛ ولا فارِقَ بَيْنَ دُخُولِها؛ وبَيْنَ البَقاءِ فِيها؟ قِيلَ لَهُ: إنَّما وجْهُ النَّهْيِ أنَّهُ إذا دَخَلَها وبِها الطّاعُونُ فَجائِزٌ أنْ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ؛ وأجَلُهُ بِها؛ فَيَقُولُ قائِلٌ: لَوْ لَمْ يَدْخُلْها ما ماتَ؛ فَإنَّما نَهاهُ (p-١٦٦)عَنْ دُخُولِها لِئَلّا يُقالَ هَذا؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]؛ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَدْخُلَها؛ فَعَسى يَمُوتُ فِيها بِأجَلِهِ؛ فَيَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الجُهّالِ: لَوْ لَمْ يَدْخُلْها لَمْ يَمُتْ؛ وقَدْ أصابَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في هَذا المَعْنى حِينَ قالَ: ؎يَقُولُونَ لِي لَوْ كانَ بِالرَّمْلِ لَمْ تَمُتْ ∗∗∗ بُثَيْنَةُ والأنْباءُ يَكْذِبُ قِيلُها ؎ولَوْ أنَّنِي اسْتَوْدَعْتُها الشَّمْسَ لاهْتَدَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلَيْها المَنايا عَيْنُها ودَلِيلُها وعَلى هَذا المَعْنى الَّذِي قَدَّمْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا يُورِدَنَّ ذُو عاهَةٍ عَلى مُصِحٍّ"؛» مَعَ قَوْلِهِ: «"لا عَدْوى؛ ولا طِيَرَةَ"؛» لِئَلّا يُقالَ - إذا أصابَ الصَّحِيحَ عاهَةٌ بَعْدَ إيرادِ ذِي عاهَةٍ عَلَيْهِ -: إنَّما أعْداهُ ما ورَدَ عَلَيْهِ؛ «وقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ النُّقْبَةَ تَكُونُ بِمِشْفَرِ البَعِيرِ؛ فَتَجْرَبُ لَها الإبِلُ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَما أعْدى الأوَّلَ» "؛ وقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ أنَّ الزُّبَيْرَ اسْتَفْتَحَ مِصْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "إنَّ هُنا طاعُونًا"؛ فَدَخَلَها؛ وقالَ: "ما جِئْنا إلّا لِلطَّعْنِ؛ والطّاعُونِ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا جَهَّزَ الجُيُوشَ إلى الشّامِ شَيَّعَهُمْ؛ ودَعا لَهُمْ؛ وقالَ: "اَللَّهُمَّ أفْنِهِمْ بِالطَّعْنِ؛ والطّاعُونِ"؛ فاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ قائِلُونَ: لَمّا رَآهم عَلى حالِ الِاسْتِقامَةِ؛ والبَصائِرِ الصَّحِيحَةِ؛ والحِرْصِ عَلى جِهادِ الكُفّارِ؛ خَشِيَ عَلَيْهِمُ الفِتْنَةَ؛ وكانَتْ بِلادُ الشّامِ بِلادَ الطّاعُونِ؛ مَشْهُورًا ذَلِكَ بِها؛ أحَبَّ أنْ يَكُونَ مَوْتُهم عَلى الحالِ الَّتِي خَرَجُوا عَلَيْها؛ قَبْلَ أنْ يَفْتَتِنُوا بِالدُّنْيا وزَهْرَتِها؛ وقالَ آخَرُونَ: قَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «"فَناءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ؛ والطّاعُونِ"؛» يَعْنِي عِظَمَ الصَّحابَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَيَفْتَحُ البِلادَ بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ؛ فَرَجا أبُو بَكْرٍ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُحِبَّ أبُو عُبَيْدَةَ الخُرُوجَ مِنَ الشّامِ؛ وقالَ مُعاذٌ: لَمّا وقَعَ الطّاعُونُ بِالشّامِ؛ وهو بِها؛ قالَ: "اَللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنا حَظًّا مِنهُ"؛ ولَمّا طُعِنَ في كَفِّهِ أخَذَ يُقَبِّلُها؛ ويَقُولُ: "ما يَسُرُّنِي بِها كَذا وكَذا"؛ وقالَ: "لَئِنْ كُنْتُ صَغِيرًا؛ فَرُبَّ صَغِيرٍ يُبارِكُ اللَّهُ فِيهِ"؛ أوْ كَلِمَةً نَحْوَها؛ يَتَمَنّى الطّاعُونَ؛ لِيَكُونَ مِن أهْلِ الصِّفَةِ الَّتِي وصَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِها أُمَّتَهُ الَّذِينَ يَفْتَحُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِمُ البِلادَ؛ ويُظْهِرُ بِهِمُ الإسْلامَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ؛ يوَزَعَمَ أنَّهُ مِنَ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أخْبَرَ أنَّهُ أماتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ في القَبْرِ؛ ويُعَذِّبُهم إذا اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ (p-١٦٧)اللَّهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ هو أمْرٌ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وهو مُجْمَلٌ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ السَّبِيلِ المَأْمُورِ بِالقِتالِ فِيهِ؛ وقَدْ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ غَيْرِهِ؛ وسَنَذْكُرُهُ إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]؛ إنَّما هو اسْتِدْعاءٌ إلى أعْمالِ البِرِّ؛ والإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ؛ بِألْطَفِ الكَلامِ؛ وأبْلَغِهِ؛ وسَمّاهُ قَرْضًا تَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِهِ؛ إذْ لا يَكُونُ قَرْضًا إلّا والعِوَضُ مُسْتَحَقٌّ بِهِ؛ وجَهِلَتِ اليَهُودُ ذَلِكَ؛ أوْ تَجاهَلَتْ؛ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا؛ فَنَحْنُ أغْنِياءُ؛ وهو فَقِيرٌ إلَيْنا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]؛ وعَرَفَ المُسْلِمُونَ مَعْناهُ؛ ووَثِقُوا بِثَوابِ اللَّهِ (تَعالى) ووَعْدِهِ؛ وبادَرُوا إلى الصَّدَقاتِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «جاءَ أبُو الدَّحْداحِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ألا تَرى رَبَّنا يَسْتَقْرِضُ مِنّا مِمّا أعْطانا لِأنْفُسِنا؟ وإنَّ لِي أرْضَيْنِ؛ إحْداهُما بِالعالِيَةِ؛ والأُخْرى بِالسّافِلَةِ؛ وإنِّي قَدْ جَعَلْتُ خَيْرَهُما صَدَقَةً».

البقرة 2:244

بابُ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ؛ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ؛ فَماتُوا؛ فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ؛ فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهُمْ؛ فَأحْياهُمُ اللَّهُ"؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهم (p-١٦٥)فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "فَرُّوا مِنَ القِتالِ"؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) كَرِهَ فِرارَهم مِنَ الطّاعُونِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ وإذا كانَتِ الآجالُ مُوَقَّتَةً؛ مَحْصُورَةً؛ لا يَقَعُ فِيها تَقْدِيمٌ؛ ولا تَأْخِيرٌ عَمّا قَدَّرَها اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فالفِرارُ مِنَ الطّاعُونِ عُدُولٌ عَنْ مُقْتَضى ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ الطِّيَرَةُ؛ والزَّجْرُ؛ والإيمانُ بِالنُّجُومِ؛ كُلُّ ذَلِكَ فِرارٌ مِن قَدَرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي لا مَحِيصَ لِأحَدٍ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ جابِرٍ الحَضْرَمِيِّ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «" اَلْفِرارُ مِنَ الطّاعُونِ كالفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ؛ والصّابِرُ فِيهِ كالصّابِرِ في الزَّحْفِ"؛» ورَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ عَنْ سَعْدٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لا عَدْوى؛ ولا طِيَرَةَ؛ وإنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ في شَيْءٍ فَهي في الفَرَسِ؛ والمَرْأةِ؛ والدّارِ؛ وإذا سَمِعْتُمْ بِالطّاعُونِ بِأرْضٍ ولَسْتُمْ بِها فَلا تَهْبِطُوا عَلَيْهِ؛ وإذا كانَ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا عَنْهُ"؛» ورُوِيَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ في الطّاعُونِ؛ ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلى الشّامِ؛ حَتّى إذا كانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ التُّجّارُ؛ فَقالُوا: "اَلْأرْضُ سَقِيمَةٌ"؛ فاسْتَشارَ المُهاجِرِينَ؛ والأنْصارَ؛ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ؛ فَعَزَمَ عَلى الرُّجُوعِ؛ فَقالَ لَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: "أفِرارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟"؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُها يا أبا عُبَيْدَةَ؛ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ؛ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ إبِلٌ فَهَبَطْتَ بِها وادِيًا لَهُ عُدْوَتانِ؛ إحْداهُما خَصِيبَةٌ؛ والأُخْرى جَدِيبَةٌ؛ ألَسْتَ إنْ رَعَيْتَ الخَصِيبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ؛ وإنْ رَعَيْتَ الجَدِيبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ؟ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَقالَ: عِنْدِي مِن هَذا عِلْمٌ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إذا سَمِعْتُمْ بِهِ في أرْضٍ فَلا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ؛ وإذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنهُ"؛ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ؛ وانْصَرَفَ». فَفِي هَذِهِ الأخْبارِ النَّهْيُ عَنِ الخُرُوجِ عَنِ الطّاعُونِ؛ فِرارًا مِنهُ؛ والنَّهْيُ عَنِ الهُبُوطِ عَلَيْهِ أيْضًا؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَتِ الآجالُ مُقَدَّرَةً؛ مَحْصُورَةً؛ لا تَتَقَدَّمُ؛ ولا تَتَأخَّرُ عَنْ وقْتِها؛ فَما وجْهُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ دُخُولِ أرْضٍ بِها الطّاعُونُ؛ وهو قَدْ مَنَعَ الخُرُوجَ مِنها بَدِيًّا لِأجْلِهِ؛ ولا فارِقَ بَيْنَ دُخُولِها؛ وبَيْنَ البَقاءِ فِيها؟ قِيلَ لَهُ: إنَّما وجْهُ النَّهْيِ أنَّهُ إذا دَخَلَها وبِها الطّاعُونُ فَجائِزٌ أنْ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ؛ وأجَلُهُ بِها؛ فَيَقُولُ قائِلٌ: لَوْ لَمْ يَدْخُلْها ما ماتَ؛ فَإنَّما نَهاهُ (p-١٦٦)عَنْ دُخُولِها لِئَلّا يُقالَ هَذا؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]؛ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَدْخُلَها؛ فَعَسى يَمُوتُ فِيها بِأجَلِهِ؛ فَيَقُولُ قَوْمٌ مِنَ الجُهّالِ: لَوْ لَمْ يَدْخُلْها لَمْ يَمُتْ؛ وقَدْ أصابَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في هَذا المَعْنى حِينَ قالَ: ؎يَقُولُونَ لِي لَوْ كانَ بِالرَّمْلِ لَمْ تَمُتْ ∗∗∗ بُثَيْنَةُ والأنْباءُ يَكْذِبُ قِيلُها ؎ولَوْ أنَّنِي اسْتَوْدَعْتُها الشَّمْسَ لاهْتَدَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلَيْها المَنايا عَيْنُها ودَلِيلُها وعَلى هَذا المَعْنى الَّذِي قَدَّمْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا يُورِدَنَّ ذُو عاهَةٍ عَلى مُصِحٍّ"؛» مَعَ قَوْلِهِ: «"لا عَدْوى؛ ولا طِيَرَةَ"؛» لِئَلّا يُقالَ - إذا أصابَ الصَّحِيحَ عاهَةٌ بَعْدَ إيرادِ ذِي عاهَةٍ عَلَيْهِ -: إنَّما أعْداهُ ما ورَدَ عَلَيْهِ؛ «وقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ النُّقْبَةَ تَكُونُ بِمِشْفَرِ البَعِيرِ؛ فَتَجْرَبُ لَها الإبِلُ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَما أعْدى الأوَّلَ» "؛ وقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ أنَّ الزُّبَيْرَ اسْتَفْتَحَ مِصْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "إنَّ هُنا طاعُونًا"؛ فَدَخَلَها؛ وقالَ: "ما جِئْنا إلّا لِلطَّعْنِ؛ والطّاعُونِ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا جَهَّزَ الجُيُوشَ إلى الشّامِ شَيَّعَهُمْ؛ ودَعا لَهُمْ؛ وقالَ: "اَللَّهُمَّ أفْنِهِمْ بِالطَّعْنِ؛ والطّاعُونِ"؛ فاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ قائِلُونَ: لَمّا رَآهم عَلى حالِ الِاسْتِقامَةِ؛ والبَصائِرِ الصَّحِيحَةِ؛ والحِرْصِ عَلى جِهادِ الكُفّارِ؛ خَشِيَ عَلَيْهِمُ الفِتْنَةَ؛ وكانَتْ بِلادُ الشّامِ بِلادَ الطّاعُونِ؛ مَشْهُورًا ذَلِكَ بِها؛ أحَبَّ أنْ يَكُونَ مَوْتُهم عَلى الحالِ الَّتِي خَرَجُوا عَلَيْها؛ قَبْلَ أنْ يَفْتَتِنُوا بِالدُّنْيا وزَهْرَتِها؛ وقالَ آخَرُونَ: قَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: «"فَناءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ؛ والطّاعُونِ"؛» يَعْنِي عِظَمَ الصَّحابَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَيَفْتَحُ البِلادَ بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ؛ فَرَجا أبُو بَكْرٍ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُحِبَّ أبُو عُبَيْدَةَ الخُرُوجَ مِنَ الشّامِ؛ وقالَ مُعاذٌ: لَمّا وقَعَ الطّاعُونُ بِالشّامِ؛ وهو بِها؛ قالَ: "اَللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنا حَظًّا مِنهُ"؛ ولَمّا طُعِنَ في كَفِّهِ أخَذَ يُقَبِّلُها؛ ويَقُولُ: "ما يَسُرُّنِي بِها كَذا وكَذا"؛ وقالَ: "لَئِنْ كُنْتُ صَغِيرًا؛ فَرُبَّ صَغِيرٍ يُبارِكُ اللَّهُ فِيهِ"؛ أوْ كَلِمَةً نَحْوَها؛ يَتَمَنّى الطّاعُونَ؛ لِيَكُونَ مِن أهْلِ الصِّفَةِ الَّتِي وصَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِها أُمَّتَهُ الَّذِينَ يَفْتَحُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِمُ البِلادَ؛ ويُظْهِرُ بِهِمُ الإسْلامَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ؛ يوَزَعَمَ أنَّهُ مِنَ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أخْبَرَ أنَّهُ أماتَ هَؤُلاءِ القَوْمَ؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ في القَبْرِ؛ ويُعَذِّبُهم إذا اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ (p-١٦٧)اللَّهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ هو أمْرٌ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وهو مُجْمَلٌ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ السَّبِيلِ المَأْمُورِ بِالقِتالِ فِيهِ؛ وقَدْ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ غَيْرِهِ؛ وسَنَذْكُرُهُ إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]؛ إنَّما هو اسْتِدْعاءٌ إلى أعْمالِ البِرِّ؛ والإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ؛ بِألْطَفِ الكَلامِ؛ وأبْلَغِهِ؛ وسَمّاهُ قَرْضًا تَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِهِ؛ إذْ لا يَكُونُ قَرْضًا إلّا والعِوَضُ مُسْتَحَقٌّ بِهِ؛ وجَهِلَتِ اليَهُودُ ذَلِكَ؛ أوْ تَجاهَلَتْ؛ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا؛ فَنَحْنُ أغْنِياءُ؛ وهو فَقِيرٌ إلَيْنا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]؛ وعَرَفَ المُسْلِمُونَ مَعْناهُ؛ ووَثِقُوا بِثَوابِ اللَّهِ (تَعالى) ووَعْدِهِ؛ وبادَرُوا إلى الصَّدَقاتِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «جاءَ أبُو الدَّحْداحِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ألا تَرى رَبَّنا يَسْتَقْرِضُ مِنّا مِمّا أعْطانا لِأنْفُسِنا؟ وإنَّ لِي أرْضَيْنِ؛ إحْداهُما بِالعالِيَةِ؛ والأُخْرى بِالسّافِلَةِ؛ وإنِّي قَدْ جَعَلْتُ خَيْرَهُما صَدَقَةً».

البقرة 2:247

وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾؛ اَلْآيَةَ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإمامَةَ لَيْسَتْ وِراثَةً؛ لِإنْكارِ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ ما أنْكَرُوهُ مِنَ التَّمْلِيكِ عَلَيْهِمْ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ النُّبُوَّةِ؛ ولا المُلْكِ؛ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ بِالعِلْمِ؛ والقُوَّةِ؛ لا بِالنَّسَبِ؛ ودَلَّ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّهُ لا حَظَّ لِلنَّسَبِ مَعَ العِلْمِ؛ وفَضائِلِ النَّفْسِ؛ وأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أخْبَرَ أنَّهُ اخْتارَهُ عَلَيْهِمْ لِعِلْمِهِ؛ وقُوَّتِهِ؛ وإنْ كانُوا أشْرَفَ مِنهُ نَسَبًا؛ وذِكْرُهُ لِلْجِسْمِ هَهُنا عِبارَةٌ عَنْ فَضْلِ قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ في العادَةِ مَن كانَ أعْظَمَ جِسْمًا فَهو أكْثَرُ قُوَّةً؛ ولَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ عِظَمَ الجِسْمِ بِلا قُوَّةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا حَظَّ لَهُ في القِتالِ؛ بَلْ هو وبالٌ عَلى صاحِبِهِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ ذا قُوَّةٍ فاضِلَةٍ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشُّرْبَ مِنَ النَّهْرِ إنَّما هو الكَرْعُ فِيهِ؛ ووَضْعُ الشَّفَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ حُظِرَ الشُّرْبُ؛ وحُظِرَ الطَّعْمُ مِنهُ؛ إلّا لِمَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - فِيمَن قالَ: "إنْ شَرِبْتُ مِنَ الفُراتِ فَعَبْدِي حُرٌّ" -: إنَّهُ عَلى أنْ يَكْرَعَ فِيهِ؛ وإنِ اغْتَرَفَ مِنهُ؛ أوْ شَرِبَ بِإناءٍ؛ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ كانَ حَظَرَ عَلَيْهِمُ الشُّرْبَ مِنَ النَّهْرِ؛ وحَظَرَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُطْعَمَ مِنهُ؛ واسْتَثْنى مِنَ الطَّعْمِ الِاغْتِرافَ؛ فَحَظْرُ الشُّرْبِ باقٍ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ الِاغْتِرافَ لَيْسَ بِشُرْبٍ مِنهُ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ؛ والسُّدِّيِّ؛ وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى؛ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ؛ أنَّها خاصَّةٌ في أهْلِ (p-١٦٨)الكِتابِ؛ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلى الجِزْيَةِ؛ دُونَ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ لِأنَّهم لا يُقَرُّونَ عَلى الجِزْيَةِ؛ ولا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ؛ أوِ السَّيْفُ؛ وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ أبْناءِ الأنْصارِ؛ كانُوا يَهُودًا؛ فَأرادَ آباؤُهم إكْراهَهم عَلى الإسْلامِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وقِيلَ فِيهِ: أيْ: لا تَقُولُوا لِمَن أسْلَمَ بَعْدَ حَرْبٍ: إنَّهُ أسْلَمَ مُكْرَهًا؛ لِأنَّهُ إذا رَضِيَ؛ وصَحَّ إسْلامُهُ؛ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ أمْرٌ في صُورَةِ الخَبَرِ؛ وجائِزٌ نُزُولُ ذَلِكَ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ في سائِرِ الكُفّارِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]؛ وكَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ فَكانَ القِتالُ مَحْظُورًا في أوَّلِ الإسْلامِ؛ إلى أنْ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَمّا عانَدُوهُ بَعْدَ البَيانِ أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِقِتالِهِمْ؛ فَنَسَخَ ذَلِكَ عَنْ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ وسائِرُ الآيِ المُوجِبَةِ لِقِتالِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ وبَقِيَ حُكْمُهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ إذا أذْعَنُوا بِأداءِ الجِزْيَةِ؛ ودَخَلُوا في حُكْمِ أهْلِ الإسْلامِ؛ وفي ذِمَّتِهِمْ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْبَلْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ إلّا الإسْلامَ؛ أوِ السَّيْفَ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ ثابِتًا في الحالِ عَلى أهْلِ الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ ما مِن مُشْرِكٍ إلّا وهو لَوْ تَهَوَّدَ؛ أوْ تَنَصَّرَ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلى الإسْلامِ؛ وأقْرَرْناهُ عَلى دِينِهِ بِالجِزْيَةِ؛ وإذا كانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثابِتًا في سائِرِ مَنِ انْتَحَلَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ؛ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ؛ حِينَ قالَ: مَن تَهَوَّدَ مِنَ المَجُوسِ؛ أوِ النَّصارى؛ أجْبَرْتُهُ عَلى الرُّجُوعِ إلى دِينِهِ؛ أوْ إلى الإسْلامِ. والآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِألّا نُكْرِهَ أحَدًا عَلى الدِّينِ؛ وذَلِكَ عُمُومٌ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُ في جَمِيعِ الكُفّارِ؛ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَمُشْرِكُو العَرَبِ الَّذِينَ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتالِهِمْ؛ وألّا يُقْبَلَ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ قَدْ كانُوا مُكْرَهِينَ عَلى الدِّينِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ مَن دَخَلَ في الدِّينِ مُكْرَهًا فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ؛ فَما وجْهُ إكْراهِهِمْ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّما أُكْرِهُوا عَلى إظْهارِ الإسْلامِ؛ لا عَلى اعْتِقادِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِقادَ لا يَصِحُّ مِنّا الإكْراهُ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهُمْ؛ إلّا بِحَقِّها؛ وحِسابُهم عَلى اللَّهِ"؛» فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ القِتالَ إنَّما كانَ عَلى إظْهارِ الإسْلامِ؛ وأمّا الِاعْتِقاداتُ فَكانَتْ مَوْكُولَةً إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَمْ يَقْتَصِرْ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى القِتالِ؛ (p-١٦٩)دُونَ أنْ يُقِيمَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ؛ والبُرْهانَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ فَكانَتِ الدَّلائِلُ مَنصُوبَةً لِلِاعْتِقادِ؛ وإظْهارِ الإسْلامِ مَعًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ مِن حَيْثُ ألْزَمَتْهُمُ اعْتِقادَ الإسْلامِ؛ فَقَدِ اقْتَضَتْ مِنهُ الإظْهارَ والقِتالَ لِإظْهارِ الإسْلامِ؛ وكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ المَصالِحِ؛ مِنها أنَّهُ إذا أظْهَرَ الإسْلامَ؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهُ؛ فَإنَّ مُجالَسَتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وسَماعَهُ القُرْآنَ؛ ومُشاهَدَتَهُ لِدَلائِلِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ تَرادُفِها عَلَيْهِ؛ تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ؛ وتُوَضِّحُ عِنْدَهُ فَسادَ اعْتِقادِهِ؛ ومِنها أنْ يُعْلِمَ اللَّهُ أنَّ في نَسْلِهِمْ مَن يُوقِنُ ويَعْتَقِدُ التَّوْحِيدَ؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُقْتَلُوا؛ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ في أوْلادِهِمْ مَن يَعْتَقِدُ الإيمانَ؛ وقالَ أصْحابُنا فِيمَن أُكْرِهَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى الإيمانِ: إنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا في الظّاهِرِ؛ ولا يُتْرَكُ والرُّجُوعَ إلى دِينِهِ؛ إلّا أنَّهُ لا يُقْتَلُ إنْ رَجَعَ إلى دِينِهِ؛ ويُجْبَرُ عَلى الإسْلامِ مِن غَيْرِ قَتْلٍ؛ لِأنَّ الإكْراهَ لا يُزِيلُ عَنْهُ حُكْمَ الإسْلامِ إذا أسْلَمَ؛ وإنْ كانَ دُخُولُهُ فِيهِ مُكْرَهًا دالًا عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لَهُ؛ لِما وصَفْنا مِن إسْلامِ مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ. وقَوْلُهُ: «"أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها"؛» فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إظْهارَ الإسْلامِ عِنْدَ القِتالِ إسْلامًا في الحُكْمِ؛ فَكَذَلِكَ المُكْرَهُ عَلى الإسْلامِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ؛ واجِبٌ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا في الحُكْمِ؛ ولَكِنَّهم لَمْ يُقْتَلُوا لِلشُّبْهَةِ؛ ولا نَعْلَمُ خِلافًا عَلى أنَّ أسِيرًا مِن أهْلِ الحَرْبِ لَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ؛ فَأسْلَمَ؛ أنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا؛ ولَمْ يَكُنْ إسْلامُهُ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ مُزِيلًا عَنْهُ حُكْمَ الإسْلامِ؛ فَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ يَحْظُرُ إكْراهَ الذِّمِّيِّ عَلى الإسْلامِ؛ وإذا كانَ الإكْراهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَحْظُورًا؛ وجَبَ ألّا يَكُونَ مُسْلِمًا في الحُكْمِ؛ وألّا يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ؛ ولا يَكُونَ حُكْمُ الذِّمِّيِّ في هَذا حُكْمَ الحَرْبِيِّ؛ لِأنَّ الحَرْبِيَّ يَجُوزُ أنْ يُكْرَهَ عَلى الإسْلامِ لِإبائِهِ الدُّخُولَ في الذِّمَّةِ؛ ومَن دَخَلَ في الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ إكْراهُهُ عَلى الإسْلامِ؛ قِيلَ لَهُ: إذا ثَبَتَ أنَّ الإسْلامَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ في الإكْراهِ؛ والطَّوْعِ؛ لِمَن يَجُوزُ إجْبارُهُ عَلَيْهِ؛ أشْبَهَ في هَذا الوَجْهِ العِتْقَ؛ والطَّلاقَ؛ وسائِرَ ما لا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ جَدِّهِ؛ وهَزْلِهِ؛ ثُمَّ لا يَخْتَلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الإكْراهُ مَأْمُورًا بِهِ؛ أوْ مُباحًا؛ كَما لا يَخْتَلِفُ حُكْمُ العِتْقِ؛ والطَّلاقِ؛ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوْ أكْرَهْ رَجُلًا عَلى طَلاقٍ؛ أوْ عَتاقٍ؛ ثَبَتَ حُكْمُهُما عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَ المُكْرِهُ ظالِمًا في إكْراهِهِ؛ مَنهِيًّا عَنْهُ؛ وكَوْنُهُ مَنهِيًّا عَنْهُ لا يُبْطِلُ حُكْمَ العِتْقَ؛ والطَّلاقِ؛ عِنْدَنا؛ كَذَلِكَ ما وصَفْنا مِن أمْرِ الإكْراهِ عَلى الإسْلامِ.

البقرة 2:258

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-١٧٠)إنَّ إيتاءَ اللَّهِ (تَعالى) المُلْكَ لِلْكافِرِ إنَّما هو مِن جِهَةِ كَثْرَةِ المالِ؛ واتِّساعِ الحالِ؛ وهَذا جائِزٌ أنْ يُنْعِمَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى الكافِرِينَ بِهِ في الدُّنْيا؛ ولا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الكافِرِ؛ والمُؤْمِنِ في ذَلِكَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ؟ فَهَذا الضَّرْبُ مِنَ المُلْكِ جائِزٌ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ (تَعالى) الكافِرَ؛ وأمّا المُلْكُ الَّذِي هو تَمْلِيكُ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ وتَدْبِيرُ أُمُورِ النّاسِ؛ فَإنَّ هَذا لا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ (تَعالى) أهْلَ الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ لِأنَّ أوامِرَ اللَّهِ (تَعالى) وزَواجِرَهُ؛ إنَّما هي اسْتِصْلاحٌ لِلْخَلْقِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ اسْتِصْلاحُهم بِمَن هو عَلى الفَسادِ؛ مُجانِبٌ لِلصَّلاحِ؛ ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْتَمِنَ أهْلَ الكُفْرِ والضَّلالِ عَلى أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ وأُمُورِ دِينِهِ؛ كَما قالَ (تَعالى) - في آيَةٍ أُخْرى -: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ وكانَتْ مُحاجَّةُ المَلِكِ الكافِرِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو النَّمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ - أنَّهُ دَعاهُ إلى اتِّباعِهِ؛ وحاجَّهُ بِأنَّهُ مَلِكٌ يَقْدِرُ عَلى الضُّرِّ؛ والنَّفْعِ؛ فَقالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "فَإنَّ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ؛ وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ"؛ فَعَدَلَ عَنْ مَوْضِعِ احْتِجاجِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى مُعارَضَتِهِ بِالإشْراكِ في العِبارَةِ؛ دُونَ حَقِيقَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاجَّهُ بِأنْ أعْلَمَهُ أنَّ رَبَّهُ هو الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ؛ والمَوْتَ؛ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِراعِ؛ فَجاءَ الكافِرُ بِرَجُلَيْنِ؛ فَقَتَلَ أحَدَهُما؛ وقالَ: قَدْ أمَتُّهُ؛ وخَلّى الآخَرَ؛ وقالَ: قَدْ أحْيَيْتُهُ؛ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الكَلامِ؛ لا عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى اخْتِراعِ الحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ فَلَمّا قَرَّرَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ؛ وعَجَزَ الكافِرُ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِأكْثَرَ مِمّا أوْرَدَ؛ زادَهُ حِجاجًا لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ مُعارَضَتُهُ؛ ولا إيرادُ شُبْهَةٍ يُمَوِّهُ بِها عَلى الحاضِرِينَ؛ وقَدْ كانَ الكافِرُ عالِمًا بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُعارَضَةٍ؛ لَكِنَّهُ أرادَ التَّمْوِيهَ عَلى أغْمارِ أصْحابِهِ؛ كَما قالَ فِرْعَوْنُ - حِينَ آمَنَتِ السَّحَرَةُ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا؛ وتَلَقُّفِها جَمِيعَ ما ألْقَوْا مِنَ الحِبالِ؛ والعِصِيِّ؛ وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ؛ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَأرادَ فِرْعَوْنُ التَّمْوِيهَ عَلَيْهِمْ -: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾ [الأعراف: ١٢٣]؛ يَعْنِي: تَواطَأْتُمْ عَلَيْهِ مَعَ مُوسى؛ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ؛ حَتّى إذا اجْتَمَعْتُمْ أظْهَرْتُمُ العَجْزَ عَنْ مُعارَضَتِهِ؛ والإيمانَ بِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا مَوَّهَ بِهِ عَلى أصْحابِهِ؛ وكَذَلِكَ الكافِرُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَدَعْهُ إبْراهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ - وما رامَ؛ حَتّى أتاهُ بِما لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ بِحالٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾؛ فانْقَطَعَ؛ وبُهِتَ؛ ولَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَلْجَأ إلى مُعارَضَةٍ؛ أوْ شُبْهَةٍ؛ وفي حِجاجِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اللُّطْفِ دَلِيلٌ؛ وأوْضَحُ بُرْهانٍ؛ لِمَن عَرَفَ مَعْناهُ؛ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ (p-١٧١)بُعِثَ فِيهِمْ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا صابِئِينَ؛ عَبَدَةَ أوْثانٍ عَلى أسْماءِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ؛ وقَدْ حَكى اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمْ؛ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ؛ ولَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حَوادِثَ العالَمِ كُلَّها في حَرَكاتِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ؛ وأعْظَمُها عِنْدَهُمُ الشَّمْسُ؛ ويُسَمُّونَها وسائِرَ الكَواكِبِ آلِهَةً؛ والشَّمْسُ عِنْدَهم هي الإلَهُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إلَهٌ؛ وكانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالبارِي - جَلَّ وعَزَّ -؛ وهم لا يَخْتَلِفُونَ؛ وسائِرُ مَن يَعْرِفُ مَسِيرَ الكَواكِبِ؛ عَلى أنَّ لَها ولِسائِرِ الكَواكِبِ حَرَكَتَيْنِ مُتَضادَّتَيْنِ؛ إحْداهُما مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ؛ وهي حَرَكَتُها الَّتِي تَخْتَصُّ بِها لِنَفْسِها؛ والأُخْرى تَحْرِيكُ الفَلَكِ لَها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ؛ وبِهَذِهِ الحَرَكَةِ تَدُورُ عَلَيْنا كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً؛ وهَذا أمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ مَسِيرَها؛ فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إنَّكَ تَعْتَرِفُ أنَّ الشَّمْسَ الَّتِي تَعْبُدُها؛ وتُسَمِّيها إلَهًا؛ لَها حَرَكَةُ قَسْرٍ؛ لَيْسَ هي حَرَكَةَ نَفْسِها؛ بَلْ هي بِتَحْرِيكِ غَيْرِها لَها؛ يُحَرِّكُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ؛ والَّذِي أدْعُوكَ إلى عِبادَتِهِ هو فاعِلُ هَذِهِ الحَرَكَةِ في الشَّمْسِ؛ ولَوْ كانَتْ إلَهًا لَما كانَتْ مَقْسُورَةً؛ ولا مُجْبَرَةً"؛ فَلَمْ يُمْكِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ دَفْعُ هَذا الحِجاجِ بِشُبْهَةٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]؛ وهاتانِ الحَرَكَتانِ؛ المُتَضادَّتانِ لِلشَّمْسِ؛ ولِسائِرِ الكَواكِبِ؛ لا تُوجَدانِ لَها في حالٍ واحِدَةٍ؛ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ ذَلِكَ في جِسْمٍ واحِدٍ؛ في وقْتٍ واحِدٍ؛ ولَكِنَّها لا بُدَّ مِن أنْ يَتَخَلَّلَ إحْداهُما سُكُونٌ؛ فَتُوجَدَ الحَرَكَةُ الأُخْرى في وقْتٍ لا تُوجَدُ فِيهِ الأُولى. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ساغَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِانْتِقالُ عَنِ الحِجاجِ الأوَّلِ إلى غَيْرِهِ؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ؛ بَلْ كانَ ثابِتًا عَلَيْهِ؛ وإنَّما أرْدَفَهُ بِحِجاجٍ آخَرَ؛ كَما أقامَ اللَّهُ (تَعالى) الدَّلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عِدَّةِ وُجُوهٍ؛ وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ دَلائِلُ عَلَيْهِ؛ وأيَّدَ نَبِيَّهُ ﷺ بِضُرُوبٍ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها لَوِ انْفَرَدَتْ لَكانَتْ كافِيَةً مُغْنِيَةً؛ وقَدْ حاجَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِجاجِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ أرادَ تَقْرِيرَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ اسْتِدْلالِهِ؛ وبُطْلانِ قَوْلِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ وكانَ ذَلِكَ في لَيْلَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيها في هَياكِلِهِمْ؛ وعِنْدَ أصْنامِهِمْ؛ كانَتْ عِيدًا لَهُمْ؛ فَقَرَّرَهم لَيْلًا عَلى أمْرِ الكَوْكَبِ؛ عِنْدَ ظُهُورِهِ؛ وأُفُولِهِ؛ وحَرَكَتِهِ؛ وانْتِقالِهِ؛ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ إلَهًا؛ لِما ظَهَرَ فِيهِ مِن آياتِ الحَدَثِ؛ ثُمَّ كَذَلِكَ في القَمَرِ؛ ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ قَرَّرَهم عَلى مِثْلِهِ في (p-١٧٢)الشَّمْسِ؛ حَتّى قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ كَسَّرَ أصْنامَهُمْ؛ وكانَ مِن أمْرِهِ ما حَكاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُحاجَّةِ في الدِّينِ؛ واسْتِعْمالِ حُجَجِ العُقُولِ؛ والِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِ اللَّهِ (تَعالى) عَلى تَوْحِيدِهِ؛ وصِفاتِهِ الحُسْنى؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ المَحْجُوجَ المُنْقَطِعَ يَلْزَمُهُ اتِّباعُ الحُجَّةِ؛ وتَرْكُ ما هو عَلَيْهِ مِنَ المَذْهَبِ الَّذِي لا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ وتَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن لا يَرى الحِجاجَ في إثْباتِ الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حاجُّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ المَحْجُوجَ عَلَيْهِ أنْ يَنْظُرَ فِيما أُلْزِمَ مِنَ الحِجاجِ؛ فَإذا لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَخْرَجًا صارَ إلى ما يَلْزَمُهُ؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ سَبِيلُهُ أنْ يُقْبَلَ بِحُجَّتِهِ؛ إذْ لا فارِقَ بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ إلّا بِظُهُورِ حُجَّةِ الحَقِّ؛ ودَحْضِ حُجَّةِ الباطِلِ؛ وإلّا فَلَوْلا الحُجَّةُ الَّتِي بانَ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ لَكانَتِ الدَّعْوى مَوْجُودَةً في الجَمِيعِ؛ فَكانَ لا فارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ؛ وأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ ما نَصَبَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى تَوْحِيدِهِ؛ لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إنَّما حاجُّوا الكُفّارَ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ ولَمْ يَصِفُوا اللَّهَ (تَعالى) بِصِفَةٍ تُوجِبُ التَّشْبِيهَ؛ وإنَّما وصَفُوهُ بِأفْعالِهِ؛ واسْتَدَلُّوا بِها عَلَيْهِ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتُ مِائَةَ عامٍ﴾؛ قَوْلُ هَذا القائِلِ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا؛ وقَدْ أماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَمّا عِنْدَهُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: عِنْدِي أنِّي لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا ما حَكاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]؛ وقَدْ كانُوا لَبِثُوا ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وتِسْعًا؛ ولَمْ يَكُونُوا كاذِبِينَ فِيما أخْبَرُوا عَمّا عِنْدَهُمْ؛ كَأنَّهم قالُوا: عِنْدَنا في ظُنُونِنا أنَّنا لَبِثْنا يَوْمًا؛ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ في إحْدى صَلاتَيِ العِشاءِ؛ فَقالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أقَصُرَتِ الصَّلاةُ؛ أمْ نَسِيتَ؟ -: "لَمْ تَقْصُرْ؛ ولَمْ أنْسَ "؛» وكانَ ﷺ صادِقًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَمّا عِنْدَهُ في ظَنِّهِ؛ وكانَ عِنْدَهُ أنَّهُ قَدْ أتَمَّها؛ فَهَذا كَلامٌ سائِغٌ؛ جائِزٌ؛ غَيْرُ مَلُومٍ عَلَيْهِ قائِلُهُ إذا أخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ؛ وظَنِّهِ؛ لا عَنْ حَقِيقَةِ مُخْبَرِهِ؛ ولِذَلِكَ عَفا اللَّهُ (تَعالى) عَنِ الحالِفِ بِلَغْوِ اليَمِينِ؛ وهو فِيما رُوِيَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِمَن سَألَهُ: هَلْ كانَ كَذا وكَذا؟ فَيَقُولُ - عَلى ما عِنْدَهُ -: لا واللَّهِ؛ أوْ يَقُولُ: بَلى واللَّهِ؛ وإنِ اتَّفَقَ مُخْبَرُهُ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخْبَرَ عَنْ عَقِيدَتِهِ وضَمِيرِهِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

البقرة 2:259

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-١٧٠)إنَّ إيتاءَ اللَّهِ (تَعالى) المُلْكَ لِلْكافِرِ إنَّما هو مِن جِهَةِ كَثْرَةِ المالِ؛ واتِّساعِ الحالِ؛ وهَذا جائِزٌ أنْ يُنْعِمَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى الكافِرِينَ بِهِ في الدُّنْيا؛ ولا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الكافِرِ؛ والمُؤْمِنِ في ذَلِكَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ؟ فَهَذا الضَّرْبُ مِنَ المُلْكِ جائِزٌ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ (تَعالى) الكافِرَ؛ وأمّا المُلْكُ الَّذِي هو تَمْلِيكُ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ وتَدْبِيرُ أُمُورِ النّاسِ؛ فَإنَّ هَذا لا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ (تَعالى) أهْلَ الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ لِأنَّ أوامِرَ اللَّهِ (تَعالى) وزَواجِرَهُ؛ إنَّما هي اسْتِصْلاحٌ لِلْخَلْقِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ اسْتِصْلاحُهم بِمَن هو عَلى الفَسادِ؛ مُجانِبٌ لِلصَّلاحِ؛ ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْتَمِنَ أهْلَ الكُفْرِ والضَّلالِ عَلى أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ وأُمُورِ دِينِهِ؛ كَما قالَ (تَعالى) - في آيَةٍ أُخْرى -: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ وكانَتْ مُحاجَّةُ المَلِكِ الكافِرِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو النَّمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ - أنَّهُ دَعاهُ إلى اتِّباعِهِ؛ وحاجَّهُ بِأنَّهُ مَلِكٌ يَقْدِرُ عَلى الضُّرِّ؛ والنَّفْعِ؛ فَقالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "فَإنَّ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ؛ وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ"؛ فَعَدَلَ عَنْ مَوْضِعِ احْتِجاجِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى مُعارَضَتِهِ بِالإشْراكِ في العِبارَةِ؛ دُونَ حَقِيقَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاجَّهُ بِأنْ أعْلَمَهُ أنَّ رَبَّهُ هو الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ؛ والمَوْتَ؛ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِراعِ؛ فَجاءَ الكافِرُ بِرَجُلَيْنِ؛ فَقَتَلَ أحَدَهُما؛ وقالَ: قَدْ أمَتُّهُ؛ وخَلّى الآخَرَ؛ وقالَ: قَدْ أحْيَيْتُهُ؛ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الكَلامِ؛ لا عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى اخْتِراعِ الحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ فَلَمّا قَرَّرَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ؛ وعَجَزَ الكافِرُ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِأكْثَرَ مِمّا أوْرَدَ؛ زادَهُ حِجاجًا لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ مُعارَضَتُهُ؛ ولا إيرادُ شُبْهَةٍ يُمَوِّهُ بِها عَلى الحاضِرِينَ؛ وقَدْ كانَ الكافِرُ عالِمًا بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُعارَضَةٍ؛ لَكِنَّهُ أرادَ التَّمْوِيهَ عَلى أغْمارِ أصْحابِهِ؛ كَما قالَ فِرْعَوْنُ - حِينَ آمَنَتِ السَّحَرَةُ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا؛ وتَلَقُّفِها جَمِيعَ ما ألْقَوْا مِنَ الحِبالِ؛ والعِصِيِّ؛ وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ؛ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَأرادَ فِرْعَوْنُ التَّمْوِيهَ عَلَيْهِمْ -: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾ [الأعراف: ١٢٣]؛ يَعْنِي: تَواطَأْتُمْ عَلَيْهِ مَعَ مُوسى؛ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ؛ حَتّى إذا اجْتَمَعْتُمْ أظْهَرْتُمُ العَجْزَ عَنْ مُعارَضَتِهِ؛ والإيمانَ بِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا مَوَّهَ بِهِ عَلى أصْحابِهِ؛ وكَذَلِكَ الكافِرُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَدَعْهُ إبْراهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلامُ - وما رامَ؛ حَتّى أتاهُ بِما لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ بِحالٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾؛ فانْقَطَعَ؛ وبُهِتَ؛ ولَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَلْجَأ إلى مُعارَضَةٍ؛ أوْ شُبْهَةٍ؛ وفي حِجاجِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اللُّطْفِ دَلِيلٌ؛ وأوْضَحُ بُرْهانٍ؛ لِمَن عَرَفَ مَعْناهُ؛ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ (p-١٧١)بُعِثَ فِيهِمْ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا صابِئِينَ؛ عَبَدَةَ أوْثانٍ عَلى أسْماءِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ؛ وقَدْ حَكى اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمْ؛ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ؛ ولَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حَوادِثَ العالَمِ كُلَّها في حَرَكاتِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ؛ وأعْظَمُها عِنْدَهُمُ الشَّمْسُ؛ ويُسَمُّونَها وسائِرَ الكَواكِبِ آلِهَةً؛ والشَّمْسُ عِنْدَهم هي الإلَهُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إلَهٌ؛ وكانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالبارِي - جَلَّ وعَزَّ -؛ وهم لا يَخْتَلِفُونَ؛ وسائِرُ مَن يَعْرِفُ مَسِيرَ الكَواكِبِ؛ عَلى أنَّ لَها ولِسائِرِ الكَواكِبِ حَرَكَتَيْنِ مُتَضادَّتَيْنِ؛ إحْداهُما مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ؛ وهي حَرَكَتُها الَّتِي تَخْتَصُّ بِها لِنَفْسِها؛ والأُخْرى تَحْرِيكُ الفَلَكِ لَها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ؛ وبِهَذِهِ الحَرَكَةِ تَدُورُ عَلَيْنا كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً؛ وهَذا أمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ مَسِيرَها؛ فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إنَّكَ تَعْتَرِفُ أنَّ الشَّمْسَ الَّتِي تَعْبُدُها؛ وتُسَمِّيها إلَهًا؛ لَها حَرَكَةُ قَسْرٍ؛ لَيْسَ هي حَرَكَةَ نَفْسِها؛ بَلْ هي بِتَحْرِيكِ غَيْرِها لَها؛ يُحَرِّكُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ؛ والَّذِي أدْعُوكَ إلى عِبادَتِهِ هو فاعِلُ هَذِهِ الحَرَكَةِ في الشَّمْسِ؛ ولَوْ كانَتْ إلَهًا لَما كانَتْ مَقْسُورَةً؛ ولا مُجْبَرَةً"؛ فَلَمْ يُمْكِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ دَفْعُ هَذا الحِجاجِ بِشُبْهَةٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]؛ وهاتانِ الحَرَكَتانِ؛ المُتَضادَّتانِ لِلشَّمْسِ؛ ولِسائِرِ الكَواكِبِ؛ لا تُوجَدانِ لَها في حالٍ واحِدَةٍ؛ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ ذَلِكَ في جِسْمٍ واحِدٍ؛ في وقْتٍ واحِدٍ؛ ولَكِنَّها لا بُدَّ مِن أنْ يَتَخَلَّلَ إحْداهُما سُكُونٌ؛ فَتُوجَدَ الحَرَكَةُ الأُخْرى في وقْتٍ لا تُوجَدُ فِيهِ الأُولى. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ساغَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِانْتِقالُ عَنِ الحِجاجِ الأوَّلِ إلى غَيْرِهِ؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ؛ بَلْ كانَ ثابِتًا عَلَيْهِ؛ وإنَّما أرْدَفَهُ بِحِجاجٍ آخَرَ؛ كَما أقامَ اللَّهُ (تَعالى) الدَّلائِلَ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عِدَّةِ وُجُوهٍ؛ وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ دَلائِلُ عَلَيْهِ؛ وأيَّدَ نَبِيَّهُ ﷺ بِضُرُوبٍ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها لَوِ انْفَرَدَتْ لَكانَتْ كافِيَةً مُغْنِيَةً؛ وقَدْ حاجَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِجاجِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ أرادَ تَقْرِيرَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ اسْتِدْلالِهِ؛ وبُطْلانِ قَوْلِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ وكانَ ذَلِكَ في لَيْلَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيها في هَياكِلِهِمْ؛ وعِنْدَ أصْنامِهِمْ؛ كانَتْ عِيدًا لَهُمْ؛ فَقَرَّرَهم لَيْلًا عَلى أمْرِ الكَوْكَبِ؛ عِنْدَ ظُهُورِهِ؛ وأُفُولِهِ؛ وحَرَكَتِهِ؛ وانْتِقالِهِ؛ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ إلَهًا؛ لِما ظَهَرَ فِيهِ مِن آياتِ الحَدَثِ؛ ثُمَّ كَذَلِكَ في القَمَرِ؛ ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ قَرَّرَهم عَلى مِثْلِهِ في (p-١٧٢)الشَّمْسِ؛ حَتّى قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ كَسَّرَ أصْنامَهُمْ؛ وكانَ مِن أمْرِهِ ما حَكاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُحاجَّةِ في الدِّينِ؛ واسْتِعْمالِ حُجَجِ العُقُولِ؛ والِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِ اللَّهِ (تَعالى) عَلى تَوْحِيدِهِ؛ وصِفاتِهِ الحُسْنى؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ المَحْجُوجَ المُنْقَطِعَ يَلْزَمُهُ اتِّباعُ الحُجَّةِ؛ وتَرْكُ ما هو عَلَيْهِ مِنَ المَذْهَبِ الَّذِي لا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ وتَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن لا يَرى الحِجاجَ في إثْباتِ الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما حاجُّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ المَحْجُوجَ عَلَيْهِ أنْ يَنْظُرَ فِيما أُلْزِمَ مِنَ الحِجاجِ؛ فَإذا لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَخْرَجًا صارَ إلى ما يَلْزَمُهُ؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ سَبِيلُهُ أنْ يُقْبَلَ بِحُجَّتِهِ؛ إذْ لا فارِقَ بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ إلّا بِظُهُورِ حُجَّةِ الحَقِّ؛ ودَحْضِ حُجَّةِ الباطِلِ؛ وإلّا فَلَوْلا الحُجَّةُ الَّتِي بانَ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ لَكانَتِ الدَّعْوى مَوْجُودَةً في الجَمِيعِ؛ فَكانَ لا فارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ؛ وأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ ما نَصَبَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى تَوْحِيدِهِ؛ لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إنَّما حاجُّوا الكُفّارَ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ ولَمْ يَصِفُوا اللَّهَ (تَعالى) بِصِفَةٍ تُوجِبُ التَّشْبِيهَ؛ وإنَّما وصَفُوهُ بِأفْعالِهِ؛ واسْتَدَلُّوا بِها عَلَيْهِ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتُ مِائَةَ عامٍ﴾؛ قَوْلُ هَذا القائِلِ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا؛ وقَدْ أماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَمّا عِنْدَهُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: عِنْدِي أنِّي لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا ما حَكاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]؛ وقَدْ كانُوا لَبِثُوا ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وتِسْعًا؛ ولَمْ يَكُونُوا كاذِبِينَ فِيما أخْبَرُوا عَمّا عِنْدَهُمْ؛ كَأنَّهم قالُوا: عِنْدَنا في ظُنُونِنا أنَّنا لَبِثْنا يَوْمًا؛ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ في إحْدى صَلاتَيِ العِشاءِ؛ فَقالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أقَصُرَتِ الصَّلاةُ؛ أمْ نَسِيتَ؟ -: "لَمْ تَقْصُرْ؛ ولَمْ أنْسَ "؛» وكانَ ﷺ صادِقًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَمّا عِنْدَهُ في ظَنِّهِ؛ وكانَ عِنْدَهُ أنَّهُ قَدْ أتَمَّها؛ فَهَذا كَلامٌ سائِغٌ؛ جائِزٌ؛ غَيْرُ مَلُومٍ عَلَيْهِ قائِلُهُ إذا أخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ؛ وظَنِّهِ؛ لا عَنْ حَقِيقَةِ مُخْبَرِهِ؛ ولِذَلِكَ عَفا اللَّهُ (تَعالى) عَنِ الحالِفِ بِلَغْوِ اليَمِينِ؛ وهو فِيما رُوِيَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِمَن سَألَهُ: هَلْ كانَ كَذا وكَذا؟ فَيَقُولُ - عَلى ما عِنْدَهُ -: لا واللَّهِ؛ أوْ يَقُولُ: بَلى واللَّهِ؛ وإنِ اتَّفَقَ مُخْبَرُهُ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخْبَرَ عَنْ عَقِيدَتِهِ وضَمِيرِهِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

البقرة 2:262

بابُ الِامْتِنانِ بِالصَّدَقَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾؛ اَلْآيَةَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ (p-١٧٣)مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]؛ أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الصَّدَقاتِ إذا لَمْ تَكُنْ خالِصَةً لِلَّهِ (تَعالى)؛ عارِيَةً مِن مَنٍّ وأذًى؛ فَلَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ؛ لِأنَّ إبْطالَها هو إحْباطُ ثَوابِها؛ فَيَكُونُ فِيها بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَتَصَدَّقْ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ ما يَكُونُ سَبِيلُهُ وُقُوعَهُ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَشُوبَهُ رِياءٌ؛ ولا وجْهٌ غَيْرُ القُرْبَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُهُ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥]؛ فَما لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ (تَعالى) مِنَ القُرْبِ فَغَيْرُ مُثابٍ عَلَيْهِ فاعِلُهُ؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]؛ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لا يَجُوزُ الِاسْتِئْجارُ عَلى الحَجِّ؛ وفِعْلِ الصَّلاةِ؛ وتَعْلِيمِ القُرْآنِ؛ وسائِرِ الأفْعالِ الَّتِي شَرْطُها أنْ تُفْعَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ لِأنَّ أخْذَ الأجْرِ عَلَيْها يُخْرِجُها عَنْ أنْ تَكُونَ قُرْبَةً لِدَلائِلِ هَذِهِ الآياتِ؛ ونَظائِرِها. ورَوى عَمْرٌو؛ عَنِ الحَسَنِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ قالَ: هو المُتَصَدِّقُ يَمُنُّ بِها؛ فَنَهاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ ذَلِكَ؛ وقالَ: لِيَحْمَدِ اللَّهَ إذْ هَداهُ لِلصَّدَقَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]؛ قالَ: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهُمْ؛ وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: تَصْدِيقًا؛ ويَقِينًا مِن أنْفُسِهِمْ؛ وقالَ قَتادَةُ: ثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ؛ والمَنُّ في الصَّدَقَةِ أنْ يَقُولَ المُتَصَدِّقُ: قَدْ أحْسَنْتُ إلى فُلانٍ؛ ونَعَشْتُهُ؛ وأغْنَيْتُهُ؛ فَذَلِكَ يُنَغِّصُها عَلى المُتَصَدَّقِ بِها عَلَيْهِ؛ والأذى: قَوْلُهُ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ؛ وقَدْ بُلِيتُ بِكَ؛ وأراحَنِيَ اللَّهُ مِنكَ؛ ونَظِيرُهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ تَعْيِيرٌ لَهُ بِالفَقْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - رَدًّا جَمِيلًا ومَغْفِرَةً؛ قِيلَ: فِيها سَتْرُ الخُلَّةِ عَلى السّائِلِ؛ وقِيلَ: اَلْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ المَأْثَمَ بِالمَنِّ والأذى؛ ورَدُّ السّائِلِ بِقَوْلٍ جَمِيلٍ فِيهِ السَّلامَةُ مِنَ المَعْصِيَةِ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّ تَرْكَ الصَّدَقَةِ بِرَدٍّ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى وامْتِنانٌ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]؛ واللَّهُ (تَعالى) المُوَفِّقُ. (p-١٧٤)

البقرة 2:263

بابُ الِامْتِنانِ بِالصَّدَقَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾؛ اَلْآيَةَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ (p-١٧٣)مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]؛ أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الصَّدَقاتِ إذا لَمْ تَكُنْ خالِصَةً لِلَّهِ (تَعالى)؛ عارِيَةً مِن مَنٍّ وأذًى؛ فَلَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ؛ لِأنَّ إبْطالَها هو إحْباطُ ثَوابِها؛ فَيَكُونُ فِيها بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَتَصَدَّقْ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ ما يَكُونُ سَبِيلُهُ وُقُوعَهُ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَشُوبَهُ رِياءٌ؛ ولا وجْهٌ غَيْرُ القُرْبَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُهُ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥]؛ فَما لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ (تَعالى) مِنَ القُرْبِ فَغَيْرُ مُثابٍ عَلَيْهِ فاعِلُهُ؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]؛ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لا يَجُوزُ الِاسْتِئْجارُ عَلى الحَجِّ؛ وفِعْلِ الصَّلاةِ؛ وتَعْلِيمِ القُرْآنِ؛ وسائِرِ الأفْعالِ الَّتِي شَرْطُها أنْ تُفْعَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ لِأنَّ أخْذَ الأجْرِ عَلَيْها يُخْرِجُها عَنْ أنْ تَكُونَ قُرْبَةً لِدَلائِلِ هَذِهِ الآياتِ؛ ونَظائِرِها. ورَوى عَمْرٌو؛ عَنِ الحَسَنِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ قالَ: هو المُتَصَدِّقُ يَمُنُّ بِها؛ فَنَهاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ ذَلِكَ؛ وقالَ: لِيَحْمَدِ اللَّهَ إذْ هَداهُ لِلصَّدَقَةِ؛ وعَنِ الحَسَنِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]؛ قالَ: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهُمْ؛ وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: تَصْدِيقًا؛ ويَقِينًا مِن أنْفُسِهِمْ؛ وقالَ قَتادَةُ: ثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ؛ والمَنُّ في الصَّدَقَةِ أنْ يَقُولَ المُتَصَدِّقُ: قَدْ أحْسَنْتُ إلى فُلانٍ؛ ونَعَشْتُهُ؛ وأغْنَيْتُهُ؛ فَذَلِكَ يُنَغِّصُها عَلى المُتَصَدَّقِ بِها عَلَيْهِ؛ والأذى: قَوْلُهُ: أنْتَ أبَدًا فَقِيرٌ؛ وقَدْ بُلِيتُ بِكَ؛ وأراحَنِيَ اللَّهُ مِنكَ؛ ونَظِيرُهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ تَعْيِيرٌ لَهُ بِالفَقْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - رَدًّا جَمِيلًا ومَغْفِرَةً؛ قِيلَ: فِيها سَتْرُ الخُلَّةِ عَلى السّائِلِ؛ وقِيلَ: اَلْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ المَأْثَمَ بِالمَنِّ والأذى؛ ورَدُّ السّائِلِ بِقَوْلٍ جَمِيلٍ فِيهِ السَّلامَةُ مِنَ المَعْصِيَةِ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّ تَرْكَ الصَّدَقَةِ بِرَدٍّ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى وامْتِنانٌ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]؛ واللَّهُ (تَعالى) المُوَفِّقُ. (p-١٧٤)

البقرة 2:267

بابُ المُكاسَبَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِن الأرْضِ﴾: فِيهِ إباحَةُ المَكاسِبِ؛ وإخْبارٌ أنَّ فِيها طَيِّبًا؛ والمَكاسِبُ وجْهانِ؛ أحَدُهُما إبْدالُ الأمْوالِ؛ وإرْباحُها؛ والثّانِي: إبْدالُ المَنافِعِ؛ وقَدْ نَصَّ اللَّهُ (تَعالى) عَلى إباحَتِها في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - مَن يَتَّجِرُ؛ ويُكْرِي؛ ويَحُجُّ مَعَ ذَلِكَ؛ وقالَ (تَعالى) - في إبْدالِ المَنافِعِ -: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ وقالَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَنِ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ"؛» وقالَ ﷺ: «"لَأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ؛ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ النّاسَ؛ أعْطَوْهُ؛ أوْ مَنَعُوهُ"؛» وقَدْ رَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ؛ عَنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ؛ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ"؛» وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾؛ أنَّهُ مِنَ التِّجاراتِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وعُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ في سائِرِ الأمْوالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ما كَسَبْتُمْ﴾؛ يَنْتَظِمُها؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في المِقْدارِ الواجِبِ فِيها؛ فَهو عُمُومٌ في أصْنافِ الأمْوالِ؛ مُجْمَلٌ في المِقْدارِ الواجِبِ فِيها؛ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ؛ ولَمّا ورَدَ البَيانُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَقادِيرِ الواجِباتِ فِيها؛ صَحَّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِها في كُلِّ مالٍ اخْتَلَفْنا في إيجابِ الحَقِّ فِيهِ؛ نَحْوُ أمْوالِ التِّجارَةِ؛ ويُحْتَجُّ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى مَن يَنْفِي إيجابَ الزَّكاةِ في العُرُوضِ؛ ويُحْتَجُّ بِهِ أيْضًا في إيجابِ صَدَقَةِ الخَيْلِ؛ وفي كُلِّ ما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الأمْوالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أنْفِقُوا﴾؛ اَلْمُرادُ بِهِ الصَّدَقَةُ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ يَعْنِي: تَتَصَدَّقُونَ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ والخَلَفُ في أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّدَقَةُ؛ ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن قالَ: إنَّ هَذا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ إذا أُخْرِجَ عَنْهُ الرَّدِيءُ كانَ الفَضْلُ باقِيًا في ذِمَّتِهِ حَتّى يُؤَدّى؛ وهَذا عِنْدَنا يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنِ الوُجُوبِ إلى النَّفْلِ؛ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْفِقُوا﴾ أمْرٌ؛ والأمْرُ عِنْدَنا عَلى الوُجُوبِ حَتّى تَقُومَ دَلالَةُ النَّدْبِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ نَدْبٌ؛ إذْ لا يَخْتَصُّ (p-١٧٥)النَّهْيُ عَنْ إخْراجِ الرَّدِيءِ بِالنَّفْلِ؛ دُونَ الفَرْضِ؛ وأنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إخْراجُ فَضْلِ ما بَيْنَ الرَّدِيءِ إلى الجَيِّدِ؛ لِأنَّهُ لا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ؛ وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلالَةٍ أُخْرى؛ فَلا يَعْتَرِضُ ذَلِكَ عَلى مُقْتَضى الآيَةِ في إيجابِ الصَّدَقَةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ لَوْ دَلَّتِ الدَّلالَةُ مِنَ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إخْراجُ غَيْرِ الرَّدِيءِ الَّذِي أخْرَجَهُ؛ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ صَرْفَ حُكْمِ الآيَةِ عَنِ الإيجابِ إلى النَّدْبِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَبْتَدِئَ الخِطابُ بِالإيجابِ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ مَخْصُوصٍ في بَعْضِ ما اقْتَضاهُ عُمُومُهُ؛ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ الِاقْتِصارَ بِحُكْمِ ابْتِداءِ الخِطابِ عَلى الخُصُوصِ؛ وصَرْفَهُ عَنِ العُمُومِ؛ ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ قَدْ بَيَّنّاها في مَواضِعَ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ عُمُومٌ في إيجابِهِ الحَقَّ في قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ؛ وكَثِيرِهِ؛ في سائِرِ الأصْنافِ الخارِجَةِ مِنها؛ ويُحْتَجُّ بِهِ لِأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في إيجابِهِ العُشْرَ في قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ؛ وكَثِيرِهِ؛ في سائِرِ الأصْنافِ الخارِجَةِ مِنها؛ مِمّا تُقْصَدُ الأرْضُ بِزِراعَتِها؛ ومِمّا يَدُلُّ مِن فَحْوى الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ وهَذا إنَّما هو في الدُّيُونِ؛ إذا اقْتَضاها صاحِبُها؛ لا يَتَسامَحُ بِالرَّدِيءِ عَنِ الجَيِّدِ؛ إلّا عَلى إغْماضٍ؛ وتَساهُلٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ إذْ رَدُّها إلى الإغْماضِ في اقْتِضاءِ الدَّيْنِ؛ ولَوْ كانَ تَطَوُّعًا؛ لَمْ يَكُنْ فِيها إغْماضٌ؛ إذْ لَهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِالقَلِيلِ؛ والكَثِيرِ؛ ولَهُ ألّا يَتَصَدَّقَ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ فَرَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّمْرِ: اَلْجُعْرُورِ؛ ولَوْنِ الحُبَيْقِ»؛ قالَ: وكانَ ناسٌ يُخْرِجُونَ شَرَّ ثِمارِهِمْ في الصَّدَقَةِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ؛ قالَ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ -: لَوْ أنَّ أحَدَكم أُهْدِيَ إلَيْهِ مِثْلُ ما أعْطى لَما أخَذَهُ؛ إلّا عَلى إغْماضٍ؛ وحَياءٍ؛ وقالَ عُبَيْدَةُ: إنَّما ذَلِكَ في الزَّكاةِ؛ والدِّرْهَمُ الزّائِفُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ وعَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ - في هَذِهِ الآيَةِ - قالَ: لَيْسَ في أمْوالِهِمْ خَبِيثٌ؛ ولَكِنَّهُ الدِّرْهَمُ القِسِيُّ؛ والزَّيْفُ؛ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ؛ قالَ: لَوْ كانَ لَكَ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ لَمْ تَأْخُذِ الدِّرْهَمَ القِسِيَّ؛ والزَّيْفَ؛ ولَمْ تَأْخُذْ مِنَ الثَّمَرِ إلّا الجَيِّدَ؛ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ؛ تَجَوَّزُوا فِيهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُ هَذا؛ وهو ما كَتَبَهُ في كِتابِ الصَّدَقَةِ؛ وقالَ فِيهِ: «"ولا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ؛ ولا ذاتُ عَوارٍ"؛» رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ وقَدْ قِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - في قَوْلِهِ (p-١٧٦)(تَعالى): ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ -: إلّا أنْ تَحُطُّوا مِنَ الثَّمَنِ؛ وعَنِ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ مِثْلُهُ؛ وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا فِيهِ؛ وقِيلَ: لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا بِوَكْسٍ؛ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ؟ هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها مُرادَ اللَّهِ (تَعالى) بِأنَّهم لا يَقْبَلُونَهُ في الهَدِيَّةِ؛ إلّا بِإغْماضٍ؛ ولا يَقْبِضُونَهُ مِنَ الجَيِّدِ إلّا بِتَساهُلٍ؛ ومُسامَحَةٍ؛ ولا يَبِيعُونَ بِمِثْلِهِ إلّا بِحَطٍّ ووَكْسٍ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيمَن أدّى مِنَ المَكِيلِ؛ والمَوْزُونِ؛ دُونَ الواجِبِ في الصِّفَةِ؛ فَأدّى عَنِ الجَيِّدِ رَدِيئًا؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ أداءُ الفَضْلِ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أنْ يُؤَدِّيَ الفَضْلَ الَّذِي بَيْنَهُما؛ وقالُوا جَمِيعًا - في الغَنَمِ؛ والبَقَرِ؛ وجَمِيعِ الصَّدَقاتِ؛ مِمّا لا يُكالُ؛ ولا يُوزَنُ -: إنَّ عَلَيْهِ أداءَ الفَضْلِ؛ فَيَجُوزُ أنْ يُحْتَجَّ لِمُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ والمُرادُ بِهِ الرَّدِيءُ مِنهُ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ ولِصاحِبِ الحَقِّ ألّا يُغْمِضَ فِيهِ؛ ولا يَتَساهَلَ؛ ويُطالِبَ بِحَقِّهِ مِنَ الجَوْدَةِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْهِ أداءَ الفَضْلِ؛ حَتّى لا يَقَعُ فِيهِ إغْماضٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ في ذَلِكَ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ نَفى الإغْماضَ في الصَّدَقَةِ بِنَهْيِهِ عَنْ إعْطاءِ الرَّدِيءِ فِيها. وأمّا أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ فَإنَّهُما قالا: كُلُّ ما لا يَجُوزُ التَّفاضُلُ فِيهِ؛ فَإنَّ الجَيِّدَ والرَّدِيءَ حُكْمُهُما سَواءٌ؛ في حَظْرِ التَّفاضُلِ بَيْنَهُما؛ وإنَّ قِيمَتَهُ مِن جِنْسِهِ لا تَكُونُ إلّا بِمِثْلِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوِ اقْتَضى دَيْنًا عَلى أنَّهُ جَيِّدٌ؛ فَأنْفَقَهُ؛ ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ كانَ رَدِيئًا؛ أنَّهُ لا يَرْجِعُ عَلى الغَرِيمِ بِشَيْءٍ؛ وأنَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَضْلِ لا يَغْرَمُهُ؟ وإنَّما يَقُولُ أبُو يُوسُفَ فِيهِ: إنَّهُ يَغْرَمُ مِثْلَ ما قَبَضَ مِنَ الغَرِيمِ؛ ويَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ وغَيْرُ مُمْكِنٍ مِثْلُهُ في الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ لا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ فَلَوْ غَرِمَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ مُطالَبَةُ المُتَصَدِّقِ بِرَدِّ الجَيِّدِ عَلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْطاءُ الفَضْلِ؛ وإنَّما نَهى اللَّهُ (تَعالى) المُتَصَدِّقَ عَنْ قَصْدِ الرَّدِيءِ بِالإخْراجِ؛ وقَدْ وجَبَ إخْراجُ الجَيِّدِ؛ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ ولَكِنْ لَمّا كانَ حُكْمُ ما أعْطى حُكْمَ الجَيِّدِ؛ فِيما وصَفْنا؛ أجْزَأ عَنْهُ؛ وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ التَّفاضُلُ؛ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِإخْراجِ الفَضْلِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِن جِنْسِهِ أكْثَرَ مِنهُ؛ ويُباعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفاضِلًا. وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ لَمْ يُجِزْ إخْراجَ الرَّدِيءِ مِنَ الجَيِّدِ؛ إلّا بِمِقْدارِ قِيمَتِهِ مِنهُ؛ فَأوْجَبَ عَلَيْهِ إخْراجَ الفَضْلِ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اقْتِضاءِ الرَّدِيءِ عَنِ الجَيِّدِ في سائِرِ الدُّيُونِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أجازَ الإغْماضَ في الدُّيُونِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعانٍ؛ مِنها جَوازُ اقْتِضاءِ الزُّيُوفِ الَّتِي أقَلُّها غِشٌّ؛ وأكْثَرُها (p-١٧٧)فِضَّةٌ؛ عَنِ الجِيادِ؛ في رَأْسِ مالِ السَّلَمِ؛ وثَمَنِ الصَّرْفِ؛ اللَّذَيْنِ لا يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ عَنْهُما غَيْرَهُما؛ ودَلَّ عَلى أنَّ حُكْمَ الرَّدِيءِ في ذَلِكَ حُكْمُ الجَيِّدِ؛ وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ بَيْعِ الفِضَّةِ الجَيِّدَةِ بِالرَّدِيئَةِ؛ وزْنًا بِوَزْنٍ؛ لِأنَّ ما جازَ اقْتِضاءُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ جازَ بَيْعُهُ بِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ"؛» إنَّما أرادَ المُماثَلَةَ في الوَزْنِ؛ لا في الصِّفَةِ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ ما ذَكَرَهُ مَعَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى جَوازِ اقْتِضاءِ الجَيِّدِ عَنِ الرَّدِيءِ بِرِضا الغَرِيمِ؛ كَما جازَ اقْتِضاءُ الرَّدِيءِ عَنِ الجَيِّدِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلافِهِما في الصِّفَةِ حُكْمٌ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"خَيْرُكم أحْسَنُكم قَضاءً"؛» قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «قَضانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وزادَنِي»؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ والحَسَنِ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ قالُوا: لا بَأْسَ إذا أقْرَضَهُ دَراهِمَ سُودًا أنْ يَقْبِضَهُ بِيضًا؛ إذا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ ورَوى سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ؛ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ إذا أقْرَضَ دَراهِمَ أنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِنها؛ وهَذا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كَرِهَهُ إذا رَضِيَ المُسْتَقْرِضُ؛ وإنَّما لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِنها إذا لَمْ يَرْضَ صاحِبُهُ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾: قَدْ قِيلَ: إنَّ الفَحْشاءَ تَقَعُ عَلى وُجُوهٍ؛ والمُرادُ بِها في هَذا المَوْضِعِ البُخْلُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ "فاحِشًا"؛ والبُخْلَ "فُحْشًا"؛ و"فَحْشاءَ"؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ يَعْنِي مالَ البَخِيلِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذَمُّ البَخِيلِ؛ والبُخْلِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؛ فَأمّا في الفَرِيضَةِ فَإظْهارُها أفْضَلُ؛ لِئَلّا تَلْحَقَهُ تُهْمَةٌ؛ وعَنِ الحَسَنِ؛ ويَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ؛ وقَتادَةَ: اَلْإخْفاءُ في جَمِيعِ الصَّدَقاتِ أفْضَلُ؛ وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى إظْهارِ الصَّدَقَةِ؛ كَما مَدَحَ عَلى إخْفائِها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في جَمِيعِ الصَّدَقاتِ المَوْكُولِ أداؤُها إلى أرْبابِها مِن نَفْلٍ؛ أوْ فَرْضٍ؛ دُونَ ما كانَ مِنها أخْذُهُ إلى الإمامِ؛ إلّا أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي جَمِيعَها؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَهي شامِلَةٌ لِجَمِيعِها؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الصَّدَقاتِ مَصْرُوفَةٌ إلى الفُقَراءِ؛ وأنَّها إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالفَقْرِ؛ لا غَيْرُ؛ وأنَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) مِن أصْنافِ مَن تُصْرَفُ إلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ إنَّما (p-١٧٨)يَسْتَحِقُّ مِنهم مَن يَأْخُذُها صَدَقَةً بِالفَقْرِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وإنَّما ذَكَرَ الأصْنافَ لِما يَعُمُّهم مِن أسْبابِ الفَقْرِ؛ دُونَ مَن لا يَأْخُذُها صَدَقَةً؛ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ والعامِلِينَ عَلَيْها؛ فَإنَّهم لا يَأْخُذُونَها صَدَقَةً؛ وإنَّما تَحْصُلُ في يَدِ الإمامِ صَدَقَةً لِلْفُقَراءِ؛ ثُمَّ يُصْرَفُ إلى المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ والعامِلِينَ؛ ما يُعْطَوْنَ؛ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ؛ لَكِنْ عِوَضًا مِنَ العَمَلِ؛ ولِدَفْعِ أذِيَّتِهِمْ عَنْ أهْلِ الإسْلامِ؛ أوْ لِيُسْتَمالُوا بِهِ إلى الإيمانِ. ومِنَ المُخالِفِينَ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في جَوازِ إعْطاءِ جَمِيعِ الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ؛ دُونَ الإمامِ؛ وأنَّهم إذا أعْطَوُا الفُقَراءَ مِن صَدَقَةِ المَواشِي سَقَطَ حَقُّ الإمامِ في الأخْذِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ وذَلِكَ عامٌّ في سائِرِها؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ هَهُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ؛ ولَيْسَ في هَذا عِنْدَنا دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُعْطِي؛ فَلَيْسَ فِيهِ سُقُوطُ حَقِّ الإمامِ في الأخْذِ؛ ولَيْسَ كَوْنُها خَيْرًا لَهُ نافِيًا لِثُبُوتِ حَقِّ الإمامِ في الأخْذِ؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَهُمْ؛ ويَأْخُذُها الإمامُ فَيَتَضاعَفُ الخَيْرُ بِأخْذِها ثانِيًا؛ وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَقُولُ: إنَّ الإجْماعَ قَدْ حَصَلَ عَلى أنَّ إظْهارَ صَدَقَةِ الفَرْضِ أوْلى مِن إخْفائِها؛ كَما قالُوا في الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ؛ ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالِاجْتِماعِ عَلَيْها في الجَماعاتِ؛ بِأذانٍ؛ وإقامَةٍ؛ ولِيُصَلُّوها ظاهِرِينَ؛ فَكَذَلِكَ سائِرُ الفُرُوضِ؛ لِئَلّا يُقِيمَ نَفْسَهُ مَقامَ تُهْمَةٍ في تَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ؛ وفِعْلِ الصَّلاةِ؛ قالُوا: فَهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً؛ لِأنَّ سَتْرَ الطّاعاتِ النَّوافِلِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّ عَرْشِهِ"؛» أحَدُهم رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ لَمْ تَعْلَمْ شِمالُهُ ما تَصَدَّقَتْ بِهِ يَمِينُهُ؛ وهَذا إنَّما هو في التَّطَوُّعِ؛ دُونَ الفَرْضِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ العامِلَ إذا جاءَ قَبْلَ أنْ تُؤَدّى صَدَقَةُ المَواشِي؛ فَطالَبَهُ بِأدائِها؛ أنَّ الفَرْضَ عَلَيْهِ أداؤُها إلَيْهِ؛ فَصارَ إظْهارُ أدائِها في هَذِهِ الحالِ فَرْضًا؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

البقرة 2:268

بابُ المُكاسَبَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِن الأرْضِ﴾: فِيهِ إباحَةُ المَكاسِبِ؛ وإخْبارٌ أنَّ فِيها طَيِّبًا؛ والمَكاسِبُ وجْهانِ؛ أحَدُهُما إبْدالُ الأمْوالِ؛ وإرْباحُها؛ والثّانِي: إبْدالُ المَنافِعِ؛ وقَدْ نَصَّ اللَّهُ (تَعالى) عَلى إباحَتِها في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - مَن يَتَّجِرُ؛ ويُكْرِي؛ ويَحُجُّ مَعَ ذَلِكَ؛ وقالَ (تَعالى) - في إبْدالِ المَنافِعِ -: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ وقالَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَنِ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ"؛» وقالَ ﷺ: «"لَأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ؛ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ النّاسَ؛ أعْطَوْهُ؛ أوْ مَنَعُوهُ"؛» وقَدْ رَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ؛ عَنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ؛ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ"؛» وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾؛ أنَّهُ مِنَ التِّجاراتِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وعُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ في سائِرِ الأمْوالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ما كَسَبْتُمْ﴾؛ يَنْتَظِمُها؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في المِقْدارِ الواجِبِ فِيها؛ فَهو عُمُومٌ في أصْنافِ الأمْوالِ؛ مُجْمَلٌ في المِقْدارِ الواجِبِ فِيها؛ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ؛ ولَمّا ورَدَ البَيانُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَقادِيرِ الواجِباتِ فِيها؛ صَحَّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِها في كُلِّ مالٍ اخْتَلَفْنا في إيجابِ الحَقِّ فِيهِ؛ نَحْوُ أمْوالِ التِّجارَةِ؛ ويُحْتَجُّ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى مَن يَنْفِي إيجابَ الزَّكاةِ في العُرُوضِ؛ ويُحْتَجُّ بِهِ أيْضًا في إيجابِ صَدَقَةِ الخَيْلِ؛ وفي كُلِّ ما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الأمْوالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أنْفِقُوا﴾؛ اَلْمُرادُ بِهِ الصَّدَقَةُ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ يَعْنِي: تَتَصَدَّقُونَ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ والخَلَفُ في أنَّ المُرادَ بِهِ الصَّدَقَةُ؛ ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن قالَ: إنَّ هَذا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ إذا أُخْرِجَ عَنْهُ الرَّدِيءُ كانَ الفَضْلُ باقِيًا في ذِمَّتِهِ حَتّى يُؤَدّى؛ وهَذا عِنْدَنا يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنِ الوُجُوبِ إلى النَّفْلِ؛ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْفِقُوا﴾ أمْرٌ؛ والأمْرُ عِنْدَنا عَلى الوُجُوبِ حَتّى تَقُومَ دَلالَةُ النَّدْبِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ نَدْبٌ؛ إذْ لا يَخْتَصُّ (p-١٧٥)النَّهْيُ عَنْ إخْراجِ الرَّدِيءِ بِالنَّفْلِ؛ دُونَ الفَرْضِ؛ وأنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إخْراجُ فَضْلِ ما بَيْنَ الرَّدِيءِ إلى الجَيِّدِ؛ لِأنَّهُ لا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ؛ وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلالَةٍ أُخْرى؛ فَلا يَعْتَرِضُ ذَلِكَ عَلى مُقْتَضى الآيَةِ في إيجابِ الصَّدَقَةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ لَوْ دَلَّتِ الدَّلالَةُ مِنَ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إخْراجُ غَيْرِ الرَّدِيءِ الَّذِي أخْرَجَهُ؛ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ صَرْفَ حُكْمِ الآيَةِ عَنِ الإيجابِ إلى النَّدْبِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَبْتَدِئَ الخِطابُ بِالإيجابِ؛ ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ مَخْصُوصٍ في بَعْضِ ما اقْتَضاهُ عُمُومُهُ؛ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ الِاقْتِصارَ بِحُكْمِ ابْتِداءِ الخِطابِ عَلى الخُصُوصِ؛ وصَرْفَهُ عَنِ العُمُومِ؛ ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ قَدْ بَيَّنّاها في مَواضِعَ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ عُمُومٌ في إيجابِهِ الحَقَّ في قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ؛ وكَثِيرِهِ؛ في سائِرِ الأصْنافِ الخارِجَةِ مِنها؛ ويُحْتَجُّ بِهِ لِأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في إيجابِهِ العُشْرَ في قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ؛ وكَثِيرِهِ؛ في سائِرِ الأصْنافِ الخارِجَةِ مِنها؛ مِمّا تُقْصَدُ الأرْضُ بِزِراعَتِها؛ ومِمّا يَدُلُّ مِن فَحْوى الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ وهَذا إنَّما هو في الدُّيُونِ؛ إذا اقْتَضاها صاحِبُها؛ لا يَتَسامَحُ بِالرَّدِيءِ عَنِ الجَيِّدِ؛ إلّا عَلى إغْماضٍ؛ وتَساهُلٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ إذْ رَدُّها إلى الإغْماضِ في اقْتِضاءِ الدَّيْنِ؛ ولَوْ كانَ تَطَوُّعًا؛ لَمْ يَكُنْ فِيها إغْماضٌ؛ إذْ لَهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِالقَلِيلِ؛ والكَثِيرِ؛ ولَهُ ألّا يَتَصَدَّقَ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ فَرَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّمْرِ: اَلْجُعْرُورِ؛ ولَوْنِ الحُبَيْقِ»؛ قالَ: وكانَ ناسٌ يُخْرِجُونَ شَرَّ ثِمارِهِمْ في الصَّدَقَةِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ؛ قالَ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ -: لَوْ أنَّ أحَدَكم أُهْدِيَ إلَيْهِ مِثْلُ ما أعْطى لَما أخَذَهُ؛ إلّا عَلى إغْماضٍ؛ وحَياءٍ؛ وقالَ عُبَيْدَةُ: إنَّما ذَلِكَ في الزَّكاةِ؛ والدِّرْهَمُ الزّائِفُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ وعَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ - في هَذِهِ الآيَةِ - قالَ: لَيْسَ في أمْوالِهِمْ خَبِيثٌ؛ ولَكِنَّهُ الدِّرْهَمُ القِسِيُّ؛ والزَّيْفُ؛ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ؛ قالَ: لَوْ كانَ لَكَ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ لَمْ تَأْخُذِ الدِّرْهَمَ القِسِيَّ؛ والزَّيْفَ؛ ولَمْ تَأْخُذْ مِنَ الثَّمَرِ إلّا الجَيِّدَ؛ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ؛ تَجَوَّزُوا فِيهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُ هَذا؛ وهو ما كَتَبَهُ في كِتابِ الصَّدَقَةِ؛ وقالَ فِيهِ: «"ولا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ؛ ولا ذاتُ عَوارٍ"؛» رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ وقَدْ قِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - في قَوْلِهِ (p-١٧٦)(تَعالى): ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ -: إلّا أنْ تَحُطُّوا مِنَ الثَّمَنِ؛ وعَنِ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ مِثْلُهُ؛ وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا فِيهِ؛ وقِيلَ: لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا بِوَكْسٍ؛ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ؟ هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها مُرادَ اللَّهِ (تَعالى) بِأنَّهم لا يَقْبَلُونَهُ في الهَدِيَّةِ؛ إلّا بِإغْماضٍ؛ ولا يَقْبِضُونَهُ مِنَ الجَيِّدِ إلّا بِتَساهُلٍ؛ ومُسامَحَةٍ؛ ولا يَبِيعُونَ بِمِثْلِهِ إلّا بِحَطٍّ ووَكْسٍ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيمَن أدّى مِنَ المَكِيلِ؛ والمَوْزُونِ؛ دُونَ الواجِبِ في الصِّفَةِ؛ فَأدّى عَنِ الجَيِّدِ رَدِيئًا؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ أداءُ الفَضْلِ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أنْ يُؤَدِّيَ الفَضْلَ الَّذِي بَيْنَهُما؛ وقالُوا جَمِيعًا - في الغَنَمِ؛ والبَقَرِ؛ وجَمِيعِ الصَّدَقاتِ؛ مِمّا لا يُكالُ؛ ولا يُوزَنُ -: إنَّ عَلَيْهِ أداءَ الفَضْلِ؛ فَيَجُوزُ أنْ يُحْتَجَّ لِمُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ والمُرادُ بِهِ الرَّدِيءُ مِنهُ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ ولِصاحِبِ الحَقِّ ألّا يُغْمِضَ فِيهِ؛ ولا يَتَساهَلَ؛ ويُطالِبَ بِحَقِّهِ مِنَ الجَوْدَةِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْهِ أداءَ الفَضْلِ؛ حَتّى لا يَقَعُ فِيهِ إغْماضٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ في ذَلِكَ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ نَفى الإغْماضَ في الصَّدَقَةِ بِنَهْيِهِ عَنْ إعْطاءِ الرَّدِيءِ فِيها. وأمّا أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ فَإنَّهُما قالا: كُلُّ ما لا يَجُوزُ التَّفاضُلُ فِيهِ؛ فَإنَّ الجَيِّدَ والرَّدِيءَ حُكْمُهُما سَواءٌ؛ في حَظْرِ التَّفاضُلِ بَيْنَهُما؛ وإنَّ قِيمَتَهُ مِن جِنْسِهِ لا تَكُونُ إلّا بِمِثْلِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوِ اقْتَضى دَيْنًا عَلى أنَّهُ جَيِّدٌ؛ فَأنْفَقَهُ؛ ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ كانَ رَدِيئًا؛ أنَّهُ لا يَرْجِعُ عَلى الغَرِيمِ بِشَيْءٍ؛ وأنَّ ما بَيْنَهُما مِنَ الفَضْلِ لا يَغْرَمُهُ؟ وإنَّما يَقُولُ أبُو يُوسُفَ فِيهِ: إنَّهُ يَغْرَمُ مِثْلَ ما قَبَضَ مِنَ الغَرِيمِ؛ ويَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ وغَيْرُ مُمْكِنٍ مِثْلُهُ في الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ لا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ فَلَوْ غَرِمَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ مُطالَبَةُ المُتَصَدِّقِ بِرَدِّ الجَيِّدِ عَلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْطاءُ الفَضْلِ؛ وإنَّما نَهى اللَّهُ (تَعالى) المُتَصَدِّقَ عَنْ قَصْدِ الرَّدِيءِ بِالإخْراجِ؛ وقَدْ وجَبَ إخْراجُ الجَيِّدِ؛ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ ولَكِنْ لَمّا كانَ حُكْمُ ما أعْطى حُكْمَ الجَيِّدِ؛ فِيما وصَفْنا؛ أجْزَأ عَنْهُ؛ وأمّا ما يَجُوزُ فِيهِ التَّفاضُلُ؛ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِإخْراجِ الفَضْلِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِن جِنْسِهِ أكْثَرَ مِنهُ؛ ويُباعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفاضِلًا. وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ لَمْ يُجِزْ إخْراجَ الرَّدِيءِ مِنَ الجَيِّدِ؛ إلّا بِمِقْدارِ قِيمَتِهِ مِنهُ؛ فَأوْجَبَ عَلَيْهِ إخْراجَ الفَضْلِ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ اقْتِضاءِ الرَّدِيءِ عَنِ الجَيِّدِ في سائِرِ الدُّيُونِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أجازَ الإغْماضَ في الدُّيُونِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعانٍ؛ مِنها جَوازُ اقْتِضاءِ الزُّيُوفِ الَّتِي أقَلُّها غِشٌّ؛ وأكْثَرُها (p-١٧٧)فِضَّةٌ؛ عَنِ الجِيادِ؛ في رَأْسِ مالِ السَّلَمِ؛ وثَمَنِ الصَّرْفِ؛ اللَّذَيْنِ لا يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ عَنْهُما غَيْرَهُما؛ ودَلَّ عَلى أنَّ حُكْمَ الرَّدِيءِ في ذَلِكَ حُكْمُ الجَيِّدِ؛ وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ بَيْعِ الفِضَّةِ الجَيِّدَةِ بِالرَّدِيئَةِ؛ وزْنًا بِوَزْنٍ؛ لِأنَّ ما جازَ اقْتِضاءُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ جازَ بَيْعُهُ بِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ"؛» إنَّما أرادَ المُماثَلَةَ في الوَزْنِ؛ لا في الصِّفَةِ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ ما ذَكَرَهُ مَعَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى جَوازِ اقْتِضاءِ الجَيِّدِ عَنِ الرَّدِيءِ بِرِضا الغَرِيمِ؛ كَما جازَ اقْتِضاءُ الرَّدِيءِ عَنِ الجَيِّدِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلافِهِما في الصِّفَةِ حُكْمٌ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"خَيْرُكم أحْسَنُكم قَضاءً"؛» قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «قَضانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وزادَنِي»؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ والحَسَنِ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ قالُوا: لا بَأْسَ إذا أقْرَضَهُ دَراهِمَ سُودًا أنْ يَقْبِضَهُ بِيضًا؛ إذا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ ورَوى سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ؛ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ إذا أقْرَضَ دَراهِمَ أنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِنها؛ وهَذا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كَرِهَهُ إذا رَضِيَ المُسْتَقْرِضُ؛ وإنَّما لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِنها إذا لَمْ يَرْضَ صاحِبُهُ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾: قَدْ قِيلَ: إنَّ الفَحْشاءَ تَقَعُ عَلى وُجُوهٍ؛ والمُرادُ بِها في هَذا المَوْضِعِ البُخْلُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ "فاحِشًا"؛ والبُخْلَ "فُحْشًا"؛ و"فَحْشاءَ"؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ يَعْنِي مالَ البَخِيلِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ذَمُّ البَخِيلِ؛ والبُخْلِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؛ فَأمّا في الفَرِيضَةِ فَإظْهارُها أفْضَلُ؛ لِئَلّا تَلْحَقَهُ تُهْمَةٌ؛ وعَنِ الحَسَنِ؛ ويَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ؛ وقَتادَةَ: اَلْإخْفاءُ في جَمِيعِ الصَّدَقاتِ أفْضَلُ؛ وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى إظْهارِ الصَّدَقَةِ؛ كَما مَدَحَ عَلى إخْفائِها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في جَمِيعِ الصَّدَقاتِ المَوْكُولِ أداؤُها إلى أرْبابِها مِن نَفْلٍ؛ أوْ فَرْضٍ؛ دُونَ ما كانَ مِنها أخْذُهُ إلى الإمامِ؛ إلّا أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي جَمِيعَها؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَهي شامِلَةٌ لِجَمِيعِها؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الصَّدَقاتِ مَصْرُوفَةٌ إلى الفُقَراءِ؛ وأنَّها إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالفَقْرِ؛ لا غَيْرُ؛ وأنَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) مِن أصْنافِ مَن تُصْرَفُ إلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ إنَّما (p-١٧٨)يَسْتَحِقُّ مِنهم مَن يَأْخُذُها صَدَقَةً بِالفَقْرِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وإنَّما ذَكَرَ الأصْنافَ لِما يَعُمُّهم مِن أسْبابِ الفَقْرِ؛ دُونَ مَن لا يَأْخُذُها صَدَقَةً؛ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ والعامِلِينَ عَلَيْها؛ فَإنَّهم لا يَأْخُذُونَها صَدَقَةً؛ وإنَّما تَحْصُلُ في يَدِ الإمامِ صَدَقَةً لِلْفُقَراءِ؛ ثُمَّ يُصْرَفُ إلى المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ والعامِلِينَ؛ ما يُعْطَوْنَ؛ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ؛ لَكِنْ عِوَضًا مِنَ العَمَلِ؛ ولِدَفْعِ أذِيَّتِهِمْ عَنْ أهْلِ الإسْلامِ؛ أوْ لِيُسْتَمالُوا بِهِ إلى الإيمانِ. ومِنَ المُخالِفِينَ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في جَوازِ إعْطاءِ جَمِيعِ الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ؛ دُونَ الإمامِ؛ وأنَّهم إذا أعْطَوُا الفُقَراءَ مِن صَدَقَةِ المَواشِي سَقَطَ حَقُّ الإمامِ في الأخْذِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ وذَلِكَ عامٌّ في سائِرِها؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ هَهُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ؛ ولَيْسَ في هَذا عِنْدَنا دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُعْطِي؛ فَلَيْسَ فِيهِ سُقُوطُ حَقِّ الإمامِ في الأخْذِ؛ ولَيْسَ كَوْنُها خَيْرًا لَهُ نافِيًا لِثُبُوتِ حَقِّ الإمامِ في الأخْذِ؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَهُمْ؛ ويَأْخُذُها الإمامُ فَيَتَضاعَفُ الخَيْرُ بِأخْذِها ثانِيًا؛ وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَقُولُ: إنَّ الإجْماعَ قَدْ حَصَلَ عَلى أنَّ إظْهارَ صَدَقَةِ الفَرْضِ أوْلى مِن إخْفائِها؛ كَما قالُوا في الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ؛ ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالِاجْتِماعِ عَلَيْها في الجَماعاتِ؛ بِأذانٍ؛ وإقامَةٍ؛ ولِيُصَلُّوها ظاهِرِينَ؛ فَكَذَلِكَ سائِرُ الفُرُوضِ؛ لِئَلّا يُقِيمَ نَفْسَهُ مَقامَ تُهْمَةٍ في تَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ؛ وفِعْلِ الصَّلاةِ؛ قالُوا: فَهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً؛ لِأنَّ سَتْرَ الطّاعاتِ النَّوافِلِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّ عَرْشِهِ"؛» أحَدُهم رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ لَمْ تَعْلَمْ شِمالُهُ ما تَصَدَّقَتْ بِهِ يَمِينُهُ؛ وهَذا إنَّما هو في التَّطَوُّعِ؛ دُونَ الفَرْضِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ العامِلَ إذا جاءَ قَبْلَ أنْ تُؤَدّى صَدَقَةُ المَواشِي؛ فَطالَبَهُ بِأدائِها؛ أنَّ الفَرْضَ عَلَيْهِ أداؤُها إلَيْهِ؛ فَصارَ إظْهارُ أدائِها في هَذِهِ الحالِ فَرْضًا؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

البقرة 2:272

بابُ إعْطاءِ المُشْرِكِ مِنَ الصَّدَقَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مَن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: ما تَقَدَّمَ في هَذا الخِطابِ؛ وما جاءَ في نَسَقِهِ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): (p-١٧٩)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ إنَّما مَعْناهُ في الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾؛ فَدَلَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِطابِ في ذَلِكَ؛ وتَأخَّرَ عَنْهُ؛ مِن ذِكْرِ الصَّدَقَةِ؛ أنَّ المُرادَ إباحَةُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُغِيرَةِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا تَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكُمْ"؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ فَقالَ ﷺ: "تَصَدَّقُوا عَلى أهْلِ الأدْيانِ"؛» ورَوى الحَجّاجُ عَنْ سالِمٍ المَكِّيِّ؛ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: كَرِهَ النّاسُ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلى المُشْرِكِينَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لا نَدْرِي هَذا مِن كَلامِ مَن هُوَ؛ أعْنِي قَوْلَهُ: فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ؛ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِن غَيْرِ الزَّكاةِ؛ وصَدَقاتِ المَواشِي؛ دُونَ كَفّاراتِ الأيْمانِ؛ ونَحْوِها؛ وأيْضًا قَوْلُهُ: "فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ؛ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ"؛ لا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الآيَةِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَهم مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ؛ وبَيْنَ ألّا يَتَصَدَّقُوا؛ ورَوى الأعْمَشُ؛ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إياسٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ناسٌ لَهم أنْسابٌ؛ وقَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ؛ والنَّضِيرِ؛ فَكانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ؛ ويُرِيدُونَهم عَلى الإسْلامِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «عَنْ أُمِّهِ؛ أسْماءَ؛ قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي في عَهْدِ قُرَيْشٍ راغِبَةً؛ وهي مُشْرِكَةٌ؛ فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أصِلُها؟ قالَ: "نَعَمْ"». قالَ أبُو بَكْرٍ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في دَلالَتِها عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]؛ فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: "هُمُ الأُسَراءُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ"؛ ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وعَطاءٍ؛ قالا: "هم أهْلُ القِبْلَةِ؛ وغَيْرُهُمْ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الأسِيرَ في دارِ الإسْلامِ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا؛ ونَظِيرُها أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ فَأباحَ بِرَّهُمْ؛ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ؛ إذا لَمْ يَكُونُوا أهْلَ حَرْبٍ لَنا؛ والصَّدَقاتُ مِنَ البِرِّ؛ فاقْتَضى جَوازَ دَفْعِ الصَّدَقاتِ إلَيْهِمْ؛ وظَواهِرُ هَذِهِ الآيِ تُوجِبُ جَوازَ دَفْعِ سائِرِها إلَيْهِمْ؛ إلّا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَصَّ مِنها الزَّكَواتِ وصَدَقاتِ المَواشِي؛ وكُلَّ ما كانَ أخْذُهُ مِنَ الصَّدَقاتِ إلى الإمامِ؛ بِقَوْلِهِ: «"أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكُمْ؛ وأرُدَّها في فُقَرائِكُمْ"؛» وقالَ لِمُعاذٍ: "أعْلِمْهم (p-١٨٠)أنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ حَقًّا في أمْوالِهِمْ؛ يُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ؛ ويُرَدُّ عَلى فُقَرائِهِمْ"؛ فَكانَتِ الصَّدَقاتُ الَّتِي أخْذُها إلى الإمامِ مَخْصُوصَةً مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "كُلُّ صَدَقَةٍ لَيْسَ أخْذُها إلى الإمامِ فَجائِزٌ إعْطاؤُها أهْلَ الذِّمَّةِ؛ وما كانَ أخْذُها إلى الإمامِ لا يُعْطى أهْلَ الذِّمَّةِ"؛ فَيُجِيزُ إعْطاءَ الكَفّاراتِ؛ والنُّذُورِ؛ وصَدَقَةِ الفِطْرِ أهْلَ الذِّمَّةِ. فَإنْ قِيلَ: فَزَكاةُ المالِ لَيْسَ أخْذُها إلى الإمامِ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تُعْطى أهْلَ الذِّمَّةِ؛ قِيلَ: أخْذُها في الأصْلِ إلى الإمامِ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُها؛ وكَذَلِكَ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ فَلَمّا كانَ عُثْمانُ قالَ لِلنّاسِ: إنَّ هَذا شَهْرُ زَكاتِكُمْ؛ فَمَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ؛ ثُمَّ لْيُزَكِّ بِقِيمَةِ مالِهِ؛ فَجَعَلَ أرْبابَ الأمْوالِ وُكَلاءَ لَهُ في أدائِها؛ ولَمْ يُسْقِطْ في ذَلِكَ حَقَّ الإمامِ في أخْذِها؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: كُلُّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ فَغَيْرُ جائِزٍ دَفْعُها إلى الكُفّارِ؛ قِياسًا عَلى الزَّكاةِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - النَّفَقَةَ المَذْكُورَةَ بَدِيًّا؛ والمُرادُ بِها الصَّدَقَةُ؛ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ والسُّدِّيِّ: اَلْمُرادُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ قِيلَ: إنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهُمُ التَّصَرُّفَ في التِّجارَةِ؛ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ؛ لِأنَّ الإحْصارَ مَنعُ النَّفْسِ عَنِ التَّصَرُّفِ؛ لِمَرَضٍ؛ أوْ حاجَةٍ؛ أوْ مَخافَةٍ؛ فَإذا مَنَعَهُ العَدُوُّ قِيلَ: أحَصَرَهُ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - الجاهِلَ بِحالِهِمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ هَيْئَتِهِمْ؛ وبِذَّتِهِمْ؛ يُشْبِهُ حالَ الأغْنِياءِ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ظَنَّهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ؛ لِأنَّ ما يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ الفَقْرِ شَيْئانِ؛ أحَدُهُما بَذاذَةُ الهَيْئَةِ؛ ورَثاثَةُ الحالِ؛ والآخَرُ المَسْألَةُ؛ عَلى أنَّهُ فَقِيرٌ؛ فَلَيْسَ يَكادُ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ إلّا لِما يَظْهَرُ لَهُ مِن حُسْنِ البِذَّةِ؛ الدّالَّةِ عَلى الغِنى في الظّاهِرِ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لَهُ ثِيابُ الكِسْوَةِ ذاتُ قِيمَةٍ كَثِيرَةٍ؛ لا تَمْنَعُهُ إعْطاءَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أمَرَنا بِإعْطاءِ الزَّكاةِ مَن ظاهِرُ حالِهِ مُشْبِهٌ لِأحْوالِ الأغْنِياءِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ الجِسْمِ جائِزٌ أنْ يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِإعْطاءِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ وكانُوا مِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يُقاتِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المُشْرِكِينَ؛ ولَمْ يَكُونُوا مَرْضى؛ ولا عُمْيانًا. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾؛ فَإنَّ السِّيما: اَلْعَلامَةُ؛ قالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُرادُ بِهِ هُنا: اَلتَّخَشُّعُ؛ وقالَ السُّدِّيُّ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو عَلامَةُ الفَقْرِ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ يَعْنِي: عَلامَتُهُمْ؛ فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ العَلامَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾؛ ما يَظْهَرُ في وجْهِ الإنْسانِ مِن كُسُوفِ (p-١٨١)البالِ؛ وسُوءِ الحالِ؛ وإنْ كانَتْ بِذَّتُهُمْ؛ وثِيابُهُمْ؛ وظاهِرُ هَيْئَتِهِمْ؛ حَسَنَةً جَمِيلَةً؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ عَلَمًا يَسْتَدِلُّ بِهِ إذا رَآهم عَلَيْهِ؛ عَلى فَقْرِهِمْ؛ وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْهم إلّا بِظُهُورِ المَسْألَةِ مِنهُمْ؛ أوْ بِما يَظْهَرُ مِن بَذاذَةِ هَيْئَتِهِمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّيما حَظًّا في اعْتِبارِ حالِ مَن يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وقَدِ اعْتَبَرَ أصْحابُنا ذَلِكَ في المَيْتِ في دارِ الإسْلامِ؛ أوْ في دارِ الحَرْبِ؛ إذا لَمْ يُعْرَفْ أمْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ في إسْلامٍ؛ أوْ كُفْرٍ؛ أنَّهُ يُنْظَرُ إلى سِيماهُ؛ فَإنْ كانَتْ عَلَيْهِ سِيما أهْلِ الكُفْرِ؛ مِن شَدِّ زُنّارٍ؛ أوْ عَدَمِ خِتانٍ؛ وتَرْكِ الشَّعْرِ؛ عَلى حَسَبِ ما يَفْعَلُهُ رُهْبانُ النَّصارى؛ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الكُفّارِ؛ ولَمْ يُدْفَنْ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ؛ ولَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَ عَلَيْهِ سِيما أهْلِ الإسْلامِ؛ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ؛ في الصَّلاةِ؛ والدَّفْنِ؛ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ كانَ في مِصْرٍ مِنَ الأمْصارِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَهو مُسْلِمٌ؛ وإنْ كانَ في دارِ الحَرْبِ فَمَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ الكُفْرِ؛ فَجَعَلُوا اعْتِبارَ سِيماهُ بِنَفْسِهِ أوْلى مِنهُ بِمَوْضِعِهِ المَوْجُودِ فِيهِ؛ فَإذا عَدِمْنا السِّيما حَكَمْنا لَهُ بِحُكْمِ أهْلِ المَوْضِعِ؛ وكَذَلِكَ اعْتَبَرُوا في اللَّقِيطِ؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِن الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِن الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧]؛ فاعْتَبَرَ العَلامَةَ؛ ومِن نَحْوِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]؛ وإخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَطَّخُوا قَمِيصَهُ بِدَمٍ؛ وجَعَلُوهُ عَلامَةً لِصِدْقِهِمْ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] . وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - إلْحاحًا؛ وإدامَةً لِلْمَسْألَةِ؛ لِأنَّ إلْحافَ المَسْألَةِ هو الِاسْتِقْصاءُ فِيها؛ وإدامَتُها؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى كَراهَةِ الإلْحافِ في المَسْألَةِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَإنَّما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾؛ فَنَفى عَنْهُمُ الإلْحافَ في المَسْألَةِ؛ ولَمْ يَنْفِ عَنْهُمُ المَسْألَةَ رَأْسًا؛ قِيلَ لَهُ: في فَحَوى الآيَةِ؛ ومَضْمُونِ المُخاطَبَةِ؛ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَسْألَةِ رَأْسًا؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ فَلَوْ كانُوا أظْهَرُوا المَسْألَةَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ إلْحافًا؛ لَما حَسِبَهم أحَدٌ أغْنِياءَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ لِأنَّ التَّعَفُّفَ هو القَناعَةُ؛ وتَرْكُ المَسْألَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى وصْفِهِمْ بِتَرْكِ المَسْألَةِ أصْلًا؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ التَّعَفُّفَ هو تَرْكُ المَسْألَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"مَنِ اسْتَغْنى أغْناهُ اللَّهُ؛ ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللَّهُ"؛» وإذا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا؛ مِن دَلالَةِ الآيِ؛ أنَّ ثِيابَ الكِسْوَةِ لا تَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ؛ وإنْ كانَتْ سِرِّيَّةً؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ المَسْكَنِ؛ والأثاثِ؛ والفَرَسِ؛ والخادِمِ؛ لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ فَإذا كانَتِ الحاجَةُ إلى هَذِهِ الأشْياءِ حاجَةً ماسَّةً فَهو غَيْرُ غَنِيٍّ بِها؛ لِأنَّ الغِنى هو ما فَضَلَ (p-١٨٢)عَنْ مِقْدارِ الحاجَةِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مِقْدارِ ما يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "إذا فَضَلَ عَنْ مَسْكَنِهِ؛ وكِسْوَتِهِ؛ وأثاثِهِ؛ وخادِمِهِ؛ وفَرَسِهِ؛ ما يُساوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الزَّكاةُ؛ وإنْ كانَ أقَلَّ مِن مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَلَّتْ لَهُ الزَّكاةُ"؛ وقالَ مالِكٌ - في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ -: "يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ مَن لَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا"؛ ورَوى غَيْرُهُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يُعْطى مَن لَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لا يَأْخُذُ الزَّكاةَ مَن لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا"؛ وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: "مَن لا يَكُونُ عِنْدَهُ ما يَقُوتُهُ؛ أوْ يَكْفِيهِ سَنَةً؛ فَإنَّهُ يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "يُعْطى الرَّجُلُ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِ؛ حَتّى يُخْرِجَهُ ذَلِكَ مِن حَدِّ الفَقْرِ؛ إلى الغِنى؛ كانَ ذَلِكَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ؛ أوْ لا تَجِبُ؛ ولا أحُدُّ في ذَلِكَ حَدًّا"؛ ذَكَرَهُ المُزَنِيُّ؛ والرَّبِيعُ؛ وحُكِيَ عَنْهُ أنَّها لا تَحِلُّ لِلْقَوِيِّ؛ المُكْتَسِبِ؛ وإنْ كانَ فَقِيرًا. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِنَ اعْتِبارِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فاضِلًا عَمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ ما رَوى عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ رَجُلٍ مِن مُزَيْنَةَ؛ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: «"مَنِ اسْتَغْنى أغْناهُ اللَّهُ؛ ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللَّهُ؛ ومَن سَألَ النّاسَ ولَهُ عِدْلُ خَمْسِ أواقٍ سَألَ إلْحافًا"؛» فَدَلَّ ذِكْرُهُ لِهَذا المِقْدارِ أنَّهُ هو الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِن حَدِّ الفَقْرِ إلى الغِنى؛ ويُوجِبُ تَحْرِيمَ المَسْألَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكُمْ؛ فَأرُدَّها عَلى فُقَرائِكُمْ"؛ ثُمَّ قالَ: "فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ؛ ولَيْسَ فِيما دُونَها شَيْءٌ"؛» فَجَعَلَ حَدَّ الغِنى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ فَوَجَبَ اعْتِبارُها دُونَ غَيْرِها؛ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الَّذِي لا يَمْلِكُ هَذا القَدْرَ يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ ﷺ جَعَلَ النّاسَ صِنْفَيْنِ؛ أغْنِياءَ؛ وفُقَراءَ؛ فَجَعَلَ الغَنِيَّ مَن مَلَكَ هَذا المِقْدارَ؛ وأمَرَ بِأخْذِ الزَّكاةِ مِنهُ؛ وجَعَلَ الفَقِيرَ الَّذِي يُرَدُّ عَلَيْهِ هو الَّذِي لا يَمْلِكُ هَذا القَدْرَ؛ وقَدْ رَوى أبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ؛ عَنْ سَهْلِ بْنِ الحَنْظَلِيَّةِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «"مَن سَألَ النّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإنَّما يَسْتَكْثِرُ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ"؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما ظَهْرُ غِناهُ؟ قالَ: "أنْ يَعْلَمَ أنَّ عِنْدَ أهْلِهِ ما يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ"؛» وقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ؛ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي أسَدٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ: «"مَن سَألَ مِنكم وعِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ؛ أوْ عَدْلُها؛ فَقَدْ سَألَ إلْحافًا"؛» والأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا يَسْألُ عَبْدٌ مَسْألَةً؛ ولَهُ ما يُغْنِيهِ؛ إلّا جاءَتْ شَيْنًا؛ أوْ كُدُوحًا؛ أوْ خُدُوشًا في وجْهِهِ؛ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ وما غِناهُ؟ قالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا؛ أوْ حِسابُها مِنَ الذَّهَبِ"؛» وهَذِهِ وارِدَةٌ في (p-١٨٣)كَراهَةِ المَسْألَةِ؛ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَرْكَ المَسْألَةِ لِمَن يَمْلِكُ ما يُغَدِّيهِ ويُعَشِّيهِ؛ إذْ قَدْ كانَ هُناكَ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ؛ وأهْلِ الصُّفَّةِ؛ مَن لا يَقْدِرُ عَلى غَداءٍ؛ ولا عَشاءٍ؛ فاخْتارَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن يَمْلِكُ هَذا القَدْرَ الِاقْتِصارَ عَلى ما يَمْلِكُهُ؛ والتَّعَفُّفَ بِتَرْكِ المَسْألَةِ؛ لِيَصِلَ ذَلِكَ إلى مَن هو أحْوَجُ مِنهُ إلَيْهِ؛ لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ؛ ولَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ سَبِيلَ اسْتِباحَةِ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ سَبِيلَ الضَّرُورَةِ إلى المَيْتَةِ؛ إذْ كانَتِ المَيْتَةُ لا تَحِلُّ إلّا عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ؛ والصَّدَقَةُ تَحِلُّ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ لِمَنِ احْتاجَ؛ ولَمْ يَخَفِ المَوْتَ؛ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُبِيحُ لَها الفَقْرَ. وأيْضًا لَمّا كانَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُخْتَلَفًا في اسْتِعْمالِ حُكْمِها؛ وهي في أنْفُسِها مُخْتَلِفَةٌ؛ واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى اسْتِعْمالِ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنا: "فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ"؛ وتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ مَعَها؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ثابِتَ الحُكْمِ؛ وما عَداهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الكَراهَةِ لِلْمَسْألَةِ؛ أوْ مَنسُوخَةً بِخَبَرِنا إنْ كانَ المُرادُ بِها تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ.

البقرة 2:273

بابُ إعْطاءِ المُشْرِكِ مِنَ الصَّدَقَةِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مَن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: ما تَقَدَّمَ في هَذا الخِطابِ؛ وما جاءَ في نَسَقِهِ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): (p-١٧٩)﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ إنَّما مَعْناهُ في الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾؛ فَدَلَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِطابِ في ذَلِكَ؛ وتَأخَّرَ عَنْهُ؛ مِن ذِكْرِ الصَّدَقَةِ؛ أنَّ المُرادَ إباحَةُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُغِيرَةِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا تَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكُمْ"؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ فَقالَ ﷺ: "تَصَدَّقُوا عَلى أهْلِ الأدْيانِ"؛» ورَوى الحَجّاجُ عَنْ سالِمٍ المَكِّيِّ؛ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: كَرِهَ النّاسُ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلى المُشْرِكِينَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لا نَدْرِي هَذا مِن كَلامِ مَن هُوَ؛ أعْنِي قَوْلَهُ: فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ؛ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِن غَيْرِ الزَّكاةِ؛ وصَدَقاتِ المَواشِي؛ دُونَ كَفّاراتِ الأيْمانِ؛ ونَحْوِها؛ وأيْضًا قَوْلُهُ: "فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ؛ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ"؛ لا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الآيَةِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَهم مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ؛ وبَيْنَ ألّا يَتَصَدَّقُوا؛ ورَوى الأعْمَشُ؛ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إياسٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ناسٌ لَهم أنْسابٌ؛ وقَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ؛ والنَّضِيرِ؛ فَكانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ؛ ويُرِيدُونَهم عَلى الإسْلامِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «عَنْ أُمِّهِ؛ أسْماءَ؛ قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي في عَهْدِ قُرَيْشٍ راغِبَةً؛ وهي مُشْرِكَةٌ؛ فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أصِلُها؟ قالَ: "نَعَمْ"». قالَ أبُو بَكْرٍ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في دَلالَتِها عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]؛ فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: "هُمُ الأُسَراءُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ"؛ ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وعَطاءٍ؛ قالا: "هم أهْلُ القِبْلَةِ؛ وغَيْرُهُمْ"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الأسِيرَ في دارِ الإسْلامِ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا؛ ونَظِيرُها أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ فَأباحَ بِرَّهُمْ؛ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ؛ إذا لَمْ يَكُونُوا أهْلَ حَرْبٍ لَنا؛ والصَّدَقاتُ مِنَ البِرِّ؛ فاقْتَضى جَوازَ دَفْعِ الصَّدَقاتِ إلَيْهِمْ؛ وظَواهِرُ هَذِهِ الآيِ تُوجِبُ جَوازَ دَفْعِ سائِرِها إلَيْهِمْ؛ إلّا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَصَّ مِنها الزَّكَواتِ وصَدَقاتِ المَواشِي؛ وكُلَّ ما كانَ أخْذُهُ مِنَ الصَّدَقاتِ إلى الإمامِ؛ بِقَوْلِهِ: «"أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكُمْ؛ وأرُدَّها في فُقَرائِكُمْ"؛» وقالَ لِمُعاذٍ: "أعْلِمْهم (p-١٨٠)أنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ حَقًّا في أمْوالِهِمْ؛ يُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ؛ ويُرَدُّ عَلى فُقَرائِهِمْ"؛ فَكانَتِ الصَّدَقاتُ الَّتِي أخْذُها إلى الإمامِ مَخْصُوصَةً مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "كُلُّ صَدَقَةٍ لَيْسَ أخْذُها إلى الإمامِ فَجائِزٌ إعْطاؤُها أهْلَ الذِّمَّةِ؛ وما كانَ أخْذُها إلى الإمامِ لا يُعْطى أهْلَ الذِّمَّةِ"؛ فَيُجِيزُ إعْطاءَ الكَفّاراتِ؛ والنُّذُورِ؛ وصَدَقَةِ الفِطْرِ أهْلَ الذِّمَّةِ. فَإنْ قِيلَ: فَزَكاةُ المالِ لَيْسَ أخْذُها إلى الإمامِ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تُعْطى أهْلَ الذِّمَّةِ؛ قِيلَ: أخْذُها في الأصْلِ إلى الإمامِ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُها؛ وكَذَلِكَ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ فَلَمّا كانَ عُثْمانُ قالَ لِلنّاسِ: إنَّ هَذا شَهْرُ زَكاتِكُمْ؛ فَمَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ؛ ثُمَّ لْيُزَكِّ بِقِيمَةِ مالِهِ؛ فَجَعَلَ أرْبابَ الأمْوالِ وُكَلاءَ لَهُ في أدائِها؛ ولَمْ يُسْقِطْ في ذَلِكَ حَقَّ الإمامِ في أخْذِها؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: كُلُّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ فَغَيْرُ جائِزٍ دَفْعُها إلى الكُفّارِ؛ قِياسًا عَلى الزَّكاةِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - النَّفَقَةَ المَذْكُورَةَ بَدِيًّا؛ والمُرادُ بِها الصَّدَقَةُ؛ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ والسُّدِّيِّ: اَلْمُرادُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ قِيلَ: إنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهُمُ التَّصَرُّفَ في التِّجارَةِ؛ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ؛ لِأنَّ الإحْصارَ مَنعُ النَّفْسِ عَنِ التَّصَرُّفِ؛ لِمَرَضٍ؛ أوْ حاجَةٍ؛ أوْ مَخافَةٍ؛ فَإذا مَنَعَهُ العَدُوُّ قِيلَ: أحَصَرَهُ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - الجاهِلَ بِحالِهِمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ هَيْئَتِهِمْ؛ وبِذَّتِهِمْ؛ يُشْبِهُ حالَ الأغْنِياءِ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ظَنَّهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ؛ لِأنَّ ما يَظْهَرُ مِن دَلالَةِ الفَقْرِ شَيْئانِ؛ أحَدُهُما بَذاذَةُ الهَيْئَةِ؛ ورَثاثَةُ الحالِ؛ والآخَرُ المَسْألَةُ؛ عَلى أنَّهُ فَقِيرٌ؛ فَلَيْسَ يَكادُ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ إلّا لِما يَظْهَرُ لَهُ مِن حُسْنِ البِذَّةِ؛ الدّالَّةِ عَلى الغِنى في الظّاهِرِ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لَهُ ثِيابُ الكِسْوَةِ ذاتُ قِيمَةٍ كَثِيرَةٍ؛ لا تَمْنَعُهُ إعْطاءَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أمَرَنا بِإعْطاءِ الزَّكاةِ مَن ظاهِرُ حالِهِ مُشْبِهٌ لِأحْوالِ الأغْنِياءِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ الجِسْمِ جائِزٌ أنْ يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِإعْطاءِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ وكانُوا مِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يُقاتِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المُشْرِكِينَ؛ ولَمْ يَكُونُوا مَرْضى؛ ولا عُمْيانًا. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾؛ فَإنَّ السِّيما: اَلْعَلامَةُ؛ قالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُرادُ بِهِ هُنا: اَلتَّخَشُّعُ؛ وقالَ السُّدِّيُّ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو عَلامَةُ الفَقْرِ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ يَعْنِي: عَلامَتُهُمْ؛ فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ العَلامَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾؛ ما يَظْهَرُ في وجْهِ الإنْسانِ مِن كُسُوفِ (p-١٨١)البالِ؛ وسُوءِ الحالِ؛ وإنْ كانَتْ بِذَّتُهُمْ؛ وثِيابُهُمْ؛ وظاهِرُ هَيْئَتِهِمْ؛ حَسَنَةً جَمِيلَةً؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ عَلَمًا يَسْتَدِلُّ بِهِ إذا رَآهم عَلَيْهِ؛ عَلى فَقْرِهِمْ؛ وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْهم إلّا بِظُهُورِ المَسْألَةِ مِنهُمْ؛ أوْ بِما يَظْهَرُ مِن بَذاذَةِ هَيْئَتِهِمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِما يَظْهَرُ مِنَ السِّيما حَظًّا في اعْتِبارِ حالِ مَن يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ وقَدِ اعْتَبَرَ أصْحابُنا ذَلِكَ في المَيْتِ في دارِ الإسْلامِ؛ أوْ في دارِ الحَرْبِ؛ إذا لَمْ يُعْرَفْ أمْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ في إسْلامٍ؛ أوْ كُفْرٍ؛ أنَّهُ يُنْظَرُ إلى سِيماهُ؛ فَإنْ كانَتْ عَلَيْهِ سِيما أهْلِ الكُفْرِ؛ مِن شَدِّ زُنّارٍ؛ أوْ عَدَمِ خِتانٍ؛ وتَرْكِ الشَّعْرِ؛ عَلى حَسَبِ ما يَفْعَلُهُ رُهْبانُ النَّصارى؛ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الكُفّارِ؛ ولَمْ يُدْفَنْ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ؛ ولَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ؛ وإنْ كانَ عَلَيْهِ سِيما أهْلِ الإسْلامِ؛ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ؛ في الصَّلاةِ؛ والدَّفْنِ؛ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ كانَ في مِصْرٍ مِنَ الأمْصارِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَهو مُسْلِمٌ؛ وإنْ كانَ في دارِ الحَرْبِ فَمَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ الكُفْرِ؛ فَجَعَلُوا اعْتِبارَ سِيماهُ بِنَفْسِهِ أوْلى مِنهُ بِمَوْضِعِهِ المَوْجُودِ فِيهِ؛ فَإذا عَدِمْنا السِّيما حَكَمْنا لَهُ بِحُكْمِ أهْلِ المَوْضِعِ؛ وكَذَلِكَ اعْتَبَرُوا في اللَّقِيطِ؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِن الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِن الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧]؛ فاعْتَبَرَ العَلامَةَ؛ ومِن نَحْوِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]؛ وإخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَطَّخُوا قَمِيصَهُ بِدَمٍ؛ وجَعَلُوهُ عَلامَةً لِصِدْقِهِمْ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] . وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - إلْحاحًا؛ وإدامَةً لِلْمَسْألَةِ؛ لِأنَّ إلْحافَ المَسْألَةِ هو الِاسْتِقْصاءُ فِيها؛ وإدامَتُها؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى كَراهَةِ الإلْحافِ في المَسْألَةِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَإنَّما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾؛ فَنَفى عَنْهُمُ الإلْحافَ في المَسْألَةِ؛ ولَمْ يَنْفِ عَنْهُمُ المَسْألَةَ رَأْسًا؛ قِيلَ لَهُ: في فَحَوى الآيَةِ؛ ومَضْمُونِ المُخاطَبَةِ؛ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَسْألَةِ رَأْسًا؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ فَلَوْ كانُوا أظْهَرُوا المَسْألَةَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ إلْحافًا؛ لَما حَسِبَهم أحَدٌ أغْنِياءَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ لِأنَّ التَّعَفُّفَ هو القَناعَةُ؛ وتَرْكُ المَسْألَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى وصْفِهِمْ بِتَرْكِ المَسْألَةِ أصْلًا؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ التَّعَفُّفَ هو تَرْكُ المَسْألَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"مَنِ اسْتَغْنى أغْناهُ اللَّهُ؛ ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللَّهُ"؛» وإذا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا؛ مِن دَلالَةِ الآيِ؛ أنَّ ثِيابَ الكِسْوَةِ لا تَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ؛ وإنْ كانَتْ سِرِّيَّةً؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ المَسْكَنِ؛ والأثاثِ؛ والفَرَسِ؛ والخادِمِ؛ لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ فَإذا كانَتِ الحاجَةُ إلى هَذِهِ الأشْياءِ حاجَةً ماسَّةً فَهو غَيْرُ غَنِيٍّ بِها؛ لِأنَّ الغِنى هو ما فَضَلَ (p-١٨٢)عَنْ مِقْدارِ الحاجَةِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مِقْدارِ ما يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "إذا فَضَلَ عَنْ مَسْكَنِهِ؛ وكِسْوَتِهِ؛ وأثاثِهِ؛ وخادِمِهِ؛ وفَرَسِهِ؛ ما يُساوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الزَّكاةُ؛ وإنْ كانَ أقَلَّ مِن مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَلَّتْ لَهُ الزَّكاةُ"؛ وقالَ مالِكٌ - في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ -: "يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ مَن لَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا"؛ ورَوى غَيْرُهُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يُعْطى مَن لَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لا يَأْخُذُ الزَّكاةَ مَن لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا"؛ وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: "مَن لا يَكُونُ عِنْدَهُ ما يَقُوتُهُ؛ أوْ يَكْفِيهِ سَنَةً؛ فَإنَّهُ يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "يُعْطى الرَّجُلُ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِ؛ حَتّى يُخْرِجَهُ ذَلِكَ مِن حَدِّ الفَقْرِ؛ إلى الغِنى؛ كانَ ذَلِكَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ؛ أوْ لا تَجِبُ؛ ولا أحُدُّ في ذَلِكَ حَدًّا"؛ ذَكَرَهُ المُزَنِيُّ؛ والرَّبِيعُ؛ وحُكِيَ عَنْهُ أنَّها لا تَحِلُّ لِلْقَوِيِّ؛ المُكْتَسِبِ؛ وإنْ كانَ فَقِيرًا. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِنَ اعْتِبارِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فاضِلًا عَمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ ما رَوى عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ رَجُلٍ مِن مُزَيْنَةَ؛ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: «"مَنِ اسْتَغْنى أغْناهُ اللَّهُ؛ ومَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللَّهُ؛ ومَن سَألَ النّاسَ ولَهُ عِدْلُ خَمْسِ أواقٍ سَألَ إلْحافًا"؛» فَدَلَّ ذِكْرُهُ لِهَذا المِقْدارِ أنَّهُ هو الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِن حَدِّ الفَقْرِ إلى الغِنى؛ ويُوجِبُ تَحْرِيمَ المَسْألَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِكُمْ؛ فَأرُدَّها عَلى فُقَرائِكُمْ"؛ ثُمَّ قالَ: "فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ؛ ولَيْسَ فِيما دُونَها شَيْءٌ"؛» فَجَعَلَ حَدَّ الغِنى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ فَوَجَبَ اعْتِبارُها دُونَ غَيْرِها؛ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الَّذِي لا يَمْلِكُ هَذا القَدْرَ يُعْطى مِنَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ ﷺ جَعَلَ النّاسَ صِنْفَيْنِ؛ أغْنِياءَ؛ وفُقَراءَ؛ فَجَعَلَ الغَنِيَّ مَن مَلَكَ هَذا المِقْدارَ؛ وأمَرَ بِأخْذِ الزَّكاةِ مِنهُ؛ وجَعَلَ الفَقِيرَ الَّذِي يُرَدُّ عَلَيْهِ هو الَّذِي لا يَمْلِكُ هَذا القَدْرَ؛ وقَدْ رَوى أبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ؛ عَنْ سَهْلِ بْنِ الحَنْظَلِيَّةِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «"مَن سَألَ النّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَإنَّما يَسْتَكْثِرُ مِن جَمْرِ جَهَنَّمَ"؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما ظَهْرُ غِناهُ؟ قالَ: "أنْ يَعْلَمَ أنَّ عِنْدَ أهْلِهِ ما يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ"؛» وقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ؛ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي أسَدٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ: «"مَن سَألَ مِنكم وعِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ؛ أوْ عَدْلُها؛ فَقَدْ سَألَ إلْحافًا"؛» والأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا يَسْألُ عَبْدٌ مَسْألَةً؛ ولَهُ ما يُغْنِيهِ؛ إلّا جاءَتْ شَيْنًا؛ أوْ كُدُوحًا؛ أوْ خُدُوشًا في وجْهِهِ؛ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ وما غِناهُ؟ قالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا؛ أوْ حِسابُها مِنَ الذَّهَبِ"؛» وهَذِهِ وارِدَةٌ في (p-١٨٣)كَراهَةِ المَسْألَةِ؛ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَرْكَ المَسْألَةِ لِمَن يَمْلِكُ ما يُغَدِّيهِ ويُعَشِّيهِ؛ إذْ قَدْ كانَ هُناكَ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ؛ وأهْلِ الصُّفَّةِ؛ مَن لا يَقْدِرُ عَلى غَداءٍ؛ ولا عَشاءٍ؛ فاخْتارَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن يَمْلِكُ هَذا القَدْرَ الِاقْتِصارَ عَلى ما يَمْلِكُهُ؛ والتَّعَفُّفَ بِتَرْكِ المَسْألَةِ؛ لِيَصِلَ ذَلِكَ إلى مَن هو أحْوَجُ مِنهُ إلَيْهِ؛ لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ؛ ولَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ سَبِيلَ اسْتِباحَةِ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ سَبِيلَ الضَّرُورَةِ إلى المَيْتَةِ؛ إذْ كانَتِ المَيْتَةُ لا تَحِلُّ إلّا عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ؛ والصَّدَقَةُ تَحِلُّ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ لِمَنِ احْتاجَ؛ ولَمْ يَخَفِ المَوْتَ؛ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُبِيحُ لَها الفَقْرَ. وأيْضًا لَمّا كانَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُخْتَلَفًا في اسْتِعْمالِ حُكْمِها؛ وهي في أنْفُسِها مُخْتَلِفَةٌ؛ واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى اسْتِعْمالِ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنا: "فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ"؛ وتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ مَعَها؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ثابِتَ الحُكْمِ؛ وما عَداهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الكَراهَةِ لِلْمَسْألَةِ؛ أوْ مَنسُوخَةً بِخَبَرِنا إنْ كانَ المُرادُ بِها تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ.

البقرة 2:275

بابُ الرِّبا قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: أصْلُ الرِّبا في اللُّغَةِ هو الزِّيادَةُ؛ ومِنهُ الرّابِيَةُ؛ لِزِيادَتِها عَلى ما حَوالَيْها مِنَ الأرْضِ؛ ومِنهُ الرَّبْوَةُ مِنَ الأرْضِ؛ وهي المُرْتَفِعَةُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أرْبى فُلانٌ عَلى فُلانٍ في القَوْلِ؛ أوِ الفِعْلِ؛ إذا زادَ عَلَيْهِ؛ وهو في الشَّرْعِ يَقَعُ عَلى مَعانٍ لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ مَوْضُوعًا لَها في اللُّغَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّى النَّساءَ رِبًا؛ في حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ فَقالَ: «إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ»؛ وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "إنَّ مِنَ الرِّبا أبْوابًا لا تَخْفى؛ مِنها السَّلَمُ في السِّنِّ"؛ يَعْنِي الحَيَوانَ؛ وقالَ عُمَرُ أيْضًا: "إنَّ آيَةَ الرِّبا مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ؛ وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُبَيِّنَهُ لَنا؛ فَدَعُوا الرِّبا؛ والرِّيبَةَ"؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الرِّبا قَدْ صارَ اسْمًا شَرْعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ باقِيًا عَلى حُكْمِهِ في أصْلِ اللُّغَةِ لَما خَفِيَ عَلى عُمَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِأسْماءِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ؛ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ؛ نَساءً؛ رِبًا؛ وهو رِبًا في الشَّرْعِ؛ وإذا كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا؛ صارَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأسْماءِ المُجْمَلَةِ المُفْتَقِرَةِ إلى البَيانِ؛ وهي الأسْماءُ المَنقُولَةُ مِنَ اللُّغَةِ إلى الشَّرْعِ؛ لِمَعانٍ لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ مَوْضُوعًا لَها في اللُّغَةِ؛ نَحْوَ الصَّلاةِ؛ والصَّوْمِ؛ والزَّكاةِ؛ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ؛ ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِعُمُومِهِ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنَ العُقُودِ؛ إلّا فِيما قامَتْ دَلالَتُهُ أنَّهُ مُسَمًّى في الشَّرْعِ (p-١٨٤)بِذَلِكَ؛ وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَثِيرًا مِن مُرادِ اللَّهِ (تَعالى) بِالآيَةِ؛ نَصًّا وتَوْقِيفًا؛ ومِنهُ ما بَيَّنَهُ دَلِيلًا؛ فَلَمْ يَخْلُ مُرادُ اللَّهِ (تَعالى) مِن أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بِالتَّوْقِيفِ؛ والِاسْتِدْلالِ؛ والرِّبا الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ؛ وتَفْعَلُهُ؛ إنَّما كانَ قَرْضَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ إلى أجَلٍ؛ بِزِيادَةٍ عَلى مِقْدارِ ما اسْتُقْرِضَ؛ عَلى ما يَتَراضَوْنَ بِهِ؛ ولَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ البَيْعَ بِالنَّقْدِ؛ وإذا كانَ مُتَفاضِلًا مِن جِنْسٍ واحِدٍ؛ هَذا كانَ المُتَعارَفَ المَشْهُورَ بَيْنَهُمْ؛ ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]؛ فَأخْبَرَ أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ المَشْرُوطَةَ؛ إنَّما كانَتْ رِبًا في المالِ العَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا عِوَضَ لَها مِن جِهَةِ المُقْرِضِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ إخْبارًا عَنِ الحالِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْها الكَلامُ مِن شَرْطِ الزِّيادَةِ أضْعافًا مُضاعَفَةً؛ فَأبْطَلَ اللَّهُ (تَعالى) الرِّبا الَّذِي كانُوا يَتَعامَلُونَ بِهِ؛ وأبْطَلَ ضُرُوبًا أُخَرَ مِنَ البِياعاتِ؛ وسَمّاها "رِبًا"؛ فانْتَظَمَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾؛ تَحْرِيمَ جَمِيعِها؛ لِشُمُولِ الِاسْمِ عَلَيْها مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ؛ ولَمْ يَكُنْ تَعامُلُهم بِالرِّبا إلّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ مِن قَرْضِ دَراهِمَ؛ أوْ دَنانِيرَ؛ إلى أجَلٍ؛ مَعَ شَرْطِ الزِّيادَةِ. واسْمُ الرِّبا في الشَّرْعِ يَعْتَوِرُهُ مَعانٍ؛ أحَدُها: اَلرِّبا الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ؛ والثّانِي: اَلتَّفاضُلُ في الجِنْسِ الواحِدِ مِنَ المَكِيلِ؛ والمَوْزُونِ؛ عَلى قَوْلِ أصْحابِنا؛ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ يَعْتَبِرُ مَعَ الجِنْسِ أنْ يَكُونَ مُقْتاتًا؛ مُدَّخَرًا؛ والشّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ الأكْلَ مَعَ الجِنْسِ؛ فَصارَ الجِنْسُ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الجَمِيعِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ عِنْدَ انْضِمامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ؛ عَلى ما قَدَّمْنا؛ والثّالِثُ: اَلنَّساءُ؛ وهو عَلى ضُرُوبٍ؛ مِنها: في الجِنْسِ الواحِدِ مِن كُلِّ شَيْءٍ لا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَساءٌ؛ سَواءٌ كانَ مِنَ المَكِيلِ؛ أوْ مِنَ المَوْزُونِ؛ أوْ مِن غَيْرِهِ؛ فَلا يَجُوزُ عِنْدَنا بَيْعُ ثَوْبٍ مَرْوِيٍّ بِثَوْبٍ مَرْوِيٍّ؛ نَساءً؛ لِوُجُودِ الجِنْسِ؛ ومِنها وُجُودُ المَعْنى المَضْمُومِ إلَيْهِ الجِنْسُ في شَرْطِ تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ؛ وهو الكَيْلُ؛ والوَزْنُ؛ في غَيْرِ الأثْمانِ الَّتِي هي الدَّراهِمُ؛ والدَّنانِيرُ؛ فَلَوْ باعَ حِنْطَةً بِجِصٍّ نَساءً لَمْ يَجُزْ؛ لِوُجُودِ الكَيْلِ؛ ولَوْ باعَ حَدِيدًا بِصُفْرٍ نَساءً لَمْ يَجُزْ؛ لِوُجُودِ الوَزْنِ؛ واللَّهُ (تَعالى) المُوَفِّقُ. * * ومِن أبْوابِ الرِّبا الشَّرْعِيِّ السَّلَمُ في الحَيَوانِ قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "إنَّ مِنَ الرِّبا أبْوابًا لا تَخْفى؛ مِنها السَّلَمُ في السِّنِّ"؛ ولَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ رِبًا؛ فَعُلِمَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَوْقِيفًا؛ فَجُمْلَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اسْمُ الرِّبا في الشَّرْعِ النَّساءُ؛ والتَّفاضُلُ؛ عَلى شَرائِطَ قَدْ تَقَرَّرَ مَعْرِفَتُها عِنْدَ الفُقَهاءِ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (p-١٨٥)«"اَلْحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ يَدًا بِيَدٍ؛ والفَضْلُ رِبًا؛ والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ يَدًا بِيَدٍ؛ والفَضْلُ رِبًا"؛» وذَكَرَ التَّمْرَ؛ والمِلْحَ؛ والذَّهَبَ؛ والفِضَّةَ؛ فَسَمّى الفَضْلَ في الجِنْسِ الواحِدِ مِنَ المَكِيلِ؛ والمَوْزُونِ؛ رِبًا؛ وقالَ ﷺ في حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ الَّذِي رَواهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبّاسٍ: «"إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ"؛» وفي بَعْضِ الألْفاظِ: «"لا رِبًا إلّا في النَّسِيئَةِ"؛» فَثَبَتَ أنَّ اسْمَ الرِّبا في الشَّرْعِ يَقَعُ عَلى التَّفاضُلِ تارَةً؛ وعَلى النَّساءِ أُخْرى؛ وقَدْ كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: " لا رِبًا إلّا في النَّسِيئَةِ؛ ويَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ؛ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ؛ مُتَفاضِلًا"؛ ويَذْهَبُ فِيهِ إلى حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ ثُمَّ لَمّا تَواتَرَ عِنْدَهُ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَحْرِيمِ التَّفاضُلِ في الأصْنافِ السِّتَّةِ؛ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ؛ قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: رَجَعَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ في الصَّرْفِ؛ وعَنْ قَوْلِهِ في المُتْعَةِ؛ وإنَّما مَعْنى حَدِيثِ أُسامَةَ: اَلنَّساءُ في الجِنْسَيْنِ؛ كَما رَوى في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ وغَيْرِهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"اَلْحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ يَدًا بِيَدِ"؛» وذَكَرَ الأصْنافَ السِّتَّةَ؛ ثُمَّ قالَ: «بِيعُوا الحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ؛ يَدًا بِيَدٍ»؛ وفي بَعْضِ الأخْبارِ: «وإذا اخْتَلَفَ النَّوْعانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ؛ يَدًا بِيَدٍ»؛ فَمَنَعَ النَّساءَ في الجِنْسَيْنِ مِنَ المَكِيلِ؛ والمَوْزُونِ؛ وأباحَ التَّفاضُلَ؛ فَحَدِيثُ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَحْمُولٌ عَلى هَذا؛ ومِنَ الرِّبا المُرادِ بِالآيَةِ شِراءُ ما يُباعُ بِأقَلَّ مِن ثَمَنِهِ؛ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ رِبًا حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ إسْحاقَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ عائِشَةَ؛ فَقالَتْ لَها امْرَأةٌ: إنِّي بِعْتُ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ جارِيَةً لِي إلى عَطائِهِ بِثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ وإنَّهُ أرادَ أنْ يَبِيعَها فاشْتَرَيْتُها مِنهُ بِسِتِّمِائَةٍ؛ فَقالَتْ: "بِئْسَما شَرَيْتِ؛ وبِئْسَما اشْتَرَيْتِ؛ أبْلِغِي زِيدَ بْنَ أرْقَمَ أنَّهُ قَدْ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتُبْ"؛ فَقالَتْ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؛ أرَأيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ إلّا رَأْسَ مالِي؟ فَقالَتْ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾؛ فَدَلَّتْ تِلاوَتُها لِآيَةِ الرِّبا عِنْدَ قَوْلِها: أرَأيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ إلّا رَأْسَ مالِي؟ أنَّ ذَلِكَ كانَ عِنْدَها مِنَ الرِّبا؛ وهَذِهِ التَّسْمِيَةُ طَرِيقُها التَّوْقِيفُ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ حَكَمِ بْنِ زُرَيْقٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: سَألْتُهُ عَنْ رَجُلٍ باعَ طَعامًا مِن رَجُلٍ إلى أجَلٍ؛ فَأرادَ الَّذِي اشْتَرى الطَّعامَ أنْ يَبِيعَهُ بِنَقْدٍ مِنَ الَّذِي باعَهُ مِنهُ؛ فَقالَ: هو رِبًا؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ أرادَ شِراءَهُ بِأقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الأوَّلِ؛ إذْ لا خِلافَ عَلى أنَّ شِراءَهُ بِمِثْلِهِ؛ أوْ أكْثَرَ مِنهُ؛ جائِزٌ؛ فَسَمّى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ذَلِكَ رِبًا؛ وقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وقالَ الحَسَنُ؛ وابْنُ سِيرِينَ؛ في آخَرِينَ: "إنْ باعَهُ بِنَقْدٍ جازَ أنْ يَشْتَرِيَهُ؛ فَإنْ كانَ باعَهُ بِنَسِيئَةٍ لَمْ (p-١٨٦)يَشْتَرِهِ بِأقَلَّ مِنهُ إلّا بَعْدَ أنْ يَحِلَّ الأجَلُ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ إذا باعَهُ؛ ثُمَّ اشْتَراهُ بِأقَلَّ مِن ثَمَنِهِ جازَ؛ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَبْضَ الثَّمَنِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ إذا قَبَضَ الثَّمَنَ؛ فَدَلَّ قَوْلُ عائِشَةَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ ذَلِكَ رِبًا؛ فَعَلِمْنا أنَّهُما لَمْ يُسَمِّياهُ رِبًا إلّا تَوْقِيفًا؛ إذْ لا يُعْرَفُ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ؛ فَلا يُسَمّى بِهِ إلّا مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ؛ وأسْماءُ الشَّرْعِ تَوْقِيفٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * ومِن أبْوابِ الرِّبا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وقَدْ رَوى مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى عَنِ الكالِئِ بِالكالِئِ»؛ وفي بَعْضِ الألْفاظِ: «عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ»؛ وهُما سَواءٌ؛ وقالَ في حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «"إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ"؛» إلّا أنَّهُ في العَقْدِ عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ وأنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِمِقْدارِ المَجْلِسِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يُسَلِّمَ دَراهِمَ في كُرِّ حِنْطَةٍ؛ وهُما دَيْنٌ بِدَيْنٍ؛ إلّا أنَّهُما إذا افْتَرَقا قَبْلَ قَبْضِ الدَّراهِمِ بَطَلَ العَقْدُ؛ وكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّراهِمِ بِالدَّنانِيرِ جائِزٌ؛ وهُما دَيْنانِ وإنِ افْتَرَقا قَبْلَ التَّقابُضِ بَطَلَ. * * بابُ البَيْعِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾؛ عُمُومٌ في إباحَةِ سائِرِ البِياعاتِ؛ لِأنَّ لَفْظَ البَيْعِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ في اللُّغَةِ؛ وهو تَمْلِيكُ المالِ بِمالٍ؛ بِإيجابٍ؛ وقَبُولٍ؛ عَنْ تَراضٍ مِنهُما؛ وهَذا هو حَقِيقَةُ البَيْعِ في مَفْهُومِ اللِّسانِ؛ ثُمَّ مِنهُ جائِزٌ؛ ومِنهُ فاسِدٌ؛ إلّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ عُمُومِ اللَّفْظِ؛ مَتى اخْتَلَفْنا في جَوازِ بَيْعٍ؛ أوْ فَسادِهِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وإنْ كانَ مُخْرَجُها مُخْرَجَ العُمُومِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ؛ لِأنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى حَظْرِ كَثِيرٍ مِنَ البِياعاتِ؛ نَحْوَ بَيْعِ ما لَمْ يُقْبَضْ؛ وبَيْعِ ما لَيْسَ عِنْدَ الإنْسانِ؛ وبَيْعِ الغَرَرِ؛ والمَجاهِيلِ؛ وعَقْدِ البَيْعِ عَلى المُحَرَّماتِ مِنَ الأشْياءِ؛ وقَدْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يُوجِبُ جَوازَ هَذِهِ البِياعاتِ؛ وإنَّما خُصَّتْ مِنها بِدَلائِلَ؛ إلّا أنَّ تَخْصِيصَها غَيْرُ مانِعٍ اعْتِبارَ عُمُومِ لَفْظِ الآيَةِ فِيما لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى تَخْصِيصِهِ؛ وجائِزٌ أنْ يُسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلى جَوازِ البَيْعِ المَوْقُوفِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾؛ والبَيْعُ اسْمٌ لِلْإيجابِ؛ والقَبُولِ؛ ولَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ وُقُوعَ المِلْكِ بِهِ لِلْعاقِدِ؛ ألا تَرى أنَّ البَيْعَ المَعْقُودَ عَلى شَرْطِ خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ لَمْ يُوجِبْ مِلْكًا؟ وهو بَيْعٌ؛ والوَكِيلانِ يَتَعاقَدانِ البَيْعَ؛ ولا يَمْلِكانِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾؛ حُكْمُهُ ما قَدَّمْناهُ مِنَ الإجْمالِ؛ والوَقْفِ عَلى وُرُودِ البَيانِ؛ فَمِنَ الرِّبا ما هو بَيْعٌ؛ ومِنهُ ما لَيْسَ بِبَيْعٍ؛ وهو رِبا أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وهو القَرْضُ المَشْرُوطُ فِيهِ الأجَلُ؛ وزِيادَةُ مالٍ عَلى المُسْتَقْرِضِ؛ وفي سِياقِ الآيَةِ ما أوْجَبَ تَخْصِيصَ ما هو رِبًا مِنَ البِياعاتِ؛ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾؛ وظَنَّ الشّافِعِيُّ أنَّ لَفْظَ الرِّبا لَمّا كانَ مُجْمَلًا أنَّهُ يُوجِبُ إجْمالَ لَفْظِ البَيْعِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّ ما لا يُسَمّى رِبًا مِنَ البِياعاتِ فَحُكْمُ (p-١٩٠)العُمُومِ جارٍ فِيهِ؛ وإنَّما يَجِبُ الوُقُوفُ فِيما شَكَكْنا أنَّهُ رِبًا؛ أوْ لَيْسَ بِرِبًا؛ فَأمّا ما تَيَقَّنّا أنَّهُ لَيْسَ بِرِبًا فَغَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِآيَةِ تَحْرِيمِ الرِّبا؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ - حِكايَةً عَنِ المُعْتَقِدِينَ لِإباحَتِهِ مِنَ الكُفّارِ - فَزَعَمُوا أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ الزِّيادَةِ المَأْخُوذَةِ عَلى وجْهِ الرِّبا؛ وبَيْنَ سائِرِ الأرْباحِ المُكْتَسَبَةِ بِضُرُوبِ البِياعاتِ؛ وجَهِلُوا ما وضَعَ اللَّهُ (تَعالى) أمْرَ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ؛ مِن مَصالِحِ الدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى جَهْلِهِمْ؛ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وما يَحِلُّ بِهِمْ مِن عِقابِهِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾؛ يُحْتَجُّ بِهِ في جَوازِ بَيْعِ ما لَمْ يَرَهُ المُشْتَرِي؛ ويُحْتَجُّ بِهِ فِيمَنِ اشْتَرى حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ بِعَيْنِها مُتَساوِيَةً؛ أنَّهُ لا يَبْطُلُ بِالِافْتِراقِ قَبْلَ القَبْضِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن وُرُودِ اللَّفْظِ لُزُومُ أحْكامِ البَيْعِ؛ وحُقُوقِهِ؛ مِنَ القَبْضِ؛ والتَّصَرُّفِ؛ والمِلْكِ؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ بَقاءَ هَذِهِ الأحْكامِ مَعَ تَرْكِ التَّقايُضِ؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ اَلْمُرادُ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ؛ ويُحْتَجُّ أيْضًا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما ما اقْتَضاهُ مِن إباحَةِ الأكْلِ قَبْلَ الِافْتِراقِ؛ وبَعْدَهُ؛ مِن غَيْرِ قَبْضٍ؛ والآخَرُ إباحَةُ أكْلِهِ لِمُشْتَرِيهِ قَبْلَ قَبْضِ الآخَرِ بَعْدَ الفُرْقَةِ. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾؛ فالمَعْنى فِيهِ أنَّ مَنِ انْزَجَرَ بَعْدَ النَّهْيِ فَلَهُ ما سَلَفَ مِنَ المَقْبُوضِ؛ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الرِّبا؛ ولَمْ يُرِدْ بِهِ ما لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ حَظْرَ ما لَمْ يَقْبِضْ مِنهُ؛ وإبْطالَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ فَأبْطَلَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا؛ وإنْ كانَ مَعْقُودًا قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ؛ ولَمْ يَتَعَقَّبْ بِالفَسْخِ ما كانَ مِنهُ مَقْبُوضًا؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ؛ وغَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ فَأبْطَلَ مِنهُ ما بَقِيَ مِمّا لَمْ يُقْبَضْ؛ ولَمْ يُبْطِلِ المَقْبُوضَ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ وهو تَأْكِيدٌ لِإبْطالِ ما لَمْ يُقْبَضْ مِنهُ؛ وأخْذِ رَأْسِ المالِ الَّذِي لا رِبا فِيهِ؛ ولا زِيادَةَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ وجابِرٍ؛ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في خُطْبَتِهِ يَوْمَ حَجَّةِ الوَداعِ بِمَكَّةَ؛ (وقالَ جابِرٌ: بِعَرَفاتٍ) -: "إنَّ كُلَّ رِبًا كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَهو مَوْضُوعٌ؛ وأوَّلُ رِبًا أضَعُهُ رِبا العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ "؛» فَكانَ فِعْلُهُ ﷺ مُواطِئًا لِمَعْنى الآيَةِ؛ في إبْطالِ اللَّهِ (تَعالى) مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا؛ وإمْضائِهِ ما كانَ (p-١٩١)مَقْبُوضًا؛ وفِيما رُوِيَ في خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضُرُوبٌ مِنَ الأحْكامِ؛ أحَدُها أنَّ كُلَّ ما طَرَأ عَلى عَقْدِ البَيْعِ قَبْلَ القَبْضِ مِمّا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ؛ فَهو كالمَوْجُودِ في حالِ وُقُوعِهِ؛ وما طَرَأ بَعْدَ القَبْضِ مِمّا يُوجِبُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ العَقْدِ؛ لَمْ يُوجِبْ فَسْخَهُ؛ وذَلِكَ نَحْوَ النَّصْرانِيَّيْنِ إذا تَبايَعا عَبْدًا بِخَمْرٍ؛ فالبَيْعُ جائِزٌ عِنْدَنا؛ وإنْ أسْلَمَ أحَدُهُما قَبْلَ قَبْضِ الخَمْرِ بَطَلَ العَقْدُ؛ وكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرى رَجُلٌ مُسْلِمٌ صَيْدًا؛ ثُمَّ أحْرَمَ البائِعَ؛ أوِ المُشْتَرِي؛ بَطَلَ البَيْعُ؛ لِأنَّهُ قَدْ طَرَأ عَلَيْهِ ما يُوجِبُ تَحْرِيمَ العَقْدِ قَبْلَ القَبْضِ؛ كَما أبْطَلَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ الرِّبا ما لَمْ يُقْبَضْ؛ لِأنَّهُ طَرَأ عَلَيْهِ ما يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ قَبْلَ القَبْضِ؛ وإنْ كانَتِ الخَمْرُ مَقْبُوضَةً؛ ثُمَّ أسْلَما؛ أوْ أحْرَما؛ لَمْ يَبْطُلِ البَيْعُ؛ كَما لَمْ يُبْطِلِ اللَّهُ (تَعالى) الرِّبا المَقْبُوضَ حِينَ أنْزَلَ التَّحْرِيمَ؛ فَهَذا جائِزٌ في نَظائِرِهِ مِنَ المَسائِلِ؛ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَقْتُلَ العَبْدَ المَبِيعَ قَبْلَ القَبْضِ؛ ولا يَبْطُلَ البَيْعُ؛ ولِلْمُشْتَرِي اتِّباعُ الجانِي مِن قِبَلِ أنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلى العَقْدِ ما يُوجِبُ تَحْرِيمَ العَقْدِ؛ لِأنَّ العَقْدَ باقٍ عَلى هَيْئَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها؛ والقِيمَةُ قائِمَةٌ مَقامَ المَبِيعِ؛ وإنَّما يُعْتَبَرُ المَبِيعُ؛ ولِلْمُشْتَرِي الخِيارُ فَحَسْبُ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَلاكَ المَبِيعِ في يَدِ البائِعِ؛ وسُقُوطَ القَبْضِ فِيهِ؛ يُوجِبُ بُطْلانَ العَقْدِ؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا؛ والشّافِعِيِّ؛ وقالَ مالِكٌ: لا يَبْطُلُ؛ والثَّمَنُ لازِمٌ لِلْمُشْتَرِي إذا لَمْ يَمْنَعْهُ؛ ودَلالَةُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ قَبْضَ المَبِيعِ مِن تَمامِ البَيْعِ؛ وأنَّ سُقُوطَ القَبْضِ يُوجِبُ بُطْلانَ العَقْدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا أسْقَطَ قَبْضَ الرِّبا أبْطَلَ العَقْدَ الَّذِي عَقَداهُ؛ وأمَرَ بِالِاقْتِصارِ عَلى رَأْسِ المالِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَبْضَ المَبِيعِ مِن شَرائِطِ صِحَّةِ العَقْدِ؛ وأنَّهُ مَتى طَرَأ عَلى العَقْدِ ما يُسْقِطُهُ أوْجَبَ ذَلِكَ بُطْلانَهُ. وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ العُقُودَ الواقِعَةَ في دارِ الحَرْبِ؛ إذا ظَهَرَ عَلَيْها الإمامُ؛ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْها بِالفَسْخِ؛ وإنْ كانَتْ مَعْقُودَةً عَلى فَسادٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ نُزُولِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ؛ ووَضْعِهِ الرِّبا؛ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا؛ عُقُودٌ مِن عُقُودِ الرِّبا بِمَكَّةَ؛ قَبْلَ الفَتْحِ؛ ولَمْ يَتَعَقَّبْها بِالفَسْخِ؛ ولَمْ يُمَيِّزْ ما كانَ مِنها قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ مِمّا كانَ مِنها بَعْدَ نُزُولِها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العُقُودَ الواقِعَةَ في دارِ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ إذا ظَهَرَ عَلَيْها الإمامُ لا يَفْسَخُ مِنها ما كانَ مَقْبُوضًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ ما كانَ مَقْبُوضًا مِنهُ قَبْلَ الإسْلامِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾؛ مِن ذُنُوبِهِ؛ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَغْفِرُها لَهُ؛ ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ قالَ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾؛ يَعْنِي فِيما يَسْتَحِقُّهُ مِن عِقابٍ؛ أوْ ثَوابٍ؛ (p-١٩٢)فَلَمْ يُعْلِمْنا حُكْمَهُ في الآخِرَةِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ كانَ هَذا مُرادًا لَمْ يَنْتَفِ بِهِ ما ذَكَرْنا؛ فَيَكُونُ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ لِاحْتِمالِهِ لَهُما؛ فَيَغْفِرُ اللَّهُ (تَعالى) ذُنُوبَهُ؛ ويَكُونُ لَهُ المَقْبُوضُ مِن ذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِياعاتِ أهْلِ الحَرْبِ كُلَّها ماضِيَةٌ؛ إذا أسْلَمُوا بَعْدَ التَّقابُضِ فِيها؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ . قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدَهُما: إنْ لَمْ تَقْبَلُوا أمْرَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَمْ تَنْقادُوا لَهُ؛ والثّانِي: إنْ لَمْ تَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا بَعْدَ نُزُولِ الأمْرِ بِتَرْكِهِ؛ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ (تَعالى) ورَسُولِهِ؛ وإنِ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهُ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةَ؛ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ - فِيمَن أرْبى - أنَّ الإمامَ يَسْتَتِيبُهُ؛ فَإنْ تابَ؛ وإلّا قَتَلَهُ؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنْ يَفْعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ إذا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ لا يُوجِبُ إكْفارَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما دُونَ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي؛ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ عَنْ أبِيهِ: «إنَّ عُمَرَ رَأى مُعاذًا يَبْكِي؛ فَقالَ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اَلْيَسِيرُ مِنَ الرِّياءِ شِرْكٌ؛ ومَن عادى أوْلِياءَ اللَّهِ فَقَدْ بارَزَ اللَّهَ بِالمُحارَبَةِ"؛» فَأطْلَقَ اسْمَ المُحارَبَةِ عَلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَكْفُرْ؛ ورَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ؛ عَنْ صُبَيْحٍ؛ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِيٍّ؛ وفاطِمَةَ؛ والحَسَنِ؛ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: "أنا حَرْبٌ لِمَن حارَبْتُمْ؛ سِلْمٌ لِمَن سالَمْتُمْ"؛» وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣]؛ والفُقَهاءُ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ جارٍ في أهْلِ المِلَّةِ؛ وأنَّ هَذِهِ السِّمَةَ تَلْحَقُهم بِإظْهارِهِمْ قَطْعَ الطَّرِيقِ؛ وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ جائِزٌ إطْلاقُ اسْمِ المُحارَبَةِ لِلَّهِ (تَعالى) ورَسُولِهِ؛ عَلى مَن عَظُمَتْ مَعْصِيَتُهُ؛ وفَعَلَها مُجاهِرًا بِها؛ وإنْ كانَتْ دُونَ الكُفْرِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ إخْبارٌ مِنهُ بِعِظَمِ مَعْصِيَتِهِ؛ وأنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِها المُحارَبَةَ عَلَيْها؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ كافِرًا؛ وكانَ مُمْتَنِعًا عَلى الإمامِ؛ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا عاقَبَهُ الإمامُ بِمِقْدارِ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّعْزِيرِ؛ والرَّدْعِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ سائِرِ المَعاصِي الَّتِي أوْعَدَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْها العِقابَ؛ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلَيْها؛ وجاهَرَ بِها؛ وإنْ كانَ مُمْتَنِعًا حُورِبَ عَلَيْها؛ هو ومُتَّبِعُوهُ؛ وقُوتِلُوا حَتّى يَنْتَهُوا؛ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ عاقَبَهُمُ الإمامُ بِمِقْدارِ ما يَرى مِنَ العُقُوبَةِ؛ وكَذَلِكَ حُكْمُ مَن يَأْخُذُ أمْوالَ النّاسِ مِنَ المُتَسَلِّطِينَ الظَّلَمَةِ؛ وآخِذِي الضَّرائِبِ؛ واجِبٌ عَلى كُلِّ المُسْلِمِينَ قِتالُهُمْ؛ وقَتْلُهم إذا كانُوا (p-١٩٣)مُمْتَنِعِينَ؛ وهَؤُلاءِ أعْظَمُ جُرْمًا مِن آكِلِي الرِّبا؛ لِانْتِهاكِهِمْ حُرْمَةَ النَّهْيِ؛ وحُرْمَةَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا؛ وآكِلُ الرِّبا إنَّما انْتَهَكَ حُرْمَةَ اللَّهِ (تَعالى) في أخْذِ الرِّبا؛ ولَمْ يَنْتَهِكْ لِمَن يُعْطِيهِ ذَلِكَ حُرْمَةً؛ لِأنَّهُ أعْطاهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ؛ وآخِذُو الضَّرائِبِ في مَعْنى قُطّاعِ الطَّرِيقِ المُنْتَهِكِينَ لِحُرْمَةِ نَهْيِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وحُرْمَةِ المُسْلِمِينَ؛ إذا كانُوا يَأْخُذُونَهُ جَبْرًا؛ وقَهْرًا؛ لا عَلى تَأْوِيلٍ؛ ولا شُبْهَةٍ؛ فَجائِزٌ لِمَن عَلِمَ مِنَ المُسْلِمِينَ إصْرارَ هَؤُلاءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن أخْذِ أمْوالِ النّاسِ؛ عَلى وجْهِ الضَّرِيبَةِ؛ أنْ يَقْتُلَهم كَيْفَ أمْكَنَهُ قَتْلُهُمْ؛ وكَذَلِكَ أتْباعُهُمْ؛ وأعْوانُهُمُ الَّذِينَ بِهِمْ يَقُومُونَ عَلى أخْذِ الأمْوالِ؛ وقَدْ كانَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ؛ لِمُوافَقَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ إيّاهُ عَلى شَيْئَيْنِ؛ أحَدُهُما الكُفْرُ؛ والآخَرُ مَنعُ الزَّكاةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِن قَبُولِ فَرْضِ الزَّكاةِ؛ ومِن أدائِها؛ فانْتَظَمُوا بِهِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما الِامْتِناعُ مِن قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وذَلِكَ كُفْرٌ؛ والآخَرُ الِامْتِناعُ مِن أداءِ الصَّدَقاتِ المَفْرُوضَةِ في أمْوالِهِمْ إلى الإمامِ؛ فَكانَ قِتالُهُ إيّاهم لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ ولِذَلِكَ قالَ: "لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا - وفي بَعْضِ الأخْبارِ: "عِناقًا" - مِمّا كانُوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلَتُهم عَلَيْهِ"؛ فَإنَّما قُلْنا: إنَّهم كانُوا كُفّارًا؛ مُمْتَنِعِينَ مِن قَبُولِ فَرْضِ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الصَّحابَةَ سَمَّوْهم أهْلَ الرِّدَّةِ؛ وهَذِهِ السِّمَةُ لازِمَةٌ لَهم إلى يَوْمِنا هَذا؛ وكانُوا سَبَوْا نِساءَهم وذَرارِيِّهِمْ؛ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ لَما سارَ فِيهِمْ هَذِهِ السِّيرَةَ؛ وذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الصَّدْرُ الأوَّلُ؛ ولا مَن بَعْدَهم مِنَ المُسْلِمِينَ؛ أعْنِي في أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قاتَلَهم أبُو بَكْرٍ كانُوا أهْلَ الرِّدَّةِ؛ فالمُقِيمُ عَلى أكْلِ الرِّبا؛ إنْ كانَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَهو كافِرٌ؛ وإنْ كانَ مُمْتَنِعًا بِجَماعَةٍ تُعَضِّدُهُ سارَ فِيهِمُ الإمامُ بِسِيرَتِهِ في أهْلِ الرِّدَّةِ؛ إنْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ أهْلِ المِلَّةِ؛ وإنِ اعْتَرَفُوا بِتَحْرِيمِهِ؛ وفَعَلُوهُ غَيْرَ مُسْتَحِلِّينَ لَهُ؛ قاتَلَهُمُ الإمامُ إنْ كانُوا مُمْتَنِعِينَ؛ حَتّى يَتُوبُوا؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُمْتَنِعِينَ رَدَعَهم عَنْ ذَلِكَ بِالضَّرْبِ؛ والحَبْسِ؛ حَتّى يَنْتَهُوا. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ؛ وكانُوا ذِمَّةً نَصارى: "إمّا أنْ تَذَرُوا الرِّبا؛ وإمّا أنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ"؛» ورَوى أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ قالَ: حَدَّثَنِي أيُّوبُ الدِّمَشْقِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي سَعْدانُ بْنُ يَحْيى؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حُمَيْدٍ؛ عَنْ أبِي مَلِيحٍ الهُذَلِيِّ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صالَحَ أهْلَ نَجْرانَ؛ فَكَتَبَ كِتابًا في آخِرِهِ: "عَلى ألّا تَأْكُلُوا الرِّبا؛ فَمَن أكَلَ الرِّبا فَذِمَّتِي مِنهُ بَرِيئَةٌ"؛» فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ هو عائِدٌ عَلَيْهِما جَمِيعًا؛ مِن رَدِّ الأمْرِ عَلى حالِهِ؛ ومِنَ الإقامَةِ عَلى أكْلِ الرِّبا؛ مَعَ قَبُولِ الأمْرِ؛ (p-١٩٤)فَمَن رَدَّ الأمْرَ قُوتِلَ عَلى الرِّدَّةِ؛ ومَن قَبِلَ الأمْرَ؛ وفَعَلَهُ مُحَرِّمًا لَهُ قُوتِلَ عَلى تَرْكِهِ؛ إنْ كانَ مُمْتَنِعًا؛ ولا يَكُونُ مُرْتَدًّا؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا عُزِّرَ بِالحَبْسِ؛ والضَّرْبِ؛ عَلى ما يَرى الإمامُ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ إعْلامٌ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهم مُحارِبُونَ لِلَّهِ (تَعالى) ورَسُولِهِ؛ وذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ الجُرْمِ؛ وأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ بِهِ هَذِهِ السِّمَةَ؛ وهي أنْ يُسَمَّوْا مُحارِبِينَ لِلَّهِ (تَعالى) ورَسُولِهِ؛ وهَذِهِ السِّمَةُ يَعْتَوِرُها مَعْنَيانِ؛ أحَدُهُما الكُفْرُ؛ إذا كانَ مُسْتَحِلًّا؛ والآخَرُ الإقامَةُ عَلى أكْلِ الرِّبا؛ مَعَ اعْتِقادِ التَّحْرِيمِ؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ إعْلامٌ مِنهُ بِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَأْمُرُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِمُحارَبَتِهِمْ؛ ويَكُونُ إيذانًا لَهم بِالحَرْبِ؛ حَتّى لا يُؤْتَوْا عَلى غِرَّةٍ قَبْلَ العِلْمِ بِها؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]؛ فَإذا حُمِلَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ الخِطابُ بِذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِمْ؛ إذا كانُوا ذَوِي مَنعَةٍ؛ وإذا حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ دَخَلَ كُلُّ واحِدٍ مِن فاعِلِي ذَلِكَ في الخِطابِ؛ وتَناوَلَهُ الحُكْمُ المَذْكُورُ فِيهِ؛ فَهو أوْلى. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ فِيهِ تَأْوِيلانِ؛ أحَدُهُما: "وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ غَرِيمًا لَكُمْ؛ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ"؛ والثّانِي: عَلى أنَّ "كانَ" اَلْمُكْتَفِيَةَ بِاسْمِها عَلى مَعْنى: "وإنْ وقَعَ ذُو عُسْرَةٍ"؛ أوْ: "إنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَةٍ"؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَدى لُبْنى شَيْبانَ رَحْلِي وناقَتِي ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ مَعْناهُ: إذا وُجِدَ يَوْمٌ كَذَلِكَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وشُرَيْحٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ أنَّهُ في الرِّبا خاصَّةً؛ وكانَ شُرَيْحٌ يَحْبِسُ المُعْسِرَ في غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ؛ ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ؛ والرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ؛ والضَّحّاكِ؛ أنَّهُ في سائِرِ الدُّيُونِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى مِثْلُ ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الَّذِي في الآيَةِ إنْظارُ المُعْسِرِ في الرِّبا؛ وسائِرُ الدُّيُونِ في حُكْمِهِ قِياسًا عَلَيْهِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ مُحْتَمِلًا أنْ يَكُونَ شامِلًا لِسائِرِ الدُّيُونِ؛ عَلى ما بَيَّنّا مِن وجْهِ الِاحْتِمالِ؛ ولِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ مِنَ السَّلَفِ عَلى ذَلِكَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونُوا تَأوَّلُوهُ عَلى ما لا احْتِمالَ فِيهِ؛ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ؛ وألّا يَقْتَصِرَ بِهِ عَلى الرِّبا؛ إلّا بِدَلالَةٍ؛ لِما فِيهِ مِن تَخْصِيصِ لَفْظِ العُمُومِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ غَيْرَ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في إفادَةِ الحُكْمِ؛ وكانَ مُتَضَمِّنًا لِما (p-١٩٥)قَبْلَهُ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ قِيلَ: هو كَلامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ؛ لِما في فَحْواهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْناهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ الإعْسارِ؛ والإنْظارِ؛ قَدْ دَلَّ عَلى دَيْنٍ تَجِبُ المُطالَبَةُ بِهِ؛ والإنْظارُ لا يَكُونُ إلّا في حَقٍّ قَدْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ؛ وصَحَّتِ المُطالَبَةُ بِهِ؛ إمّا عاجِلًا؛ وإمّا آجِلًا؛ فَإذا كانَ في مَضْمُونِ اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ في حُكْمِ الإنْظارِ؛ إذا كانَ ذُو عُسْرَةٍ؛ كانَ اللَّفْظُ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ؛ ووَجَبَ اعْتِبارُهُ عَلى عُمُومِهِ؛ ولَمْ يَجِبْ الِاقْتِصارُ بِهِ عَلى الرِّبا دُونَ غَيْرِهِ؛ وزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ؛ مِمَّنْ نَصَرَ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ أنَّ هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الرِّبا؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أبْطَلَهُ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ مُنْظَرًا بِهِ؟ قالَ: فالواجِبُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً في سائِرِ الدُّيُونِ؛ وهَذا الحِجاجُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) إنَّما أبْطَلَ الرِّبا؛ وهو الزِّيادَةُ المَشْرُوطَةُ؛ ولَمْ يُبْطِلْ رَأْسَ المالِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ والرِّبا هو الزِّيادَةُ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ يَعْنِي سائِرَ الدُّيُونِ؛ ورَأْسُ المالِ أحَدُها؛ وإبْطالُ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا لَمْ يُبْطِلْ رَأْسَ المالِ؛ بَلْ هو دَيْنٌ عَلَيْهِ؛ يَجِبُ أداؤُهُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الإنْظارُ مَأْمُورًا بِهِ في رَأْسِ المالِ؛ فَهو وسائِرُ الدُّيُونِ عَلَيْهِ سَواءٌ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما كَلامُنا فِيما شَمِلَهُ العُمُومُ مِن حُكْمِ الآيَةِ؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ في رَأْسِ مالِ الرِّبا فَلَمْ يَتَناوَلْ غَيْرَهُ مِن طَرِيقِ النَّصِّ؛ وإنَّما يَتَناوَلُهُ مِن جِهَةِ العُمُومِ لِلْمَعْنى؛ فَيَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ في إثْباتِ حُكْمِهِ؛ ورَدِّهِ إلى المَذْكُورِ في الآيَةِ بِمَعْنًى يَجْمَعُهُما؛ ولَيْسَ الكَلامُ بَيْنَكَ وبَيْنَ الخَصْمِ مِن جِهَةِ القِياسِ؛ وإنَّما اخْتَلَفْتُما في عُمُومِ الآيَةِ؛ وخُصُوصِها؛ والكَلامُ في القِياسِ ورَدِّ غَيْرِ المَذْكُورِ إلى المَذْكُورِ؛ مَسْألَةٌ أُخْرى.

البقرة 2:279

ومِن أبْوابِ الرِّبا الَّذِي تَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَحْرِيمَهُ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ ألْفُ دِرْهَمٍ؛ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ؛ فَيُصالِحُهُ مِنهُ عَلى خَمْسِمِائَةٍ حالَّةٍ؛ فَلا يَجُوزُ؛ وقَدْ رَوى سُفْيانُ عَنْ حُمَيْدٍ؛ عَنْ مَيْسَرَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ: يَكُونُ لِي عَلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إلى أجَلٍ؛ فَأقُولُ: عَجِّلْ لِي؛ وأضَعُ عَنْكَ؛ فَقالَ: هو رِبًا؛ ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أيْضًا النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ؛ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والشَّعْبِيِّ؛ والحَكَمِ؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا؛ وعامَّةِ الفُقَهاءِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ شَيْئانِ؛ أحَدُهُما تَسْمِيَةُ ابْنِ عُمَرَ إيّاهُ رِبًا؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ أسْماءَ الشَّرْعِ تَوْقِيفٌ؛ والثّانِي أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ رِبا الجاهِلِيَّةِ إنَّما كانَ قَرْضًا مُؤَجَّلًا؛ بِزِيادَةٍ مَشْرُوطَةٍ؛ فَكانَتِ الزِّيادَةُ بَدَلًا مِنَ الأجَلِ؛ فَأبْطَلَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وحَرَّمَهُ؛ وقالَ: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ حَظَرَ أنْ يُؤْخَذَ لِلْأجَلِ عِوَضٌ؛ فَإذا كانَتْ عَلَيْهِ ألْفُ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلَةٌ؛ فَوَضَعَ عَنْهُ عَلى أنْ يُعَجِّلَهُ؛ فَإنَّما جَعَلَ الحَطَّ بِحِذاءِ الأجَلِ؛ فَكانَ هَذا هو مَعْنى الرِّبا الَّذِي نَصَّ اللَّهُ (تَعالى) عَلى تَحْرِيمِهِ؛ ولا خِلافَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ ألْفُ دِرْهَمٍ حالَّةٌ؛ فَقالَ لَهُ: أجِّلْنِي وأزِيدُكَ فِيها مِائَةَ دِرْهَمٍ؛ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المِائَةَ (p-١٨٧)عِوَضٌ مِنَ الأجَلِ؛ كَذَلِكَ الحَطُّ في مَعْنى الزِّيادَةِ؛ إذْ جَعَلَهُ عِوَضًا مِنَ الأجَلِ؛ وهَذا هو الأصْلُ في امْتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأبْدالِ عَنِ الآجالِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ - فِيمَن دَفَعَ إلى خَيّاطٍ ثَوْبًا فَقالَ: إنْ خِطْتَهُ اليَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ؛ وإنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ -: إنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ باطِلٌ؛ فَإنْ خاطَهُ غَدًا فَلَهُ أجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الحَطَّ بِحِذاءِ الأجَلِ؛ والعَمَلِ في الوَقْتَيْنِ؛ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ"؛ فَلَمْ يُجِزْهُ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ بَيْعِ الأجَلِ؛ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّاهُ؛ ومَن أجازَ مِنَ السَّلَفِ إذا قالَ: عَجِّلْ لِي وأضَعُ عَنْكَ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أجازُوهُ إذا لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِيهِ؛ وذَلِكَ بِأنْ يَضَعَ عَنْهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ؛ ويُعَجِّلَ الآخَرُ الباقِيَ بِغَيْرِ شَرْطٍ. وقَدْ ذَكَرْنا الدَّلالَةَ عَلى أنَّ التَّفاضُلَ قَدْ يَكُونُ رِبًا؛ عَلى حَسَبِ ما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأصْنافِ السِّتَّةِ؛ وأنَّ النَّساءَ قَدْ يَكُونُ رِبًا في البَيْعِ؛ بِقَوْلِهِ ﷺ: «"وإذا اخْتَلَفَ النَّوْعانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ؛ يَدًا بِيَدٍ"؛» وقَوْلِهِ: «"إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ"؛» وأنَّ السَّلَمَ في الحَيَوانِ قَدْ يَكُونُ رِبًا؛ بِقَوْلِهِ: «"إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ"؛» وقَوْلِهِ: «"إذا اخْتَلَفَ النَّوْعانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ؛ يَدًا بِيَدٍ"؛» وتَسْمِيَةِ عُمَرَ إيّاهُ رِبًا؛ وشِراءِ ما بِيعَ بِأقَلَّ مِن ثَمَنِهِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ؛ لِما بَيَّنّا؛ وشَرْطِ التَّعْجِيلِ مَعَ الحَطِّ. وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ في الأصْنافِ السِّتَّةِ؛ الَّتِي ورَدَ بِها الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ؛ وهو عِنْدَنا في حَيِّزِ التَّواتُرِ؛ لِكَثْرَةِ رُواتِهِ واتِّفاقِ الفُقَهاءِ عَلى اسْتِعْمالِهِ؛ واتَّفَقُوا أيْضًا في أنَّ مَضْمُونَ هَذا النَّصِّ مَعْنِيٌّ بِهِ تَعَلُّقُ الحُكْمِ؛ يَجِبُ اعْتِبارُهُ في غَيْرِهِ؛ واخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى اعْتِبارِ الجِنْسِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا فِيما سَلَفَ مِن هَذا البابِ؛ وأنَّ حُكْمَ تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الأصْنافِ السِّتَّةِ؛ وقَدْ قالَ قَوْمٌ - هم شُذُوذٌ عِنْدَنا؛ لا يُعَدُّونَ خِلافًا -: إنَّ حُكْمَ تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ مَقْصُورٌ عَلى الأصْنافِ الَّتِي ورَدَ فِيها التَّوْقِيفُ؛ دُونَ تَحْرِيمِ غَيْرِها؛ ولِما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُنا في اعْتِبارِ الكَيْلِ؛ والوَزْنِ دَلائِلَ مِنَ الأثَرِ والنَّظَرِ؛ وقَدْ ذَكَرْناها في مَواضِعَ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن فَحْوى الخَبَرِ قَوْلُهُ: «اَلذَّهَبُ بِالذَّهَبِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ وزْنًا بِوَزْنٍ؛ والحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ كَيْلًا بِكَيْلٍ»؛ فَأوْجَبَ اسْتِيفاءَ المُماثَلَةِ بِالوَزْنِ في المَوْزُونِ؛ وبِالكَيْلِ في المَكِيلِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِاعْتِبارَ في التَّحْرِيمِ الكَيْلُ؛ والوَزْنُ؛ مَضْمُومًا إلى الجِنْسِ. ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ المُخالِفُ مِنَ الآيَةِ؛ عَلى اعْتِبارِ الأكْلِ؛ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ فَأطْلَقَ اسْمَ الرِّبا عَلى المَأْكُولِ؛ قالُوا: فَهَذا عُمُومٌ في إثْباتِ الرِّبا في المَأْكُولِ؛ وهَذا عِنْدَنا لا يَدُلُّ (p-١٨٨)عَلى ما قالُوا مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها ما قَدَّمْنا مِن إجْمالِ لَفْظِ الرِّبا في الشَّرْعِ؛ وافْتِقارِهِ إلى البَيانِ؛ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ؛ وإنَّما يُحْتاجُ إلى أنْ يَثْبُتَ بِدَلالَةٍ أُخْرى أنَّهُ رِبًا حَتّى يُحَرِّمَهُ بِالآيَةِ ولا يَأْكُلَهُ؛ والثّانِي أنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ إثْباتُ الرِّبا في مَأْكُولٍ؛ ولَيْسَ فِيهِ أنَّ جَمِيعَ المَأْكُولاتِ فِيها رِبًا؛ ونَحْنُ قَدْ أثْبَتْنا الرِّبا في كَثِيرٍ مِنَ المَأْكُولاتِ؛ وإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدْ قَضَيْنا عُهْدَةَ الآيَةِ؛ ولَما ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا مِنَ التَّوْقِيفِ؛ والِاتِّفاقِ عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِ ألْفٍ بِألْفٍ ومِائَةٍ؛ كَما بَطَلَ بَيْعُ ألْفٍ بِألْفٍ إلى أجَلٍ؛ فَجَرى الأجَلُ المَشْرُوطُ مَجْرى النُّقْصانِ في المالِ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ بَيْعِ ألْفٍ بِألْفٍ ومِائَةٍ؛ وجَبَ ألّا يَصِحَّ الأجَلُ في القَرْضِ؛ كَما لا يَجُوزُ قَرْضُ ألْفٍ بِألْفٍ ومِائَةٍ؛ إذْ كانَ نُقْصانُ الأجَلِ كَنُقْصانِ الوَزْنِ؛ وكانَ الرِّبا تارَةً مِن جِهَةِ نُقْصانِ الوَزْنِ؛ وتارَةً مِن جِهَةِ نُقْصانِ الأجَلِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَرْضُ كَذَلِكَ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَيْسَ القَرْضُ في ذَلِكَ كالبَيْعِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُفارَقَتُهُ في القَرْضِ قَبْلَ قَبْضِ البَدَلِ؛ ولا يَجُوزُ مِثْلُهُ في بَيْعِ ألْفٍ بِألْفٍ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما يَكُونُ الأجَلُ نُقْصانًا إذا كانَ مَشْرُوطًا؛ فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فَإنَّ تَرْكَ القَبْضِ لا يُوجِبُ نَقْصًا في أحَدِ المالَيْنِ؛ وإنَّما بَطَلَ البَيْعُ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ نُقْصانِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ الصِّنْفانِ؛ والصِّنْفُ الواحِدُ؛ في وُجُوبِ التَّقايُضِ في المَجْلِسِ؛ أعْنِي الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ؛ مَعَ جَوازِ التَّفاضُلِ فِيهِما؟ فَعَلِمْنا أنَّ المُوجِبَ لِقَبْضِهِما لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّ تَرْكَ القَبْضِ مُوجِبٌ لِلنُّقْصانِ في غَيْرِ المَقْبُوضِ؛ ألا تَرى أنَّ رَجُلًا لَوْ باعَ مِن رَجُلٍ عَبْدًا بِألْفِ دِرْهَمٍ؛ ولَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ سِنِينَ؛ جازَ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهُ مُرابَحَةً عَلى ألْفٍ حالَّةٍ؛ ولَوْ كانَ باعَهُ بِألْفٍ إلى شَهْرٍ؛ ثُمَّ حَلَّ الأجَلُ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهُ مُرابَحَةً عَلى ألْفٍ حالَّةٍ؛ حَتّى يُبَيِّنَ أنَّهُ اشْتَراهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأجَلَ المَشْرُوطَ في العَقْدِ يُوجِبُ نَقْصًا في الثَّمَنِ؛ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ نُقْصانِ الوَزْنِ في الحُكْمِ؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فالتَّشْبِيهُ بَيْنَ القَرْضِ؛ والبَيْعِ؛ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ صَحِيحٌ؛ لا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ هَذا السُّؤالُ؛ ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّأْجِيلِ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ"؛» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ البَيْعِ؛ والقَرْضِ؛ فَهو عَلى الجَمِيعِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ القَرْضَ لَمّا كانَ تَبَرُّعًا؛ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا؛ أشْبَهَ الهِبَةَ؛ فَلا يَصِحُّ فِيهِ التَّأْجِيلُ؛ كَما لا يَصِحُّ في الهِبَةِ؛ وقَدْ أبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ التَّأْجِيلَ فِيها بِقَوْلِهِ: «"مَن أعْمَرَ عُمْرى فَهي لَهُ؛ ولِوَرَثَتِهِ مِن بَعْدِهِ"؛» فَأبْطَلَ التَّأْجِيلَ المَشْرُوطَ في المِلْكِ؛ وأيْضًا فَإنَّ قَرْضَ الدَّراهِمِ عارِيَّتُها؛ وعارِيَّتُها قَرْضُها؛ لِأنَّها تَمْلِيكُ المَنافِعِ؛ إذْ لا يَصِلُ إلَيْها إلّا بِاسْتِهْلاكِ عَيْنِها؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إذا (p-١٨٩)أعارَهُ دَراهِمَ فَإنَّ ذَلِكَ قَرْضٌ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُجِيزُوا اسْتِئْجارَ الدَّراهِمِ؛ لِأنَّها قَرْضٌ؛ فَكَأنَّهُ اسْتَقْرَضَ دَراهِمَ عَلى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِنها؛ فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ الأجَلُ في العارِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ في القَرْضِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَرْضَ الدَّراهِمِ عارِيَّةٌ حَدِيثُ إبْراهِيمَ الهِجْرِيِّ؛ عَنْ أبِي الأحْوَصِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَدْرُونَ أيُّ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ؟"؛ قالُوا: اَللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؛ قالَ: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ المِنحَةُ؛ أنْ تَمْنَحَ أخاكَ الدَّراهِمَ؛ أوْ ظَهْرَ الدّابَّةِ؛ أوْ لَبَنَ الشّاةِ"؛» والمِنحَةُ هي العارِيَّةُ؛ فَجَعَلَ قَرْضَ الدَّراهِمِ عارِيَّتَها؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ في حَدِيثٍ آخَرَ: «والمِنحَةُ مَرْدُودَةٌ»؟ فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ التَّأْجِيلُ في العارِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ في القَرْضِ؛ وأجازَ الشّافِعِيُّ التَّأْجِيلَ في القَرْضِ؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ؛ ومِنهُ الإعانَةُ. * * وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾؛ قَدِ اقْتَضى ثُبُوتَ المُطالَبَةِ لِصاحِبِ الدَّيْنِ عَلى المَدِينِ؛ وجَوازَ أخْذِ رَأْسِ مالِ نَفْسِهِ مِنهُ بِغَيْرِ رِضاهُ؛ لِأنَّهُ (تَعالى) جَعَلَ اقْتِضاءَهُ ومُطالَبَتَهُ مِن غَيْرِ شَرْطِ رِضا المَطْلُوبِ؛ وهَذا يُوجِبُ أنَّ مَن لَهُ عَلى غَيْرِهِ دَيْنٌ فَطالَبَهُ بِهِ؛ فَلَهُ أخْذُهُ مِنهُ؛ شاءَ أمْ أبى؛ وبِهَذا المَعْنى ورَدَ الأثَرُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَتْ لَهُ هِنْدٌ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ؛ لا يُعْطِينِي ما يَكْفِينِي ووَلَدِي؛ فَقالَ: "خُذِي مِن مالِ أبِي سُفْيانَ ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ"؛» فَأباحَ لَها أخْذَ ما اسْتَحَقَّتْهُ عَلى أبِي سُفْيانَ مِنَ النَّفَقَةِ مِن غَيْرِ رِضا أبِي سُفْيانَ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الغَرِيمَ مَتى امْتَنَعَ مِن أداءِ الدَّيْنِ؛ مَعَ الإمْكانِ؛ كانَ ظالِمًا؛ ودَلالَتُها عَلى ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾؛ فَجَعَلَ لَهُ المُطالَبَةَ (p-١٩٦)بِرَأْسِ المالِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أمْرَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِقَضائِهِ؛ وتَرْكِ الِامْتِناعِ مِن أدائِهِ؛ فَإنَّهُ مَتى امْتَنَعَ مِنهُ كانَ لَهُ ظالِمًا؛ ولِاسْمِ الظُّلْمِ مُسْتَحِقًّا؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ؛ وهي الحَبْسُ؛ والوَجْهُ الآخَرُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى) في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تَظْلِمُونَ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: لا تَظْلِمُونَ بِأخْذِ الزِّيادَةِ؛ ولا تُظْلَمُونَ بِالنُّقْصانِ مِن رَأْسِ المالِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَتى امْتَنَعَ مِن أداءِ جَمِيعِ رَأْسِ المالِ إلَيْهِ كانَ ظالِمًا لَهُ؛ مُسْتَحِقًّا لِلْعُقُوبَةِ؛ واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ بِالضَّرْبِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَبْسًا؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ ما عَداهُ مِنَ العُقُوباتِ ساقِطٌ عَنْهُ في أحْكامِ الدُّنْيا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ؛ عَنْ وبْرِ بْنِ أبِي دُلَيْلَةَ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ؛ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ"؛» قالَ ابْنُ المُبارَكِ: يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ؛ وعُقُوبَتُهُ: يُحْبَسُ؛ ورَوى ابْنُ عُمَرَ؛ وجابِرٌ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ؛ وإذا أُحِيلَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ"؛» فَجَعَلَ مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمًا؛ والظّالِمُ لا مَحالَةَ مُسْتَحِقٌّ العُقُوبَةَ؛ وهي الحَبْسُ؛ لاتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهُ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ أسَدٍ قالَ: أخْبَرَنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قالَ: أخْبَرَنا هِرْماسُ بْنُ حَبِيبٍ؛ رَجُلٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لِي؛ فَقالَ لِي: "اِلْزَمْهُ"؛ ثُمَّ قالَ: "يا أخا بَنِي تَمِيمٍ؛ ما تُرِيدُ أنْ تَفْعَلَ بِأسِيرِكَ؟"؛» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ حَبْسَ الغَرِيمِ؛ لِأنَّ الأسِيرَ يُحْبَسُ؛ فَلَمّا سَمّاهُ أسِيرًا لَهُ دَلَّ عَلى أنَّ لَهُ حَبْسَهُ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «"لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ؛ وعُقُوبَتَهُ"؛» والمُرادُ بِالعُقُوبَةِ هُنا الحَبْسُ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُوجِبُ غَيْرَهُ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الحالِ الَّتِي تُوجِبُ الحَبْسَ؛ فَقالَ أصْحابُنا: إذا ثَبَتَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّيُونِ؛ مِن أيِّ وجْهٍ ثَبَتَ؛ فَإنَّهُ يُحْبَسُ شَهْرَيْنِ؛ أوْ ثَلاثَةً؛ ثُمَّ يُسْألُ عَنْهُ؛ فَإنْ كانَ مُوسِرًا تَرَكَهُ في الحَبْسِ أبَدًا؛ حَتّى يَقْضِيَهُ؛ وإنْ كانَ مُعْسِرًا أخْلى سَبِيلَهُ؛ وذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ المَطْلُوبَ إذا قالَ: إنِّي مُعْسِرٌ؛ وأقامَ البَيِّنَةَ عَلى ذَلِكَ؛ أوْ قالَ: فَسَلْ عَنِّي؛ فَلا يَسْألُ عَنْهُ أحَدًا؛ وحَبَسَهُ شَهْرَيْنِ؛ أوْ ثَلاثَةً؛ ثُمَّ يَسْألُ عَنْهُ؛ إلّا أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالعُسْرِ؛ فَلا يَحْبِسُهُ؛ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي عِمْرانَ قالَ: كانَ مُتَأخِّرُو أصْحابِنا؛ مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ شُجاعٍ؛ يَقُولُونَ: إنَّ كُلَّ دَيْنٍ كانَ أصْلُهُ مِن مالٍ وقَعَ في يَدَيِ المَدِينِ؛ كَأثْمانِ البِياعاتِ؛ والعُرُوضِ؛ ونَحْوِها؛ فَإنَّهُ (p-١٩٧)يَحْبِسُهُ بِهِ؛ وما لَمْ يَكُنْ أصْلُهُ مِن مالٍ وقَعَ في يَدِهِ؛ مِثْلَ المَهْرِ؛ والجُعْلِ مِنَ الخُلْعِ؛ والصُّلْحِ مِن دَمِ العَمْدِ؛ والكَفالَةِ؛ لَمْ يَحْبِسْهُ بِهِ؛ حَتّى يَثْبُتَ وُجُودُهُ ومَلاؤُهُ؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: يَحْبِسُهُ في الدُّيُونِ إذا أخْبَرَ أنَّ عِنْدَهُ مالًا؛ وقالَ مالِكٌ: لا يُحْبَسُ الحُرُّ؛ ولا العَبْدُ في الدَّيْنِ؛ ولا يُسْتَبْرَأُ أمْرُهُ؛ فَإنِ اتُّهِمَ أنَّهُ قَدْ خَبَّأ مالًا حَبَسَهُ؛ وإنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَحْبِسْهُ؛ وخَلّاهُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: إذا كانَ مُوسِرًا حُبِسَ؛ وإنْ كانَ مُعْسِرًا لَمْ يُحْبَسْ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ ما ظَهَرَ؛ ودُفِعَ؛ ولَمْ يُحْبَسْ؛ فَإنْ لَمْ يَظْهَرْ حُبِسَ؛ وبِيعَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن مالِهِ؛ فَإنْ ذَكَرَ عُسْرَهُ قُبِلَتْ مِنهُ البَيِّنَةُ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ وأحْلَفَهُ مَعَ ذَلِكَ بِاللَّهِ؛ ومَنَعَ غُرَماءَهُ مِن لُزُومِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ يَحْبِسُهُ في أوَّلِ ما ثَبَتَ عِنْدَ القاضِي دَيْنُهُ؛ لِما دَلَلْنا عَلَيْهِ مِنَ الآيَةِ؛ والأثَرِ؛ عَلى كَوْنِهِ ظالِمًا في الِامْتِناعِ مِن قَضاءِ ما ثَبَتَ عَلَيْهِ؛ وأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ مَتى امْتَنَعَ مِن أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ؛ فالواجِبُ بَقاءُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ حَتّى يَثْبُتَ زَوالُها عَنْهُ بِالإعْسارِ؛ فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَكُونُ ظالِمًا إذا امْتَنَعَ مِن أدائِهِ مَعَ الإمْكانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يَذُمُّهُ عَلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُمَكِّنْهُ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ شَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ الوُجُودَ في اسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ؛ بِقَوْلِهِ: «"لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ؛ وعُقُوبَتَهُ"؛» وإذا كانَ شَرْطُ اسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ وُجُودَ المالِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أداؤُهُ مِنهُ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ حَبْسُهُ وعُقُوبَتُهُ؛ إلّا بَعْدَ أنْ يَثْبُتَ أنَّهُ واجِدٌ مُمْتَنِعٌ مِن أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ؛ ولَيْسَ ثُبُوتُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ عَلَمًا لِإمْكانِ أدائِهِ عَلى الدَّوامِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَحْدُثَ الإعْسارُ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ؛ قِيلَ لَهُ: أمّا الدُّيُونُ الَّتِي حَصَلَتْ أبْدالُها في يَدِهِ فَقَدْ عَلِمْنا يَسارَهُ بِأدائِها يَقِينًا؛ ولَمْ نَعْلَمْ إعْسارَهُ بِها؛ فَوَجَبَ كَوْنُهُ باقِيًا عَلى حُكْمِ اليَسارِ؛ والوُجُودِ؛ حَتّى يَثْبُتَ الإعْسارُ؛ وأمّا ما كانَ لَزِمَهُ مِنها مِن غَيْرِ بَدَلٍ حَصَلَ في يَدِهِ يُمْكِنُهُ أداؤُهُ مِنهُ؛ فَإنَّ دُخُولَهُ في العَقْدِ الَّذِي ألْزَمَهُ ذَلِكَ اعْتِرافٌ مِنهُ بِلُزُومِ أدائِهِ؛ وتَوَجَّهَ المُطالَبَةُ عَلَيْهِ بِقَضائِهِ؛ ودَعْواهُ الإعْسارَ بِهِ بِمَنزِلَةِ دَعْوى التَّأْجِيلِ لِلْمُوسِرِ؛ فَهو غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ سَوّى أصْحابُنا بَيْنَ الدُّيُونِ الَّتِي قَدْ عُلِمَ حُصُولُ أبْدالِها في يَدِهِ؛ وبَيْنَ ما لَمْ تَحْصُلْ في يَدِهِ؛ إذْ كانَ دُخُولُهُ في العَقْدِ المُوجِبِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّيْنَ اعْتِرافًا مِنهُ بِلُزُومِ الأداءِ؛ وثُبُوتِ حَقِّ المُطالَبَةِ لِلْمُطالِبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مُتَعاقِدَيْنِ دَخَلا في عَقْدٍ فَدُخُولُهُما فِيهِ اعْتِرافٌ مِنهُما بِلُزُومِ مُوجِبِ العَقْدِ مِنَ الحُقُوقِ؛ وغَيْرُ مُصَدَّقٍ بَعْدَ العَقْدِ واحِدٌ مِنهُما عَلى نَفْيِ مُوجِبِهِ؛ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اعْتِرافًا مِنهُما بِصِحَّتِهِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ (p-١٩٨)مُضَمِّنًا لِلُزُومِ حُقُوقِهِ؛ وفي تَصْدِيقِهِ عَلى فَسادِهِ نَفْيُ ما لَزِمَهُ بِظاهِرِ العَقْدِ؛ ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في أنَّ مُدَّعِيَ الفَسادِ مِنهُما بَعْدَ وُقُوعِ العَقْدِ بَيْنَهُما؛ وصِحَّتِهِ في الظّاهِرِ؛ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَيْهِ؛ وأنَّ القَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ مِنهُما؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن ألْزَمَ نَفْسَهُ دَيْنًا بِعَقْدٍ عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ؛ أنَّهُ يَلْزَمُهُ أداؤُهُ؛ ومَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُوسِرٌ بِهِ؛ وغَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلى الإعْسارِ المُسْقِطِ عَنْهُ المُطالَبَةَ؛ كَما لا يُصَدَّقُ عَلى التَّأْجِيلِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ حالًّا. وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ يَحْبِسُهُ في أوَّلِ ما يَرْفَعُهُ إلى القاضِي؛ إذا طَلَبَ ذَلِكَ الطّالِبُ؛ ولا يُسْألُ عَنْهُ؛ مِن قِبَلِ أنَّهُ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ المُطالَبَةُ بِأدائِهِ؛ ومَحْكُومٌ لَهُ بِاليَسارِ في قَضائِهِ؛ فالواجِبُ أنْ يَسْتَبْرِئَ أمْرَهُ بَدِيًّا؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ لَهُ مالٌ قَدْ خَبَّأهُ لا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَلا يُوقَفُ بِذَلِكَ عَلى إعْسارِهِ؛ فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَحْبِسَهُ اسْتِظْهارًا لِما عَسى أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ؛ إذْ كانَ في الأغْلَبِ أنَّهُ إنْ كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ آخَرُ أضْجَرَهُ الحَبْسُ؛ وألْجَأهُ إلى إخْراجِهِ؛ فَإذا حَبَسَهُ هَذِهِ المُدَّةَ فَقَدِ اسْتَظْهَرَ في الغالِبِ؛ فَحِينَئِذٍ يُسْألُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَن يَعْلَمُ يَسارَهُ سِرًّا؛ فَإذا ثَبَتَ عِنْدَهُ إعْسارُهُ خَلّاهُ مِنَ الحَبْسِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ كانَ يَحْبِسُ المُعْسِرَ في غَيْرِ الرِّبا مِنَ الدُّيُونِ؛ فَقالَ لَهُ: مُعْسِرٌ قَدْ حَبَسَهُ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ فَقالَ شُرَيْحٌ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]؛ واللَّهُ لا يَأْمُرُنا بِشَيْءٍ ثُمَّ يُعَذِّبُنا عَلَيْهِ؛ وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ؛ وأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ مَقْصُورٌ عَلى الرِّبا؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الدُّيُونِ لا يَخْتَلِفُ في الحَبْسِ فِيها المُوسِرُ والمُعْسِرُ؛ ويُشْتَبَهُ أنْ يَكُونَ ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَنا إلى مَعْرِفَةِ الإعْسارِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَظْهَرَ الإعْسارُ؛ وحَقِيقَةُ أمْرِهِ اليَسارُ؛ فاقْتَصَرَ بِحُكْمِ الإنْظارِ عَلى رَأْسِ مالِ الرِّبا؛ الَّذِي نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ؛ وحُمِلَ ما عَداهُ عَلى مُوجِبِ عَقْدِ المُدايَنَةِ مِن لُزُومِ القَضاءِ؛ وتَوَجَّهَ المُطالَبَةُ عَلَيْهِ بِالأداءِ؛ وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ فَسادِ هَذا القَوْلِ بِما قَدْ دَلَلْنا عَلَيْهِ مِن مُقْتَضى عُمُومِ اللَّفْظِ لِسائِرِ الدُّيُونِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ كانَ نَصُّ التَّنْزِيلِ وارِدًا في الرِّبا؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ لَكانَ سائِرُ الدُّيُونِ بِمَنزِلَتِهِ قِياسًا عَلَيْهِ؛ إذْ لا فارِقَ في حالِ اليَسارِ بَيْنَهُما في صِحَّةِ لُزُومِ المُطالَبَةِ بِهِما؛ ووُجُوبِ أدائِهِما؛ فَوَجَبَ ألّا يَخْتَلِفا في حالِ الأداءِ في سُقُوطِ الحَبْسِ فِيها؛ دُونَهُ. فَأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]؛ واحْتِجاجُ شُرَيْحٍ بِهِ في حَبْسِ المَطْلُوبِ؛ فَإنَّ الآيَةَ إنَّما هي في الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في يَدِهِ لِغَيْرِهِ؛ فَعَلَيْهِ أداؤُها؛ وأمّا الدُّيُونُ (p-١٩٩)المَضْمُونَةُ في ذِمَّتِهِ؛ فَإنَّما المُطالَبَةُ بِها مُعَلَّقَةٌ بِإمْكانِ أدائِها؛ فَمَن كانَ مُعْسِرًا فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُكَلِّفْهُ إلّا ما في إمْكانِهِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]؛ فَإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لِأدائِها لَمْ يَجُزْ أنْ يُحْبَسَ بِها؛ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الدَّيْنَ مِنَ الأماناتِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وإنَّما يُرِيدُ بِهِ الدَّيْنَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ الدَّيْنُ مُرادًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]؛ فَإنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ تَوَجَّهَ إلَيْهِ عَلى شَرِيطَةِ الإمْكانِ؛ لِما وصَفْنا مِن أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يُكَلِّفُ أحَدًا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ؛ وهو مَحْكُومٌ لَهُ مِن ظاهِرِ إعْسارِهِ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى أدائِهِ؛ ولَمْ يَكُنْ شُرَيْحٌ؛ ولا أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يُكَلِّفُ أحَدًا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ بَلْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ ذَهَبَ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - إلى أنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ وُجُودَ ذَلِكَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أدائِهِ مَعَ ظُهُورِ إعْسارِهِ؛ فَلِذَلِكَ حَبَسَهُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الحاكِمِ؛ إذا ثَبَتَ عِنْدَهُ إعْسارُهُ وأطْلَقَهُ مِنَ الحَبْسِ؛ هَلْ يَحُولُ بَيْنَ الطّالِبِ؛ وبَيْنَ لُزُومِهِ؛ فَقالَ أصْحابُنا: لِلطّالِبِ أنْ يُلْزِمَهُ؛ وذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ قالَ: والمَلْزُومُ في الدَّيْنِ لا يُمْنَعُ مِن دُخُولِ مَنزِلِهِ لِلْغِذاءِ؛ والغائِطِ؛ والبَوْلِ؛ فَإنْ أعْطاهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ: الغِذاءَ؛ ومَوْضِعَ الخَلاءِ؛ فَلَهُ أنْ يَمْنَعَهُ مِن إتْيانِ مَنزِلِهِ؛ وقالَ غَيْرُهُمْ؛ مِنهم مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ أنْ يُلْزِمَهُ؛ وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: يُؤاجَرُ الحُرُّ المُعْسِرُ؛ فَيُقْضى دَيْنُهُ مِن أُجْرَتِهِ؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ إلّا الزُّهْرِيُّ؛ فَإنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوى عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: يُؤاجَرُ المُعْسِرُ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ حَتّى يُقْضى عَنْهُ؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ ظُهُورَ الإعْسارِ لا يُسْقِطُ عَنْهُ اللُّزُومَ؛ والمُطالَبَةَ؛ والِاقْتِضاءَ؛ حَدِيثُ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرى مِن أعْرابِيٍّ بَعِيرًا إلى أجَلٍ؛ فَلَمّا حَلَّ الأجَلُ جاءَهُ يَتَقاضاهُ؛ فَقالَ: "جِئْتَنا وما عِنْدَنا شَيْءٌ؛ ولَكِنْ أقِمْ حَتّى تَأْتِيَ الصَّدَقَةُ"؛ فَجَعَلَ الأعْرابِيُّ يَقُولُ: وا غَدْراهُ؛ فَهَمَّ بِهِ عُمَرُ؛ فَقالَ ﷺ: "دَعْهُ فَإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا"؛» فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ؛ ولَمْ يَمْنَعْهُ الِاقْتِضاءَ؛ وقالَ: «"إنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا"؛» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإعْسارَ بِالدَّيْنِ غَيْرُ مانِعٍ اقْتِضاءَهُ؛ ولُزُومَهُ بِهِ؛ وقَوْلُهُ: «"أقِمْ حَتّى تَأْتِيَ الصَّدَقَةُ"؛» يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما اشْتَرى البَعِيرَ لِلصَّدَقَةِ؛ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ اشْتَراهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِيَقْضِيَهُ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ (p-٢٠٠)مَنِ اشْتَرى لِغَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثَمَنُ ما اشْتَرى؛ وأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ؛ دُونَ المُشْتَرى لَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْهُ اقْتِضاءَهُ؛ ومُطالَبَتَهُ بِهِ؛ وهو في مَعْنى الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو رافِعٍ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا؛ ثُمَّ قَضاهُ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ»؛ لِأنَّ السَّلَفَ كانَ دَيْنًا عَلى مالِ الصَّدَقَةِ. ورُوِيَ في خَبَرٍ آخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لِصاحِبِ الحَقِّ اليَدُ؛ واللِّسانُ"؛» رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ؛ وقالَ: «فِي اليَدِ اللُّزُومُ؛ وفي اللِّسانِ الِاقْتِضاءُ»؛ وحَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ في الرِّوايَةِ قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي عُمَرَ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ فَقالَ لَهُ: واللَّهِ ما عِنْدِي شَيْءٌ أقْضِيكَهُ اليَوْمَ؛ قالَ: واللَّهِ لا أُفارِقُكَ حَتّى تَقْضِيَنِي؛ أوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ يَتَحَمَّلُ عَنْكَ؛ قالَ: واللَّهِ ما عِنْدِي قَضاءٌ؛ ولا أجِدُ مَن يَحْتَمِلُ عَنِّي؛ قالَ: فَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ هَذا لَزِمَنِي فاسْتَنْظَرْتُهُ شَهْرًا واحِدًا؛ فَأبى حَتّى أقْضِيَهُ؛ أوْ آتِيَهُ بِحَمِيلٍ؛ فَقُلْتُ: واللَّهِ ما أجِدُ حَمِيلًا؛ ولا عِنْدِي قَضاءٌ اليَوْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ تُنْظِرُهُ شَهْرًا واحِدًا؟"؛ قالَ: لا؛ قالَ: "أنا أحْمِلُ بِها"؛ فَتَحَمَّلَ بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَذَهَبَ الرَّجُلُ؛ فَأتاهُ بِقَدْرِ ما وعَدَهُ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مِن أيْنَ أصَبْتَ هَذا الذَّهَبَ؟"؛ قالَ: مِن مَعْدِنٍ؛ قالَ: "اِذْهَبْ؛ فَلا حاجَةَ لَنا فِيها؛ لَيْسَ فِيها خَيْرٌ"؛ فَقَضى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ؛» وفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن لُزُومِهِ؛ مَعَ حَلِفِهِ بِاللَّهِ: ما عِنْدَهُ قَضاءٌ. وحَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ في الرِّوايَةِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الجارُودِ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبِي؛ عَنِ الأعْمَشِ؛ عَنْ أبِي صالِحٍ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَتَقاضاهُ تَمْرًا كانَ عَلَيْهِ؛ وشَدَّدَ عَلَيْهِ الأعْرابِيُّ؛ حَتّى قالَ لَهُ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إلّا قَضَيْتَنِي؛ فانْتَهَرَهُ الصَّحابَةُ؛ فَقالُوا لَهُ: ويْحَكَ؛ أتَدْرِي مَن تُكَلِّمُ؟ فَقالَ لَهُمْ: إنِّي طالِبُ حَقٍّ؛ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: "هَلّا مَعَ صاحِبِ الحَقِّ كُنْتُمْ؟"؛ ثُمَّ أرْسَلَ إلى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ فَقالَ لَها: "إنْ كانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأقْرِضِينا حَتّى يَأْتِيَنا تَمْرٌ فَنَقْضِيَكِ"؛ فَقالَتْ: نَعَمْ؛ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَأقْرَضَتْهُ؛ فَقَضى الأعْرابِيَّ؛ وأطْعَمَهُ؛ فَقالَ: أوْفَيْتَنا؛ أوْفى اللَّهُ لَكَ؛ فَقالَ: "أُولَئِكَ خِيارُ النّاسِ؛ إنَّها لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ مِنها حَقُّهُ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ"؛» فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ما يَقْضِيهِ؛ ولَمْ يُنْكِرْ عَلى الأعْرابِيِّ مُطالَبَتَهُ؛ واقْتِضاءَهُ بِذَلِكَ؛ بَلْ أنْكَرَ عَلى الصَّحابَةِ انْتِهارَهم إيّاهُ؛ وقالَ: «"هَلّا مَعَ صاحِبِ الحَقِّ كُنْتُمْ؟"؛» وهَذا يُوجِبُ ألّا يَكُونَ مُنْظَرًا بِنَفْسِ الإعْسارِ دُونَ أنْ يُنْظِرَهُ الطّالِبُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ (p-٢٠١)أيْضًا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ العَبّاسِ المُؤَدِّبُ قالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحادَةَ؛ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «"مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ صَدَقَةٌ؛ ومَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: "مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ صَدَقَةٌ"؛ ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: "لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛ قالَ: "مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا قَبْلَ أنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ؛ فَلَهُ صَدَقَةٌ؛ ومَن أنْظَرَهُ إذا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ السَّرّاجِ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الهَرَوِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ حُجْنَةَ الأسَدِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي عُبادَةُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ أنَّهُ سَمِعَ أبا اليُسْرِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا؛ أوْ وضَعَ لَهُ؛ أظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ"؛» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ: «"مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛» يُوجِبُ ألّا يَكُونَ مُنْظَرًا بِنَفْسِ الإعْسارِ دُونَ إنْظارِ الطّالِبِ إيّاهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُنْظَرًا بِغَيْرِ إنْظارِهِ لَما صَحَّ القَوْلُ بِأنَّ «"مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛» إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ إلّا عَلى فِعْلِهِ؛ فَأمّا مَن قَدْ صارَ مُنْظِرًا بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ بِالإنْظارِ؛ وحَدِيثُ أبِي اليُسْرِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما ما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِإنْظارِهِ؛ والثّانِي أنَّهُ جَعَلَ الإنْظارَ بِمَنزِلَةِ الحَطِّ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الحَطَّ لا يَقَعُ إلّا بِفِعْلِهِ؛ فَكَذَلِكَ الإنْظارُ؛ وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ يَنْصَرِفُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ وُقُوعُ الإنْظارِ هو تَخْلِيَتَهُ مِنَ الحَبْسِ؛ وتَرْكَ عُقُوبَتِهِ؛ إذْ كانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لَها؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما جَعَلَ مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمًا؛ فَإذا ثَبَتَ إعْسارُهُ فَهو غَيْرُ ظالِمٍ بِتَرْكِ القَضاءِ؛ فَأمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِإنْظارِهِ مِنَ الحَبْسِ؛ فَلا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ لُزُومِهِ؛ أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّدْبَ؛ والإرْشادَ إلى إنْظارِهِ بِتَرْكِ لُزُومِهِ؛ ومُطالَبَتِهِ؛ فَلا يَكُونُ مُنْظَرًا إلّا بِنَظِرَةِ الطّالِبِ؛ بِدَلالَةِ الأخْبارِ الَّتِي أوْرَدْناها. فَإنْ قالَ قائِلٌ: اَللُّزُومُ بِمَنزِلَةِ الحَبْسِ لا فارِقَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ في الحالَيْنِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللُّزُومَ لا يَمْنَعُهُ التَّصَرُّفَ؛ فَإنَّما مَعْناهُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مِن قِبَلِ الطّالِبِ مَن يُراعِي أمْرَهُ في كَسْبِهِ؛ وما يَسْتَفِيدُهُ؛ فَيَتْرُكَ لَهُ مِقْدارَ القُوتِ؛ ويَأْخُذَ الباقِي قَضاءً مِن دَيْنِهِ؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ إيجابُ حَبْسٍ؛ ولا عُقُوبَةٍ؛ ورَوى مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ؛ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ؛ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِعَبْدٍ (p-٢٠٢)مِن عِبادِهِ: (ما عَمِلْتَ؟)"؛ قالَ: ما عَمِلْتُ لَكَ كَثِيرَ عَمَلٍ أرْجُوكَ بِهِ مِن صَلاةٍ؛ ولا صَوْمٍ؛ غَيْرَ أنَّكَ كُنْتَ أعْطَيْتَنِي فَضْلًا مِن مالٍ فَكُنْتُ أُخالِطُ النّاسَ؛ فَأُيَسِّرُ عَلى المُوسِرِ؛ وأُنْظِرُ المُعْسِرَ؛ فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (نَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِنكَ؛ تَجاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)؛ فَغَفَرَ لَهُ"؛» فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَكَذا سَمِعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وهَذا الحَدِيثُ أيْضًا يَدُلُّ عَلى مِثْلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أنَّ الإنْظارَ لا يَقَعُ بِنَفْسِ الإعْسارِ؛ لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إنْظارِ المُعْسِرِ؛ والتَّيْسِيرِ عَلى المُوسِرِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ؛ غَيْرُ واجِبٍ؛ واحْتَجَّ مَن حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ لُزُومِهِ إذا أعْسَرَ؛ وجَعَلَهُ مُنْظَرًا بِنَفْسِ الإعْسارِ؛ بِما رَواهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ؛ عَنْ بُكَيْرٍ؛ عَنْ عِياضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ «أنَّ رَجُلًا أُصِيبَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ثِمارٍ ابْتاعَها؛ فَكَثُرَ دَيْنُهُ؛ فَقالَ ﷺ: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"؛ فَتَصَدَّقَ النّاسُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وفاءَ دَيْنِهِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُذُوا ما وجَدْتُمْ؛ لَيْسَ لَكم إلّا ذَلِكَ"؛» فاحْتَجَّ القائِلُ بِما وصَفْنا بِقَوْلِهِ ﷺ: «لَيْسَ لَكم إلّا ذَلِكَ»؛ وأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ اللُّزُومِ؛ فَيُقالُ لَهُ: مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ سُقُوطَ دُيُونِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ مَتى وُجِدَ كانَ الغُرَماءُ أحَقَّ بِما فَضُلَ عَنْ قُوتِهِ؛ وإذا لَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ بَقاءَ حُقُوقِهِمْ في ذِمَّتِهِ؛ فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ بَقاءَ لُزُومِهِمْ لَهُ لِيَسْتَوْفُوا دُيُونَهم مِمّا يَكْسِبُهُ فاضِلًا عَنْ قُوتِهِ؛ وهَذا هو مَعْنى اللُّزُومِ؛ لِأنّا لا نَخْتَلِفُ في ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِيما يَكْسِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ فَقَدِ اقْتَضى ذَلِكَ ثُبُوتَ حَقِّ اللُّزُومِ لَهُمْ؛ ولَمْ يَنْتَفِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «"لَيْسَ لَكم إلّا ذَلِكَ"؛» كَما لَمْ يَنْتَفِ بَقاءُ حُقُوقِهِمْ فِيما يَسْتَفِيدُهُ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ مِن إنْظارِ المُعْسِرِ؛ وما ذُكِرَ مِن تَرْغِيبِ الطّالِبِ في إنْظارِهِ؛ يَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّأْجِيلِ في الدُّيُونِ الحالَّةِ الواجِبَةِ عَنِ الغُصُوبِ؛ والبُيُوعِ؛ وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّهُ إذا كانَ حالًّا في الأصْلِ لا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ بِهِ؛ وذَلِكَ خِلافُ الآثارِ الَّتِي قَدَّمْنا؛ لِأنَّها قَدِ اقْتَضَتْ جَوازَ تَأْجِيلِهِ؛ وبَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ فِيمَن أجَّلَ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ أوْ بَعْدَما حَلَّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدُهُ؛ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ سَمْعانَ؛ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "هَهُنا أحَدٌ مِن بَنِي فُلانٍ؟"؛ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ؛ ثُمَّ قالَ: "هَهُنا أحَدٌ مِن بَنِي فُلانٍ؟"؛ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ؛ ثُمَّ قالَ: "هَهُنا أحَدٌ مِن بَنِي فُلانٍ؟"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي في المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؟ إنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكم إلّا خَيْرًا؛ إنَّ صاحِبَكم مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ"؛» فَلَقَدْ رَأيْتُهُ أدّى عَنْهُ حَتّى (p-٢٠٣)ما أحَدٌ يُطالِبُهُ بِشَيْءٍ؛ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المُهْرِيُّ النَّهْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا وهْبٌ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ أنَّهُ سَمِعَ أبا عَبْدِ اللَّهِ القُرَشِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا بُرْدَةَ بْنَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيَّ يَقُولُ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"إنَّ أعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَلْقاهُ عَبْدٌ؛ بَعْدَ الكَبائِرِ الَّتِي نَهاهُ اللَّهُ عَنْها؛ أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ لا يَدَعُ لَهُ قَضاءً"؛» وفي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطالَبَةَ؛ واللُّزُومَ؛ لا يَسْقُطانِ عَنِ المُعْسِرِ؛ كَما لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ المُطالَبَةُ بِالمَوْتِ؛ وإنْ لَمْ يَدَعْ لَهُ وفاءً. فَإنْ قِيلَ: لا يَخْلُوَ هَذا الرَّجُلُ المَدِينُ؛ إذا ماتَ مُفْلِسًا؛ مِن أنْ يَكُونَ مُفَرِّطًا في قَضاءِ دَيْنِهِ؛ أوْ غَيْرَ مُفَرِّطٍ؛ فَإنْ كانَ مُفَرِّطًا فَإنَّما هو مُطالَبٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى) بِتَفْرِيطِهِ؛ كَسائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَمْ يَتُبْ مِنها؛ وإنْ كانَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ فاللَّهُ (تَعالى) لا يُؤاخِذُهُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يُؤاخِذُ أحَدًا إلّا بِذَنْبِهِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما ذَلِكَ فِيمَن فَرَّطَ في قَضاءِ دَيْنِهِ؛ ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِن تَفْرِيطِهِ حَتّى ماتَ مُفْلِسًا؛ فَيَكُونُ مُؤاخَذًا بِهِ؛ وهَذا حُكْمُ المُعْسِرِ بِدَيْنِ الآدَمِيِّ؛ لِأنّا لا نَعْلَمُ تَوْبَتَهُ مِن تَفْرِيطِهِ؛ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ مُطالَبًا بِهِ في الدُّنْيا؛ كَما كانَ مُؤاخَذًا بِهِ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى). فَإنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أنْ تُفَرِّقُوا بَيْنَ المُفَرِّطِ في قَضاءِ دَيْنِهِ؛ المُصِرِّ عَلى تَفْرِيطِهِ؛ وبَيْنَ مَن لَمْ يُفَرِّطْ أصْلًا؛ أوْ فَرَّطَ ثُمَّ تابَ مِن تَفْرِيطِهِ؛ فَتُوجِبُوا لَهُ لُزُومَ مَن فَرَّطَ ولَمْ يَتُبْ؛ ولا تَجْعَلُوا لَهُ ذَلِكَ فِيمَن لَمْ يُفَرِّطْ؛ أوْ فَرَّطَ ثُمَّ تابَ؛ قِيلَ لَهُ: لَوْ وقَفْنا عَلى حَقِيقَةِ تَوْبَتِهِ مِن تَفْرِيطِهِ؛ أوْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا في قَضائِهِ؛ لَخالَفْنا بَيْنَ حُكْمِهِ وحُكْمِ مَن ظَهَرَ تَفْرِيطُهُ في بابِ اللُّزُومِ؛ كَما اخْتَلَفَ حُكْمُهُما عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَكِنّا لا نَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَهُ مالٌ مَخْبُوءٌ؛ وقَدْ أظْهَرَ الإعْسارَ؛ وكَذَلِكَ المُظْهِرُ لِتَوْبَتِهِ مِن تَفْرِيطِهِ؛ مَعَ ظُهُورِ عُسْرَتِهِ؛ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِأداءِ دَيْنِهِ؛ ولا تَكُونُ لِما أظْهَرُهُ حَقِيقَةٌ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحُكْمُ اللُّزُومِ والمُطالَبَةِ قائِمٌ عَلَيْهِ؛ كَما تَثْبُتُ عَلَيْهِ المُطالَبَةُ لِلَّهِ (تَعالى) بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وحَدِيثُ أبِي قَتادَةَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّلِ العَسْقَلانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُصَلِّي عَلى رَجُلٍ ماتَ وعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقالَ: "أعَلَيْهِ دَيْنٌ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ دِينارانِ؛ فَقالَ: "صَلُّوا عَلى صاحِبِكُمْ"؛ فَقالَ أبُو قَتادَةَ الأنْصارِيُّ: هُما عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "أنا أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ؛ فَمَن تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضاؤُهُ؛ ومَن تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ"؛» فَلَوْ لَمْ تَكُنِ (p-٢٠٤)المُطالَبَةُ قائِمَةً عَلَيْهِ إذا ماتَ مُفْلِسًا؛ كانَ لا يَتْرُكُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ إذا ماتَ مُفْلِسًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ مَن لا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإعْسارَ لا يُسْقِطُ عَنْهُ اللُّزُومَ؛ والمُطالَبَةَ؛ وقَدْ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ المُهاجِرِ؛ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إذا أتاهُ رَجُلٌ بِغَرِيمِهِ قالَ: هاتِ بَيِّنَةً عَلى مالٍ أحْبِسْهُ؛ فَإنْ قالَ: فَإنِّي إذًا ألْزَمُهُ؛ قالَ: وما مَنَعَكَ مِن لُزُومِهِ؟ وأمّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ في إجازَتِهِما الحَدَّ واسْتِيفاءَ الدَّيْنِ مِن أُجْرَتِهِ؛ فَخِلافُ الآيَةِ؛ والآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ ولَمْ يَقُلْ: "فَلْيُؤاجَرْ بِما عَلَيْهِ"؛ وسائِرُ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها إجارَتُهُ؛ وإنَّما فِيها لُزُومُهُ أوْ تَرْكُهُ؛ وحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "لَيْسَ لَكم إلّا ذَلِكَ"؛ حِينَ لَمْ يَجِدُوا لَهُ غَيْرَ ما أخَذُوا.

البقرة 2:280

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ التَّصَدُّقَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلى المُعْسِرِ خَيْرٌ مِن إنْظارِهِ بِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ أفْضَلُ مِنَ القَرْضِ؛ لِأنَّ القَرْضَ إنَّما هو دَفْعُ المالِ؛ وتَأْخِيرُ اسْتِرْجاعِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"قَرْضٌ مَرَّتَيْنِ كَصَدَقَةٍ مَرَّةً"؛» ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"اَلسَّلَفُ يُجْرى مُجْرى شَطْرِ الصَّدَقَةِ"؛» ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَوْلِهِ"؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُهُ؛ وعَنْ إبْراهِيمَ؛ وقَتادَةَ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ - قالا: "بِرَأْسِ المالِ"؛ ولَمّا سَمّى اللَّهُ (تَعالى) الإبْراءَ مِنَ الدَّيْنِ صَدَقَةً؛ اقْتَضى ظاهِرُهُ جَوازَهُ عَنِ الزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ سَمّى الزَّكاةَ صَدَقَةً؛ وهي عَلى ذِي عُسْرَةٍ؛ فَلَوْ خَلَّيْنا والظّاهِرَ؛ كانَ واجِبًا جَوازُهُ عَنْ سائِرِ أمْوالِهِ الَّتِي فِيها الزَّكاةُ؛ مِن عَيْنٍ؛ ودَيْنٍ؛ وغَيْرِهِما؛ إلّا أنَّ أصْحابَنا قالُوا: إنَّما أسْقَطَ زَكاةَ المُبَرَّأ مِنهُ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الدَّيْنَ إنَّما هو حَقٌّ؛ لَيْسَ بِعَيْنٍ؛ والحُقُوقُ لا تُجْرى مُجْرى الزَّكاةِ؛ مِثْلَ سُكْنى الدّارِ؛ وخِدْمَةِ العَبْدِ؛ ونَحْوِهِما؛ وتَسْمِيَتُهُ إيّاهُ بِالصَّدَقَةِ لا تُوجِبُ جَوازَهُ عَنِ الزَّكاةِ في سائِرِ الأحْوالِ؛ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ سَمّى البَراءَةَ مِنَ القِصاصِ صَدَقَةً؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ؟ والمُرادُ بِهِ العَفْوُ عَنِ القِصاصِ؛ ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ العَفْوَ عَنِ القِصاصِ غَيْرُ مُجْزِئٍ في الكَفّارَةِ؛ وقالَ (تَعالى) حاكِيًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٨٨]؛ وهم لَمْ يَسْألُوهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِمالِهِ؛ وإنَّما سَألُوهُ أنْ يَبِيعَهُمْ؛ ولا يَمْنَعَهُمُ الكَيْلَ؛ لِأنَّهم كانُوا مُنِعُوا بَدِيًّا؛ ألا تَرى أنَّهم (p-٢٠٥)قالُوا: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨]؛ وهو ما اشْتَرَوْهُ بِبِضاعَتِهِمْ؟ فَإذا كانَ وُقُوعُ اسْمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُوجِبْ جَوازَهُ عَنِ الزَّكاةِ؛ لَمْ يَكُنْ إطْلاقُ اسْمِ الصَّدَقَةِ عَلى الدَّيْنِ عِلَّةً لِجَوازِهِ عَنِ الزَّكاةِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ.

البقرة 2:282

بابُ عُقُودِ المُدايَناتِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكِتابَ؛ والإشْهادَ عَلى الدُّيُونِ الآجِلَةِ؛ قَدْ كانا واجِبَيْنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ والشَّعْبِيِّ؛ والحَسَنِ؛ وقالَ آخَرُونَ: هي مُحْكَمَةٌ؛ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ؛ ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ؛ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "لا واللَّهِ؛ إنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ؛ وما فِيها نَسْخٌ"؛ وقَدْ رَوى شُعْبَةُ عَنْ فِراسٍ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ أبِي بُرْدَةَ؛ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «ثَلاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ؛ رَجُلٌ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها؛ ورَجُلٌ أعْطى مالَهُ سَفِيهًا؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]؛ ورَجُلٌ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ ولَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِهِ»؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ ورَوى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ: "إنْ ذَهَبَ حَقُّهُ لَمْ يُؤْجَرْ؛ وإنْ دَعا عَلَيْهِ لَمْ يُجَبْ؛ لِأنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللَّهِ؛ وأمْرَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾؛ يَعْنِي وأشْهِدُوا عَلى حُقُوقِكُمْ؛ إذا كانَ فِيها أجَلٌ؛ أوْ لَمْ يَكُنْ فِيها أجَلٌ؛ فَأشْهِدْ عَلى حَقِّكَ عَلى كُلِّ حالٍ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سُئِلَ عَطاءٌ: أيُشْهِدُ الرَّجُلُ عَلى أنْ بايَعَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ؟ قالَ: نَعَمْ؛ هو تَأْوِيلُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾؛ ورَوى مُغِيرَةُ؛ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: "يُشْهِدُ ولَوْ عَلى دَسْتَجَةِ بَقْلٍ"؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ والشَّعْبِيِّ: "إنْ شاءَ أشْهَدَ؛ وإنْ شاءَ لَمْ يُشْهِدْ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] "؛ ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ إذا باعَ أشْهَدَ؛ ولَمْ يَكْتُبْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَآهُ نَدْبًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لَكانَتِ الكِتابَةُ مَعَ الإشْهادِ؛ لِأنَّهُما مَأْمُورٌ بِهِما في الآيَةِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَخْلُو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاكْتُبُوهُ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾؛ مِن أنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْكِتابَةِ؛ والإشْهادِ عَلى الدُّيُونِ الآجِلَةِ في حالِ نُزُولِها؛ وكانَ هَذا حُكْمًا مُسْتَقِرًّا ثابِتًا؛ إلى أنْ ورَدَ نَسْخُ إيجابِهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ (p-٢٠٦)أوْ أنْ يَكُونَ نُزُولُ الجَمِيعِ مَعًا؛ فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ الإيجابَ؛ لِامْتِناعِ وُرُودِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ مَعًا في شَيْءٍ واحِدٍ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ اسْتِقْرارِهِ؛ ولَمّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا تارِيخُ نُزُولِ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وجَبَ الحُكْمُ بِوُرُودِهِما مَعًا؛ فَلَمْ يَرِدِ الأمْرُ بِالكِتابَةِ؛ والإشْهادِ إلّا مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ نَدْبٌ؛ غَيْرُ واجِبٍ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ؛ لَمْ يُنْسَخْ مِنها شَيْءٌ؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ رَأى الإشْهادَ واجِبًا؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ أنَّ الجَمِيعَ ورَدَ مَعًا؛ فَكانَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ما أوْجَبَ أنْ يَكُونَ الإشْهادُ نَدْبًا؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُشْهِدُ؛ وعَنْ إبْراهِيمَ؛ وعَطاءٍ؛ أنَّهُ يُشْهِدُ عَلى القَلِيلِ؛ كُلُّهُ عِنْدَنا أنَّهم رَأوْهُ نَدْبًا؛ لا إيجابًا. وما رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى: "ثَلاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ"؛ أحَدُهم مَن لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ؛ ولَمْ يُشْهِدْ؛ فَلا دَلالَةَ عَلى أنَّهُ رَآهُ واجِبًا؛ ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُ مَن لَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها؟ ولا خِلافَ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلى مَن لَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ أنْ يُطَلِّقَها؛ وإنَّما هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ تارِكٌ لِلِاحْتِياطِ؛ والتَّوَصُّلِ إلى ما جَعَلَ اللَّهُ (تَعالى) لَهُ فِيهِ المَخْرَجَ والخَلاصَ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ أنَّ الأمْرَ بِالكِتابَةِ؛ والإشْهادِ؛ والرَّهْنِ؛ المَذْكُورَ جَمِيعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ نَدْبٌ؛ وإرْشادٌ إلى ما لَنا فِيهِ الحَظُّ والصَّلاحُ والِاحْتِياطُ لِلدِّينِ والدُّنْيا؛ وأنَّ شَيْئًا مِنهُ غَيْرُ واجِبٍ. وقَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفِ؛ عُقُودَ المُدايَناتِ؛ والأشْرِيَةِ؛ والبِياعاتِ؛ في أمْصارِهِمْ مِن غَيْرِ إشْهادٍ؛ مَعَ عِلْمِ فُقَهائِهِمْ بِذَلِكَ؛ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ مِنهم عَلَيْهِمْ؛ ولَوْ كانَ الإشْهادُ واجِبًا لَما تَرَكُوا النَّكِيرَ عَلى تارِكِهِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم رَأوْهُ نَدْبًا؛ وذَلِكَ مَنقُولٌ مِن عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِنا هَذا؛ ولَوْ كانَتِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ تُشْهِدُ عَلى بِياعاتِها؛ وأشْرِيَتِها؛ لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا مُسْتَفِيضًا؛ ولَأنْكَرَتْ عَلى فاعِلِهِ تَرْكَ الإشْهادِ؛ فَلَمّا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ الإشْهادُ بِالنَّقْلِ المُسْتَفِيضِ؛ ولا إظْهارُ النَّكِيرِ عَلى تارِكِهِ مِنَ العامَّةِ؛ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الكِتابَ؛ والإشْهادَ في الدُّيُونِ؛ والبِياعاتِ؛ غَيْرُ واجِبَيْنِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاكْتُبُوهُ﴾؛ مُخاطَبَةٌ لِمَن جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ الآيَةِ؛ وهو ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ فَإنَّما أمَرَ بِذَلِكَ المُتَدايِنَيْنِ؛ فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِدَيْنٍ﴾؛ والتَّدايُنُ لا يَكُونُ إلّا بِدَيْنٍ؟ قِيلَ لَهُ: (p-٢٠٧)لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿تَدايَنْتُمْ﴾؛ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ؛ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الدِّينِ؛ الَّذِي هو الجَزاءُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]؛ يَعْنِي يَوْمَ الجَزاءِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى تَجازَيْتُمْ؛ فَأزالَ الِاشْتِراكَ عَنِ اللَّفْظِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِدَيْنٍ﴾؛ وقَصَرَهُ عَلى المُعامَلَةِ بِالدَّيْنِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ التَّأْكِيدِ؛ وتَمْكِينِ المَعْنى في النَّفْسِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ يَنْتَظِمُ سائِرَ عُقُودِ المُدايَناتِ الَّتِي يَصِحُّ فِيها الآجالُ؛ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ التَّأْجِيلِ في سائِرِ الدُّيُونِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها بَيانُ جَوازِ التَّأْجِيلِ في سائِرِ الدُّيُونِ؛ وإنَّما فِيها الأمْرُ بِالإشْهادِ إذا كانَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا؛ ثُمَّ يُحْتاجُ أنْ يُعْلَمَ بِدَلالَةٍ أُخْرى جَوازُ التَّأْجِيلِ في الدَّيْنِ؛ وامْتِناعِهِ؛ ألا تَرى أنَّها لَمْ تَقْتَضِ جَوازَ دُخُولِ الأجَلِ عَلى الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ حَتّى يَكُونا جَمِيعًا مُؤَجَّلَيْنِ؟ وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: «"مَن أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ؛ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ؛ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ"؛» لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ السَّلَمِ في سائِرِ المَكِيلاتِ؛ والمَوْزُوناتِ بِالآجالِ المَعْلُومَةِ؛ وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُثْبِتَ جَوازَهُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ المَعْلُومِ الجِنْسِ؛ والنَّوْعِ؛ والصِّفَةِ؛ بِدَلالَةٍ أُخْرى؛ وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ احْتَجْنا بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ نُسْلِمَ فِيهِ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ؛ وكَما تَدُلُّ الآيَةُ عَلى جَوازِ عُقُودِ المُدايَناتِ؛ ولَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِعُمُومِها في إجازَةِ سائِرِ عُقُودِ المُدايَناتِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما فِيها الأمْرُ بِالإشْهادِ إذا صَحَّتِ المُدايَنَةُ؛ كَذَلِكَ لا تَدُلُّ عَلى جَوازِ شَرْطِ الأجَلِ في سائِرِ الدُّيُونِ؛ وإنَّما فِيها الأمْرُ بِالإشْهادِ إذا صَحَّ الدَّيْنُ والتَّأْجِيلُ فِيهِ. وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهم في جَوازِ التَّأْجِيلِ في القَرْضِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ القَرْضِ؛ وسائِرِ عُقُودِ المُدايَناتِ؛ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ القَرْضَ مِمّا شَمِلَهُ الِاسْمُ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنا كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى جَوازِ كُلِّ دَيْنٍ؛ ولا عَلى جَوازِ التَّأْجِيلِ في جَمِيعِها؛ وإنَّما فِيها الأمْرُ بِالإشْهادِ عَلى دَيْنٍ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ التَّأْجِيلُ؛ لِاسْتِحالَةٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإشْهادَ عَلى ما لَمْ يَثْبُتْ مِنَ الدُّيُونِ؛ ولا مِنَ الآجالِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ التَّأْجِيلُ؛ فاكْتُبُوهُ؛ فالمُسْتَدِلُّ بِهِ عَلى جَوازِ تَأْجِيلِ القَرْضِ مُغَفَّلٌ في اسْتِدْلالِهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَرْضَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ؛ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ قَدِ اقْتَضى عَقْدَ المُدايَنَةِ؛ ولَيْسَ القَرْضُ بِعَقْدِ مُدايَنَةٍ؛ إذْ لا يَصِيرُ دَيْنًا بِالعَقْدِ دُونَ القَبْضِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَرْضُ خارِجًا مِنهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى كُلِّ دَيْنٍ ثابِتٍ؛ مُؤَجَّلٍ؛ سَواءٌ كانَ بَدَلُهُ عَيْنًا؛ أوْ دَيْنًا؛ فَمَنِ اشْتَرى دارًا؛ أوْ عَبْدًا بِألْفِ دِرْهَمٍ؛ إلى أجَلٍ كانَ (p-٢٠٨)مَأْمُورًا بِالكِتابِ؛ والإشْهادِ؛ بِمُقْتَضى الآيَةِ؛ وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّها مَقْصُورَةٌ في دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ في أحَدِ البَدَلَيْنِ؛ لا فِيهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ (تَعالى) قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ ولَمْ يَقُلْ: بِدَيْنَيْنِ؛ فَإنَّما أثْبَتَ الأجَلَ في أحَدِ البَدَلَيْنِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ الأجَلِ في البَدَلَيْنِ جَمِيعًا. وقَدْ «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ»؛ وأمّا إذا كانا دَيْنَيْنِ بِالعَقْدِ فَهَذا جائِزٌ في السَّلَمِ؛ وفي الصَّرْفِ؛ إلّا أنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلى المَجْلِسِ؛ ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ السَّلَمُ مُرادًا بِالآيَةِ؛ لِأنَّ التَّأْجِيلَ في أحَدِ البَدَلَيْنِ؛ وهو السَّلَمُ. وقَدْ أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِالإشْهادِ عَلى عَقْدِ مُدايَنَةٍ مُوجِبٍ لِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ؛ وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي حَسّانَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "أشْهَدُ أنَّ السَّلَمَ المُؤَجَّلَ في كِتابِ اللَّهِ؛ وأنْزَلَ فِيهِ أطْوَلَ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ "؛ فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ السَّلَمَ المُؤَجَّلَ مِمّا انْطَوى تَحْتَ عُمُومِ الآيَةِ؛ وعَلى هَذا كُلُّ دَيْنٍ ثابِتٍ مُؤَجَّلٍ؛ فَهو مُرادٌ بِالآيَةِ؛ سَواءٌ كانَ مِن أبْدالِ المَنافِعِ؛ أوِ الأعْيانِ؛ نَحْوَ الأُجْرَةِ المُؤَجَّلَةِ في عُقُودِ الإجاراتِ؛ والمَهْرِ؛ إذا كانَ مُؤَجَّلًا؛ وكَذَلِكَ الخُلْعُ؛ والصُّلْحُ مِن دَمِ العَمْدِ؛ والكِتابَةُ المُؤَجَّلَةُ؛ لِأنَّ هَذِهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ ثابِتَةٌ بِعَقْدِ مُدايَنَةٍ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ إنَّما اقْتَضَتْ هَذا الحُكْمَ في أحَدِ البَدَلَيْنِ إذا كانَ مُؤَجَّلًا؛ لا فِيهِما؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ﴾؛ فَكُلُّ عَقْدٍ انْتَظَمَتْهُ الآيَةُ فَهو العَقْدُ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ؛ ولَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ بَدَلًا مِن مَنافِعَ؛ أوْ أعْيانٍ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المَندُوبِ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ؛ والإشْهادِ مُرادًا بِها هَذِهِ العُقُودُ كُلُّها؛ وأنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِن عَدَدِ الشُّهُودِ؛ وأوْصافِ الشَّهادَةِ؛ مُعْتَبَرًا في سائِرِها؛ إذْ لَيْسَ في اللَّفْظِ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَيُوجِبُ ذَلِكَ جَوازَ شَهادَةِ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ في النِّكاحِ؛ إذا كانَ المَهْرُ دَيْنًا مُؤَجَّلًا؛ وفي الخُلْعِ؛ والإجارَةِ؛ والصُّلْحِ مِن دَمِ العَمْدِ؛ وسائِرِ ما كانَ هَذا وصْفُهُ؛ وغَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ بِهَذِهِ الأحْكامِ عَلى بَعْضِ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ دُونَ بَعْضٍ؛ مَعَ شُمُولِ الآيَةِ لِجَمِيعِها. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ يَعْنِي مَعْلُومًا؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَن أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ؛ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ؛ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ"». وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾؛ فِيهِ أمْرٌ لِمَن تَوَلّى كِتابَةَ الوَثائِقِ بَيْنَ النّاسِ أنْ يَكْتُبَها بِالعَدْلِ بَيْنَهُمْ؛ والكِتابُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ حَتْمًا - فَإنَّ سَبِيلَهُ إذا كُتِبَ أنْ يُكْتَبَ عَلى حَدِّ العَدْلِ؛ والِاحْتِياطِ؛ والتَّوَثُّقِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن أجْلِها يُكْتَبُ الكِتابُ؛ بِأنْ يَكُونَ شَرْطًا صَحِيحًا جائِزًا؛ عَلى ما تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ (p-٢٠٩)وتَقْتَضِيهِ؛ وعَلَيْهِ التَّحَرُّزُ مِنَ العِباراتِ المُحْتَمِلَةِ لِلْمَعانِي؛ وتَجَنُّبُ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ؛ وتَحَرِّي تَحْقِيقِ المَعانِي بِألْفاظٍ مُبَيِّنَةٍ؛ خارِجَةٍ عَنْ حَدِّ الشَّرِكَةِ؛ والِاحْتِمالِ؛ والتَّحَرُّزِ مِن خِلافِ الفُقَهاءِ؛ ما أمْكَنَ؛ حَتّى يَحْصُلَ لِلْمُتَدايِنَيْنِ مَعْنى الوَثِيقَةِ؛ والِاحْتِياطُ؛ المَأْمُورُ بِهِما في الآيَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ (تَعالى) - عُقَيْبَ الأمْرِ بِالكِتابِ -: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - ما بَيَّنَهُ مِن أحْكامِ العُقُودِ الصَّحِيحَةِ؛ والمُدايَناتِ الثّابِتَةِ الجائِزَةِ؛ لِكَيْ يَحْصُلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَدايِنَيْنِ ما قَصَدَ مِن تَصْحِيحِ عَقْدِ المُدايَنَةِ؛ ولِأنَّ الكاتِبَ بِذَلِكَ إذا كانَ جاهِلًا بِالحُكْمِ لا يَأْمَنُ أنْ يَكْتُبَ ما يُفْسِدَ عَلَيْهِما ما قَصَداهُ؛ ويُبْطِلَ ما تَعاقَداهُ؛ والكِتابُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ حَتْمًا؛ وكانَ نَدْبًا وإرْشادًا إلى الأحْوَطِ - فَإنَّهُ مَتى كُتِبَ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ عَلى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ فانْتَظَمَ ذَلِكَ صَلاةَ الفَرْضِ؛ والنَّفْلِ جَمِيعًا؛ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّفْلَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ؛ ولَكِنَّهُ مَتى قَصَدَ فِعْلَها وهو مُحْدِثٌ فَعَلَيْهِ ألّا يَفْعَلَها إلّا بِشَرائِطِها؛ مِنَ الطَّهارَةِ؛ وسائِرِ أرْكانِها؛ وكَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَن أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ؛ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ؛ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ"؛» والسَّلَمُ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ ولَكِنَّهُ مَتى أرادَ أنْ يُسْلِمَ فَعَلَيْهِ اسْتِيفاءُ الشَّرائِطِ؛ فَكَذَلِكَ كِتابُ الدَّيْنِ؛ والإشْهادُ؛ لَيْسا بِواجِبَيْنِ؛ ولَكِنَّهُ مَتى كُتِبَ فَعَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ؛ وأنْ يَسْتَوْفِيَ فِيهِ شُرُوطَ صِحَّتِهِ؛ لِيَحْصُلَ المَعْنى المَقْصُودُ بِكِتابَتِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في لُزُومِ الكاتِبِ الكِتابَةَ؛ فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: هو واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ؛ كالجِهادِ؛ ونَحْوِهِ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: واجِبٌ عَلى الكاتِبِ في حالِ فَراغِهِ؛ وقالَ عَطاءٌ؛ ومُجاهِدٌ: هو واجِبٌ؛ وقالَ الضَّحّاكُ: نَسَخَتْها ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الكِتابَ غَيْرُ واجِبٍ في الأصْلِ عَلى المُتَدايِنَيْنِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ واجِبًا عَلى الأجْنَبِيِّ الَّذِي لا حُكْمَ لَهُ في هَذا العَقْدِ؛ ولا سَبَبَ لَهُ فِيهِ؟ وعَسى أنْ يَكُونَ مَن رَآهُ واجِبًا ذَهَبَ إلى أنَّ الأصْلَ واجِبٌ؛ فَكَذَلِكَ عَلى مَن يُحْسِنُ الكِتابَةَ أنْ يَقُومَ بِها لِمَن يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ والأصْلُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عِنْدَنا - فَإنَّ المُتَدايِنَيْنِ مَتى قَصَدا إلى ما نَدَبَهُما إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِيثاقِ بِالكِتابِ؛ ولَمْ يَكُونا عالِمَيْنِ بِذَلِكَ؛ فَإنَّهُ فَرْضٌ عَلى مَن عَلِمَ ذَلِكَ أنْ يُبَيِّنَهُ لَهُما؛ ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَهُ ولَكِنْ يُبَيِّنُهُ حَتّى يَكْتُباهُ؛ أوْ يَكْتُبُهُ لَهُما أجِيرٌ؛ أوْ مُتَبَرِّعٌ؛ بِإمْلاءِ مَن يَعْلَمُهُ؛ كَما لَوْ أرادَ إنْسانٌ أنْ يَصُومَ صَوْمًا تَطَوُّعًا؛ أوْ يُصَلِّيَ صَلاةَ تَطَوُّعٍ؛ ولَمْ يَعْرِفْ أحْكامَهُما؛ كانَ عَلى العالِمِ بِذَلِكَ إذا سُئِلَ أنْ يُبَيِّنَهُ لِسائِلِهِ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصَّلاةُ؛ والصَّوْمُ فَرْضًا؛ لِأنَّ عَلى العُلَماءِ بَيانَ النَّوافِلِ (p-٢١٠)والمَندُوبِ إلَيْهِ إذا سُئِلُوا عَنْها؛ كَما أنَّ عَلَيْهِمْ بَيانَ الفُرُوضِ؛ وقَدْ كانَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بَيانُ النَّوافِلِ والمَندُوبِ إلَيْهِ؛ كَما أنَّ عَلَيْهِ بَيانَ الفُرُوضِ. قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؛ وفِيما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى نَبِيِّهِ أحْكامُ النَّوافِلِ؛ فَكانَ عَلَيْهِ بَيانُها لِأُمَّتِهِ؛ كَبَيانِ الفُرُوضِ؛ وقَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّها ﷺ بَيانَ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ كَما نَقَلَتْ عَنْهُ بَيانَ الفُرُوضِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَعَلى مَن عَلِمَ عِلْمًا مِن فَرْضٍ؛ أوْ نَفْلٍ؛ ثُمَّ سُئِلَ عَنْهُ؛ أنْ يُبَيِّنَهُ لِسائِلِهِ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ"؛» فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَلْزَمُ مَن عَرَفَ الوَثائِقَ والشُّرُوطَ بَيانُها لِسائِلِها؛ عَلى حَسَبِ ما يَلْزَمُهُ بَيانُ سائِرِ عُلُومِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ؛ وهَذا فَرْضٌ لازِمٌ لِلنّاسِ عَلى الكِفايَةِ؛ إذا قامَ بِهِ بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ؛ فَأمّا أنْ يُلْزِمَهُ أنْ يَتَوَلّى الكِتابَةَ بِيَدِهِ فَهَذا ما لا أعْلَمُ أحَدًا يَقُولُهُ؛ اللَّهُمَّ إلّا ألّا يُوجَدَ مَن يَكْتُبُهُ؛ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: عَلَيْهِ كَتْبُهُ؛ ولَوْ كانَ كَتْبُ الكِتابِ فَرْضًا عَلى الكاتِبِ لَما كانَ الِاسْتِئْجارُ يَجُوزُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْجارَ عَلى فِعْلِ الفُرُوضِ باطِلٌ؛ لا يَصِحُّ؛ فَلَمّا لَمْ يَخْتَلِفِ الفُقَهاءُ في جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى كَتْبِ كِتابِ الوَثِيقَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَتْبَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لا عَلى الكِفايَةِ؛ ولا عَلى التَّعْيِينِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾؛ نَهْيٌ لِلْكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ عَلى خِلافِ العَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ؛ وهَذا النَّهْيُ عَلى الوُجُوبِ؛ إذا كانَ المُرادُ بِهِ كَتْبَهُ عَلى خِلافِ ما تُوجِبُهُ أحْكامُ الشَّرْعِ؛ كَما تَقُولُ: لا تُصَلِّ النَّفْلَ عَلى غَيْرِ طَهارَةٍ؛ ولا غَيْرَ مَسْتُورِ العَوْرَةِ؛ لَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا بِالصَّلاةِ النّافِلَةِ؛ ولا نَهْيًا عَنْ فِعْلِها مُطْلَقًا؛ وإنَّما هو نَهْيٌ عَنْ فِعْلِها عَلى غَيْرِ شَرائِطِها المَشْرُوطَةِ لَها؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾؛ هو نَهْيٌ عَنْ كَتْبِهِ عَلى خِلافِ الجائِزِ مِنهُ؛ إذْ لَيْسَتِ الكِتابَةُ في الأصْلِ واجِبَةً عَلَيْهِ؛ ألا تَرى أنَّ قَوْلَ القائِلِ: "لا تَأْبَ أنْ تُصَلِّيَ النّافِلَةَ بِطَهارَةٍ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ"؛ لَيْسَ فِيهِ إيجابٌ مِنهُ لِلنّافِلَةِ؟ فَكَذَلِكَ ما وصَفْنا. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ فِيهِ إثْباتُ إقْرارِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ وإجازَةُ ما أقَرَّ بِهِ؛ وإلْزامُهُ إيّاهُ؛ لِأنَّهُ لَوْلا جَوازُ إقْرارِهِ إذا أقَرَّ؛ لَمْ يَكُنْ إمْلاءُ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ بِأوْلى مِن إمْلاءِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ؛ فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ جَوازَ إقْرارِ كُلِّ مُقِرٍّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ (p-٢١١)رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أقَرَّ بِشَيْءٍ لِغَيْرِهِ فالقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ؛ لِأنَّ البَخْسَ هو النَّقْصُ؛ فَلَمّا وعَظَهُ اللَّهُ (تَعالى) في تَرْكِ البَخْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إذا بَخَسَ كانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ لَمّا وعَظَهُنَّ في الكِتْمانِ دَلَّ عَلى أنَّ المَرْجِعَ فِيهِ إلى قَوْلِهِنَّ؛ وكَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ قَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم مَتى كَتَمُوها كانَ القَوْلُ قَوْلَهم فِيها؛ وكَذَلِكَ وعْظُهُ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ في تَرْكِ البَخْسِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَرْجِعَ إلى قَوْلِهِ فِيما عَلَيْهِ؛ وقَدْ ورَدَ الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ؛ وهو قَوْلُهُ: «"اَلْبَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي؛ واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ"؛» فَجَعَلَ القَوْلَ قَوْلَ مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ؛ دُونَ المُدَّعِي؛ وأوْجَبَ عَلَيْهِ اليَمِينَ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ في إيجابِ الرُّجُوعِ إلى قَوْلِهِ. واحْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المَطْلُوبِ في الأجَلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) رَدَّ الإمْلاءَ إلَيْهِ؛ ووَعَظَهُ في البَخْسِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ في صِدْقِهِ في مَبْلَغِ المالِ؛ فَيُقالُ: إنَّما وعَظَهُ في البَخْسِ؛ وهو النُّقْصانُ؛ ويَسْتَحِيلُ وعْظُ المَطْلُوبِ في بَخْسِ الأجَلِ ونُقْصانِهِ؛ وهو لَوْ أسْقَطَ الأجَلَ كُلَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَبَطَلَ؛ كَما لا يُوعَظُ الطّالِبُ في نُقْصانِ مالِهِ؛ إذْ لَوْ أبْرَأهُ مِن جَمِيعِهِ لَصَحَّتْ بَراءَتُهُ؛ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ البَخْسُ في مِقْدارِ الدُّيُونِ؛ لا في الأجَلِ؛ فَلَيْسَ إذًا في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المَطْلُوبِ في الأجَلِ؛ فَإنْ قِيلَ: إثْباتُ الأجَلِ في المالِ يُوجِبُ نُقْصانَهُ؛ فَلَمّا كانَ القَوْلُ قَوْلَ المَطْلُوبِ في نُقْصانِ المالِ ومِقْدارِهِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَهُ في الأجَلِ؛ لِما فِيهِ مِن بَخْسِ المالِ ونُقْصانِهِ؛ إذْ قَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَصْدِيقَهُ في بَخْسِهِ؛ والبَخْسُ تارَةً يَكُونُ بِنُقْصانِ المِقْدارِ؛ وتارَةً بِنُقْصانِ الصِّفَةِ مِن أجْلِ رَداءَةٍ في المُقَرِّ بِهِ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا قالَ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ اِقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ بَخْسِ الحَقِّ نَفْسِهِ؛ فَكانَ تَقْدِيرُهُ: "ولا يَبْخَسْ مِنَ الدَّيْنِ شَيْئًا"؛ ومُدَّعِي الأجَلِ غَيْرُ باخِسٍ مِنَ الدَّيْنِ؛ ولا ناقِصٍ لَهُ؛ إذْ كانَ بَخْسُ الدَّيْنِ هو نُقْصانَ مِقْدارِهِ؛ ولَيْسَ الأجَلُ هو الدَّيْنَ؛ ولا بَعْضَهُ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى تَصْدِيقِهِ عَلى دَعْوى الأجَلِ؛ ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الأجَلَ لَيْسَ مِنَ الدَّيْنِ أنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَحِلُّ ويَبْطُلُ الأجَلُ؛ ويَكُونُ هو ذَلِكَ الدَّيْنَ؛ وقَدْ يَسْقُطُ الأجَلُ ويُعَجَّلُ الدَّيْنُ؛ فَيَكُونُ الَّذِي عُجِّلَ هو الدَّيْنُ الَّذِي كانَ مُؤَجَّلًا؛ وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى): ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ يَعْنِي مِنَ الدَّيْنِ شَيْئًا؛ لَمْ يَتَناوَلْ ذَلِكَ (p-٢١٢)الأجَلَ؛ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الأجَلَ إنَّما يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ؛ لِأنَّ المَقْبُوضَ بَعْدَ الأجَلِ؛ وقَبْلَهُ؛ إذا كانَ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ في نُقْصانِ المَقْبُوضِ؛ وإنَّما يُقالُ: إنَّهُ نَقْصٌ فِيهِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ؛ عَلى المَجازِ؛ لا عَلى الحَقِيقَةِ؛ وقَدْ تَناوَلَتِ الآيَةُ البَخْسَ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ؛ وهو نُقْصانُ المِقْدارِ؛ ونُقْصانُهُ في نَفْسِهِ مِن رَداءَةٍ؛ أوْ غَبْنٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ نَحْوَ إقْرارِهِ بِالدَّراهِمِ السُّودِ؛ والحِنْطَةِ الرَّدِيئَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَخْسٌ مِن جِهَةِ الحَقِيقَةِ؛ لِاخْتِلافِ صِفاتِ المَقْبُوضِ عَنْهُ؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَتَناوَلَ بَعْضَ الأجَلِ الَّذِي لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ فِيهِ؛ بَلْ هو مَجازٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مَتى أُرِيدَ بِهِ الحَقِيقَةُ انْتَفى دُخُولُ المَجازِ فِيهِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الطّالِبِ في الأجَلِ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ اِقْتَضى ذَلِكَ الإشْهادَ عَلى المُتَدايِنَيْنِ جَمِيعًا؛ إذا كانَ المالُ مُؤَجَّلًا؛ فَلَوْ كانَ القَوْلُ قَوْلَ المَطْلُوبِ في الأجَلِ لَما احْتِيجَ إلى الإشْهادِ بِهِ عَلى الطّالِبِ؛ وفي وُجُوبِ الإشْهادِ عَلى الطّالِبِ بِالتَّأْجِيلِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ؛ وأنَّ المَطْلُوبَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُصَدَّقًا فِيهِ لَما بَقِيَ لِلْإشْهادِ عَلى الطّالِبِ مَوْضِعٌ؛ ولا مَعْنًى؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما حُكْمُ الإشْهادِ مَقْصُورٌ عَلى المَطْلُوبِ دُونَ الطّالِبِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ فَخاطَبَ المُتَدايِنَيْنِ جَمِيعًا؛ وأمَرَهُما بِالِاسْتِشْهادِ؛ فَلَوْ جازَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ المَطْلُوبَ مَخْصُوصٌ بِهِ؛ لَجازَ لِآخَرَ أنْ يَقُولَ: هو مَقْصُورٌ عَلى الطّالِبِ؛ دُونَ المَطْلُوبِ؛ فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وجَبَ بِظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ الإشْهادُ عَلَيْهِما جَمِيعًا؛ وأنْ يَكُونا مَندُوبَيْنِ إلَيْهِ؛ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْإشْهادِ عَلى الطّالِبِ بِالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ حُكْمٌ؛ لِأنَّهُ مَقْبُولُ القَوْلِ في نَفْيِهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَرْجِعَ إلى قَوْلِهِ في الأجَلِ؛ وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ (تَعالى) الإمْلاءَ إلى المَطْلُوبِ إذا أحْسَنَ ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ لَوْ أمْلى غَيْرَهُ؛ وأقَرَّ المَطْلُوبُ بِهِ جازَ؛ لِأنَّهُ أثْبَتُ في الإقْرارِ؛ وأذْكَرُ لِلشُّهُودِ؛ مَتى أرادُوا أنْ يَتَذَكَّرُوا الشَّهادَةَ؛ وكانَ الإمْلاءُ سَبَبًا لِلِاسْتِذْكارِ؛ كَما أمَرَ (تَعالى) بِاسْتِشْهادِ امْرَأتَيْنِ لِتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ. * * بابُ الحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو (p-٢١٣)فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾؛ قَدِ احْتَجَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِن مُوجِبِي الحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ؛ ومِن مُبْطِلِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فاحْتَجَّ مُثْبِتُو الحَجْرِ لِلسَّفِيهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾؛ فَأجازَ لِوَلِيِّ السَّفِيهِ الإمْلاءَ عَنْهُ؛ واحْتَجَّ مُبْطِلُو الحَجْرِ بِما في مَضْمُونِ الآيَةِ مِن جَوازِ مُدايَنَةِ السَّفِيهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾؛ فَأجازَ مُدايَنَةَ السَّفِيهِ؛ وحَكَمَ بِصِحَّةِ إقْرارِهِ في مُدايَنَتِهِ؛ وإنَّما خالَفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في إمْلاءِ الكِتابِ؛ لِقُصُورِ فَهْمِهِ عَنِ اسْتِيفاءِ ما لَهُ؛ وما عَلَيْهِ؛ مِمّا يَقْتَضِيهِ شَرْطُ الوَثِيقَةِ؛ وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾؛ إنَّما المُرادُ بِهِ ولِيُّ الدَّيْنِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ قالُوا: وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولِيَّ السَّفِيهِ عَلى مَعْنى الحَجْرِ عَلَيْهِ؛ وإقْرارِهِ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ إقْرارَ ولِيِّ المَحْجُورِ عَلَيْهِ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ عِنْدَ أحَدٍ؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ ولِيُّ الدَّيْنِ؛ فَأمَرَ بِإمْلاءِ الكِتابِ حَتّى يُقِرَّ بِهِ المَطْلُوبُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: اِخْتَلَفَ السَّلَفُ في السَّفِيهِ المُرادِ بِالآيَةِ؛ فَقالَ قائِلُونَ مِنهُمْ: هو الصَّبِيُّ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]؛ قالَ: اَلصَّبِيُّ؛ والمَرْأةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلنِّساءُ؛ وقالَ الشَّعْبِيُّ: لا تُعْطى الجارِيَةُ مالَها؛ وإنْ قَرَأتِ القُرْآنَ والتَّوْراةَ؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى الَّتِي لا تَقُومُ بِحِفْظِ المالِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّها إذا كانَتْ ضابِطَةً لَأمْرِها؛ حافِظَةً لِمالِها؛ دُفِعَ إلَيْها؛ إذا كانَتْ بالِغًا؛ قَدْ دَخَلَ بِها زَوْجُها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: لا تَجُوزُ لِامْرَأةٍ مُمَلَّكَةٍ عَطِيَّةٌ؛ حَتّى تُحِيلَ في بَيْتِ زَوْجِها حَوْلًا؛ أوْ تَلِدَ بَطْنًا؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ؛ وقالَ أبُو الشَّعْثاءِ: لا تَجُوزُ لِامْرَأةٍ عَطِيَّةٌ حَتّى تَلِدَ؛ أوْ يُؤْنَسَ رُشْدُها؛ وعَنْ إبْراهِيمَ مِثْلُهُ؛ وهَذا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُها؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ هَذا لَيْسَ بِحَدٍّ في اسْتِحْقاقِ دَفْعِ المالِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَوْ أحالَتْ حَوْلًا في بَيْتِ زَوْجِها؛ ووَلَدَتْ بُطُونًا؛ وهي غَيْرُ مُؤْنِسَةٍ لِلرُّشْدِ؛ ولا ضابِطَةٍ لِأمْرِها؛ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْها مالُها؛ فَعَلِمْنا أنَّهم إنَّما أرادُوا ذَلِكَ فِيمَن لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُها. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) السَّفَهَ في مَواضِعَ؛ مِنها ما أرادَ بِهِ السَّفَهَ في الدِّينِ؛ وهو الجَهْلُ بِهِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]؛ فَهَذا هو السَّفَهُ في الدِّينِ؛ وهو الجَهْلُ؛ والخِفَّةُ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]؛ فَمِنَ النّاسِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أمْوالِهِمْ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ يَعْنِي: "لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا"؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ والمَعْنى: (p-٢١٤)"لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا"؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ عُدُولٌ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وظاهِرِهِ؛ بِغَيْرِ دَلالَةٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]؛ يَشْتَمِلُ عَلى فَرِيقَيْنِ مِنَ النّاسِ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُمَيَّزٌ في اللَّفْظِ مِنَ الآخَرِ؛ وأحَدُ الفَرِيقَيْنِ هُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]؛ والفَرِيقُ الآخَرُ السُّفَهاءُ المَذْكُورُونَ مَعَهُمْ؛ فَلَمّا قالَ (تَعالى): ﴿أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]؛ وجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ ذَلِكَ إلى أمْوالِ المُخاطَبِينَ؛ دُونَ السُّفَهاءِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ السُّفَهاءَ؛ لِأنَّ السُّفَهاءَ لَمْ يَتَوَجَّهِ الخِطابُ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ؛ وإنَّما تَوَجَّهَ إلى العُقَلاءِ المُخاطَبِينَ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ لِأنَّ القاتِلِينَ والمَقْتُولِينَ قَدِ انْتَظَمَهم خِطابٌ واحِدٌ؛ لَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ في حُكْمِ المُخاطَبَةِ؛ فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: "فَلْيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا"؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ أصْلَ السَّفَهِ الخِفَّةُ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ يَعْنِي: اِسْتَخَفَّتْها الرِّياحُ؛ وقالَ آخَرُ: ؎نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلامُنا ∗∗∗ فَنَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الخامِلِ أيْ: تَخِفَّ أحْلامُنا؛ ويُسَمّى الجاهِلُ سَفِيهًا؛ لِأنَّهُ خَفِيفُ العَقْلِ؛ ناقِصُهُ؛ فَمَعْنى الجَهْلِ شامِلٌ لِجَمِيعِ مَن أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفِيهِ؛ والسَّفِيهُ في أمْرِ الدِّينِ هو الجاهِلُ فِيهِ؛ والسَّفِيهُ في المالِ هو الجاهِلُ لِحِفْظِهِ؛ وتَدْبِيرِهِ؛ والنِّساءُ والصِّبْيانُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ السُّفَهاءِ؛ لِجَهْلِهِمْ؛ ونُقْصانِ تَمْيِيزِهِمْ؛ والسَّفِيهُ في رَأْيِهِ الجاهِلُ فِيهِ؛ والبَذِيُّ اللِّسانِ يُسَمّى سَفِيهًا؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يُنْفِقُ إلّا في جُهّالِ النّاسِ؛ ومَن كانَ خَفِيفَ العَقْلِ مِنهُمْ؛ وإذا كانَ اسْمُ السَّفِيهِ يَنْتَظِمُ هَذِهِ الوُجُوهَ؛ رَجَعْنا إلى مُقْتَضى لَفْظِ الآيَةِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾؛ فاحْتَمَلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجَهْلَ بِإمْلاءِ الشَّرْطِ؛ وإنْ كانَ عاقِلًا مُمَيِّزًا؛ غَيْرَ مُبَذِّرٍ؛ ولا مُفْسِدٍ؛ وأجازَ لِوَلِيِّ الحَقِّ أنْ يُمْلِيَهُ؛ حَتّى يُقِرَّ بِهِ السَّفِيهُ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ ويَكُونُ ذَلِكَ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ هو المَذْكُورُ في أوَّلِ الآيَةِ بِالمُدايَنَةِ؛ ولَوْ كانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَما جازَتْ مُدايَنَتُهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ ولِيَّ المَحْجُورِ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ إقْرارُهُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ؛ وإنَّما يَجُوزُ عَلى قَوْلِ مَن يَرى الحَجْرَ أنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِ القاضِي بِبَيْعٍ أوْ شِراءٍ؛ فَأمّا ولِيُّهُ فَلا نَعْلَمُ أحَدًا يُجِيزُ تَصَرُّفَ أوْلِيائِهِ عَلَيْهِ؛ ولا إقْرارَهُمْ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ولِيَّ السَّفِيهِ؛ وإنَّما أرادَ ولِيَّ الدَّيْنِ؛ (p-٢١٥)وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ؛ وقالَهُ الفَرّاءُ أيْضًا؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾؛ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: اَلضَّعِيفُ في عَقْلِهِ؛ أوِ الصَّبِيُّ المَأْذُونُ لَهُ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الآيَةِ قَدِ اقْتَضى أنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ جائِزَ المُدايَنَةِ والتَّصَرُّفِ؛ فَأجازَ تَصَرُّفَ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ؛ فَلَمّا بَلَغَ إلى حالِ إمْلاءِ الكِتابِ والإشْهادِ ذَكَرَ مَن لا يَكْمُلُ لِذَلِكَ؛ إمّا لِجَهْلٍ بِالشُّرُوطِ؛ أوْ لِضَعْفِ عَقْلٍ؛ لا يُحْسِنُ مَعَهُ الإمْلاءَ؛ وإنْ لَمْ يُوجِبْ نُقْصانُ عَقْلِهِ حَجْرًا عَلَيْهِ؛ وإمّا لِصِغَرٍ؛ أوْ لِخَرَفٍ؛ وكِبَرِ سِنٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾؛ مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ ويَنْتَظِمُهُما؛ وذَكَرَ مَعَهُما مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ؛ إمّا لِمَرَضٍ؛ أوْ كِبَرِ سِنٍّ؛ وانْفَلَتَ لِسانُهُ عَنِ الإمْلاءِ؛ أوْ لِخَرَسٍ؛ ذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الوُجُوهُ مُرادَةً لِلَّهِ (تَعالى)؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَها؛ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها دَلالَةٌ عَلى أنَّ السَّفِيهَ يَسْتَحِقُّ الحَجْرَ؛ وأيْضًا فَلَوْ كانَ بَعْضُ مَن يَلْحَقُهُ اسْمُ السَّفِيهِ يَسْتَحِقُّ الحَجْرَ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ الحَجْرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ السَّفِيهَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ؛ يَنْطَوِي تَحْتَهُ مَعانٍ مُخْتَلِفَةٌ؛ مِنها ما ذَكَرْنا مِنَ السَّفَهِ في الدِّينِ؛ وذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ الحَجْرَ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ سُفَهاءُ؛ وهم غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَجْرِ في أمْوالِهِمْ؛ ومِنها السَّفَهُ الَّذِي هو البَذاءُ؛ والتَّسَرُّعُ إلى سُوءِ اللَّفْظِ؛ وقَدْ يَكُونُ السَّفِيهُ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ السَّفَهِ مُصْلِحًا لِمالِهِ؛ غَيْرَ مُفْسِدِهِ؛ ولا مُبَذِّرِهِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُرِيدُ أهْلَكَها؛ وأوْبَقَها؛ ورُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَأْسِي دَهِينًا؛ وقَمِيصِي غَسِيلًا؛ وشِراكُ نَعْلِي جَدِيدًا؛ أفَمِنَ الكِبْرِ هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "لا؛ إنَّما الكِبْرُ مَن سَفِهَ الحَقَّ؛ وغَمَطَ النّاسَ"؛» وهَذا يُشْبِهُ أنْ يُرِيدَ مَن جَهِلَ الحَقَّ؛ لِأنَّ الجَهْلَ يُسَمّى سَفَهًا؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ. * * بابُ الشُّهُودِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ ابْتِداءُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ﴾؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مِن صِفَةِ الشُّهُودِ؛ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِصِفَةِ الإيمانِ؛ ولَمّا قالَ - في نَسَقِ الخِطابِ -: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾؛ (p-٢٢٢)كانَ كَقَوْلِهِ: "مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الإيمانِ شَرْطًا في الشَّهادَةِ عَلى المُسْلِمِينَ؛ والمَعْنى الآخَرُ الحُرِّيَّةُ؛ وذَلِكَ لِما في فَحْوى الخِطابِ مِنَ الدَّلالَةِ؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾؛ وذَلِكَ في الأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ عُقُودَ المُدايَناتِ؛ وإذا أقَرَّ بِشَيْءٍ لَمْ يَجُزْ إقْرارُهُ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُ؛ والخِطابُ إنَّما تَوَجَّهَ إلى مَن يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ؛ مِن غَيْرِ إذْنِ الغَيْرِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مِن شَرْطِ هَذِهِ الشَّهادَةِ الحُرِّيَّةَ؛ والمَعْنى الآخَرُ مِن دَلالَةِ الخِطابِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾؛ فَظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يَقْتَضِي الأحْرارَ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ يَعْنِي الأحْرارَ؛ ألا تَرى أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ؟ فَلَمْ يَدْخُلِ العَبِيدُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن شَرْطِ هَذِهِ الشَّهادَةِ الإسْلامَ؛ والحُرِّيَّةَ جَمِيعًا؛ وأنَّ شَهادَةَ العَبْدِ غَيْرُ جائِزَةٍ؛ لِأنَّ أوامِرَ اللَّهِ (تَعالى) عَلى الوُجُوبِ؛ وقَدْ أمَرَ بِاسْتِشْهادِ الأحْرارِ؛ فَلا يَجُوزُ غَيْرُهم. وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ قالَ: اَلْأحْرارِ؛ فَإنْ قِيلَ: إنَّ ما ذَكَرْتَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ داخِلٍ في الآيَةِ؛ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى بُطْلانِ شَهادَتِهِ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا ثَبَتَ بِفَحْوى خِطابِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِها الأحْرارُ؛ كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ أمْرًا مُقْتَضِيًا لِلْإيجابِ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "واسْتَشْهِدُوا رَجُلَيْنِ مِنَ الأحْرارِ"؛ فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إسْقاطُ شَرْطِ الحُرِّيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ إسْقاطُ العَدَدِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَةَ قَدْ تَضَمَّنَتْ بُطْلانَ شَهادَةِ العَبِيدِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في شَهادَةِ العَبِيدِ؛ فَرَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: "شَهادَةُ الصَّبِيِّ عَلى الصَّبِيِّ؛ والعَبْدِ عَلى العَبْدِ جائِزَةٌ"؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَمّامٍ قالَ: سَمِعْتُ قَتادَةَ يُحَدِّثُ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَسْتَثْبِتُ الصِّبْيانَ في الشَّهادَةِ؛ وهَذا يُوهِنُ الحَدِيثَ الأوَّلَ؛ ورَوى حَفْصُ بْنُ غِياثٍ؛ عَنِ المُخْتارِ بْنِ فُلْفُلٍ؛ عَنْ أنَسٍ قالَ: "ما أعْلَمُ أحَدًا رَدَّ شَهادَةَ العَبْدِ"؛ وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ"؛ وذَكَرَ أنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ كانَ يَراها جائِزَةً؛ يَأْثِرُ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ؛ وكانَ ابْنُ أبِي لَيْلى لا يَقْبَلُ شَهادَةَ العَبِيدِ؛ وظَهَرَتِ الخَوارِجُ عَلى الكُوفَةِ (p-٢٢٣)وهُوَ يَتَوَلّى القَضاءَ بِها؛ فَأمَرُوهُ بِقَبُولِ شَهادَةِ العَبِيدِ؛ وبِأشْياءَ ذَكَرُوها لَهُ مِن آرائِهِمْ؛ كانَ عَلى خِلافِها؛ فَأجابَهم إلى امْتِثالِها؛ فَأقَرُّوهُ عَلى القَضاءِ؛ فَلَمّا كانَ في اللَّيْلِ رَكِبَ راحِلَتَهُ ولَحِقَ بِمَكَّةَ؛ ولَمّا جاءَتِ الدَّوْلَةُ الهاشِمِيَّةُ رَدُّوهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القَضاءِ عَلى أهْلِ الكُوفَةِ؛ وقالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: قَضى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ أنَّ شَهادَةَ المَمْلُوكِ جائِزَةٌ بَعْدَ العِتْقِ؛ إذا لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ ورَوى شُعْبَةُ عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ يُجِيزُ شَهادَةَ المَمْلُوكِ في الشَّيْءِ التّافِهِ؛ ورَوى شُعْبَةُ أيْضًا عَنْ يُونُسَ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها لا تَجُوزُ؛ ورُوِيَ عَنْ حَفْصٍ؛ عَنْ حَجّاجٍ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ - في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ -؛ ومالِكٌ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ؛ والشّافِعِيُّ: "لا تُقْبَلُ شَهادَةُ العَبِيدِ في شَيْءٍ". قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الدَّلالَةِ مِنَ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ المَذْكُورَةَ فِيها مَخْصُوصَةٌ بِالأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ ومِمّا يَدُلُّ مِنَ الآيَةِ عَلى نَفْيِ شَهادَةِ العَبْدِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا دُعِيَ فَلْيَشْهَدْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ قَدْ أشْهَدَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هو واجِبٌ في الحالَيْنِ؛ والعَبْدُ مَمْنُوعٌ مِنَ الإجابَةِ لِحَقِّ المَوْلى وخِدْمَتِهِ؛ وهو لا يَمْلِكُ الإجابَةَ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالشَّهادَةِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَشْتَغِلَ عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ بِقِراءَةِ الكِتابِ؛ وإمْلائِهِ؛ والشَّهادَةِ؟ ولَمّا لَمْ يَدْخُلْ في خِطابِ الحَجِّ؛ والجُمُعَةِ؛ لِحَقِّ المَوْلى؛ فَكَذَلِكَ الشَّهادَةُ؛ إذْ كانَتِ الشَّهادَةُ غَيْرَ مُتَعَيَّنَةٍ عَلى الشُّهَداءِ؛ وإنَّما هي فَرْضُ كِفايَةٍ؛ وفَرْضُ الجُمُعَةِ والحَجِّ يَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ؛ فَلَمّا لَمْ يَلْزَمْهُ فَرْضَ الحَجِّ والجُمُعَةِ؛ مَعَ الإمْكانِ؛ لِحَقِّ المَوْلى؛ فَهو أوْلى ألّا يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ لِحَقِّ المَوْلى؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]؛ وقالَ (تَعالى) أيْضًا: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فَجَعَلَ الحاكِمَ شاهِدًا لِلَّهِ؛ كَما جَعَلَ سائِرَ الشُّهُودِ شُهَداءَ لِلَّهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]؛ فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ العَبْدُ حاكِمًا؛ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ شاهِدًا؛ إذْ كانَ كُلُّ واحِدٍ؛ مِنَ الحاكِمِ؛ والشّاهِدِ؛ بِهِ يُنَفَّذُ الحُكْمُ ويَثْبُتُ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ شَهادَةِ العَبْدِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ الرِّقَّ والحُرِّيَّةَ لا تَخْتَلِفُ بِهِما القُدْرَةُ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَهُ نَفْيُ حُكْمِ أقْوالِهِ؛ وعُقُودِهِ؛ وتَصَرُّفِهِ؛ ومِلْكِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِلْأصْنامِ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها العَرَبُ؛ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ (p-٢٢٤)فِي نَفْيِ المِلْكِ؛ والتَّصَرُّفِ؛ وبُطْلانِ أحْكامِ أقْوالِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبادِ؟ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ الطَّلاقَ؛ ولَوْلا احْتِمالُ اللَّفْظِ لِذَلِكَ لَما تَأوَّلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ شَهادَةَ العَبْدِ كَلا شَهادَةَ؛ كَعَقْدِهِ؛ وإقْرارِهِ؛ وسائِرِ تَصَرُّفاتِهِ الَّتِي هي مِن جِهَةِ القَوْلِ؛ فَلَمّا كانَتْ شَهادَةُ العَبْدِ قَوْلَهُ؛ وجَبَ أنْ يَنْتَفِيَ وُجُوبُ حُكْمِهِ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ شَهادَةِ العَبِيدِ أنَّ الشَّهادَةَ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ؛ كالجِهادِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنِ العَبْدُ مِن أهْلِ الخِطابِ بِالجِهادِ؛ ولَوْ حَضَرَهُ؛ وقاتَلَ؛ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ؛ وجَبَ ألّا يَكُونَ مِن أهْلِ الخِطابِ بِالشَّهادَةِ؛ ومَتى شَهِدَ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الشُّهُودِ؛ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ - وإنْ شَهِدَ القِتالَ - في اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ لَوَجَبَ أنْ لَوْ شَهِدَ بِها فَحُكِمَ بِشَهادَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْها أنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ ما شَهِدَ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن حُكْمِ الشَّهادَةِ؛ كَما أنَّ نَفاذَ الحُكْمِ بِها إذا أنْفَذَها الحاكِمُ مِن حُكْمِها؛ فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَلْزَمَهُ الغُرْمُ بِالرُّجُوعِ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِها؛ وأنَّ الحُكْمَ بِشَهادَتِهِ غَيْرُ جائِزٍ؛ وأيْضًا فَإنّا وجَدْنا مِيراثَ الأُنْثى عَلى النِّصْفِ مِن مِيراثِ الذَّكَرِ؛ وجُعِلَتْ شَهادَةُ امْرَأتَيْنِ بِشَهادَةِ رَجُلٍ؛ فَكانَتْ شَهادَةُ المَرْأةِ نِصْفَ شَهادَةِ الرَّجُلِ؛ ومِيراثُها نِصْفَ مِيراثِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ - مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ المِيراثِ رَأْسًا - ألّا يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ لِأنّا وجَدْنا لِنُقْصانِ المِيراثِ تَأْثِيرًا في نُقْصانِ الشَّهادَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ نَفْيُ المِيراثِ مُوجِبًا لِنَفْيِ الشَّهادَةِ؛ وما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ؛ في جَوازِ شَهادَةِ العَبْدِ؛ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ؛ ولَوْ صَحَّ كانَ مَخْصُوصًا في العَبْدِ إذا شَهِدَ عَلى العَبْدِ. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ العَبْدَ والحُرَّ سَواءٌ فِيما تَجُوزُ الشَّهادَةُ فِيهِ؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ خَبَرُ العَبْدِ مَقْبُولًا إذا رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لَمْ يَكُنْ رِقُّهُ مانِعًا مِن قَبُولِ خَبَرِهِ؛ كَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الخَبَرُ أصْلًا لِلشَّهادَةِ؛ فَلا يَجُوزُ اعْتِبارُها بِهِ؛ ألا تَرى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ مَقْبُولٌ في الأحْكامِ؛ ولا تَجُوزُ شَهادَةُ الواحِدِ فِيها؛ وأنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ؛ ولا يُقْبَلُ في الشَّهادَةِ؛ إلّا عَلى جِهَةِ الشَّهادَةِ عَلى الشَّهادَةِ؛ وأنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِهِ إذا قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؟ ولا تَجُوزُ شَهادَةُ الشّاهِدِ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ؛ والسَّماعِ؛ والمُعايَنَةِ لِما يَشْهَدُ بِهِ؛ فَإنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ مُتَساوِيانِ في الأخْبارِ؛ مُخْتَلِفانِ في الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ شَهادَةَ امْرَأتَيْنِ بِشَهادَةِ رَجُلٍ؛ وخَبَرَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ سَواءٌ؛ فَلا يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِقَبُولِ خَبَرِ العَبْدِ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: "لَوْ أنَّ (p-٢٢٥)حاكِمًا حَكَمَ بِشَهادَةِ عَبْدٍ؛ ثُمَّ رَفَعَ إلَيَّ؛ أبْطَلْتُ حُكْمَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا أجْمَعَ الفُقَهاءُ عَلى بُطْلانِهِ"؛ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في شَهادَةِ الصِّبْيانِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ الصِّبْيانِ في شَيْءٍ"؛ وهو قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ؛ والثَّوْرِيِّ؛ والشّافِعِيِّ؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "تَجُوزُ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ"؛ وقالَ مالِكٌ: "تَجُوزُ شَهادَةُ الصِّبْيانِ فِيما بَيْنَهم في الجِراحِ؛ ولا تَجُوزُ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وإنَّما تَجُوزُ بَيْنَهم في الجِراحِ وحْدَها؛ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا ويَجِيئُوا ويُعَلَّمُوا؛ فَإنِ افْتَرَقُوا فَلا شَهادَةَ لَهُمْ؛ إلّا أنْ يَكُونُوا قَدْ أشْهَدُوا عَلى شَهادَتِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا؛ وإنَّما تَجُوزُ شَهادَةُ الأحْرارِ الذُّكُورِ مِنهُمْ؛ ولا تَجُوزُ شَهادَةُ الجَوارِي مِنَ الصِّبْيانِ والأحْرارِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وعُثْمانَ؛ وابْنِ الزُّبَيْرِ؛ إبْطالُ شَهادَةِ الصِّبْيانِ؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ إبْطالُ شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ وعَنْ عَطاءٍ مِثْلُهُ؛ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: قِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: إنَّ إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ لا يَرى بِشَهادَةِ الصِّبْيانِ بَأْسًا؛ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقٌ أنَّهُ كانَ عِنْدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - إذْ جاءَهُ خَمْسَةُ غِلْمَةٍ؛ فَقالُوا: كُنّا سِتَّةً نَتَغاطُّ في الماءِ؛ فَغَرِقَ مِنّا غُلامٌ؛ فَشَهِدَ الثَّلاثَةُ عَلى الِاثْنَيْنِ أنَّهُما غَرَّقاهُ؛ وشَهِدَ الِاثْنانِ أنَّ الثَّلاثَةَ غَرَّقُوهُ؛ فَجَعَلَ عَلى الِاثْنَيْنِ ثَلاثَةَ أخْماسِ الدِّيَةِ؛ وعَلى الثَّلاثَةِ خُمُسَيِ الدِّيَةِ؛ إلّا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَبِيبٍ غَيْرُ مَقْبُولِ الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ مَعْنى الحَدِيثِ مُسْتَحِيلٌ؛ لا يَصْدُقُ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ أوْلِياءَ الغَرِيقِ إنِ ادَّعَوْا عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أكْذَبُوهم في شَهادَتِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وإنِ ادَّعَوْا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فَهم يُكَذِّبُونَ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا؛ فَهَذا غَيْرُ ثابِتٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ شَهادَةِ الصِّبْيانِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ وذَلِكَ خِطابٌ لِلرِّجالِ البالِغِينَ؛ لِأنَّ الصِّبْيانَ لا يَمْلِكُونَ عُقُودَ المُدايَناتِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾؛ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الصَّبِيُّ؛ لِأنَّ إقْرارَهُ لا يَجُوزُ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾؛ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلصَّبِيِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ فَيَلْحَقُهُ الوَعِيدُ؛ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ ولَيْسَ الصِّبْيانُ مِن رِجالِنا؛ ولَمّا كانَ ابْتِداءُ الخِطابِ بِذِكْرِ البالِغِينَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾؛ عائِدًا عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ يَمْنَعُ أيْضًا جَوازَ شَهادَةِ الصَّبِيِّ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾؛ هو نَهْيٌ؛ ولِلصَّبِيِّ أنْ يَأْبى مِن إقامَةِ الشَّهادَةِ؛ ولَيْسَ لِلْمُدَّعِي إحْضارُهُ لَها؛ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ (p-٢٢٦)غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلصِّغارِ؛ فَلا يَلْحَقُهُمُ المَأْثَمُ بِكِتْمانِها؛ ولَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَلْحَقَهُ ضَمانٌ بِالرُّجُوعِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن صَحَّتْ شَهادَتُهُ لَزِمَهُ الضَّمانُ عِنْدَ الرُّجُوعِ؛ وأمّا إجازَةُ شَهادَتِهِمْ في الجِراحِ خاصَّةً؛ وقَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا ويَجِيئُوا؛ فَإنَّهُ تَحَكُّمٌ بِلا دَلالَةٍ؛ وتَفْرِقَةٌ بَيْنَ مَن لا فارِقَ فِيهِ في أثَرٍ ولا نَظَرٍ؛ لِأنَّ في الأُصُولِ أنَّ كُلَّ مَن جازَتْ شَهادَتُهُ في الجِراحِ فَهي جائِزَةٌ في غَيْرِها؛ وأمّا اعْتِبارُ حالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا ويَجِيئُوا فَإنَّهُ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ الشُّهُودُ هُمُ الجُناةَ؛ ويَكُونَ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الشَّهادَةِ الخَوْفَ مِن أنْ يُؤْخَذُوا بِهِ؛ وهَذا مَعْلُومٌ مِن عادَةِ الصِّبْيانِ؛ إذا كانَ مِنهم جِنايَةٌ أحالَتْهُ بِها عَلى غَيْرِهِ؛ خَوْفًا مِن أنْ يُؤْخَذَ بِها؛ وأيْضًا لَمّا شَرَطَ اللَّهُ (تَعالى) في الشَّهادَةِ العَدالَةَ؛ وأوْعَدَ شاهِدَ الزُّورِ ما أوْعَدَهُ بِهِ؛ ومَنَعَ مِن قَبُولِ شَهادَةِ الفُسّاقِ؛ ومَن لا يَزَعُ عَنِ الكَذِبِ؛ احْتِياطًا لِأمْرِ الشَّهادَةِ؛ فَكَيْفَ تَجُوزُ شَهادَةُ مَن هو غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِكَذِبِهِ؛ ولَيْسَ لَهُ حاجِزٌ يَحْجِزُهُ عَنِ الكَذِبِ؛ ولا حَياءَ يَرْدَعُهُ؛ ولا مُرُوءَةَ تَمْنَعُهُ؟! وقَدْ يَضْرِبُ النّاسُ المَثَلَ بِكَذِبِ الصِّبْيانِ؛ فَيَقُولُونَ: "هَذا أكْذَبُ مِن صَبِيٍّ"؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ قَبُولُ شَهادَةِ مَن هَذِهِ حالُهُ؟ فَإنْ كانَ إنَّما اعْتُبِرَ حالُهم قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ؛ وقَبْلَ أنْ يُعَلِّمَهم غَيْرُهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ دُونَ تَلْقِينِ غَيْرِهِ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ كَما ظُنَّ؛ لِأنَّهم يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ مِن غَيْرِ مانِعٍ يَمْنَعُهُمْ؛ وهم يَعْرِفُونَ الكَذِبَ كَما يَعْرِفُونَ الصِّدْقَ؛ إذا كانُوا قَدْ بَلَغُوا الحَدَّ الَّذِي يَقُومُونَ فِيهِ بِمَعْنى الشَّهادَةِ؛ والعِبارَةِ عَمّا شَهِدُوا؛ وقَدْ يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ لِأسْبابٍ عارِضَةٍ؛ مِنها خَوْفُهم مِن أنْ تُنْسَبَ إلَيْهِمُ الجِنايَةُ؛ أوْ قَصْدًا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالمَكْرُوهِ؛ ومَعانٍ غَيْرُ ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ مِن أحْوالِهِمْ؛ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ لَهم بِصِدْقِ الشَّهادَةِ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا؛ كَما لا يَحْكُمُ لَهم بِذَلِكَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ؛ وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ؛ وكانَ العِلْمُ حاصِلًا بِأنَّهم لا يَكْذِبُونَ؛ ولا يَتَعَمَّدُونَ لِشَهادَةِ الزُّورِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تُقْبَلَ شَهادَةُ الإناثِ؛ كَما تُقْبَلُ شَهادَةُ الذُّكُورِ؛ وتُقْبَلَ شَهادَةُ الواحِدِ؛ كَما تُقْبَلُ شَهادَةُ الجَماعَةِ؛ فَإذا اعْتُبِرَ العَدَدُ في ذَلِكَ؛ وما يَجِبُ اعْتِبارُهُ في الشَّهادَةِ مِنَ اخْتِصاصِها في الجِراحِ بِالذُّكُورِ دُونَ الإناثِ؛ فَواجِبٌ أنْ يُسْتَوْفى لَها سائِرُ شُرُوطِها؛ مِنَ البُلُوغِ؛ والعَدالَةِ؛ ومِن حَيْثُ أجازُوا شَهادَةَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ فَواجِبٌ إجازَتُها عَلى الرِّجالِ؛ لِأنَّ شَهادَةَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لَيْسَتْ بِآكَدَ مِنها عَلى الرِّجالِ؛ إذْ هم في حُكْمِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ قائِلِ هَذا القَوْلِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ. * * واخْتُلِفَ في شَهادَةِ الأعْمى؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ ومُحَمَّدٌ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمى بِحالٍ"؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ (p-٢٢٧)عَنْهُ -؛ ورَوى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ عَنِ الحَسَنِ قالَ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمى بِحالٍ"؛ ورُوِيَ عَنْ أشْعَثَ مِثْلُهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: "إلّا أنْ تَكُونَ في شَيْءٍ رَآهُ قَبْلَ أنْ يَذْهَبَ بَصَرُهُ"؛ ورَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أبِي طُعْمَةَ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمى "؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي حَجّاجُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حازِمٍ؛ عَنْ قَتادَةَ قالَ: شَهِدَ أعْمى عِنْدَ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ عَلى شَهادَةٍ؛ فَقالَ لَهُ إياسٌ: "لا نَرُدُّ شَهادَتَكَ إلّا ألّا تَكُونَ عَدْلًا؛ ولَكِنَّكَ أعْمى لا تُبْصِرُ"؛ قالَ: فَلَمْ يَقْبَلْها؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى؛ والشّافِعِيُّ: "إذا عَلِمَهُ قَبْلَ العَمى جازَتْ؛ وما عَلِمَهُ في حالِ العَمى لَمْ تَجُزْ"؛ وقالَ شُرَيْحٌ؛ والشَّعْبِيُّ: " شَهادَةُ الأعْمى جائِزَةٌ"؛ وقالَ مالِكٌ؛ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " شَهادَةُ الأعْمى جائِزَةٌ؛ وإنْ عَلِمَهُ في حالِ العَمى؛ إذا عَرَفَ الصَّوْتَ؛ في الطَّلاقِ؛ والإقْرارِ؛ ونَحْوِهِ؛ وإنْ شَهِدَ عَلى زِنًا؛ أوْ حَدِّ القَذْفِ؛ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ". والدَّلِيلُ عَلى بُطْلانِ شَهادَةِ الأعْمى ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ البَلْخِيُّ الحافِظُ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مُوسى؛ يُعْرَفُ بِـ "خَتٌّ"؛ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ مَسْمُولٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ طاوُسٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ ﷺ عَنِ الشَّهادَةِ؛ فَقالَ: "تَرى هَذِهِ الشَّمْسَ.. فاشْهَدْ؛ وإلّا فَدَعْ"؛» فَجَعَلَ مِن شَرْطِ صِحَّةِ الشَّهادَةِ مُعايَنَةَ الشّاهِدِ لِما شَهِدَ بِهِ؛ والأعْمى لا يُعايِنُ المَشْهُودَ عَلَيْهِ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الأعْمى يَشْهَدُ بِالِاسْتِدْلالِ؛ فَلا تَصِحُّ شَهادَتُهُ؛ ألا تَرى أنَّ الصَّوْتَ قَدْ يُشْبِهُ الصَّوْتَ؛ وأنَّ المُتَكَلِّمَ قَدْ يُحاكِي صَوْتَ غَيْرِهِ؛ ونَغْمَتَهُ؛ حَتّى لا يُغادِرُ مِنها شَيْئًا؛ ولا يَشُكُّ سامِعُهُ - إذا كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حِجابٌ - أنَّهُ المَحْكِيُّ صَوْتُهُ؟ فَغَيْرُ جائِزٍ قَبُولُ شَهادَتِهِ عَلى الصَّوْتِ؛ إذْ لا يَرْجِعُ مِنهُ إلى يَقِينٍ؛ وإنَّما يُبْنى أمْرُهُ عَلى غالِبِ الظَّنِّ؛ وأيْضًا فَإنَّ الشّاهِدَ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ بِأنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ؛ ولَوْ عَبَّرَ بِلَفْظٍ غَيْرِ لَفْظِ الشَّهادَةِ؛ بِأنْ يَقُولَ: "أعْلَمُ"؛ أوْ: "أتَيَقَّنُ"؛ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ؛ فَعَلِمْتَ أنَّها حِينَ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِهَذا اللَّفْظِ؛ وهَذا اللَّفْظُ يَقْتَضِي مُشاهَدَةَ المَشْهُودِ بِهِ؛ ومُعايَنَتَهُ؛ فَلَمْ تَجُزْ شَهادَةُ مَن خَرَجَ مِن هَذا الحَدِّ؛ وشَهِدَ عَنْ غَيْرِ مُعايَنَةٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: يَجُوزُ لِلْأعْمى إقْدامُهُ عَلى وطْءِ امْرَأتِهِ إذا عَرَفَ صَوْتَها؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ يَقِينٌ لَيْسَ بِشَكٍّ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ الإقْدامُ عَلى الوَطْءِ بِالشَّكِّ؛ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ لَهُ الإقْدامُ عَلى وطْءِ امْرَأتِهِ بِغالِبِ الظَّنِّ؛ بِأنْ زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأةٌ؛ وقِيلَ لَهُ: هَذِهِ امْرَأتُكَ؛ وهو لا يَعْرِفُها؛ يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها؛ (p-٢٢٨)وكَذَلِكَ جائِزٌ لَهُ قَبُولُ هَدِيَّةٍ (جارِيَةٍ) بِقَوْلِ الرَّسُولِ؛ ويَجُوزُ لَهُ الإقْدامُ عَلى وطْئِها؛ ولَوْلا أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ عَنْ زَيْدٍ بِإقْرارٍ؛ أوْ بَيْعٍ؛ أوْ قَذْفٍ؛ لَما جازَ لَهُ إقامَةُ الشَّهادَةِ عَلى المُخْبَرِ عَنْهُ؛ لِأنَّ سَبِيلَ الشَّهادَةِ اليَقِينُ؛ والمُشاهَدَةُ؛ وسائِرُ الأشْياءِ الَّتِي ذُكِرَتْ يَجُوزُ فِيها اسْتِعْمالُ غالِبِ الظَّنِّ؛ وقَبُولُ قَوْلِ الواحِدِ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ إذًا أصْلًا لِلشَّهادَةِ؛ وأمّا إذا اسْتُشْهِدَ وهو بَصِيرٌ؛ ثُمَّ عَمِيَ؛ فَإنَّما لَمْ نَقْبَلْهُ مِن قِبَلِ أنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ حالَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ أضْعَفُ مِن حالِ الأداءِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَتَحَمَّلَ الشَّهادَةَ وهو كافِرٌ؛ أوْ عَبْدٌ؛ أوْ صَبِيٌّ؛ ثُمَّ يُؤَدِّيَها وهو حُرٌّ؛ مُسْلِمٌ؛ بالِغٌ؛ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ؛ ولَوْ أدّاها وهو صَبِيٌّ؛ أوْ عَبْدٌ؛ أوْ كافِرٌ؛ لَمْ تَجُزْ؛ فَعَلِمْنا أنَّ حالَ الأداءِ أوْلى بِالتَّأْكِيدِ مِن حالِ التَّحَمُّلِ؛ فَإذا لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُ الأعْمى لِلشَّهادَةِ؛ وكانَ العَمى مانِعًا مِن صِحَّةِ التَّحَمُّلِ؛ وجَبَ أنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الأداءِ؛ وأيْضًا لَوِ اسْتَشْهَدَهُ وبَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ؛ لَما صَحَّتْ شَهادَتُهُ؛ وكَذَلِكَ لَوْ أدّاها وبَيْنَهُما حائِلٌ لَمْ تَجُزْ شَهادَتُهُ؛ والعَمى حائِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ ألّا تَجُوزَ. وفَرَّقَ أبُو يُوسُفَ بَيْنَهُما بِأنْ قالَ: يَصِحُّ أنْ يَتَحَمَّلَ الشَّهادَةَ بِمُعايَنَتِهِ؛ ثُمَّ يَشْهَدَ عَلَيْهِ وهو غائِبٌ؛ أوْ مَيِّتٌ؛ فَلا يَمْنَعُ ذَلِكَ جَوازَها؛ فَكَذَلِكَ عَمى الشّاهِدِ بِمَنزِلَةِ مَوْتِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ أوْ غَيْبَتِهِ؛ فَلا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهادَتِهِ؛ والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ إنَّما يَجِبُ اعْتِبارُ الشّاهِدِ في نَفْسِهِ؛ فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ قَبِلْناها؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ لَمْ نَقْبَلْها؛ والأعْمى قَدْ خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ بِعَماهُ؛ فَلا اعْتِبارَ بِغَيْرِهِ؛ وأمّا الغائِبُ؛ والمَيِّتُ؛ فَإنَّ شَهادَةَ الشّاهِدِ عَلَيْهِما صَحِيحَةٌ؛ إذْ لَمْ يَعْتَرِضْ فِيهِ ما يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ وغَيْبُ المَشْهُودِ عَلَيْهِ ومَوْتُهُ لا تُؤَثِّرُ في شَهادَةِ الشّاهِدِ؛ فَلِذَلِكَ جازَتْ شَهادَتُهُ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنّا لا نُجِيزُ الشَّهادَةَ عَلى المَيِّتِ؛ والغائِبِ؛ إلّا أنْ يَحْضُرَ عَنْهُ خَصْمٌ؛ فَتَقَعُ الشَّهادَةُ عَلَيْهِ؛ فَيَقُومَ حُضُورُهُ مَقامَ حُضُورِ الغائِبِ؛ والمَيِّتِ؛ والأعْمى في مَعْنى مَن يَشْهَدُ عَلى غَيْرِ خَصْمٍ حاضِرٍ؛ فَلا تَصِحُّ شَهادَتُهُ؛ فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ والأعْمى قَدْ يَكُونُ مَرْضِيًّا؛ وهو مِن رِجالِنا الأحْرارِ؛ فَظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي قَبُولَ شَهادَتِهِ؛ قِيلَ لَهُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمى غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾؛ والأعْمى لا يَصِحُّ اسْتِشْهادُهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِشْهادَ هو إحْضارُ المَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ ومُعايَنَتُهُ إيّاهُ؛ وهو غَيْرُ مُعايِنٍ؛ ولا مُشاهِدٍ لِمَن يَحْضُرُهُ؛ لِأنَّ العَمى حائِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ؛ كَحائِطٍ لَوْ كانَ بَيْنَهُما؛ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِن مُشاهَدَتِهِ؛ ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ إنَّما هي مَأْخُوذَةٌ (p-٢٢٩)مِن مُشاهَدَةِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ ومُعايَنَتِهِ عَلى الحالِ الَّتِي تَقْتَضِي الشَّهادَةُ فِيها إثْباتَ الحَقِّ عَلَيْهِ؛ وكانَ ذَلِكَ مَعْدُومًا في الأعْمى؛ وجَبَ أنْ تَبْطُلَ شَهادَتُهُ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ لَأنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى بُطْلانِ شَهادَتِهِ أوْلى مِن أنْ تَدُلَّ عَلى إجازَتِها. وقالَ زُفَرُ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمى إذا شَهِدَ بِها قَبْلَ العَمى؛ أوْ بَعْدَهُ؛ إلّا في النَّسَبِ؛ أنْ يَشْهَدَ أنَّ فُلانًا ابْنُ فُلانٍ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى أنَّ النَّسَبَ قَدْ تَصِحُّ الشَّهادَةُ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ المُسْتَفِيضِ؛ وإنْ لَمْ يُشاهِدْهُ الشّاهِدُ؛ فَلِذَلِكَ جائِزٌ إذا تَواتَرَ عِنْدَ الأعْمى الخَبَرُ بِأنَّ فُلانًا ابْنُ فُلانٍ؛ أنْ يَشْهَدَ بِهِ عِنْدَ الحاكِمِ؛ وتَكُونَ شَهادَتُهُ مَقْبُولَةً؛ ويُسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِأنَّ الأعْمى والبَصِيرَ سَواءٌ فِيما ثَبَتَ حُكْمُهُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ؛ وإنْ لَمْ يُشاهِدِ المُخْبِرِينَ مِن طَرِيقِ المُعايَنَةِ؛ وإنَّما يَسْمَعُ أخْبارَهُمْ؛ فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ عِلْمُ صِحَّةِ النَّسَبِ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ - وإنْ لَمْ يُشاهِدِ المُخْبِرِينَ - فَتَجُوزُ إقامَةُ الشَّهادَةِ بِهِ؛ وتَكُونُ شَهادَتُهُ مَقْبُولَةً فِيهِ؛ إذْ لَيْسَ شَرْطُ هَذِهِ الشَّهادَةِ مُعايَنَةَ المَشْهُودِ بِهِ. * * واخْتُلِفَ في شَهادَةِ البَدْوِيِّ عَلى القَرَوِيِّ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ واللَّيْثُ؛ والأوْزاعِيُّ؛ والشّافِعِيُّ: "هِيَ جائِزَةٌ إذا كانَ عَدْلًا"؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ قالَ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ بَدْوِيٍّ عَلى قَرَوِيٍّ؛ إلّا في الجِراحِ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ بَدْوِيٍّ عَلى قَرَوِيٍّ في الحَضَرِ؛ إلّا في وصِيَّةِ القَرَوِيِّ في السَّفَرِ؛ أوْ في بَيْعٍ؛ فَتَجُوزُ إذا كانُوا عُدُولًا". قالَ أبُو بَكْرٍ: جَمِيعُ ما ذَكَرْنا مِن دَلائِلِ الآيَةِ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الأحْرارِ البالِغِينَ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ شَهادَةِ القَرَوِيِّ؛ والبَدْوِيِّ؛ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِذِكْرِ الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾؛ وهَؤُلاءِ مِن جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى): ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ يَعْنِي مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ الأحْرارِ؛ وهَذِهِ صِفَةُ هَؤُلاءِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ وإذا كانُوا عُدُولًا فَهم مَرْضِيُّونَ؛ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى - في شَأْنِ الرَّجْعَةِ؛ والفِراقِ -: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]؛ وهَذِهِ الصِّفَةُ شامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ؛ إذا كانُوا عُدُولًا؛ وفي تَخْصِيصِ القَرَوِيِّ بِها؛ دُونَ البَدْوِيِّ؛ تَرْكُ العُمُومِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ؛ ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّهم مُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ لِأنَّهم يُجِيزُونَ شَهادَةَ البَدْوِيِّ عَلى بَدْوِيٍّ مِثْلِهِ؛ عَلى شَرْطِ الآيَةِ؛ وإذا كانُوا مُرادِينَ بِالآيَةِ فَقَدِ اقْتَضَتْ جَوازَ شَهادَتِهِمْ عَلى القَرَوِيِّ؛ مِن حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوازَ شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ ومِن حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوازَ شَهادَةِ القَرَوِيِّ عَلى البَدَوِيِّ؛ (p-٢٣٠)فَإنِ احْتَجُّوا بِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ قالَ: حَدَّثَنا نافِعُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الهادِي؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «"لا تَجُوزُ شَهادَةُ بَدْوِيٍّ عَلى صاحِبِ قَرْيَةٍ"؛» فَإنَّ مِثْلَ هَذا الخَبَرِ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ؛ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الفارِقِ بَيْنَ الجِراحِ؛ وبَيْنَ غَيْرِها؛ ولا بَيْنَ أنْ يَكُونَ القَرَوِيُّ في السَّفَرِ؛ أوْ في الحَضَرِ؛ فَقَدْ خالَفَ المُحْتَجُّ بِهِ ما اقْتَضاهُ عُمُومُهُ؛ وقَدْ رَوى سِماكُ بْنُ حَرْبٍ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «شَهِدَ أعْرابِيٌّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رُؤْيَةِ الهِلالِ؛ فَأمَرَ بِلالًا يُنادِي في النّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا؛ فَقَبِلَ شَهادَتَهُ؛ وأمَرَ النّاسَ بِالصِّيامِ؛» وجائِزٌ أنْ يَكُونَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ في أعْرابِيٍّ شَهِدَ شَهادَةً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ؛ وعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ خِلافَها؛ مِمّا يُبْطِلُ شَهادَتَهُ؛ فَأخْبَرَ بِهِ؛ فَنَقَلَهُ الرّاوِي مِن غَيْرِ ذِكْرِ السَّبَبِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قالَهُ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ فِيهِ الشِّرْكُ والنِّفاقُ غالِبَيْنِ عَلى الأعْرابِ؛ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]؛ فَإنَّما مَنَعَ قَبُولَ شَهادَةِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ مِنَ الأعْرابِ؛ وقَدْ وصَفَ اللَّهُ (تَعالى) قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ ومَدَحَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩]؛ اَلْآيَةَ؛ فَمَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَهو مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعِنْدَ المُسْلِمِينَ؛ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ؛ ولا يَخْلُو البَدْوِيُّ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهادَةِ عَلى القَرَوِيِّ؛ إمّا لِطَعْنٍ في دِينِهِ؛ أوْ جَهْلٍ مِنهُ بِأحْكامِ الشَّهاداتِ؛ وما يَجُوزُ أداؤُها مِنها مِمّا لا يَجُوزُ؛ فَإنْ كانَ لِطَعْنٍ في دِينِهِ فَإنَّ هَذا غَيْرُ مُخْتَلَفٍ في بُطْلانِ شَهادَتِهِ؛ ولا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ البَدْوِيِّ والقَرَوِيِّ؛ وإنْ كانَ لِجَهْلٍ مِنهُ بِأحْكامِ الشَّهاداتِ فَواجِبٌ ألّا تُقْبَلَ شَهادَتُهُ عَلى بَدْوِيٍّ مِثْلِهِ؛ وألّا تُقْبَلَ شَهادَتُهُ في الجِراحِ؛ ولا عَلى القَرَوِيِّ في السَّفَرِ؛ كَما لا تُقْبَلُ شَهادَةُ القَرَوِيِّ إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْبَلَ شَهادَةَ البَدْوِيِّ إذا كانَ عَدْلًا؛ عالِمًا بِأحْكامِ الشَّهادَةِ عَلى القَرَوِيِّ؛ وعَلى غَيْرِهِ؛ لِزَوالِ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِ؛ وألّا يَجْعَلَ لُزُومَ سِمَةِ البَدْوِ إيّاهُ؛ والنِّسْبَةَ إلَيْهِ عِلَّةً لِرَدِّ شَهادَتِهِ؛ كَما لا تُجْعَلُ نِسْبَةُ القَرَوِيِّ إلى القَرْيَةِ عِلَّةً لِجَوازِ شَهادَتِهِ إذا كانَ مُجانِبًا لِلصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ لِجَوازِ الشَّهادَةِ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: أوْجَبَ بَدِيًّا اسْتِشْهادَ شَهِيدَيْنِ؛ وهُما الشّاهِدانِ؛ لِأنَّ الشَّهِيدَ والشّاهِدَ واحِدٌ؛ كَما أنَّ (p-٢٣١)"عَلِيمٌ"؛ و"عالِمٌ"؛ واحِدٌ؛ و"قادِرٌ"؛ و"قَدِيرٌ"؛ واحِدٌ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾؛ يَعْنِي: إنْ لَمْ يَكُنِ الشَّهِيدانِ رَجُلَيْنِ؛ ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾؛ فَلا يَخْلُو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾؛ مِن أنْ يُرِيدَ بِهِ: فَإنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلانِ؛ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦]؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣]؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ في الأبْدالِ الَّتِي أُقِيمَتْ مَقامَ أصْلِ الفَرْضِ؛ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ أوْ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشَّهِيدانِ رَجُلَيْنِ؛ فالشَّهِيدانِ رَجُلٌ وامْرَأتانِ؛ فَأفادَنا إثْباتَ هَذا الِاسْمِ لِلرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ؛ حَتّى يُعْتَبَرَ عُمُومُهُ في جَوازِ شَهادَتِهِما مَعَ الرَّجُلِ في سائِرِ الحُقُوقِ؛ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ شَهادَةِ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ مَقامَ رَجُلَيْنِ؛ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَثَبَتَ الوَجْهُ الثّانِي؛ وهو أنَّهُ أرادَ تَسْمِيَةَ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ "شَهِيدَيْنِ"؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْمًا شَرْعِيًّا يَجِبُ اعْتِبارُهُ فِيما أُمِرْنا فِيهِ بِاسْتِشْهادِ شَهِيدَيْنِ؛ إلّا مَوْضِعًا قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِعُمُومِهِ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ"؛» وإثْباتُ النِّكاحِ؛ والحُكْمُ بِشَهادَةِ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ؛ إذْ قَدْ لَحِقَهُمُ اسْمُ شَهِيدَيْنِ؛ وقَدْ أجازَ النَّبِيُّ ﷺ النِّكاحَ بِشَهادَةِ شاهِدَيْنِ. * * وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في شَهادَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في غَيْرِ الأمْوالِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: "لا تُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ؛ لا في الحُدُودِ؛ ولا في القِصاصِ؛ وتُقْبَلُ فِيما سِوى ذَلِكَ مِن سائِرِ الحُقُوقِ"؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عِبادَةَ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنِ الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ؛ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّ عُمَرَ أجازَ شَهادَةَ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ في نِكاحٍ؛ ورَوى جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الخِرِّيتِ؛ عَنْ أبِي لَبِيدٍ أنَّ عُمَرَ أجازَ شَهادَةَ النِّساءِ في طَلاقٍ؛ ورَوى إسْرائِيلُ عَنْ عَبْدِ الأعْلى؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ؛ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: "تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ في العَقْدِ"؛ ورَوى حَجّاجٌ عَنْ عَطاءٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ النِّساءِ مَعَ الرَّجُلِ في النِّكاحِ؛ ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ النِّساءِ في الطَّلاقِ؛ ورُوِيَ عَنْ عَوْنٍ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ أجازَ شَهادَةَ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ في عِتْقٍ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ في الطَّلاقِ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ قالا: "لا تَجُوزُ شَهادَتُهُنَّ إلّا في الدَّيْنِ؛ والوَلَدِ"؛ وقالَ مالِكٌ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في الحُدُودِ؛ والقِصاصِ؛ ولا في الطَّلاقِ؛ ولا في النِّكاحِ؛ ولا في الأنْسابِ؛ ولا في (p-٢٣٢)الوَلاءِ؛ ولا الإحْصانِ؛ وتَجُوزُ في الوَكالَةِ؛ والوَصِيَّةِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها عِتْقٌ"؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: "تَجُوزُ شَهادَتُهُنَّ في كُلِّ شَيْءٍ؛ إلّا الحُدُودَ"؛ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها لا تَجُوزُ في القِصاصِ أيْضًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: "لا تَجُوزُ شَهادَتُهُنَّ في الحُدُودِ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ في نِكاحٍ"؛ وقالَ اللَّيْثُ: "تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ في الوَصِيَّةِ؛ والعِتْقِ؛ ولا تَجُوزُ في النِّكاحِ؛ ولا الطَّلاقِ؛ ولا الحُدُودِ؛ ولا قَتْلِ العَمْدِ الَّذِي يُقادُ مِنهُ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في غَيْرِ الأمْوالِ؛ ولا يَجُوزُ في الوَصِيَّةِ إلّا الرَّجُلُ؛ وتَجُوزُ في الوَصِيَّةِ بِالمالِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازَ شَهادَتِهِنَّ مَعَ الرَّجُلِ في سائِرِ عُقُودِ المُدايَناتِ؛ وهي كُلُّ عَقْدٍ واقِعٍ عَلى دَيْنٍ؛ سَواءٌ كانَ بَدَلُهُ مالًا؛ أوْ بُضْعًا؛ أوْ مَنافِعَ؛ أوْ دَمَ عَمْدٍ؛ لِأنَّهُ عَقْدٌ فِيهِ دَيْنٌ؛ إذِ المَعْلُومُ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُ الآيَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أنْ يَكُونَ المَعْقُودُ عَلَيْهِما مِنَ البَدَلَيْنِ دَيْنَيْنِ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى؛ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ وُجُودُ دَيْنٍ عَنْ بَدَلٍ؛ أيَّ دَيْنٍ كانَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ شَهادَةِ النِّساءِ مَعَ الرَّجُلِ عَلى عَقْدِ نِكاحٍ فِيهِ مَهْرٌ مُؤَجَّلٌ؛ إذا كانَ ذَلِكَ عَقْدُ مُدايَنَةٍ؛ وكَذَلِكَ الصُّلْحُ مِن دَمِ العَمْدِ؛ والخُلْعُ عَلى مالٍ؛ والإجاراتُ؛ فَمَنِ ادَّعى خُرُوجَ شَيْءٍ مِن هَذِهِ العُقُودِ مِن ظاهِرِ الآيَةِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ذَلِكَ؛ إلّا بِدَلالَةٍ؛ إذْ كانَ العُمُومُ مُقْتَضِيًا لِجَوازِها في الجَمِيعِ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ شَهادَةِ النِّساءِ في غَيْرِ الأمْوالِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ القاسِمِ الجَوْهَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ؛ أخُو أبِي مَعْمَرٍ؛ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أبِي يَزِيدَ؛ عَنِ الأعْمَشِ؛ عَنْ أبِي وائِلٍ؛ عَنْ حُذَيْفَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أجازَ شَهادَةَ القابِلَةِ؛ والوِلادَةُ لَيْسَتْ بِمالٍ؛ وأجازَ شَهادَتَها عَلَيْها»؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ شَهادَةَ النِّساءِ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِالأمْوالِ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ شَهادَةِ النِّساءِ عَلى الوِلادَةِ؛ وإنَّما الِاخْتِلافُ في العَدَدِ؛ وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْمَ الشَّهِيدَيْنِ واقِعٌ في الشَّرْعِ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَ البَيِّنَةِ يَتَناوَلُ الشَّهِيدَيْنِ؛ وجَبَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «اَلْبَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي؛ واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ»؛ اَلْقَضاءُ بِشَهادَةِ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ في كُلِّ دَعْوى؛ إذْ قَدْ شَمِلَهُمُ اسْمُ البَيِّنَةِ؛ ألا تَرى أنَّها بَيِّنَةٌ في الأمْوالِ؟ فَلَمّا وقَعَ عَلَيْها الِاسْمُ وجَبَ بِحَقِّ العُمُومِ قَبُولُها لِكُلِّ مُدَّعٍ؛ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى تَخْصِيصِ شَيْءٍ مِنهُ؛ وإنَّما خَصَّصْنا الحُدُودَ؛ والقِصاصَ؛ لِما رَوى الزُّهْرِيُّ قالَ: "مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والخَلِيفَتَيْنِ مِن بَعْدِهِ؛ ألّا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ؛ ولا في القِصاصِ"؛ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى (p-٢٣٣)قَبُولِ شَهادَتِهِنَّ مَعَ الرَّجُلِ في الدُّيُونِ؛ وجَبَ قَبُولُها في كُلِّ حَقٍّ لا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ؛ إذا كانَ الدَّيْنُ حَقًّا لا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِها في غَيْرِ الأمْوالِ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أجازَها في الأجَلِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾؛ فَأجازَ شَهادَتَها مَعَ الرَّجُلِ عَلى الأجَلِ؛ ولَيْسَ بِمالٍ؛ كَما أجازَها في المالِ؛ فَإنْ قِيلَ: اَلْأجَلُ لا يَجِبُ إلّا في المالِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأجَلَ قَدْ يَجِبُ في الكَفالَةِ بِالنَّفْسِ؛ وفي مَنافِعِ الأحْرارِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمالٍ؛ وقَدْ يُؤَجِّلُهُ الحاكِمُ في إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى الدَّمِ؛ وعَلى دَعْوى العَفْوِ مِنهُ بِمِقْدارِ ما يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ؛ فَقَوْلُكَ: إنَّ الأجَلَ لا يَجِبُ إلّا في المالِ خَطَأٌ؛ ومَعَ ذَلِكَ فالبُضْعُ لا يُسْتَحَقُّ إلّا بِمالٍ؛ ولا يَقَعُ النِّكاحُ إلّا بِمالٍ؛ فَيَنْبَغِي أنْ تُجِيزَ فِيهِ شَهادَةَ النِّساءِ. * * قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَتْ مَعْرِفَةُ دِياناتِ النّاسِ؛ وأماناتِهِمْ؛ وعَدالَتِهِمْ؛ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ؛ دُونَ الحَقِيقَةِ؛ إذْ لا يَعْلَمُ ضَمائِرَهُمْ؛ ولا خَبايا أُمُورِهِمْ؛ غَيْرُ اللَّهِ (تَعالى)؛ ثُمَّ قالَ اللَّهُ (تَعالى) - فِيما أمَرَنا بِاعْتِبارِهِ مِن أمْرِ الشُّهُودِ -: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ أمْرَ تَعْدِيلِ الشُّهُودِ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ رَأْيِنا؛ وما يَغْلِبُ في ظُنُونِنا مِن عَدالَتِهِمْ؛ وصَلاحِ طَرائِقِهِمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَغْلِبَ في ظَنِّ بَعْضِ النّاسِ عَدالَةُ شاهِدٍ؛ وأمانَتُهُ؛ فَيَكُونُ عِنْدَهُ رِضًا؛ ويَغْلِبُ في ظَنِّ غَيْرِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا؛ فَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَّنِّ؛ وأكْثَرِ الرَّأْيِ؛ والَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ أمْرُ الشَّهادَةِ أشْياءُ ثَلاثَةٌ؛ أحَدُها العَدالَةُ؛ والآخَرُ نَفْيُ التُّهْمَةِ؛ وإنْ كانَ عَدْلًا؛ والثّالِثُ التَّيَقُّظُ؛ والحِفْظُ؛ وقِلَّةُ الغَفْلَةِ؛ أمّا العَدالَةُ فَأصْلُها الإيمانُ؛ واجْتِنابُ الكَبائِرِ؛ ومُراعاةُ حُقُوقِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في الواجِباتِ؛ والمَسْنُوناتِ؛ وصِدْقِ اللَّهْجَةِ؛ والأمانَةِ؛ وألّا يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ؛ وأمّا نَفْيُ التُّهْمَةِ فَألّا يَكُونَ المَشْهُودُ لَهُ والِدًا؛ ولا ولَدًا؛ أوْ زَوْجًا؛ أوْ زَوْجَةً؛ وألّا يَكُونَ قَدْ شَهِدَ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ فَرُدَّتْ لِتُهْمَةٍ؛ فَشَهادَةُ هَؤُلاءِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِمَن ذَكَرْنا؛ وإنْ كانُوا عُدُولًا مَرْضِيِّينَ؛ وأمّا التَّيَقُّظُ؛ والحِفْظُ؛ وقِلَّةُ الغَفْلَةِ؛ فَألّا يَكُونَ غُفُولًا؛ غَيْرَ مُجَرِّبٍ لِلْأُمُورِ؛ فَإنَّ مِثْلَهُ رُبَّما لُقِّنَ الشَّيْءَ فَتَلَقَّنَهُ؛ ورُبَّما جُوِّزَ عَلَيْهِ التَّزْوِيرُ فَشَهِدَ بِهِ؛ قالَ ابْنُ رُسْتُمَ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ - في رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ؛ صَوّامٍ؛ قَوّامٍ؛ مُغَفَّلٍ؛ يُخْشى عَلَيْهِ أنْ يُلَقَّنَ فَيَأْخُذَ بِهِ -: "هَذا شَرٌّ مِنَ الفاسِقِ في شَهادَتِهِ"؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما المُحَبِّرُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا أسْوَدُ بْنُ عامِرٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ هِلالٍ؛ عَنْ أشْعَثَ الحُدّانِيِّ قالَ: قالَ (p-٢٣٤)رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: يا أبا سَعِيدٍ؛ إنَّ إياسًا رَدَّ شَهادَتِي؛ فَقامَ مَعَهُ إلَيْهِ؛ فَقالَ: "يا مَلْكَعانُ؛ لِمَ رَدَدْتَ شَهادَتَهُ؟ أوَما بَلَغَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «(مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا؛ وأكَلَ مِن ذَبِيحَتِنا؛ فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ؛ وذِمَّةُ رَسُولِهِ)؟"؛» فَقالَ: "أيُّها الشَّيْخُ؛ أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ ؟ وإنَّ صاحِبَكَ هَذا لَيْسَ نَرْضاهُ". وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ؛ قالَ: حَدَّثَنا السِّرِّيُّ بْنُ عاصِمٍ - بِإسْنادٍ ذَكَرَهُ - أنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ الحَسَنِ؛ فَرَدَّ شَهادَتَهُ؛ فَبَلَغَ الحَسَنَ؛ وقالَ: "قُومُوا بِنا إلَيْهِ"؛ قالَ: فَجاءَ إلى إياسٍ فَقالَ: "يا لُكَعُ؛ تَرُدُّ شَهادَةَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ؟"؛ فَقالَ: "نَعَمْ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ ولَيْسَ هو مِمَّنْ أرْضى"؛ قالَ: فَسَكَتَ الحَسَنُ؛ فَقالَ خَصْمُ الشَّيْخِ: "فَمِن شَرْطِ الرِّضا لِلشَّهادَةِ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ مُتَيَقِّظًا؛ حافِظًا لِما يَسْمَعُهُ؛ مُتْقِنًا لِما يُؤَدِّيهِ"؛ وقَدْ ذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في صِفَةِ العَدْلِ أشْياءَ؛ مِنها أنَّهُ قالَ: "مَن سَلِمَ مِنَ الفَواحِشِ الَّتِي تَجِبُ فِيها الحُدُودُ؛ وما يُشْبِهُ ما تَجِبُ فِيهِ مِنَ العَظائِمِ؛ وكانَ يُؤَدِّي الفَرائِضَ؛ وأخْلاقُ البِرِّ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ المَعاصِي الصِّغارِ؛ قَبِلْنا شَهادَتَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلَمُ عَبْدٌ مِن ذَنْبٍ؛ وإنْ كانَتْ ذُنُوبُهُ أكْثَرَ مِن أخْلاقِ البِرِّ رَدَدْنا شَهادَتَهُ؛ ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ مَن يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ؛ يُقامِرُ عَلَيْها؛ ولا مَن يَلْعَبُ بِالحَمامِ ويُطَيِّرُها؛ وكَذَلِكَ مَن يُكْثِرُ الحَلِفَ بِالكَذِبِ لا تَجُوزُ شَهادَتُهُ"؛ قالَ: "وإذا تَرَكَ الرَّجُلُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في الجَماعَةِ اسْتِخْفافًا بِذَلِكَ؛ أوْ مَجانَةً؛ أوْ فِسْقًا؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ؛ وإنْ تَرَكَها عَلى تَأْوِيلٍ؛ وكانَ عَدْلًا فِيما سِوى ذَلِكَ؛ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ"؛ قالَ: "وإنْ داوَمَ عَلى تَرْكِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ؛ وإنْ كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ الفاحِشِ لَمْ أقْبَلْ شَهادَتَهُ؛ وإنْ كانَ لا يُعْرَفُ بِذَلِكَ؛ ورُبَّما ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنهُ والخَيْرُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ الشَّرِّ؛ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ؛ لَيْسَ يَسْلَمُ أحَدٌ مِنَ الذُّنُوبِ"؛ قالَ: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى: " شَهادَةُ أهْلِ الأهْواءِ جائِزَةٌ إذا كانُوا عُدُولًا؛ إلّا صِنْفًا مِنَ الرّافِضَةِ يُقالُ لَهُمُ الخَطّابِيَّةُ؛ فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ بَعْضَهم يُصَدِّقُ بَعْضًا فِيما يَدَّعِي إذا حَلَفَ لَهُ؛ ويَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ فَلِذَلِكَ أبْطَلْتُ شَهادَتَهُمْ"؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: "أيُّما رَجُلٍ أظْهَرَ شَتِيمَةَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أقْبَلْ شَهادَتَهُ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوْ كانَ شَتّامًا لِلنّاسِ والجِيرانِ؛ لَمْ أقْبَلْ شَهادَتَهُ؛ فَأصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ أعْظَمُ حُرْمَةً"؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: "ألا تَرى أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِ اخْتَلَفُوا؛ واقْتَتَلُوا؛ وشَهادَةُ الفَرِيقَيْنِ جائِزَةٌ؛ لِأنَّهُمُ اقْتَتَلُوا عَلى تَأْوِيلٍ؟ فَكَذَلِكَ أهْلُ الأهْواءِ مِنَ المُتَأوِّلِينَ"؛ قالَ أبُو يُوسُفَ: "ومَن سَألْتُ عَنْهُ فَقالُوا: إنّا نَتَّهِمُهُ بِشَتْمِ أصْحابِ (p-٢٣٥)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَإنِّي لا أقْبَلُ هَذا؛ حَتّى يَقُولُوا: سَمِعْناهُ يَشْتُمُ"؛ قالَ: "فَإنْ قالُوا: نَتَّهِمُهُ بِالفِسْقِ؛ والفُجُورِ؛ ونَظُنُّ ذَلِكَ بِهِ؛ ولَمْ نَرَهُ؛ فَإنِّي أقْبَلُ ذَلِكَ؛ ولا أُجِيزُ شَهادَتَهُ؛ والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّ الَّذِينَ قالُوا: نَتَّهِمُهُ بِالشَّتْمِ؛ قَدْ أثْبَتُوا لَهُ الصَّلاحَ؛ وقالُوا: نَتَّهِمُهُ بِالشَّتْمِ؛ فَلا يُقْبَلُ هَذا إلّا بِسَماعٍ؛ والَّذِينَ قالُوا: نَتَّهِمُهُ بِالفِسْقِ والفُجُورِ؛ ونَظُنُّ ذَلِكَ بِهِ؛ ولَمْ نَرَهُ؛ فَإنِّي أقْبَلُ ذَلِكَ؛ ولا أُجِيزُ شَهادَتَهُ؛ أثْبَتُوا لَهُ صَلاحًا وعَدالَةً"؛ وذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: "لا أقْبَلُ شَهادَةَ الخَوارِجِ؛ إذْ كانُوا قَدْ خَرَجُوا يُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ؛ وإنْ شَهِدُوا"؛ قالَ: قُلْتُ: ولِمَ لا تُجِيزُ شَهادَتَهُمْ؛ وأنْتَ تُجِيزُ شَهادَةَ الحَرُورِيَّةِ؟ قالَ: "لِأنَّهم لا يَسْتَحِلُّونَ أمْوالَنا؛ ما لَمْ يَخْرُجُوا؛ فَإذا خَرَجُوا اسْتَحَلُّوا أمْوالَنا؛ فَتَجُوزُ شَهادَتُهم ما لَمْ يَخْرُجُوا"؛ وحَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ؛ مُكْرَمُ بْنُ أحْمَدَ؛ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ الكُوفِيُّ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِماعَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا يُوسُفَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لا يَجِبُ عَلى الحاكِمِ أنْ يَقْبَلَ شَهادَةَ بَخِيلٍ؛ فَإنَّ البَخِيلَ يَحْمِلُهُ شِدَّةُ بُخْلِهِ عَلى التَّقَصِّي؛ فَيَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ؛ مَخافَةَ الغَبْنِ؛ ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ سَمِعْتُ حَمّادَ بْنَ أبِي سُلَيْمانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ إبْراهِيمَ يَقُولُ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "أيُّها النّاسُ؛ كُونُوا وسَطًا؛ لا تَكُونُوا بُخَلاءَ؛ ولا سَفَلَةً؛ فَإنَّ البَخِيلَ والسَّفَلَةَ الَّذِينَ إنْ كانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ لَمْ يُؤَدُّوهُ؛ وإنْ كانَ لَهم حَقٌّ اسْتَقْصَوْهُ"؛ قالَ: وقالَ: "ما مِن طِباعِ المُؤْمِنِ التَّقَصِّي؛ ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] "؛ وحَدَّثَنا مُكْرَمُ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ المُغَلِّسِ قالَ: سَمِعْتُ الحِمّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبارَكِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا حَنِيفَةَ يَقُولُ: "مَن كانَ مَعَهُ بُخْلٌ لَمْ تَجُزْ شَهادَتُهُ؛ يَحْمِلُهُ البُخْلُ عَلى التَّقَصِّي؛ فَمِن شِدَّةِ تَقَصِّيهِ يَخافُ الغَبْنَ؛ فَيَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ؛ مَخافَةَ الغَبْنِ؛ فَلا يَكُونُ هَذا عَدْلًا"؛ وقَدْ رُوِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ عَنْ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ؛ ذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أبِي الأسْوَدِ؛ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قالَ: قُلْتُ لِإياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ: أُخْبِرْتُ أنَّكَ لا تُجِيزُ شَهادَةَ الأشْرافِ بِالعِراقِ؛ ولا البُخَلاءِ؛ ولا التُّجّارِ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ؛ قالَ: "أجَلْ؛ أمّا الَّذِينَ يَرْكَبُونَ إلى الهِنْدِ حَتّى يُغَرِّرُوا بِدِينِهِمْ؛ ويُكْثِرُوا عَدُوَّهم مِن أجْلِ طَمَعِ الدُّنْيا؛ فَعَرَفْتُ أنَّ هَؤُلاءِ لَوْ أُعْطِيَ أحَدُهم دِرْهَمَيْنِ في شَهادَةٍ لَمْ يَتَحَرَّجْ بَعْدَ تَغْرِيرِهِ بِدِينِهِ؛ وأمّا الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ في قُرى فارِسَ فَإنَّهم يُطْعِمُونَهُمُ الرِّبا؛ وهم يَعْلَمُونَ؛ فَأبَيْتُ أنْ أُجِيزَ شَهادَةَ آكِلِ الرِّبا؛ وأمّا الأشْرافُ فَإنَّ الشَّرِيفَ بِالعِراقِ إذا نابَتْ أحَدًا مِنهم نائِبَةٌ أتى إلى سَيِّدِ قَوْمِهِ فَيَشْهَدُ لَهُ؛ ويَشْفَعُ؛ فَكُنْتُ أرْسَلْتُ إلى عَبْدِ الأعْلى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ؛ ألّا يَأْتِيَنِي (p-٢٣٦)بِشَهادَةٍ". وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ رَدُّ شَهادَةِ قَوْمٍ ظَهَرَ مِنهم أُمُورٌ لا يُقْطَعُ فِيها بِفِسْقِ فاعِلِيها؛ إلّا أنَّها تَدُلُّ عَلى سُخْفٍ؛ أوْ مُجُونٍ؛ فَرَأوْا رَدَّ شَهادَةِ أمْثالِهِمْ؛ مِنهُ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ خِداشٍ قالَ: حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنِي داوُدُ بْنُ حاتِمٍ البَصْرِيُّ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ - وكانَ عَلى البَصْرَةِ - كانَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ مَن يَأْكُلُ الطِّينَ؛ ويَنْتِفُ لِحْيَتَهُ؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا شُرَيْحٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ رَجُلًا كانَ مِن أهْلِ مَكَّةَ شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ؛ وكانَ يَنْتِفُ عَنْفَقَتَهُ؛ ويُحْفِي لِحْيَتَهُ؛ وحَوْلَ شارِبَيْهِ؛ فَقالَ: "ما اسْمُكَ؟"؛ قالَ: "فُلانٌ"؛ قالَ: "بَلِ اسْمُكَ ناتِفٌ"؛ ورَدَّ شَهادَتَهُ؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ عَنِ الجَعْدِ بْنِ ذَكْوانَ قالَ: دَعا رَجُلٌ شاهِدًا لَهُ عِنْدَ شُرَيْحٍ؛ اسْمُهُ رَبِيعَةُ؛ فَقالَ: "يا رَبِيعَةَ؛ يا رَبِيعَةَ"؛ فَلَمْ يُجِبْ؛ فَقالَ: "يا رَبِيعَةَ الكُوَيْفِرُ"؛ فَأجابَ؛ فَقالَ لَهُ: "قُمْ"؛ وقالَ لِصاحِبِهِ: "هاتِ غَيْرَهُ"؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "اَلْأقْلَفُ لا تَجُوزُ شَهادَتُهُ"؛ ورَوى حَمّادُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي المُهَزَّمِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ أصْحابِ الحُمُرِ"؛ يَعْنِي النَّخّاسِينَ؛ ورُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ كانَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ صاحِبِ حَمامٍ؛ ولا حَمّامٍ؛ ورَوى مِسْعَرٌ أنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ شُرَيْحٍ وهو ضَيِّقُ كُمِّ القِبا؛ فَرَدَّ شَهادَتَهُ؛ وقالَ: كَيْفَ يَتَوَضَّأُ وهو عَلى هَذِهِ الحالِ؟ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ؛ عَنِ الأعْمَشِ؛ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ فَقالَ: أشْهَدُ بِشَهادَةِ اللَّهِ؛ فَقالَ: "شَهِدْتُ بِشَهادَةِ اللَّهِ لا أُجِيزُ لَكَ اليَوْمَ شَهادَةً"؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا رَآهُ تَكَلَّفَ مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ عَلَيْهِ لَمْ يَرَهُ أهْلًا لِقَبُولِ شَهادَتِهِ؛ فَهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْناها عَنْ هَؤُلاءِ السَّلَفِ مِن رَدِّ الشَّهادَةِ مِن أجْلِها غَيْرُ مَقْطُوعٍ فِيها بِفِسْقِ فاعِلِيها؛ ولا سُقُوطِ العَدالَةِ؛ وإنَّما دَلَّهم ظاهِرُها عَلى سُخْفِ مَن هَذِهِ حالُهُ؛ فَرَدُّوا شَهادَتَهم مِن أجْلِها؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهم تَحَرّى مُوافَقَةَ ظاهِرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ عَلى حَسَبِ ما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ؛ فَمَن غَلَبَ في ظَنِّهِ سُخْفٌ مِنَ الشّاهِدِ؛ أوْ مُجُونُهُ؛ أوِ اسْتِهانَتُهُ بِأمْرِ الدِّينِ؛ أسْقَطَ شَهادَتَهُ؛ قالَ مُحَمَّدٌ - في كِتابِ (آدابِ القاضِي) -: "مَن ظَهَرَتْ مِنهُ مَجانَةٌ لَمْ أقْبَلْ شَهادَتَهُ"؛ قالَ: "ولا تَجُوزُ شَهادَةُ المُخَنَّثِ؛ (p-٢٣٧)ولا شَهادَةُ مَن يَلْعَبُ بِالحَمامِ يُطَيِّرُها"؛ وقَدْ حُكِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى فَرَدَّ شَهادَتَهُ؛ قالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ أبِي لَيْلى: "مِثْلُ فُلانٍ؛ وحالُهُ كَذا؛ وحالُ ابْنِهِ كَذا؛ تُرَدُّ شَهادَتُهُ؟"؛ فَقالَ: "أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ؟ إنَّهُ فَقِيرٌ"؛ فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ الفَقْرَ يَمْنَعُ الشَّهادَةَ؛ إذْ لا يُؤْمَنُ بِهِ أنْ يَحْمِلَهُ الفَقْرُ عَلى الرَّغْبَةِ في المالِ؛ وإقامِ شَهادَةٍ بِما لا تَجُوزُ؛ وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ السُّؤّالِ في الشَّيْءِ الكَثِيرِ؛ وتَجُوزُ في الشَّيْءِ التّافِهِ؛ إذا كانُوا عُدُولًا"؛ فَشَرَطَ مالِكٌ مَعَ الفَقْرِ المَسْألَةَ؛ ولَمْ يَقْبَلْها في الشَّيْءِ الكَثِيرِ؛ لِلتُّهْمَةِ؛ وقَبِلَها في اليَسِيرِ؛ لِزَوالِ التُّهْمَةِ؛ وقالَ المُزَنِيُّ؛ والرَّبِيعُ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ: "إذا كانَ الأغْلَبُ عَلى الرَّجُلِ؛ والأظْهَرُ مِن أمْرِهِ الطّاعَةَ؛ والمُرُوءَةَ؛ قَبِلْتُ شَهادَتَهُ؛ وإذا كانَ الأغْلَبُ مِن حالِهِ المَعْصِيَةَ؛ وعَدَمَ المُرُوءَةِ؛ رَدَدْتُ شَهادَتَهُ". وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ: "إذا كانَ أكْثَرُ أمْرِهِ الطّاعَةَ؛ ولَمْ يُقْدِمْ عَلى كَبِيرَةٍ؛ فَهو عَدْلٌ"؛ فَأمّا شَرْطُ المُرُوءَةِ؛ فَإنْ أرادَ بِهِ التَّصاوُنَ والصَّمْتَ الحَسَنَ؛ وحِفْظَ الحُرْمَةِ؛ وتَجَنُّبَ السُّخْفِ؛ والمُجُونِ؛ فَهو مُصِيبٌ؛ وإنْ أرادَ بِهِ نَظافَةَ الثَّوْبِ؛ وفَراهَةَ المَرْكُوبِ؛ وجَوْدَةَ الآلَةِ؛ والشّارَةَ الحَسَنَةَ؛ فَقَدْ أبْعَدَ وقالَ غَيْرَ الحَقِّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لَيْسَتْ مِن شَرائِطِ الشَّهادَةِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:283

بابُ الرَّهْنِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: "إذا عَدِمْتُمُ التَّوَثُّقَ بِالكِتابِ؛ والإشْهادِ؛ فالوَثِيقَةُ بِرِهانٍ مَقْبُوضَةٍ"؛ فَأقامَ الرَّهْنَ في بابِ التَّوَثُّقِ في الحالِ الَّتِي لا يَصِلُ فِيها إلى التَّوَثُّقِ بِالكِتابِ؛ والإشْهادِ مَقامَها؛ وإنَّما ذَكَرَ حالَ السَّفَرِ لِأنَّ الأغْلَبَ فِيها عَدَمُ الكِتابِ؛ والشُّهُودِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الرَّهْنَ؛ إلّا في السَّفَرِ؛ وكانَ عَطاءٌ لا يَرى بِهِ بَأْسًا في الحَضَرِ؛ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمّا كانَ مَأْخُوذًا مِنَ الآيَةِ؛ وإنَّما أباحَتْهُ الآيَةُ في السَّفَرِ؛ لَمْ يَثْبُتْ في غَيْرِهِ؛ ولَيْسَ هَذا عِنْدَ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ كَذَلِكَ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ وعامَّةِ السَّلَفِ في جَوازِهِ في الحَضَرِ؛ وقَدْ رَوى إبْراهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا إلى أجَلٍ؛ ورَهَنَهُ دِرْعَهُ»؛ ورَوى قَتادَةُ؛ عَنْ أنَسٍ قالَ: «"رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالمَدِينَةِ؛ وأخَذَ مِنهُ شَعِيرًا لِأهْلِهِ؛» فَثَبَتَ جَوازُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ؛ بِفِعْلِهِ ﷺ؛ وقالَ (تَعالى): ( فاتَّبِعُوهُ )؛ وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ (p-٢٥٩)لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ (تَعالى) لِحالِ السَّفَرِ بِذِكْرِ الرَّهْنِ إنَّما هو لِأنَّ الأغْلَبَ فِيها عَدَمُ الكاتِبِ؛ والشَّهِيدِ؛ وهَذا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"فِي خَمْسٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ ابْنَةُ مَخاضٍ؛ وفي سِتٍّ وثَلاثِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ"؛» لَمْ يُرِدْ بِهِ وُجُودَ المَخاضِ؛ واللَّبَنِ بِالأُمِّ؛ وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الأغْلَبِ الأعَمِّ مِنَ الحالِ؛ وإنْ كانَ جائِزًا ألّا يَكُونَ بِأُمِّها مَخاضٌ؛ ولا لَبَنٌ؛ فَكَذَلِكَ ذِكْرُ السَّفَرِ هو عَلى هَذا الوَجْهِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا قَطْعَ في ثَمَرٍ حَتّى يُؤْوِيَهُ الجَرِينُ"؛» والمُرادُ اسْتِحْكامُهُ؛ وجَفافُهُ؛ لا حُصُولُهُ في الجَرِينِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ في بَيْتِهِ؛ أوْ حانُوتِهِ؛ بَعْدَ اسْتِحْكامِهِ؛ وجَفافِهِ؛ فَسَرَقَهُ سارِقٌ؛ قُطِعَ فِيهِ؛ فَكانَ ذِكْرُ الجَرِينِ عَلى الأغْلَبِ الأعَمِّ مِن حالِهِ في اسْتِحْكامِهِ؛ فَكَذَلِكَ ذِكْرُهُ لِحالِ السَّفَرِ؛ هو عَلى هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّهْنَ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِن الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَلَمّا كانَ اسْتِيفاءُ العَدَدِ المَذْكُورِ؛ والصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ لِلشُّهُودِ واجِبًا؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيما شُرِطَ لَهُ مِنَ الصِّفَةِ؛ فَلا يَصِحُّ إلّا عَلَيْها؛ كَما لا تَصِحُّ شَهادَةُ الشُّهُودِ إلّا عَلى الأوْصافِ المَذْكُورَةِ؛ إذْ كانَ ابْتِداءُ الخِطابِ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ المُقْتَضِي لِلْإيجابِ؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ؛ والآيَةُ إنَّما أجازَتْهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إجازَتُهُ عَلى غَيْرِها؛ إذْ لَيْسَ هَهُنا أصْلٌ آخَرُ يُوجِبُ جَوازَ الرَّهْنِ غَيْرُ الآيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ وثِيقَةٌ لِمُرْتَهِنٍ بِدَيْنِهِ؛ ولَوْ صَحَّ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لَبَطَلَ مَعْنى الوَثِيقَةِ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ أمْوالِ الرّاهِنِ الَّتِي لا وثِيقَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيها؛ وإنَّما جُعِلَ وثِيقَةً لَهُ لِيَكُونَ مَحْبُوسًا في يَدِهِ بِدَيْنِهِ؛ فَيَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ والإفْلاسِ أحَقَّ بِهِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ ومَتى لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ كانَ لَغْوًا؛ لا مَعْنى فِيهِ؛ وهو وسائِرُ الغُرَماءِ فِيهِ سَواءٌ؛ ألا تَرى أنَّ المَبِيعَ إنَّما يَكُونُ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ ما دامَ في يَدِ البائِعِ؟ فَإنْ هو سَلَّمَهُ إلى المُشْتَرِي سَقَطَ حَقُّهُ؛ وكانَ هو وسائِرُ الغُرَماءِ سَواءً فِيهِ؛ واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في إقْرارِ المُتَعاقِدَيْنِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ؛ فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا؛ والشّافِعِيُّ: إذا قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى إقْرارِ الرّاهِنِ بِالقَبْضِ؛ والمُرْتَهِنُ يَدَّعِيهِ؛ جازَتِ الشَّهادَةُ؛ وحُكِمَ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ؛ وعِنْدَ مالِكٍ أنَّ البَيِّنَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلى إقْرارِ المُصَدَّقِ بِالقَبْضِ؛ حَتّى يَشْهَدُوا عَلى مُعايَنَةِ القَبْضِ؛ فَقِيلَ: إنَّ القِياسَ قَوْلُهُ في الرَّهْنِ كَذَلِكَ؛ والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ الشَّهادَةِ عَلى إقْرارِهِما بِقَبْضِ الرَّهْنِ اتِّفاقُ (p-٢٦٠)الجَمِيعِ عَلى جَوازِ إقْرارِهِ بِالبَيْعِ؛ والغَصْبِ؛ والقَتْلِ؛ فَكَذَلِكَ قَبْضُ الرَّهْنِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في رَهْنِ المُشاعِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "لا يَجُوزُ رَهْنُ المُشاعِ فِيما يُقْسَمُ؛ ولا فِيما لا يُقْسَمُ"؛ وقالَ مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: "يَجُوزُ فِيما لا يُقْسَمُ؛ وما يُقْسَمُ"؛ وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ؛ في رَجُلٍ يَرْتَهِنُ الرَّهْنَ؛ ويَسْتَحِقُّ بَعْضَهُ؛ قالَ: "يَخْرُجُ مِنَ الرَّهْنِ؛ ولَكِنْ لَهُ أنْ يُجْبِرَ الرّاهِنَ عَلى أنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا؛ فَإنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغُرَماءِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "يَجُوزُ رَهْنُ المُشاعِ فِيما لا يُقْسَمُ؛ ولا يَجُوزُ فِيما يُقْسَمُ". قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا صَحَّ بِدَلالَةِ الآيَةِ أنَّ الرَّهْنَ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا مِن حَيْثُ كانَ رَهْنُهُ عَلى جِهَةِ الوَثِيقَةِ؛ وكانَ في ارْتِفاعِ القَبْضِ ارْتِفاعُ مَعْنى الرَّهْنِ؛ وهو الوَثِيقَةُ؛ وجَبَ ألّا يَصِحَّ رَهْنُ المُشاعِ فِيما يُقْسَمُ؛ وفِيما لا يُقْسَمُ؛ لِأنَّ المَعْنى المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ القَبْضِ؛ وإبْطالِ الوَثِيقَةِ؛ مُقارِنٌ لِلْعَقْدِ؛ وهو الشَّرِكَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها دَفْعَ القَبْضِ لِلْمُهايَأةِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَصِحَّ مَعَ وُجُودِ ما يُبْطِلُهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ مَتى اسْتَحَقَّ ذَلِكَ القَبْضَ بِالمُهايَأةِ؛ وعادَ إلى يَدِ الشَّرِيكِ؛ فَقَدْ بَطَلَ مَعْنى الوَثِيقَةِ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ الرَّهْنِ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ؟ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عارِيَّةِ الرَّهْنِ المَقْبُوضِ؛ إذا أعادَهُ الرّاهِنُ فَلا يَبْطُلُ الرَّهْنُ؛ ولَهُ أنْ يَرُدَّهُ إلى يَدِهِ مِن قِبَلِ أنَّ هَذا القَبْضَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ؛ ولِلْمُرْتَهِنِ أخْذُهُ مِنهُ مَتى شاءَ؛ وإنَّما هو ابْتَدَأ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَبْضُ مُسْتَحَقًّا بِمَعْنًى يُقارِنُ العَقْدَ؛ ولَيْسَ هَذا أيْضًا بِمَنزِلَةِ هِبَةِ المُشاعِ فِيما لا يُقْسَمُ؛ فَيَجُوزُ عِنْدَنا؛ وإنْ كانَ مِن شَرْطِ الهِبَةِ القَبْضُ؛ كالرَّهْنِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الهِبَةِ مِنَ القَبْضِ؛ لِصِحَّةِ المِلْكِ؛ ولَيْسَ مِن شَرْطِ بَقاءِ المِلْكِ اسْتِصْحابُ اليَدِ؛ فَلَمّا صَحَّ القَبْضُ بَدِيًّا لَمْ يَكُنْ في اسْتِحْقاقِ اليَدِ تَأْثِيرٌ في رَفْعِ المِلْكِ؛ ولَمّا كانَ في اسْتِحْقاقِ المُرْتَهِنِ رَفْعُ مَعْنى الوَثِيقَةِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ وُجُودِ ما يُبْطِلُهُ؛ ويُنافِيهِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا أجَزْتَ رَهْنَهُ مِن شَرِيكِهِ؟ إذْ لَيْسَ فِيهِ اسْتِحْقاقُ يَدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ يَدَهُ تَكُونُ باقِيَةً عَلَيْهِ إلى وقْتِ الفِكاكِ؛ قِيلَ لَهُ: لِأنَّ لِلشَّرِيكِ اسْتِخْدامَهُ إنْ كانَ عَبْدًا بِالمُهايَأةِ بِحَقِّ مِلْكِهِ؛ ومَن فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فِيهِ يَدَ رَهْنٍ؛ فَقَدِ اسْتُحِقَّتْ يَدُ الرَّهْنِ في اليَوْمِ الثّانِي؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ الشَّرِيكِ وبَيْنَ الأجْنَبِيِّ؛ لِوُجُودِ المَعْنى المُوجِبِ لِاسْتِحْقاقِ قَبْضِ الرَّهْنِ مُقارِنًا لِلْعَقْدِ. واخْتُلِفَ في رَهْنِ الدَّيْنِ؛ فَقالَ سائِرُ الفُقَهاءِ: "لا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ بِحالٍ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ؛ في قِياسِ قَوْلِهِ: "إذا كانَ لِرَجُلٍ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ؛ فَبِعْتَهُ بَيْعًا؛ وارْتَهَنْتَ مِنهُ الدَّيْنَ الَّذِي (p-٢٦١)لَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو جائِزٌ؛ وهو أقْوى مِن أنْ يَرْتَهِنَ دِينًا عَلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ حائِزٌ لِما عَلَيْهِ"؛ قالَ: "ويَجُوزُ في قَوْلِ مالِكٍ أنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الدَّيْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ ويَبْتاعَ مِن رَجُلٍ بَيْعًا؛ ويَرْهَنَ مِنهُ الدَّيْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ ويَقْبِضَ ذَلِكَ الحَقَّ لَهُ؛ ويُشْهِدَ لَهُ"؛ وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ سِواهُ؛ وهو فاسِدٌ أيْضًا؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ وقَبْضُ الدَّيْنِ لا يَصِحُّ ما دامَ دَيْنًا؛ لا إذا كانَ عَلَيْهِ؛ ولا إذا كانَ عَلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الدَّيْنَ هو حَقٌّ لا يَصِحُّ فِيهِ قَبْضٌ؛ وإنَّما يَتَأتّى القَبْضُ في الأعْيانِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَخْلُو ذَلِكَ الدَّيْنُ مِن أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حُكْمِ الضَّمانِ الأوَّلِ؛ أوْ مُنْتَقِلًا إلى ضَمانِ الرَّهْنِ؛ فَإنِ انْتَقَلَ إلى ضَمانِ الرَّهْنِ؛ فالواجِبُ أنْ يَبْرَأ مِنَ الفَضْلِ؛ إذا كانَ الدَّيْنُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ أقَلَّ مِنَ الرَّهْنِ؛ وإنْ كانَ باقِيًا عَلى حُكْمِ الضَّمانِ الأوَّلِ فَلَيْسَ هو رَهْنًا؛ لِبَقائِهِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ؛ والدَّيْنُ الَّذِي عَلى الغَيْرِ أبْعَدُ في الجَوازِ؛ لِعَدَمِ الحِيازَةِ فِيهِ؛ والقَبْضِ بِحالٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الرَّهْنِ إذا وُضِعَ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والثَّوْرِيُّ: "يَصِحُّ الرَّهْنُ إذا جَعَلاهُ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ ويَكُونُ مَضْمُونًا عَلى المُرْتَهِنِ"؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ؛ وعَطاءٍ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ؛ والأوْزاعِيُّ: "لا يَجُوزُ؛ حَتّى يَقْبِضَهُ المُرْتَهِنُ"؛ وقالَ مالِكٌ: "إذا جَعَلاهُ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ فَضَياعُهُ مِنَ الرّاهِنِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ؛ في رَهْنِ شِقْصِ السَّيْفِ: "إنَّ قَبْضَهُ أنْ يُحَوِّلَ حَتّى يَضَعَهُ الرّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ أوْ عَلى يَدَيِ الشَّرِيكِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ يَقْتَضِي جَوازَهُ إذا قَبَضَهُ العَدْلُ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ قَبْضِ المُرْتَهِنِ؛ والعَدْلِ؛ وعُمُومُهُ يَقْتَضِي جَوازَ قَبْضِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ وأيْضًا فَإنَّ العَدْلَ وكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ في القَبْضِ؛ فَكانَ القَبْضُ بِمَنزِلَةِ الوَكالَةِ في الهِبَةِ؛ وسائِرِ المَقْبُوضاتِ؛ بِوَكالَةِ مَن لَهُ القَبْضُ فِيها؛ فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ لَكانَ لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ مِنهُ؛ ولَما كانَ لِلْعَدْلِ أنْ يَمْنَعَهُ إيّاهُ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا لا يُخْرِجُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ وكِيلًا؛ وقابِضًا لَهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ القَبْضِ مِن قِبَلِ أنَّ الرّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ؛ وإنَّما رَضِيَ بِيَدِ وكِيلِهِ؛ ألا تَرى أنَّ الوَكِيلَ بِالشِّراءِ هو قابِضٌ لِلسِّلْعَةِ لِلْمُوَكِّلِ؛ ولَهُ أنْ يَحْبِسَها بِالثَّمَنِ؛ ولَوْ هَلَكَ قَبْلَ الحَبْسِ هَلَكَ مِن مالِ المُوَكِّلِ؟ ولَيْسَ جَوازُ حَبْسِ الوَكِيلِ الرَّهْنَ عَنِ المُرْتَهِنِ عَلَمًا لِنَفْيِ الوَكالَةِ؛ وكَوْنِهِ قابِضًا لَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ يَدَ العَدْلِ يَدُ المُرْتَهِنِ؛ وأنَّهُ وكِيلُهُ في القَبْضِ؛ أنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَتى شاءَ أنْ يَفْسَخَ هَذا الرَّهْنَ؛ ويُبْطِلَ يَدَ العَدْلِ؛ ويَرُدَّهُ إلى الرّاهِنِ؛ ولَيْسَ لِلرّاهِنِ إبْطالُ يَدِ العَدْلِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ (p-٢٦٢)عَلى أنَّ العَدْلَ وكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ جَعَلا المَبِيعَ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ضَمانِ البائِعِ؛ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي في قَبْضِهِ؛ كَذَلِكَ المُرْتَهِنُ؛ قِيلَ لَهُ: الفارِقُ بَيْنَهُما أنَّ العَدْلَ في البَيْعِ لَوْ صارَ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي لَخَرَجَ عَنْ ضَمانِ البائِعِ؛ وفي خُرُوجِهِ مِن ضَمانِ بائِعِهِ سُقُوطُ حَقِّهِ مِنهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أجازَ قَبْضَهُ بَطَلَ حَقُّهُ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجاعُهُ؟ لِأنَّ المَبِيعَ لَيْسَ لَهُ إلّا قَبْضٌ واحِدٌ؛ فَمَتى وُجِدَ سَقَطَ حَقُّ البائِعِ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَرُدَّهُ إلى يَدِهِ؛ وكَذَلِكَ إذا أوْدَعَهُ إيّاهُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأنَّهُ لَوْ صارَ وكِيلًا لَهُ لَصارَ قابِضًا لَهُ قَبْضَ بَيْعٍ؛ ولَمْ يَكُنِ المُشْتَرِي مَمْنُوعًا مِنهُ؛ فَكانَ لا مَعْنى لِقَبْضِ العَدْلِ؛ بَلْ يَكُونُ المُشْتَرِي كَأنَّهُ قَبَضَهُ؛ والبائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ؛ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ قَبَضَهُ لِلْمُشْتَرِي لَتَمَّ البَيْعُ فِيهِ؛ وفي تَمامِ البَيْعِ سُقُوطُ حَقِّ البائِعِ فِيهِ؛ فَلا مَعْنى لِبَقائِهِ في يَدَيِ العَدْلِ؛ بَلْ يَجِبُ أنْ يَأْخُذَهُ المُشْتَرِي؛ والبائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأنَّ كَوْنَ العَدْلِ وكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ لا يُوجِبُ إبْطالَ حَقِّ الرّاهِنِ؛ ألا تَرى أنَّ حَقَّ الرّاهِنِ باقٍ بَعْدَ قَبْضِ المُرْتَهِنِ؟ فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَبْضِ العَدْلِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ قَبْضِ العَدْلِ؛ وقَبْضِ المُرْتَهِنِ؛ وفارَقَ العَدْلَ في الشِّراءِ؛ لِامْتِناعِ كَوْنِهِ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي؛ إذْ كانَ يَصِيرُ في مَعْنى قَبْضِ المُشْتَرِي؛ في خُرُوجِهِ مِن ضَمانِ البائِعِ؛ ودُخُولِهِ في ضَمانِهِ؛ وفي مَعْنى تَمامِ البَيْعِ فِيهِ؛ وسُقُوطِ حَقِّ البائِعِ مِنهُ؛ والبائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدْلًا لِلْبائِعِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ حَقَّ الحَبْسِ مُوجِبٌ لَهُ بِالعَقْدِ؛ فَلا يَسْقُطُ ذَلِكَ؛ أوْ يَرْضى بِتَسْلِيمِهِ إلى المُشْتَرِي؛ أوْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ ضَمانِ الرَّهْنِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾؛ فَعَطَفَ بِذِكْرِ الأمانَةِ عَلى الرَّهْنِ؛ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ بِأمانَةٍ؛ وإذا لَمْ يَكُنْ أمانَةً كانَ مَضْمُونًا؛ إذْ لَوْ كانَ الرَّهْنُ أمانَةً لَما عَطَفَ عَلَيْهِ الأمانَةَ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يَعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ؛ وإنَّما يُعْطَفُ عَلى غَيْرِهِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في حُكْمِ الرَّهْنِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "اَلرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِأقَلَّ مِن قِيمَتِهِ؛ ومِنَ الدَّيْنِ"؛ وقالَ الثَّقَفِيُّ؛ عَنْ عُثْمانَ البَتِّيِّ: "ما كانَ مِن رَهْنٍ؛ ذَهَبًا؛ أوْ فِضَّةً؛ أوْ ثِيابًا؛ فَهو مَضْمُونٌ؛ يَتَرادّانِ الفَضْلَ؛ وإنْ كانَ عَقارًا؛ أوْ حَيَوانًا؛ فَهَلَكَ؛ فَهو مِن مالِ الرّاهِنِ؛ والمُرْتَهِنُ عَلى حَقِّهِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ الرّاهِنُ (p-٢٦٣)اشْتَرَطَ الضَّمانَ؛ فَهو عَلى شَرْطِهِ"؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ: "إنْ عَلِمَ هَلاكَهُ فَهو مِن مالِ الرّاهِنِ؛ ولا يَنْقُصُ مِن حَقِّ المُرْتَهِنِ شَيْءٌ؛ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلاكَهُ فَهو مِن مالِ المُرْتَهِنِ؛ وهو ضامِنٌ لِقِيمَتِهِ؛ يُقالُ لَهُ: صِفْهُ؛ فَإذا وصَفَهُ حَلَفَ عَلى صِفَتِهِ؛ وتَسْمِيَةِ مالِهِ فِيهِ؛ ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أهْلُ البَصَرِ بِذَلِكَ؛ فَإنْ كانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمّا سَمّى فِيهِ أخَذَهُ الرّاهِنُ؛ وإنْ كانَ أقَلَّ مِمّا سَمّى الرّاهِنُ حَلَفَ عَلى ما سَمّى؛ وبَطَلَ عَنْهُ الفَضْلُ؛ وإنْ أبى الرّاهِنُ أنْ يَحْلِفَ أُعْطِيَ المُرْتَهِنُ ما فَضُلَ؛ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ"؛ ورَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وقالَ فِيهِ: "إذا شَرَطَ أنَّ المُرْتَهِنَ مُصَدَّقٌ في ضَياعِهِ؛ وأنْ لا ضَمانَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ فَشَرْطُهُ باطِلٌ؛ وهو ضامِنٌ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "إذا ماتَ العَبْدُ الرَّهْنُ فَدَيْنُهُ باقٍ؛ لِأنَّ الرَّهْنَ لا يَغْلَقُ"؛ ومَعْنى قَوْلِهِ: " لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ "؛ أنَّهُ لا يَكُونُ بِما فِيهِ إذا عَلِمَ؛ ولَكِنْ يَتَرادّانِ الفَضْلَ؛ إذا لَمْ يَعْلَمْ هَلاكَهُ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ - في قَوْلِهِ: "لَهُ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ" -؛ قالَ: "فَأمّا غُنْمُهُ فَإنْ كانَ فِيهِ فَضْلٌ رُدَّ إلَيْهِ؛ وأمّا غُرْمُهُ فَإنْ كانَ فِيهِ نُقْصانٌ وفّاهُ إيّاهُ"؛ وقالَ اللَّيْثُ: " اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ إذا هَلَكَ؛ ولَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلى ما فِيهِ؛ إذا اخْتَلَفا في ثَمَنِهِ؛ فَإنْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى ما فِيهِ تَرادّا الفَضْلَ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "هُوَ أمانَةٌ؛ لا ضَمانَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحالٍ إذا هَلَكَ؛ سَواءٌ كانَ هَلاكُهُ ظاهِرًا؛ أوْ خَفِيًّا". قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ؛ عَلى ضَمانِ الرَّهْنِ؛ لا نَعْلَمُ بَيْنَهم خِلافًا فِيهِ؛ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ضَمانِهِ؛ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ؛ فَرَوى إسْرائِيلُ؛ عَنْ عَبْدِ الأعْلى؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: "إذا كانَ أكْثَرَ مِمّا رَهَنَ فَهَلَكَ؛ فَهو بِما فِيهِ؛ لِأنَّهُ أمِينٌ في الفَضْلِ"؛ وإذا كانَ بِأقَلَّ مِمّا رَهَنَهُ بِهِ فَهَلَكَ؛ رَدَّ الرّاهِنُ الفَضْلَ"؛ ورَوى عَطاءٌ؛ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ؛ وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ؛ ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ الحارِثِ؛ عَنْ عَلِيٍّ - في الرَّهْنِ إذا هَلَكَ - قالَ: "يَتَرادّانِ الفَضْلَ"؛ ورَوى قَتادَةُ عَنْ خِلاسِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: "إذا كانَ فِيهِ فَضْلٌ فَأصابَتْهُ جائِحَةٌ؛ فَهو بِما فِيهِ؛ وإنْ لَمْ تُصِبْهُ جائِحَةٌ؛ واتُّهِمَ؛ فَإنَّهُ يَرُدُّ الفَضْلَ"؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ الرِّواياتُ الثَّلاثُ؛ وفي جَمِيعِها ضَمانُهُ؛ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَنْهُ في كَيْفِيَّةِ الضَّمانِ؛ عَلى ما وصَفْنا؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "يَتَرادّانِ الفَضْلَ"؛ وقالَ شُرَيْحٌ؛ والحَسَنُ؛ وطاوُسٌ؛ والشَّعْبِيُّ؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ: "إنَّ الرَّهْنَ بِما فِيهِ "؛ وقالَ شُرَيْحٌ: "وإنْ كانَ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ"؛ فَلَمّا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى ضَمانِهِ؛ وكانَ اخْتِلافُهم إنَّما هو في كَيْفِيَّةِ الضَّمانِ؛ كانَ قَوْلُ القائِلِ: "إنَّهُ أمانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ"؛ خارِجًا عَنْ قَوْلِ الجَمِيعِ؛ وفي الخُرُوجِ عَنِ اخْتِلافِهِمْ مُخالَفَةٌ لِإجْماعِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اتَّفَقُوا عَلى ضَمانِهِ فَذَلِكَ اتِّفاقٌ مِنهم عَلى (p-٢٦٤)بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِ بِنَفْيِ ضَمانِهِ؛ ولا فارِقَ بَيْنَ اخْتِلافِهِمْ في كَيْفِيَّةِ ضَمانِهِ؛ وبَيْنَ اتِّفاقِهِمْ عَلى وجْهٍ واحِدٍ فِيهِ؛ بَعْدَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ مِنَ اتِّفاقِهِمْ أنَّهُ مَضْمُونٌ؛ فَهَذا اتِّفاقٌ قاضٍ بِفَسادِ قَوْلِ مَن جَعَلَهُ أمانَةً؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ضَمانِهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ؛ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ عَطاءً يُحَدِّثُ «أنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا؛ فَنَفَقَ في يَدِهِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُرْتَهِنِ: "ذَهَبَ حَقُّكَ"؛ وفي لَفْظٍ آخَرَ: "لا شَيْءَ لَكَ» "؛ فَقَوْلُهُ لِلْمُرْتَهِنِ: "ذَهَبَ حَقُّكَ"؛ إخْبارٌ بِسُقُوطِ دَيْنِهِ؛ لِأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ هو دَيْنُهُ؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الغَنَوِيُّ؛ وعَبْدُ الوارِثِ بْنُ إبْراهِيمَ؛ قالا: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ الزّارِعُ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتادَةَ؛ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا المُسَيِّبُ بْنُ واضِحٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ؛ عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ الرَّهْنَ بِما فِيهِ»؛ والمَفْهُومُ مِن ذَلِكَ ضَمانُهُ بِما فِيهِ مِنَ الدَّيْنِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ شُرَيْحٍ: " اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ؛ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ"؟ وكَذَلِكَ قَوْلُ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ؛ إنَّما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في خاتَمٍ رُهِنَ بِدَيْنٍ فَهَلَكَ؛ أنَّهُ بِما فِيهِ»؛ وظاهِرُ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ بِما فِيهِ؛ قَلَّ الدَّيْنُ أوْ كَثُرَ إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مُرادَهُ: إذا كانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الرَّهْنِ؛ أوْ أقَلَّ؛ وأنَّهُ إذا كانَ الدَّيْنُ أكْثَرَ رَدَّ الفَضْلَ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَضْمُونُ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرْتَهِنَ أحَقُّ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ حَتّى يُباعَ فَيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَقْبُوضٌ لِلِاسْتِيفاءِ؛ فَقَدْ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونًا ضَمانَ الِاسْتِيفاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَقْبُوضٍ عَلى وجْهٍ فَإنَّما يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو مَقْبُوضٌ بِهِ؛ كالمَغْصُوبِ؛ مَتى هَلَكَ هَلَكَ عَلى ضَمانِ الغَصْبِ؛ وكَذَلِكَ المَقْبُوضُ عَلى بَيْعٍ فاسِدٍ؛ أوْ جائِزٍ؛ إنَّما يَهْلَكُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي حَصَلَ قَبْضُهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمّا كانَ الرَّهْنُ مَقْبُوضًا لِلِاسْتِيفاءِ بِالدَّلالَةِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَلاكُهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ فَيَكُونَ مُسْتَوْفِيًا بِهَلاكِهِ لِدَيْنِهِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ الِاسْتِيفاءُ؛ فَإذا كانَ الرَّهْنُ أقَلَّ قِيمَةً فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْعَلَ اسْتِيفاءَ العِدَّةِ بِما هو أقَلُّ مِنها؛ وإذا كانَ أكْثَرَ مِنهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَوْفِيَ مِنهُ أكْثَرَ مِن مِقْدارِ دَيْنِهِ؛ فَيَكُونَ أمِينًا في الفَضْلِ. ويَدُلُّ عَلى ضَمانِهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى بُطْلانِ الرَّهْنِ بِالأعْيانِ؛ نَحْوَ الوَدائِعِ؛ والمُضارَبَةِ؛ والشَّرِكَةِ؛ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِها؛ لِأنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيًا لِلْعَيْنِ؛ وصَحَّ بِالدُّيُونِ المَضْمُونَةِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ (p-٢٦٥)بِالدَّيْنِ؛ فَيَكُونُ المُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ بِهَلاكِهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنا لَمْ نَجِدْ في الأُصُولِ حَبْسًا لِمِلْكِ الغَيْرِ لِحَقٍّ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمانٌ؛ ألا تَرى أنَّ المَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلى البائِعِ حَتّى يُسَلِّمَهُ إلى المُشْتَرِي لَمّا كانَ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ؟ وكَذَلِكَ الشَّيْءُ المُسْتَأْجَرُ؛ يَكُونُ مَحْبُوسًا في يَدِ مُسْتَأْجِرِهِ؛ مَضْمُونًا بِالمَنافِعِ؛ اسْتَعْمَلَهُ؛ أوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ؛ ويَلْزَمُهُ بِحَبْسِهِ ضَمانُ الأُجْرَةِ الَّتِي هي بَدَلُ المَنافِعِ؛ فَثَبَتَ أنَّ حَبْسَ مِلْكِ الغَيْرِ لا يَخْلُو مِن تَعَلُّقِ ضَمانٍ؛ واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ لِكَوْنِهِ أمانَةً بِحَدِيثِ ابْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِن صاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛» قالَ الشّافِعِيُّ: "ووَصَلَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ". قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما يُوَصِّلُهُ يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ؛ وقَوْلُهُ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ مِن كَلامِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ كَما رَوى مالِكٌ؛ ويُونُسُ؛ وابْنُ أبِي ذُؤَيْبٍ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» قالَ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ؛ قالَ ابْنُ شِهابٍ: "وكانَ ابْنُ المُسَيِّبِ يَقُولُ: "اَلرَّهْنُ لِمَن رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ فَأخْبَرَ ابْنُ شِهابٍ أنَّ هَذا قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ؛ لا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولَوْ كانَ ابْنُ المُسَيِّبِ قَدْ رَوى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَما قالَ: وكانَ ابْنُ المُسَيِّبِ يَقُولُ ذَلِكَ؛ بَلْ كانَ يُعَزِّيهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فاحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ بِأنَّهُ قَدْ أوْجَبَ لِصاحِبِ الرَّهْنِ زِيادَتَهُ؛ وجَعَلَ عَلَيْهِ نُقْصانَهُ؛ والدَّيْنُ بِحالِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا قَوْلُهُ: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛ فَإنَّ إبْراهِيمَ النَّخَعِيَّ؛ وطاوِسًا ذَكَرا جَمِيعًا أنَّهم كانُوا يَرْهَنُونَ؛ ويَقُولُونَ: "إنْ جِئْتُكَ بِالمالِ إلى وقْتِ كَذا؛ وإلّا فَهو لَكَ"؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» وتَأوَّلَهُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مالِكٌ؛ وسُفْيانُ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لا يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُقالَ لِلرَّهْنِ إذا ضاعَ: "قَدْ غَلِقَ الرَّهْنُ"؛ إنَّما يُقالُ: "غَلِقَ" إذا اسْتَحَقَّهُ المُرْتَهِنُ فَذَهَبَ بِهِ؛ وهَذا كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَأبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: "إنَّهم يَقُولُونَ: "غَلِقَ الرَّهْنُ" إذا ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ"؛ قالَ زُهَيْرٌ: ؎وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فِكاكَ لَهُ ∗∗∗ يَوْمَ الوَداعِ فَأمْسى رَهْنُها غَلَقا يَعْنِي: ذَهَبَتْ بِقَلْبِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادُ البِلا ∗∗∗ دِ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ ؎عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حافِظٌ ∗∗∗ فَقُلْ في امْرِئٍ غَلِقٍ مُرْتَهَنْ فَقالَ في البَيْتِ الثّانِي: "فَقُلْ في امْرِئٍ غَلِقٍ مُرْتَهَنْ"؛ يَعْنِي أنَّهُ يَمُوتُ فَيَذْهَبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ كَأنْ لَمْ (p-٢٦٦)يَكُنْ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» يَنْصَرِفُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: إنْ كانَ قائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ المُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مُضِيِّ الأجَلِ؛ والثّانِي: عِنْدَ الهَلاكِ لا يَذْهَبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وأمّا قَوْلُهُ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ مِن قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ أدْرَجَهُ في الحَدِيثِ بَعْضُ الرُّواةِ؛ وفَصَلَهُ بَعْضُهُمْ؛ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ؛ ولَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وأمّا ما تَأوَّلَهُ الشّافِعِيُّ مِن أنَّ لَهُ زِيادَتَهُ؛ وعَلَيْهِ نُقْصانَهُ؛ فَإنَّهُ تَأْوِيلٌ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ الفُقَهاءِ؛ خَطَأٌ في اللُّغَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغُرْمَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو اللُّزُومُ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]؛ يَعْنِي: ثابِتًا؛ لازِمًا؛ والغَرِيمُ: اَلَّذِي قَدْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ؛ ويُسَمّى بِهِ أيْضًا الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ؛ لِأنَّ لَهُ اللُّزُومَ والمُطالَبَةَ؛ وقَدْ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ المَأْثَمِ؛ والمَغْرَمِ؛ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ؛ فَقالَ: "إنَّ الرَّجُلَ إذا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ؛ ووَعَدَ فَأخْلَفَ» "؛ فَجَعَلَ الغُرْمَ هو لُزُومُ المُطالَبَةِ لَهُ؛ مِن قِبَلِ الآدَمِيِّ؛ وفي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ المُخارِقِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"إنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إلّا مِن ثَلاثٍ: فَقْرٍ مُدْقِعٍ؛ أوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ؛ أوْ دَمٍ مُوجِعٍ"؛» وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ وهُمُ المَدِينُونَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦]؛ يَعْنِي: مُلْزَمُونَ؛ مُطالَبُونَ بِدُيُونِنا؛ فَهَذا أصْلُ الغُرْمِ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ وحَدَّثَنا أبُو عُمَرَ؛ غُلامُ ثَعْلَبٍ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ؛ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ؛ في مَعْنى الغُرْمِ: قالَ أبُو عُمَرَ: "أخْطَأ مَن قالَ: إنَّ هَلاكَ المالِ؛ ونُقْصانَهُ يُسَمّى غُرْمًا؛ لِأنَّ الفَقِيرَ الَّذِي ذَهَبَ مالُهُ لا يُسَمّى غَرِيمًا؛ وإنَّما الغَرِيمُ مَن تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ المُطالَبَةُ لِلْآدَمِيِّ بِدَيْنٍ"؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ" أنَّهُ نُقْصانُهُ خَطَأٌ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ هو راوِي الحَدِيثِ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ هو القائِلُ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ ولَمْ يَتَأوَّلْهُ عَلى ما قالَهُ الشّافِعِيُّ؛ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ ضَمانُ الرَّهْنِ. وذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ؛ في كِتابِ "اَلسَّبْعَةُ"؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وعُرْوَةَ؛ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وخارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ أنَّهم قالُوا: " اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ؛ إذا هَلَكَ وعُمِّيَتْ قِيمَتُهُ "؛ ويَرْفَعُ ذَلِكَ مِنهُمُ الثِّقَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ مِن مَذْهَبِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ضَمانَ الرَّهْنِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ مُتَأوِّلٌ قَوْلَهُ: "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ عَلى نَفْيِ الضَّمانِ؟! فَإنْ كانَ ذَلِكَ رِوايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فالواجِبُ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ أنْ يَقْضِيَ بِتَأْوِيلِ الرّاوِي عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ زَعَمَ أنَّ الرّاوِيَ لِلْحَدِيثِ أعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ؛ فَجَعَلَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ في الشّاهِدِ واليَمِينِ؛ أنَّهُ في الأمْوالِ حُجَّةٌ في ألّا يُقْضى في غَيْرِ الأمْوالِ؛ وقَضى بِقَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ في حَدِيثِ القُلَّتَيْنِ أنَّهُ بِقِلالِ (p-٢٦٧)هَجَرَ؛ عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وجَعَلَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ؛ في خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ ما لَمْ يَفْتَرِقا؛ أنَّهُ عَلى التَّفَرُّقِ بِالأبْدانِ؛ قاضِيًا عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ؛ فَلَزِمَهُ عَلى هَذا أنْ يَجْعَلَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قاضِيًا عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إنْ كانَ قَوْلُهُ: "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ ثابِتًا عَنْهُ. وإنَّما مَعْنى قَوْلِهِ: "لَهُ غُنْمُهُ" أنَّ لِلرّاهِنِ زِيادَتَهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمَهُ؛ يَعْنِي دَيْنَهُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ؛ وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» لِأنَّهم كانُوا يُوجِبُونَ اسْتِحْقاقَ مِلْكِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ بِمُضِيِّ الأجَلِ قَبْلَ انْقِضاءِ الدَّيْنِ؛ فَقالَ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» أيْ: لا يَسْتَحِقُّهُ المُرْتَهِنُ بِمُضِيِّ الأجَلِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ: "لِصاحِبِهِ - يَعْنِي لِلرّاهِنِ – غُنْمُهُ"؛ يَعْنِي: زِيادَتُهُ؛ فَبَيَّنَ أنَّ المُرْتَهِنَ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ عَيْنِ الرَّهْنِ؛ لا نَماءَهُ وزِيادَتَهُ؛ وأنَّ دَيْنَهُ باقٍ عَلَيْهِ كَما كانَ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ كَقَوْلِهِ: "وعَلَيْهِ دَيْنُهُ"؛ فَإذًا لَيْسَ في الخَبَرِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ الرَّهْنِ غَيْرَ مَضْمُونٍ؛ بَلْ هو دالٌّ عَلى أنَّهُ مَضْمُونٌ؛ عَلى ما بَيَّنّا. قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» إذا أرادَ بِهِ حالَ بَقائِهِ عِنْدَ الفِكاكِ؛ وإبْطالُ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطَ اسْتِحْقاقِ مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الأجَلِ قَدْ حَوى مَعانِيَ؛ مِنها أنَّ الرَّهْنَ لا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ؛ بَلْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ ويَجُوزُ هُوَ؛ لِإبْطالِ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطَهُمْ؛ وإجازَتِهِ الرَّهْنَ؛ ومِنها أنَّ الرَّهْنَ لَمّا كانَ شَرْطُ صِحَّتِهِ القَبْضَ؛ كالهِبَةِ؛ والصَّدَقَةِ؛ ثُمَّ لَمْ تُفْسِدْهُ الشُّرُوطُ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ ما لا يَصِحُّ إلّا بِالقَبْضِ مِنَ الهِباتِ؛ والصَّدَقاتِ؛ في أنَّ الشُّرُوطَ لا تُفْسِدُها؛ لِاجْتِماعِها في كَوْنِ القَبْضِ شَرْطًا لِصِحَّتِها؛ وقَدْ دَلَّ هَذا الخَبَرُ أيْضًا عَلى أنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكاتِ لا تُعَلَّقُ عَلى الأخْطارِ؛ لِأنَّ شَرْطَهم لِمِلْكِ الرَّهْنِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ كانَ تَمْلِيكًا مُعَلَّقًا عَلى خَطَرٍ؛ وعَلى مَجِيءِ وقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ فَأبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَرْطَ التَّمْلِيكِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في سائِرِ عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ؛ والبَراءَةِ في امْتِناعِ تَعَلُّقِها عَلى الأخْطارِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا - فِيمَن قالَ: إذا جاءَ غَدًا فَقَدْ وهَبْتُ لَكَ العَبْدَ؛ أوْ قالَ: قَدْ بِعْتُكَهُ -: إنَّهُ باطِلٌ؛ لا يَقَعُ بِهِ المِلْكُ؛ وكَذَلِكَ إذا قالَ: إذا جاءَ غَدًا فَقَدْ أبْرَأْتُكَ مِمّا لِي عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ؛ كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ وفارَقَ ذَلِكَ عِنْدَهُمُ العَتاقَ؛ والطَّلاقَ؛ في جَوازِ تَعَلُّقِهِما عَلى الأخْطارِ؛ لِأنَّ لَهُما أصْلًا آخَرَ؛ وهو أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أجازَ الكِتابَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]؛ وهو أنْ يَقُولَ: "كاتَبْتُكَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ؛ فَإنْ أدَّيْتَ فَأنْتَ حُرٌّ؛ وإنْ عَجَزْتَ فَأنْتَ رَقِيقٌ"؛ وذَلِكَ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلى خَطَرٍ؛ وعَلى مَجِيءِ حالٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ وقالَ في شَأْنِ الطَّلاقِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إيقاعِهِ في الحالِ؛ وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى وقْتِ السُّنَّةِ؛ ولَمّا كانَ إيجابُ هَذا العَقْدِ - أعْنِي العِتْقَ عَلى مالٍ؛ والخُلْعَ بِمالٍ (p-٢٦٨)مَشْرُوطٍ لِلزَّوْجِ - يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيما أوْجَبَهُ قَبْلَ قَبُولِ العَبْدِ؛ والمَرْأةِ؛ صارَ ذَلِكَ عِتْقًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ؛ بِمَنزِلَةِ شُرُوطِ الأيْمانِ؛ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ فِيها؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَعَلُّقِهِما عَلى شُرُوطٍ؛ وأوْقاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ والمَعْنى في هَذَيْنِ أنَّهُما لا يَلْحَقُهُما الفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِهِما؛ وسائِرُ العُقُودِ الَّتِي ذَكَرْناها؛ مِن عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ؛ يَلْحَقُها الفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِها؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَعَلُّقُها عَلى الأخْطارِ. ونَظِيرُ دَلالَةِ قَوْلِهِ ﷺ «-: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» عَلى ما ذَكَرْنا؛ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى عَنْ بَيْعِ المُنابَذَةِ؛ والمُلامَسَةِ؛ وعَنْ بَيْعِ الحَصاةِ»؛ وهَذِهِ بِياعاتٌ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَعامَلُونَ بِها؛ فَكانَ أحَدُهم إذا لَمَسَ السِّلْعَةَ؛ أوْ ألْقى الثَّوْبَ إلى صاحِبِهِ؛ أوْ وضَعَ عَلَيْهِ حَصاةً؛ وجَبَ البَيْعُ؛ فَكانَ وُقُوعُ المِلْكِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ الإيجابِ والقَبُولِ؛ بَلْ بِفِعْلٍ آخَرَ يَفْعَلُهُ أحَدُهُما؛ فَأبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكاتِ لا تَتَعَلَّقُ عَلى الأخْطارِ؛ وإنَّما جَعَلَ أصْحابُنا الرَّهْنَ مَضْمُونًا بِأقَلَّ مِن قِيمَتِهِ؛ ومِنَ الدَّيْنِ؛ مِن قِبَلِ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْبُوضًا لِلِاسْتِيفاءِ وجَبَ اعْتِبارُ ما يَصِحُّ الِاسْتِيفاءُ بِهِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُسْتَوْفى مِن عِدَّةٍ أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أمِينًا في الفَضْلِ؛ وضامِنًا لِما نَقَصَ مِنَ الرَّهْنِ عَنِ الدَّيْنِ؛ ومَن جَعَلَهُ بِما فِيهِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؛ شَبَّهَهُ بِالمَبِيعِ إذا هَلَكَ في يَدِ البائِعِ؛ أنَّهُ يَهْلَكُ بِالثَّمَنِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؛ والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ؛ ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّ المَبِيعَ إنَّما كانَ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؛ لِأنَّ البَيْعَ يُنْتَقَضُ بِهَلاكِهِ؛ فَسَقَطَ الثَّمَنُ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ بَقاءُ الثَّمَنِ مَعَ انْتِقاضِ البَيْعِ؛ وأمّا الرَّهْنُ فَإنَّهُ يَتِمُّ بِهَلاكِهِ؛ ولا يُنْتَقَضُ؛ وإنَّما يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ بِهِ؛ فَوَجَبَ اعْتِبارُ ضَمانِهِ بِما وصَفْنا. فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ عَنِ الدَّيْنِ أمانَةً؛ فَما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ أمانَةً؛ وألّا يَكُونَ حَبْسُهُ بِالدَّيْنِ لِلِاسْتِيفاءِ مُوجِبًا لِضَمانِهِ؛ لِوُجُودِنا هَذا المَعْنى في الزِّيادَةِ؛ مَعَ عَدَمِ الضَّمانِ فِيها؛ وكَذَلِكَ ولَدُ المَرْهُونَةِ؛ المَوْلُودُ بَعْدَ الرَّهْنِ؛ يَكُونُ مَحْبُوسًا في يَدِ المُرْتَهِنِ مَعَ الأُمِّ؛ ولَوْ هَلَكَ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِيهِ؛ ولَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مَحْبُوسًا في يَدِ المُرْتَهِنِ عِلَّةً لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ الزِّيادَةَ عَلى الدَّيْنِ؛ مِن مِقْدارِ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ ووَلَدِ المَرْهُونَةِ؛ كِلاهُما تابِعٌ لِلْأصْلِ؛ غَيْرُ جائِزٍ إفْرادُهُما دُونَ الأصْلِ؛ إذا أُدْخِلا في العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إفْرادُهُما بِحُكْمِ الضَّمانِ؛ لِامْتِناعِ إفْرادِهِما بِالعَقْدِ المُتَقَدِّمِ قَبْلَ حُدُوثِ الوِلادَةِ؛ ولَيْسَ حُكْمُ ما يَدْخُلُ في العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ حُكْمَ ما يُفْرَدُ بِهِ؛ ألا تَرى أنَّ ولَدَ أُمِّ الوَلَدِ يَدْخُلُ في حُكْمِ الأُمِّ؛ ويَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيلادِ؛ عَلى وجْهِ التَّبَعِ؛ ولا يَصِحُّ انْفِرادُهُ في الأصْلِ (p-٢٦٩)بِهَذا الحَقِّ؛ لا عَلى وجْهِ التَّبَعِ؟ وكَذَلِكَ ولَدُ المُكاتَبَةِ؛ يَدْخُلُ في الكِتابَةِ؛ وهو حَمْلٌ مَعَ اسْتِحالَةِ إفْرادِهِ بِالعَقْدِ في تِلْكَ الحالِ؛ فَكَذَلِكَ ما ذَكَرْتَ مِن زِيادَةِ الرَّهْنِ؛ ووَلَدِ المَرْهُونَةِ؛ لَمّا دَخَلا في العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لَمْ يَلْزَمْ عَلى ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ حُكْمُهُما حُكْمَ الأصْلِ؛ ولا أنْ يَلْحَقَهُما بِمَنزِلَةِ ما ابْتُدِئَ العَقْدُ عَلَيْهِما؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ رَجُلًا لَوْ أهْدى بَدَنَةً فَزادَتْ في بَدَنِها؛ أوْ ولَدَتْ؛ أنَّ عَلَيْهِ أنْ يُهْدِيَها بِزِيادَتِها ووَلَدِها؛ ولَوْ ذَهَبَتِ الزِّيادَةُ؛ وهَلَكَ الوَلَدُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالهَلاكِ شَيْءٌ غَيْرُ ما كانَ عَلَيْهِ؛ وكَذَلِكَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وسَطٌ؛ فَأهْدى بَدَنَةً خِيارًا؛ مُرْتَفِعَةً؛ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ حُكْمُها ثابِتٌ ما بَقِيَ الأصْلُ؛ فَإنْ هَلَكَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ بَطَلَ حُكْمُ الزِّيادَةِ؛ وعادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في ذِمَّتِهِ؛ وكَذَلِكَ لَوْ كانَ بَدَلُ الزِّيادَةِ ولَدًا ولَدَتْهُ؛ كانَ في هَذِهِ المَنزِلَةِ؛ فَكَذَلِكَ ولَدُ المَرْهُونَةِ؛ وزِيادَتُها عَلى قِيمَةِ الرَّهْنِ هَذا حُكْمُها في بَقاءِ حُكْمِها؛ ما داما قائِمَيْنِ؛ وسُقُوطِ حُكْمِهِما إذا هَلَكا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في الِانْتِفاعِ بِالرَّهْنِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ؛ وزُفَرُ: "لا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفاعُ بِشَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ؛ ولا الرّاهِنُ أيْضًا"؛ وقالُوا: "إذا آجَرَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِإذْنِ الرّاهِنِ؛ أوْ آجَرَهُ الرّاهِنُ بِإذْنِ المُرْتَهِنِ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ؛ ولا يَعُودُ"؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "إذا آجَرَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ فَهو رَهْنٌ عَلى حالِهِ؛ والغَلَّةُ لِلْمُرْتَهِنِ قَضاءً مِن حَقِّهِ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "إذا خَلّى المُرْتَهِنُ بَيْنَ الرَّهْنِ؛ والرّاهِنِ؛ يُكْرِيهِ؛ أوْ يُسَكِّنُهُ؛ أوْ يُعِيرُهُ؛ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ وإذا آجَرَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الرَّهْنِ؛ وكَذَلِكَ إذا أعارَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ؛ فَهو رَهْنٌ عَلى حالِهِ؛ فَإذا آجَرَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ فالأجْرُ لِرَبِّ الأرْضِ؛ ولا يَكُونُ الكَرْيُ رَهْنًا بِحَقِّهِ؛ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ المُرْتَهِنُ"؛ فَإنِ اشْتَرَطَ في البَيْعِ أنْ يَرْتَهِنَ؛ ويَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الكَرْيِ؛ فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ في البَيْعِ؛ وتَبَرَّعَ بِهِ الرّاهِنُ بَعْدَ البَيْعِ؛ فَلا بَأْسَ بِهِ؛ وإنْ كانَ البَيْعُ وقَعَ بِهَذا الشَّرْطِ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ؛ أوْ شَرَطَ فِيهِ البائِعُ بَيْعَهُ الرَّهْنَ لِيَأْخُذَها مِن حَقِّهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ مالِكٍ؛ في الدُّورِ؛ والأرْضِ؛ وكَرِهَهُ في الحَيَوانِ. وذَكَرَ المُعافى؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُنْتَفَعَ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ؛ ولا يُقْرَأ في المُصْحَفِ المَرْهُونِ؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "غَلَّةُ الرَّهْنِ لِصاحِبِهِ؛ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنها؛ والفَضْلُ لَهُ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ؛ وكانَ يَسْتَخْدِمُهُ؛ فَطَعامُهُ بِخِدْمَتِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَخْدِمُهُ فَنَفَقَتُهُ عَلى صاحِبِهِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لا يَسْتَعْمِلُ الرَّهْنَ؛ (p-٢٧٠)ولا يَنْتَفِعُ بِهِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ دارًا يَخافُ خَرابَها؛ فَيَسْكُنَها المُرْتَهِنُ؛ لا يُرِيدُ الِانْتِفاعَ بِها؛ وإنَّما يُرِيدُ إصْلاحَها"؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "إذا لَبِسَ المُرْتَهِنُ الخاتَمَ لِلتَّجَمُّلِ ضَمِنَ؛ وإنْ لَبِسَهُ لِيَحُوزَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: "لا بَأْسَ بِأنْ يَسْتَعْمِلَ العَبْدُ الرَّهْنَ بِطَعامِهِ؛ إذا كانَتِ النَّفَقَةُ بِقَدْرِ العَمَلِ؛ فَإنْ كانَ العَمَلُ أكْثَرَ أخَذَ فَضْلَ ذَلِكَ مِنَ المُرْتَهِنِ"؛ وقالَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ؛ فِيما رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلرَّهْنُ مَحْلُوبٌ؛ ومَرْكُوبٌ"؛» أيْ: مَن رَهَنَ ذاتَ ظَهْرٍ ودَرٍّ؛ لَمْ يَمْنَعِ الرَّهْنُ مِن ظَهْرِها ودَرِّها؛ ولِلرّاهِنِ أنْ يَسْتَخْدِمَ العَبْدَ؛ ويَرْكَبَ الدّابَّةَ؛ ويَحْلُبَ الدَّرَّ؛ ويَجُزَّ الصُّوفَ؛ ويَأْوِيَ بِاللَّيْلِ إلى المُرْتَهِنِ؛ أوِ المَوْضُوعِ عَلى يَدِهِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فَجَعَلَ القَبْضَ مِن صِفاتِ الرَّهْنِ؛ أوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ القَبْضِ مُوجِبًا لِإبْطالِ الرَّهْنِ؛ فَإذا آجَرَهُ أحَدُهُما بِإذْنِ صاحِبِهِ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ؛ لِأنَّ المُسْتَأْجِرَ قَدِ اسْتَحَقَّ القَبْضَ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ الرَّهْنُ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ كالعارِيَّةِ عِنْدَنا؛ لِأنَّ العارِيَّةَ لا تُوجِبُ اسْتِحْقاقَ القَبْضِ؛ إذْ لِلْمُعِيرِ أنْ يَرُدَّ العارِيَّةَ إلى يَدِهِ مَتى شاءَ؛ واحْتَجَّ مَن أجازَ إجارَتَهُ؛ والِانْتِفاعَ بِهِ؛ بِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادٌ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ؛ عَنْ زَكَرِيّا؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"لَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ؛ إذا كانَ مَرْهُونًا؛ والظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ؛ إذا كانَ مَرْهُونًا؛ وعَلى الَّذِي يَرْكَبُ ويَحْلُبُ النَّفَقَةُ"؛» فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لِرُكُوبِ ظَهْرِهِ؛ وشُرْبِ لَبَنِهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الرّاهِنَ إنَّما يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِمِلْكِهِ؛ لا لِرُكُوبِهِ ولَبَنِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُرْكَبُ أوْ يُحْلَبُ؛ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ اللَّبَنَ والظَّهْرَ لِلْمُرْتَهِنِ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي يُنْفِقُها؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْمٌ في حَدِيثِهِ؛ فَإنَّهُ رَواهُ عَنْ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"إذا كانَتِ الدّابَّةُ مَرْهُونَةً؛ فَعَلى المُرْتَهِنِ عَلَفُها؛ ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ؛ وعَلى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُها؛ ويَرْكَبُ"؛» فَبَيَّنَ في هَذا الخَبَرِ أنَّ المُرْتَهِنَ هو الَّذِي تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ؛ ويَكُونُ لَهُ ظَهْرُهُ ولَبَنُهُ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "إنَّ نَفَقَتَهُ عَلى الرّاهِنِ دُونَ المُرْتَهِنِ"؛ فَهَذا الحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لا لَهُ؛ وقَدْ رَوى الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: "لا يُنْتَفَعُ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ"؛ فَقَدْ تَرَكَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ؛ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ غَيْرَ ثابِتٍ في الأصْلِ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ ثابِتًا؛ وهو مَنسُوخٌ عِنْدَهُ؛ وهو كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ كانَ جائِزًا قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبا؛ فَلَمّا حُرِّمَ الرِّبا؛ ورُدَّتِ الأشْياءُ إلى مَقادِيرِها؛ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا؛ ألا تَرى أنَّهُ جَعَلَ النَّفَقَةَ بَدَلًا مِنَ اللَّبَنِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؟ وهو نَظِيرُ (p-٢٧١)ما رُوِيَ في المُصَرّاةِ أنَّهُ يَرُدُّها؛ ويَرُدُّ مَعَها صاعًا مِن تَمْرٍ؛ ولَمْ يَعْتَبِرْ مِقْدارَ اللَّبَنِ الَّذِي أخَذَهُ؛ وذَلِكَ أيْضًا عِنْدَنا مَنسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبا؛ ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ بِإيجابِ الرُّكُوبِ واللَّبَنِ لِلرّاهِنِ؛ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ مِن صِفاتِ الرَّهْنِ القَبْضَ؛ كَما جَعَلَ مِن صِفاتِ الشَّهادَةِ العَدالَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ وقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ ومَعْلُومٌ أنَّ زَوالَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ الشَّهادَةِ يَمْنَعُ جَوازَ الشَّهادَةِ؛ فَكَذَلِكَ لَمّا جَعَلَ مِن صِفاتِ الرَّهْنِ أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ وجَبَ إبْطالُ الرَّهْنِ؛ لِعَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ وهو اسْتِحْقاقُ القَبْضِ؛ فَلَوْ كانَ الرّاهِنُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَبْضِ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ الرَّهْنُ؛ لَمَنَعَ ذَلِكَ مِن صِحَّتِهِ بَدِيًّا؛ لِمُقارَنَةِ ما يُبْطِلُهُ؛ ولَوْ صَحَّ بَدِيًّا لَوَجَبَ أنْ يَبْطُلَ بِاسْتِحْقاقِ قَبْضِهِ وُجُوبُ رَدِّهِ إلى يَدِهِ؛ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الرّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِن وطْءِ الأمَةِ المَرْهُونَةِ؛ والوَطْءُ مِن مَنافِعِها؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سائِرِ المَنافِعِ في بُطْلانِ حَقِّ الرّاهِنِ فِيها؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الرّاهِنَ إنَّما لَمْ يَسْتَحِقَّ الوَطْءَ لِأنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَيْها؛ كَذَلِكَ الِاسْتِخْدامُ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن شَرَطَ مِلْكَ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: "إذا رَهَنَهُ رَهْنًا؛ وقالَ: إنْ جِئْتُكَ بِالمالِ إلى شَهْرٍ؛ وإلّا فَهو بَيْعٌ؛ فالرَّهْنُ جائِزٌ؛ والشَّرْطُ باطِلٌ"؛ وقالَ مالِكٌ: اَلرَّهْنُ فاسِدٌ؛ ويُنْقَضُ؛ فَإنْ لَمْ يُنْقَضْ حَتّى حَلَّ الأجَلُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ؛ ولِلْمُرْتَهِنِ أنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ؛ وهو أحَقُّ بِهِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ فَإنْ تَغَيَّرَ في يَدِهِ لَمْ يُرَدَّ؛ ولَزِمَتْهُ القِيمَةُ في ذَلِكَ يَوْمَ حَلَّ الأجَلُ؛ وهَذا في السِّلَعِ؛ والحَيَوانِ؛ وأمّا في الدُّورِ والأرْضِينَ؛ فَإنَّهُ يَرُدُّها إلى الرّاهِنِ؛ وإنْ تَطاوَلَ؛ إلّا أنْ تَنْهَدِمَ الدّارُ؛ أوْ يُبْنى فِيها؛ أوْ يُغْرَسَ في الأرْضِ؛ فَهَذا فَوْتٌ؛ ويُغْرَمُ القِيمَةَ؛ مِثْلَ البَيْعِ الفاسِدِ. وقالَ المُعافى؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ - في الرَّجُلِ يَرْهَنُ صاحِبَهُ المَتاعَ؛ ويَقُولُ: إنْ لَمْ آتِكَ فَهو لَكَ - قالَ: لا يَغْلَقُ ذَلِكَ الرَّهْنُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لَيْسَ قَوْلُهُ هَذا بِشَيْءٍ"؛ وقالَ الرَّبِيعُ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ: "لَوْ رَهَنَهُ وشَرَطَ لَهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالحَقِّ إلى كَذا فالرَّهْنُ لَهُ بَيْعٌ؛ فالرَّهْنُ فاسِدٌ؛ والرَّهْنُ لِصاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ". قالَ أبُو بَكْرٍ: اِتَّفَقُوا أنَّهُ لا يَمْلِكُهُ بِمُضِيِّ الأجَلِ؛ واخْتَلَفُوا في جَوازِ الرَّهْنِ وفَسادِهِ؛ وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ أنَّ قَوْلَهُ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» أنَّهُ لا يَمْلِكُ بِالدَّيْنِ بِمُضِيِّ الأجَلِ؛ لِلشَّرْطِ الَّذِي شَرَطاهُ؛ فَإنَّما نَفى النَّبِيُّ ﷺ غَلْقَهُ بِذَلِكَ؛ ولَمْ يَنْفِ صِحَّةَ الرَّهْنِ الَّذِي شَرَطاهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ الرَّهْنِ؛ وبُطْلانِ الشَّرْطِ؛ وهو أيْضًا قِياسُ العُمْرى؛ الَّتِي أبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها الشَّرْطَ؛ وأجازَ الهِبَةَ؛ والمَعْنى الجامِعُ (p-٢٧٢)بَيْنَهُما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَصِحُّ بِالعَقْدِ دُونَ القَبْضِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا في مِقْدارِ الدَّيْنِ إذا اخْتَلَفَ فِيهِ الرّاهِنُ والمُرْتَهِنُ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: "إذا هَلَكَ واخْتَلَفَ الرّاهِنُ والمُرْتَهِنُ في مِقْدارِ الدَّيْنِ؛ فالقَوْلُ قَوْلُ الرّاهِنِ في الدَّيْنِ؛ مَعَ يَمِينِهِ"؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ وعُثْمانَ البَتِّيِّ؛ وقالَ طاوُسٌ: "يُصَدَّقُ المُرْتَهِنُ إلى ثَمَنِ الرَّهْنِ؛ ويُسْتَحْلَفُ"؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ؛ والحَكَمِ؛ وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ قَوْلًا بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ قالَ: "إنْ كانَ لِلرّاهِنِ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِهِ الرَّهْنَ فالقَوْلُ قَوْلُ الرّاهِنِ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فالقَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ جَحَدَهُ الرَّهْنَ؛ ومَتى أقَرَّ بِشَيْءٍ ولَيْسَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؛ فالقَوْلُ قَوْلُهُ"؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ: "إذا اخْتَلَفا في الدَّيْنِ؛ والرَّهْنُ قائِمٌ؛ فَإنْ كانَ الرَّهْنُ قَدْرَ حَقِّ المُرْتَهِنِ؛ أخَذَهُ المُرْتَهِنُ؛ وكانَ أوْلى بِهِ؛ ويُحَلِّفُهُ؛ إلّا أنْ يَشاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ عَلَيْهِ؛ ويَأْخُذَ رَهْنَهُ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "اَلْقَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لا يُصَدَّقُ عَلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ". قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأنَّهُ وعَظَهُ في البَخْسِ؛ وهو النُّقْصانُ؛ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ؛ وأيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلْبَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي؛ واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ"؛» والمُرْتَهِنُ هو المُدَّعِي؛ والرّاهِنُ هو المُدَّعى عَلَيْهِ؛ فالقَوْلُ قَوْلُهُ بِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ ﷺ؛ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ لَكانَ القَوْلُ قَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ في مِقْدارِهِ بِالِاتِّفاقِ؛ كَذَلِكَ إذا كانَ بِهِ رَهْنٌ؛ لِأنَّ الرَّهْنَ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وزَعَمَ بَعْضُ مَن يَحْتَجُّ لِمالِكٍ أنَّ قَوْلَهُ أشْبَهُ بِظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فَأقامَ الرَّهْنَ مَقامَ الشَّهادَةِ؛ ولَمْ يَأْتَمِنِ الذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ حِينَ أخَذَ مِنهُ وثِيقَةً؛ كَما لَمْ يَأْتَمِنهُ عَلى مَبْلَغِهِ إذا أشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودَ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ والكِتابَ تُنَبِّئُ عَنْ مَبْلَغِ الحَقِّ؛ فَلَمْ يُصَدَّقِ الرّاهِنُ؛ وقامَ الرَّهْنُ مَقامَ الشُّهُودِ؛ إلى أنْ يَبْلُغَ قِيمَتَهُ؛ فَإذا جاوَزَ قِيمَتَهُ فَلا وثِيقَةَ فِيهِ؛ والمُرْتَهِنُ مُدَّعٍ فِيهِ؛ والرّاهِنُ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا مِن عَجِيبِ الحِجاجِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتَمِنهُ حَتّى أخَذَ الرَّهْنَ؛ قامَ الرَّهْنُ مَقامَ الشَّهادَةِ؛ وزَعَمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ (تَعالى) القَوْلَ قَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ حِينَ قالَ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَجَعَلَ القَوْلَ قَوْلَهُ في الحالِ الَّتِي أُمِرَ فِيها بِالإشْهادِ والكِتابِ؛ ولَمْ يَجْعَلْ عَدَمَ ائْتِمانِ الطّالِبِ (p-٢٧٣)لِلْمَطْلُوبِ مانِعًا مِن أنْ يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَ المَطْلُوبِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ ائْتِمانِهِ إيّاهُ بِالتَّوَثُّقِ مِنهُ بِالرَّهْنِ مانِعًا مِن قَبُولِ قَوْلِ المَطْلُوبِ؛ ومُوجِبًا لِتَصْدِيقِ الطّالِبِ عَلى ما يَدَّعِيهِ؟ والَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ والعِلَّةُ الَّتِي نَصَبَها لِتَصْدِيقِ المُرْتَهِنِ في تَرْكِ ائْتِمانِهِ مُنْتَقِضَةٌ بِنَصِّ الكِتابِ؛ ثُمَّ دَعْواهُ مُوافَقَتَهُ لِظاهِرِ القُرْآنِ أعْجَبُ الأشْياءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ قَدْ قَضى بِبُطْلانِ قَوْلِهِ حِينَ جَعَلَ القَوْلَ قَوْلَ المَطْلُوبِ؛ في الحالِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَمَن فِيها؛ حَتّى اسْتَوْثَقَ مِنهُ بِالكِتابِ والإشْهادِ؛ وهو إنَّما زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ حِينَ أخَذَ الرَّهْنَ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَ الطّالِبِ؛ ثُمَّ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ مُوافِقٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ وبَنى عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ؛ وأنَّ الرَّهْنَ تَوَثُّقٌ؛ كَما أنَّ الشَّهادَةَ تَوَثُّقٌ؛ فَقامَ الرَّهْنُ مَقامَ الشَّهادَةِ؛ ولَيْسَ ما ذَكَرَهُ مِنَ المَعْنى مِن ظاهِرِ القُرْآنِ في شَيْءٍ؛ وإنّا كُنّا قَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّهُ مُخالِفٌ لَهُ؛ وإنَّما هو قِياسٌ ورَدَ لِمَسْألَةِ الرَّهْنِ إلى مَسْألَةِ الشَّهادَةِ بِعِلَّةِ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَن في الحالَيْنِ عَلى الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ؛ وهو قِياسٌ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَرُدُّهُ؛ وهو ما قَدَّمْناهُ؛ والثّانِي أنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مَن لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأخَذَ مِنهُ كَفِيلًا؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِهِ؛ كانَ القَوْلُ قَوْلَ المَطْلُوبِ فِيما يَلْزَمُهُ؛ ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ الِائْتِمانِ بِأخْذِهِ الكَفِيلَ مُوجِبًا لِتَصْدِيقِ الطّالِبِ؛ مَعَ وُجُودِ عِلَّتِهِ فِيهِ؛ فانْتَقَضَتْ عِلَّتُهُ بِالكَفالَةِ؛ والثّالِثِ أنَّ المَعْنى الَّذِي مِن أجَلِهِ لَمْ يُصَدَّقِ الطّالِبُ؛ إذا قامَتِ البَيِّنَةُ؛ أنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ مَقْبُولَةٌ؛ مَحْكُومٌ بِتَصْدِيقِهِمْ فِيها؛ وهم قَدْ شَهِدُوا عَلى إقْرارِهِ بِأكْثَرَ مِمّا ذَكَرَهُ؛ وبِما ادَّعاهُ المُدَّعِي؛ فَصارَ كَإقْرارِهِ عِنْدَ القاضِي بِالزِّيادَةِ؛ ولا دَلالَةَ في قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلى أنَّ الدَّيْنَ بِمِقْدارِهِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَرْهَنَ بِالقَلِيلِ الكَثِيرَ؛ وبِالكَثِيرِ القَلِيلَ؛ ولا تُنْبِئُ قِيمَةُ الرَّهْنِ عَنْ مِقْدارِ الدَّيْنِ؛ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ الرَّهْنُ بِمَنزِلَةِ الشَّهادَةِ؟ ويَدُلُّ عَلى فَسادِ قِياسِهِ هَذا أنَّهُما لَوِ اتَّفَقا عَلى أنَّ الدَّيْنَ أقَلُّ مِن قِيمَةِ الرَّهْنِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ بُطْلانَ الرَّهْنِ؛ ولَوْ أقَرَّ الطّالِبُ أنَّ دَيْنَهُ أقَلُّ مِمّا شَهِدَ بِهِ شُهُودُهُ بَطَلَتْ شَهادَةُ شُهُودِهِ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تُوجِبُ بُطْلانَ ما ذَكَرَهُ هَذا المُحْتَجُّ. * * وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾؛ كَلامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأمْرِ بِالإشْهادِ عِنْدَ التَّبايُعِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَهو عُمُومٌ في سائِرِ الشَّهاداتِ الَّتِي يَلْزَمُ الشّاهِدَ إقامَتُها؛ وأداؤُها؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]؛ وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها (p-٢٧٤)الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فَنَهى اللَّهُ (تَعالى) الشّاهِدَ بِهَذِهِ الآياتِ عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَرَكَها يُؤَدِّي إلى تَضْيِيعِ الحُقُوقِ؛ وهو - عَلى ما بَيَّنّا مِن إثْباتِ الشَّهادَةِ في كُتُبِ الوَثائِقِ؛ وأدائِها بَعْدَ إثْباتِها - فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ؛ فَإذا لَمْ يَكُنْ مَن يَشْهَدُ عَلى الحَقِّ؛ غَيْرُ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ؛ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِما فَرْضُ أدائِها؛ ويَلْحَقُهُما إنْ تَخَلَّفا عَنْها الوَعِيدُ المَذْكُورُ في الآيَةِ؛ وقَدْ كانَ نَهْيُهُ عَنِ الكِتْمانِ مُفِيدًا لِوُجُوبِ أدائِها؛ ولَكِنَّهُ (تَعالى) أكَّدَ الفَرْضَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ وإنَّما أضافَ الإثْمَ إلى القَلْبِ؛ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ الكاتِمُ هو الآثِمَ؛ لِأنَّ المَأْثَمَ فِيهِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ القَلْبِ؛ ولِأنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ إنَّما هو عَقْدُ النِّيَّةِ لِتَرْكِ أدائِها بِاللِّسانِ؛ فَعَقْدُ النِّيَّةِ مِن أفْعالِ القَلْبِ؛ لا نَصِيبَ لِلْجَوارِحِ فِيهِ. وقَدِ انْتَظَمَ الكاتِمُ لِلشَّهادَةِ المَأْثَمَ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما عَزْمُهُ عَلى ألّا يُؤَدِّيَها؛ والثّانِي تَرْكُ أدائِها بِاللِّسانِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ مَجازٌ؛ لا حَقِيقَةٌ؛ وهو آكَدُ في هَذا المَوْضِعِ مِنَ الحَقِيقَةِ لَوْ قالَ: "ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ"؛ وأبْلَغُ مِنهُ؛ وأدَلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ وهو مِن بَدِيعِ البَيانِ؛ ولَطِيفِ الإعْرابِ عَنِ المَعانِي - تَعالى اللَّهُ الحَكِيمُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وآيَةُ الدَّيْنِ - بِما فِيها مِن ذِكْرِ الِاحْتِياطِ بِالكِتابِ؛ والشُّهُودِ المَرْضِيِّينَ؛ والرَّهْنِ - تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ صَلاحِ الدِّينِ؛ والدُّنْيا مَعَهُ؛ فَأمّا في الدُّنْيا فَصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ؛ ونَفْيُ التَّنازُعِ والِاخْتِلافِ؛ وفي التَّنازُعِ والِاخْتِلافِ فَسادُ ذاتِ البَيْنِ؛ وذَهابُ الدِّينِ والدُّنْيا؛ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]؛ وذَلِكَ أنَّ المَطْلُوبَ إذا عَلِمَ أنَّ عَلَيْهِ دِينًا؛ وشُهُودًا؛ وكِتابًا؛ ورَهْنًا بِما عَلَيْهِ؛ وثِيقَةً في يَدِ الطّالِبِ؛ قَلَّ الخِلافُ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ خِلافَهُ؛ وبَخْسَهُ لِحَقِّ المَطْلُوبِ لا يَنْفَعُهُ؛ بَلْ يَظْهَرُ كَذِبُهُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ؛ وفِيهِ وثِيقَةٌ واحْتِياطٌ لِلطّالِبِ؛ وفي ذَلِكَ صَلاحٌ لَهُما جَمِيعًا في دِينِهِما؛ ودُنْياهُما؛ لِأنَّ في تَرْكِهِ بَخْسَ حَقِّ الطّالِبِ صَلاحَ دِينِهِ؛ وفي جُحُودِهِ وبَخْسِهِ ذَهابَ دِينِهِ؛ إذا عَلِمَ وُجُوبَهُ؛ وكَذَلِكَ الطّالِبُ إذا كانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ وشُهُودٌ؛ أثْبَتُوا ما لَهُ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ وجَحَدَ الطّالِبُ؛ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى مُقابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ؛ والمُبالَغَةِ في كَيْدِهِ؛ حَتّى رُبَّما لَمْ يَرْضَ بِمِقْدارِ حَقِّهِ دُونَ الإضْرارِ بِهِ في أضْعافِهِ؛ مَتى أمْكَنَهُ؛ وذَلِكَ مُتَعالَمٌ مِن أحْوالِ عامَّةِ النّاسِ؛ وهَذا نَظِيرُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنَ البِياعاتِ المَجْهُولَةِ القَدْرِ؛ والآجالِ المَجْهُولَةِ؛ والأُمُورِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها النّاسُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ؛ مِمّا كانَ يُؤَدِّي إلى الِاخْتِلافِ؛ وفَسادِ ذاتِ البَيْنِ؛ وإيقاعِ العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ المَيْسِرِ؛ والقِمارِ؛ وشُرْبِ الخَمْرِ؛ وما يُسْكِرُ؛ فَيُؤَدِّي إلى (p-٢٧٥)العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ والِاخْتِلافِ؛ والشَّحْناءِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّهُ إنَّما نَهى عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ لِنَفْيِ الِاخْتِلافِ؛ والعَداوَةِ؛ ولِما في ارْتِكابِها مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (تَعالى) وعَنِ الصَّلاةِ؛ فَمَن تَأدَّبَ بِأدَبِ اللَّهِ (تَعالى) وانْتَهى إلى أوامِرِهِ؛ وانْزَجَرَ بِزَواجِرِهِ؛ حازَ صَلاحَ الدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] ﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]؛ وفي هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها بِالكِتابِ والإشْهادِ عَلى الدَّيْنِ؛ والعُقُودِ؛ والِاحْتِياطِ فِيها تارَةً بِالشَّهادَةِ؛ وتارَةً بِالرَّهْنِ؛ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ حِفْظِ المالِ؛ والنَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِهِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النساء: ٥]؛ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]؛ اَلْآيَةَ؛ فَهَذِهِ الآيُ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ حِفْظِ المالِ؛ والنَّهْيِ عَنْ تَبْذِيرِهِ وتَضْيِيعِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ حَدَّثَنا بَعْضُ مَن لا أتَّهِمُ في الرِّوايَةِ قالَ: أخْبَرَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُسَدِّدٌ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحاقَ؛ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا يُحِبُّ اللَّهُ إضاعَةَ المالِ؛ ولا قِيلَ ولا قالَ"؛» وحَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ المَسْرُوقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا حَسَنٌ الجُعْفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ؛ عَنْ ورّادٍ قالَ: «كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: "اُكْتُبْ إلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أحَدٌ"؛ قالَ: فَأمْلى عَلَيَّ؛ وكَتَبْتُ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ثَلاثًا؛ ونَهى عَنْ ثَلاثٍ؛ فَأمّا الثَّلاثُ الَّتِي حَرَّمَ فَعُقُوقُ الأُمَّهاتِ؛ ووَأْدُ البَناتِ؛ ولا وهاتِ؛ والثَّلاثُ الَّتِي نَهى عَنْهُنَّ فَقِيلَ وقالَ؛ وإلْحافُ السُّؤالِ؛ وإضاعَةُ المالِ"». قالَ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ عَنْ مَعْمَرٍ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ - (p-٢٧٦)قالَ: قَرَأها ابْنُ عُمَرَ وبَكى؛ وقالَ: "إنّا لَمَأْخُوذُونَ بِما نُحَدِّثُ بِهِ أنْفُسَنا؟"؛ فَبَكى حَتّى سُمِعَ نَشِيجُهُ؛ فَقامَ رَجُلٌ مِن عِنْدِهِ فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ؛ فَقالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عُمَرَ؛ لَقَدْ وجَدَ مِنها المُسْلِمُونَ نَحْوًا مِمّا وجَدَ؛ حَتّى نَزَلَتْ بَعْدَها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] "؛ ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: "نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] "؛ ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾: "إنَّها لَمْ تُنْسَخْ؛ لَكِنَّ اللَّهَ إذا جَمَعَ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: (إنِّي أُخْبِرُكم بِما في أنْفُسِكم مِمّا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلائِكَتِي؛) فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ؛ ويَغْفِرُ لَهم ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ مِنَ الشَّكِّ؛ والنِّفاقِ". ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: "هِيَ مُحْكَمَةٌ؛ لَمْ تُنْسَخْ"؛ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مُحْكَمَةٌ في الشَّكِّ؛ واليَقِينِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً؛ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ الأخْبارَ لا يَجُوزُ فِيها النَّسْخُ؛ لِأنَّ نَسْخَ مُخْبَرِها يَدُلُّ عَلى البَداءِ؛ واللَّهُ (تَعالى) عالِمٌ بِالعَواقِبِ؛ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ البَداءُ؛ والثّانِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُ [نَفْسٍ] ما لَيْسَ في وُسْعِها؛ لِأنَّهُ سَفَهٌ؛ وعَبَثٌ؛ واللَّهُ (تَعالى) يَتَعالى عَنْ فِعْلِ العَبَثِ؛ وإنَّما قَوْلُ مَن رُوِيَ عَنْهُ أنَّها مَنسُوخَةٌ؛ فَإنَّهُ غَلَطٌ مِنَ الرّاوِي في اللَّفْظِ؛ وإنَّما أرادَ بَيانَ مَعْناها؛ وإزالَةَ التَّوَهُّمِ عَنْ صَرْفِهِ إلى غَيْرِ وجْهِهِ؛ وقَدْ رَوى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ؛ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ؛ ورُوِيَ عَنْ غَيْرِهِما أنَّها في سائِرِ الأشْياءِ؛ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ عُمُومٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ؛ فَهو عامٌّ في الشَّهادَةِ وغَيْرِها؛ ومِن نَظائِرِ ذَلِكَ؛ في المُؤاخَذَةِ بِكَسْبِ القَلْبِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ١٩]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]؛ أيْ: شَكٌّ. فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"إنَّ اللَّهَ عَفا لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ أوْ يَعْمَلُوا بِهِ"؛» قِيلَ لَهُ: هَذا فِيما يَلْزَمُهُ مِنَ الأحْكامِ؛ فَلا يَقَعُ عِتْقُهُ؛ ولا طَلاقُهُ؛ ولا بَيْعُهُ؛ ولا صَدَقَتُهُ؛ ولا هِبَتُهُ بِالنِّيَّةِ؛ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ؛ وما ذُكِرَ في الآيَةِ فِيما يُؤاخَذُ بِهِ مِمّا بَيْنَ العَبْدِ؛ وبَيْنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ رَوى الحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ عَطِيَّةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ فَقالَ: "سِرُّ عَمَلِكَ؛ وعَلانِيَتُهُ يُحاسِبُكَ بِهِ اللَّهُ؛ ولَيْسَ مِن عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُسِرُّ في نَفْسِهِ خَيْرًا لِيَعْمَلَ (p-٢٧٧)بِهِ؛ فَإنْ عَمِلَ بِهِ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَشْرُ حَسَناتٍ؛ وإنْ هو لَمْ يَقْدِرْ [لَهُ أنْ ] يَعْمَلَ بِهِ؛ كُتِبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ؛ مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِسِرِّ المُؤْمِنِينَ؛ وعَلانِيَتِهِمْ؛ وإنْ كانَ شَرًّا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ؛ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَ بِهِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ؛ فَإنْ هو لَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ لَمْ يُؤاخِذْهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى يَعْمَلَ بِهِ؛ فَإنْ هو عَمِلَ بِهِ تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ؛ كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]؛ وهَذا عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: «"إنَّ اللَّهَ عَفا لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها؛ ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ أوْ يَعْمَلُوا بِهِ"».

البقرة 2:284

بابُ الرَّهْنِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: "إذا عَدِمْتُمُ التَّوَثُّقَ بِالكِتابِ؛ والإشْهادِ؛ فالوَثِيقَةُ بِرِهانٍ مَقْبُوضَةٍ"؛ فَأقامَ الرَّهْنَ في بابِ التَّوَثُّقِ في الحالِ الَّتِي لا يَصِلُ فِيها إلى التَّوَثُّقِ بِالكِتابِ؛ والإشْهادِ مَقامَها؛ وإنَّما ذَكَرَ حالَ السَّفَرِ لِأنَّ الأغْلَبَ فِيها عَدَمُ الكِتابِ؛ والشُّهُودِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الرَّهْنَ؛ إلّا في السَّفَرِ؛ وكانَ عَطاءٌ لا يَرى بِهِ بَأْسًا في الحَضَرِ؛ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمّا كانَ مَأْخُوذًا مِنَ الآيَةِ؛ وإنَّما أباحَتْهُ الآيَةُ في السَّفَرِ؛ لَمْ يَثْبُتْ في غَيْرِهِ؛ ولَيْسَ هَذا عِنْدَ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ كَذَلِكَ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ وعامَّةِ السَّلَفِ في جَوازِهِ في الحَضَرِ؛ وقَدْ رَوى إبْراهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا إلى أجَلٍ؛ ورَهَنَهُ دِرْعَهُ»؛ ورَوى قَتادَةُ؛ عَنْ أنَسٍ قالَ: «"رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالمَدِينَةِ؛ وأخَذَ مِنهُ شَعِيرًا لِأهْلِهِ؛» فَثَبَتَ جَوازُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ؛ بِفِعْلِهِ ﷺ؛ وقالَ (تَعالى): ( فاتَّبِعُوهُ )؛ وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ (p-٢٥٩)لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ (تَعالى) لِحالِ السَّفَرِ بِذِكْرِ الرَّهْنِ إنَّما هو لِأنَّ الأغْلَبَ فِيها عَدَمُ الكاتِبِ؛ والشَّهِيدِ؛ وهَذا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"فِي خَمْسٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ ابْنَةُ مَخاضٍ؛ وفي سِتٍّ وثَلاثِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ"؛» لَمْ يُرِدْ بِهِ وُجُودَ المَخاضِ؛ واللَّبَنِ بِالأُمِّ؛ وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الأغْلَبِ الأعَمِّ مِنَ الحالِ؛ وإنْ كانَ جائِزًا ألّا يَكُونَ بِأُمِّها مَخاضٌ؛ ولا لَبَنٌ؛ فَكَذَلِكَ ذِكْرُ السَّفَرِ هو عَلى هَذا الوَجْهِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا قَطْعَ في ثَمَرٍ حَتّى يُؤْوِيَهُ الجَرِينُ"؛» والمُرادُ اسْتِحْكامُهُ؛ وجَفافُهُ؛ لا حُصُولُهُ في الجَرِينِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ في بَيْتِهِ؛ أوْ حانُوتِهِ؛ بَعْدَ اسْتِحْكامِهِ؛ وجَفافِهِ؛ فَسَرَقَهُ سارِقٌ؛ قُطِعَ فِيهِ؛ فَكانَ ذِكْرُ الجَرِينِ عَلى الأغْلَبِ الأعَمِّ مِن حالِهِ في اسْتِحْكامِهِ؛ فَكَذَلِكَ ذِكْرُهُ لِحالِ السَّفَرِ؛ هو عَلى هَذا المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّهْنَ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِن الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَلَمّا كانَ اسْتِيفاءُ العَدَدِ المَذْكُورِ؛ والصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ لِلشُّهُودِ واجِبًا؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيما شُرِطَ لَهُ مِنَ الصِّفَةِ؛ فَلا يَصِحُّ إلّا عَلَيْها؛ كَما لا تَصِحُّ شَهادَةُ الشُّهُودِ إلّا عَلى الأوْصافِ المَذْكُورَةِ؛ إذْ كانَ ابْتِداءُ الخِطابِ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ المُقْتَضِي لِلْإيجابِ؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ؛ والآيَةُ إنَّما أجازَتْهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إجازَتُهُ عَلى غَيْرِها؛ إذْ لَيْسَ هَهُنا أصْلٌ آخَرُ يُوجِبُ جَوازَ الرَّهْنِ غَيْرُ الآيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ وثِيقَةٌ لِمُرْتَهِنٍ بِدَيْنِهِ؛ ولَوْ صَحَّ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لَبَطَلَ مَعْنى الوَثِيقَةِ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ أمْوالِ الرّاهِنِ الَّتِي لا وثِيقَةَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيها؛ وإنَّما جُعِلَ وثِيقَةً لَهُ لِيَكُونَ مَحْبُوسًا في يَدِهِ بِدَيْنِهِ؛ فَيَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ والإفْلاسِ أحَقَّ بِهِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ ومَتى لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ كانَ لَغْوًا؛ لا مَعْنى فِيهِ؛ وهو وسائِرُ الغُرَماءِ فِيهِ سَواءٌ؛ ألا تَرى أنَّ المَبِيعَ إنَّما يَكُونُ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ ما دامَ في يَدِ البائِعِ؟ فَإنْ هو سَلَّمَهُ إلى المُشْتَرِي سَقَطَ حَقُّهُ؛ وكانَ هو وسائِرُ الغُرَماءِ سَواءً فِيهِ؛ واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في إقْرارِ المُتَعاقِدَيْنِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ؛ فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا؛ والشّافِعِيُّ: إذا قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى إقْرارِ الرّاهِنِ بِالقَبْضِ؛ والمُرْتَهِنُ يَدَّعِيهِ؛ جازَتِ الشَّهادَةُ؛ وحُكِمَ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ؛ وعِنْدَ مالِكٍ أنَّ البَيِّنَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلى إقْرارِ المُصَدَّقِ بِالقَبْضِ؛ حَتّى يَشْهَدُوا عَلى مُعايَنَةِ القَبْضِ؛ فَقِيلَ: إنَّ القِياسَ قَوْلُهُ في الرَّهْنِ كَذَلِكَ؛ والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ الشَّهادَةِ عَلى إقْرارِهِما بِقَبْضِ الرَّهْنِ اتِّفاقُ (p-٢٦٠)الجَمِيعِ عَلى جَوازِ إقْرارِهِ بِالبَيْعِ؛ والغَصْبِ؛ والقَتْلِ؛ فَكَذَلِكَ قَبْضُ الرَّهْنِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في رَهْنِ المُشاعِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ: "لا يَجُوزُ رَهْنُ المُشاعِ فِيما يُقْسَمُ؛ ولا فِيما لا يُقْسَمُ"؛ وقالَ مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: "يَجُوزُ فِيما لا يُقْسَمُ؛ وما يُقْسَمُ"؛ وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ؛ في رَجُلٍ يَرْتَهِنُ الرَّهْنَ؛ ويَسْتَحِقُّ بَعْضَهُ؛ قالَ: "يَخْرُجُ مِنَ الرَّهْنِ؛ ولَكِنْ لَهُ أنْ يُجْبِرَ الرّاهِنَ عَلى أنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا؛ فَإنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغُرَماءِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "يَجُوزُ رَهْنُ المُشاعِ فِيما لا يُقْسَمُ؛ ولا يَجُوزُ فِيما يُقْسَمُ". قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا صَحَّ بِدَلالَةِ الآيَةِ أنَّ الرَّهْنَ لا يَصِحُّ إلّا مَقْبُوضًا مِن حَيْثُ كانَ رَهْنُهُ عَلى جِهَةِ الوَثِيقَةِ؛ وكانَ في ارْتِفاعِ القَبْضِ ارْتِفاعُ مَعْنى الرَّهْنِ؛ وهو الوَثِيقَةُ؛ وجَبَ ألّا يَصِحَّ رَهْنُ المُشاعِ فِيما يُقْسَمُ؛ وفِيما لا يُقْسَمُ؛ لِأنَّ المَعْنى المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ القَبْضِ؛ وإبْطالِ الوَثِيقَةِ؛ مُقارِنٌ لِلْعَقْدِ؛ وهو الشَّرِكَةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها دَفْعَ القَبْضِ لِلْمُهايَأةِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَصِحَّ مَعَ وُجُودِ ما يُبْطِلُهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ مَتى اسْتَحَقَّ ذَلِكَ القَبْضَ بِالمُهايَأةِ؛ وعادَ إلى يَدِ الشَّرِيكِ؛ فَقَدْ بَطَلَ مَعْنى الوَثِيقَةِ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ الرَّهْنِ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ؟ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عارِيَّةِ الرَّهْنِ المَقْبُوضِ؛ إذا أعادَهُ الرّاهِنُ فَلا يَبْطُلُ الرَّهْنُ؛ ولَهُ أنْ يَرُدَّهُ إلى يَدِهِ مِن قِبَلِ أنَّ هَذا القَبْضَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ؛ ولِلْمُرْتَهِنِ أخْذُهُ مِنهُ مَتى شاءَ؛ وإنَّما هو ابْتَدَأ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَبْضُ مُسْتَحَقًّا بِمَعْنًى يُقارِنُ العَقْدَ؛ ولَيْسَ هَذا أيْضًا بِمَنزِلَةِ هِبَةِ المُشاعِ فِيما لا يُقْسَمُ؛ فَيَجُوزُ عِنْدَنا؛ وإنْ كانَ مِن شَرْطِ الهِبَةِ القَبْضُ؛ كالرَّهْنِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الهِبَةِ مِنَ القَبْضِ؛ لِصِحَّةِ المِلْكِ؛ ولَيْسَ مِن شَرْطِ بَقاءِ المِلْكِ اسْتِصْحابُ اليَدِ؛ فَلَمّا صَحَّ القَبْضُ بَدِيًّا لَمْ يَكُنْ في اسْتِحْقاقِ اليَدِ تَأْثِيرٌ في رَفْعِ المِلْكِ؛ ولَمّا كانَ في اسْتِحْقاقِ المُرْتَهِنِ رَفْعُ مَعْنى الوَثِيقَةِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ وُجُودِ ما يُبْطِلُهُ؛ ويُنافِيهِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا أجَزْتَ رَهْنَهُ مِن شَرِيكِهِ؟ إذْ لَيْسَ فِيهِ اسْتِحْقاقُ يَدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ يَدَهُ تَكُونُ باقِيَةً عَلَيْهِ إلى وقْتِ الفِكاكِ؛ قِيلَ لَهُ: لِأنَّ لِلشَّرِيكِ اسْتِخْدامَهُ إنْ كانَ عَبْدًا بِالمُهايَأةِ بِحَقِّ مِلْكِهِ؛ ومَن فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فِيهِ يَدَ رَهْنٍ؛ فَقَدِ اسْتُحِقَّتْ يَدُ الرَّهْنِ في اليَوْمِ الثّانِي؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ الشَّرِيكِ وبَيْنَ الأجْنَبِيِّ؛ لِوُجُودِ المَعْنى المُوجِبِ لِاسْتِحْقاقِ قَبْضِ الرَّهْنِ مُقارِنًا لِلْعَقْدِ. واخْتُلِفَ في رَهْنِ الدَّيْنِ؛ فَقالَ سائِرُ الفُقَهاءِ: "لا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ بِحالٍ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ؛ في قِياسِ قَوْلِهِ: "إذا كانَ لِرَجُلٍ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ؛ فَبِعْتَهُ بَيْعًا؛ وارْتَهَنْتَ مِنهُ الدَّيْنَ الَّذِي (p-٢٦١)لَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو جائِزٌ؛ وهو أقْوى مِن أنْ يَرْتَهِنَ دِينًا عَلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ حائِزٌ لِما عَلَيْهِ"؛ قالَ: "ويَجُوزُ في قَوْلِ مالِكٍ أنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الدَّيْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ ويَبْتاعَ مِن رَجُلٍ بَيْعًا؛ ويَرْهَنَ مِنهُ الدَّيْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ ويَقْبِضَ ذَلِكَ الحَقَّ لَهُ؛ ويُشْهِدَ لَهُ"؛ وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ سِواهُ؛ وهو فاسِدٌ أيْضًا؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ وقَبْضُ الدَّيْنِ لا يَصِحُّ ما دامَ دَيْنًا؛ لا إذا كانَ عَلَيْهِ؛ ولا إذا كانَ عَلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الدَّيْنَ هو حَقٌّ لا يَصِحُّ فِيهِ قَبْضٌ؛ وإنَّما يَتَأتّى القَبْضُ في الأعْيانِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَخْلُو ذَلِكَ الدَّيْنُ مِن أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حُكْمِ الضَّمانِ الأوَّلِ؛ أوْ مُنْتَقِلًا إلى ضَمانِ الرَّهْنِ؛ فَإنِ انْتَقَلَ إلى ضَمانِ الرَّهْنِ؛ فالواجِبُ أنْ يَبْرَأ مِنَ الفَضْلِ؛ إذا كانَ الدَّيْنُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ أقَلَّ مِنَ الرَّهْنِ؛ وإنْ كانَ باقِيًا عَلى حُكْمِ الضَّمانِ الأوَّلِ فَلَيْسَ هو رَهْنًا؛ لِبَقائِهِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ؛ والدَّيْنُ الَّذِي عَلى الغَيْرِ أبْعَدُ في الجَوازِ؛ لِعَدَمِ الحِيازَةِ فِيهِ؛ والقَبْضِ بِحالٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الرَّهْنِ إذا وُضِعَ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والثَّوْرِيُّ: "يَصِحُّ الرَّهْنُ إذا جَعَلاهُ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ ويَكُونُ مَضْمُونًا عَلى المُرْتَهِنِ"؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ؛ وعَطاءٍ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ؛ والأوْزاعِيُّ: "لا يَجُوزُ؛ حَتّى يَقْبِضَهُ المُرْتَهِنُ"؛ وقالَ مالِكٌ: "إذا جَعَلاهُ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ فَضَياعُهُ مِنَ الرّاهِنِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ؛ في رَهْنِ شِقْصِ السَّيْفِ: "إنَّ قَبْضَهُ أنْ يُحَوِّلَ حَتّى يَضَعَهُ الرّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ أوْ عَلى يَدَيِ الشَّرِيكِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ يَقْتَضِي جَوازَهُ إذا قَبَضَهُ العَدْلُ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ قَبْضِ المُرْتَهِنِ؛ والعَدْلِ؛ وعُمُومُهُ يَقْتَضِي جَوازَ قَبْضِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ وأيْضًا فَإنَّ العَدْلَ وكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ في القَبْضِ؛ فَكانَ القَبْضُ بِمَنزِلَةِ الوَكالَةِ في الهِبَةِ؛ وسائِرِ المَقْبُوضاتِ؛ بِوَكالَةِ مَن لَهُ القَبْضُ فِيها؛ فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ لَكانَ لَهُ أنْ يَقْبِضَهُ مِنهُ؛ ولَما كانَ لِلْعَدْلِ أنْ يَمْنَعَهُ إيّاهُ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا لا يُخْرِجُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ وكِيلًا؛ وقابِضًا لَهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ القَبْضِ مِن قِبَلِ أنَّ الرّاهِنَ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ؛ وإنَّما رَضِيَ بِيَدِ وكِيلِهِ؛ ألا تَرى أنَّ الوَكِيلَ بِالشِّراءِ هو قابِضٌ لِلسِّلْعَةِ لِلْمُوَكِّلِ؛ ولَهُ أنْ يَحْبِسَها بِالثَّمَنِ؛ ولَوْ هَلَكَ قَبْلَ الحَبْسِ هَلَكَ مِن مالِ المُوَكِّلِ؟ ولَيْسَ جَوازُ حَبْسِ الوَكِيلِ الرَّهْنَ عَنِ المُرْتَهِنِ عَلَمًا لِنَفْيِ الوَكالَةِ؛ وكَوْنِهِ قابِضًا لَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ يَدَ العَدْلِ يَدُ المُرْتَهِنِ؛ وأنَّهُ وكِيلُهُ في القَبْضِ؛ أنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَتى شاءَ أنْ يَفْسَخَ هَذا الرَّهْنَ؛ ويُبْطِلَ يَدَ العَدْلِ؛ ويَرُدَّهُ إلى الرّاهِنِ؛ ولَيْسَ لِلرّاهِنِ إبْطالُ يَدِ العَدْلِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ (p-٢٦٢)عَلى أنَّ العَدْلَ وكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ جَعَلا المَبِيعَ عَلى يَدَيْ عَدْلٍ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ضَمانِ البائِعِ؛ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي في قَبْضِهِ؛ كَذَلِكَ المُرْتَهِنُ؛ قِيلَ لَهُ: الفارِقُ بَيْنَهُما أنَّ العَدْلَ في البَيْعِ لَوْ صارَ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي لَخَرَجَ عَنْ ضَمانِ البائِعِ؛ وفي خُرُوجِهِ مِن ضَمانِ بائِعِهِ سُقُوطُ حَقِّهِ مِنهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أجازَ قَبْضَهُ بَطَلَ حَقُّهُ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجاعُهُ؟ لِأنَّ المَبِيعَ لَيْسَ لَهُ إلّا قَبْضٌ واحِدٌ؛ فَمَتى وُجِدَ سَقَطَ حَقُّ البائِعِ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَرُدَّهُ إلى يَدِهِ؛ وكَذَلِكَ إذا أوْدَعَهُ إيّاهُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأنَّهُ لَوْ صارَ وكِيلًا لَهُ لَصارَ قابِضًا لَهُ قَبْضَ بَيْعٍ؛ ولَمْ يَكُنِ المُشْتَرِي مَمْنُوعًا مِنهُ؛ فَكانَ لا مَعْنى لِقَبْضِ العَدْلِ؛ بَلْ يَكُونُ المُشْتَرِي كَأنَّهُ قَبَضَهُ؛ والبائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ؛ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ العَدْلُ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ قَبَضَهُ لِلْمُشْتَرِي لَتَمَّ البَيْعُ فِيهِ؛ وفي تَمامِ البَيْعِ سُقُوطُ حَقِّ البائِعِ فِيهِ؛ فَلا مَعْنى لِبَقائِهِ في يَدَيِ العَدْلِ؛ بَلْ يَجِبُ أنْ يَأْخُذَهُ المُشْتَرِي؛ والبائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأنَّ كَوْنَ العَدْلِ وكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ لا يُوجِبُ إبْطالَ حَقِّ الرّاهِنِ؛ ألا تَرى أنَّ حَقَّ الرّاهِنِ باقٍ بَعْدَ قَبْضِ المُرْتَهِنِ؟ فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَبْضِ العَدْلِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ قَبْضِ العَدْلِ؛ وقَبْضِ المُرْتَهِنِ؛ وفارَقَ العَدْلَ في الشِّراءِ؛ لِامْتِناعِ كَوْنِهِ وكِيلًا لِلْمُشْتَرِي؛ إذْ كانَ يَصِيرُ في مَعْنى قَبْضِ المُشْتَرِي؛ في خُرُوجِهِ مِن ضَمانِ البائِعِ؛ ودُخُولِهِ في ضَمانِهِ؛ وفي مَعْنى تَمامِ البَيْعِ فِيهِ؛ وسُقُوطِ حَقِّ البائِعِ مِنهُ؛ والبائِعُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدْلًا لِلْبائِعِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ حَقَّ الحَبْسِ مُوجِبٌ لَهُ بِالعَقْدِ؛ فَلا يَسْقُطُ ذَلِكَ؛ أوْ يَرْضى بِتَسْلِيمِهِ إلى المُشْتَرِي؛ أوْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ ضَمانِ الرَّهْنِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾؛ فَعَطَفَ بِذِكْرِ الأمانَةِ عَلى الرَّهْنِ؛ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ بِأمانَةٍ؛ وإذا لَمْ يَكُنْ أمانَةً كانَ مَضْمُونًا؛ إذْ لَوْ كانَ الرَّهْنُ أمانَةً لَما عَطَفَ عَلَيْهِ الأمانَةَ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يَعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ؛ وإنَّما يُعْطَفُ عَلى غَيْرِهِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في حُكْمِ الرَّهْنِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "اَلرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِأقَلَّ مِن قِيمَتِهِ؛ ومِنَ الدَّيْنِ"؛ وقالَ الثَّقَفِيُّ؛ عَنْ عُثْمانَ البَتِّيِّ: "ما كانَ مِن رَهْنٍ؛ ذَهَبًا؛ أوْ فِضَّةً؛ أوْ ثِيابًا؛ فَهو مَضْمُونٌ؛ يَتَرادّانِ الفَضْلَ؛ وإنْ كانَ عَقارًا؛ أوْ حَيَوانًا؛ فَهَلَكَ؛ فَهو مِن مالِ الرّاهِنِ؛ والمُرْتَهِنُ عَلى حَقِّهِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ الرّاهِنُ (p-٢٦٣)اشْتَرَطَ الضَّمانَ؛ فَهو عَلى شَرْطِهِ"؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ: "إنْ عَلِمَ هَلاكَهُ فَهو مِن مالِ الرّاهِنِ؛ ولا يَنْقُصُ مِن حَقِّ المُرْتَهِنِ شَيْءٌ؛ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلاكَهُ فَهو مِن مالِ المُرْتَهِنِ؛ وهو ضامِنٌ لِقِيمَتِهِ؛ يُقالُ لَهُ: صِفْهُ؛ فَإذا وصَفَهُ حَلَفَ عَلى صِفَتِهِ؛ وتَسْمِيَةِ مالِهِ فِيهِ؛ ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أهْلُ البَصَرِ بِذَلِكَ؛ فَإنْ كانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمّا سَمّى فِيهِ أخَذَهُ الرّاهِنُ؛ وإنْ كانَ أقَلَّ مِمّا سَمّى الرّاهِنُ حَلَفَ عَلى ما سَمّى؛ وبَطَلَ عَنْهُ الفَضْلُ؛ وإنْ أبى الرّاهِنُ أنْ يَحْلِفَ أُعْطِيَ المُرْتَهِنُ ما فَضُلَ؛ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ"؛ ورَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وقالَ فِيهِ: "إذا شَرَطَ أنَّ المُرْتَهِنَ مُصَدَّقٌ في ضَياعِهِ؛ وأنْ لا ضَمانَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ فَشَرْطُهُ باطِلٌ؛ وهو ضامِنٌ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "إذا ماتَ العَبْدُ الرَّهْنُ فَدَيْنُهُ باقٍ؛ لِأنَّ الرَّهْنَ لا يَغْلَقُ"؛ ومَعْنى قَوْلِهِ: " لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ "؛ أنَّهُ لا يَكُونُ بِما فِيهِ إذا عَلِمَ؛ ولَكِنْ يَتَرادّانِ الفَضْلَ؛ إذا لَمْ يَعْلَمْ هَلاكَهُ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ - في قَوْلِهِ: "لَهُ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ" -؛ قالَ: "فَأمّا غُنْمُهُ فَإنْ كانَ فِيهِ فَضْلٌ رُدَّ إلَيْهِ؛ وأمّا غُرْمُهُ فَإنْ كانَ فِيهِ نُقْصانٌ وفّاهُ إيّاهُ"؛ وقالَ اللَّيْثُ: " اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ إذا هَلَكَ؛ ولَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلى ما فِيهِ؛ إذا اخْتَلَفا في ثَمَنِهِ؛ فَإنْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلى ما فِيهِ تَرادّا الفَضْلَ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "هُوَ أمانَةٌ؛ لا ضَمانَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحالٍ إذا هَلَكَ؛ سَواءٌ كانَ هَلاكُهُ ظاهِرًا؛ أوْ خَفِيًّا". قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ؛ عَلى ضَمانِ الرَّهْنِ؛ لا نَعْلَمُ بَيْنَهم خِلافًا فِيهِ؛ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ضَمانِهِ؛ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ؛ فَرَوى إسْرائِيلُ؛ عَنْ عَبْدِ الأعْلى؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: "إذا كانَ أكْثَرَ مِمّا رَهَنَ فَهَلَكَ؛ فَهو بِما فِيهِ؛ لِأنَّهُ أمِينٌ في الفَضْلِ"؛ وإذا كانَ بِأقَلَّ مِمّا رَهَنَهُ بِهِ فَهَلَكَ؛ رَدَّ الرّاهِنُ الفَضْلَ"؛ ورَوى عَطاءٌ؛ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ؛ وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ؛ ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ الحارِثِ؛ عَنْ عَلِيٍّ - في الرَّهْنِ إذا هَلَكَ - قالَ: "يَتَرادّانِ الفَضْلَ"؛ ورَوى قَتادَةُ عَنْ خِلاسِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: "إذا كانَ فِيهِ فَضْلٌ فَأصابَتْهُ جائِحَةٌ؛ فَهو بِما فِيهِ؛ وإنْ لَمْ تُصِبْهُ جائِحَةٌ؛ واتُّهِمَ؛ فَإنَّهُ يَرُدُّ الفَضْلَ"؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ هَذِهِ الرِّواياتُ الثَّلاثُ؛ وفي جَمِيعِها ضَمانُهُ؛ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَنْهُ في كَيْفِيَّةِ الضَّمانِ؛ عَلى ما وصَفْنا؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "يَتَرادّانِ الفَضْلَ"؛ وقالَ شُرَيْحٌ؛ والحَسَنُ؛ وطاوُسٌ؛ والشَّعْبِيُّ؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ: "إنَّ الرَّهْنَ بِما فِيهِ "؛ وقالَ شُرَيْحٌ: "وإنْ كانَ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ"؛ فَلَمّا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى ضَمانِهِ؛ وكانَ اخْتِلافُهم إنَّما هو في كَيْفِيَّةِ الضَّمانِ؛ كانَ قَوْلُ القائِلِ: "إنَّهُ أمانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ"؛ خارِجًا عَنْ قَوْلِ الجَمِيعِ؛ وفي الخُرُوجِ عَنِ اخْتِلافِهِمْ مُخالَفَةٌ لِإجْماعِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اتَّفَقُوا عَلى ضَمانِهِ فَذَلِكَ اتِّفاقٌ مِنهم عَلى (p-٢٦٤)بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِ بِنَفْيِ ضَمانِهِ؛ ولا فارِقَ بَيْنَ اخْتِلافِهِمْ في كَيْفِيَّةِ ضَمانِهِ؛ وبَيْنَ اتِّفاقِهِمْ عَلى وجْهٍ واحِدٍ فِيهِ؛ بَعْدَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ مِنَ اتِّفاقِهِمْ أنَّهُ مَضْمُونٌ؛ فَهَذا اتِّفاقٌ قاضٍ بِفَسادِ قَوْلِ مَن جَعَلَهُ أمانَةً؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى ضَمانِهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ؛ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ عَطاءً يُحَدِّثُ «أنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا؛ فَنَفَقَ في يَدِهِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُرْتَهِنِ: "ذَهَبَ حَقُّكَ"؛ وفي لَفْظٍ آخَرَ: "لا شَيْءَ لَكَ» "؛ فَقَوْلُهُ لِلْمُرْتَهِنِ: "ذَهَبَ حَقُّكَ"؛ إخْبارٌ بِسُقُوطِ دَيْنِهِ؛ لِأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ هو دَيْنُهُ؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الغَنَوِيُّ؛ وعَبْدُ الوارِثِ بْنُ إبْراهِيمَ؛ قالا: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ الزّارِعُ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتادَةَ؛ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا المُسَيِّبُ بْنُ واضِحٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ؛ عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ الرَّهْنَ بِما فِيهِ»؛ والمَفْهُومُ مِن ذَلِكَ ضَمانُهُ بِما فِيهِ مِنَ الدَّيْنِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ شُرَيْحٍ: " اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ؛ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ"؟ وكَذَلِكَ قَوْلُ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ؛ إنَّما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في خاتَمٍ رُهِنَ بِدَيْنٍ فَهَلَكَ؛ أنَّهُ بِما فِيهِ»؛ وظاهِرُ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ بِما فِيهِ؛ قَلَّ الدَّيْنُ أوْ كَثُرَ إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مُرادَهُ: إذا كانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الرَّهْنِ؛ أوْ أقَلَّ؛ وأنَّهُ إذا كانَ الدَّيْنُ أكْثَرَ رَدَّ الفَضْلَ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَضْمُونُ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرْتَهِنَ أحَقُّ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ حَتّى يُباعَ فَيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَقْبُوضٌ لِلِاسْتِيفاءِ؛ فَقَدْ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونًا ضَمانَ الِاسْتِيفاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَقْبُوضٍ عَلى وجْهٍ فَإنَّما يَكُونُ هَلاكُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو مَقْبُوضٌ بِهِ؛ كالمَغْصُوبِ؛ مَتى هَلَكَ هَلَكَ عَلى ضَمانِ الغَصْبِ؛ وكَذَلِكَ المَقْبُوضُ عَلى بَيْعٍ فاسِدٍ؛ أوْ جائِزٍ؛ إنَّما يَهْلَكُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي حَصَلَ قَبْضُهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمّا كانَ الرَّهْنُ مَقْبُوضًا لِلِاسْتِيفاءِ بِالدَّلالَةِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَلاكُهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ فَيَكُونَ مُسْتَوْفِيًا بِهَلاكِهِ لِدَيْنِهِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ الِاسْتِيفاءُ؛ فَإذا كانَ الرَّهْنُ أقَلَّ قِيمَةً فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْعَلَ اسْتِيفاءَ العِدَّةِ بِما هو أقَلُّ مِنها؛ وإذا كانَ أكْثَرَ مِنهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَوْفِيَ مِنهُ أكْثَرَ مِن مِقْدارِ دَيْنِهِ؛ فَيَكُونَ أمِينًا في الفَضْلِ. ويَدُلُّ عَلى ضَمانِهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى بُطْلانِ الرَّهْنِ بِالأعْيانِ؛ نَحْوَ الوَدائِعِ؛ والمُضارَبَةِ؛ والشَّرِكَةِ؛ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِها؛ لِأنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيًا لِلْعَيْنِ؛ وصَحَّ بِالدُّيُونِ المَضْمُونَةِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ (p-٢٦٥)بِالدَّيْنِ؛ فَيَكُونُ المُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ بِهَلاكِهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنا لَمْ نَجِدْ في الأُصُولِ حَبْسًا لِمِلْكِ الغَيْرِ لِحَقٍّ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمانٌ؛ ألا تَرى أنَّ المَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلى البائِعِ حَتّى يُسَلِّمَهُ إلى المُشْتَرِي لَمّا كانَ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ؟ وكَذَلِكَ الشَّيْءُ المُسْتَأْجَرُ؛ يَكُونُ مَحْبُوسًا في يَدِ مُسْتَأْجِرِهِ؛ مَضْمُونًا بِالمَنافِعِ؛ اسْتَعْمَلَهُ؛ أوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ؛ ويَلْزَمُهُ بِحَبْسِهِ ضَمانُ الأُجْرَةِ الَّتِي هي بَدَلُ المَنافِعِ؛ فَثَبَتَ أنَّ حَبْسَ مِلْكِ الغَيْرِ لا يَخْلُو مِن تَعَلُّقِ ضَمانٍ؛ واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ لِكَوْنِهِ أمانَةً بِحَدِيثِ ابْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِن صاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛» قالَ الشّافِعِيُّ: "ووَصَلَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ". قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما يُوَصِّلُهُ يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ؛ وقَوْلُهُ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ مِن كَلامِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ كَما رَوى مالِكٌ؛ ويُونُسُ؛ وابْنُ أبِي ذُؤَيْبٍ؛ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» قالَ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ؛ قالَ ابْنُ شِهابٍ: "وكانَ ابْنُ المُسَيِّبِ يَقُولُ: "اَلرَّهْنُ لِمَن رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ فَأخْبَرَ ابْنُ شِهابٍ أنَّ هَذا قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ؛ لا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولَوْ كانَ ابْنُ المُسَيِّبِ قَدْ رَوى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَما قالَ: وكانَ ابْنُ المُسَيِّبِ يَقُولُ ذَلِكَ؛ بَلْ كانَ يُعَزِّيهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فاحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ بِأنَّهُ قَدْ أوْجَبَ لِصاحِبِ الرَّهْنِ زِيادَتَهُ؛ وجَعَلَ عَلَيْهِ نُقْصانَهُ؛ والدَّيْنُ بِحالِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا قَوْلُهُ: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛ فَإنَّ إبْراهِيمَ النَّخَعِيَّ؛ وطاوِسًا ذَكَرا جَمِيعًا أنَّهم كانُوا يَرْهَنُونَ؛ ويَقُولُونَ: "إنْ جِئْتُكَ بِالمالِ إلى وقْتِ كَذا؛ وإلّا فَهو لَكَ"؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» وتَأوَّلَهُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مالِكٌ؛ وسُفْيانُ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لا يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُقالَ لِلرَّهْنِ إذا ضاعَ: "قَدْ غَلِقَ الرَّهْنُ"؛ إنَّما يُقالُ: "غَلِقَ" إذا اسْتَحَقَّهُ المُرْتَهِنُ فَذَهَبَ بِهِ؛ وهَذا كانَ مِن فِعْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَأبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: "إنَّهم يَقُولُونَ: "غَلِقَ الرَّهْنُ" إذا ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ"؛ قالَ زُهَيْرٌ: ؎وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فِكاكَ لَهُ ∗∗∗ يَوْمَ الوَداعِ فَأمْسى رَهْنُها غَلَقا يَعْنِي: ذَهَبَتْ بِقَلْبِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادُ البِلا ∗∗∗ دِ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ ؎عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حافِظٌ ∗∗∗ فَقُلْ في امْرِئٍ غَلِقٍ مُرْتَهَنْ فَقالَ في البَيْتِ الثّانِي: "فَقُلْ في امْرِئٍ غَلِقٍ مُرْتَهَنْ"؛ يَعْنِي أنَّهُ يَمُوتُ فَيَذْهَبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ كَأنْ لَمْ (p-٢٦٦)يَكُنْ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» يَنْصَرِفُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: إنْ كانَ قائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ المُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مُضِيِّ الأجَلِ؛ والثّانِي: عِنْدَ الهَلاكِ لا يَذْهَبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وأمّا قَوْلُهُ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ مِن قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ أدْرَجَهُ في الحَدِيثِ بَعْضُ الرُّواةِ؛ وفَصَلَهُ بَعْضُهُمْ؛ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ؛ ولَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وأمّا ما تَأوَّلَهُ الشّافِعِيُّ مِن أنَّ لَهُ زِيادَتَهُ؛ وعَلَيْهِ نُقْصانَهُ؛ فَإنَّهُ تَأْوِيلٌ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ الفُقَهاءِ؛ خَطَأٌ في اللُّغَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغُرْمَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو اللُّزُومُ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]؛ يَعْنِي: ثابِتًا؛ لازِمًا؛ والغَرِيمُ: اَلَّذِي قَدْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ؛ ويُسَمّى بِهِ أيْضًا الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ؛ لِأنَّ لَهُ اللُّزُومَ والمُطالَبَةَ؛ وقَدْ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ المَأْثَمِ؛ والمَغْرَمِ؛ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ؛ فَقالَ: "إنَّ الرَّجُلَ إذا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ؛ ووَعَدَ فَأخْلَفَ» "؛ فَجَعَلَ الغُرْمَ هو لُزُومُ المُطالَبَةِ لَهُ؛ مِن قِبَلِ الآدَمِيِّ؛ وفي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ المُخارِقِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"إنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إلّا مِن ثَلاثٍ: فَقْرٍ مُدْقِعٍ؛ أوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ؛ أوْ دَمٍ مُوجِعٍ"؛» وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ وهُمُ المَدِينُونَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦]؛ يَعْنِي: مُلْزَمُونَ؛ مُطالَبُونَ بِدُيُونِنا؛ فَهَذا أصْلُ الغُرْمِ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ وحَدَّثَنا أبُو عُمَرَ؛ غُلامُ ثَعْلَبٍ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ؛ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ؛ في مَعْنى الغُرْمِ: قالَ أبُو عُمَرَ: "أخْطَأ مَن قالَ: إنَّ هَلاكَ المالِ؛ ونُقْصانَهُ يُسَمّى غُرْمًا؛ لِأنَّ الفَقِيرَ الَّذِي ذَهَبَ مالُهُ لا يُسَمّى غَرِيمًا؛ وإنَّما الغَرِيمُ مَن تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ المُطالَبَةُ لِلْآدَمِيِّ بِدَيْنٍ"؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ" أنَّهُ نُقْصانُهُ خَطَأٌ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ هو راوِي الحَدِيثِ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ هو القائِلُ: "لَهُ غُنْمُهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ ولَمْ يَتَأوَّلْهُ عَلى ما قالَهُ الشّافِعِيُّ؛ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ ضَمانُ الرَّهْنِ. وذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ؛ في كِتابِ "اَلسَّبْعَةُ"؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ وعُرْوَةَ؛ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وخارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ أنَّهم قالُوا: " اَلرَّهْنُ بِما فِيهِ؛ إذا هَلَكَ وعُمِّيَتْ قِيمَتُهُ "؛ ويَرْفَعُ ذَلِكَ مِنهُمُ الثِّقَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ مِن مَذْهَبِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ضَمانَ الرَّهْنِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ مُتَأوِّلٌ قَوْلَهُ: "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ عَلى نَفْيِ الضَّمانِ؟! فَإنْ كانَ ذَلِكَ رِوايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فالواجِبُ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ أنْ يَقْضِيَ بِتَأْوِيلِ الرّاوِي عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ زَعَمَ أنَّ الرّاوِيَ لِلْحَدِيثِ أعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ؛ فَجَعَلَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ في الشّاهِدِ واليَمِينِ؛ أنَّهُ في الأمْوالِ حُجَّةٌ في ألّا يُقْضى في غَيْرِ الأمْوالِ؛ وقَضى بِقَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ في حَدِيثِ القُلَّتَيْنِ أنَّهُ بِقِلالِ (p-٢٦٧)هَجَرَ؛ عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وجَعَلَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ؛ في خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ ما لَمْ يَفْتَرِقا؛ أنَّهُ عَلى التَّفَرُّقِ بِالأبْدانِ؛ قاضِيًا عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ؛ فَلَزِمَهُ عَلى هَذا أنْ يَجْعَلَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قاضِيًا عَلى مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إنْ كانَ قَوْلُهُ: "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ ثابِتًا عَنْهُ. وإنَّما مَعْنى قَوْلِهِ: "لَهُ غُنْمُهُ" أنَّ لِلرّاهِنِ زِيادَتَهُ؛ وعَلَيْهِ غُرْمَهُ؛ يَعْنِي دَيْنَهُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ؛ وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» لِأنَّهم كانُوا يُوجِبُونَ اسْتِحْقاقَ مِلْكِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ بِمُضِيِّ الأجَلِ قَبْلَ انْقِضاءِ الدَّيْنِ؛ فَقالَ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» أيْ: لا يَسْتَحِقُّهُ المُرْتَهِنُ بِمُضِيِّ الأجَلِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ: "لِصاحِبِهِ - يَعْنِي لِلرّاهِنِ – غُنْمُهُ"؛ يَعْنِي: زِيادَتُهُ؛ فَبَيَّنَ أنَّ المُرْتَهِنَ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ عَيْنِ الرَّهْنِ؛ لا نَماءَهُ وزِيادَتَهُ؛ وأنَّ دَيْنَهُ باقٍ عَلَيْهِ كَما كانَ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: "وعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ كَقَوْلِهِ: "وعَلَيْهِ دَيْنُهُ"؛ فَإذًا لَيْسَ في الخَبَرِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ الرَّهْنِ غَيْرَ مَضْمُونٍ؛ بَلْ هو دالٌّ عَلى أنَّهُ مَضْمُونٌ؛ عَلى ما بَيَّنّا. قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ ﷺ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» إذا أرادَ بِهِ حالَ بَقائِهِ عِنْدَ الفِكاكِ؛ وإبْطالُ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطَ اسْتِحْقاقِ مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الأجَلِ قَدْ حَوى مَعانِيَ؛ مِنها أنَّ الرَّهْنَ لا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ؛ بَلْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ ويَجُوزُ هُوَ؛ لِإبْطالِ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطَهُمْ؛ وإجازَتِهِ الرَّهْنَ؛ ومِنها أنَّ الرَّهْنَ لَمّا كانَ شَرْطُ صِحَّتِهِ القَبْضَ؛ كالهِبَةِ؛ والصَّدَقَةِ؛ ثُمَّ لَمْ تُفْسِدْهُ الشُّرُوطُ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ ما لا يَصِحُّ إلّا بِالقَبْضِ مِنَ الهِباتِ؛ والصَّدَقاتِ؛ في أنَّ الشُّرُوطَ لا تُفْسِدُها؛ لِاجْتِماعِها في كَوْنِ القَبْضِ شَرْطًا لِصِحَّتِها؛ وقَدْ دَلَّ هَذا الخَبَرُ أيْضًا عَلى أنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكاتِ لا تُعَلَّقُ عَلى الأخْطارِ؛ لِأنَّ شَرْطَهم لِمِلْكِ الرَّهْنِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ كانَ تَمْلِيكًا مُعَلَّقًا عَلى خَطَرٍ؛ وعَلى مَجِيءِ وقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ فَأبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَرْطَ التَّمْلِيكِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في سائِرِ عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ؛ والبَراءَةِ في امْتِناعِ تَعَلُّقِها عَلى الأخْطارِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا - فِيمَن قالَ: إذا جاءَ غَدًا فَقَدْ وهَبْتُ لَكَ العَبْدَ؛ أوْ قالَ: قَدْ بِعْتُكَهُ -: إنَّهُ باطِلٌ؛ لا يَقَعُ بِهِ المِلْكُ؛ وكَذَلِكَ إذا قالَ: إذا جاءَ غَدًا فَقَدْ أبْرَأْتُكَ مِمّا لِي عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ؛ كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ وفارَقَ ذَلِكَ عِنْدَهُمُ العَتاقَ؛ والطَّلاقَ؛ في جَوازِ تَعَلُّقِهِما عَلى الأخْطارِ؛ لِأنَّ لَهُما أصْلًا آخَرَ؛ وهو أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أجازَ الكِتابَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]؛ وهو أنْ يَقُولَ: "كاتَبْتُكَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ؛ فَإنْ أدَّيْتَ فَأنْتَ حُرٌّ؛ وإنْ عَجَزْتَ فَأنْتَ رَقِيقٌ"؛ وذَلِكَ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلى خَطَرٍ؛ وعَلى مَجِيءِ حالٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ وقالَ في شَأْنِ الطَّلاقِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إيقاعِهِ في الحالِ؛ وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى وقْتِ السُّنَّةِ؛ ولَمّا كانَ إيجابُ هَذا العَقْدِ - أعْنِي العِتْقَ عَلى مالٍ؛ والخُلْعَ بِمالٍ (p-٢٦٨)مَشْرُوطٍ لِلزَّوْجِ - يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيما أوْجَبَهُ قَبْلَ قَبُولِ العَبْدِ؛ والمَرْأةِ؛ صارَ ذَلِكَ عِتْقًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ؛ بِمَنزِلَةِ شُرُوطِ الأيْمانِ؛ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ فِيها؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَعَلُّقِهِما عَلى شُرُوطٍ؛ وأوْقاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ والمَعْنى في هَذَيْنِ أنَّهُما لا يَلْحَقُهُما الفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِهِما؛ وسائِرُ العُقُودِ الَّتِي ذَكَرْناها؛ مِن عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ؛ يَلْحَقُها الفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِها؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَعَلُّقُها عَلى الأخْطارِ. ونَظِيرُ دَلالَةِ قَوْلِهِ ﷺ «-: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» عَلى ما ذَكَرْنا؛ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى عَنْ بَيْعِ المُنابَذَةِ؛ والمُلامَسَةِ؛ وعَنْ بَيْعِ الحَصاةِ»؛ وهَذِهِ بِياعاتٌ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَعامَلُونَ بِها؛ فَكانَ أحَدُهم إذا لَمَسَ السِّلْعَةَ؛ أوْ ألْقى الثَّوْبَ إلى صاحِبِهِ؛ أوْ وضَعَ عَلَيْهِ حَصاةً؛ وجَبَ البَيْعُ؛ فَكانَ وُقُوعُ المِلْكِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ الإيجابِ والقَبُولِ؛ بَلْ بِفِعْلٍ آخَرَ يَفْعَلُهُ أحَدُهُما؛ فَأبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُقُودَ التَّمْلِيكاتِ لا تَتَعَلَّقُ عَلى الأخْطارِ؛ وإنَّما جَعَلَ أصْحابُنا الرَّهْنَ مَضْمُونًا بِأقَلَّ مِن قِيمَتِهِ؛ ومِنَ الدَّيْنِ؛ مِن قِبَلِ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْبُوضًا لِلِاسْتِيفاءِ وجَبَ اعْتِبارُ ما يَصِحُّ الِاسْتِيفاءُ بِهِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُسْتَوْفى مِن عِدَّةٍ أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أمِينًا في الفَضْلِ؛ وضامِنًا لِما نَقَصَ مِنَ الرَّهْنِ عَنِ الدَّيْنِ؛ ومَن جَعَلَهُ بِما فِيهِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؛ شَبَّهَهُ بِالمَبِيعِ إذا هَلَكَ في يَدِ البائِعِ؛ أنَّهُ يَهْلَكُ بِالثَّمَنِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؛ والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ؛ ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّ المَبِيعَ إنَّما كانَ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؛ لِأنَّ البَيْعَ يُنْتَقَضُ بِهَلاكِهِ؛ فَسَقَطَ الثَّمَنُ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ بَقاءُ الثَّمَنِ مَعَ انْتِقاضِ البَيْعِ؛ وأمّا الرَّهْنُ فَإنَّهُ يَتِمُّ بِهَلاكِهِ؛ ولا يُنْتَقَضُ؛ وإنَّما يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِلدَّيْنِ بِهِ؛ فَوَجَبَ اعْتِبارُ ضَمانِهِ بِما وصَفْنا. فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ عَنِ الدَّيْنِ أمانَةً؛ فَما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ أمانَةً؛ وألّا يَكُونَ حَبْسُهُ بِالدَّيْنِ لِلِاسْتِيفاءِ مُوجِبًا لِضَمانِهِ؛ لِوُجُودِنا هَذا المَعْنى في الزِّيادَةِ؛ مَعَ عَدَمِ الضَّمانِ فِيها؛ وكَذَلِكَ ولَدُ المَرْهُونَةِ؛ المَوْلُودُ بَعْدَ الرَّهْنِ؛ يَكُونُ مَحْبُوسًا في يَدِ المُرْتَهِنِ مَعَ الأُمِّ؛ ولَوْ هَلَكَ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِيهِ؛ ولَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مَحْبُوسًا في يَدِ المُرْتَهِنِ عِلَّةً لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ الزِّيادَةَ عَلى الدَّيْنِ؛ مِن مِقْدارِ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ ووَلَدِ المَرْهُونَةِ؛ كِلاهُما تابِعٌ لِلْأصْلِ؛ غَيْرُ جائِزٍ إفْرادُهُما دُونَ الأصْلِ؛ إذا أُدْخِلا في العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إفْرادُهُما بِحُكْمِ الضَّمانِ؛ لِامْتِناعِ إفْرادِهِما بِالعَقْدِ المُتَقَدِّمِ قَبْلَ حُدُوثِ الوِلادَةِ؛ ولَيْسَ حُكْمُ ما يَدْخُلُ في العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ حُكْمَ ما يُفْرَدُ بِهِ؛ ألا تَرى أنَّ ولَدَ أُمِّ الوَلَدِ يَدْخُلُ في حُكْمِ الأُمِّ؛ ويَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيلادِ؛ عَلى وجْهِ التَّبَعِ؛ ولا يَصِحُّ انْفِرادُهُ في الأصْلِ (p-٢٦٩)بِهَذا الحَقِّ؛ لا عَلى وجْهِ التَّبَعِ؟ وكَذَلِكَ ولَدُ المُكاتَبَةِ؛ يَدْخُلُ في الكِتابَةِ؛ وهو حَمْلٌ مَعَ اسْتِحالَةِ إفْرادِهِ بِالعَقْدِ في تِلْكَ الحالِ؛ فَكَذَلِكَ ما ذَكَرْتَ مِن زِيادَةِ الرَّهْنِ؛ ووَلَدِ المَرْهُونَةِ؛ لَمّا دَخَلا في العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لَمْ يَلْزَمْ عَلى ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ حُكْمُهُما حُكْمَ الأصْلِ؛ ولا أنْ يَلْحَقَهُما بِمَنزِلَةِ ما ابْتُدِئَ العَقْدُ عَلَيْهِما؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ رَجُلًا لَوْ أهْدى بَدَنَةً فَزادَتْ في بَدَنِها؛ أوْ ولَدَتْ؛ أنَّ عَلَيْهِ أنْ يُهْدِيَها بِزِيادَتِها ووَلَدِها؛ ولَوْ ذَهَبَتِ الزِّيادَةُ؛ وهَلَكَ الوَلَدُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالهَلاكِ شَيْءٌ غَيْرُ ما كانَ عَلَيْهِ؛ وكَذَلِكَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وسَطٌ؛ فَأهْدى بَدَنَةً خِيارًا؛ مُرْتَفِعَةً؛ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ حُكْمُها ثابِتٌ ما بَقِيَ الأصْلُ؛ فَإنْ هَلَكَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ بَطَلَ حُكْمُ الزِّيادَةِ؛ وعادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في ذِمَّتِهِ؛ وكَذَلِكَ لَوْ كانَ بَدَلُ الزِّيادَةِ ولَدًا ولَدَتْهُ؛ كانَ في هَذِهِ المَنزِلَةِ؛ فَكَذَلِكَ ولَدُ المَرْهُونَةِ؛ وزِيادَتُها عَلى قِيمَةِ الرَّهْنِ هَذا حُكْمُها في بَقاءِ حُكْمِها؛ ما داما قائِمَيْنِ؛ وسُقُوطِ حُكْمِهِما إذا هَلَكا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في الِانْتِفاعِ بِالرَّهْنِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ؛ وزُفَرُ: "لا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفاعُ بِشَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ؛ ولا الرّاهِنُ أيْضًا"؛ وقالُوا: "إذا آجَرَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِإذْنِ الرّاهِنِ؛ أوْ آجَرَهُ الرّاهِنُ بِإذْنِ المُرْتَهِنِ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ؛ ولا يَعُودُ"؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "إذا آجَرَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ فَهو رَهْنٌ عَلى حالِهِ؛ والغَلَّةُ لِلْمُرْتَهِنِ قَضاءً مِن حَقِّهِ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "إذا خَلّى المُرْتَهِنُ بَيْنَ الرَّهْنِ؛ والرّاهِنِ؛ يُكْرِيهِ؛ أوْ يُسَكِّنُهُ؛ أوْ يُعِيرُهُ؛ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا؛ وإذا آجَرَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الرَّهْنِ؛ وكَذَلِكَ إذا أعارَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ؛ فَهو رَهْنٌ عَلى حالِهِ؛ فَإذا آجَرَهُ المُرْتَهِنُ بِإذْنِ الرّاهِنِ فالأجْرُ لِرَبِّ الأرْضِ؛ ولا يَكُونُ الكَرْيُ رَهْنًا بِحَقِّهِ؛ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ المُرْتَهِنُ"؛ فَإنِ اشْتَرَطَ في البَيْعِ أنْ يَرْتَهِنَ؛ ويَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الكَرْيِ؛ فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ في البَيْعِ؛ وتَبَرَّعَ بِهِ الرّاهِنُ بَعْدَ البَيْعِ؛ فَلا بَأْسَ بِهِ؛ وإنْ كانَ البَيْعُ وقَعَ بِهَذا الشَّرْطِ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ؛ أوْ شَرَطَ فِيهِ البائِعُ بَيْعَهُ الرَّهْنَ لِيَأْخُذَها مِن حَقِّهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ مالِكٍ؛ في الدُّورِ؛ والأرْضِ؛ وكَرِهَهُ في الحَيَوانِ. وذَكَرَ المُعافى؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُنْتَفَعَ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ؛ ولا يُقْرَأ في المُصْحَفِ المَرْهُونِ؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "غَلَّةُ الرَّهْنِ لِصاحِبِهِ؛ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنها؛ والفَضْلُ لَهُ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ؛ وكانَ يَسْتَخْدِمُهُ؛ فَطَعامُهُ بِخِدْمَتِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَخْدِمُهُ فَنَفَقَتُهُ عَلى صاحِبِهِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لا يَسْتَعْمِلُ الرَّهْنَ؛ (p-٢٧٠)ولا يَنْتَفِعُ بِهِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ دارًا يَخافُ خَرابَها؛ فَيَسْكُنَها المُرْتَهِنُ؛ لا يُرِيدُ الِانْتِفاعَ بِها؛ وإنَّما يُرِيدُ إصْلاحَها"؛ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "إذا لَبِسَ المُرْتَهِنُ الخاتَمَ لِلتَّجَمُّلِ ضَمِنَ؛ وإنْ لَبِسَهُ لِيَحُوزَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: "لا بَأْسَ بِأنْ يَسْتَعْمِلَ العَبْدُ الرَّهْنَ بِطَعامِهِ؛ إذا كانَتِ النَّفَقَةُ بِقَدْرِ العَمَلِ؛ فَإنْ كانَ العَمَلُ أكْثَرَ أخَذَ فَضْلَ ذَلِكَ مِنَ المُرْتَهِنِ"؛ وقالَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ؛ فِيما رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلرَّهْنُ مَحْلُوبٌ؛ ومَرْكُوبٌ"؛» أيْ: مَن رَهَنَ ذاتَ ظَهْرٍ ودَرٍّ؛ لَمْ يَمْنَعِ الرَّهْنُ مِن ظَهْرِها ودَرِّها؛ ولِلرّاهِنِ أنْ يَسْتَخْدِمَ العَبْدَ؛ ويَرْكَبَ الدّابَّةَ؛ ويَحْلُبَ الدَّرَّ؛ ويَجُزَّ الصُّوفَ؛ ويَأْوِيَ بِاللَّيْلِ إلى المُرْتَهِنِ؛ أوِ المَوْضُوعِ عَلى يَدِهِ". قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فَجَعَلَ القَبْضَ مِن صِفاتِ الرَّهْنِ؛ أوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اسْتِحْقاقُ القَبْضِ مُوجِبًا لِإبْطالِ الرَّهْنِ؛ فَإذا آجَرَهُ أحَدُهُما بِإذْنِ صاحِبِهِ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ؛ لِأنَّ المُسْتَأْجِرَ قَدِ اسْتَحَقَّ القَبْضَ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ الرَّهْنُ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ كالعارِيَّةِ عِنْدَنا؛ لِأنَّ العارِيَّةَ لا تُوجِبُ اسْتِحْقاقَ القَبْضِ؛ إذْ لِلْمُعِيرِ أنْ يَرُدَّ العارِيَّةَ إلى يَدِهِ مَتى شاءَ؛ واحْتَجَّ مَن أجازَ إجارَتَهُ؛ والِانْتِفاعَ بِهِ؛ بِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادٌ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ؛ عَنْ زَكَرِيّا؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"لَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ بِنَفَقَتِهِ؛ إذا كانَ مَرْهُونًا؛ والظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ؛ إذا كانَ مَرْهُونًا؛ وعَلى الَّذِي يَرْكَبُ ويَحْلُبُ النَّفَقَةُ"؛» فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لِرُكُوبِ ظَهْرِهِ؛ وشُرْبِ لَبَنِهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الرّاهِنَ إنَّما يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِمِلْكِهِ؛ لا لِرُكُوبِهِ ولَبَنِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُرْكَبُ أوْ يُحْلَبُ؛ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ اللَّبَنَ والظَّهْرَ لِلْمُرْتَهِنِ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي يُنْفِقُها؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْمٌ في حَدِيثِهِ؛ فَإنَّهُ رَواهُ عَنْ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"إذا كانَتِ الدّابَّةُ مَرْهُونَةً؛ فَعَلى المُرْتَهِنِ عَلَفُها؛ ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ؛ وعَلى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُها؛ ويَرْكَبُ"؛» فَبَيَّنَ في هَذا الخَبَرِ أنَّ المُرْتَهِنَ هو الَّذِي تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ؛ ويَكُونُ لَهُ ظَهْرُهُ ولَبَنُهُ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "إنَّ نَفَقَتَهُ عَلى الرّاهِنِ دُونَ المُرْتَهِنِ"؛ فَهَذا الحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لا لَهُ؛ وقَدْ رَوى الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: "لا يُنْتَفَعُ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ"؛ فَقَدْ تَرَكَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ؛ وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ غَيْرَ ثابِتٍ في الأصْلِ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ ثابِتًا؛ وهو مَنسُوخٌ عِنْدَهُ؛ وهو كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ كانَ جائِزًا قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبا؛ فَلَمّا حُرِّمَ الرِّبا؛ ورُدَّتِ الأشْياءُ إلى مَقادِيرِها؛ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا؛ ألا تَرى أنَّهُ جَعَلَ النَّفَقَةَ بَدَلًا مِنَ اللَّبَنِ؛ قَلَّ أوْ كَثُرَ؟ وهو نَظِيرُ (p-٢٧١)ما رُوِيَ في المُصَرّاةِ أنَّهُ يَرُدُّها؛ ويَرُدُّ مَعَها صاعًا مِن تَمْرٍ؛ ولَمْ يَعْتَبِرْ مِقْدارَ اللَّبَنِ الَّذِي أخَذَهُ؛ وذَلِكَ أيْضًا عِنْدَنا مَنسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبا؛ ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ بِإيجابِ الرُّكُوبِ واللَّبَنِ لِلرّاهِنِ؛ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ مِن صِفاتِ الرَّهْنِ القَبْضَ؛ كَما جَعَلَ مِن صِفاتِ الشَّهادَةِ العَدالَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ وقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ ومَعْلُومٌ أنَّ زَوالَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ الشَّهادَةِ يَمْنَعُ جَوازَ الشَّهادَةِ؛ فَكَذَلِكَ لَمّا جَعَلَ مِن صِفاتِ الرَّهْنِ أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ وجَبَ إبْطالُ الرَّهْنِ؛ لِعَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ وهو اسْتِحْقاقُ القَبْضِ؛ فَلَوْ كانَ الرّاهِنُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَبْضِ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ الرَّهْنُ؛ لَمَنَعَ ذَلِكَ مِن صِحَّتِهِ بَدِيًّا؛ لِمُقارَنَةِ ما يُبْطِلُهُ؛ ولَوْ صَحَّ بَدِيًّا لَوَجَبَ أنْ يَبْطُلَ بِاسْتِحْقاقِ قَبْضِهِ وُجُوبُ رَدِّهِ إلى يَدِهِ؛ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الرّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِن وطْءِ الأمَةِ المَرْهُونَةِ؛ والوَطْءُ مِن مَنافِعِها؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سائِرِ المَنافِعِ في بُطْلانِ حَقِّ الرّاهِنِ فِيها؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الرّاهِنَ إنَّما لَمْ يَسْتَحِقَّ الوَطْءَ لِأنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَيْها؛ كَذَلِكَ الِاسْتِخْدامُ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن شَرَطَ مِلْكَ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: "إذا رَهَنَهُ رَهْنًا؛ وقالَ: إنْ جِئْتُكَ بِالمالِ إلى شَهْرٍ؛ وإلّا فَهو بَيْعٌ؛ فالرَّهْنُ جائِزٌ؛ والشَّرْطُ باطِلٌ"؛ وقالَ مالِكٌ: اَلرَّهْنُ فاسِدٌ؛ ويُنْقَضُ؛ فَإنْ لَمْ يُنْقَضْ حَتّى حَلَّ الأجَلُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ؛ ولِلْمُرْتَهِنِ أنْ يَحْبِسَهُ بِحَقِّهِ؛ وهو أحَقُّ بِهِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ فَإنْ تَغَيَّرَ في يَدِهِ لَمْ يُرَدَّ؛ ولَزِمَتْهُ القِيمَةُ في ذَلِكَ يَوْمَ حَلَّ الأجَلُ؛ وهَذا في السِّلَعِ؛ والحَيَوانِ؛ وأمّا في الدُّورِ والأرْضِينَ؛ فَإنَّهُ يَرُدُّها إلى الرّاهِنِ؛ وإنْ تَطاوَلَ؛ إلّا أنْ تَنْهَدِمَ الدّارُ؛ أوْ يُبْنى فِيها؛ أوْ يُغْرَسَ في الأرْضِ؛ فَهَذا فَوْتٌ؛ ويُغْرَمُ القِيمَةَ؛ مِثْلَ البَيْعِ الفاسِدِ. وقالَ المُعافى؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ - في الرَّجُلِ يَرْهَنُ صاحِبَهُ المَتاعَ؛ ويَقُولُ: إنْ لَمْ آتِكَ فَهو لَكَ - قالَ: لا يَغْلَقُ ذَلِكَ الرَّهْنُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لَيْسَ قَوْلُهُ هَذا بِشَيْءٍ"؛ وقالَ الرَّبِيعُ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ: "لَوْ رَهَنَهُ وشَرَطَ لَهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالحَقِّ إلى كَذا فالرَّهْنُ لَهُ بَيْعٌ؛ فالرَّهْنُ فاسِدٌ؛ والرَّهْنُ لِصاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ". قالَ أبُو بَكْرٍ: اِتَّفَقُوا أنَّهُ لا يَمْلِكُهُ بِمُضِيِّ الأجَلِ؛ واخْتَلَفُوا في جَوازِ الرَّهْنِ وفَسادِهِ؛ وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ أنَّ قَوْلَهُ: «"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛» أنَّهُ لا يَمْلِكُ بِالدَّيْنِ بِمُضِيِّ الأجَلِ؛ لِلشَّرْطِ الَّذِي شَرَطاهُ؛ فَإنَّما نَفى النَّبِيُّ ﷺ غَلْقَهُ بِذَلِكَ؛ ولَمْ يَنْفِ صِحَّةَ الرَّهْنِ الَّذِي شَرَطاهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ الرَّهْنِ؛ وبُطْلانِ الشَّرْطِ؛ وهو أيْضًا قِياسُ العُمْرى؛ الَّتِي أبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها الشَّرْطَ؛ وأجازَ الهِبَةَ؛ والمَعْنى الجامِعُ (p-٢٧٢)بَيْنَهُما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَصِحُّ بِالعَقْدِ دُونَ القَبْضِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا في مِقْدارِ الدَّيْنِ إذا اخْتَلَفَ فِيهِ الرّاهِنُ والمُرْتَهِنُ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: "إذا هَلَكَ واخْتَلَفَ الرّاهِنُ والمُرْتَهِنُ في مِقْدارِ الدَّيْنِ؛ فالقَوْلُ قَوْلُ الرّاهِنِ في الدَّيْنِ؛ مَعَ يَمِينِهِ"؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ؛ وعُثْمانَ البَتِّيِّ؛ وقالَ طاوُسٌ: "يُصَدَّقُ المُرْتَهِنُ إلى ثَمَنِ الرَّهْنِ؛ ويُسْتَحْلَفُ"؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ؛ والحَكَمِ؛ وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ قَوْلًا بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ قالَ: "إنْ كانَ لِلرّاهِنِ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِهِ الرَّهْنَ فالقَوْلُ قَوْلُ الرّاهِنِ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فالقَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ جَحَدَهُ الرَّهْنَ؛ ومَتى أقَرَّ بِشَيْءٍ ولَيْسَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؛ فالقَوْلُ قَوْلُهُ"؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ: "إذا اخْتَلَفا في الدَّيْنِ؛ والرَّهْنُ قائِمٌ؛ فَإنْ كانَ الرَّهْنُ قَدْرَ حَقِّ المُرْتَهِنِ؛ أخَذَهُ المُرْتَهِنُ؛ وكانَ أوْلى بِهِ؛ ويُحَلِّفُهُ؛ إلّا أنْ يَشاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ عَلَيْهِ؛ ويَأْخُذَ رَهْنَهُ"؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "اَلْقَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لا يُصَدَّقُ عَلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ". قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأنَّهُ وعَظَهُ في البَخْسِ؛ وهو النُّقْصانُ؛ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ؛ وأيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلْبَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي؛ واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ"؛» والمُرْتَهِنُ هو المُدَّعِي؛ والرّاهِنُ هو المُدَّعى عَلَيْهِ؛ فالقَوْلُ قَوْلُهُ بِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ ﷺ؛ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنٌ لَكانَ القَوْلُ قَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ في مِقْدارِهِ بِالِاتِّفاقِ؛ كَذَلِكَ إذا كانَ بِهِ رَهْنٌ؛ لِأنَّ الرَّهْنَ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وزَعَمَ بَعْضُ مَن يَحْتَجُّ لِمالِكٍ أنَّ قَوْلَهُ أشْبَهُ بِظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فَأقامَ الرَّهْنَ مَقامَ الشَّهادَةِ؛ ولَمْ يَأْتَمِنِ الذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ حِينَ أخَذَ مِنهُ وثِيقَةً؛ كَما لَمْ يَأْتَمِنهُ عَلى مَبْلَغِهِ إذا أشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودَ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ والكِتابَ تُنَبِّئُ عَنْ مَبْلَغِ الحَقِّ؛ فَلَمْ يُصَدَّقِ الرّاهِنُ؛ وقامَ الرَّهْنُ مَقامَ الشُّهُودِ؛ إلى أنْ يَبْلُغَ قِيمَتَهُ؛ فَإذا جاوَزَ قِيمَتَهُ فَلا وثِيقَةَ فِيهِ؛ والمُرْتَهِنُ مُدَّعٍ فِيهِ؛ والرّاهِنُ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا مِن عَجِيبِ الحِجاجِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتَمِنهُ حَتّى أخَذَ الرَّهْنَ؛ قامَ الرَّهْنُ مَقامَ الشَّهادَةِ؛ وزَعَمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ (تَعالى) القَوْلَ قَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ حِينَ قالَ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَجَعَلَ القَوْلَ قَوْلَهُ في الحالِ الَّتِي أُمِرَ فِيها بِالإشْهادِ والكِتابِ؛ ولَمْ يَجْعَلْ عَدَمَ ائْتِمانِ الطّالِبِ (p-٢٧٣)لِلْمَطْلُوبِ مانِعًا مِن أنْ يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَ المَطْلُوبِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ ائْتِمانِهِ إيّاهُ بِالتَّوَثُّقِ مِنهُ بِالرَّهْنِ مانِعًا مِن قَبُولِ قَوْلِ المَطْلُوبِ؛ ومُوجِبًا لِتَصْدِيقِ الطّالِبِ عَلى ما يَدَّعِيهِ؟ والَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ والعِلَّةُ الَّتِي نَصَبَها لِتَصْدِيقِ المُرْتَهِنِ في تَرْكِ ائْتِمانِهِ مُنْتَقِضَةٌ بِنَصِّ الكِتابِ؛ ثُمَّ دَعْواهُ مُوافَقَتَهُ لِظاهِرِ القُرْآنِ أعْجَبُ الأشْياءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ قَدْ قَضى بِبُطْلانِ قَوْلِهِ حِينَ جَعَلَ القَوْلَ قَوْلَ المَطْلُوبِ؛ في الحالِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَمَن فِيها؛ حَتّى اسْتَوْثَقَ مِنهُ بِالكِتابِ والإشْهادِ؛ وهو إنَّما زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ حِينَ أخَذَ الرَّهْنَ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَ الطّالِبِ؛ ثُمَّ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ مُوافِقٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ وبَنى عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ؛ وأنَّ الرَّهْنَ تَوَثُّقٌ؛ كَما أنَّ الشَّهادَةَ تَوَثُّقٌ؛ فَقامَ الرَّهْنُ مَقامَ الشَّهادَةِ؛ ولَيْسَ ما ذَكَرَهُ مِنَ المَعْنى مِن ظاهِرِ القُرْآنِ في شَيْءٍ؛ وإنّا كُنّا قَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّهُ مُخالِفٌ لَهُ؛ وإنَّما هو قِياسٌ ورَدَ لِمَسْألَةِ الرَّهْنِ إلى مَسْألَةِ الشَّهادَةِ بِعِلَّةِ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَن في الحالَيْنِ عَلى الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ؛ وهو قِياسٌ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَرُدُّهُ؛ وهو ما قَدَّمْناهُ؛ والثّانِي أنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مَن لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأخَذَ مِنهُ كَفِيلًا؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِهِ؛ كانَ القَوْلُ قَوْلَ المَطْلُوبِ فِيما يَلْزَمُهُ؛ ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ الِائْتِمانِ بِأخْذِهِ الكَفِيلَ مُوجِبًا لِتَصْدِيقِ الطّالِبِ؛ مَعَ وُجُودِ عِلَّتِهِ فِيهِ؛ فانْتَقَضَتْ عِلَّتُهُ بِالكَفالَةِ؛ والثّالِثِ أنَّ المَعْنى الَّذِي مِن أجَلِهِ لَمْ يُصَدَّقِ الطّالِبُ؛ إذا قامَتِ البَيِّنَةُ؛ أنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ مَقْبُولَةٌ؛ مَحْكُومٌ بِتَصْدِيقِهِمْ فِيها؛ وهم قَدْ شَهِدُوا عَلى إقْرارِهِ بِأكْثَرَ مِمّا ذَكَرَهُ؛ وبِما ادَّعاهُ المُدَّعِي؛ فَصارَ كَإقْرارِهِ عِنْدَ القاضِي بِالزِّيادَةِ؛ ولا دَلالَةَ في قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلى أنَّ الدَّيْنَ بِمِقْدارِهِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَرْهَنَ بِالقَلِيلِ الكَثِيرَ؛ وبِالكَثِيرِ القَلِيلَ؛ ولا تُنْبِئُ قِيمَةُ الرَّهْنِ عَنْ مِقْدارِ الدَّيْنِ؛ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ الرَّهْنُ بِمَنزِلَةِ الشَّهادَةِ؟ ويَدُلُّ عَلى فَسادِ قِياسِهِ هَذا أنَّهُما لَوِ اتَّفَقا عَلى أنَّ الدَّيْنَ أقَلُّ مِن قِيمَةِ الرَّهْنِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ بُطْلانَ الرَّهْنِ؛ ولَوْ أقَرَّ الطّالِبُ أنَّ دَيْنَهُ أقَلُّ مِمّا شَهِدَ بِهِ شُهُودُهُ بَطَلَتْ شَهادَةُ شُهُودِهِ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تُوجِبُ بُطْلانَ ما ذَكَرَهُ هَذا المُحْتَجُّ. * * وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾؛ كَلامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأمْرِ بِالإشْهادِ عِنْدَ التَّبايُعِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَهو عُمُومٌ في سائِرِ الشَّهاداتِ الَّتِي يَلْزَمُ الشّاهِدَ إقامَتُها؛ وأداؤُها؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]؛ وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها (p-٢٧٤)الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فَنَهى اللَّهُ (تَعالى) الشّاهِدَ بِهَذِهِ الآياتِ عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَرَكَها يُؤَدِّي إلى تَضْيِيعِ الحُقُوقِ؛ وهو - عَلى ما بَيَّنّا مِن إثْباتِ الشَّهادَةِ في كُتُبِ الوَثائِقِ؛ وأدائِها بَعْدَ إثْباتِها - فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ؛ فَإذا لَمْ يَكُنْ مَن يَشْهَدُ عَلى الحَقِّ؛ غَيْرُ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ؛ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِما فَرْضُ أدائِها؛ ويَلْحَقُهُما إنْ تَخَلَّفا عَنْها الوَعِيدُ المَذْكُورُ في الآيَةِ؛ وقَدْ كانَ نَهْيُهُ عَنِ الكِتْمانِ مُفِيدًا لِوُجُوبِ أدائِها؛ ولَكِنَّهُ (تَعالى) أكَّدَ الفَرْضَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ وإنَّما أضافَ الإثْمَ إلى القَلْبِ؛ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ الكاتِمُ هو الآثِمَ؛ لِأنَّ المَأْثَمَ فِيهِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ القَلْبِ؛ ولِأنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ إنَّما هو عَقْدُ النِّيَّةِ لِتَرْكِ أدائِها بِاللِّسانِ؛ فَعَقْدُ النِّيَّةِ مِن أفْعالِ القَلْبِ؛ لا نَصِيبَ لِلْجَوارِحِ فِيهِ. وقَدِ انْتَظَمَ الكاتِمُ لِلشَّهادَةِ المَأْثَمَ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما عَزْمُهُ عَلى ألّا يُؤَدِّيَها؛ والثّانِي تَرْكُ أدائِها بِاللِّسانِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ مَجازٌ؛ لا حَقِيقَةٌ؛ وهو آكَدُ في هَذا المَوْضِعِ مِنَ الحَقِيقَةِ لَوْ قالَ: "ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ"؛ وأبْلَغُ مِنهُ؛ وأدَلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ وهو مِن بَدِيعِ البَيانِ؛ ولَطِيفِ الإعْرابِ عَنِ المَعانِي - تَعالى اللَّهُ الحَكِيمُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وآيَةُ الدَّيْنِ - بِما فِيها مِن ذِكْرِ الِاحْتِياطِ بِالكِتابِ؛ والشُّهُودِ المَرْضِيِّينَ؛ والرَّهْنِ - تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ صَلاحِ الدِّينِ؛ والدُّنْيا مَعَهُ؛ فَأمّا في الدُّنْيا فَصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ؛ ونَفْيُ التَّنازُعِ والِاخْتِلافِ؛ وفي التَّنازُعِ والِاخْتِلافِ فَسادُ ذاتِ البَيْنِ؛ وذَهابُ الدِّينِ والدُّنْيا؛ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]؛ وذَلِكَ أنَّ المَطْلُوبَ إذا عَلِمَ أنَّ عَلَيْهِ دِينًا؛ وشُهُودًا؛ وكِتابًا؛ ورَهْنًا بِما عَلَيْهِ؛ وثِيقَةً في يَدِ الطّالِبِ؛ قَلَّ الخِلافُ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ خِلافَهُ؛ وبَخْسَهُ لِحَقِّ المَطْلُوبِ لا يَنْفَعُهُ؛ بَلْ يَظْهَرُ كَذِبُهُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ؛ وفِيهِ وثِيقَةٌ واحْتِياطٌ لِلطّالِبِ؛ وفي ذَلِكَ صَلاحٌ لَهُما جَمِيعًا في دِينِهِما؛ ودُنْياهُما؛ لِأنَّ في تَرْكِهِ بَخْسَ حَقِّ الطّالِبِ صَلاحَ دِينِهِ؛ وفي جُحُودِهِ وبَخْسِهِ ذَهابَ دِينِهِ؛ إذا عَلِمَ وُجُوبَهُ؛ وكَذَلِكَ الطّالِبُ إذا كانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ وشُهُودٌ؛ أثْبَتُوا ما لَهُ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ وجَحَدَ الطّالِبُ؛ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى مُقابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ؛ والمُبالَغَةِ في كَيْدِهِ؛ حَتّى رُبَّما لَمْ يَرْضَ بِمِقْدارِ حَقِّهِ دُونَ الإضْرارِ بِهِ في أضْعافِهِ؛ مَتى أمْكَنَهُ؛ وذَلِكَ مُتَعالَمٌ مِن أحْوالِ عامَّةِ النّاسِ؛ وهَذا نَظِيرُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ مِنَ البِياعاتِ المَجْهُولَةِ القَدْرِ؛ والآجالِ المَجْهُولَةِ؛ والأُمُورِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها النّاسُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ؛ مِمّا كانَ يُؤَدِّي إلى الِاخْتِلافِ؛ وفَسادِ ذاتِ البَيْنِ؛ وإيقاعِ العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ المَيْسِرِ؛ والقِمارِ؛ وشُرْبِ الخَمْرِ؛ وما يُسْكِرُ؛ فَيُؤَدِّي إلى (p-٢٧٥)العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ والِاخْتِلافِ؛ والشَّحْناءِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّهُ إنَّما نَهى عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ لِنَفْيِ الِاخْتِلافِ؛ والعَداوَةِ؛ ولِما في ارْتِكابِها مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (تَعالى) وعَنِ الصَّلاةِ؛ فَمَن تَأدَّبَ بِأدَبِ اللَّهِ (تَعالى) وانْتَهى إلى أوامِرِهِ؛ وانْزَجَرَ بِزَواجِرِهِ؛ حازَ صَلاحَ الدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] ﴿وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]؛ وفي هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها بِالكِتابِ والإشْهادِ عَلى الدَّيْنِ؛ والعُقُودِ؛ والِاحْتِياطِ فِيها تارَةً بِالشَّهادَةِ؛ وتارَةً بِالرَّهْنِ؛ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ حِفْظِ المالِ؛ والنَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِهِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النساء: ٥]؛ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]؛ اَلْآيَةَ؛ فَهَذِهِ الآيُ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ حِفْظِ المالِ؛ والنَّهْيِ عَنْ تَبْذِيرِهِ وتَضْيِيعِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ حَدَّثَنا بَعْضُ مَن لا أتَّهِمُ في الرِّوايَةِ قالَ: أخْبَرَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُسَدِّدٌ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحاقَ؛ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا يُحِبُّ اللَّهُ إضاعَةَ المالِ؛ ولا قِيلَ ولا قالَ"؛» وحَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ المَسْرُوقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا حَسَنٌ الجُعْفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ؛ عَنْ ورّادٍ قالَ: «كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: "اُكْتُبْ إلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أحَدٌ"؛ قالَ: فَأمْلى عَلَيَّ؛ وكَتَبْتُ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ثَلاثًا؛ ونَهى عَنْ ثَلاثٍ؛ فَأمّا الثَّلاثُ الَّتِي حَرَّمَ فَعُقُوقُ الأُمَّهاتِ؛ ووَأْدُ البَناتِ؛ ولا وهاتِ؛ والثَّلاثُ الَّتِي نَهى عَنْهُنَّ فَقِيلَ وقالَ؛ وإلْحافُ السُّؤالِ؛ وإضاعَةُ المالِ"». قالَ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ عَنْ مَعْمَرٍ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ - (p-٢٧٦)قالَ: قَرَأها ابْنُ عُمَرَ وبَكى؛ وقالَ: "إنّا لَمَأْخُوذُونَ بِما نُحَدِّثُ بِهِ أنْفُسَنا؟"؛ فَبَكى حَتّى سُمِعَ نَشِيجُهُ؛ فَقامَ رَجُلٌ مِن عِنْدِهِ فَأتى ابْنَ عَبّاسٍ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ؛ فَقالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عُمَرَ؛ لَقَدْ وجَدَ مِنها المُسْلِمُونَ نَحْوًا مِمّا وجَدَ؛ حَتّى نَزَلَتْ بَعْدَها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] "؛ ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: "نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] "؛ ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾: "إنَّها لَمْ تُنْسَخْ؛ لَكِنَّ اللَّهَ إذا جَمَعَ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ: (إنِّي أُخْبِرُكم بِما في أنْفُسِكم مِمّا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلائِكَتِي؛) فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ؛ ويَغْفِرُ لَهم ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ مِنَ الشَّكِّ؛ والنِّفاقِ". ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: "هِيَ مُحْكَمَةٌ؛ لَمْ تُنْسَخْ"؛ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مُحْكَمَةٌ في الشَّكِّ؛ واليَقِينِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً؛ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ الأخْبارَ لا يَجُوزُ فِيها النَّسْخُ؛ لِأنَّ نَسْخَ مُخْبَرِها يَدُلُّ عَلى البَداءِ؛ واللَّهُ (تَعالى) عالِمٌ بِالعَواقِبِ؛ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ البَداءُ؛ والثّانِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُ [نَفْسٍ] ما لَيْسَ في وُسْعِها؛ لِأنَّهُ سَفَهٌ؛ وعَبَثٌ؛ واللَّهُ (تَعالى) يَتَعالى عَنْ فِعْلِ العَبَثِ؛ وإنَّما قَوْلُ مَن رُوِيَ عَنْهُ أنَّها مَنسُوخَةٌ؛ فَإنَّهُ غَلَطٌ مِنَ الرّاوِي في اللَّفْظِ؛ وإنَّما أرادَ بَيانَ مَعْناها؛ وإزالَةَ التَّوَهُّمِ عَنْ صَرْفِهِ إلى غَيْرِ وجْهِهِ؛ وقَدْ رَوى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ؛ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ؛ ورُوِيَ عَنْ غَيْرِهِما أنَّها في سائِرِ الأشْياءِ؛ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ عُمُومٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ؛ فَهو عامٌّ في الشَّهادَةِ وغَيْرِها؛ ومِن نَظائِرِ ذَلِكَ؛ في المُؤاخَذَةِ بِكَسْبِ القَلْبِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ١٩]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]؛ أيْ: شَكٌّ. فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"إنَّ اللَّهَ عَفا لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ أوْ يَعْمَلُوا بِهِ"؛» قِيلَ لَهُ: هَذا فِيما يَلْزَمُهُ مِنَ الأحْكامِ؛ فَلا يَقَعُ عِتْقُهُ؛ ولا طَلاقُهُ؛ ولا بَيْعُهُ؛ ولا صَدَقَتُهُ؛ ولا هِبَتُهُ بِالنِّيَّةِ؛ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ؛ وما ذُكِرَ في الآيَةِ فِيما يُؤاخَذُ بِهِ مِمّا بَيْنَ العَبْدِ؛ وبَيْنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ رَوى الحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ عَطِيَّةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ فَقالَ: "سِرُّ عَمَلِكَ؛ وعَلانِيَتُهُ يُحاسِبُكَ بِهِ اللَّهُ؛ ولَيْسَ مِن عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُسِرُّ في نَفْسِهِ خَيْرًا لِيَعْمَلَ (p-٢٧٧)بِهِ؛ فَإنْ عَمِلَ بِهِ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَشْرُ حَسَناتٍ؛ وإنْ هو لَمْ يَقْدِرْ [لَهُ أنْ ] يَعْمَلَ بِهِ؛ كُتِبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ؛ مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِسِرِّ المُؤْمِنِينَ؛ وعَلانِيَتِهِمْ؛ وإنْ كانَ شَرًّا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ؛ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ وأخْبَرَ بِهِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ؛ فَإنْ هو لَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ لَمْ يُؤاخِذْهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى يَعْمَلَ بِهِ؛ فَإنْ هو عَمِلَ بِهِ تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ؛ كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]؛ وهَذا عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: «"إنَّ اللَّهَ عَفا لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها؛ ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ أوْ يَعْمَلُوا بِهِ"».

البقرة 2:286

قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾؛ فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يُكَلِّفُ أحَدًا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ولا يُطِيقُهُ؛ ولَوْ كَلَّفَ أحَدًا ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ولا يَسْتَطِيعُهُ لَكانَ مُكَلِّفًا لَهُ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ؛ ألا تَرى قَوْلَ القائِلِ: "لَيْسَ في وُسْعِي كَيْتُ؛ وكَيْتُ"؛ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "لا أقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا أُطِيقُهُ"؟ بَلِ الوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ؛ ولَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ في أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يَجُوزُ أنْ يُكَلِّفَ الزَّمِنَ المَشْيَ؛ والأعْمى البَصَرَ؛ والأقْطَعَ اليَدَيْنِ البَطْشَ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ؛ ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الأُمَّةِ. وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَن لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّلاةَ قائِمًا فَغَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلْقِيامِ فِيها؛ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْها قاعِدًا فَغَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلْقُعُودِ؛ بَلْ يُصَلِّيها عَلى جَنْبٍ؛ يُومِئُ إيماءً؛ لِأنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْها إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ؛ ونَصُّ التَّنْزِيلِ قَدْ أسْقَطَ التَّكْلِيفَ عَمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلى الفِعْلِ؛ ولا يُطِيقُهُ؛ وزَعَمَ قَوْمٌ جُهّالٌ نَسَبَتْ إلى اللَّهِ فِعْلَ السَّفَهِ والعَبَثِ؛ فَزَعَمُوا أنَّ كُلَّ ما أُمِرَ بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ؛ أوْ نُهِيَ عَنْهُ؛ فالمَأْمُورُ بِهِ مِنهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلى فِعْلِهِ؛ والمَنهِيُّ عَنْهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلى تَرْكِهِ؛ وقَدْ أكْذَبَ اللَّهُ قِيلَهم بِما نَصَّ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾؛ مَعَ ما قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُولُ مِن قُبْحِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ؛ وأنَّ العالِمَ بِالقَبِيحِ؛ المُسْتَغْنِيَ عَنْ فِعْلِهِ؛ لا يَقَعُ مِنهُ فِعْلُ القَبِيحِ؛ ومِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ سُقُوطُ الفَرْضِ عَنِ المُكَلَّفِينَ فِيما لا تَتَّسِعُ لَهُ قُواهم؛ لِأنَّ الوُسْعَ هو دُونَ الطّاقَةِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمُ اسْتِفْراغُ المَجْهُودِ في أداءِ الفَرْضِ؛ نَحْوَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ ويُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ في جِسْمِهِ؛ وإنْ لَمْ يَخْشَ المَوْتَ بِفِعْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ إلّا ما يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ؛ ولا يَبْلُغُ بِهِ حالَ المَوْتِ؛ وكَذَلِكَ المَرِيضُ الَّذِي يَخْشى ضَرَرَ الصَّوْمِ؛ وضَرَرَ اسْتِعْمالِ الماءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ أحَدًا إلّا ما اتَّسَعَتْ لَهُ قُدْرَتُهُ وإمْكانُهُ؛ دُونَ ما يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ويُعَنِّتُهُ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ وقالَ في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ فَهَذا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ في سائِرِ أوامِرِ اللَّهِ (تَعالى) وزَواجِرِهِ؛ ولُزُومُ التَّكْلِيفِ فِيها عَلى ما يَتَّسِعُ لَهُ؛ ويَقْدِرُ (p-٢٧٨)عَلَيْهِ. * * قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلنِّسْيانُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ قَدْ يَتَعَرَّضُ الإنْسانُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَقَعُ مَعَهُ النِّسْيانُ؛ فَيَحْسُنُ الِاعْتِذارَ بِهِ إذا وقَعَتْ مِنهُ جِنايَةٌ عَلى وجْهِ السَّهْوِ؛ والثّانِي: أنْ يَكُونَ النِّسْيانُ بِمَعْنى تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ لِشُبْهَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْهِ؛ أوْ سُوءِ تَأْوِيلٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ نَفْسُهُ واقِعًا عَلى وجْهِ السَّهْوِ؛ فَيَحْسُنُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ (تَعالى) مَغْفِرَةَ الأفْعالِ الواقِعَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ والنِّسْيانُ بِمَعْنى التَّرْكِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ يَعْنِي تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا ثَوابَهُ؛ فَأطْلَقَ اسْمَ النِّسْيانِ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ عَلى وجْهِ مُقابَلَةِ الِاسْمِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]؛ وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلنِّسْيانُ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ؛ فَإنَّ حُكْمَهُ مَرْفُوعٌ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ؛ والتَّكْلِيفُ في مِثْلِهِ ساقِطٌ عَنْهُ؛ والمُؤاخَذَةُ بِهِ في الآخِرَةِ غَيْرُ جائِزَةٍ؛ لِأنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ فِيما يُكَلِّفُهُ مِنَ العِباداتِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَصَّ عَلى لُزُومِ حُكْمِ كَثِيرٍ مِنها مَعَ النِّسْيانِ؛ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ أيْضًا عَلى حُكْمِها؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «" مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ؛ أوْ نَسِيَها؛ فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها"؛ وتَلا عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] "؛» فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]؛ فِعْلُ المَنسِيَّةِ مِنها عِنْدَ الذِّكْرِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]؛ وذَلِكَ عُمُومٌ في لُزُومِهِ قَضاءَ كُلِّ مَنسِيٍّ عِنْدَ ذِكْرِهِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في أنَّ ناسِيَ الصَّوْمِ؛ والزَّكاةِ؛ وسائِرِ الفُرُوضِ؛ بِمَنزِلَةِ ناسِي الصَّلاةِ؛ في لُزُومِ قَضائِها عِنْدَ ذِكْرِها؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا في المُتَكَلِّمِ في الصَّلاةِ ناسِيًا: "إنَّهُ بِمَنزِلَةِ العامِدِ"؛ لِأنَّ الأصْلَ أنَّ العامِدَ والنّاسِيَ في حُكْمِ الفُرُوضِ سَواءٌ؛ وأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلنِّسْيانِ في إسْقاطِ شَيْءٍ مِنها؛ إلّا ما ورَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ؛ ولا خِلافَ أنَّ تارِكَ الطَّهارَةِ ناسِيًا كَتارِكِها عامِدًا؛ في بُطْلانِ حُكْمِ صَلاتِهِ؛ وكَذَلِكَ قالُوا في الآكِلِ في نَهارِ شَهْرِ رَمَضانَ ناسِيًا: "إنَّ القِياسَ فِيهِ إيجابُ القَضاءِ"؛ وإنَّهم إنَّما تَرَكُوا القِياسَ فِيهِ لِلْأثَرِ؛ ومَعَ ما ذَكَرْنا فَإنَّ النّاسِيَ مُؤَدٍّ لِفَرْضِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ فَعَلَهُ؛ إذْ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ (تَعالى) في تِلْكَ الحالِ غَيْرَهُ؛ وإنَّما القَضاءُ فَرْضٌ آخَرُ؛ ألْزَمَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِالدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ فَكانَ تَأْثِيرُ النِّسْيانِ في سُقُوطِ المَأْثَمِ فَحَسْبُ؛ فَأمّا في لُزُومِ فَرْضٍ فَلا. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ"؛» مَقْصُورٌ عَلى المَأْثَمِ أيْضًا؛ دُونَ رَفْعِ الحُكْمِ؛ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ نَصَّ عَلى لُزُومِ حُكْمِ قَتْلِ الخَطَإ في إيجابِ الدِّيَةِ؛ والكَفّارَةِ؟ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ النِّسْيانَ مَعَ الخَطَإ؛ وهو عَلى هَذا المَعْنى. فَإنْ قالَ قائِلٌ: (p-٢٧٩)مِن أصْلِكم إيجابُ فَرْضِ التَّسْمِيَةِ عَلى الذَّبِيحَةِ؛ ولَوْ تَرَكَها عامِدًا كانَتْ مَيْتَةً؛ وإذا تَرَكَها ناسِيًا حَلَّتْ؛ وكانَتْ مُذَكّاةً؛ ولَمْ تَجْعَلُوها بِمَنزِلَةِ تارِكِ الطَّهارَةِ ناسِيًا حَتّى صَلّى؛ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِإعادَتِها بِالطَّهارَةِ قَطْعًا؛ وكَذَلِكَ الكَلامُ في الصَّلاةِ ناسِيًا؛ قِيلَ لَهُ: لِما بَيَّنّا مِن أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ في الحالِ غَيْرَ ما فَعَلَ عَلى وجْهِ النِّسْيانِ؛ والَّذِي لَزِمَهُ بَعْدَ الذِّكْرِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ وكَذَلِكَ نُجِيزُ في هَذِهِ القَضِيَّةِ ألّا يَكُونَ مُكَلَّفًا في حالِ النِّسْيانِ لِلتَّسْمِيَةِ؛ فَصَحَّتِ الذَّكاةُ؛ ولا تَتَأتّى بَعْدَ الذَّكاةِ فِيهِ ذَبِيحَةٌ أُخْرى؛ فَيَكُونُ مُكَلَّفًا لَها؛ كَما كُلِّفَ إعادَةَ الصَّلاةِ؛ والصَّوْمِ؛ ونَحْوِهِ. * * قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ هو مِثْلُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ وقَوْلِهِ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠]؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَأحْكامُ أفْعالِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وأنَّ أحَدًا لا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلى غَيْرِهِ؛ ولا يُؤاخَذُ بِجَرِيرَةِ سِواهُ؛ وكَذَلِكَ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأبِي رِمْثَةَ - حِينَ رَآهُ مَعَ ابْنِهِ - فَقالَ: "هَذا ابْنُكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "إنَّكَ لا تَجْنِي عَلَيْهِ؛ ولا يَجْنِي عَلَيْكَ"؛» وقالَ ﷺ: «"لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِجَرِيرَةِ أبِيهِ؛ ولا بِجَرِيرَةِ أخِيهِ"؛» فَهَذا هو العَدْلُ الَّذِي لا يَجُوزُ في العُقُولِ غَيْرُهُ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾؛ يُحْتَجُّ بِهِ في نَفْيِ الحَجْرِ؛ وامْتِناعِ تَصَرُّفِ أحَدٍ؛ مِن قاضٍ أوْ غَيْرِهِ؛ عَلى سِواهُ؛ بِبَيْعِ مالٍ؛ أوْ مَنعِهِ مِنهُ؛ إلّا ما قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى خُصُوصِهِ؛ ويُحْتَجُّ بِهِ في بُطْلانِ مَذْهَبِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ؛ في أنَّ مَن أدّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أمْرِهِ أنَّ لَهُ أنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) إنَّما جَعَلَ كَسْبَهُ لَهُ وعَلَيْهِ؛ ومَنَعَ لُزُومَهُ غَيْرَهُ. * * قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾؛ قَدْ قِيلَ في مَعْنى الإصْرِ: إنَّهُ الثِّقْلُ؛ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ يُقالُ: إنَّهُ العَطْفُ؛ ومِنهُ أواصِرُ الرَّحِمِ؛ لِأنَّها تَعْطِفُهُ عَلَيْهِ؛ والواحِدُ آصِرَةٌ؛ والمَأْصِرُ يُقالُ: إنَّهُ حَبْلٌ يُمَدُّ عَلى طَرِيقٍ؛ أوْ نَهْرٍ؛ تُحْبَسُ بِهِ المارَّةُ؛ ويَعْطِفُونَ بِهِ عَنِ النُّفُوذِ لِيُؤْخَذَ مِنهُمُ العُشُورُ؛ والمَكْسُ؛ والمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾؛ يُرِيدُ بِهِ عَهْدًا؛ وهو الأمْرُ الَّذِي يَثْقُلُ؛ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ يَعْنِي مِن ضِيقٍ؛ وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ اَلْآيَةَ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"جِئْتُكم بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ"؛» ورُوِيَ عَنْهُ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾؛ يَعْنِي: مِن ثِقَلِ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾؛ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم (p-٢٨٠)والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ وهَذِهِ الآيَةُ ونَظائِرُها يُحْتَجُّ بِها عَلى نَفْيِ الحَرَجِ؛ والضِّيقِ؛ والثِّقَلِ؛ في كُلِّ أمْرٍ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ؛ وسَوَّغُوا فِيهِ الِاجْتِهادَ؛ فالمُوجِبُ لِلثِّقَلِ؛ والضِّيقِ؛ والحَرَجِ؛ مَحْجُوجٌ بِالآيَةِ؛ نَحْوَ إيجابِ النِّيَّةِ في الطَّهارَةِ؛ وإيجابِ التَّرْتِيبِ فِيها؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ في نَفْيِ الضِّيقِ؛ والحَرَجِ؛ يُجَوِّزُ لَنا الِاحْتِجاجَ بِالظَّواهِرِ الَّتِي ذَكَرْناها. * * قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما ما يَشْتَدُّ ويَثْقُلُ مِنَ التَّكْلِيفِ؛ كَنَحْوِ ما كُلِّفَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يُعَبِّرَ بِما يَثْقُلُ أنَّهُ لا يُطِيقُهُ؛ كَقَوْلِكَ: "ما أُطِيقُ كَلامَ فُلانٍ؛ ولا أقْدِرُ أنْ أراهُ"؛ ولا يُرادُ بِهِ نَفْيُ القُدْرَةِ؛ وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ العاجِزِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى كَلامِهِ؛ ورُؤْيَتِهِ؛ لِبُعْدِهِ مِن قَلْبِهِ؛ وكَراهَتِهِ لِرُؤْيَتِهِ؛ وكَلامِهِ؛ وهو كَما قالَ (تَعالى): ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ وقَدْ كانَتْ لَهم أسْماعٌ صَحِيحَةٌ؛ إلّا أنَّ المُرادَ أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا اسْتِماعَهُ؛ فَأعْرَضُوا عَنْهُ؛ وكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَسْمَعْ؛ والوَجْهُ الثّانِي ألّا يُحَمِّلَنا مِنَ العَذابِ ما لا نُطِيقُهُ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.