أحكام القرآن — آل عمران 3:7 – النساء 4:12
المحتويات
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
آل عمران 3:7
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ قالَ الشَّيْخُ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا في صَدْرِ الكِتابِ مَعْنى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْقَسِمُ إلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: يَصِحُّ وصْفُ القُرْآنِ بِجَمِيعِهِ؛ والآخَرُ إنَّما يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ القُرْآنِ دُونَ بَعْضٍ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿الـر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿الـر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]؛ فَوَصَفَ جَمِيعَ القُرْآنِ في هَذِهِ المَواضِعِ بِالإحْكامِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ فَوَصَفَ جَمِيعَهُ بِالمُتَشابِهِ؛ ثُمَّ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾؛ فَوَصَفَ هَهُنا بَعْضَهُ بِأنَّهُ مُحْكَمٌ؛ وبَعْضَهُ بِأنَّهُ مُتَشابِهٌ؛ والإحْكامُ الَّذِي عَمَّ بِهِ الجَمِيعَ هو الصَّوابُ؛ والإتْقانُ؛ اللَّذانِ يَفْضُلُ بِهِما القُرْآنُ كُلَّ قَوْلٍ؛ وأمّا مَوْضِعُ الخُصُوصِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾؛ فَإنَّ المُرادَ بِهِ اللَّفْظُ الَّذِي لا اشْتِراكَ فِيهِ؛ ولا يَحْتَمِلُ عِنْدَ سامِعِهِ إلّا مَعْنًى واحِدًا؛ وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ فِيهِ؛ إلّا أنَّ هَذا المَعْنى لا مَحالَةَ قَدِ انْتَظَمَهُ لَفْظُ الإحْكامِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وهو الَّذِي جُعِلَ (p-٢٨١)أُمًّا لِلْمُتَشابِهِ الَّذِي يُرَدُّ إلَيْهِ؛ ويُحْمَلُ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ وأمّا المُتَشابِهُ الَّذِي عَمَّ بِهِ جَمِيعَ القُرْآنِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؛ فَهو التَّماثُلُ؛ ونَفْيُ الِاخْتِلافَ والتَّضادِّ عَنْهُ؛ وأمّا المُتَشابِهُ المَخْصُوصُ بِهِ بَعْضُ القُرْآنِ؛ فَقَدْ ذَكَرْنا أقاوِيلَ السَّلَفِ فِيهِ.
وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُحْكَمَ هو النّاسِخُ؛ والمُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ؛ فَهَذا عِنْدَنا هو أحَدُ أقْسامِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْفِ أنْ يَكُونَ لِلْمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ وُجُوهٌ غَيْرُهُما؛ وجائِزٌ أنْ يُسَمّى النّاسِخُ مُحْكَمًا؛ لِأنَّهُ ثابِتُ الحُكْمِ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي البِناءَ الوَثِيقَ "مُحْكَمًا"؛ ويَقُولُونَ في العَقْدِ الوَثِيقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حَلُّهُ: "مُحْكَمًا"؛ فَجائِزٌ أنْ يُسَمّى النّاسِخُ "مُحْكَمًا"؛ إذْ كانَتْ صِفَتُهُ الثَّباتَ؛ والبَقاءَ؛ ويُسَمّى المَنسُوخُ مُتَشابِهًا مِن حَيْثُ أشْبَهَ في التِّلاوَةِ المُحْكَمَ؛ وخالَفَهُ في ثُبُوتِ الحُكْمِ؛ فَيَشْتَبِهُ عَلى التّالِي حُكْمُهُ في ثُبُوتِهِ ونَسْخِهِ؛ فَمِن هَذا الوَجْهِ جائِزٌ أنْ يُسَمّى المَنسُوخُ "مُتَشابِهًا"؛ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُحْكَمَ هو الَّذِي لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ؛ والمُتَشابِهَ هو الَّذِي تَتَكَرَّرُ ألْفاظُهُ؛ فَإنَّ اشْتِباهَ هَذا مِن جِهَةِ اشْتِباهِ وجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى السّامِعِ؛ وهَذا سائِغٌ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُشْتَبَهُ فِيهِ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى السّامِعِ؛ إلى أنْ يَتَبَيَّنَهُ؛ ويَتَّضِحَ لَهُ وجْهُهُ؛ فَهَذا مِمّا يَجُوزُ فِيهِ إطْلاقُ اسْمِ المُتَشابِهِ؛ وما لا يَشْتَبِهُ فِيهِ وجْهُ الحِكْمَةِ عَلى السّامِعِ فَهو المُحْكَمُ الَّذِي لا تَشابُهَ فِيهِ؛ عَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ؛ فَهَذا أيْضًا أحَدُ وُجُوهِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ وإطْلاقُ الِاسْمِ فِيهِ سائِغٌ جائِزٌ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ المُحْكَمَ ما يُعْلَمُ تَعْيِينُ تَأْوِيلِهِ؛ والمُتَشابِهَ ما لا يُعْلَمُ تَعْيِينُ تَأْوِيلِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢]؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ فَإنَّ إطْلاقَ اسْمِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ سائِغٌ فِيهِ؛ لِأنَّ ما عُلِمَ وقْتُهُ ومَعْناهُ فَلا تَشابُهَ فِيهِ؛ وقَدْ أُحْكِمَ بَيانُهُ؛ وما لا يُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ؛ ومَعْناهُ ووَقْتُهُ فَهو مُشْتَبِهٌ عَلى سامِعِهِ؛ فَجائِزٌ أنْ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ؛ فَجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ؛ عَلى ما رُوِيَ فِيهِ؛ ولَوْلا احْتِمالُ اللَّفْظِ لِما ذَكَرُوا لَما تَأوَّلُوهُ عَلَيْهِ؛ وما ذَكَرْناهُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: "إنَّ المُحْكَمَ هو ما لا يَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا؛ والمُتَشابِهَ ما يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ"؛ فَهو أحَدُ الوُجُوهِ الَّتِي يَنْتَظِمُها هَذا الِاسْمُ؛ لِأنَّ المُحْكَمَ مِن هَذا القِسْمِ سُمِّيَ مُحْكَمًا لَإحْكامِ دَلالَتِهِ؛ وإيضاحِ مَعْناهُ؛ وإبانَتِهِ؛ والمُتَشابِهُ مِنهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أشْبَهَ المُحْكَمَ مِن وجْهٍ؛ واحْتَمَلَ مَعْناهُ؛ وأشْبَهَ غَيْرَهُ؛ مِمّا يُخالِفُ مَعْناهُ مَعْنى المُحْكَمِ؛ فَسُمِّيَ مُتَشابِهًا مِن هَذا الوَجْهِ؛ فَلَمّا كانَ المُحْكَمُ والمُتَشابِهُ يَعْتَوِرُهُما ما ذَكَرْنا مِنَ المَعانِي؛ احْتَجْنا إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنهُما بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ (p-٢٨٢)الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ مَعَ عِلْمِنا بِما في مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ وفَحْواها؛ مِن وُجُوبِ رَدِّ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ؛ وحَمْلِهِ عَلى مَعْناهُ؛ دُونَ حَمْلِهِ عَلى ما يُخالِفُهُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى) - في صِفَةِ المُحْكَماتِ -: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾؛ والأُمُّ هي الَّتِي مِنها ابْتِداؤُهُ؛ وإلَيْها مَرْجِعُهُ؛ فَسَمّاها أُمًّا؛ فاقْتَضى ذَلِكَ بِناءَ المُتَشابِهِ عَلَيْها؛ ورَدَّهُ إلَيْها؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ فَوَصَفَ مُتَّبِعَ المُتَشابِهِ؛ مِن غَيْرِ حَمْلِهِ لَهُ عَلى مَعْنى المُحْكَمِ؛ بِالزَّيْغِ في قَلْبِهِ؛ وأعْلَمَنا أنَّهُ مُبْتَغٍ لِلْفِتْنَةِ؛ وهي الكُفْرُ والضَّلالُ؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - الكُفْرَ؛ فَأخْبَرَ أنَّ مُتَّبِعَ المُتَشابِهِ؛ وحامِلَهُ عَلى مُخالَفَةِ المُحْكَمِ؛ في قَلْبِهِ زَيْغٌ - يَعْنِي المَيْلَ عَنِ الحَقِّ - يَسْتَدْعِي غَيْرَهُ بِالمُتَشابِهِ إلى الضَّلالِ والكُفْرِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المُرادَ بِالمُتَشابِهِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو اللَّفْظُ المُحْتَمِلُ لِلْمَعانِي؛ الَّذِي يَجِبُ رَدُّهُ إلى المُحْكَمِ؛ وحَمْلُهُ عَلى مَعْناهُ؛ ثُمَّ نَظَرْنا بَعْدَ ذَلِكَ في المَعانِي الَّتِي تَعْتَوِرُ هَذا اللَّفْظَ؛ وتَتَعاقَبُ عَلَيْهِ؛ مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ في أقْسامِ المُتَشابِهِ؛ عَنِ القائِلِينَ بِها عَلى اخْتِلافِها؛ مَعَ احْتِمالِ اللَّفْظِ؛ فَوَجَدْنا قَوْلَ مَن قالَ بِأنَّهُ النّاسِخُ والمَنسُوخُ؛ فَإنَّهُ إنْ كانَ تارِيخُهُما مَعْلُومًا فَلا اشْتِباهَ فِيهِما؛ عَلى مَن حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِتارِيخِهِما؛ وعَلِمَ يَقِينًا أنَّ المَنسُوخَ مَتْرُوكُ الحُكْمِ؛ وأنَّ النّاسِخَ ثابِتُ الحُكْمِ؛ فَلَيْسَ فِيهِما ما يَقَعُ فِيهِ اشْتِباهٌ عَلى السّامِعِ العالِمِ بِتارِيخِ الحُكْمَيْنِ اللَّذَيْنِ لا احْتِمالَ فِيهِما لِغَيْرِ النّاسِخِ؛ وإنِ اشْتَبَهَ عَلى السّامِعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمِ التّارِيخَ؛ فَهَذا: لَيْسَ أحَدُ اللَّفْظَيْنِ أوْلى بِكَوْنِهِ مُحَكِّمًا مِنَ الآخَرِ؛ ولا يَكُونُ مُتَشابِهًا مِنهُ؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ناسِخًا؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا؛ فَهَذا لا مَدْخَلَ لَهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾؛ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "إنَّ المُحْكَمَ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ لَفْظُهُ؛ والمُتَشابِهَ ما تَكَرَّرَ لَفْظُهُ"؛ فَهَذا أيْضًا لا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى رَدِّهِ إلى المُحَكِّمِ؛ وإنَّما يَحْتاجُ إلى تَدْبِيرِهِ بِعَقْلِهِ؛ وحَمْلِهِ عَلى ما في اللُّغَةِ مِن تَجْوِيزِهِ.
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "إنَّ المُحْكَمَ ما عُلِمَ وقْتُهُ وتَعْيِينُهُ؛ والمُتَشابِهَ ما لا يُعْلَمُ تَعْيِينُ تَأْوِيلِهِ؛ كَأمْرِ السّاعَةِ؛ وصَغائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي آيَسَنا اللَّهُ (تَعالى) مِن وُقُوعِ عِلْمِنا بِها في الدُّنْيا"؛ وإنَّ هَذا الضَّرْبَ أيْضًا مِنها خارِجٌ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنّا لا نَصِلُ إلى عِلْمِ مَعْنى المُتَشابِهِ بِرَدِّهِ إلى المُحْكَمِ؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا مِن أقْسامِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ مِمّا يَجِبُ بِناءُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ وحَمْلُهُ عَلى مَعْناهُ؛ إلّا الوَجْهُ الأخِيرُ الَّذِي قُلْنا؛ وهو أنْ يَكُونَ المُتَشابِهُ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ لِلْمَعانِي؛ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى (p-٢٨٣)المُحْكَمِ الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ؛ ولا اشْتِراكَ في لَفْظِهِ؛ مِن نَظائِرِ ما قَدَّمْنا في صَدْرِ الكِتابِ؛ وبَيَّنّا أنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى وجْهَيْنِ مِنَ العَقْلِيّاتِ؛ والسَّمْعِيّاتِ؛ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ السَّلَفِ عَلى اخْتِلافِها يَتَناوَلُها الِاسْمُ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنْهم فِيهِ؛ لِما بَيَّنّا مِن وُجُوهِها؛ ويَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحْكَمِ هو هَذا الوَجْهَ الأخِيرَ؛ لِامْتِناعِ إمْكانِ حَمْلِ سائِرِ وُجُوهِ المُتَشابِهِ عَلى المُحْكَمِ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِهِ.
ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾؛ مَعْناهُ تَأْوِيلُ جَمِيعِ المُتَشابِهِ؛ حَتّى لا يَسْتَوْعِبَ غَيْرُهُ عِلْمَها؛ فَنَفى إحاطَةَ عِلْمِنا بِجَمِيعِ مَعانِي المُتَشابِهاتِ مِنَ الآياتِ؛ ولَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أنْ نَعْلَمَ نَحْنُ بَعْضَها بِإقامَتِهِ لَنا الدَّلالَةَ عَلَيْهِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لِأنَّ في فَحْوى الآيَةِ ما قَدْ دَلَّ عَلى أنّا نَعْلَمُ بَعْضَ المُتَشابِهِ بِرَدِّهِ إلى المُحْكَمِ؛ وحَمْلِهِ عَلى مَعْناهُ؛ عَلى ما بَيَّنّا مِن ذَلِكَ؛ ويَسْتَحِيلُ أنْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ رَدِّهِ إلى المُحْكَمِ؛ وتَدُلَّ أيْضًا عَلى أنّا لا نَصِلُ إلى عِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ؛ فَإذًا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾؛ غَيْرَ نافٍ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِبَعْضِ المُتَشابِهِ؛ فَمِمّا لا يَجُوزُ وُقُوعُ العِلْمِ لَنا بِهِ وقْتُ السّاعَةِ؛ والذُّنُوبُ الصَّغائِرُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يُجَوِّزُ وُرُودَ لَفْظٍ مُجْمَلٍ في حُكْمٍ يَقْتَضِي البَيانَ؛ ولا يُبَيِّنُهُ أبَدًا؛ فَيَكُونُ في حَيِّزِ المُتَشابِهِ الَّذِي لا نَصِلُ إلى العِلْمِ بِهِ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾؛ فَمِنهم مَن جَعَلَ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾؛ وجَعَلَ الواوَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾؛ لِلْجَمْعِ؛ كَقَوْلِ القائِلِ: "لَقِيتُ زَيْدًا وعَمْرًا"؛ وما جَرى مُجْراهُ؛ ومِنهم مَن جَعَلَ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾؛ وجَعَلَ الواوَ لِلِاسْتِقْبالِ؛ وابْتِداءِ خِطابٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالأوَّلِ؛ فَمَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ جَعَلَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ عالِمِينَ بِبَعْضِ المُتَشابِهِ؛ وغَيْرَ عالِمِينَ بِجَمِيعِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ؛ والحَسَنِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ؛ فِيما رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ -: يَعْنِي شَكًّا؛ ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾؛ اَلشُّبُهاتُ؛ بِما هَلَكُوا؛ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ؛ يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ"؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: "وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ؛ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَهُ؛ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ"؛ وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلُهُ.
والَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ؛ عَلى ما فِيهِ مِنَ الِاحْتِمالِ؛ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾؛ يَعْنِي تَأْوِيلَ جَمِيعِ المُتَشابِهِ - عَلى ما بَيَّنّا - والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ (p-٢٨٤)بَعْضَهُ؛ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ؛ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا؛ يَعْنِي ما نُصِبَ لَهم مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ في بِنائِهِ عَلى المُحْكَمِ؛ ورَدِّهِ إلَيْهِ؛ وما لَمْ يُجْعَلْ لَهم سَبِيلٌ إلى عِلْمِهِ - مِن نَحْوِ ما وصَفْنا - فَإذا عَلِمُوا تَأْوِيلَ بَعْضِهِ ولَمْ يَعْلَمُوا البَعْضَ؛ قالُوا: "آمَنّا بِالجَمِيعِ؛ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا؛ وما أخْفى عَنّا عِلْمَ ما غابَ عَنّا عِلْمُهُ إلّا لِعِلْمِهِ (تَعالى) بِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ لَنا؛ وما هو خَيْرٌ لَنا في دِينِنا؛ ودُنْيانا؛ وما أعْلَمَنا؛ وما يُعْلِمُناهُ إلّا لِمَصْلَحَتِنا؛ ونَفْعِنا؛ فَيَعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ الجَمِيعِ؛ والتَّصْدِيقِ بِما عَلِمُوا مِنهُ؛ وما لَمْ يَعْلَمُوهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا أنْ يَكُونَ مُنْتَهى الكَلامِ؛ وتَمامُهُ؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾؛ وأنَّ الواوَ لِلِاسْتِقْبالِ؛ دُونَ الجَمْعِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلْجَمْعِ لَقالَ: "ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"؛ ويَسْتَأْنِفُ ذِكْرَ الواوِ لِاسْتِئْنافِ الخَبَرِ؛ وقالَ مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ: هَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ؛ وقَدْ وُجِدَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى) - في بَيانِ قَسْمِ الفَيْءِ -: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٧]؛ ثُمَّ تَلاهُ بِالتَّفْصِيلِ؛ وتَسْمِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الفَيْءَ؛ فَقالَ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ [الحشر: ٨]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]؛ وهم لا مَحالَةَ داخِلُونَ في اسْتِحْقاقِ الفَيْءِ؛ كالأوَّلِينَ؛ والواوُ فِيهِ لِلْجَمْعِ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى): ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠]؛ مَعْناهُ: "قائِلِينَ: رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا"؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ﴾؛ مَعْناهُ: "والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ ما نُصِبَ لَهُمُ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ؛ مِنَ المُتَشابِهِ؛ قائِلِينَ: رَبَّنا آمَنّا بِهِ"؛ فَصارُوا مَعْطُوفِينَ عَلى ما قَبْلَهُ؛ داخِلِينَ في حَيِّزِهِ؛ وقَدْ وُجِدَ مِثْلُهُ في الشِّعْرِ؛ قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفْرِغٍ الحِمْيَرِيُّ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
؎فالرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَها ∗∗∗ ∗∗∗ والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ
؛ والمَعْنى: والبَرْقُ يَبْكِي شَجْوَها لامِعًا في الغَمامَةِ؛ وإذا كانَ ذَلِكَ سائِغًا في اللُّغَةِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُوافَقَةِ دَلالَةِ الآيَةِ في وُجُوبِ رَدِّ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ؛ فَيَعْلَمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ تَأْوِيلَهُ إذا اسْتَدَلُّوا بِالمُحْكَمِ عَلى مَعْناهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الواوَ لَمّا كانَتْ حَقِيقَتُها الجَمْعَ؛ فالواجِبُ حَمْلُها عَلى حَقِيقَتِها؛ ومُقْتَضاها؛ ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى الِابْتِداءِ؛ إلّا بِدَلالَةٍ؛ ولا دَلالَةَ مَعَنا تُوجِبُ صَرْفَها عَنِ الحَقِيقَةِ؛ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُها عَلى الجَمْعِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ اسْتِعْمالُ المُحْكَمِ مُقَيَّدًا بِما في العَقْلِ؛ وقَدْ يُمْكِنُ كُلَّ مُبْطِلٍ أنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ؛ فَيُبْطِلُ فائِدَةَ الِاحْتِجاجِ (p-٢٨٥)بِالمُحْكَمِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما هو مُقَيَّدٌ بِما هو في تَعارُفِ العُقُولِ؛ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُطابِقًا لِما تَعارَفَهُ العُقَلاءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ ولا يُحْتاجُ في اسْتِعْمالِ حُكْمِ العَقْلِ فِيهِ إلى مُقَدِّماتٍ؛ بَلْ يُوقَعُ العِلْمُ لِسامِعِهِ بِمَعْنى مُرادِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو ثابِتٌ في عُقُولِ العُقَلاءِ؛ دُونَ عاداتٍ فاسِدَةٍ قَدْ جَرَوْا عَلَيْها؛ فَما كانَ كَذَلِكَ فَهو المُحْكَمُ؛ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ مَعْناهُ إلّا مُقْتَضى لَفْظِهِ؛ وحَقِيقَتِهِ؛ فَأمّا العاداتُ الفاسِدَةُ فَلا اعْتِبارَ بِها؛ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وجْهُ اتِّباعِ مَن في قَلْبِهِ زَيْغٌ ما تَشابَهَ مِنهُ؛ دُونَ ما أُحْكِمَ؟ قِيلَ لَهُ نَحْوَ ما رَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ؛ لَمّا حاجُّوا النَّبِيَّ ﷺ في المَسِيحِ؛ فَقالُوا: ألَيْسَ هو كَلِمَةَ اللَّهِ؛ ورُوحًا مِنهُ؟ فَقالَ: "بَلى"؛ فَقالُوا: حَسْبُنا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾؛ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ فَصَرَفُوا قَوْلَهُ: ﴿وكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١]؛ إلى ما يَقُولُونَهُ في قِدَمِهِ مَعَ اللَّهِ؛ و﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]؛ صَرَفُوهُ إلى أنَّهُ جُزْءٌ مِنهُ؛ قَدِيمٌ مَعَهُ كَرُوحِ الإنْسانِ؛ وإنَّما أرادَ اللَّهُ (تَعالى) بِقَوْلِهِ: "وكَلِمَتُهُ"؛ أنَّهُ بَشَّرَ بِهِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ؛ فَسَمّاهُ "كَلِمَةً"؛ مِن حَيْثُ قَدَّمَ البِشارَةَ بِهِ؛ وسَمّاهُ "رُوحًا"؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ بَلْ أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَفَخَ في جَيْبِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -؛ وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ (تَعالى) تَشْرِيفًا لَهُ؛ كَـ "بَيْتُ اللَّهِ"؛ و"سَماءُ اللَّهِ"؛ و"أرْضُهُ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: إنَّهُ سَمّاهُ "رُوحًا"؛ كَما سَمّى القُرْآنَ "رُوحًا"؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وإنَّما سَمّاهُ "رُوحًا" مِن حَيْثُ كانَ فِيهِ حَياةُ النّاسِ في أُمُورِ دِينِهِمْ؛ فَصَرَفَ أهْلُ الزَّيْغِ ذَلِكَ إلى مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وإلى ما يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ؛ وقالَ قَتادَةُ: "أهْلُ الزَّيْغِ المُتَّبِعُونَ لِلْمُتَشابِهِ مِنهُ هُمُ الحَرُورِيَّةُ؛ والسَّبَئِيَّةُ".
آل عمران 3:12
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةَ؛ وابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ «لَمّا هَلَكَتْ قُرَيْشٌ؛ يَوْمَ بَدْرٍ؛ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ بِسُوقِ قَيْنُقاعَ؛ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ؛ وحَذَّرَهم مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ الِانْتِقامِ؛ فَأبَوْا؛ وقالُوا: لَسْنا كَقُرَيْشٍ الأغْمارِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ القِتالَ؛ لَئِنْ حارَبْتَنا لَتَعْرِفَنَّ أنّا النّاسُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾»؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما فِيها مِنَ الإخْبارِ عَنْ غَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ؛ ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى الِاتِّفاقِ مَعَ كَثْرَةِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الغُيُوبِ في الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ؛ فَوُجِدَ مُخْبَرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ العالِمِ بِالغُيُوبِ؛ إذْ لَيْسَ في وُسْعِ أحَدٍ مِنَ (p-٢٨٦)الخَلْقِ الإخْبارُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ؛ ثُمَّ يَتَّفِقُ مُخْبَرُ إخْبارِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ؛ مِن غَيْرِ خُلْفٍ لِشَيْءٍ مِنهُ.
آل عمران 3:13
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ والحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ المُؤْمِنِينَ هي الفِئَةُ الرّائِيَةُ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ؛ فَرَأوْهم مِثْلَيْ عِدَّتِهِمْ؛ وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا نَحْوَ ألْفِ رَجُلٍ؛ والمُسْلِمُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ؛ فَقَلَّلَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ؛ وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾؛ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ ابْتَدَأ بِذِكْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢]؛ وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾؛ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وتَمامٌ لَهُ؛ والمَعْنى فِيهِ أنَّ الكافِرِينَ رَأوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ؛ وأراهُمُ اللَّهُ (تَعالى) كَذَلِكَ؛ في رَأْيِ العَيْنِ؛ لِيُجَنِّبَ قُلُوبَهُمْ؛ ويُرْهِبَهُمْ؛ فَيَكُونَ أقْوى لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ أحَدُ أبْوابِ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ والخِذْلانِ لِلْكافِرِينَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الدَّلالَةُ مِن وجْهَيْنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أحَدُهُما: غَلَبَةُ الفِئَةِ القَلِيلَةِ العَدَدِ والعُدَّةِ؛ لِلْكَثِيرَةِ العَدَدِ والعُدَّةِ؛ وذَلِكَ عَلى خِلافِ مُجْرى العادَةِ؛ لِما أمَدَّهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ والثّانِي أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ كانَ وعَدَهم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ؛ وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ قَبْلَ اللِّقاءِ بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ؛ وقالَ: " «هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ؛ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ؛ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ"؛» وكانَ كَما وعَدَ اللَّهُ (تَعالى) وأخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.
آل عمران 3:14
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾؛ قالَ الحَسَنُ: "زَيَّنَها الشَّيْطانُ؛ لِأنَّهُ لا أحَدَ أشَدُّ ذَمًّا لَها مِن خالِقِها"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "زَيَّنَها اللَّهُ (تَعالى) بِما جَعَلَ في الطِّباعِ مِنَ المُنازَعَةِ إلَيْها؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] "؛ وقالَ آخَرُونَ: "زَيَّنَ اللَّهُ (تَعالى) ما يَحْسُنُ مِنهُ؛ وزَيَّنَ الشَّيْطانُ ما يَقْبُحُ مِنهُ".
آل عمران 3:21
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: "رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا؛ أوْ رَجُلًا أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ"؛ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾؛ ثُمَّ قالَ: "يا أبا عُبَيْدَةَ؛ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا؛ مِن أوَّلِ النَّهارِ؛ في ساعَةٍ واحِدَةٍ؛ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ؛ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وهو الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى)"؛» وفي هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ إنْكارِ المُنْكَرِ مَعَ خَوْفِ القَتْلِ؛ وأنَّهُ مَنزِلَةٌ شَرِيفَةٌ (p-٢٨٧)يُسْتَحَقُّ بِها الثَّوابُ الجَزِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) مَدَحَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا؛ حِينَ أمَرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ؛ وغَيْرُهُ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ"؛» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: "يُقْتَلُ عَلَيْهِ"؛ ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"أفْضَلُ الشُّهَداءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ ورَجُلٌ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ؛ فَقُتِلَ"؛» قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "لا نَعْلَمُ عَمَلًا مِن أعْمالِ البِرِّ أفْضَلَ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ يُقْتَلُ عَلَيْهِ".
وإنَّما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]؛ وإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ أسْلافِهِمْ مِن قِبَلِ أنَّ المُخاطَبِينَ مِنَ الكُفّارِ كانُوا راضِينَ بِأفْعالِهِمْ؛ فَأُجْمِلُوا مَعَهم في الإخْبارِ بِالوَعِيدِ لَهُمْ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنَّ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]؛ فَنَسَبَ القَتْلَ إلى المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِأفْعالِ أسْلافِهِمْ؛ وتَوَلَّوْهم عَلَيْها؛ فَكانُوا مُشارِكِينَ لَهم في اسْتِحْقاقِ العَذابِ؛ كَما شارَكُوهم في الرِّضا بِقَتْلِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
آل عمران 3:23
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أرادَ اليَهُودَ حِينَ دُعُوا إلى التَّوْراةِ؛ وهي كِتابُ اللَّهِ؛ وسائِرُ الكُتُبِ الَّتِي فِيها البِشارَةُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ فَدَعاهم إلى المُوافَقَةِ عَلى ما في هَذِهِ الكُتُبِ مِن صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ كَما قالَ (تَعالى) في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]؛ فَتَوَلّى فَرِيقٌ مِن أهْلِ الكِتابِ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِما فِيهِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ ولَوْلا أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ لَما أعْرَضُوا عِنْدَ الدُّعاءِ إلى ما في كُتُبِهِمْ؛ وفَرِيقٌ مِنهم آمَنُوا؛ وصَدَّقُوا لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ ولِما عَرَفُوهُ مِنَ التَّوْراةِ؛ وكُتُبِ اللَّهِ (تَعالى) مِن نَعْتِهِ؛ وصِفَتِهِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهم لَوْلا أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِما ادَّعاهُ مِمّا في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِهِ؛ وصِفَتِهِ؛ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لَما أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ؛ بَلْ كانُوا يُسارِعُونَ إلى المُوافَقَةِ عَلى ما في كُتُبِهِمْ؛ حَتّى يَتَبَيَّنُوا بُطْلانَ دَعْواهُ؛ فَلَمّا أعْرَضُوا؛ ولَمْ يُجِيبُوا إلى ما دَعاهم إلَيْهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِما في كُتُبِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ وهو نَظِيرُ ما تَحَدّى اللَّهُ (تَعالى) بِهِ العَرَبَ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ؛ فَأعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ؛ وعَدَلُوا إلى القِتالِ؛ والمُحارَبَةِ؛ لِعِلْمِهِمْ بِالعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها؛ وكَما دَعاهم إلى المُباهَلَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]؛ (p-٢٨٨)وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"لَوْ حَضَرُوا وباهَلُوا لَأضْرَمَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمُ الوادِيَ نارًا؛ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى أهْلٍ؛ ولا ولَدٍ"؛» وهَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ وصِحَّةِ الرِّسالَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾؛ إلى القُرْآنِ؛ لِأنَّ ما فِيهِ يُوافِقُ ما في التَّوْراةِ في أُصُولِ الدِّينِ؛ والشَّرْعِ؛ والصِّفاتِ الَّتِي قَدْ قُدِّمَتْ بِها البِشارَةُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.
والدُّعاءُ إلى كِتابِ اللَّهِ (تَعالى) في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ جائِزٌ أنْ يَكُونَ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنَّ دِينَهُ الإسْلامُ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْضَ أحْكامِ الشَّرْعِ؛ مِن حَدٍّ أوْ غَيْرِهِ؛ كَما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ مَدارِسِهِمْ؛ فَسَألَهم عَنْ حَدِّ الزّانِي؛ فَذَكَرُوا الجَلْدَ والتَّحْمِيمَ؛ وكَتَمُوا الرَّجْمَ؛ حَتّى وقَّفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ؛ بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ»؛ وإذا كانَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ مُحْتَمَلَةً؛ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ قَدْ وقَعَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَن دَعا خَصْمَهُ إلى الحُكْمِ لَزِمَتْهُ إجابَتُهُ؛ لِأنَّهُ دَعاهُ إلى كِتابِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] .
آل عمران 3:26
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ﴾؛ قِيلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾: إنَّهُ صِفَةٌ لا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ مِن أنَّهُ مالِكُ كُلِّ مُلْكٍ؛ وقِيلَ: " مالِكَ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: " مالِكَ العِبادِ وما مَلَكُوا"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "أرادَ بِالمُلْكِ هَهُنا النُّبُوَّةَ".
وقَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾؛ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما مُلْكُ الأمْوالِ والعَبِيدِ؛ وذَلِكَ مِمّا يَجُوزُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِ؛ والكافِرِ؛ والآخَرُ أمْرُ التَّدْبِيرِ؛ وسِياسَةِ الأُمَّةِ؛ فَهَذا مَخْصُوصٌ بِهِ المُسْلِمُ العَدْلُ؛ دُونَ الكافِرِ؛ ودُونَ الفاسِقِ؛ وسِياسَةُ الأُمَّةِ وتَدْبِيرُها مُتَعَلِّقَةٌ بِأوامِرِ اللَّهِ (تَعالى) ونَواهِيهِ؛ وذَلِكَ لا يُؤْتَمَنُ الكافِرُ عَلَيْهِ؛ ولا الفاسِقُ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ إلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ سِياسَةُ المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ آتى الكافِرَ المُلْكَ؛ قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المالَ؛ إنْ كانَ المُرادُ إيتاءَ الكافِرِ المُلْكَ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِهِ آتى إبْراهِيمَ المُلْكَ؛ يَعْنِي النُّبُوَّةَ؛ وجَوازَ الأمْرِ والنَّهْيِ في طَرِيقِ الحِكْمَةِ.
آل عمران 3:28
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فِيهِ نَهْيٌ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّهُ جَزَمَ الفِعْلَ؛ فَهو ِإذًا نَهْيٌ؛ ولَيْسَ بِخَبَرٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَهى اللَّهُ (تَعالى) المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُلاطِفُوا الكُفّارَ؛ ونَظِيرُها مِنَ الآيِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن (p-٢٨٩)دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ اَلْآيَةَ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود: ١١٣]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءَ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]؛ فَنَهى - بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ؛ ومُلاطَفَتِهِمْ - عَنِ النَّظَرِ إلى أمْوالِهِمْ؛ وأحْوالِهِمْ في الدُّنْيا؛ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِإبِلٍ لِبَنِي المُصْطَلِقِ؛ وقَدْ عَبِسَتْ بِأبْوالِها مِنَ السِّمَنِ؛ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ومَضى؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ [طه: ١٣١]»؛ وقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]؛ «ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ"؛ فَقِيلَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: "لا تَراءى ناراهُما"؛» وقالَ: «"أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ"».
فَهَذِهِ الآيُ والآثارُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعامَلَ الكُفّارُ بِالغِلْظَةِ؛ والجَفْوَةِ؛ دُونَ المُلاطَفَةِ؛ والمُلايَنَةِ؛ ما لَمْ تَكُنْ حالٌ يَخافُ فِيها عَلى تَلَفِ نَفْسِهِ؛ أوْ تَلَفِ بَعْضِ أعْضائِهِ؛ أوْ ضَرَرًا كَبِيرًا يَلْحَقُهُ في نَفْسِهِ؛ فَإنَّهُ إذا خافَ ذَلِكَ جازَ لَهُ إظْهارُ المُلاطَفَةِ؛ والمُوالاةِ مِن غَيْرِ صِحَّةِ اعْتِقادٍ.
والوَلاءُ يَنْصَرِفُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: مَن يَلِي أُمُورَ مَن يَرْتَضِي فِعْلَهُ بِالنُّصْرَةِ؛ والمَعُونَةِ؛ والحِياطَةِ؛ وقَدْ يُسَمّى بِذَلِكَ "اَلْمُعانَ المَنصُورَ "؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ يَعْنِي أنَّهُ يَتَوَلّى نَصْرَهم ومَعُونَتَهُمْ؛ والمُؤْمِنُونَ أوْلِياءُ اللَّهِ؛ بِمَعْنى أنَّهم مُعانُونَ بِنُصْرَةِ اللَّهِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ يَعْنِي: "أنْ تَخافُوا تَلَفَ النَّفْسِ؛ أوْ بَعْضَ الأعْضاءِ؛ فَتَتَّقُوهم بِإظْهارِ المُوالاةِ؛ مِن غَيْرِ اعْتِقادٍ لَها"؛ وهَذا هو ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ؛ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ قالَ: "لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَتَّخِذَ كافِرًا ولِيًّا في (p-٢٩٠)دِينِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾؛ إلّا أنْ تَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ؛ فَيَصِلَهُ لِذَلِكَ؛ فَجَعَلَ التُّقْيَةَ صِلَةً لِقَرابَةِ الكافِرِ؛ وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ جَوازَ إظْهارِ الكُفْرِ عِنْدَ التُّقْيَةِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛ وإعْطاءُ التُّقْيَةِ في مِثْلِ ذَلِكَ؛ إنَّما هو رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَيْسَ بِواجِبٍ؛ بَلْ تَرْكُ التُّقْيَةِ أفْضَلُ؛ قالَ أصْحابُنا - فِيمَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتّى قُتِلَ -: "إنَّهُ أفْضَلُ مِمَّنْ أظْهَرَ"؛ وقَدْ «أخَذَ المُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ؛ فَلَمْ يُعْطِ التُّقْيَةَ حَتّى قُتِلَ؛ فَكانَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أفْضَلَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ؛ حِينَ أعْطى التُّقْيَةَ وأظْهَرَ الكُفْرَ؛ فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "كَيْفَ وجَدْتَ قَلْبَكَ؟"؛ قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ؛ فَقالَ ﷺ: "وإنْ عادُوا فَعُدْ"؛» وكانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّرْخِيصِ؛ ورُوِيَ «أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ؛ فَخَلّاهُ؛ ثُمَّ دَعا بِالآخَرِ؛ وقالَ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: إنِّي أصَمُّ؛ قالَها ثَلاثًا؛ فَضَرَبَ عُنُقَهُ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: "أمّا هَذا المَقْتُولُ فَمَضى عَلى صِدْقِهِ ويَقِينِهِ؛ وأخَذَ بِفَضِيلَةٍ؛ فَهَنِيئًا لَهُ؛ وأمّا الآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ؛ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ"».
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ التُّقْيَةِ رُخْصَةٌ؛ وأنَّ الأفْضَلَ تَرْكُ إظْهارِها؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: في كُلِّ أمْرٍ كانَ فِيهِ إعْزازُ الدِّينِ فالإقْدامُ عَلَيْهِ حَتّى يُقْتَلَ أفْضَلُ مِنَ الأخْذِ بِالرُّخْصَةِ في العُدُولِ عَنْهُ؛ ألا تَرى أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِجِهادِ العَدُوِّ فَقُتِلَ؛ كانَ أفْضَلَ مِمَّنِ انْحازَ؟ وقَدْ وصَفَ اللَّهُ أحْوالَ الشُّهَداءِ بَعْدَ القَتْلِ؛ وجَعَلَهم أحْياءً مَرْزُوقِينَ؛ فَكَذَلِكَ بَذْلُ النَّفْسِ في إظْهارِ دِينِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَرْكُ إظْهارِ الكُفْرِ أفْضَلُ مِن إعْطاءِ التُّقْيَةِ فِيهِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها دَلالَةٌ عَلى أنْ لا وِلايَةَ لِلْكافِرِ عَلى المُسْلِمِ في شَيْءٍ؛ وأنَّهُ إذا كانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإسْلامِ أُمِّهِ فَلا وِلايَةَ لَهُ عَلَيْهِ في تَصَرُّفٍ؛ ولا تَزْوِيجٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ لا يَعْقِلُ جِنايَةَ المُسْلِمِ؛ وكَذَلِكَ المُسْلِمُ لا يَعْقِلُ جِنايَتَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الوِلايَةِ؛ والنُّصْرَةِ؛ والمَعُونَةِ.
آل عمران 3:33
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ أنَّ آلَ إبْراهِيمَ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَلى دِينِهِ؛ وقالَ الحَسَنُ: "وآلُ عِمْرانَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ "؛ وقِيلَ: "آلُ عِمْرانَ هم آلُ إبْراهِيمَ؛ كَما قالَ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]؛ وهم مُوسى؛ وهارُونُ؛ ابْنا عِمْرانَ "؛ وجَعَلَ أصْحابُنا الآلَ وأهْلَ البَيْتِ واحِدًا؛ فِيمَن يُوصِي لِآلِ فُلانٍ؛ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "لِأهْلِ بَيْتِ فُلانٍ"؛ فَيَكُونُ لِمَن يَجْمَعُهُ وإيّاهُ الجَدُّ (p-٢٩١)الَّذِي يُنْسَبُونَ إلَيْهِ مِن قِبَلِ الآباءِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: "آلُ النَّبِيِّ ﷺ"؛ و"أهْلُ بَيْتِهِ"؛ هُما عِبارَتانِ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ؛ قالُوا: إلّا أنْ يَكُونَ مَن نُسِبَ إلَيْهِ الآلُ هو بَيْتًا يُنْسَبُ إلَيْهِ؛ مِثْلَ قَوْلِنا: آلُ العَبّاسِ؛ وآلُ عَلِيٍّ؛ والمَعْنِيُّ فِيهِ أوْلادُ العَبّاسِ؛ وأوْلادُ عَلِيٍّ؛ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِما بِالآباءِ؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى المُتَعارَفِ المُعْتادِ.
آل عمران 3:34
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾؛ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وقَتادَةَ: بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّناصُرِ في الدِّينِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ؛ والمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ؛ في الِاجْتِماعِ عَلى الهُدى؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾؛ في التَّناسُلِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم ذُرِّيَّةُ آدَمَ؛ ثُمَّ ذُرِّيَّةُ نُوحٍ؛ ثُمَّ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
آل عمران 3:35
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: "مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "خادِمًا لِلْبِيعَةِ"؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: "عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)"؛ والتَّحْرِيرُ يَنْصَرِفُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما العِتْقُ مِنَ الحُرِّيَّةِ؛ والآخَرُ تَحْرِيرُ الكِتابِ؛ وهو إخْلاصُهُ مِنَ الفَسادِ والِاضْطِرابِ؛ وقَوْلُها: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ إذا أرادَتْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ؛ أنَّها تُنَشِّئُهُ عَلى ذَلِكَ؛ وتَشْغَلُهُ بِها؛ دُونَ غَيْرِها؛ وإذا أرادَتْ بِهِ أنَّها تَجْعَلُهُ خادِمًا لِلْبِيعَةِ؛ أوْ عَتِيقًا لِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَإنَّ مَعانِيَ جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَقارِبَةٌ؛ كانَ نَذْرًا مِن قِبَلِها نَذَرَتْهُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ بِقَوْلِها: ﴿نَذَرْتُ﴾؛ ثُمَّ قالَتْ: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
والنَّذْرُ في مِثْلِ ذَلِكَ صَحِيحٌ في شَرِيعَتِنا أيْضًا؛ بِأنْ يَنْذِرَ الإنْسانُ أنْ يُنَشِّئَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى) وطاعَتِهِ؛ وألّا يَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِما؛ وأنْ يُعَلِّمَهُ القُرْآنَ؛ والفِقْهَ؛ وعُلُومَ الدِّينِ؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ نُذُورٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ قُرْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَوْلُها: ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَقْتَضِي الإيجابَ؛ وأنَّ مَن نَذَرَ لِلَّهِ (تَعالى) قُرْبَةً يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِها؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ النُّذُورَ تَتَعَلَّقُ عَلى الأخْطارِ؛ وعَلى أوْقاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَها: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ أرادَتْ بِهِ بَعْدَ الوِلادَةِ؛ وبُلُوغِ الوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ في مِثْلِهِ أنْ يَخْلُصَ لِعِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ النَّذْرِ بِالمَجْهُولِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْهُ وهي لا تَدْرِي ذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْأُمِّ ضَرْبًا مِنَ الوِلايَةِ عَلى الوَلَدِ في تَأْدِيبِهِ؛ وتَعْلِيمِهِ؛ وإمْساكِهِ؛ وتَرْبِيَتِهِ؛ لَوْلا أنَّها تَمْلِكُ ذَلِكَ لَما نَذَرَتْهُ في ولَدِها؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْأُمِّ تَسْمِيَةَ ولَدِها؛ وتَكُونُ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً؛ وإنْ لَمْ يُسَمِّهِ الأبُ؛ لِأنَّها قالَتْ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾؛ وأثْبَتَ اللَّهُ (تَعالى) لَوَلَدِها هَذا الِاسْمَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ اَلْمُرادُ بِهِ - واللَّهُ (p-٢٩٢)أعْلَمُ - رَضِيَها لِلْعِبادَةِ في النَّذْرِ الَّذِي نَذَرَتْهُ؛ بِالإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى في هَذا المَعْنى.
آل عمران 3:36
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: "مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "خادِمًا لِلْبِيعَةِ"؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: "عَتِيقًا مِن أمْرِ الدُّنْيا لِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)"؛ والتَّحْرِيرُ يَنْصَرِفُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما العِتْقُ مِنَ الحُرِّيَّةِ؛ والآخَرُ تَحْرِيرُ الكِتابِ؛ وهو إخْلاصُهُ مِنَ الفَسادِ والِاضْطِرابِ؛ وقَوْلُها: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ إذا أرادَتْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ؛ أنَّها تُنَشِّئُهُ عَلى ذَلِكَ؛ وتَشْغَلُهُ بِها؛ دُونَ غَيْرِها؛ وإذا أرادَتْ بِهِ أنَّها تَجْعَلُهُ خادِمًا لِلْبِيعَةِ؛ أوْ عَتِيقًا لِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَإنَّ مَعانِيَ جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَقارِبَةٌ؛ كانَ نَذْرًا مِن قِبَلِها نَذَرَتْهُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ بِقَوْلِها: ﴿نَذَرْتُ﴾؛ ثُمَّ قالَتْ: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
والنَّذْرُ في مِثْلِ ذَلِكَ صَحِيحٌ في شَرِيعَتِنا أيْضًا؛ بِأنْ يَنْذِرَ الإنْسانُ أنْ يُنَشِّئَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى) وطاعَتِهِ؛ وألّا يَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِما؛ وأنْ يُعَلِّمَهُ القُرْآنَ؛ والفِقْهَ؛ وعُلُومَ الدِّينِ؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ نُذُورٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ قُرْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَوْلُها: ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَقْتَضِي الإيجابَ؛ وأنَّ مَن نَذَرَ لِلَّهِ (تَعالى) قُرْبَةً يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِها؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ النُّذُورَ تَتَعَلَّقُ عَلى الأخْطارِ؛ وعَلى أوْقاتٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَها: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ أرادَتْ بِهِ بَعْدَ الوِلادَةِ؛ وبُلُوغِ الوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ في مِثْلِهِ أنْ يَخْلُصَ لِعِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ النَّذْرِ بِالمَجْهُولِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْهُ وهي لا تَدْرِي ذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْأُمِّ ضَرْبًا مِنَ الوِلايَةِ عَلى الوَلَدِ في تَأْدِيبِهِ؛ وتَعْلِيمِهِ؛ وإمْساكِهِ؛ وتَرْبِيَتِهِ؛ لَوْلا أنَّها تَمْلِكُ ذَلِكَ لَما نَذَرَتْهُ في ولَدِها؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْأُمِّ تَسْمِيَةَ ولَدِها؛ وتَكُونُ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً؛ وإنْ لَمْ يُسَمِّهِ الأبُ؛ لِأنَّها قالَتْ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾؛ وأثْبَتَ اللَّهُ (تَعالى) لَوَلَدِها هَذا الِاسْمَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ اَلْمُرادُ بِهِ - واللَّهُ (p-٢٩٢)أعْلَمُ - رَضِيَها لِلْعِبادَةِ في النَّذْرِ الَّذِي نَذَرَتْهُ؛ بِالإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى في هَذا المَعْنى.
آل عمران 3:37
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ تَضَمَّنَ مُؤْنَتَها؛ كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ كَهاتَيْنِ"؛ وأشارَ بِإصْبَعَيْهِ؛» يَعْنِي بِهِ مَن يَضْمَنُ مُؤْنَةَ اليَتِيمِ؛ وإذا قُرِئَ بِالتَّثْقِيلِ كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) كَفَّلَهُ إيّاها؛ وضَمَّنَهُ مُؤْنَتَها؛ وأمَرَهُ بِالقِيامِ بِها؛ والقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ؛ بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ (تَعالى) كَفَّلَهُ إيّاها فَتَكَفَّلَ بِها.
آل عمران 3:38
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾؛ اَلْهِبَةُ: تَمْلِيكُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ ثَمَنٍ؛ ويَقُولُونَ: "قَدْ تَواهَبُوا الأمْرَ بَيْنَهُمْ"؛ وسَمّى اللَّهُ (تَعالى) ذَلِكَ هِبَةً عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُناكَ هِبَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكُ شَيْءٍ؛ وقَدْ كانَ الوَلَدُ حُرًّا لا يَقَعُ فِيهِ تَمْلِيكٌ؛ ولَكِنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُخْلِصَ لَهُ الوَلَدَ عَلى ما أرادَ؛ مِن عِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ووِراثَتِهِ النُّبُوَّةَ؛ والعِلْمَ؛ أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الهِبَةِ؛ كَما سَمّى اللَّهُ (تَعالى) بَذْلَ النَّفْسِ لِلْجِهادِ في اللَّهِ "شِراءً"؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]؛ هو (تَعالى) مالِكُ الجَمِيعِ؛ مِنَ الأنْفُسِ؛ والأمْوالِ؛ قَبْلَ أنْ جاهَدُوا؛ وبَعْدَهُ؛ وسَمّى ذَلِكَ شِراءً؛ لِما وعَدَهم عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ؛ وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: "هَبْ لِي جِنايَةَ فُلانٍ"؛ ولا تَمْلِيكَ فِيهِ؛ وإنَّما أرادَ إسْقاطَ حُكْمِها.
آل عمران 3:39
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ (تَعالى) يَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَمّى يَحْيى "سَيِّدًا"؛ والسَّيِّدُ هو الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ؛ وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلْأنْصارِ - حِينَ أقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ -: "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"؛» «وقالَ ﷺ لِلْحَسَنِ: "إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ"؛» «وقالَ لِبَنِي سَلِمَةَ: "مَن سَيِّدُكم يا بَنِي سَلِمَةَ؟"؛ قالُوا: اَلْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ؛ عَلى بُخْلٍ فِيهِ؛ قالَ: "وأيُّ داءٍ أدْوى مِنَ البُخْلِ؟ ولَكِنْ سَيِّدُكُمُ الجَعْدُ الأبْيَضُ؛ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ "؛» فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَجِبُ طاعَتُهُ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى "سَيِّدًا"؛ ولَيْسَ السَّيِّدُ هو المالِكُ فَحَسْبُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ: سَيِّدُ الدّابَّةِ؛ وسَيِّدُ الثَّوْبِ؛ كَما يُقالُ: سَيِّدُ العَبْدِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ وفْدَ بَنِي عامِرٍ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا؛ وذُو الطَّوْلِ عَلَيْنا؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اَلسَّيِّدُ هو اللَّهُ؛ تَكَلَّمُوا بِكَلامِكُمْ؛ ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطانُ"؛» وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أفْضَلَ السّادَةِ مِن بَنِي آدَمَ؛ ولَكِنَّهُ رَآهم مُتَكَلِّفِينَ لِهَذا القَوْلِ؛ فَأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ؛ كَما قالَ: «"أبْغَضُكم إلَيَّ الثَّرْثارُونَ؛ المُتَشَدِّقُونَ؛ المُتَفَيْهِقُونَ"؛» فَكَرِهَ لَهم تَكَلُّفُ الكَلامِ عَلى وجْهِ التَّصَنُّعِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لا تَقُولُوا لِلْمُنافِقِ سَيِّدًا؛ فَإنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ هَلَكْتُمْ"؛» فَنَهى أنْ يُسَمّى المُنافِقُ سَيِّدًا؛ لِأنَّهُ لا تَجِبُ (p-٢٩٣)طاعَتُهُ؛ فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧]؛ فَسَمَّوْهم ساداتٍ؛ وهم ضُلّالٌ؛ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهم أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ مَن تَجِبُ طاعَتُهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَها؛ فَكانُوا عِنْدَهُمْ؛ وفي اعْتِقادِهِمْ؛ ساداتِهِمْ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١]؛ ولَمْ يَكُونُوا آلِهَةً؛ ولَكِنَّهم سَمَّوْهم آلِهَةً؛ فَأجْرى الكَلامَ عَلى ما كانَ في زَعْمِهِمْ؛ واعْتِقادِهِمْ.
آل عمران 3:41
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾؛ يُقالُ: إنَّهُ طَلَبَ آيَةً لِوَقْتِ الحَمْلِ؛ لِيُعَجِّلَ السُّرُورَ بِهِ؛ فَأمْسَكَ عَلى لِسانِهِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِالإيماءِ؛ يُرْوى ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ؛ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ؛ وقَتادَةَ؛ وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾؛ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ في سُورَةِ مَرْيَمَ؛ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ عَبَّرَ تارَةً بِذِكْرِ الأيّامِ؛ وتارَةً بِذِكْرِ اللَّيالِيِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَدَ العَدَدَيْنِ مِنَ الجَمِيعِ؛ عِنْدَ الإطْلاقِ يُعْقَلُ بِهِ مِقْدارُهُ مِنَ الوَقْتِ الآخَرِ؛ فَيُعْقَلُ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ ثَلاثُ لَيالٍ مَعَها؛ ومِن ثَلاثِ لَيالٍ ثَلاثَةُ أيّامٍ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُما أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالذِّكْرِ؛ فَقالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] ؟ لِأنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى العَدَدِ الأوَّلِ عُقِلَ مِثْلُهُ مِنَ الوَقْتِ الآخَرِ.
آل عمران 3:42
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾؛ قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿اصْطَفاكِ﴾؛ اِخْتارَكِ بِالتَّفْضِيلِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ في زَمانِهِمْ؛ يُرْوى ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقالَ غَيْرُهُما: مَعْناهُ أنَّهُ اخْتارَكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ بِحالٍ جَلِيلَةٍ مِن وِلادَةِ المَسِيحِ؛ وقالَ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ: وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ بِالإيمانِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا سائِغٌ؛ كَما جازَ إطْلاقُ اسْمِ النَّجاسَةِ عَلى الكافِرِ؛ لِأجْلِ الكُفْرِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]؛ والمُرادُ نَجاسَةُ الكُفْرِ؛ فَكَذَلِكَ يَكُونُ ﴿وطَهَّرَكِ﴾؛ بِطَهارَةِ الإيمانِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"إنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجَسٍ"؛» يَعْنِي بِهِ نَجاسَةَ الكُفْرِ؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ والمُرادُ طَهارَةُ الإيمانِ؛ والطّاعاتِ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: وطَهَّرَكِ مِن سائِرِ الأجْناسِ؛ مِنَ الحَيْضِ؛ والنِّفاسِ؛ وغَيْرِهِما؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في وجْهِ تَطْهِيرِ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]؛ فَقالَ قائِلٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ إرْهاصِ نُبُوَّةِ المَسِيحِ؛ كَحالِ الشُّهُبِ؛ وإظْلالِ الغَمامَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا كانَ لِنَبِيِّنا ﷺ قَبْلَ المَبْعَثِ.
آل عمران 3:43
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾؛ قالَ سَعِيدٌ: "أخْلِصِي لِرَبِّكِ"؛ وقالَ قَتادَةُ: "أدِيمِي الطّاعَةَ"؛ وقالَ (p-٢٩٤)مُجاهِدٌ: "أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ"؛ وأصْلُ القُنُوتِ الدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ؛ وأشْبَهُ هَذِهِ الوُجُوهِ بِالحالِ الأمْرُ بِإطالَةِ القِيامِ في الصَّلاةِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ"؛» يَعْنِي طُولَ القِيامِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَطْفًا عَلى ذَلِكَ -: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾؛ فَأُمِرَتْ بِالقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ وهي أرْكانُ الصَّلاةِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا مَوْضِعَ سَجْدَةٍ عِنْدَ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ؛ كَسائِرِ مَواضِعِ السُّجُودِ؛ لِأجْلِ ذِكْرِ السُّجُودِ فِيها؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ مَعَ السُّجُودِ القِيامَ؛ والرُّكُوعَ؛ فَكانَ أمْرًا بِالصَّلاةِ؛ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ لِأنَّ الرُّكُوعَ مُقَدَّمٌ عَلى السُّجُودِ في المَعْنى؛ وقَدَّمَ السُّجُودَ هَهُنا في اللَّفْظِ.
آل عمران 3:44
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرْنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾؛ قالَ: "تَساهَمُوا عَلى مَرْيَمَ؛ أيُّهم يَكْفُلُها؛ فَقَرَعَهم زَكَرِيّا"؛ ويُقالُ: إنَّ الأقْلامَ هَهُنا القِداحُ الَّتِي يُتَساهَمُ عَلَيْها؛ وإنَّهم ألْقَوْها في جِرْيَةِ الماءِ؛ فاسْتَقْبَلَ قَلَمُ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - جِرْيَةَ الماءِ مُصَعِّدًا؛ وانْحَدَرَتْ أقْلامُ الآخَرِينَ؛ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَقَرَعَهُمْ؛ يُرْوى ذَلِكَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ؛ فَفي هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهم تَساهَمُوا عَلَيْها حِرْصًا عَلى كَفالَتِها؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهم تَدافَعُوا كَفالَتَها لِشِدَّةِ الأزْمَةِ والقَحْطِ في زَمانِها؛ حَتّى وُفِّقَ لَها زَكَرِيّا؛ خَيْرُ الكُفَلاءِ؛ والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ كَفَّلَها زَكَرِيّا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى كَفالَتِها؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ؛ يُعْتِقُهم في مَرَضِهِ؛ ثُمَّ يَمُوتُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهُمْ؛ ولَيْسَ هَذا مِن عِتْقِ العَبِيدِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ الرِّضا بِكَفالَةِ الواحِدِ مِنهم بِعَيْنِهِ جائِزٌ في مِثْلِهِ؛ ولا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى اسْتِرْقاقِ مَن حَصَلَتْ لَهُ الحُرِّيَّةُ؛ وقَدْ كانَ عِتْقُ المَيِّتِ نافِذًا في الجَمِيعِ؛ فَلا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالقُرْعَةِ عَنْ أحَدٍ مِنهم إلى غَيْرِهِ؛ كَما لا يَجُوزُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ؛ وإلْقاءُ الأقْلامِ يُشْبِهُ القُرْعَةَ في القِسْمَةِ؛ وفي تَقْدِيمِ الخُصُومِ إلى الحاكِمِ؛ وهو نَظِيرُ ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ»؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّراضِيَ عَلى ما خَرَجَتْ بِهِ القُرْعَةُ جائِزٌ مِن غَيْرِ قُرْعَةٍ؛ وكَذَلِكَ حُكْمُ كَفالَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ؛ وغَيْرُ جائِزٍ وُقُوعُ التَّراضِي عَلى نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ.
آل عمران 3:45
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾؛ اَلْبِشارَةُ هي خَبَرٌ عَلى وصْفٍ؛ وهو في الأصْلِ لِما يَسُرُّ؛ لِظُهُورِ السُّرُورِ في بَشَرَةِ وجْهِهِ إذا (p-٢٩٥)بُشِّرَ؛ والبَشَرَةُ هي ظاهِرُ الجِلْدِ؛ فَأضافَتِ المَلائِكَةُ البِشارَةَ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) هو مُبَشِّرَها؛ وإنْ كانَتِ المَلائِكَةُ خاطَبُوها؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: "إنْ بَشَّرْتَ فُلانًا بِقُدُومِ فُلانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ"؛ فَقَدِمَ وأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا يُخْبِرُهُ بِقُدُومِهِ؛ فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ: "إنَّ فُلانًا يَقُولُ لَكَ: قَدْ قَدِمَ فُلانٌ"؛ أنَّهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ؛ لِأنَّ المُرْسِلَ هو المُبَشِّرُ؛ دُونَ الرَّسُولِ؛ ولِأجْلِ ما ذَكَرْنا؛ مِن تَضَمُّنِ البِشارَةِ إحْداثَ السُّرُورِ؛ قالَ أصْحابُنا: إنَّ المُبَشِّرَ هو المُخْبِرُ الأوَّلُ؛ وإنَّ الثّانِيَ لَيْسَ بِمُبَشِّرٍ؛ لِأنَّهُ لا يَحْدُثُ بِخَبَرِهِ سُرُورٌ؛ وقَدْ تُطْلَقُ البِشارَةُ ويُرادُ بِها الخَبَرُ فَحَسْبُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] .
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾؛ قَدْ قِيلَ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها أنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ (تَعالى) مِن غَيْرِ والِدٍ؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ فَلَمّا كانَ خَلَقَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الكَلِمَةِ؛ مَجازًا؛ كَما قالَ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ لَمّا بَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ أطْلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمَ؛ والوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَهْدِي بِهِ كَما يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ.
آل عمران 3:61
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾؛ اَلِاحْتِجاجُ المُتَقَدِّمُ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى النَّصارى في قَوْلِهِمْ: "إنَّ المَسِيحَ هو ابْنُ اللَّهِ"؛ وهم وفْدُ نَجْرانَ؛ وفِيهِمُ السَّيِّدُ؛ والعاقِبُ؛ قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ رَأيْتَ ولَدًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ وقَتادَةَ؛ وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ - فِيما حَكى عَنِ المَسِيحِ -: ﴿ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥١]؛ وهَذا مَوْجُودٌ في الإنْجِيلِ؛ لِأنَّ فِيهِ: "إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمْ؛ وإلَهِي وإلَهِكُمْ"؛ والأبُ السَّيِّدُ في تِلْكَ اللُّغَةِ؛ ألا تَراهُ قالَ: "وأبِي وأبِيكُمْ"؟ فَعَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الأُبُوَّةَ المُقْتَضِيَةَ لِلْبُنُوَّةِ؛ فَلَمّا قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِما عَرَفُوهُ واعْتَرَفُوا بِهِ؛ وأبْطَلَ شُبْهَتَهم في قَوْلِهِمْ: "إنَّهُ ولَدٌ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ"؛ بِأمْرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعاهم حِينَئِذٍ إلى المُباهَلَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فَنَقْلُ رُواةِ السِّيَرِ؛ ونَقَلَةِ الأثَرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ بِيَدِ الحَسَنِ؛ والحُسَيْنِ؛ وعَلِيٍّ؛ وفاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ثُمَّ دَعا النَّصارى - الَّذِينَ حاجُّوهُ - إلى المُباهَلَةِ؛ فَأحْجَمُوا عَنْها؛ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ باهَلْتُمُوهُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا؛ ولَمْ يَبْقَ نَصْرانِيٌّ ولا نَصْرانِيَّةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وفِي هَذِهِ الآياتِ دَحْضُ شُبَهِ النَّصارى في أنَّهُ إلَهٌ؛ أوِ ابْنُ الإلَهِ؛ وفِيها دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لَوْلا أنَّهم عَرَفُوا يَقِينًا أنَّهُ (p-٢٩٦)نَبِيٌّ؛ ما الَّذِي كانَ يَمْنَعُهم مِنَ المُباهَلَةِ؟ فَلَمّا أحْجَمُوا وامْتَنَعُوا عَنْها دَلَّ أنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ بِالدَّلائِلِ المُعْجِزاتِ؛ وبِما وجَدُوا مِن نَعْتِهِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ ابْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أخَذَ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ - حِينَ أرادَ حُضُورَ المُباهَلَةِ - وقالَ: "تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم "؛ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَنُونَ غَيْرُهُما؛ وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ"؛» «وقالَ - حِينَ بالَ عَلَيْهِ أحَدُهُما وهو صَغِيرٌ -: "لا تُزْرِمُوا ابْنِي"؛» وهُما مِن ذُرِّيَّتِهِ أيْضًا؛ كَما جَعَلَ اللَّهُ (تَعالى) عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥]؛ وإنَّما نِسْبَتُهُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ أُمِّهِ لِأنَّهُ لا أبَ لَهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا مَخْصُوصٌ في الحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنْ يُسَمَّيا ابْنَيِ النَّبِيِّ ﷺ؛ دُونَ غَيْرِهِما؛ وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلى خُصُوصِ إطْلاقِ اسْمِ ذَلِكَ فِيهِما؛ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إلّا سَبَبِي ونَسَبِي»؛ وقالَ مُحَمَّدٌ - فِيمَن أوْصى لَوَلَدِ فُلانٍ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ لِصُلْبِهِ؛ ولَهُ ولَدُ ابْنٍ ووَلَدُ ابْنَةٍ -: "إنَّ الوَصِيَّةَ لَوَلَدِ الِابْنِ دُونَ ولَدِ الِابْنَةِ"؛ وقَدْ رَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ ولَدَ الِابْنَةِ يَدْخُلُونَ فِيهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى)؛ وقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ الحَسَنُ والحُسَيْنُ؛ في جَوازِ نِسْبَتِهِما عَلى الإطْلاقِ إلى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ؛ لِما ورَدَ فِيهِ مِنَ الأثَرِ؛ وأنَّ غَيْرَهُما مِنَ النّاسِ إنَّما يُنْسَبُونَ إلى الآباءِ؛ وقَوْمِهِمْ؛ دُونَ قَوْمِ الأُمِّ؛ ألا تَرى أنَّ الهاشِمِيَّ إذا اسْتَوْلَدَ جارِيَةً رُومِيَّةً؛ أوْ حَبَشِيَّةً؛ أنَّ ابْنَهُ يَكُونُ هاشِمِيًّا؛ مَنسُوبًا إلى قَوْمِ أبِيهِ؛ دُونَ أُمِّهِ؟ وكَذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:
؎بَنُونا بَنُو أبْنائِنا وبَناتُنا ∗∗∗ بَنُوهُنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
فَنِسْبَةُ الحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إلى النَّبِيِّ ﷺ بِالبُنُوَّةِ عَلى الإطْلاقِ مَخْصُوصٌ بِهِما؛ لا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُما؛ هَذا هو الظّاهِرُ المُتَعالَمُ مِن كَلامِ النّاسِ فِيمَن سِواهُما؛ لِأنَّهم يُنْسَبُونَ إلى الأبِ وقَوْمِهِ؛ دُونَ قَوْمِ الأُمِّ.
آل عمران 3:64
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: "كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ؛ نَتَساوى جَمِيعًا فِيها؛ إذْ كُنّا جَمِيعًا عِبادَ اللَّهِ"؛ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهَ﴾؛ وهَذِهِ هي (p-٢٩٧)الكَلِمَةُ الَّتِي تَشْهَدُ العُقُولُ بِصِحَّتِها؛ إذْ كانَ النّاسُ كُلُّهم عَبِيدَ اللَّهِ؛ لا يَسْتَحِقُّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ العِبادَةَ؛ ولا يَجِبُ عَلى أحَدٍ مِنهم طاعَةُ غَيْرِهِ؛ إلّا فِيما كانَ طاعَةً لِلَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ شَرَطَ اللَّهُ (تَعالى) في طاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ما كانَ مِنها مَعْرُوفًا؛ وإنْ كانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِالمَعْرُوفِ؛ لِئَلّا يَتَرَخَّصَ أحَدٌ في إلْزامِ غَيْرِهِ طاعَةَ نَفْسِهِ؛ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى) - مُخاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ في قِصَّةِ المُبايِعاتِ -: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]؛ فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ تَرْكَ عِصْيانِ النَّبِيِّ ﷺ في المَعْرُوفِ الَّذِي يَأْمُرُهُنَّ بِهِ؛ تَأْكِيدًا لِئَلّا يُلْزِمَ أحَدًا طاعَةَ غَيْرِهِ؛ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وما كانَ مِنهُ طاعَةً لِلَّهِ (تَعالى).
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: "لا يَتَّبِعْهُ في تَحْلِيلِ شَيْءٍ؛ ولا تَحْرِيمِهِ؛ إلّا فِيما حَلَّلَهُ اللَّهُ (تَعالى) أوْ حَرَّمَهُ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]؛ وقَدْ رَوى عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ؛ عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أعْيَنَ؛ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ؛ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ؛ فَقالَ: "ألْقِ هَذا الوَثَنَ عَنْكَ"؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما كُنّا نَعْبُدُهُمْ؛ قالَ: "ألَيْسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُحِلُّونَهُ؛ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم فَيُحَرِّمُونَهُ؟"؛ قالَ: "فَتِلْكَ عِبادَتُهُمْ"؛» وإنَّما وصَفَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أرْبابًا لِأنَّهم أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ رَبِّهِمْ وخالِقِهِمْ في قَبُولِ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ؛ لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ (تَعالى) ولَمْ يُحَلِّلْهُ؛ ولا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ أنْ يُطاعَ بِمِثْلِهِ إلّا اللَّهُ (تَعالى) الَّذِي هو خالِقُهُمْ؛ والمُكَلَّفُونَ كُلُّهم مُتَساوُونَ في لُزُومِ عِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى) واتِّباعِ أمْرِهِ؛ وتَوْجِيهِ العِبادَةِ إلَيْهِ؛ دُونَ غَيْرِهِ.
آل عمران 3:65
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ والسُّدِّيِّ «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ؛ ونَصارى نَجْرانَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَنازَعُوا في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَتِ اليَهُودُ: ما كانَ إلّا يَهُودِيًّا؛ وقالَتِ النَّصارى: ما كانَ إلّا نَصْرانِيًّا؛ فَأبْطَلَ اللَّهُ دَعْواهم بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾»؛ فاليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ حادِثَتانِ بَعْدَ إبْراهِيمَ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا؟ وقَدْ قِيلَ: إنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مِن ولَدِ يَهُوذا؛ والنَّصارى سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ أصْلَهم مِن ناصِرَةَ؛ قَرْيَةٍ بِالشّامِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ اليَهُودِيَّةَ مِلَّةٌ مُحَرَّفَةٌ عَنْ مِلَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والنَّصْرانِيَّةَ مِلَّةٌ مُحَرَّفَةٌ عَنْ شَرِيعَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ (p-٢٩٨)إلا مِن بَعْدِهِ﴾؛ فَكَيْفَ يَكُونُ إبْراهِيمُ مَنسُوبًا إلى مِلَّةٍ حادِثَةٍ بَعْدَهُ؟! فَإنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي ألّا يَكُونَ حَنِيفًا مُسْلِمًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بَعْدَهُ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ مَعْنى "اَلْحَنِيفُ": الدِّينَ المُسْتَقِيمَ؛ لِأنَّ الحَنَفَ في اللُّغَةِ هو الِاسْتِقامَةُ؛ والإسْلامَ هَهُنا هو الطّاعَةُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ والِانْقِيادُ لِأمْرِهِ؛ وكُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِ الحَقِّ يَصِحُّ وصْفُهُ بِذَلِكَ؛ فَقَدْ عَلِمْنا بِأنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ –إبْراهِيمَ؛ ومَن قَبْلَهُ - قَدْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُسَمّى إبْراهِيمُ "حَنِيفًا مُسْلِمًا"؛ وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ بَعْدَهُ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِنُزُولِ القُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ؛ بَلْ يَصِحُّ صِفَةُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِهِ؛ واليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ صِفَةٌ حادِثَةٌ لِمَن كانَ عَلى مِلَّةٍ حَرَّفَها مُنْتَحِلُوها مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْها مَن كانَ قَبْلَها؛ وفي هَذِهِ الآياتِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ المُحاجَّةِ في الدِّينِ؛ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُبْطِلِينَ؛ كَما احْتَجَّ اللَّهُ (تَعالى) عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في أمْرِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأبْطَلَ بِها شُبْهَتَهم وشَغَبَهم.
آل عمران 3:66
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى صِحَّةِ الِاحْتِجاجِ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الحِجاجُ كُلُّهُ مَحْظُورًا؛ لَما فَرَّقَ بَيْنَ المُحاجَّةِ بِالعِلْمِ؛ وبَيْنَها إذا كانَتْ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ وقِيلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾؛ فِيما وجَدُوهُ في كُتُبِهِمْ؛ وأمّا ما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ فَهو شَأْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا؛ أوْ نَصْرانِيًّا.
آل عمران 3:75
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾؛ مَعْناهُ: "تَأْمَنهُ عَلى قِنْطارٍ"؛ لِأنَّ الباءَ و"عَلى" تَتَعاقَبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِفُلانٍ؛ ومَرَرْتُ عَلَيْهِ"؛ وقالَ الحَسَنُ - في القِنْطارِ -: "هُوَ ألْفُ مِثْقالٍ ومِائَتا مِثْقالٍ"؛ وقالَ أبُو نَضِرَةَ: "مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "سَبْعُونَ ألْفًا"؛ وقالَ أبُو صالِحٍ: "مِائَةُ رِطْلٍ"؛ فَوَصَفَ اللَّهُ (تَعالى) بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ بِأداءِ الأمانَةِ في هَذا المَوْضِعِ؛ ويُقالُ: إنَّهُ أرادَ بِهِ النَّصارى؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في قَبُولِ شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ ضَرْبٌ مِنَ الأمانَةِ؛ كَما أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ لَمّا كانَ مَأْمُونًا جازَتْ شَهادَتُهُ؛ فَكَذَلِكَ الكِتابِيُّ؛ مِن حَيْثُ كانَ مِنهم مَوْصُوفًا بِالأمانَةِ؛ دَلَّ عَلى جَوازِ قَبُولِ شَهادَتِهِ عَلى الكُفّارِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُوجِبُ جَوازَ قَبُولِ شَهادَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِأداءِ الأمانَةِ إلى المُسْلِمِينَ إذا ائْتَمَنُوهُ عَلَيْها؛ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ؛ إلّا أنا خَصَصْناهُ بِالِاتِّفاقِ؛ وأيْضًا فَإنَّما دَلَّتْ عَلى جَوازِ شَهادَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ أداءَ أمانَتِهِمْ حَقٌّ لَهُمْ؛ فَأمّا جَوازُهُ عَلَيْهِمْ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ (p-٢٩٩)بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾؛ قالَ مُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ: "إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا بِالتَّقاضِي"؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "إلّا ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالمُلازَمَةِ لَهُ"؛ واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ؛ مِنَ التَّقاضِي؛ ومِنَ المُلازَمَةِ؛ وهو عَلَيْهِما جَمِيعًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾؛ بِالمُلازَمَةِ أوْلى مِنهُ بِالتَّقاضِي مِن غَيْرِ مُلازَمَةٍ؛ وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلطّالِبِ مُلازَمَةَ المَطْلُوبِ بِالدَّيْنِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ؛ والسُّدِّيِّ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْنا مِن أمْوالِ العَرَبِ سَبِيلٌ؛ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ؛ وزَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ؛ وقِيلَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ في سائِرِ مَن يُخالِفُهم في دِينِهِمْ؛ ويَسْتَحِلُّونَ أمْوالَهُمْ؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ عَلى النّاسِ جَمِيعًا اتِّباعَهُمْ؛ وادَّعَوْا ذَلِكَ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ أنَّهُ أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّهُ كَذِبٌ.
آل عمران 3:77
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ رَوى الأعْمَشُ عَنْ سُفْيانَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وهو فاجِرٌ فِيها؛ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ"؛» «وقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ نَزَلَتْ؛ كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ؛ فَخاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وقالَ: "ألَكَ بَيِّنَةٌ؟"؛ قُلْتُ: لا؛ قالَ: "فَيَمِينُهُ"؛ قُلْتُ: إذًا يَحْلِفُ» - فَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ - فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ ورَوى مالِكٌ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ؛ عَنْ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ؛ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ؛ وأوْجَبَ لَهُ النّارَ"؛ قالُوا: وإنْ كانَ شَيْئًا يَسِيرًا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: "وإنْ كانَ قَضِيبًا مِن أراكٍ"؛» ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «"مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْطَعَ بِها مالَ أخِيهِ؛ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ"؛» وظاهِرُ الآيَةِ؛ وهَذِهِ الآثارُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ بِيَمِينِهِ مالًا هو في الظّاهِرِ لِغَيْرِهِ؛ وكُلُّ مَن في يَدِهِ شَيْءٌ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَهُ حَتّى يَسْتَحِقَّهُ غَيْرُهُ؛ وقَدْ مَنَعَ ظاهِرُ الآيَةِ؛ والآثارُ الَّتِي ذَكَرْنا أنْ يَسْتَحِقَّ بِيَمِينِهِ مالًا هو لِغَيْرِهِ في الظّاهِرِ؛ ولَوْلا يَمِينُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مالًا هو لَهُ عِنْدَ اللَّهِ؛ دُونَ ما هو عِنْدَنا في الظّاهِرِ؛ إذْ كانَتِ الأمْلاكُ لا تَثْبُتُ عِنْدَنا إلّا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ دُونَ الحَقِيقَةِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ بِرَدِّ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ ما كانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ في الظّاهِرِ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الأيْمانَ لَيْسَتْ (p-٣٠٠)مَوْضُوعَةً لِلِاسْتِحْقاقِ؛ وإنَّما مَوْضُوعُها لَإسْقاطِ الخُصُومَةِ؛ ورَوى العَوّامُ بْنُ حَوْشَبٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ إسْماعِيلَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ أبِي أوْفى يَقُولُ: أقامَ رَجُلٌ سِلْعَةً؛ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ: "لَقَدْ أعْطَيْتُ بِها ثَمَنًا"؛ لَمْ يُعْطِ بِها؛ لِيُوقِعَ فِيها مُسْلِمًا؛ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وعِكْرِمَةَ؛ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ؛ كَتَبُوا كِتابًا بِأيْدِيهِمْ؛ ثُمَّ حَلَفُوا: "إنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ"؛ مِمَّنِ ادَّعَوْا أنَّهُ: "لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ".
* *
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الغَمُوسَ لا كَفّارَةَ فِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ فَذَكَرَ الوَعِيدَ فِيها ولَمْ يَذْكُرِ الكَفّارَةَ، فَلَوْ أوْجَبْنا فِيها الكَفّارَةَ كانَ زِيادَةً في النَّصِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ وهو فِيها آثِمٌ فاجِرٌ لِيَقْطَعَ بِها (p-١١٣)مالًا لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» ورَوى جابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى مِنبَرِي هَذا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» .
فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ المَأْثَمَ ولَمْ يَذْكُرِ الكَفّارَةَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَفّارَةَ غَيْرُ واجِبَةٍ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ في النَّصِّ إلّا بِمِثْلِهِ، والثّانِي: أنَّها لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَذَكَرَها كَما ذَكَرَها في اليَمِينِ المَعْقُودَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ مِنها ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» رَواهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وأبُو هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُما. ومِمّا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الكَفّارَةِ في اليَمِينِ عَلى الماضِي قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وحِفْظُها مُراعاتُها لِأداءِ كَفّارَتِها عِنْدَ الحِنْثِ فِيها، ومَعْلُومٌ امْتِناعُ حِفْظِ اليَمِينِ عَلى الماضِي لِوُقُوعِها عَلى وجْهٍ واحِدٍ لا يَصِحُّ فِيها المُراعاةُ والحِفْظُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يَقْتَضِي عُمُومُهُ إيجابَ الكَفّارَةِ في سائِرِ الأيْمانِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ قَدْ أرادَ بِهِ اليَمِينَ المَعْقُودَةَ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فَلا مَحالَةَ أنَّ فِيهِ ضَمِيرًا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفّارَةِ وهو الحِنْثُ؛ وإذا ثَبَتَ أنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا سَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِظاهِرِها لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ اليَمِينَ المَعْقُودَةَ لا تَجِبُ بِها كَفّارَةٌ قَبْلَ الحِنْثِ، فَثَبَتَ أنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبارُ عُمُومِها؛ إذْ كانَ حُكْمُها مُتَعَلِّقًا بِضَمِيرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِيها وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ما تَجِبُ فِيهِ الكَفّارَةُ مِنَ الأيْمانِ هي الَّتِي ألْزَمَنا حِفْظَها، وذَلِكَ إنَّما هو في اليَمِينِ المَعْقُودَةِ الَّتِي تُمْكِنُ مُراعاتُها وحِفْظُها لِأداءِ كَفّارَتِها، واليَمِينُ عَلى الماضِي لا يَقَعُ فِيها حِنْثٌ فَيَنْتَظِمُها اللَّفْظُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ دُخُولُ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْها فَتَقُولُ: " كانَ أمْسُ الجُمُعَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ " و" واَللَّهِ لَقَدْ كانَ أمْسُ الجُمُعَةَ " إذا كانَ الحِنْثُ وُجُودَ مَعْنًى بَعْدَ اليَمِينِ بِخِلافِ ما عَقَدَ عَلَيْهِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالحِنْثِ في اليَمِينِ بَعْدَ العَقْدِ أنَّهُ لَوْ قالَ: " واَللَّهِ " كانَ ذَلِكَ قَسَمًا ولَمْ تَلْزَمْهُ كَفّارَةٌ بِوُجُودِ هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حِنْثٌ.
وقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ [المائدة: ٨٩] عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ [المائدة: ٨٩] بِالتَّشْدِيدِ قَرَأهُ جَماعَةٌ، و" عَقَدْتُمْ " خَفِيفَةً، و" عاقَدْتُمْ " فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ [المائدة: ٨٩] بِالتَّشْدِيدِ كانَ أبُو الحَسَنِ يَقُولُ: لا يَحْتَمِلُ إلّا عَقْدَ قَوْلٍ، و" عَقَدْتُمْ " بِالتَّخْفِيفِ يَحْتَمِلُ عَقْدَ القَلْبِ وهو العَزِيمَةُ والقَصْدُ إلى القَوْلِ، ويَحْتَمِلُ عَقْدَ اليَمِينِ قَوْلًا؛ ومَتى احْتَمَلَ إحْدى القِراءَتَيْنِ القَوْلَ واعْتِقادَ القَلْبِ ولَمْ يَحْتَمِلِ الأُخْرى إلّا عَقْدَ اليَمِينِ قَوْلًا، وجَبَ حَمْلُ ما يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ عَلى ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، فَيَحْصُلُ المَعْنى مِنَ (p-١١٤)القِراءَتَيْنِ عَقْدُ اليَمِينِ قَوْلًا، ويَكُونُ حُكْمُ إيجابِ الكَفّارَةِ مَقْصُورًا عَلى هَذا الضَّرْبِ مِنَ الأيْمانِ وهو أنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً ولا تَجِبُ في اليَمِينِ عَلى الماضِي لِأنَّها غَيْرُ مَعْقُودَةٍ وإنَّما هو خَبَرٌ عَنْ ماضٍ والخَبَرُ عَنِ الماضِي لَيْسَ بِعَقْدٍ سَواءٌ كانَ صِدْقًا أوْ كَذِبًا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: " عَقَدْتُمْ " بِالتَّخْفِيفِ يَحْتَمِلُ اعْتِقادَ القَلْبِ ويَحْتَمِلُ عَقْدَ اليَمِينِ، فَهَلّا حَمَلْتَهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ لَيْسا مُتَنافِيَيْنِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ [المائدة: ٨٩] بِالتَّشْدِيدِ مَحْمُولٌ عَلى عَقْدِ اليَمِينِ فَلا يَنْفِي ذَلِكَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في القَصْدِ إلى اليَمِينِ فَيَكُونَ عُمُومًا في سائِرِ الأيْمانِ قِيلَ لَهُ: لَوْ سَلِمَ لَكَ ما ادَّعَيْتَ مِنَ الِاحْتِمالِ لَما جازَ اسْتِعْمالُهُ فِيما ذَكَرْتَ ولَكانَتْ دَلالَةُ الإجْماعِ مانِعَةً مَن حَمْلِهِ عَلى ما وصَفْتَ وذَلِكَ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ القَصْدَ إلى اليَمِينِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفّارَةِ وأنَّ حُكْمَ إيجابِها مُتَعَلِّقٌ بِاللَّفْظِ دُونَ القَصْدِ في الأيْمانِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الكَفّارَةِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ اللَّفْظَ عَلى قَصْدِ القَلْبِ في حُكْمِ الكَفّارَةِ.
وثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالقِراءَتَيْنِ جَمِيعًا في إيجابِ الكَفّارَةِ هو اليَمِينُ المَعْقُودَةُ عَلى المُسْتَقْبَلِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ [المائدة: ٨٩] بِالتَّشْدِيدِ يَقْتَضِي التَّكْرارَ، والمُؤاخَذَةُ تَلْزَمُ مِن غَيْرِ تَكْرارٍ، فَما وجْهُ اللَّفْظِ المُقْتَضِي لِلتَّكْرارِ مَعَ وُجُوبِ الكَفّارَةِ في وُجُودِها عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّكْرارِ ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ تَعْقِيدُ اليَمِينِ بِأنْ يُعَقِّدَها في قَلْبِهِ ولَفْظِهِ، ولَوْ عَقَدَ عَلَيْها في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ تَعْقِيدًا؛ إذْ هو كالتَّعْظِيمِ الَّذِي يَكُونُ تارَةً بِتَكْرِيرِ الفِعْلِ والتَّضْعِيفِ وتارَةً بِعِظَمِ المَنزِلَةِ؛ وأيْضًا فَإنَّ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ إفادَةَ حُكْمٍ لَيْسَ في غَيْرِهِ، وهو أنَّهُ مَتى أعادَ اليَمِينَ عَلى وجْهِ التَّكْرارِ أنَّهُ لا تَلْزَمُهُ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن حَلَفَ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ حَلَفَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ أوْ غَيْرِهِ وأرادَ بِهِ التَّكْرارَ: لا يَلْزَمُهُ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ [المائدة: ٨٩] بِالتَّخْفِيفِ يُفِيدُ أيْضًا إيجابَ الكَفّارَةِ بِاليَمِينِ الواحِدَةِ. قِيلَ لَهُ: القِراءَتانِ والتَّكْرارُ جَمِيعًا مُسْتَعْمَلَتانِ عَلى ما وصَفْنا، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما فائِدَةٌ مُجَدَّدَةٌ.
آل عمران 3:78
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولا مِن فِعْلِهِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِن فِعْلِهِ لَكانَتْ مِن عِنْدِهِ؛ وقَدْ نَفى اللَّهُ (تَعالى) نَفْيًا عامًّا كَوْنَ المَعاصِي مِن عِنْدِهِ؛ ولَوْ كانَتْ مِن فِعْلِهِ لَكانَتْ مِن عِنْدِهِ مِن آكَدِ الوُجُوهِ؛ فَكانَ لا يَجُوزُ إطْلاقُ النَّفْيِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِهِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يُقالُ: إنَّ الإيمانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ ولا يُقالُ: إنَّهُ مِن عِنْدِهِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ كَذَلِكَ الكُفْرُ؛ والمَعاصِي؛ قِيلَ لَهُ: لِأنَّ إطْلاقَ النَّفْيِ يُوجِبُ العُمُومَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ إطْلاقُ الإثْباتِ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: "ما عِنْدَ زَيْدٍ طَعامٌ"؛ كانَ نَفْيًا لِقَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ؛ ولَوْ قُلْتَ: "عِنْدَهُ طَعامٌ"؛ ما كانَ عُمُومًا في كَوْنِ جَمِيعِ الطَّعامِ عِنْدَهُ؟
آل عمران 3:92
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ قِيلَ في مَعْنى البِرِّ هَهُنا وجْهانِ؛ أحَدُهُما: "اَلْجَنَّةَ"؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ؛ والسُّدِّيِّ؛ وقِيلَ فِيهِ: "اَلْبِرَّ بِفِعْلِ الخَيْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الأجْرَ"؛ والنَّفَقَةَ هَهُنا إخْراجُ ما يُحِبُّهُ في سَبِيلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ مِن صَدَقَةٍ أوْ غَيْرِها؛ ورَوى يَزِيدُ بْنُ هارُونَ؛ عَنْ حُمَيْدٍ؛ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ و﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]؛ «قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ حائِطِي الَّذِي بِمَكانِ كَذا وكَذا لِلَّهِ (تَعالى)؛ ولَوِ اسْتَطَعْتُ أنْ أُسِرَّهُ ما أعْلَنْتُهُ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اِجْعَلْهُ في قَرابَتِكَ"؛ أوْ: "فِي أقْرِبائِكَ"؛» ورَوى يَزِيدُ بْنُ هارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ أبِي عُمَرَ بْنِ حَماسٍ؛ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: "خَطَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ فَتَذَكَّرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ؛ فَلَمْ أجِدْ شَيْئًا أحَبَّ إلَيَّ مِن جارِيَتِي أُمَيْمَةَ؛ فَقُلْتُ: هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ فَلَوْلا أنْ أعُودَ في شَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَنَكَحْتُها؛ فَأنْكَحْتُها نافِعًا؛ وهي أُمُّ ولَدِهِ"؛ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ؛ وغَيْرِهِ؛ «أنَّها حِينَ نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّها؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَحَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْها أُسامَةَ بْنَ (p-٣٠١)زَيْدٍ؛» فَكَأنَّ زَيْدًا وجَدَ في نَفْسِهِ؛ فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِنهُ قالَ: "أمّا اللَّهُ (تَعالى) فَقَدْ قَبِلَها"؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو الزَّكاةُ الواجِبَةُ؛ وما فَرَضَ اللَّهُ (تَعالى) في الأمْوالِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: عِتْقُ ابْنِ عُمَرَ لِلْجارِيَةِ عَلى تَأْوِيلِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى كُلَّ ما أخْرَجَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ فَهو مِنَ النَّفَقَةِ المُرادَةِ بِالآيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عِنْدَهُ عامًّا في الفُرُوضِ؛ والنَّوافِلِ؛ وكَذَلِكَ فِعْلُ أبِي طَلْحَةَ؛ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى الفَرْضِ؛ دُونَ النَّفْلِ؛ ويَكُونُ حِينَئِذٍ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾؛ عَلى أنَّكم لَنْ تَنالُوا البِرَّ الَّذِي هو في أعْلى مَنازِلِ القُرْبِ؛ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ؛ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ فِيهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ مِمّا يُحِبُّ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ نِيَّتِهِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]؛ وقَدْ يَجُوزُ إطْلاقُ مِثْلِهِ في اللُّغَةِ؛ وإنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الأصْلِ؛ وإنَّما يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ الكَمالِ؛ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ؛ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ؛ ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ؛ ولا يُفْطَنُ لَهُ؛ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ"؛» فَأطْلَقَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ لَهُ بِالمَسْكَنَةِ؛ لا عَلى نَفْيِ المَسْكَنَةِ عَنْ غَيْرِهِ عَلى الحَقِيقَةِ.
آل عمران 3:93
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المَأْكُولاتِ قَدْ كانَ مُباحًا لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ إلى أنْ حَرَّمَ إسْرائِيلُ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ: "إنَّهُ أخَذَهُ وجَعُ عِرْقِ النَّسا؛ فَحَرَّمَ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ إنْ شَفاهُ اللَّهُ؛ عَلى وجْهِ النَّذْرِ؛ وهو لُحُومُ الإبِلِ"؛ وقالَ قَتادَةُ: "حَرَّمَ العُرُوقَ"؛ ورُوِيَ أنَّ إسْرائِيلَ؛ وهو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - نَذَرَ إنْ بَرِئَ مِن عِرْقِ النَّسا أنْ يُحَرِّمَ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ؛ وهو لُحُومُ الإبِلِ؛ وألْبانُها؛ وكانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ أنْكَرُوا تَحْلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ لُحُومَ الإبِلِ؛ لِأنَّهم لا يَرَوْنَ النَّسْخَ جائِزًا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ وبَيَّنَ أنَّها كانَتْ مُباحَةً لِإبْراهِيمَ؛ ووَلَدِهِ؛ إلى أنْ حَرَّمَها إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؛ وحاجَّهم بِالتَّوْراةِ؛ فَلَمْ يَجْسُرُوا عَلى إحْضارِها لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ ما أخْبَرَ أنَّهُ فِيها؛ وبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ في إباءِ النَّسْخِ؛ إذْ ما جازَ أنْ يَكُونَ مُباحًا في وقْتٍ؛ ثُمَّ حُظِرَ؛ جازَتْ إباحَتُهُ بَعْدَ حَظْرِهِ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ ﷺ كانَ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ الكِتابَ؛ ولَمْ يُجالِسْ أهْلَ الكِتابِ؛ فَلَمْ يَعْرِفْ سَرائِرَ كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ؛ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ إيّاهُ؛ وهَذا الطَّعامُ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ صارَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ وعَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ يَدُلُّ (p-٣٠٢)عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ﴾؛ فاسْتُثْنِي ذَلِكَ مِمّا أحَلَّهُ (تَعالى) لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ ثُمَّ حَظَرَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ صارَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ؛ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا وهو لا يَعْلَمُ مَوْقِعَ المَصْلَحَةِ في الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ إذْ كانَ عِلْمُ المَصالِحِ في العِباداتِ لِلَّهِ (تَعالى) وحْدَهُ؟ قِيلَ: هَذا جائِزٌ بِأنْ يَأْذَنَ اللَّهُ (تَعالى) لَهُ فِيهِ؛ كَما يَجُوزُ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى ) فَيَكُونُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ حُكْمًا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وأيْضًا فَجائِزٌ لِلْإنْسانِ أنْ يُحَرِّمَ امْرَأتَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالطَّلاقِ؛ ويُحَرِّمَ جارِيَتَهُ بِالعِتْقِ؛ فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ (تَعالى) لَهُ في تَحْرِيمِ الطَّعامِ؛ إمّا مِن جِهَةِ النَّصِّ؛ أوْ الِاجْتِهادِ؛ وما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ صَدَرَ عَنِ اجْتِهادٍ مِنهُ في ذَلِكَ؛ أوْ تَوْقِيفًا مِنَ اللَّهِ (تَعالى) لَهُ في إباحَةِ التَّحْرِيمِ لَهُ؛ إنْ شاءَ؛ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَحْرِيمَهُ صَدَرَ عَنِ اجْتِهادٍ مِنهُ في ذَلِكَ؛ لِإضافَةِ اللَّهِ (تَعالى) التَّحْرِيمَ إلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ لَقالَ: "إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ"؛ فَلَمّا أضافَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ جَعَلَ إلَيْهِ إيجابَ التَّحْرِيمِ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جائِزٌ أنْ يُجْعَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ؛ كَما جازَ لِغَيْرِهِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ أوْلى بِذَلِكَ؛ لِفَضْلِ رَأْيِهِ وعِلْمِهِ بِوُجُوهِ المَقايِيسِ؛ واجْتِهادِ الرَّأْيِ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ إسْرائِيلَ لِما حَرَّمَهُ مِنَ الطَّعامِ عَلى نَفْسِهِ قَدْ كانَ واقِعًا؛ ولَمْ يَكُنْ مُوجِبُ لَفْظِهِ شَيْئًا غَيْرَ التَّحْرِيمِ؛ وهَذا المَعْنى هو مَنسُوخٌ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ مارِيَةَ عَلى نَفْسِهِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ العَسَلَ؛ فَلَمْ يُحَرِّمْهُما اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِ؛ وجَعَلَ مُوجِبَ لَفْظِهِ كَفّارَةَ يَمِينٍ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ [التحريم: ١]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ فَجَعَلَ في التَّحْرِيمِ كَفّارَةَ يَمِينٍ إذا اسْتَباحَ ما حَرَّمَ؛ بِمَنزِلَةِ الحَلِفِ ألّا يَسْتَبِيحَهُ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا - فِيمَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ جارِيَةً؛ أوْ شَيْئًا مِن مِلْكِهِ -: "إنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ ولَهُ أنْ يَسْتَبِيحَهُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ؛ وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ بِمَنزِلَةِ مَن حَلَفَ ألّا يَأْكُلَ هَذا الطَّعامَ"؛ إلّا أنَّهم خالَفُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَمِينِ مِن وجْهٍ؛ وهو أنَّ القائِلَ: "واللَّهِ لا أكَلْتُ هَذا الطَّعامَ"؛ لا يَحْنَثُ إلّا بِأكْلِ جَمِيعِهِ؛ ولَوْ قالَ: "قَدْ حَرَّمْتُ هَذا الطَّعامَ عَلى نَفْسِي"؛ حَنِثَ بِأكْلِ جُزْءٍ مِنهُ؛ لِأنَّ الحالِفَ لَمّا حَلَفَ عَلَيْهِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ فَقَدْ قَصَدَ إلى الحِنْثِ بِأكْلِ الجُزْءِ مِنهُ؛ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "واللَّهِ لا آكُلُ شَيْئًا مِنهُ"؛ لِأنَّ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ الأشْياءِ (p-٣٠٣)فَتَحْرِيمُهُ شامِلٌ لِقَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ؛ وكَذَلِكَ المُحَرِّمُ لَهُ عَلى نَفْسِهِ؛ عاقِدٌ لِلْيَمِينِ عَلى كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ ألّا يَأْكُلَ.
آل عمران 3:96
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾؛ قالَ مُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ: "لَمْ يُوضَعْ قَبْلَهُ بَيْتٌ عَلى الأرْضِ"؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ والحَسَنِ أنَّهُما قالا: "هُوَ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ"؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في "بَكَّةَ"؛ فَقالَ الزُّهْرِيُّ: "بَكَّةُ المَسْجِدُ؛ ومَكَّةُ الحَرَمُ كُلُّهُ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "بَكَّةُ هي مَكَّةُ"؛ ومَن قالَ هَذا القَوْلَ يَقُولُ: "قَدْ تُبْدَلُ الباءُ مَعَ المِيمِ؛ كَقَوْلِهِ: "سَبَدَ رَأْسَهُ؛ وسَمَدَهُ"؛ إذا حَلَقَهُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "بَكَّةُ هي بَطْنُ مَكَّةَ"؛ وقِيلَ: "إنَّ البَكَّ الزَّحْمُ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَكَّهُ؛ يَبُكُّهُ بَكًّا"؛ إذا زاحَمَهُ؛ و"تَباكَّ النّاسُ بِالمَوْضِعِ"؛ إذا ازْدَحَمُوا"؛ فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِها البَيْتُ؛ لِازْدِحامِ النّاسِ فِيهِ لِلتَّبَرُّكِ بِالصَّلاةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِها ما حَوْلَ البَيْتِ مِنَ المَسْجِدِ؛ لِازْدِحامِ النّاسِ فِيهِ لِلطَّوافِ.
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾؛ يَعْنِي: "بَيانًا ودَلالَةً عَلى اللَّهِ (تَعالى)"؛ لِما أظْهَرَ فِيهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ؛ وهو أمْنُ الوَحْشِ فِيهِ؛ حَتّى يَجْتَمِعُ الكَلْبُ والظَّبْيُ في الحَرَمِ؛ فَلا الكَلْبُ يُهَيِّجُ الظَّبْيَ؛ ولا الظَّبْيُ يَتَوَحَّشُ مِنهُ؛ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ (تَعالى) وقُدْرَتِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ هَهُنا: اَلْبَيْتُ وما حَوْلَهُ مِنَ الحَرَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الحَرَمِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مُبارَكًا﴾؛ يَعْنِي أنَّهُ ثابِتُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ؛ لِأنَّ البَرَكَةَ هي ثُبُوتُ الخَيْرِ ونُمُوُّهُ؛ وتَزَيُّدُهُ؛ والبَرْكُ هو الثُّبُوتُ؛ يُقالُ: "بَرَكَ بَرْكًا؛ وبُرُوكًا"؛ إذا ثَبَتَ عَلى حالِهِ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبٌ في الحَجِّ إلى البَيْتِ الحَرامِ؛ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ المَصْلَحَةِ فِيهِ؛ والبَرَكَةِ؛ ونُمُوِّ الخَيْرِ؛ وزِيادَتِهِ؛ مَعَ اللُّطْفِ في الهِدايَةِ إلى التَّوْحِيدِ والدِّيانَةِ.
آل عمران 3:97
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْآيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ قَدَمَيْهِ دَخَلَتا في حَجَرٍ صَلْدٍ بِقُدْرَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلالَةً؛ وآيَةً عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومِنَ الآياتِ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِن أمْنِ الوَحْشِ؛ وأُنْسِهِ فِيهِ؛ مَعَ السِّباعِ الضّارِيَةِ المُتَعادِيَةِ؛ وأمْنِ الخائِفِ في الجاهِلِيَّةِ فِيهِ؛ ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ؛ وإمْحاقِ الجِمارِ عَلى كَثْرَةِ الرّامِي مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى يَوْمِنا هَذا؛ مَعَ أنَّ حَصى الجِمارِ إنَّما تُنْقَلُ إلى مَوْضِعِ الرَّمْيِ مِن غَيْرِهِ؛ وامْتِناعِ الطَّيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ؛ وإنَّما يَطِيرُ حَوْلَهُ؛ لا فَوْقَهُ؛ واسْتِشْفاءِ المَرِيضِ مِنها بِهِ؛ وتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ لِمَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ؛ وقَدْ كانَتِ العادَةُ بِذَلِكَ جارِيَةً؛ ومِن إهْلاكِ أصْحابِ الفِيلِ؛ لَمّا قَصَدُوا لَإخْرابِهِ؛ بِالطَّيْرِ الأبابِيلِ؛ فَهَذِهِ كُلُّها مِن آياتِ الحَرَمِ؛ سِوى ما لا نُحْصِيهِ مِنها؛ وفي جَمِيعِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالبَيْتِ هُنا الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ مَوْجُودَةٌ في الحَرَمِ؛ (p-٣٠٤)ومَقامُ إبْراهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ في البَيْتِ؛ إنَّما هو خارِجَ البَيْتِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ الجانِي يَلْجَأُ إلى الحَرَمِ أوْ يَجْنِي فِيهِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]؛ مَوْجُودَةً في جَمِيعِ الحَرَمِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ جَمِيعَ الحَرَمِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ يَقْتَضِي أمْنَهُ عَلى نَفْسِهِ؛ سَواءٌ كانَ جانِيًا قَبْلَ دُخُولِهِ؛ أوْ جَنى بَعْدَ دُخُولِهِ؛ إلّا أنَّ الفُقَهاءَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ بِجِنايَتِهِ في الحَرَمِ؛ في النَّفْسِ؛ وما دُونَها؛ ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ هو أمْرٌ؛ وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هُوَ آمِنٌ في حُكْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وفِيما أمَرَ بِهِ"؛ كَما نَقُولُ: "هَذا مُباحٌ؛ وهَذا مَحْظُورٌ"؛ والمُرادُ بِهِ كَذَلِكَ: "فِي حُكْمِ اللَّهِ (تَعالى) وما أمَرَ بِهِ عِبادَهُ"؛ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مُبِيحًا يَسْتَبِيحُهُ؛ ولا أنَّ مُعْتَقِدًا لِلْحَظْرِ يَحْظُرُهُ؛ وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ في المُباحِ: "اِفْعَلْهُ عَلى أنْ لا تَبِعَةَ عَلَيْكَ فِيهِ؛ ولا ثَوابَ"؛ وفي المَحْظُورِ: "لا تَفْعَلْهُ؛ فَإنَّكَ تَسْتَحِقُّ العِقابَ بِهِ"؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ هو أمْرٌ لَنا بِإيمانِهِ؛ وحَظْرِ دَمِهِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ؟ فَأخْبَرَ بِجَوازِ وُقُوعِ القَتْلِ فِيهِ؛ وأمَرَنا بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ فِيهِ إذا قاتَلُونا؛ ولَوْ كانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ خَبَرًا لَما جازَ ألّا يُوجَدَ مُخْبَرُهُ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ هو أمْرٌ لَنا بِإيمانِهِ؛ ونَهْيٌ لَنا عَنْ قَتْلِهِ؛ ثُمَّ لا يَخْلُو ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ أمْرًا لَنا بِأنْ نُؤَمِّنَهُ مِنَ الظُّلْمِ؛ والقَتْلِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ؛ أوْ أنْ نُؤَمِّنَهُ مِن قَتْلٍ قَدِ اسْتَحَقَّهُ بِجِنايَتِهِ؛ فَلَمّا كانَ حَمْلُهُ عَلى الإيمانِ مِن قَتْلٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ؛ بَلْ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ؛ تَسْقُطُ فائِدَةُ تَخْصِيصِ الحَرَمِ بِهِ؛ لِأنَّ الحَرَمَ وغَيْرَهُ في ذَلِكَ سَواءٌ؛ إذْ كانَ عَلَيْنا إيمانُ كُلِّ أحَدٍ مِن ظُلْمٍ يَقَعُ بِهِ مِن قِبَلِنا؛ أوْ مِن قِبَلِ غَيْرِنا؛ إذا أمْكَنَنا ذَلِكَ؛ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِالإيمانِ مِن قَتْلٍ مُسْتَحَقٍّ؛ فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ نُؤَمِّنَهُ مِنَ المُسْتَحَقِّ مِن ذَلِكَ بِجِنايَتِهِ في الحَرَمِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ إلّا أنَّ الدَّلالَةَ قَدْ قامَتْ مِنَ اتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ إذا قَتَلَ في الحَرَمِ قُتِلَ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فَفَرَّقَ بَيْنَ الجانِي في الحَرَمِ؛ وبَيْنَ الجانِي في غَيْرِهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن جَنى في غَيْرِ الحَرَمِ؛ ثُمَّ لاذَ إلَيْهِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: "إذا قَتَلَ في غَيْرِ الحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ (p-٣٠٥)لَمْ يُقْتَصَّ مِنهُ؛ ما دامَ فِيهِ؛ ولَكِنَّهُ لا يُبايَعُ ولا يُؤاكَلُ؛ إلى أنْ يَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ؛ فَيُقْتَصَّ مِنهُ؛ وإنْ قَتَلَ في الحَرَمِ قُتِلَ؛ وإنْ كانَتْ جِنايَتُهُ فِيما دُونَ النَّفْسِ في غَيْرِ الحَرَمِ؛ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ اقْتُصَّ مِنهُ"؛ وقالَ مالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ: "يُقْتَصُّ مِنهُ في الحَرَمِ ذَلِكَ كُلُّهُ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وعَطاءٍ؛ وطاوُسٍ؛ والشَّعْبِيِّ - فِيمَن قَتَلَ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ - أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "ولَكِنَّهُ لا يُجالَسُ؛ ولا يُؤْوى؛ ولا يُبايَعُ؛ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ؛ فَيُقْتَلَ"؛ وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ في الحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "لا يَمْنَعُ الحَرَمُ مَن أصابَ فِيهِ أوْ في غَيْرِهِ أنْ يُقامَ عَلَيْهِ"؛ قالَ: "وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ كانَ هَذا في الجاهِلِيَّةِ؛ لَوْ أنَّ رَجُلًا جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ؛ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ؛ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ؛ فَأمّا الإسْلامُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا شِدَّةً؛ مَن أصابَ الحَدَّ في غَيْرِهِ ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ"؛ ورَوى هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ؛ وعَطاءٍ؛ قالا: "إذا أصابَ حَدًّا في غَيْرِ الحَرَمِ؛ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ؛ أُخْرِجَ عَنِ الحَرَمِ حَتّى يُقامَ عَلَيْهِ"؛ وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ؛ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنْ يُضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ بِتَرْكِ مُجالَسَتِهِ؛ وإيوائِهِ؛ ومُبايَعَتِهِ؛ ومُشاراتِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ مُفَسَّرًا؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ما رُوِيَ عَنْهُ وعَنِ الحَسَنِ في إخْراجِهِ مِنَ الحَرَمِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وقَدْ ذَكَرْنا دَلالَةَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ عَلى مِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ في مَوْضِعِهِ؛ وبَيَّنّا وجْهَ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى أنَّ دُخُولَ الحَرَمِ يَحْظُرُ قَتْلَ مَن لَجَأ إلَيْهِ؛ إذا لَمْ تَكُنْ جِنايَتُهُ في الحَرَمِ؛ وأمّا ما ذَكَرْنا مِن قَوْلِ السَّلَفِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اتِّفاقٌ مِنهم عَلى حَظْرِ قَتْلِ مَن قَتَلَ في غَيْرِ الحَرَمِ؛ ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الحَسَنَ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ قَوْلانِ مُتَضادّانِ؛ أحَدُهُما رِوايَةُ قَتادَةَ عَنْهُ أنَّهُ يُقْتَلُ؛ والآخَرُ رِوايَةُ هِشامِ بْنِ حَسّانٍ في أنَّهُ لا يُقْتَلُ في الحَرَمِ؛ ولَكِنَّهُ يُخْرَجُ مِنهُ؛ فَيُقْتَلُ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "يُخْرَجُ فَيُقْتَلُ"؛ أنَّهُ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ في تَرْكِ المُبايَعَةِ؛ والمُشاراةِ؛ والأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ حَتّى يَضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ؛ فَلَمْ يُحَصَّلْ لِلْحَسَنِ في هَذا قَوْلٌ؛ لِتَضادِّ الرِّوايَتَيْنِ؛ وبَقِيَ قَوْلُ الآخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ؛ في مَنعِ القِصاصِ في الحَرَمِ بِجِنايَةٍ كانَتْ مِنهُ في غَيْرِ الحَرَمِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ؛ ومَن بَعْدَهم مِنَ الفُقَهاءِ أنَّهُ إذا جَنى في الحَرَمِ كانَ مَأْخُوذًا بِجِنايَتِهِ؛ يُقامُ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن قَتْلٍ؛ أوْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ وقَوْلُهُ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ يُوجِبُ (p-٣٠٦)عُمُومُهُ القِصاصَ في الحَرَمِ عَلى مَن جَنى فِيهِ؛ أوْ في غَيْرِهِ؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ قَدِ اقْتَضى وُقُوعَ الأمْنِ مِنَ القَتْلِ بِجِنايَةٍ كانَتْ مِنهُ في غَيْرِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ وسائِرُ الآيِ المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ مُرَتَّبٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الأمْنِ بِدُخُولِ الحَرَمِ؛ ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا مِن آيِ القِصاصِ؛ وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ وارِدٌ في إيجابِ القِصاصِ؛ لا في حُكْمِ الحَرَمِ؛ وقَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ وارِدٌ في حُكْمِ الحَرَمِ؛ ووُقُوعِ الأمْنِ لِمَن لَجَأ إلَيْهِ؛ فَيُجْرى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى بابِهِ؛ ويُسْتَعْمَلُ فِيما ورَدَ فِيهِ؛ ولا يُعْتَرَضُ بِآيِ القِصاصِ عَلى حُكْمِ الحَرَمِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّ إيجابَ القِصاصِ - لا مَحالَةَ - مُنْعَدِمٌ لِإيجابِ أمانِهِ بِالحَرَمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ القِصاصُ واجِبًا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: هو آمِنٌ مِمّا لَمْ يَجْنِ؛ ولَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِأمْنِهِ بِدُخُولِ الحَرَمِ مُتَأخِّرٌ عَنْ إيجابِ القِصاصِ؛ ومِن جِهَةِ الأثَرِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وأبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ؛ ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي؛ ولا لِأحَدٍ بَعْدِي؛ وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ"؛» فَظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَظْرَ قَتْلِ اللّاجِئِ إلَيْهِ؛ والجانِي فِيهِ؛ إلّا أنَّ الجانِيَ فِيهِ لا خِلافَ فِيهِ أنَّهُ يُؤْخَذُ بِجِنايَتِهِ؛ فَبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ في الجانِي إذا لَجَأ إلَيْهِ؛ ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ؛ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"إنَّ أعْتى النّاسِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ؛ أوْ قَتَلَ في الحَرَمِ؛ أوْ قَتَلَ بِذَحْلِ الجاهِلِيَّةِ"؛» وهَذا أيْضًا يَحْظُرُ عُمُومُهُ قَتْلَ كُلِّ مَن كانَ فِيهِ؛ فَلا يُخَصُّ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِدَلالَةٍ؛ وأمّا ما دُونَ النَّفْسِ فَإنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَجَأ إلى الحَرَمِ؛ حُبِسَ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «"لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ؛ وعُقُوبَتَهُ"؛» والحَبْسُ في الدَّيْنِ عُقُوبَةٌ؛ فَجُعِلَ الحَبْسُ عُقُوبَةً؛ وهو فِيما دُونَ النَّفْسِ؛ فَكُلُّ حَقٍّ وجَبَ فِيما دُونَ النَّفْسِ أُخِذَ بِهِ؛ وإنْ لَجَأ إلى الحَرَمِ؛ قِياسًا عَلى الحَبْسِ في الدَّيْنِ.
وأيْضًا لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّهُ مَأْخُوذٌ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ؛ فِيما دُونَ النَّفْسِ؛ وكَذَلِكَ لا خِلافَ أنَّ الجانِيَ في الحَرَمِ مَأْخُوذٌ بِجِنايَتِهِ في النَّفْسِ؛ وما دُونَها؛ ولا خِلافَ أيْضًا أنَّهُ إذا جَنى في غَيْرِ الحَرَمِ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ أنَّهُ إذا لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ في الحَرَمِ أنَّهُ لا يُبايَعُ؛ ولا يُشارى؛ ولا يُؤْوى؛ حَتّى يَخْرُجَ؛ ولَمّا ثَبَتَ عِنْدَنا أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ وجَبَ اسْتِعْمالُ الحُكْمِ الآخَرِ فِيهِ في تَرْكِ مُشاراتِهِ؛ ومُبايَعَتِهِ؛ وإيوائِهِ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها لا خِلافَ فِيها؛ وإنَّما الخِلافُ فِيمَن جَنى في غَيْرِ الحَرَمِ؛ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ؛ وقَدْ دَلَّلْنا عَلَيْهِ؛ وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى ما حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ؛ (p-٣٠٧)وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسِ بْنِ كامِلٍ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الوَلِيدِ؛ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ؛ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لا يَسْكُنُ مَكَّةَ سافِكُ دَمٍ؛ ولا آكِلُ رِبًا؛ ولا مَشّاءٌ بِنَمِيمَةٍ"؛» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ إذا دَخَلَ الحَرَمَ لَمْ يُؤْوَ؛ ولَمْ يُجالَسْ؛ ولَمْ يُبايَعْ؛ ولَمْ يُشارَ؛ ولَمْ يُطْعَمْ؛ ولَمْ يُسْقَ؛ حَتّى يَخْرُجَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «"لا يَسْكُنُ مَكَّةَ سافِكُ دَمٍ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ قالَ: حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ عَمْرٍو قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ؛ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طاوُسٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "إذا دَخَلَ القاتِلُ الحَرَمَ لَمْ يُجالَسْ؛ ولَمْ يُبايَعْ؛ ولَمْ يُؤْوَ؛ واتَّبَعَهُ طالِبُهُ؛ يَقُولُ لَهُ: اِتَّقِ اللَّهَ في دَمِ فُلانٍ؛ واخْرُجْ مِنَ الحَرَمِ".
ونَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾؛ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]؛ وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ فَهَذِهِ الآيُ مُتَقارِبَةُ المَعانِي في الدَّلالَةِ عَلى حَظْرِ قَتْلِ مَن لَجَأ إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ قَبْلَ دُخُولِهِ؛ ولَمّا عَبَّرَ تارَةً بِذِكْرِ البَيْتِ؛ وتارَةً بِذِكْرِ الحَرَمِ؛ دَلَّ عَلى أنَّ الحَرَمَ في حُكْمِ البَيْتِ في بابِ الأمْنِ؛ ومَنعِ قَتْلِ مَن لَجَأ إلَيْهِ؛ ولَمّا لَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّهُ لا يُقْتَلُ مَن لَجَأ إلى البَيْتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) وصَفَهُ بِالأمْنِ فِيهِ؛ وجَبَ مِثْلُهُ في الحَرَمِ فِيمَن لَجَأ إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: مَن قَتَلَ في البَيْتِ لَمْ يُقْتَلْ فِيهِ؛ ومَن قَتَلَ في الحَرَمِ قُتِلَ فِيهِ؛ فَلَيْسَ الحَرَمُ كالبَيْتِ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الحَرَمِ حُكْمَ البَيْتِ فِيما عَظُمَ مِن حُرْمَتِهِ؛ وعَبَّرَ تارَةً بِذِكْرِ البَيْتِ؛ وتارَةً بِذِكْرِ الحَرَمِ؛ اقْتَضى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما؛ إلّا فِيما قامَ دَلِيلُ تَخْصِيصِهِ؛ وقَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ في حَظْرِ القَتْلِ في البَيْتِ؛ فَخَصَّصْناهُ؛ وبَقِيَ حُكْمُ الحَرَمِ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ مِن إيجابِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ.
* *
بابُ فَرْضِ الحَجِّ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا ظاهِرٌ في إيجابِ فَرْضِ الحَجِّ؛ عَلى شَرِيطَةِ وُجُودِ السَّبِيلِ إلَيْهِ؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ مِن حُكْمِ السَّبِيلِ أنَّ كُلَّ مَن أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى الحَجِّ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ إذْ كانَتِ اسْتِطاعَةُ السَّبِيلِ إلَيْهِ هي إمْكانَ الوُصُولِ إلَيْهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]؛ يَعْنِي: "مِن وُصُولٍ"؛ و﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]؛ يَعْنِي: "مِن وُصُولٍ"؛ وقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن شَرْطِ اسْتِطاعَةِ السَّبِيلِ إلَيْهِ وُجُودَ الزّادِ والرّاحِلَةِ؛ ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ؛ عَنْ عَلِيٍّ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"مَن مَلَكَ (p-٣٠٨)زادًا؛ وراحِلَةً تُبَلِّغُهُ بَيْتَ اللَّهِ؛ ولَمْ يَحُجَّ؛ فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا"؛» وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾؛ ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الخُوزِيُّ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾؛ قالَ: "اَلسَّبِيلُ إلى الحَجِّ الزّادُ والرّاحِلَةُ"؛» ورَوى يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ما السَّبِيلُ؟ قالَ: "زادٌ؛ وراحِلَةٌ"؛» ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "اَلسَّبِيلُ: اَلزّادُ والرّاحِلَةُ؛ ولَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ"؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "هُوَ الزّادُ والرّاحِلَةُ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَوُجُودُ الزّادِ والرّاحِلَةِ مِنَ السَّبِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ومِن شَرائِطِ وُجُوبِ الحَجِّ؛ ولَيْسَتْ الِاسْتِطاعَةُ مَقْصُورَةً عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَرِيضَ الخائِفَ؛ والشَّيْخَ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ؛ والزَّمْنى؛ وكُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوُصُولُ إلَيْهِ؛ فَهو غَيْرُ مُسْتَطِيعِ السَّبِيلِ إلى الحَجِّ؛ وإنْ كانَ واجِدًا لِلزّادِ؛ والرّاحِلَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ عَنْ الِاسْتِطاعَةِ: "اَلزّادُ والرّاحِلَةُ"؛ أنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ شَرائِطِ الِاسْتِطاعَةِ؛ وإنَّما أفادَ ذَلِكَ بُطْلانَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ مَن أمْكَنَهُ المَشْيُ إلى بَيْتِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَمْ يَجِدْ زادًا وراحِلَةً؛ فَعَلَيْهِ الحَجُّ؛ فَبَيَّنَ ﷺ أنَّ لُزُومَ فَرْضِ الحَجِّ مَخْصُوصٌ بِالرُّكُوبِ؛ دُونَ المَشْيِ؛ وأنَّ مَن لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ إلّا بِالمَشْيِ الَّذِي يَشُقُّ ويَعْسُرُ؛ فَلا حَجَّ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي ألّا يَلْزَمَ فَرْضُ الحَجِّ إلّا مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ مَسافَةُ ساعَةٍ؛ إذا لَمْ يَجِدْ زادًا وراحِلَةً؛ وأمْكَنَهُ المَشْيُ؛ قِيلَ لَهُ: إذا لَمْ يَلْحَقْهُ في المَشْيِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ فَهَذا أيْسَرُ أمْرًا مِنَ الواجِدِ لِلزّادِ؛ والرّاحِلَةِ؛ إذا بَعُدَ وطَنُهُ مِن مَكَّةَ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ شَرْطَ الزّادِ والرّاحِلَةِ إنَّما هو لِئَلّا يَشُقَّ عَلَيْهِ؛ ويَنالَهُ ما يَضُرُّهُ مِنَ المَشْيِ؛ فَإذا كانَ مِن أهْلِ مَكَّةَ؛ وما قَرُبَ مِنها؛ مِمَّنْ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ المَشْيُ في ساعَةٍ مِن نَهارٍ؛ فَهَذا مُسْتَطِيعٌ لِلسَّبِيلِ بِلا مَشَقَّةٍ؛ وإذا كانَ لا يَصِلُ إلى البَيْتِ إلّا بِالمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ فَهو الَّذِي خَفَّفَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ؛ ولَمْ يُلْزِمْهُ الفَرْضَ إلّا عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ بِبَيانِ النَّبِيِّ ﷺ.
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ يَعْنِي: "مِن ضِيقٍ"؛ وعِنْدَنا أنَّ وُجُودَ المَحْرَمِ لِلْمَرْأةِ مِن شَرائِطِ الحَجِّ؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ؛ أوْ زَوْجٍ"؛» ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ؛ عَنْ أبِي مَعْبَدٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: "لا تُسافِرِ امْرَأةٌ إلّا ومَعَها ذُو مَحْرَمٍ"؛ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنِّي (p-٣٠٩)قَدِ اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذا؛ وقَدْ أرادَتِ امْرَأتِي أنْ تَحُجَّ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اُحْجُجْ مَعَ امْرَأتِكَ"؛» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "لا تُسافِرِ امْرَأةٌ إلّا ومَعَها ذُو مَحْرَمٍ"؛ قَدِ انْتَظَمَ المَرْأةَ إذا أرادَتِ الحَجَّ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها أنَّ السّائِلَ عَقَلَ مِنهُ ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ سَألَهُ عَنِ امْرَأتِهِ وهي تُرِيدُ الحَجَّ؛ ولَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَهُ ﷺ عامٌّ في الحَجِّ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأسْفارِ؛ والثّانِي: قَوْلُهُ: "اُحْجُجْ مَعَ امْرَأتِكَ"؛ وفي ذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِإرادَةِ سَفَرِ الحَجِّ؛ في قَوْلِهِ: "لا تُسافِرِ امْرَأةٌ إلّا ومَعَها ذُو مَحْرَمٍ"؛ والثّالِثُ أمْرُهُ إيّاهُ بِتَرْكِ الغَزْوِ لِلْحَجِّ مَعَ امْرَأتِهِ؛ ولَوْ جازَ لَها الحَجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ أوْ زَوْجٍ؛ لَما أمَرَهُ بِتَرْكِ الغَزْوِ - وهو فَرْضٌ - لِلتَّطَوُّعِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ أيْضًا عَلى أنَّ حَجَّ المَرْأةِ كانَ فَرْضًا؛ ولَمْ يَكُنْ تَطَوُّعًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَطَوُّعًا لَما أمَرَهُ بِتَرْكِ الغَزْوِ الَّذِي هو فَرْضٌ لِتَطَوُّعِ المَرْأةِ؛ ومِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْألْهُ عَنْ حَجِّ المَرْأةِ: "أفَرْضٌ هو أمْ نَفْلٌ؟"؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَساوِي حُكْمِهِما في امْتِناعِ خُرُوجِها بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ وُجُودَ المَحْرَمِ لِلْمَرْأةِ مِن شَرائِطِ الِاسْتِطاعَةِ؛ ولا خِلافَ أنَّ مِن شَرْطِ اسْتِطاعَتِها ألّا تَكُونَ مُعْتَدَّةً؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا في الِاسْتِطاعَةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ نَهْيُهُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُسافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ مُعْتَبَرًا فِيها؛ ومِن شَرائِطِهِ ما ذَكَرْنا مِن إمْكانِ ثُبُوتِهِ عَلى الرّاحِلَةِ؛ وذَلِكَ لِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ الحَسَنِ بْنِ أبِي عَبّادٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ قالَ: حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ امْرَأةً مِن خَثْعَمَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ في الحَجِّ عَلى عِبادِهِ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا؛ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَمْسِكَ عَلى الرّاحِلَةِ؛ أفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: "نَعَمْ؛ حُجِّي عَنْ أبِيكِ"؛» فَأجازَ ﷺ لِلْمَرْأةِ أنَّ تَحُجَّ عَنْ أبِيها؛ ولَمْ يُلْزِمِ الرَّجُلَ الحَجَّ بِنَفْسِهِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مِن شَرْطِ الِاسْتِطاعَةِ إمْكانَ الوُصُولِ إلى الحَجِّ؛ وهَؤُلاءِ - وإنْ لَمْ يَلْزَمْهُمُ الحَجُّ بِأنْفُسِهِمْ إذا كانُوا واجِدِينَ لِلزّادِ والرّاحِلَةِ - فَإنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُحِجُّوا غَيْرَهم عَنْهُمْ؛ أعْنِي المَرِيضَ؛ والزَّمِنَ؛ والمَرْأةَ؛ إذا حَضَرَتْهُمُ الوَفاةُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُوصُوا بِالحَجِّ؛ وذَلِكَ أنَّ وُجُودَ ما يُمْكِنُ بِهِ الوُصُولُ إلى الحَجِّ في مِلْكِهِمْ يُلْزِمُهم فَرْضَ الحَجِّ في أمْوالِهِمْ؛ إذا لَمْ يُمْكِنْهم فِعْلُهُ بِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ فَرْضَ الحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: بِوُجُودِ الزّادِ والرّاحِلَةِ؛ وإمْكانِ فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ؛ فَعَلى مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ الخُرُوجُ؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَتَعَذَّرَ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ لِمَرَضٍ؛ أوْ كِبَرِ سِنٍّ؛ أوْ زَمانَةٍ؛ أوْ (p-٣١٠)لِأنَّها امْرَأةٌ لا مَحْرَمَ لَها؛ ولا زَوْجَ يَخْرُجُ مَعَها؛ فَهَؤُلاءِ يَلْزَمُهُمُ الحَجُّ بِأمْوالِهِمْ عِنْدَ الإياسِ؛ والعَجْزِ عَنْ فِعْلِهِ بِأنْفُسِهِمْ؛ فَإذا أحَجَّ المَرِيضُ أوِ المَرْأةُ عَنْ أنْفُسِهِما؛ ثُمَّ لَمْ يَبْرَإ المَرِيضُ؛ ولَمْ تَجِدِ المَرْأةُ مَحْرَمًا؛ حَتّى ماتا؛ أجَزْأهُما؛ وإنْ بَرِئَ المَرِيضُ؛ ووَجَدَتِ المَرْأةُ مَحْرَمًا؛ لَمْ يُجْزِهِما؛ وقَوْلُ الخَثْعَمِيَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أبِي أدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ؛ لا يَسْتَمْسِكُ عَلى الرّاحِلَةِ؛ وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاها بِالحَجِّ عَنْهُ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ فَرْضَ الحَجِّ قَدْ لَزِمَهُ في مالِهِ؛ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلى الرّاحِلَةِ؛ لِأنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ (تَعالى) أدْرَكَتْهُ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ؛ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَها ذَلِكَ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فَرْضَ الحَجِّ قَدْ لَزِمَهُ في مالِهِ؛ وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاها بِفِعْلِ الحَجِّ؛ الَّذِي أخْبَرَتْ أنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ؛ يَدُلُّ عَلى لُزُومِهِ أيْضًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في حَجِّ الفَقِيرِ؛ فَقالَ أصْحابُنا؛ والشّافِعِيُّ: "لا حَجَّ عَلَيْهِ؛ وإنْ حَجَّ أجْزَأهُ مِن حَجَّةِ الإسْلامِ"؛ وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ عَلَيْهِ الحَجَّ إذا أمْكَنَهُ المَشْيُ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ والحَسَنِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ ما تُبَلِّغُهُ؛ كائِنًا ما كانَ؛ وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الِاسْتِطاعَةَ: "اَلزّادُ والرّاحِلَةُ"؛ يَدُلُّ عَلى أنْ لا حَجَّ عَلَيْهِ؛ فَإنْ هو وصَلَ إلى البَيْتِ مَشْيًا فَقَدْ صارَ بِحُصُولِهِ هُناكَ مُسْتَطِيعًا؛ بِمَنزِلَةِ أهْلِ مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ شَرْطَ الزّادِ والرّاحِلَةِ إنَّما هو لِمَن بَعُدَ مِن مَكَّةَ؛ فَإذا حَصَلَ هُناكَ فَقَدِ اسْتَغْنى عَنِ الزّادِ والرّاحِلَةِ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ؛ فَيَلْزَمُهُ الحَجُّ حِينَئِذٍ؛ فَإذا فَعَلَهُ كانَ فاعِلًا فَرْضًا؛ واخْتُلِفَ في العَبْدِ إذا حَجَّ؛ هَلْ يُجْزِيهِ مِن حَجَّةِ الإسْلامِ؛ فَقالَ أصْحابُنا: "لا يُجْزِيهِ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "يُجْزِيهِ"؛ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا هِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ مَوْلى رَبِيعَةَ بْنِ سُلَيْمٍ؛ قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ؛ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلى بَيْتِ اللَّهِ؛ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا؛ أوْ نَصْرانِيًّا"؛» وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَقُولُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾؛ فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ شَرْطَ لُزُومِ الحَجِّ مِلْكُ الزّادِ والرّاحِلَةِ؛ والعَبْدُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا؛ فَلَيْسَ هو إذًا مِن أهْلِ الخِطابِ بِالحَجِّ؛ وسائِرُ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الِاسْتِطاعَةِ أنَّها الزّادُ والرّاحِلَةُ؛ هي عَلى مِلْكِهِما؛ عَلى ما بُيِّنَ في حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وأيْضًا فَمَعْلُومٌ مِن مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ في شَرْطِهِ الزّادَ والرّاحِلَةَ أنْ يَكُونا مِلْكًا لِلْمُسْتَطِيعِ؛ وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ زادًا وراحِلَةً في مِلْكِ غَيْرِهِ؛ وإذا كانَ العَبْدُ لا يَمْلِكُ بِحالٍ؛ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الخِطابِ بِالحَجِّ؛ فَلَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ؛ فَإنْ قِيلَ: (p-٣١١)لَيْسَ الفَقِيرُ مِن أهْلِ الخِطابِ بِالحَجِّ؛ لِعَدَمِ مِلْكِ الزّادِ والرّاحِلَةِ؛ ولَوْ حَجَّ جازَ حَجُّهُ؛ كَذَلِكَ العَبْدُ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ الفَقِيرَ مِن أهْلِ الخِطابِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ؛ والعَبْدُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ؛ وإنَّما سَقَطَ الفَرْضُ عَنِ الفَقِيرِ لِأنَّهُ غَيْرُ واجِدٍ؛ لا لِأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَمْلِكُ؛ فَإذا وصَلَ إلى مَكَّةَ فَقَدِ اسْتَغْنى عَنِ الزّادِ والرّاحِلَةِ؛ وصارَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الواجِدِينَ الواصِلِينَ إلَيْها بِالزّادِ والرّاحِلَةِ؛ والعَبْدُ إنَّما سَقَطَ عَنْهُ الخِطابُ بِهِ؛ لا لِأنَّهُ لا يَجِدُ؛ لَكِنْ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ؛ وإنْ مَلَكَ فَلَمْ يَدْخُلْ في خِطابِ الحَجِّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ؛ وصارَ مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُخاطَبْ بِالحَجِّ؛ لا لِأنَّهُ لا يَجِدُ؛ ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الخِطابِ بِالحَجِّ لِأنَّ مِن شَرْطِ الخِطابِ بِهِ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ؛ كَما أنَّ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ خِطابُهُ بِهِ؛ وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ مَنافِعَهُ؛ ولِلْمَوْلى مَنعُهُ مِنَ الحَجِّ بِالِاتِّفاقِ؛ ومَنافِعُ العَبْدِ هي مِلْكٌ لِلْمَوْلى؛ فَإذا فَعَلَ بِها الحَجَّ صارَ كَحَجٍّ فَعَلَهُ المَوْلى؛ فَلا يُجْزِيهِ مِن حَجَّةِ الإسْلامِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ - أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ مَنافِعَهُ - أنَّ المَوْلى هو المُسْتَحِقُّ لِأبْدالِها إذا صارَتْ مالًا؛ وأنَّ لَهُ أنْ يَسْتَخْدِمَهُ؛ ويَمْنَعَهُ مِنَ الحَجِّ؛ فَإذا أذِنَ لَهُ فِيهِ صارَ مُعِيرًا لَهُ مِلْكَ المَنافِعِ؛ فَهي مُتْلَفَةٌ عَلى مِلْكِ المَوْلى؛ فَلا يُجْزِئُ العَبْدَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الفَقِيرُ؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُ مَنافِعَ نَفْسِهِ؛ وإذا فَعَلَ بِها الحَجَّ أجْزَأهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ صارَ مِن أهْلِ الِاسْتِطاعَةِ.
فَإنْ قِيلَ: لِلْمَوْلى مَنعُ العَبْدِ مِنَ الجُمُعَةِ؛ ولَيْسَ العَبْدُ مِن أهْلِ الخِطابِ بِها؛ ولَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُها؛ ولَوْ حَضَرَها وصَلّاها أجْزَأتْهُ؛ فَهَلّا كانَ الحَجُّ كَذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ فَرْضَ الظُّهْرِ قائِمٌ عَلى العَبْدِ؛ لَيْسَ لِلْمَوْلى مَنعُهُ مِنهُ؛ فَمَتى فَعَلَ الجُمُعَةَ فَقَدْ أسْقَطَ بِها فَرْضَ الظُّهْرِ الَّذِي كانَ العَبْدُ يَمْلِكُ فِعْلَهُ مِن غَيْرِ إذْنِ المَوْلى؛ فَصارَ كَفاعِلِ الظُّهْرِ؛ فَلِذَلِكَ أجْزَأهُ؛ ولَمْ يَكُنْ عَلى العَبْدِ فَرْضٌ آخَرُ يَمْلِكُ فِعْلَهُ فَأُسْقِطَ بِفِعْلِ الحَجِّ؛ حَتّى نَحْكُمَ بِجَوازِهِ؛ ونَجْعَلَهُ في حُكْمِ ما هو مالِكُهُ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَجِّ العَبْدِ - ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أيُّوبَ؛ عَنْ حَرامِ بْنِ عُثْمانَ؛ عَنِ ابْنَيْ جابِرٍ؛ عَنْ أبِيهِما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"لَوْ أنَّ صَبِيًّا حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ؛ ثُمَّ بَلَغَ؛ لَكانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ؛ إنِ اسْتَطاعَ إلَيْها سَبِيلًا؛ ولَوْ أنَّ أعْرابِيًّا حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ؛ ثُمَّ هاجَرَ؛ لَكانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ؛ إنِ اسْتَطاعَ إلَيْها سَبِيلًا؛ ولَوْ أنَّ مَمْلُوكًا حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ؛ ثُمَّ أُعْتِقَ؛ لَكانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ؛ إنِ اسْتَطاعَ إلَيْها سَبِيلًا"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ الحَسَنِ بْنِ أبِي عَبّادٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ؛ عَنِ الأعْمَشِ؛ عَنْ أبِي ظَبْيانَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ (p-٣١٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"أيُّما صَبِيٍّ حَجَّ؛ ثُمَّ أدْرَكَ الحُلُمَ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرى؛ وأيُّما أعْرابِيٍّ حَجَّ؛ ثُمَّ هاجَرَ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرى؛ وأيُّما عَبْدٍ حَجَّ؛ ثُمَّ أُعْتِقَ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرى"؛» فَأوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى العَبْدِ أنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرى؛ ولَمْ يَعْتَدَّ لَهُ بِالحَجَّةِ الَّتِي فَعَلَها في حالِ الرِّقِّ؛ وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ مِثْلَهُ في الأعْرابِيِّ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ يُجْزِيهِ الحَجَّةُ المَفْعُولَةُ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ كانَ حُكْمُ الأعْرابِيِّ في حالِ ما كانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا؛ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ نَسْخِ فَرْضِ الهِجْرَةِ؛ فَلَمّا قالَ ﷺ: «"لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ"؛» نَسَخَ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِهِ؛ مِن وُجُوبِ إعادَةِ الحَجِّ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ إذْ لا هِجْرَةَ هُناكَ واجِبَةٌ؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنا في حَجِّ العَبْدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ والحَسَنِ؛ وعَطاءٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾؛ حَجَّةٌ واحِدَةٌ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ تَكْرارًا؛ فَمَتى فَعَلَ الحَجَّ فَقَدْ قَضى عُهْدَةَ الآيَةِ؛ وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ؛ وعُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ؛ عَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سِنانٍ: قالَ أبُو داوُدَ - هو الدُّؤَلِيُّ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ الحَجُّ في كُلِّ سَنَةٍ؛ أوْ مَرَّةً واحِدَةً؛ فَقالَ: "بَلْ مَرَّةً واحِدَةً؛ فَمَن زادَ فَتَطَوُّعٌ».
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾؛ رَوى وكِيعٌ عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ؛ عَنْ نُفَيْعٍ؛ أبِي داوُدَ؛ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾؛ قالَ: "هُوَ إنْ حَجَّ لا يَرْجُو ثَوابَهُ؛ وإنْ حُبِسَ لا يَخافُ عِقابَهُ"؛» ورَوى مُجاهِدٌ مِن قَوْلِهِ مِثْلَهُ؛ وقالَ الحَسَنُ: "مَن كَفَرَ بِالحَجِّ"؛ وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ أهْلِ الجَبْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ مَن وجَدَ زادًا وراحِلَةً مُسْتَطِيعًا لِلْحَجِّ قَبْلَ فِعْلِهِ؛ ومِن مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أنَّ مَن لَمْ يَفْعَلِ الحَجَّ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا لَهُ قَطُّ؛ فَواجِبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ أنْ يَكُونَ مَعْذُورًا غَيْرَ مُلْزَمٍ؛ إذا لَمْ يَحُجَّ؛ إذْ كانَ اللَّهُ (تَعالى) إنَّما ألْزَمَ الحَجَّ مَنِ اسْتَطاعَ؛ وهو لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا قَطُّ؛ إذْ لَمْ يَحُجَّ؛ فَفي نَصِّ التَّنْزِيلِ؛ واتِّفاقِ الأُمَّةِ عَلى لُزُومِ فَرْضِ الحَجِّ - لِمَن كانَ وصْفُهُ ما ذَكَرْنا؛ مِن صِحَّةِ البَدَنِ؛ ووُجُودِ الزّادِ والرّاحِلَةِ - ما يُوجِبُ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ.
آل عمران 3:99
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾؛ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ كانُوا يُغْرُونَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ؛ بِذِكْرِهِمُ الحُرُوبَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ؛ حَتّى يَنْسَلِخُوا مِنَ الدِّينِ بِالعَصَبِيَّةِ؛ وحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ"؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى (p-٣١٣)جَمِيعًا؛ في كِتْمانِهِمْ صِفَتَهُ في كُتُبِهِمْ؛ فَإنْ قِيلَ: قَدْ سَمّى اللَّهُ الكُفّارَ شُهَداءَ؛ ولَيْسُوا حُجَّةً عَلى غَيْرِهِمْ؛ فَلا يَصِحُّ لَكم الِاحْتِجاجُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ في صِحَّةِ إجْماعِ الأُمَّةِ؛ وثُبُوتِ حُجَّتِهِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ - جَلَّ وعَلا - لَمْ يَقُلْ في أهْلِ الكِتابِ: "وأنْتُمْ شُهَداءُ عَلى غَيْرِكُمْ"؛ وقالَ هُناكَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ كَما قالَ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فَأوْجَبَ ذَلِكَ تَصْدِيقَهُمْ؛ وصِحَّةَ إجْماعِهِمْ؛ وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾؛ ومَعْناهُ غَيْرُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ وقَدْ قِيلَ في مَعْناهُ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: "وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّكم عالِمُونَ بِبُطْلانِ قَوْلِكم في صَدِّكم عَنْ دِينِ اللَّهِ (تَعالى)"؛ وذَلِكَ في أهْلِ الكِتابِ مِنهُمْ؛ والثّانِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿شُهَداءُ﴾؛ عُقَلاءَ؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]؛ يَعْنِي: "وهُوَ عاقِلٌ"؛ لِأنَّهُ يَشْهَدُ الدَّلِيلَ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ.
آل عمران 3:102
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ والحَسَنِ؛ وقَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى؛ ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ؛ ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى؛ وقِيلَ: إنَّ مَعْناهُ اتِّقاءُ جَمِيعِ مَعاصِيهِ؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في نَسْخِهِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وطاوُسٍ أنَّها مُحْكَمَةٌ؛ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ؛ وعَنْ قَتادَةَ؛ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ؛ والسُّدِّيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: "لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً؛ لِأنَّ مَعْناهُ اتِّقاءُ جَمِيعِ مَعاصِيهِ؛ وعَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ اتِّقاءُ جَمِيعِ المَعاصِي؛ ولَوْ كانَ مَنسُوخًا لَكانَ فِيهِ إباحَةُ بَعْضِ المَعاصِي؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ"؛ وقِيلَ: إنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ اَلْقِيامَ بِحُقُوقِ اللَّهِ (تَعالى) في حالِ الخَوْفِ؛ والأمْنِ؛ وتَرْكَ التُّقْيَةِ فِيها؛ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في حالِ التُّقْيَةِ؛ والإكْراهِ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ فِيما لا تَخافُونَ فِيهِ عَلى أنْفُسِكُمْ؛ يُرِيدُ فِيما لا يَكُونُ فِيهِ احْتِمالُ الضَّرْبِ؛ والقَتْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ فِيما يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ فِعْلُهُ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ ومُرادُهُ مَشَقَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
آل عمران 3:103
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في مَعْنى الحَبْلِ هَهُنا أنَّهُ القُرْآنُ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ وقَتادَةَ؛ والسُّدِّيِّ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ دِينُ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقِيلَ: بِعَهْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ النَّجاةِ؛ كالحَبْلِ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ لِلنَّجاةِ مِن غَرَقٍ؛ أوْ نَحْوِهِ؛ ويُسَمّى الأمانُ "اَلْحَبْلَ"؛ لِأنَّهُ سَبَبُ النَّجاةِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]؛ يَعْنِي بِهِ الأمانَ؛ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾؛ هو أمْرٌ بِالِاجْتِماعِ؛ ونَهْيٌ عَنِ الفُرْقَةِ؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ مَعْناهُ (p-٣١٤)التَّفَرُّقُ عَنْ دِينِ اللَّهِ (تَعالى) الَّذِي أُمِرُوا جَمِيعًا بِلُزُومِهِ؛ والِاجْتِماعِ عَلَيْهِ؛ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ وقَتادَةَ؛ وقالَ الحَسَنُ: ولا تَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ فَرِيقانِ مِنَ النّاسِ؛ أحَدُهُما نُفاةُ القِياسِ والِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ مِثْلُ النِّظامِ؛ وأمْثالِهِ مِنَ الرّافِضَةِ؛ والآخَرُ مَن يَقُولُ بِالقِياسِ والِاجْتِهادِ؛ ويَقُولُ مَعَ ذَلِكَ إنَّ الحَقَّ واحِدٌ مِن أقاوِيلِ المُخْتَلِفِينَ في مَسائِلِ الِاجْتِهادِ؛ ويُخَطِّئُ مَن لَمْ يُصِبِ الحَقَّ عِنْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ دِينًا لِلَّهِ (تَعالى)؛ مَعَ نَهْيِ اللَّهِ (تَعالى) عَنْهُ؛ ولَيْسَ هَذا عِنْدَنا كَما قالُوا؛ لِأنَّ أحْكامَ الشَّرْعِ في الأصْلِ عَلى أنْحاءَ؛ مِنها ما لا يَجُوزُ الخِلافُ فِيهِ؛ وهو الَّذِي دَلَّتِ العُقُولُ عَلى حَظْرِهِ في كُلِّ حالٍ؛ أوْ عَلى إيجابِهِ في كُلِّ حالٍ؛ فَأمّا ما جازَ أنْ يَكُونَ تارَةً واجِبًا؛ وتارَةً مَحْظُورًا؛ وتارَةً مُباحًا؛ فَإنَّ الِاخْتِلافَ في ذَلِكَ سائِغٌ؛ يَجُوزُ وُرُودُ العِبادَةِ بِهِ؛ كاخْتِلافِ حُكْمِ الطّاهِرِ والحائِضِ في الصَّوْمِ والصَّلاةِ؛ واخْتِلافِ حُكْمِ المُقِيمِ والمُسافِرِ في القَصْرِ والإتْمامِ؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ؛ فَمِن حَيْثُ جازَ وُرُودُ النَّصِّ بِاخْتِلافِ أحْكامِ النّاسِ فِيهِ؛ فَيَكُونُ بَعْضُهم مُتَعَبِّدًا بِخِلافِ ما تَعَبَّدَ بِهِ الآخَرُ؛ لَمْ يَمْتَنِعْ تَسْوِيغُ الِاجْتِهادِ فِيما يُؤَدِّي إلى الخِلافِ الَّذِي يَجُوزُ وُرُودُ النَّصِّ بِمِثْلِهِ؛ ولَوْ كانَ جَمِيعُ الِاخْتِلافِ مَذْمُومًا لَوَجَبَ ألّا يَجُوزَ وُرُودُ الِاخْتِلافِ في أحْكامِ الشَّرْعِ مِن طَرِيقِ النَّصِّ والتَّوْقِيفِ؛ فَما جازَ مِثْلُهُ في النَّصِّ جازَ في الِاجْتِهادِ؛ وقَدْ يَخْتَلِفُ المُجْتَهِدانِ في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ؛ وقِيَمِ المُتْلَفاتِ؛ وأُرُوشِ كَثِيرٍ مِنَ الجِناياتِ؛ فَلا يَلْحَقُ واحِدًا مِنهُما لَوْمٌ؛ ولا تَعْنِيفٌ؛ وهَذا حُكْمُ مَسائِلِ الِاجْتِهادِ؛ ولَوْ كانَ هَذا الضَّرْبُ مِنَ الِاخْتِلافِ مَذْمُومًا لَكانَ لِلصَّحابَةِ في ذَلِكَ الحَظُّ الأوْفَرُ؛ ولَما وجَدْناهم مُخْتَلِفِينَ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ مُتَواصِلُونَ؛ يُسَوِّغُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِصاحِبِهِ مُخالَفَتَهُ مِن غَيْرِ لَوْمٍ؛ ولا تَعْنِيفٍ؛ فَقَدْ حَصَلَ مِنهم الِاتِّفاقُ عَلى تَسْوِيغِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الِاخْتِلافِ؛ وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) بِصِحَّةِ إجْماعِهِمْ؛ وثُبُوتِ حُجَّتِهِ؛ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"اِخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"؛» وقالَ: «"لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلى ضَلالٍ"؛» فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يَنْهَنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ عَنْ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الِاخْتِلافِ؛ وأنَّ النَّهْيَ مُنْصَرِفٌ إلى أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا في النُّصُوصِ؛ أوْ فِيما قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ؛ أوْ سَمْعِيٌّ؛ لا يَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا؛ وفي فَحْوى الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الِاخْتِلافُ؛ والتَّفَرُّقُ في أُصُولِ الدِّينِ؛ لا في فُرُوعِهِ؛ وما يَجُوزُ وُرُودُ العِبادَةِ بِالِاخْتِلافِ فِيهِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ (p-٣١٥)كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ يَعْنِي: "بِالإسْلامِ"؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّفَرُّقَ المَذْمُومَ المَنهِيَّ عَنْهُ في الآيَةِ هو في أُصُولِ الدِّينِ؛ والإسْلامِ؛ لا في فُرُوعِهِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ.
آل عمران 3:104
بابُ فَرْضِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ والآخَرُ أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ؛ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ؛ إذا قامَ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾؛ وحَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي البَعْضَ؛ دُونَ البَعْضِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ؛ إذا قامَ بِهِ بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: هو فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ؛ ويَجْعَلُ مُخْرَجَ الكَلامِ مُخْرَجَ الخُصُوصِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾؛ مَجازًا؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤]؛ ومَعْناهُ: "ذُنُوبَكُمْ"؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ إذا قامَ بِهِ بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ؛ كالجِهادِ؛ وغُسْلِ المَوْتى؛ وتَكْفِينِهِمْ؛ والصَّلاةِ عَلَيْهِمْ؛ ودَفْنِهِمْ؛ ولَوْلا أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ لَما سَقَطَ عَنِ الآخَرِينَ بِقِيامِ بَعْضِهِمْ بِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ؛ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ وقالَ - فِيما حَكى عَنْ لُقْمانَ -: ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]؛ فَهَذِهِ الآيُ ونَظائِرُها مُقْتَضِيَةٌ لِإيجابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ وهي عَلى مَنازِلَ؛ أوَّلُها تَغْيِيرُهُ بِاليَدِ؛ إذا أمْكَنَ؛ فَإنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ وكانَ في نَفْيِهِ خائِفًا عَلى نَفْسِهِ إذا أنْكَرَهُ بِيَدِهِ؛ فَعَلَيْهِ إنْكارُهُ بِلِسانِهِ؛ فَإنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِما وصَفْنا؛ فَعَلَيْهِ إنْكارُهُ بِقَلْبِهِ؛ كَما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ فارِسٍ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ قالَ: أخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: سَمِعْتُ طارِقَ بْنَ شِهابٍ قالَ: «قَدَّمَ مَرْوانُ الخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلاةِ؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: خالَفْتَ السُّنَّةَ؛ كانَتِ الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ قالَ: "تُرِكَ ذَلِكَ يا (أبُو فُلانٍ)"؛ قالَ شُعْبَةُ: وكانَ لَحّانًا؛ فَقامَ أبُو (p-٣١٦)سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ فَقالَ: أمّا هَذا المُتَكَلِّمُ فَقَدْ قَضى ما عَلَيْهِ؛ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسانِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ؛ وذاكَ أضْعَفُ الإيمانِ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ رَجاءٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ؛ وعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ؛ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «"مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فاسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وذاكَ أضْعَفُ الإيمانِ"؛» فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ إنْكارَ المُنْكَرِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ؛ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ؛ ودَلَّ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ تَغْيِيرُهُ بِلِسانِهِ؛ ثُمَّ إذا لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن إنْكارِهِ بِقَلْبِهِ؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ؛ عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"ما مِن قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَهم بِالمَعاصِي؛ هم أكْثَرُ وأعَزُّ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ؛ ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرُوا؛ إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ راشِدٍ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا؛ اتَّقِ اللَّهَ؛ ودَعْ ما تَصْنَعُ؛ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ؛ ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ؛ فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ (تَعالى) قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]؛ ثُمَّ قالَ: كَلًّا؛ واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدَيِ الظّالِمِ؛ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا؛ وتَقْصُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا"؛» قالَ أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ هِشامٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو شِهابٍ الحَنّاطُ؛ عَنِ العَلاءِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ؛ وزادَ فِيهِ: «"أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ؛ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكم كَما لَعَنَهُمْ"؛» فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ مِن شَرْطِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أنْ يُنْكِرَهُ؛ ثُمَّ لا يُجالِسَ المُقِيمَ عَلى المَعْصِيَةِ؛ ولا يُؤاكِلَهُ؛ ولا يُشارِبَهُ؛ وكانَ ما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن ذَلِكَ بَيانًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]؛ فَكانُوا بِمُؤاكَلَتِهِمْ إيّاهُمْ؛ ومُجالَسَتِهِمْ لَهُمْ؛ تارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كانُوا (p-٣١٧)لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]؛ مَعَ ما أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِن إنْكارِهِ بِلِسانِهِ؛ إلّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَ مُجالَسَتِهِ؛ ومُؤاكَلَتِهِ؛ ومُشارَبَتِهِ إيّاهُ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ أيْضًا ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قالَ: أخْبَرَنا خالِدٌ؛ عَنْ إسْماعِيلَ؛ عَنْ قَيْسٍ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ - بَعْدَ أنْ حَمِدَ اللَّهَ (تَعالى) وأثْنى عَلَيْهِ -: يا أيُّها النّاسُ؛ إنَّكم تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ وتَضَعُونَها في غَيْرِ مَوْضِعِها: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؛ وأنّا سَمِعْنا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «"إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ؛ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الرَّبِيعِ؛ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ العَتَكِيُّ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ؛ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جارِيَةَ اللَّخْمِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيُّ قالَ: «سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ؛ فَقُلْتُ: يا أبا ثَعْلَبَةَ؛ كَيْفَ تَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ؟ فَقالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا؛ وهَوًى مُتَّبَعًا؛ ودُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ؛ ودَعْ عَنْكَ العَوامَّ؛ فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامَ الصَّبْرِ؛ الصَّبْرُ فِيهِ كَقَبْضٍ عَلى الجَمْرِ؛ لِلْعامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ"؛ قالَ: وزادَنِي غَيْرُهُ: قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أجْرُ خَمْسِينَ مِنهُمْ؟ قالَ: "أجْرُ خَمْسِينَ مِنكُمْ"».
وفِي هَذِهِ الأخْبارِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لَهُما حالانِ؛ حالٌ يُمْكِنُ فِيها تَغْيِيرُ المُنْكَرِ؛ وإزالَتُهُ؛ فَفَرْضٌ عَلى مَن أمْكَنَهُ إزالَةُ ذَلِكَ بِيَدِهِ أنْ يُزِيلَهُ؛ وإزالَتُهُ بِاليَدِ تَكُونُ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها ألّا يُمْكِنَهُ إزالَتُهُ إلّا بِالسَّيْفِ؛ وأنْ يَأْتِيَ عَلى نَفْسِ فاعِلِ المُنْكَرِ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ كَمَن رَأى رَجُلًا قَصَدَهُ؛ أوْ قَصَدَ غَيْرَهُ بِقَتْلِهِ؛ أوْ بِأخْذِ مالِهِ؛ أوْ قَصَدَ الزِّنا بِامْرَأةٍ؛ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ وعَلِمَ أنَّهُ لا يَنْتَهِي إنْ أنْكَرَهُ بِالقَوْلِ؛ أوْ قاتَلَهُ بِما دُونَ السِّلاحِ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَقْتُلَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ – «"مَن رَأى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ"؛» فَإذا لَمْ يُمْكِنْهُ تَغْيِيرُهُ بِيَدِهِ إلّا بِقَتْلِ المُقِيمِ عَلى هَذا المُنْكَرِ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَقْتُلَهُ؛ فَرْضًا عَلَيْهِ؛ وإنْ غَلَبَ في ظَنِّهِ أنَّهُ إنْ أنْكَرَهُ بِيَدِهِ؛ ودَفْعَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ سِلاحٍ انْتَهى عَنْهُ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِهِ؛ وإنْ غَلَبَ في ظَنِّهِ أنَّهُ إنْ أنْكَرْهُ بِالدَّفْعِ بِيَدِهِ؛ أوْ بِالقَوْلِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَفْعُهُ عَنْهُ؛ ولَمْ يُمْكِنْهُ إزالَةُ هَذا المُنْكَرِ إلّا بِأنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ مِن غَيْرِ إنْذارٍ مِنهُ لَهُ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَقْتُلَهُ؛ وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ - في رَجُلٍ غَصَبَ مَتاعَ رَجُلٍ -: "وسِعَكَ قَتْلُهُ؛ حَتّى تَسْتَنْقِذَ المَتاعَ؛ وتَرُدَّهُ إلى صاحِبِهِ"؛ وكَذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ (p-٣١٨)فِي السّارِقِ إذا أخَذَ المَتاعَ: "وسِعَكَ أنْ تَتْبَعَهُ حَتّى تَقْتُلَهُ؛ إنْ لَمْ يَرُدَّ المَتاعَ"؛ قالَ مُحَمَّدٌ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - في اللِّصِّ الَّذِي يَنْقُبُ البُيُوتَ -: "يَسَعُكَ قَتْلُهُ"؛ وقالَ - في رَجُلٍ يُرِيدُ قَلْعَ سِنِّكَ -: "فَلَكَ أنْ تَقْتُلَهُ إذا كُنْتَ في مَوْضِعٍ لا يُعِينُكَ النّاسُ عَلَيْهِ"؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ فَأمَرَ بِقِتالِهِمْ؛ ولَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهم إلّا بَعْدَ الفَيْءِ إلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَرْكِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والمُنْكَرِ.
وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ"؛» يُوجِبُ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قَدْ أمَرَ بِتَغْيِيرِهِ بِيَدِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ أمْكَنَ ذَلِكَ؛ فَإذا لَمْ يُمْكِنْهُ تَغْيِيرُهُ إلّا بِالقَتْلِ فَعَلَيْهِ قَتْلُهُ؛ حَتّى يُزِيلَهُ؛ وكَذَلِكَ قُلْنا في أصْحابِ الضَّرائِبِ؛ والمُكُوسِ الَّتِي يَأْخُذُونَها مِن أمْتِعَةِ النّاسِ: "إنَّ دِماءَهم مُباحَةٌ؛ وواجِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلُهُمْ؛ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلَ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنهُمْ؛ مِن غَيْرِ إنْذارٍ مِنهُ لَهُ؛ ولا التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ بِالقَوْلِ"؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن حالِهِمْ أنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ؛ إذا كانُوا مُقْدِمِينَ عَلى ذَلِكَ؛ مَعَ العِلْمِ بِحَظْرِهِ؛ ومَتى أنْذَرَهم مَن يُرِيدُ الإنْكارَ عَلَيْهِمُ امْتَنَعُوا مِنهُ؛ حَتّى لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ؛ فَجائِزٌ قَتْلُ مَن كانَ مِنهم مُقِيمًا عَلى ذَلِكَ؛ وجائِزٌ - مَعَ ذَلِكَ - تَرْكُهُمْ؛ لِمَن خافَ إنْ أقْدَمَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ أنْ يُقْتَلَ؛ إلّا أنَّ عَلَيْهِ اجْتِنابَهُمْ؛ والغِلْظَةَ عَلَيْهِمْ بِما أمْكَنَ؛ وهِجْرانَهُمْ؛ وكَذَلِكَ حُكْمُ سائِرِ مَن كانَ مُقِيمًا عَلى شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي المُوبِقاتِ؛ مُصِرًّا عَلَيْها؛ مُجاهِرًا بِها؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَن ذَكَرْنا؛ في وُجُوبِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ بِما أمْكَنَ؛ وتَغْيِيرِ ما هم عَلَيْهِ بِيَدِهِ؛ وإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسانِهِ؛ وذَلِكَ إذا رَجا أنَّهُ إنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ أنْ يَزُولُوا عَنْهُ؛ ويَتْرُكُوهُ؛ فَإنْ لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ؛ وقَدْ غَلَبَ في ظَنِّهِ أنَّهم غَيْرُ قابِلِينَ مِنهُ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِمْ؛ وسِعَهُ السُّكُوتُ عَنْهُمْ؛ بَعْدَ أنْ يُجانِبَهُمْ؛ ويُظْهِرَ هِجْرانَهُمْ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسانِهِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ"؛» وقَوْلُهُ ﷺ: " فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ "؛ قَدْ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم إذا لَمْ يَزُولُوا عَنِ المُنْكَرِ فَعَلَيْهِ إنْكارُهُ بِقَلْبِهِ؛ سَواءٌ كانَ في تُقْيَةٍ؛ أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ "؛ مَعْناهُ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إزالَتُهُ بِالقَوْلِ؛ فَأباحَ لَهُ السُّكُوتَ في هَذِهِ الحالِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] -: "مُرْ بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ؛ ما قُبِلَ مِنكَ؛ فَإذا لَمْ يُقْبَلْ مِنكَ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ"؛ وحَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ أيْضًا؛ الَّذِي قَدَّمْناهُ؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قالَ ﷺ: «"اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا؛ وهَوًى مُتَّبَعًا؛ ودُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ؛ ودَعْ عَنْكَ العَوامَّ"؛» يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: إذا لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ (p-٣١٩)واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ؛ وآراءَهُمْ؛ فَأنْتَ في سَعَةٍ مِن تَرْكِهِمْ؛ وعَلَيْكَ نَفْسَكَ؛ ودَعْ أمْرَ العَوامِّ؛ وأباحَ تَرْكَ النَّكِيرِ بِالقَوْلِ فِيمَن هَذِهِ حالُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ لَهُ: قَدْ أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما فُعِلَ بِمَن أمْسَكَ عَنِ الوَعْظِ مِن أصْحابِ السَّبْتِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: "أنا أُعَرِّفُكَ ذَلِكَ؛ اقْرَإ الآيَةَ الثّانِيَةَ؛ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥] "؛ قالَ: فَقالَ لِي: أصَبْتَ؛ وكَسانِي حُلَّةً؛ فاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أهْلَكَ مَن عَمِلَ السُّوءَ؛ ومَن لَمْ يَنْهَ عَنْهُ؛ فَجَعَلَ المُمْسِكِينَ عَنْ إنْكارِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ فاعِلِيهِ في العَذابِ؛ وهَذا عِنْدَنا عَلى أنَّهم كانُوا راضِينَ بِأعْمالِهِمْ؛ غَيْرَ مُنْكِرِينَ لَها بِقُلُوبِهِمْ؛ وقَدْ نَسَبَ اللَّهُ (تَعالى) قَتْلَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ إلى مَن كانَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَهُودِ؛ الَّذِينَ كانُوا مُتَوالِينَ لِأسْلافِهِمُ القاتِلِينَ لِأنْبِيائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]؛ فَأضافَ القَتْلَ إلَيْهِمْ؛ وإنْ لَمْ يُباشِرُوهُ؛ ولَمْ يَقْتُلُوهُمْ؛ إذْ كانُوا راضِينَ بِأفْعالِ القاتِلِينَ؛ فَكَذَلِكَ ألْحَقَ اللَّهُ (تَعالى) مَن لَمْ يَنْهَ عَنِ السُّوءِ مِن أصْحابِ السَّبْتِ بِفاعِلِيهِ؛ إذْ كانُوا بِهِ راضِينَ؛ ولَهم عَلَيْهِ مُتَوالِينَ؛ فَإذا كانَ مُنْكِرًا لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ؛ ولا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ عَلى غَيْرِهِ؛ فَهو غَيْرُ داخِلٍ في وعِيدِ فاعِلِيهِ؛ بَلْ هو مِمَّنْ قالَ عَنْهُمُ اللَّهُ (تَعالى): ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؛ وحَدَّثَنا مَكْرَمُ بْنُ أحْمَدَ القاضِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ الكُوفِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحِمّانِيُّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبارَكِ يَقُولُ: لَمّا بَلَغَ أبا حَنِيفَةَ قَتْلُ إبْراهِيمَ الصّائِغِ بَكى؛ حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ سَيَمُوتُ؛ فَخَلَوْتُ بِهِ؛ فَقالَ: كانَ واللَّهِ رَجُلًا عاقِلًا؛ ولَقَدْ كُنْتُ أخافُ عَلَيْهِ هَذا الأمْرَ؛ قُلْتُ: وكَيْفَ كانَ سَبَبُهُ؟ قالَ: كانَ يَقْدُمُ ويَسْألُنِي؛ وكانَ شَدِيدَ البَذْلِ لِنَفْسِهِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ وكانَ شَدِيدَ الوَرَعِ؛ وكُنْتُ رُبَّما قَدَّمْتُ إلَيْهِ الشَّيْءَ فَيَسْألُنِي عَنْهُ؛ ولا يَرْضاهُ؛ ولا يَذُوقُهُ؛ ورُبَّما رَضِيَهُ فَأكْلَهُ؛ فَسَألَنِي عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ إلى أنِ اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَقالَ لِي: مُدَّ يَدَكَ حَتّى أُبايِعَكَ؛ فَأظْلَمَتِ الدُّنْيا بَيْنِي وبَيْنَهُ؛ فَقُلْتُ: ولِمَ؟ قالَ: دَعانِي إلى حَقٍّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ فامْتَنَعْتُ عَلَيْهِ؛ وقُلْتُ لَهُ: إنْ قامَ بِهِ رَجُلٌ وحْدَهُ قُتِلَ؛ ولَمْ يَصْلُحْ لِلنّاسِ أمْرٌ؛ ولَكِنْ إنْ وجَدَ عَلَيْهِ أعْوانًا صالِحِينَ؛ ورَجُلًا يَرْأسُ عَلَيْهِمْ؛ مَأْمُونًا عَلى دِينِ اللَّهِ؛ لا يَحُولُ؛ قالَ: وكانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ كُلَّما قَدِمَ عَلَيَّ؛ تَقاضِيَ الغَرِيمِ المُلِحِّ؛ كُلَّما قَدِمَ عَلَيَّ تَقاضانِي؛ فَأقُولُ لَهُ: هَذا أمْرٌ لا يَصْلُحُ بِواحِدٍ؛ ما أطاقَتْهُ الأنْبِياءُ؛ حَتّى عَقَدَتْ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ؛ وهَذِهِ فَرِيضَةٌ لَيْسَتْ كَسائِرِ الفَرائِضِ؛ لِأنَّ سائِرَ الفَرائِضِ يَقُومُ بِها الرَّجُلُ وحْدَهُ؛ وهَذا مَتى أُمِرَ بِهِ الرَّجُلُ وحْدَهُ (p-٣٢٠)أشاطَ بِدَمِهِ؛ وعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ؛ فَأخافُ عَلَيْهِ أنْ يُعِينَ عَلى قَتْلِ نَفْسِهِ؛ وإذا قُتِلَ الرَّجُلُ لَمْ يَجْتَرِئْ غَيْرُهُ أنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ؛ ولَكِنَّهُ يَنْتَظِرُ؛ فَقَدْ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]؛ ثُمَّ خَرَجَ إلى مَرْوَ؛ حَيْثُ كانَ أبُو مُسْلِمٍ؛ فَكَلَّمَهُ بِكَلامٍ غَلِيظٍ؛ فَأخَذَهُ؛ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهاءُ أهْلِ خُراسانَ؛ وعُبّادُهُمْ؛ حَتّى أطْلَقُوهُ؛ ثُمَّ عاوَدَهُ؛ فَزَجْرَهُ؛ ثُمَّ عاوَدَهُ؛ ثُمَّ قالَ: ما أجِدُ شَيْئًا أقُومُ بِهِ لِلَّهِ (تَعالى) أفْضَلَ مِن جِهادِكَ؛ ولَأُجاهِدَنَّكَ بِلِسانِي؛ لَيْسَ لِي قُوَّةٌ بِيَدِي؛ ولَكِنْ يَرانِي اللَّهُ وأنا أُبْغِضُكَ فِيهِ؛ فَقَتَلَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ القُرْآنِ؛ والآثارِ الوارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وُجُوبُ فَرْضِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ وبَيَّنّا أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ؛ إذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ؛ وجَبَ ألّا يَخْتَلِفَ في لُزُومِ فَرْضِهِ البَرُّ؛ والفاجِرُ؛ لِأنَّ تَرْكَ الإنْسانِ لِبَعْضِ الفُرُوضِ لا يُسْقِطُ عَنْهُ فُرُوضًا غَيْرَهُ؛ ألا تَرى أنَّ تَرْكَهُ لِلصَّلاةِ لا يُسْقِطُ عَنْهُ فَرْضَ الصَّوْمِ؛ وسائِرَ العِباداتِ؟ فَكَذَلِكَ مَن لَمْ يَفْعَلْ سائِرَ المَعْرُوفِ ولَمْ يَنْتَهِ عَنْ سائِرِ المَناكِيرِ؛ فَإنَّ فَرْضَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرُ ساقِطٍ عَنْهُ.
وقَدْ رَوى طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو؛ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «اِجْتَمَعَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أرَأيْتَ إنْ عَمِلْنا بِالمَعْرُوفِ؛ حَتّى لا يَبْقى مِنَ المَعْرُوفِ شَيْءٌ إلّا عَمِلْناهُ؛ وانْتَهَيْنا عَنِ المُنْكَرِ؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ المُنْكَرِ إلّا انْتَهَيْنا عَنْهُ؛ أيَسَعُنا ألّا نَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ؛ ولا نَنْهى عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: "مُرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ وإنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ كُلِّهِ"؛» فَأجْرى النَّبِيُّ ﷺ فَرْضَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مُجْرى سائِرِ الفُرُوضِ؛ في لُزُومِ القِيامِ بِهِ؛ مَعَ التَّقْصِيرِ في بَعْضِ الواجِباتِ.
ولَمْ يَدْفَعْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ؛ وفُقَهائِها؛ سَلَفِهِمْ وخَلَفِهِمْ؛ وُجُوبَ ذَلِكَ؛ إلّا قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِ؛ وجُهّالِ أصْحابِ الحَدِيثِ؛ فَإنَّهم أنْكَرُوا قِتالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ؛ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِالسِّلاحِ؛ وسَمَّوُا الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فِتْنَةً؛ إذا احْتِيجَ فِيهِ إلى حَمْلِ السِّلاحِ؛ وقِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ؛ مَعَ ما قَدْ سَمِعُوا فِيهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ (تَعالى): ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ وما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ مِن وُجُوبِ قِتالِها بِالسَّيْفِ؛ وغَيْرِهِ؛ وزَعَمُوا مَعَ ذَلِكَ أنَّ السُّلْطانَ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ؛ والجَوْرُ؛ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وإنَّما يُنْكَرُ عَلى غَيْرِ السُّلْطانِ؛ بِالقَوْلِ؛ أوْ بِاليَدِ؛ بِغَيْرِ سِلاحٍ؛ فَصارُوا شَرًّا عَلى الأُمَّةِ مِن أعْدائِها المُخالِفِينَ لَها؛ لِأنَّهم أقْعَدُوا النّاسَ (p-٣٢١)عَنْ قِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ؛ وعَنِ الإنْكارِ عَلى السُّلْطانِ الظُّلْمَ والجَوْرَ؛ حَتّى أدّى ذَلِكَ إلى تَغَلُّبِ الفُجّارِ؛ بَلِ المَجُوسِ؛ وأعْداءِ الإسْلامِ؛ حَتّى ذَهَبَتِ الثُّغُورُ؛ وشاعَ الظُّلْمُ؛ وخَرِبَتِ البِلادُ؛ وذَهَبَ الدِّينُ والدُّنْيا؛ وظَهَرَتِ الزَّنْدَقَةُ؛ والغُلُوُّ؛ ومَذاهِبُ الثَّنَوِيَّةِ؛ والخُرَّمِيَّةِ؛ والمَزْدَكِيَّةِ؛ والَّذِي جَلَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ والإنْكارِ عَلى السُّلْطانِ الجائِرِ؛ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ قالَ: أخْبَرَنا إسْرائِيلُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جُحادَةَ؛ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ؛ أوْ أمِيرٍ جائِرٍ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قالَ: أخْبَرَنِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُصْعَبٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أبا عُمارَةَ قالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ رَشِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا حَنِيفَةَ يَقُولُ: أنا حَدَّثْتُ إبْراهِيمَ الصّائِغَ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"سَيِّدُ الشُّهَداءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ ورَجُلٌ قامَ إلى إمامٍ جائِرٍ؛ فَأمَرَهُ؛ ونَهاهُ؛ فَقَتَلَهُ"».
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]؛ قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ نَفْيَ إرادَةِ الظُّلْمِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَلا يُرِيدُ هو أنْ يَظْلِمَهُمْ؛ ولا يُرِيدُ أيْضًا ظُلْمَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّهُما سَواءٌ في مَنزِلَةِ القُبْحِ؛ ولَوْ جازَ أنْ يُرِيدَ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ؛ لَجازَ أنْ يُرِيدَ ظُلْمَهُ لَهُمْ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا فارِقَ في العُقُولِ بَيْنَ مَن أرادَ ظُلْمَ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ؛ وبَيْنَ مَن أرادَ ظُلْمَ إنْسانٍ لِغَيْرِهِ؛ وأنَّهُما سَواءٌ في القُبْحِ؟ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ إرادَتُهُ لِلظُّلْمِ مُنْتَفِيَةً مِنهُ؛ ومِن غَيْرِهِ.
آل عمران 3:110
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ قِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ﴾؛ وُجُوهٌ؛ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ يَعْنِي: فِيما تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ والخَبَرُ بِهِ؛ مِن ذِكْرِ الأُمَمِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ؛ قالَ الحَسَنُ: "نَحْنُ آخِرُها؛ وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ"؛ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ؛ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ - قالَ: "أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها؛ وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ (تَعالى)"؛» فَكانَ مَعْناهُ: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِها أنْبِياءَهُ؛ فِيما أنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن كُتُبِهِ"؛ وقِيلَ: إنَّ دُخُولَ "كانَ"؛ وخُرُوجَها بِمَنزِلَةِ "إلّا"؛ بِمِقْدارِ دُخُولِها لِتَأْكِيدِ وُقُوعِ الأمْرِ لا مَحالَةَ؛ إذْ هو بِمَنزِلَةِ ما قَدْ كانَ في الحَقِيقَةِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ( وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )؛ ( وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )؛ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ وُقُوعُ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ"؛ بِمَعْنى: "حَدَثْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ"؛ فَيَكُونُ "خَيْرَ أُمَّةٍ"؛ بِمَعْنى (p-٣٢٢)الحالِ؛ وقِيلَ: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ"؛ وقِيلَ: "كُنْتُمْ مُنْذُ أنْتُمْ"؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ إجْماعِ الأُمَّةِ؛ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ"؛ ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ اللَّهِ صِفَةَ مَدْحٍ إلّا وهم قائِمُونَ بِحَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ غَيْرَ ضالِّينَ؛ والثّانِي إخْبارُهُ بِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ فِيما أُمِرُوا بِهِ؛ فَهو أمْرُ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ هو أمْرُ اللَّهِ(تَعالى)؛ والثّالِثُ أنَّهم يُنْكِرُونَ المُنْكَرَ؛ والمُنْكَرُ هو ما نَهى اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ؛ ولا يَسْتَحِقُّونَ هَذِهِ الصِّفَةَ إلّا وهم لِلَّهِ رِضًا؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما أنْكَرَتْهُ الأُمَّةُ فَهو مُنْكَرٌ؛ وما أمَرَتْ بِهِ فَهو مَعْرُوفٌ؛ وهو حُكْمُ اللَّهِ (تَعالى)؛ وفي ذَلِكَ ما يَمْنَعُ وُقُوعَ إجْماعِهِمْ عَلى ضَلالٍ؛ ويُوجِبُ أنَّ ما يَحْصُلُ عَلَيْهِ إجْماعُهم هو حُكْمُ اللَّهِ (تَعالى).
آل عمران 3:111
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا أعْداءَ المُؤْمِنِينَ؛ وهم حَوالَيِ المَدِينَةِ؛ بَنُو النَّضِيرِ؛ وبَنُو قُرَيْظَةُ؛ وبَنُو قَيْنُقاعَ؛ ويَهُودُ خَيْبَرَ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّهم لا يَضُرُّونَهم إلّا أذًى؛ مِن جِهَةِ القَوْلِ؛ وأنَّهم مَتى قاتَلُوهم ولَّوُا الأدْبارَ؛ فَكانَ كَما أخْبَرَ؛ وذَلِكَ مِن عِلْمِ الغَيْبِ.
آل عمران 3:112
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾؛ وهو يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُمْ؛ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ صارُوا كَذَلِكَ مِنَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ؛ إلّا أنْ يَجْعَلَ المُسْلِمُونَ لَهم عَهْدَ اللَّهِ (تَعالى) وذِمَّتَهُ؛ لِأنَّ الحَبْلَ في هَذا المَوْضِعِ هو العَهْدُ؛ والأمانُ.
آل عمران 3:113
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ؛ قالَتِ اليَهُودُ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) هَذِهِ الآيَةَ"؛ قالَ الحَسَنُ: قَوْلَهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾؛ يَعْنِي: "عادِلَةٌ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "ثابِتَةٌ عَلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)"؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "قائِمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)".
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ السُّجُودُ المَعْرُوفُ في الصَّلاةِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: يُصَلُّونَ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في السُّجُودِ؛ ولا في الرُّكُوعِ؛ فَجَعَلُوا الواوَ حالًا؛ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ؛ وقالَ الأوَّلُونَ: اَلْواوُ هَهُنا لِلْعَطْفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ".
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ صِفَةٌ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ (تَعالى) ورَسُولِهِ؛ ودَعَوُا النّاسَ إلى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ؛ والإنْكارِ عَلى مَن خالَفَهُ؛ فَكانُوا مِمَّنْ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ (تَعالى): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وقَدْ بَيَّنّا ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن وُجُوبِ (p-٣٢٣)الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَجِبُ إزالَةُ المُنْكَرِ مِن طَرِيقِ اعْتِقادِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ؛ عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ؛ كَما وجَبَ في سائِرِ المَناكِيرِ مِنَ الأفْعالِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا عَلى وجْهَيْنِ؛ فَمَن كانَ مِنهم داعِيًا إلى مَقالَتِهِ؛ فَيُضِلَّ النّاسَ بِشُبْهَتِهِ؛ فَإنَّهُ تَجِبُ إزالَتُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ بِما أمْكَنَ؛ ومَن كانَ مِنهم مُعْتَقِدًا ذَلِكَ في نَفْسِهِ؛ غَيْرَ داعٍ إلَيْها؛ فَإنَّما يُدْعى إلى الحَقِّ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الحَقِّ؛ وتَبَيُّنِ فَسادِ شُبْهَتِهِ؛ ما لَمْ يَخْرُجْ عَلى أهْلِ الحَقِّ بِسَيْفِهِ؛ ويَكُنْ لَهُ أصْحابٌ يَمْتَنِعُ بِهِمْ عَنِ الإمامِ؛ فَإنْ خَرَجَ داعِيًا إلى مَقالَتِهِ؛ مُقاتِلًا عَلَيْها؛ فَهَذا الباغِيَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِقِتالِهِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ بِالكُوفَةِ يَخْطُبُ؛ فَقالَتِ الخَوارِجُ - مِن ناحِيَةِ المَسْجِدِ -: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ؛ فَقَطَعَ خُطْبَتَهُ وقالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطِلٌ؛ أما إنَّ لَهم عِنْدَنا ثَلاثًا؛ ألّا نَمْنَعَهم حَقَّهم مِنَ الفَيْءِ؛ ما كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ أيْدِينا؛ ولا نَمْنَعَهم مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرُوا فِيها اسْمَهُ؛ ولا نُقاتِلَهم حَتّى يُقاتِلُونا"؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَجِبُ قِتالُهم حَتّى يُقاتِلُونا؛ وكانَ ابْتَدَأهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - بِالدُّعاءِ؛ حِينَ نَزَلُوا حَرُوراءَ؛ وحاجَّهُمْ؛ حَتّى رَجَعَ بَعْضُهُمْ؛ وذَلِكَ أصْلٌ في سائِرِ المُتَأوِّلِينَ مِن أهْلِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ؛ أنَّهم ما لَمْ يَخْرُجُوا داعِينَ إلى مَذاهِبِهِمْ لَمْ يُقاتَلُوا؛ وأُقِرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ ما لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ المَذْهَبُ كُفْرًا؛ فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إقْرارُ أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِ؛ إلّا بِجِزْيَةٍ؛ ولَيْسَ يَجُوزُ إقْرارُ مَن كَفَرَ بِالتَّأْوِيلِ عَلى الجِزْيَةِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المُرْتَدِّ؛ لِإعْطائِهِ بَدِيًّا جُمْلَةَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالرَّسُولِ؛ فَمَتى نَقَضَ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ صارَ مُرْتَدًّا؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهم بِمَنزِلَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ كَذَلِكَ كانَ يَقُولُ أبُو الحَسَنِ؛ فَتَجُوزُ عِنْدَهُ مُناكَحَتُهُمْ؛ ولا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُزَوِّجُوهُمْ؛ وتُؤْكَلَ ذَبائِحُهُمْ؛ لِأنَّهم مُنْتَحِلُونَ؛ بِحُكْمِ القُرْآنِ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِهِ؛ كَما أنَّ مَنِ انْتَحَلَ النَّصْرانِيَّةَ؛ أوِ اليَهُودِيَّةَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمْسِكًا بِسائِرِ شَرائِعِهِمْ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]؛ وقالَ مُحَمَّدٌ - في الزِّياداتِ -: لَوْ أنَّ رَجُلًا دَخَلَ في بَعْضِ الأهْواءِ الَّتِي يَكْفُرُ أهْلُها؛ كانَ في وصاياهُ بِمَنزِلَةِ المُسْلِمِينَ؛ يَجُوزُ مِنها ما يَجُوزُ مِن وصايا المُسْلِمِينَ؛ ويَبْطُلُ مِنها ما يَبْطُلُ مِن وصاياهُمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى مُوافَقَةِ المَذْهَبِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ في بَعْضِ الوُجُوهِ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهم بِمَنزِلَةِ المُنافِقِينَ؛ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَأُقِرُّوا عَلى نِفاقِهِمْ؛ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى) بِكُفْرِهِمْ؛ ونِفاقِهِمْ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهم كَأهْلِ الذِّمَّةِ؛ ومَن أبى ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُما؛ بِأنَّ المُنافِقِينَ لَوْ وقَفْنا عَلى نِفاقِهِمْ لَمْ نُقِرَّهم عَلَيْهِ؛ ولَمْ نَقْبَلْ (p-٣٢٤)مِنهم إلّا الإسْلامَ؛ أوِ السَّيْفَ؛ وأهْلُ الذِّمَّةِ إنَّما أقَرُّوا بِالجِزْيَةِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أخْذُ الجِزْيَةِ مِنَ الكُفّارِ المُتَأوِّلِينَ المُنْتَحِلِينَ لِلْإسْلامِ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُقَرُّوا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؛ فَحُكْمُهم في ذَلِكَ؛ مَتى وقَفْنا في مَذْهَبِ واحِدٍ مِنهُمُ عَلى اعْتِقادِ الكُفْرِ؛ لَمْ يَجُزْ إقْرارُهُ عَلَيْهِ؛ وأُجْرِيَ عَلَيْهِ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ؛ ولا يُقْتَصَرُ في إجْرائِهِ حُكْمَ الكُفّارِ عَلى إطْلاقِ لَفْظٍ - عَسى أنْ يَكُونَ غَلَطُهُ فِيهِ؛ دُونَ الِاعْتِقادِ - دُونَ أنْ يُبَيِّنَ عَنْ ضَمِيرِهِ؛ فَيُعْرِبَ لَنا عَنِ اعْتِقادِهِ بِما يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ؛ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ عَلَيْهِ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ؛ مِنَ الِاسْتِتابَةِ؛ فَإنْ تابَ؛ وإلّا قُتِلَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:114
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ؛ قالَتِ اليَهُودُ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) هَذِهِ الآيَةَ"؛ قالَ الحَسَنُ: قَوْلَهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾؛ يَعْنِي: "عادِلَةٌ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "ثابِتَةٌ عَلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)"؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "قائِمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)".
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ السُّجُودُ المَعْرُوفُ في الصَّلاةِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: يُصَلُّونَ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في السُّجُودِ؛ ولا في الرُّكُوعِ؛ فَجَعَلُوا الواوَ حالًا؛ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ؛ وقالَ الأوَّلُونَ: اَلْواوُ هَهُنا لِلْعَطْفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ".
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ صِفَةٌ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ (تَعالى) ورَسُولِهِ؛ ودَعَوُا النّاسَ إلى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ؛ والإنْكارِ عَلى مَن خالَفَهُ؛ فَكانُوا مِمَّنْ قالَ فِيهِمُ اللَّهُ (تَعالى): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وقَدْ بَيَّنّا ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن وُجُوبِ (p-٣٢٣)الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَجِبُ إزالَةُ المُنْكَرِ مِن طَرِيقِ اعْتِقادِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ؛ عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ؛ كَما وجَبَ في سائِرِ المَناكِيرِ مِنَ الأفْعالِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا عَلى وجْهَيْنِ؛ فَمَن كانَ مِنهم داعِيًا إلى مَقالَتِهِ؛ فَيُضِلَّ النّاسَ بِشُبْهَتِهِ؛ فَإنَّهُ تَجِبُ إزالَتُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ بِما أمْكَنَ؛ ومَن كانَ مِنهم مُعْتَقِدًا ذَلِكَ في نَفْسِهِ؛ غَيْرَ داعٍ إلَيْها؛ فَإنَّما يُدْعى إلى الحَقِّ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الحَقِّ؛ وتَبَيُّنِ فَسادِ شُبْهَتِهِ؛ ما لَمْ يَخْرُجْ عَلى أهْلِ الحَقِّ بِسَيْفِهِ؛ ويَكُنْ لَهُ أصْحابٌ يَمْتَنِعُ بِهِمْ عَنِ الإمامِ؛ فَإنْ خَرَجَ داعِيًا إلى مَقالَتِهِ؛ مُقاتِلًا عَلَيْها؛ فَهَذا الباغِيَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِقِتالِهِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ كانَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ بِالكُوفَةِ يَخْطُبُ؛ فَقالَتِ الخَوارِجُ - مِن ناحِيَةِ المَسْجِدِ -: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ؛ فَقَطَعَ خُطْبَتَهُ وقالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطِلٌ؛ أما إنَّ لَهم عِنْدَنا ثَلاثًا؛ ألّا نَمْنَعَهم حَقَّهم مِنَ الفَيْءِ؛ ما كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ أيْدِينا؛ ولا نَمْنَعَهم مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرُوا فِيها اسْمَهُ؛ ولا نُقاتِلَهم حَتّى يُقاتِلُونا"؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَجِبُ قِتالُهم حَتّى يُقاتِلُونا؛ وكانَ ابْتَدَأهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - بِالدُّعاءِ؛ حِينَ نَزَلُوا حَرُوراءَ؛ وحاجَّهُمْ؛ حَتّى رَجَعَ بَعْضُهُمْ؛ وذَلِكَ أصْلٌ في سائِرِ المُتَأوِّلِينَ مِن أهْلِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ؛ أنَّهم ما لَمْ يَخْرُجُوا داعِينَ إلى مَذاهِبِهِمْ لَمْ يُقاتَلُوا؛ وأُقِرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ ما لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ المَذْهَبُ كُفْرًا؛ فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إقْرارُ أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِ؛ إلّا بِجِزْيَةٍ؛ ولَيْسَ يَجُوزُ إقْرارُ مَن كَفَرَ بِالتَّأْوِيلِ عَلى الجِزْيَةِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المُرْتَدِّ؛ لِإعْطائِهِ بَدِيًّا جُمْلَةَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالرَّسُولِ؛ فَمَتى نَقَضَ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ صارَ مُرْتَدًّا؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهم بِمَنزِلَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ كَذَلِكَ كانَ يَقُولُ أبُو الحَسَنِ؛ فَتَجُوزُ عِنْدَهُ مُناكَحَتُهُمْ؛ ولا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُزَوِّجُوهُمْ؛ وتُؤْكَلَ ذَبائِحُهُمْ؛ لِأنَّهم مُنْتَحِلُونَ؛ بِحُكْمِ القُرْآنِ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِهِ؛ كَما أنَّ مَنِ انْتَحَلَ النَّصْرانِيَّةَ؛ أوِ اليَهُودِيَّةَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمْسِكًا بِسائِرِ شَرائِعِهِمْ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]؛ وقالَ مُحَمَّدٌ - في الزِّياداتِ -: لَوْ أنَّ رَجُلًا دَخَلَ في بَعْضِ الأهْواءِ الَّتِي يَكْفُرُ أهْلُها؛ كانَ في وصاياهُ بِمَنزِلَةِ المُسْلِمِينَ؛ يَجُوزُ مِنها ما يَجُوزُ مِن وصايا المُسْلِمِينَ؛ ويَبْطُلُ مِنها ما يَبْطُلُ مِن وصاياهُمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى مُوافَقَةِ المَذْهَبِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ في بَعْضِ الوُجُوهِ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهم بِمَنزِلَةِ المُنافِقِينَ؛ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَأُقِرُّوا عَلى نِفاقِهِمْ؛ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى) بِكُفْرِهِمْ؛ ونِفاقِهِمْ؛ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهم كَأهْلِ الذِّمَّةِ؛ ومَن أبى ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُما؛ بِأنَّ المُنافِقِينَ لَوْ وقَفْنا عَلى نِفاقِهِمْ لَمْ نُقِرَّهم عَلَيْهِ؛ ولَمْ نَقْبَلْ (p-٣٢٤)مِنهم إلّا الإسْلامَ؛ أوِ السَّيْفَ؛ وأهْلُ الذِّمَّةِ إنَّما أقَرُّوا بِالجِزْيَةِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أخْذُ الجِزْيَةِ مِنَ الكُفّارِ المُتَأوِّلِينَ المُنْتَحِلِينَ لِلْإسْلامِ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُقَرُّوا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؛ فَحُكْمُهم في ذَلِكَ؛ مَتى وقَفْنا في مَذْهَبِ واحِدٍ مِنهُمُ عَلى اعْتِقادِ الكُفْرِ؛ لَمْ يَجُزْ إقْرارُهُ عَلَيْهِ؛ وأُجْرِيَ عَلَيْهِ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ؛ ولا يُقْتَصَرُ في إجْرائِهِ حُكْمَ الكُفّارِ عَلى إطْلاقِ لَفْظٍ - عَسى أنْ يَكُونَ غَلَطُهُ فِيهِ؛ دُونَ الِاعْتِقادِ - دُونَ أنْ يُبَيِّنَ عَنْ ضَمِيرِهِ؛ فَيُعْرِبَ لَنا عَنِ اعْتِقادِهِ بِما يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ؛ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ عَلَيْهِ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ؛ مِنَ الِاسْتِتابَةِ؛ فَإنْ تابَ؛ وإلّا قُتِلَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:118
بابُ الِاسْتِعانَةِ بِأهْلِ الذِّمَّةِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ اَلْآيَةَ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: بِطانَةُ الرَّجُلِ: خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ؛ ويَثِقُ بِهِمْ في أمْرِهِ؛ فَنَهى اللَّهُ (تَعالى) المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّخِذُوا أهْلَ الكُفْرِ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ؛ وأنْ يَسْتَعِينُوا بِهِمْ في خَواصِّ أُمُورِهِمْ؛ وأخْبَرَ عَنْ ضَمائِرِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾؛ يَعْنِي: لا يُقَصِّرُونَ فِيما يَجِدُونَ السَّبِيلَ إلَيْهِ مِن إفْسادِ أُمُورِكُمْ؛ لِأنَّ الخَبالَ هو الفَسادُ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾؛ قالَ السُّدِّيُّ: ودُّوا ضَلالَكم عَنْ دِينِكُمْ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ودُّوا أنْ تُعْنَتُوا في دِينِكُمْ؛ فَتُحْمَلُوا عَلى المَشَقَّةِ فِيهِ؛ لِأنَّ أصْلَ العَنَتِ المَشَقَّةُ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ مَحَبَّتِهِمْ لِما يَشُقُّ عَلَيْكُمْ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ في أُمُورِ المُسْلِمِينَ؛ مِنَ العِمالاتِ؛ والكَتَبَةِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أبا مُوسى اسْتَكْتَبَ رَجُلًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ؛ فَكَتَبَ إلَيْهِ يُعَنِّفُهُ؛ وتَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَرُدُّوهم إلى العِزِّ بَعْدَ أنَّ أذَلَّهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ورَوى أبُو حَيّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ فَرَقَدَ بْنِ صالِحٍ؛ عَنْ أبِي دُهْقانَةَ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إنَّ هَهُنا رَجُلًا مِن أهْلِ الحِيرَةِ؛ لَمْ نَرَ رَجُلًا أحْفَظَ مِنهُ؛ ولا أخَطَّ مِنهُ بِقَلَمٍ؛ فَإنْ رَأيْتَ أنْ نَتَّخِذَهُ كاتِبًا؛ قالَ: "قَدِ اتَّخَذْتُ إذًا بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ"؛ ورَوى هِلالٌ الطّائِيُّ؛ عَنْ وسْقٍ الرُّومِيِّ قالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِعُمَرَ؛ فَكانَ يَقُولُ لِي: "أسْلِمْ؛ فَإنَّكَ إنْ أسْلَمْتَ اسْتَعَنْتُ بِكَ عَلى أمانَةِ المُسْلِمِينَ؛ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ أسْتَعِينَ عَلى أمانَتِهِمْ مَن لَيْسَ مِنهُمْ"؛ فَأبَيْتُ؛ فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أعْتَقَنِي؛ فَقالَ: "اِذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ".
آل عمران 3:130
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾؛ قِيلَ: في مَعْنى ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾؛ وجْهانِ؛ أحَدُهُما المُضاعَفَةُ بِالتَّأْجِيلِ؛ أجَلًا بَعْدَ أجَلٍ؛ ولِكُلِّ (p-٣٢٥)أجْلِ قِسْطٌ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى المالِ؛ والثّانِي ما يُضاعِفُونَ بِهِ أمْوالَهُمْ؛ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَخْصُوصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ بِخِلافِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ تَحْرِيمِ الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً دَلالَةً عَلى إباحَتِهِ إذا لَمْ يَكُنْ أضْعافًا مُضاعَفَةً؛ فَلَمّا كانَ الرِّبا مَحْظُورًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ وبِعَدَمِها؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ في ذَلِكَ؛ ويَلْزَمُهم في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَها حُكْمٌ في الِاسْتِعْمالِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ قِيلَ: كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]؛ وكَما قالَ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]؛ أيْ: إلّا كَبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ ويُقالُ: إنَّما خَصَّ العَرْضَ بِالذِّكْرِ؛ دُونَ الطُّولِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطُّولَ أعْظَمُ؛ ولَوْ ذَكَرَ الطُّولَ لَمْ يَقُمْ مَقامَهُ في الدَّلالَةِ عَلى العِظَمِ؛ وهَذا يُحْتَجُّ بِهِ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» مَعْناهُ: كَذَكاةِ أُمِّهِ.
آل عمران 3:134
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾؛ في العُسْرِ؛ واليُسْرِ؛ يَعْنِي: في قِلَّتِهِ؛ وكَثْرَتِهِ؛ وقِيلَ: في حالِ السُّرُورِ؛ والغَمِّ؛ لا يَقْطَعُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَنْ إنْفاقِهِ في وُجُوهِ البِرِّ؛ فَمَدَحَ المُنْفِقِينَ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الكاظِمِينَ الغَيْظَ؛ والعافِينَ عَنِ النّاسِ؛ فَمَدَحَ مَن كَظَمَ غَيْظَهُ؛ وعَفا عَمَّنِ اجْتَرَمَ إلَيْهِ؛ وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ؛ ومَنِ اتَّقى اللَّهَ لَمْ يَصْنَعْ ما يُرِيدُ؛ ولَوْلا يَوْمُ القِيامَةِ لَكانَ غَيْرُ ما تَرَوْنَ"؛ وكَظْمُ الغَيْظِ؛ والعَفْوُ؛ مَندُوبٌ إلَيْهِما؛ مَوْعُودٌ بِالثَّوابِ عَلَيْهِما مِنَ اللَّهِ (تَعالى ).
آل عمران 3:145
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلا﴾؛ فِيهِ حَضٌّ عَلى الجِهادِ؛ مِن حَيْثُ لا يَمُوتُ أحَدٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وفِيهِ التَّسْلِيَةُ عَمّا يَلْحَقُ النَّفْسَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
اَلْآيَةَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾؛ قِيلَ فِيهِ: مَن عَمِلَ لِلدُّنْيا وفَّرَ حَظَّهُ المَقْسُومَ لَهُ فِيها؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ في الآخِرَةِ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ؛ وقِيلَ: إنَّ مَعْناهُ: مَن أرادَ بِجِهادِهِ ثَوابَ الدُّنْيا لَمْ يُحْرَمْ حَظَّهُ مِنَ الغَنِيمَةِ؛ وقِيلَ: مَن تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ (تَعالى) بِعَمَلِ النَّوافِلِ؛ ولَيْسَ هو مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الجَنَّةَ بِكُفْرِهِ؛ أوْ بِما يُحْبِطُ عَمَلَهُ؛ جُوزِيَ بِها في الدُّنْيا؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ في الآخِرَةِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ (p-٣٢٦)يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] .
آل عمران 3:146
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ والحَسَنُ: "عُلَماءُ وفُقَهاءُ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ: "جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾؛ فَإنَّهُ قِيلَ في الوَهْنِ بِأنَّهُ انْكِسارُ الجَسَدِ؛ ونَحْوِهِ؛ والضَّعْفُ نُقْصانُ القُوَّةِ؛ وقِيلَ في الِاسْتِكانَةِ: إنَّها إظْهارُ الضَّعْفِ؛ وقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ الخُضُوعُ؛ فَبَيَّنَ (تَعالى) أنَّهم لَمْ يَهِنُوا بِالخَوْفِ؛ ولا ضَعُفُوا لِنُقْصانِ القُوَّةِ؛ ولا اسْتَكانُوا بِالخُضُوعِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: "فَما وهَنُوا بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ؛ ولا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ؛ ولا اسْتَكانُوا لِما أصابَهم في الجِهادِ عَنْ دِينِهِمْ"؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ التَّرْغِيبُ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والحَضُّ عَلى سُلُوكِ طَرِيقِ العُلَماءِ مِن صَحابَةِ الأنْبِياءِ؛ والأمْرُ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في الصَّبْرِ عَلى الجِهادِ.
آل عمران 3:147
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فِيهِ حِكايَةُ دُعاءِ الرِّبِّيِّينَ مِن أتْباعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ؛ وتَعْلِيمٌ لَنا؛ لَأنْ نَقُولَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ عِنْدَ حُضُورِ القِتالِ؛ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَدْعُوا بِمِثْلِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) حَكى ذَلِكَ عَنْهم عَلى وجْهِ المَدْحِ لَهُمْ؛ والرِّضا بِقَوْلِهِمْ؛ لِنَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ؛ ونَسْتَحِقَّ مِنَ المَدْحِ كاسْتِحْقاقِهِمْ.
آل عمران 3:148
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾؛ قالَ قَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: "ثَوابُ الدُّنْيا الَّذِي أُوتُوهُ هو النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ؛ حَتّى قَهَرُوهُمْ؛ وظَفِرُوا بِهِمْ؛ وثَوابُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ"؛ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ اجْتِماعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لِواحِدٍ؛ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: "مَن عَمِلَ لِدُنْياهُ أضَرَّ بِآخِرَتِهِ؛ ومَن عَمِلَ لِآخِرَتِهِ أضَرَّ بِدُنْياهُ؛ وقَدْ يَجْمَعُهُما اللَّهُ (تَعالى) لِأقْوامٍ".
آل عمران 3:151
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾؛ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) حَكَمَ بِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم بُرْهانٌ عَلَيْهِ؛ والسُّلْطانُ هَهُنا هو البُرْهانُ؛ ويُقالُ: إنَّ أصْلَ السُّلْطانِ القُوَّةُ؛ فَسُلْطانُ المَلِكِ قُوَّتُهُ؛ والسُّلْطانُ الحُجَّةُ؛ لِقُوَّتِها عَلى قَمْعِ الباطِلِ؛ وقَهْرِ المُبْطِلِ بِها؛ والتَّسْلِيطُ عَلى الشَّيْءِ: اَلتَّقْوِيَةُ عَلَيْهِ؛ مَعَ الإغْراءِ بِهِ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِما أخْبَرَ بِهِ مِن إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ؛ حَتّى إنَّ العَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنِّي وهو عَلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ"؛» قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾؛ فِيهِ إخْبارٌ بِتَقَدُّمِ وعْدِ اللَّهِ (تَعالى) لَهم بِالنَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِمْ؛ ما لَمْ يَتَنازَعُوا ويَخْتَلِفُوا؛ فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ؛ ظَهَرُوا عَلى عَدُوِّهِمْ؛ وهَزَمُوهُمْ؛ وقَتَلُوا مِنهُمْ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أمَرَ الرُّماةَ بِالمُقامِ في مَوْضِعٍ؛ (p-٣٢٧)وألّا يَبْرَحُوا؛ فَعَصَوْا؛ وخَلَّوْا مَواضِعَهُمْ؛ حِينَ رَأوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ؛ وظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم باقِيَةٌ؛ واخْتَلَفُوا؛ وتَنازَعُوا؛ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِن ورائِهِمْ؛ فَقَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ مَن قَتَلُوا؛ بِتَرْكِهِمْ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وعِصْيانِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهم وجَدُوا مَوْعُودَ اللَّهِ (تَعالى) كَما وعَدَ قَبْلَ العِصْيانِ؛ فَلَمّا عَصَوْا وُكِلُوا إلى أنْفُسِهِمْ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) في جِهادِ العَدُوِّ مَضْمُونٌ بِاتِّباعِ أمْرِهِ؛ والِاجْتِهادِ في طاعَتِهِ؛ وعَلى هَذا جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ (تَعالى) لِلْمُسْلِمِينَ في نَصْرِهِمْ عَلى أعْدائِهِمْ؛ وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ إنَّما يُقاتِلُونَ المُشْرِكِينَ بِالدِّينِ؛ ويَرْجُونَ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ؛ وغَلَبَتَهم بِهِ؛ لا بِكَثْرَةِ العَدَدِ؛ ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]؛ فَأخْبَرَ أنَّ هَزِيمَتَهم إنَّما كانَتْ لِتَرْكِهِمْ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الإخْلالِ بِمَراكِزِهِمُ الَّتِي رُتِّبُوا فِيها؛ وقالَ (تَعالى): ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾؛ وإنَّما أُتُوا مِن قِبَلِ مَن كانَ يُرِيدُ الدُّنْيا مِنهُمْ؛ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِمَّنْ قاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيا؛ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾؛ وعَلى هَذا المَعْنى كانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ فَرَضَ عَلى العِشْرِينَ ألّا يَفِرُّوا مِن مِائَتَيْنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]؛ لِأنَّهُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُخْلِصِينَ لِنِيَّةِ الجِهادِ لِلَّهِ (تَعالى)؛ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يُرِيدُ الدُّنْيا؛ وكانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؛ رَجّالَةً؛ قَلِيلِي العُدَّةِ والسِّلاحِ؛ وعَدُوُّهم ألْفٌ؛ فُرْسانٌ؛ ورَجّالَةٌ بِالسِّلاحِ الشّاكِّ؛ فَمَنَحَهُمُ اللَّهُ أكْتافَهُمْ؛ ونَصَرَهم عَلَيْهِمْ؛ حَتّى قَتَلُوا كَيْفَ شاؤُوا؛ وأسَرُوا كَيْفَ شاؤُوا؛ ثُمَّ لَمّا خالَطَهم بَعْدَ ذَلِكَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ بَصائِرِهِمْ؛ وخُلُوصِ ضَمائِرِهِمْ؛ خَفَّفَ اللَّهُ (تَعالى) عَنِ الجَمِيعِ؛ فَقالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٦]؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ضَعْفَ قُوى الأبْدانِ؛ ولا عَدَمَ السِّلاحِ؛ لِأنَّ قُوى أبْدانِهِمْ كانَتْ باقِيَةً؛ وعَدَدُهم أكْثَرَ؛ وسِلاحُهم أوْفَرَ؛ وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهُ خالَطَهم مَن لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ البَصِيرَةِ مِثْلَ ما لِلْأوَّلِينَ؛ فالمُرادُ بِالضَّعْفِ هَهُنا ضَعْفُ النِّيَّةِ؛ وأجْرى الجَمِيعَ مُجْرًى واحِدًا في التَّخْفِيفِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَصْلَحَةِ تَمْيِيزُ ذَوِي البَصائِرِ مِنهم بِأعْيانِهِمْ؛ وأسْمائِهِمْ؛ مِن أهْلِ ضَعْفِ اليَقِينِ؛ وقِلَّةِ البَصِيرَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في يَوْمِ اليَمامَةِ؛ حِينَ انْهَزَمَ النّاسُ -: "أخْلِصُونا أخْلِصُونا"؛ يَعْنُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ.
آل عمران 3:152
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾؛ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) حَكَمَ بِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم بُرْهانٌ عَلَيْهِ؛ والسُّلْطانُ هَهُنا هو البُرْهانُ؛ ويُقالُ: إنَّ أصْلَ السُّلْطانِ القُوَّةُ؛ فَسُلْطانُ المَلِكِ قُوَّتُهُ؛ والسُّلْطانُ الحُجَّةُ؛ لِقُوَّتِها عَلى قَمْعِ الباطِلِ؛ وقَهْرِ المُبْطِلِ بِها؛ والتَّسْلِيطُ عَلى الشَّيْءِ: اَلتَّقْوِيَةُ عَلَيْهِ؛ مَعَ الإغْراءِ بِهِ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِما أخْبَرَ بِهِ مِن إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ؛ حَتّى إنَّ العَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنِّي وهو عَلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ"؛» قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾؛ فِيهِ إخْبارٌ بِتَقَدُّمِ وعْدِ اللَّهِ (تَعالى) لَهم بِالنَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِمْ؛ ما لَمْ يَتَنازَعُوا ويَخْتَلِفُوا؛ فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ؛ ظَهَرُوا عَلى عَدُوِّهِمْ؛ وهَزَمُوهُمْ؛ وقَتَلُوا مِنهُمْ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أمَرَ الرُّماةَ بِالمُقامِ في مَوْضِعٍ؛ (p-٣٢٧)وألّا يَبْرَحُوا؛ فَعَصَوْا؛ وخَلَّوْا مَواضِعَهُمْ؛ حِينَ رَأوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ؛ وظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم باقِيَةٌ؛ واخْتَلَفُوا؛ وتَنازَعُوا؛ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِن ورائِهِمْ؛ فَقَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ مَن قَتَلُوا؛ بِتَرْكِهِمْ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وعِصْيانِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهم وجَدُوا مَوْعُودَ اللَّهِ (تَعالى) كَما وعَدَ قَبْلَ العِصْيانِ؛ فَلَمّا عَصَوْا وُكِلُوا إلى أنْفُسِهِمْ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) في جِهادِ العَدُوِّ مَضْمُونٌ بِاتِّباعِ أمْرِهِ؛ والِاجْتِهادِ في طاعَتِهِ؛ وعَلى هَذا جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ (تَعالى) لِلْمُسْلِمِينَ في نَصْرِهِمْ عَلى أعْدائِهِمْ؛ وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ إنَّما يُقاتِلُونَ المُشْرِكِينَ بِالدِّينِ؛ ويَرْجُونَ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ؛ وغَلَبَتَهم بِهِ؛ لا بِكَثْرَةِ العَدَدِ؛ ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]؛ فَأخْبَرَ أنَّ هَزِيمَتَهم إنَّما كانَتْ لِتَرْكِهِمْ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الإخْلالِ بِمَراكِزِهِمُ الَّتِي رُتِّبُوا فِيها؛ وقالَ (تَعالى): ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾؛ وإنَّما أُتُوا مِن قِبَلِ مَن كانَ يُرِيدُ الدُّنْيا مِنهُمْ؛ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِمَّنْ قاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيا؛ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾؛ وعَلى هَذا المَعْنى كانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ فَرَضَ عَلى العِشْرِينَ ألّا يَفِرُّوا مِن مِائَتَيْنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]؛ لِأنَّهُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُخْلِصِينَ لِنِيَّةِ الجِهادِ لِلَّهِ (تَعالى)؛ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يُرِيدُ الدُّنْيا؛ وكانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؛ رَجّالَةً؛ قَلِيلِي العُدَّةِ والسِّلاحِ؛ وعَدُوُّهم ألْفٌ؛ فُرْسانٌ؛ ورَجّالَةٌ بِالسِّلاحِ الشّاكِّ؛ فَمَنَحَهُمُ اللَّهُ أكْتافَهُمْ؛ ونَصَرَهم عَلَيْهِمْ؛ حَتّى قَتَلُوا كَيْفَ شاؤُوا؛ وأسَرُوا كَيْفَ شاؤُوا؛ ثُمَّ لَمّا خالَطَهم بَعْدَ ذَلِكَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ بَصائِرِهِمْ؛ وخُلُوصِ ضَمائِرِهِمْ؛ خَفَّفَ اللَّهُ (تَعالى) عَنِ الجَمِيعِ؛ فَقالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٦]؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ضَعْفَ قُوى الأبْدانِ؛ ولا عَدَمَ السِّلاحِ؛ لِأنَّ قُوى أبْدانِهِمْ كانَتْ باقِيَةً؛ وعَدَدُهم أكْثَرَ؛ وسِلاحُهم أوْفَرَ؛ وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهُ خالَطَهم مَن لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ البَصِيرَةِ مِثْلَ ما لِلْأوَّلِينَ؛ فالمُرادُ بِالضَّعْفِ هَهُنا ضَعْفُ النِّيَّةِ؛ وأجْرى الجَمِيعَ مُجْرًى واحِدًا في التَّخْفِيفِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَصْلَحَةِ تَمْيِيزُ ذَوِي البَصائِرِ مِنهم بِأعْيانِهِمْ؛ وأسْمائِهِمْ؛ مِن أهْلِ ضَعْفِ اليَقِينِ؛ وقِلَّةِ البَصِيرَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في يَوْمِ اليَمامَةِ؛ حِينَ انْهَزَمَ النّاسُ -: "أخْلِصُونا أخْلِصُونا"؛ يَعْنُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ.
آل عمران 3:154
(p-٣٢٨)قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾؛ قالَ طَلْحَةُ؛ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوامِّ؛ وقَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "كانَ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ بَعْدَ هَزِيمَةِ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وتَوَعَّدَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالرُّجُوعِ؛ فَكانَ مَن ثَبَتَ مِنَ المُسْلِمِينَ تَحْتَ الحُجُفِ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) الأمَنَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَنامُوا؛ دُونَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أرْعَبَهُمُ الخَوْفُ لِسُوءِ الظَّنِّ؛ قالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: فَنِمْنا حَتّى اصْطَفَقَتِ الحُجُفُ مِنَ النُّعاسِ؛ ولَمْ يُصِبِ المُنافِقِينَ ذَلِكَ؛ بَلْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ؛ فَقالَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمِعْتُ - وأنا بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ - مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ؛ وناسًا مِنَ المُنافِقِينَ؛ يَقُولُونَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ؛ وهَذا مِن لُطْفِ اللَّهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإظْهارِ أعْلامِ النُّبُوَّةِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ الَّتِي العَدُوُّ فِيها مُطِلٌّ عَلَيْهِمْ؛ وقَدِ انْهَزَمَ عَنْهم كَثِيرٌ مِن أعْوانِهِمْ؛ وقَدْ قَتَلُوا مَن قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ فَيَنامُونَ؛ وهم مُواجِهُونَ العَدُوَّ؛ في الوَقْتِ الَّذِي يَطِيرُ فِيهِ النُّعاسُ عَمَّنْ شاهَدَهُ مِمَّنْ لا يُقاتِلُ؛ فَكَيْفَ بِمَن حَضَرَ القِتالَ والعَدُوُّ قَدْ أشَرَعُوا فِيهِمُ الأسِنَّةَ؛ وشَهَرُوا سُيُوفَهم لِقَتْلِهِمْ؛ واسْتِئْصالِهِمْ؟ وفي ذَلِكَ أعْظَمُ الدَّلائِلِ؛ وأكْبَرُ الحُجَجِ في صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها وُقُوعُ الأمَنَةِ مَعَ اسْتِعْلاءِ العَدُوِّ؛ مِن غَيْرِ مَدَدٍ آتاهُمْ؛ ولا نِكايَةٍ في العَدُوِّ؛ ولا انْصِرافِهِمْ عَنْهُمْ؛ ولا قِلَّةِ عَدَدِهِمْ؛ فَيُنَزِّلُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى قُلُوبِهِمُ الأمَنَةَ؛ وذَلِكَ في أهْلِ الإيمانِ واليَقِينِ خاصَّةً؛ والثّانِي: وُقُوعُ النُّعاسِ عَلَيْهِمْ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ الَّتِي يَطِيرُ في مِثْلِها النُّعاسُ عَمَّنْ شاهَدَها؛ بَعْدَ الِانْصِرافِ والرُّجُوعِ؛ فَكَيْفَ في حالِ المُشاهَدَةِ وقَصْدِ العَدُوِّ نَحْوَهم لِاسْتِئْصالِهِمْ؛ وقَتْلِهِمْ؟ والثّالِثُ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ حَتّى خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الأمَنَةِ والنُّعاسِ؛ دُونَ المُنافِقِينَ؛ فَكانَ المُؤْمِنُونَ في غايَةِ الأمْنِ والطُّمَأْنِينَةِ؛ والمُنافِقُونَ في غايَةِ الهَلَعِ؛ والخَوْفِ؛ والقَلَقِ؛ والِاضْطِرابِ؛ فَسُبْحانَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ الَّذِي لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ.
آل عمران 3:159
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ قِيلَ: إنَّ "ما" هَهُنا صِلَةٌ؛ مَعْناهُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ؛ كَما قالَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]؛ واتَّفَقَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى ذَلِكَ؛ وقالُوا: مَعْناها التَّأْكِيدُ؛ وحُسْنُ النَّظْمِ؛ كَما قالَ الأعْشى:
؎فاذْهَبِي ما إلَيْكِ أدْرَكَنِي الحِلْـ ∗∗∗ ـمُ عَدانِي عَنْ هَيْجِكم إشْفاقِي
(p-٣٢٩)وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن نَفى أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ مَجازٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ "ما" هَهُنا مَجازٌ؛ وإسْقاطُها لا يُغَيِّرُ المَعْنى.
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾؛ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اسْتِعْمالِ اللِّينِ والرِّفْقِ؛ وتَرْكِ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ (تَعالى )؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى) لِمُوسى وهارُونَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] .
* *
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾؛ اِخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْنى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) إيّاهُ بِالمُشاوَرَةِ مَعَ اسْتِغْنائِهِ بِالوَحْيِ عَنْ تَعَرُّفِ صَوابِ الرَّأْيِ مِنَ الصَّحابَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: "إنَّما أمَرَهُ بِها تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ؛ ورَفْعًا مِن أقْدارِهِمْ؛ إذْ كانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ؛ ويُرْجَعُ إلى رَأْيِهِ"؛ قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "أمَرَهُ بِالمُشاوَرَةِ لِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِيها؛ ولا تَراها مَنقَصَةً؛ كَما مَدَحَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِأنَّ أمْرَهم شُورى بَيْنَهُمْ"؛ وقالَ الحَسَنُ؛ والضَّحّاكُ: "جَمَعَ لَهم بِذَلِكَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا في المُشاوَرَةِ؛ لِيَكُونَ لِإجْلالِ الصَّحابَةِ؛ ولِتَقْتَدِيَ الأُمَّةُ بِهِ في المُشاوَرَةِ"؛ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: "إنَّما أمَرَهُ بِالمُشاوَرَةِ فِيما لَمْ يَنُصَّ لَهُ فِيهِ عَلى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ"؛ فَمِنَ القائِلِينَ بِذَلِكَ مَن يَقُولُ: "إنَّما هو في أُمُورِ الدُّنْيا خاصَّةً"؛ وهُمُ الَّذِينَ يَأْبَوْنَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ شَيْئًا مِن أُمُورِ الدِّينِ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ؛ وإنَّما هو في أُمُورِ الدُّنْيا خاصَّةً؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِينُ بِآرائِهِمْ في ذَلِكَ؛ ويَتَنَبَّهَ بِها عَلى أشْياءَ مِن وُجُوهِ التَّدْبِيرِ؛ ما جائِزٌ أنْ يَفْعَلَها لَوْلا المُشاوَرَةُ واسْتِشارَةُ آراءِ الصَّحابَةِ؛ وقَدْ أشارَ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالنُّزُولِ عَلى الماءِ؛ فَقَبِلَ مِنهُ؛ وأشارَ عَلَيْهِ السَّعْدانِ - سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؛ وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - يَوْمَ الخَنْدَقِ بِتَرْكِ مُصالَحَةِ غَطَفانَ عَلى بَعْضِ ثِمارِ المَدِينَةِ لِيَنْصَرِفُوا فَقَبِلَ مِنهُمْ؛ وخَرَقَ الصَّحِيفَةَ في أشْياءَ مِن نَحْوِ هَذا مِن أُمُورِ الدُّنْيا؛ وقالَ آخَرُونَ: كانَ مَأْمُورًا بِمُشاوَرَتِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ والحَوادِثِ الَّتِي لا تَوْقِيفَ فِيها عَنِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وفي أُمُورِ الدُّنْيا أيْضًا؛ مِمّا طَرِيقُهُ الرَّأْيُ وغالِبُ الظَّنِّ؛ وقَدْ شاوَرَهم يَوْمَ بَدْرٍ في الأُسارى؛ وكانَ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ وكانَ ﷺ إذا شاوَرَهم فَأظْهَرُوا آراءَهُمُ ارْتَأى مَعَهُمْ؛ وعَمِلَ بِما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ؛ وكانَ في ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الفَوائِدِ؛ أحَدُها إعْلامُ النّاسِ أنَّ ما لا نَصَّ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ فَسَبِيلُ اسْتِدْراكِ حُكْمِهِ الِاجْتِهادُ؛ وغالِبُ الظَّنِّ؛ والثّانِي إشْعارُهم بِمَنزِلَةِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وأنَّهم أهْلُ الِاجْتِهادِ؛ وجائِزٌ اتِّباعُ آرائِهِمْ؛ إذْ رَفَعَهُمُ اللَّهُ إلى المَنزِلَةِ الَّتِي فِيها يُشاوِرُهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ ويَرْضى اجْتِهادَهُمْ؛ وتَحَرِّيهِمْ لِمُوافَقَةِ النُّصُوصِ مِن (p-٣٣٠)أحْكامِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والثّالِثُ أنَّ باطِنَ ضَمائِرِهِمْ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى يَقِينِهِمْ؛ وصِحَّةِ إيمانِهِمْ؛ وعَلى مَنزِلَتِهِمْ - مَعَ ذَلِكَ - مِنَ العِلْمِ؛ وعَلى تَسْوِيغِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ الَّتِي لا نُصُوصَ فِيها؛ لِتَقْتَدِيَ بِهِ الأُمَّةُ بَعْدَهُ ﷺ في مِثْلِهِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالمُشاوَرَةِ عَلى جِهَةِ تَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ؛ ورَفْعِ أقْدارِهِمْ؛ ولِتَقْتَدِيَ الأُمَّةُ بِهِ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم أنَّهم إذا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهم في اسْتِنْباطِ ما شُووِرُوا فِيهِ؛ وصَوابِ الرَّأْيِ فِيما سُئِلُوا عَنْهُ؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْمُولًا عَلَيْهِ؛ ولا مُتَلَقًّى مِنهُ بِالقَبُولِ بِوَجْهٍ؛ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ؛ ولا رَفْعٌ لِأقْدارِهِمْ؛ بَلْ فِيهِ إيحاشُهُمْ؛ وإعْلامُهم بِأنَّ آراءَهم غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ ولا مَعْمُولٌ عَلَيْها؛ فَهَذا تَأْوِيلٌ ساقِطٌ؛ لا مَعْنى لَهُ؛ فَكَيْفَ يَسُوغُ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ: لِتَقْتَدِيَ بِهِ الأُمَّةُ؟ مَعَ عِلْمِ الأُمَّةِ عِنْدَ هَذا القائِلِ بِأنَّ هَذِهِ المَشُورَةَ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا؛ ولَمْ يُعْمَلْ فِيها بِشَيْءٍ أشارُوا بِهِ؛ فَإنْ كانَ عَلى الأُمَّةِ الِاقْتِداءُ بِهِ فِيها؛ فَواجِبٌ عَلى الأُمَّةِ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَشاوُرُهم فِيما بَيْنَهم عَلى هَذا السَّبِيلِ؛ وألّا تُنْتِجَ المَشُورَةُ رَأْيًا صَحِيحًا؛ ولا قَوْلًا مَعْمُولًا؛ لِأنَّ مُشاوَرَتَهم عِنْدَ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ كانَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ فَإنْ كانَتْ مَشُورَةُ الأُمَّةِ فِيما بَيْنَها تُنْتِجُ رَأْيًا صَحِيحًا؛ وقَوْلًا مَعْمُولًا عَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ في ذَلِكَ اقْتِداءٌ بِالصَّحابَةِ عِنْدَ مُشاوَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُمْ؛ وإذْ قَدْ بَطَلَ هَذا فَلا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ لِمُشاوَرَتِهِ إيّاهم فائِدَةٌ يُسْتَفادُ بِها؛ وأنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَهم ضَرَبٌ مِنَ الِارْتِئاءِ والِاجْتِهادِ؛ فَجائِزٌ حِينَئِذٍ أنْ تُوافِقَ آراؤُهم رَأْيَ النَّبِيِّ ﷺ؛ وجائِزٌ أنْ يُوافِقَ رَأْيُ بَعْضِهِمْ رَأْيَهُ؛ وجائِزٌ أنْ يُخالِفَ رَأْيُ جَمِيعِهِمْ؛ فَيَعْمَلَ ﷺ حِينَئِذٍ بِرَأْيِهِ؛ ويَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعَنَّفِينَ في اجْتِهادِهِمْ؛ بَلْ كانُوا مَأْجُورِينَ فِيهِ؛ لِفِعْلِهِمْ ما أُمِرُوا بِهِ؛ ويَكُونَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ تَرْكُ آرائِهِمْ؛ واتِّباعُ رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ مُشاوَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم فِيما لا نَصَّ فِيهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُشاوِرَهم في المَنصُوصاتِ؛ ولا يَقُولَ لَهُمْ: ما رَأْيُكم في الظُّهْرِ؛ والعَصْرِ؛ والزَّكاةِ؛ وصِيامِ رَمَضانَ؟ ولَمّا لَمْ يَخُصَّ اللَّهُ (تَعالى) أمْرَ الدِّينِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا في أمْرِهِ ﷺ بِالمُشاوَرَةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيهِما جَمِيعًا؛ ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ مُشاوَرَةَ النَّبِيِّ ﷺ في أمْرِ الدُّنْيا إنَّما كانَتْ تَكُونُ في مُحارَبَةِ الكُفّارِ؛ ومُكايَدَةِ العَدُوِّ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَدْبِيرٌ في أمْرِ دُنْياهُ ومَعاشِهِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى مُشاوَرَةِ غَيْرِهِ؛ لِاقْتِصارِهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيا عَلى القُوتِ؛ والكَفافِ الَّذِي لا فَضْلَ فِيهِ؛ وإذا كانَتْ مُشاوَرَتُهُ لَهم في مُحارَبَةِ العَدُوِّ؛ ومُكايَدَةِ الحُرُوبِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أمْرِ الدِّينِ؛ ولا (p-٣٣١)فارِقَ بَيْنَ اجْتِهادِ الرَّأْيِ فِيهِ؛ وبَيْنَهُ في أحْكامِ سائِرِ الحَوادِثِ الَّتِي لا نُصُوصَ فِيها؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِاجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ وعَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ وعَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِيما لا نَصَّ فِيهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ مَعَهُمْ؛ ويُعْمِلُ بِما يَغْلِبُ في رَأْيِهِ - فِيما لا نَصَّ فِيهِ - قَوْلَهُ (تَعالى) - في نَسَقِ ذِكْرِ المُشاوَرَةِ -: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾؛ ولَوْ كانَ فِيما شاوَرَ فِيهِ شَيْءٌ مَنصُوصٌ قَدْ ورَدَ التَّوْقِيفُ بِهِ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) لَكانَتِ العَزِيمَةُ فِيهِ مُتَقَدِّمَةً لِلْمُشاوَرَةِ؛ إذْ كانَ وُرُودُ النَّصِّ مُوجِبًا لِصِحَّةِ العَزِيمَةِ قَبْلَ المُشاوَرَةِ؛ وفي ذِكْرِ العَزِيمَةِ عُقَيْبَ المُشاوَرَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها صَدَرَتْ عَنِ المَشُورَةِ؛ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها نَصٌّ قَبْلَها.
آل عمران 3:161
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾؛ قُرِئَ: "يُغَلَّ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ ومَعْناهُ: "يُخانَ"؛ وخُصَّ النَّبِيُّ ﷺ – بِذَلِكَ - وإنْ كانَتْ خِيانَةُ سائِرِ النّاسِ مَحْظُورَةً - تَعْظِيمًا لِأمْرِ خِيانَتِهِ عَلى خِيانَةِ غَيْرِهِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ وإنْ كانَ الرِّجْسُ كُلُّهُ مَحْظُورًا؛ ونَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاجْتِنابِهِ؛ ورُوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ عَنِ الحَسَنِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): "يُغَلَّ"؛ بِضَمِّ الياءِ: "إنَّ مَعْناهُ: "يُخَوَّنَ"؛ فَيُنْسَبَ إلى الخِيانَةِ"؛ وقالَ: نَزَلَتْ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) هَذِهِ الآيَةَ؛ ومَن قَرَأ: "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ؛ مَعْناهُ: "يَخُونُ"؛ والغُلُولُ الخِيانَةُ في الجُمْلَةِ؛ إلّا أنَّهُ قَدْ صارَ الإطْلاقُ فِيها يُفِيدُ الخِيانَةَ في المَغْنَمِ؛ وقَدْ عَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أمْرَ الغُلُولِ؛ حَتّى أجْراهُ مُجْرى الكَبائِرِ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ؛ عَنْ مَعْدانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنْ ثَوْبانَ؛ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «"مَن فارَقَ الرُّوحُ جَسَدَهُ وهو بَرِيءٌ مِن ثَلاثٍ؛ دَخَلَ الجَنَّةَ: اَلْكِبْرِ؛ والغُلُولِ؛ والدَّيْنِ"؛» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ «أنَّ رَجُلًا كانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقالُ لَهُ "كَرْكَرَةُ" فَماتَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "هُوَ في النّارِ"؛ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَلَيْهِ كِساءً؛ أوْ عَباءَةً قَدْ غَلَّها؛» «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ؛ فَإنَّهُ عارٌ؛ ونارٌ؛ وشَنارٌ يَوْمَ القِيامَةِ"؛» والأخْبارُ في أمْرِ تَغْلِيظِ الغُلُولِ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وقَدْ رُوِيَ في إباحَةِ أكْلِ الطَّعامِ؛ وأخْذِ عَلَفِ الدَّوابِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ والصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ أخْبارٌ مُسْتَفِيضَةٌ؛ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: "أصَبْنا طَعامًا يَوْمَ خَيْبَرَ؛ فَكانَ الرَّجُلُ مِنّا يَأْتِي فَيَأْخُذُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ؛ ثُمَّ يَنْصَرِفُ"؛ وعَنْ سَلْمانَ أنَّهُ أصابَ يَوْمَ المَدائِنِ أرْغِفَةً حُوّارى؛ وجُبْنًا؛ وسِكِّينًا؛ فَجَعَلَ يَقْطَعُ مِنَ الجُبْنَةِ ويَقُولُ: "كُلُوا؛ بِسْمِ اللَّهِ"؛ وقَدْ رَوى رُوَيْفِعُ بْنُ ثابِتٍ الأنْصارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لا يَحِلُّ لِأحَدٍ يُؤْمِنُ (p-٣٣٢)بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَرْكَبَ دابَّةً مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتّى إذا أعْجَفَها رَدَّها فِيهِ؛ ولا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتّى إذا أخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ"؛» وهَذا مَحْمُولٌ عَلى الحالِ الَّتِي يَكُونُ فِيها مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ؛ فَأمّا إذا احْتاجَ إلَيْهِ فَلا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ اليَمامَةِ؛ فَوَقَعَ عَلى قَفاهُ فَأخَذَ سَيْفَهُ؛ وقَتَلَهُ بِهِ.
آل عمران 3:167
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾؛ قالَ السُّدِّيُّ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾: إنَّ مَعْناهُ: بِتَكْثِيرِ سَوادِنا إنْ لَمْ تُقاتِلُوا مَعَنا؛ وقالَ أبُو عَوْنٍ الأنْصارِيُّ: مَعْناهُ: ورابِطُوا بِالقِيامِ عَلى الخَيْلِ إنْ لَمْ تُقاتِلُوا؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ فَرْضَ الحُضُورِ لازِمٌ لِمَن كانَ في حُضُورِهِ نَفْعٌ في تَكْثِيرِ السَّوادِ؛ والدَّفْعِ؛ وفي القِيامِ عَلى الخَيْلِ إذا احْتِيجَ إلَيْهِمْ.
* *
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾؛ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما تَأْكِيدٌ لِكَوْنِ القَوْلِ مِنهُمْ؛ إذْ قَدْ يُضافُ الفِعْلُ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ؛ إذا كانَ راضِيًا بِهِ؛ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢]؛ وإنَّما قَتَلَ غَيْرُهُمْ؛ ورَضُوا بِهِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ والثّانِي أنَّهُ فَرَّقَ بِذِكْرِ الأفْواهِ بَيْنَ قَوْلِ اللِّسانِ؛ وقَوْلِ الكِتابِ.
آل عمران 3:169
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؛ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ أنَّهم يَكُونُونَ أحْياءً في الجَنَّةِ؛ قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ أرْواحُهم بَعْدَ المَوْتِ لَجازَ القَوْلُ بِالرَّجْعَةِ؛ ومَذْهَبِ أهْلِ التَّناسُخِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ؛ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ؛ فَيُنِيلُهم مِنَ النَّعِيمِ بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ؛ إلى أنْ يُفْنِيَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) عِنْدَ فَناءِ الخَلْقِ؛ ثُمَّ يُعِيدُهم في الآخِرَةِ؛ ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم أحْياءٌ في هَذا الوَقْتِ؛ ولِأنَّ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الجَنَّةِ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ فائِدَتِهِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَشُكُّ أنَّهم سَيَكُونُونَ أحْياءً مَعَ سائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ إذِ الجَنَّةُ لا يَكُونُ فِيها مَيِّتٌ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا وصْفُهُ (تَعالى) لَهم بِأنَّهم فَرِحُونَ عَلى الحالِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾؛ وهم في الآخِرَةِ قَدْ لَحِقُوا بِهِمْ؛ ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَحْتَ العَرْشِ؛ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ؛ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها؛ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ (p-٣٣٣)مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ"؛» وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ؛ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ؛ وأبِي حُذَيْفَةَ؛ وواصِلِ بْنِ عَطاءٍ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مَذْهَبِ أصْحابِ التَّناسُخِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ المُنْكَرَ في ذَلِكَ رُجُوعُهم إلى دارِ الدُّنْيا في خِلَقٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ قَوْمٍ أنَّهُ أماتَهُمْ؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]؛ وأخْبَرَ أنَّ إحْياءَ المَوْتى مُعْجِزَةٌ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ؛ ويَجْعَلُهم حَيْثُ يَشاءُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؛ مَعْناهُ: حَيْثُ لا يَقْدِرُ لَهم أحَدٌ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ؛ إلّا رَبُّهم - عَزَّ وجَلَّ -؛ ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ قُرْبَ المَسافَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القُرْبُ والبُعْدُ بِالمَسافَةِ؛ إذْ هو مِن صِفَةِ الأجْسامِ؛ وقِيلَ: عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن حَيْثُ يَعْلَمُهم هُوَ؛ دُونَ النّاسِ.
آل عمران 3:170
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؛ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ أنَّهم يَكُونُونَ أحْياءً في الجَنَّةِ؛ قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ أرْواحُهم بَعْدَ المَوْتِ لَجازَ القَوْلُ بِالرَّجْعَةِ؛ ومَذْهَبِ أهْلِ التَّناسُخِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ؛ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ؛ فَيُنِيلُهم مِنَ النَّعِيمِ بِقَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ؛ إلى أنْ يُفْنِيَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) عِنْدَ فَناءِ الخَلْقِ؛ ثُمَّ يُعِيدُهم في الآخِرَةِ؛ ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم أحْياءٌ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم أحْياءٌ في هَذا الوَقْتِ؛ ولِأنَّ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أنَّهم أحْياءٌ في الجَنَّةِ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ فائِدَتِهِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَشُكُّ أنَّهم سَيَكُونُونَ أحْياءً مَعَ سائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ إذِ الجَنَّةُ لا يَكُونُ فِيها مَيِّتٌ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا وصْفُهُ (تَعالى) لَهم بِأنَّهم فَرِحُونَ عَلى الحالِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾؛ وهم في الآخِرَةِ قَدْ لَحِقُوا بِهِمْ؛ ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَحْتَ العَرْشِ؛ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ؛ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها؛ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ (p-٣٣٣)مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ"؛» وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ؛ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ؛ وأبِي حُذَيْفَةَ؛ وواصِلِ بْنِ عَطاءٍ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مَذْهَبِ أصْحابِ التَّناسُخِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ المُنْكَرَ في ذَلِكَ رُجُوعُهم إلى دارِ الدُّنْيا في خِلَقٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْ قَوْمٍ أنَّهُ أماتَهُمْ؛ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]؛ وأخْبَرَ أنَّ إحْياءَ المَوْتى مُعْجِزَةٌ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ؛ ويَجْعَلُهم حَيْثُ يَشاءُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؛ مَعْناهُ: حَيْثُ لا يَقْدِرُ لَهم أحَدٌ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ؛ إلّا رَبُّهم - عَزَّ وجَلَّ -؛ ولَيْسَ يَعْنِي بِهِ قُرْبَ المَسافَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القُرْبُ والبُعْدُ بِالمَسافَةِ؛ إذْ هو مِن صِفَةِ الأجْسامِ؛ وقِيلَ: عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن حَيْثُ يَعْلَمُهم هُوَ؛ دُونَ النّاسِ.
آل عمران 3:173
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةَ؛ وابْنِ إسْحاقَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا كانُوا رَكْبًا؛ وبَيْنَهم أبُو سُفْيانَ؛ لِيَحْبِسُوهم عِنْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِن أُحُدٍ؛ لَمّا أرادُوا الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "هُوَ أعْرابِيٌّ ضَمِنَ لَهُ جُعْلًا عَلى ذَلِكَ؛ فَأطْلَقَ اللَّهُ (تَعالى) اسْمَ النّاسِ عَلى الواحِدِ؛ عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أنَّهُ كانَ رَجُلًا واحِدًا؛ فَهَذا عَلى أنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ العُمُومِ؛ وأرادَ بِهِ الخُصُوصَ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ "اَلنّاسُ" اسْمًا لِلْجِنْسِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النّاسَ كُلَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ؛ تَناوَلَ ذَلِكَ أقَلَّهُمْ؛ وهو الواحِدُ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ لَفْظُ الجِنْسِ؛ وعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: "إنْ كَلَّمْتُ النّاسَ فَعَبْدِي حَرٌّ ": إنَّهُ عَلى كَلامِ الواحِدِ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ لَفْظُ الجِنْسِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ؛ فَيَتَناوَلُ الواحِدَ مِنهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا﴾؛ فِيهِ إخْبارٌ بِزِيادَةِ يَقِينِهِمْ عِنْدَ زِيادَةِ الخَوْفِ؛ والمِحْنَةِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَوْا عَلى الحالِ الأُولى؛ بَلِ ازْدادُوا عِنْدَ ذَلِكَ يَقِينًا؛ وبَصِيرَةً في دِينِهِمْ؛ وهو كَما قالَ (تَعالى) - في الأحْزابِ -: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]؛ فازْدادُوا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَدُوِّ إيمانًا وتَسْلِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والصَّبْرِ عَلى جِهادِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ أتَمُّ ثَناءٍ عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأكْمَلُ فَضِيلَةٍ؛ وفِيهِ تَعْلِيمٌ لَنا أنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ؛ ونَرْجِعَ إلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) والصَّبْرِ عَلَيْهِ؛ والِاتِّكالِ عَلَيْهِ؛ وأنْ نَقُولَ: "حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"؛ وأنّا مَتى فَعَلْنا ذَلِكَ أعْقَبَنا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرُ؛ والتَّأْيِيدُ؛ وصَرْفُ كَيَدِ العَدُوِّ؛ وشَرِّهِمْ؛ مَعَ حِيازَةِ رِضْوانِ اللَّهِ (تَعالى) وثَوابِهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ (p-٣٣٤)بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ قالَ السُّدِّيُّ: "بَخِلُوا أنْ يُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وأنْ يُؤَدُّوا الزَّكاةَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "هُوَ في أهْلِ الكِتابِ؛ بَخِلُوا أنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ"؛ وهو بِالزَّكاةِ أوْلى؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.
ورَوى سَهْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"ما مِن صاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ كَنْزِهِ؛ إلّا جِيءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وبِكَنْزِهِ؛ فَيُحْمى بِها جَبِينُهُ؛ وجَبْهَتُهُ؛ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ"؛» وقالَ مَسْرُوقٌ: "يَجْعَلُ الحَقَّ الَّذِي مَنَعَهُ حَيَّةً؛ فَيُطَوَّقُها؛ فَيَقُولُ: ما لِي وما لَكِ؟ فَتَقُولُ الحَيَّةُ: أنا مالُكَ "؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: "يُطَوَّقُ ثُعْبانًا في عُنُقِهِ؛ لَهُ أسْنانٌ؛ فَيَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ".
آل عمران 3:174
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةَ؛ وابْنِ إسْحاقَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا كانُوا رَكْبًا؛ وبَيْنَهم أبُو سُفْيانَ؛ لِيَحْبِسُوهم عِنْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِن أُحُدٍ؛ لَمّا أرادُوا الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "هُوَ أعْرابِيٌّ ضَمِنَ لَهُ جُعْلًا عَلى ذَلِكَ؛ فَأطْلَقَ اللَّهُ (تَعالى) اسْمَ النّاسِ عَلى الواحِدِ؛ عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أنَّهُ كانَ رَجُلًا واحِدًا؛ فَهَذا عَلى أنَّهُ أطْلَقَ لَفْظَ العُمُومِ؛ وأرادَ بِهِ الخُصُوصَ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ "اَلنّاسُ" اسْمًا لِلْجِنْسِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النّاسَ كُلَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ؛ تَناوَلَ ذَلِكَ أقَلَّهُمْ؛ وهو الواحِدُ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ لَفْظُ الجِنْسِ؛ وعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: "إنْ كَلَّمْتُ النّاسَ فَعَبْدِي حَرٌّ ": إنَّهُ عَلى كَلامِ الواحِدِ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ لَفْظُ الجِنْسِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ؛ فَيَتَناوَلُ الواحِدَ مِنهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا﴾؛ فِيهِ إخْبارٌ بِزِيادَةِ يَقِينِهِمْ عِنْدَ زِيادَةِ الخَوْفِ؛ والمِحْنَةِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَوْا عَلى الحالِ الأُولى؛ بَلِ ازْدادُوا عِنْدَ ذَلِكَ يَقِينًا؛ وبَصِيرَةً في دِينِهِمْ؛ وهو كَما قالَ (تَعالى) - في الأحْزابِ -: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]؛ فازْدادُوا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَدُوِّ إيمانًا وتَسْلِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والصَّبْرِ عَلى جِهادِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ أتَمُّ ثَناءٍ عَلى الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأكْمَلُ فَضِيلَةٍ؛ وفِيهِ تَعْلِيمٌ لَنا أنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ؛ ونَرْجِعَ إلى أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) والصَّبْرِ عَلَيْهِ؛ والِاتِّكالِ عَلَيْهِ؛ وأنْ نَقُولَ: "حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"؛ وأنّا مَتى فَعَلْنا ذَلِكَ أعْقَبَنا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرُ؛ والتَّأْيِيدُ؛ وصَرْفُ كَيَدِ العَدُوِّ؛ وشَرِّهِمْ؛ مَعَ حِيازَةِ رِضْوانِ اللَّهِ (تَعالى) وثَوابِهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ (p-٣٣٤)بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ قالَ السُّدِّيُّ: "بَخِلُوا أنْ يُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وأنْ يُؤَدُّوا الزَّكاةَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "هُوَ في أهْلِ الكِتابِ؛ بَخِلُوا أنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ"؛ وهو بِالزَّكاةِ أوْلى؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.
ورَوى سَهْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"ما مِن صاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ كَنْزِهِ؛ إلّا جِيءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وبِكَنْزِهِ؛ فَيُحْمى بِها جَبِينُهُ؛ وجَبْهَتُهُ؛ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ"؛» وقالَ مَسْرُوقٌ: "يَجْعَلُ الحَقَّ الَّذِي مَنَعَهُ حَيَّةً؛ فَيُطَوَّقُها؛ فَيَقُولُ: ما لِي وما لَكِ؟ فَتَقُولُ الحَيَّةُ: أنا مالُكَ "؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: "يُطَوَّقُ ثُعْبانًا في عُنُقِهِ؛ لَهُ أسْنانٌ؛ فَيَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ".
آل عمران 3:187
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾؛ قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ؛ وقالَ غَيْرُهُمْ: "اَلْمُرادُ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى"؛ وقالَ الحَسَنُ؛ وقَتادَةُ: "اَلْمُرادُ بِهِ كُلُّ مَن أُوتِيَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ؛ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَوْلا آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ (تَعالى) ما حَدَّثْتُكم بِهِ؛ ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؛ في قَوْلِ الأوَّلِينَ؛ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهم كَتَمُوا صِفَتَهُ؛ وأمْرَهُ؛ وفي قَوْلِ الآخِرِينَ عَلى الكِتابِ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيانُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وسائِرِ ما في كُتُبِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
آل عمران 3:190
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾؛ اَلْآياتُ الَّتِي فِيها مِن جِهاتٍ؛ إحْداها تَعاقُبُ الأعْراضِ المُتَضادَّةِ عَلَيْها؛ مَعَ اسْتِحالَةِ وُجُودِها عارِيَةً مِنها؛ والأعْراضُ مُحْدَثَةٌ؛ وما لَمْ يَسْبِقِ المُحْدَثَ فَهو مُحْدَثٌ؛ وقَدْ دَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّ خالِقَ الأجْسامِ لا يُشْبِهُها؛ لِأنَّ الفاعِلَ لا يُشْبِهُ فِعْلَهُ؛ وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ خالِقَها قادِرٌ؛ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ إذْ كانَ خالِقَها وخالِقَ الأعْراضِ المُضَمَّنَةِ بِها؛ وهو قادِرٌ عَلى أضْدادِها؛ إذْ ما لَيْسَ بِقادِرٍ يَسْتَحِيلُ مِنهُ الفِعْلُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَها قَدِيمٌ؛ لَمْ يَزُلْ؛ لِأنَّ صِحَّةَ وُجُودِها مُتَعَلِّقَةٌ بِصانِعٍ قَدِيمٍ؛ لَوْلا ذَلِكَ لاحْتاجَ الفاعِلُ إلى فاعِلٍ آخَرَ؛ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ صانِعَها عالِمٌ مِن حَيْثُ اسْتَحالَ وُجُودُ الفِعْلِ المُتْقَنِ المُحْكَمِ إلّا مِن عالِمٍ بِهِ قَبْلَ أنْ يَفْعَلَهُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَكِيمٌ عَدْلٌ؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ؛ عالِمٌ بِقُبْحِهِ فَلا تَكُونُ أفْعالُهُ إلّا (p-٣٣٥)عَدْلًا وصَوابًا؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُشْبِهُها؛ لِأنَّهُ لَوْ أشْبَهَها لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يُشْبِهَها مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ؛ أوْ مِن بَعْضِها؛ فَإنْ أشْبَهَها مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ فَهو مُحْدَثٌ مِثْلُها؛ وإنْ أشْبَهَها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا مِن ذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّ حُكْمَ المُشَبَّهَيْنِ واحِدٌ؛ مِن حَيْثُ اشْتَبَها؛ فَوَجَبَ أنْ يَتَساوَيا في حُكْمِ الحُدُوثِ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ؛ ويَدُلُّ وُقُوفُ السَّماواتِ والأرْضِ مِن غَيْرِ عَمَدٍ عَلى أنَّ مُمْسِكَها لا يُشْبِهُها؛ لِاسْتِحالَةِ وُقُوفِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ مِن جِسْمٍ مِثْلِها؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ المُضَمَّنَةِ بِها؛ ودَلالَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى اللَّهِ (تَعالى) أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ مُحْدَثانِ؛ لِوُجُودِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الأجْسامَ لا تَقْدِرُ عَلى إيجادِها؛ ولا عَلى الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيها؛ وقَدِ اقْتَضَيا مُحْدِثًا؛ مِن حَيْثُ كانا مُحْدَثَيْنِ؛ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ حادِثٍ لا مُحْدِثَ لَهُ؛ فَوَجَبَ أنَّ مُحْدِثَهُما لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ ولا مُشْبِهٍ لِلْأجْسامِ؛ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ الأجْسامَ لا تَقْدِرُ عَلى إحْداثِ مِثْلِها؛ والثّانِي أنَّ المُشْبِهَ لِلْجِسْمِ يَجْرِي عَلَيْهِ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِن حُكْمِ الحُدُوثِ؛ فَلَوْ كانَ فاعِلُها حادِثًا لاحْتاجَ إلى مُحْدِثٍ؛ ثُمَّ كَذَلِكَ يَحْتاجُ الثّانِي إلى الثّالِثِ؛ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ؛ وذَلِكَ مُحالٌ؛ فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ صانِعٍ قَدِيمٍ لا يُشْبِهُ الأجْسامَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:200
بابُ فَضْلِ الرِّباطِ في سَبِيلِ اللَّهِ (تَعالى)
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾؛ قالَ الحَسَنُ؛ وقَتادَةُ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ والضَّحّاكُ: "اِصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ؛ وصابِرُوا عَلى دِينِكُمْ؛ وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ؛ ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ"؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "اِصْبِرُوا عَلى الجِهادِ؛ وصابِرُوا وعْدِي إيّاكُمْ؛ ورابِطُوا أعْداءَكُمْ"؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "اِصْبِرُوا عَلى الجِهادِ؛ وصابِرُوا العَدُوَّ؛ ورابِطُوا الخَيْلَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "ورابِطُوا بِانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ"؛ وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ - في انْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ -: "فَذَلِكُمُ الرِّباطُ"؛» وقالَ (تَعالى): ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ ورَوى سُلَيْمانُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِن صِيامِ شَهْرٍ؛ ومِن قِيامِهِ؛ ومَن ماتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ؛ ونَما لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"؛» ورَوى عُثْمانُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِن ألْفِ لَيْلَةٍ؛ بِقِيامِ لَيْلِها وصِيامِ نَهارِها"؛» واللَّهُ المُوَفِّقُ.
النساء 4:1
(p-٣٣٦)سُورَةُ النِّساءِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾؛ قالَ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وإبْراهِيمُ: "هُوَ قَوْلُ القائِلِ: أسْألُكَ بِاللَّهِ؛ وبِالرَّحِمِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ؛ والضَّحّاكُ: "اِتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها"؛ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ المَسْألَةِ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وقَدْ رَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"مَن سَألَ بِاللَّهِ فَأعْطُوهُ"؛» ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ مُقْرِنٍ؛ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: " «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِسَبْعٍ"؛ مِنها إبْرارُ القَسَمِ»؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى مِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «"مَن سَألَكم بِاللَّهِ فَأعْطُوهُ"؛» وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والأرْحامَ﴾؛ فَفِيهِ تَعْظِيمٌ لِحَقِّ الرَّحِمِ؛ وتَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِها؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى) في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]؛ فَقَرَنَ قَطْعَ الرَّحِمِ إلى الفَسادِ في الأرْضِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]؛ قِيلَ في الإلِّ: إنَّهُ القُرْبى؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى﴾ [النساء: ٣٦] .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الرَّحِمِ ما يُواطِئُ ما ورَدَ بِهِ التَّنْزِيلُ؛ رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"يَقُولُ اللَّهُ: (أنا الرَّحْمَنُ؛ وهي الرَّحِمُ؛ شَقَقْتُ لَها اسْمًا مِنَ اسْمِي؛ فَمَن وصَلَها وصَلْتُهُ؛ ومَن قَطَعَها بَتَتُّهُ)"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا خالِي حَيّانُ بْنُ بِشْرٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ؛ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ قالَ: حَدَّثَنِي ناصِحٌ؛ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ؛ عَنْ أبِي سَلَمَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"ما مِن شَيْءٍ أُطِيعَ اللَّهُ فِيهِ أعْجَلُ ثَوابًا مِن صِلَةِ الرَّحِمِ؛ وما مِن عَمَلٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ أعْجَلُ عُقُوبَةً مِنَ البَغْيِ؛ واليَمِينِ الفاجِرَةِ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ خِداشٍ قالَ: حَدَّثَنا صالِحُ المُرِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"إنَّ الصَّدَقَةَ؛ وصِلَةَ الرَّحِمِ؛ يَزِيدُ اللَّهُ بِهِما في العُمُرِ؛ ويَدْفَعُ بِهِما مِيتَةَ السُّوءِ؛ ويَدْفَعُ اللَّهُ بِهِما المَحْذُورَ والمَكْرُوهَ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ عَنْ أُمِّهِ؛ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «"أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ"؛» قالَ الحُمَيْدِيُّ: اَلْكاشِحُ: اَلْعَدُوُّ؛ ورَواهُ أيْضًا (p-٣٣٧)سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنْ أيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ؛ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ"؛» ورَوَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ عَنِ الرَّبابِ؛ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"اَلصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ؛ وعَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ؛ لِأنَّها صَدَقَةٌ وصِلَةٌ"».
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَثَبَتَ بِدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وُجُوبُ صِلَةِ الرَّحِمِ؛ واسْتِحْقاقُ الثَّوابِ بِها؛ وجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّدَقَةَ عَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَيْنِ؛ صَدَقَةً؛ وصِلَةً؛ وأخْبَرَ بِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ لِأجْلِ الرَّحِمِ؛ سِوى ما يَسْتَحِقُّهُ بِالصَّدَقَةِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ الهِبَةَ لِذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيها؛ ولا فَسْخُها أبًا كانَ الواهِبُ؛ أوْ غَيْرَهُ؛ لِأنَّها قَدْ جَرَتْ مُجْرى الصَّدَقَةِ في أنَّ مَوْضُوعَها القُرْبَةُ؛ واسْتِحْقاقُ الثَّوابِ بِها كالصَّدَقَةِ؛ لَمّا كانَ مَوْضُوعُها القُرْبَةَ؛ وطَلَبَ الثَّوابِ؛ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ فِيها؛ كَذَلِكَ الهِبَةُ لِذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ؛ ولا يَصِحُّ لِلْأبِ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ الرُّجُوعُ فِيما وهَبَهُ لِلِابْنِ؛ كَما لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِن ذَوِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ؛ إذْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ الصَّدَقَةِ؛ إلّا أنْ يَكُونَ الأبُ مُحْتاجًا؛ فَيَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ كَسائِرِ أمْوالِ الِابْنِ؛ فَإنْ قِيلَ: لَمْ يُفَرِّقِ الكِتابُ والسُّنَّةُ - فِيما أوْجَبَهُ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ - بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ وغَيْرِهِ؛ فالواجِبُ ألّا يَرْجِعَ فِيما وهَبَهُ لِسائِرِ ذَوِي أرْحامِهِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ كابْنِ العَمِّ والأباعِدِ مِن أرْحامِهِ؛ قِيلَ لَهُ: لَوِ اعْتَبَرْنا كُلَّ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ نَسَبٌ لَوَجَبَ أنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ بَنُو آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُلُّهُمْ؛ لِأنَّهم ذَوُو أنْسابِهِ؛ ويَجْمَعُهم نُوحٌ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَبْلَهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وهَذا فاسِدٌ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الرَّحِمُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها هَذا الحُكْمُ هي ما يَمْنَعُ عَقْدَ النِّكاحِ بَيْنَهُما؛ إذا كانَ أحَدُهُما رَجُلًا؛ والآخَرُ امْرَأةً؛ لِأنَّ ما عَدا ذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ؛ وهو بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّينَ؛ وقَدْ رَوى زِيادُ بْنُ عِلاقَةَ؛ عَنْ أُسامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ بِمِنًى؛ وهو يَقُولُ: "أُمَّكَ؛ وأباكَ؛ وأُخْتَكَ؛ وأخاكَ؛ ثُمَّ أدْناكَ فَأدْناكَ"؛» فَذَكَرَ ذَوِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ في ذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلى صِحَّةٍ ما ذَكَرْنا؛ وهو مَأْمُورٌ مَعَ ذَلِكَ بِمَن بَعُدَ رَحِمُهُ أنْ يَصِلَها؛ ولَيْسَ في تَأْكِيدِ مَن قَرُبَ؛ كَما يُؤْمَرُ بِالإحْسانِ إلى الجارِ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ حُكْمٌ في التَّحْرِيمِ؛ ولا في مَنعِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ؛ فَكَذَلِكَ ذَوُو رَحِمِهِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمَحْرَمٍ؛ فَهو مَندُوبٌ إلى الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ كانُوا بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّينَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
النساء 4:2
(p-٣٣٨)بابُ دَفْعِ أمْوالِ الأيْتامِ إلَيْهِمْ بِأعْيانِها ومَنعِ الوَصِيِّ مِنَ اسْتِهْلاكِها
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: " «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْوالِ اليَتامى كَرِهُوا أنْ يُخالِطُوهُمْ؛ وجَعَلَ ولِيُّ اليَتِيمِ يَعْزِلُ مالَ اليَتِيمِ عَنْ مالِهِ؛ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ؛ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وأظُنُّ ذَلِكَ غَلَطًا مِنَ الرّاوِي؛ لِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ إيتاؤُهم أمْوالَهم بَعْدَ البُلُوغِ؛ إذْ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ اليَتِيمَ لا يَجِبُ إعْطاؤُهُ مالَهُ قَبْلَ البُلُوغِ؛ وإنَّما غَلِطَ الرّاوِي بِآيَةٍ أُخْرى؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ و ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ اَلْآيَةَ؛ انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ؛ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ؛ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ؛ فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِن طَعامِهِ فَيَحْبِسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ؛ أوْ يَفْسُدَ؛ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِمْ؛ وشَرابَهم بِشَرابِهِمْ؛» فَهَذا هو الصَّحِيحُ في ذَلِكَ؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾؛ فَلَيْسَ مِن هَذا في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إيتاءَهم أمْوالَهم في حالِ اليُتْمِ؛ وإنَّما يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ وأطْلَقَ اسْمَ الأيْتامِ عَلَيْهِمْ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِاليُتْمِ؛ كَما سَمّى مُقارَبَةَ انْقِضاءِ العِدَّةِ بُلُوغَ الأجَلِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]؛ والمَعْنى مُقارَبَةُ البُلُوغِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ الآيَةِ -: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ والإشْهادُ عَلَيْهِ لا يَصِحُّ قَبْلَ البُلُوغِ؛ فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وسَمّاهم يَتامى لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ؛ إمّا لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالبُلُوغِ؛ أوْ لِانْفِرادِهِمْ عَنْ آبائِهِمْ؛ مَعَ أنَّ العادَةَ في أمْثالِهِمْ ضَعْفُهم عَنِ التَّصَرُّفِ لِأنْفُسِهِمْ؛ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ عَلى الكَمالِ؛ حَسَبَ تَصَرُّفِ المُتَحَنِّكِينَ الَّذِينَ قَدْ جَرَّبُوا الأُمُورَ؛ واسْتَحْكَمَتْ آراؤُهُمْ؛ وقَدْ رَوى يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزٍ أنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنِ اليَتِيمِ: مَتى يَنْقَطِعُ يُتْمُهُ ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: "إذا أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ انْقَطَعَ عَنْهُ يُتْمُهُ"؛ وفي بَعْضِ الألْفاظِ: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْبِضُ عَلى لِحْيَتِهِ ولَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ يُتْمُهُ بَعْدُ"؛ فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ اليَتِيمِ قَدْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ البُلُوغِ؛ إذا لَمْ يَسْتَحْكِمْ رَأْيُهُ؛ ولَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدُهُ؛ فَجَعَلَ بَقاءَ ضَعْفِ الرَّأْيِ (p-٣٣٩)مُوجِبًا لِبَقاءِ اسْمِ اليَتِيمِ عَلَيْهِ.
واسْمُ اليَتِيمِ قَدْ يَقَعُ عَلى المُنْفَرِدِ عَنْ أبِيهِ؛ وعَلى المَرْأةِ المُنْفَرِدَةِ عَنْ زَوْجِها؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ في نَفْسِها"؛» وهي لا تُسْتَأْمَرُ إلّا وهي بالِغَةٌ؛ وقالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى ∗∗∗ اَلنِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى
إلّا أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ إذا صارَ شَيْخًا؛ أوْ كَهْلًا؛ لا يُسَمّى يَتِيمًا؛ وإنْ كانَ ضَعِيفَ العَقْلِ؛ ناقِصَ الرَّأْيِ؛ فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ قُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ؛ والمَرْأةُ الكَبِيرَةُ المُسِنَّةُ تُسَمّى "يَتِيمَةً"؛ مِن جِهَةِ انْفِرادِها عَنْ زَوْجٍ؛ والرَّجُلُ الكَبِيرُ المُسِنُّ لا يُسَمّى يَتِيمًا؛ مِن جِهَةِ انْفِرادِهِ عَنْ أبِيهِ؛ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الأبَ يَلِي عَلى الصَّغِيرِ؛ ويُدَبِّرُ أمْرَهُ؛ ويَحُوطُهُ؛ فَيَكْنُفُهُ؛ فَسُمِّيَ الصَّغِيرُ يَتِيمًا لِانْفِرادِهِ عَنْ أبِيهِ الَّذِي هَذِهِ حالُهُ؛ فَما دامَ عَلى حالِ الضَّعْفِ ونُقْصانِ الرَّأْيِ يُسَمّى يَتِيمًا؛ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وأمّا المَرْأةُ فَإنَّما سُمِّيَتْ يَتِيمَةً لِانْفِرادِها عَنِ الزَّوْجِ الَّذِي هي في حِبالِهِ؛ وكَنَفِهِ؛ فَهِيَ؛ وإنْ كَبِرَتْ؛ فَهَذا الِاسْمُ لازِمٌ لَها؛ لِأنَّ وُجُودَ الزَّوْجِ لَها في هَذِهِ الحالِ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِلصَّغِيرِ؛ في أنَّهُ هو الَّذِي يَلِي حِفْظَها؛ وحِياطَتَها؛ فَإذا انْفَرَدَتْ عَمَّنْ هَذِهِ حالُهُ مَعَها سُمِّيَتْ "يَتِيمَةً"؛ كَما سُمِّيَ الصَّغِيرُ يَتِيمًا لِانْفِرادِهِ عَمَّنْ يُدَبِّرُ أمْرَهُ؛ ويَكْنُفُهُ؛ ويَحْفَظُهُ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤] ؟ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ فَجَعَلَ الرَّجُلَ قَيِّمًا عَلى امْرَأتِهِ؛ كَما جَعَلَ ولِيَّ اليَتِيمِ قَيِّمًا عَلَيْهِ؛ وقَدْ رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ"؛» وهَذا هو الحَقِيقَةُ في اليَتِيمِ؛ وبَعْدَ البُلُوغِ يُسَمّى يَتِيمًا مَجازًا؛ لِما وصَفْنا؛ وما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ اسْمِ اليَتِيمِ عَلى الضَّعِيفِ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا فِيمَن أوْصى لِيَتامى بَنِي فُلانٍ؛ وهم لا يُحْصَوْنَ: "إنَّها جائِزَةٌ لِلْفُقَراءِ مِنَ اليَتامى"؛ لِأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النساء: ٥]؛ قالَ: "اَلسُّفَهاءُ ابْنُكَ السَّفِيهُ؛ وامْرَأتُكَ السَّفِيهَةُ"؛ قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا﴾ [النساء: ٥]: قِيامَ عَيْشِكَ؛ وقَدْ ذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"اِتَّقُوا اللَّهَ في الضَّعِيفَيْنِ: اَلْيَتِيمِ والمَرْأةِ"؛» فَسَمّى اليَتِيمَ ضَعِيفًا.
ولَمْ يَشْرُطْ في هَذِهِ الآيَةِ إيناسَ الرُّشْدِ في دَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ؛ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُودَ دَفْعِهِ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ؛ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ؛ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ؛ إلّا أنَّهُ قَدْ شَرَطَهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ (p-٣٤٠)مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]؛ فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ فَإذا بَلَغَها ولَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ وجَبَ دَفْعُ المالِ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾؛ فَيَسْتَعْمِلُهُ بَعْدَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ عَلى مُقْتَضاهُ؛ وظاهِرِهِ؛ وفِيما قَبْلَ ذَلِكَ لا يَدْفَعُهُ إلّا مَعَ إيناسِ الرُّشْدِ؛ لِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ إيناسَ الرُّشْدِ قَبْلَ بُلُوغِ هَذِهِ السِّنِّ شَرْطُ وُجُوبِ دَفْعِ المالِ إلَيْهِ؛ وهَذا وجْهٌ شائِعٌ؛ مِن قِبَلِ أنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ عَلى مُقْتَضى ظَواهِرِهِما عَلى فائِدَتِهِما؛ ولَوِ اعْتَبَرْنا إيناسَ الرُّشْدِ عَلى سائِرِ الأحْوالِ كانَ فِيهِ إسْقاطُ حُكْمِ الآيَةِ الأُخْرى رَأْسًا؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾؛ مِن غَيْرِ شَرْطٍ لِإيناسِ الرُّشْدِ فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أطْلَقَ إيجابَ دَفْعِ المالِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ؛ ومَتى ورَدَتْ آيَتانِ؛ إحْداهُما خاصَّةٌ؛ مُضَمَّنَةٌ بِقَرِينَةٍ فِيما تَقْتَضِيهِ مِن إيجابِ الحُكْمِ؛ والأُخْرى عامَّةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ بِقَرِينَةٍ؛ وأمْكَنَنا اسْتِعْمالُهُما عَلى فائِدَتِهِما؛ لَمْ يَجُزْ لَنا الِاقْتِصارُ بِهِما عَلى فائِدَةِ إحْداهُما؛ وإسْقاطِ فائِدَةِ الأُخْرى؛ ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا وُجُوبُ دَفْعِ المالِ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾؛ وقالَ - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ جائِزُ الإقْرارِ بِالقَبْضِ؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ قَدْ تَضَمَّنَ جَوازَ الإشْهادِ عَلى إقْرارِهِمْ بِقَبْضِها؛ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ الحَجْرِ وجَوازِ التَّصَرُّفِ؛ لِأنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ إقْرارُهُ؛ ومَن وجَبَ الإشْهادُ عَلَيْهِ فَهو جائِزُ الإقْرارِ.
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ وأبِي صالِحٍ: "اَلْحَرامَ بِالحَلالِ"؛ أيْ: لا تَجْعَلْ بَدَلَ رِزْقِكَ الحَلالِ حَرامًا؛ تَتَعَجَّلُ بِأنْ تَسْتَهْلِكَ مالَ اليَتِيمِ فَتُنْفِقُهُ؛ أوْ تَتَّجِرُ فِيهِ لِنَفْسِكَ؛ أوْ تَحْبِسُهُ وتُعْطِيهِ غَيْرَهُ؛ فَيَكُونُ ما تَأْخُذُهُ مِن مالِ اليَتِيمِ خَبِيثًا حَرامًا؛ وتُعْطِيهِ مالَكَ الحَلالَ الَّذِي رَزَقَكَ اللَّهُ (تَعالى)؛ ولَكِنْ آتُوهم أمْوالَهم بِأعْيانِها؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ولِيَّ اليَتِيمِ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَقْرِضَ مالَ اليَتِيمِ مِن نَفْسِهِ؛ ولا يَسْتَبْدِلَهُ فَيَحْبِسَهُ لِنَفْسِهِ ويُعْطِيَهُ غَيْرَهُ؛ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ لِلْيَتِيمِ؛ لِأنَّهُ إنَّما حُظِرَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ؛ ويُعْطِيَ اليَتِيمَ غَيْرَهُ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَشْتَرِيَ مِن مالِ اليَتِيمِ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ سَواءً؛ لِأنَّهُ قَدْ حُظِرَ عَلَيْهِ اسْتِبْدالُ مالِ اليَتِيمِ لِنَفْسِهِ؛ فَهو عامٌّ في سائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِبْدالِ؛ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ؛ وهو أنْ يَكُونَ ما يُعْطِي اليَتِيمَ أكْثَرَ قِيمَةً مِمّا يَأْخُذُهُ؛ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ والزُّهْرِيُّ؛ (p-٣٤١)والضَّحّاكُ؛ والسُّدِّيُّ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ قالَ: "لا تَجْعَلُوا الزّائِفَ بَدَلَ الجَيِّدِ؛ والمَهْزُولَ بَدَلَ السَّمِينِ"؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾؛ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ والسُّدِّيِّ: "لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَعَ أمْوالِكُمْ؛ مُضِيفِينَ لَها إلى أمْوالِكُمْ"؛ فَنُهُوا عَنْ خَلْطِها بِأمْوالِهِمْ عَلى وجْهِ الِاسْتِقْراضِ؛ لِتَصِيرَ دَيْنًا في ذِمَّتِهِ؛ فَيَجُوزُ لَهم أكْلُها؛ وأكْلُ أرْباحِها.
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ والحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ: "إثْمًا كَبِيرًا"؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى؛ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ إلَيْهِمْ؛ وإنْ لَمْ يُطالِبُوا بِأدائِها؛ لِأنَّ الأمْرَ بِدَفْعِها مُطْلَقٌ؛ مُتَوَعَّدٌ عَلى تَرْكِهِ؛ غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهِ مُطالَبَةُ الأيْتامِ بِأدائِها؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مالٌ فَأرادَ دَفْعَهُ إلَيْهِ؛ أنَّهُ مَندُوبٌ عَلى الإشْهادِ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
النساء 4:3
بابُ تَزْوِيجِ الصِّغارِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾؛ رَوى الزُّهْرِيُّ «عَنْ عُرْوَةَ قالَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فَقالَتْ: "يا ابْنَ أُخْتِي؛ هي اليَتِيمَةُ؛ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها فَيَرْغَبُ في مالِها؛ وجَمالِها؛ ويُرِيدُ أنْ يَنْكِحَها بِأدْنى مِن صَداقِها؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ؛ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا سِواهُنَّ مِنَ النِّساءِ"؛ قالَتْ عائِشَةُ: "ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] "؛ قالَتْ: "والَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّهُ يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ الآيَةُ الأُولى الَّتِي قالَ فِيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]: رَغْبَةَ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ؛ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ؛ والجَمالِ؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِها؛ وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ؛ إلّا بِالقِسْطِ؛ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ» ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ تَأْوِيلِ عائِشَةَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والضَّحّاكِ؛ والرَّبِيعِ؛ تَأْوِيلٌ غَيْرُ هَذا؛ وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾؛ (p-٣٤٢)يَقُولُ: "ما أحَلَّ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى؛ وثُلاثَ؛ ورُباعَ؛ وخافُوا في النِّساءِ مِثْلَ الَّذِي خِفْتُمْ في اليَتامى؛ ألّا تُقْسِطُوا فِيهِنَّ"؛ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: "وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا فَحَرَّجْتُمْ مِن أكْلِ أمْوالِهِمْ؛ وكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنا؛ فانْكِحُوا النِّساءَ نِكاحًا طَيِّبًا؛ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ"؛ ورُوِيَ فِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ؛ وهو ما رَوى شُعْبَةُ عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن قُرَيْشٍ تَكُونُ عِنْدَهُ النِّسْوَةُ؛ ويَكُونُ عِنْدَهُ الأيْتامُ؛ فَيَذْهَبُ مالُهُ فَيَمِيلُ عَلى مالِ الأيْتامِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ اَلْآيَةَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في تَزْوِيجِ غَيْرِ الأبِ والجَدِّ الصَّغِيرَيْنِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: "لِكُلِّ مَن كانَ مِن أهْلِ المِيراثِ مِنَ القُرُباتِ أنْ يُزَوِّجَ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ؛ فَإنْ كانَ المُزَوِّجُ الأبَ أوِ الجَدَّ؛ فَلا خِيارَ لَهم بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإنْ كانَ غَيْرَهُما فَلَهُمُ الخِيارُ بَعْدَ البُلُوغِ"؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ: "لا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَيْنِ إلّا العَصَباتُ؛ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ"؛ قالَ أبُو يُوسُفَ: "ولا خِيارَ لَهُما بَعْدَ البُلُوغِ"؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: "لَهُما الخِيارُ إذا زَوَّجَهُما غَيْرُ الأبِ والجَدِّ"؛ وذَكَرَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ؛ في تَزْوِيجِ الرَّجُلِ يَتِيمَهُ إذا رَأى لَهُ الفَضْلَ؛ والصَّلاحَ؛ والنَّظَرَ؛ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ لَهُ عَلَيْهِ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ؛ في الرَّجُلِ يُزَوِّجُ أُخْتَهُ وهي صَغِيرَةٌ: إنَّهُ لا يَجُوزُ؛ ويُزَوِّجُ الوَصِيُّ وإنْ كَرِهَ الأوْلِياءُ؛ والوَصِيُّ أوْلى مِنَ الوَلِيِّ؛ غَيْرَ أنَّهُ لا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ إلّا بِرِضاها؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يَقْطَعَ عَنْها الخِيارَ الَّذِي جُعِلَ لَها في نَفْسِها؛ ويُزَوِّجُ الوَصِيُّ بَنِيهِ الصِّغارَ وبَناتِهِ الصِّغارَ؛ ولا يُزَوِّجُ البَناتِ الكِبارَ إلّا بِرِضاهُنَّ؛ وقَوْلُ اللَّيْثِ في ذَلِكَ كَقَوْلٍ مالِكٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ؛ ورَبِيعَةُ: "إنَّ الوَصِيَّ أوْلى"؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: "لا يُزَوِّجُ العَمُّ؛ ولا الأخُ الصَّغِيرَةَ؛ والأمْوالُ إلى الأوْصِياءِ؛ والنِّكاحُ إلى الأوْلِياءِ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "لا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ إلّا الأبُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لا يُزَوِّجُ الوَصِيُّ إلّا أنْ يَكُونَ ولِيًّا"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يُزَوِّجُ الصِّغارَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ إلّا الأبُ أوِ الجَدُّ؛ إذا لَمْ يَكُنْ أبٌ؛ ولا وِلايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلى الصَّغِيرَةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ؛ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: قالَ عُمَرُ: "مَن كانَ في حِجْرِهِ تَرِكَةٌ لَها عَوارٌ فَلْيَضُمَّها إلَيْهِ؛ فَإنْ كانَتْ رَغْبَةً فَلْيُزَوِّجْها غَيْرَهُ"؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ؛ وأُمِّ سَلَمَةَ؛ والحَسَنِ؛ وطاوُسٍ؛ وعَطاءٍ؛ في آخَرِينَ؛ جَوازُ تَزْوِيجِ غَيْرِ الأبِ والجَدِّ الصَّغِيرَةَ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وعائِشَةَ؛ في تَأْوِيلِ الآيَةِ؛ ما ذَكَرْنا؛ وأنَّها في اليَتِيمَةِ؛ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها؛ فَيَرْغَبُ في مالِها؛ وجَمالِها؛ ولا يُقْسِطُ لَها في صَداقِها؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ؛ أوْ يَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَنِهِنَّ في الصَّداقِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ عِنْدَهُما تَأْوِيلَ الآيَةِ؛ دَلَّ عَلى أنَّ جَوازَ ذَلِكَ (p-٣٤٣)مِن مَذْهَبِهِما أيْضًا؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ السَّلَفِ مَنَعَ ذَلِكَ؛ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى ما تَأوَّلَها عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعائِشَةُ؛ لِأنَّهُما ذَكَرا أنَّها في اليَتِيمَةِ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها؛ فَيَرْغَبُ في مالِها؛ وجَمالِها؛ ولا يُقْسِطُ لَها في الصَّداقِ؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ؛ أوْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ في الصَّداقِ؛ وأقْرَبُ الأوْلِياءِ - الَّذِي تَكُونُ اليَتِيمَةُ في حِجْرِهِ - ويَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُها؛ هو ابْنُ العَمِّ؛ فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ جَوازَ تَزَوُّجِ ابْنِ العَمِّ اليَتِيمَةَ الَّتِي في حِجْرِهِ؛ فَإنْ قِيلَ: لِمَ جَعَلْتَ هَذا التَّأْوِيلَ أوْلى مِن تَأْوِيلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِ؛ الَّذِي ذَكَرْتَ؛ مَعَ احْتِمالِ الآيَةِ لِلتَّأْوِيلاتِ كُلِّها؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما؛ ولَيْسا مُتَنافِيَيْنِ؛ فَهو عَلَيْهِما جَمِيعًا؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ؛ وعائِشَةَ قَدْ قالا إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ؛ وذَلِكَ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ؛ وإنَّما يُقالُ تَوْقِيفًا؛ فَهو أوْلى؛ لِأنَّهُما ذَكَرا سَبَبَ نُزُولِها؛ والقِصَّةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها؛ فَهو أوْلى؛ فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الجَدَّ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما ذَكَرا أنَّها نَزَلَتْ في اليَتِيمَةِ الَّتِي في حِجْرِهِ ويَرْغَبُ في نِكاحِها؛ والجَدُّ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ ابْنُ العَمِّ؛ ومَن هو أبْعَدُ مِنهُ؛ مِن سائِرِ الأوْلِياءِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ إنَّما هي في الكَبِيرَةِ؛ لِأنَّ عائِشَةَ قالَتْ: "إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] "؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ قالَ: فَلَمّا قالَ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكِبارُ مِنهُنَّ؛ دُونَ الصِّغارِ؛ لِأنَّ الصِّغارَ لا يُسَمَّيْنَ نِساءً؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ حَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي اللّاتِي لَمْ يَبْلُغْنَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغِ الحُلُمِ"؛» ولا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ؛ إلّا بِدَلالَةٍ؛ والكَبِيرَةُ تُسَمّى "يَتِيمَةً" عَلى وجْهِ المَجازِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرْتَ؛ لِأنَّهُنَّ إذا كُنَّ مِن جِنْسِ النِّساءِ جازَتْ إضافَتُهُنَّ إلَيْهِنَّ؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾؛ والصِّغارُ والكِبارُ داخِلاتٌ فِيهِنَّ؛ وقالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢]؛ والصِّغارُ والكِبارُ مُراداتٌ بِهِ؛ وقالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ ولَوْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا؛ فَلَيْسَ إذًا في إضافَةِ اليَتامى إلى النِّساءِ؛ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُنَّ الكِبارُ؛ دُونَ الصِّغارِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعائِشَةُ؛ لا يَصِحُّ في الكِبارِ؛ لِأنَّ الكَبِيرَةَ إذا رَضِيَتْ بِأنْ يَتَزَوَّجَها بِأقَلَّ مِن مَهْرِ مِثْلِها جازَ النِّكاحُ؛ ولَيْسَ لِأحَدٍ (p-٣٤٤)أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْها؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ الصِّغارُ اللّاتِي يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِنَّ في التَّزْوِيجِ مَن هُنَّ في حِجْرِهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ؛ ومَن لا أتَّهِمُ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: «كانَ الَّذِي زَوَّجَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ ابْنُها سَلَمَةُ؛ فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتَ حَمْزَةَ؛ وهُما صَبِيّانِ صَغِيرانِ؛ فَلَمْ يَجْتَمِعا حَتّى ماتا؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَلْ جَزَيْتُ سَلَمَةَ بِتَزْوِيجِهِ إيّايَ أُمَّهُ» ؟"؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى ما ذَكَرْنا؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ زَوَّجَهُما ولَيْسَ بِأبٍ؛ ولا جَدٍّ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَزْوِيجَ غَيْرِ الأبِ والجَدِّ جائِزٌ لِلصَّغِيرَيْنِ؛ والثّانِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ - وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ( فاتَّبِعُوهُ ) - فَعَلَيْنا اتِّباعُهُ؛ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْقاضِي تَزْوِيجَ الصَّغِيرَيْنِ؛ وإذا جازَ ذَلِكَ لِلْقاضِي جازَ لِسائِرِ الأوْلِياءِ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ"؛» فَأثْبَتَ النِّكاحَ إذا كانَ بِوَلِيٍّ؛ والأخُ وابْنُ العَمِّ أوْلِياءُ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّها لَوْ كانَتْ كَبِيرَةً كانُوا أوْلِياءَ في النِّكاحِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ الأبَ والجَدَّ؛ إذا لَمْ يَكُونا مِن أهْلِ المِيراثِ؛ بِأنْ كانا كافِرَيْنِ؛ أوْ عَبْدَيْنِ؛ لَمْ يُزَوِّجا؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الوِلايَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالمِيراثِ؛ فَكُلُّ مَن كانَ مِن أهْلِ المِيراثِ فَلَهُ أنْ يُزَوِّجَ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ؛ ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "إنَّ لِلْأُمِّ؛ ومَوْلى المُوالاةِ؛ أنْ يُزَوِّجُوا إذا لَمْ يَكُنْ أقْرَبَ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم مِن أهْلِ المِيراثِ".
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ في النِّكاحِ مالٌ؛ وجَبَ ألّا يَجُوزَ عَقْدُ مَن لا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ في المالِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ المالَ يَثْبُتُ في النِّكاحِ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ؛ فَلا اعْتِبارَ فِيهِ بِالوِلايَةِ في المالِ؛ ألا تَرى أنَّ عِنْدَ مَن لا يُجِيزُ النِّكاحَ بِغَيْرِ ولِيٍّ فَلِلْأوْلِياءِ حَقٌّ في التَّزْوِيجِ؛ ولَيْسَتْ لَهم وِلايَةٌ في المالِ عَلى الكَبِيرَةِ؟ ويَلْزَمُ مالِكًا؛ والشّافِعِيَّ ألّا يُجِيزُ تَزْوِيجَ الأبِ لِابْنَتِهِ البِكْرِ الكَبِيرَةِ؛ إذْ لا وِلايَةَ لَهُ عَلَيْها في المالِ؛ فَلَمّا جازَ عِنْدَ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ؛ لِأبِي البِكْرِ الكَبِيرَةِ تَزْوِيجُها بِغَيْرِ رِضاها؛ مَعَ عَدَمِ وِلايَتِهِ عَلَيْها في المالِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا اعْتِبارَ في اسْتِحْقاقِ الوِلايَةِ في عَقْدِ النِّكاحِ بِجَوازِ التَّصَرُّفِ في المالِ؛ ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ جَوازُ تَزْوِيجِ ولِيِّ الصَّغِيرَةِ إيّاها مِن نَفْسِهِ؛ دَلَّ عَلى أنَّ لِوَلِيِّ الكَبِيرَةِ أنْ يُزَوِّجَها مِن نَفْسِهِ بِرِضاها؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ العاقِدَ لِلزَّوْجِ والمَرْأةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا؛ بِأنْ يَكُونَ وكِيلًا لَهُما؛ كَما جازَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ أنْ يُزَوِّجَها مِن نَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ المُوجِبُ لِلنِّكاحِ؛ والقابِلُ لَهُ واحِدًا؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ ولِيًّا لِصَغِيرَيْنِ جازَ لَهُ أنْ يُزَوِّجَ أحَدَهُما صاحِبَهُ؛ فالآيَةُ دالَّةٌ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ: "إنَّ الصَّغِيرَةَ (p-٣٤٥)لا يُزَوِّجُها غَيْرُ الأبِ والجَدِّ"؛ وفي قَوْلِهِ: "إنَّهُ لا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الكَبِيرَةِ أنْ يُزَوِّجَها بِرِضاها بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنها"؛ ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رِجْلٌ واحِدٌ وكِيلًا لَهُما جَمِيعًا في عَقْدِ النِّكاحِ عَلَيْهِما؛ وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ مِن قِبَلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ"؛» والوَصِيُّ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَها؛ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ فَلَوْ وجَبَ لَها قَوَدٌ لَمْ يَكُنِ الوَصِيُّ لَها ولِيًّا في ذَلِكَ؛ ولَمْ يَسْتَحِقَّ الوِلايَةَ فِيهِ؟ فَثَبَتَ أنَّ الوَصِيَّ لا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوَلِيِّ؛ فَواجِبٌ ألّا يَجُوزَ تَزْوِيجُهُ إيّاها؛ إذْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَها.
فَإنْ قِيلَ: فَواجِبٌ عَلى هَذا ألّا يَكُونَ الأخُ؛ أوِ العَمُّ ولِيًّا لِلصَّغِيرَةِ؛ لِأنَّهُما لا يَسْتَحِقّانِ الوِلايَةَ في القِصاصِ؛ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَجْعَلْ عَدَمَ الوِلايَةِ في القِصاصِ عِلَّةً في ذَلِكَ حَتّى يَلْزَمَنا عَلَيْها؛ وإنَّما بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ لا يَتَناوَلُهُ؛ ولا يَقَعُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ ما يَسْتَحِقُّ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ؛ وأمّا الأخُ والعَمُّ فَهُما ولِيّانِ؛ لِأنَّهُما مِنَ العَصَباتِ؛ وأحَدٌ لا يَمْتَنِعُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الوَلِيِّ عَلى العَصَباتِ؛ قالَ اللَّهَ (تَعالى): ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥]؛ قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِهِ بَنِي أعْمامِهِ؛ وعَصَباتِهِ؛ فاسْمُ الوَلِيِّ يَقَعُ عَلى العَصَباتِ؛ ولا يَقَعُ عَلى الوَصِيِّ؛ فَلَمّا قالَ ﷺ: «"لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ"؛» اِنْتَفى بِذَلِكَ جَوازُ تَزْوِيجِ الوَصِيِّ لِلصَّغِيرَةِ؛ إذْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ؛ وقالَ ﷺ: «"أيُّما امْرَأةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها - وفي لَفْظٍ آخَرَ: بِغَيْرِ إذْنِ مَوالِيها - فَنِكاحُها باطِلٌ"؛» فَقَدِ اقْتَضى بُطْلانَ نِكاحِ المَجْنُونَةِ؛ والبِكْرِ الكَبِيرَةِ؛ إذا زَوَّجَها الوَصِيُّ؛ أوْ تَزَوَّجَتْ بِإذْنِ الوَصِيِّ؛ دُونَ إذْنِ الوَلِيِّ؛ لِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِبُطْلانِ نِكاحِها؛ إذْ كانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها.
وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الوِلايَةَ في النِّكاحِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالمِيراثِ؛ لِما دَلَّلْنا عَلَيْهِ؛ ولَيْسَ الوَصِيُّ مِن أهْلِ المِيراثِ؛ فَلا وِلايَةَ لَهُ؛ وأيْضًا فَإنَّ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ في النِّكاحِ هو النَّسَبُ؛ وذَلِكَ لا يَصِحُّ النَّقْلُ فِيهِ؛ ولا يَسْتَحِقُّهُ الوَصِيُّ؛ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ؛ ولَيْسَ التَّصَرُّفُ في المالِ بَعْدَ المَوْتِ كالتَّصَرُّفِ في النِّكاحِ؛ لِأنَّ المالَ يَصِحُّ النَّقْلُ فِيهِ؛ والنِّكاحَ لا يَصِحُّ النَّقْلُ فِيهِ إلى غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لِلْوَصِيِّ وِلايَةٌ فِيهِ؛ ولَيْسَ الوَصِيُّ كالوَكِيلِ في حالِ حَياةِ الأبِ؛ لِأنَّ الوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِأمْرِ المُوَكِّلِ؛ وأمْرُهُ باقٍ؛ لِجَوازِ تَصَرُّفِهِ؛ وأمْرُ المَيِّتِ مُنْقَطِعٌ فِيما لا يَصِحُّ فِيهِ النَّقْلُ؛ وهو النِّكاحُ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا؛ فَإنْ قِيلَ: فَإنَّ الحاكِمَ يُزَوِّجُ عِنْدَكُمُ الصَّغِيرَيْنِ مَعَ عَدَمِ المِيراثِ؛ والوِلايَةِ مِن طَرِيقِ النَّسَبِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ الحاكِمَ قائِمٌ مَقامَ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فِيما يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِن ذَلِكَ؛ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ هم مِن أهْلِ مِيراثِ (p-٣٤٦)الصَّغِيرَيْنِ؛ وهم باقُونَ؛ فاسْتَحَقَّ الوِلايَةَ مِن حَيْثُ هو كالوَكِيلِ لَهُمْ؛ وهم مِن أهْلِ مِيراثِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ ماتَ ولا وارِثَ لَهُ مِن ذَوِي أنْسابِهِ؛ ورِثَهُ المُسْلِمُونَ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْأبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ؛ مِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ سائِرِ الأوْلِياءِ؛ إذْ كانَ هو أقْرَبَ الأوْلِياءِ؛ ولا نَعْلَمُ في جَوازِ ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ إلّا شَيْئًا رَواهُ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ؛ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ أنَّ تَزْوِيجَ الآباءِ عَلى الصِّغارِ لا يَجُوزُ؛ وهو مَذْهَبُ الأصَمِّ؛ ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ هَذا المَذْهَبِ - سِوى ما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ - قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ طَلاقِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ؛ والطَّلاقُ لا يَقَعُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ جَوازَ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ عائِشَةَ وهي بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ؛ زَوَّجَها إيّاهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» -؛ وقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما جَوازُ تَزْوِيجِ الأبِ الصَّغِيرَةَ؛ والآخَرُ أنْ لا خِيارَ لَها بَعْدَ البُلُوغِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُخَيِّرْها بَعْدَ البُلُوغِ.
* *
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾؛ فَإنَّ مُجاهِدًا قالَ: "مَعْناهُ: اِنْكِحُوا نِكاحًا طَيِّبًا"؛ وعَنْ عائِشَةَ؛ والحَسَنِ؛ وأبِي مالِكٍ: "ما أحَلَّ لَكُمْ"؛ وقالَ الفَرّاءُ: "أرادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما طابَ﴾؛ اَلْمَصْدَرَ؛ كَأنَّهُ قالَ: "فانْكِحُوا مِنَ النِّساءِ الطَّيِّبَ؛ أيْ: اَلْحَلالَ"؛ قالَ: "ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَقُولَ: "ما"؛ ولَمْ يَقُلْ "مَن".
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾؛ فَإنَّهُ إباحَةٌ لِلثِّنْتَيْنِ إنْ شاءَ؛ ولِلثَّلاثِ إنْ شاءَ؛ ولِلرُّباعِ إنْ شاءَ؛ عَلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في أنْ يَجْمَعَ في هَذِهِ الأعْدادِ مَن شاءَ؛ قالَ: "فَإنْ خافَ ألّا يَعْدِلَ اقْتَصَرَ مِنَ الأرْبَعِ عَلى الثَّلاثِ؛ فَإنْ خافَ ألّا يَعْدِلَ اقْتَصَرَ مِنَ الثَّلاثِ عَلى الِاثْنَتَيْنِ؛ فَإنْ خافَ ألّا يَعْدِلَ بَيْنَهُما اقْتَصَرَ عَلى الواحِدَةِ"؛ وقِيلَ: إنَّ الواوَ هَهُنا بِمَعْنى "أوْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "مَثْنى؛ أوْ ثُلاثَ؛ أوْ رُباعَ"؛ وقِيلَ أيْضًا فِيهِ: "إنَّ الواوَ عَلى حَقِيقَتِها؛ ولَكِنَّهُ عَلى وجْهِ البَدَلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وثُلاثَ بَدَلًا مِن مَثْنى؛ ورُباعَ بَدَلًا مِن ثُلاثَ"؛ لا عَلى الجَمْعِ بَيْنَ الأعْدادِ؛ ومَن قالَ هَذا قالَ: "إنَّهُ لَوْ قِيلَ: بَـ "أوْ"؛ لَجازَ ألّا يَكُونَ الثُّلاثُ لِصاحِبِ المَثْنى؛ ولا الرُّباعُ لِصاحِبِ الثُّلاثِ؛ فَأفادَ ذِكْرُ الواوِ إباحَةَ الأرْبَعِ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ دَخَلَ في الخِطابِ؛ وأيْضًا فَإنَّ المَثْنى داخِلٌ في الثُّلاثِ؛ والثُّلاثَ في الرُّباعِ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأعْدادِ مُرادٌ مَعَ الأعْدادِ الأُخَرِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ؛ فَتَكُونُ تِسْعًا؛ وهَذا كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠]؛ (p-٣٤٧)إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠]؛ والمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَدِيًّا؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]؛ ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَصارَتِ الأيّامُ كُلُّها ثَمانِيَةً؛ وقَدْ عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ فَكَذَلِكَ المَثْنى داخِلٌ في الثُّلاثِ؛ والثُّلاثُ في الرُّباعِ؛ فَجَمِيعُ ما أباحَتْهُ الآيَةُ مِنَ العَدَدِ أرْبَعٌ؛ لا زِيادَةَ عَلَيْها؛ وهَذا العَدَدُ إنَّما هو لِلْأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ في قَوْلِ أصْحابِنا؛ والثَّوْرِيِّ؛ واللَّيْثِ؛ والشّافِعِيِّ؛ وقالَ مالِكٌ: "لِلْعَبْدِ أنْ يَتَزَوَّجَ أرْبَعًا"؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الآيَةَ في الأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾؛ إنَّما هو مُخْتَصٌّ بِالأحْرارِ؛ لِأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ عَقْدَ النِّكاحِ؛ لِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِ المَوْلى؛ وأنَّ المَوْلى أمْلَكُ بِالعَقْدِ عَلَيْهِ مِنهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المَوْلى لَوْ زَوَّجَهُ وهو كارِهٌ لَجازَ عَلَيْهِ؛ ولَوْ تَزَوَّجَ هو بِغَيْرِ إذْنِ المَوْلى لَمْ يَجُزْ نِكاحُهُ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ"؛» وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]؛ فَلَمّا كانَ العَبْدُ لا يَمْلِكُ عَقْدَ النِّكاحِ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الخِطابِ بِالآيَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الأحْرارِ؛ وأيْضًا لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ لِلرِّقِّ تَأْثِيرًا في نُقْصانِ حُقُوقِ النِّكاحِ المُقَدَّرَةِ؛ كالطَّلاقِ؛ والعِدَّةِ؛ فَلَمّا كانَ العَدَدُ مِن حُقُوقِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ النِّصْفُ مِمّا لِلْحُرِّ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ العَبْدَ لا يَتَزَوَّجُ إلّا اثْنَتَيْنِ؛ ولا يُرْوى عَنْ أحَدٍ مِن نُظَرائِهِمْ خِلافُهُ فِيما نَعْلَمُهُ؛ وقَدْ رَوى سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "يَنْكِحُ العَبْدُ اثْنَتَيْنِ؛ ويُطَلِّقُ اثْنَتَيْنِ؛ وتَعْتَدُّ الأمَةُ حَيْضَتَيْنِ؛ فَإنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرٌ ونِصْفٌ"؛ ورَوى الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُمَرَ؛ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أنَّ العَبْدَ لا يَحِلُّ لَهُ أكْثَرُ مِنَ امْرَأتَيْنِ؛ ورَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ عَنْ أبِيهِ أنَّ عَلِيًّا قالَ: "لا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَنْكِحَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ"؛ ورَوى حَمّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّ عُمَرَ وعَبْدَ اللَّهِ قالا: "لا يَنْكِحُ العَبْدُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ"؛ وشُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ؛ عَنِ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ قالَ: "يَتَزَوَّجُ العَبْدُ اثْنَتَيْنِ"؛ وابْنُ سِيرِينَ قالَ: قالَ عُمَرُ: "أيُّكم يَعْلَمُ ما يَحِلُّ لِلْعَبْدِ مِنَ النِّساءِ ؟"؛ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: أنا؛ فَقالَ عُمَرُ: "كَمْ؟"؛ قالَ: اِثْنَتَيْنِ؛ فَسَكَتَ؛ ومَن يُشاوِرُهُ عُمَرُ ويَرْضى بِقَوْلِهِ فالظّاهِرُ أنَّهُ صَحابِيٌّ؛ ورَوى لَيْثٌ عَنِ الحَكَمِ قالَ: "اِجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَجْمَعُ مِنَ النِّساءِ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ"؛ فَقَدْ ثَبَتَ بِإجْماعِ أئِمَّةِ الصَّحابَةِ ما ذَكَرْناهُ؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن نُظَرائِهِمْ قالَ: إنَّهُ يَتَزَوَّجُ أرْبَعًا؛ فَمَن خالَفَ ذَلِكَ كانَ مَحْجُوجًا بِإجْماعِ الصَّحابَةِ؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنا (p-٣٤٨)عَنِ الحَسَنِ؛ وإبْراهِيمَ؛ وابْنِ سِيرِينَ؛ وعَطاءٍ؛ والشَّعْبِيِّ
فَإنْ قِيلَ: رَوى يَحْيى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ أبِي وهْبٍ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: "يَتَزَوَّجُ العَبْدُ أرْبَعًا"؛ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ والقاسِمِ؛ وسالِمٍ؛ ورَبِيعَةَ الرَّأْيِ؛ قِيلَ لَهُ: إسْنادُ حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ؛ وهو أبُو وهْبٍ؛ ولَوْ ثَبَتَ لَمْ يَجُزْ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى قَوْلِ الأئِمَّةِ الَّذِينَ ذَكَرْنا أقاوِيلَهُمْ؛ واسْتَفاضَ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ وقَدْ ذَكَرَ الحَكَمُ؛ وهو مِن جُلَّةِ فُقَهاءِ التّابِعِينَ؛ إجْماعَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ العَبْدَ لا يَتَزَوَّجُ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
* *
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾؛ فَإنَّ مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - العَدْلُ في القَسْمِ بَيْنَهُنَّ؛ لِما قالَ (تَعالى) - في آيَةٍ أُخْرى -: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ والمُرادُ مَيْلُ القَلْبِ؛ والعَدْلُ الَّذِي يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ ويَخافُ ألّا يَفْعَلَ إظْهارُ المَيْلِ بِالفِعْلِ؛ فَأمَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِالِاقْتِصارِ عَلى الواحِدَةِ إذا خافَ إظْهارَ المَيْلِ؛ والجَوْرَ؛ ومُجانَبَةَ العَدْلِ؛ وقَوْلُهُ - عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إباحَةِ العَدَدِ المَذْكُورِ بِعَقْدِ النِّكاحِ -: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ يَقْتَضِي حَقِيقَتُهُ وظاهِرُهُ إيجابَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أرْبَعِ حَرائِرَ؛ وأرْبَعِ إماءٍ؛ بِعَقْدِ النِّكاحِ؛ فَيُوجِبُ ذَلِكَ تَخْيِيرَهُ بَيْنَ تَزْوِيجِ الحُرَّةِ والأمَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ؛ بَلْ هو مُضَمَّنٌ بِما قَبْلَهُ؛ وفِيهِ ضَمِيرٌ لا يُسْتَغْنى عَنْهُ؛ وضَمِيرُهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا في الخِطابِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ لَنا إضْمارُ مَعْنًى لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ إلّا بِدَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَجْعَلَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ اَلْوَطْءَ؛ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: "قَدْ أبَحْتُ لَكم وطْءَ مِلْكِ اليَمِينِ"؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ الوَطْءِ؛ وإنَّما الَّذِي في أوَّلِ الآيَةِ ذِكْرُ العَقْدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾؛ لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِهِ العَقْدُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ ضَمِيرَهُ؛ أوْ فانْكِحُوا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ؛ وذَلِكَ النِّكاحُ هو العَقْدُ؛ فالضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْهِ أيْضًا هو العَقْدُ؛ دُونَ الوَطْءِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا صَلُحَ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ اسْمًا لِلْوَطْءِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ صارَ كَقَوْلِهِ: "فانْكِحُوا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ"؛ فَيَكُونُ مَعْناهُ الوَطْءَ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنْ كانَ مَعْناهُ العَقْدَ في أوَّلِ الخِطابِ؛ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ هَذا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ ضَمِيرُهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَدِيًّا في أوَّلِ الخِطابِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِعَيْنِهِ؛ ومَعْناهُ المُرادُ بِهِ؛ ضَمِيرًا فِيهِ؛ فَإذا كانَ النِّكاحُ المَذْكُورُ هو العَقْدُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ فِيما طابَ لَكُمْ؛ فَإذا أضْمَرَهُ في مِلْكِ اليَمِينِ كانَ الضَّمِيرُ هو العَقْدَ؛ إذْ لَمْ يَجُزْ لِلْوَطْءِ ذِكْرٌ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ ولا مِن طَرِيقِ اللَّفْظِ؛ (p-٣٤٩)فامْتَنَعَ مِن أجْلِ ذَلِكَ إضْمارُ الوَطْءِ فِيهِ؛ وإنْ كانَ اسْمُ النِّكاحِ قَدْ يَتَناوَلُهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ذِكْرُ النِّكاحِ؛ إلّا ما تَقَدَّمَ في أوَّلِها؛ وثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهِ العَقْدُ؛ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ذَلِكَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ وطْئًا؛ لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ لَفْظٌ واحِدٌ مَجازًا وحَقِيقَةً؛ لِأنَّ أحَدَ المَعْنَيَيْنِ يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ مَجازًا؛ والآخَرُ حَقِيقَةً؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَظِمَهُما لَفْظٌ واحِدٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُهُ عَقْدَ النِّكاحِ المَذْكُورِ بَدِيًّا في الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: اَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ هو الوَطْءُ؛ دُونَ العَقْدِ؛ إضافَتُهُ لِمِلْكِ اليَمِينِ إلى المُخاطَبِينَ؛ ومَعْلُومٌ اسْتِحالَةُ تَزَوُّجِهِ بِمِلْكِ يَمِينِهِ؛ ويَجُوزُ لَهُ وطْءُ مِلْكِ يَمِينِهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ الوَطْءُ؛ دُونَ العَقْدِ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا أضافَ مِلْكَ اليَمِينِ إلى الجَماعَةِ كانَ المُرادُ نِكاحَ مِلْكِ يَمِينِ الغَيْرِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ فَأضافَ عَقْدَ النِّكاحِ عَلى مِلْكِ أيْمانِهِمْ إلَيْهِمْ؛ والخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى كُلِّ واحِدٍ؛ في إباحَةِ تَزْوِيجِ مِلْكِ غَيْرِهِ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ فَلَيْسَ إذًا فِيما ذَكَرْتَ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ إضْمارٍ لا ذِكْرَ لَهُ في الخِطابِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا؛ وهو عَقْدُ النِّكاحِ.
وفِيما وصَفْنا دَلِيلٌ عَلى اقْتِضاءِ الآيَةِ التَّخْيِيرَ بَيْنِ تَزَوُّجِ الأمَةِ؛ والحُرَّةِ؛ لِمَن يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ لا يَصِحُّ إلّا فِيما يُمْكِنُهُ فِعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حالِهِ؛ فَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ الدَّلالَةَ مِن وجْهَيْنِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ الأمَةِ؛ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ؛ أحَدُهُما عُمُومُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾؛ وذَلِكَ شامِلٌ لِلْحَرائِرِ؛ والإماءِ؛ لِوُقُوعِ اسْمِ النِّساءِ عَلَيْهِنَّ؛ والثّانِي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الحَرائِرِ في التَّزْوِيجِ؛ وقَدْ قَدَّمْنا دَلالَةَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ عَلى ذَلِكَ؛ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؛ وذَلِكَ عُمُومٌ شامِلٌ لِلْحَرائِرِ؛ والإماءِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ إلّا بِدَلالَةٍ؛
* *
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾؛ فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ؛ والحَسَنَ؛ ومُجاهِدًا؛ وأبا رَزِينٍ؛ والشَّعْبِيَّ؛ وأبا مالِكٍ؛ وإسْماعِيلَ؛ وعِكْرِمَةَ؛ وقَتادَةَ؛ قالُوا: "يَعْنِي: لا تَمِيلُوا عَنِ الحَقِّ"؛ ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾؛ ألّا تَمِيلُوا؛ وأنْشَدَ عِكْرِمَةُ شِعْرًا لِأبِي طالِبٍ:
؎بِمِيزانِ صِدْقٍ لا يَخِسُّ شَعِيرَةً ∗∗∗ ووِزانِ قِسْطٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ
(p-٣٥٠)قالَ: غَيْرُ مائِلٍ؛ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ العَوْلِ المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ؛ فالعَوْلُ في الفَرِيضَةِ مُجاوَزَةُ حَدِّ السِّهامِ المُسَمّاةِ؛ والعَوْلُ المَيْلُ الَّذِي هو خِلافُ العَدْلِ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ العَدْلِ؛ و"عالَ؛ يَعُولُ"؛ إذا جارَ؛ و"عالَ؛ يَعِيلُ"؛ إذا تَبَخْتَرَ؛ و"عالَ؛ يَعِيلُ"؛ إذا افْتَقَرَ؛ حَكى لَنا ذَلِكَ أبُو عُمَرَ؛ غُلامُ ثَعْلَبٍ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾: "مَعْناهُ ألّا يَكْثُرَ مَن تَعُولُونَ"؛ قالَ: "وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلى الرَّجُلِ نَفَقَةَ امْرَأتِهِ "؛ وقَدْ خَطَّأهُ النّاسُ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ وكُلِّ مَن رُوِيَ عَنْهُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَعْناهُ: "ألّا تَمِيلُوا"؛ و"ألّا تَجُورُوا"؛ وأنَّ هَذا المَيْلَ هو خِلافُ العَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ مِنَ القَسْمِ بَيْنَ النِّساءِ؛ والثّانِي خَطَؤُهُ في اللُّغَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّهُ لا يُقالُ في كَثْرَةِ العِيالِ: "عالَ؛ يَعُولُ"؛ ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ؛ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ؛ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ﴿ألا تَعُولُوا﴾؛ قالَ: "ألّا تَجُورُوا؛ يُقالُ: "عِلْتَ عَلَيَّ "؛ أيْ: جُرْتَ"؛ والثّالِثُ أنَّ في الآيَةِ ذِكْرَ الواحِدَةِ؛ أوْ مِلْكِ اليَمِينِ؛ والإماءُ في العِيالِ بِمَنزِلَةِ النِّساءِ؛ ولا خِلافَ أنَّ لَهُ أنْ يَجْمَعَ مِنَ العَدَدِ مَن شاءَ بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ كَثْرَةَ العِيالِ؛ وأنَّ المُرادَ نَفْيُ الجَوْرِ؛ والمَيْلِ؛ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ واحِدَةٍ؛ إذْ لَيْسَ مَعَها مَن تُلْزِمُهُ القَسْمَ بَيْنَها وبَيْنَها؛ إذْ لا قَسْمَ لِلْإماءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:4
بابُ هِبَةِ المَرْأةِ المَهْرَ لِزَوْجِها
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ قالا: "فَرِيضَةٌ"؛ كَأنَّهُما ذَهَبا إلى نِحْلَةِ الدَّيْنِ؛ وأنَّ ذَلِكَ فُرِضَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنْ أبِي صالِحٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ أخَذَ صَداقَها؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ؛ فَجَعَلَهُ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ ألّا يَحْبِسُوا عَنْهُنَّ المُهُورَ؛ إذا قَبَضُوها؛ إلّا أنَّ مَعْنى النِّحْلَةِ يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرَهُ قَتادَةُ؛ في أنَّها فَرِيضَةٌ؛ وهَذا عَلى مَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) عُقَيْبَ ذِكْرِ المَوارِيثِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]؛ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما سُمِّيَ المَهْرُ نِحْلَةً - والنِّحْلَةُ في الأصْلِ العَطِيَّةُ؛ والهِبَةُ؛ في بَعْضِ الوُجُوهِ - لِأنَّ الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ بَدَلَهُ شَيْئًا؛ لِأنَّ البُضْعَ في مِلْكِ المَرْأةِ بَعْدَ النِّكاحِ؛ كَهو قَبْلَهُ؛ ألا تَرى أنَّها لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كانَ المَهْرُ لَها؛ دُونَ الزَّوْجِ؟ فَإنَّما سُمِّيَ المَهْرُ نِحْلَةً لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَضْ مِن قِبَلِها عِوَضًا يَمْلِكُهُ؛ فَكانَ في مَعْنى النِّحْلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِإزائِها بَدَلٌ؛ وإنَّما الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنها بِعَقْدِ النِّكاحِ هو الِاسْتِباحَةُ؛ لا المِلْكُ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ؛ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى؛ (p-٣٥١)فِي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نِحْلَةً﴾: يَعْنِي بِطِيبَةِ أنْفُسِكُمْ؛ يَقُولُ: "لا تُعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ وأنْتُمْ كارِهُونَ؛ ولَكِنْ آتَوْهُنَّ ذَلِكَ وأنْفُسُكم بِهِ طَيِّبَةٌ؛ وإنْ كانَ المَهْرُ لَهُنَّ دُونَكُمْ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَجائِزٌ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ إنَّما سَمّاهُ نِحْلَةً؛ لِأنَّ النِّحْلَةَ هي العَطِيَّةُ؛ ولَيْسَ يَكادُ يَفْعَلُها النّاحِلُ إلّا مُتَبَرِّعًا بِها طَيِّبَةً بِها نَفْسُهُ؛ فَأُمِرُوا بِإيتاءِ النِّساءِ مُهُورَهُنَّ بِطِيبَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ؛ كالعَطِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُها المُعْطِي بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ؛
ويُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ في إيجابِ كَمالِ المَهْرِ لِلْمَخْلُوِّ بِها؛ لِاقْتِضاءِ الظّاهِرِ لَهُ؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ فَإنَّهُ يَعْنِي: "عَنِ المَهْرِ"؛ لَمّا أمَرَهم بِإيتائِهِنَّ صَدُقاتِهِنَّ؛ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ جَوازِ قَبُولِ إبْرائِها؛ وهِبَتِها لَهُ؛ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّ عَلَيْهِ إيتاءَها مَهْرَها؛ وإنْ طابَتْ نَفْسُها بِتَرْكِهِ.
قالَ قَتادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: "ما طابَتْ بِهِ نَفْسُها مِن غَيْرِ كُرْهٍ فَهو حَلالٌ"؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِامْرَأتِهِ: "أطْعِمِينِي مِنَ الهَنِيءِ المَرِيءِ"؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَعانِيَ؛ مِنها أنَّ المَهْرَ لَها؛ وهي المُسْتَحِقَّةُ لَهُ؛ لا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ؛ ومِنها أنَّ عَلى الزَّوْجِ أنْ يُعْطِيَها بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ؛ ومِنها جَوازُ هِبَتِها المَهْرَ لِلزَّوْجِ؛ والإباحَةُ لِلزَّوْجِ في أخْذِهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ ومِنها تَساوِي حالِ قَبْضِها لِلْمَهْرِ؛ وتَرْكِ قَبْضِها؛ في جَوازِ هِبَتِها لِلْمَهْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ يَدُلُّ عَلى المَعْنَيَيْنِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ هِبَتِها لِلْمَهْرِ قَبْلَ القَبْضِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ؛ فِيما تَعَيَّنَ مِنَ المَهْرِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ عَرَضًا بِعَيْنِهِ فَقَبَضَتْهُ؛ أوْ لَمْ تَقْبِضْهُ؛ أوْ دَراهِمَ قَدْ قَبَضَتْها؛ فَأمّا دَيْنٌ في الذِّمَّةِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ هِبَتِها لَهُ؛ إذْ لا يُقالُ لِما في الذِّمَّةِ: "كُلْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا"؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ المُرادُ في ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ؛ دُونَ ما لا يَتَأتّى؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاصًّا في المَهْرِ؛ إذا كانَ شَيْئًا مَأْكُولًا؛ وقَدْ عُقِلَ مِن مَفْهُومِ الخِطابِ أنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى المَأْكُولِ مِنهُ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ عامٌّ في المُهُورِ كُلِّها؛ سَواءٌ كانَتْ مِن جِنْسِ المَأْكُولِ؛ أوْ مِن غَيْرِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ شامِلٌ لِجَمِيعِ الصَّدَقاتِ المَأْمُورِ بِإيتائِها؛ فَدَلَّ أنَّهُ لا اعْتِبارَ بِلَفْظِ الأكْلِ في ذَلِكَ؛ وأنَّ المَقْصِدَ فِيهِ جَوازُ اسْتِباحَتِهِ بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِها.
وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ وهو عُمُومٌ في النَّهْيِ عَنْ سائِرِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ؛ مِنَ الدُّيُونِ؛ والأعْيانِ؛ المَأْكُولِ؛ وغَيْرِ المَأْكُولِ؛ وشامِلٌ لِلنَّهْيِ في أخْذِ أمْوالِ النّاسِ؛ إلّا عَلى وجْهِ (p-٣٥٢)التِّجارَةِ عَنْ تَراضٍ؛ ولَيْسَ المَأْكُولُ بِأوْلى بِمَعْنى الآيَةِ مِن غَيْرِهِ؛ وإنَّما خُصَّ الأكْلُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُبْتَغى لَهُ الأمْوالُ؛ إذْ بِهِ قِوامُ بَدَنِ الإنْسانِ؛ وفي ذِكْرِهِ لِلْأكْلِ دَلالَةٌ عَلى ما دُونَهُ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]؛ فَخُصَّ البَيْعُ بِالذِّكْرِ؛ وإنْ كانَ ما عَداهُ مِن سائِرِ ما يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلاةِ بِمَثابَتِهِ في النَّهْيِ؛ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالبَيْعِ مِن أعْظَمِ أُمُورِهِمْ في السَّعْيِ في طَلَبِ مَعايِشِهِمْ؛ فَعُقِلَ مِن ذَلِكَ إرادَةُ ما هو دُونَهُ؛ وأنَّهُ أوْلى بِالنَّهْيِ؛ إذْ قَدْ نَهاهم عَمّا هم إلَيْهِ أحْوَجُ؛ والحاجَةُ إلَيْهِ أشَدُّ؛ وكَما قالَ (تَعالى): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]؛ فَخُصَّ اللَّحْمُ بِذِكْرِ التَّحْرِيمِ؛ وسائِرُ أجْزائِهِ مِثْلُهُ دُونَهُ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُرادُ مِنهُ ويُنْتَفَعُ بِهِ؛ فَكانَ في تَحْرِيمِهِ أعْظَمَ مَنافِعِهِ دَلالَةً عَلى ما دُونَهُ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ قَدِ اقْتَضى جَوازَ هِبَتِها لِلْمَهْرِ مِن أيِ جِنْسٍ كانَ؛ عَيْنًا أوْ دَيْنًا؛ قَبَضَتْهُ أوْ لَمْ تَقْبِضْهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّهُ إذا جازَتْ هِبَتُها لِلْمَهْرِ؛ إذا كانَ مَقْبُوضًا مُعَيَّنًا؛ فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ إذا كانَ دَيْنًا؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ جَوازُ تَصَرُّفِها في مالِها؛ فَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُ العَيْنِ والدَّيْنِ فِيهِ؛ ولِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ هِبَةِ الدَّيْنِ؛ والبَراءَةِ مِنهُ؛ كَما جازَتْ هِبَةُ المَرْأةِ لِلْمَهْرِ؛ وهو دَيْنٌ؛ وتَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ مَن وهَبَ لِإنْسانٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ؛ أنَّ البَراءَةَ قَدْ وقَعَتْ بِنَفْسِ الهِبَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ؛ وأسْقَطَهُ عَنْ ذِمَّتِهِ؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّ مَن وهَبَ لِإنْسانٍ مالًا فَقَبَضَهُ؛ وتَصَرَّفَ فِيهِ؛ أنَّهُ جائِزٌ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَقُلْ بِلِسانِهِ: "قَدْ قَبِلْتُ "؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أباحَ لَهُ أكْلَ ما وهَبَتْهُ مِن غَيْرِ شَرْطِ القَبُولِ؛ بَلْ يَكُونُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِحَضْرَتِهِ حِينَ وهَبَهُ قَبُولًا؛ وتَدُلُّ عَلى أنَّها لَوْ قالَتْ: "قَدْ طِبْتُ لَكَ نَفْسًا عَنْ مَهْرِي "؛ وأرادَتِ الهِبَةَ والبَراءَةَ؛ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في هِبَةِ المَرْأةِ مَهْرَها لِزَوْجِها؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ؛ والشّافِعِيُّ: "إذا بَلَغَتِ المَرْأةُ؛ واجْتَمَعَ لَها عَقْلُها؛ جازَ لَها التَّصَرُّفُ في مالِها بِالهِبَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا"؛ وقالَ مالِكٌ: "لا يَجُوزُ أمْرُ البِكْرِ في مالِها؛ ولا ما وضَعَتْ عَنْ زَوْجِها مِنَ الصَّداقِ؛ وإنَّما ذَلِكَ إلى أبِيها؛ في العَفْوِ عَنْ زَوْجِها؛ ولا يَجُوزُ لِغَيْرِ الأبِ مِن أوْلِيائِها ذَلِكَ"؛ قالَ: "وبَيْعُ المَرْأةِ ذاتِ الزَّوْجِ دارَها؛ وخادِمَها؛ جائِزٌ؛ وإنْ كَرِهَ الزَّوْجُ؛ إذا أصابَتْ وجْهَ البَيْعِ؛ فَإنْ كانَتْ فِيهِ مُحاباةٌ كانَ مِن ثُلُثِ مالِها؛ وإنْ تَصَدَّقَتْ؛ أوْ وهَبَتْ أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لَمْ يَجُزْ مِن ذَلِكَ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ"؛ قالَ مالِكٌ: "والمَرْأةُ الأيِّمُ؛ (p-٣٥٣)إذا لَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ؛ في مالِها كالرَّجُلِ في مالِهِ؛ سَواءٌ"؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: "لا تَجُوزُ عَطِيَّةُ المَرْأةِ حَتّى تَلِدَ وتَكُونَ في بَيْتِ زَوْجِها سَنَةً"؛ وقالَ اللَّيْثُ: "لا يَجُوزُ عِتْقُ المَرْأةِ ذاتِ الزَّوْجِ؛ ولا صَدَقَتُها؛ إلّا في الشَّيْءِ اليَسِيرِ الَّذِي لا بُدَّ لَها مِنهُ لِصِلَةِ رَحِمٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ (تَعالى)".
قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْآيَةُ قاضِيَةٌ بِفَسادِ هَذِهِ الأقْوالِ؛ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا؛ الَّذِي قَدَّمْنا؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾؛ ولَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ ولا بَيْنَ مَن أقامَتْ في بَيْتِ زَوْجِها سَنَةً؛ أوْ لَمْ تُقِمْ؛ وغَيْرُ جائِزٍ الفارِقُ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ في ذَلِكَ؛ إلّا بِدَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى خُصُوصِ حُكْمِ الآيَةِ في الثَّيِّبِ؛ دُونَ البِكْرِ؛ وأجازَ مالِكٌ هِبَةَ الأبِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أمَرَنا بِإعْطائِها جَمِيعَ الصَّداقِ؛ إلّا أنْ تَهَبْ هي شَيْئًا مِنهُ لَهُ؛ فالآيَةُ قاضِيَةٌ بِبُطْلانِ هِبَةِ الأبِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيتاءِ جَمِيعِ الصَّداقِ؛ إلّا أنْ تَطِيبَ نَفْسُها بِتَرْكِهِ؛ ولَمْ يَشْرُطِ اللَّهُ (تَعالى) طِيبَةَ نَفْسِ الأبِ؛ فَمُنِعَ ما أباحَهُ اللَّهُ (تَعالى) لَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِها مِن مَهْرِها؛ وأجازَ ما حَظَرَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ مِن مَنعِ شَيْءٍ مِن مَهْرِها؛ إلّا بِطِيبَةِ نَفْسِها بِهِبَةِ الأبِ؛ وهَذا الِاعْتِراضُ عَلى الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ؛ أحَدُهُما مَنعُها الهِبَةَ مَعَ اقْتِضاءِ ظاهِرِ الآيَةِ لِجَوازِها؛ والثّانِي جَوازُ هِبَةِ الأبِ مَعَ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) الزَّوْجَ بِإعْطائِها الجَمِيعَ؛ إلّا أنْ تَطِيبَ نَفْسًا بِتَرْكِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فَمُنِعَ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها إلّا بِرِضاها بِالفِدْيَةِ؛ فَقَدْ شَرَطَ رِضا المَرْأةِ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ مَعَ ذَلِكَ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْنَبَ؛ امْرَأةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلنِّساءِ: "تَصَدَّقْنَ ولَوْ مِن حُلِيِّكُنَّ"؛» وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ؛ فَصَلّى؛ ثُمَّ خَطَبَ؛ ثُمَّ أتى النِّساءَ فَأمَرَهُنَّ أنْ يَتَصَدَّقْنَ»؛ ولَمْ يُفَرِّقْ في شَيْءٍ مِنهُ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ ولِأنَّ هَذا حَجْرٌ؛ ولا يَصِحُّ الحَجْرُ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ الخُلْعُ دُونَ السُّلْطانِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ: " يَجُوزُ الخُلْعُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: " لا يَجُوزُ الخُلْعُ إلّا عِنْدَ السُّلْطانِ " . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ عِنْدَ غَيْرِ سُلْطانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ اقْتَضى ظاهِرُهُ جَوازَ أخْذِهِ ذَلِكَ مِنها عَلى وجْهِ الخُلْعِ وغَيْرِهِ.
وقالَ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطانِ. وكَما جازَ عَقْدُ النِّكاحِ وسائِرُ العُقُودِ عِنْدَ السُّلْطانِ وعِنْدَ غَيْرِهِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ الخُلْعُ؛ إذْ لا اخْتِصاصَ في الأُصُولِ لِهَذِهِ العُقُودِ بِكَوْنِها عِنْدَ السُّلْطانِ؛ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
النساء 4:5
بابُ دَفْعِ المالِ إلى السُّفَهاءِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "لا يَقْسِمِ الرَّجُلُ مالَهُ عَلى أوْلادِهِ فَيَصِيرَ عِيالًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ إذْ هم عِيالٌ لَهُ؛ والمَرْأةُ مِن أسْفَهِ السُّفَهاءِ"؛ فَتَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ الآيَةَ (p-٣٥٤)عَلى ظاهِرِها؛ ومُقْتَضى حَقِيقَتِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أمْوالَكُمُ﴾؛ يَقْتَضِي خِطابَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِالنَّهْيِ عَنْ دَفْعِ مالِهِ إلى السُّفَهاءِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَضْيِيعِهِ؛ لِعَجْزِ هَؤُلاءِ عَنِ القِيامِ بِحِفْظِهِ وتَثْمِيرِهِ؛ وهو يَعْنِي بِهِ الصِّبْيانَ؛ والنِّساءَ؛ الَّذِينَ لا يَكْمُلُونَ؛ لِحِفْظِ المالِ؛ ويَدُلُّ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُوَكِّلَ في حَياتِهِ بِمالٍ؛ ويَجْعَلَهُ في يَدِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ؛ وألّا يُوصِيَ بِهِ إلى أمْثالِهِمْ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ ورَثَتَهُ إذا كانُوا صِغارًا؛ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوصِيَ بِمالِهِ إلّا إلى أمِينٍ؛ مُضْطَلِعٍ بِحِفْظِهِ عَلَيْهِمْ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى النَّهْيِ عَنْ تَضْيِيعِ المالِ؛ ووُجُوبِ حِفْظِهِ وتَدْبِيرِهِ؛ والقِيامِ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَ قِوامَ أجْسادِنا بِالمالِ؛ فَمَن رَزَقَهُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ إخْراجُ حَقِّ اللَّهِ (تَعالى) مِنهُ؛ ثُمَّ حِفْظُ ما بَقِيَ؛ وتَجَنُّبُ تَضْيِيعِهِ؛ وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) لِعِبادِهِ في إصْلاحِ المَعاشِ؛ وحُسْنِ التَّدْبِيرِ؛ وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) ذَلِكَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ العَزِيزِ؛ مِنها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ وما أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ مِن حِفْظِ الأمْوالِ؛ وتَحْصِينِ الدُّيُونِ بِالشَّهاداتِ؛ والكِتابِ؛ والرَّهْنِ؛ عَلى ما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ.
وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾؛ يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَكم قُوّامًا عَلَيْها؛ فَلا تَجْعَلُوها في يَدِ مَن يُضَيِّعُها؛ والوَجْهُ الثّانِي مِنَ التَّأْوِيلِ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ أرادَ: "لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَهُمْ"؛ وإنَّما أضافَها إلَيْهِمْ؛ كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ يَعْنِي لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ يُرِيدُ مَن يَكُونُ فِيها؛ وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ السُّفَهاءُ مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ؛ فَيَكُونُونَ مَمْنُوعِينَ مِن أمْوالِهِمْ؛ إلى أنْ يَزُولَ السَّفَهُ؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى "اَلسُّفَهاءَ " هَهُنا؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اَلسَّفِيهُ مِن ولَدِكَ وعِيالِكَ"؛ وقالَ: "اَلْمَرْأةُ مِن أسْفَهِ السُّفَهاءِ"؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ والحَسَنُ؛ والسُّدِّيُّ؛ والضَّحّاكُ؛ وقَتادَةُ: "اَلنِّساءُ؛ والصِّبْيانُ"؛ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: "كُلُّ مَن يَسْتَحِقُّ صِفَةَ سَفِيهٍ في المالِ؛ مِن مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ وغَيْرِهِ"؛ ورَوىالشَّعْبِيُّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ؛ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: "ثَلاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلا يُسْتَجابُ لَهُمْ؛ رَجُلٌ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها؛ ورَجُلٌ أعْطى مالَهُ سَفِيهًا؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾؛ ورَجُلٌ دايَنَ رَجُلًا فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ"؛ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ السُّفَهاءَ النِّساءُ؛ وقِيلَ: إنَّ أصْلَ السَّفَهِ (p-٣٥٥)خِفَّةُ الحِلْمِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الفاسِقُ سَفِيهًا؛ لِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ عِنْدَ أهْلِ الدِّينِ والعِلْمِ؛ ويُسَمّى النّاقِصُ العَقْلِ سَفِيهًا؛ لِخِفَّةِ عَقْلِهِ؛ ولَيْسَ السَّفَهُ في هَؤُلاءِ صِفَةَ ذَمٍّ؛ ولا يُفِيدُ مَعْنى العِصْيانِ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وإنَّما سُمُّوا سُفَهاءَ لِخِفَّةِ عُقُولِهِمْ؛ ونُقْصانِ تَمْيِيزِهِمْ عَنِ القِيامِ بِحِفْظِ المالِ؛ فَإنْ قِيلَ: لا خِلافَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ نَهَبَ النِّساءَ والصِّبْيانَ المالَ؛ وقَدْ أرادَ بَشِيرٌ أنْ يَهَبَ لِابْنِهِ النُّعْمانِ؛ فَلَمْ يَمْنَعْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنهُ؛ إلّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْطِ سائِرَ بَنِيهِ مِثْلَهُ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى مَنعِ إعْطاءِ السُّفَهاءِ أمْوالَنا؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ المَعْنى فِيهِ التَّمْلِيكَ؛ وهِبَةَ المالِ؛ وإنَّما المَعْنى فِيهِ أنْ نَجْعَلَ الأمْوالَ في أيْدِيهِمْ؛ وهم غَيْرُ مُضْطَلِعِينَ بِحِفْظِها؛ وجائِزٌ لِلْإنْسانِ أنْ يَهَبَ الصَّغِيرَ والمَرْأةَ؛ كَما يَهَبُ الكَبِيرَ العاقِلَ؛ ولَكِنَّهُ يَقْبِضُهُ لَهُ مَن يَلِي عَلَيْهِ ويَحْفَظُ مالَهُ؛ ولا يُضَيِّعُهُ؛ وإنَّما مَنَعَنا اللَّهُ (تَعالى) بِالآيَةِ أنْ نَجْعَلَ أمْوالَنا في أيْدِي الصِّغارِ والنِّساءِ اللّاتِي لا يَكْمُلْنَ بِحِفْظِها وتَدْبِيرِها.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾؛ يَعْنِي: "وارْزُقُوهم مِن هَذِهِ الأمْوالِ"؛ لِأنَّ "فِي" هَهُنا بِمَعْنى "مِن"؛ إذْ كانَتْ حُرُوفُ الصِّفاتِ تَتَعاقَبُ؛ فَيُقامُ بَعْضُها مَقامَ بَعْضٍ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]؛ وهو بِمَعْنى "مَعَ"؛ فَنَهانا اللَّهُ (تَعالى) عَنْ دَفْعِ الأمْوالِ إلى السُّفَهاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُونَ بِحِفْظِها؛ وأمَرَنا بِأنْ نَرْزُقَهم مِنها ونَكْسُوَهُمْ؛ فَإنْ قِيلَ: كانَ مُرادُ الآيَةِ النَّهْيَ عَنْ إعْطائِهِمْ مالَنا عَلى ما اقْتَضى ظاهِرُها؛ فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ نَفَقَةِ الأوْلادِ السُّفَهاءِ؛ والزَّوْجاتِ؛ لِأمْرِهِ إيّانا بِالإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن أمْوالِنا؛ وإنْ كانَ تَأْوِيلُها ما ذَهَبَ إلَيْهِ القائِلُونَ بِأنَّ مُرادَها ألّا نُعْطِيَهم أمْوالَهم وهم سُفَهاءُ؛ فَإنَّما فِيهِ الأمْرُ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن أمْوالِهِمْ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى الحَجْرِ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما مَنعُهم مِن أمْوالِهِمْ؛ والثّانِي: إجازَتُهُ تَصَرُّفَنا عَلَيْهِمْ في الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ؛ وشِراءِ أقْواتِهِمْ؛ وكِسْوَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ قالَ مُجاهِدٌ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: "قَوْلًا مَعْرُوفًا: عِدَةً جَمِيلَةً بِالبِرِّ؛ والصِّلَةِ؛ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ ويَحْسُنُ"؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إجْمالَ المُخاطَبَةِ لَهُمْ؛ وإلانَةَ القَوْلِ فِيما يُخاطَبُونَ بِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَعْرُوفُ هَهُنا التَّأْدِيبَ؛ والتَّنْبِيهَ عَلى الرُّشْدِ؛ والصَّلاحِ؛ والهِدايَةِ لِلْأخْلاقِ الحَسَنَةِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إذا أعْطَيْتُمُوهُمُ الرِّزْقَ والكِسْوَةَ مِن أمْوالِكم أنْ تُجْمِلُوا لَهُمُ القَوْلَ؛ ولا تُؤْذُوهم بِالتَّذَمُّرِ عَلَيْهِمْ؛ والِاسْتِخْفافِ بِهِمْ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا (p-٣٥٦)مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - إجْمالَ اللَّفْظِ؛ وتَرْكَ التَّذَمُّرِ والِامْتِنانِ؛ وكَما قالَ (تَعالى): ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُرادَةً بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:6
ذِكْرُ اخْتِلافِ فُقَهاءِ الأمْصارِ في الحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ
كانَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَرى الحَجْرَ عَلى الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ؛ لا لِسَفَهٍ؛ ولا لِتَبْذِيرٍ؛ ولا لِدَيْنٍ وإفْلاسٍ؛ وإنْ حَجَرَ عَلَيْهِ القاضِي؛ ثُمَّ أقَرَّ بِدَيْنٍ؛ أوْ تَصَرُّفٍ في مالِهِ بِبَيْعٍ؛ أوْ هِبَةٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ جازَ تَصَرُّفُهُ؛ وإنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ؛ فَكانَ فاسِدًا؛ ويُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مالِهِ؛ ومَعَ ذَلِكَ إنْ أقَرَّ بِهِ لِإنْسانٍ؛ أوْ باعَهُ؛ جازَ ما صَنَعَ مِن ذَلِكَ؛ وإنَّما يُمْنَعُ مِن مالِهِ ما لَمْ يَبْلُغْ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً؛ فَإذا بَلَغَها دَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ؛ وإنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ؛ وقَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ في الحَجْرِ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ.
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ؛ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: لا يُحْجَرُ عَلى حُرٍّ؛ ورَوى ابْنُ (p-٢١٦)عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: "لا يُحْجَرُ عَلى حُرٍّ؛ إنَّما يُحْجَرُ عَلى العَبْدِ"؛ وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: "إذا كانَ سَفِيهًا حَجَرْتُ عَلَيْهِ؛ وإذا فَلَّسْتُهُ وحَبَسْتُهُ حَجَرْتُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ أُجِزْ بَيْعَهُ؛ ولا شِراءَهُ؛ ولا إقْرارَهُ بِدَيْنٍ؛ إلّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الحَجْرِ"؛ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي عِمْرانَ؛ عَنِ ابْنِ سِماعَةَ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ في الحَجْرِ بِمِثْلِ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ فِيهِ؛ ويَزِيدُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا صارَ في الحالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ مَعَها الحَجْرَ صارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ حَجَرَ القاضِي عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ؛ أوْ لَمْ يَحْجُرْ.
وكانَ أبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأحْوالِ فِيهِ حَتّى يَحْجُرَ القاضِي عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: إذا بَلَغَ ولَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مالُهُ؛ ولَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ ولا هِبَتُهُ؛ وكانَ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَبْلُغْ؛ فَما باعَ أوِ اشْتَرى نَظَرَ الحاكِمُ فِيهِ؛ فَإنْ رَأى إجازَتَهُ أجازَهُ؛ وهو ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ؛ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ لِوَصِيِّ الأبِ أنْ يَشْتَرِيَ ويَبِيعَ عَلى الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ عَلى الَّذِي بَلَغَ؛ إلّا بِأمْرِ الحاكِمِ؛ وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ؛ وابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ قالَ: ومَن أرادَ الحَجْرَ عَلى مُوَلِّيهِ فَلْيَحْجُرْ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطانِ؛ حَتّى يُوقِفَهُ لِلنّاسِ؛ ويَسْمَعَ مِنهُ في مَجْلِسِهِ؛ ويُشْهِدَ عَلى ذَلِكَ؛ ويَرُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ ما بُويِعَ؛ وما أدانَ بِهِ السَّفِيهَ؛ فَلا يَلْحَقُهُ ذَلِكَ إذا صَلَحَتْ حالُهُ؛ وهو مُخالِفٌ لِلْعَبْدِ؛ وإنْ ماتَ المُوَلّى عَلَيْهِ وقَدِ ادّانَ فَلا يُقْضى عَنْهُ؛ وهو في مَوْتِهِ بِمَنزِلَتِهِ في حَياتِهِ؛ إلّا أنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ في ثُلُثِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ؛ وإذا بَلَغَ الوَلَدُ فَلَهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْ أبِيهِ؛ وإنْ كانَ أبُوهُ شَيْخًا ضَعِيفًا؛ إلّا أنْ يَكُونَ الِابْنُ مُوَلًّى عَلَيْهِ؛ أوْ سَفِيهًا؛ أوْ ضَعِيفًا في عَقْلِهِ؛ فَلا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ وقالَ الفِرْيابِيُّ؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ قالَ: اَلْعَقْلَ؛ والحِفْظَ لِمالِهِ؛ وكانَ يَقُولُ: "إذا اجْتَمَعَ فِيهِ خَصْلَتانِ: إذا بَلَغَ الحُلُمَ؛ وكانَ حافِظًا لِمالِهِ؛ لا يُخْدَعُ عَنْهُ"؛ وحَكى المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ في مُخْتَصَرِهِ قالَ: "وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ أمْوالِ اليَتامى بِأمْرَيْنِ؛ لَمْ يُدْفَعْ إلّا بِهِما؛ وهُما: اَلْبُلُوغُ؛ والرُّشْدُ"؛ والرُّشْدُ: اَلصَّلاحُ في الدِّينِ؛ بِكَوْنِ الشَّهادَةِ جائِزَةً مَعَ إصْلاحِ المالِ؛ والمَرْأةُ إذا أُونِسَ مِنها الرُّشْدُ دُفِعَ إلَيْها مالُها؛ تَزَوَّجَتْ أوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ؛ كالغُلامِ؛ نَكَحَ أوْ لَمْ يَنْكِحْ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَوّى بَيْنَهُما؛ ولَمْ يَذْكُرْ تَزْوِيجًا؛ وإذا حَجَرَ عَلَيْهِ الإمامُ في سَفَهِهِ؛ وإفْسادِهِ مالَهُ أشْهَدَ عَلى ذَلِكَ؛ فَمَن بايَعَهُ بَعْدَ الحَجْرِ فَهو المُتْلِفُ لِمالِهِ؛ ومَتى أُطْلِقَ عَنْهُ الحَجْرُ ثُمَّ عادَ إلى حالِ الحَجْرِ حُجِرَ عَلَيْهِ؛ ومَتى رَجَعَ إلى حالِ الإطْلاقِ (p-٢١٧)أُطْلِقَ عَنْهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا ما احْتَجَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِن مُبْطِلِي الحَجْرِ؛ ومِن مُثْبِتِيهِ؛ مِن دَلالَةِ آيَةِ الدَّيْنِ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ مِن دَلالَتِها بُطْلانُ الحَجْرِ؛ وجَوازُ التَّصَرُّفِ؛ واحْتَجَّ مُثْبِتُو الحَجْرِ بِما رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ أتى الزُّبَيْرَ فَقالَ: إنِّي ابْتَعْتُ بَيْعًا؛ ثُمَّ إنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أنْ يَحْجُرَ عَلَيَّ؛ فَقالَ الزُّبَيْرُ: فَإنِّي شَرِيكُكَ في البَيْعِ؛ فَأتى عَلِيٌّ عُثْمانَ فَسَألَهُ أنْ يَحْجُرَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ فَقالَ الزُّبَيْرُ: أنا شَرِيكُهُ في هَذا البَيْعِ؛ فَقالَ عُثْمانُ: كَيْفَ أحْجُرُ عَلى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ ؟ قالُوا: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَمِيعًا قَدْ رَأوُا الحَجْرَ جائِزًا؛ ومُشارَكَةُ الزُّبَيْرِ لِيَدْفَعَ الحَجْرَ عَنْهُ؛ وكانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ مِن غَيْرِ خِلافٍ ظَهَرَ مِن غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى أنَّ الزُّبَيْرَ رَأى الحَجْرَ؛ وإنَّما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى تَسْوِيغِهِ لِعُثْمانَ الحَجْرَ؛ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى مُوافَقَتِهِ إيّاهُ فِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا حُكْمُ سائِرِ المَسائِلِ المُخْتَلَفِ فِيها مِن مَسائِلِ الِاجْتِهادِ؛ وأيْضًا فَإنَّ الحَجْرَ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَجْرُ في مَنعِ التَّصَرُّفِ؛ والإقْرارِ؛ والآخَرُ في المَنعِ مِنَ المالِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَجْرُ الَّذِي رَآهُ عُثْمانُ وعَلِيٌّ هو المَنعُ مِن مالِهِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ سِنُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً؛ وأبُو حَنِيفَةَ يَرى ألّا يُدْفَعَ إلَيْهِ مالُهُ قَبْلَ بُلُوغِ هَذِهِ السِّنِّ إذا لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ؛ وهَذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ هو مِنَ الصَّحابَةِ؛ وقَدْ أبى الحَجْرَ؛ فَكَيْفَ يُدَّعى فِيهِ اتِّفاقُ الصَّحابَةِ؟ ويَحْتَجُّونَ أيْضًا بِما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ؛ عَنْ عائِشَةَ أنَّها بَلَغَها أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَلَغَهُ أنَّها باعَتْ بَعْضَ رُباعِها؛ فَقالَ: لَتَنْتَهِيَنَّ وإلّا حَجَرْتُ عَلَيْها؛ فَبَلَغَها ذَلِكَ فَقالَتْ: لَلَّهِ عَلَيَّ ألّا أُكَلِّمَهُ أبَدًا؛ قالُوا: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ قَدْ رَأيا الحَجْرَ؛ إلّا أنَّها أنْكَرَتْ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ هي مِن أهْلِ الحَجْرِ؛ فَلَوْلا ذَلِكَ لَبَيَّنَتْ أنَّ الحَجْرَ لا يَجُوزُ؛ ولَرَدَّتْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ظَهَرَ النَّكِيرُ مِنها في الحَجْرِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَرَ الحَجْرَ جائِزًا؛ لَوْلا ذَلِكَ لَما أنْكَرَتْهُ إنْ كانَ ذَلِكَ شَيْئًا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهادُ؛ وما ظَهَرَ مِنها مِنَ النَّكِيرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ لا تُسَوِّغُ الِاجْتِهادَ في جَوازِ الحَجْرِ؛ فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ تُسَوِّغْ الِاجْتِهادَ في الحَجْرِ عَلَيْها؛ فَأمّا في الحَجْرِ مُطْلَقًا فَلا؛ ولَوْ كانَتْ لا تُسَوِّغُ الِاجْتِهادَ في جَوازِ الحَجْرِ لَقالَتْ: إنَّ الحَجْرَ غَيْرُ جائِزٍ؛ فَتَكْتَفِي بِذَلِكَ في إنْكارِها الحَجْرِ عَلَيْها؛ قِيلَ لَهُ: قَدْ أنْكَرَتِ الحَجْرَ عَلى الإطْلاقِ بِقَوْلِها: "لَلَّهِ عَلَيَّ ألّا أُكَلِّمَهُ أبَدًا"؛ ودَعْواكَ أنَّها أنْكَرَتِ الحَجْرَ عَلَيْها خاصَّةً؛ دُونَ إنْكارِها لِأصْلِ الحَجْرِ؛ لا دَلالَةَ مَعَها؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَجْرِ ما حَدَّثَنا بِهِ (p-٢١٨)مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ يُخْدَعُ في البَيْعِ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ"؛ فَكانَ الرَّجُلُ إذا بايَعَ يَقُولُ: "لا خِلابَةَ"؛» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأزْدِيُّ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ خالِدٍ؛ أبُو ثَوْرٍ الكَلْبِيِّ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ قالَ: قالَ مُحَمَّدٌ: عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَطاءٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدٌ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَجُلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ يَبْتاعُ؛ وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ؛ فَأتى بِهِ أهْلُهُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ احْجُرْ عَلى فُلانٍ؛ فَإنَّهُ يَبْتاعُ وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ؛ فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَهاهُ عَنِ البَيْعِ؛ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ إنِّي لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنْ كُنْتَ غَيْرَ تارِكٍ البَيْعَ فَقُلْ: ها؛ وها؛ ولا خِلابَةَ"؛» فَذَكَرَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ أنَّهُ كانَ يُخْدَعُ في البَيْعِ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ التَّصَرُّفِ؛ ولَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ الحَجْرُ واجِبًا لَما تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ والبَيْعَ؛ وهو مُسْتَحِقُّ المَنعِ مِنهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَقَدْ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «"إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ"؛» فَإنَّما أجازَ لَهُ البَيْعَ عَلى شَرِيطَةِ اسْتِيفاءِ البَدَلِ مِن غَيْرِ مُغابَنَةٍ؛ قِيلَ لَهُ: فَلْيَرْضَ القائِلُونَ بِالحَجْرِ مِنّا عَلى ما رَضِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذا السَّفِيهِ الَّذِي كانَ يُخْدَعُ في البَيْعِ؛ ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ الفُقَهاءِ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلى السُّفَهاءِ؛ لا مِنَ القائِلِينَ بِالحَجْرِ؛ ولا مِن نُفاتِهِ؛ لِأنَّ مَن يَرى الحَجْرَ يَقُولُ: يَحْجُرُ عَلَيْهِ الحاكِمُ ويَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ؛ ولا يَرَوْنَ إطْلاقَ التَّصَرُّفِ لَهُ؛ مَعَ التَّقْدِمَةِ إلَيْهِ بِأنْ يَقُولَ عِنْدَ البَيْعِ: لا خِلابَةَ؛ ومُبْطِلُو الحَجْرِ يُجِيزُونَ تَصَرُّفَهُ عَلى سائِرِ الأحْوالِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ بِدَلالَةِ هَذا الخَبَرِ بُطْلانُ الحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ؛ بَعْدَ أنْ يَكُونَ عاقِلًا؛ وأيْضًا فَإنْ جازَتِ الثِّقَةُ بِهِ في ضَبْطِ هَذا الشَّرْطِ؛ وذَكَرَهُ عِنْدَ سائِرِ المُبايَعاتِ؛ فَقَدْ تَجُوزُ الثِّقَةُ بِهِ في ضَبْطِ عُقُودِ المُبايَعاتِ؛ ونَفْيِ المُغابَناتِ عَنْها؛ واللَّفْظُ الَّذِي في هَذا الخَبَرِ مِن قَوْلِهِ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: إنَّ السَّفِيهَ إذا بَلَغَ فَرُفِعَ أمْرُهُ إلى الحاكِمِ أجازَ مِن عُقُودِهِ ما لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُغابَنَةٌ وضَرَرٌ؛ فَأمّا سائِرُ مَن يَرى الحَجْرَ فَإنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ذَلِكَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَذْهَبَ مُحَمَّدٍ أيْضًا مُخالِفٌ لِلْأثَرِ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا لا يُجِيزُ بَيْعَ المَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ إلّا أنْ يُرْفَعَ إلى القاضِي؛ فَيُجِيزَهُ؛ فَجَعَلَهُ بَيْعًا مَوْقُوفًا؛ كَبَيْعِ أجْنَبِيٍّ لَوْ باعَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أمْرِهِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ بَيْعَ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ لَهُ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ مَوْقُوفًا؛ بَلْ جَعَلَهُ جائِزًا نافِذًا إذا قالَ: لا خِلابَةَ؛ فَصارَ مَذْهَبُ مُثْبِتِي الحَجْرِ مُخالِفًا لِهَذا الأثَرِ؛ وأمّا حَدِيثُ أنَسٍ فَإنَّهُ يَحْتَجُّ بِهِ الفَرِيقانِ جَمِيعًا؛ فَأمّا مُثْبِتُو (p-٢١٩)الحَجْرِ فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ بِأنَّ أهْلَهُ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ احْجُرْ عَلى فُلانٍ؛ فَإنَّهُ يَبْتاعُ وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ نَهاهُ عَنِ البَيْعِ؛ ولَمّا قالَ: لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ قالَ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ فَأطْلَقَ لَهُ البَيْعَ عَلى شَرِيطَةِ نَفْيِ التَّغابُنِ فِيهِ؛ وأمّا مُبْطِلُوهُ فَإنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِأنَّهُ لَمّا قالَ: إنِّي لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ؛ أطْلَقَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ التَّصَرُّفَ؛ وقالَ لَهُ: «إذا بايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ»؛ فَلَوْ كانَ الحَجْرُ واجِبًا لَما كانَ قَوْلُهُ: لا أصْبِرُ عَنِ البَيْعِ مُزِيلًا لِلْحَجْرِ عَنْهُ؛ لِأنَّ أحَدًا مِن مُوجِبِي الحَجْرِ لا يَرْفَعُ الحَجْرَ عَنْهُ؛ لِفَقْدِ صَبْرِهِ عَنِ البَيْعِ؛ وكَما أنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ المُسْتَحِقَّيْنِ لِلْحَجْرِ عِنْدَ الجَمِيعِ؛ لَوْ قالا: لا نَصْبِرُ عَنِ البَيْعِ؛ لَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مِنهُما مُزِيلًا لِلْحَجْرِ عَنْهُما؛ ولَما قِيلَ لَهُما: إذا بايَعْتُما فَقُولا: لا خِلابَةَ؛ وفي إطْلاقِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ التَّصَرُّفَ؛ عَلى الشَّرِيطَةِ الَّتِي ذَكَرَها؛ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الحَجْرَ غَيْرُ واجِبٍ؛ وأنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بَدِيًّا عَنِ البَيْعِ؛ وقَوْلُهُ: "فَقُلْ: لا خِلابَةَ"؛ عَلى وجْهِ النَّظَرِ لَهُ؛ والِاحْتِياطِ لِمالِهِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن يُرِيدُ التِّجارَةَ في البَحْرِ؛ أوْ في طَرِيقٍ مَخُوفٍ: "لا تَغْرُرْ بِمالِكَ واحْفَظْهُ"؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ؛ ولَيْسَ هَذا بِحَجْرٍ؛ وإنَّما هو مَشُورَةٌ؛ وحُسْنُ نَظَرٍ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَجْرِ أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ السَّفِيهَ يَجُوزُ إقْرارُهُ بِما يُوجِبُ الحَدَّ؛ والقِصاصَ؛ وذَلِكَ مِمّا تُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إقْرارُهُ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ الَّتِي لا تُسْقِطُها الشُّبْهَةُ أوْلى؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: اَلْمَرِيضُ جائِزُ الإقْرارِ بِما يُوجِبُ الحَدَّ والقِصاصَ؛ ولا يَجُوزُ إقْرارُهُ؛ ولا هِبَتُهُ؛ إذا كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمالِهِ؛ فَلَيْسَ جَوازُ الإقْرارِ بِالحَدِّ والقِصاصِ أصْلًا لِلْإقْرارِ بِالمالِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّ إقْرارَ المَرِيضِ عِنْدَنا بِجَمِيعِ ذَلِكَ جائِزٌ؛ وإنَّما نُبْطِلُهُ إذا اتَّصَلَ بِمَرَضِهِ المَوْتُ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُ مُراعًى؛ مُعْتَبَرٌ بِالمَوْتِ؛ فَإذا ماتَ صارَ تَصَرُّفُهُ واقِعًا في حَقِّ الغَيْرِ؛ الَّذِي هو أوْلى مِنهُ بِهِ؛ وهُمُ الغُرَماءُ؛ والوَرَثَةُ؛ فَأمّا تَصَرُّفُهُ في الحالِ فَهو جائِزٌ؛ ما لَمْ يَطْرَإ المَوْتُ؛ ألا تَرى أنّا لا نَفْسَخُ هِبَتَهُ؛ ولا نُوجِبُ السِّعايَةَ عَلى مَن أعْتَقَهُ مِن عَبِيدِهِ؛ حَتّى يَحْدُثَ المَوْتُ؟ فَإقْرارُهُ بِالحَدِّ؛ والقِصاصِ؛ والمالِ؛ غَيْرُ مُتَفَرِّقِينَ في حالِ الحَياةِ.
ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مُثْبِتُو الحَجْرِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]؛ اَلْآيَةَ؛ فَإذا كانَ التَّبْذِيرُ مَذْمُومًا مَنهِيًّا عَنْهُ؛ وجَبَ عَلى الإمامِ المَنعُ مِنهُ؛ وذَلِكَ بِأنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ؛ ويَمْنَعَهُ التَّصَرُّفَ في مالِهِ؛ وكَذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إضاعَةِ المالِ يَقْتَضِي مَنعَهُ عَنْ إضاعَتِهِ بِالحَجْرِ عَلَيْهِ؛ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَجْرِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ التَّبْذِيرَ مَحْظُورٌ؛ (p-٢٢٠)ويُنْهى فاعِلُهُ عَنْهُ؛ ولَيْسَ في النَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ ما يُوجِبُ الحَجْرَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهُ التَّبْذِيرَ؛ فَأمّا أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ؛ ويُبْطِلَ بِياعاتِهِ؛ وإقْرارَهُ؛ وسائِرَ وُجُوهِ تَصَرُّفِهِ؛ فَإنَّ هَذا المَوْضِعَ هو الَّذِي فِيهِ الخِلافُ بَيْنَنا وبَيْنَ خُصُومِنا؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ المَنعَ مِن شَيْءٍ مِنهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإقْرارَ نَفْسَهُ لَيْسَ مِنَ التَّبْذِيرِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُبَذِّرًا لَوَجَبَ مَنعُ سائِرِ المُقِرِّينَ مِن إقْرارِهِمْ؛ وكَذَلِكَ البَيْعُ بِالمُحاباةِ؛ لا تَبْذِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُبَذِّرًا لَوَجَبَ أنْ يُنْهى عَنْهُ سائِرُ النّاسِ؛ وكَذَلِكَ الهِبَةُ؛ والصَّدَقَةُ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ فالَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ النَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ؛ وذَمُّ فاعِلِهِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى الحَجْرِ في العُقُودِ الَّتِي لا تَبْذِيرَ فِيها؟ وقَدْ يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِمُحَمَّدٍ؛ لِأنَّهُ يُجِيزُ مِن عُقُودِهِ ما لا مُحاباةَ فِيهِ؛ ولا إتْلافَ لِمالِهِ؛ إلّا أنَّ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو ذَمُّ المُبَذِّرِينَ؛ والنَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ؛ ومَن يَنْفِي الحَجْرَ يَقُولُ: إنَّ التَّبْذِيرَ مَذْمُومٌ؛ مَنهِيٌّ عَنْ فِعْلِهِ؛ فَأمّا الحَجْرُ؛ ومَنعُ التَّصَرُّفِ؛ فَلَيْسَ في الآيَةِ إيجابُهُ؛ ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ مَنهِيٌّ عَنِ التَّغْرِيرِ بِمالِهِ في البَحْرِ؛ وفي الطَّرِيقِ المَخُوفَةِ؛ ولا يَمْنَعُهُ الحاكِمُ مِنهُ عَلى وجْهِ الحَجْرِ عَلَيْهِ؟ ولَوْ أنَّ إنْسانًا تَرَكَ نَخْلَهُ وشَجَرَهُ وزَرْعَهُ لا يَسْقِيها؛ وتَرَكَ عَقارَهُ ودُورَهُ لا يَعْمُرُها؛ لَمْ يَكُنْ لِلْإمامِ أنْ يُجْبِرَهُ عَلى الإنْفاقِ عَلَيْها لِئَلّا يَتْلَفَ مالُهُ؛ كَذَلِكَ لا يَحْجُرُ عَلَيْهِ في عُقُودِهِ الَّتِي يَخافُ فِيها تَوى مالِهِ؛ وكَذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إضاعَةِ المالِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَجْرِ؛ كَما بَيَّنّاهُ في التَّبْذِيرِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الحَجْرِ؛ وجَوازِ تَصَرُّفِ المَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ أنَّ العاقِلَ البالِغَ إذا ظَهَرَ مِنهُ سَفَهٌ؛ وتَبْذِيرٌ؛ فَإنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أقاوِيلِهِمْ مِن مُوجِبِي الحَجْرِ؛ ما خَلا مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ؛ يَقُولُ: إذا حَجَرَ عَلَيْهِ القاضِي بَطَلَ مِن عُقُودِهِ وإقْرارِهِ ما كانَ بَعْدَ الحَجْرِ؛ وإذا كانَ جائِزَ التَّصَرُّفِ قَبْلَ حَجْرِ القاضِي فَمَعْنى الحَجْرِ حِينَئِذٍ أنِّي قَدْ أبْطَلْتُ ما يَعْقِدُهُ؛ أوْ ما يُقِرُّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ؛ وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ فِيهِ فَسْخَ عَقْدٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ بِمَنزِلَةِ مَن قالَ لِرَجُلٍ: "كُلُّ بَيْعٍ بِعْتَنِيهِ؛ وعَقْدٍ عاقَدْتَنِيهِ؛ فَقَدْ فَسَخْتُهُ"؛ أوْ: "كُلُّ خِيارٍ بِشَرِيطَةٍ لِي في البَيْعِ فَقَدْ أبْطَلْتُهُ"؛ أوْ تَقُولُ امْرَأةٌ: "كُلُّ أمْرٍ تَجْعَلُهُ إلَيَّ في المُسْتَقْبَلِ فَقَدْ أبْطَلْتُهُ"؛ فَهَذا باطِلٌ؛ لا يَجُوزُ فَسْخُ العُقُودِ المَوْجُودَةِ في المُسْتَقْبَلِ.
ومِمّا يَلْزَمُ أبا يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدًا في هَذا أنَّهُما يُجِيزانِ تَزْوِيجَهُ بَعْدَ الحَجْرِ بِمَهْرِ المِثْلِ؛ وفي ذَلِكَ إبْطالُ الحَجْرِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ الحَجْرُ واجِبًا لِئَلّا يَتْلَفَ مالُهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ يَصِلُ إلى إتْلافِهِ بِالتَّزْوِيجِ؛ وذَلِكَ بِأنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً بِمِقْدارِ مَهْرِ مِثْلِها؛ ثُمَّ يُطَلِّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَيَلْزَمَهُ نِصْفُ المَهْرِ؛ ثُمَّ لا يَزالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَتْلَفَ مالُهُ؛ فَلَيْسَ (p-٢٢١)إذًا في هَذا الحَجْرِ احْتِرازٌ مِن إتْلافِ المالِ.
وأمّا اشْتِراطُ الشّافِعِيِّ في إيناسِ الرُّشْدِ؛ واسْتِحْقاقِ دَفْعِ المالِ؛ جَوازَ الشَّهادَةِ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أحَدٌ؛ ويَجِبُ عَلى هَذا ألّا يُجِيزَ إقْراراتِ الفُسّاقِ عِنْدَ الحُكّامِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وألّا يُجِيزَ بُيُوعَهُمْ؛ ولا أشْرِيَتَهُمْ؛ ويَنْبَغِي لِلشُّهُودِ ألّا يَشْهَدُوا عَلى بَيْعِ مَن لَمْ تَثْبُتْ عَدالَتُهُ؛ وألّا يَقْبَلَ القاضِي مِن مُدَّعٍ دَعْواهُ حَتّى تَثْبُتَ عَدالَتُهُ؛ ولا يَقْبَلَ عَلَيْهِ دَعْوى المُدَّعى عَلَيْهِ حَتّى يَصِحَّ عِنْدَهُ جَوازُ شَهادَتِهِ؛ إذْ لا يَجُوزُ عِنْدَهُ إقْرارُ مَن لَيْسَ عَلى صِفَةِ العَدالَةِ؛ وجَوازِ الشَّهادَةِ؛ ولا عُقُودِهِ وهو مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ وهَذا خِلافُ الإجْماعِ؛ ولَمْ يَزَلِ النّاسُ مُنْذُ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِنا هَذا يَتَخاصَمُونَ في الحُقُوقِ؛ فَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ؛ ولا أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: "لا أقْبَلُ دَعاوِيَكُمْ؛ ولا أسْألُ أحَدًا عَنْ دَعْوى غَيْرِهِ؛ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدالَتِهِ"؛ وقَدْ قالَ الحَضْرَمِيُّ الَّذِي خاصَمَ إلى النَّبِيِّ ﷺ: إنَّهُ رَجُلٌ فاجِرٌ؛ بِحَضْرَتِهِ؛ ولَمْ يُبْطِلِ النَّبِيُّ ﷺ خُصُومَتَهُ؛ ولا سَألَ عَنْ حالِهِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ؛ عَنْ سِماكٍ؛ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ الحَضْرَمِيِّ؛ عَنْ أبِيهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَمَوْتَ؛ ورَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ الحَضْرَمِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ هَذا غَلَبَنِي عَلى أرْضٍ كانَتْ لِأبِي؛ فَقالَ الكِنْدِيُّ: هي أرْضِي في يَدِي؛ أزْرَعُها؛ لَيْسَ لَهُ فِيها حَقٌّ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: "ألَكَ بَيِّنَةٌ؟"؛ قالَ: لا؛ قالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ"؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّهُ فاجِرٌ؛ لَيْسَ يُبالِي ما حَلَفَ؛ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيْءٍ؛ فَقالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنهُ إلّا ذَلِكَ"؛» فَلَوْ كانَ الفُجُورُ يُوجِبُ الحَجْرَ لَسَألَ ﷺ عَنْ حالِهِ؛ أوْ لَأبْطَلَ خُصُومَتَهُ لِإقْرارِ الخَصْمِ بِأنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ غَيْرُ جائِزِ الخُصُومَةِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ المُسْلِمِينَ والكُفّارَ سَواءٌ في جَوازِ التَّصَرُّفِ في الأمْلاكِ؛ ونَفاذِ العُقُودِ؛ والإقْراراتِ؛ والكُفْرُ أعْظَمُ الفُسُوقِ؛ وهو غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَجْرِ؛ فَكَيْفَ يُوجِبُهُ الفِسْقُ الَّذِي هو دُونَهُ؟! وهَذا ما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ؛ أنَّ المُسْلِمِينَ والكُفّارَ سَواءٌ في جَوازِ التَّصَرُّفِ؛ والإمْلاكِ؛ ونَفاذِ العُقُودِ.
* *
بابُ دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ قالَ الحَسَنُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ: "يَعْنِي: اِخْتَبِرُوهم في عُقُولِهِمْ؛ ودِينِهِمْ"؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمَرَنا بِاخْتِبارِهِمْ قَبْلَ البُلُوغِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ فَأمَرَ بِابْتِلائِهِمْ في حالِ كَوْنِهِمْ يَتامى؛ ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ فَأخْبَرَ أنَّ بُلُوغَ النِّكاحِ بَعْدَ الِابْتِلاءِ؛ لِأنَّ "حَتّى" غايَةٌ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ الِابْتِلاءِ؛ فَدَلَّتِ الآيَةُ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّ هَذا الِابْتِلاءَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الإذْنِ لِلصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ في التِّجارَةِ؛ لِأنَّ ابْتِلاءَهُ لا يَكُونُ إلّا بِاسْتِبْراءِ حالِهِ في العِلْمِ بِالتَّصَرُّفِ؛ وحِفْظِ المالِ؛ ومَتى أُمِرَ بِذَلِكَ كانَ مَأْذُونًا في التِّجارَةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في إذْنِ الصَّبِيِّ في التِّجارَةِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "جائِزٌ لِلْأبِ أنْ يَأْذَنَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ في التِّجارَةِ؛ إذا كانَ يَعْقِلُ الشِّراءَ والبَيْعَ؛ وكَذَلِكَ وصِيُّ الأبِ؛ أوِ الجَدِّ إذا لَمْ يَكُنْ وصِيُّ أبٍ؛ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "لا أرى إذْنَ الأبِ والوَصِيِّ لِلصَّبِيِّ في التِّجارَةِ جائِزًا؛ وإنْ لَحِقَهُ في ذَلِكَ دَيْنٌ لَمْ يَلْزَمِ الصَّبِيَّ مِنهُ شَيْءٌ"؛ وقالَ الرَّبِيعُ؛ عَنِ الشّافِعِيِّ - في كِتابِهِ "فِي الإقْرارِ" -: "وما أقَرَّ بِهِ الصَّبِيُّ مِن حَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوِ الآدَمِيِّ؛ أوْ حَقٍّ في مالٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَإقْرارُهُ ساقِطٌ عَنْهُ؛ سَواءٌ كانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ في التِّجارَةِ؛ أذِنَ لَهُ أبُوهُ؛ أوْ ولِيُّهُ؛ مَن كانَ؛ أوْ حاكِمٌ؛ ولا يَجُوزُ لِلْحاكِمِ أنْ يَأْذَنَ لَهُ؛ فَإنْ فَعَلَ فَإقْرارُهُ ساقِطٌ عَنْهُ؛ وكَذَلِكَ شِراؤُهُ وبَيْعُهُ مَفْسُوخٌ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الإذْنِ لَهُ في التِّجارَةِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ والِابْتِلاءُ هو اخْتِبارُهم في عُقُولِهِمْ؛ ومَذاهِبِهِمْ؛ وحَزْمِهِمْ فِيما يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ؛ فَهو عامٌّ في سائِرِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقْتَصِرَ بِالِاخْتِبارِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ فِيما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ؛ والِاخْتِبارُ في اسْتِبْراءِ حالِهِ في المَعْرِفَةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ؛ وضَبْطِ أُمُورِهِ؛ وحِفْظِ مالِهِ؛ ولا يَكُونُ إلّا بِإذْنٍ لَهُ في التِّجارَةِ؛ ومَن قَصَرَ الِابْتِلاءَ عَلى اخْتِبارِ عَقْلِهِ بِالكَلامِ؛ دُونَ التَّصَرُّفِ في التِّجارَةِ؛ وحِفْظِ المالِ؛ فَقَدْ خَصَّ عُمُومَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: (p-٣٥٧)اَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإذْنَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في حالِ الصِّغَرِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ وإنَّما أمَرَ بِدَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ ولَوْ جازَ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ في صِغَرِهِ؛ لَجازَ دَفْعُ المالِ إلَيْهِ في حالِ الصِّغَرِ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما أمَرَ بِدَفْعِ المالِ إلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ مِن دَفْعِ المالِ إلَيْهِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ الإذْنَ هو أنْ يَأْمُرَهُ بِالبَيْعِ والشِّراءِ؛ وذَلِكَ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ مالٍ في يَدِهِ؛ كَما يَأْذَنُ لِلْعَبْدِ في التِّجارَةِ مِن غَيْرِ مالٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ الآيَةَ اقْتَضَتِ الأمْرَ بِابْتِلائِهِ؛ ومِنَ الِابْتِلاءِ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ؛ وإنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مالًا؛ ثُمَّ إذا بَلَغَ؛ وقَدْ أُونِسَ مِنهُ رُشْدُهُ؛ دُفِعَ المالُ إلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ الِابْتِلاءُ لا يَقْتَضِي اخْتِبارَهُ بِالإذْنِ لَهُ في التَّصَرُّفِ في الشِّراءِ والبَيْعِ؛ وإنَّما هو اخْتِبارُ عَقْلِهِ مِن غَيْرِ اسْتِبْراءِ حالِهِ في ضَبْطِهِ؛ وعِلْمِهِ بِالتَّصَرُّفِ؛ لَما كانَ لِلِابْتِلاءِ وجْهٌ قَبْلَ البُلُوغِ؛ فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ اخْتِبارُ أمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ؛ ولِأنَّ اخْتِبارَ صِحَّةِ عَقْلِهِ لا يُنْبِئُ عَنْ ضَبْطِهِ لِأُمُورِهِ؛ وحِفْظِهِ لِمالِهِ؛ وعِلْمِهِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِالِاحْتِياطِ لَهُ في اسْتِبْراءِ أمْرِهِ في حِفْظِ المالِ؛ والعِلْمِ بِالتَّصَرُّفِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الِابْتِلاءُ المَأْمُورُ بِهِ قَبْلَ البُلُوغِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ لا لِاخْتِبارِ صِحَّةِ عَقْلِهِ فَحَسْبُ؛ وأيْضًا فَإنْ لَمْ يَجُزِ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ قَبْلَ البُلُوغِ؛ لِأنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ فالِابْتِلاءُ إذًا ساقِطٌ مِن هَذا الوَجْهِ؛ فَلا يَخْلُو بَعْدَ البُلُوغِ؛ مَتى أرَدْنا التَّوَصُّلَ إلى إيناسِ رُشْدِهِ؛ مِن أنْ نَخْتَبِرَهُ بِالإذْنِ لَهُ في التِّجارَةِ؛ أوْ لا نَخْتَبِرَهُ بِذَلِكَ؛ فَإنْ وجَبَ اخْتِبارُهُ فَقَدْ أجَزْتَ لَهُ التَّصَرُّفَ؛ وهو عِنْدَكَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ إلى إيناسِ الرُّشْدِ؛ فَإنْ جازَ الإذْنُ لَهُ في التِّجارَةِ وهو مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ فَقَدْ أخْرَجْتَهُ مِنَ الحَجْرِ؛ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الحَجْرِ؛ وهو مَمْنُوعٌ مِن مالِهِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وهو مَأْذُونٌ لَهُ؛ فَهَلّا أذِنْتَ لَهُ قَبْلَ البُلُوغِ في التِّجارَةِ؛ لِاسْتِبْراءِ حالِهِ؛ كَما يُسْتَبْرَأُ بِها بِالإذْنِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ مَعَ بَقاءِ الحَجْرِ إلى إيناسِ الرُّشْدِ؛ وإنْ لَمْ يُسْتَبْرَأْ حالُهُ بَعْدَ البُلُوغِ بِالإذْنِ؟ فَكَيْفَ يُعْلَمُ إيناسُ الرُّشْدِ مِنهُ؟ فَقَوْلُ المُخالِفِ لا يَخْلُو مِن تَرْكِ الِابْتِلاءِ؛ أوْ دَفْعِ المالِ قَبْلَ إيناسِ الرُّشْدِ؛ ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الإذْنِ لِلصَّغِيرِ في التِّجارَةِ؛ ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ عُمَرَ بْنَ أبِي سَلَمَةَ؛ وهو صَغِيرٌ؛ بِتَزْوِيجِ أُمِّ سَلَمَةَ إيّاهُ»؛ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ أنَّهُ أمَرَ سَلَمَةَ بْنَ أبِي سَلَمَةَ بِذَلِكَ وهو صَغِيرٌ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الإذْنِ لَهُ في التَّصَرُّفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ مِن بَيْعٍ أوْ شِراءٍ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَقْتَضِي جَوازَ تَوْكِيلِ (p-٣٥٨)الأبِ إيّاهُ بِشِراءِ عَبْدٍ لِلصَّغِيرِ؛ أوْ بَيْعِ عَبْدٍ لَهُ؟ هَذا هو مَعْنى الإذْنِ لَهُ في التِّجارَةِ؛ وأمّا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ عَلى اخْتِبارِهِمْ في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ؛ فَإنَّ اعْتِبارَ الدِّينِ في دَفْعِ المالِ غَيْرُ واجِبٍ؛ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَجُلًا فاسِقًا؛ ضابِطًا لِأُمُورِهِ؛ عالِمًا بِالتَّصَرُّفِ في وُجُوهِ التِّجاراتِ؛ لَمْ يَجُزْ أنْ يُمْنَعَ مالَهُ لِأجْلِ فِسْقِهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ اعْتِبارَ الدِّينِ في ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ؛ وإنْ كانَ رَجُلًا ذا دِينٍ وصَلاحٍ؛ إلّا أنَّهُ غَيْرُ ضابِطٍ لِمالِهِ؛ يُغْبَنُ في تَصَرُّفِهِ؛ كانَ مَمْنُوعًا مِن مالِهِ عِنْدَ القائِلِينَ بِالحَجْرِ؛ لِقِلَّةِ الضَّبْطِ؛ وضَعْفِ العَقْلِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ اعْتِبارَ الدِّينِ في ذَلِكَ لا مَعْنى لَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدًا؛ والسُّدِّيَّ قالُوا: "هُوَ الحُلُمُ؛ وهو بُلُوغُ حالِ النِّكاحِ مِنَ الِاحْتِلامِ"؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾؛ فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: "فَإنْ عَلِمْتُمْ مِنهم ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "إنَّ أصْلَ الإيناسِ هو الإحْساسُ"؛ حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠]؛ يَعْنِي أحْسَسْتُها؛ وأبْصَرْتُها؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الرُّشْدِ هَهُنا؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ والسُّدِّيُّ: "اَلصَّلاحُ في العَقْلِ؛ وحِفْظُ المالِ"؛ وقالَ الحَسَنُ؛ وقَتادَةُ: "اَلصَّلاحُ في العَقْلِ والدِّينِ"؛ وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ؛ ومُجاهِدٌ: "اَلْعَقْلُ"؛ ورَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾؛ قالَ: "إذا أدْرَكَ بِحُلُمٍ؛ وعَقْلٍ؛ ووَقارٍ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا كانَ اسْمُ الرُّشْدِ يَقَعُ عَلى العَقْلِ لِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلَيْهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) شَرَطَ رُشْدًا مَنكُورًا؛ ولَمْ يَشْرُطْ سائِرَ ضُرُوبِ الرُّشْدِ؛ اقْتَضى ظاهِرُ ذَلِكَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ؛ بِوُجُودِ العَقْلِ؛ مُوجِبٌ لِدَفْعِ المالِ إلَيْهِ؛ ومانِعٌ مِنَ الحَجْرِ عَلَيْهِ؛ فَهَذا يُحْتَجُّ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ في إبْطالِ الحَجْرِ عَلى الحُرِّ العاقِلِ البالِغِ؛ وهو مَذْهَبُ إبْراهِيمَ؛ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ وأبِي حَنِيفَةَ؛ وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ يَقْتَضِي وُجُوبَ دَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ؛ عَلى ما بَيَّنّا؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]؛ وهَذِهِ الشَّرِيطَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِيها أيْضًا؛ وتَقْدِيرُهُ: "وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم إذا بَلَغُوا؛ وآنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا"؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ فَإنَّ السَّرَفَ مُجاوَزَةُ حَدِّ المُباحِ إلى المَحْظُورِ؛ فَتارَةً يَكُونُ السَّرَفُ في التَّقْصِيرِ؛ وتارَةً في الإفْراطِ؛ لِمُجاوَزَةِ حَدِّ الجائِزِ في الحالَيْنِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وبِدارًا﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والحَسَنُ؛ والسُّدِّيُّ: "مُبادَرَةً"؛ والمُبادَرَةُ الإسْراعُ في الشَّيْءِ؛ فَتَقْدِيرُهُ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ أمْوالِهِمْ مُبادَرَةً أنْ يَكْبَرُوا؛ فَيُطالِبُوا بِأمْوالِهِمْ؛ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا صارَ في (p-٣٥٩)حَدِّ الكِبَرِ اسْتَحَقَّ المالَ إذا كانَ عاقِلًا؛ مِن غَيْرِ شَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ؛ لِأنَّهُ إنَّما شُرِطَ إيناسُ الرُّشْدِ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وأفادَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ إمْساكُ مالِهِ بَعْدَما يَصِيرُ في حَدِّ الكِبَرِ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ لِذِكْرِ الكِبَرِ هَهُنا مَعْنًى؛ إذْ كانَ الوالِي عَلَيْهِ هو المُسْتَحِقَّ لِمالِهِ قَبْلَ الكِبَرِ؛ وبَعْدَهُ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا صارَ في حَدِّ الكِبَرِ اسْتَحَقَّ دَفْعَ المالِ إلَيْهِ؛ وجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ حَدَّ الكِبَرِ في ذَلِكَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً؛ لِأنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ جَدًّا؛ ومُحالٌ أنْ يَكُونَ جَدًّا ولا يَكُونَ في حَدِّ الكِبَرِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ أكْلِ ولِيِّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ
قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهِ؛ فَرَوى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقالَ: إنَّ في حِجْرِي أيْتامًا لَهم أمْوالٌ؛ وهو يَسْتَأْذِنُهُ أنْ يُصِيبَ مِنها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "ألَسْتَ تَهْنَأُ جَرْباءَها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "ألَسْتَ تَبْغِي ضالَّتَها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "ألَسْتَ تَلُوطُ حِياضَها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "ألَسْتَ تَفْرُطُ عَلَيْها يَوْمَ وُرُودِها؟"؛ قالَ: بَلى؛ قالَ: "فاشْرَبْ مِن لَبَنِها غَيْرَ ناهِكٍ في الحَلْبِ؛ ولا مُضِرٍّ بِنَسْلٍ"؛ ورَوى الشَّيْبانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "اَلْوَصِيُّ إذا احْتاجَ وضَعَ يَدَهُ مَعَ أيْدِيهِمْ؛ ولا يَكْتَسِي عِمامَةً"؛ فَشَرَطَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَمَلَهُ في مالِ اليَتِيمِ في إباحَةِ الأكْلِ؛ ولَمْ يَشْرُطْ في حَدِيثِ عِكْرِمَةَ؛ ورَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو الخَيْرِ؛ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَنِيُّ؛ أنَّهُ سَألَ أُناسًا مِنَ الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ فَقالُوا: "فِينا نَزَلَتْ؛ أنَّ الوَصِيَّ كانَ إذا عَمِلَ في نَخْلِ اليَتِيمِ كانَتْ يَدُهُ مَعَ أيْدِيهِمْ"؛ وقَدْ طُعِنَ في هَذا الحَدِيثِ مِن جِهَةِ سَنَدِهِ؛ ويَفْسُدُ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُمُ الأكْلُ لِأجْلِ عَمَلِهِمْ لَما اخْتَلَفَ فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ فَعَلِمْنا أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ساقِطٌ؛ وأيْضًا في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ إباحَةُ الأكْلِ؛ دُونَ أنْ يَكْتَسِيَ مِنهُ عِمامَةً؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا لِعَمَلِهِ لَما اخْتَلَفَ فِيهِ حُكْمُ المَأْكُولِ والمَلْبُوسِ؛ فَهَذا أحَدُ الوُجُوهِ الَّتِي تَأوَّلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ؛ وهو أنْ يَقْتَصِرَ عَلى الأكْلِ فَحَسْبُ؛ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ؛ وقالَ آخَرُونَ: يَأْخُذُهُ قَرْضًا ثُمَّ يَقْضِيهِ؛ ورَوى شَرِيكٌ؛ عَنِ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ؛ عَنْ عُمَرَ قالَ: "إنّى أنْزَلَتْ مالَ اللَّهِ (تَعالى) بِمَنزِلَةِ مالِ اليَتِيمِ؛ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ؛ وإنِ افْتَقَرْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ وقَضَيْتُ"؛ ورُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ؛ وسَعِيدِ بْنِ (p-٣٦٠)جُبَيْرٍ؛ وأبِي العالِيَةِ؛ وأبِي وائِلٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وهو أنْ يَأْخُذَ قَرْضًا ثُمَّ يَقْضِيَهُ إذا وجَدَ؛ وقَوْلٌ ثالِثٌ: قالَ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ؛ ومَكْحُولٌ: "إنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُ ما يَسُدُّ الجَوْعَةَ؛ ويُوارِي العَوْرَةَ؛ ولا يَقْضِي إذا وجَدَ"؛ وقَوْلٌ رابِعٌ؛ وهو ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ؛ يَتَناوَلُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ فَإذا أيْسَرَ قَضاهُ؛ وإذا لَمْ يُوسِرْ فَهو في حِلٍّ؛ وقَوْلٌ خامِسٌ؛ وهو ما رَوى مِقْسَمٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قالَ: "بِغِناهُ؛ و﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ قالَ: "فَلْيُنْفِقْ عَلى نَفْسِهِ مِن مالِهِ؛ حَتّى لا يُصِيبَ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا مِنجابُ بْنُ الحارِثِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عامِرٍ الأسَدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ؛ عَنِ الحَكَمِ؛ عَنْ مِقْسَمٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمَعْنى ذَلِكَ؛ وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنْهُ أنَّهُ يَقْضِي؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَنسُوخٌ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - في رِوايَةٍ أُخْرى -: "فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِ نَفْسِهِ؛ ولا رُخْصَةَ لَهُ في مالِ اليَتِيمِ"؛ وهو قَوْلُ الحَكَمِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَحَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ السَّلَفِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أرْبَعُ رِواياتٍ؛ عَلى ما ذَكَرْنا؛ إحْداها أنَّهُ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ في إبِلِهِ شَرِبَ مِن لَبَنِها؛ والثّانِيَةُ أنَّهُ يَقْضِي؛ والثّالِثَةُ: "لا يُنْفِقُ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا؛ ولَكِنَّهُ يَقُوتُ عَلى نَفْسِهِ مِن مالِهِ؛ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى مالِ اليَتِيمِ؛ والرّابِعَةُ أنَّهُ مَنسُوخٌ؛ والَّذِي نَعْرِفُهُ مِن مَذْهَبِ أصْحابِنا أنَّهُ لا يَأْخُذُهُ قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ غَنِيًّا كانَ؛ أوْ فَقِيرًا؛ ولا يُقْرِضُهُ غَيْرَهُ أيْضًا؛ وقَدْ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ سالِمٍ؛ عَنْ مُحَمَّدٍ قالَ: "أمّا نَحْنُ فَلا نُحِبُّ لِلْوَصِيِّ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَأْخُذُ قَرْضًا إذا احْتاجَ؛ ثُمَّ يَقْضِيهِ؛ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ ومَن تابَعَهُ؛ ورَوى بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِن مالِ اليَتِيمِ إذا كانَ مُقِيمًا؛ فَإنْ خَرَجَ لِتَقاضِي دَيْنٍ لَهُمْ؛ أوْ إلى ضِياعٍ لَهُمْ؛ فَلَهُ أنْ يُنْفِقَ؛ ويَكْتَسِيَ؛ ويَرْكَبَ؛ فَإذا رَجَعَ رَدَّ الثِّيابَ والدّابَّةَ إلى اليَتِيمِ؛ قالَ: وقالَ أبُو يُوسُفَ: "وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: جَعَلَ أبُو يُوسُفَ الوَصِيَّ في هَذِهِ الحالِ كالمُضارِبِ؛ في جَوازِ النَّفَقَةِ مِن مالِهِ في السَّفَرِ؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ؛ عَنْ مالِكٍ: "ومَن كانَ لَهُ يَتِيمٌ فَخَلَطَ نَفَقَتَهُ بِمالِهِ؛ فَإنْ كانَ الَّذِي يُصِيبُ اليَتِيمَ أكْثَرَ مِمّا يُصِيبُ ولِيَّهُ مِن نَفَقَتِهِ؛ فَلا بَأْسَ؛ وإنْ كانَ الفَضْلُ لِلْيَتِيمِ فَلا يَخْلِطُهُ"؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ وقالَ المُعافى؛ عَنِ الثَّوْرِيِّ: "يَجُوزُ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أنْ يَأْكُلَ طَعامَ اليَتِيمِ؛ ويُكافِئَهُ عَلَيْهِ"؛ وهَذا (p-٣٦١)يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُجِيزُ لَهُ أنْ يَسْتَقْرِضَ مِن مالِهِ؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: "لا يُعْجِبُنِي أنْ يَنْتَفِعَ مِن مالِهِ بِشَيْءٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى اليَتِيمِ فِيهِ ضَرَرٌ؛ نَحْوَ اللَّوْحِ يَكْتُبُ فِيهِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: "يَسْتَقْرِضُ الوَصِيُّ مِن مالِ اليَتِيمِ؛ إذا احْتاجَ إلَيْهِ؛ ثُمَّ يَقْضِيهِ؛ ويَأْكُلُ الوَصِيُّ مِن مالِ اليَتِيمِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِيهِ؛ إذا لَمْ يَضُرَّ بِالصَّبِيِّ".
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ وهَذِهِ الآيُ مُحْكَمَةٌ؛ حاظِرَةٌ لِمالِ اليَتِيمِ عَلى ولِيِّهِ؛ في حالِ الغِنى؛ والفَقْرِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مُتَشابِهٌ؛ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ فَأوْلى الأشْياءِ بِها حَمْلُها عَلى مُوافَقَةِ الآيِ المُحْكَمَةِ؛ وهو أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ نَفْسِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى مالِ اليَتِيمِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أمَرَنا بِرَدِّ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ؛ ونَهانا عَنِ اتِّباعِ المُتَشابِهِ مِن غَيْرِ رَدٍّ لَهُ إلى المُحْكَمِ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى جَوازِ أخْذِ مالِ اليَتِيمِ قَرْضًا؛ أوْ غَيْرَ قَرْضٍ؛ مُخالِفٌ لِمَعْنى المُحْكَمِ؛ ومَن تَأوَّلَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّهُ إلى المُحْكَمِ؛ وحَمَلَهُ عَلى مَعْناهُ؛ فَهو أوْلى؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مَنسُوخٌ؛ رَواهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ؛ عَنْ عَطِيَّةَ؛ أبِيهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ؛ ورَوى عِيسى بْنُ عُبَيْدٍ الكِنْدِيُّ؛ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ؛ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]؛ فَإنْ قِيلَ: رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ؛ ولِي يَتِيمٌ؛ فَقالَ: "كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ؛ ولا مُتَأثِّلٍ مالَكَ بِمالِهِ» "؛ ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ؛ عَنِ الحَسَنِ العَوْفِيِّ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"يَأْكُلُ ولِيُّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ غَيْرَ مُتَأثِّلٍ مِنهُ مالًا"؛» قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ (p-٣٦٢)بِهَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الآيِ المُقْتَضِيَةِ لِحَظْرِ مالِ اليَتِيمِ؛ فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ؛ وهو أنْ يَعْمَلَ في مالِ اليَتِيمِ مُضارَبَةً فَيَأْخُذَ مِنهُ مِقْدارَ رِبْحِهِ؛ وهَذا جائِزٌ عِنْدَنا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإنْ قِيلَ: فَإذا جازَ أنْ يَأْخُذَ رِبْحَ مالِ اليَتِيمِ إذا عَمِلَ بِهِ مُضارَبَةً؛ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِهِ إذا عَمِلَ فِيهِ؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ أنَّهُ إذا كانَ يَهْنَأُ جَرْباءَ الإبِلِ؛ ويَبْغِي ضالَّتَها؛ ويَلُوطُ حِياضَها؛ جازَ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِن لَبَنِها؛ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ؛ ولا ناهِكٍ حَلْبًا؛ وكَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الوَصِيَّ كانَ إذا عَمِلَ في نَخْلِ اليَتِيمِ كانَتْ يَدُهُ مَعَ أيْدِيهِمْ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لا يَخْلُو الوَصِيُّ؛ إذا أعانَ في الإبِلِ؛ وعَمِلَ في النَّخْلِ؛ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ؛ إمّا أنْ يَأْخُذَهُ عَلى وجْهِ الأُجْرَةِ لِعَمَلِهِ؛ أوْ عَلى غَيْرِ الأُجْرَةِ؛ والعِوَضِ مِنَ العَمَلِ؛ فَإنْ كانَ يَأْخُذُهُ عَلى وجْهِ الأُجْرَةِ فَذَلِكَ يَفْسُدُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها أنَّ الَّذِينَ أباحُوا ذَلِكَ لَهُ إنَّما أباحُوهُ في حالِ الفَقْرِ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ الغَنِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ؛ وهو نَصُّ الكِتابِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ واسْتِحْقاقُ الأُجْرَةِ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ أُجْرَةً مِن هَذا الوَجْهِ؛ والوَجْهُ الثّانِي أنَّ الوَصِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَأْجِرَ نَفْسَهُ لِلْيَتِيمِ؛ والوَجْهُ الثّالِثُ أنَّ الَّذِينَ أباحُوا ذَلِكَ لَمْ يَشْرُطُوا لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ والإجارَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ؛ والوَجْهُ الرّابِعُ أنَّ مَن أباحَ ذَلِكَ لَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ أُجْرَةً؛ فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أُجْرَةً؛ ولَيْسَ هو بِمَنزِلَةِ رِبْحِ المُضارَبَةِ؛ إذا عَمِلَ بِهِ الوَصِيُّ؛ لِأنَّ الرِّبْحَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنَ المالِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مالًا لِلْيَتِيمِ؛ ألا تَرى أنَّ ما يَشْرُطُهُ رَبُّ المالِ لِلْمُضارِبِ مِنَ الرِّبْحِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ؟ ولَوْ كانَ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ مَشْرُوطًا لِلْمُضارِبِ؛ بَدَلًا مِن عَمَلِهِ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ كالأُجْرَةِ الَّتِي هي مُسْتَحَقَّةٌ مِن مالِ المُسْتَأْجِرِ؛ بَدَلًا مِن عَمَلِ الأجِيرِ؛ هي مَضْمُونَةٌ عَلى المُسْتَأْجِرِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الرِّبْحُ المَشْرُوطُ لِلْمُضارِبِ مَضْمُونًا عَلى رَبِّ المالِ؛ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ؛ وأنَّهُ إنَّما حَدَثَ عَلى مِلْكِ المُضارِبِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَرِيضًا لَوْ دَفَعَ مالًا مُضارَبَةً؛ وشَرَطَ لِلْمُضارِبِ تِسْعَةَ أعْشارِ الرِّبْحِ؛ وهو أكْثَرُ مِن رِبْحِ مِثْلِهِ؛ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ؛ ولَمْ يُحْتَسَبْ بِالمَشْرُوطِ لِلْمُضارِبِ مِن ذَلِكَ مِن مالِ المَرِيضِ إنْ ماتَ مِن مَرَضِهِ؛ وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ ما لَوِ اسْتَأْجَرَهُ بِأكْثَرَ مِن أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الثُّلُثِ؛ فَلَيْسَ إذًا في أخْذِهِ رِبْحَ المُضارَبَةِ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِ اليَتِيمِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَ الوَصِيُّ في ذَلِكَ كَسائِرِ العُمّالِ؛ والقُضاةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ؛ ويَأْخُذُونَ أرْزاقَهم لِأجْلِ عَمَلِهِمْ (p-٣٦٣)لِلْمُسْلِمِينَ؟ فَكَذَلِكَ الوَصِيُّ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ جازَ لَهُ أخْذُ رِزْقِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ؛ قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ الوَصِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِ اليَتِيمِ لِأجْلِ عَمَلِهِ؛ إذا كانَ غَنِيًّا؛ وقَدْ حَظَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَصُّ التَّنْزِيلِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ ولا خِلافَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ القُضاةَ والعُمّالَ جائِزٌ لَهم أخْذُ أرْزاقِهِمْ مَعَ الغِنى؛ ولَوْ كانَ ما أخَذَهُ ولِيُّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ يَجْرِي مُجْرى رِزْقِ القُضاةِ؛ والعُمّالِ؛ جازَ لَهُ أنْ يَأْخُذَهُ في حالِ الغِنى؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ولِيَّ اليَتِيمِ لا يَسْتَحِقُّ رِزْقًا مِن مالِهِ؛ ولا خِلافَ أيْضًا أنَّ القاضِيَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا؛ وإلَيْهِ القِيامُ بِأمْرِ الأيْتامِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ سائِرَ النّاسِ؛ مِمَّنْ لَهُمُ الوِلايَةُ عَلى الأيْتامِ؛ لا يَجُوزُ لَهم أخْذُ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ؛ لا قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ كَما لا يَأْخُذُهُ القاضِي؛ فَقِيرًا كانَ؛ أوْ غَنِيًّا؛ فَإنْ قِيلَ: فَما الفارِقُ بَيْنَ رِزْقِ القاضِي والعامِلِ؛ وبَيْنَ أخْذِ ولِيِّ اليَتِيمِ مِن مالِهِ مِقْدارَ الكِفايَةِ؛ وبَيْنَ أخْذِ الأُجْرَةِ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ لِشَيْءٍ؛ وإنَّما هو شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) لَهُ؛ ولِكُلِّ مَن قامَ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ المُسْلِمِينَ؛ ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ لَهم أخْذُ الأرْزاقِ ولَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ؟ لِأنَّ اشْتِغالَهم بِالفُتْيا وتَفْقِيهِ النّاسِ فَرْضٌ؛ ولا جائِزٌ لِأحَدٍ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى الفُرُوضِ؛ والمُقاتِلَةُ وذُرِّيَّتُها يَأْخُذُونَ الأرْزاقَ ولَيْسَتْ بِأُجْرَةٍ؛ وكَذَلِكَ الخُلَفاءُ؛ وقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ مِنَ الخُمْسِ؛ والفَيْءِ؛ وسَهْمٌ مِنَ الغَنِيمَةِ؛ إذا حَضَرَ القِتالَ؛ وغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَأْخُذُ الأجْرَ عَلى شَيْءٍ؛ مِمّا يَقُومُ بِهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ وكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ (تَعالى): ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]؛ و ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ؛ ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّهُ قَدْ تَجِبُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والأيْتامِ في بَيْتِ المالِ الحُقُوقُ؛ ولا يَأْخُذُونَها بَدَلًا مِن شَيْءٍ؛ فَأخْذُ الأُجْرَةِ لِلْقاضِي؛ ولِمَن قامَ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ غَيْرُ جائِزٍ؛ وقَدْ مُنِعَ القاضِي أنْ يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ؛ وسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]؛ أهُوَ الرِّشا؟ قالَ: "لا؛ ذاكَ كُفْرٌ؛ إنَّما هو هَدايا العُمّالِ"؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «هَدايا الأُمَراءِ غُلُولٌ»؛ فالقاضِي مَمْنُوعٌ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِن أمْرِ القَضاءِ؛ ومَحْظُورٌ عَلَيْهِ قَبُولُ الهَدايا؛ وتَأوَّلَها السَّلَفُ عَلى أنَّها السُّحْتُ المَذْكُورُ في كِتابِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ووَلِيُّ اليَتِيمِ لا يَخْلُو فِيما يَأْخُذُهُ مِن مالِ اليَتِيمِ مِن أنْ يَأْخُذَهُ أُجْرَةً؛ أوْ عَلى سَبِيلِ رِزْقِ القاضِي؛ والعامِلِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تَكُونُ عَلى عَمَلٍ مَعْلُومٍ؛ ومُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ؛ (p-٣٦٤)وأجْرٍ مَعْلُومٍ؛ ويَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ عَقْدُ إجارَةٍ؛ ويَسْتَوِيَ فِيها الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ ومَن يُجِيزُ لَهُ أخْذَ شَيْءٍ مِن مالِ اليَتِيمِ عَلى وجْهِ القَرْضِ؛ أوْ عَلى جِهَةٍ غَيْرِ القَرْضِ؛ فَإنَّهُ لا يَجْعَلُهُ أُجْرَةً؛ لِما ذَكَرْنا؛ ولِاخْتِلافِ حُكْمِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عِنْدَهم فِيهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ؛ ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَهُ عَلى حَسَبِ ما يَأْخُذُهُ القُضاةُ مِنَ الأرْزاقِ؛ لِاسْتِواءِ حالِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ مِنَ القُضاةِ فِيما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الأرْزاقِ؛ واخْتِلافُ الغَنِيِّ والفَقِيرِ عِنْدَ مُجِيزِي أخْذِ ذَلِكَ مِن مالِ اليَتِيمِ؛ ولِأنَّ الرِّزْقَ إنَّما يَجِبُ في بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ؛ لا في مالِ أحَدٍ بِعَيْنِهِ مِنَ النّاسِ؛ فالمُشَبِّهُ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ فِيما يُجِيزُ لَهُ أخْذَ شَيْءٍ مِن مالِهِ بِالقاضِي؛ والأجِيرِ؛ فِيما يَأْخُذانِهِ مُغْفِلٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ولِيَّ اليَتِيمِ لا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في غَنائِمِ خَيْبَرَ: "لا يَحِلُّ لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ"؛» يَعْنِي وبَرَةً أخَذَها مِن بَعِيرِهِ؛ إلّا الخُمُسُ؛ والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ؛ فَإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما يَتَوَلّاهُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ كَما ذَكَرْنا؛ فالوَصِيُّ فِيما يَتَوَلّاهُ مِن مالِ اليَتِيمِ أحْرى أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ وأيْضًا لَمّا كانَ دُخُولُ الوَصِيِّ في الوَصِيَّةِ؛ عَلى وجْهِ التَّبَرُّعِ مِن غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ؛ كانَ بِمَنزِلَةِ المُسْتَبْضَعِ؛ فَلا أُجْرَةَ لَهُ؛ ولا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِنهُ قَرْضًا؛ ولا غَيْرَهُ؛ كَما لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُسْتَبْضَعِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْآيُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في أمْرِ الأيْتامِ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبِيلَ الأيْتامِ أنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم في حِفْظِ أمْوالِهِمْ؛ والتَّصَرُّفِ عَلَيْهِمْ فِيما يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِمْ؛ وهم وصِيُّ الأبِ؛ أوِ الجَدِّ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ وصِيُّ أبٍ أوْ وصِيُّ الجَدِّ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ؛ أوْ أمِينٌ؛ حاكِمٌ عَدْلٌ؛ بَعْدَ أنْ يَكُونَ الأمِينُ أيْضًا عَدْلًا؛ وكَذَلِكَ شَرْطُ الأوْصِياءِ؛ والجَدِّ؛ والأبِ؛ وكُلِّ مَن يَتَصَرَّفُ عَلى الصَّغِيرِ؛ لا يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَكُونَ عَدْلًا؛ مَأْمُونًا؛ فَأمّا الفاسِقُ؛ والمُتَّهَمُ مِنَ الآباءِ؛ والمُرْتَشِي مِنَ الحُكّامِ؛ والأوْصِياءِ؛ والأُمَناءِ غَيْرِ المَأْمُونِينَ؛ فَإنَّ واحِدًا مِن هَؤُلاءِ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ التَّصَرُّفُ عَلى الصَّغِيرِ؛ ولا خِلافَ في ذَلِكَ نَعْلَمُهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّ القاضِيَ إذا فَسَقَ بِأخْذِ الرِّشا؛ أوْ مَيْلٍ إلى هَوًى؛ وتَرَكَ الحُكْمَ؛ أنَّهُ مَعْزُولٌ؛ غَيْرُ جائِزِ الحُكْمِ؟ فَكَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ (تَعالى) فِيمَنِ ائْتَمَنَهُ عَلى أمْوالِ الأيْتامِ؛ مِن قاضٍ؛ أوْ وصِيٍّ؛ أوْ أمِينٍ؛ أوْ حاكِمٍ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ ثُبُوتُ وِلايَتِهِ في ذَلِكَ؛ إلّا عَلى شَرْطِ العَدالَةِ؛ وصِحَّةِ الأمانَةِ؛ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) أوْلِياءَ الأيْتامِ بِالإشْهادِ عَلَيْهِمْ؛ بَعْدَ البُلُوغِ؛ بِما يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ مِن أمْوالِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الأحْكامِ؛ أحَدُها الِاحْتِياطُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ اليَتِيمِ؛ ووالِي مالِهِ؛ فَأمّا اليَتِيمُ فَلِأنَّهُ إذا قامَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ (p-٣٦٥)بِقَبْضِ المالِ؛ كانَ أبْعَدَ مِن أنْ يَدَّعِيَ ما لَيْسَ لَهُ؛ وأمّا الوَصِيُّ فَلِأنْ يُبْطِلَ دَعْوى اليَتِيمِ بِأنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ؛ كَما أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِالإشْهادِ عَلى البُيُوعِ؛ احْتِياطًا لِلْمُتَبايِعِينَ؛ ووَجْهٌ آخَرُ في الإشْهادِ؛ وهو أنَّهُ يُظْهِرُ أداءَ أمانَتِهِ؛ وبَراءَةَ ساحَتِهِ؛ كَما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُلْتَقِطَ بِالإشْهادِ عَلى اللُّقَطَةِ؛ في حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"مَن وجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ؛ ولا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ"؛» فَأمَرَهُ بِالإشْهادِ؛ لِتَظْهَرَ أمانَتُهُ؛ وتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
* *
ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في تَصْدِيقِ الوَصِيِّ عَلى دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ - في الوَصِيِّ إذا ادَّعى بَعْدَ بُلُوغِ اليَتِيمِ أنَّهُ قَدْ دَفَعَ المالَ إلَيْهِ -: إنَّهُ يُصَدَّقُ؛ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: أنْفَقْتُ عَلَيْهِ في صِغَرِهِ؛ صُدِّقَ في نَفَقَةِ مِثْلِهِ؛ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: هَلَكَ المالُ؛ وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ؛ وقالَ مالِكٌ: "لا يُصَدَّقُ الوَصِيُّ أنَّهُ دَفَعَ المالَ إلى اليَتِيمِ"؛ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ قالَ: "لِأنَّ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ غَيْرُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ؛ كالوَكِيلِ بِدَفْعِ المالِ إلى غَيْرِهِ؛ لا يُصَدَّقُ إلّا بِبَيِّنَةٍ؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ في الأمْرِ بِالإشْهادِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ أمِينٍ؛ ولا مُصَدَّقٍ فِيهِ؛ لِأنَّ الإشْهادَ مَندُوبٌ إلَيْهِ في الأماناتِ؛ كَهو في المَضْمُوناتِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ الإشْهادُ عَلى رَدِّ الأماناتِ مِنَ الوَدائِعِ؛ كَما يَصِحُّ في أداءِ المَضْمُوناتِ مِنَ الدُّيُونِ؟ فَإذًا لَيْسَ في الأمْرِ بِالإشْهادِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِيهِ إذا لَمْ يُشْهِدْ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مُصَدَّقًا في الرَّدِّ؛ فَما مَعْنى الإشْهادِ مَعَ قَبُولِ قَوْلِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قِيلَ لَهُ: فِيهِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن ظُهُورِ أمانَتِهِ؛ والِاحْتِياطِ لَهُ في زَوالِ التُّهْمَةِ عَنْهُ في ألّا يُدَّعى عَلَيْهِ بَعْدَما قَدْ ظَهَرَ رَدُّهُ؛ وفِيهِ الِاحْتِياطُ لِلْيَتِيمِ في ألّا يَدَّعِيَ ما يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِيهِ؛ وفِيهِ أيْضًا سُقُوطُ اليَمِينِ عَنِ الوَصِيِّ إذا كانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ في دَفْعِهِ إلَيْهِ؛ ولَوْ لَمْ يُشْهِدْ؛ وادَّعى اليَتِيمُ أنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ؛ كانَ القَوْلُ قَوْلَ الوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ وإذا أشْهَدَ فَلا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُضَمَّنَةٌ بِالإشْهادِ؛ وإنْ كانَ أمانَةً في يَدِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيهِ بِغَيْرِ إشْهادٍ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهِ؛ وإمْساكِهِ عَلى وجْهِ الأمانَةِ؛ حَتّى يُوصِلَهُ إلى اليَتِيمِ في وقْتِ اسْتِحْقاقِهِ؛ فَهو بِمَنزِلَةِ الوَدائِعِ؛ والمُضارَباتِ؛ وما جَرى مُجْراها مِنَ الأماناتِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا عَلى الرَّدِّ؛ كَما يُصَدَّقُ عَلى رَدِّ الوَدِيعَةِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ أمانَةٌ؛ أنَّ اليَتِيمَ لَوْ صَدَّقَهُ عَلى الهَلاكِ لَمْ يُضَمِّنْهُ؛ كَما أنَّ المُودِعَ إذا صَدَّقَ المُودَعَ في هَلاكِ الوَدِيعَةِ لَمْ يُضَمِّنْهُ؛ وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ: "إنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتَمِنهُمُ الأيْتامُ لَمْ يُصَدَّقُوا"؛ (p-٣٦٦)فَقَوْلٌ ظاهِرُ الِاخْتِلالِ؛ بَعِيدٌ مِن مَعانِي الفِقْهِ؛ مُنْتَقَضٌ؛ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ما ذَكَرَهُ عِلَّةً لِنَفْيِ التَّصْدِيقِ لَوَجَبَ ألّا يُصَدَّقَ القاضِي إذا قالَ لِلْيَتِيمِ: "قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ"؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ؛ وكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ في الأبِ - إذا قالَ بَعْدَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ: "قَدْ دَفَعْتُ إلَيْكَ مالَكَ " - ألّا يُصَدِّقَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنهُ؛ ويَلْزَمُهُ أيْضًا أنْ يُوجِبَ عَلَيْهِمُ الضَّمانَ؛ إذا تَصادَقُوا بَعْدَ البُلُوغِ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ؛ لِأنَّهُ أمْسَكَ مالَهُ مِن غَيْرِ ائْتِمانٍ لَهُ عَلَيْهِ؛ وأمّا تَشْبِيهُهُ إيّاهُ بِالوَكِيلِ؛ بِدَفْعِ المالِ إلى غَيْرِهِ؛ فَتَشْبِيهٌ بَعِيدٌ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلا فارِقَ بَيْنَهُما مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صَدَّقْنا فِيهِ الوَصِيَّ؛ لِأنَّ الوَكِيلَ مُصَدَّقٌ أيْضًا في بَراءَةِ نَفْسِهِ؛ غَيْرُ مُصَدَّقٍ في إيجابِ الضَّمانِ ودَفْعِهِ إلى غَيْرِهِ؛ وإنَّما لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلى المَأْمُورِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ فَأمّا في بَراءَةِ نَفْسِهِ فَهو مُصَدَّقٌ؛ كَما صَدَّقْنا الوَصِيَّ عَلى الرَّدِّ بَعْدَ البُلُوغِ؛ وأيْضًا فَإنَّ الوَصِيَّ في مَعْنى مَن يَتَصَرَّفُ عَلى اليَتِيمِ بِإذْنِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِ في البَيْعِ والشِّراءِ؛ كَجَوازِ تَصَرُّفِ أبِيهِ؟ فَإذا كانَ إمْساكُ الوَصِيِّ المالَ بِائْتِمانِ الأبِ لَهُ عَلَيْهِ؛ وإذْنِ الأبِ جائِزٌ عَلى الصَّغِيرِ؛ صارَ كَأنَّهُ مُمْسِكٌ لَهُ بَعْدَ البُلُوغِ بِإذْنِهِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُودَعِ.
النساء 4:7
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ اَلْآيَةَ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عُمُومًا؛ ومُجْمَلًا؛ فَأمّا العُمُومُ فَقَوْلُهُ: "لِلرِّجالِ"؛ و"لِلنِّساءِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ فَذَلِكَ عُمُومٌ في إيجابِ المِيراثِ لِلرِّجالِ ولِلنِّساءِ؛ مِنَ الوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ فَدَلَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ عَلى إثْباتِ مَوارِيثِ ذَوِي الأرْحامِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَقُولَ: "إنَّ العَمّاتِ؛ والخالاتِ؛ والأخْوالَ؛ وأوْلادَ البَناتِ؛ مِنَ الأقْرَبِينَ"؛ فَوَجَبَ بِظاهِرِ الآيَةِ إثْباتُ مِيراثِهِمْ؛ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَصِيبٌ﴾؛ مُجْمَلًا؛ غَيْرَ مَذْكُورِ المِقْدارِ في الآيَةِ؛ امْتَنَعَ اسْتِعْمالُ حُكْمِهِ؛ إلّا بِوُرُودِ بَيانٍ مِن غَيْرِهِ؛ إلّا أنَّ الِاحْتِجاجَ بِظاهِرِ الآيَةِ في إثْباتِ مِيراثِ ما لِذَوِي الأرْحامِ سائِغٌ؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِن الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ عَطْفًا عَلى ما قُدِّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الزَّرْعِ؛ والثَّمَرَةِ؛ فَهَذِهِ ألْفاظٌ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى العُمُومِ؛ والمُجْمَلِ؛ فَلا يَمْنَعُ ما فِيها مِنَ الإجْمالِ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعُمُومِها؛ مَتى اخْتَلَفْنا فِيما انْتَظَمَهُ لَفْظُ العُمُومِ؛ وهو أصْنافُ الأمْوالِ المُوجَبِ فِيها؛ وإنْ لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجاجُ بِما فِيها مِنَ المُجْمَلِ عِنْدَ اخْتِلافِنا في المِقْدارِ الواجِبِ؛ كَذَلِكَ مَتى اخْتَلَفْنا في الوَرَثَةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْمِيراثِ؛ ساغَ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ (p-٣٦٧)ومَتى اخْتَلَفْنا في المِقْدارِ الواجِبِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ احْتَجْنا في إثْباتِهِ إلى بَيانٍ مِن غَيْرِهِ؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ ولَمْ يَكُنْ لِذَوِي الأرْحامِ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ؛ عَلِمْنا أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا في مُرادِ الآيَةِ؛ قِيلَ لَهُ: ما ذَكَرْتَ لا يُخْرِجُهم مِن حُكْمِها؛ وكَوْنِهِمْ مُرادِينَ بِها؛ لِأنَّ الَّذِي يَجِبُ لِذَوِي الأرْحامِ عِنْدَ مُوجِبِي مَوارِيثِهِمْ هو نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ وهو مَعْلُومٌ؛ مُقَدَّرٌ؛ كَأنْصِباءِ ذَوِي السِّهامِ؛ لا فارِقَ بَيْنَهُما مِن هَذا الوَجْهِ؛ وإنَّما أبانَ اللَّهُ (تَعالى) أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مَفْرُوضًا؛ غَيْرَ مَذْكُورِ المِقْدارِ في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِبَيانٍ؛ وتَقْدِيرٍ مَعْلُومٍ لَهُ؛ يَرِدُ في التّالِي؛ فَكَما ورَدَ البَيانُ في نَصِيبِ الوالِدَيْنِ؛ والأوْلادِ؛ وذَوِي السِّهامِ - بَعْضُها بِنَصِّ التَّنْزِيلِ؛ وبَعْضُها بِنَصِّ السُّنَّةِ؛ وبَعْضُها بِإجْماعِ الأُمَّةِ؛ وبَعْضُها بِالقِياسِ والنَّظَرِ - كَذَلِكَ قَدْ رُوِيَ بَيانُ أنْصِباءِ ذَوِي الأرْحامِ - بَعْضُها بِالسُّنَّةِ؛ وبَعْضُها بِدَلِيلِ الكِتابِ؛ وبَعْضُها بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ -؛ مِن حَيْثُ أوْجَبَتِ الآيَةُ لِذَوِي الأرْحامِ أنْصِباءَ؛ فَلَمْ يَجُزْ إسْقاطُ عُمُومِها فِيهِمْ؛ ووَجَبَ تَوْرِيثُهم بِها؛ ثُمَّ إذا اسْتَحَقُّوا المِيراثَ بِها كانَ المُسْتَحَقُّ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ القائِلُونَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ فِيهِمْ؛ فَهم وإنْ كانُوا مُخْتَلِفِينَ في بَعْضِها فَقَدِ اتَّفَقُوا في البَعْضِ؛ وما اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمْ يَخْلُ مِن دَلِيلٍ لِلَّهِ (تَعالى) يَدُلُّ عَلى حُكْمٍ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ؛ وهو أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ وقالَ غَيْرُهُما: إنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُورِّثُ إلّا مِن طاعِنٍ بِالرُّمْحِ؛ وزادَ عَنِ الحَرِيمِ والمالِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) هَذِهِ الآيَةَ؛ إبْطالًا لِحُكْمِهِمْ فَلا يَصِحُّ اعْتِبارُ عُمُومِها في غَيْرِ ما ورَدَتْ فِيهِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرْتَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الأوْلادِ؛ وذَوِي السِّهامِ؛ مِنَ القَراباتِ الَّذِينَ بَيَّنَ اللَّهُ (تَعالى) حُكْمَهم في غَيْرِها؛ وإنَّما السَّبَبُ أنَّهم كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا قَدْ كانُوا يُوَرِّثُونَ ذَوِي الأرْحامِ مِنَ الرِّجالِ؛ دُونَ الإناثِ؛ فَلَيْسَ فِيما ذَكَرْتَ إذًا دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَّبَبَ كانَ تَوْرِيثَ الأوْلادِ؛ ومَن ذَكَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) مِن ذَوِي السِّهامِ؛ في آيَةِ المَوارِيثِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ؛ بَلِ الحُكْمُ لِلْعُمُومِ؛ دُونَ السَّبَبِ عِنْدَنا؛ فَنُزُولُها عَلى سَبَبٍ؛ ونُزُولُها مُبْتَدَأةً؛ مِن غَيْرِ سَبَبٍ؛ سَواءٌ؛ وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ مَعَ الأوْلادِ غَيْرَهم مِنَ الأقْرَبِينَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مِيراثَ الأوْلادِ؛ دُونَ (p-٣٦٨)سائِرِ الأقْرَبِينَ؛ ويُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَوْرِيثِ الإخْوَةِ والأخَواتِ مَعَ الجَدِّ؛ كَنَحْوِ احْتِجاجِنا بِها في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْلُومًا مُقَدَّرًا؛ ويُقالُ: إنَّ أصْلَ الفَرْضِ الحَزُّ في القِداحِ؛ عَلامَةً لَها؛ يُمَيِّزُ بَيْنَها؛ والفُرْضَةُ العَلامَةُ في قَسْمِ الماءِ؛ يَعْرِفُ بِها كُلُّ ذِي حَقٍّ نَصِيبَهُ مِنَ الشُّرْبِ؛ فَإذًا كانَ أصْلُ الفَرْضِ هَذا؛ ثُمَّ نُقِلَ إلى المَقادِيرِ المَعْلُومَةِ في الشَّرْعِ؛ أوْ إلى الأُمُورِ الثّابِتَةِ اللّازِمَةِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ أصْلَ الفَرْضِ الثُّبُوتُ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَزُّ الَّذِي في سِيَةِ القَوْسِ فَرْضًا؛ لِثُبُوتِهِ؛ والفَرْضُ في الشَّرْعِ يَنْقَسِمُ إلى هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ فَمَتى أُرِيدَ بِهِ الوُجُوبُ كانَ المَفْرُوضُ في أعْلى مَراتِبَ الإيجابِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الفَرْضِ والواجِبِ؛ في الشَّرْعِ؛ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ وإنْ كانَ كُلُّ مَفْرُوضٍ واجِبًا؛ مِن حَيْثُ كانَ الفَرْضُ يَقْتَضِي فارِضًا؛ ومُوجِبًا لَهُ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الواجِبُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَجِبُ مِن غَيْرِ إيجابِ مُوجِبٍ لَهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ جائِزٌ أنْ يُقالَ: إنَّ ثَوابَ المُطِيعِينَ واجِبٌ عَلى اللَّهِ (تَعالى) في حِكْمَتِهِ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ؟ إذْ كانَ الفَرْضُ يَقْتَضِي فارِضًا؛ وقَدْ يَكُونُ واجِبًا في الحِكْمَةِ؛ غَيْرَ مُقْتَضٍ مُوجِبًا؛ وأصْلُ الوُجُوبِ في اللُّغَةِ هو السُّقُوطُ؛ يُقالُ: وجَبَتِ الشَّمْسُ؛ إذا سَقَطَتْ؛ ووَجَبَ الحائِطُ إذا سَقَطَ؛ وسَمِعْتُ وجْبَةً؛ يَعْنِي سَقْطَةً؛ وقالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦]؛ يَعْنِي: سَقَطَتْ؛ فالفَرْضُ في أصْلِ اللُّغَةِ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ الواجِبِ؛ وكَذَلِكَ حُكْمُهُما في الشَّرْعِ؛ إذا كانَ الحَزُّ الواقِعُ ثابِتَ الأثَرِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الوُجُوبُ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَوْرِيثِ الأخِ مَعَ البِنْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما أبْقَتْ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ»، فَواجِبٌ بِمَجْمُوعِ الآيَةِ والخَبَرِ أنّا إذا أعْطَيْنا البِنْتَ النِّصْفَ أنْ نُعْطِيَ الباقِيَ الأخَ؛ لِأنَّهُ أوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ.
* *
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في ابْنَيْ عَمٍّ أحَدُهُما أخٌ لِأُمٍّ، فَقالَ عَلِيٌّ وزَيْدٌ: " لِلْأخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ وما بَقِيَ فَبَيْنَهُما نِصْفانِ " وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ: " المالُ لِلْأخِ مِنَ الأُمِّ، وقالا: " ذُو السَّهْمِ أحَقُّ مِمَّنْ لا سَهْمَ لَهُ " وإلَيْهِ كانَ يَذْهَبُ شُرَيْحٌ والحَسَنُ. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أخَوَيْنِ لِأُمٍّ أحَدُهُما ابْنُ عَمٍّ أنَّ لَهُما الثُّلُثَ بِنَسَبِ الأُمِّ وما بَقِيَ فَلِابْنِ العَمِّ خاصَّةً، ولَمْ يَجْعَلُوا ابْنَ العَمِّ أحَقَّ بِجَمِيعِ المِيراثِ لِاجْتِماعِ السَّهْمِ والتَّسْمِيَةُ لَهُ دُونَ الآخَرِ، كَذَلِكَ حُكْمُ ابْنَيِ العَمِّ إذا كانَ أحَدُهُما أخًا لِأُمٍّ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُجْعَلَ أوْلى (p-٢٨)بِالمِيراثِ مِن أجْلِ اخْتِصاصِهِ بِالسَّهْمِ والتَّعْصِيبِ.
وشَبَّهَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ بِالأخِ لِأبٍ وأُمٍّ وأخٌ لِأبٍ أنَّهُ أوْلى بِالمِيراثِ، ولَيْسَ هَذا عِنْدَ الآخَرِينَ مُشْبِهًا لِهَذِهِ المَسْألَةِ مِن قِبَلِ أنَّ نَسَبَهُما مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي الأُخُوَّةُ، فاعْتُبِرَ فِيها أقْرَبُهُما إلَيْهِ، وهو الَّذِي اجْتَمَعَ لَهُ قَرابَةُ الأبِ والأُمِّ، ولا يَسْتَحِقُّ بِقَرابَتِهِ مِنَ الأُمِّ سَهْمَ الأخِ مِنَ الأُمِّ بَلْ إنَّما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ حُكْمُ الأُخُوَّةِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ ابْنا العَمِّ إذا كانَ أحَدُهُما أخًا لِأُمٍّ؛ لِأنَّكَ تُرِيدُ أنْ تُؤَكِّدَ بِالأُخُوَّةِ مِن جِهَةِ الأُمِّ ما لَيْسَ بِأُخُوَّةٍ، وإنَّما هو سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُها فَلَمْ يَجُزْ أنْ تُؤَكِّدَهُ بِها ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّ نِسْبَتَهُ مِن جِهَةِ أنَّهُ ابْنُ العَمِّ لا يُسْقِطُ سَهْمَهُ مِن جِهَةِ أنَّهُ أخٌ لِأُمٍّ بَلْ يَرِثُ بِأنَّهُ أخٌ لِأُمٍّ سَهْمَ الأخِ مِنَ الأُمِّ وإنْ كانَ ابْنَ عَمٍّ، ألا تَرى أنَّ المَيِّتَةَ لَوْ تَرَكَتْ أُخْتَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ وزَوْجًا وأخًا لِأُمٍّ هو ابْنُ عَمٍّ أنَّ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ولِلزَّوْجِ النِّصْفَ ولِلْأخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسَ ولَمْ يَسْقُطْ سَهْمُهُ مِن جِهَةِ أنَّهُ ابْنُ عَمٍّ ؟ ولَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُمًّا وأُخْتًا لِأُمٍّ وإخْوَةً لِأبٍ وأُمٍّ كانَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأُخْتِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ وما بَقِيَ فَلِلْإخْوَةِ مِنَ الأبِ والأُمِّ، ولَمْ يَسْتَحِقَّ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ سَهْمَ الأُخُوَّةِ مِنَ الأُمِّ لِمُشارَكَتِهِمْ لِلْأخِ مِنَ الأُمِّ في نَسَبِها، بَلْ إنَّما اسْتَحَقُّوا بِالتَّعْصِيبِ فَكانَتْ قَرابَتُهم بِالأبِ والأُمِّ مُؤَكَّدَةً لَتَعْصِيبِهِمْ فَلا يَسْتَحِقُّونَ بِها أنْ يَكُونُوا مِن ذَوِي السِّهامِ، وقَرابَةُ ابْنِ العَمِّ بِنَسَبِهِ مِن جِهَةِ الأُمِّ لا تُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مِن ذَوِي السِّهامِ فِيما يَسْتَحِقُّهُ مِن سَهْمِ الأخِ مِنَ الأُمِّ؛ ولَيْسَ لِهَذا تَأْثِيرٌ في تَأْكِيدِ التَّعْصِيبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ أبَدًا إلّا بِالتَّعْصِيبِ، كَما لا يَأْخُذُ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ إلّا بِالتَّعْصِيبِ ولا يَأْخُذُونَ بِقَرابَتِهِمْ مِنَ الأُمِّ سَهْمَ الأُخُوَّةِ مِنَ الأُمِّ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:8
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى﴾؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ وأبُو مالِكٍ؛ وأبُو صالِحٍ: "هِيَ مَنسُوخَةٌ بِالمِيراثِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَطاءٌ؛ والحَسَنُ؛ والشَّعْبِيُّ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ؛ والزُّهْرِيُّ: "إنَّها مُحْكَمَةٌ؛ لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ"؛ ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "يَعْنِي عِنْدَ قِسْمَةِ المِيراثِ؛ وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) بَعْدَ ذَلِكَ الفَرائِضَ؛ فَأعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَجُعِلَتِ الصَّدَقَةُ فِيما سَمّى المُتَوَفّى"؛ فَفي هَذِهِ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ واجِبَةً عِنْدَ قِسْمَةِ المِيراثِ؛ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالمِيراثِ؛ وجُعِلَ ذَلِكَ في وصِيَّةِ المَيِّتِ لَهُمْ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنْهُ أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ وهي في قِسْمَةِ المِيراثِ؛ تُرْضَخُ لَهُمْ؛ فَإنْ كانَ في المالِ تَقْصِيرٌ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ ورَوى الحَجّاجُ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ بَكْرٍ كانا يُعْطِيانِ مَن حَضَرَ مِن هَؤُلاءِ؛ وقالَ قَتادَةُ: عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ أبُو مُوسى: "هِيَ مُحْكَمَةٌ"؛ ورَوى أشْعَثُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ؛ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (p-٣٦٩)قالَ: ولِيَ أبِي مِيراثًا؛ فَأمَرَ بِشاةٍ؛ فَذُبِحَتْ؛ ثُمَّ صُنِعَتْ؛ ولَمّا قَسَّمَ ذَلِكَ المِيراثَ أطْعَمَهُمْ؛ ثُمَّ تَلا ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى﴾؛ اَلْآيَةَ؛ ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ؛ وقالَ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَكانَتْ هَذِهِ الشّاةُ مِن مالِي"؛ وذَكَرَ أنَّهُ كانَ مِن مالِ يَتِيمٍ قَدْ ولِيَهُ؛ ورَوى هُشَيْمٌ عَنْ أبِي بِشْرٍ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ يَتَهاوَنُ بِها النّاسُ؛ وقالَ: هُما ولِيّانِ؛ أحَدُهُما يَرِثُ؛ والآخَرُ لا يَرِثُ؛ والَّذِي يَرِثُ هو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَرْزُقَهُمْ؛ ويُعْطِيَهُمْ؛ والَّذِي لا يَرِثُ هو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ ويَقُولَ: "هَذا المالُ لِقَوْمٍ غُيَّبٍ؛ أوْ لِأيْتامٍ صِغارٍ؛ ولَكم فِيهِ حَقٌّ؛ ولَسْنا نَمْلِكُ أنْ نُعْطِيَ مِنهُ شَيْئًا"؛ فَهَذا القَوْلُ المَعْرُوفُ؛ قالَ: "هِيَ مُحْكَمَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ"؛ فَحَمَلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ: ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾؛ عَلى أنَّهم يُعْطُونَ أنْصِباءَهم مِنَ المِيراثِ؛ والقَوْلَ المَعْرُوفَ لِلْآخَرِينَ؛ فَكانَتْ فائِدَةُ الآيَةِ عِنْدَهُ: " إنْ حَضَرَ بَعْضُ الوَرَثَةِ؛ وفِيهِمْ غائِبٌ؛ أوْ صَغِيرٌ؛ فَإنَّهُ يُعْطى الحاضِرُ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ؛ ويُمْسَكُ نَصِيبُ الغائِبِ؛ والصَّغِيرِ"؛ فَإنْ صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ فَهو حُجَّةٌ؛ لَقَوْلِ مَن يَقُولُ في الوَدِيعَةِ: "إذا كانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ؛ وغابَ أحَدُهُما؛ فَإنَّ لِلْحاضِرِ أنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ ويُمْسِكَ المُودَعُ نَصِيبَ الغائِبِ"؛ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٍ؛ وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: "لا يُعْطى أحَدُ المُودِعَيْنِ شَيْئًا؛ إذا كانا شَرِيكَيْنِ فِيهِ؛ حَتّى يَحْضُرَ الآخَرُ"؛ ورَوى عَطاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ قالَ: "يَقُولُ عِدَةً جَمِيلَةً؛ إنْ كانَ الوَرَثَةُ صِغارًا؛ يَقُولُ أوْلِياءُ الوَرَثَةِ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ؛ واليَتامى؛ والمَساكِينِ: إنَّ هَؤُلاءِ الوَرَثَةَ صِغارٌ؛ فَإذا بَلَغُوا أمَرْناهم أنْ يَعْرِفُوا حَقَّكُمْ؛ ويَتَّبِعُوا فِيهِ وصِيَّةَ رَبِّهِمْ".
فَحَصَلَ اخْتِلافُ السَّلَفِ في ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ وأبُو مالِكٍ؛ وأبُو صالِحٍ: "إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالمِيراثِ"؛ والثّانِي رِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَوْلُ عَطاءٍ؛ والحَسَنِ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وإبْراهِيمَ؛ ومُجاهِدٍ: "إنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ؛ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ؛ وهي في المِيراثِ"؛ والثّالِثُ - وهو قَوْلٌ ثالِثٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أنَّها في وصِيَّةِ المَيِّتِ لِهَؤُلاءِ؛ مَنسُوخَةٌ عَنِ المِيراثِ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "هَذا شَيْءٌ أمَرَ بِهِ المُوصِي في الوَقْتِ الَّذِي يُوصِي فِيهِ"؛ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩]؛ قالَ: "يَقُولُ لَهُ مَن حَضَرَهُ: اِتَّقِ اللَّهَ؛ وصِلْهُمْ؛ وبِرَّهُمْ؛ وأعْطِهِمْ"؛ والرّابِعُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - في رِوايَةِ أبِي بِشْرٍ عَنْهُ -: "إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾؛ هو المِيراثُ نَفْسُهُ؛ ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ لِغَيْرِ أهْلِ المِيراثِ؛ فَأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ فَإنَّهُ كانَ عِنْدَهم عَلى الوُجُوبِ؛ قَبْلَ نُزُولِ المِيراثِ (p-٣٧٠)فَلَمّا نَزَلَتِ المَوارِيثُ؛ وجُعِلَ لِكُلِّ وارِثٍ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ؛ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا؛ وأمّا الَّذِينَ قالُوا: ثابِتَةُ الحُكْمِ؛ فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَنا عَلى أنَّهم رَأوْها نَدْبًا؛ واسْتِحْبابًا؛ لا حَتْمًا وإيجابًا؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ واجِبَةً مَعَ كَثْرَةِ قِسْمَةِ المَوارِيثِ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ والصَّحابَةِ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ لَنُقِلَ وُجُوبُ ذَلِكَ؛ واسْتِحْقاقُهُ لِهَؤُلاءِ؛ كَما نُقِلَتِ المَوارِيثُ؛ لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ فَلَمّا لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولا عَنِ الصَّحابَةِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ اسْتِحْبابٌ؛ لَيْسَ بِإيجابٍ؛ وما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وعُبَيْدَةَ؛ وأبِي مُوسى في ذَلِكَ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الوَرَثَةُ كانُوا كِبارًا؛ فَذَبَحَ الشّاةَ مِن جُمْلَةِ المالِ بِإذْنِهِمْ؛ وما رُوِيَ في الحَدِيثِ أنْ عُبَيْدَةَ قَسَّمَ مِيراثَ أيْتامٍ؛ فَذَبَحَ شاةً؛ فَإنَّ هَذا عَلى أنَّهم كانُوا يَتامى فَكَبِرُوا؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا صِغارًا لَمْ تَصِحَّ مُقاسَمَتُهُمْ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَدْبٌ ما رَوى عَطاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الوَصِيَّ يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِن أُولِي القُرْبى؛ وغَيْرِهِمْ: "إنَّ هَؤُلاءِ الوَرَثَةَ صِغارٌ"؛ ويَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ بِمِثْلِهِ؛ ولَوْ كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لَهُ عَلى الإيجابِ لَوَجَبَ إعْطاؤُهُمْ؛ صِغارًا كانَ الوَرَثَةُ؛ أوْ كِبارًا؛ وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ قَسَّمَ المَوارِيثَ بَيْنَ الوَرَثَةِ؛ وبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في آيَةِ المَوارِيثِ؛ ولَمْ يَجْعَلْ فِيها لِهَؤُلاءِ شَيْئًا؛ وما كانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إزالَتُهُ إلى غَيْرِهِ؛ إلّا بِالوُجُوهِ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) بِإزالَتِهِ بِها؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ وقالَ ﷺ: «"دِماؤُكم وأمْوالُكم عَلَيْكم حَرامٌ"؛» وقالَ: «"لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ"؛» وهَذا كُلُّهُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إعْطاءُ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ؛ عِنْدَ القِسْمَةِ؛ اسْتِحْبابًا؛ لا إيجابًا.
وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا كانَ في المالِ تَقْصِيرٌ اعْتُذِرَ إلَيْهِمْ؛ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: "يُعْطى المِيراثُ أهْلَهُ"؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾؛ في هَذِهِ الرِّوايَةِ؛ ويَقُولُ لِمَن لا يَرِثُ: "إنَّ هَذا المالَ لِقَوْمٍ غُيَّبٍ؛ ولِأيْتامٍ صِغارٍ؛ ولَكم فِيهِ حَقٌّ؛ ولَسْنا نَمْلِكُ أنْ نُعْطِيَ مِنهُ شَيْئًا"؛ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ ضَرْبٌ مِنَ الِاعْتِذارِ إلَيْهِمْ؛ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: "إذا أعْطاهم عِنْدَ القِسْمَةِ شَيْئًا لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ؛ ولا يَنْتَهِرُهُمْ؛ ولا يُسِيءُ اللَّفْظَ فِيما يُخاطِبُهم بِهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] .
النساء 4:9
قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهِ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ؛ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ والضَّحّاكِ؛ والسُّدِّيِّ؛ قالُوا: "هُوَ الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ المَوْتُ؛ (p-٣٧١)فَيَقُولُ لَهُ مَن يَحْضُرُهُ: اِتَّقِ اللَّهَ؛ أعْطِهِمْ؛ صِلْهُمْ؛ بِرَّهُمْ؛ ولَوْ كانُوا هُمُ الَّذِينَ يُوصُونَ لَأحَبُّوا أنْ يُبْقُوا لِأوْلادِهِمْ"؛ قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: فَسَألْتُ مِقْسَمًا عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لا؛ ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ المَوْتُ؛ فَيَقُولُ لَهُ مَن يَحْضُرُهُ: اِتَّقِ اللَّهَ؛ وأمْسِكْ عَلَيْكَ مالَكَ؛ ولَوْ كانُوا ذَوِي قَرابَتِهِ لَأحَبُّوا أنْ يُوصِيَ لَهُمْ"؛ فَتَأوَّلَهُ الأوَّلُونَ عَلى نَهْيِ الحاضِرِينَ عَنِ الحَضِّ عَلى الوَصِيَّةِ؛ وتَأوَّلَهُ مِقْسَمٌ عَلى نَهْيِ مَن يَأْمُرُهُ بِتَرْكِها؛ وقالَ الحَسَنُ في رِوايَةٍ أُخْرى: "هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَ المَيِّتِ؛ فَيَقُولُ: أوْصِ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِن مالِكَ "؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ قالَ: "فِي وِلايَةِ مالِ اليَتِيمِ وحِفْظِهِ؛ إنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْمَلُوا فِيهِ؛ ويَقُولُوا بِمِثْلِ ما يَجِبُ أنْ يُعْمَلَ ويُقالَ في أمْوالِ أيْتامِهِمْ؛ وضِعافِ ذُرِّيَّتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ"؛ وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَأوَّلَ السَّلَفُ عَلَيْها الآيَةَ مُرادَةً بِها؛ إلّا أنَّ ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الأمْرِ بِالوَصِيَّةِ؛ أنَّ النَّهْيَ عَنْها إذا قَصَدَ المُشِيرُ بِذَلِكَ إلى الإضْرارِ بِالوَرَثَةِ؛ أوْ بِالمُوصى لَهم مِمّا لا يَرْضاهُ هو لِنَفْسِهِ لَوْ كانَ مَكانَ هَؤُلاءِ؛ وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ المَرِيضُ قَلِيلَ المالِ؛ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ؛ فَيَأْمُرَهُ الَّذِي يَحْضُرُهُ بِاسْتِغْراقِ الثُّلُثِ لِلْوَصِيَّةِ؛ ولَوْ كانَ هو مَكانَهُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وصِيَّةً لَهُ لِأجْلِ ورَثَتِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ لَهُ إذا كانَ لَهُ ورَثَةٌ ضُعَفاءُ؛ وهو قَلِيلُ المالِ؛ ألّا يُوصِيَ بِشَيْءٍ؛ ويَتْرُكَهُ لَهُمْ؛ أوْ يُوصِيَ لَهم بِأقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ؛ وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ – لِسَعْدٍ - حِينَ قالَ: أُوصِيَ بِجَمِيعِ مالِي -؛ فَقالَ: "لا"؛ إلى أنْ رَدَّهُ إلى الثُّلُثِ؛ فَقالَ: "اَلثُّلُثُ؛ والثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إنَّكَ إنْ تَدَعْ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ"؛» فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الوَرَثَةَ إذا كانُوا فُقَراءَ فَتَرْكُ الوَصِيَّةِ لِيَسْتَغْنُوا بِهِ أفْضَلُ مِن فِعْلِها؛ وذَكَرَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "اَلْأفْضَلُ لِمَن لَهُ مالٌ كَثِيرٌ الوَصِيَّةُ بِما يُرِيدُ أنْ يُوصِيَ بِهِ؛ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ مِن ثُلُثِ مالِهِ؛ والأفْضَلُ لِمَن لَيْسَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ ألّا يُوصِيَ مِنهُ بِشَيْءٍ؛ وأنْ يُبْقِيَهُ لِوَرَثَتِهِ"؛ والنَّهْيُ مُنْصَرِفٌ أيْضًا إلى مَن يَأْمُرُهُ مِنَ الحاضِرِينَ بِأنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"والثُّلُثُ كَثِيرٌ"؛» ولِنَهْيِهِ سَعْدًا عَنِ الوَصِيَّةِ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ما قالَهُ مِقْسَمٌ مُرادًا؛ بِأنْ يَقُولَ الحاضِرُ: لا تُوصِ بِشَيْءٍ؛ ولَوْ كانَ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ لَأحَبَّ أنْ يُوصِيَ لَهُ؛ فَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِما لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنى ذَلِكَ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ هاشِمٍ قالَ: حَدَّثَنا هُدْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا هَمّامٌ قالَ: حَدَّثَنا قَتادَةُ؛ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ (p-٣٧٢)لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الرّازِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنْ لَيْثٍ؛ عَنْ طَلْحَةَ؛ عَنْ خَيْثَمَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ؛ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ؛ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ ويُحِبَّ أنْ يَأْتِيَ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ"».
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾؛ فَنَهاهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُشِيرَ عَلى غَيْرِهِ؛ ويَأْمُرَهُ بِما لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ؛ ولِأهْلِهِ؛ ولِوَرَثَتِهِ؛ وأمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِأنْ يَقُولَ الحاضِرُونَ قَوْلًا سَدِيدًا؛ وهو العَدْلُ؛ والحَقُّ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ؛ ولا فَسادَ؛ في إجْحافٍ بِوارِثٍ؛ أوْ حِرْمانٍ لِذِي قَرابَةٍ.
النساء 4:10
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ اَلْآيَةَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ ومُجاهِدٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَزَلَ مَن كانَ في حِجْرِهِ يَتِيمٌ طَعامَهُ عَنْ طَعامِهِ؛ وشَرابَهُ عَنْ شَرابِهِ؛ حَتّى فَسَدَ؛ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ فَرَخَّصَ لَهم في الخُلْطَةِ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ خَصَّ اللَّهُ (تَعالى) الأكْلَ بِالذِّكْرِ؛ وسائِرُ الأمْوالِ؛ غَيْرِ المَأْكُولِ مِنها؛ مَحْظُورٌ إتْلافُهُ مِن مالِ اليَتِيمِ؛ كَحَظْرِ المَأْكُولِ مِنهُ؛ ولَكِنَّهُ خَصَّ الأكْلَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُبْتَغى لَهُ الأمْوالُ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ ونَظائِرَهُ فِيما قَدْ سَلَفَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾؛ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ لَهَبَ النّارِ يَخْرُجُ مِن فَمِهِ؛ ومَسامِعِهِ؛ وأنْفِهِ؛ وعَيْنَيْهِ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَعْرِفُهُ مَن رَآهُ أنَّهُ آكِلُ مالِ اليَتِيمِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ كالمَثَلِ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ بِهِ إلى جَهَنَّمَ؛ فَتَمْتَلِئُ بِالنّارِ أجْوافُهُمْ؛ ومِن جُهّالِ الحَشْوِ وأصْحابِ الحَدِيثِ مَن يَظُنُّ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ وقَدْ أثْبَتَهُ بَعْضُهم في النّاسِخِ والمَنسُوخِ؛ لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَزَلُوا طَعامَ اليَتِيمِ؛ وشَرابَهُ؛ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ وهَذا القَوْلُ مِن قائِلِهِ يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِ بِمَعْنى النَّسْخِ؛ وبِما يَجُوزُ نَسْخُهُ مِمّا لا يَجُوزُ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا مَحْظُورٌ؛ وأنَّ الوَعِيدَ المَذْكُورَ في الآيَةِ قائِمٌ فِيهِ؛ عَلى اخْتِلافٍ مِنهم في إلْحاقِ الوَعِيدِ بِهِ في الآخِرَةِ لا مَحالَةَ؛ أوْ جَوازِ الغُفْرانِ؛ فَأمّا النَّسْخُ فَلا يُجِيزُهُ عاقِلٌ في مِثْلِهِ؛ وجَهِلَ هَذا الرَّجُلُ أنَّ الظُّلْمَ لا تَجُوزُ إباحَتُهُ بِحالٍ؛ فَلا يَجُوزُ نَسْخُ حَظْرِهِ؛ وإنَّما عَزَلَ مَن كانَ في حِجْرِهِ يَتِيمٌ مِنَ الصَّحابَةِ طَعامَهُ عَنْ طَعامِهِ؛ لِأنَّهُ خافَ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ (p-٣٧٣)اليَتِيمِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ؛ فَتَلْحَقَهُ سِمَةُ الظُّلْمِ؛ ويَصِيرَ مِن أهْلِ الوَعِيدِ في الآيَةِ؛ واحْتاطُوا بِذَلِكَ؛ فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]؛ زالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ في الخُلْطَةِ؛ بَعْدَ أنْ يَقْصِدُوا الإصْلاحَ بِها؛ ولَيْسَ فِيهِ إباحَةٌ لِأكْلِ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا؛ حَتّى يَكُونَ ناسِخًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ فِيهِ بَيانٌ لِلنَّصِيبِ المَفْرُوضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] والنَّصِيبُ المَفْرُوضُ هو الَّذِي بَيَّنَ مِقْدارَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَقالَ: قَدْ نَسَخَ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] .
وقالَ مُجاهِدٌ: " كانَ المِيراثُ لِلْوَلَدِ وكانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ ما أحَبَّ، فَجَعَلَ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وجَعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأبَوَيْنِ السُّدُسَ مَعَ الوَلَدِ " . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَدْ كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ وخَلَّفَ زَوْجَتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً كامِلَةً في بَيْتِهِ يُنْفَقُ عَلَيْها مِن تَرِكَتِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّبُعِ أوِ الثُّمُنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] نُسِخَ بِهِ التَّوارُثُ بِالحِلْفِ وبِالهِجْرَةِ وبِالتَّبَنِّي عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ هي آيَةٌ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهي مُوجِبَةٌ لِنَسْخِ المِيراثِ بِهَذِهِ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ جَعَلَ المِيراثَ لِلْمُسَمَّيْنَ فِيها، فَلا يَبْقى لِأهْلِ هَذِهِ الأسْبابِ شَيْءٌ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ حُقُوقِهِمْ في هَذِهِ الحالِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جابِرِ (p-٨)بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ بِبِنْتَيْنِ لَها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ بِنْتا ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ ولَمْ يَدَعْ لَهُما عَمُّهُما مالًا إلّا أخَذَهُ، فَما تَرى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَواَللَّهِ لا تُنْكَحانِ أبَدًا إلّا ولَهُما مالٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقْضِي اللَّهُ في ذَلِكَ فَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: اُدْعُ لِيَ المَرْأةَ وصاحِبَها فَقالَ لِعَمِّهِما: أعْطِهِما الثُّلُثَيْنِ وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ وما بَقِيَ فَلَكَ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعانِيَ: مِنها أنَّ العَمَّ قَدْ كانَ يَسْتَحِقُّ المِيراثَ دُونَ البِنْتَيْنِ عَلى عادَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَوْرِيثِ المُقاتِلَةِ دُونَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، ولَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حِينَ سَألَتْهُ المَرْأةُ بَلْ أقَرَّ الأمْرَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ وقالَ لَها: " يَقْضِي اللَّهُ في ذَلِكَ " ثُمَّ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أمَرَ العَمَّ بِدَفْعِ نَصِيبِ البِنْتَيْنِ والمَرْأةِ إلَيْهِنَّ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَّ لَمْ يَأْخُذِ المِيراثَ بَدِيًّا مِن جِهَةِ التَّوْقِيفِ بَلْ عَلى عادَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في المَوارِيثِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إنَّما يُسْتَأْنَفُ فِيما يَحْدُثُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وما قَدْ مَضى عَلى حُكْمٍ مَنصُوصٍ مُتَقَدِّمٍ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِالنَّسْخِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أخَذَهُ عَلى حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُنْقَلُوا عَنْها.
ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «مَرِضْتُ فَأتانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي فَأتانِي وقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِن وضُوئِهِ فَأفَقْتُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقْضِي في مالِي ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ذَكَرَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ قِصَّةَ المَرْأةِ مَعَ بِنْتَيْها وذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ جابِرًا سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأمْرانِ جَمِيعًا قَدْ كانا؛ سَألَتْهُ المَرْأةُ فَلَمْ يُجِبْها مُنْتَظِرًا لِلْوَحْيِ ثُمَّ سَألَهُ جابِرٌ في حالِ مَرَضِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وهي ثابِتَةُ الحُكْمِ مُثْبِتَةٌ لِلنَّصِيبِ المَفْرُوضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ أوْلادُ الصُّلْبِ، وأنَّ ولَدَ الوَلَدِ غَيْرُ داخِلٍ مَعَ ولَدِ الصُّلْبِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدُ الصُّلْبِ فالمُرادُ أوْلادُ البَنِينَ دُونَ أوْلادِ البَناتِ، فَقَدِ انْتَظَمَ اللَّفْظُ أوْلادَ الصُّلْبِ وأوْلادَ الِابْنِ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدُ الصُّلْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا فِيمَن أوْصى لِوَلَدِ فُلانٍ أنَّهُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ لِصُلْبِهِ فَهو لِوَلَدِ ابْنِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قَدْ أفادَ أنَّهُ إنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى فَلِلذَّكَرِ سَهْمانِ ولِلْأُنْثى سَهْمٌ، وأفادَ أيْضًا (p-٩)أنَّهم إذا كانُوا جَماعَةً ذُكُورًا وإناثًا أنَّ لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمَيْنِ ولِكُلِّ أُنْثى سَهْمًا، وأفادَ أيْضًا أنَّهُ إذا كانَ مَعَ الأوْلادِ ذَوُو سِهامٍ نَحْوُ الأبَوَيْنِ والزَّوْجِ والزَّوْجَةِ أنَّهم مَتى أخَذُوا سِهامَهم كانَ الباقِي بَعْدَ السِّهامَ بَيْنَ الأوْلادِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يَشْتَمِلُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ مِنهم، فَمَتى ما أخَذَ ذَوُو السِّهامِ سِهامَهم كانَ الباقِي بَيْنَهم عَلى ما كانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذُو سَهْمٍ.
* *
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ فَنَصَّ عَلى نَصِيبِ ما فَوْقَ الِابْنَتَيْنِ وعَلى الواحِدَةِ ولَمْ يَنُصَّ عَلى فَرْضِ الِابْنَتَيْنِ؛ لِأنَّ في فَحَوى الآيَةِ دَلالَةً عَلى بَيانِ فَرْضِهِما، وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ أوْجَبَ لِلْبِنْتِ الواحِدَةِ مَعَ الِابْنِ الثُّلُثَ، وإذا كانَ لَها مَعَ الذَّكَرِ الثُّلُثُ كانَتْ بِأخْذِ الثُّلُثِ مَعَ الأُنْثى أوْلى، وقَدِ احْتَجْنا إلى بَيانِ حُكْمِ ما فَوْقَهُما؛ فَلِذَلِكَ نَصَّ عَلى حُكْمِهِ. وأيْضًا لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فَلَوْ تَرَكَ ابْنًا وبِنْتًا كانَ لِلِابْنِ سَهْمانِ ثُلُثا المالِ وهو حَظُّ الأُنْثَيَيْنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَصِيبَ الِابْنَتَيْنِ الثُّلُثانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ نَصِيبَ الِابْنِ مِثْلَ نَصِيبِ البِنْتَيْنِ وهو الثُّلُثانِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى الإخْوَةَ والأخَواتِ مَجْرى البَناتِ وأجْرى الأُخْتَ الواحِدَةَ مَجْرى البِنْتِ الواحِدَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَجَعَلَ حَظَّ الأُخْتَيْنِ كَحَظِّ ما فَوْقَهُما وهو الثُّلُثانِ كَما جَعَلَ حَظَّ الأُخْتِ كَحَظِّ البِنْتِ.
وأوْجَبَ لَهم إذا كانُوا ذُكُورًا وإناثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الِابْنَتانِ كالأُخْتَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الثُّلُثَيْنِ لِمُساواتِهِما لَهُما في إيجابِ المالِ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إذا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهم، كَما في مُساواةِ الأُخْتِ لِلْبِنْتِ إذا لَمْ يَكُنْ غَيْرُها في اسْتِحْقاقِ النِّصْفِ بِالتَّسْمِيَةِ. وأيْضًا البِنْتانِ أوْلى بِذَلِكَ؛ إذْ كانَتا أقْرَبَ إلى المَيِّتِ مِنَ الأُخْتَيْنِ، وإذا كانَتِ الأُخْتُ بِمَنزِلَةِ البِنْتِ فَكَذَلِكَ البِنْتانِ في اسْتِحْقاقِ الثُّلُثَيْنِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ جابِرٍ في قِصَّةِ المَرْأةِ الَّتِي أعْطى النَّبِيُّ ﷺ فِيها البِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ والمَرْأةَ الثُّمُنَ والعَمَّ ما بَقِيَ.
ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ أحَدٌ إلّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَعَلَ لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفَ كَنَصِيبِ الواحِدَةِ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾، ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وإنَّما فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ ما فَوْقَ ابْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ (p-١٠)الثُّلُثانِ، فَإنْ كانَ القائِلُ بِأنَّ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مُخالِفًا لِلْآيَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ إذا كانَتْ وحْدَها، وأنْتَ جَعَلْتَ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ، فَإنْ لَمْ تَلْزَمْهُ مُخالَفَةُ الآيَةِ حِينَ جَعَلَ لِلِابْنَتَيْنِ النِّصْفَ وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ لِلْواحِدَةِ النِّصْفَ فَكَذَلِكَ لا تَلْزَمُ مُخالِفِيهِ مُخالَفَةُ الآيَةِ في جَعْلِهِمْ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَنْفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أنْ يَكُونَ لِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثانِ وإنَّما نَصَّ عَلى حُكْمِ ما فَوْقَهُما، وقَدْ دَلَّ عَلى حُكْمِهِما في فَحْوى الآيَةِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا وما ذَكَرْناهُ مِن دَلالَةِ حُكْمِ الأُخْتَيْنِ عَلى حُكْمِ الِابْنَتَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا. وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أنَّ ذِكْرَ " فَوْقَ " هَهُنا صِلَةٌ لِلْكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢]
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ يُوجِبُ ظاهِرُهُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مَعَ الوَلَدِ ذَكَرًا كانَ الوَلَدُ أوْ أُنْثى؛ لِأنَّ اسْمَ الوَلَدِ يَنْتَظِمُهُما، إلّا أنَّهُ لا خِلافَ إذا كانَ الوَلَدُ بِنْتًا لا تَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ فَوَجَبَ أنْ تُعْطى النِّصْفَ بِحُكْمِ النَّصِّ، ويَكُونُ لِلْأبَوَيْنِ لِكُلِّ واحِدٍ السُّدُسُ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، ويَبْقى السُّدُسُ يَسْتَحِقُّهُ الأبُ بِالتَّعْصِيبِ؛ فاجْتَمَعَ هَهُنا لِلْأبِ الِاسْتِحْقاقُ بِالتَّسْمِيَةِ وبِالتَّعْصِيبِ جَمِيعًا؛ وإنْ كانَ الوَلَدُ ذَكَرًا فَلِلْأبَوَيْنِ السُّدُسانِ بِحُكْمِ النَّصِّ؛ والباقِي لِلِابْنِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ تَعْصِيبًا مِنَ الأبِ. وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَأثْبَتَ المِيراثَ لِلْأبَوَيْنِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ثُمَّ فَصَّلَ نَصِيبَ الأُمِّ وبَيَّنَ مِقْدارَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الأبِ فاقْتَضى ظاهِرُ اللَّفْظِ لِلْأبِ الثُّلُثَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ هُناكَ مُسْتَحِقٌّ غَيْرُهُ وقَدْ أثْبَتَ المِيراثَ لَهُما بَدِيًّا وقَدْ كانَ ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي المُساواةَ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾ دُونَ تَفْصِيلِ نَصِيبِ الأُمِّ، فَلَمّا قَصَرَ نَصِيبَ الأُمِّ عَلى الثُّلُثِ عُلِمَ أنَّ المُسْتَحَقَّ لِلْأبِ الثُّلُثانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ قالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ: " إذا تَرَكَ أخَوَيْنِ وأبَوَيْنِ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وما بَقِيَ فَلِأبِيهِ " وحَجَبُوا الأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ كَحَجْبِهِمْ لَها بِثَلاثَةِ إخْوَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لِلْأُمِّ الثُّلُثُ " وكانَ لا يَحْجُبُها إلّا بِثَلاثَةٍ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ.
ورَوى مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " إذا تَرَكَ أبَوَيْنِ وثَلاثَةَ إخْوَةٍ فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْإخْوَةِ السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوا الأُمَّ عَنْهُ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ (p-١١)" . ورُوِيَ عَنْهُ: " أنَّهُ إنْ كانَ الإخْوَةُ مِن قِبَلِ الأُمِّ فالسُّدُسُ لَهم خاصَّةً، وإنْ كانُوا مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ أوْ مِن قِبَلِ الأبِ لَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ وكانَ ما بَعْدَ السُّدُسِ لِلْأبِ " .
والحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ أنَّ اسْمَ الإخْوَةِ قَدْ يَقَعُ عَلى الِاثْنَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وهُما قَلْبانِ؛ وقالَ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] فَأطْلَقَ لَفْظَ الجَمْعِ عَلى اثْنَيْنِ؛ وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَلَوْ كانَ أخًا وأُخْتًا كانَ حُكْمُ الآيَةِ جارِيًا فِيهِما وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اثْنانِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ»، ولِأنَّ الِاثْنَيْنِ إلى الثَّلاثَةِ في حُكْمِ الجَمْعِ أقْرَبُ مِنهُما إلى الواحِدِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الجَمْعِ مَوْجُودٌ فِيهِما نَحْوُ قَوْلِكَ: " قاما وقَعَدا وقامُوا وقَعَدُوا " كُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ في الِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةِ ولا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الواحِدِ، فَلَمّا كانَ الِاثْنانِ في حُكْمِ اللَّفْظِ أقْرَبَ إلى الثَّلاثَةِ مِنهُما إلى الواحِدِ وجَبَ إلْحاقُهُما بِالثَّلاثَةِ دُونَ الواحِدِ. وقَدْ رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ عَنْ أبِيهِ عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ كانَ يَحْجُبُ الأُمَّ بِالأخَوَيْنِ، فَقالُوا لَهُ: يا أبا سَعِيدٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ وأنْتَ تَحْجُبُها بِالأخَوَيْنِ فَقالَ: إنَّ العَرَبُ تُسَمِّي الأخَوَيْنِ إخْوَةً. فَإذا كانَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ قَدْ حَكى عَنِ العَرَبِ أنَّها تُسَمِّي الأخَوَيْنِ إخْوَةً، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَهُما فَيَتَناوَلُهُما اللَّفْظُ.
وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ أنَّ حُكْمَ الأُخْتَيْنِ حُكْمُ الثَّلاثِ في اسْتِحْقاقِ الثُّلُثَيْنِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وكَذَلِكَ حُكْمُ الأُخْتَيْنِ مِنَ الأُمِّ حُكْمُ الثَّلاثِ في اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ دُونَ حُكْمِ الواحِدَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُما حُكْمَ الثَّلاثِ في حَجْبِ الأُمِّ عَنِ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ؛ إذْ كانَ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِالجَمْعِ فاسْتَوى فِيهِ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ والثَّلاثِ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: " إنَّما يَحْجُبُ الإخْوَةُ الأُمَّ مِن غَيْرِ أنْ يَرِثُوا مَعَ الأبِ؛ لِأنَّهُ يَقُومُ بِنِكاحِهِمْ والنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ دُونَ الأُمِّ " وهَذِهِ العِلَّةُ إنَّما هي مَقْصُورَةٌ عَلى الإخْوَةِ مِنَ الأبِ والأُمِّ والإخْوَةِ مِنَ الأبِ، فَأمّا الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ فَلَيْسَ إلى الأبِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِمْ وهم يَحْجُبُونَ أيْضًا كَما يَحْجُبُ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ، ولا خِلافَ بَيْنَ الصَّحابَةِ في ثَلاثَةِ إخْوَةٍ وأبَوَيْنِ أنَّ لِلْأُمِّ السُّدُسَ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ؛ إلّا شَيْئًا يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ لِلْأُمِّ السُّدُسَ ولِلْإخْوَةِ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوا الأُمَّ عَنْهُ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ، وكانَ لا يَحْجُبُ بِمَن (p-١٢)لا يَرِثُ، فَلَمّا حَجَبَ الأُمَّ بِالإخْوَةِ ورَّثَهم " . وهو قَوْلٌ شاذٌّ وظاهِرُ القُرْآنِ خِلافُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: ووَرِثَهُ أبَواهُ ولَهُ إخْوَةٌ؛ وذَلِكَ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ لِلْإخْوَةِ شَيْءٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قِيلَ إنَّ مَعْناهُ: لا تَعْلَمُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا في الدِّينِ والدُّنْيا واَللَّهُ يَعْلَمُهُ فاقْسِمُوهُ عَلى ما بَيَّنَهُ؛ إذْ هو عالِمٌ بِالمَصالِحِ. وقِيلَ إنَّ مَعْناهُ: آباؤُكم وأبْناؤُكم مُتَقارِبُونَ في النَّفْعِ حَتّى لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا، إذْ كُنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِآبائِكم في حالِ الصِّغَرِ وتَنْتَفِعُونَ بِأبْنائِكم عِنْدَ الكِبَرِ، فَفَرَضَ ذَلِكَ في أمْوالِكم لِلْآباءِ والأبْناءِ عِلْمًا مِنهُ بِمَصالِحِ الجَمِيعِ. وقِيلَ: لا يَدْرِي أحَدُكم أهُوَ أقْرَبُ وفاةً فَيَنْتَفِعُ ولَدُهُ بِمالِهِ، أمِ الوَلَدُ أقْرَبُ وفاةً فَيَنْتَفِعُ الأبُ والأُمُّ بِمالِهِ، فَفَرَضَ في مَوارِيثِكم ما فَرَضَ عِلْمًا مِنهُ وحُكْمًا.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في الحَجْبِ بِمَن لا يَرِثُ، وهو أنْ يُخَلِّفَ الحُرُّ المُسْلِمُ أبَوَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وأخَوَيْنِ كافِرَيْنِ أوْ مَمْلُوكَيْنِ أوْ قاتِلَيْنِ، فَقالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ وزَيْدٌ: " لِلْأُمِّ الثُّلُثُ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ، وكَذَلِكَ المُسْلِمَةُ إذا تَرَكَتْ زَوْجًا وابْنًا كافِرًا أوْ مَمْلُوكًا أوْ قاتِلًا، أوِ الرَّجُلُ تَرَكَ امْرَأةً وابْنًا كَذَلِكَ أنَّهم لا يَحْجُبُونَ الزَّوْجَ ولا المَرْأةَ عَنْ نَصِيبِهِما الأكْثَرِ إلى الأقَلِّ " وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ ومالِكٍ والثَّوْرِيِّ والشّافِعِيِّ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " يَحْجُبُونَ وإنْ لَمْ يَرِثُوا " . وقالَ الأوْزاعِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " المَمْلُوكُ والكافِرُ لا يَرِثانِ ولا يَحْجُبانِ والقاتِلُ لا يَرِثُ ويَحْجُبُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ أنَّ الأبَ الكافِرَ لا يَحْجُبُ ابْنَهُ مِن مِيراثِ جَدِّهِ وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ، فَكَذَلِكَ في حُكْمِ حَجْبِ الأُمِّ والزَّوْجِ (p-١٣)والزَّوْجَةِ. واحْتَجَّ مَن حَجَبَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الكافِرِ والمُسْلِمِ. فَيُقالُ لَهُ: فَلِمَ حَجَبْتَ بِهِ الأُمَّ دُونَ الأبِ واَللَّهُ تَعالى إنَّما حَجَبَهُما جَمِيعًا بِالوَلَدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ ؟ فَإنْ جازَ أنْ لا يَحْجُبَ الأبُ وجَعَلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ عَلى ولَدٍ يَجُوزُ المِيراثُ، فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ في الأُمِّ.
* *
بابُ مِيراثِ أوْلادِ الِابْنِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ قَدْ أُرِيدَ بِهِ أوْلادُ الصُّلْبِ وأوْلادُ الِابْنِ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدُ الصُّلْبِ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ مَن تَرَكَ بَنِي ابْنٍ وبَناتِ ابْنٍ أنَّ المالَ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ بِحُكْمِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ بِنْتَ ابْنٍ (p-١٤)كانَ لَها النِّصْفُ وإنْ كُنَّ جَماعَةً كانَ لَهُنَّ الثُّلُثانِ عَلى سِهامِ مِيراثِ ولَدِ الصُّلْبِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ أوْلادَ الذُّكُورِ مُرادُونَ بِالآيَةِ.
واسْمُ الوَلَدِ يَتَناوَلُ أوْلادَ الِابْنِ كَما يَتَناوَلُ أوْلادَ الصُّلْبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] ولا يَمْتَنِعُ أحَدٌ أنْ يَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِن ولَدِ هاشِمٍ ومِن ولَدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ اسْمَ الأوْلادِ يَقَعُ عَلى ولَدِ الِابْنِ وعَلى ولَدِ الصُّلْبِ جَمِيعًا؛ إلّا أنَّ أوْلادَ الصُّلْبِ يَقَعُ عَلَيْهِمْ هَذا الِاسْمُ حَقِيقَةً ويَقَعُ عَلى أوْلادِ الِابْنِ مَجازًا، ولِذَلِكَ لَمْ يُرادُوا في حالِ وُجُودِ أوْلادِ الصُّلْبِ ولَمْ يُشارِكُوهم في سِهامِهِمْ، وإنَّما يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ في أحَدِ حالَيْنِ: إمّا أنْ يُعْدَمَ ولَدُ الصُّلْبِ رَأْسًا فَيَقُومُونَ مَقامَهم، وإمّا أنْ لا يَحُوزَ ولَدُ الصُّلْبِ المِيراثَ فَيَسْتَحِقُّونَ بَعْضَ الفَضْلِ أوْ جَمِيعَهُ، فَإمّا أنْ يَسْتَحِقُّوا مِن أوْلادِ الصُّلْبِ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهم كَما يَسْتَحِقُّهُ ولَدُ الصُّلْبِ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُ ولَدَ الصُّلْبِ حَقِيقَةً ووَلَدَ الِابْنِ مَجازًا لَمْ يَجُزْ أنْ يُرادُوا بِلَفْظٍ واحِدٍ لِامْتِناعِ كَوْنِ لَفْظٍ واحِدٍ حَقِيقَةً ومَجازًا.
قِيلَ لَهُ: إنَّهم لَمْ يُرادُوا بِلَفْظٍ واحِدٍ في حالٍ واحِدَةٍ مَتى وُجِدَ أوْلادُ الصُّلْبِ، فَإنَّ ولَدَ الِابْنِ لا يَسْتَحِقُّونَ المِيراثَ مَعَهم بِالآيَةِ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ ولَدُ الصُّلْبِ في حالِ وُجُودِهِمْ ووَلَدُ الِابْنِ في حالِ عَدَمِ ولَدِ الصُّلْبِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا في حالَيْنِ في إحْداهُما هو حَقِيقَةٌ وفي الأُخْرى هو مَجازٌ ولَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: " قَدْ أوْصَيْتُ بِثُلُثِ مالِي لِوَلَدِ فُلانٍ وفُلانٍ " وكانَ لِأحَدِهِما أوْلادٌ لِصُلْبِهِ ولَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ ولَدٌ لِصُلْبِهِ وكانَ لَهُ أوْلادُ ابْنٍ، كانَتِ الوَصِيَّةُ لِوَلَدِ فُلانٍ لِصُلْبِهِ ولِأوْلادِ أوْلادِ فُلانٍ، ولَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُ أوْلادِ بَنِيهِ في الوَصِيَّةِ مَعَ أوْلادِ الآخَرِ لِصُلْبِهِ وإنَّما يَمْتَنِعُ دُخُولُ ولَدِ فُلانٍ لِصُلْبِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ مَعَهُ، فَأمّا ولَدُ غَيْرِهِ لِغَيْرِ صُلْبِهِ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ دُخُولُهُ مَعَ أوْلادِ الآخَرِ لِصُلْبِهِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ يَقْتَضِي ولَدَ الصُّلْبِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ إذا كانَ ولا يَدْخُلُ مَعَهُ ولَدُ الِابْنِ، ومَن لَيْسَ لَهُ ولَدٌ لِصُلْبِهِ ولَهُ ولَدُ ابْنٍ دَخَلَ في اللَّفْظِ ولَدُ ابْنِهِ.
وإنَّما جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُخاطَبًا بِهِ عَلى حِيالِهِ؛ فَمَن لَهُ مِنهم ولَدٌ لِصُلْبِهِ تَناوَلَهُ اللَّفْظُ عَلى حَقِيقَتِهِ ولَمْ يَتَناوَلْ ذَلِكَ ولَدَ ابْنِهِ، ومَن لَيْسَ لَهُ ولَدٌ لِصُلْبِهِ ولَهُ ولَدُ ابْنٍ فَهو مُخاطَبٌ بِذَلِكَ عَلى حِيالِهِ، فَيَتَناوَلُ ولَدَ ابْنِهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ اسْمَ الوَلَدِ يَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن ولَدِ الصُّلْبِ ووَلَدُ الِابْنِ حَقِيقَةً لَمْ يَبْعُدْ؛ إذْ كانَ الجَمِيعُ مَنسُوبِينَ إلَيْهِ مِن (p-١٥)جِهَةِ وِلادَتِهِ، ونَسَبُهُ مُتَّصِلٌ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ فَيَتَناوَلُ الجَمِيعَ، كالأُخُوَّةِ لَمّا كانَ اسْمًا لِاتِّصالِ النَّسَبِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِن جِهَةِ أحَدِ أبَوَيْهِ شَمِلَ الِاسْمُ الجَمِيعَ وكانَ عُمُومًا فِيهِمْ جَمِيعًا، سَواءٌ كانُوا لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ أوْ لِأُمٍّ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قَدْ عُقِلَ بِهِ حَلِيلَةُ ابْنِ الِابْنِ كَما عُقِلَ حَلِيلَةُ ابْنِ الصُّلْبِ فَإذا تَرَكَ بِنْتًا وبِنْتَ ابْنٍ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ بِالتَّسْمِيَةِ ولِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ وما بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ. فَإنْ تَرَكَ بِنْتَيْنِ وبِنْتَ ابْنٍ وابْنِ ابْنٍ، فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثانِ والباقِي لِابْنِ الِابْنِ وبِنْتِ الِابْنِ بَيْنَهُما لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
وكَذَلِكَ لَوْ كانَتْ بِنْتَيْنِ وبَناتِ ابْنٍ وابْنَ ابْنِ ابْنٍ أسْفَلَ مِنهُنَّ كانَ لِلْبَناتِ الثُّلُثانِ وما بَقِيَ فَبَيْنَ بَناتِ الِابْنِ ومَن هو أسْفَلُ مِنهُنَّ مِن بَنِي ابْنِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وهَذا قَوْلُ أهْلِ العِلْمِ جَمِيعًا مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الباقِيَ لِابْنِ الِابْنِ وإنْ سَفُلَ ولا يُعْطِي بَناتِ الِابْنِ شَيْئًا إذا اسْتَكْمَلَ البَناتُ الثُّلُثَيْنِ، وإنَّما كانَ يَجْعَلُ لِبَناتِ الِابْنِ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ مِثْلَ أنْ يَتْرُكَ بِنْتًا وبَناتِ ابْنٍ فَيَكُونُ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ولِبَناتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، فَإنْ كانَ مَعَهُنَّ ابْنُ ابْنٍ لَمْ يُعْطِ بَناتِ الِابْنِ أكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في الأخَواتِ مِنَ الأبِ مَعَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ؛ وذَهَبَ في ذَلِكَ إلى أنَّ إناثَ ولَدِ الِابْنِ لَوْ كُنَّ وحْدَهُنَّ لَمْ يَأْخُذْنَ شَيْئًا بَعْدَ اسْتِيفاءِ البَناتِ الثُّلُثَيْنِ، فَكَذَلِكَ إذا كانَ لَهُنَّ أخٌ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ شَيْءٌ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ ابْنُ عَمٍّ مَعَ إحْداهُنَّ لَمْ يَأْخُذْنَ شَيْئًا.
ولَيْسَ هَذا عِنْدَ الجَماعَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ بَناتِ الِابْنِ يَأْخُذْنَ تارَةً بِالفَرْضِ وتارَةً بِالتَّعْصِيبِ، وأخُوهُنَّ ومَن هو أسْفَلُ مِنهُنَّ يَعْصِبُهُنَّ، كَبَناتِ الصُّلْبِ يَأْخُذْنَ تارَةً بِالفَرْضِ وتارَةً بِالتَّعْصِيبِ؛ فَلَوِ انْفَرَدَ البَناتُ لَمْ يَأْخُذْنَ أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ وإنْ كَثُرْنَ، ولَوْ كانَ مَعَهُنَّ أخٌ لَهُنَّ وهُنَّ عَشْرٌ كانَ لَهُنَّ خَمْسَةُ أسْداسِ المالِ، فَيَأْخُذْنَ في حالِ كَوْنِ الأخِ مَعَهُنَّ أكْثَرَ مِمّا يَأْخُذْنَ في حالِ الِانْفِرادِ؛ فَكَذَلِكَ حُكْمُ بَناتِ الِابْنِ إذا اسْتَوْفى بَناتُ الصُّلْبِ الثُّلُثَيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهُنَّ فَرْضٌ، فَإنْ كانَ مَعَهُنَّ أخٌ صِرْنَ عَصَبَةً مَعَهُ ووَجَبَ قِسْمَةُ الثُّلُثِ الباقِي بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وكَذَلِكَ قالُوا في بِنْتَيْنِ وبِنْتِ ابْنٍ وأُخْتٍ، أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ والباقِي لِلْأُخْتِ ولا شَيْءَ لِبِنْتِ الِابْنِ؛ لِأنَّها لَوْ أخَذَتْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي لَيْسَ مَعَها ذَكَرٌ كانَتْ مُسْتَحِقَّةً بِفَرْضِ البَناتِ، والبَناتُ قَدِ اسْتَوْعَبْنَ الثُّلُثَيْنِ، فَلَمْ يَبْقَ مِن فَرْضِ البَناتِ شَيْءٌ تَأْخُذُهُ، فَكانَتِ الأُخْتُ أوْلى؛ لِأنَّها عَصَبَةٌ مَعَ البَناتِ، (p-١٦)فَما تَأْخُذُهُ الأُخْتُ في هَذِهِ الحالِ فَإنَّما تَأْخُذُهُ بِالتَّعْصِيبِ؛ فَإذا كانَ مَعَ بِنْتِ الِابْنِ أخٌ لَها كانَ الباقِي بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ بَيْنَهُما لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ولا شَيْءَ لِلْأُخْتِ.
وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرِ بْنِ زُرارَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مِسْهَرٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ الأوْدِيِّ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الأوْدِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَلْمانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَسَألَهُما عَنْ بِنْتٍ وبِنْتِ ابْنٍ وأُخْتٍ لِأبٍ وأُمٍّ، فَقالا: " لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ ولَمْ يُوَرِّثا بِنْتَ الِابْنِ شَيْئًا وأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ سَيُتابِعُنا " فَأتاهُ الرَّجُلُ فَسَألَهُ وأخْبَرَهُ بِقَوْلِهِما، فَقالَ: " لَقَدْ ضَلَلْتَ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ، ولَكِنْ أقْضِي فِيها بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِابْنَتِهِ النِّصْفُ ولِابْنِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وما بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ» . فَهَذا السُّدُسُ تَأْخُذُهُ بِنْتُ الِابْنِ بِالفَرْضِ لا بِالتَّعْصِيبِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إلّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَلْمانَ بْنِ رَبِيعَةَ وهو الآنَ اتِّفاقٌ. ثُمَّ لَمْ يُخالِفْهم عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كانَ مَعَها أخٌ أنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وما بَقِيَ فَبَيْنَ بِنْتِ الِابْنِ وابْنِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وأنَّها لا تُعْطى السُّدُسَ في هَذِهِ الحالِ كَما أُعْطِيَتْ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها أخٌ؛ فَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ بِنْتَ الِابْنِ تَسْتَحِقُّ تارَةً بِالفَرْضِ وتارَةً بِالتَّعْصِيبِ مَعَ إخْوَتِها كَفَرائِضِ بَناتِ الصُّلْبِ. ومِن قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ في بِنْتٍ وبَناتِ ابْنٍ وابْنِ ابْنٍ أنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وما بَقِيَ فَبَيْنَ بَناتِ الِابْنِ وابْنِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ما لَمْ تَزِدْ أنْصِباءُ بَناتِ الِابْنِ عَلى السُّدُسِ فَلا يُعْطِيهِنَّ أكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ؛ فَلَمْ يَعْتَبِرِ الفَرْضَ عَلى حِدَةٍ في هَذِهِ الحالِ ولا التَّعْصِيبَ عَلى حِدَةٍ، ولَكِنَّهُ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ في مَنعِ الزِّيادَةِ عَلى السُّدُسِ واعْتَبَرَ المُقاسَمَةُ في النُّقْصانِ، وهو خِلافُ القِياسِ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* *
بابُ مَن يُحْرَمُ المِيراثَ مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قِسْمَةِ المِيراثِ خاصٌّ في بَعْضِ المَذْكُورِينَ دُونَ بَعْضٍ، فَبَعْضُ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وبَعْضُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَما اتُّفِقَ عَلَيْهِ أنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المُسْلِمَ وأنَّ العَبْدَ لا يَرِثُ وأنَّ قاتِلَ العَمْدِ لا يَرِثُ؛ وقَدْ بَيَّنّا مِيراثَ هَؤُلاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنهُ وما اخْتَلَفُوا فِيهِ. واخْتُلِفَ في مِيراثِ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ ومِيراثِ المُرْتَدِّ، فَأمّا مِيراثُ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ فَإنَّ الأئِمَّةَ مِنَ الصَّحابَةِ مُتَّفِقُونَ عَلى نَفْيِ التَّوارُثِ بَيْنَهُما، وهو قَوْلُ عامَّةِ التّابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ.
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ باباهُ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ قالَ: كانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ بِاليَمَنِ فارْتَفَعُوا إلَيْهِ في يَهُودِيٍّ ماتَ وتَرَكَ أخاهُ مُسْلِمًا، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الإسْلامُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» .
ورَوى ابْنُ شِهابٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ قالَ: قالَ مَسْرُوقٌ: ما أُحْدِثَ في الإسْلامِ قَضِيَّةٌ أعْجَبُ مِن قَضِيَّةٍ قَضاها مُعاوِيَةُ قالَ: كانَ يُوَرِّثُ المُسْلِمَ مِنَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ ولا يُوَرِّثُ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ مِنَ المُسْلِمِ، قالَ: فَقَضى بِها أهْلُ الشّامِ؛ قالَ داوُدُ: فَلَمّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَدَّهم إلى الأمْرِ الأوَّلِ.
ورَوى هُشَيْمٌ عَنْ مُجالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ مُعاوِيَةَ كَتَبَ بِذَلِكَ إلى زِيادٍ يَعْنِي تَوْرِيثَ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ فَأرْسَلَ زِيادٌ إلى شُرَيْحٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وكانَ شُرَيْحٌ قَبْلَ ذَلِكَ لا يُوَرِّثُ المُسْلِمَ مِنَ الكافِرِ، فَلَمّا أمَرَهُ زِيادٌ بِما أمَرَهُ قَضى بِقَوْلِهِ، فَكانَ شُرَيْحٌ إذا قَضى بِذَلِكَ قالَ: هَذا قَضاءُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ.
وقَدْ رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى» وفي لَفْظٍ: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسْلِمَ» .
ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ» .
فَهَذِهِ الأخْبارُ تَمْنَعُ تَوْرِيثَ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ (p-٣٧)والكافِرَ مِنَ المُسْلِمِ، ولَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلافُهُ، فَهو ثابِتُ الحُكْمِ في إسْقاطِ التَّوارُثِ بَيْنَهُما.
وأمّا حَدِيثُ مُعاذٍ فَإنَّهُ لَمْ يَعْنِ هَذِهِ المَقالَةَ، وإنَّما تَأوَّلَ فِيها قَوْلَهُ: «الإيمانُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» والتَّأْوِيلُ لا يُقْضى بِهِ عَلى النَّصِّ والتَّوْقِيفِ وإنَّما يُرَدُّ التَّأْوِيلُ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ ويُحْمَلُ عَلى مُوافَقَتِهِ دُونَ مُخالَفَتِهِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الإيمانُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَن أسْلَمَ تُرِكَ عَلى إسْلامِهِ ومَن خَرَجَ عَنِ الإسْلامِ رُدَّ إلَيْهِ؛ وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ واحْتَمَلَ ما تَأوَّلَهُ مُعاذٌ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى مُوافَقَةِ خَبَرِ أُسامَةَ في مَنعِ التَّوارُثِ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ رَدُّ النَّصِّ بِالتَّأْوِيلِ والِاحْتِمالِ. والِاحْتِمالُ أيْضًا لا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وهو مُفْتَقِرٌ في إثْباتِ حُكْمِهِ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِهِ.
وأمّا قَوْلُ مَسْرُوقٍ: " ما أُحْدِثَ في الإسْلامِ قَضِيَّةٌ أعْجَبُ مِن قَضِيَّةٍ قَضى بِها مُعاوِيَةُ في تَوْرِيثِ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ " فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ هَذا المَذْهَبِ لِإخْبارِهِ أنَّها قَضِيَّةٌ مُحْدَثَةٌ في الإسْلامِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ قَضِيَّةِ مُعاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يُوَرَّثُ المُسْلِمُ مِنَ الكافِرِ؛ وإذا ثَبَتَ أنَّ مِن قَبْلِ قَضِيَّةِ مُعاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يُوَرَّثُ المُسْلِمُ مِنَ الكافِرِ وأنَّ مُعاوِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلافًا عَلَيْهِمْ، بَلْ هو ساقِطُ القَوْلِ مَعَهم. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ: إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَدَّهم إلى الأمْرِ الأوَّلِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ مِيراثِ المُرْتَدِّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مِيراثِ المُرْتَدِّ الَّذِي اكْتَسَبَهُ في حالِ الإسْلامِ قَبْلَ الرِّدَّةِ عَلى أنْحاءٍ ثَلاثَةٍ:
فَقالَ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وحَمّادٌ والحَكَمُ وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وابْنُ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وشَرِيكٌ: " يَرِثُهُ ورَثَتُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى رِدَّتِهِ " . وقالَ رَبِيعَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: " مِيراثُهُ لِبَيْتِ المالِ " . وقالَ قَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ: " إنْ كانَ لَهُ ورَثَةٌ عَلى دِينِهِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ فَمِيراثُهُ لَهم دُونَ ورَثَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ " ورَواهُ قَتادَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ؛ والصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَ أنَّ مِيراثَهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما اكْتَسَبَهُ في حالِ الرِّدَّةِ إذا قُتِلَ أوْ ماتَ مُرْتَدًّا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: " ما اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَهو فَيْءٌ " . وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والأوْزاعِيُّ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: " ما اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ أيْضًا فَهو لَوَرَثَتِهِ (p-٣٨)المُسْلِمِينَ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ يَقْتَضِي تَوْرِيثَ المُسْلِمِ مِنَ المُرْتَدِّ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَيِّتِ المُسْلِمِ وبَيْنَ المُرْتَدِّ.
فَإنْ قِيلَ: يَخُصُّهُ حَدِيثُ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ» كَما خَصَّ تَوْرِيثَ الكافِرِ مِنَ المُسْلِمِ، وهو وإنْ كانَ مِن أخْبارِ الآحادِ فَقَدْ تَلَقّاهُ النّاسُ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلُوهُ في مَنعِ تَوْرِيثِ الكافِرِ مِنَ المُسْلِمِ، فَصارَ في حَيِّزِ المُتَواتِرِ؛ ولِأنَّ آيَةَ المَوارِيثِ خاصَّةً بِالِاتِّفاقِ، وأخْبارُ الآحادِ مَقْبُولَةٌ في تَخْصِيصِ مِثْلِها قِيلَ لَهُ: في بَعْضِ ألْفاظِ حَدِيثِ أُسامَةَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ» فَأخْبَرَ أنَّ المُرادَ إسْقاطُ التَّوارُثِ بَيْنَ أهْلِ مِلَّتَيْنِ، ولَيْسَتِ الرِّدَّةُ بِمِلَّةٍ قائِمَةٍ؛ لِأنَّهُ وإنِ ارْتَدَّ إلى النَّصْرانِيَّةِ أوِ اليَهُودِيَّةِ فَغَيْرُ مُقِرٍّ عَلَيْها، فَلَيْسَ هو مَحْكُومًا لَهُ بِحُكْمِ أهْلِ المِلَّةِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْها، ألا تَرى أنَّهُ وإنِ انْتَقَلَ إلى مِلَّةِ الكِتابِيِّ أنَّهُ لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وإنْ كانَتِ امْرَأةً لَمْ يَجُزْ نِكاحُها ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الرِّدَّةَ لَيْسَتْ بِمِلَّةٍ، وحَدِيثُ أُسامَةَ مَقْصُورٌ في مَنعِ التَّوارُثِ بَيْنَ أهْلِ مِلَّتَيْنِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ مُفَسَّرٍ، وهو ما رَواهُ هُشَيْمٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتّى، لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسْلِمَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُرادَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ هو مَنعُ التَّوارُثِ بَيْنَ أهْلِ مِلَّتَيْنِ وأيْضًا فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ مِن أصْلِهِ أنَّ مِلْكَ المُرْتَدِّ يَزُولُ بِالرِّدَّةِ، فَإذا قُتِلَ أوْ ماتَ انْتَقَلَ إلى الوارِثِ؛ ومِن أجْلِ ذَلِكَ لا يُجِيزُ تَصَرُّفَ المُرْتَدِّ في مالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ في حالِ الإسْلامِ، وإذا كانَ هَذا أصْلَهُ فَهو لَمْ يُوَرِّثُ مُسْلِمًا مِن كافِرٍ؛ لِأنَّ مِلْكَهُ زالَ عَنْهُ في آخِرِ الإسْلامِ، وإنَّما ورَّثَ مُسْلِمًا مِمَّنْ كانَ مُسْلِمًا.
فَإنْ قِيلَ: فَإذًا يَكُونُ قَدْ ورَّثْتَهُ مِنهُ وهو حَيٌّ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ تَوْرِيثُ الحَيِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وكانُوا أحْياءً؛ وعَلى أنّا إنَّما نَقَلْنا المالَ إلى الوَرَثَةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَوْرِيثُ الحَيِّ. ويُقالُ لِلسّائِلِ عَنْ ذَلِكَ: وأنْتَ إذا جَعَلْتَ مالَهُ لِبَيْتِ المالِ فَقَدْ ورَّثْتَ مِنهُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ وهو كافِرٌ ووَرَّثْتَهم مِنهُ وهو حَيٌّ إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا. وأيْضًا فَإنَّ المُسْلِمِينَ إذا كانُوا إنَّما يَسْتَحِقُّونَ مالَهُ بِالإسْلامِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْوَرَثَةِ القَرابَةُ والإسْلامُ، وجَبَ أنْ يَكُونُوا أوْلى بِمالِهِ لِاجْتِماعِ السَّبَبَيْنِ لَهم وانْفِرادِ المُسْلِمِينَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، والسَّبَبانِ اللَّذانِ اجْتَمَعا لِلْوَرَثَةِ هو الإسْلامُ وقُرْبُ النَّسَبِ، وأشْبَهَ سائِرَ المَوْتى مِنَ المُسْلِمِينَ لَمّا كانَ مالُهُ مُسْتَحَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ كانَ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ قُرْبُ النَّسَبِ مَعَ الإسْلامِ أوْلى مِمَّنْ بَعُدَ نَسَبُهُ مِنهُ وإنْ (p-٣٩)كانَ لَهُ إسْلامٌ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ العِلَّةُ تُوجِبُ تَوْرِيثَهُ مِن مالِ الذِّمِّيِّ قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مالَ الذِّمِّيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالإسْلامِ، لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ ورَثَتَهُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ أوْلى بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، واتِّفاقُ جَمِيعِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ مالَ المُرْتَدِّ مُسْتَحَقٌّ بِالإسْلامِ، فَمِن قائِلٍ يَقُولُ: يَسْتَحِقُّهُ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، وآخَرِينَ يَقُولُونَ: يَسْتَحِقُّهُ ورَثَتُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ فَلَمّا كانَ مالُهُ مُسْتَحَقًّا بِالإسْلامِ أشْبَهَ مالَ المُسْلِمِ المَيِّتِ لَمّا كانَ مُسْتَحَقًّا بِالإسْلامِ كانَ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الإسْلامُ وقُرْبُ النَّسَبِ أوْلى مِن جَماعَةِ المُسْلِمِينَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ ماتَ ذِمِّيٌّ وتَرَكَ مالًا ولا وارِثَ لَهُ مِن أهْلِ دِينِهِ ولَهُ قَرابَةٌ مُسْلِمُونَ كانَ مالُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُنْ أقارِبُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْلى بِهِ لِاجْتِماعِ السَّبَبَيْنِ لَهم مِنَ الإسْلامِ والنَّسَبِ.
قِيلَ لَهُ: إنَّ مالَ الذِّمِّيِّ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالإسْلامِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ لَهُ ورَثَةٌ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ المُسْلِمُونَ مالَهُ، وما اسْتَحَقَّ مِن مالِ الذِّمِّيِّ بِالإسْلامِ لا يَكُونُ ورَثَتُهُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ أوْلى بِهِ مِنهم بَلْ يَكُونُونَ هم أوْلى كَمَوارِيثِ المُسْلِمِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مالَ الذِّمِّيِّ وإنْ جُعِلَ لِبَيْتِ المالِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ فَلَيْسَ هو مُسْتَحَقًّا بِالإسْلامِ وإنَّما هو مالٌ لا مالِكَ لَهُ وجَدَهُ الإمامُ في دارِ الإسْلامِ؛ كاللُّقَطَةِ الَّتِي لا يُعْرَفُ مُسْتَحِقُّها فَتُصْرَفُ في وُجُوهِ القُرَبِ إلى اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ أبُو حَنِيفَةَ فِيما اكْتَسَبَهُ المُرْتَدُّ في حالِ رِدَّتِهِ: " إنَّهُ فَيْءٌ لِبَيْتِ المالِ " وهَذا يَنْقُضُ الِاعْتِلالَ ويَدُلُّ عَلى أصْلِ المَسْألَةِ لِلْمُخالِفِ. قِيلَ لَهُ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ وذَلِكَ لِأنَّ ما اكْتَسَبَهُ في حالِ الرِّدَّةِ هو بِمَنزِلَةِ مالِ الحَرْبِيِّ ولا يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا، ومَتى جَعَلْناهُ في بَيْتِ المالِ بَعْدَ مَوْتِهِ أوْ قَبْلَهُ فَإنَّما يَصِيرُ ذَلِكَ المالُ مَغْنُومًا كَسائِرِ أمْوالِ الحَرْبِ إذا ظَفِرْنا بِها، وما يُؤْخَذُ عَلى وجْهِ الغَنِيمَةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ لِبَيْتِ المالِ لِأجْلِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ الغَنائِمَ لَيْسَتْ بِمُسْتَحَقَّةٍ لِغانِمِيها بِالإسْلامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الذِّمِّيَّ مَتى شَهِدَ القِتالَ اسْتَحَقَّ أنْ يُرْضَخَ لَهُ مِنَ الغَنِيمَةِ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مالَ الحَرْبِيِّ ومالَ المُرْتَدِّ الَّذِي اكْتَسَبَهُ في الرِّدَّةِ مَغْنُومٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالإسْلامِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ قُرْبُ النَّسَبِ والإسْلامُ كَما اعْتَبَرْنا في مالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ في حالِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المالَ كانَ مُلْكُهُ فِيهِ صَحِيحًا إلى أنِ ارْتَدَّ ثُمَّ زالَ مُلْكُهُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ، فَمَن يَسْتَحِقُّهُ مِنَ النّاسِ فَإنَّما يَسْتَحِقُّهُ بِالمِيراثِ والمَوارِيثُ يُعْتَبَرُ فِيها الإسْلامُ وقُرْبُ النَّسَبِ إذا كانَ مِلْكًا لِمُسْلِمٍ إلى أنْ زالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ المُوجِبَةِ لِزَوالِ مِلْكِهِ كَما يَزُولُ بِالمَوْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ حُكْمُ مالِهِ المُكْتَسَبِ في حالِ الرِّدَّةِ. ولا يَجُوزُ (p-٤٠)أيْضًا أنْ يَكُونَ أصْلًا لِلْمالِ المُكْتَسَبِ في حالِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ مِلْكَهُ فِيهِ كانَ صَحِيحًا إلى أنْ زالَ عَنْهُ المَوْتُ، والمالُ المُكْتَسَبُ في حالِ الرِّدَّةِ بِمَنزِلَةِ مالِ الحَرْبِيِّ مِلْكُهُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ اكْتَسَبَهُ وهو مُباحُ الدَّمِ، فَمَتى حَصَلَ في يَدِ المُسْلِمِينَ صارَ مَغْنُومًا، بِمَنزِلَةِ حَرْبِيٍّ دَخَلَ إلَيْنا بِغَيْرِ أمانٍ فَأخَذْناهُ مَعَ مالِهِ أنَّ مالَهُ يَكُونُ غَنِيمَةً، فَكَذَلِكَ مالُ المُرْتَدِّ الَّذِي اكْتَسَبَهُ في حالِ الرِّدَّةِ.
فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: مَرَّ بِي خالِي أبُو بُرْدَةَ ومَعَهُ الرّايَةُ فَقُلْتُ: إلى أيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَقالَ: «أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةَ أبِيهِ أنْ أقْتُلَهُ وآخُذَ مالَهُ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مالَ المُرْتَدِّ فَيْءٌ. قِيلَ لَهُ: إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ مُحارِبًا مَعَ اسْتِحْلالِهِ لِذَلِكَ حَرْبِيًّا فَكانَ مالُهُ مَغْنُومًا؛ لِأنَّ الرّايَةَ إنَّما تُعْقَدُ لِلْمُحارَبَةِ؛ وقَدْ رَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَدَّ مُعاوِيَةَ إلى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأةِ أبِيهِ أنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ ويُخَمِّسَ مالَهُ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مالَ ذَلِكَ الرَّجُلِ كانَ مَغْنُومًا بِالمُحارَبَةِ ولِذَلِكَ أُخِذَ مِنهُ الخُمُسُ.
فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ مالُ المُرْتَدِّ مَغْنُومًا ؟ قِيلَ لَهُ: أمّا ما اكْتَسَبَهُ في حالِ الرِّدَّةِ فَهو كَذَلِكَ، وأمّا ما اكْتَسَبَهُ في حالِ الإسْلامِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مَغْنُومًا، مِن قِبَلِ أنَّ ما كانَ يُغْنَمُ مِنَ الأمْوالِ سَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ مِلْكُ مالِكِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ فِيهِ قَبْلَ الغَنِيمَةِ، كَمالِ الحَرْبِيِّ ومالِ المُرْتَدِّ قَبْلَ الرِّدَّةِ قَدْ كانَ مِلْكُهُ فِيهِ صَحِيحًا، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَغْنَمَ كَما لا يَغْنَمُ أمْوالَ سائِرِ المُسْلِمِينَ إذا كانَتْ أمْلاكُهم فِيهِ صَحِيحَةً، وزَوالُهُ عَنِ المُرْتَدِّ بِالرِّدَّةِ كَزَوالِهِ بِالمَوْتِ فَمَتى انْقَطَعَ حَقُّهُ عَنْهُ بِالقَتْلِ أوْ بِالمَوْتِ أوِ اللَّحاقِ بِدارِ الحَرْبِ اسْتَحَقَّهُ ورَثَتُهُ دُونَ سائِرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ سائِرَ المُسْلِمِينَ إنِ اسْتَحَقُّوهُ بِالإسْلامِ لا عَلى أنَّهُ غَنِيمَةٌ كانَتْ ورَثَتُهُ أوْلى بِهِ لِاجْتِماعِ الإسْلامِ والقَرابَةِ لَهم، وإنِ اسْتَحَقُّوهُ بِأنَّهُ غَنِيمَةٌ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لِما بَيَّنّا مِن أنَّ شَرْطَ الغَنِيمَةِ أنْ يَكُونَ مالُ المَغْنُومِ غَيْرَ صَحِيحِ المِلْكِ في الأصْلِ.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَن أسْلَمَ قَبْلَ قِسْمَةِ المِيراثِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في مُسْلِمٍ ماتَ فَلَمْ يُقَسَّمْ مِيراثُهُ حَتّى أسْلَمَ ابْنٌ لَهُ كافِرٌ أوْ كانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ: " إنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ "، وهو قَوْلُ عَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ والزُّهْرِيِّ وأبِي الزِّنادِ وأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ ومالِكٍ والأوْزاعِيِّ والشّافِعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُما قالا: " مَن أسْلَمَ عَلى مِيراثٍ قَبْلَ أنْ يُقَسَّمَ شارَكَ في المِيراثِ "، وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ وأبِي الشَّعْثاءِ؛ وشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالمَوارِيثِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، ما طَرَأ عَلَيْهِ الإسْلامُ مِنها قَبْلَ القِسْمَةِ قُسِّمَ عَلى حُكْمِ الإسْلامِ ولَمْ يُعْتَبَرْ وقْتُ المَوْتِ؛ ولَيْسَ هَذا عِنْدَ الأوَّلِينَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ حُكْمَ (p-٤١)المَوارِيثِ قَدِ اسْتَقَرَّ في الشَّرْعِ عَلى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقالَ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فَأوْجَبَ لَها المِيراثَ بِالمَوْتِ، وحَكَمَ لَها بِالنِّصْفِ ولِلزَّوْجِ بِالنِّصْفِ بِحُدُوثِ المَوْتِ مِن غَيْرِ شَرْطِ القِسْمَةِ، والقِسْمَةُ إنَّما تَجِبُ فِيما قَدْ مُلِكَ، فَلا حَظَّ لِلْقِسْمَةِ في اسْتِحْقاقِ المِيراثِ؛ لِأنَّ القِسْمَةَ تَبَعٌ لِلْمِلْكِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَزُولَ مِلْكُ الأُخْتِ عَنْهُ بِإسْلامِ الِابْنِ كَما لا يَزُولُ مِلْكُها عَنْهُ بَعْدَ القِسْمَةِ. وأمّا مَوارِيثُ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّها لَمْ تَقَعْ عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ، فَلَمّا طَرَأ الإسْلامُ حُمِلَتْ عَلى أحْكامِ الشَّرْعِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ ما وقَعَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ مُسْتَقِرًّا ثابِتًا، فَعُفِيَ لَهم عَمّا قَدِ اقْتَسَمُوهُ وحُمِلَ ما لَمْ يُقَسَّمْ مِنها عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ كَما عُفِيَ لَهم عَنِ الرِّبا المَقْبُوضِ، وحُمِلَ بَعْدَ وُرُودِ تَحْرِيمِ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ، فَأبْطَلَ وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ رَدَّ رَأْسِ المالِ، ومَوارِيثُ الإسْلامِ قَدْ ثَبَتَتْ واسْتَقَرَّ حُكْمُها ولا يَجُوزُ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْها فَلا اعْتِبارَ فِيها بِالقِسْمَةِ ولا عَدَمِها، كَما أنَّ عُقُودَ الرِّبا لَوْ أُوقِعَتْ في الإسْلامِ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبا واسْتِقْرارِ حُكْمِهِ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ المَقْبُوضِ مِنها وغَيْرُ المَقْبُوضِ في بُطْلانِ الجَمْعِ.
وأيْضًا لا خِلافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ مَن ورِثَ مِيراثًا فَماتَ قَبْلَ القِسْمَةِ أنَّ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ لَوَرَثَتِهِ، وكَذَلِكَ لَوِ ارْتَدَّ لَمْ يَبْطُلْ مِيراثُهُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ وأنَّهُ لا يَكُونُ بِمَنزِلَةِ مَن كانَ مُرْتَدًّا وقْتَ المَوْتِ، فَكَذَلِكَ مَن أسْلَمَ أوْ أعْتَقَ بَعْدَ المَوْتِ قَبْلَ القِسْمَةِ فَلا حَظَّ لَهُ في المِيراثِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الدَّيْنُ مُؤَخَّرٌ في اللَّفْظِ وهو مُبْتَدَأٌ بِهِ في المَعْنى عَلى الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ " أوْ " لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وإنَّما هي لِأحَدِ شَيْئَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن بَعْدِ أحَدِ هَذَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: " ذَكَرَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ وهي بَعْدَهُ " يَعْنِي أنَّها مُقَدَّمَةٌ في اللَّفْظِ مُؤَخَّرَةٌ في المَعْنى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُنَّ إذا كُنَّ أرْبَعًا يَشْتَرِكْنَ في الثُّمُنِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مِيراثِ الأبَوَيْنِ مَعَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، فَقالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُثْمانُ وزَيْدٌ: " لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ، ولِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ مِيراثُهُما ولِلْأُمِّ الثُّلُثُ كامِلًا وما بَقِيَ فَلِلْأبِ " وقالَ: " لا أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ثُلُثَ ما بَقِيَ " وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ تابَعَهُ في المَرْأةِ والأبَوَيْنِ وخالَفَهُ في الزَّوْجِ والأبَوَيْنِ، لَتَفْضِيلِهِ الأُمَّ عَلى الأبِ. والصَّحابَةُ ومَن بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، إلّا ما حَكَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ سِيرِينَ وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فَجَعَلَ المِيراثَ بَيْنَهُما أثْلاثًا كَما جَعَلَهُ أثْلاثًا بَيْنَ الِابْنِ والبِنْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وجَعَلَهُ بَيْنَ الأخِ والأُخْتِ أثْلاثًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ثُمَّ لَمّا سَمّى لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ ما سَمّى لَهُما وأخَذا نَصِيبَهُما كانَ الباقِي بَيْنَ الِابْنِ والبِنْتَيْنِ عَلى ما كانَ قَبْلَ دُخُولِهِما، وكَذَلِكَ بَيْنَ الأخِ والأُخْتِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أخْذُ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ نَصِيبَهُما مُوجِبًا لِلْباقِي بَيْنَ الأبَوَيْنِ عَلى ما اسْتَحَقّاهُ أثْلاثًا قَبْلَ دُخُولِهِما؛ وأيْضًا هُما كَشَرِيكَيْنِ بَيْنَهُما مالٌ إذا اسْتُحِقَّ مِنهُ شَيْءٌ كانَ الباقِي بَيْنَهُما عَلى ما اسْتَحَقّاهُ بَدِيًّا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ
* *
بابُ الكَلالَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: المَيِّتُ نَفْسُهُ يُسَمّى كَلالَةً وبَعْضُ مَن يَرِثُهُ يُسَمّى كَلالَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلالَةَ هَهُنا اسْمُ المَيِّتِ والكَلالَةُ حالُهُ وصِفَتُهُ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ ورَوى السَّمِيطُ بْنُ عُمَيْرٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي ما الكَلالَةُ، وإنَّما الكَلالَةُ ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ " ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الكَلالَةُ ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ " فَلَمّا طُعِنَ عُمَرُ رَضِيَ (p-١٧)اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " رَأيْتُ أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وإنِّي لَأسْتَحْيِي اللَّهَ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ؛ هو ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ " .
ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُنْتُ آخِرَ النّاسِ عَهْدًا بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: القَوْلُ ما قُلْتَ، قُلْتُ: وما قُلْتَ ؟ قالَ: الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ " .
ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: " مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ " قالَ: قُلْتُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَغَضِبَ وانْتَهَرَنِي. فَظاهِرُ الآيَةِ وقَوْلُ مَن ذَكَرْناهم مِنَ الصَّحابَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَيِّتَ نَفْسَهُ يُسَمّى كَلالَةً؛ لِأنَّهم قالُوا: " الكَلالَةُ مَن لا والِدَ لَهُ ولا ولَدَ " وقالَ بَعْضُهم: " الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ " وهَذِهِ صِفَةُ المَوْرُوثِ المَيِّتِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّ الكَلالَةَ هو الوارِثُ الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، إذْ كانَ وُجُودُ الوَلَدِ والوالِدِ لِلْوارِثِ لا يُغَيِّرُ حُكْمَ مِيراثِهِ مِن مَوْرُوثِهِ وإنَّما يَتَغَيَّرُ حُكْمُ المِيراثِ بِوُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْمَيِّتِ المُوَرِّثِ واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَ الكَلالَةِ قَدْ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الوارِثِينَ، ما رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " أتانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وأنا مَرِيضٌ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ المِيراثُ فَإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ "؛ وهَذا الحَرْفُ تَفَرَّدَ بِهِ شُعْبَةُ في رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ؛ فَأخْبَرَ جابِرَ أنَّ الكَلالَةَ ورَثَتُهُ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ورَوى ابْنُ عَوْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي سَعْدٍ: " أنَّ سَعْدًا مَرِضَ بِمَكَّةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وارِثٌ إلّا كَلالَةٌ "؛ فَأخْبَرَ في هَذا الخَبَرِ أيْضًا أنَّ الكَلالَةَ هُمُ الوَرَثَةُ وحَدِيثُ سَعْدٍ مُتَقَدِّمٌ لِحَدِيثِ جابِرٍ؛ لِأنَّ مَرَضَهُ كانَ بِمَكَّةَ ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وقالَ قَوْمٌ: كانَ في عامِ الفَتْحِ؛ ويُقالُ إنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ كانَ في عامِ الفَتْحِ، وحَدِيثُ جابِرٍ كانَ بِالمَدِينَةِ في آخِرِ أيّامِ النَّبِيِّ ﷺ ورَوى شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: " آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَةٌ " .
قالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ: وقَدْ بَلَغَنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «قالَ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الكَلالَةِ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ» وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] لِأنَّها نَزَلَتْ في الصَّيْفِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ إلى مَكَّةَ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الحَجِّ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وهي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى مَكَّةَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (p-١٨)هَذِهِ الآيَةُ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَها حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِها؛ هَكَذا سَمِعْنا. قالَ يَحْيى: وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكَلالَةِ، فَقالَ: مَن ماتَ ولَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ فَوَرَثَتُهُ كَلالَةٌ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يَذْكُرْ تارِيخَ الأخْبارِ والآيِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَتَغَيَّرُ فِيما ذَكَرْنا بِالتّارِيخِ، ولَكِنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الآيِ والأخْبارِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِها، وإنَّما أرَدْنا بِذَلِكَ أنْ نُبَيِّنَ أنَّ اسْمَ الكَلالَةِ يَتَناوَلُ المَيِّتَ تارَةً وبَعْضَ الوَرَثَةِ تارَةً أُخْرى.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في الكَلالَةِ، فَرَوى جَرِيرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ الشَّيْبانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ «عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يُوَرَّثُ الكَلالَةُ ؟ قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ؟ ثُمَّ قَرَأ:﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرِها؛ قالَ: فَكَأنَّ عُمَرَ لَمْ يَفْهَمْ، فَقالَ لِحَفْصَةَ: إذا رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طِيبَ نَفْسٍ فَسَلِيهِ عَنْها فَرَأتْ مِنهُ طِيبَ نَفْسٍ فَسَألَتْهُ عَنْها، فَقالَ: أبُوكَ كَتَبَ لَكِ هَذا ؟ ما أرى أباكَ يَعْلَمُها أبَدًا»؛ قالَ: فَكانَ عُمَرُ يَقُولُ: ما أرانِي أعْلَمُها أبَدًا وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ.
ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: " ثَلاثٌ لَأنْ يَكُونَ بَيَّنَهُنَّ لَنا أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها: الكَلالَةُ والخِلافَةُ والرِّبا " ورَوى قَتادَةُ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ مَعْدانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: ما سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ مِمّا سَألْتُهُ عَنِ الكَلالَةِ، حَتّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ في صَدْرِي ثُمَّ قالَ: «يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ» . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: " اعْلَمُوا أنِّي لَمْ أقُلْ في الكَلالَةِ شَيْئًا " .
فَهَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ فِيها بِشَيْءٍ وأنَّ مَعْناها والمُرادَ بِها كانَ مُلْتَبِسًا عَلَيْهِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ عُمَرُ كَتَبَ كِتابًا في الكَلالَةِ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ مَحاهُ وقالَ: " تَرَوْنَ فِيهِ رَأْيَكم "؛ فَهَذِهِ إحْدى الرِّواياتِ عَنْ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ " ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: " أنَّ الكَلالَةَ ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ " ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " الكَلالَةُ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ " وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مِثْلُهُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى: " أنَّ الكَلالَةَ ما خَلا الوَلَدَ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَتِ الصَّحابَةُ عَلى أنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مِنَ الكَلالَةِ، واخْتَلَفُوا في الوالِدِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: " الوالِدُ خارِجٌ مِنَ الكَلالَةِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في (p-١٩)إحْدى الرِّوايَتَيْنِ مِثْلَهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّ الكَلالَةَ ما عَدا الوَلَدَ.
فَلَمّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِما عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ وسَألَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَعْناها فَوَكَلَهُ إلى حُكْمِ الآيَةِ وما في مَضْمُونِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وقَدْ كانَ عُمَرُ رَجُلًا مِن أهْلِ اللِّسانِ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ اللُّغَةُ؛ ثَبَتَ أنَّ مَعْنى اسْمِ الكَلالَةِ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ اللُّغَةِ وأنَّهُ مِن مُتَشابِهِ الآيِ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَعْناهُ بِالمُحْكَمِ ورَدِّهِ إلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ عَنْ سُؤالِهِ في مَعْنى الكَلالَةِ ووَكَلَهُ إلى اسْتِنْباطِهِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي.
أحَدُها: أنَّ بِمَسْألَتِهِ إيّاهُ لَمْ يُلْزِمْهُ تَوْقِيفَهُ عَلى مَعْناها مِن طَرِيقِ النَّصِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ تَوْقِيفُهُ عَلى مَعْناها لَما أخْلاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن بَيانِها وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أمْرُ الكَلالَةِ في الحالِ الَّتِي سَألَ عَنْها حادِثَةً تُلْزِمُهُ تَنْفِيذَ حُكْمِها في الحالِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أخْلاهُ مِن بَيانِها، وإنَّما سَألَهُ سُؤالَ مُسْتَفْهِمٍ مُسْتَرْشِدٍ لِمَعْنى الآيَةِ مِن طَرِيقِ النَّصِّ، ولَمْ يَكُنْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفُ النّاسِ عَلى جَلِيلِ الأحْكامِ ودَقِيقِها؛ لِأنَّ مِنها ما هو مَذْكُورٌ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ ومِنها ما هو مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِدَلالَةٍ مُفْضِيَةٍ إلى العِلْمِ بِهِ لا احْتِمالَ فِيهِ ومِنها ما هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الرَّأْيِ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ إلى اجْتِهادِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَآهُ مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ، وأنَّهُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى تَسْوِيغِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ في الأحْكامِ وأنَّهُ أصْلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ في أحْكامِ الحَوادِثِ والِاسْتِدْلالِ عَلى مَعانِي الآيِ المُتَشابِهَةِ وبِنائِها عَلى المُحْكَمِ؛ واتِّفاقُ الصَّحابَةِ أيْضًا عَلى تَسْوِيَةِ الِاجْتِهادِ في اسْتِخْراجِ مَعانِي الكَلالَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قالَ: " هو مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ " وقالَ بَعْضُهم: " مَن لا ولَدَ لَهُ " وأجابَ عُمَرُ بِأجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ووَقَفَ فِيها في بَعْضِ الأحْوالِ ولَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ الكَلامَ فِيها بِما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ ؟ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اتِّفاقِهِمْ عَلى تَسْوِيغِ الِاجْتِهادِ في الأحْكامِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ ما رَوى أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ في القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأصابَ فَقَدْ أخْطَأ؛» إنَّما هو فِيمَن قالَ فِيهِ بِما سَنَحَ في وهْمِهِ وخَطَرَ عَلى بالِهِ مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِ بِالأُصُولِ، وأنَّ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى حُكْمِهِ واسْتَنْبَطَ مَعْناهُ فَحَمَلَهُ عَلى المُحْكَمِ المُتَّفَقِ عَلى مَعْناهُ فَهو مَمْدُوحٌ مَأْجُورٌ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]
وقَدْ تَكَلَّمَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْنى الكَلالَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: " الكَلالَةُ كُلُّ مَن لَمْ يَرِثْهُ أبٌ ولا ابْنٌ فَهو (p-٢٠)عِنْدَ العَرَبِ كَلالَةٌ، مَصْدَرٌ مِن تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ أيْ تَعَطَّفَ النَّسَبُ عَلَيْهِ " قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مَن قَرَأها يُورِثُ بِالكَسْرِ أرادَ مَن لَيْسَ بِوَلَدٍ ولا والِدٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ واَلَّذِي قَرَأهُ بِالكَسْرِ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ قِيلَ إنَّ الكَلالَةَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو الإحاطَةُ، فَمِنهُ الإكْلِيلُ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ، ومِنهُ الكُلُّ لِإحاطَتِهِ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِ؛ فالكَلالَةُ في النَّسَبِ مِن أحاطَ بِالوَلَدِ والوالِدِ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ وتَكَلَّلَهُما وتَعَطَّفَ عَلَيْهِما، والوَلَدُ والوالِدُ لَيْسا بِكَلالَةٍ؛ لِأنَّ أصْلَ النَّسَبِ وعَمُودَهُ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي هو الوَلَدُ والوالِدُ، ومَن سِواهُما فَهو خارِجٌ عَنْهُما وإنَّما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِما بِالِانْتِسابِ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الوِلادَةِ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كالإكْلِيلِ المُشْتَمِلِ عَلى الرَّأْسِ وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ مَن تَأوَّلَها عَلى مَن عَدا الوالِدَ والوَلَدَ وأنَّ الوَلَدَ إذا لَمْ يَكُنْ مِنَ الكَلالَةِ كَذَلِكَ الوالِدُ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى المَيِّتِ مِن طَرِيقِ الوِلادَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الإخْوَةُ والأخَواتُ؛ لِأنَّ نَسَبَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَرْجِعُ إلى المَيِّتِ مِن طَرِيقِ وِلادٍ بَيْنَهُما ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مَن عَدا الوَلَدَ وأخْرَجَ الوَلَدَ وحْدَهُ مِنَ الكَلالَةِ، أنَّ الوَلَدَ مِنَ الوالِدِ وكَأنَّهُ بَعْضُهُ ولَيْسَ الوالِدُ مِنَ الوَلَدِ كَما لَيْسَ الأخُ والأُخْتُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالأُخُوَّةِ، فاعْتَبَرَ مَن قالَ ذَلِكَ الكَلالَةَ بِمَن لا يُنْسَبُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مِنهُ وبَعْضُهُ، فَأمّا مَن كانَتْ نِسْبَتُهُ إلى المَيِّتِ مِن حَيْثُ هو مِنهُ فَلَيْسَ بِكَلالَةٍ. وقَدْ كانَ اسْمُ الكَلالَةِ مَشْهُورًا في الجاهِلِيَّةِ، قالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
؎فَإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ فارِسِ عامِرٍ وفي السِّرِّ مِنها والصَّرِيحِ المُهَذَّبِ
؎فَما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ كَلالَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى الجَدَّ الَّذِي انْتَسَبُوا إلَيْهِ كَلالَةً، وأخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ سِيادَتَهُ لَيْسَتْ مِن طَرِيقِ النَّسَبِ والكَلالَةِ لَكِنَّهُ بِنَفْسِهِ سادَ ورَأسَ. وقالَ بَعْضُهم: كَلَّتِ الرَّحِمُ بَيْنَ فُلانٍ وفُلانٍ إذا تَباعَدَتْ، وحَمَلَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ ثُمَّ كَلَّ عَنْهُ إذا تَباعَدَ، والكِلالُ هو الإعْياءُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَبْعُدُ عَلَيْهِ تَناوُلُ ما يُرِيدُهُ؛ وأنْشَدَ الفَرَزْدَقُ:
؎ورِثْتُمْ قَناةَ المُلْكِ غَيْرَ كَلالَةٍ ∗∗∗ عَنِ ابْنَيْ مَنافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وهاشِمِ
يَعْنِي: ورِثْتُمُوها بِالآباءِ لا بِالأُخُوَّةِ والعُمُومَةِ
وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الكَلالَةَ في مَوْضِعَيْنِ مِن كِتابِهِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَذَكَرَ مِيراثَ الإخْوَةِ والأخَواتِ (p-٢١)عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ وسَمّاهم كَلالَةً؛ وعَدَمُ الوالِدِ مَشْرُوطٌ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ:﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْإخْوَةِ مِيراثًا مَعَ الأبِ، فَخَرَجَ الوالِدُ مِنَ الكَلالَةِ كَما خَرَجَ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوَرِّثْهم مَعَ الأبِ كَما لَمْ يُوَرِّثْهم مَعَ الِابْنِ، والبِنْتُ أيْضًا لَيْسَتْ بِكَلالَةٍ فَإنْ تَرَكَ ابْنَةً أوِ ابْنَتَيْنِ وإخْوَةً وأخَواتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فالبَناتُ لَسْنَ بِكَلالَةٍ، ومَن ورِثَ مَعَهُما كَلالَةً.
وقالَ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ فَهَذِهِ الكَلالَةُ هي الأخُ والأُخْتُ لِأُمٍّ لا يَرِثانِ مَعَ والِدٍ ولا ولَدٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى. وقَدْ رُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: " وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ لِأُمٍّ " فَلا خِلافَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ بِالأخِ والأُخْتِ هَهُنا إذا كانا لِأُمٍّ دُونَهُما إذا كانَ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ الكَلالَةَ ما عَدا الوَلَدَ، ووَرِثَ الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ مَعَ الأبَوَيْنِ السُّدُسَ، وهو السُّدُسُ الَّذِي حُجِبَتِ الأُمُّ عَنْهُ "، وهو قَوْلٌ شاذٌّ، وقَدْ بَيَّنّا ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّها ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ؛ ولا خِلافَ أنَّ الإخْوَةَ والأخَواتِ مِنَ الأُمِّ يَشْتَرِكُونَ في الثُّلُثِ ولا يُفَضَّلُ مِنهم ذَكَرٌ عَلى أُنْثى.
وقَدِ اخْتَلَفُوا في الجَدِّ هَلْ يُوَرَّثُ كَلالَةً، فَقالَ قائِلُونَ: " لَمْ يُوَرَّثْ كَلالَةً " . وقالَ آخَرُونَ: " بَلْ هو كَلالَةٌ " وهو قَوْلُ مَن يُوَرِّثُ الإخْوَةَ والأخَواتِ مَعَ الجَدِّ، والأوْلى أنْ يَكُونَ خارِجًا مِنَ الكَلالَةِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ ابْنَ الِابْنِ خارِجٌ عَنِ الكَلالَةِ؛ لِأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى المَيِّتِ بِالوِلادِ، فَواجِبٌ عَلى هَذا خُرُوجُ الجَدِّ مِنها؛ إذْ كانَتِ النِّسْبَةُ بَيْنَهُما مِن طَرِيقِ الوِلادِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى: أنَّ الجَدَّ هو أصْلُ النَّسَبِ كالأبِ ولَيْسَ بِخارِجٍ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنِ الكَلالَةِ؛ إذْ كانَتِ الكَلالَةُ ما تُكَلَّلُ عَلى النَّسَبِ وتُعْطَفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ أصْلُ النَّسَبِ مُتَعَلِّقًا بِهِ. والثّالِثُ: أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الجَدُّ وأنَّهُ خارِجٌ عَنْهُ لا يَرِثُ مَعَهُ الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ كَما لا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ والبِنْتِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَدَّ بِمَنزِلَةِ الأبِ في خُرُوجِهِ عَنِ الكَلالَةِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ بِمَنزِلَةِ الأبِ في نَفْيِ مُشارَكَةِ الإخْوَةِ والأخَواتِ إيّاهُ في المِيراثِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتَهُ مِن قِبَلُ (p-٢٢)أنَّ البِنْتَ خارِجَةٌ عَنِ الكَلالَةِ ولا يَرِثُ مَعَها الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ ويَرِثُ مَعَها الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ، فَكَذَلِكَ الجَدُّ. قِيلَ لَهُ: لِمَ نَجْعَلُ ما ذَكَرْناهُ عِلَّةً لِلْمَسْألَةِ فَيَلْزَمُنا ما وصَفْتَ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَناوَلْهُ اسْمُ الكَلالَةِ كالأبِ والِابْنِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مِيراثُ الإخْوَةِ والأخَواتِ عِنْدَ عَدَمِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى تَوْرِيثِهِمْ مَعَهُ، والبِنْتُ وإنْ كانَتْ خارِجَةً عَنِ الكَلالَةِ فَقَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَوْرِيثِ الإخْوَةِ والأخَواتِ مِنَ الأبِ مَعَها، فَخَصَصْناها مِنَ الظّاهِرِ وبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ فِيما سِواها مِمَّنْ يَشْتَمِلُهُ اسْمُ الكَلالَةِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ
* *
بابُ المُشْرَكَةِ اخْتَلَفَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَسْألَةِ المُشْرَكَةِ وهي أنْ تُخَلِّفَ المُوَرِّثَةُ زَوْجَها وأُمَّها وإخْوَتَها لِأُمِّها وإخْوَتَها لِأبِيها وأُمِّها، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: " لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأخَوَيْنِ مِنَ الأُمِّ الثُّلُثُ، وسَقَطَ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ " . ورَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنِ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فَقالَ: " أرَأيْتُمْ لَوْ كانُوا مِائَةً أكُنْتُمْ تَزِيدُونَهم عَلى الثُّلُثِ ؟ " قالُوا: لا، قالَ: " فَأنا لا أنْقُصُهم مِنهُ شَيْئًا "؛ وجَعَلَ الإخْوَةَ والأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ عَصَبَةً في هَذِهِ الفَرِيضَةِ وقَدْ حالَتِ السِّهامُ دُونَهم.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: " لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأخَوَيْنِ مِنَ الأُمِّ الثُّلُثُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ عَلى الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فَيُشارِكُونَهم فَيَكُونُ الثُّلُثُ الَّذِي أخَذُوهُ بَيْنَهم سَواءً " ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ سِماكِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ قالَ: " شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أشْرَكَ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ والأُمِّ مَعَ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ في الثُّلُثِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: قَضَيْتَ عامَ الأوَّلِ بِخِلافِ هَذا قالَ: كَيْفَ قَضَيْتُ ؟ قالَ: جَعَلْتَهُ لِلْإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ ولَمْ تُعْطِ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ والأُمِّ شَيْئًا، قالَ: تِلْكَ عَلى ما قَضَيْنا وهَذِهِ عَلى ما قَضَيْنا " .
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ لا يُشْرِكُ بَيْنَهم حَتّى احْتَجَّ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ فَقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَنا أبٌ ولَيْسَ لَهم أبٌ ولَنا أُمٌّ كَما لَهم، فَإنْ كُنْتُمْ حَرَمْتُمُونا بِأبِينا فَوَرِّثُونا بِأُمِّنا كَما ورَّثْتُمْ هَؤُلاءِ بِأُمِّهِمْ واحْسَبُوا أنَّ أبانا كانَ حِمارًا، ألَيْسَ قَدْ تَراكَضْنا في رَحِمٍ واحِدَةٍ ؟ فَقالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: صَدَقْتُمْ فَأشْرَكَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ في الثُّلُثِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ إلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن تابَعَهُ في تَرْكِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهم؛ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ (p-٢٥)فَنَصَّ عَلى فَرْضِ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ وهو الثُّلُثُ، وبَيَّنَ أيْضًا حُكْمَ الإخْوَةِ مِنَ الأبِ والأُمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهم فَرْضًا مُسَمًّى وإنَّما جَعَلَ لَهُمُ المالَ عَلى وجْهِ التَّعْصِيبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ ولا خِلافَ أنَّها لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُمًّا وأخًا لِأُمٍّ وإخْوَةً وأخَواتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ وما بَقِيَ وهو السُّدُسُ بَيْنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ولَمْ يَدْخُلُوا مَعَ الأخِ مِنَ الأُمِّ في نَصِيبِهِ، فَلَمّا كانُوا مَعَ ذَوِي السِّهامِ إنَّما يَسْتَحِقُّونَ باقِيَ المالِ بِالتَّعْصِيبِ لا بِالفَرْضِ لَمْ يَجُزْ لَنا إدْخالَهم مَعَ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ في فَرْضِهِمْ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَنْفِي ذَلِكَ؛ إذْ كانَتِ الآيَةُ إنَّما أوْجَبَتْ لَهم ما يَأْخُذُونَهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ بِالتَّعْصِيبِ لا بِالفَرْضِ، فَمَن أعْطاهم بِالفَرْضِ فَهو خارِجٌ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما أبْقَتِ الفَرائِضُ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» فَجَعَلَ لِلْعَصَبَةِ بَقِيَّةَ المالِ بَعْدَ أخْذِ ذَوِي السِّهامِ سِهامَهم، فَمَن أشْرَكَهم مَعَ ذَوِي السِّهامِ وهم عَصَبَةٌ فَقَدْ خالَفَ الأثَرَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا اشْتَرَكُوا في نَسَبِ الأُمِّ وجَبَ أنْ لا يُحْرَمُوا بِالأبِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّها لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُمًّا وأخًا لِأُمٍّ وإخْوَةً وأخَواتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أخَذَ الأخُ مِنَ الأُمِّ السُّدُسَ كامِلًا وأخَذَ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ السُّدُسَ الباقِيَ بَيْنَهم، وعَسى يُصِيبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أقَلَّ مِنَ العُشْرِ، ولَمْ يَكُنْ لِواحِدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ قَدْ حَرَمْتُمُونِي بِالأبِ مَعَ اشْتِراكِنا في الأُمِّ، بَلْ كانَ نَصِيبُ الأخِ مِنَ الأُمِّ أوْفَرَ مِن نَصِيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: انْتِقاضُ العِلَّةِ بِالِاشْتِراكِ في الأُمِّ.
والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَأْخُذُوا بِالفَرْضِ وإنَّما أخَذُوا بِالتَّعْصِيبِ.
ويَدُلُّ عَلى فَسادِ ذَلِكَ أيْضًا أنَّها لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُخْتًا لِأبٍ وأُمٍّ وأُخْتًا وأخًا لِأبٍ أنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ولِلْأُخْتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ النِّصْفَ ولا شَيْءَ لِلْأخِ والأُخْتِ مِنَ الأبِ؛ لِأنَّهُما عَصَبَةٌ، فَلا يُدْخَلُ مَعَ ذَوِي السِّهامِ. ولَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ مِنَ الأبِ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَكُنْ حَتّى تَسْتَحِقَّ الأُخْتُ مِنَ الأبِ سَهْمَها الَّذِي كانَتْ تَأْخُذُهُ في حالِ الِانْفِرادِ عَنِ الأخِ، وإنَّما التَّعْصِيبُ أخْرَجَها عَنِ السُّدُسِ الَّذِي كانَتْ تَسْتَحِقُّهُ، كَذَلِكَ التَّعْصِيبُ يُخْرِجُ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ والأُمِّ عَنِ الثُّلُثِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٢٦)
* *
بابُ الرَّجُلُ يَمُوتُ وعَلَيْهِ دَيْنٌ ويُوصِي بِوَصِيَّةٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «تَقْرَءُونَ الوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أنَّ المِيراثَ بَعْدَ هَذَيْنِ، ولَيْسَتْ " أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِأحَدِهِما بَلْ قَدْ تَناوَلْتُهُما جَمِيعًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ مُسْتَثْنًى عَنِ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ، ومَتى دَخَلَتْ " أوْ " عَلى النَّفْيِ صارَتْ في مَعْنى " الواوِ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] (p-٢٩)وقالَ تَعالى: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فَكانَتْ " أوْ " في هَذِهِ المَواضِعِ بِمَنزِلَةِ " الواوِ " فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ لَمّا كانَ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ تَكُونَ هُناكَ وصِيَّةٌ أوْ دَيْنٌ فَيَكُونُ المِيراثُ بَعْدَهُما جَمِيعًا.
وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ في الذِّكْرِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلتَّبْدِئَةِ بِها عَلى الدَّيْنِ؛ لِأنَّ " أوْ " لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ المِيراثِ إعْلامًا لَنا أنَّ سِهامَ المَوارِيثِ جارِيَةٌ في التَّرِكَةِ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ وعَزْلِ حِصَّةِ الوَصِيَّةِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ كانَتْ سِهامُ الوَرَثَةِ مُعْتَبَرَةً بَعْدَ الثُّلُثِ فَيَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ أوِ الثُّمُنُ في الثُّلُثَيْنِ ؟ وكَذَلِكَ سِهامُ سائِرِ أهْلِ المِيراثِ جارِيَةٌ في الثُّلُثَيْنِ دُونَ الثُّلُثِ الَّذِي فِيهِ الوَصِيَّةُ.
فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ذِكْرِ الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ لِيُعَلِّمَنا أنَّ سِهامَ المِيراثِ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الوَصِيَّةِ كَما هي مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الدَّيْنِ وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُخالِفَةً لِلدَّيْنِ مِن جِهَةِ الِاسْتِيفاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ لَدَخَلَ النُّقْصانُ عَلى أصْحابِ الوَصايا كَما يَدْخُلُ عَلى الوَرَثَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ؛ لِأنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ اسْتُوفِيَ الدَّيْنُ كُلُّهُ مِنَ الباقِي وإنِ اسْتَغْرَقَهُ وبَطَلَ حَقُّ المُوصى لَهُ والوَرَثَةِ جَمِيعًا، فالمُوصى لَهُ شَرِيكُ الوَرَثَةِ مِن وجْهٍ ويَأْخُذُ شَبَهًا مِنَ الغَرِيمِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ سِهامَ أهْلِ المَوارِيثِ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الوَصِيَّةِ كاعْتِبارِها بَعْدَ الدَّيْنِ.
ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أنَّ المُوصى لَهُ يُعْطى وصِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ الوَرَثَةُ أنْصِباءَهم، بَلْ يُعْطَوْنَ كُلَّهم مَعًا كَأنَّهُ أحَدُ الوَرَثَةِ في هَذا الوَجْهِ، وما هَلَكَ مِنَ المالِ قَبْلَ القِسْمَةِ فَهو ذاهِبٌ مِنهم جَمِيعًا.
* *
بابُ مِقْدارُ الوَصِيَّةِ الجائِزَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الوَصِيَّةِ بِقَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ؛ لِأنَّها مَنكُورَةٌ لا تَخْتَصُّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؛ إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها الوَصِيَّةُ بِبَعْضِ المالِ لا بِجَمِيعِهِ، وهو: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ [النساء: ٧] فَأطْلَقَ إيجابَ المِيراثِ فِيهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَصِيَّةِ، فَلَوِ اقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها﴾ الوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ المالِ لَصارَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] مَنسُوخًا بِجَوازِ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ، فَلَمّا كانَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ (p-٣٠)ثابِتًا في إيجابِ المِيراثِ وجَبَ اسْتِعْمالُها مَعَ آيَةِ الوَصِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلى بَعْضِ المالِ والباقِي لِلْوَرَثَةِ حَتّى نَكُونَ مُسْتَعْمِلِينَ لِحُكْمِ الآيَتَيْنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] يَعْنِي في مَنعِ الرَّجُلِ الوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ مالِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ تَأْوِيلِهِ؛ فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ الوَصِيَّةِ بِبَعْضِ المالِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ تَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ والِاسْتِعْمالِ في الِاقْتِصارِ بِجَوازِ الوَصِيَّةِ عَلى الثُّلُثِ، مِنها ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي خَلَفٍ قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «مَرِضَ أبِي مَرَضًا شَدِيدًا قالَ ابْنُ أبِي خَلَفٍ بِمَكَّةَ مَرَضًا أشْفى مِنهُ، فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مالًا كَثِيرًا ولَيْسَ يَرِثُنِي إلّا ابْنَةٌ لِي، أفَأتَصَدَّقُ بِالثُّلُثَيْنِ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَبِالشَّطْرِ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَبِالثُّلُثِ ؟ قالَ: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، وإنَّكَ إنْ تَتْرُكْ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ فَإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إلّا أُجِرْتَ عَلَيْها حَتّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُها إلى فِيِ امْرَأتِكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قالَ إنَّكَ إنْ تُخَلَّفْ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ لا تَزْدادُ بِهِ إلّا رِفْعَةً ودَرَجَةً، لَعَلَّكَ أنْ تُخَلَّفَ حَتّى يَنْتَفِعَ بِكَ أقْوامٌ ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ، لَكِنِ البائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ ماتَ بِمَكَّةَ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ ضُرُوبًا مِنَ الأحْكامِ والفَوائِدِ، مِنها: أنَّ الوَصِيَّةَ غَيْرُ جائِزَةٍ في أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
والثّانِي: أنَّ المُسْتَحَبَّ النُّقْصانُ عَنِ الثُّلُثِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: أسْتَحِبُّ النُّقْصانَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: " والثُّلُثُ كَثِيرٌ " .
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ قَلِيلَ المالِ ووَرَثَتُهُ فُقَراءُ أنَّ الأفْضَلَ أنْ لا يُوصِيَ بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» وفي ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ الوَصِيَّةَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مَمْنُوعَةٌ لِأجْلِ الوَرَثَةِ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ في المَرَضِ وصِيَّةٌ غَيْرُ جائِزَةٍ إلّا مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأنَّ سَعْدًا قالَ: أتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِي ؟ فَقالَ: " لا " إلى أنْ رَدَّهُ إلى الثُّلُثِ؛ وقَدْ رَواهُ جَرِيرٌ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «عادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا مَرِيضٌ، فَقالَ: أوْصَيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: بِكَمْ ؟ قُلْتُ: بِمالِي كُلِّهِ في (p-٣١)سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَما تَرَكْتَ لَوَلَدِكَ ؟ قالَ: هم أغْنِياءُ، قالَ: أوْصِ بِالعُشْرِ فَما زِلْتُ أُناقِصُهُ ويُناقِصُنِي حَتّى قالَ: أوْصِ بِالثُّلُثِ والثُّلُثُ كَثِيرٌ» .
قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَنَحْنُ نَسْتَحِبُّ أنْ نُنْقِصَ مِنَ الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ ﷺ: " والثُّلُثُ كَثِيرٌ " . فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ: " أوْصَيْتُ بِمالِي كُلِّهِ " وهَذا لا يَنْفِي ما رُوِيَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ مِنَ الصَّدَقَةِ في المَرَضِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ لِما مَنَعَهُ الوَصِيَّةَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ظَنَّ أنَّ الصَّدَقَةَ جائِزَةٌ في المَرَضِ فَسَألَهُ عَنْها، فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ حُكْمَ الصَّدَقَةِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِها عَلى الثُّلُثِ، وهو نَظِيرُ حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الرَّجُلِ الَّذِي أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وفِيهِ: «إنَّ الرَّجُلَ مَأْجُورٌ في النَّفَقَةِ عَلى أهْلِهِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن وهَبَ لِامْرَأتِهِ هِبَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيها؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَوْجَبَ بِها الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وهو نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا أعْطى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ عَطِيَّةً فَهي لَهُ صَدَقَةٌ» .
وقَوْلُ سَعْدٍ: " أتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي " عَنى بِهِ أنَّهُ يَمُوتُ بِمَكَّةَ وهي دارُهُ الَّتِي هاجَرَ مِنها إلى المَدِينَةِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ نَهى المُهاجِرِينَ أنْ يُقِيمُوا بَعْدَ النَّفْرِ أكْثَرَ مِن ثَلاثٍ، فَأخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ يَتَخَلَّفُ بَعْدَهُ حَتّى يَنْفَعَ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا ويَضُرَّ بِهِ آخَرِينَ؛ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ بَقِيَ بَعْدَهُ ﷺ وفَتَحَ اللَّهُ عَلى يَدِهِ بِلادَ العَجَمِ وأزالَ بِهِ مُلْكَ الأكاسِرَةِ؛ وذَلِكَ مِن عُلُومِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى.
حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حاتِمٍ العِجْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الأعْلى بْنُ واصِلٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ قالَ: حَدَّثَنا مُبارَكُ بْنُ حَسّانَ قالَ: حَدَّثَنا نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ حاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ قالَ: «يا ابْنَ آدَمَ اثْنَتانِ لَيْسَتْ لَكَ واحِدَةٌ مِنهُما: جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا في مالِكَ حِينَ أخَذْتُ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَكَ وأُزَكِّيَكَ، وصَلاةُ عِبادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِكَ» . فَفي هَذا الحَدِيثِ أيْضًا أنَّ لَهُ بَعْضَ المالِ عِنْدَ المَوْتِ لا جَمِيعَهُ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ صالِحِ بْنِ النَّطّاحِ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ قالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَمْرٍو قالَ: حَدَّثَنا عَطاءٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ أعْطاكم ثُلُثَ أمْوالِكم في آخِرِ أعْمارِكم زِيادَةً في أعْمالِكم» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذِهِ الأخْبارُ المُوجِبَةُ لِلِاقْتِصارِ بِالوَصِيَّةِ عَلى الثُّلُثِ عِنْدَنا في حَيِّزِ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ لِتَلَقِّي النّاسِ إيّاها بِالقَبُولِ، وهي مُبَيِّنَةٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى في الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ في الكِتابِ أنَّها مَقْصُورَةٌ عَلى الثُّلُثِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ (p-٣٢)مَن لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ ولَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ أنَّ جَمِيعَ مِيراثِهِ لَوَرَثَتِهِ، وأنَّهُ إنْ كانَ عَلَيْهِ حَجٌّ أوْ زَكاةٌ لَمْ يَجِبْ إخْراجُهُ إلّا أنْ يُوصِيَ بِهِ، وكَذَلِكَ الكَفّاراتُ والنُّذُورُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحَجَّ دَيْنٌ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُلْزِمُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُرَبِ في المالِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْخَثْعَمِيَّةِ حِينَ سَألَتْهُ عَنِ الحَجِّ عَنْ أبِيها: «أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أكانَ يُجْزِئُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ» . قِيلَ لَهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما سَمّاهُ دَيْنَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُسَمِّهِ بِهَذا الِاسْمِ إلّا مُقَيَّدًا فَلا يَتَناوَلُهُ الإطْلاقُ، وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ إنَّما اقْتَضى التَّبْدِئَةَ بِما يُسَمّى بِهِ دَيْنًا عَلى الإطْلاقِ، فَلا يَنْطَوِي تَحْتَهُ ما لا يُسَمّى بِهِ إلّا مُقَيَّدًا؛ لِأنَّ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ أسْماءً مُطْلَقَةً وأسْماءً مُقَيَّدَةً، فَلا يَتَناوَلُ المُطْلَقُ إلّا ما يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ عَلى الإطْلاقِ، فَإذا لَمْ تَتَناوَلِ الآيَةُ ما كانَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّيُونِ لِما وصَفْنا، اقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُوصِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِينٌ لِآدَمِيٍّ أنْ يَسْتَحِقَّ الوارِثُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ.
وحَدِيثُ سَعْدٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قالَ: أتَصَدَّقُ بِمالِي ؟ وفي لَفْظٍ آخَرَ: أُوصِي بِمالِي ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ» ولَمْ يَسْتَثْنِ النَّبِيُّ ﷺ الحَجَّ ولا الزَّكاةَ ونَحْوَهُما مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، ومَنَعَ الصَّدَقَةَ والوَصِيَّةَ إلّا بِثُلُثِ المالِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا أوْصى بِهَذِهِ الحُقُوقِ كانَتْ مِنَ الثُّلُثِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَكم ثُلُثَ أمْوالِكم في آخِرِ أعْمارِكم زِيادَةً في أعْمالِكم» وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ حاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى: «جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا في مالِكَ حِينَ أخَذْتُ بِكَظْمِكَ» يَدُلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلى أنَّ وصِيَّتَهُ بِالزَّكاةِ والنُّذُورِ وسائِرِ القُرَبِ وإنْ كانَتْ واجِبَةً لا تَجُوزُ إلّا مِنَ الثُّلُثِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ نَجْدَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَيّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» ورَوى عَمْرُو بْنُ خارِجَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ تُجِيزَها الوَرَثَةُ» .
ونَقَلَ أهْلُ السِّيَرِ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ وفِيها: «أنْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» فَوَرَدَ نَقْلُ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا كاسْتِفاضَةِ وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِالوَصِيَّةِ عَلى الثُّلُثِ دُونَ ما زادَ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما مِن طَرِيقِ نَقْلِ الِاسْتِفاضَةِ (p-٣٣)واسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ لَهُ وتَلَقِّيهِمْ إيّاهُ بِالقَبُولِ. وهَذا عِنْدَنا في حَيِّزِ المُتَواتِرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ والنّافِي لِلرَّيْبِ والشَّكِّ.
وقَوْلُهُ في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ: «إلّا أنْ تُجِيزَها الوَرَثَةُ» يَدُلُّ عَلى أنَّها إذا أجازَتْها فَهي جائِزَةٌ، وتَكُونُ وصِيَّةً مِن قِبَلِ المُوصِي لا تَكُونُ هِبَةً مِن قِبَلِ الوارِثِ؛ لِأنَّ الهِبَةَ مِن قِبَلِ الوارِثِ لَيْسَتْ بِإجازَةٍ مِن قِبَلِ المَوْرُوثِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ راشِدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ تَشاءَ الوَرَثَةُ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَأجازَهُ الوَرَثَةُ في حَياتِهِ أوْ أوْصى لِبَعْضِ ورَثَتِهِ فَأجازَهُ الباقُونَ في حَياتِهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ. والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ والشّافِعِيُّ: " لا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتّى يُجِيزُوها بَعْدَ المَوْتِ " . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعُثْمانُ البَتِّيُّ: " لَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا فِيهِ بَعْدَ المَوْتِ وهي جائِزَةٌ عَلَيْهِمْ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: إذا اسْتَأْذَنَهم فَكُلُّ وارِثٍ بائِنٌ عَنِ المَيِّتِ مِثْلُ الوَلَدِ الَّذِي قَدْ بانَ عَنْ أبِيهِ والأخِ وابْنِ العَمِّ الَّذِينَ لَيْسُوا في عِيالِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا، فَأمّا امْرَأتُهُ وبَناتُهُ اللّاتِي لَمْ يَبِنَّ وكُلُّ مَن في عِيالِهِ وإنْ كانَ قَدِ احْتَلَمَ فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا، وكَذَلِكَ العَمُّ وابْنُ العَمِّ ومَن خافَ مِنهم أنَّهُ إنْ لَمْ يَجُزْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ مِنهُ في قَطْعِ النَّفَقَةِ إنْ صَحَّ، فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا " . وقَوْلُ اللَّيْثِ في هَذا كَقَوْلِ مالِكٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وإنْ أجازُوها بَعْدَ المَوْتِ جازَتْ عِنْدَ جَمِيعِ الفُقَهاءِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم فَسْخُها في الحَياةِ كَذَلِكَ لا تَعْمَلُ إجازَتُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْتَحِقُّوا بَعْدُ شَيْئًا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ الضِّرارِ في الوَصِيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: الضِّرارُ في الوَصِيَّةِ عَلى وُجُوهٍ:
مِنها أنْ يُقِرَّ في وصِيَّتِهِ بِمالٍ أوْ بِبَعْضِهِ لِأجْنَبِيٍّ أوْ يُقِرَّ عَلى نَفْسِهِ بِدَيْنٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ زَبًّا لِلْمِيراثِ عَنْ وارِثِهِ ومُسْتَحِقِّهِ.
ومِنها أنْ يُقِرَّ بِاسْتِيفاءِ دَيْنٍ لَهُ عَلى غَيْرِهِ في مَرَضِهِ لِئَلّا يَصِلَ إلى وارِثِهِ ومِنها أنْ يَبِيعَ مالَهُ مِن غَيْرِهِ في مَرَضِهِ ويُقِرَّ بِاسْتِيفاءِ ثَمَنِهِ.
ومِنها أنْ يَهَبَ مالَهُ في مَرَضِهِ أوْ يَتَصَدَّقُ بِأكْثَرَ مِن ثُلُثِهِ في مَرَضِهِ إضْرارًا مِنهُ بِوَرَثَتِهِ.
ومِنها أنْ يَتَعَدّى فَيُوصِيَ بِأكْثَرَ مِمّا تَجُوزُ لَهُ الوَصِيَّةُ بِهِ وهو الزِّيادَةُ عَلى الثُّلُثِ.
فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مِنَ المُضارَّةِ في الوَصِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ في فَحْوى قَوْلِهِ لِسَعْدٍ: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ المِصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسّانَ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ داوُدَ يَعْنِي ابْنَ أبِي هِنْدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " الإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ " ثُمَّ قَرَأ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: " في الوَصِيَّةِ " ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قالَ: " في الوَصِيَّةِ " .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا ومُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ قالا: حَدَّثَنا حُمَيَدُ بْنُ زادَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ المُغِيرَةِ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا طاهِرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحاقَ القاضِي قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَعِينٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أشْعَثَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذا أوْصى (p-٣٦)حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِغَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِصْداقُهُ في كِتابِ اللَّهِ فِيما تَأوَّلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: " في الوَصِيَّةِ " ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قالَ: " في الوَصِيَّةِ " .