Lafzullah

أحكام القرآن — النساء 4:13 – النساء 4:32

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. النساء 4:13
  2. النساء 4:15
  3. النساء 4:16
  4. النساء 4:19
  5. النساء 4:20
  6. النساء 4:21
  7. النساء 4:22
  8. النساء 4:23
  9. النساء 4:24
  10. النساء 4:25
  11. النساء 4:26
  12. النساء 4:27
  13. النساء 4:28
  14. النساء 4:29
  15. النساء 4:30
  16. النساء 4:32

النساء 4:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الدَّيْنُ مُؤَخَّرٌ في اللَّفْظِ وهو مُبْتَدَأٌ بِهِ في المَعْنى عَلى الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ " أوْ " لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وإنَّما هي لِأحَدِ شَيْئَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن بَعْدِ أحَدِ هَذَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: " ذَكَرَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ وهي بَعْدَهُ " يَعْنِي أنَّها مُقَدَّمَةٌ في اللَّفْظِ مُؤَخَّرَةٌ في المَعْنى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُنَّ إذا كُنَّ أرْبَعًا يَشْتَرِكْنَ في الثُّمُنِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مِيراثِ الأبَوَيْنِ مَعَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، فَقالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُثْمانُ وزَيْدٌ: " لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ، ولِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ وما بَقِيَ فَلِلْأبِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ مِيراثُهُما ولِلْأُمِّ الثُّلُثُ كامِلًا وما بَقِيَ فَلِلْأبِ " وقالَ: " لا أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ثُلُثَ ما بَقِيَ " وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ورُوِيَ أنَّهُ تابَعَهُ في المَرْأةِ والأبَوَيْنِ وخالَفَهُ في الزَّوْجِ والأبَوَيْنِ، لَتَفْضِيلِهِ الأُمَّ عَلى الأبِ. والصَّحابَةُ ومَن بَعْدَهم مِنَ التّابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، إلّا ما حَكَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ سِيرِينَ وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فَجَعَلَ المِيراثَ بَيْنَهُما أثْلاثًا كَما جَعَلَهُ أثْلاثًا بَيْنَ الِابْنِ والبِنْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وجَعَلَهُ بَيْنَ الأخِ والأُخْتِ أثْلاثًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ثُمَّ لَمّا سَمّى لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ ما سَمّى لَهُما وأخَذا نَصِيبَهُما كانَ الباقِي بَيْنَ الِابْنِ والبِنْتَيْنِ عَلى ما كانَ قَبْلَ دُخُولِهِما، وكَذَلِكَ بَيْنَ الأخِ والأُخْتِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أخْذُ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ نَصِيبَهُما مُوجِبًا لِلْباقِي بَيْنَ الأبَوَيْنِ عَلى ما اسْتَحَقّاهُ أثْلاثًا قَبْلَ دُخُولِهِما؛ وأيْضًا هُما كَشَرِيكَيْنِ بَيْنَهُما مالٌ إذا اسْتُحِقَّ مِنهُ شَيْءٌ كانَ الباقِي بَيْنَهُما عَلى ما اسْتَحَقّاهُ بَدِيًّا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ * * بابُ الكَلالَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: المَيِّتُ نَفْسُهُ يُسَمّى كَلالَةً وبَعْضُ مَن يَرِثُهُ يُسَمّى كَلالَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلالَةَ هَهُنا اسْمُ المَيِّتِ والكَلالَةُ حالُهُ وصِفَتُهُ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ ورَوى السَّمِيطُ بْنُ عُمَيْرٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " أتى عَلَيَّ زَمانٌ وما أدْرِي ما الكَلالَةُ، وإنَّما الكَلالَةُ ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ " ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " الكَلالَةُ ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ " فَلَمّا طُعِنَ عُمَرُ رَضِيَ (p-١٧)اللَّهُ عَنْهُ قالَ: " رَأيْتُ أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، وإنِّي لَأسْتَحْيِي اللَّهَ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ؛ هو ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ " . ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كُنْتُ آخِرَ النّاسِ عَهْدًا بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: القَوْلُ ما قُلْتَ، قُلْتُ: وما قُلْتَ ؟ قالَ: الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ " . ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: " مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ " قالَ: قُلْتُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَغَضِبَ وانْتَهَرَنِي. فَظاهِرُ الآيَةِ وقَوْلُ مَن ذَكَرْناهم مِنَ الصَّحابَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَيِّتَ نَفْسَهُ يُسَمّى كَلالَةً؛ لِأنَّهم قالُوا: " الكَلالَةُ مَن لا والِدَ لَهُ ولا ولَدَ " وقالَ بَعْضُهم: " الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ " وهَذِهِ صِفَةُ المَوْرُوثِ المَيِّتِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّ الكَلالَةَ هو الوارِثُ الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، إذْ كانَ وُجُودُ الوَلَدِ والوالِدِ لِلْوارِثِ لا يُغَيِّرُ حُكْمَ مِيراثِهِ مِن مَوْرُوثِهِ وإنَّما يَتَغَيَّرُ حُكْمُ المِيراثِ بِوُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْمَيِّتِ المُوَرِّثِ واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَ الكَلالَةِ قَدْ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الوارِثِينَ، ما رَواهُ شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " أتانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي وأنا مَرِيضٌ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ المِيراثُ فَإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ "؛ وهَذا الحَرْفُ تَفَرَّدَ بِهِ شُعْبَةُ في رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ؛ فَأخْبَرَ جابِرَ أنَّ الكَلالَةَ ورَثَتُهُ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ورَوى ابْنُ عَوْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي سَعْدٍ: " أنَّ سَعْدًا مَرِضَ بِمَكَّةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وارِثٌ إلّا كَلالَةٌ "؛ فَأخْبَرَ في هَذا الخَبَرِ أيْضًا أنَّ الكَلالَةَ هُمُ الوَرَثَةُ وحَدِيثُ سَعْدٍ مُتَقَدِّمٌ لِحَدِيثِ جابِرٍ؛ لِأنَّ مَرَضَهُ كانَ بِمَكَّةَ ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الآيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وقالَ قَوْمٌ: كانَ في عامِ الفَتْحِ؛ ويُقالُ إنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ كانَ في عامِ الفَتْحِ، وحَدِيثُ جابِرٍ كانَ بِالمَدِينَةِ في آخِرِ أيّامِ النَّبِيِّ ﷺ ورَوى شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: " آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَةٌ " . قالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ: وقَدْ بَلَغَنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «قالَ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الكَلالَةِ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ» وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] لِأنَّها نَزَلَتْ في الصَّيْفِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ إلى مَكَّةَ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الحَجِّ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وهي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى مَكَّةَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (p-١٨)هَذِهِ الآيَةُ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَها حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِها؛ هَكَذا سَمِعْنا. قالَ يَحْيى: وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكَلالَةِ، فَقالَ: مَن ماتَ ولَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ فَوَرَثَتُهُ كَلالَةٌ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يَذْكُرْ تارِيخَ الأخْبارِ والآيِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَتَغَيَّرُ فِيما ذَكَرْنا بِالتّارِيخِ، ولَكِنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الآيِ والأخْبارِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِها، وإنَّما أرَدْنا بِذَلِكَ أنْ نُبَيِّنَ أنَّ اسْمَ الكَلالَةِ يَتَناوَلُ المَيِّتَ تارَةً وبَعْضَ الوَرَثَةِ تارَةً أُخْرى. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في الكَلالَةِ، فَرَوى جَرِيرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ الشَّيْبانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ «عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يُوَرَّثُ الكَلالَةُ ؟ قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ؟ ثُمَّ قَرَأ:﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرِها؛ قالَ: فَكَأنَّ عُمَرَ لَمْ يَفْهَمْ، فَقالَ لِحَفْصَةَ: إذا رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طِيبَ نَفْسٍ فَسَلِيهِ عَنْها فَرَأتْ مِنهُ طِيبَ نَفْسٍ فَسَألَتْهُ عَنْها، فَقالَ: أبُوكَ كَتَبَ لَكِ هَذا ؟ ما أرى أباكَ يَعْلَمُها أبَدًا»؛ قالَ: فَكانَ عُمَرُ يَقُولُ: ما أرانِي أعْلَمُها أبَدًا وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ. ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: " ثَلاثٌ لَأنْ يَكُونَ بَيَّنَهُنَّ لَنا أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها: الكَلالَةُ والخِلافَةُ والرِّبا " ورَوى قَتادَةُ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ مَعْدانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: ما سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ مِمّا سَألْتُهُ عَنِ الكَلالَةِ، حَتّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ في صَدْرِي ثُمَّ قالَ: «يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ» . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: " اعْلَمُوا أنِّي لَمْ أقُلْ في الكَلالَةِ شَيْئًا " . فَهَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ فِيها بِشَيْءٍ وأنَّ مَعْناها والمُرادَ بِها كانَ مُلْتَبِسًا عَلَيْهِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ عُمَرُ كَتَبَ كِتابًا في الكَلالَةِ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ مَحاهُ وقالَ: " تَرَوْنَ فِيهِ رَأْيَكم "؛ فَهَذِهِ إحْدى الرِّواياتِ عَنْ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ " ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: " أنَّ الكَلالَةَ ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ " ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " الكَلالَةُ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ " وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مِثْلُهُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى: " أنَّ الكَلالَةَ ما خَلا الوَلَدَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَتِ الصَّحابَةُ عَلى أنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مِنَ الكَلالَةِ، واخْتَلَفُوا في الوالِدِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: " الوالِدُ خارِجٌ مِنَ الكَلالَةِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في (p-١٩)إحْدى الرِّوايَتَيْنِ مِثْلَهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّ الكَلالَةَ ما عَدا الوَلَدَ. فَلَمّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِما عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ وسَألَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَعْناها فَوَكَلَهُ إلى حُكْمِ الآيَةِ وما في مَضْمُونِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وقَدْ كانَ عُمَرُ رَجُلًا مِن أهْلِ اللِّسانِ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ اللُّغَةُ؛ ثَبَتَ أنَّ مَعْنى اسْمِ الكَلالَةِ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ اللُّغَةِ وأنَّهُ مِن مُتَشابِهِ الآيِ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَعْناهُ بِالمُحْكَمِ ورَدِّهِ إلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ عَنْ سُؤالِهِ في مَعْنى الكَلالَةِ ووَكَلَهُ إلى اسْتِنْباطِهِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي. أحَدُها: أنَّ بِمَسْألَتِهِ إيّاهُ لَمْ يُلْزِمْهُ تَوْقِيفَهُ عَلى مَعْناها مِن طَرِيقِ النَّصِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ تَوْقِيفُهُ عَلى مَعْناها لَما أخْلاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن بَيانِها وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أمْرُ الكَلالَةِ في الحالِ الَّتِي سَألَ عَنْها حادِثَةً تُلْزِمُهُ تَنْفِيذَ حُكْمِها في الحالِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أخْلاهُ مِن بَيانِها، وإنَّما سَألَهُ سُؤالَ مُسْتَفْهِمٍ مُسْتَرْشِدٍ لِمَعْنى الآيَةِ مِن طَرِيقِ النَّصِّ، ولَمْ يَكُنْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفُ النّاسِ عَلى جَلِيلِ الأحْكامِ ودَقِيقِها؛ لِأنَّ مِنها ما هو مَذْكُورٌ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ ومِنها ما هو مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِدَلالَةٍ مُفْضِيَةٍ إلى العِلْمِ بِهِ لا احْتِمالَ فِيهِ ومِنها ما هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الرَّأْيِ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ إلى اجْتِهادِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَآهُ مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ، وأنَّهُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى تَسْوِيغِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ في الأحْكامِ وأنَّهُ أصْلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ في أحْكامِ الحَوادِثِ والِاسْتِدْلالِ عَلى مَعانِي الآيِ المُتَشابِهَةِ وبِنائِها عَلى المُحْكَمِ؛ واتِّفاقُ الصَّحابَةِ أيْضًا عَلى تَسْوِيَةِ الِاجْتِهادِ في اسْتِخْراجِ مَعانِي الكَلالَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ بَعْضَهم قالَ: " هو مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ " وقالَ بَعْضُهم: " مَن لا ولَدَ لَهُ " وأجابَ عُمَرُ بِأجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ووَقَفَ فِيها في بَعْضِ الأحْوالِ ولَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ الكَلامَ فِيها بِما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ ؟ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اتِّفاقِهِمْ عَلى تَسْوِيغِ الِاجْتِهادِ في الأحْكامِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ما رَوى أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ في القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأصابَ فَقَدْ أخْطَأ؛» إنَّما هو فِيمَن قالَ فِيهِ بِما سَنَحَ في وهْمِهِ وخَطَرَ عَلى بالِهِ مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِ بِالأُصُولِ، وأنَّ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى حُكْمِهِ واسْتَنْبَطَ مَعْناهُ فَحَمَلَهُ عَلى المُحْكَمِ المُتَّفَقِ عَلى مَعْناهُ فَهو مَمْدُوحٌ مَأْجُورٌ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقَدْ تَكَلَّمَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْنى الكَلالَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: " الكَلالَةُ كُلُّ مَن لَمْ يَرِثْهُ أبٌ ولا ابْنٌ فَهو (p-٢٠)عِنْدَ العَرَبِ كَلالَةٌ، مَصْدَرٌ مِن تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ أيْ تَعَطَّفَ النَّسَبُ عَلَيْهِ " قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مَن قَرَأها يُورِثُ بِالكَسْرِ أرادَ مَن لَيْسَ بِوَلَدٍ ولا والِدٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ واَلَّذِي قَرَأهُ بِالكَسْرِ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ قِيلَ إنَّ الكَلالَةَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو الإحاطَةُ، فَمِنهُ الإكْلِيلُ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ، ومِنهُ الكُلُّ لِإحاطَتِهِ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِ؛ فالكَلالَةُ في النَّسَبِ مِن أحاطَ بِالوَلَدِ والوالِدِ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ وتَكَلَّلَهُما وتَعَطَّفَ عَلَيْهِما، والوَلَدُ والوالِدُ لَيْسا بِكَلالَةٍ؛ لِأنَّ أصْلَ النَّسَبِ وعَمُودَهُ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي هو الوَلَدُ والوالِدُ، ومَن سِواهُما فَهو خارِجٌ عَنْهُما وإنَّما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِما بِالِانْتِسابِ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الوِلادَةِ مِمَّنْ نُسِبَ إلَيْهِ كالإكْلِيلِ المُشْتَمِلِ عَلى الرَّأْسِ وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ مَن تَأوَّلَها عَلى مَن عَدا الوالِدَ والوَلَدَ وأنَّ الوَلَدَ إذا لَمْ يَكُنْ مِنَ الكَلالَةِ كَذَلِكَ الوالِدُ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى المَيِّتِ مِن طَرِيقِ الوِلادَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الإخْوَةُ والأخَواتُ؛ لِأنَّ نَسَبَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَرْجِعُ إلى المَيِّتِ مِن طَرِيقِ وِلادٍ بَيْنَهُما ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى مَن عَدا الوَلَدَ وأخْرَجَ الوَلَدَ وحْدَهُ مِنَ الكَلالَةِ، أنَّ الوَلَدَ مِنَ الوالِدِ وكَأنَّهُ بَعْضُهُ ولَيْسَ الوالِدُ مِنَ الوَلَدِ كَما لَيْسَ الأخُ والأُخْتُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالأُخُوَّةِ، فاعْتَبَرَ مَن قالَ ذَلِكَ الكَلالَةَ بِمَن لا يُنْسَبُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مِنهُ وبَعْضُهُ، فَأمّا مَن كانَتْ نِسْبَتُهُ إلى المَيِّتِ مِن حَيْثُ هو مِنهُ فَلَيْسَ بِكَلالَةٍ. وقَدْ كانَ اسْمُ الكَلالَةِ مَشْهُورًا في الجاهِلِيَّةِ، قالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎فَإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ فارِسِ عامِرٍ وفي السِّرِّ مِنها والصَّرِيحِ المُهَذَّبِ ؎فَما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ كَلالَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى الجَدَّ الَّذِي انْتَسَبُوا إلَيْهِ كَلالَةً، وأخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ سِيادَتَهُ لَيْسَتْ مِن طَرِيقِ النَّسَبِ والكَلالَةِ لَكِنَّهُ بِنَفْسِهِ سادَ ورَأسَ. وقالَ بَعْضُهم: كَلَّتِ الرَّحِمُ بَيْنَ فُلانٍ وفُلانٍ إذا تَباعَدَتْ، وحَمَلَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ ثُمَّ كَلَّ عَنْهُ إذا تَباعَدَ، والكِلالُ هو الإعْياءُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَبْعُدُ عَلَيْهِ تَناوُلُ ما يُرِيدُهُ؛ وأنْشَدَ الفَرَزْدَقُ: ؎ورِثْتُمْ قَناةَ المُلْكِ غَيْرَ كَلالَةٍ ∗∗∗ عَنِ ابْنَيْ مَنافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وهاشِمِ يَعْنِي: ورِثْتُمُوها بِالآباءِ لا بِالأُخُوَّةِ والعُمُومَةِ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الكَلالَةَ في مَوْضِعَيْنِ مِن كِتابِهِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَذَكَرَ مِيراثَ الإخْوَةِ والأخَواتِ (p-٢١)عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ وسَمّاهم كَلالَةً؛ وعَدَمُ الوالِدِ مَشْرُوطٌ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ:﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْإخْوَةِ مِيراثًا مَعَ الأبِ، فَخَرَجَ الوالِدُ مِنَ الكَلالَةِ كَما خَرَجَ الوَلَدُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوَرِّثْهم مَعَ الأبِ كَما لَمْ يُوَرِّثْهم مَعَ الِابْنِ، والبِنْتُ أيْضًا لَيْسَتْ بِكَلالَةٍ فَإنْ تَرَكَ ابْنَةً أوِ ابْنَتَيْنِ وإخْوَةً وأخَواتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فالبَناتُ لَسْنَ بِكَلالَةٍ، ومَن ورِثَ مَعَهُما كَلالَةً. وقالَ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ فَهَذِهِ الكَلالَةُ هي الأخُ والأُخْتُ لِأُمٍّ لا يَرِثانِ مَعَ والِدٍ ولا ولَدٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى. وقَدْ رُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: " وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ لِأُمٍّ " فَلا خِلافَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ بِالأخِ والأُخْتِ هَهُنا إذا كانا لِأُمٍّ دُونَهُما إذا كانَ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ الكَلالَةَ ما عَدا الوَلَدَ، ووَرِثَ الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ مَعَ الأبَوَيْنِ السُّدُسَ، وهو السُّدُسُ الَّذِي حُجِبَتِ الأُمُّ عَنْهُ "، وهو قَوْلٌ شاذٌّ، وقَدْ بَيَّنّا ما رُوِيَ عَنْهُ أنَّها ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ؛ ولا خِلافَ أنَّ الإخْوَةَ والأخَواتِ مِنَ الأُمِّ يَشْتَرِكُونَ في الثُّلُثِ ولا يُفَضَّلُ مِنهم ذَكَرٌ عَلى أُنْثى. وقَدِ اخْتَلَفُوا في الجَدِّ هَلْ يُوَرَّثُ كَلالَةً، فَقالَ قائِلُونَ: " لَمْ يُوَرَّثْ كَلالَةً " . وقالَ آخَرُونَ: " بَلْ هو كَلالَةٌ " وهو قَوْلُ مَن يُوَرِّثُ الإخْوَةَ والأخَواتِ مَعَ الجَدِّ، والأوْلى أنْ يَكُونَ خارِجًا مِنَ الكَلالَةِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ ابْنَ الِابْنِ خارِجٌ عَنِ الكَلالَةِ؛ لِأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى المَيِّتِ بِالوِلادِ، فَواجِبٌ عَلى هَذا خُرُوجُ الجَدِّ مِنها؛ إذْ كانَتِ النِّسْبَةُ بَيْنَهُما مِن طَرِيقِ الوِلادِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى: أنَّ الجَدَّ هو أصْلُ النَّسَبِ كالأبِ ولَيْسَ بِخارِجٍ عَنْهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنِ الكَلالَةِ؛ إذْ كانَتِ الكَلالَةُ ما تُكَلَّلُ عَلى النَّسَبِ وتُعْطَفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ أصْلُ النَّسَبِ مُتَعَلِّقًا بِهِ. والثّالِثُ: أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الجَدُّ وأنَّهُ خارِجٌ عَنْهُ لا يَرِثُ مَعَهُ الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ كَما لا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ والبِنْتِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَدَّ بِمَنزِلَةِ الأبِ في خُرُوجِهِ عَنِ الكَلالَةِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ بِمَنزِلَةِ الأبِ في نَفْيِ مُشارَكَةِ الإخْوَةِ والأخَواتِ إيّاهُ في المِيراثِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتَهُ مِن قِبَلُ (p-٢٢)أنَّ البِنْتَ خارِجَةٌ عَنِ الكَلالَةِ ولا يَرِثُ مَعَها الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ ويَرِثُ مَعَها الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ، فَكَذَلِكَ الجَدُّ. قِيلَ لَهُ: لِمَ نَجْعَلُ ما ذَكَرْناهُ عِلَّةً لِلْمَسْألَةِ فَيَلْزَمُنا ما وصَفْتَ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَناوَلْهُ اسْمُ الكَلالَةِ كالأبِ والِابْنِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مِيراثُ الإخْوَةِ والأخَواتِ عِنْدَ عَدَمِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى تَوْرِيثِهِمْ مَعَهُ، والبِنْتُ وإنْ كانَتْ خارِجَةً عَنِ الكَلالَةِ فَقَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى تَوْرِيثِ الإخْوَةِ والأخَواتِ مِنَ الأبِ مَعَها، فَخَصَصْناها مِنَ الظّاهِرِ وبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ فِيما سِواها مِمَّنْ يَشْتَمِلُهُ اسْمُ الكَلالَةِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ * * بابُ المُشْرَكَةِ اخْتَلَفَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَسْألَةِ المُشْرَكَةِ وهي أنْ تُخَلِّفَ المُوَرِّثَةُ زَوْجَها وأُمَّها وإخْوَتَها لِأُمِّها وإخْوَتَها لِأبِيها وأُمِّها، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: " لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأخَوَيْنِ مِنَ الأُمِّ الثُّلُثُ، وسَقَطَ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ " . ورَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنِ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فَقالَ: " أرَأيْتُمْ لَوْ كانُوا مِائَةً أكُنْتُمْ تَزِيدُونَهم عَلى الثُّلُثِ ؟ " قالُوا: لا، قالَ: " فَأنا لا أنْقُصُهم مِنهُ شَيْئًا "؛ وجَعَلَ الإخْوَةَ والأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ عَصَبَةً في هَذِهِ الفَرِيضَةِ وقَدْ حالَتِ السِّهامُ دُونَهم. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: " لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأخَوَيْنِ مِنَ الأُمِّ الثُّلُثُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ عَلى الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فَيُشارِكُونَهم فَيَكُونُ الثُّلُثُ الَّذِي أخَذُوهُ بَيْنَهم سَواءً " ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ سِماكِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ قالَ: " شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أشْرَكَ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ والأُمِّ مَعَ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ في الثُّلُثِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: قَضَيْتَ عامَ الأوَّلِ بِخِلافِ هَذا قالَ: كَيْفَ قَضَيْتُ ؟ قالَ: جَعَلْتَهُ لِلْإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ ولَمْ تُعْطِ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ والأُمِّ شَيْئًا، قالَ: تِلْكَ عَلى ما قَضَيْنا وهَذِهِ عَلى ما قَضَيْنا " . ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ لا يُشْرِكُ بَيْنَهم حَتّى احْتَجَّ الإخْوَةُ مِنَ الأبِ والأُمِّ فَقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَنا أبٌ ولَيْسَ لَهم أبٌ ولَنا أُمٌّ كَما لَهم، فَإنْ كُنْتُمْ حَرَمْتُمُونا بِأبِينا فَوَرِّثُونا بِأُمِّنا كَما ورَّثْتُمْ هَؤُلاءِ بِأُمِّهِمْ واحْسَبُوا أنَّ أبانا كانَ حِمارًا، ألَيْسَ قَدْ تَراكَضْنا في رَحِمٍ واحِدَةٍ ؟ فَقالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: صَدَقْتُمْ فَأشْرَكَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ في الثُّلُثِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ إلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن تابَعَهُ في تَرْكِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهم؛ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ (p-٢٥)فَنَصَّ عَلى فَرْضِ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ وهو الثُّلُثُ، وبَيَّنَ أيْضًا حُكْمَ الإخْوَةِ مِنَ الأبِ والأُمِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهم فَرْضًا مُسَمًّى وإنَّما جَعَلَ لَهُمُ المالَ عَلى وجْهِ التَّعْصِيبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ ولا خِلافَ أنَّها لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُمًّا وأخًا لِأُمٍّ وإخْوَةً وأخَواتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ وما بَقِيَ وهو السُّدُسُ بَيْنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ولَمْ يَدْخُلُوا مَعَ الأخِ مِنَ الأُمِّ في نَصِيبِهِ، فَلَمّا كانُوا مَعَ ذَوِي السِّهامِ إنَّما يَسْتَحِقُّونَ باقِيَ المالِ بِالتَّعْصِيبِ لا بِالفَرْضِ لَمْ يَجُزْ لَنا إدْخالَهم مَعَ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ في فَرْضِهِمْ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَنْفِي ذَلِكَ؛ إذْ كانَتِ الآيَةُ إنَّما أوْجَبَتْ لَهم ما يَأْخُذُونَهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ بِالتَّعْصِيبِ لا بِالفَرْضِ، فَمَن أعْطاهم بِالفَرْضِ فَهو خارِجٌ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما أبْقَتِ الفَرائِضُ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» فَجَعَلَ لِلْعَصَبَةِ بَقِيَّةَ المالِ بَعْدَ أخْذِ ذَوِي السِّهامِ سِهامَهم، فَمَن أشْرَكَهم مَعَ ذَوِي السِّهامِ وهم عَصَبَةٌ فَقَدْ خالَفَ الأثَرَ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا اشْتَرَكُوا في نَسَبِ الأُمِّ وجَبَ أنْ لا يُحْرَمُوا بِالأبِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّها لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُمًّا وأخًا لِأُمٍّ وإخْوَةً وأخَواتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أخَذَ الأخُ مِنَ الأُمِّ السُّدُسَ كامِلًا وأخَذَ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ السُّدُسَ الباقِيَ بَيْنَهم، وعَسى يُصِيبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أقَلَّ مِنَ العُشْرِ، ولَمْ يَكُنْ لِواحِدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ قَدْ حَرَمْتُمُونِي بِالأبِ مَعَ اشْتِراكِنا في الأُمِّ، بَلْ كانَ نَصِيبُ الأخِ مِنَ الأُمِّ أوْفَرَ مِن نَصِيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: انْتِقاضُ العِلَّةِ بِالِاشْتِراكِ في الأُمِّ. والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَأْخُذُوا بِالفَرْضِ وإنَّما أخَذُوا بِالتَّعْصِيبِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ ذَلِكَ أيْضًا أنَّها لَوْ تَرَكَتْ زَوْجًا وأُخْتًا لِأبٍ وأُمٍّ وأُخْتًا وأخًا لِأبٍ أنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ولِلْأُخْتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ النِّصْفَ ولا شَيْءَ لِلْأخِ والأُخْتِ مِنَ الأبِ؛ لِأنَّهُما عَصَبَةٌ، فَلا يُدْخَلُ مَعَ ذَوِي السِّهامِ. ولَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ مِنَ الأبِ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَكُنْ حَتّى تَسْتَحِقَّ الأُخْتُ مِنَ الأبِ سَهْمَها الَّذِي كانَتْ تَأْخُذُهُ في حالِ الِانْفِرادِ عَنِ الأخِ، وإنَّما التَّعْصِيبُ أخْرَجَها عَنِ السُّدُسِ الَّذِي كانَتْ تَسْتَحِقُّهُ، كَذَلِكَ التَّعْصِيبُ يُخْرِجُ الإخْوَةَ مِنَ الأبِ والأُمِّ عَنِ الثُّلُثِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الإخْوَةُ مِنَ الأُمِّ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. (p-٢٦) * * بابُ الرَّجُلُ يَمُوتُ وعَلَيْهِ دَيْنٌ ويُوصِي بِوَصِيَّةٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «تَقْرَءُونَ الوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» . قالَ أبُو بَكْرٍ وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أنَّ المِيراثَ بَعْدَ هَذَيْنِ، ولَيْسَتْ " أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِأحَدِهِما بَلْ قَدْ تَناوَلْتُهُما جَمِيعًا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ مُسْتَثْنًى عَنِ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ في قِسْمَةِ المَوارِيثِ، ومَتى دَخَلَتْ " أوْ " عَلى النَّفْيِ صارَتْ في مَعْنى " الواوِ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] (p-٢٩)وقالَ تَعالى: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فَكانَتْ " أوْ " في هَذِهِ المَواضِعِ بِمَنزِلَةِ " الواوِ " فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ لَمّا كانَ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ تَكُونَ هُناكَ وصِيَّةٌ أوْ دَيْنٌ فَيَكُونُ المِيراثُ بَعْدَهُما جَمِيعًا. وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ في الذِّكْرِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلتَّبْدِئَةِ بِها عَلى الدَّيْنِ؛ لِأنَّ " أوْ " لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ المِيراثِ إعْلامًا لَنا أنَّ سِهامَ المَوارِيثِ جارِيَةٌ في التَّرِكَةِ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ وعَزْلِ حِصَّةِ الوَصِيَّةِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ كانَتْ سِهامُ الوَرَثَةِ مُعْتَبَرَةً بَعْدَ الثُّلُثِ فَيَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ أوِ الثُّمُنُ في الثُّلُثَيْنِ ؟ وكَذَلِكَ سِهامُ سائِرِ أهْلِ المِيراثِ جارِيَةٌ في الثُّلُثَيْنِ دُونَ الثُّلُثِ الَّذِي فِيهِ الوَصِيَّةُ. فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ذِكْرِ الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ لِيُعَلِّمَنا أنَّ سِهامَ المِيراثِ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الوَصِيَّةِ كَما هي مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الدَّيْنِ وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُخالِفَةً لِلدَّيْنِ مِن جِهَةِ الِاسْتِيفاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ لَدَخَلَ النُّقْصانُ عَلى أصْحابِ الوَصايا كَما يَدْخُلُ عَلى الوَرَثَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ؛ لِأنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ اسْتُوفِيَ الدَّيْنُ كُلُّهُ مِنَ الباقِي وإنِ اسْتَغْرَقَهُ وبَطَلَ حَقُّ المُوصى لَهُ والوَرَثَةِ جَمِيعًا، فالمُوصى لَهُ شَرِيكُ الوَرَثَةِ مِن وجْهٍ ويَأْخُذُ شَبَهًا مِنَ الغَرِيمِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ سِهامَ أهْلِ المَوارِيثِ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الوَصِيَّةِ كاعْتِبارِها بَعْدَ الدَّيْنِ. ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أنَّ المُوصى لَهُ يُعْطى وصِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ الوَرَثَةُ أنْصِباءَهم، بَلْ يُعْطَوْنَ كُلَّهم مَعًا كَأنَّهُ أحَدُ الوَرَثَةِ في هَذا الوَجْهِ، وما هَلَكَ مِنَ المالِ قَبْلَ القِسْمَةِ فَهو ذاهِبٌ مِنهم جَمِيعًا. * * بابُ مِقْدارُ الوَصِيَّةِ الجائِزَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الوَصِيَّةِ بِقَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ؛ لِأنَّها مَنكُورَةٌ لا تَخْتَصُّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؛ إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها الوَصِيَّةُ بِبَعْضِ المالِ لا بِجَمِيعِهِ، وهو: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ [النساء: ٧] فَأطْلَقَ إيجابَ المِيراثِ فِيهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَصِيَّةِ، فَلَوِ اقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها﴾ الوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ المالِ لَصارَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] مَنسُوخًا بِجَوازِ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ، فَلَمّا كانَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ (p-٣٠)ثابِتًا في إيجابِ المِيراثِ وجَبَ اسْتِعْمالُها مَعَ آيَةِ الوَصِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلى بَعْضِ المالِ والباقِي لِلْوَرَثَةِ حَتّى نَكُونَ مُسْتَعْمِلِينَ لِحُكْمِ الآيَتَيْنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] يَعْنِي في مَنعِ الرَّجُلِ الوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ مالِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ تَأْوِيلِهِ؛ فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ الوَصِيَّةِ بِبَعْضِ المالِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَيَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ تَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ والِاسْتِعْمالِ في الِاقْتِصارِ بِجَوازِ الوَصِيَّةِ عَلى الثُّلُثِ، مِنها ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي خَلَفٍ قالا: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «مَرِضَ أبِي مَرَضًا شَدِيدًا قالَ ابْنُ أبِي خَلَفٍ بِمَكَّةَ مَرَضًا أشْفى مِنهُ، فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مالًا كَثِيرًا ولَيْسَ يَرِثُنِي إلّا ابْنَةٌ لِي، أفَأتَصَدَّقُ بِالثُّلُثَيْنِ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَبِالشَّطْرِ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَبِالثُّلُثِ ؟ قالَ: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، وإنَّكَ إنْ تَتْرُكْ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ فَإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إلّا أُجِرْتَ عَلَيْها حَتّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُها إلى فِيِ امْرَأتِكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قالَ إنَّكَ إنْ تُخَلَّفْ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ لا تَزْدادُ بِهِ إلّا رِفْعَةً ودَرَجَةً، لَعَلَّكَ أنْ تُخَلَّفَ حَتّى يَنْتَفِعَ بِكَ أقْوامٌ ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ، لَكِنِ البائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ ماتَ بِمَكَّةَ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ ضُرُوبًا مِنَ الأحْكامِ والفَوائِدِ، مِنها: أنَّ الوَصِيَّةَ غَيْرُ جائِزَةٍ في أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ. والثّانِي: أنَّ المُسْتَحَبَّ النُّقْصانُ عَنِ الثُّلُثِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: أسْتَحِبُّ النُّقْصانَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: " والثُّلُثُ كَثِيرٌ " . والثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ قَلِيلَ المالِ ووَرَثَتُهُ فُقَراءُ أنَّ الأفْضَلَ أنْ لا يُوصِيَ بِشَيْءٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» وفي ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ الوَصِيَّةَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مَمْنُوعَةٌ لِأجْلِ الوَرَثَةِ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ في المَرَضِ وصِيَّةٌ غَيْرُ جائِزَةٍ إلّا مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأنَّ سَعْدًا قالَ: أتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِي ؟ فَقالَ: " لا " إلى أنْ رَدَّهُ إلى الثُّلُثِ؛ وقَدْ رَواهُ جَرِيرٌ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ سَعْدٍ قالَ: «عادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا مَرِيضٌ، فَقالَ: أوْصَيْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: بِكَمْ ؟ قُلْتُ: بِمالِي كُلِّهِ في (p-٣١)سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ: فَما تَرَكْتَ لَوَلَدِكَ ؟ قالَ: هم أغْنِياءُ، قالَ: أوْصِ بِالعُشْرِ فَما زِلْتُ أُناقِصُهُ ويُناقِصُنِي حَتّى قالَ: أوْصِ بِالثُّلُثِ والثُّلُثُ كَثِيرٌ» . قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَنَحْنُ نَسْتَحِبُّ أنْ نُنْقِصَ مِنَ الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ ﷺ: " والثُّلُثُ كَثِيرٌ " . فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ: " أوْصَيْتُ بِمالِي كُلِّهِ " وهَذا لا يَنْفِي ما رُوِيَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ مِنَ الصَّدَقَةِ في المَرَضِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ لِما مَنَعَهُ الوَصِيَّةَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ظَنَّ أنَّ الصَّدَقَةَ جائِزَةٌ في المَرَضِ فَسَألَهُ عَنْها، فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ حُكْمَ الصَّدَقَةِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِها عَلى الثُّلُثِ، وهو نَظِيرُ حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الرَّجُلِ الَّذِي أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وفِيهِ: «إنَّ الرَّجُلَ مَأْجُورٌ في النَّفَقَةِ عَلى أهْلِهِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن وهَبَ لِامْرَأتِهِ هِبَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيها؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَوْجَبَ بِها الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وهو نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا أعْطى الرَّجُلُ امْرَأتَهُ عَطِيَّةً فَهي لَهُ صَدَقَةٌ» . وقَوْلُ سَعْدٍ: " أتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي " عَنى بِهِ أنَّهُ يَمُوتُ بِمَكَّةَ وهي دارُهُ الَّتِي هاجَرَ مِنها إلى المَدِينَةِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ نَهى المُهاجِرِينَ أنْ يُقِيمُوا بَعْدَ النَّفْرِ أكْثَرَ مِن ثَلاثٍ، فَأخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ يَتَخَلَّفُ بَعْدَهُ حَتّى يَنْفَعَ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا ويَضُرَّ بِهِ آخَرِينَ؛ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ بَقِيَ بَعْدَهُ ﷺ وفَتَحَ اللَّهُ عَلى يَدِهِ بِلادَ العَجَمِ وأزالَ بِهِ مُلْكَ الأكاسِرَةِ؛ وذَلِكَ مِن عُلُومِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى. حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حاتِمٍ العِجْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الأعْلى بْنُ واصِلٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ قالَ: حَدَّثَنا مُبارَكُ بْنُ حَسّانَ قالَ: حَدَّثَنا نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ حاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ قالَ: «يا ابْنَ آدَمَ اثْنَتانِ لَيْسَتْ لَكَ واحِدَةٌ مِنهُما: جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا في مالِكَ حِينَ أخَذْتُ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَكَ وأُزَكِّيَكَ، وصَلاةُ عِبادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِكَ» . فَفي هَذا الحَدِيثِ أيْضًا أنَّ لَهُ بَعْضَ المالِ عِنْدَ المَوْتِ لا جَمِيعَهُ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ صالِحِ بْنِ النَّطّاحِ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ قالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَمْرٍو قالَ: حَدَّثَنا عَطاءٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ أعْطاكم ثُلُثَ أمْوالِكم في آخِرِ أعْمارِكم زِيادَةً في أعْمالِكم» . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذِهِ الأخْبارُ المُوجِبَةُ لِلِاقْتِصارِ بِالوَصِيَّةِ عَلى الثُّلُثِ عِنْدَنا في حَيِّزِ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ لِتَلَقِّي النّاسِ إيّاها بِالقَبُولِ، وهي مُبَيِّنَةٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى في الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ في الكِتابِ أنَّها مَقْصُورَةٌ عَلى الثُّلُثِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ (p-٣٢)مَن لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ ولَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ أنَّ جَمِيعَ مِيراثِهِ لَوَرَثَتِهِ، وأنَّهُ إنْ كانَ عَلَيْهِ حَجٌّ أوْ زَكاةٌ لَمْ يَجِبْ إخْراجُهُ إلّا أنْ يُوصِيَ بِهِ، وكَذَلِكَ الكَفّاراتُ والنُّذُورُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحَجَّ دَيْنٌ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُلْزِمُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُرَبِ في المالِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْخَثْعَمِيَّةِ حِينَ سَألَتْهُ عَنِ الحَجِّ عَنْ أبِيها: «أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أكانَ يُجْزِئُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ» . قِيلَ لَهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما سَمّاهُ دَيْنَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُسَمِّهِ بِهَذا الِاسْمِ إلّا مُقَيَّدًا فَلا يَتَناوَلُهُ الإطْلاقُ، وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ إنَّما اقْتَضى التَّبْدِئَةَ بِما يُسَمّى بِهِ دَيْنًا عَلى الإطْلاقِ، فَلا يَنْطَوِي تَحْتَهُ ما لا يُسَمّى بِهِ إلّا مُقَيَّدًا؛ لِأنَّ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ أسْماءً مُطْلَقَةً وأسْماءً مُقَيَّدَةً، فَلا يَتَناوَلُ المُطْلَقُ إلّا ما يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ عَلى الإطْلاقِ، فَإذا لَمْ تَتَناوَلِ الآيَةُ ما كانَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّيُونِ لِما وصَفْنا، اقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أنَّهُ إذا لَمْ يُوصِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِينٌ لِآدَمِيٍّ أنْ يَسْتَحِقَّ الوارِثُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ. وحَدِيثُ سَعْدٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قالَ: أتَصَدَّقُ بِمالِي ؟ وفي لَفْظٍ آخَرَ: أُوصِي بِمالِي ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ» ولَمْ يَسْتَثْنِ النَّبِيُّ ﷺ الحَجَّ ولا الزَّكاةَ ونَحْوَهُما مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، ومَنَعَ الصَّدَقَةَ والوَصِيَّةَ إلّا بِثُلُثِ المالِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا أوْصى بِهَذِهِ الحُقُوقِ كانَتْ مِنَ الثُّلُثِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لَكم ثُلُثَ أمْوالِكم في آخِرِ أعْمارِكم زِيادَةً في أعْمالِكم» وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ حاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى: «جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا في مالِكَ حِينَ أخَذْتُ بِكَظْمِكَ» يَدُلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلى أنَّ وصِيَّتَهُ بِالزَّكاةِ والنُّذُورِ وسائِرِ القُرَبِ وإنْ كانَتْ واجِبَةً لا تَجُوزُ إلّا مِنَ الثُّلُثِ، واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ نَجْدَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَيّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» ورَوى عَمْرُو بْنُ خارِجَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ تُجِيزَها الوَرَثَةُ» . ونَقَلَ أهْلُ السِّيَرِ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ وفِيها: «أنْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» فَوَرَدَ نَقْلُ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا كاسْتِفاضَةِ وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِالوَصِيَّةِ عَلى الثُّلُثِ دُونَ ما زادَ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما مِن طَرِيقِ نَقْلِ الِاسْتِفاضَةِ (p-٣٣)واسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ لَهُ وتَلَقِّيهِمْ إيّاهُ بِالقَبُولِ. وهَذا عِنْدَنا في حَيِّزِ المُتَواتِرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ والنّافِي لِلرَّيْبِ والشَّكِّ. وقَوْلُهُ في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ: «إلّا أنْ تُجِيزَها الوَرَثَةُ» يَدُلُّ عَلى أنَّها إذا أجازَتْها فَهي جائِزَةٌ، وتَكُونُ وصِيَّةً مِن قِبَلِ المُوصِي لا تَكُونُ هِبَةً مِن قِبَلِ الوارِثِ؛ لِأنَّ الهِبَةَ مِن قِبَلِ الوارِثِ لَيْسَتْ بِإجازَةٍ مِن قِبَلِ المَوْرُوثِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ راشِدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ تَشاءَ الوَرَثَةُ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَأجازَهُ الوَرَثَةُ في حَياتِهِ أوْ أوْصى لِبَعْضِ ورَثَتِهِ فَأجازَهُ الباقُونَ في حَياتِهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ. والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ والشّافِعِيُّ: " لا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتّى يُجِيزُوها بَعْدَ المَوْتِ " . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعُثْمانُ البَتِّيُّ: " لَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا فِيهِ بَعْدَ المَوْتِ وهي جائِزَةٌ عَلَيْهِمْ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: إذا اسْتَأْذَنَهم فَكُلُّ وارِثٍ بائِنٌ عَنِ المَيِّتِ مِثْلُ الوَلَدِ الَّذِي قَدْ بانَ عَنْ أبِيهِ والأخِ وابْنِ العَمِّ الَّذِينَ لَيْسُوا في عِيالِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا، فَأمّا امْرَأتُهُ وبَناتُهُ اللّاتِي لَمْ يَبِنَّ وكُلُّ مَن في عِيالِهِ وإنْ كانَ قَدِ احْتَلَمَ فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا، وكَذَلِكَ العَمُّ وابْنُ العَمِّ ومَن خافَ مِنهم أنَّهُ إنْ لَمْ يَجُزْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ مِنهُ في قَطْعِ النَّفَقَةِ إنْ صَحَّ، فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا " . وقَوْلُ اللَّيْثِ في هَذا كَقَوْلِ مالِكٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وإنْ أجازُوها بَعْدَ المَوْتِ جازَتْ عِنْدَ جَمِيعِ الفُقَهاءِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم فَسْخُها في الحَياةِ كَذَلِكَ لا تَعْمَلُ إجازَتُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْتَحِقُّوا بَعْدُ شَيْئًا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الضِّرارِ في الوَصِيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: الضِّرارُ في الوَصِيَّةِ عَلى وُجُوهٍ: مِنها أنْ يُقِرَّ في وصِيَّتِهِ بِمالٍ أوْ بِبَعْضِهِ لِأجْنَبِيٍّ أوْ يُقِرَّ عَلى نَفْسِهِ بِدَيْنٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ زَبًّا لِلْمِيراثِ عَنْ وارِثِهِ ومُسْتَحِقِّهِ. ومِنها أنْ يُقِرَّ بِاسْتِيفاءِ دَيْنٍ لَهُ عَلى غَيْرِهِ في مَرَضِهِ لِئَلّا يَصِلَ إلى وارِثِهِ ومِنها أنْ يَبِيعَ مالَهُ مِن غَيْرِهِ في مَرَضِهِ ويُقِرَّ بِاسْتِيفاءِ ثَمَنِهِ. ومِنها أنْ يَهَبَ مالَهُ في مَرَضِهِ أوْ يَتَصَدَّقُ بِأكْثَرَ مِن ثُلُثِهِ في مَرَضِهِ إضْرارًا مِنهُ بِوَرَثَتِهِ. ومِنها أنْ يَتَعَدّى فَيُوصِيَ بِأكْثَرَ مِمّا تَجُوزُ لَهُ الوَصِيَّةُ بِهِ وهو الزِّيادَةُ عَلى الثُّلُثِ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مِنَ المُضارَّةِ في الوَصِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ في فَحْوى قَوْلِهِ لِسَعْدٍ: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ المِصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسّانَ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ داوُدَ يَعْنِي ابْنَ أبِي هِنْدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " الإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ " ثُمَّ قَرَأ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: " في الوَصِيَّةِ " ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قالَ: " في الوَصِيَّةِ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا ومُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ قالا: حَدَّثَنا حُمَيَدُ بْنُ زادَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ المُغِيرَةِ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا طاهِرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحاقَ القاضِي قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَعِينٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أشْعَثَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذا أوْصى (p-٣٦)حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِغَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِصْداقُهُ في كِتابِ اللَّهِ فِيما تَأوَّلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: " في الوَصِيَّةِ " ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قالَ: " في الوَصِيَّةِ " .

النساء 4:15

بابُ حَدُّ الزّانِيَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ في أنَّ ذَلِكَ كانَ حَدَّ الزّانِيَةِ في بَدْءِ الإسْلامِ وأنَّهُ مَنسُوخٌ غَيْرُ ثابِتِ الحُكْمِ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلا﴾ قالَ: وقالَ في المُطَلَّقاتِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قالَ: هَذِهِ الآياتُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ سُورَةُ النُّورِ في الجَلْدِ نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قالَ: والسَّبِيلُ (p-٤٢)الَّذِي جَعَلَهُ لَها الجَلْدُ والرَّجْمُ، قالَ: فَإذا جاءَتِ اليَوْمَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإنَّها تُخْرَجُ وتُرْجَمُ بِالحِجارَةِ؛ قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا زَنَتْ حُبِسَتْ في البَيْتِ حَتّى تَمُوتَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا زَنى أُوذِيَ بِالتَّعْيِيرِ وبِالضَّرْبِ بِالنِّعالِ، قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قالَ: وإنْ كانا مُحْصَنَيْنِ رُجِما بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: فَهو سَبِيلُها الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَها؛ يَعْنِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَكانَ حُكْمُ الزّانِيَةِ في بَدْءِ الإسْلامِ ما أوْجَبَ مِن حَدِّها بِالحَبْسِ إلى أنْ يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا، ولَيْسَ في الآيَةِ فَرْقٌ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حُكْمًا عامًّا في البِكْرِ والثَّيِّبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ: " أنَّ المُرادَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ " . وقالَ السُّدِّيُّ: " البِكْرَيْنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ " . ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: " أنَّهُ أرادَ الرَّجُلَيْنِ الزّانِيَيْنِ " . وهَذا التَّأْوِيلُ الأخِيرُ يُقالُ إنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّثْنِيَةِ هَهُنا؛ إذْ كانَ الوَعْدُ والوَعِيدُ إنَّما يَجِيئانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، أوْ بِلَفْظِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الجِنْسِ الشّامِلِ لَجَمِيعِهِمْ؛ وقَوْلُ الحَسَنِ صَحِيحٌ وتَأْوِيلُ السُّدِّيِّ مُحْتَمَلٌ أيْضًا، فاقْتَضَتِ الآيَتانِ بِمَجْمُوعِهِما أنَّ حَدَّ المَرْأةِ كانَ الأذى والحَبْسَ جَمِيعًا إلى أنْ تَمُوتَ، وحَدُّ الرَّجُلِ التَّعْيِيرُ والضَّرْبُ بِالنِّعالِ؛ إذْ كانَتِ المَرْأةُ مَخْصُوصَةً في الآيَةِ الأوْلى بِالحَبْسِ ومَذْكُورَةً مَعَ الرَّجُلِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ بِالأذى فاجْتُمِعَ لَها الأمْرانِ جَمِيعًا، ولَمْ يَذْكُرْ لِلرِّجالِ إلّا الأذى فَحَسْبُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَتانِ نَزَلَتا مَعًا فَأُفْرِدَتِ المَرْأةُ بِالحَبْسِ وجُمِعا جَمِيعًا في الأذى، وتَكُونُ فائِدَةُ إفْرادِ المَرْأةِ بِالذِّكْرِ إفْرادَها بِالحَبْسِ إلى أنْ تَمُوتَ وذَلِكَ حُكْمٌ لا يُشارِكُها فِيهِ الرَّجُلُ، وجُمِعَتْ مَعَ الرَّجُلِ في الأذى لاشْتِراكِهِما فِيهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إيجابُ الحَبْسِ لِلْمَرْأةِ مُتَقَدِّمًا لِلْأذى، ثُمَّ زِيدَ في حَدِّها وأوْجَبَ عَلى الرَّجُلِ الأذى، فاجْتَمَعَ لِلْمَرْأةِ الأمْرانِ وانْفَرَدَ الرَّجُلُ بِالأذى دُونَها فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّ الإمْساكَ في البُيُوتِ إلى المَوْتِ أوِ السَّبِيلَ قَدْ كانَ حَدَّها، فَإذا أُلْحِقَ بِهِ الأذى صارَ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ في النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرارِ حُكْمِهِ تُوجِبُ النَّسْخَ؛ إذْ كانَ الحَبْسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ جَمِيعَ حَدِّها، ولَمّا ورَدَتِ الزِّيادَةُ صارَ بَعْضَ حَدِّها، فَهَذا (p-٤٣)يُوجِبُ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الإمْساكِ حَدًّا مَنسُوخًا. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأذى حَدًّا لَهُما جَمِيعًا بَدِيًّا ثُمَّ زِيدَ في حَدِّ المَرْأةِ الحَبْسُ إلى المَوْتِ أوِ السَّبِيلُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَها، فَيُوجِبُ ذَلِكَ نَسْخَ الأذى في المَرْأةِ أنْ يَكُونَ حَدًّا؛ لِأنَّهُ صارَ بَعْضَهُ بَعْدَ نُزُولِ الحَبْسِ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَبْسُ مَنسُوخًا بِإسْقاطِ حُكْمِهِ والِاقْتِصارِ عَلى الأذى إذا كانَ نازِلًا بَعْدَهُ ؟ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ نَسْخُهُ عَلى جِهَةِ رَفْعِ حُكْمِهِ رَأْسًا؛ إذْ لَيْسَ في إيجابِ الأذى ما يَنْفِي الحَبْسَ لِجَوازِ اجْتِماعِهِما؛ ولَكِنَّهُ يَكُونُ نَسْخُهُ مِن طَرِيقِ أنَّهُ يَصِيرُ بَعْضَ الحَدِّ بَعْدَ أنْ كانَ جَمِيعَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ النَّسْخِ. وقَدْ قِيلَ في تَرْتِيبِ الآيَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ نَزَلَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ ثُمَّ أمَرَ أنْ تُوضَعَ في التِّلاوَةِ بَعْدَهُ، فَكانَ الأذى حَدًّا لَهُما جَمِيعًا، ثُمَّ الحَبْسُ لِلْمَرْأةِ مَعَ الأذى. وذَلِكَ يَبْعُدُ مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ " الهاءُ " الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيانِها﴾ كِنايَةٌ لا بُدَّ لَها مِن مُظْهَرٍ مُتَقَدِّمٍ مَذْكُورٍ في الخِطابِ أوْ مَعْهُودٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ المُخاطَبِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ دَلالَةٌ مِنَ الحالِ عَلى أنَّ المُرادَ الفاحِشَةُ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ كِنايَةً راجِعَةً إلى الفاحِشَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في أوَّلِ الآيَةِ؛ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ كِنايَةً عَنْها لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ بِنَفْسِهِ في إيجابِ الفائِدَةِ وإعْلامِ المُرادِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] لِأنَّ مِن مَفْهُومِ ذِكْرِ الإنْزالِ أنَّهُ القُرْآنُ، وفي مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] أنَّها الأرْضُ، فاكْتَفى بِدَلالَةِ الحالِ وعِلْمِ المُخاطَبِ بِالمُرادِ عَنْ ذِكْرِ المَكْنِيِّ عَنْهُ؛ فاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخِطابِ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ مَعانِي الآيَتَيْنِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ اللَّفْظِ فَإمّا أنْ تَكُونا نَزَلَتا مَعًا وإمّا أنْ يَكُونَ الأذى نازِلًا بَعْدَ الحَبْسِ إنْ كانَ المُرادُ بِالأذى مَن أُرِيدَ بِالحَبْسِ مِنَ النِّساءِ. والوَجْهُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ إنَّما كانَ حُكْمًا في البِكْرَيْنِ خاصَّةً، والأوْلى في الثَّيِّباتِ دُونَ الأبْكارِ. إلّا أنَّ هَذا قَوْلٌ يُوجِبُ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ سائِغٍ لِأحَدٍ مَعَ إمْكانِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظَيْنِ عَلى حَقِيقَةِ مُقْتَضاهُما؛ وعَلى أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُ وُجُوهُ الِاحْتِمالِ في حُكْمِ الآيَتَيْنِ وتَرْتِيبِهِما فَإنَّ الأُمَّةَ لَمْ تَخْتَلِفْ في نَسْخِ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ عَنِ الزّانِيَيْنِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى السَّبِيلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، (p-٤٤)فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ السَّبِيلَ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُنَّ الجَلْدُ لِغَيْرِ المُحْصَنِ والرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ " وعَنْ قَتادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ " أوْ يَضَعْنَ ما في بُطُونِهِنَّ "؛ وهَذا لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ كانَ عامًّا في الحامِلِ والحائِلِ، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ السَّبِيلُ مَذْكُورًا لَهُنَّ جَمِيعًا. واخْتُلِفَ أيْضًا فِيما نَسَخَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، فَقالَ قائِلُونَ: نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وقَدْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ في البِكْرَيْنِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُما بِالجَلْدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ حُكْمُ الثَّيِّبِ مِنَ النِّساءِ الحَبْسُ فَنُسِخَ بِالرَّجْمِ. وقالَ آخَرُونَ: نُسِخَ بِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وهو ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حِطّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقاشِيِّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ البِكْرُ تُجْلَدُ وتُنْفى والثَّيِّبُ تُجْلَدُ وتُرْجَمُ» . وهَذا هو الصَّحِيحُ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» يُوجِبُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلسَّبِيلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ الحَبْسِ والأذى واسِطَةُ حُكْمٍ، وأنَّ آيَةَ الجَلْدِ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ حِينَئِذٍ؛ لَأنَّها لَوْ كانَتْ نَزَلَتْ كانَ السَّبِيلُ مُتَقَدِّمًا لِقَوْلِهِ: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا " ولَما صَحَّ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المُوجِبَ لِنَسْخِ الحَبْسِ والأذى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأنَّ آيَةَ الجَلْدِ نَزَلَتْ بَعْدَهُ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ؛ إذْ نُسِخَ بِقَوْلِ: خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ما أوْجَبَ اللَّهُ مِنَ الحَبْسِ والأذى بِنَصِّ التَّنْزِيلِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ وما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ مِنَ الحَبْسِ والأذى كانَ في البِكْرَيْنِ دُونَ الثَّيِّبَيْنِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ في أنَّ حُكْمَ المَرْأةِ الثَّيِّبِ كانَ الحَبْسَ، وإنَّما قالَ السُّدِّيُّ إنَّ الأذى كانَ في البِكْرَيْنِ خاصَّةً؛ وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبِيلِ المَذْكُورِ في آيَةِ الحَبْسِ وذَلِكَ لا مَحالَةَ في الثَّيِّبِ، فَأوْجَبَ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الجَلْدُ والرَّجْمُ» فَلَمْ يَخْلُ الحَبْسُ مِن أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا في جَمِيعِ الأحْوالِ بِغَيْرِ القُرْآنِ، وهي الأخْبارُ الَّتِي فِيها إيجابُ رَجْمِ المُحْصَنِ؛ فَمِنها حَدِيثُ عُبادَةَ الَّذِي ذَكَرْنا، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وعائِشَةَ وعُثْمانَ حِينَ كانَ مَحْصُورًا فاسْتَشْهَدَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (p-٤٥)«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ»، وقِصَّةُ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ ورَجْمُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُما قَدْ نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ لا يَتَمارَوْنَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الخَوارِجُ بِأسْرِها تُنْكِرُ الرَّجْمَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مَنقُولًا مِن جِهَةِ الِاسْتِفاضَةِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ لَما جَهِلَتْهُ الخَوارِجُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ سَبِيلَ العِلْمِ بِمَخْبَرِ هَذِهِ الأخْبارِ السَّماعُ مِن ناقِلِيها وتَعَرُّفُهُ مِن جِهَتِهِمْ، والخَوارِجُ لَمْ تُجالِسْ فُقَهاءَ المُسْلِمِينَ ونَقَلَةَ الأخْبارِ مِنهم وانْفَرَدُوا عَنْهم غَيْرَ قابِلِينَ لَأخْبارِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ ولَمْ يُثْبِتُوهُ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِن أوائِلِهِمْ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِن جِهَةِ الِاسْتِفاضَةِ ثُمَّ جَحَدُوا مُحامَلَةً مِنهم عَلى ما سَبَقُوا إلى اعْتِقادِهِ مِن رَدِّ أخْبارِ مَن لَيْسَ عَلى مَقالَتِهِمْ، وقَلَّدَهُمُ الأتْباعُ ولَمْ يَسْمَعُوا مِن غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ لَهُمُ العِلْمُ بِهِ، أوِ الَّذِينَ عَرَفُوهُ كانُوا عَدَدًا يَسِيرًا يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمْ كِتْمانُ ما عَرَفُوهُ وجَحَدُوهُ، ولَمْ يَكُونُوا صَحابَةً فَيَكُونُوا قَدْ عَرَفُوهُ مِن جِهَةِ المُعايَنَةِ أوْ بِكَثْرَةِ السَّماعِ مِنَ المُعايِنِينَ لَهُ، فَلَمّا خَلَوْا مِن ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ ألا تَرى أنَّ فَرائِضَ صَدَقاتِ المَواشِي مَنقُولَةٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ المُسْتَفِيضِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ ولا يَعْرِفُها إلّا أحَدُ رَجُلَيْنِ إمّا فَقِيهٌ قَدْ سَمِعَها فَثَبَتَ عِنْدَهُ العِلْمُ بِها مِن جِهَةِ النّاقِلِينَ لَها وإمّا رَجُلٌ صاحِبُ مَواشٍ تَكْثُرُ بَلْواهُ بِوُجُوبِها فَيَتَعَرَّفُها لِيَعْلَمَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِيها ؟ ومِثْلُهُ أيْضًا إذا كَثُرَ سَماعُهُ وقَعَ لَهُ العِلْمُ بِها، وإنْ لَمْ يَسْمَعْها إلّا مِن جِهَةِ الآحادِ لَمْ يَعْلَمْها؛ وهَذا سَبِيلُ الخَوارِجِ في جُحُودِهِمُ الرَّجْمَ، وتَحْرِيمُ تَزْوِيجِ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا اخْتَصَّ أهْلُ العَدْلِ بِنَقْلِهِ دُونَ الخَوارِجِ والبُغاةُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ أحْكامًا: مِنها اسْتِشْهادُ أرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ عَلى الزِّنا. ومِنها الحَبْسُ لِلْمَرْأةِ والأذى لِلرَّجُلِ والمَرْأةِ جَمِيعًا. ومِنها سُقُوطُ الأذى والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِالتَّوْبَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ وهَذِهِ التَّوْبَةُ إنَّما كانَتْ مُؤَثِّرَةً في إسْقاطِ الأذى دُونَ الحَبْسِ، وأمّا الحَبْسُ فَكانَ مَوْقُوفًا عَلى وُرُودِ السَّبِيلِ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ السَّبِيلَ وهو الجَلْدُ والرَّجْمُ، ونُسِخَ جَمِيعُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ إلّا ما ذُكِرَ مِنَ اسْتِشْهادِ أرْبَعَةِ شُهُودٍ، فَإنَّ اعْتِبارَ عَدَدِ الشُّهُودِ باقٍ في الحَدِّ الَّذِي نُسِخَ بِهِ الحَدّانِ الأوَّلانِ وهو الجَلْدُ والرَّجْمُ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَلَمْ يُنْسَخِ اعْتِبارُ العَدَدِ ولَمْ يُنْسَخِ الِاسْتِشْهادُ (p-٤٦)أيْضًا، وهَذا يُوجِبُ جَوازَ إحْضارِ الشُّهُودِ والنَّظَرِ إلى الزّانِيَيْنِ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِما؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى الزِّنا وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَعَمُّدِ النَّظَرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَعَمُّدَ النَّظَرِ إلى الزّانِيَيْنِ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِما لا يُسْقِطُ شَهادَتَهُ؛ وكَذَلِكَ فِعْلُ أبُو بَكْرٍ مَعَ شِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ ونافِعِ بْنِ الحارِثِ وزِيادٍ في قِصَّةِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِظاهِرِ الآيَةِ. * * أرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلى امْرَأةٍ بِالزِّنا أحَدُهم زَوْجُها قالَ أصْحابُنا: ( شَهادَتُهم جائِزَةٌ ويُقامُ الحَدُّ عَلى المَرْأةِ ) . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: ( يُلاعِنُ الزَّوْجُ ويُحَدُّ الثَّلاثَةُ )، ورُوِيَ نَحْوُ قَوْلِهِما عَنِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّ الزَّوْجَ يُلاعِنُ ويُحَدُّ الثَّلاثَةُ ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجِ فِيهِمْ وبَيْنَ أنْ يَكُونُوا جَمِيعًا أجْنَبِيِّينَ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَإذا قَذَفَ الأجْنَبِيُّ امْرَأةً وجاءَ بِأرْبَعَةٍ أحَدُهُمُ الزَّوْجُ اقْتَضى الظّاهِرُ جَوازَ شَهادَتِهِمْ وسُقُوطَ الحَدِّ عَنِ القاذِفِ وإيجابَهُ عَلَيْها. وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ شَهادَةَ الزَّوْجِ جائِزَةٌ عَلى امْرَأتِهِ في سائِرِ الحُقُوقِ وفي القِصاصِ وفي سائِرِ الحُدُودِ مِنَ السَّرِقَةِ والقَذْفِ والشُّرْبِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ في الزِّنا. فَإنْ قِيلَ: الزَّوْجُ يَجِبُ عَلَيْهِ اللِّعانُ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شاهِدًا. قِيلَ لَهُ: إذا جاءَ مَجِيءَ الشُّهُودِ مَعَ ثَلاثَةٍ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِقاذِفٍ ولا لِعانَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَجِبُ اللِّعانُ عَلَيْهِ إذا قَذَفَها ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، كالأجْنَبِيِّ إذا قَذَفَ وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ إلّا أنْ يَأْتِي بِأرْبَعَةٍ غَيْرِهِ يَشْهَدُونَ بِالزِّنا، ولَوْ جاءَ مَعَ ثَلاثَةٍ فَشَهِدُوا بِالزِّنا لَمْ يَكُنْ قاذِفًا وكانَ شاهِدًا، فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ. * * إباءُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ اللِّعانَ في إباءِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ اللِّعانَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( أيُّهُما نَكَلَ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ ) . وقالَ مالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: ( أيُّهُما نَكَلَ حُدَّ، إنْ نَكَلَ الرَّجُلُ حُدَّ لِلْقَذْفِ وإنْ نَكَلَتْ هي حُدَّتْ لِلزِّنا ) . ورَوى مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ عَنْ أشْعَثَ عَنِ الحَسَنِ في الرَّجُلِ يُلاعِنُ وتَأْبى المَرْأةُ قالَ: ( تُحْبَسُ ) . وعَنْ مَكْحُولٍ والضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ: ( إذا لاعَنَ وأبَتْ أنْ تُلاعِنَ رُجِمَتْ ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ وقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ: «ائْتِنِي بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ» «ورَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ماعِزًا والغامِدِيَّةَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما حَتّى أقَرَّ أرْبَعَ مَرّاتٍ بِالزِّنا ثُمَّ رَجَمَهُما»؛ فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إيجابُ الحَدِّ عَلَيْها بِتَرْكِ اللِّعانِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى (p-١٤٨)ثَلاثٍ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وكُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ وقَتْلِ نَفْسِ بِغَيْرِ نَفْسِ»، فَنَفى وُجُوبَ القَتْلَ إلّا بِما ذُكِرَ، والنُّكُولُ عَنِ اللِّعانِ خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ فَلا يَجِبُ رَجْمُها، وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما. فَإنْ قِيلَ: ( امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) إنَّما يَتَناوَلُ الرَّجُلَ دُونَ المَرْأةِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ المَرْأةَ مُرادَةٌ بِذَلِكَ وأنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ فِيهِما جَمِيعًا، وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ الدَّمَ لا يُسْتَحَقُّ بِالنُّكُولِ في سائِرِ الدَّعاوى، وكَذَلِكَ سائِرُ الحُدُودِ، فَكانَ في اللِّعانِ أوْلى أنْ لا يُسْتَحَقَّ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وهو يَعْنِي حَدَّ الزِّنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] فَعَرَّفَهُ بِالألِفِ واللّامِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ هو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ هَذِهِ قِصَّةً واحِدَةً ولا حُكْمًا واحِدًا حَتّى يَلْزَمَ فِيهِ ما قُلْتَ؛ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ إنَّما هي في بَيانِ حُكْمِ الزّانِيَيْنِ ثُمَّ حُكْمِ القاذِفِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثابِتًا في قاذِفِ الزَّوْجاتِ والأجْنَبِيّاتِ جارِيًا عَلى عُمُومِهِ إلى أنْ نُسِخَ عَنْ قاذِفِ الزَّوْجاتِ بِاللِّعانِ، ولَيْسَ في ذِكْرِهِ العَذابَ وهو يُرِيدُ بِهِ حَدَّ الزِّنا في مَوْضِعٍ ثُمَّ ذَكَرَ العَذابَ بِالألِفِ واللّامِ في غَيْرِهِ ما يُوجِبُهُ أنَّ العَذابَ المَذْكُورَ في لِعانِ الزَّوْجَيْنِ هو المَذْكُورُ في الزّانِيَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ يَخْتَصُّ العَذابُ بِالحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ولَمْ يُرِدْ بِهِ الحَدَّ، وقالَ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] ولَمْ يُرِدِ الحَدَّ، وقالَ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] ولَمْ يُرِدْ بِهِ الحَدَّ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ: ؎والمَرْءُ ما عاشَ في تَكْذِيبٍ طُولُ الحَياةِ لَهُ تَعْذِيبُ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ» فَإذا كانَ اسْمُ العَذابِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الإيلامِ دُونَ غَيْرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ جَمِيعَ سائِرِ ضُرُوبِ العَذابِ عَلَيْهِ، لَمْ يَخْلُ اللَّفْظُ مِن أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ فَيَكُونَ عَلى أدْنى ما يُسَمّى عَذابًا أيَّ ضَرْبٍ مِنهُ كانَ، أوْ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَعْهُودًا لِأنَّ المَعْهُودَ هو ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الخِطابِ فَيَرْجِعُ الكَلامُ إلَيْهِ؛ إذْ كانَ مَعْناهُ مُتَقَرِّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ وأنَّ المُرادَ عَوْدُهُ إلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِ قَذْفِ الزَّوْجِ وإيجابِ اللِّعانِ ما يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الحَدِّ عَلى المَرْأةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ بِالعَذابِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وكانَتِ الأيْمانُ قَدْ تَكُونُ حَقًّا لِلْمُدَّعِي (p-١٤٩)حَتّى يُحْبَسَ مِن أجْلِ النُّكُولِ عَنْها وهي القَسامَةُ مَتى نَكَلُوا عَنِ الأيْمانِ فِيها حُبِسُوا، كَذَلِكَ حَبْسُ النّاكِلِ عَنِ اللِّعانِ أوْلى مِن إيجابِ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ إيجابُ الحَدِّ بِالنُّكُولِ وفِيها إيجابُ الحَبْسِ بِهِ. وأيْضًا فَإنَّ النُّكُولَ يَنْقَسِمُ إلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا بَدَلٌ لِما اسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ، وإمّا قائِمٌ مَقامَ الإقْرارِ؛ وبَدَلُ الحُدُودِ لا يَصِحُّ وما قامَ مَقامَ الغَيْرِ لا يَجُوزُ إيجابُ الحَدِّ بِهِ، كالشَّهادَةِ عَلى الشَّهادَةِ وكِتابِ القاضِي إلى القاضِي وشَهادَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ وأيْضًا فَإنَّ النُّكُولَ لَمّا لَمْ يَكُنْ صَرِيحَ الإقْرارِ لَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ، كالتَّعْرِيضِ وكاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ فَلا يَجِبُ بِهِ الحَدُّ عَلى المُقِرِّ ولا عَلى القاذِفِ. فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ في قِصَّةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لاعَنَ بَيْنَهُما وعَظَ المَرْأةَ وذَكَّرَها وأخْبَرَها أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وكَذَلِكَ الرَّجُلَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ أرادَ بِعَذابِ الدُّنْيا حَدَّ الزِّنا أوِ القَذْفِ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مُرادُهُ بِعَذابِ الدُّنْيا الحَبْسَ أوِ الحَدَّ إذا أقَرَّ، فَإنْ كانَ المُرادُ الحَبْسَ فَهو عِنْدَ النُّكُولِ، وإنْ أرادَ الحَدَّ فَهو عِنْدَ إقْرارِها بِما يُوجِبُ الحَدَّ وإكْذابِ الزَّوْجِ لِنَفْسِهِ، فَلا دَلالَةَ لَهُ فِيهِ عَلى أنَّ النُّكُولَ يُوجِبُ الحَدَّ دُونَ الحَبْسِ فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ بِالنُّكُولِ وأيْمانِ الزَّوْجِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وأيْمانِ المَرْأةِ. قِيلَ لَهُ: النُّكُولُ والأيْمانُ لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ الحَدُّ، ألا تَرى أنَّ مَن ادَّعى عَلى رَجُلٍ قَذْفًا أنَّهُ لا يُسْتَحْلَفُ ولا يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي الحَدَّ بِنُكُولِ المُدَّعى عَلَيْهِ ولا بِيَمِينِهِ ؟ وكَذَلِكَ سائِرُ الحُدُودِ، ولا يُسْتَحْلَفُ فِيها ولا يُحْكَمُ فِيها بِالنُّكُولِ ولا بِرَدِّ اليَمِينِ. * * بابُ تَصادُقِ الزَّوْجَيْنِ أنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مِنهُ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: ( لا يُنْفى الوَلَدُ مِنهُ إلّا بِاللِّعانِ ) . وقالَ أصْحابُنا: ( تَصْدِيقُها إيّاهُ بِأنَّ ولَدَها مِنَ الزِّنا يُبْطِلُ اللِّعانَ فَلا يَنْتَفِي النَّسَبُ مِنهُ أبَدًا ) وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: ( إذا تَصادَقَ الزَّوْجانِ عَلى أنَّها ولَدَتْهُ وأنَّهُ لَيْسَ مِنهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الوَلَدُ وتُحَدُّ المَرْأةُ ) وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ قالَ: ( لَوْ شَهِدَ أرْبَعَةٌ عَلى امْرَأةٍ أنَّها زَنَتْ مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وهي حامِلٌ وقَدْ غابَ زَوْجُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَأخَّرَها الإمامُ حَتّى وضَعَتْ ثُمَّ رَجَمَها فَقَدِمَ زَوْجُها بَعْدَما رُجِمَتْ فانْتَفى مِن ولَدِهِ وقالَ قَدْ كُنْتَ اسْتَبْرَأْتُها فَإنَّهُ يَلْتَعِنُ ويَنْتَفِي بِهِ الوَلَدُ عَنْ نَفْسِهِ ولا يَنْفِيهِ هَهُنا إلّا اللِّعانُ ) قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَنْتَفِيَ أبَدًا عَنْ صاحِبِ الفِراشِ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا ورَدَتِ السُّنَّةُ في إلْحاقِ (p-١٥٠)الوَلَدِ بِالأُمِّ وقَطْعِ نَسَبِهِ مِنَ الأبِ بِاللِّعانِ واسْتَعْمَلَ ذَلِكَ فُقَهاءُ الأمْصارِ سَلَّمْنا ذَلِكَ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ فَهو لازِمٌ لِلزَّوْجِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ( الوَلَدُ لِلْفِراشِ ) . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أبُو يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي يَعْقُوبَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلى الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَنْ رَباحٍ قالَ: زَوَّجَنِي أهْلِي أمَةً لَهم رُومِيَّةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْها فَوَلَدَتْ لِي غُلامًا أسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ طَبِنَ لَها غُلامٌ مِن أهْلِي رُومِيٌّ يُقالُ لَهُ يُوحَنّا، فَراطَنَها بِلِسانِهِ، فَوَلَدَتْ غُلامًا كانَ وزَغَةً مِنَ الوَزَغاتِ فَقُلْتَ لَها: ما هَذا ؟ فَقالَتْ: هَذا لِيُوحَنّا، فَرَفَعْنا إلى عُثْمانَ، قالَ: فَسَألَهُما فاعْتَرَفا، فَقالَ لَهُما: أتَرْضَيانِ أنْ أقْضِيَ بَيْنَكُما بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى أنَّ الوَلَدَ لِلْفِراشِ، فَجَلَدَها وجَلَدَهُ وكانا مَمْلُوكَيْنِ

النساء 4:16

بابُ حَدُّ الزّانِيَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ في أنَّ ذَلِكَ كانَ حَدَّ الزّانِيَةِ في بَدْءِ الإسْلامِ وأنَّهُ مَنسُوخٌ غَيْرُ ثابِتِ الحُكْمِ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلا﴾ قالَ: وقالَ في المُطَلَّقاتِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قالَ: هَذِهِ الآياتُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ سُورَةُ النُّورِ في الجَلْدِ نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قالَ: والسَّبِيلُ (p-٤٢)الَّذِي جَعَلَهُ لَها الجَلْدُ والرَّجْمُ، قالَ: فَإذا جاءَتِ اليَوْمَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإنَّها تُخْرَجُ وتُرْجَمُ بِالحِجارَةِ؛ قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا زَنَتْ حُبِسَتْ في البَيْتِ حَتّى تَمُوتَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا زَنى أُوذِيَ بِالتَّعْيِيرِ وبِالضَّرْبِ بِالنِّعالِ، قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قالَ: وإنْ كانا مُحْصَنَيْنِ رُجِما بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: فَهو سَبِيلُها الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَها؛ يَعْنِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَكانَ حُكْمُ الزّانِيَةِ في بَدْءِ الإسْلامِ ما أوْجَبَ مِن حَدِّها بِالحَبْسِ إلى أنْ يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا، ولَيْسَ في الآيَةِ فَرْقٌ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حُكْمًا عامًّا في البِكْرِ والثَّيِّبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ: " أنَّ المُرادَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ " . وقالَ السُّدِّيُّ: " البِكْرَيْنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ " . ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: " أنَّهُ أرادَ الرَّجُلَيْنِ الزّانِيَيْنِ " . وهَذا التَّأْوِيلُ الأخِيرُ يُقالُ إنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّثْنِيَةِ هَهُنا؛ إذْ كانَ الوَعْدُ والوَعِيدُ إنَّما يَجِيئانِ بِلَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، أوْ بِلَفْظِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الجِنْسِ الشّامِلِ لَجَمِيعِهِمْ؛ وقَوْلُ الحَسَنِ صَحِيحٌ وتَأْوِيلُ السُّدِّيِّ مُحْتَمَلٌ أيْضًا، فاقْتَضَتِ الآيَتانِ بِمَجْمُوعِهِما أنَّ حَدَّ المَرْأةِ كانَ الأذى والحَبْسَ جَمِيعًا إلى أنْ تَمُوتَ، وحَدُّ الرَّجُلِ التَّعْيِيرُ والضَّرْبُ بِالنِّعالِ؛ إذْ كانَتِ المَرْأةُ مَخْصُوصَةً في الآيَةِ الأوْلى بِالحَبْسِ ومَذْكُورَةً مَعَ الرَّجُلِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ بِالأذى فاجْتُمِعَ لَها الأمْرانِ جَمِيعًا، ولَمْ يَذْكُرْ لِلرِّجالِ إلّا الأذى فَحَسْبُ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَتانِ نَزَلَتا مَعًا فَأُفْرِدَتِ المَرْأةُ بِالحَبْسِ وجُمِعا جَمِيعًا في الأذى، وتَكُونُ فائِدَةُ إفْرادِ المَرْأةِ بِالذِّكْرِ إفْرادَها بِالحَبْسِ إلى أنْ تَمُوتَ وذَلِكَ حُكْمٌ لا يُشارِكُها فِيهِ الرَّجُلُ، وجُمِعَتْ مَعَ الرَّجُلِ في الأذى لاشْتِراكِهِما فِيهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إيجابُ الحَبْسِ لِلْمَرْأةِ مُتَقَدِّمًا لِلْأذى، ثُمَّ زِيدَ في حَدِّها وأوْجَبَ عَلى الرَّجُلِ الأذى، فاجْتَمَعَ لِلْمَرْأةِ الأمْرانِ وانْفَرَدَ الرَّجُلُ بِالأذى دُونَها فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّ الإمْساكَ في البُيُوتِ إلى المَوْتِ أوِ السَّبِيلَ قَدْ كانَ حَدَّها، فَإذا أُلْحِقَ بِهِ الأذى صارَ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ في النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرارِ حُكْمِهِ تُوجِبُ النَّسْخَ؛ إذْ كانَ الحَبْسُ في ذَلِكَ الوَقْتِ جَمِيعَ حَدِّها، ولَمّا ورَدَتِ الزِّيادَةُ صارَ بَعْضَ حَدِّها، فَهَذا (p-٤٣)يُوجِبُ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الإمْساكِ حَدًّا مَنسُوخًا. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأذى حَدًّا لَهُما جَمِيعًا بَدِيًّا ثُمَّ زِيدَ في حَدِّ المَرْأةِ الحَبْسُ إلى المَوْتِ أوِ السَّبِيلُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَها، فَيُوجِبُ ذَلِكَ نَسْخَ الأذى في المَرْأةِ أنْ يَكُونَ حَدًّا؛ لِأنَّهُ صارَ بَعْضَهُ بَعْدَ نُزُولِ الحَبْسِ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَبْسُ مَنسُوخًا بِإسْقاطِ حُكْمِهِ والِاقْتِصارِ عَلى الأذى إذا كانَ نازِلًا بَعْدَهُ ؟ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ نَسْخُهُ عَلى جِهَةِ رَفْعِ حُكْمِهِ رَأْسًا؛ إذْ لَيْسَ في إيجابِ الأذى ما يَنْفِي الحَبْسَ لِجَوازِ اجْتِماعِهِما؛ ولَكِنَّهُ يَكُونُ نَسْخُهُ مِن طَرِيقِ أنَّهُ يَصِيرُ بَعْضَ الحَدِّ بَعْدَ أنْ كانَ جَمِيعَهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ النَّسْخِ. وقَدْ قِيلَ في تَرْتِيبِ الآيَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ نَزَلَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ ثُمَّ أمَرَ أنْ تُوضَعَ في التِّلاوَةِ بَعْدَهُ، فَكانَ الأذى حَدًّا لَهُما جَمِيعًا، ثُمَّ الحَبْسُ لِلْمَرْأةِ مَعَ الأذى. وذَلِكَ يَبْعُدُ مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ " الهاءُ " الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيانِها﴾ كِنايَةٌ لا بُدَّ لَها مِن مُظْهَرٍ مُتَقَدِّمٍ مَذْكُورٍ في الخِطابِ أوْ مَعْهُودٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ المُخاطَبِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ دَلالَةٌ مِنَ الحالِ عَلى أنَّ المُرادَ الفاحِشَةُ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ كِنايَةً راجِعَةً إلى الفاحِشَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في أوَّلِ الآيَةِ؛ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ كِنايَةً عَنْها لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ بِنَفْسِهِ في إيجابِ الفائِدَةِ وإعْلامِ المُرادِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] لِأنَّ مِن مَفْهُومِ ذِكْرِ الإنْزالِ أنَّهُ القُرْآنُ، وفي مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] أنَّها الأرْضُ، فاكْتَفى بِدَلالَةِ الحالِ وعِلْمِ المُخاطَبِ بِالمُرادِ عَنْ ذِكْرِ المَكْنِيِّ عَنْهُ؛ فاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخِطابِ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ مَعانِي الآيَتَيْنِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ اللَّفْظِ فَإمّا أنْ تَكُونا نَزَلَتا مَعًا وإمّا أنْ يَكُونَ الأذى نازِلًا بَعْدَ الحَبْسِ إنْ كانَ المُرادُ بِالأذى مَن أُرِيدَ بِالحَبْسِ مِنَ النِّساءِ. والوَجْهُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ إنَّما كانَ حُكْمًا في البِكْرَيْنِ خاصَّةً، والأوْلى في الثَّيِّباتِ دُونَ الأبْكارِ. إلّا أنَّ هَذا قَوْلٌ يُوجِبُ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ سائِغٍ لِأحَدٍ مَعَ إمْكانِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظَيْنِ عَلى حَقِيقَةِ مُقْتَضاهُما؛ وعَلى أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُ وُجُوهُ الِاحْتِمالِ في حُكْمِ الآيَتَيْنِ وتَرْتِيبِهِما فَإنَّ الأُمَّةَ لَمْ تَخْتَلِفْ في نَسْخِ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ عَنِ الزّانِيَيْنِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى السَّبِيلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، (p-٤٤)فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ السَّبِيلَ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُنَّ الجَلْدُ لِغَيْرِ المُحْصَنِ والرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ " وعَنْ قَتادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ " أوْ يَضَعْنَ ما في بُطُونِهِنَّ "؛ وهَذا لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ كانَ عامًّا في الحامِلِ والحائِلِ، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ السَّبِيلُ مَذْكُورًا لَهُنَّ جَمِيعًا. واخْتُلِفَ أيْضًا فِيما نَسَخَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، فَقالَ قائِلُونَ: نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وقَدْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ في البِكْرَيْنِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُما بِالجَلْدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَ حُكْمُ الثَّيِّبِ مِنَ النِّساءِ الحَبْسُ فَنُسِخَ بِالرَّجْمِ. وقالَ آخَرُونَ: نُسِخَ بِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وهو ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حِطّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقاشِيِّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ البِكْرُ تُجْلَدُ وتُنْفى والثَّيِّبُ تُجْلَدُ وتُرْجَمُ» . وهَذا هو الصَّحِيحُ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» يُوجِبُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلسَّبِيلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ الحَبْسِ والأذى واسِطَةُ حُكْمٍ، وأنَّ آيَةَ الجَلْدِ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ حِينَئِذٍ؛ لَأنَّها لَوْ كانَتْ نَزَلَتْ كانَ السَّبِيلُ مُتَقَدِّمًا لِقَوْلِهِ: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا " ولَما صَحَّ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المُوجِبَ لِنَسْخِ الحَبْسِ والأذى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأنَّ آيَةَ الجَلْدِ نَزَلَتْ بَعْدَهُ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ؛ إذْ نُسِخَ بِقَوْلِ: خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ما أوْجَبَ اللَّهُ مِنَ الحَبْسِ والأذى بِنَصِّ التَّنْزِيلِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ وما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ مِنَ الحَبْسِ والأذى كانَ في البِكْرَيْنِ دُونَ الثَّيِّبَيْنِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ في أنَّ حُكْمَ المَرْأةِ الثَّيِّبِ كانَ الحَبْسَ، وإنَّما قالَ السُّدِّيُّ إنَّ الأذى كانَ في البِكْرَيْنِ خاصَّةً؛ وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبِيلِ المَذْكُورِ في آيَةِ الحَبْسِ وذَلِكَ لا مَحالَةَ في الثَّيِّبِ، فَأوْجَبَ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الجَلْدُ والرَّجْمُ» فَلَمْ يَخْلُ الحَبْسُ مِن أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا في جَمِيعِ الأحْوالِ بِغَيْرِ القُرْآنِ، وهي الأخْبارُ الَّتِي فِيها إيجابُ رَجْمِ المُحْصَنِ؛ فَمِنها حَدِيثُ عُبادَةَ الَّذِي ذَكَرْنا، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وعائِشَةَ وعُثْمانَ حِينَ كانَ مَحْصُورًا فاسْتَشْهَدَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (p-٤٥)«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ»، وقِصَّةُ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ ورَجْمُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُما قَدْ نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ لا يَتَمارَوْنَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الخَوارِجُ بِأسْرِها تُنْكِرُ الرَّجْمَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مَنقُولًا مِن جِهَةِ الِاسْتِفاضَةِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ لَما جَهِلَتْهُ الخَوارِجُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ سَبِيلَ العِلْمِ بِمَخْبَرِ هَذِهِ الأخْبارِ السَّماعُ مِن ناقِلِيها وتَعَرُّفُهُ مِن جِهَتِهِمْ، والخَوارِجُ لَمْ تُجالِسْ فُقَهاءَ المُسْلِمِينَ ونَقَلَةَ الأخْبارِ مِنهم وانْفَرَدُوا عَنْهم غَيْرَ قابِلِينَ لَأخْبارِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ ولَمْ يُثْبِتُوهُ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِن أوائِلِهِمْ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِن جِهَةِ الِاسْتِفاضَةِ ثُمَّ جَحَدُوا مُحامَلَةً مِنهم عَلى ما سَبَقُوا إلى اعْتِقادِهِ مِن رَدِّ أخْبارِ مَن لَيْسَ عَلى مَقالَتِهِمْ، وقَلَّدَهُمُ الأتْباعُ ولَمْ يَسْمَعُوا مِن غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ لَهُمُ العِلْمُ بِهِ، أوِ الَّذِينَ عَرَفُوهُ كانُوا عَدَدًا يَسِيرًا يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمْ كِتْمانُ ما عَرَفُوهُ وجَحَدُوهُ، ولَمْ يَكُونُوا صَحابَةً فَيَكُونُوا قَدْ عَرَفُوهُ مِن جِهَةِ المُعايَنَةِ أوْ بِكَثْرَةِ السَّماعِ مِنَ المُعايِنِينَ لَهُ، فَلَمّا خَلَوْا مِن ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ ألا تَرى أنَّ فَرائِضَ صَدَقاتِ المَواشِي مَنقُولَةٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ المُسْتَفِيضِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ ولا يَعْرِفُها إلّا أحَدُ رَجُلَيْنِ إمّا فَقِيهٌ قَدْ سَمِعَها فَثَبَتَ عِنْدَهُ العِلْمُ بِها مِن جِهَةِ النّاقِلِينَ لَها وإمّا رَجُلٌ صاحِبُ مَواشٍ تَكْثُرُ بَلْواهُ بِوُجُوبِها فَيَتَعَرَّفُها لِيَعْلَمَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِيها ؟ ومِثْلُهُ أيْضًا إذا كَثُرَ سَماعُهُ وقَعَ لَهُ العِلْمُ بِها، وإنْ لَمْ يَسْمَعْها إلّا مِن جِهَةِ الآحادِ لَمْ يَعْلَمْها؛ وهَذا سَبِيلُ الخَوارِجِ في جُحُودِهِمُ الرَّجْمَ، وتَحْرِيمُ تَزْوِيجِ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا اخْتَصَّ أهْلُ العَدْلِ بِنَقْلِهِ دُونَ الخَوارِجِ والبُغاةُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ أحْكامًا: مِنها اسْتِشْهادُ أرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ عَلى الزِّنا. ومِنها الحَبْسُ لِلْمَرْأةِ والأذى لِلرَّجُلِ والمَرْأةِ جَمِيعًا. ومِنها سُقُوطُ الأذى والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِالتَّوْبَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ وهَذِهِ التَّوْبَةُ إنَّما كانَتْ مُؤَثِّرَةً في إسْقاطِ الأذى دُونَ الحَبْسِ، وأمّا الحَبْسُ فَكانَ مَوْقُوفًا عَلى وُرُودِ السَّبِيلِ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ السَّبِيلَ وهو الجَلْدُ والرَّجْمُ، ونُسِخَ جَمِيعُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ إلّا ما ذُكِرَ مِنَ اسْتِشْهادِ أرْبَعَةِ شُهُودٍ، فَإنَّ اعْتِبارَ عَدَدِ الشُّهُودِ باقٍ في الحَدِّ الَّذِي نُسِخَ بِهِ الحَدّانِ الأوَّلانِ وهو الجَلْدُ والرَّجْمُ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَلَمْ يُنْسَخِ اعْتِبارُ العَدَدِ ولَمْ يُنْسَخِ الِاسْتِشْهادُ (p-٤٦)أيْضًا، وهَذا يُوجِبُ جَوازَ إحْضارِ الشُّهُودِ والنَّظَرِ إلى الزّانِيَيْنِ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِما؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى الزِّنا وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَعَمُّدِ النَّظَرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَعَمُّدَ النَّظَرِ إلى الزّانِيَيْنِ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِما لا يُسْقِطُ شَهادَتَهُ؛ وكَذَلِكَ فِعْلُ أبُو بَكْرٍ مَعَ شِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ ونافِعِ بْنِ الحارِثِ وزِيادٍ في قِصَّةِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِظاهِرِ الآيَةِ. * * أرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلى امْرَأةٍ بِالزِّنا أحَدُهم زَوْجُها قالَ أصْحابُنا: ( شَهادَتُهم جائِزَةٌ ويُقامُ الحَدُّ عَلى المَرْأةِ ) . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: ( يُلاعِنُ الزَّوْجُ ويُحَدُّ الثَّلاثَةُ )، ورُوِيَ نَحْوُ قَوْلِهِما عَنِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّ الزَّوْجَ يُلاعِنُ ويُحَدُّ الثَّلاثَةُ ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجِ فِيهِمْ وبَيْنَ أنْ يَكُونُوا جَمِيعًا أجْنَبِيِّينَ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَإذا قَذَفَ الأجْنَبِيُّ امْرَأةً وجاءَ بِأرْبَعَةٍ أحَدُهُمُ الزَّوْجُ اقْتَضى الظّاهِرُ جَوازَ شَهادَتِهِمْ وسُقُوطَ الحَدِّ عَنِ القاذِفِ وإيجابَهُ عَلَيْها. وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ شَهادَةَ الزَّوْجِ جائِزَةٌ عَلى امْرَأتِهِ في سائِرِ الحُقُوقِ وفي القِصاصِ وفي سائِرِ الحُدُودِ مِنَ السَّرِقَةِ والقَذْفِ والشُّرْبِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ في الزِّنا. فَإنْ قِيلَ: الزَّوْجُ يَجِبُ عَلَيْهِ اللِّعانُ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شاهِدًا. قِيلَ لَهُ: إذا جاءَ مَجِيءَ الشُّهُودِ مَعَ ثَلاثَةٍ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِقاذِفٍ ولا لِعانَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَجِبُ اللِّعانُ عَلَيْهِ إذا قَذَفَها ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، كالأجْنَبِيِّ إذا قَذَفَ وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ إلّا أنْ يَأْتِي بِأرْبَعَةٍ غَيْرِهِ يَشْهَدُونَ بِالزِّنا، ولَوْ جاءَ مَعَ ثَلاثَةٍ فَشَهِدُوا بِالزِّنا لَمْ يَكُنْ قاذِفًا وكانَ شاهِدًا، فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ. * * إباءُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ اللِّعانَ في إباءِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ اللِّعانَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( أيُّهُما نَكَلَ عَنِ اللِّعانِ حُبِسَ حَتّى يُلاعِنَ ) . وقالَ مالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: ( أيُّهُما نَكَلَ حُدَّ، إنْ نَكَلَ الرَّجُلُ حُدَّ لِلْقَذْفِ وإنْ نَكَلَتْ هي حُدَّتْ لِلزِّنا ) . ورَوى مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ عَنْ أشْعَثَ عَنِ الحَسَنِ في الرَّجُلِ يُلاعِنُ وتَأْبى المَرْأةُ قالَ: ( تُحْبَسُ ) . وعَنْ مَكْحُولٍ والضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ: ( إذا لاعَنَ وأبَتْ أنْ تُلاعِنَ رُجِمَتْ ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ وقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ: «ائْتِنِي بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ» «ورَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ماعِزًا والغامِدِيَّةَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما حَتّى أقَرَّ أرْبَعَ مَرّاتٍ بِالزِّنا ثُمَّ رَجَمَهُما»؛ فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إيجابُ الحَدِّ عَلَيْها بِتَرْكِ اللِّعانِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى (p-١٤٨)ثَلاثٍ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وكُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ وقَتْلِ نَفْسِ بِغَيْرِ نَفْسِ»، فَنَفى وُجُوبَ القَتْلَ إلّا بِما ذُكِرَ، والنُّكُولُ عَنِ اللِّعانِ خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ فَلا يَجِبُ رَجْمُها، وإذا لَمْ يَجِبِ الرَّجْمُ إذا كانَتْ مُحْصَنَةً لَمْ يَجِبِ الجَلْدُ في غَيْرِ المُحْصَنِ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما. فَإنْ قِيلَ: ( امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) إنَّما يَتَناوَلُ الرَّجُلَ دُونَ المَرْأةِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ المَرْأةَ مُرادَةٌ بِذَلِكَ وأنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ فِيهِما جَمِيعًا، وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ الدَّمَ لا يُسْتَحَقُّ بِالنُّكُولِ في سائِرِ الدَّعاوى، وكَذَلِكَ سائِرُ الحُدُودِ، فَكانَ في اللِّعانِ أوْلى أنْ لا يُسْتَحَقَّ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وهو يَعْنِي حَدَّ الزِّنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] فَعَرَّفَهُ بِالألِفِ واللّامِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ هو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ هَذِهِ قِصَّةً واحِدَةً ولا حُكْمًا واحِدًا حَتّى يَلْزَمَ فِيهِ ما قُلْتَ؛ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ إنَّما هي في بَيانِ حُكْمِ الزّانِيَيْنِ ثُمَّ حُكْمِ القاذِفِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثابِتًا في قاذِفِ الزَّوْجاتِ والأجْنَبِيّاتِ جارِيًا عَلى عُمُومِهِ إلى أنْ نُسِخَ عَنْ قاذِفِ الزَّوْجاتِ بِاللِّعانِ، ولَيْسَ في ذِكْرِهِ العَذابَ وهو يُرِيدُ بِهِ حَدَّ الزِّنا في مَوْضِعٍ ثُمَّ ذَكَرَ العَذابَ بِالألِفِ واللّامِ في غَيْرِهِ ما يُوجِبُهُ أنَّ العَذابَ المَذْكُورَ في لِعانِ الزَّوْجَيْنِ هو المَذْكُورُ في الزّانِيَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ يَخْتَصُّ العَذابُ بِالحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ولَمْ يُرِدْ بِهِ الحَدَّ، وقالَ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] ولَمْ يُرِدِ الحَدَّ، وقالَ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] ولَمْ يُرِدْ بِهِ الحَدَّ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ: ؎والمَرْءُ ما عاشَ في تَكْذِيبٍ طُولُ الحَياةِ لَهُ تَعْذِيبُ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ» فَإذا كانَ اسْمُ العَذابِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الإيلامِ دُونَ غَيْرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ جَمِيعَ سائِرِ ضُرُوبِ العَذابِ عَلَيْهِ، لَمْ يَخْلُ اللَّفْظُ مِن أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ فَيَكُونَ عَلى أدْنى ما يُسَمّى عَذابًا أيَّ ضَرْبٍ مِنهُ كانَ، أوْ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَعْهُودًا لِأنَّ المَعْهُودَ هو ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الخِطابِ فَيَرْجِعُ الكَلامُ إلَيْهِ؛ إذْ كانَ مَعْناهُ مُتَقَرِّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ وأنَّ المُرادَ عَوْدُهُ إلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِ قَذْفِ الزَّوْجِ وإيجابِ اللِّعانِ ما يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الحَدِّ عَلى المَرْأةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ بِالعَذابِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وكانَتِ الأيْمانُ قَدْ تَكُونُ حَقًّا لِلْمُدَّعِي (p-١٤٩)حَتّى يُحْبَسَ مِن أجْلِ النُّكُولِ عَنْها وهي القَسامَةُ مَتى نَكَلُوا عَنِ الأيْمانِ فِيها حُبِسُوا، كَذَلِكَ حَبْسُ النّاكِلِ عَنِ اللِّعانِ أوْلى مِن إيجابِ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ إيجابُ الحَدِّ بِالنُّكُولِ وفِيها إيجابُ الحَبْسِ بِهِ. وأيْضًا فَإنَّ النُّكُولَ يَنْقَسِمُ إلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا بَدَلٌ لِما اسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ، وإمّا قائِمٌ مَقامَ الإقْرارِ؛ وبَدَلُ الحُدُودِ لا يَصِحُّ وما قامَ مَقامَ الغَيْرِ لا يَجُوزُ إيجابُ الحَدِّ بِهِ، كالشَّهادَةِ عَلى الشَّهادَةِ وكِتابِ القاضِي إلى القاضِي وشَهادَةِ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ وأيْضًا فَإنَّ النُّكُولَ لَمّا لَمْ يَكُنْ صَرِيحَ الإقْرارِ لَمْ يَجُزْ إثْباتُ الحَدِّ بِهِ، كالتَّعْرِيضِ وكاللَّفْظِ المُحْتَمِلِ لِلزِّنا ولِغَيْرِهِ فَلا يَجِبُ بِهِ الحَدُّ عَلى المُقِرِّ ولا عَلى القاذِفِ. فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ في قِصَّةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لاعَنَ بَيْنَهُما وعَظَ المَرْأةَ وذَكَّرَها وأخْبَرَها أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وكَذَلِكَ الرَّجُلَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ أرادَ بِعَذابِ الدُّنْيا حَدَّ الزِّنا أوِ القَذْفِ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مُرادُهُ بِعَذابِ الدُّنْيا الحَبْسَ أوِ الحَدَّ إذا أقَرَّ، فَإنْ كانَ المُرادُ الحَبْسَ فَهو عِنْدَ النُّكُولِ، وإنْ أرادَ الحَدَّ فَهو عِنْدَ إقْرارِها بِما يُوجِبُ الحَدَّ وإكْذابِ الزَّوْجِ لِنَفْسِهِ، فَلا دَلالَةَ لَهُ فِيهِ عَلى أنَّ النُّكُولَ يُوجِبُ الحَدَّ دُونَ الحَبْسِ فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ بِالنُّكُولِ وأيْمانِ الزَّوْجِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وأيْمانِ المَرْأةِ. قِيلَ لَهُ: النُّكُولُ والأيْمانُ لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ الحَدُّ، ألا تَرى أنَّ مَن ادَّعى عَلى رَجُلٍ قَذْفًا أنَّهُ لا يُسْتَحْلَفُ ولا يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي الحَدَّ بِنُكُولِ المُدَّعى عَلَيْهِ ولا بِيَمِينِهِ ؟ وكَذَلِكَ سائِرُ الحُدُودِ، ولا يُسْتَحْلَفُ فِيها ولا يُحْكَمُ فِيها بِالنُّكُولِ ولا بِرَدِّ اليَمِينِ. * * بابُ تَصادُقِ الزَّوْجَيْنِ أنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مِنهُ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: ( لا يُنْفى الوَلَدُ مِنهُ إلّا بِاللِّعانِ ) . وقالَ أصْحابُنا: ( تَصْدِيقُها إيّاهُ بِأنَّ ولَدَها مِنَ الزِّنا يُبْطِلُ اللِّعانَ فَلا يَنْتَفِي النَّسَبُ مِنهُ أبَدًا ) وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: ( إذا تَصادَقَ الزَّوْجانِ عَلى أنَّها ولَدَتْهُ وأنَّهُ لَيْسَ مِنهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الوَلَدُ وتُحَدُّ المَرْأةُ ) وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ قالَ: ( لَوْ شَهِدَ أرْبَعَةٌ عَلى امْرَأةٍ أنَّها زَنَتْ مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وهي حامِلٌ وقَدْ غابَ زَوْجُها مُنْذُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَأخَّرَها الإمامُ حَتّى وضَعَتْ ثُمَّ رَجَمَها فَقَدِمَ زَوْجُها بَعْدَما رُجِمَتْ فانْتَفى مِن ولَدِهِ وقالَ قَدْ كُنْتَ اسْتَبْرَأْتُها فَإنَّهُ يَلْتَعِنُ ويَنْتَفِي بِهِ الوَلَدُ عَنْ نَفْسِهِ ولا يَنْفِيهِ هَهُنا إلّا اللِّعانُ ) قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَنْتَفِيَ أبَدًا عَنْ صاحِبِ الفِراشِ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا ورَدَتِ السُّنَّةُ في إلْحاقِ (p-١٥٠)الوَلَدِ بِالأُمِّ وقَطْعِ نَسَبِهِ مِنَ الأبِ بِاللِّعانِ واسْتَعْمَلَ ذَلِكَ فُقَهاءُ الأمْصارِ سَلَّمْنا ذَلِكَ، وما عَدا ذَلِكَ مِمّا لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ فَهو لازِمٌ لِلزَّوْجِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ( الوَلَدُ لِلْفِراشِ ) . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أبُو يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي يَعْقُوبَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلى الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَنْ رَباحٍ قالَ: زَوَّجَنِي أهْلِي أمَةً لَهم رُومِيَّةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْها فَوَلَدَتْ لِي غُلامًا أسْوَدَ مِثْلِي فَسَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ طَبِنَ لَها غُلامٌ مِن أهْلِي رُومِيٌّ يُقالُ لَهُ يُوحَنّا، فَراطَنَها بِلِسانِهِ، فَوَلَدَتْ غُلامًا كانَ وزَغَةً مِنَ الوَزَغاتِ فَقُلْتَ لَها: ما هَذا ؟ فَقالَتْ: هَذا لِيُوحَنّا، فَرَفَعْنا إلى عُثْمانَ، قالَ: فَسَألَهُما فاعْتَرَفا، فَقالَ لَهُما: أتَرْضَيانِ أنْ أقْضِيَ بَيْنَكُما بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى أنَّ الوَلَدَ لِلْفِراشِ، فَجَلَدَها وجَلَدَهُ وكانا مَمْلُوكَيْنِ

النساء 4:19

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الآيَةَ؛ رَوى الشَّيْبانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: " كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ مِن ولِيِّ نَفْسِها، إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ "، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: " كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ وتَرَكَ امْرَأتَهُ قالَ ولِيُّهُ: ورِثْتُ امْرَأتَهُ كَما ورِثْتُ مالَهُ، فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِالصَّداقِ الأوَّلِ وإنْ شاءَ زَوَّجَها وأخَذَ صَداقَها " قالَ مُجاهِدٌ: " وذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنِ ابْنَها " قالَ أبُو مِجْلَزٍ: فَكانَ بِالمِيراثِ أوْلى مِن ولِيِّ نَفْسِها. ورَوى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ إذا ماتَ الرَّجُلُ يَقُومُ أقْرَبُ النّاسِ مِنهُ فَيُلْقِي عَلى امْرَأتِهِ ثَوْبًا فَيَرِثُ نِكاحَها، فَماتَ أبُو عامِرٍ زَوْجُ كَبْشَةَ بِنْتِ مَعْنٍ، فَجاءَ ابْنُ عامِرٍ مِن غَيْرِها وألْقى عَلَيْها ثَوْبًا فَلَمْ يَقْرَبْها ولَمْ يُنْفِقْ عَلَيْها، فَشَكَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أنْ تُؤْتُوهُنَّ الصَّداقَ الأوَّلَ " . وقالَ الزُّهْرِيُّ: " كانَ يَحْبِسُها مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلَيْها حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثُها فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: " هو أمْرٌ لِلْأزْواجِ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِها إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيها حاجَةٌ ولا يُمْسِكُها إضْرارًا بِها حَتّى تَفْتَدِيَ بِبَعْضِ مالِها " . وقالَ الحَسَنُ: " هو نَهْيٌ لِوَلِيِّ الزَّوْجِ المَيِّتِ أنْ يَمْنَعَها مِنَ التَّزَوُّجِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " هو نَهْيٌ لِوَلِيِّها أنْ يَعْضُلَها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الأظْهَرُ هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وما ذُكِرَ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يُرِيدُ بِهِ المَهْرَ حَتّى تَفْتَدِيَ كَأنَّهُ يَعْضُلَها أوْ يُسِيءُ إلَيْها لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِبَعْضِ مَهْرِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قالَ الحَسَنُ وأبُو قُلابَةَ والسُّدِّيُّ: " هو الزِّنا وإنَّهُ إنَّما تَحِلُّ لَهُ الفِدْيَةُ إذا اطَّلَعَ مِنها عَلى رِيبَةٍ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: " هي النُّشُوزُ، فَإذا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها الفِدْيَةَ " . وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ أمْرَ الخُلْعِ وأحْكامَهُ. * * (p-٤٧)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أمْرٌ لِلْأزْواجِ بِعِشْرَةِ نِسائِهِمْ بِالمَعْرُوفِ، ومِنَ المَعْرُوفِ أنْ يُوفِّيَها حَقَّها مِنَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والقَسْمِ وتَرْكُ أذاها بِالكَلامِ الغَلِيظِ والإعْراضِ عَنْها والمَيْلِ إلى غَيْرِها وتَرْكُ العُبُوسِ والقُطُوبِ في وجْهِها بِغَيْرِ ذَنْبٍ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] * * وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ إلى إمْساكِها مَعَ كَراهَتِهِ لَها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُوافِقُ مَعْنى ذَلِكَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا كُثَيِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدٍ عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ واصِلٍ عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ تَعالى الطَّلاقُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ يَزِيدَ النِّيلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُهَلَّبُ بْنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا شُعَيْبُ بْنُ بَيانٍ عَنْ عِمْرانَ القَطّانِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَزَوَّجُوا ولا تُطَلِّقُوا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الذَّوّاقِينَ والذَّوّاقاتِ» . فَهَذا القَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُوافِقٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن كَراهَةِ الطَّلاقِ والنَّدْبِ إلى الإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ مَعَ كَراهَتِهِ لَها، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الخِيرَةَ رُبَّما كانَتْ لَنا في الصَّبْرِ عَلى ما نَكْرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]

النساء 4:20

ذِكْرُ اخْتِلافِ السَّلَفِ وسائِرِ فُقَهاءِ الأمْصارِ فِيما يَحِلُّ أخْذُهُ بِالخُلْعِ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَأْخُذَ مِنها أكْثَرَ مِمّا أعْطاها؛ وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ والحَسَنِ؛ وطاوُسٍ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ وعُثْمانَ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ؛ رِوايَةٌ أُخْرى؛ أنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يَخْلَعَها عَلى أكْثَرَ مِمّا أعْطاها؛ ولَوْ بِعِقاصِها؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وزُفَرُ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ: إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِها حَلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها ما أعْطاها؛ ولا يَزْدادَ؛ وإنْ كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا؛ فَإنْ فَعَلَ جازَ في القَضاءِ؛ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: تَجُوزُ المُبارَأةُ إذا كانَتْ مِن غَيْرِ إضْرارٍ مِنهُ؛ وإنْ كانَتْ عَلى إضْرارٍ مِنهُ لَمْ تَجُزْ؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ: إذا عُلِمَ أنَّ زَوْجَها أضَرَّ بِها؛ وضَيَّقَ عَلَيْها؛ وأنَّهُ ظالِمٌ لَها؛ قَضى عَلَيْها الطَّلاقَ؛ ورَدَّ عَلَيْها مالَها. وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ؛ أنَّهُ جائِزٌ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ مِنها في الخُلْعِ أكْثَرَ مِمّا أعْطاها؛ ويَحِلُّ لَهُ؛ وإنْ كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ حَلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ ما أعْطَتْهُ عَلى الخُلْعِ؛ إذا رَضِيَتْ بِذَلِكَ؛ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنهُ لَها؛ وعَنِ اللَّيْثِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: إذا كانَ الخُلْعُ مِن قِبَلِها فَلا بَأْسَ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا؛ وإذا (p-٩٢)كانَ مِن قِبَلِهِ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ في رَجُلٍ خالَعَ امْرَأتَهُ وهي مَرِيضَةٌ: إنْ كانَتْ ناشِزَةً كانَ في ثُلُثِها؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ ناشِزَةً رُدَّ عَلَيْها؛ وكانَتْ لَهُ عَلَيْها الرَّجْعَةُ؛ وإنْ خالَعَها؛ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها؛ عَلى جَمِيعِ ما أصْدَقَها؛ ولَمْ يَتَبَيَّنْ مِنها نُشُوزٌ؛ فَإنَّهُما إذا اجْتَمَعا عَلى فَسْخِ النِّكاحِ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها؛ فَلا أرى بِذَلِكَ بَأْسًا؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: إذا كانَتِ الإساءَةُ مِن قِبَلِهِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَخْلَعَها بِقَلِيلٍ؛ ولا بِكَثِيرٍ؛ وإذا كانَتِ الإساءَةُ مِن قِبَلِها؛ والتَّعْطِيلُ لِحَقِّهِ؛ كانَ لَهُ أنْ يُخالِعَها عَلى ما تَراضَيا عَلَيْهِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا كانَتِ المَرْأةُ مانِعَةً ما يَجِبُ عَلَيْها لِزَوْجِها حَلَّتِ الفِدْيَةُ لِلزَّوْجِ؛ وإذا حَلَّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ ما طابَتْ بِهِ نَفْسًا عَلى غَيْرِ فِراقٍ؛ حَلَّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ ما طابَتْ بِهِ نَفْسًا وتَأْخُذَ الفِراقَ بِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) في الخُلْعِ آياتٍ؛ مِنها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾؛ فَهَذا يَمْنَعُ أخْذَ شَيْءٍ مِنها إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها في هَذِهِ الحالِ شَيْئًا؛ وقالَ (تَعالى) في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فَأباحَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخْذَ عِنْدَ خَوْفِهِما تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ عَلى ما قَدَّمْنا مِن بُغْضِ المَرْأةِ لِزَوْجِها؛ وسُوءِ خُلُقِها؛ أوْ كانَ ذَلِكَ مِنهُما؛ فَيُباحُ لَهُ أخْذُ ما أعْطاها؛ ولا يَزْدادُ؛ والظّاهِرُ يَقْتَضِي جَوازَ أخْذِ الجَمِيعِ؛ ولَكِنَّ ما زادَ مَخْصُوصٌ بِالسُّنَّةِ. وقالَ (تَعالى) في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]؛ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ؛ وحُظِرَ بِهِ أخْذُ شَيْءٍ مِمّا أعْطاها؛ إلّا أنْ تَأْتِيَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛ قِيلَ فِيها: إنَّها هي الزِّنا؛ وقِيلَ فِيها: إنَّها النُّشُوزُ مِن قِبَلِها؛ وهَذِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وقالَ (تَعالى) في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ [النساء: ٣٥]؛ وسَنَذْكُرُ حُكْمَها في مَواضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). وذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) إباحَةَ أخْذِ المَهْرِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ؛ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حالَ الخُلْعِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ وقالَ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى مُقْتَضى أحْكامِها؛ فَقُلْنا: إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ (p-٩٣)أخْذُ شَيْءٍ مِنها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]؛ وإذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِها؛ أوْ خافا - لِسُوءِ خُلُقِها؛ أوْ بُغْضِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ - ألّا يُقِيما؛ جازَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ ما أعْطاها؛ ولا يَزْدادَ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]؛ وقَدْ قِيلَ فِيهِ: إلّا أنْ تَنْشُزَ فَيَجُوزَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أخْذُ ما أعْطاها. وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ فَهَذا في غَيْرِ حالِ الخُلْعِ؛ بَلْ في حالِ الرِّضا بِتَرْكِ المَهْرِ بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِها بِهِ. وقَوْلُ مَن قالَ: "إنَّهُ لَمّا أجازَ أخْذَ مالِها بِغَيْرِ خَلْعٍ؛ فَهو جائِزٌ في الخُلْعِ "؛ خَطَأٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ نَصَّ عَلى المَوْضِعَيْنِ في أحَدِهِما بِالحَظْرِ؛ وهو قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وفي الآخَرِ بِالإباحَةِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ فَقَوْلُ القائِلِ: "لَمّا جازَ أنْ يَأْخُذَ مالَها بِطِيبَةِ نَفْسِها مِن غَيْرِ خُلْعٍ؛ جازَ في الخُلْعِ "؛ قَوْلٌ مُخالِفٌ لِنَصِّ الكِتابِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الخُلْعِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ؛ عَنْ مالِكٍ؛ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرارَةَ؛ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الأنْصارِيَّةِ؛ أنَّها كانَتْ تَحْتَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمّاسِ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلى الصُّبْحِ؛ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بابِهِ في الغَلَسِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن هَذِهِ؟"؛ قالَتْ: أنا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ؛ قالَ: "ما شَأْنُكِ؟"؛ قالَتْ: لا أنا؛ ولا ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ - لِزَوْجِها -؛ فَلَمّا جاءَهُ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ قالَ لَهُ: "هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ؛ قَدْ ذَكَرَتْ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَذْكُرَ"؛ فَقالَتْ حَبِيبَةُ: كُلُّ ما أعْطانِي عِنْدِي؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِثابِتٍ: "خُذْ مِنها"؛ فَأخَذَ مِنها؛ وجَلَسَتْ في أهْلِها؛» ورُوِيَ فِيهِ ألْفاظٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ في بَعْضِها: "خَلِّ سَبِيلَها"؛ وفي بَعْضِها: "فارِقْها". وإنَّما قالُوا: إنَّهُ لا يَسَعُهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها أكْثَرَ مِمّا أعْطاها لِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ؛ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ أبِي سَمِينَةَ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ عَنْ عَطاءٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ «أنَّ رَجُلًا خاصَمَ امْرَأتَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "تَرُدِّينَ إلَيْهِ ما أخَذْتِ مِنهُ؟"؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ وزِيادَةً؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أمّا الزِّيادَةُ فَلا"؛» وقالَ أصْحابُنا: لا يَأْخُذُ مِنهُ الزِّيادَةَ؛ لِهَذا الخَبَرِ؛ وخَصُّوا بِهِ ظاهِرَ الآيَةِ؛ وإنَّما جازَ تَخْصِيصُ هَذا الظّاهِرِ (p-٩٤)بِخَبَرِ الواحِدِ؛ مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ لِمَعانٍ؛ والِاجْتِهادُ سائِغٌ فِيهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ فِيهِ وُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]؛ مُحْتَمِلٌ لِمَعانٍ؛ عَلى ما وصَفْنا؛ فَجازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ وهو كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [المائدة: ٦]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ لَمّا كانَ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُوهِ؛ واخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُرادِ بِهِ؛ جازَ قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ في مَعْناهُ المُرادِ بِهِ. وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إذا خَلَعَها عَلى أكْثَرَ مِمّا أعْطاها؛ أوْ خَلَعَها عَلى مالٍ والنُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ في الحُكْمِ؛ وإنْ لَمْ يَسَعْهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ مِن قِبَلِ أنَّها أعْطَتْهُ بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِها؛ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ عَلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ"». وأيْضًا فَإنَّ النَّهْيَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَعْنًى في نَفْسِ العَقْدِ؛ وإنَّما تَعَلَّقَ بِمَعْنًى في غَيْرِهِ؛ وهو أنَّهُ لَمْ يُعْطِها مِثْلَ ما أخَذَ مِنها؛ ولَوْ كانَ قَدْ أعْطاها مِثْلَ ذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا؛ فَلَمّا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِمَعْنًى في غَيْرِ العَقْدِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ جَوازَ العَقْدِ؛ كالبَيْعِ عِنْدَ أذانِ الجُمُعَةِ؛ وبَيْعِ حاضِرٍ لِبادٍ؛ وتَلَقِّي الرُّكْبانِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ. وأيْضًا لَمّا جازَ العِتْقُ عَلى قَلِيلِ المالِ؛ وكَثِيرِهِ؛ وكَذَلِكَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ العَمْدِ؛ كانَ كَذَلِكَ الطَّلاقُ؛ وكَذَلِكَ النِّكاحُ؛ لَمّا جازَ عَلى أكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ؛ وهو بَدَلُ البُضْعِ؛ كَذَلِكَ جازَ أنْ تَضْمَنَهُ المَرْأةُ بِأكْثَرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ البُضْعِ في الحالَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الخُلْعُ فَسْخًا لِعَقْدِ النِّكاحِ لَمْ يَجُزْ بِأكْثَرَ مِمّا وقَعَ عَلَيْهِ العَقْدُ؛ كَما لا يَجُوزُ الإقالَةُ بِأكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ؛ قِيلَ لَهُ: قَوْلُكَ: " إنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ"؛ خَطَأٌ؛ وإنَّما هو طَلاقٌ مُبْتَدَأٌ؛ كَهو لَوْ لَمْ يُشْرَطْ فِيهِ بَدَلٌ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلا خِلافَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الإقالَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَعَها عَلى أقَلَّ مِمّا أعْطاها جازَ بِالِاتِّفاقِ؛ والإقالَةُ غَيْرُ جائِزَةٍ بِأقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ؛ ولا خِلافَ أيْضًا في جَوازِ الخُلْعِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في الخُلْعِ دُونَ السُّلْطانِ؛ فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وابْنِ سِيرِينَ؛ أنَّ الخُلْعَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ السُّلْطانِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ الخُلْعُ حَتّى يَعِظَها؛ فَإنِ اتَّعَظَتْ وإلّا هَجَرَها؛ فَإنِ اتَّعَظَتْ وإلّا ضَرَبَها؛ فَإنِ اتَّعَظَتْ وإلّا ارْتَفَعا إلى السُّلْطانِ؛ فَيَبْعَثُ حَكَمًا مِن أهْلِهِ؛ وحَكَمًا مِن أهْلِها؛ فَيَرُدّانِ ما يَسْمَعانِ إلى السُّلْطانِ؛ فَإنْ رَأى بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يُفَرِّقَ فَرَّقَ؛ وإنْ رَأى أنْ يَجْمَعَ جَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وعُمَرَ؛ وعُثْمانَ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وشُرَيْحٍ؛ وطاوُسٍ؛ والزُّهْرِيِّ؛ في آخَرِينَ؛ أنَّ الخُلْعَ جائِزٌ دُونَ السُّلْطانِ؛ ورَوى سَعِيدٌ؛ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ زِيادٌ أوَّلَ مَن (p-٩٥)رَدَّ الخُلْعَ دُونَ السُّلْطانِ. ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في جَوازِهِ دُونَ السُّلْطانِ؛ وكِتابُ اللَّهِ (تَعالى) يُوجِبُ جَوازَهُ؛ وهو قَوْلُهُ ( تَعالى): ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ وقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فَأباحَ الأخْذَ مِنها بِتَراضِيهِما مِن غَيْرِ سُلْطانٍ؛ «وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِامْرَأةِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ: "أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟"؛ فَقالَتْ: نَعَمْ؛ فَقالَ لِلزَّوْجِ: "خُذْها؛ وفارِقْها"؛» يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخُلْعُ إلى السُّلْطانِ - شاءَ الزَّوْجانِ؛ أوْ أبَيا؛ إذا عَلِمَ أنَّهُما لا يُقِيمانِ حُدُودَ اللَّهِ (تَعالى) - لَمْ يَسْألْهُما النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ ولا خاطَبَ الزَّوْجَ بِقَوْلِهِ: "فارِقْها"؛ بَلْ كانَ يَخْلَعُها مِنهُ؛ ويَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؛ وإنْ أبَيا؛ أوْ واحِدٌ مِنهُما؛ كَما أنَّهُ لَمّا كانَتْ فُرْقَةُ المُتَلاعِنَيْنِ إلى الحاكِمِ؛ لَمْ يَقُلْ لِلْمُلاعِنِ: "خَلِّ سَبِيلَها"؛ بَلْ فَرَّقَ بَيْنَهُما؛ كَما رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ؛» كَما قالَ في حَدِيثٍ آخَرَ: «لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها»؛ ولَمْ يَرْجِعْ ذَلِكَ إلى الزَّوْجِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ جَوازُ الخُلْعِ دُونَ السُّلْطانِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: «"لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ"؛» وقَدِ اخْتُلِفَ في الخُلْعِ؛ هَلْ هو طَلاقٌ؛ أمْ لَيْسَ بِطَلاقٍ؟ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ وعَبْدِ اللَّهِ؛ وعُثْمانَ؛ والحَسَنِ؛ وأبِي سَلَمَةَ؛ وشُرَيْحٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ ومَكْحُولٍ؛ أنَّ الخُلْعَ تَطْلِيقَةٌ بائِنَةٌ؛ وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ لا خِلافَ بَيْنَهم فِيهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ قالَ: سَألَ رَجُلٌ طاوُسًا عَنِ الخُلْعِ؛ فَقالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَقُلْتُ: لا تَزالُ تُحَدِّثُنا بِشَيْءٍ لا نَعْرِفُهُ؛ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ جَمَعَ ابْنُ عَبّاسٍ بَيْنَ امْرَأةٍ وزَوْجِها بَعْدَ تَطْلِيقَتَيْنِ؛ وخُلْعٍ؛ ويُقالُ: هَذا مِمّا أخْطَأ فِيهِ طاوُسٌ؛ وكانَ كَثِيرَ الخَطَإ؛ مَعَ جَلالَتِهِ؛ وفَضْلِهِ؛ وصَلاحِهِ؛ يَرْوِي أشْياءَ مُنْكَرَةً؛ مِنها أنَّهُ رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن طَلَّقَ ثَلاثًا كانَتْ واحِدَةً؛ ورَوى مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ عَدَدَ النُّجُومِ؛ بانَتْ مِنهُ بِثَلاثٍ؛ قالُوا: وكانَ أيُّوبُ يَتَعَجَّبُ مِن كَثْرَةِ خَطَإ طاوُسٍ؛ وذَكَرَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ؛ عَنْ طاوُسٍ؛ أنَّهُ قالَ: اَلْخُلْعُ لَيْسَ بِطَلاقٍ؛ قالَ: فَأنْكَرَهُ عَلَيْهِ أهْلُ مَكَّةَ؛ فَجَمَعَ ناسًا مِنهم واعْتَذَرَ إلَيْهِمْ؛ وقالَ: إنَّما سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ ذَلِكَ. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو هَمّامٍ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَوْحِ بْنِ جَناحٍ قالَ: سَمِعْتُ زَمْعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ يَقُولُ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخُلْعَ تَطْلِيقَةً؛» ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلاقٌ قَوْلُهُ ﷺ لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ؛ حِينَ (p-٩٦)نَشَزَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ: "خَلِّ سَبِيلَها"؛ وفي بَعْضِ الألْفاظِ: " فارِقْها"؛ بَعْدَما قالَ لِلْمَرْأةِ: "رُدِّي عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؛ فَقالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: "قَدْ فارَقْتُكِ"؛ أوْ: "قَدْ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ"؛ ونِيَّتُهُ الفُرْقَةُ؛ أنَّهُ يَكُونُ طَلاقًا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ خُلْعَهُ إيّاها بِأمْرِ الشّارِعِ كانَ طَلاقًا؛ وأيْضًا لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ قالَ لَها: "قَدْ طَلَّقْتُكِ عَلى مالٍ"؛ أوْ: "قَدْ جَعَلْتُ أمْرَكِ إلَيْكِ بِمالٍ"؛ كانَ طَلاقًا؛ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: "قَدْ خَلَعْتُكِ بِغَيْرِ مالٍ"؛ يُرِيدُ بِهِ الفُرْقَةَ؛ كانَ طَلاقًا؛ كَذَلِكَ إذا خَلَعَها بِمالٍ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا قالَ بِلَفْظِ الخُلْعِ كانَ بِمَنزِلَةِ الإقالَةِ في البَيْعِ؛ فَتَكُونُ فَسْخًا؛ لا بَيْعًا مُبْتَدَأً؛ قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ في جَوازِ الخُلْعِ بِغَيْرِ مالٍ؛ وعَلى أقَلَّ مِنَ المَهْرِ؛ والإقالَةُ لا تَجُوزُ إلّا بِالثَّمَنِ الَّذِي كانَ في العَقْدِ؛ ولَوْ كانَ الخُلْعُ فَسْخًا؛ كالإقالَةِ؛ لَما جازَ إلّا بِالمَهْرِ الَّذِي تَزَوَّجَها عَلَيْهِ؛ وفي اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى جَوازِهِ بِغَيْرِ مالٍ؛ وبِأقَلَّ مِنَ المَهْرِ؛ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ طَلاقٌ بِمالٍ؛ وأنَّهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ؛ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: "قَدْ طَلَّقْتُكِ عَلى هَذا المالِ". ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ؛ أنَّ اللَّهَ ( تَعالى) لَمّا قالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ إلى أنْ قالَ - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَأثْبَتَ الثّالِثَةَ بَعْدَ الخُلْعِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الخُلْعَ لَيْسَ بِطَلاقٍ؛ إذْ لَوْ كانَ طَلاقًا لَكانَتْ هَذِهِ رابِعَةً؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الخُلْعَ بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الثّالِثَةَ بَعْدَ الخُلْعِ؛ وهَذا لَيْسَ عِنْدَنا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ أفادَ حُكْمَ الِاثْنَتَيْنِ؛ إذا أوْقَعَهُما عَلى غَيْرِ وجْهِ الخُلْعِ؛ وأثْبَتَ مَعَهُما الرَّجْعَةَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَهُما إذا كانَتا عَلى وجْهِ الخُلْعِ؛ وأبانَ عَنْ مَوْضِعِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ فِيهِما؛ والحالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها أخْذُ المالِ؛ أوْ لا يَجُوزُ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَعادَ ذَلِكَ إلى الِاثْنَتَيْنِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُما عَلى وجْهِ الخُلْعِ تارَةً؛ وعَلى غَيْرِ وجْهِ الخُلْعِ أُخْرى؛ فَإذًا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الخُلْعَ بَعْدَ الِاثْنَتَيْنِ؛ ثُمَّ الرّابِعَةَ بَعْدَ الخُلْعِ؛ وهَذا مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ المُخْتَلِعَةَ يَلْحَقُها الطَّلاقُ؛ لِأنَّهُ لَمّا اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ؛ وتَرْتِيبَ أحْكامِها عَلى ما وصَفْنا؛ وحَصَلَتِ الثّالِثَةُ بَعْدَ الخُلْعِ؛ وحَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) بِصِحَّةِ وُقُوعِها؛ وحُرْمَتِها عَلَيْهِ أبَدًا؛ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُخْتَلِعَةَ يَلْحَقُها الطَّلاقُ ما دامَتْ في العِدَّةِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الثّالِثَةَ بَعْدَ الخُلْعِ قَوْلُهُ (تَعالى) - في نَسَقِ التِّلاوَةِ -: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ عَطْفًا (p-٩٧)عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ فَأباحَ لَهُما التَّراجُعَ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ الثّالِثَةِ؛ بِشَرِيطَةِ زَوالِ ما كانا عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ لِتَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَنْدَما بَعْدَ الفُرْقَةِ؛ ويُحِبَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَعُودَ إلى الأُلْفَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّالِثَةَ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ الخُلْعِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ الإباحَةَ بِالظَّنِّ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ دُونَ الفِدْيَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها؛ قِيلَ لَهُ: هَذا يَفْسُدُ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ خِطابٌ مُبْتَدَأٌ بَعْدَ ذِكْرِ الِاثْنَتَيْنِ؛ غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِالواوِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ قالَ عُقَيْبَ ذِكْرِ الفِدْيَةِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلى الفِدْيَةِ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ تَرْتِيبُهُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ المَبْدُوءِ بِذِكْرِهِما؛ وتَرْكُ عَطْفِهِ عَلى ما يَلِيهِ؛ إلّا بِدَلالَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ وتُوجِبُهُ؛ كَما تَقُولُ في الِاسْتِثْناءِ بِلَفْظِ التَّخْصِيصِ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى ما يَلِيهِ؛ ولا يَرُدُّ ما تَقَدَّمَهُ إلّا بِدَلالَةٍ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ أنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ عائِدٌ عَلى الرَّبائِبِ؛ دُونَ أُمَّهاتِ النِّساءِ؛ إذْ كانَ العَطْفُ بِالفاءِ يَلِيهِنَّ؛ دُونَ أُمَّهاتِ النِّساءِ؟ مَعَ أنَّ هَذا أقْرَبُ مِمّا ذَكَرْتُ مِن عَطْفِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ دُونَ ما يَلِيهِ في الفِدْيَةِ؛ لِأنَّكَ لا تَجْعَلُهُ عَطْفًا عَلى ما يَلِيهِ مِنَ الفِدْيَةِ؛ وتَجْعَلُهُ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ دُونَما تَوَسُّطٍ بَيْنَهُما مِن ذِكْرِ الفِدْيَةِ؛ وأيْضًا فَإنّا نَجْعَلُهُ عَطْفًا عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الفِدْيَةِ؛ ومِمّا تَقَدَّمَها مِنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ؛ عَلى غَيْرِ وجْهِ الفِدْيَةِ؛ فَيَكُونُ مُنْتَظِمًا لِفائِدَتَيْنِ؛ إحْداهُما: جَوازُ طَلاقِها بَعْدَ الخُلْعِ بِتَطْلِيقَتَيْنِ؛ والأُخْرى: بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ؛ إذا أوْقَعَهُما عَلى غَيْرِ وجْهِ الفِدْيَةِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ الآيَةَ، قَدِ اقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ إيجابَ المَهْرِ لَها تَمْلِيكًا صَحِيحًا ومَنعَ الزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ سالِمٌ لَها سَواءٌ اسْتَبْدَلَ بِها أوْ أمْسَكَها، وأنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ أخْذُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا بِما أباحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أخْذَ مالِ الغَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وظاهِرُهُ يَقْتَضِي حَظْرَ أخْذِ شَيْءٍ مِنهُ بَعْدَ الخَلْوَةِ، فَيُحْتَجُّ بِهِ في إيجابِ كَمالِ المَهْرِ إذا طَلَّقَ بَعْدَ الخَلْوَةِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ في حَظْرِ الأخْذِ في كُلِّ حالٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ وقَدْ خَصَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إذا طَلَّقَ قَبْلَ الخَلْوَةِ في سُقُوطِ نِصْفِ المَهْرِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ ذَلِكَ مُرادٌ إذا طَلَّقَ قَبْلَ الخَلْوَةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في الخَلْوَةِ هَلْ هي المَسِيسُ المُرادُ بِالآيَةِ أوِ المَسِيسُ الجِماعُ ؟ واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ عَلِيًّا وعُمَرَ وغَيْرَهُما مِنَ الصَّحابَةِ قَدْ تَأوَّلُوهُ (p-٤٨)عَلَيْها، وتَأوَّلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى الجِماعِ، فَلا يَخُصُّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ بِالِاحْتِمالِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن وهَبَ لِامْرَأتِهِ هِبَةً لا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيها؛ لِأنَّها مِمّا آتاها، وعُمُومُ اللَّفْظِ قَدْ حَظَرَ أخْذَ شَيْءٍ مِمّا آتاها مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ المَهْرِ وغَيْرِهِ ويُحْتَجُّ فِيمَن خَلَعَ امْرَأتَهُ عَلى مالٍ وقَدْ أعْطاها صَداقَها أنَّهُ لا يَرْجِعُ عَلَيْها بِشَيْءٍ مِنَ الصَّداقِ الَّذِي أعْطاها عَيْنًا كانَ أوْ عَرَضًا عَلى ما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ في ذَلِكَ. ويَحْتَجُّ بِهِ فِيمَن أسَلَفَ امْرَأتَهُ نَفَقَتَها لِمُدَّةٍ ثُمَّ ماتَتْ قَبْلَ المُدَّةِ أنَّهُ لا يَرْجِعُ في مِيراثِها بِشَيْءٍ مِمّا أعْطاها لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْرى بَعْدَ مَوْتِها مُسْتَبْدِلًا بِها مَكانَ الأُولى، فَظاهِرُ اللَّفْظِ قَدْ تَناوَلَ هَذِهِ الحالَ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا عَقِبَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِأوَّلِ الخِطابِ فِيما أعْطاها هو المَهْرُ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذْ كانَ هَذا المَعْنى إنَّما يَخْتَصُّ بِالمَهْرِ دُونَ ما سِواهُ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الخِطابِ عُمُومًا في جَمِيعِ ما انْتَظَمَهُ الِاسْمُ، ويَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ خاصٍّ فِيهِ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ خُصُوصَ اللَّفْظِ الأوَّلِ، وقَدْ بَيَّنّا نَظائِرَ ذَلِكَ في مَواضِعَ. وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا دَخَلَ بِها ثُمَّ وقَعَتِ الفُرْقَةُ مِن قِبَلِها بِمَعْصِيَةٍ أوْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أنَّ مَهْرَها واجِبٌ لا يُبْطِلُهُ وُقُوعُ الفُرْقَةِ مِن قِبَلِها. وفائِدَةُ تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى حالَ الِاسْتِبْدالِ بِالنَّهْيِ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا أعْطاها مَعَ شُمُولِ الحَظْرِ لِسائِرِ الأحْوالِ إزالَةُ تَوَهُّمِ مَن يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ حُصُولِ البُضْعِ لَها وسُقُوطِ حَقِّ الزَّوْجِ عَنْهُ بِطَلاقِها وأنَّ الثّانِيَةَ قَدْ قامَتْ مَقامَ الأُولى فَتَكُونُ أوْلى بِالمَهْرِ الَّذِي أعْطاها فَنَصَّ عَلى حَظْرِ الأخْذِ في هَذِهِ الحالِ، ودَلَّ بِهِ عَلى عُمُومِهِ في سائِرِ الأحْوالِ إذا لَمْ يُبِحْ لَهُ أخْذَ شَيْءٍ مِمّا أعْطاها في الحالِ الَّتِي يَسْقُطُ حَقُّهُ عَنْ بُضْعِها، فَهو أوْلى أنْ لا يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مَعَ بَقاءِ حَقِّهِ في اسْتِباحَةِ بُضْعِها وكَوْنِهِ أمْلَكَ بِها مِن نَفْسِها. وأكَّدَ اللَّهُ تَعالى حَظْرَ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا أعْطى بِأنْ جَعَلَهُ ظُلْمًا كالبُهْتانِ، وهو الكَذِبُ الَّذِي يُباهِتُ بِهِ مُخْبِرُهُ ويُكابِرُ بِهِ مِن يُخاطِبُهُ، وهَذا أقْبَحُ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ وأفْحَشُهُ؛ فَشَبَّهَ أخْذَ ما أعْطاها بِغَيْرِ حَقٍّ بِالبُهْتانِ في قُبْحِهِ فَسَمّاهُ بُهْتانًا وإثْمًا.

النساء 4:21

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ: ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ الإفْضاءَ هو الخَلْوَةُ وإنْ لَمْ يَقَعْ دُخُولٌ. وقَوْلُ الفَرّاءِ حُجَّةٌ فِيما يَحْكِيهِ مِنَ اللُّغَةِ، فَإذا كانَ اسْمُ الإفْضاءِ يَقَعُ عَلى الخَلْوَةِ فَقَدْ مَنَعَتْ (p-٤٩)الآيَةُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا بَعْدَ الخَلْوَةِ والطَّلاقِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] قَدْ أفادَ الفُرْقَةَ والطَّلاقَ، والإفْضاءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَضاءِ، وهو المَكانُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ بِناءٌ حاجِزٌ عَنْ إدْراكِ ما فِيهِ، فَسُمِّيتِ الخَلْوَةُ إفْضاءً لِزَوالِ المانِعِ مِنَ الوَطْءِ والدُّخُولِ. ومِنَ النّاسِ مِن يَقُولُ: إنَّ الفَضاءَ السَّعَةُ، وأفْضى: إذا صارَ في المُتَّسَعِ مِمّا يَقْصِدُهُ. وجائِزٌ عَلى هَذا الوَضْعِ أيْضًا أنْ تُسَمّى الخَلْوَةُ إفْضاءً لَوُصُولِهِ بِها إلى مَكانِ الوَطْءِ واتِّساعِ ذَلِكَ بِالخَلْوَةِ، وقَدْ كانَ يَضِيقُ عَلَيْهِ الوُصُولُ إلَيْها قَبْلَ الخَلْوَةِ، فَسُمِّيَتِ الخَلْوَةُ إفْضاءً لِهَذا المَعْنى، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِمّا أعْطاها مَعَ إفْضاءِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، وهو الوُصُولُ إلى مَكانِ الوَطْءِ وبَذْلُها ذَلِكَ لَهُ وتَمْكِينُها إيّاهُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها. فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَمْنَعُ الزَّوْجَ أخْذَ شَيْءٍ مِمّا أعْطاها إذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ هو المُرِيدُ لِلْفُرْقَةِ دُونَها، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ النُّشُوزَ إذا كانَ مِن قِبَلِهِ يُكْرَهُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِن مَهْرِها، وإذا كانَ مِن قِبَلِها فَجائِزٌ لَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ الفاحِشَةَ هي النُّشُوزُ، وقالَ غَيْرُهُ: " هي الزِّنا " . ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] وذَلِكَ غَلَطٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] قَدْ أفادَ حالَ كَوْنِ النُّشُوزِ مِن قِبَلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إنَّما فِيهِ ذِكْرُ حالٍ أُخْرى غَيْرِ الأُولى، وهي الحالُ الَّتِي يَكُونُ النُّشُوزُ مِنها وافْتَدَتْ فِيها المَرْأةُ مِنهُ، فَهَذِهِ حالٌ غَيْرُ تِلْكَ وكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الحالَيْنِ مَخْصُوصَةٌ بِحُكْمٍ دُونَ الأُخْرى. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ قالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هو قَوْلُهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . قالَ قَتادَةُ: " وكانَ يُقالُ لِلنّاكِحِ في صَدْرِ الإسْلامِ: اللَّهُ عَلَيْكَ لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ لَتُسَرِّحَنَّ بِإحْسانٍ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " كَلِمَةُ النِّكاحِ الَّتِي يُسْتَحَلُّ بِها الفَرْجُ " . وقالَ غَيْرُهُ: هو قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى؛» واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ

النساء 4:22

بابُ ما يَحْرُمُ مِنَ النِّساءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْبَرَنا أبُو عُمَرَ (p-٥٠)غُلامُ ثَعْلَبٍ قالَ: الَّذِي حَصَّلْناهُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّ النِّكاحَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، تَقُولُ العَرَبُ: " أنْكَحْنا الفَرا فَسَنَرى " هو مَثَلٌ ضَرَبُوهُ لِلْأمْرِ يَتَشاوَرُونَ فِيهِ ويَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُنْظَرُ عَنْ ماذا يَصْدُرُونَ فِيهِ، مَعْناهُ: جَمَعْنا بَيْنَ الحِمارِ وأتانِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا كانَ اسْمُ النِّكاحِ في حَقِيقَةِ اللُّغَةِ مَوْضُوعًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، ثُمَّ وجَدْناهم قَدْ سَمُّوا الوَطْءَ نَفْسَهُ نِكاحًا مِن غَيْرِ عَقْدٍ كَما قالَ الأعْشى: ؎ومَنكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ وأُخْرى يُقالُ لَهُ فادِها يَعْنِي المَسْبِيَّةَ المَوْطُوءَةَ بِغَيْرِ مَهْرٍ ولا عَقْدٍ، وقالَ الآخَرُ: ؎ومِن أيِّمٍ قَدْ أنْكَحَتْها رِماحُنا ∗∗∗ وأُخْرى عَلى عَمٍّ وخالٍ تَلْهَفُ وهَذا يَعْنِي المَسْبِيَّةَ أيْضًا؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ أيْضًا: ؎فَنَكَحْنَ أبْكارًا وهُنَّ بِأُمَّةٍ ∗∗∗ أعْجَلْنَهُنَّ مَظِنَّةَ الإعْذارِ وهُوَ يَعْنِي الوَطْءَ أيْضًا؛ ولا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِن إطْلاقِ اسْمِ النِّكاحِ عَلى الوَطْءِ. وقَدْ تَناوَلَ الِاسْمُ العَقْدَ أيْضًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] والمُرادُ بِهِ العَقْدُ دُونَ الوَطْءِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ؛» فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اسْمَ النِّكاحِ يَقَعُ عَلى العَقْدِ، والثّانِي: دَلالَتُهُ عَلى أنَّهُ قَدْ يَتَناوَلُ الوَطْءَ مِن غَيْرِ عَقْدٍ، لَوْلا ذَلِكَ لاكْتَفى بِقَوْلِهِ: أنا مِن نِكاحٍ، إذْ كانَ السِّفاحُ لا يَتَناوَلُ اسْمَ النِّكاحِ بِحالٍ، فَدَلَّ قَوْلُهُ: " ولَسْتُ مِن سِفاحٍ " بَعْدَ تَقْدِيمِ ذِكْرِ النِّكاحِ أنَّ النِّكاحَ يَتَناوَلُ لَهُ الأمْرَيْنِ، فَبَيَّنَ ﷺ أنَّهُ مِنَ العَقْدِ الحَلالِ لا مِنَ النِّكاحِ الَّذِي هو سِفاحٌ. ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِاسْمَ يَنْتَظِمُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنَ العَقْدِ والوَطْءِ، وثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِن حُكْمِ هَذا الِاسْمِ في حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وأنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ والجَمْعُ إنَّما يَكُونُ بِالوَطْءِ دُونَ العَقْدِ؛ إذِ العَقْدُ لا يَقَعُ بِهِ جَمْعٌ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مِنهُما جَمِيعًا لا يَقْتَضِي جَمْعًا في الحَقِيقَةِ، ثَبَتَ أنَّ اسْمَ النِّكاحِ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجازٌ لِلْعَقْدِ، وأنَّ العَقْدَ إنَّما سُمِّيَ نِكاحًا؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الوَطْءِ، تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إذا كانَ مِنهُ بِسَبَبٍ أوْ مُجاوِرًا لَهُ، مِثْلُ الشَّعْرِ الَّذِي يُولَدُ الصَّبِيُّ وهو عَلى رَأْسِهِ يُسَمّى عَقِيقَةً ثُمَّ سُمِّيَتِ الشّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ عِنْدَ حَلْقِ ذَلِكَ الشَّعْرِ عَقِيقَةً، وكالرّاوِيَةِ الَّتِي هي اسْمٌ لِلْجَمَلِ الَّذِي يَحْمِلُ المَزادَةَ ثُمَّ سُمِّيَتِ المَزادَةُ راوِيَةً لِاتِّصالِها بِهِ وقُرْبِها مِنهُ. وقالَ أبُو النَّجْمِ: (p-٥١) ؎تَمْشِي مِنَ الرِّدَّةِ مَشْيَ الحُفَّلِ ∗∗∗ مَشْيَ الرَّوايا بِالمَزادِ الأثْقَلِ ونَحْوُهُ الغائِطُ، هو اسْمٌ لِلْمَكانِ المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ ويُسَمّى بِهِ ما يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ مَجازًا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَ الغائِطَ لِقَضاءِ الحاجَةِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ فَكَذَلِكَ النِّكاحُ اسْمٌ لِلْوَطْءِ حَقِيقَةً عَلى مُقْتَضى مَوْضُوعِهِ في أصْلِ اللُّغَةِ ويُسَمّى العَقْدُ بِاسْمِهِ مَجازًا؛ لِأنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ وهو سَبَبُهُ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ العَقْدِ مَجازًا أنَّ سائِرَ العُقُودِ مِنَ البِياعاتِ والهِباتِ لا يُسَمّى مِنها شَيْءٌ نِكاحًا وإنْ كانَ قَدْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اسْتِباحَةِ وطْءِ الجارِيَةِ؛ إذْ لَمْ تَخْتَصَّ هَذِهِ العُقُودُ بِإباحَةِ الوَطْءِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العُقُودَ تَصِحُّ فِيمَن يَحْظُرُ عَلَيْهِ وطْؤُها كَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضاعَةِ ومِنَ النَّسَبِ وأُمِّ امْرَأتِهِ ونَحْوِها؛ وسُمِّيَ العَقْدُ المُخْتَصُّ بِإباحَةِ الوَطْءِ نِكاحًا؛ لِأنَّ مَن لا يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها لا يَصِحُّ نِكاحُها، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ اسْمَ النِّكاحِ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجازٌ في العَقْدِ، فَوَجَبَ إذا كانَ هَذا عَلى ما وصَفْنا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ عَلى الوَطْءِ، فاقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَ مَن وطِئَها أبُوهُ مِنَ النِّساءِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ النِّكاحَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالمُباحِ مِنهُ دُونَ المَحْظُورِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ، والوَطْءُ نَفْسُهُ لا يَخْتَصُّ عِنْدَ الإطْلاقِ بِالمُباحِ مِنهُ دُونَ المَحْظُورِ بَلْ هو عَلى الأمْرَيْنِ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى تَخْصِيصِهِ. وكانَ أبُو الحَسَنِ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ مُرادُهُ الوَطْءُ دُونَ العَقْدِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ العَقْدَ لِاسْتِحالَةِ كَوْنِ لَفْظٍ واحِدٍ مَجازًا وحَقِيقَةً في حالٍ واحِدَةٍ، وإنَّما أوْجَبْنا التَّحْرِيمَ بِالعَقْدِ بِغَيْرِ الآيَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إيجابِ تَحْرِيمِ الأُمِّ والبِنْتِ بِوَطْءِ الزِّنا، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في رَجُلٍ زَنى بِأُمِّ امْرَأتِهِ: " حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ "، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وسالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ وعامِرٍ وحَمّادٍ وأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ وطْءِ الأُمِّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ أوْ بَعْدَهُ في إيجابِ تَحْرِيمِ البِنْتِ. ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِأُمِّ امْرَأتِهِ بَعْدَ ما يَدْخُلُ بِها قالَ: " تَخَطّى حُرْمَتَيْنِ ولَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ " ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ " . وذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ كانَ (p-٥٢)يَتَأوَّلُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ " لا يُحَرِّمُ حَرامٌ حَلالًا " عَلى الرَّجُلِ يَزْنِي بِالمَرْأةِ ولا يُحَرِّمُها عَلَيْهِ زِناهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي رَواهُ عِكْرِمَةُ في أنَّ الزِّنا بِالأُمِّ لا يُحَرِّمُ البِنْتَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ عَطاءٍ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ثابِتًا عِنْدَهُ لَما احْتاجَ إلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: " لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ " . وقالَ الزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ ومالِكٌ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " لا تَحْرُمُ أُمُّها ولا بِنْتُها بِالزِّنا " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِأُمِّ امْرَأتِهِ قالَ: " حَرامٌ لا يُحَرِّمُ حَلالًا، ولَكِنَّهُ إنْ زَنى بِالأُمِّ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَ البِنْتَ أوْ زَنى بِالبِنْتِ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَ الأُمَّ فَقَدْ حَرُمَتْ " فَفَرَّقَ بَيْنَ الزِّنا بَعْدَ التَّزْوِيجِ وقَبْلَهُ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ أيْضًا في الرَّجُلِ يَلُوطُ بِالرَّجُلِ هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهُ وابْنَتُهُ ؟ فَقالَ أصْحابُنا: " لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ " وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحُسَيْنِ: " هو مِثْلُ وطْءِ المَرْأةِ بِزِنًا في تَحْرِيمِ الأُمِّ والبِنْتِ " وقالَ: " مَن حَرُمَ بِهَذا مِنَ النِّساءِ حَرُمَ مِنَ الرِّجالِ " . ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يَلْعَبُ بِالغُلامِ أيَتَزَوَّجُ أُمَّهُ ؟ قالَ: لا. وقالَ: كانَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ يَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِامْرَأةٍ قَدْ لَعِبَ بِابْنِها وقالَ الأوْزاعِيُّ في غُلامَيْنِ يَلُوطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ فَتُولَدُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ جارِيَةٌ قالَ: " لا يَتَزَوَّجُها الفاعِلُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ قَدْ أوْجَبَ تَحْرِيمَ نِكاحِ امْرَأةٍ قَدْ وطِئَها أبُوهُ بِزِنًا أوْ غَيْرِهِ؛ إذْ كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُهُ حَقِيقَةً فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْها، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في وطْءِ الأبِ ثَبَتَ مِثْلُهُ في وطْءِ أُمِّ المَرْأةِ أوِ ابْنَتِها في إيجابِ تَحْرِيمِ المَرْأةِ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] والدُّخُولُ بِها اسْمٌ لِلْوَطْءِ، وهو عامٌّ في جَمِيعِ ضُرُوبِ الوَطْءِ مِن مُباحٍ أوْ مَحْظُورٍ ونِكاحٍ أوْ سِفاحٍ، فَوَجَبَ تَحْرِيمُ البِنْتِ بِوَطْءٍ كانَ مِنهُ قَبْلَ تَزَوُّجِ الأُمِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ويَدُلُّ عَلى أنَّ الدُّخُولَ بِها اسْمٌ لِلْوَطْءِ وأنَّهُ مُرادٌ بِالآيَةِ وأنَّ اسْمَ الدُّخُولِ لا يَخْتَصُّ بِوَطْءِ نِكاحٍ دُونَ غَيْرِهِ، أنَّهُ لَوْ وطِئَ الأُمَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ البِنْتُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِحُكْمِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ لَوْ وطِئَها بِنِكاحٍ فاسِدٍ. فَثَبَتَ أنَّ الدُّخُولَ لَمّا كانَ اسْمًا لِلْوَطْءِ لَمْ يَخْتَصَّ فِيما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِوَطْءٍ بِنِكاحٍ دُونَ ما سِواهُ مِن سائِرِ ضُرُوبِ الوَطْءِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ الوَطْءَ آكَدُ في إيجابِ التَّحْرِيمِ مِنَ العَقْدِ؛ لِأنّا لَمْ نَجِدْ وطْئًا مُباحًا إلّا وهو مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ، وقَدْ وجَدْنا عَقْدًا صَحِيحًا لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ وهو العَقْدُ عَلى الأُمِّ لا يُوجِبُ تَحْرِيمَ البِنْتِ ولَوْ وطِئَها حَرُمَتْ، فَعَلِمْنا أنَّ وُجُودَ الوَطْءِ عِلَّةٌ لِإيجابِ التَّحْرِيمِ، (p-٥٣)فَكَيْفَما وُجِدَ يَنْبَغِي أنْ يُحَرِّمَ مُباحًا كانَ الوَطْءُ أوْ مَحْظُورًا لِوُجُودِ الوَطْءِ؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِن أنْ يَكُونَ وطْئًا صَحِيحًا، فَلَمّا اشْتَرَكا في هَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَقَعَ بِهِ تَحْرِيمٌ وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ الوَطْءَ بِشُبْهَةٍ وبِمِلْكِ اليَمِينِ يُحَرِّمانِ مَعَ عَدَمِ النِّكاحِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ عَلى أيِّ وجْهٍ وقَعَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ وطْءُ الزِّنا مُحَرِّمًا لِوُجُودِ الوَطْءِ الصَّحِيحِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ الوَطْءَ بِمِلْكِ اليَمِينِ وبِشُبْهَةٍ إنَّما تَعَلَّقَ بِهِما التَّحْرِيمُ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِن ثُبُوتِ النَّسَبِ، والزِّنا لا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لِثُبُوتِ النَّسَبِ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لا يُجامِعُ مِثْلُهُ لَوْ جامَعَ امْرَأتَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وبِنْتُها ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَطْئِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ، ومَن عَقَدَ عَلى امْرَأةٍ نِكاحًا تَعَلَّقَ بِعَقْدِ النِّكاحِ ثُبُوتُ النَّسَبِ قَبْلَ الوَطْءِ حَتّى لَوْ جاءَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَ العَقْدِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ لَزِمَهُ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِالعَقْدِ تَحْرِيمُ البِنْتِ؛ فَإذا كُنّا وجَدْنا الوَطْءَ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِهِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ والعَقْدَ مَعَ تَعَلُّقِ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِهِ لا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، عَلِمْنا أنَّهُ لا حَظَّ لِثُبُوتِ النَّسَبِ في ذَلِكَ وأنَّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ هو الوَطْءُ لا غَيْرُ. وأيْضًا لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَهم أنَّهُ لَوْ لَمَسَ أمَتَهُ لِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وابْنَتُها، ولَيْسَ لِلْمَسِّ حَظٌّ في ثُبُوتِ النَّسَبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ عَلى النَّسَبِ وأنَّهُ جائِزٌ ثُبُوتُهُ مَعَ ثُبُوتِ النَّسَبِ وجائِزٌ ثُبُوتُهُ أيْضًا مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا أنّا وجَدْنا اللَّهَ تَعالى قَدْ غَلَّظَ أمْرَ الزِّنا بِإيجابِ الرَّجْمِ تارَةً وبِإيجابِ الجَلْدِ أُخْرى وأوْعَدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ ومَنَعَ إلْحاقَ النَّسَبِ بِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ تَغْلِيظٌ لِحُكْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِإيجابِ التَّحْرِيمِ أوْلى؛ إذْ كانَ إيجابُ التَّحْرِيمِ ضَرْبًا مِنَ التَّغْلِيظِ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِبُطْلانِ حَجِّ مَن جامَعَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كانَ الزّانِي أوْلى بِبُطْلانِ الحَجِّ؛ لِأنَّ بُطْلانَ الحَجِّ تَغْلِيظٌ لِتَحْرِيمِ الجِماعِ فِيهِ ؟ كَذَلِكَ لَمّا حَكَمَ اللَّهُ بِإيجابِ تَحْرِيمِ الأُمِّ والبِنْتِ بِالوَطْءِ الحَلالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الزِّنا أوْلى بِإيجابِ التَّحْرِيمِ تَغْلِيظًا لِحُكْمِهِ. وقَدْ زَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الكَفّارَةَ عَلى قاتِلِ الخَطَإ كانَ قاتِلُ العَمْدِ بِهِ أوْلى، إذْ كانَ حُكْمُ العَمْدِ أغْلَظَ مِن حُكْمِ الخَطَإ؛ ألا تَرى أنَّ الوَطْءَ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ أنْ يَكُونَ بِزِنًا أوْ غَيْرِهِ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ مِن فَسادِ الحَجِّ والصَّوْمِ ووُجُوبِ الغُسْلِ ؟ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَوِيا في حُكْمِ التَّحْرِيمِ. فَإنْ قِيلَ: الوَطْءُ المُباحُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ في إيجابِ المَهْرِ ولا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالزِّنا. قِيلَ لَهُ: قَدْ تَعَلَّقَ بِالزِّنا مِن إيجابِ الرَّجْمِ أوِ الجَلْدِ (p-٥٤)ما هو أغْلَظُ مِن إيجابِ المالِ، وعَلى أنَّ المالَ والحَدَّ يَتَعاقَبانِ عَلى الوَطْءِ؛ لِأنَّهُ مَتى وجَبَ الحَدُّ لَمْ يَجِبِ المَهْرُ ومَتى وجَبَ المَهْرُ لَمْ يَجِبِ الحَدُّ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ الآخَرَ، فَإذا وجَبَ الحَدُّ فَذَلِكَ قائِمٌ مَقامَ المالِ فِيما تَعَلَّقَ بِالوَطْءِ مِنَ الحُكْمِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما مِن هَذا الوَجْهِ. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ الجَزَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ بُهْلُولٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نافِعٍ المَدَنِيُّ قالَ: حَدَّثَنا المُغِيرَةُ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ أيُّوبَ بْنِ سَلَمَةَ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَتْبَعُ المَرْأةَ حَرامًا أيَنْكِحُ أُمَّها ؟ أوْ يَتْبَعُ الأُمَّ حَرامًا أيَنْكِحُ ابْنَتَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ إنَّما يَحْرُمُ ما كانَ بِنِكاحٍ؛» وبِما رَواهُ إسْحاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» . ورَوى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُفْسِدُ الحَرامُ الحَلالَ» . فَإنَّ هَذِهِ الأخْبارَ باطِلَةٌ عِنْدَ أهْلِ المَعْرِفَةِ ورُواتُها غَيْرُ مَرْضِيِّينَ، أمّا المُغِيرَةُ بْنُ إسْماعِيلَ فَمَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ لا يَجُوزُ ثُبُوتُ شَرِيعَةٍ بِرِوايَتِهِ لا سِيَّما في اعْتِراضِهِ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ، وإسْحاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ مَطْعُونٌ في رِوايَتِهِ، وكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، ولَوْ ثَبَتَ لَمْ يَدُلَّ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ إنَّما ذُكِرَ فِيهِ الرَّجُلُ يَتْبَعُ المَرْأةَ ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الوَطْءِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﷺ: «لا يَحْرُمُ إلّا ما كانَ بِنِكاحٍ» جَوابًا عَمّا سَألَهُ عَنِ اتِّباعِ المَرْأةِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِأنْ يُتْبِعَها نَفْسَهُ فَيَكُونَ مِنهُ نَظَرٌ إلَيْها أوْ مُراوَدَتُها عَلى الوَطْءِ. ولَيْسَ فِيهِ إثْباتُ الوَطْءِ، فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا وأنَّهُ لا يَقَعُ بِمِثْلِهِ التَّحْرِيمُ إلّا أنْ يَكُونَ. بَيْنَهُما عَقْدُ نِكاحٍ ولَيْسَ فِيهِ لِلْوَطْءِ ذِكْرٌ؛ وقَوْلُهُ: «لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» إنَّما هو فِيما سُئِلَ عَنْهُ مِنَ اتِّباعِ المَرْأةِ مِن غَيْرِ وطْءٍ، وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وقَوْلُهُ: «لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها إنْ صَحَّتْ، فَكانَ جَوابًا لِما سُئِلَ عَنْهُ مِنَ النَّظَرِ والمُراوَدَةِ مِن غَيْرِ جِماعٍ، وتَكُونُ فائِدَتُهُ إزالَةَ تَوَهُّمِ مَن يَظُنُّ أنَّ النَّظَرَ بِانْفِرادِهِ يُحَرِّمُ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «زِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ وزِنا الرِّجْلَيْنِ المَشْيُ» فَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ النَّظَرَ بِانْفِرادِهِ يُحَرِّمُ كَما يُحَرِّمُ الوَطْءُ لِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُ زِنًا، فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ ذَلِكَ لا يُحَرِّمُ وأنَّ التَّحْرِيمَ إذا لَمْ تَكُنْ مُلامَسَةٌ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالعَقْدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَسِيسٌ؛ وإذا (p-٥٥)احْتَمَلَ هَذا الخَبَرُ ما وصَفْنا زالَ الِاعْتِراضُ بِهِ. وعَلى أنَّهم مُتَّفِقُونَ أنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى النِّكاحِ ولا عَلى الوَطْءِ المُباحِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مَن وطِئَ أمَتَهُ حائِضًا أنَّ هَذا وطْءٌ حَرامٌ في غَيْرِ نِكاحٍ وأنَّهُ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مَقْصُورًا عَلى النِّكاحِ ولا عَلى وطْءٍ مُباحٍ؛ وكَذَلِكَ لَوْ وطِئَ جارِيَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ أوْ جارِيَتَهُ وهي مَجُوسِيَّةٌ كانَ واطِئًا وطْئًا حَرامًا في غَيْرِ نِكاحٍ مُوجِبٍ لِلتَّحْرِيمِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَدِيثَ إنْ ثَبَتَ فَلَيْسَ بِعُمُومٍ في نَفْيِ إيجابِ التَّحْرِيمِ بِوَطْءٍ حَرامٍ. وأيْضًا قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى امْرَأةَ المُظاهِرِ عَلَيْهِ بِالظِّهارِ، وقَدْ سَمّاهُ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مُحَرِّمًا مانِعًا مِن وُقُوعِ تَحْرِيمِ الوَطْءِ بِهِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: «الحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ لَوُرُودِهِ مُطْلَقًا مِن وجْهٍ صَحِيحٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِسَبَبٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَرامَ والحَلالَ إنَّما هو حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وقَدْ عَلِمْنا حَقِيقَةَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّحْرِيمِ في شَيْءٍ وبِالتَّحْلِيلِ في غَيْرِهِ لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ آخَرُ في إيجابِ تَحْرِيمٍ أوْ تَحْلِيلٍ إلّا بِدَلالَةٍ؛ فَهَذا اللَّفْظُ إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَسْألَتِنا؛ لِأنّا كَذَلِكَ نَقُولُ إنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّحْرِيمِ لا يُوجِبُ تَحْرِيمَ مُباحٍ بِنَفْسِ وُرُودِ الحُكْمِ إلّا أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى إيجابِ تَحْرِيمِ غَيْرِهِ مِن حَيْثُ حَرُمَ هو، وفائِدَتُهُ حِينَئِذٍ أنَّ ما قَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِتَحْلِيلِهِ نَصًّا فَهو مُقِرٌّ عَلى ما حَكَمَ بِهِ مِن تَحْلِيلِهِ. وإذا حَكَمَ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِراضُ عَلى المَحْكُومِ بِتَحْلِيلِهِ بَدِيًّا بِتَحْرِيمِ غَيْرِهِ مِن طَرِيقِ القِياسِ فَمَنَعَ تَحْرِيمَ المُباحِ بِالقِياسِ، ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يُجِيزُ النَّسْخَ بِالقِياسِ؛ هَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ إنْ صَحَّ، فَهَذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنا، والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: «الحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» أنَّ فِعْلَ الحَرامِ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ، فَإنْ كانَ هَذا أرادَ فَلا مَحالَةَ أنَّ في اللَّفْظِ ضَمِيرًا يَجِبُ اعْتِبارُهُ دُونَ اعْتِبارِ حَقِيقَةِ مَعْنى اللَّفْظِ، فَلا يَصِحُّ لَهُ الِاحْتِجاجُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ يُعْتَبَرُ عُمُومُهُ فَيَسْقُطُ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ، إذِ الضَّمِيرُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ حَتّى يَكُونَ لَفْظُ عُمُومٍ فِيما تَحْتَهُ مِنَ المُسَمَّياتِ، فَلا يَصِحُّ لِأحَدٍ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِ ضَمِيرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ لا يَصِحُّ اعْتِبارُ العُمُومِ فِيهِ، مِن قِبَلِ أنَّهُ لا يَصِحُّ اعْتِقادُ العُمُومِ في مِثْلِهِ لِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى إيجابِ تَحْرِيمِ الحَرامِ الحَلالَ وهو الوَطْءُ بِنِكاحٍ فاسِدٍ، ووَطْءِ الأمَةِ الحائِضِ والطَّلاقِ الثَّلاثِ في الحَيْضِ والظِّهارِ والخَمْرِ إذا (p-٥٦)خالَطَتِ الماءَ والرِّدَّةُ تُبْطِلُ النِّكاحَ وتُحَرِّمُها عَلى الزَّوْجِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُحَرِّمَةِ لِلْحَلالِ، فَقَوْلُهُ ﷺ: «الحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» لَوْ ورَدَ بِلَفْظِ عُمُومٍ لَما صَحَّ اعْتِقادُ العُمُومِ فِيهِ، وكانَ مَفْهُومًا مَعَ وُرُودِهِ أنَّهُ أرادَ: بَعْضَ الأفْعالِ المُحَرِّمَةِ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ، فَيَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ في إثْباتِ حُكْمِهِ كَسائِرِ الألْفاظِ المُجْمَلَةِ. وأيْضًا لَوْ نَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما ادَّعَيْتَ مِن ضَمِيرِهِ فَقالَ إنَّ فِعْلَ الحَرامِ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ، لِما دَلَّ عَلى ما ذَكَرْتَ؛ لِأنّا كَذَلِكَ نَقُولُ إنَّ فِعْلَ الحَرامِ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَتِهِ ولا دَلالَةَ فِيهِ أنَّ اللَّهَ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ عِنْدَ وُقُوعِ فِعْلٍ حَرامٍ، فَإنْ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ بِفِعْلِ الحَرامِ. قِيلَ لَهُ: فَإذًا قَوْلُهُ: «الحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ» إذا كانَ المُرادُ بِهِ ما ذَكَرْتَ مَجازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ فَيَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ في إثْباتِ حُكْمِهِ؛ إذْ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ المَجازِ إلّا عِنْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ. وذَكَرَ الشّافِعِيُّ أنْ مُناظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ النّاسِ فِيها أُعْجُوبَةٌ لِمَن تَأمَّلَها، قالَ الشّافِعِيُّ: قالَ لِي قائِلٌ: لِمَ قُلْتَ إنَّ الحَرامَ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ ؟ قُلْتُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ وقالَ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] أفْلَسْتَ تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّما يُحَرِّمُ ما سُمِّيَ بِالنِّكاحِ أوِ الدُّخُولِ والنِّكاحِ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: قُلْتُ: أفَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ بِالحَلالِ شَيْئًا وحَرَّمَهُ بِالحَرامِ والحَرامُ ضِدُّ الحَلالِ والنِّكاحُ مَندُوبٌ إلَيْهِ مَأْمُورٌ بِهِ، وحَرَّمَ الزِّنا فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] قالَ أبُو بَكْرٍ: تَلا الشّافِعِيُّ آيَةَ التَّحْرِيمِ بِالنِّكاحِ والدُّخُولِ وآيَةَ تَحْرِيمِ الزِّنا، وهَذانِ الحُكْمانِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِما، أعْنِي إباحَةَ النِّكاحِ والدُّخُولِ وتَحْرِيمَ الزِّنا، ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ في المَسْألَةِ؛ لِأنَّ إباحَةَ النِّكاحِ والدُّخُولِ وإيجابِ التَّحْرِيمِ بِهِما لَيْسَ فِيهِ أنَّ التَّحْرِيمَ لا يَقَعُ بِغَيْرِهِما كَما لَمْ يَنْفِ إيجابَ التَّحْرِيمِ بِالوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وتَحْرِيمُ اللَّهِ تَعالى لِلزِّنا لا يُفِيدُ أنَّ التَّحْرِيمَ لا يَقَعُ إلّا بِهِ، فَإذًا لَيْسَ في ظاهِرِ تِلاوَةِ الآيَتَيْنِ نَفْيٌ لِتَحْرِيمِ النِّكاحِ بِوَطْءِ الزِّنا؛ لِأنَّ آيَةَ الزِّنا إنَّما فِيها تَحْرِيمُ الزِّنا ولَيْسَ تَحْرِيمُ الزِّنا عِبارَةً عَنْ نَفْيِ إيجابِهِ لِتَحْرِيمِ النِّكاحِ ولا في إيجابِ التَّحْرِيمِ بِالنِّكاحِ والدُّخُولِ نَفْيٌ لِإيجابِهِ بِغَيْرِهِما، فَإذًا لا دَلالَةَ فِيما تَلاهُ مِنَ الآيَتَيْنِ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ ولا جَوابًا لِلسّائِلِ الَّذِي سَألَهُ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ. ثُمَّ قالَ: " الحَرامُ ضِدُّ الحَلالِ " فَلَمّا قالَ لَهُ السّائِلُ: فَرِّقْ بَيْنَهُما، قالَ: " قُلْتُ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ اللَّهَ نَدَبَ إلى النِّكاحِ وحَرَّمَ الزِّنا "؛ (p-٥٧)فَجَعَلَ فَرْقَ اللَّهِ بَيْنَهُما في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ دَلِيلًا عَلى السّائِلِ، والسّائِلُ لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ إباحَةُ النِّكاحِ وتَحْرِيمُ الزِّنا وإنَّما سَألَهُ عَنْ وجْهِ الدَّلالَةِ مِنَ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، فَلَمْ يُبَيِّنْ وجْهَها واشْتَغَلَ بِأنَّ هَذا مُحَرَّمٌ وهَذا حَلالٌ، فَإنْ كانَ هَذا السّائِلُ مِن عَمى القَلْبِ بِالمَحَلِّ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بَيْنَ النِّكاحِ وبَيْنَ الزِّنا فَرْقًا مِن وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَمِثْلُهُ لا يَسْتَحِقُّ الجَوابَ؛ لِأنَّهُ مَئُوفُ العَقْلِ؛ إذِ العاقِلُ لا يُنْزِلُ نَفْسَهُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ التَّجاهُلِ. وإنْ كانَ قَدْ عَرَفَ الفَرْقَ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ أنَّ أحَدَهُما مَحْظُورٌ والآخَرُ مُباحٌ وإنَّما سَألَهُ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما في امْتِناعِ جَوازِ اجْتِماعِهِما في إيجابِ تَحْرِيمِ النِّكاحِ، فَإنَّ الشّافِعِيَّ لَمْ يُجِبْهُ عَنْ ذَلِكَ ولَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ الآيَتَيْنِ في الإباحَةِ والحَظْرِ وأنَّ الحَلالَ ضِدُّ الحَرامِ؛ إذْ لَيْسَ في كَوْنِ الحَلالِ ضِدَّ الحَرامِ ما يَمْنَعُ اجْتِماعَهُما في إيجابِ التَّحْرِيمِ ألا تَرى أنَّ الوَطْءَ بِالنِّكاحِ الفاسِدِ هو حَرامٌ ووَطْءُ الحائِضِ حَرامٌ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ واتِّفاقِ المُسْلِمِينَ وهو ضِدُّ الوَطْءِ الحَلالِ وهُما مُتَساوِيانِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ، والطَّلاقُ في الحَيْضِ مَحْظُورٌ وفي الطُّهْرِ قَبْلَ الجِماعِ مُباحٌ وهُما مُتَساوِيانِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِن إيجابِ التَّحْرِيمِ ؟ فَإنْ كانَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أنَّ القِياسَ مُمْتَنِعٌ في الضِّدَّيْنِ فَواجِبٌ أنْ لا يَجْتَمِعا أبَدًا في حُكْمٍ واحِدٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ في الشَّرِيعَةِ اجْتِماعَ الضِّدَّيْنِ في حُكْمٍ واحِدٍ وأنَّ كَوْنَهُما ضِدَّيْنِ لا يَمْنَعُ اجْتِماعَهُما في أحْكامٍ كَثِيرَةٍ، ألا تَرى أنَّ وُرُودَ النَّصِّ جائِزٌ بِمِثْلِهِ وما جازَ وُرُودُ النَّصِّ بِهِ ساغَ فِيهِ القِياسُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ؟ فَإذا لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ اجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ في حُكْمٍ واحِدٍ فَقَوْلُهُ: " إنَّ الحَلالَ ضِدُّ الحَرامِ " لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ سَألَهُ السّائِلُ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى المُصَلِّي عَنِ المَشْيِ في الصَّلاةِ وعَنِ الِاضْطِجاعِ فِيها مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، والمَشْيُ والِاضْطِجاعُ ضِدّانِ وقَدِ اجْتَمَعا في النَّهْيِ. ولا يُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى الإكْثارِ؛ إذْ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِن إجازَتِهِ؛ فَلَمْ يَحْصُلْ مِن قَوْلِ الشّافِعِيِّ: " إنَّهُما ضِدّانِ " مَعْنًى يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَهُما. ثُمَّ حُكِيَ عَنِ السّائِلِ أنَّهُ قالَ: أجِدُ جِماعًا وجِماعًا فَأقِيسُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، قالَ: " قُلْتُ: وجَدْتُ جِماعًا حَلالًا حُمِدْتَ بِهِ ووَجَدْتُ جِماعًا حَرامًا رُجِمْتَ بِهِ أفَرَأيْتَهُ يُشْبِهُهُ ؟ " قالَ: ما يُشْبِهُهُ، فَهَلْ تُوَضِّحُهُ بِأكْثَرَ مِن هَذا ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقَدْ سَلَّمَ لَهُ السّائِلُ أنَّهُ ما يُشْبِهُهُ، فَإنْ كانَ مُرادُهُ أنَّهُ لا يُشْبِهُهُ مِن حَيْثُ افْتَرَقا فَهَذا ما لا يُنازَعُ فِيهِ، وإنْ كانَ أرادَ لا يُشْبِهُهُ مِن حَيْثُ رامَ الجَمْعَ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ إيجابِ التَّحْرِيمِ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ يَنْفِي الشَّبَهَ بَيْنَهُما مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ولَيْسَ في الدُّنْيا (p-٥٨)قِياسٌ إلّا وهو تَشْبِيهٌ لِلشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ دُونَ جَمِيعِها، فَإنْ كانَ افْتِراقُ الشَّيْئَيْنِ مِن وجْهٍ يُوجِبُ الفَرْقَ بَيْنَهُما مِن سائِرِ الوُجُوهِ فَإنَّ في ذَلِكَ إبْطالَ القِياسِ أصْلًا؛ إذْ لَيْسَ يَجُوزُ وُجُودُ القِياسِ فِيما اشْتَبَها فِيهِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ؛ فَقَدْ بانَ أنَّ ما قالَهُ الشّافِعِيُّ وما سَلَّمَهُ لَهُ السّائِلُ كَلامٌ فارِغٌ لا مَعْنًى تَحْتَهُ في حُكْمِ ما سُئِلَ عَنْهُ. ثُمَّ قالَ لَهُ السّائِلُ: هَلْ تُوَضِّحُهُ بِأكْثَرَ مِن هَذا ؟ قالَ: " نَعَمْ، أفَتَجْعَلُ الحَلالَ الَّذِي هو نِعْمَةٌ قِياسًا عَلى الحَرامِ الَّذِي هو نِقْمَةٌ ؟ " وهَذا هو تَكْرارٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ بِزِيادَةِ النِّعْمَةِ والنِّقْمَةِ، والسُّؤالُ قائِمٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِما تَقْتَضِيهِ مُطالَبَةُ السّائِلِ بَيانَ وجْهِ الدَّلالَةِ في مَنعِ هَذا القِياسِ، وهو قَدْ جَعَلَ هَذا الحَرامَ الَّذِي هو نِقْمَةٌ وهو وطْءُ الحائِضِ والجارِيَةِ المَجُوسِيَّةِ والوَطْءُ بِالنِّكاحِ الفاسِدِ بِمَنزِلَةِ الحَلالِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ في إيجابِ التَّحْرِيمِ، فانْتَقَضَ ما ذَكَرَهُ وادَّعاهُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ أقامَها عَلَيْهِ. وحَكى عَنِ السّائِلِ أنَّهُ قالَ: إنَّ صاحِبَنا قالَ: يُوجِدُكم أنَّ الحَرامَ يُحَرِّمُ الحَلالَ ؟ قالَ: " قُلْتُ لَهُ: أفِيما اخْتَلَفْنا فِيهِ مِنَ النِّساءِ ؟ " قالَ: لا، ولَكِنْ في غَيْرِهِ مِنَ الصَّلاةِ والمَشْرُوبِ والنِّساءِ قِياسٌ عَلَيْهِ، قالَ: " قُلْتُ: أفَتُجِيزُ لِغَيْرِكَ أنْ يَجْعَلَ الصَّلاةَ قِياسًا عَلى النِّساءِ ؟ " قالَ: أمّا في شَيْءٍ فَلا. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَمَنَعَ الشّافِعِيُّ بِهَذا أنْ يَقِيسَ تَحْرِيمَ الحَرامِ الحَلالَ مِن غَيْرِ النِّساءِ عَلى النِّساءِ مَعَ إطْلاقِهِ القَوْلَ بَدِيًّا أنَّهُ إنَّما لَمْ يُجِزْ قِياسَ الزِّنا عَلى الوَطْءِ المُباحِ؛ لِأنَّهُ حَرامٌ وهو ضِدُّ الحَلالِ والحَلالُ نِعْمَةٌ والحَرامُ نِقْمَةٌ، مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ في مَنعِ القِياسِ مَقْصُورَةٌ عَلى النِّساءِ دُونَ غَيْرِهِنَّ، وإطْلاقُهُ الِاعْتِلالَ بِالفَرْقِ الَّذِي ذُكِرَ يَلْزَمُهُ إجْراؤُهُ في سائِرِ ما وُجِدَ فِيهِ، فَإذا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ناقَضَ. ثُمَّ يُقالُ لَهُ: فَإذا جازَ تَحْرِيمُ الحَرامِ الحَلالَ في غَيْرِ النِّساءِ هَلّا جازَ مِثْلُهُ في النِّساءِ مَعَ كَوْنِ أحَدِهِما ضِدًّا لِلْآخَرِ وكَوْنِ أحَدِهِما نِعْمَةً والآخَرِ نِقْمَةً، كَما كانَ الوَطْءُ بِمِلْكِ اليَمِينِ مِثْلَ الوَطْءِ بِالنِّكاحِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ مَعَ كَوْنِ مِلْكِ اليَمِينِ ضِدًّا لِلنِّكاحِ ألا تَرى أنَّ مِلْكَ اليَمِينِ والنِّكاحَ لا يَجْتَمِعانِ لِرَجُلٍ واحِدٍ ؟ وحَكى عَنِ السّائِلِ أنَّهُ قالَ لَهُ: إنَّ الصَّلاةَ حَلالٌ والكَلامَ فِيها حَرامٌ فَإذا تَكَلَّمَ فِيها فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلاتُهُ فَقَدْ أفْسَدَ الحَلالَ بِالحَرامِ، قالَ: " قُلْتُ لَهُ: زَعَمْتَ أنَّ الصَّلاةَ فاسِدَةٌ والصَّلاةُ لا تَكُونُ فاسِدَةً، ولَكِنَّ الفاسِدَ فِعْلُهُ لا هي، ولَكِنْ لا تُجْزِي عَنْكَ الصَّلاةُ؛ لِأنَّكَ لَمْ تَأْتِ بِها كَما أُمِرْتَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِمَّنْ يُنْتَدَبُ لِمُناظَرَةِ خَصْمٍ يَبْلُغُ بِهِ الإفْلاسُ مِنَ الحِجاجِ إلى أنْ يَلْجَأ إلى مِثْلِ هَذا مَعَ سَخافَةِ عَقْلِ السّائِلِ وغَباوَتِهِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَمْتَنِعُ مِن إطْلاقِ القَوْلِ (p-٥٩)بِفَسادِ صَلاتِهِ إذا فَعَلَ فِيها ما يُوجِبُ بُطْلانَها كَما لا يَمْتَنِعُ مِن إطْلاقِ القَوْلِ بِفَسادِ النِّكاحِ إذا وُجِدَ فِيهِ ما يُبْطِلُهُ، فَإنْ كانَ الَّذِي أوْجَبَ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّهُ لا يُطْلَقُ اسْمُ الفَسادِ عَلى الصَّلاةِ مَعَ بُطْلانِها مَعَ إطْلاقِ النّاسِ كُلِّهِمْ ذَلِكَ فِيها فَإنَّهُ لا يُعْوِزُ خَصْمَهُ أنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ في النِّكاحِ: إنِّي لا أقُولُ إنَّ نِكاحَهُ يَفْسُدُ والنِّكاحُ لا يَكُونُ فاسِدًا وإنَّما فِعْلُهُ وهو الزِّنا هو الفاسِدُ فَأمّا النِّكاحُ فَلَمْ يَفْسُدْ ولَكِنَّ المَرْأةَ بانَتْ مِنهُ وخَرَجَتْ مِن حِبالِهِ؛ فَهُما سَواءٌ مِن هَذا الوَجْهِ. ثُمَّ يُقالُ لَهُ: أحْسَبُ أنّا قَدْ سَلَّمْنا لَكَ ما ادَّعَيْتَ مِنِ امْتِناعِ اسْمِ الفَسادِ عَلى الصَّلاةِ الَّتِي قَدْ بَطَلَتْ، ألَيْسَ السُّؤالُ قائِمًا عَلَيْكَ في المَعْنى؛ إذْ سَلَّمْنا لَكَ الِاسْمَ ؟ وهو أنْ يُقالَ لَكَ: ما أنْكَرْتَ أنَّهُ لَمّا جازَ خُرُوجُ المُتَكَلِّمِ مِنَ الصَّلاةِ ولَمْ تُجِزْ عَنْهُ لِأجْلِ الكَلامِ المَحْظُورِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ المَرْأةِ فَلا يَبْقى نِكاحُها بَعْدَ وطْءِ أُمِّها بِزِنًا كَما لَمْ تَبْقَ الصَّلاةُ بَعْدَ الكَلامِ فَتَبِينُ مِنهُ امْرَأتُهُ وتَخْرُجُ مِن حِبالِهِ كَما خَرَجَ مِنَ الصَّلاةِ ؟ ويَلْزَمُ الشّافِعِيَّ عَلى هَذا أنْ لا يُطْلِقَ في شَيْءٍ مِنَ البُيُوعِ أنَّهُ فاسِدٌ وكَذَلِكَ سائِرُ العُقُودِ، وإنَّما يُقالُ فِيها إنَّها غَيْرُ مُجْزِيَةٍ ولا مُوجِبَةٍ لِلْمِلْكِ؛ وهَذا إنَّما هو مَنعٌ لِلْعِبارَةِ، وإنَّما الكَلامُ عَلى المَعانِي لا عَلى العِباراتِ والأسامِي. وذَكَرَ الشّافِعِيُّ عَنْ سائِلِهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ صاحِبَنا قالَ: الماءُ حَلالٌ والخَمْرُ حَرامٌ فَإذا صُبَّ الماءُ في الخَمْرِ حُرِّمَ الماءُ. قالَ: " قُلْتُ لَهُ: أرَأيْتَ إنْ صَبَبْتُ الماءَ في الخَمْرِ أما يَكُونُ الماءُ الحَلالُ مُسْتَهْلَكًا في الحَرامِ ؟ قالَ: بَلى، قُلْتُ: أتَجِدُ المَرْأةَ مُحَرَّمَةً عَلى كُلِّ أحَدٍ كَما تَجِدُ الخَمْرَ مُحَرَّمَةً عَلى كُلِّ أحَدٍ ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: أتَجِدُ المَرْأةَ وبِنْتَها مُخْتَلِطَتَيْنِ كاخْتِلاطِ الماءِ والخَمْرِ ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: أفَتَجِدُ القَلِيلَ مِنَ الخَمْرِ إذا صُبَّ في كَثِيرِ الماءِ نَجِسَ ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: أفَتَجِدُ قَلِيلَ الزِّنا والقُبْلَةَ واللَّمْسَ لِلشَّهْوَةِ لا يَحْرُمُ ويَحْرُمُ كَثِيرُهُ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَلا يُشْبِهُ أمْرُ النِّساءِ الخَمْرَ والماءَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا أيْضًا مِن طَرِيقِ الفُرُوقِ، واَلَّذِي ذُكِرَ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ لِلْماءِ يُحْكى عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ احْتَجَّ بِهِ عَلى يَحْيى بْنِ مَعِينٍ حِينَ قالَ: " الحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ " وهو إلْزامٌ صَحِيحٌ عَلى مَن يَنْفِي التَّحْرِيمَ لِهَذِهِ العِلَّةِ لِوُجُودِها فِيهِ؛ إذْ لَمْ تَكُنِ العِلَّةُ في مَنعِ تَحْرِيمِ الحَرامِ الحَلالَ أنَّهُما غَيْرُ مُخْتَلِطَيْنِ وأنَّ قَلِيلَ الزِّنا يَحْرُمُ، وإنَّما كانَتْ عِلَّتُهُ أنَّ الحَرامَ ضِدُّ الحَلالِ وأنَّ الحَلالَ نِعْمَةٌ والحَرامَ نِقْمَةٌ، ولَمْ نَرَهُ احْتَجَّ بِغَيْرِهِ في جَمِيعِ ما ناظَرَ بِهِ السّائِلَ، والفُرُوقُ الَّتِي ذَكَرَها إنَّما هي فُرُوقٌ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ تَزِيدُ عِلَّتُهُ انْتِقاضًا لَوُجُودِها مَعَ عَدَمِ الحُكْمِ؛ وعَلى أنَّهُ إنْ كانَ التَّحْرِيمُ مَقْصُورًا عَلى الِاخْتِلاطِ وتَعَذَّرَ تَمْيِيزُ المَحْظُورِ مِنَ المُباحِ فَيَنْبَغِي أنْ (p-٦٠)لا يَحْرُمَ الوَطْءُ المُباحُ لِعَدَمِ الِاخْتِلاطِ، وكَذَلِكَ الوَطْءُ بِالنِّكاحِ الفاسِدِ وسائِرِ ضُرُوبِ الوَطْءِ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ، إذْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَمَيِّزَةً عَنْ أُمٍّ فَهُما غَيْرُ مُخْتَلِطَتَيْنِ، فَإذا جازَ أنْ يَقَعَ التَّحْرِيمُ بِهَذِهِ الوُجُوهِ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلاطِ فَما أُنْكِرَ مِثْلُهُ في الزِّنا وقَدْ بَيَّنّا في صَدْرِ المَسْألَةِ دَلالَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] عَلى وُقُوعِ التَّحْرِيمِ بِالزِّنا، فَلَمْ يَحْصُلْ مِن كَلامِ الشّافِعِيِّ دَلالَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ ولا شُبْهَةَ عَلى ما سُئِلَ عَنْهُ. ثُمَّ حَكى الشّافِعِيُّ عَنْ سائِلِهِ هَذا لَمّا فَرَّقَ لَهُ بَيْنَ الماءِ والخَمْرِ وبَيْنَ النِّساءِ بِما ذَكَرَ أنَّهُ لا يُشْبِهُ أمْرُ النِّساءِ الخَمْرَ والماءَ، قالَ الشّافِعِيُّ: " فَقُلْتُ لَهُ: وكَيْفَ قَبِلْتَ هَذا مِنهُ ؟ فَقالَ: ما بَيَّنَ لَنا أحَدٌ بَيانَكَ لَنا، ولَوْ عَلِمَ صاحِبُنا بِهِ لَظَنَنْتُ أنَّهُ لا يُقِيمُ عَلى قَوْلِهِ ولَكِنْ غَفَلَ وضَعُفَ عَنْ كَلامِهِ، قالَ: فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِمْ وقالَ الحَقُّ عِنْدِي في قَوْلِكم ولَمْ يَصْنَعْ صاحِبُنا شَيْئًا " . ولا نَدْرِي مَن كانَ هَذا السّائِلُ ولا مَن صاحِبُهُمُ الَّذِي قالَ لَوْ عَلِمَ صاحِبُنا بِهَذِهِ الفُرُوقِ لَظَنَّ أنَّهُ لا يُقِيمُ عَلى قَوْلِهِ، وقَدْ بانَ عَمى قَلْبِ هَذا السّائِلِ بِتَسْلِيمِهِ لِلشّافِعِيِّ جَمِيعَ ما ادَّعاهُ مِن غَيْرِ مُطالَبَةٍ لَهُ بِوَجْهِ الدَّلالَةِ عَلى المَسْألَةِ فِيما ذَكَرَ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ رَجُلًا عامِّيًّا لَمْ يَرْتَضْ بِشَيْءٍ مِنَ الفِقْهِ، إلّا أنَّهُ قَدِ انْتَظَمَ بِذَلِكَ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: الجَهْلُ والغَباوَةُ بِما وقَفْنا عَلَيْهِ مِن مُناظَرَتِهِ وتَسْلِيمِهِ ما لا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ ومُطالَبَتِهِ لِلْمَسْؤُولِ بِالفُرُوقِ الَّتِي لا تُوجِبُ فَرْقًا في مَعانِي العِلَلِ والمُقايَساتِ، ثُمَّ انْتِقالُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إلى مَذْهَبِهِ عَلى ما زَعَمَ وتَرْكُهُ لِقَوْلِ أصْحابِهِ، والآخَرُ: قِلَّةُ العَقْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ ظَنَّ أنَّ صاحِبَهُ لَوْ سَمِعَ بِمِثْلِ ذَلِكَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، فَقَضى بِالظَّنِّ عَلى غَيْرِهِ فِيما لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ. وسُرُورُ الشّافِعِيِّ بِمُناظَرَةِ مِثْلِهِ وانْتِقالُهُ إلى مَذْهَبِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما كانا مُتَقارِبَيْنِ في المُناظَرَةِ، وإلّا فَلَوْ كانَ عِنْدَهُ في مَعْنى المُبْتَدِئِ والمُغَفَّلِ العامِّيِّ لَما أثْبَتَ مُناظَرَتَهُ إيّاهُ في كِتابِهِ، ولَوْ كُلِّمَ بِذَلِكَ المُبْتَدِئُونَ مِن أحْداثِ أصْحابِنا لَما خَفِيَ عَلَيْهِمْ عَوارُ هَذا الحِجاجِ وضَعْفُ السّائِلِ والمَسْؤُولِ فِيهِ. وقَدْ ذَكَرَ الشّافِعِيُّ أنَّهُ قالَ لِمُناظِرِهِ: " جَعَلْتَ الفُرْقَةَ إلى المَرْأةِ بِتَقْبِيلِها ابْنَ زَوْجِها واللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الفُرْقَةَ إلَيْها ؟ قالَ: فَقالَ: فَأنْتَ تَزْعُمُ أنَّها تَحْرُمُ عَلى زَوْجِها إذا ارْتَدَّتْ ؟ قالَ: قُلْتُ: وأقُولُ إنْ رَجَعَتْ وهي في العِدَّةِ فَهُما عَلى النِّكاحِ، أفَتَزْعُمْ أنْتَ في الَّتِي تُقَبِّلُ ابْنَ زَوْجِها مِثْلَهُ ؟ قالَ: لا " قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأنْكَرَ عَلى خَصْمِهِ وُقُوعَ التَّحْرِيمِ مِن قِبَلِ المَرْأةِ، ثُمَّ قالَ هو بِها وجَعَلَ إلَيْها الرَّجْعَةَ كَما جَعَلَ إلَيْها التَّحْرِيمَ. ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ: " فَأقُولُ إنْ مَضَتِ العِدَّةُ فَرَجَعَتْ إلى الإسْلامِ كانَ لِزَوْجِها أنْ (p-٦١)يَنْكِحَها، أفَتَزْعُمُ في الَّتِي تُقَبِّلُ ابْنَ زَوْجِها مِثْلَهُ ؟ قالَ: والمُرْتَدَّةُ تَحْرُمُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ حَتّى تُسْلِمَ، وتَقْبِيلُ ابْنِ الزَّوْجِ لَيْسَ كَذَلِكَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَناقَضَ عَلى أصْلِهِ فِيما أنْكَرَهُ عَلى خَصْمِهِ؛ ثُمَّ أخَذَ في ذِكْرِ الفُرُوقِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي مَضى مِن كَلامِهِ، ولَمْ أذْكُرْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في مِثْلِهِ شُبْهَةً عَلى مِنَ ارْتاضَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّظَرِ ولَكِنْ لِأُبَيِّنَ مَقادِيرَ عُلُومِ مُخالِفِي أصْحابِنا ومَحَلَّهم مِنَ النَّظَرِ. وأمّا ما حُكِيَ عَنْ عُثْمانَ البَتِّيِّ في فَرْقِهِ بَيْنَ الزِّنا بِأُمِّ المَرْأةِ بَعْدَ التَّزْوِيجِ وقَبْلَهُ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ ما يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لا يَخْتَلِفُ في إيجابِهِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّزْوِيجِ وقَبْلَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّضاعَ لَمّا كانَ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ المُؤَبَّدِ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ في إيجابِهِ ذَلِكَ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وبَعْدَهُ، إنَّما قالَ أصْحابُنا: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالرَّجُلِ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهُ ولا بِنْتُهُ، مِن قِبَلِ أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ إنَّما هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَن يَصِحُّ عَقْدُ النِّكاحِ عَلَيْها ويَجُوزُ أنْ تُمَلَّكَ بِهِ، فَيَكُونُ الوَطْءُ المُحَرَّمُ فِيها بِمَنزِلَةِ الوَطْءِ الحَلالِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ وُجُودُ ذَلِكَ في الرَّجُلِ عَلى الوَجْهِ المُباحِ ولا يَجُوزُ أنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ بِالعَقْدِ مِنهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ لَمَسَ الرَّجُلَ بِشَهْوَةٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ في إيجابِ تَحْرِيمِ الأُمِّ والبِنْتِ ؟ واللَّمْسُ بِمَنزِلَةِ الوَطْءِ في المَرْأةِ عِنْدَ الجَمِيعِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ اللَّمْسَ لا حُكْمَ لَهُ في الرَّجُلِ في حُكْمِ تَحْرِيمِ الأُمِّ والبِنْتِ كانَ كَذَلِكَ ما سِواهُ مِنَ الوَطْءِ وفي ذَلِكَ الدَّلالَةُ مِن وجْهَيْنِ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا، أحَدُهُما: أنَّ لَمْسَ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ لِشَهْوَةٍ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِمّا يَصِحُّ أنْ يُمْلَكَ بِعَقْدِ النِّكاحِ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَحْرِيمٌ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الوَطْءِ؛ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَمْلِكَ بِعَقْدِ النِّكاحِ. والثّانِي: أنَّ اللَّمْسَ عِنْدَ الجَمِيعِ في المَرْأةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الوَطْءِ، ألا تَرى أنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ لَمْسَ المَرْأةِ الزَّوْجَةِ يُحَرِّمُ بِنْتَها كَما يُحَرِّمُها الوَطْءُ ؟ وكَذَلِكَ لَمْسُ الجارِيَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ يُوجِبُ مِنَ التَّحْرِيمِ ما يُوجِبُهُ الوَطْءُ، وكَذَلِكَ مَن حُرِّمَ بِوَطْءِ الزِّنا حُرِّمَ بِاللَّمْسِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ لَمْسُ الرَّجُلِ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ وطْئِهِ لِاسْتِوائِهِما في المَرْأةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: واتَّفَقَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ أنَّ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ بِمَنزِلَةِ الجِماعِ في تَحْرِيمِ أُمِّ المَرْأةِ وبِنْتِها، فَكُلُّ مَن حُرِّمَ بِالوَطْءِ الحَرامِ أوْجَبَهُ بِاللَّمْسِ إذا كانَ لِشَهْوَةٍ، ومَن لَمْ يُوجِبْهُ بِالوَطْءِ الحَرامِ. لَمْ يُوجِبْهُ بِاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، ولا خِلافَ أنَّ اللَّمْسَ المُباحَ في الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الأُمِّ والبِنْتِ إلّا شَيْئًا يُحْكى عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ أنَّهُ قالَ: " لا تَحْرُمُ بِاللَّمْسِ وإنَّما تَحْرُمُ بِالوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ مِثْلُهُ الحَدَّ "، وهو قَوْلٌ شاذٌّ قَدْ سَبَقَهُ (p-٦٢)الإجْماعُ بِخِلافِهِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في النَّظَرِ هَلْ يَحْرُمُ أمْ لا، فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: " إذا نَظَرَ إلى فَرْجِها لِشَهْوَةٍ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ اللَّمْسِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ، ولا يُحَرِّمُ النَّظَرُ لِلشَّهْوَةِ إلى غَيْرِ الفَرْجِ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إذا نَظَرَ إلى فَرْجِها مُتَعَمِّدًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وابْنَتُها " ولَمْ يُشْتَرَطْ أنْ يَكُونَ لِشَهْوَةٍ. وقالَ مالِكٌ: " إذا نَظَرَ إلى شَعْرِ جارِيَتِهِ أوْ صَدْرِها أوْ ساقِها أوْ شَيْءٍ مِن مَحاسِنِها تَلَذُّذًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وابْنَتُها " . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ: " النَّظَرُ لا يُحَرِّمُ ما لَمْ يَلْمِسْ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ حَجّاجٍ عَنْ أبِي هانِئٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وابْنَتُها» . ورَوى حَمّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ وابْنَتِها " ورَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ " أنَّ عُمَرَ جَرَّدَ جارِيَةً لَهُ، فَسَألَهُ إيّاها بَعْضُ ولَدِهِ، فَقالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لَكَ " . ورَوى حَجّاجٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " أنَّهُ جَرَّدَ جارِيَةً ثُمَّ سَألَهُ إيّاها بَعْضُ ولَدِهِ، فَقالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لَكَ " . ورَوى المُثَنّى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: " أيُّما رَجُلٍ جَرَّدَ جارِيَةً لَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ مِنها يُرِيدُ ذَلِكَ الأمْرَ فَإنَّها لا تَحِلُّ لابْنِهِ " . وعَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كَتَبَ مَسْرُوقٌ إلى أهْلِهِ قالَ: " اُنْظُرُوا جارِيَتِي فُلانَةَ فَبِيعُوها فَإنِّي لَمْ أُصِبْ مِنها إلّا ما حَرَّمَها عَلَيَّ ولَدِي مِنَ اللَّمْسِ والنَّظَرِ " وهو قَوْلُ الحَسَنِ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ. فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ السَّلَفُ عَلى إيجابِ التَّحْرِيمِ بِالنَّظَرِ واللَّمْسِ، وإنَّما خَصَّ أصْحابُنا النَّظَرَ إلى الفَرْجِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ دُونَ النَّظَرِ إلى سائِرِ البَدَنِ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها ولا ابْنَتُها» فَخَصَّ النَّظَرَ إلى الفَرْجِ بِإيجابِ التَّحْرِيمِ دُونَ النَّظَرِ إلى سائِرِ البَدَنِ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ ولَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ السَّلَفِ خِلافُهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ النَّظَرَ إلى الفَرْجِ مَخْصُوصٌ بِإيجابِ التَّحْرِيمِ دُونَ غَيْرِهِ. وكانَ القِياسُ أنْ لا يَقَعَ تَحْرِيمٌ بِالنَّظَرِ إلى الفَرْجِ كَما لا يَقَعُ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِهِ مِن سائِرِ البَدَنِ، إلّا أنَّهم تَرَكُوا القِياسَ فِيهِ لِلْأثَرِ واتِّفاقِ السَّلَفِ، ولَمْ يُوجِبُوهُ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِ الفَرْجِ وإنْ كانَ لِشَهْوَةٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ القِياسُ. ألا تَرى أنَّ النَّظَرَ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ في سائِرِ الأُصُولِ ؟ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ نَظَرَ وهو مُحْرِمٌ أوْ صائِمٌ فَأمْنى لا يَفْسُدُ صَوْمُهُ ولَوْ كانَ الإنْزالُ عَنْ لَمْسٍ فَسَدَ صَوْمُهُ ولَزِمَهُ دَمٌ لِإحْرامِهِ ؟ فَعَلِمْتَ أنَّ النَّظَرَ مِن غَيْرِ لَمْسٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ؛ فَلِذَلِكَ قُلْنا: إنَّ القِياسَ أنْ لا يُحَرِّمَ النَّظَرُ شَيْئًا، إلّا أنَّهم تَرَكُوا القِياسَ في النَّظَرِ إلى الفَرْجِ خاصَّةً لِما ذَكَرْنا. ويُحْتَجُّ لِمَذْهَبِ ابْنِ شُبْرُمَةَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (p-٦٣)واللَّمْسُ لَيْسَ بِدُخُولٍ، فَلا يُحَرِّمُ. والجَوابُ عَنْهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يُرِيدَ الدُّخُولَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَذَكَرَ الطَّلاقَ ومَعْناهُ الطَّلاقُ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ، ويَكُونُ دَلالَتُهُ ما ذَكَرْنا مِن قَوْلِ السَّلَفِ واتِّفاقِهِمْ مِن غَيْرِ مُخالِفٍ لَهم عَلى إيجابِ التَّحْرِيمِ بِاللَّمْسِ. ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ عَلى امْرَأةٍ يُوجِبُ تَحْرِيمَها عَلى الِابْنِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وإبْراهِيمَ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ

النساء 4:23

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: " إلّا ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّكم لا تُؤاخَذُونَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ فَإنَّكم مُقِرُّونَ عَلَيْهِ، وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ؛ وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقَرَّ أحَدًا عَلى عَقْدِ نِكاحِ امْرَأةِ أبِيهِ وإنْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ. وقَدْ رَوى البَراءُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا بُرْدَةَ بْنَ نِيارٍ إلى رَجُلِ عَرَّسَ بِامْرَأةِ أبِيهِ وفي بَعْضِ الألْفاظِ: نَكَحَ امْرَأةَ أبِيهِ أنْ يَقْتُلَهُ ويَأْخُذَ مالَهُ» . وقَدْ كانَ نِكاحُ امْرَأةِ الأبِ مُسْتَفِيضًا شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ، فَلَوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أقَرَّ أحَدًا مِنهم عَلى ذَلِكَ النِّكاحِ لَنُقِلَ واسْتَفاضَ، فَلَمّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فَإنَّكم غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِهِ وذَلِكَ؛ لِأنَّهم قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِخِلافِ ما هم عَلَيْهِ كانُوا مُقِرِّينَ عَلى أحْكامِهِمْ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم غَيْرُ مُؤاخَذِينَ فِيما لَمْ تَقُمْ عِنْدَهم حُجَّةُ السَّمْعِ بِتَرْكِهِ، فَلا احْتِمالَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ في هَذا المَوْضِعِ إلّا ما ذَكَرْنا؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ يَحْتَمِلُ غَيْرَ ما ذَكَرْنا هَهُنا، وسَنَذْكُرُهُ إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ومَعْنى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ هَهُنا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَقَوْلِهِ: " لا تَلْقَ فُلانًا إلّا ما لَقِيتَ " يَعْنِي لَكِنْ ما لَقِيتَ فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] هَذِهِ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ؛ وقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: النِّكاحُ بَعْدَ النَّهْيِ فاحِشَةٌ، ومَعْناهُ هو فاحِشَةٌ، فَ " كانَ " في هَذا المَوْضِعِ مُلْغاةٌ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ دِيارَ قَوْمٍ وجِيرانٍ لَنا كانُوا كِرامِ فَأدْخَلَ " كانَ " وهي مُلْغاةٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها؛ لِأنَّ القَوافِيَ مَجْرُورَةٌ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] واَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّ ما كانَ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ فَهو فاحِشَةٌ فَلا تَفْعَلُوا مِثْلَهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ، ومَن قالَ هَذا (p-٦٤)جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] فَإنَّهُ يَسْلَمُ مِنهُ بِالإقْلاعِ عَنْهُ والتَّوْبَةِ مِنهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: والأوْلى حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ فاحِشَةٌ بَعْدَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُرادٌ عِنْدَ الجَمِيعِ لا مَحالَةَ، ولَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ حُجَّةَ السَّمْعِ قَدْ كانَتْ قامَتْ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ فَيَسْتَحِقُّونَ اللَّوْمَ عَلَيْهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وظاهِرُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المُؤاخَذَةِ بِما سَلَفَ مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ نِكاحًا عَلى امْرَأةِ أبِيهِ ووَطِئَها كانَ وطْؤُهُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ؛ لِأنَّهُ سَمّاها فاحِشَةً، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢] قِيلَ لَهُ: الفاحِشَةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَحْظُوراتِ، وقَدْ رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أنَّ خُرُوجَها مِن بَيْتِهِ فاحِشَةٌ. ورُوِيَ أنَّ الفاحِشَةَ في ذَلِكَ أنْ تَسْتَطِيلَ بِلِسانِها عَلى أهْلِ زَوْجِها، وقِيلَ فِيها: إنَّها الزِّنا. فالفاحِشَةُ اسْمٌ يَتَناوَلُ مُواقَعَةَ المَحْظُورِ، ولَيْسَ يَخْتَصُّ بِالزِّنا دُونَ غَيْرِهِ حَتّى إذا أُطْلِقَ فِيهِ اسْمُ الفاحِشَةِ كانَ زِنًا، وما كانَ مِن وطْءٍ عَنْ عَقْدٍ فاسِدٍ فَإنَّهُ لا يُسَمّى زِنًا؛ لِأنَّ المَجُوسَ وسائِرَ المُشْرِكِينَ المَوْلُودِينَ عَلى مُناكَحاتِهِمْ الَّتِي هي فاسِدَةٌ في الإسْلامِ لا يُسَمَّوْنَ أوْلادَ زِنًا والزِّنا اسْمٌ لِوَطْءٍ في غَيْرِ مِلْكٍ، ولا نِكاحٍ، ولا شُبْهَةٍ عَنْ واحِدٍ مِنهُما، فَأمّا إذا صَدَرَ عَنْ عَقْدٍ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى زِنًا سَواءٌ كانَ العَقْدُ فاسِدًا أوْ صَحِيحًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٢٢] يَعْنِي أنَّهُ مِمّا يُبْغِضُهُ اللَّهُ تَعالى ويُبْغِضُهُ المُسْلِمُونَ، وذَلِكَ تَأْكِيدٌ لَتَحْرِيمِهِ وتَقْبِيحِهِ وتَهْجِينِ فاعِلِهِ وبَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقُ سُوءٍ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى جَهَنَّمَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: حَدَّثَنا سُنَيْدُ بْنُ داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾ قالَ: حَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ السَّبْعَ مِنَ النَّسَبِ ومِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ما وراءَ هَذا النَّسَبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَعْنِي السَّبْيَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ عُمُومٌ في جَمِيعِ ما يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ حَقِيقَةً، ولا خِلافَ أنَّ الجَدّاتِ وإنْ بَعُدْنَ مُحَرَّماتٌ، واكْتَفى بِذِكْرِ الأُمَّهاتِ؛ لِأنَّ اسْمَ الأُمَّهاتِ يَشْمَلُهُنَّ كَما أنَّ اسْمَ الآباءِ يَتَناوَلُ الأجْدادَ وإنْ بَعُدُوا، وقَدْ عُقِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] (p-٦٥)تَحْرِيمُ ما نَكَحَ الأجْدادُ، وإنْ كانَ لِلْجَدِّ اسْمٌ خاصٌّ لا يُشارِكُهُ فِيهِ الأبُ الأدْنى فَإنَّ الِاسْمَ العامَّ وهو الأُبُوَّةُ يَنْتَظِمُهم جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَناتُكُمْ﴾ قَدْ يَتَناوَلُ بَناتِ الأوْلادِ وإنْ سَفُلْنَ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُنَّ كَما يَتَناوَلُ اسْمُ الآباءِ الأجْدادَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ فَأفْرَدَ بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ اسْمَ الأخِ والأُخْتِ لا يَتَناوَلُهُنَّ كَما يَتَناوَلُ اسْمُ البَناتِ بَناتِ الأوْلادِ؛ فَهَؤُلاءِ السَّبْعُ المُحَرَّماتُ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] فَهَؤُلاءِ، السَّبْعُ المُحَرَّماتُ مِن جِهَةِ الصِّهْرِ. وقَدْ عُقِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ مَن سَفُلَ مِنهُنَّ كَما عُقِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ مَن عَلا مِنهُنَّ؛ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَناتُكُمْ﴾ مَن سَفُلَ مِنهُنَّ، وعُقِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَمّاتُكُمْ﴾ تَحْرِيمُ عَمّاتِ الأبِ والأُمِّ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخالاتُكُمْ﴾ عُقِلَ مِنهُ تَحْرِيمُ خالاتِ الأُمِّ والأبِ كَما عُقِلَ تَحْرِيمُ أُمَّهاتِ الأبِ وإنْ عَلَوْنَ. وخَصَّ تَعالى العَمّاتِ والخالاتِ بِالتَّحْرِيمِ دُونَ أوْلادِهِنَّ، ولا خِلافَ في جَوازِ نِكاحِ بِنْتِ العَمَّةِ وبِنْتِ الخالَةِ وقالَ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ السِّمَةَ إنَّما هي مُسْتَحَقَّةٌ بِالرَّضاعِ، أعْنِي سِمَةَ الأُمُومَةِ والأُخُوَّةِ؛ فَلَمّا عَلَّقَ هَذِهِ السِّمَةَ بِفِعْلِ الرَّضاعِ اقْتَضى ذَلِكَ اسْتِحْقاقَ اسْمِ الأُمُومَةِ والأُخُوَّةِ بِوُجُودِ الرَّضاعِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِقَلِيلِ الرَّضاعِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أعْطَيْنَكم وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي كَسَوْنَكم، فَنَحْتاجُ إلى أنْ نُثْبِتَ أنَّها أُمٌّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى يَثْبُتَ الرَّضاعُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: واَللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن قِبَلِ أنَّ الرَّضاعَ هو الَّذِي يُكْسِبُها سِمَةَ الأُمُومَةِ، فَلَمّا كانَ الِاسْمُ مُسْتَحَقًّا بِوُجُودِ الرَّضاعِ كانَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، واسْمُ الرَّضاعِ في الشَّرْعِ واللُّغَةِ يَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَوَجَبَ أنْ تَصِيرَ أُمًّا بِوُجُودِ الرَّضاعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ ولَيْسَ كَذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن قَوْلِ القائِلِ وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي كَسَوْنَكم؛ لِأنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ (p-٦٦)بِوُجُودِ الكِسْوَةِ كَتَعَلُّقِهِ بِوُجُودِ الرَّضاعِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا إلى حُصُولِ الِاسْمِ والفِعْلِ المُتَعَلِّقِ بِهِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ كَوْنَها أُخْتًا بِوُجُودِ الرَّضاعِ؛ إذْ كانَ اسْمُ الأُخُوَّةِ مُسْتَفادًا بِوُجُودِ الرَّضاعِ لا بِمَعْنًى آخَرَ سِواهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَفْهُومُ الخِطابِ ومُقْتَضى القَوْلِ، ما رَواهُ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِي الرَّبِيعِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: لا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ والرَّضْعَتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: " قَضاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن قَضاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ فَعَقَلَ ابْنُ عُمَرَ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ التَّحْرِيمَ بِقَلِيلِ الرَّضاعِ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهم في التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضاعِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وطاوُسٍ وإبْراهِيمَ والزُّهْرِيِّ والشَّعْبِيِّ: " قَلِيلُ الرَّضاعِ وكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ في الحَوْلَيْنِ " وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ ومالِكٍ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ قالَ اللَّيْثُ: " اجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ قَلِيلَ الرَّضاعِ وكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ في المَهْدِ ما يُفْطِرُ الصّائِمَ " . وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: " لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتانِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا خَمْسُ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ الكَلامَ في مُدَّةِ الرَّضاعِ والِاخْتِلافَ فِيها، وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى إيجابِ التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضاعِ، وغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إثْباتُ تَحْدِيدِ الرَّضاعِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ إلّا بِما يُوجِبُ العِلْمَ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مَنقُولَةٍ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ، ولا يَجُوزُ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ عِنْدَنا في تَخْصِيصِ حُكْمِ الآيَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضاعِ؛ لِأنَّها آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ظاهِرَةُ المَعْنى بَيِّنَةُ المُرادِ لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُها بِالِاتِّفاقِ، وما كانَ هَذا وصْفَهُ فَغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الواحِدِ ولا بِالقِياسِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ» رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، فَهو مَحْمُولٌ عَلَيْهِما جَمِيعًا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جِهَةِ التَّواتُرِ والِاسْتِفاضَةِ أنَّهُ قالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» رَواهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وحَفْصَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وتَلَقّاهُ أهْلُ العِلْمِ بِالقَبُولِ والِاسْتِعْمالِ؛ فَلَمّا حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وكانَ مَعْلُومًا أنَّ النَّسَبَ مَتى ثَبَتَ مِن وجْهٍ أوْجَبَ التَّحْرِيمَ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ مِن وجْهٍ آخَرَ، كَذَلِكَ الرَّضاعُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا حُكْمَهُ في إيجابِ (p-٦٧)التَّحْرِيمِ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ لِتَسْوِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُما فِيما عُلِّقَ بِهِما مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ واحْتَجَّ مَنِ اعْتَبَرَ خَمْسَ رَضَعاتٍ بِما رَوَتْ عائِشَةُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وأُمُّ الفَضْلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ» وبِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: " كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهي فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذِهِ الأخْبارُ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِها عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ لِما بَيَّنّا أنَّ ما لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ مِن ظَواهِرِ القُرْآنِ وكانَ ظاهِرَ المَعْنى بَيِّنَ المُرادِ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِأخْبارِ الآحادِ، فَهَذا أحَدُ الوُجُوهِ الَّتِي تُسْقِطُ الِاعْتِراضَ بِهَذا الخَبَرِ ووَجْهٌ آخَرُ وهو ما حَدَّثَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الحَضْرَمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو خالِدٍ عَنْ حَجّاجٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّضاعِ فَقُلْتُ: إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتانِ قالَ: " قَدْ كانَ ذاكَ، فَأمّا اليَوْمَ فالرَّضْعَةُ الواحِدَةُ تُحَرِّمُ " . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ شُجاعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ طاوُسٍ قالَ: " اُشْتُرِطَتْ عَشْرُ رَضَعاتٍ ثُمَّ قِيلَ الرَّضْعَةُ الواحِدَةُ تُحَرِّمُ "؛ فَقَدْ عَرَفَ ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسٌ خَبَرَ العَدَدِ في الرَّضاعِ وأنَّهُ مَنسُوخٌ بِالتَّحْرِيمِ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ التَّحْدِيدُ كانَ مَشْرُوطًا في رَضاعِ الكَبِيرِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في رَضاعِ الكَبِيرِ وهو مَنسُوخٌ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَحْدِيدُ الرَّضاعِ كانَ في رَضاعِ الكَبِيرِ، فَلَمّا نُسِخَ سَقَطَ التَّحْدِيدُ؛ إذْ كانَ مَشْرُوطًا فِيهِ. وأيْضًا يُلْزِمُ الشّافِعِيَّ إيجابَ التَّحْرِيمِ بِثَلاثِ رَضَعاتٍ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: «لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتانِ» عَلى إيجابِ التَّحْرِيمِ فِيما زادَ عَلى أصْلِهِ في المَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ وأمّا حَدِيثُ عائِشَةَ فَغَيْرُ جائِزٍ اعْتِقادُ صِحَّتِهِ عَلى ما ورَدَ، وذَلِكَ لِأنَّها ذَكَرَتْ أنَّهُ كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وهو مِمّا يُتْلى؛ ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُجِيزُ نَسْخَ القُرْآنِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَوْ كانَ ثابِتًا لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ مَوْجُودَةً، فَإذا لَمْ تُوجَدْ بِهِ التِّلاوَةُ ولَمْ يَجُزِ النَّسْخُ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الحَدِيثُ مَدْخُولًا في الأصْلِ غَيْرَ ثابِتِ الحُكْمِ، أوْ يَكُونَ إنْ كانَ ثابِتًا فَإنَّما نُسِخَ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما كانَ مَنسُوخًا فالعَمَلُ بِهِ ساقِطٌ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ تَحْدِيدًا لِرَضاعِ الكَبِيرِ، وقَدْ كانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ بِهِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ في (p-٦٨)رَضاعِ الكَبِيرِ دُونَ سائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ نَسْخُ رَضاعِ الكَبِيرِ، فَسَقَطَ حُكْمُ التَّحْدِيدِ المَذْكُورُ في حَدِيثِ عائِشَةَ هَذا. ومَعَ ذَلِكَ لَوْ خَلا مِن هَذِهِ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِحالَةِ والِاحْتِمالِ لَما جازَ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ؛ إذْ هو مِن أخْبارِ الآحادِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن سُقُوطِ اعْتِبارِ التَّحْدِيدِ أنَّ الرَّضاعَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَأشْبَهَ الوَطْءَ المُوجِبَ لِتَحْرِيمِ الأُمِّ والبِنْتِ والعَقْدَ المُوجِبَ لِلتَّحْرِيمِ كَحَلائِلِ الأبْناءِ وما نَكَحَ الآباءُ، فَلَمّا كانَ القَلِيلُ مِن ذَلِكَ كَكَثِيرِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الرَّضاعِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِهِ * * واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في لَبَنِ الفَحْلِ، وهو الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ فَتَلِدُ مِنهُ ولَدًا ويَنْزِلُ لَها لَبَنٌ بَعْدَ وِلادَتِها مِنهُ فَتُرْضِعُ بِهِ صَبِيّا؛ فَإنَّ مَن قالَ بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الفَحْلِ يُحَرِّمُ هَذا الصَّبِيَّ عَلى أوْلادِ الرَّجُلِ وإنْ كانُوا مِن غَيْرِها، ومَن لا يَعْتَبِرُهُ لا يُوجِبُ تَحْرِيمًا بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلادِهِ مِن غَيْرِها. فَمِمَّنْ قالَ بِلَبَنِ الفَحْلِ ابْنُ عَبّاسٍ ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأتانِ أرْضَعَتْ هَذِهِ غُلامًا وهَذِهِ جارِيَةً، هَلْ يَصِحُّ لِلْغُلامِ أنْ يَتَزَوَّجَ الجارِيَةَ ؟ فَقالَ: " لا، اللِّقاحُ واحِدٌ "، وهو قَوْلُ القاسِمِ وسالِمٍ وعَطاءٍ وطاوُسٍ. وذَكَرَ الخَفّافُ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: " كَرِهَهُ قَوْمٌ ولَمْ يَرَ بِهِ قَوْمٌ بَأْسًا، ومَن كَرِهَهُ كانَ أفْقَهَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا " وذَكَرَ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ. قالَ: قُلْتُ لِلْقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: امْرَأةُ أبِي أرْضَعَتْ جارِيَةً مِنَ النّاسِ بِلَبانِ إخْوَتِي مِن أبِي أتَحِلُّ لِي ؟ قالَ: " لا، أبُوكَ أبُوها " فَسَألْتُ طاوُسًا والحَسَنَ فَقالا مِثْلَ ذَلِكَ، وسَألْتُ مُجاهِدًا فَقالَ: " اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ فَلَسْتُ أقُولُ فِيهِ شَيْئًا " وسَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ مُجاهِدٍ وسَألْتُ يُوسُفَ بْنَ ماهِكَ فَذَكَرَ حَدِيثَ أبِي قُعَيْسٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " لَبَنُ الفَحْلِ يُحَرِّمُ " . وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: " إنَّ لَبَنَ الفَحْلِ لا يُحَرِّمُ شَيْئًا مِن قِبَلِ الرِّجالِ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ وهِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ أفْلَحَ أخا أبِي القُعَيْسِ جاءَ لِيَسْتَأْذِنَ عَلَيْها وهو عَمُّها مِنَ الرَّضاعَةِ بَعْدَ أنْ نَزَلَ الحِجابُ، قالَتْ فَأبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرْتُهُ، قالَ: لِيَلِجْ عَلَيْكِ فَإنَّهُ عَمُّكِ قُلْتُ: إنَّما أرْضَعَتْنِي المَرْأةُ. ولَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ قالَ: لِيَلِجْ عَلَيْكِ فَإنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ» وكانَ أبُو (p-٦٩)القُعَيْسِ زَوْجَ المَرْأةِ الَّتِي أرْضَعَتْ عائِشَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ اللَّبَنِ هو ماءُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الحَمْلَ مِنهُما جَمِيعًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الرَّضاعُ مِنهُما كَما كانَ الوَلَدُ مِنهُما وإنِ اخْتَلَفَ سَبَبُهُما. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تُدْخِلُ عَلَيْها مَن أرْضَعَتْهُ أخَواتُها وبَناتُ أخِيها ولا تُدْخِلُ عَلَيْها مَن أرْضَعَتْهُ نِساءُ إخْوَتِها. قِيلَ لَهُ: هَذا غَيْرُ مُخالِفٍ لِما ورَدَ في لَبَنِ الفَحْلِ؛ إذْ كانَ لَها أنْ تَأْذَنَ لِمَن شاءَتْ مِن مَحارِمِها وتَحْجُبَ مَن شاءَتْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ البِنْتَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الجَدِّ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن مائِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ حُدُوثِ الأبِ الَّذِي هو مِن مائِهِ، كَذَلِكَ الرَّجُلُ لَمّا كانَ هو سَبَبَ نُزُولِ اللَّبَنِ مِنَ المَرْأةِ وجَبَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ وإنْ لَمْ يَكُنِ اللَّبَنُ مِنهُ؛ إذْ كانَ هو سَبَبَهُ كَما يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ مِن جِهَةِ الأُمِّ. والمَنصُوصُ عَلَيْهِ في التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّضاعِ الأُمَّهاتُ والأخَواتُ مِنَ الرَّضاعَةِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّقْلِ المُسْتَفِيضِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ أنَّهُ قالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى اسْتِعْمالِهِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ أُمَّهاتِ النِّساءِ والرَّبائِبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ولَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ أنَّ الرَّبائِبَ لا يَحْرُمْنَ بِالعَقْدِ عَلى الأُمِّ حَتّى يَدْخُلَ بِها أوْ يَكُونَ مِنهُ ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مِنَ اللَّمْسِ والنَّظَرِ عَلى ما بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ، وهو نَصُّ التَّنْزِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ واخْتَلَفَ السَّلَفُ في أُمَّهاتِ النِّساءِ، هَلْ يَحْرُمْنَ بِالعَقْدِ دُونَ الدُّخُولِ ؟ فَرَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ خِلاسٍ أنَّ عَلِيًّا قالَ في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها: " فَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، وإنْ تَزَوَّجَ أُمَّها ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَزَوَّجُ بِنْتَها تَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا "؛ وأهْلُ النَّقْلِ يُضَعِّفُونَ حَدِيثَ خِلاسٍ عَنْ عَلِيٍّ؛ ويُرْوى عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَتانِ: إحْداهُما ما يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الأجْدَعِ عَنْهُ: أنَّ أُمَّ المَرْأةِ لا تَحْرُمُ إلّا بِالدُّخُولِ، والأُخْرى ما يَرْوِيهِ عِكْرِمَةُ عَنْهُ: أنَّها تَحْرُمُ بِنَفْسِ العَقْدِ. وقالَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ ومَسْرُوقٌ وعَطاءٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: " تَحْرُمُ بِالعَقْدِ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ " . ورَوى أبُو أُسامَةَ عَنْ سُفْيانَ (p-٧٠)عَنْ أبِي فَرْوَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أفْتى في امْرَأةٍ تَزَوَّجَها رَجُلٌ فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أوْ ماتَتْ قالَ: " لا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها " فَلَمّا أتى المَدِينَةَ رَجَعَ فَأفْتاهم فَنَهاهم وقَدْ ولَدَتْ أوْلادًا. ورَوى إبْراهِيمُ عَنْ شُرَيْحٍ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ويُفْتِي بِهِ، يَعْنِي في أُمَّهاتِ النِّساءِ، فَحَجَّ فَلَقِيَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذاكَرَهم ذَلِكَ فَكَرِهُوا. أنْ يَتَزَوَّجَها، فَلَمّا رَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ نَهى مَن كانَ أفْتاهُ بِذَلِكَ، وكانُوا أحْياءً مِن بَنِي فَزارَةَ أفْتاهم بِذَلِكَ وقالَ: " إنِّي سَألْتُ أصْحابِي فَكَرِهُوا ذَلِكَ " . ورَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ قالَ في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، قالَ: " إنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَزَوَّجُ أُمَّها، وإنْ ماتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّها "، وأصْحابُ الحَدِيثِ يُضَعِّفُونَ حَدِيثَ قَتادَةَ هَذا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ زَيْدٍ ويَقُولُونَ: إنَّ أكْثَرَ ما يَرْوِيهِ قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ رِجالٌ، وإنَّ رِواياتِهِ عَنْ سَعِيدٍ مُخالِفَةٌ لِرِواياتِ أكْثَرِ أصْحابِ سَعِيدٍ الثِّقاتِ؛ وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أحَبُّ إلَيَّ مِن قَتادَةَ عَنْ سَعِيدٍ. وقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ خِلافَ رِوايَةِ قَتادَةَ. ويُقالُ إنَّ حَدِيثَ يَحْيى وإنْ كانَ مُرْسَلًا فَهو أقْوى مِن حَدِيثِ قَتادَةَ عَنْ سَعِيدٍ قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ طَرِيقَةُ أصْحابِ الحَدِيثِ، والفُقَهاءُ لا يَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ في قَبُولِ الأخْبارِ ورَدِّها، وإنَّما ذَكَرْنا ذَلِكَ لِيُعْرَفَ بِهِ مَذْهَبُ القَوْمِ فِيهِ دُونَ اعْتِبارِهِ والعَمَلِ عَلَيْهِ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ المَوْتِ والطَّلاقِ في التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الدُّخُولِ ألا تَرى أنَّهُ يَجِبُ في نِصْفِ المَهْرِ ولا تَجِبُ عَلَيْها العِدَّةُ ؟ وأمّا المَوْتُ فَلَمّا كانَ في حُكْمِ الدُّخُولِ في بابِ اسْتِحْقاقِ كَمالِ المَهْرِ ووُجُوبِ العِدَّةِ جَعَلَهُ كَذَلِكَ في حُكْمِ التَّحْرِيمِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أُمَّهاتِ النِّساءِ يَحْرُمْنَ بِالعَقْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ هي مُبْهَمَةٌ عامَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] فَغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ إلّا بِدَلالَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلى الرَّبائِبِ دُونَ أُمَّهاتِ النِّساءِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُكْتَفِيَةٌ بِنَفْسِها في إيجابِ الحُكْمِ المَذْكُورِ فِيها، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وكُلُّ كَلامٍ اكْتَفى (p-٧١)بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ تَضْمِينٍ لَهُ بِغَيْرِهِ ولا حَمْلِهِ عَلَيْهِ وجَبَ إجْراؤُهُ عَلى مُقْتَضى لَفْظِهِ دُونَ تَعْلِيقِهِ بِغَيْرِهِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ جُمْلَةً مُكْتَفِيَةً بِنَفْسِها يَقْتَضِي عُمُومُها تَحْرِيمَ أُمَّهاتِ النِّساءِ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ وعَدَمِهِ، وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها عَلى ما فِيها مِن شَرْطِ الدُّخُولِ، لَمْ يَجُزْ لَنا بِناءُ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ عَلى الأُخْرى بَلِ الواجِبُ إجْراءُ المُطْلَقِ مِنهُما عَلى إطْلاقِهِ والمُقَيَّدُ عَلى تَقْيِيدِهِ وشَرْطِهِ، إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إحْداهُما مَبْنِيَّةٌ عَلى الأُخْرى مَحْمُولَةٌ عَلى شَرْطِها. وأُخْرى: وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ يَجْرِي هَذا الشَّرْطُ مَجْرى الِاسْتِثْناءِ، تَقْدِيرُهُ: ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكم إلّا اللّاتِي لَمْ تَدْخُلُوا بِهِنَّ؛ لِأنَّ فِيهِ إخْراجَ بَعْضِ ما انْتَظَمَهُ العُمُومُ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ وكانَ مِن حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ عَوْدُهُ إلى ما يَلِيهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى رُجُوعِهِ إلى ما تَقَدَّمَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلى الرَّبائِبِ ولَمْ يَجُزْ رَدُّهُ إلى ما تَقَدَّمَهُ إلّا بِدَلالَةٍ. وأُخْرى: وهي أنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو لا مَحالَةَ مُسْتَعْمَلٌ في الرَّبائِبِ ورُجُوعُهُ إلى أُمَّهاتِ النِّساءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُ العُمُومِ بِالشَّكِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عُمُومُ التَّحْرِيمِ في أُمَّهاتِ النِّساءِ مُقِرًّا عَلى بابِهِ. وأُخْرى: وهي أنَّ إضْمارَ شَرْطِ الدُّخُولِ لا يَصِحُّ في أُمَّهاتِ النِّساءِ مُظْهَرًا؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: وأُمَّهاتُ نِسائِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؛ لِأنَّ أُمَّهاتِ نِسائِنا لَسْنَ مِن نِسائِنا والرَّبائِبُ مِن نِسائِنا؛ لِأنَّ البِنْتَ مِنَ الأُمِّ ولَيْسَتِ الأُمُّ مِنَ البِنْتِ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ بِإظْهارِ أُمَّهاتِ النِّساءِ في الشَّرْطِ لَمْ يَصِحَّ إضْمارُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ﴾ إنَّما هو مِن وصْفِ الرَّبائِبِ دُونَ أُمَّهاتِ النِّساءِ وأيْضًا فَلَوْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نَعْتًا لِأُمَّهاتِ النِّساءِ وجَعَلْنا تَقْدِيرَهُ: وأُمَّهاتُ نِسائِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لَخَرَجَ الرَّبائِبُ مِنَ الحُكْمِ وصارَ حُكْمُ الشَّرْطِ في أُمَّهاتِ النِّساءِ دُونَهُنَّ، وذَلِكَ خِلافُ نَصِّ التَّنْزِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ مَقْصُورٌ عَلى الرَّبائِبِ دُونَ أُمَّهاتِ النِّساءِ. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أيُّما رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً فَدَخَلَ بِها فَلا يَحِلُّ لَهُ نِكاحُ ابْنَتِها، (p-٧٢)وإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِها فَلْيَنْكِحِ ابْنَتَها؛ وأيُّما رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً فَدَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها فَلا يَحِلُّ لَهُ نِكاحُ أُمِّها» . وقَدْ حُكِيَ عَنِ السَّلَفِ اخْتِلافٌ في حُكْمِ الرَّبِيبَةِ، فَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي إبْراهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الرَّبِيبَةِ إذا لَمْ تَكُنْ في حِجْرِ الزَّوْجِ وكانَتْ في بَلَدٍ آخَرَ ثُمَّ فارَقَ الأُمَّ بَعْدَ الدُّخُولِ: " إنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الرَّبِيبَةَ " . ونَسَبَ عَبْدُ الرَّزّاقِ إبْراهِيمَ هَذا فَقالَ: إبْراهِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ في غَيْرِ هَذا الحَدِيثِ، وهو مَجْهُولٌ لا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ مَقالَةٌ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ رَدُّوهُ ولَمْ يَتَلَقَّهُ أحَدٌ مِنهم بِالقَبُولِ. وقَدْ ذَكَرَ قَتادَةُ عَنْ خِلاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ الرَّبِيبَةَ والأُمَّ تَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، وهو خِلافُ هَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الأُمَّ لا مَحالَةَ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِالبِنْتِ وقَدْ جَعَلَ الرَّبِيبَةَ مِثْلَها، فاقْتَضى تَحْرِيمَ البِنْتِ بِالدُّخُولِ بِالأُمِّ سَواءٌ كانَتْ في حِجْرِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ. وذَكَرَ في حَدِيثِ إبْراهِيمَ هَذا أنَّ عَلِيًّا احْتَجَّ في ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ فَإذا لَمْ تَكُنْ في حِجْرِهِ لَمْ تَحْرُمْ. وحِكايَةُ هَذا الحِجاجِ يَدُلُّ عَلى وهْيِ الحَدِيثِ وضَعْفِهِ؛ لِأنَّ عَلِيًّا لا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ وذَلِكَ؛ لِأنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبائِبُكُمُ﴾ لَمْ يَقْتَضِ أنْ تَكُونَ تَرْبِيَةُ زَوْجِ الأُمِّ لَها شَرْطًا في التَّحْرِيمِ، وأنَّهُ مَتى لَمْ يُرَبِّها لَمْ تَحْرُمْ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِنْتُ المَرْأةِ رَبِيبَةً؛ لِأنَّ الأعَمَّ الأكْثَرَ أنَّ زَوْجَ الأُمِّ يُرَبِّيها؛ ثُمَّ مَعْلُومٌ أنَّ وُقُوعَ الِاسْمِ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يُوجِبْ كَوْنَ تَرْبِيَتِهِ إيّاها شَرْطًا في التَّحْرِيمِ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ كَلامٌ خَرَجَ عَلى الأعَمِّ الأكْثَرِ مِن كَوْنِ الرَّبِيبَةِ في حِجْرِ الزَّوْجِ؛ ولَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ شَرْطًا في التَّحْرِيمِ كَما أنَّ تَرْبِيَةَ الزَّوْجِ إيّاها لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فِي خَمْسٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ بِنْتُ مَخاضٍ وفي سِتٍّ وثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» ولَيْسَ كَوْنُ المَخاضِ أوِ اللَّبَنِ بِالأُمِّ شَرْطًا في المَأْخُوذِ وإنَّما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ أنَّها إذا دَخَلَتْ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ كانَ بِأُمِّها مَخاضٌ وإذا دَخَلَتْ في الثّالِثَةِ كانَ بِأُمِّها لَبَنٌ؛ فَإنَّما أجْرى الكَلامَ عَلى غالِبِ الحالِ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ مَن ذُكِرَ مِمَّنْ لا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وأنَّ الأُمَّ والأُخْتَ مِنَ الرَّضاعَةِ مُحَرَّمَتانِ بِمِلْكِ اليَمِينِ كَما هُما بِالنِّكاحِ، وكَذَلِكَ أُمُّ المَرْأةِ وابْنَتُها إذا دَخَلَ بِالأُمِّ وأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إذا وطِئَ الأُخْرى؛ وكَذَلِكَ لا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الجَمْعُ بَيْنَ أُمٍّ وبِنْتٍ بِمِلْكِ اليَمِينِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ (p-٧٣)عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ ولا خِلافَ أيْضًا أنَّ الوَطْءَ بِمِلْكِ اليَمِينِ يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُهُ الوَطْءُ بِالنِّكاحِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ زَيْدٍ ونَزَلَتْ: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] و ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] قالَ: وكانَ يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: حَلِيلَةُ الِابْنِ هي زَوْجَتُهُ، ويُقالُ إنَّما سُمِّيَتْ حَلِيلَةً؛ لِأنَّها تَحُلُّ مَعَهُ في فِراشٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مِنها الجِماعُ بِعَقْدِ النِّكاحِ، والأمَةُ إنِ اسْتَباحَ فَرْجَها بِالمِلْكِ لا تُسَمّى حَلِيلَةً ولا تَحْرُمُ عَلى الأبِ ما لَمْ يَطَأْها، وعَقْدُ نِكاحِ الِابْنِ عَلَيْها يُحَرِّمُها عَلى أبِيهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَلِيلَةَ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَةِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ. ولَمّا عُلِّقَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ ذِكْرِ الوَطْءِ اقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَهُنَّ بِالعَقْدِ دُونَ شَرْطِ الوَطْءِ؛ لِأنّا لَوْ شَرَطْنا الوَطْءَ لَكانَ فِيهِ زِيادَةٌ في النَّصِّ، ومِثْلُها يُوجِبُ النَّسْخَ؛ لِأنَّها تُبِيحُ ما حَظَرَتْهُ الآيَةُ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ قَدْ تَناوَلَ عِنْدَ الجَمْعِ تَحْرِيمَ حَلِيلَةِ ولَدِ الوَلَدِ عَلى الجَدِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ولَدَ الوَلَدِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن صُلْبِ الجَدِّ؛ لِأنَّ إطْلاقَ الآيَةِ قَدِ اقْتَضاهُ عِنْدَ الجَمِيعِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ولَدَ الوَلَدِ مَنسُوبٌ إلى الجَدِّ بِالوِلادَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ في تَخْصِيصِها حَلِيلَةَ الِابْنِ مِنَ الصُّلْبِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] لِما تَضَمَّنَهُ مِن إباحَةِ تَزْوِيجِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِن جِهَةِ التَّبَنِّي. وقَوْلُهُ: ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ حَلِيلَةَ الِابْنِ هي زَوْجَتُهُ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ في هَذا المَوْضِعِ عَنْهُنَّ بِاسْمِ الأزْواجِ وفي الآيَةِ الأُولى بِذِكْرِ الحَلائِلِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في سائِرِ الوُجُوهِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ والجَمْعُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها أنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِما جَمِيعًا مَعًا فَلا يَصِحُّ نِكاحُ واحِدَةٍ مِنهُما؛ لِأنَّهُ جامِعٌ بَيْنَهُما، ولَيْسَتْ إحْداهُما بِأوْلى بِجَوازِ نِكاحِها مِنَ الأُخْرى، ولا يَجُوزُ تَصْحِيحُ نِكاحِهِما مَعَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى الجَمْعَ بَيْنَهُما، وغَيْرُ جائِزٍ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ في أنْ يَخْتارَ أيَّتَهُما شاءَ مِن قِبَلِ أنَّ العُقْدَةَ وقَعَتْ فاسِدَةً مِثْلَ النِّكاحِ في العِدَّةِ أوْ هي تَحْتَ زَوْجٍ، فَلا يَصِحُّ أبَدًا. ومِنَ الجَمْعِ أنْ يَتَزَوَّجَ إحْداهُما ثُمَّ يَتَزَوَّجَ الأُخْرى بَعْدَها، فَلا يَصِحُّ نِكاحُ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بِها حَصَلَ وعَقْدُها وقَعَ مَنهِيًّا عَنْهُ وعَقْدُ الأُولى وقَعَ مُباحًا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِيَةِ. (p-٧٤)ومِنَ الجَمْعِ أيْضًا أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ وطْئِهِما بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَيَطَأ إحْداهُما ثُمَّ يَطَأ الأُخْرى قَبْلَ إخْراجِ المَوْطُوءَةِ الأُولى مِن مِلْكِهِ؛ فَهَذا ضَرْبٌ مِنَ الجَمْعِ، وقَدْ كانَ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ السَّلَفِ ثُمَّ زالَ وحَصَلَ الإجْماعُ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما أباحا ذَلِكَ وقالا: " أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ " وقالَ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والزُّبَيْرُ وابْنُ عُمَرَ وعَمّارٌ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: " لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِمِلْكِ اليَمِينِ "، وقالَ الشَّعْبِيُّ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: " أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ " فَإذا أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ فالحَرامُ أوْلى. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِي قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ أيُّوبَ الغافِقِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي إياسُ بْنُ عامِرٍ قالَ: سَألْتُ عَلَيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وقَدْ وطِئَ إحْداهُما هَلْ يَطَأُ الأُخْرى ؟ فَقالَ: " أعْتِقِ المَوْطُوءَةَ حَتّى يَطَأ الأُخْرى " وقالَ: " ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الحَرائِرِ شَيْئًا إلّا حَرَّمَ مِنَ الإماءِ مِثْلَهُ إلّا عَدَدَ الأرْبَعِ " ورُوِيَ عَنْ عَمّارٍ مِثْلُ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، يَعْنُونَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقَوْلُهُ: " حَرَّمَتْهُما آيَةٌ " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ فَرُوِيَ عَنْ عُثْمانَ الإباحَةُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ وقالَ: " لا آمُرُ بِهِ ولا أنْهى عَنْهُ " . وهَذا القَوْلُ مِنهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ ناظِرًا فِيهِ غَيْرَ قاطِعٍ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ فِيهِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قالَ فِيهِ بِالإباحَةِ ثُمَّ وقَفَ فِيهِ، وقَطَعَ عَلِيٌّ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ الحَظْرَ والإباحَةَ إذا اجْتَمَعا فالحَظْرُ أوْلى إذا تَساوى سَبَباهُما، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُما في الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَذْهَبُ أصْحابِنا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَوْلُهم، وقَدْ بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ وقَدْ رَوى إياسُ بْنُ عامِرٍ أنَّهُ قالَ لِعَلِيٍّ: إنَّهم يَقُولُونَ إنَّكَ تَقُولُ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ؟ فَقالَ: " كَذَبُوا " وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ المُساواةِ في مُقْتَضى الآيَتَيْنِ وإبْطالَ مَذْهَبِ مَن يَقُولُ بِالوَقْفِ فِيهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ؛ لِأنَّهُ قالَ في رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ: " أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ " والتَّحْرِيمُ أوْلى، وإنْكارُهُ أنْ يَكُونَ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ إنَّما هو عَلى جِهَةِ أنَّ آيَتَيِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ غَيْرُ مُتَساوِيَتَيْنِ في مُقْتَضاهُما، وأنَّ التَّحْرِيمَ أوْلى مِنَ التَّحْلِيلِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِأنَّهُ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ هو قَوْلٌ مُنْكَرٌ لِاقْتِضاءِ حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واحِدٌ مُباحًا مَحْظُورًا في حالٍ واحِدَةٍ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْكَرَ إطْلاقَ القَوْلِ بِأنَّهُ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، وأنَّهُ إذا كانَ مُقَيَّدًا بِالقَطْعِ (p-٧٥)عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ كانَ سائِغًا جائِزًا عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ في الخَبَرِ الآخَرِ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ أوْلى لَوْ تَساوَتِ الآيَتانِ في إيجابِ حُكْمَيْهِما أنَّ فِعْلَ المَحْظُورِ يَسْتَحِقُّ بِهِ العِقابَ وتَرْكَ المُباحِ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ العِقابَ، والِاحْتِياطُ الِامْتِناعُ مِمّا لا يَأْمَنُ اسْتِحْقاقَ العِقابِ بِهِ، فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ واجِبَةٌ في حُكْمِ العَقْلِ. وأيْضًا فَإنَّ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُتَساوِيَتَيْنِ في إيجابِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وغَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ بِإحْداهُما عَلى الأُخْرى؛ إذْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما وُرُودُها في سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الأُخْرى وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وارِدٌ في حُكْمِ التَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وسائِرُ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ تَحْرِيمُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وارِدٌ في إباحَةِ المَسْبِيَّةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ في دارِ الحَرْبِ؛ وأفادَ وُقُوعَ الفُرْقَةِ وقَطْعَ العِصْمَةِ فِيما بَيْنَهُما، فَهو مُسْتَعْمَلٌ فِيما ورَدَ فِيهِ مِن إيقاعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ المَسْبِيَّةِ وبَيْنَ زَوْجِها وإباحَتِها لِمالِكِها، فَلا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ؛ إذْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الآيَتَيْنِ وارِدَةٌ في سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الأُخْرى، فَيُسْتَعْمَلُ حُكْمُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما في السَّبَبِ الَّذِي ورَدَتْ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّها لَمْ تَعْتَرِضْ عَلى حَلائِلِ الأبْناءِ وأُمَّهاتِ النِّساءِ وسائِرِ مَن ذُكِرَ تَحْرِيمُهُنَّ في الآيَةِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ وطْءُ حَلِيلَةِ الِابْنِ ولا أُمِّ المَرْأةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مُوجِبًا لَتَخْصِيصِهِنَّ لَوُرُودِهِ في سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الآيَةِ الأُخْرى؛ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ في اعْتِراضِهِ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ. وامْتِناعِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن تابَعَهُ في ذَلِكَ مِنَ الصَّحابَةِ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَتَيْنِ إذا ورَدَتا في سَبَبَيْنِ: إحْداهُما في التَّحْلِيلِ والأُخْرى في التَّحْرِيمِ، أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما تَجْرِي عَلى حُكْمِها في ذَلِكَ السَّبَبِ ولا يُعْتَرَضُ بِها عَلى الأُخْرى، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ الخَبَرَيْنِ إذا ورَدا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في مِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ. وأيْضًا لا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ في حَظْرِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إحْداهُما بِالنِّكاحِ والأُخْرى بِمِلْكِ اليَمِينِ، نَحْوَ أنْ تَكُونَ عِنْدَهُ امْرَأةٌ بِنِكاحٍ فَيَشْتَرِي أُخْتَها أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُهُما جَمِيعًا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الجَمْعِ قَدِ انْتَظَمَ مِلْكَ اليَمِينِ كَما انْتَظَمَ النِّكاحَ، وعُمُومُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ جَمْعِهِما عَلى سائِرِ الوُجُوهِ، وهو مُوجِبٌ لِتَحْرِيمِ (p-٧٦)تَزْوِيجِ المَرْأةِ وأُخْتِها تَعْتَدُّ مِنهُ لِما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في اسْتِحْقاقِ نَسَبِ ولَدَيْهِما وفي إيجابِ النَّفَقَةِ المُسْتَحَقَّةِ بِالنِّكاحِ والسُّكْنى لَهُما، وذَلِكَ كُلُّهُ مِن ضُرُوبِ الجَمْعِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحْظُورًا مُنْتَفِيًا بِتَحْرِيمِهِ الجَمْعَ بَيْنَهُما. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ مَقْصُورٌ عَلى النِّكاحِ دُونَ غَيْرِهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ، لِاتِّفاقِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما بِمِلْكِ اليَمِينِ عَلى ما بَيَّنّاهُ؛ ولَيْسَ مِلْكُ اليَمِينِ بِنِكاحٍ، فَعَلِمْنا أنَّ تَحْرِيمَ الجَمْعِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى النِّكاحِ. وأيْضًا فَإنَّ اقْتِصارَكَ بِالتَّحْرِيمِ عَلى النِّكاحِ دُونَ غَيْرِهِ مِن سائِرِ ضُرُوبِ الجَمْعِ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ سائِغٍ لِأحَدٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ وعَطاءٍ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ومُجاهِدٍ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ: " أنَّهُ لا يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ في عِدَّةِ أُخْتِها، وكَذَلِكَ لا يَتَزَوَّجُ الخامِسَةَ وإحْدى الأرْبَعِ تَعْتَدُّ مِنهُ "، فَبَعْضُهم أطْلَقَ العِدَّةَ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ ورُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وخِلاسٍ: " لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَها إذا كانَتْ عِدَّتُها مِن طَلاقٍ بائِنٍ " وهو قَوْلُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ واخْتُلِفَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ وعَطاءٍ، فَرُوِيَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رِوايَتانِ، إحْداهُما أنَّهُ يَتَزَوَّجُها، والأُخْرى أنَّهُ لا يَتَزَوَّجُها؛ وقالَ قَتادَةُ: رَجَعَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها في عِدَّةِ أُخْتِها. وما قَدَّمْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ وعُمُومِها في تَحْرِيمِ الجَمْعِ كافٍ في إيجابِ التَّحْرِيمِ ما دامَتِ الأُخْتُ مُعْتَدَّةً مِنهُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ وطْءِ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ إباحَةَ الوَطْءِ حُكْمٌ مِن أحْكامِ النِّكاحِ وإنْ لَمْ يَكُنْ نِكاحٌ ولا عَقْدٌ، فَواجِبٌ عَلى ذَلِكَ تَحْرِيمُ الجَمْعِ بَيْنَهُما في حُكْمٍ مِن أحْكامِ النِّكاحِ، فَلَمّا كانَ اسْتِلْحاقُ النَّسَبِ ووُجُوبُ النَّفَقَةِ والسُّكْنى مِن أحْكامِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ جامِعًا بَيْنَهُما مَعَ ارْتِفاعِ الزَّوْجِيَّةِ وكَوْنِها أجْنَبِيَّةً مِنهُ، ولَوْ كانَ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا ثُمَّ وطِئَها في العِدَّةِ وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيَّةِ مِنهُ فَلا تَمْنَعُ تَزْوِيجَ أُخْتِها قِيلَ لَهُ: لا يَخْتَلِفانِ في وُجُوبِ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ كَما يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْها بِوَطْئِهِ إيّاها، ومَعَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ وتَجْمَعَ إلى حُقُوقِ نِكاحِ الأوَّلِ زَوْجًا آخَرَ؛ ولَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْها بِمُطاوَعَتِها إيّاهُ عَلى الوَطْءِ مُبِيحًا لَها نِكاحَ زَوْجٍ آخَرَ، بَلْ كانَتْ في المَنعِ مِن زَوْجٍ ثانٍ بِمَنزِلَةِ مَن هي في حِيالِهِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجُ لا يَجُوزُ (p-٧٧)لَهُ جَمْعُ أُخْتِها في هَذِهِ الحالِ مَعَ بَقاءِ حُقُوقِ النِّكاحِ وإنْ كانَ وطْؤُهُ إيّاها مُوجِبًا لِلْحَدِّ. ودَلِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ لَمّا كانَ تَحْرِيمُ نِكاحِ الأُخْتِ مِن طَرِيقِ الجَمْعِ، ووَجَدْنا تَحْرِيمَ نِكاحِ زَوْجٍ آخَرَ إذا كانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ مِن طَرِيقِ الجَمْعِ، ثُمَّ وجَدْنا العِدَّةَ تَمْنَعُ مِنَ الجَمْعِ ما يَمْنَعُ نَفْسُ النِّكاحِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَمْنُوعًا مِن تَزْوِيجِ أُخْتِها في عِدَّتِها كَما مُنِعَ ذَلِكَ في حالِ بَقاءِ نِكاحِها؛ إذْ كانَتِ العِدَّةُ تَمْنَعُ مِنَ الجَمْعِ ما يَمْنَعُهُ نَفْسُ النِّكاحِ كَما جَرَتِ العِدَّةُ مَجْرى النِّكاحِ في بابِ مَنعِها مِن نِكاحِ زَوْجٍ آخَرَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. فَإنْ قِيلَ: هَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ في العِدَّةِ إذا مَنَعْتَهُ مِن تَزْوِيجِ الأُخْتِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ تَحْرِيمُ النِّكاحِ مَقْصُورًا عَلى العِدَّةِ حَتّى إذا مَنَعْناهُ مِن نِكاحِ أُخْتِها فَقَدْ جَعَلْناهُ في العِدَّةِ ألا تَرى أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن تَزَوُّجِ أُخْتِها إذا كانَتْ مُعْتَدَّةً مِنهُ مِن طَلاقٍ رَجْعِيٍّ ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ في العِدَّةِ ؟ وكَذَلِكَ قَبْلَ الطَّلاقِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَمْنُوعٌ مِن عَقْدِ نِكاحٍ عَلى الأُخْتِ أوْ لِزَوْجٍ آخَرَ، ولَيْسَ واحِدٌ مِنهُما في العِدَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى قَوْلِهِ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] واخْتِلافَ المُخْتَلِفِينَ في تَأْوِيلِهِ واحْتِمالَهُ لِما قِيلَ فِيهِ. وقالَ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وهو في هَذا المَوْضِعِ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعانِي ما احْتَمَلَهُ الأوَّلُ؛ وفِيهِ احْتِمالٌ لِمَعْنًى آخَرَ لا يَحْتَمِلُهُ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ العُقُودَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى الأُخْتَيْنِ لا تَنْفَسِخُ ويَكُونُ لَهُ أنْ يَخْتارَ إحْداهُما؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي وهْبٍ الجَيَشانِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «أسْلَمْتُ وعِنْدِي أُخْتانِ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: طَلِّقْ إحْداهُما» وفي بَعْضِ الألْفاظِ: «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ»، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِمُفارَقَتِهِما إنْ كانَ العَقْدُ عَلَيْهِما مَعًا، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِمُفارَقَةِ الآخِرَةِ مِنهُما إنْ كانَ تَزَوَّجَهُما في عَقْدَيْنِ، ولَمْ يَسْألْهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بَقاءِ نِكاحِهِ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ: " طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ " ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَقْدَ عَلَيْهِما كانَ صَحِيحًا قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ وأنَّهم كانُوا مُقَرِّينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عُقُودِهِمْ قَبْلَ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ بِبُطْلانِها. * * واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الكافِرِ يُسْلِمُ تَحْتَهُ أُخْتانِ أوْ خَمْسُ أجْنَبِيّاتٍ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ: " يَخْتارُ الأوائِلَ مِنهُنَّ إنْ كُنَّ خَمْسًا، وإنْ كانَتا أُخْتَيْنِ اخْتارَ الأُولى، وإنْ كانَ تَزَوَّجَهُنَّ في عُقْدَةٍ واحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُنَّ " . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ ومالِكٌ واللَّيْثُ والأوْزاعِيِّ والشّافِعِيُّ: " يَخْتارُ مِنَ الخَمْسِ (p-٧٨)أرْبَعًا أيَّتَهُنَّ شاءَ ومِنَ الأُخْتَيْنِ أيَّتَهُما شاءَ " إلّا أنَّ الأوْزاعِيَّ رُوِيَ عَنْهُ في الأُخْتَيْنِ أنَّ الأُولى امْرَأتُهُ ويُفارِقُ الآخِرَةَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " يَخْتارُ الأرْبَعَ الأوائِلَ، فَإنْ لَمْ يَدْرِ أيَّتَهُنَّ الأُولى طَلَّقَ كُلَّ واحِدَةٍ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها ثُمَّ يَتَزَوَّجَ أرْبَعًا " . والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وذَلِكَ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، فَكانَ عَقْدُ الكافِرِ عَلى الأُخْتَيْنِ بَعْدَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ كَعَقْدِ المُسْلِمِ في حُكْمِ الفَسادِ، فَوَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآخِرَةِ لِوُقُوعِ عَقْدِها عَلى فَسادٍ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، كَما يُفَرَّقُ بَيْنَهُما لَوْ نَكَحَها بَعْدَ الإسْلامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ والجَمْعُ واقِعٌ بِالثّانِيَةِ وإنْ كانَ تَزَوَّجَهُما في عُقْدَةٍ واحِدَةٍ فَهي فاسِدَةٌ فِيهِما جَمِيعًا لَوُقُوعِها مَنهِيًّا عَنْها بِظاهِرِ النَّصِّ. فَدَلَّ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا: أحَدُهُما: وُقُوعُ العُقْدَةِ مَنهِيًّا عَنْها، والنَّهْيُ عِنْدَنا يَقْتَضِي الفَسادَ. والثّانِي: أنَّهُ مُنِعَ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِحالٍ. فَلَوْ أبْقَيْنا عَقْدَهُ عَلَيْهِما بَعْدَ الإسْلامِ كُنّا مُثْبِتِينَ لِما نَفاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَمْعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ العَقْدِ الَّذِي وقَعَ بِهِ الجَمْعُ. ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَبْتَدِئَ المُسْلِمُ عَقْدًا عَلى أُخْتَيْنِ ولَمْ يَجُزْ أيْضًا أنْ يَبْقى لَهُ عَقْدٌ عَلى أُخْتَيْنِ وإنْ لَمْ تَكُونا أُخْتَيْنِ في حالِ العَقْدِ، كَمَن تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ فَأرْضَعَتْهُما امْرَأةٌ فاسْتَوى حُكْمُ الِابْتِداءِ والبَقاءِ في نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، أشْبَهَ نِكاحَ ذَواتِ المَحارِمِ في اسْتِواءِ حالِ البَقاءِ والِابْتِداءِ فِيهِما. فَلَمّا لَمْ يَخْتَلِفِ العَقْدُ عَلى ذَواتِ المَحارِمِ في وُقُوعِهِ في حالِ الكُفْرِ وحالِ الإسْلامِ ووَجَبَ التَّفْرِيقُ مَتى طَرَأ عَلَيْهِ الإسْلامُ وكانَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ العَقْدِ بَعْدَ الإسْلامِ، وجَبَ مِثْلُهُ في نِكاحِ الأُخْتَيْنِ وأكْثَرَ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ وكَما لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ البَقاءِ والِابْتِداءِ فِيهِما كَما لَمْ يَخْتَلِفْ في ذَواتِ المَحارِمِ، وجَبَ الحُكْمُ بِفَسادِهِ بَعْدَ الإسْلامِ كَما قُلْنا في ذَواتِ المَحارِمِ. واحْتَجَّ مَن خَيَّرَهُ بَعْدَ الإسْلامِ بِحَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ الَّذِي قَدَّمْناهُ، وبِما رَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ عَنِ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: «أسْلَمْتُ وعِنْدِي ثَمانِ نِسْوَةٍ، فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا» وبِما رَوى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ غَيْلانَ بْنَ سَلَمَةَ أسْلَمَ وعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: خُذْ مِنهُنَّ أرْبَعًا» . فَأمّا حَدِيثُ فَيْرُوزَ فَإنَّ في لَفْظِهِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العَقْدِ وكانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّهُ قالَ: " أيَّتَهُما شِئْتَ " وهَذا يَدُلُّ عَلى بَقاءِ العَقْدِ عَلَيْهِما بَعْدَ الإسْلامِ. وحَدِيثُ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العَقْدُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ، فَكانَ صَحِيحًا إلى أنْ طَرَأ التَّحْرِيمُ، فَلَزِمَهُ اخْتِيارُ الأرْبَعِ مِنهُنَّ ومُفارَقَةُ سائِرِهِنَّ، كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأتانِ فَطَلَّقَ إحْداهُما (p-٧٩)ثَلاثًا فَيُقالُ لَهُ: اخْتَرْ أيَّتَهُما شِئْتَ؛ لِأنَّ العَقْدَ كانَ صَحِيحًا إلى أنْ طَرَأ التَّحْرِيمُ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ لَسَألَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وقْتِ العَقْدِ. قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فاكْتَفى بِعِلْمِهِ عَنْ مَسْألَتِهِ. وأمّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ في قِصَّةِ غَيْلانَ فَإنَّهُ مِمّا لا يَشُكُّ أهْلُ النَّقْلِ فِيهِ أنَّ مَعْمَرًا أخْطَأ فِيهِ بِالبَصْرَةِ، وأنَّ أصْلَ هَذا الحَدِيثِ مَقْطُوعٌ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، رَواهُ مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ أسْلَمَ وعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا»، ورَواهُ عُقَيْلُ بْنُ خالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: بَلَغَنا عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي سُوَيْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِغَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ. وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ فَيَجْعَلُهُ بَلاغًا عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي سُوَيْدٍ ويُقالُ: إنَّهُ إنَّما جاءَ الغَلَطُ مِن قِبَلِ أنَّ مَعْمَرًا كانَ عِنْدَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثانِ في قِصَّةِ غَيْلانَ، أحَدُهُما هَذا وهو بَلاغٌ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي سُوَيْدٍ، والآخَرُ حَدِيثُهُ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ غَيْلانَ بْنَ سَلَمَةَ طَلَّقَ نِساءَهُ في زَمَنِ عُمَرَ وقَسَّمَ مالَهُ بَيْنَ ورَثَتِهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: " لَئِنْ لَمْ تُراجِعْ نِساءَكَ ثُمَّ مِتَّ لَأُوَرِّثُهُنَّ ثُمَّ لَأرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَما رُجِمَ قَبْرُ أبِي رِغالٍ "، فَأخْطَأ مَعْمَرٌ وجَعَلَ إسْنادَ هَذا الحَدِيثِ لِحَدِيثِ إسْلامِهِ مَعَ النِّسْوَةِ. .

النساء 4:24

فَصْلٌ قالَ أبُو بَكْرٍ: والمَنصُوصُ عَلى تَحْرِيمِهِ في الكِتابِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وقَدْ ورَدَتْ آثارٌ مُتَواتِرَةٌ في النَّهْيِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وخالَتِها، رَواهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وابْنُ عُمَرَ وأبُو مُوسى وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبُو هُرَيْرَةَ وعائِشَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها ولا عَلى بِنْتِ أخِيها ولا عَلى بِنْتِ أُخْتِها وفي بَعْضِها: لا الصُّغْرى عَلى الكُبْرى ولا الكُبْرى عَلى الصُّغْرى» . عَلى اخْتِلافِ بَعْضِ الألْفاظِ مَعَ اتِّفاقِ المَعْنى؛ وقَدْ تَلَقّاها النّاسُ بِالقَبُولِ مَعَ تَواتُرِها واسْتِفاضَتِها. وهي مِنَ الأخْبارِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِها مَعَ الآيَةِ وشَذَّتْ طائِفَةٌ مِنَ الخَوارِجِ بِإباحَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مَن عَدا الأُخْتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وأخْطَأتْ في ذَلِكَ وضَلَّتْ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَما قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ قالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمُ الجَمْعِ بَيْنَ مَن ذَكَرْنا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلى الآيَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلًا فِيمَن عَدا الأُخْتَيْنِ وعَدا مَن بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَهُنَّ. (p-٨٠)ولَيْسَ يَخْلُو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ مِن أنْ يَكُونَ نَزَلَ قَبْلَ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَحْرِيمِ مَن حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَهُنَّ أوْ مَعَهُ أوْ بَعْدَهُ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ بَعْدَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى تَحْرِيمِ مَن ذُكِرَ تَحْرِيمُهُنَّ مِنهُنَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ المُرادُ بِهِ ما وراءَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَحْرِيمِهِنَّ، وقَدْ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ جَمِيعُ ذَلِكَ مُباحًا. فَعَلِمْنا أنَّ تَحْرِيمَ مَن ذُكِرَ تَحْرِيمُ الجَمْعِ بَيْنَهُنَّ في الخَبَرِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ؛ وإذا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَبْلَ الآيَةِ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ مَعَها أوْ بَعْدَها، فَإنْ كانَ مَعَها فَلَمْ تَرُدَّ الآيَةُ إلّا خاصَّةً فِيمَن عَدا ما ذُكِرَ في الخَبَرِ تَحْرِيمُ جَمْعِهِنَّ، وعَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ عَقِيبَ تِلاوَةِ الآيَةِ وبَيَّنَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِها، فَلَمْ يَعْقِلِ السّامِعُونَ لِلْآيَةِ حُكْمًا إلّا خاصًّا عَلى ما بَيَّنّاهُ. وإنْ كانَ حُكْمُ الآيَةِ اسْتَقَرَّ عَلى مُقْتَضى عُمُومِ لَفْظِها ثُمَّ ورَدَ الخَبَرُ، فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ إلّا عَلى وجْهِ النَّسْخِ، ونَسْخُ القُرْآنِ جائِزٌ بِمِثْلِهِ لِتَواتُرِهِ واسْتِفاضَتِهِ وكَوْنِهِ في حَيِّزِ الأخْبارِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، فَإنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا تارِيخُ الآيَةِ والخَبَرُ مَعَ حُصُولِ اليَقِينِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ بِالآيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ قَبْلَها عَلى ما بَيَّنّا آنِفًا، وجَبَ اسْتِعْمالُهُ مَعَ الآيَةِ. وأوْلى الأشْياءِ أنْ يَكُونَ الآيَةُ والخَبَرُ ورَدا مَعًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا عِلْمٌ بِتارِيخِهِما، وغَيْرُ جائِزٍ لَنا الحُكْمُ بِتَأخُّرِهِ عَنِ الآيَةِ ونَسْخِ بَعْضِ أحْكامِ الآيَةِ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ اسْتِقْرارِ حُكْمِها، ولَيْسَ عِنْدَنا عِلْمٌ بِاسْتِقْرارِ حُكْمِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها ثُمَّ ورَدَ النَّسْخُ عَلَيْها بِالخَبَرِ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِوُرُودِهِما مَعًا؛ ولِأنَّ الآيَةَ والخَبَرَ إذا لَمْ يُعْلَمْ تارِيخُهُما وجَبَ الحُكْمُ بِهِما مَعًا، كالغَرْقى والقَوْمِ الَّذِينَ يَقَعُ عَلَيْهِمُ البَيْتُ إذا لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُ أحَدِهِمْ مُتَقَدِّمًا عَلى الآخَرِ حَكَمْنا بِمَوْتِهِمْ جَمِيعًا مَعًا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ * * بابُ تَحْرِيمِ نِكاحِ ذَواتِ الأزْواجِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَطْفًا عَلى مَن حُرِّمَ مِنَ النِّساءِ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَرَوى سُفْيانُ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: ذَواتُ الأزْواجِ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: " ذَواتُ الأزْواجِ مِنَ المُشْرِكِينَ " . وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " كُلُّ ذاتِ زَوْجٍ إتْيانُها زِنًا إلّا ما سُبِيَتْ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ هَؤُلاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ ذَواتُ الأزْواجِ مِنهُنَّ وأنَّ (p-٨١)نِكاحَها حَرامٌ ما دامَتْ ذاتَ زَوْجٍ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَتَأوَّلَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعُمَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وابْنُ عُمَرَ: أنَّ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ في ذَواتِ الأزْواجِ مِنَ السَّبايا أُبِيحَ وطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ، ووَجَبَ بِحُدُوثِ السَّبْيِ عَلَيْها دُونَ زَوْجِها وُقُوعُ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ بَيْعَ الأمَةِ لا يَكُونُ طَلاقًا ولا يُبْطِلُ نِكاحُها. وتَأوَّلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ: أنَّهُ في جَمِيعِ ذَواتِ الأزْواجِ مِنَ السَّبايا وغَيْرِهِمْ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها. وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي الخَلِيلِ عَنْ أبِي عَلْقَمَةَ الهاشِمِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا إلى أوْطاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقاتَلُوهم وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ فَأصابُوا مِنهم سَبايا لَهُنَّ أزْواجٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ المُسْلِمُونَ يَتَحَرَّجُونَ مِن غَشَيانِهِنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ هُنَّ لَكم حَلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ» . وقَدْ ذُكِرَ أنَّ أبا عَلْقَمَةَ هَذا رَجُلٌ جَلِيلٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ، ورَوى هو هَذا الحَدِيثَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، ولَهُ أحادِيثُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ السَّنَدِ قَدْ أخْبَرَ فِيهِ بِسَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وأنَّها في السَّبايا، وتَأوَّلَها ابْنُ مَسْعُودٍ ومَن وافَقَهُ عَلى جَمِيعِ النِّساءِ ذَواتِ الأزْواجِ إذا مُلِكْنَ حَلَّ وطْؤُهُنَّ لِمالِكِهِنَّ ووَقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ. فَإنْ قِيلَ: أنْتُمْ لا تَعْتَبِرُونَ السَّبَبَ وإنَّما تُراعُونَ حُكْمَ اللَّفْظِ إنْ كانَ عامًّا فَهو عَلى عُمُومِهِ حَتّى تَقُومَ دَلالَةُ الخُصُوصِ فَهَلّا اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ وجَعَلْتَها عَلى العُمُومِ في سائِرِ مَن يَطْرَأُ عَلَيْهِ المِلْكُ مِنَ النِّساءِ ذَواتِ الأزْواجِ فَيَنْتَظِمُ السَّبايا وغَيْرُهُنَّ قِيلَ لَهُ: الدَّلالَةُ ظاهِرَةٌ في الآيَةِ عَلى خُصُوصِها في السِّبابا، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَلَوْ كانَ حُدُوثُ المِلْكِ مُوجِبًا لِإيقاعِ الفُرْقَةِ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها إذا اشْتَرَتْها امْرَأةٌ أوْ أخُوها مِنَ الرَّضاعَةِ لِحُدُوثِ المِلْكِ. فَإنْ قِيلَ: جائِزٌ أنْ يُقالَ ذَلِكَ في سائِرِ ما طَرَأ عَلَيْهِنَّ المِلْكُ، سَواءٌ كانَ حُدُوثُ المِلْكِ سَبَبًا لِإباحَةِ الوَطْءِ أوْ لَمْ يَكُنْ بِأنْ تَمْلِكَها امْرَأةٌ أوْ رَجُلٌ لا يَحِلُّ لَهُ وطْؤُها قِيلَ لَهُ: فَشَأْنُ الآيَةِ إنَّما هو فِيمَن حَدَثَ لَهُ مِلْكُ اليَمِينِ فَأباحَتْ لَهُ وطْأها؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ بِمِلْكِ اليَمِينِ مِن حَظْرِ وطْءِ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ، فَواجِبٌ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ إذا (p-٨٢)لَمْ يَسْتَبِحِ المالِكُ وطْأها بِمِلْكِ اليَمِينِ أنْ تَكُونَ الزَّوْجِيَّةُ قائِمَةً بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها بِحُكْمِ الآيَةِ، وإذا وجَبَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الآيَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ خاصًّا في السَّبايا، ويَكُونُ السَّبَبُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ اخْتِلافَ الدّارَيْنِ لا حُدُوثَ المِلْكِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ حُدُوثَ المِلْكِ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ما رَوى حَمّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّها اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ فَأعْتَقَتْها وشَرَطَتْ لِأهْلِها الوَلاءَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: الوَلاءُ لِمَن أعْتَقَ وقالَ لَها: يا بَرِيرَةُ اخْتارِي فالأمْرُ إلَيْكِ؛» ورَواهُ سِماكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. ورَوى قَتادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كانَ عَبْدًا أسْوَدَ يُسَمّى مُغِيثًا، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها أنَّ الوَلاءَ لِمَن أعْطى الثَّمَنَ وخَيَّرَها ﷺ» . فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ في أمْرِ بَرِيرَةَ ما رَوى، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها» فَيَنْبَغِي أنْ يَقْضِيَ قَوْلُهُ هَذا عَلى ما رَواهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ النَّبِيَّ ﷺ فِيما رَواهُ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في السَّبايا وأنَّ بَيْعَ الأمَةِ لا يُوقِعُ فُرْقَةً بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الَّذِي ذَكَرْتَ عَنْهُ مِن أنَّ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقُها كانَ يَقُولُ قَبْلَ أنْ تَثْبُتَ عِنْدَهُ قِصَّةُ بَرِيرَةَ وتَخْيِيرُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاها بَعْدَ الشِّرى، فَلَمّا سَمِعَ بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. وأيْضًا يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: " بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها " إذا اشْتَراها الزَّوْجُ ولا يَبْقى النِّكاحُ مَعَ المِلْكِ. والنَّظَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْعَ الأمَةِ لَيْسَ بِطَلاقٍ ولا يُوجِبُ الفُرْقَةَ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ لا يَمْلِكُهُ غَيْرُ الزَّوْجِ ولا يَصِحُّ إلّا بِإيقاعِهِ أوْ بِسَبَبٍ مِن قِبَلِهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ الزَّوْجِ في ذَلِكَ سَبَبٌ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ طَلاقًا. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ أنَّ مِلْكَ اليَمِينِ لا يُنافِي النِّكاحَ؛ لِأنَّ المِلْكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ البَيْعِ غَيْرُ نافٍ لِلنِّكاحِ، فَكَذَلِكَ مِلْكُ المُشْتَرِي لا يُنافِيهِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا طَرَأ مِلْكُ المُشْتَرِي ولَمْ يَكُنْ مِنهُ رِضًا بِالنِّكاحِ وجَبَ أنْ يَنْفَسِخَ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ المِلْكَ لا يُنافِي النِّكاحَ، والمَعْنى الَّذِي ذَكَرْتَ إنْ كانَ مُعْتَبَرًا فَإنَّما يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي خِيارًا في فَسْخِ النِّكاحِ، ولَيْسَ هَذا قَوْلَ أحَدٍ؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ومَن تابَعَهُ يُوجِبُونَ فَسْخَ النِّكاحِ بِحُدُوثِ المِلْكِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الزَّوْجَيْنِ إذا سُبِيا مَعًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " إذا سُبِيَ الحَرْبِيّانِ مَعًا وهُما زَوْجانِ فَهُما عَلى النِّكاحِ، وإنْ سُبِيَ أحَدُهُما قَبْلَ الآخَرِ وأُخْرِجَ إلى دارِ الإسْلامِ فَقَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا (p-٨٣)سُبِيا جَمِيعًا فَما كانا في المَقاسِمِ فَهُما عَلى النِّكاحِ، فَإذا اشْتَراهُما رَجُلٌ فَإنْ شاءَ جَمَعَ بَيْنَهُما وإنْ شاءَ فَرَّقَ بَيْنَهُما فاِتَّخَذَها لَنَفْسِهِ أوْ زَوَّجَها غَيْرَهُ بَعْدَما يَسْتَبْرِئُها بِحَيْضَةٍ " وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا سُبِيَتْ ذاتُ زَوْجٍ اسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَتَيْنِ؛ لِأنَّ زَوْجَها أحَقُّ بِها إذا جاءَ في عِدَّتِها، وغَيْرُ ذاتِ الأزْواجِ بِحَيْضَةٍ " . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " إذا سُبِيَتْ بانَتْ مِن زَوْجِها سَواءٌ كانَ مَعَها زَوْجُها أوْ لَمْ يَكُنْ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ حُدُوثَ المِلْكِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْفُرْقَةِ بِدَلالَةِ الأمَةِ المَبِيعَةِ والمَوْرُوثَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَقَعَ الفُرْقَةُ بِالسَّبْيِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن حُدُوثِ المِلْكِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّ حُدُوثَ الرِّقِّ عَلَيْها لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ العَقْدِ، فَلَأنْ لا يَمْنَعَ بَقاءَهُ أوْلى؛ لِأنَّ البَقاءَ هو آكَدُ في ثُبُوتِ النِّكاحِ مَعَهُ مِنَ الِابْتِداءِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَمْنَعُ الِابْتِداءَ ما لا يَمْنَعُ البَقاءَ وهو حُدُوثُ العِدَّةِ عَلَيْها مِن وطْءٍ بِشُبْهَةٍ يَمْنَعُ ابْتِداءَ العَقْدِ ولا يَمْنَعُ بَقاءَ العَقْدِ المُتَقَدِّمِ ؟ فَإنِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قِصَّةِ سَبايا أوْطاسٍ وسَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَلَيْها وهو قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَن سُبِيَتْ مَعَ زَوْجِها أوْ وحْدَها. قِيلَ لَهُ: رَوى حَمّادٌ قالَ: أخْبَرَنا الحَجّاجُ عَنْ سالِمٍ المَكِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: " لَمّا كانَ يَوْمُ أوْطاسٍ لَحِقَتِ الرِّجالُ بِالجِبالِ وأُخِذَتِ النِّساءُ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَصْنَعُ ولَهُنَّ أزْواجٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ الرِّجالَ لَحِقُوا بِالجِبالِ وأنَّ السَّبايا كُنَّ مُنْفَرِداتٍ عَنِ الأزْواجِ والآيَةُ فِيهِنَّ نَزَلَتْ. وأيْضًا لَمْ يَأْسِرِ النَّبِيُّ ﷺ في غَزاةِ حُنَيْنٍ مِنَ الرِّجالِ أحَدًا فِيما نَقَلَ أهْلُ المَغازِي، وإنَّما كانُوا مِن بَيْنِ قَتِيلٍ أوْ مَهْزُومٍ. وسَبى النِّساءَ، ثُمَّ جاءَهُ الرِّجالُ بَعْدَما وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها فَسَألُوهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِإطْلاقِ سَباياهم، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أمّا ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهو لَكم وقالَ لِلنّاسِ: مَن رَدَّ عَلَيْهِمْ فَذاكَ ومَن تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ مِنهُنَّ فَلَهُ خَمْسُ فَرائِضَ في كُلِّ رَأْسٍ» وأطْلَقَ النّاسُ سَباياهم، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ السَّبايا أزْواجُهُنَّ. فَإنِ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ لَمْ يُخَصِّصْ مَن مَعَهُنَّ أزْواجَهُنَّ والمُنْفَرِداتِ مِنهُنَّ. قِيلَ لَهُ: قَدِ اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ عُمُومُ الحُكْمِ في إيجابِ الفُرْقَةِ بِالمِلْكِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِشِرى الأمَةِ وهِبَتِها بِالمِيراثِ وغَيْرِهِ مِن وُجُوهِ الأمْلاكِ الحادِثَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الفُرْقَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُدُوثِ المِلْكِ وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى مُرادِ الآيَةِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَخْلُ (p-٨٤)مُرادُ اللَّهِ تَعالى في المَعْنى المُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ في المَسْبِيَّةِ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا اخْتِلافُ الدّارَيْنِ بِهِما، أوْ حُدُوثُ المِلْكِ، ثُمَّ قامَتْ دَلالَةُ السُّنَّةِ واتِّفاقُ الخَصْمِ مَعَنا عَلى نَفْيِ إيجابِ الفُرْقَةِ بِحُدُوثِ المِلْكِ، قَضى ذَلِكَ عَلى مُرادِ الآيَةِ بِأنَّهُ اخْتِلافُ الدّارَيْنِ، وأوْجَبَ ذَلِكَ خُصُوصَ الآيَةِ في المَسْبِيّاتِ دُونَ أزْواجِهِنَّ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى فِيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِلافِ الدّارَيْنِ، أنَّهُما لَوْ خَرَجا مُسْلِمَيْنِ أوْ ذِمِّيَّيْنِ لَمْ تَقَعْ بَيْنَهُما فُرْقَةٌ؛ لِأنَّهُما لَمْ تَخْتَلِفْ بِهِما الدّارانِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى المُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ المَسْبِيَّةِ وزَوْجِها إذا كانَتْ مُنْفَرِدَةً اخْتِلافُ الدّارَيْنِ بِهِما؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَرْبِيَّةَ إذا خَرَجَتْ إلَيْنا مُسْلِمَةً أوْ ذِمِّيَّةً ثُمَّ لَمْ يَلْحَقْ بِها زَوْجُها وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلا خِلافٍ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في المُهاجِراتِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] * * قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَقْتَضِي إباحَةَ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ لِوُجُودِ المِلْكِ، إلّا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قالَ: أخْبَرْنا شَرِيكٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ وهْبٍ عَنْ أبِي الوَدّاكِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في سَبايا أوْطاسٍ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ ولا غَيْرُ ذاتِ حَمْلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي مَرْزُوقٍ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعانِيِّ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ قالَ: قامَ فِينا خَطِيبًا فَقالَ: أما إنِّي لا أقُولُ لَكم إلّا ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ حَتّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ» . قالَ أبُو داوُدَ: ذِكْرُ الِاسْتِبْراءِ هاهُنا وهْمٌ مِن أبِي مُعاوِيَةَ، وهو صَحِيحٌ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا النُّفَيْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مِسْكِينٌ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في غَزْوَةٍ، فَرَأى امْرَأةً مُجِحًّا فَقالَ: لَعَلَّ صاحِبَها ألَمَّ بِها ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ في قَبْرِهِ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وهو لا يَحِلُّ لَهُ وكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وهو لا يَحِلُّ لَهُ» . فَهَذِهِ الأخْبارُ (p-٨٥)تَمْنَعُ مَنِ اسْتَحْدَثَ مِلْكًا في جارِيَةٍ أنْ يَطَأها حَتّى يَسْتَبْرِئَها إنْ كانَتْ حائِلًا، وحَتّى تَضَعَ حَمْلَها إنْ كانَتْ حامِلًا؛ ولَيْسَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ خِلافٌ في وُجُوبِ اسْتِبْراءِ المَسْبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ إلّا أنَّ الحَسَنَ بْنَ صالِحٍ قالَ: " عَلَيْها العِدَّةُ حَيْضَتَيْنِ إذا كانَ لَها زَوْجٌ في دارِ الحَرْبِ " وقَدْ ثَبَتَ بِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنا الِاسْتِبْراءَ بِحَيْضَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ هَذا الِاسْتِبْراءُ بِعِدَّةٍ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ عِدَّةً لَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ ذَواتِ الأزْواجِ مِنهُنَّ وبَيْنَ مَن لَيْسَ لَها زَوْجٌ مِنهُنَّ؛ لِأنَّ العِدَّةَ لا تَجِبُ إلّا عَنْ فِراشٍ، فَلَمّا سَوّى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ مَن كانَ لَها فِراشٌ وبَيْنَ مَن لَمْ يَكُنْ لَها فِراشٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحَيْضَةَ لَيْسَتْ بِعِدَّةٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذُكِرَ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْتَ: " إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ " فَجَعَلَ ذَلِكَ عِدَّةً. قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِن كَلامِ الرّاوِي تَأْوِيلًا مِنهُ لِلِاسْتِبْراءِ أنَّهُ عِدَّةٌ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ العِدَّةُ لَمّا كانَ أصْلُها اسْتِبْراءَ الرَّحِمِ أُجْرِيَ اسْمُ العِدَّةِ عَلى الِاسْتِبْراءِ عَلى وجْهِ المَجازِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ تَأْوِيلٌ آخَرُ: رَوى زَمْعَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: " ذَواتُ الأزْواجِ " ورَجَعَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنا. ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: " فَزَوْجَتُكَ مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ " يَقُولُ: حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الزِّنا، لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَطَأ امْرَأةً إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ. ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: " نَهْيٌ عَنِ الزِّنا " . وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ قالَ: " كُلُّ مُحْصَنَةٍ عَلَيْكَ حَرامٌ إلّا امْرَأةً تَمْلِكُها بِنِكاحٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وكَأنَّ تَأْوِيلَها عِنْدَ هَؤُلاءِ أنَّ ذَواتِ الأزْواجِ حَرامٌ إلّا عَلى أزْواجِهِنَّ؛ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن مُرادِ اللَّهِ تَعالى بِالآيَةِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ إرادَةَ المَعانِي الَّتِي تَأوَّلَها الصَّحابَةُ عَلَيْها مِن إباحَةِ وطْءِ السَّبايا اللّاتِي لَهُنَّ أزْواجٌ حَرْبِيُّونَ فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلى الأمْرَيْنِ، والأظْهَرُ أنَّ مِلْكَ اليَمِينِ هي الأمَةُ دُونَ الزَّوْجاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فَجَعَلَ مِلْكَ اليَمِينِ غَيْرَ الزَّوْجاتِ؛ والإطْلاقُ إنَّما يَتَناوَلُ الإماءَ المَمْلُوكاتِ دُونَ الزَّوْجاتِ، وهي كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ مِن زَوْجَتِهِ شَيْئًا وإنَّما لَهُ مِنها اسْتِباحَةُ الوَطْءِ ومَنافِعُ بُضْعِها في مِلْكِها دُونَهُ، ألا تَرَيْ أنَّها لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وهي تَحْتَ زَوْجٍ كانَ المَهْرُ لَها دُونَهُ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ (p-٨٦)عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ مِن زَوْجَتِهِ شَيْئًا، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَلى مَن يَمْلِكُها في الحَقِيقَةِ وهي المَسْبِيَّةُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبِيدَةُ قالَ: " أرْبَعٌ " وإنَّما نَصَبَ " كِتابَ اللَّهِ "؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَعْنى ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم ذَلِكَ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ حَرَّمَ ذَلِكَ كِتابًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم؛ وهَذا تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ وإخْبارٌ مِنهُ لَنا بِفَرْضِهِ؛ لِأنَّ الكِتابَ هو الفَرْضُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ والسُّدِّيِّ: " أُحِلَّ لَكم ما دُونَ الخَمْسِ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم عَلى وجْهِ النِّكاحِ " . وقالَ عَطاءٌ: " أُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَواتِ المَحارِمِ مِن أقارِبِكم " . وقالَ قَتادَةُ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ " ما مَلَكَتْ أيْمانُكم " . وقِيلَ: " ما وراءِ ذَواتِ المَحارِمِ وما وراءِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم نِكاحًا أوْ مِلْكَ يَمِينٍ " قالَ أبُو بَكْرٍ: هو عامٌّ فِيما عَدا المُحَرَّماتِ في الآيَةِ وفي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . * * بابُ المُهُورِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ فَعَقْدُ الإباحَةِ بِشَرِيطَةِ إيجابِ بَدَلِ البُضْعِ هو مالٌ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بَدَلَ البُضْعِ واجِبٌ أنْ يَكُونَ ما يُسْتَحَقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَهْرُ ما يُسَمّى أمْوالًا. وذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ في إباحَةِ ما وراءَ ذَلِكَ أنْ يَبْتَغِيَ البُضْعَ بِما يُسَمّى أمْوالًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ في تَحْرِيمِ أُمَّهاتِهِ وبَناتِهِ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَهْرُ الشَّيْءَ التّافِهَ الَّذِي لا يُسَمّى أمْوالًا. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مِقْدارِ المَهْرِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " لا مَهْرَ أقَلُّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ "، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ والحَسَنِ بْنِ زِيادٍ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وعَطاءٌ: " يَجُوزُ النِّكاحُ عَلى قَلِيلِ المَهْرِ وكَثِيرِهِ " . وتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلى وزْنِ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ بَعْضُ الرُّواةِ: قِيمَتُها ثَلاثَةُ دَراهِمَ وثُلُثٌ، وقالَ آخَرُونَ: النَّواةُ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ. وقالَ مالِكٌ: " أقَلُّ المَهْرِ رُبْعُ دِينارٍ " . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى واللَّيْثُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ: " يَجُوزُ بِقَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ ولَوْ دِرْهَمٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما لا يُسَمّى أمْوالًا لا يَكُونُ مَهْرًا وأنَّ شَرْطَهُ أنْ يُسَمّى أمْوالًا، هَذا مُقْتَضى الآيَةِ وظاهِرُها، ومَن كانَ لَهُ دِرْهَمٌ أوْ (p-٨٧)دِرْهَمانِ لا يُقالُ عِنْدَهُ أمْوالٌ، فَلَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ مَهْرًا بِمُقْتَضى الظّاهِرِ. فَإنْ قِيلَ: ومَن عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَراهِمَ لا يُقالُ عِنْدَهُ أمْوالٌ وقَدْ أجَزْتَهامَهْرًا قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ يَقْتَضِي الظّاهِرُ، لَكِنْ أجَزْناها بِالِاتِّفاقِ، وجائِزٌ تَخْصِيصُ الآيَةِ بِالإجْماعِ؛ وأيْضًا قَدْ رَوى حَرامُ بْنُ عُثْمانَ عَنِ ابْنَ جابِرٍ عَنْ أبِيهِما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا مَهْرَ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ» . وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: " لا مَهْرَ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ " . ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ المَقادِيرِ الَّتِي هي حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ والرَّأْيِ، وإنَّما طَرِيقُها التَّوْقِيفُ أوِ الِاتِّفاقُ؛ وتَقْدِيرُهُ العَشَرَةَ مَهْرًا دُونَ ما هو أقَلُّ مِنها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قالَهُ تَوْقِيفًا، وهو نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ في أقَلِّ الحَيْضِ أنَّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ وأكْثَرُهُ عَشَرَةٌ، وعَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ الثَّقَفِيِّ في أكْثَرِ النِّفاسِ أنَّهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا؛ أنَّ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ؛ إذْ لا يُقالُ في مِثْلِهِ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ؛ وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ إذا قَعَدَ في آخِرِ صَلاتِهِ مِقْدارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُ، فَدَلَّ تَقْدِيرُهُ لِلْفَرْضِ بِمِقْدارِ التَّشَهُّدِ أنَّهُ قالَهُ مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ. وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا لِاعْتِبارِ العَشَرَةِ أنَّ البُضْعَ عُضْوٌ لا تَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ إلّا بِمالٍ فَأشْبَهَ القَطْعَ في السَّرِقَةِ، فَلَمّا كانَتِ اليَدُ عُضْوًا لا تَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ إلّا بِمالٍ وكانَ المِقْدارُ الَّذِي يُسْتَباحُ بِهِ عَشَرَةٌ عَلى أصْلِهِمْ، فَكَذَلِكَ المَهْرُ يُعْتَبَرُ بِهِ. وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ اسْتِباحَةُ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ واخْتَلَفُوا فِيما تَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ بِهِ مِنَ المِقْدارِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى الحَظْرِ في مَنعِ اسْتِباحَتِهِ إلّا بِما قامَ دَلِيلُ جَوازِهِ، وهو العَشَرَةُ المُتَّفَقُ عَلَيْها وما دُونَها مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فالبُضْعُ باقٍ عَلى حُكْمِ الحَظْرِ. وأيْضًا لَمّا لَمْ تَجُزِ اسْتِباحَتُهُ إلّا بِبَدَلٍ كانَ الواجِبُ أنْ يَكُونَ البَدَلُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ قِيمَةُ البُضْعِ هو مَهْرُ المِثْلِ وأنْ لا يُحَطَّ عَنْهُ شَيْءٌ إلّا بِدَلالَةٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَها عَلى غَيْرِ مَهْرٍ لَكانَ الواجِبُ لَها مَهْرُ مِثْلِها ؟ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، فَغَيْرُ جائِزٍ إسْقاطُ شَيْءٍ مِن مُوجِبِهِ إلّا بِدَلالَةٍ، وقَدْ قامَتْ دَلالَةُ الإجْماعِ عَلى جَوازِ إسْقاطِ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ واخْتَلَفُوا فِيما دُونَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا بِإيجابِ العَقْدِ لَهُ؛ إذْ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى إسْقاطِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] اقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ نِصْفِ الفَرْضِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا. قِيلَ لَهُ: لَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَهْرَ لا يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ كانَتْ تَسْمِيَتُهُ لِبَعْضِ العَشَرَةِ تَسْمِيَةً لَها، (p-٨٨)كَسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي لا تَتَبَعَّضُ تَكُونُ تَسْمِيَتُهُ لِبَعْضِها تَسْمِيَةً لَجَمِيعِها، كالطَّلاقِ والنِّكاحِ ونَحْوِهِما، وإذا كانَتِ العَشَرَةُ لا تَتَبَعَّضُ في العَقْدِ صارَتْ تَسْمِيَتُهُ لَبَعْضِها تَسْمِيَةً لَجَمِيعِها، فَإذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ وجَبَ لَها نِصْفُ العَشَرَةِ؛ لِأنَّ العَشَرَةَ هي الفَرْضُ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ كانَ مُطَلِّقًا لَها تَطْلِيقَةً كامِلَةً، ولَوْ طَلَّقَ نِصْفَها كانَ مُطَلِّقًا لِجَمِيعِها ؟ وكَذَلِكَ لَوْ عَفا عَنْ نِصْفِ دَمٍ عَمْدٍ كانَ عافِيًا عَنْ جَمِيعِهِ ؟ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَتُهُ لَخَمْسَةٍ تَسْمِيَةً لِلْعَشَرَةِ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَشَرَةَ لا تَتَبَعَّضُ في عَقْدِ النِّكاحِ، فَمَتى أوْجَبْنا بَعْدَ الطَّلاقِ خَمْسَةً كانَ ذَلِكَ نِصْفَ الفَرْضِ. وأيْضًا فَإنّا نُوجِبُ نِصْفَ المَفْرُوضِ فَلَسْنا مُخالِفِينَ لِحُكْمِ الآيَةِ، ونُوجِبُ الزِّيادَةَ إلى تَمامِ الخَمْسَةِ بِدَلالَةٍ أُخْرى، وإنَّما كانَ يَكُونُ مَذْهَبُنا خِلافَ الآيَةِ لَوْ لَمْ نُوجِبْ نِصْفَ الفَرْضِ، فَأمّا إذا أوْجَبْناهُ وأوْجَبْنا زِيادَةً عَلَيْهِ بِدَلالَةٍ أُخْرى فَلَيْسَ في ذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِلْآيَةِ. واحْتَجَّ مَن أجازَ أنْ يَكُونَ المَهْرُ أقَلَّ مِن عَشَرَةٍ بِحَدِيثِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: «أنَّ امْرَأةً جِيءَ بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلى نَعْلَيْنِ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَضِيتِ مِن نَفْسِكَ ومالِكِ بِنَعْلَيْنِ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَأجازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» . وبِحَدِيثِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أعْطى امْرَأةً في نِكاحٍ كَفَّ دَقِيقٍ أوْ سَوِيقٍ أوْ طَعامًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ» . وبِحَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ المُغِيرَةِ الطّائِفِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّلْمانِيِّ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أنْكِحُوا الأيامى مِنكم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما العَلائِقُ بَيْنَهُما ؟ قالَ: ما تَراضى بِهِ الأهْلُونَ» . وبِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدِ اسْتَحَلَّ» «وأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلى وزْنِ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ وأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أوْلِمْ ولَوْ بِشاةٍ» ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وبِحَدِيثِ أبِي حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ «المَرْأةِ الَّتِي قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدْ وهَبْتُ نَفْسِي لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما لِي بِالنِّساءِ مِن حاجَةٍ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيها فَقالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِن شَيْءٍ تُصْدِقُها إيّاهُ ؟ فَقالَ: إزارِي هَذا. فَقالَ: إنْ أعْطَيْتَها إزارَكَ جَلَسْتَ ولا إزارَ لَكَ، إلى أنْ قالَ: التَمِسْ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ؛» فَأجازَ أنْ يَكُونَ المَهْرُ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ، وخاتَمٌ مِن حَدِيدٍ لا يُساوِي عَشَرَةً. والجَوابُ عَنْ إجازَتِهِ النِّكاحَ عَلى نَعْلَيْنِ أنَّ النَّعْلَيْنِ قَدْ يَجُوزُ أنْ تُساوِيا عَشَرَةَ دَراهِمَ أوْ أكْثَرَ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ؛ لِأنَّهُ تَزَوَّجَها عَلى نَعْلَيْنِ ثُمَّ أخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قِيمَتُها عَشَرَةً أوْ أكْثَرَ، (p-٨٩)ولَيْسَ بِعُمُومِ لَفْظٍ في إباحَةِ التَّزْوِيجِ عَلى نَعْلَيْنِ أيَّ نَعْلَيْنِ كانَتا، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ. وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخْبَرَ بِجَوازِ النِّكاحِ، وجَوازُ النِّكاحِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو المَهْرُ لا غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَها عَلى غَيْرِ مَهْرٍ لَكانَ النِّكاحُ جائِزًا؛ ولَمْ يَدُلَّ جَوازُ النِّكاحِ عَلى أنْ لا شَيْءَ لَها، كَذَلِكَ جَوازُ النِّكاحِ عَلى نَعْلَيْنِ قِيمَتُهُما أقَلُّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ غَيْرُهُما. وأمّا قَوْلُهُ: «مَنِ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ أوْ بِكَفِّ دَقِيقٍ فَقَدِ اسْتَحَلَّ» فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ مِلْكِ البُضْعِ، لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ غَيْرُهُ. وكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ في تَزَوُّجِهِ عَلى وزْنِ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ، وعَلى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ قِيمَتَها كانَتْ خَمْسَةً أوْ عَشَرَةً. وأمّا قَوْلُهُ: «العَلائِقُ ما تَراضى بِهِ الأهْلُونَ» فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ما يَجُوزُ مِثْلُهُ في الشَّرْعِ، ألا تَرى أنَّهم لَوْ تَراضَوْا بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ شِغارٍ لَما جازَ تَراضِيهِما ؟ كَذَلِكَ في حُكْمِ التَّسْمِيَةِ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلى ما ثَبَتَ حُكْمُهُ في الشَّرْعِ مِن تَسْمِيَةِ العَشَرَةِ. وأمّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ بِتَعْجِيلِ شَيْءٍ لَها، وعَلى ذَلِكَ كانَ مَخْرَجُ كَلامِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ ما يَصِحُّ بِهِ العَقْدُ مِنَ التَّسْمِيَةِ لاكْتَفى بِإثْباتِهِ في ذِمَّتِهِ ما يَجُوزُ بِهِ العَقْدُ عَنِ السُّؤالِ عَمّا يُعَجَّلُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ما يَصِحُّ مَهْرًا ألا تَرى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا قالَ: «زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» وما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ لا يَكُونُ مَهْرًا ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى خِدْمَتِهِ سَنَةً، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: " إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى خِدْمَتِهِ سَنَةً فَإنْ كانَ حُرًّا فَلَها مَهْرُ مِثْلِها، وإنْ كانَ عَبْدًا فَلَها خِدْمَتُهُ سَنَةً " وقالَ مُحَمَّدٌ: " لَها قِيمَةُ خِدْمَتِهِ إنْ كانَ حُرًّا " . وقالَ مالِكٌ: " إذا تَزَوَّجَها عَلى أنْ يُؤاجِرَها نَفْسَهُ سَنَةً أوْ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ ويَكُونُ ذَلِكَ صَداقَها فَإنَّهُ يَفْسَخُ النِّكاحَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِها، وإنْ دَخَلَ بِها ثَبَتَ النِّكاحُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا تَزَوَّجَها عَلى أنْ يُحِجَّها ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَهو ضامِنٌ لِنِصْفِ حَجِّها مِنَ الحِمْلانِ والكِسْوَةِ والنَّفَقَةِ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ: " النِّكاحُ جائِزٌ عَلى خِدْمَتِهِ إذا كانَ وقْتًا مَعْلُومًا " . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " إذا تَزَوَّجَها عَلى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَهْرًا ولَها مَهْرُ مِثْلِها " وهو قَوْلُ مالِكٍ واللَّيْثِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: " يَكُونُ ذَلِكَ مَهْرًا لَها، فَإنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْها بِنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ إنْ كانَ قَدْ عَلَّمَها " وهي رِوايَةُ المُزَنِيِّ وحَكى الرَّبِيعُ عَنْهُ أنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْها بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ (p-٩٠)قَدِ اقْتَضى أنْ يَكُونَ بَدَلُ البُضْعِ ما يُسْتَحَقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: تَمْلِيكُ المالِ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ، والآخَرُ: تَسْلِيمُهُ لِاسْتِيفاءِ مَنافِعِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَهْرَ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ البُضْعَ إمّا أنْ يَكُونَ مالًا أوْ مَنافِعَ في مالٍ يَسْتَحِقُّ بِها تَسْلِيمُهُ إلَيْها؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِما ويَقْتَضِيهِما. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَهْرَ حُكْمُهُ أنْ يَكُونَ مالًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أمْرٌ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الإيجابَ، ودَلَّ بِفَحْواهُ عَلى أنَّ المَهْرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مالًا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا﴾ [النساء: ٤] مَعْناهُ: أعْطُوا، والإعْطاءُ إنَّما يَكُونُ في الأعْيانِ دُونَ المَنافِعِ؛ إذِ المَنافِعُ لا يَتَأتّى فِيها الإعْطاءُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وذَلِكَ لا يَكُونُ في المَنافِعِ وإنَّما هو في المَأْكُولِ أوْ فِيما يُمْكِنُ صَرْفُهُ بَعْدَ الإعْطاءِ إلى المَأْكُولِ؛ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَنافِعَ لا تَكُونُ مَهْرًا فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُوجِبُ أنْ لا تَكُونَ خِدْمَةُ العَبْدِ مَهْرًا. قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ لَما جازَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ «نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكاحِ الشِّغارِ» وهو أنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ عَلى أنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ أوْ يُزَوِّجَهُ أمَتَهُ عَلى أنْ يُزَوِّجَهُ أمَتَهُ ولَيْسَ بَيْنَهُما مَهْرٌ، وهَذا أصْلٌ في أنَّ المَهْرَ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ، فَلَمّا أبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَكُونَ مَنافِعُ البُضْعِ مَهْرًا؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِمالٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ كُلَّ ما شُرِطَ مِن بَدَلِ البُضْعِ مِمّا لا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ لا يَكُونُ مَهْرًا، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا لَوْ تَزَوَّجَها عَلى عَفْوٍ مِن دَمٍ عَمْدٍ أوْ عَلى طَلاقِ فُلانَةَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَهْرِ مِثْلِ مَنافِعِ البُضْعِ إذا جَعَلَها مَهْرًا، وقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ: " إنَّهُ إذا سَمّى في الشِّغارِ لِإحْداهُما مَهْرًا أنَّ النِّكاحَ جائِزٌ ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَهْرُ مِثْلِها " ولَمْ يَجْعَلِ البُضْعَ مَهْرًا في الحالِ الَّتِي أجازَ النِّكاحَ فِيها، «ونَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِكاحِ الشِّغارِ؛» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ الشِّغارُ في الأمَتَيْنِ كانَ المَهْرُ مَنافِعَ البُضْعِ بَدَلًا في النِّكاحِ. والثّانِي: إذا كانَ الشِّغارُ في الحُرَّتَيْنِ، وهو أنْ يَقُولَ: " أُزَوِّجُكَ أُخْتِي عَلى أنْ تُزَوِّجَنِي أُخْتَكَ أوْ أُزَوِّجُكَ بِنْتِي عَلى أنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ " فَيَكُونُ هَذا عَقْدًا عارِيًّا مِن ذِكْرِ المَهْرِ لِواحِدَةٍ مِنَ المَرْأتَيْنِ؛ لِأنَّهُ شَرَطَ المَنافِعَ لِغَيْرِ المَنكُوحَةِ وهو الوَلِيُّ، فالشِّغارُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ عَقْدَ نِكاحٍ عارِيًّا عَنْ تَسْمِيَةِ بَدَلٍ لِلْمَنكُوحَةِ، وفي الوَجْهِ الآخَرِ يَكُونُ بَدَلَ البُضْعِ بُضْعٌ آخَرُ، فَأبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ أنْ (p-٩١)يَكُونَ بَدَلًا فَصارَ أصْلًا في أنَّ بَدَلَ البُضْعِ شَرْطُهُ أنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ مَنافِعَ بُضْعِ الأمَةِ حَقٌّ في مالٍ، فَهَلّا كانَتْ كالتَّزْوِيجِ عَلى خِدْمَةِ العَبْدِ قِيلَ لَهُ: لِأنَّ خِدْمَةَ العَبْدِ يَسْتَحِقُّ بِها تَسْلِيمُ مالٍ وهو رَقَبَةُ العَبْدِ، كالمُسْتَأْجَرِ لَهُ يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ العَبْدِ إلَيْهِ لِلْخِدْمَةِ، وزَوْجُ الأمَةِ لا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ لِلْمَوْلى أنْ لا يُبَوِّئَها بَيْتًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ قَدِ اقْتَضى أنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكاحِ تَسْلِيمَ مالٍ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ. وأمّا التَّزْوِيجُ عَلى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مَهْرًا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ كَخِدْمَةِ الحُرِّ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ تَعْلِيمَ القُرْآنِ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ، فَكُلُّ مَن عَلَّمَ إنْسانًا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فَإنَّما قامَ بِفَرْضٍ؛ وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً» فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ عِوَضًا لِلْبُضْعِ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ التَّزْوِيجُ عَلى تَعْلِيمِ الإسْلامِ ؟ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى الإنْسانِ فِعْلَهُ فَهو مَتى فَعَلَهُ فَرْضًا فَلا يَسْتَحِقُّ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ لِلْحُكّامِ أخْذُ الرِّشى عَلى الحُكْمِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ سُحْتًا مُحَرَّمًا. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ المَرْأةِ الَّتِي قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدْ وهَبْتُ نَفْسِي لَكَ فَقالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيها، إلى أنْ قالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ قالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذا، فَقالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قَدْ زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؛» وبِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ عَنِ الحَجّاجِ الباهِلِيِّ عَنْ عَسَلٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ قِصَّةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في أمْرِ المَرْأةِ، وقالَ فِيهِ: «ما تَحْفَظُ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ أوِ الَّتِي تَلِيها، قالَ: قُمْ فَعَلِّمْها عِشْرِينَ آيَةً وهي امْرَأتُكَ» . قِيلَ لَهُ: مَعْناهُ لِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] ومَعْناهُ: لِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ وأيْضًا كَوْنُ القُرْآنِ مَعَهُ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، والتَّعْلِيمُ لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ في هَذا الخَبَرِ، فَعَلِمْنا أنَّ مُرادَهُ: أنِّي زَوَّجْتُكَ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ ولِأجْلِ ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؛ وهو كَما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: خَطَبَ أبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقالَتْ: إنِّي آمَنتُ بِهَذا الرَّجُلِ وشَهِدْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَإنْ تابَعْتَنِي تَزَوَّجْتُكَ، قالَ: فَأنا عَلى ما أنْتِ عَلَيْهِ؛ فَتَزَوَّجَتْهُ، فَكانَ صَداقُها الإسْلامَ. ومَعْناهُ أنَّها تَزَوَّجَتْهُ لِأجْلِ إسْلامِهِ؛ لِأنَّ الإسْلامَ لا يَكُونُ صَداقًا لِأحَدٍ في (p-٩٢)الحَقِيقَةِ. وأمّا حَدِيثُ إبْراهِيمَ بْنِ طَهْمانَ فَإنَّهُ ضَعِيفُ السَّنَدِ، وقَدْ رَوى هَذِهِ القِصَّةَ مالِكٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ قالَ: " عَلِّمْها " ولَمْ يُعارَضْ بِحَدِيثِ إبْراهِيمَ بْنِ طَهْمانَ، ولَوْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ تَعْلِيمَ القُرْآنِ مَهْرًا لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ أمَرَهُ بِتَعْلِيمِها القُرْآنَ ويَكُونَ المَهْرُ ثابِتًا في ذِمَّتِهِ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ: إنَّ تَعْلِيمَ القُرْآنِ مَهْرٌ لَها. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فَجَعَلَ مَنافِعَ الحُرِّ بَدَلًا مِنَ البُضْعِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَشْرِطِ المَنافِعَ لِلْمَرْأةِ وإنَّما شَرَطَها لِشُعَيْبٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وما شُرِطَ لِلْأبِ لا يَكُونُ مَهْرًا، فالِاحْتِجاجُ بِهِ باطِلٌ في مَسْألَتِنا وأيْضًا لَوْ صَحَّ أنَّها كانَتْ مَشْرُوطَةً لَها وأنَّهُ إنَّما أضافَها إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ، أوْ لِأنَّ مالَ الوَلَدِ مَنسُوبٌ إلى الوالِدِ كَقَوْلِهِ ﷺ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» فَهو مَنسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّغارِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِتْقَ الأمَةِ لا يَكُونُ صَداقًا لَها؛ إذْ كانَتِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةً لِكَوْنِ بَدَلِ البُضْعِ ما يُسْتَحَقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مالٍ إلَيْها، ولَيْسَ في العِتْقِ تَسْلِيمُ مالٍ وإنَّما فِيهِ إسْقاطُ المِلْكِ مِن غَيْرِ أنِ اسْتَحَقَّتْ بِهِ تَسْلِيمَ مالٍ إلَيْها ألا تَرى أنَّ الرِّقَّ الَّذِي كانَ المَوْلى يَمْلِكُهُ لا يَنْتَقِلُ إلَيْها وإنَّما يُتْلَفُ بِهِ مِلْكُهُ ؟ فَإذا لَمْ يَحْصُلْ لَها بِهِ مالٌ أوْ لَمْ تَسْتَحِقَّ بِهِ تَسْلِيمَ مالٍ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مَهْرًا. وما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أعْتَقَ صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها»؛ فَلِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ، وكانَ مَخْصُوصًا بِهِ دُونَ الأُمَّةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَكانَ ﷺ مَخْصُوصًا بِجَوازِ مِلْكِ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ كَما كانَ مَخْصُوصًا بِجَوازِ تَزْوِيجِ التِّسْعِ دُونَ الأُمَّةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ العِتْقَ لا يَكُونُ صَداقًا مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿وآتُوهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي الإيجابَ، وإعْطاءُ العِتْقِ لا يَصِحُّ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] والعِتْقُ لا يَصِحُّ فَسْخُهُ بِطِيبِ نَفْسِها عَنْ شَيْءٍ مِنهُ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وذَلِكَ مُحالٌ في العِتْقِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الحُكْمُ بِكَوْنِهِمْ مُحْصِنِينَ بِعَقْدِ النِّكاحِ والإخْبارُ عَنْ حالِهِمْ إذا نَكَحُوا. (p-٩٣)والثّانِي: أنْ يَكُونَ الإحْصانُ شَرْطًا في الإباحَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فَإنْ كانَ المُرادُ الوَجْهَ الأوَّلَ فَإطْلاقُ الإباحَةِ عُمُومٌ يَصِحُّ اعْتِبارُهُ فِيما انْتَظَمَهُ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ، وإنْ أرادَ الوَجْهَ الثّانِيَ كانَ إطْلاقُ الإباحَةِ مُجْمَلًا لِأنَّهُ مَعْقُودٌ بِشَرِيطَةِ حُصُولِ الإحْصانِ بِهِ، والإحْصانُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، فَلا يَصِحُّ حِينَئِذٍ الِاحْتِجاجُ بِهِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى الإخْبارِ عَنْ حُصُولِ الإحْصانِ بِالتَّزْوِيجِ لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى ورَدَ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عُمُومًا يُمْكِنُنا اسْتِعْمالُ ظاهِرِهِ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الحُكْمِ عَلى البَيانِ، فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى العُمُومِ دُونَ الإجْمالِ لِما فِيهِ مِنَ اسْتِعْمالِ حُكْمِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ، فَعَلَيْنا المَصِيرُ إلَيْهِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ حَمْلُهُ عَلى وجْهٍ يُسْقِطُ عَنّا اسْتِعْمالَهُ إلّا بِوُرُودِ بَيانٍ مِن غَيْرِهِ، وفي نَسَقِ التِّلاوَةِ وفَحْوى الآيَةِ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الإحْصانِ إخْبارًا عَنْ كَوْنِهِ مُحْصَنًا بِالنِّكاحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ والسِّفاحُ هو الزِّنا، فَأخْبَرَ أنَّ الإحْصانَ المَذْكُورَ هو ضِدُّ الزِّنا وهو العِفَّةُ، وإذا كانَ المُرادُ بِالإحْصانِ في هَذا المَوْضِعِ العَفافَ فَقَدْ حَصَلَ عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ مُجْمَلًا؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم عِفَّةً غَيْرَ زِنًا؛ وهَذا لَفْظٌ ظاهِرُ المَعْنى بَيِّنُ المُرادِ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إطْلاقُ لَفْظِ الإباحَةِ وكَوْنُهُ عُمُومًا، والآخَرُ: الإخْبارُ بِأنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ كانُوا مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، والإحْصانُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مَتى أُطْلِقَ لَمْ يَكُنْ عُمُومًا كَسائِرِ الألْفاظِ المُشْتَرِكَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ وأصْلُهُ المَنعُ ومِنهُ سُمِّيَ الحِصْنُ لِمَنعِهِ مَن صارَ فِيهِ مِن أعْدائِهِ، ومِنهُ الدِّرْعُ الحَصِينَةُ أيِ المَنِيعَةُ، والحِصانُ بِالكَسْرِ الفَحْلُ مِنَ الأفْراسِ لِمَنعِهِ راكِبَهُ مِنَ الهَلاكِ، والحَصانُ بِالنَّصْبِ العَفِيفَةُ مِنَ النِّساءِ لِمَنعِها فَرْجَها مِنَ الفَسادِ؛ قالَ حَسّانُ في عائِشَةَ رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما: ؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ [النور: ٢٣] يَعْنِي العَفائِفَ، والإحْصانُ في الشَّرْعِ اسْمٌ يَقَعُ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ ما كانَ الِاسْمُ لَها في اللُّغَةِ، فَمِنها الإسْلامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] رُوِيَ: فَإذا أسْلَمْنَ؛ ويَقَعُ عَلى التَّزْوِيجِ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ مَعْناهُ: فَإذا تَزَوَّجْنَ. وقالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ ومَعْناهُ: ذَواتُ الأزْواجِ. ويَقَعُ عَلى العِفَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٢٣] ويَقَعُ (p-٩٤)عَلى الوَطْءِ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ في إحْصانِ الرَّجْمِ. والإحْصانُ في الشَّرْعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمانِ: أحَدُهُما: في إيجابِ الحَدِّ عَلى قاذِفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] فَهَذا يُعْتَبَرُ فِيهِ العَفافُ والحُرِّيَّةُ والإسْلامُ والعَقْلُ والبُلُوغُ، فَما لَمْ يَكُنْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَجِبْ عَلى قاذِفِهِ الحَدُّ لِأنَّهُ لا حَدَّ عَلى قاذِفِ المَجْنُونِ والصَّبِيِّ الزّانِي والكافِرِ والعَبْدِ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِنَ الإحْصانِ مُعْتَبَرَةٌ في إيجابِ الحَدِّ عَلى القاذِفِ والحُكْمُ الآخَرُ هو الإحْصانُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجابُ الرَّجْمِ إذا زَنى، وهَذا الإحْصانُ يَشْتَمِلُ عَلى الإسْلامِ والعَقْلِ والبُلُوغِ والحُرِّيَّةِ والنِّكاحِ الصَّحِيحِ مَعَ الدُّخُولِ بِها وهُما عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنْ عُدِمَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الخِلالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الرَّجْمُ إذا زَنى. والسِّفاحُ هو الزِّنا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ» . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ قالا: " غَيْرُ زانِينَ " . ويُقالُ إنَّ أصْلَهُ مِن سَفْحِ الماءِ وهو صَبُّهُ، ويُقالُ: سَفَحَ دَمْعُهُ وسَفَحَ دَمُ فُلانٍ، وسَفْحُ الجَبَلِ: أسْفَلُهُ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ مَصَبِّ الماءِ، وسافَحَ الرَّجُلُ إذا زَنى لِأنَّهُ صَبَّ ماءَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْحَقَهُ حُكْمُ مائِهِ في ثُبُوتِ النَّسَبِ ووُجُوبِ العِدَّةِ وسائِرِ أحْكامِ النِّكاحِ، فَسُمِّيَ مُسافِحًا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن فِعْلِهِ هَذا غَيْرُ صَبِّ الماءِ، وقَدْ أفادَ ذَلِكَ نَفْيَ نَسَبِ الوَلَدِ المَخْلُوقِ مِن مائِهِ مِنهُ وأنَّهُ لا يَلْحَقُ بِهِ ولا تَجِبُ عَلى المَرْأةِ العِدَّةُ مِنهُ ولا تَصِيرُ فِراشًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرٌ ولا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الوَطْءِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ النِّكاحِ؛ هَذِهِ المَعانِي كُلُّها في مَضْمُونِ هَذا اللَّفْظِ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ المُتْعَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: هو عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن إباحَةِ نِكاحِ ما وراءَ المُحَرَّماتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ يَعْنِي: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ كامِلَةً، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] والِاسْتِمْتاعُ هو الِانْتِفاعُ، وهو هَهُنا كِنايَةٌ عَنِ الدُّخُولِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] يَعْنِي تَعَجَّلْتُمُ الِانْتِفاعَ بِها، وقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] يَعْنِي: بِحَظِّكم ونَصِيبِكم مِنَ الدُّنْيا؛ فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى مَن ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وعَنى بِهِ نِكاحَ الأُمَّهاتِ ومَن ذُكِرَ مَعَهُنَّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٩٥)قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ اقْتَضى ذَلِكَ إباحَةَ النِّكاحِ فِيمَن عَدا المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ﴾ يَعْنِي - واَللَّهُ أعْلَمُ-: نِكاحًا تَكُونُوا بِهِ مُحْصِنِينَ عَفائِفَ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ النِّكاحِ إذا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَأوْجَبَ عَلى الزَّوْجِ كَمالَ المَهْرِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ المَهْرَ أجْرًا في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] فَسَمّى المَهْرَ أجْرًا، وكَذَلِكَ الأُجُورُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي المُهُورُ. وإنَّما سُمِّيَ المَهْرُ أجْرًا لِأنَّهُ بَدَلُ المَنافِعِ ولَيْسَ بِبَدَلٍ عَنِ الأعْيانِ، كَما سُمِّيَ بَدَلُ مَنافِعِ الدّارِ والدّابَّةِ أجْرًا. وفي تَسْمِيَةِ اللَّهِ المَهْرَ أجْرًا دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ فِيمَن اسْتَأْجَرَ امْرَأةً فَزَنى بِها أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى المَهْرَ أجْرًا، فَهو كَمَن قالَ: " أُمْهِرُكِ كَذا "؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. ومِثْلُ هَذا يَكُونُ نِكاحًا فاسِدًا؛ لِأنَّهُ بِغَيْرِ شُهُودٍ؛ وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقَدْ كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَتَأوَّلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى مُتْعَةِ النِّساءِ؛ ورُوِيَ عَنْهُ فِيها أقاوِيلُ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَأوَّلُ الآيَةَ عَلى إباحَةِ المُتْعَةِ. ويُرْوى أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيها الأشْعارُ قالَ: هي كالمُضْطَرِّ إلى المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، فَأباحَها في هَذا القَوْلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. ورُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نَزَلَ عَنْ قَوْلِهِ في الصَّرْفِ وقَوْلِهِ في المُتْعَةِ. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ بَكِيرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ بَكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ عَنْ عَمّارٍ مَوْلى الشَّرِيدِ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ أسِفاحٌ هي أمْ نِكاحٌ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا سِفاحٌ ولا نِكاحٌ، قُلْتُ: فَما هي ؟ قالَ: المُتْعَةُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى، قُلْتُ لَهُ: هَلْ لَها مِن عِدَّةٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، عِدَّتُها حَيْضَةٌ، قُلْتُ: هَلْ يَتَوارَثانِ ؟ قالَ: لا. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ قالَ: نَسَخَتْها ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ عَنِ القَوْلِ بِالمُتْعَةِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّها زِنًا؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ (p-٩٦)ويُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ المُغِيرَةِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُتْعَةِ فَقالَ: " ذَلِكَ السِّفاحُ " . ورُوِيَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: " كانَ نِكاحُ المُتْعَةِ بِمَنزِلَةِ الزِّنا " . فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُتْعَةُ زِنًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ النَّقْلِ أنَّ المُتْعَةَ قَدْ كانَتْ مُباحَةً في بَعْضِ الأوْقاتِ أباحَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبِحِ اللَّهُ تَعالى الزِّنا قَطُّ. قِيلَ لَهُ: لَمْ تَكُنْ زِنًا في وقْتِ الإباحَةِ، فَلَمّا حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى جازَ إطْلاقُ اسْمِ الزِّنا عَلَيْها، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الزّانِيَةُ هي الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَها بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وأيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ»؛ وإنَّما مَعْناهُ التَّحْرِيمُ لا حَقِيقَةُ الزِّنا؛ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «العَيْنانِ تَزْنِيانِ والرِّجْلانِ تَزْنِيانِ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ وزِنا الرِّجْلَيْنِ المَشْيُ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ الفَرْجُ أوْ يُكَذِّبُهُ»؛ فَأطْلَقَ اسْمَ الزِّنا في هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ إذْ كانَ مُحَرَّمًا؛ فَكَذَلِكَ مَن أطْلَقَ اسْمَ الزِّنا عَلى المُتْعَةِ فَإنَّما أطْلَقَهُ عَلى وجْهِ المَجازِ وتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا نَضْرَةَ يَقُولُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَأْمُرُ بِالمُتْعَةِ وكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهى عَنْها؛ قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقالَ: عَلى يَدَيَّ دارَ الحَدِيثُ، «تَمَتَّعْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، فَلَمّا قامَ عُمَرُ قالَ: إنَّ اللَّهَ كانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ ما شاءَ بِما شاءَ، فَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ كَما أمَرَ اللَّهُ وانْتَهُوا عَنْ نِكاحِ هَذِهِ النِّساءِ، لا أُوتى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً إلى أجَلٍ إلّا رَجَمْتُهُ " فَذَكَرَ عُمَرُ الرَّجْمَ في المُتْعَةِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِيَنْزَجِرَ النّاسُ عَنْها. وقالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَطاءٌ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: " رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، ما كانَتِ المُتْعَةُ إلّا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحِمَ اللَّهُ بِها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَوْلا نَهْيُهُ لَما احْتاجَ إلى الزِّنا إلّا شِقِيٌّ " . فاَلَّذِي حُصِّلَ مِن أقاوِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلُ بِإباحَةِ المُتْعَةِ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَها بِضَرُورَةٍ ولا غَيْرِها. والثّانِي: أنَّها كالمَيْتَةِ تَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ. والثّالِثُ: أنَّها مُحَرَّمَةٌ؛ وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ سَنَدِهِ وقَوْلَهُ أيْضًا إنَّها مَنسُوخَةٌ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ عَنْ إباحَتِها ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارِثِ أنَّ بَكِيرَ بْنَ الأشَجِّ حَدَّثَهُ: أنَّ أبا إسْحاقَ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ حَدَّثَهُ: أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: كُنْتُ في سَفَرٍ ومَعِي جارِيَةٌ لِي ولِي أصْحابٌ فَأحْلَلْتُ جارِيَتِي لِأصْحابِي يَسْتَمْتِعُونَ مِنها ؟ فَقالَ: (p-٩٧)" ذاكَ السِّفاحُ " فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ. وأمّا احْتِجاجُ مَنِ احْتَجَّ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وأنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: " إلى أجَلٍ مُسَمًّى " فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إثْباتُ الأجَلِ في التِّلاوَةِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فالأجَلُ إذًا غَيْرُ ثابِتٍ في القُرْآنِ، ولَوْ كانَ فِيهِ ذِكْرُ الأجَلِ لَما دَلَّ أيْضًا عَلى مُتْعَةِ النِّساءِ؛ لِأنَّ الأجَلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلًا عَلى المَهْرِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَما دَخَلْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ بِمَهْرٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ. وفي فَحَوى الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ النِّكاحُ دُونَ المُتْعَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها أنَّهُ عَطْفٌ عَلى إباحَةِ النِّكاحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وذَلِكَ إباحَةٌ لِنِكاحِ مَن عَدا المُحَرَّماتِ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ النِّكاحَ مُرادٌ بِذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْتِمْتاعِ بَيانًا لِحُكْمِ المَدْخُولِ بِها بِالنِّكاحِ في اسْتِحْقاقِها لِجَمِيعِ الصَّداقِ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ والإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ الواطِئَ بِالمُتْعَةِ لا يَكُونُ مُحْصَنًا ولا يَتَناوَلُهُ هَذا الِاسْمُ، فَعَلِمْنا أنَّهُ أرادَ النِّكاحَ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ فَسَمّى الزِّنا سِفاحًا لِانْتِفاءِ أحْكامِ النِّكاحِ عَنْهُ مِن ثُبُوتِ النَّسَبِ ووُجُوبِ العِدَّةِ وبَقاءِ الفِراشِ، إلى أنْ يُحْدِثَ لَهُ قَطْعًا؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَعانِي مَوْجُودَةً في المُتْعَةِ كانَتْ في مَعْنى الزِّنا، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَن سَمّاها سِفاحًا ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى؛ إذْ كانَ الزّانِي إنَّما سُمِّيَ مُسافِحًا لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِن وطْئِها فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِهِ إلّا عَلى سَفْحِ الماءِ باطِلًا مِن غَيْرِ اسْتِلْحاقِ نَسَبٍ بِهِ؛ فَمِن حَيْثُ نَفى اللَّهُ تَعالى بِما أحَلَّ مِن ذَلِكَ وأثْبَتَ بِهِ الإحْصانُ اسْمَ السِّفاحِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِمْتاعِ هو المُتْعَةُ إذْ كانَتْ في مَعْنى السِّفاحِ، بَلِ المُرادُ بِهِ النِّكاحُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ شَرْطٌ في الإباحَةِ المَذْكُورَةِ. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُتْعَةِ؛ إذْ كانَتِ المُتْعَةُ في مَعْنى السِّفاحِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَكانَ الَّذِي شُهِرَ عَنْهُ إباحَةُ المُتْعَةِ مِنَ الصَّحابَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنْهُ مَعَ ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْهُ إباحَتُها بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى إباحَتِها، بَلْ دِلالاتُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ في حَظْرِها وتَحْرِيمِها مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا. ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والدَّمِ وأنَّها لا تَحِلُّ إلّا لِمُضْطَرٍّ؛ وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الضَّرُورَةَ المُبِيحَةَ لِلْمُحَرَّماتِ لا تُوجَدُ في المُتْعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الضَّرُورَةَ المُبِيحَةَ لِلْمَيْتَةِ والدَّمِ هي الَّتِي يُخافُ مَعَها تَلَفُ النَّفْسِ إنْ لَمْ يَأْكُلْ. وقَدْ عَلِمْنا أنَّ الإنْسانَ لا يَخافُ عَلى نَفْسِهِ ولا عَلى شَيْءٍ (p-٩٨)مِن أعْضائِهِ التَّلَفَ بِتَرْكِ الجِماعِ وفَقْدِهِ، وإذا لَمْ تَحِلَّ في حالِ الرَّفاهِيَةِ والضَّرُورَةِ لا تَقَعُ إلَيْها فَقَدْ ثَبَتَ حَظْرُها واسْتَحالَ قَوْلُ القائِلِ إنَّها تَحِلُّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، فَهَذا قَوْلٌ مُتَناقِضٌ مُسْتَحِيلٌ؛ وأخْلِقْ بِأنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهْمًا مِن رُواتِها؛ لِأنَّهُ كانَ رَحِمَهُ اللَّهُ أفْقَهَ مِن أنْ يَخْفى عَلَيْهِ مِثْلُهُ؛ فالصَّحِيحُ إذًا ما رُوِيَ عَنْهُ مِن حَظْرِها وتَحْرِيمِها وحِكايَةُ مَن حَكى عَنْهُ الرُّجُوعَ عَنْها. والدَّلِيلُ عَلى تَحْرِيمِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَقَصَرَ إباحَةَ الوَطْءِ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وحَظَرَ ما عَداهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] والمُتْعَةُ خارِجَةٌ عَنْهُما فَهي إذًا مُحَرَّمَةٌ. فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ المُسْتَمْتَعُ بِها زَوْجَةً وأنَّ المُتْعَةَ غَيْرُ خارِجَةٍ عَنْ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ قُصِرَ الإباحَةُ عَلَيْهِما ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الزَّوْجَةِ إنَّما يَقَعُ عَلَيْها ويَتَناوَلُها إذا كانَتْ مَنكُوحَةً بِعَقْدِ نِكاحٍ، وإذا لَمْ تَكُنِ المُتْعَةُ نِكاحًا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ زَوْجَةً. فَإنْ قِيلَ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكاحٍ ؟ قِيلَ لَهُ: الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ النِّكاحَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: وهو الوَطْءُ والعَقْدُ، وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ مَجازٌ في العَقْدِ، وإذا كانَ الِاسْمُ مَقْصُورًا في إطْلاقِهِ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ وكانَ إطْلاقُهُ في العَقْدِ مَجازًا عَلى ما ذَكَرْنا ووَجَدْناهم أطْلَقُوا الِاسْمَ عَلى عَقْدِ تَزْوِيجٍ مُطْلَقٍ أنَّهُ نِكاحٌ ولَمْ نَجِدْهم أطْلَقُوا اسْمَ النِّكاحِ عَلى المُتْعَةِ فَلا يَقُولُونَ إنَّ فُلانًا تَزَوَّجَ فُلانَةَ إذا شَرَطَ التَّمَتُّعَ بِها، لَمْ يَجُزْ لَنا إطْلاقُ اسْمِ النِّكاحِ عَلى المُتْعَةِ،؛ إذِ المَجازُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا مِنَ العَرَبِ أوْ يَرِدَ بِهِ الشَّرْعُ، فَلَمّا عَدِمْنا إطْلاقَ اسْمِ النِّكاحِ عَلى المُتْعَةِ في الشَّرْعِ واللُّغَةِ جَمِيعًا وجَبَ أنْ تَكُونَ المُتْعَةُ ما عَدا ما أباحَهُ اللَّهُ وأنْ يَكُونَ فاعِلُها عادِيًا ظالِمًا لَنَفْسِهِ مُرْتَكِبًا لِما حَرَّمَهُ اللَّهُ وأيْضًا فَإنَّ النِّكاحَ لَهُ شَرائِطُ قَدِ اخْتُصَّ بِها مَتى فُقِدَتْ لَمْ يَكُنْ نِكاحًا؛ مِنها أنَّ مُضِيَّ الوَقْتِ لا يُؤَثِّرُ في عَقْدِ النِّكاحِ ولا يُوجِبُ رَفْعَهُ، والمُتْعَةُ عِنْدَ القائِلِينَ بِها تُوجِبُ رَفْعَ النِّكاحِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ. ومِنها أنَّ النِّكاحَ فِراشٌ. يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، بَلْ لا يَنْتَفِي الوَلَدُ المَوْلُودُ عَلى فِراشِ النِّكاحِ إلّا بِاللِّعانِ؛ والقائِلُونَ بِالمُتْعَةِ لا يُثْبِتُونَ النَّسَبَ مِنهُ، فَعَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ بِنِكاحٍ ولا فِراشٍ. ومِنها أنَّ الدُّخُولَ بِها عَلى النِّكاحِ يُوجِبُ العِدَّةَ عِنْدَ الفُرْقَةِ، والمَوْتُ يُوجِبُ العِدَّةَ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-٩٩)﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمُتْعَةُ لا تُوجِبُ عِدَّةَ الوَفاةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ولا تَوارُثَ عِنْدَهم في المُتْعَةِ. فَهَذِهِ هي أحْكامُ النِّكاحِ الَّتِي يُخْتَصُّ بِها، إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ رِقٌّ أوْ كُفْرٌ يَمْنَعُ التَّوارُثَ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ في المُتْعَةِ مانِعٌ مِنَ المِيراثِ مِن أحَدِهِما بِكُفْرٍ أوْ رِقٍّ ولا سَبَبٌ يُوجِبُ الفُرْقَةَ ولا مانِعٌ مِن ثُبُوتِ النَّسَبِ مَعَ كَوْنِ الرَّجُلِ مِمَّنْ يَسْتَفْرِشُ ويَلْحَقُهُ الأنْسابُ لَفِراشِهِ، ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّها لَيْسَتْ بِنِكاحٍ؛ فَإذا خَرَجَتْ عَنْ أنْ تَكُونَ نِكاحًا أوْ مِلْكَ يَمِينٍ كانَتْ مُحَرَّمَةً بِتَحْرِيمِ اللَّهِ إيّاها في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَإنْ قِيلَ: انْقِضاءُ المُدَّةِ المُوجِبَةِ لِلْبَيْنُونَةِ هو الطَّلاقُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلّا بِصَرِيحِ لَفْظٍ أوْ كِنايَةٍ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ واحِدٌ مِنهُما، فَكَيْفَ يَكُونُ طَلاقًا ومَعَ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلى أصْلِ هَذا القائِلِ أنْ لا تَبِينَ لَوِ انْقَضَتِ المُدَّةُ وهي حائِضٌ؛ لِأنَّ القائِلِينَ بِإباحَةِ المُتْعَةِ لا يَرَوْنَ طَلاقَ الحائِضِ جائِزًا، فَلَوْ كانَتِ البَيْنُونَةُ الواقِعَةُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ طَلاقًا لَوَجَبَ أنْ لا يَقَعَ في حالِ الحَيْضِ، فَلَمّا أوْقَعُوا البَيْنُونَةَ الواقِعَةَ بِمُضِيِّ الوَقْتِ وهي حائِضٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ وإنْ كانَتْ تَبِينُ بِغَيْرِ طَلاقٍ، ولا سَبَبٍ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ يُوجِبُ الفُرْقَةَ، ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِنِكاحٍ. فَإنْ قِيلَ عَلى ما ذَكَرْنا مِن نَفْيِ النَّسَبِ والعِدَّةِ والمِيراثِ: لَيْسَ انْتِفاءُ هَذِهِ الأحْكامِ بِمانِعٍ مِن أنْ تَكُونَ نِكاحًا؛ لِأنَّ الصَّغِيرَ لا يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ ويَكُونُ نِكاحُهُ صَحِيحًا، والعَبْدُ لا يَرِثُ والمُسْلِمُ لا يَرِثُ الكافِرَ ولَمْ يُخْرِجْهُ انْتِفاءُ هَذِهِ الأحْكامِ عَنْهُ مِن أنْ يَكُونَ نِكاحًا. قِيلَ لَهُ: إنَّ نِكاحَ الصَّغِيرِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ إذا صارَ مِمَّنْ يَسْتَفْرِشُ ويَتَمَتَّعُ، وأنْتَ لا تُلْحِقُهُ نَسَبَ ولَدِها مَعَ الوَطْءِ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَ بِهِ النَّسَبُ في النِّكاحِ، والعَبْدُ والكافِرُ إنَّما لَمْ يَرِثا لِلرِّقِّ والكُفْرِ وهُما يَمْنَعانِ التَّوارُثَ بَيْنَهُما، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في المُتْعَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن أهْلِ المِيراثِ مِن صاحِبِهِ؛ فَإذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما ما يَقْطَعُ المِيراثَ ثُمَّ لَمْ يَرِثْ مَعَ وُجُودِ المُتْعَةِ عَلِمْنا أنَّ المُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكاحٍ لِأنَّها لَوْ كانَتْ نِكاحًا لَأوْجَبَتِ المِيراثَ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ مِن غَيْرِ مانِعٍ لَهُ مِن قِبَلِهِما. وأيْضًا قَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها لَيْسَتْ بِنِكاحٍ ولا سِفاحٍ؛ فَإذا كانَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ نَفى عَنْها اسْمَ النِّكاحِ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ نِكاحًا؛ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَخْفى عَلَيْهِ أحْكامُ الأسْماءِ في الشَّرْعِ واللُّغَةِ، فَإذا كانَ هو القائِلَ بِالمُتْعَةِ مِنَ الصَّحابَةِ ولَمْ يَرَها نِكاحًا ونَفى عَنْها الِاسْمَ ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِنِكاحٍ. (p-١٠٠)ومِمّا يُوجِبُ تَحْرِيمَها مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِما عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ وعَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ؛» وقالَ فِيهِ غَيْرُ مالِكٍ: إنَّ عَلِيًّا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّكَ امْرُؤٌ تَيّاهٌ، إنَّما المُتْعَةُ إنَّما كانَتْ رُخْصَةً في أوَّلِ الإسْلامِ نَهى عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خَيْبَرَ وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ». ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَواهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ في آخَرِينَ. ورَوى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ المُتْعَةَ بِالطَّلاقِ والنِّكاحِ والعِدَّةِ والمِيراثِ». ورَوى عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُمَيْسٍ عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ: " أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أذِنَ في مُتْعَةِ النِّساءِ عامَ أوْطاسٍ ثُمَّ نَهى عَنْها» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ البَلْخِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو حَنِيفَةَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ وما كُنّا مُسافِحِينَ». قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: " وما كُنّا مُسافِحِينَ " يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُسافِحِينَ حِينَ أُبِيحَتْ لَهُمُ المُتْعَةُ، يَعْنِي أنَّها لَوْ لَمْ تُبَحْ لَمْ يَكُونُوا لِيُسافِحُوا، ونَفى بِذَلِكَ قَوْلَ مَن قالَ إنَّها أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ كالمِيتَةِ والدَّمِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْها بَعْدُ. والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ فَيَكُونُوا مُسافِحِينَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في حالِ الإباحَةِ مُسافِحِينَ بِالتَّمَتُّعِ؛ إذْ كانَتْ مُباحَةً. وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «كُنّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَتَذاكَرْنا مُتْعَةَ النِّساءِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ: أشْهَدُ عَلى أبِي أنَّهُ حَدَّثَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْها في حَجَّةِ الوَداعِ». ورَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أنَّ ذَلِكَ كانَ عامَ الفَتْحِ؛ ورَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أبِيهِ مِثْلَهُ، وذَكَرَ أنَّهُ كانَ عامَ الفَتْحِ؛ ورَواهُ أنَسُ بْنُ عِياضٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أبِيهِ مِثْلَهُ، وقالَ: " كانَ في حَجَّةِ الوَداعِ " . فَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّواةُ في التَّحْرِيمِ، واخْتَلَفُوا في التّارِيخِ، فَسَقَطَ التّارِيخُ كَأنَّهُ ورَدَ غَيْرَ مُؤَرَّخٍ، وثَبَتَ التَّحْرِيمُ لِاتِّفاقِ الرُّواةِ عَلَيْهِ. ورَواهُ أبُو حَنِيفَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ (p-١٠١)اللَّهِ عَنْ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ ناجِيَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الرّازِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ أبِي سَلَمَةَ قالَ: حَدَّثَنا صَدَقَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ النِّساءُ اللّاتِي اسْتَمْتَعْنا بِهِنَّ مَعَنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هُنَّ حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ». . فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الأخْبارُ مُتَضادَّةٌ لِأنَّ في حَدِيثِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباحَها لَهم في حَجَّةِ الوَداعِ، وقالَ بَعْضُهم: عامَ الفَتْحِ، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَها يَوْمَ خَيْبَرَ، وخَيْبَرُ كانَتْ قَبْلَ الفَتْحِ وقَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُباحَةً عامَ الفَتْحِ أوْ في حَجَّةِ الوَداعِ وقَدْ حُرِّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ عامَ خَيْبَرَ ؟ قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حَدِيثَ سَبْرَةَ مُخْتَلَفٌ في تارِيخِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: عامَ الفَتْحِ، وقالَ بَعْضُهم: في حَجَّةِ الوَداعِ؛ وفي كِلا الحَدِيثَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباحَها في تِلْكَ السَّفْرَةِ ثُمَّ حَرَّمَها، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الرُّواةُ في تارِيخِهِ سَقَطَ التّارِيخُ وحَصَلَ الخَبَرُ غَيْرَ مُؤَرَّخٍ، فَلا يُضادُّ حَدِيثَ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ الَّذِي اتَّفَقا عَلى تارِيخِهِ أنَّهُ حَرَّمَها يَوْمَ خَيْبَرَ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ حَرَّمَها يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ أحَلَّها في حَجَّةِ الوَداعِ أوْ في فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ حَرَّمَها، فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ المَذْكُورُ في حَدِيثِ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ مَنسُوخًا بِحَدِيثِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ، ثُمَّ تَكُونُ الإباحَةُ مَنسُوخَةً بِما في حَدِيثِ سَبْرَةَ أيْضًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فَإنْ قِيلَ: رَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَسْتَخْصِي ؟ فَنَهانا عَنْ ذَلِكَ ورَخَّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ بِالثَّوْبِ إلى أجَلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] الآيَةَ». قِيلَ لَهُ: هَذِهِ المُتْعَةُ هي الَّتِي حَرَّمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سائِرِ الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرْنا، ولَمْ نُنْكِرْ نَحْنُ أنَّها قَدْ كانَتْ أُبِيحَتْ في وقْتٍ ثُمَّ حُرِّمَتْ، ولَيْسَ في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذِكْرُ التّارِيخِ، فَأخْبارُ الحَظْرِ قاضِيَةٌ عَلَيْها لِأنَّ فِيها ذِكْرَ الحَظْرِ بَعْدَ الإباحَةِ؛ وأيْضًا لَوْ تَساوَيا لَكانَ الحَظْرُ أوْلى لِما بَيَّنّاهُ في مَواضِعَ؛ وأمّا تِلاوَةُ النَّبِيِّ ﷺ الآيَةَ عِنْدَ إباحَةِ المُتْعَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِخْصاءِ وتَحْرِيمَ النِّكاحِ المُباحِ، ويَحْتَمِلُ المُتْعَةَ في حالِ ما كانَتْ مُباحَةً. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالطَّلاقِ والعِدَّةِ والمِيراثِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّها قَدْ كانَتْ مُباحَةً في وقْتٍ، فَلَوْ كانَتِ الإباحَةُ باقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْلُ بِها مُسْتَفِيضًا مُتَواتِرًا لِعُمُومِ الحاجَةِ (p-١٠٢)إلَيْهِ ولَعَرَفَتْها الكافَّةُ كَما عَرَفَتْها بَدِيًّا ولَما اجْتَمَعَتِ الصَّحابَةُ عَلى تَحْرِيمِها لَوْ كانَتِ الإباحَةُ باقِيَةً، فَلَمّا وجَدْنا الصَّحابَةَ مُنْكَرِينَ لِإباحَتِها مُوجِبِينَ لَحَظْرِها مَعَ عِلْمِهِمْ بَدِيًّا بِإباحَتِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى حَظْرِها بَعْدَ الإباحَةِ ألا تَرى أنَّ النِّكاحَ لَمّا كانَ مُباحًا لَمْ يَخْتَلِفُوا في إباحَتِهِ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ بَلْواهم بِالمُتْعَةِ لَوْ كانَتْ مُباحَةً كَبَلْواهم بِالنِّكاحِ فالواجِبُ إذًا أنْ يَكُونَ وُرُودُ النَّقْلِ في بَقاءِ إباحَتِها مِن طَرِيقِ الِاسْتِفاضَةِ. ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ رُوِيَ عَنْهُ تَجْرِيدُ القَوْلِ في إباحَةِ المُتْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ رَجَعَ عَنْهُ حِينَ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُها بِتَواتُرِ الأخْبارِ مِن جِهَةِ الصَّحابَةِ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ في الصَّرْفِ وإباحَتِهِ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُ وتَواتَرَتْ عِنْدَهُ الأخْبارُ فِيهِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وصارَ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ، فَكَذَلِكَ كانَ سَبِيلُهُ في المُتْعَةِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحابَةَ قَدْ عَرَفَتْ نَسْخَ إباحَةِ المُتْعَةِ، ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: " مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أنْهى عَنْهُما وأُعاقِبُ عَلَيْهِما " وقالَ في خَبَرٍ آخَرَ: " لَوْ تَقَدَّمْتُ فِيها لَرَجَمْتُ "، فَلَمْ يُنْكِرْ هَذا القَوْلَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، لا سِيَّما في شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوا إباحَتَهُ وأخْبارَهُ بِأنَّهُما كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلا يَخْلُو ذَلِكَ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقاءَ إباحَتِها فاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلى حَظْرِها، وحاشاهم مِن ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونُوا مُخالِفِينَ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عِيانًا، وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ولِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وإلى الِانْسِلاخِ مِنَ الإسْلامِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ إباحَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُتْعَةِ ثُمَّ قالَ هي مَحْظُورَةٌ مِن غَيْرِ نَسْخٍ لَها فَهو خارِجٌ مِنَ المِلَّةِ. فَإذا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهم قَدْ عَلِمُوا حَظْرَها بَعْدَ الإباحَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ، ولَوْ كانَ ما قالَ عُمَرُ مُنْكَرًا ولَمْ يَكُنِ النَّسْخُ عِنْدَهم ثابِتًا لَما جازَ أنْ يُقارُّوهُ عَلى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى إجْماعِهِمْ عَلى نَسْخِ المُتْعَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ حَظْرُ ما أباحَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلّا مِن طَرِيقِ النَّسْخِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، أنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ وإنْ كانَ واقِعًا عَلى اسْتِباحَةِ مَنافِعِ البُضْعِ، فَإنَّ اسْتِحْقاقَ تِلْكَ المَنافِعِ بِعَقْدِ النِّكاحِ بِمَنزِلَةِ العُقُودِ عَلى المَمْلُوكاتِ مِنَ الأعْيانِ وأنَّهُ مُخالِفٌ لِعُقُودِ الإجاراتِ الواقِعَةِ عَلى مَنافِعِ الأعْيانِ ألا تَرى أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يَصِحُّ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ شَرْطِ مُدَّةٍ مَذْكُورَةٍ لَهُ وأنَّ عُقُودَ الإجاراتِ لا تَصِحُّ إلّا عَلى مُدَدٍ مَعْلُومَةٍ أوْ عَلى (p-١٠٣)عَمَلٍ مَعْلُومٍ ؟ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ حُكْمَ العَقْدِ عَلى مَنافِعِ البُضْعِ أشْبَهَ عُقُودَ البِياعاتِ وما جَرى مَجْراها إذا عُقِدَتْ عَلى الأعْيانِ، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مُوَقَّتًا كَما لا يَصِحُّ وُقُوعُ التَّمْلِيكاتِ في الأعْيانِ المَمْلُوكَةِ مُوَقَّتَةً، ومَتى شُرِطَ فِيهِ التَّوْقِيتُ لَمْ يَكُنْ نِكاحًا فَلا تَصِحُّ اسْتِباحَةُ البُضْعِ كَما لا يَصِحُّ البَيْعُ إذا شُرِطَ فِيهِ تَوْقِيتُ المِلْكِ، وكَذَلِكَ الهِباتُ والصَّدَقاتُ؛ ولا يَمْلِكُهُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ العُقُودِ مِلْكًا مُوَقَّتًا؛ وكَذَلِكَ مَنافِعُ البُضْعِ لِما جَرَتْ مَجْرى الأعْيانِ المَمْلُوكَةِ لَمْ يَصِحَّ فِيها التَّوْقِيتُ. ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ القائِلُونَ بِإباحَةِ المُتْعَةِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّها قَدْ كانَتْ مُباحَةً في وقْتٍ مِنَ الزَّمانِ ثُمَّ اخْتَلَفْنا في الحَظْرِ، فَنَحْنُ ثابِتُونَ عَلى ما حَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلَيْهِ ولا نَزُولُ عَنْهُ بِالِاخْتِلافِ. فَيُقالُ لَهم: الأخْبارُ الَّتِي بِها تَثْبُتُ الإباحَةُ بِها يَثْبُتُ الحَظْرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ خَبَرٍ ذُكِرَ فِيهِ إباحَةُ المُتْعَةِ ذُكِرَ فِيهِ حَظْرُها، فَمِن حَيْثُ تَثْبُتُ الإباحَةُ وجَبَ أنْ يَثْبُتَ الحَظْرُ وإنْ لَمْ يَثْبُتِ الحَظْرُ لَمْ تَثْبُتِ الإباحَةُ؛ إذْ كانَتِ الجِهَةُ الَّتِي بِها تَثْبُتُ الإباحَةُ بِها ورَدَ الحَظْرُ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ: " إنّا لَمّا اتَّفَقْنا عَلى كَذا ثُمَّ اخْتَلَفْنا فِيهِ لَمْ نَزُلْ عَنِ الإجْماعِ بِالِاخْتِلافِ " قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّ المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخِلافُ لَيْسَ هو مَوْضِعَ الإجْماعِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ إجْماعًا فَلا بُدَّ مِن دَلالَةٍ يُقِيمُها عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ. وأيْضًا فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُباحًا في وقْتٍ غَيْرُ مُوجِبٍ بَقاءَ إباحَتِهِ فِيما يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى ثُبُوتِ الحَظْرِ بَعْدَ الإباحَةِ مِن ظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ السَّلَفِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا في المُتْعَةِ وحُكْمِها في التَّحْرِيمِ ما فِيهِ بَلاغٌ لِمَن نَصَحَ نَفْسَهُ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى ما بَيَّنّا؛ وقَدِ اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ مَعَ ذَلِكَ عَلى تَحْرِيمِها ولا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن تَزَوَّجَ امْرَأةً أيّامًا مَعْلُومَةً، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً عَشْرَةَ أيّامٍ فَهو باطِلٌ ولا نِكاحَ بَيْنَهُما " . وقالَ زُفَرُ: " النِّكاحُ جائِزٌ والشَّرْطُ باطِلٌ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً ومِن نِيَّتِهِ أنْ يُطَلِّقَها ولَيْسَ ثَمَّ شَرْطٌ فَلا خَيْرَ في هَذا، هَذا مُتْعَةٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَهم وبَيْنَ زُفَرَ أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ لا يَصِحُّ بِلَفْظِ المُتْعَةِ، وأنَّهُ لَوْ قالَ: " أتَمَتَّعُ بِكِ عَشْرَةَ أيّامٍ " أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنِكاحٍ، وإنَّما الخِلافُ إذا عَقَدَهُ بِلَفْظِ النِّكاحِ فَقالَ: " أتَزَوَّجُكِ عَشْرَةَ أيّامٍ " فَجَعَلَهُ زُفَرُ نِكاحًا صَحِيحًا وأبْطَلَ الشَّرْطَ فِيهِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ لا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ، كَما لَوْ قالَ: " أتَزَوَّجُكَ عَلى أنْ أُطَلِّقَكَ بَعْدَ عَشْرَةِ أيّامٍ " كانَ النِّكاحُ جائِزًا والشَّرْطُ باطِلًا؛ وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم وبَيْنَ زُفَرَ في أنَّ (p-١٠٤)هَذا نِكاحٌ أوْ مُتْعَةٌ ؟ فَقالَ الجُمْهُورُ: هَذا مُتْعَةٌ ولَيْسَ بِنِكاحٍ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ النِّكاحَ إلى أجَلٍ هو مُتْعَةٌ وإنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالمُتْعَةِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ «أنَّ أباهُ أخْبَرَهُ: أنَّهم خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ حَتّى نَزَلُوا عُسْفانَ؛ وذَكَرَ قِصَّةَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم بِالإحْلالِ بِالطَّوافِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ هَدْيٌ؛ قالَ: فَلَمّا أحْلَلْنا قالَ: اسْتَمْتِعُوا مِن هَذِهِ النِّساءِ والِاسْتِمْتاعُ التَّزْوِيجُ عِنْدَنا، فَعَرَضْنا ذَلِكَ عَلى النِّساءِ فَأبَيْنَ إلّا أنْ نَضْرِبَ بَيْنَنا وبَيْنَهُنَّ أجَلًا، فَذَكَرْنا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: افْعَلُوا». فَخَرَجْتُ أنا وابْنُ عَمِّي وأنا أشَبُّ مِنهُ ومَعِي بُرْدٌ ومَعَهُ بُرْدٌ، فَأتَيْنا امْرَأةً فَأعْجَبَها بُرْدُهُ وأعْجَبَها شَبابِي، فَقالَتْ: بُرْدٌ كَبُرْدٍ وهَذا أشَبُّ؛ وكانَ بَيْنِي وبَيْنَها عَشْرٌ فَبِتُّ عِنْدَها لَيْلَةً ثُمَّ أصْبَحْتُ فَخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أذِنْتُ لَكم في الِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ، ألا وإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن بَقِيَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَها ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» . فَأخْبَرَ سَبْرَةُ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ الِاسْتِمْتاعَ كانَ التَّزْوِيجَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ رَخَّصَ لَهم في تَوْقِيتِ المُدَّةِ فِيهِ ثُمَّ نَهى عَنْهُ بَعْدَ الإباحَةِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ النِّكاحَ إلى أجَلٍ هو مُتْعَةٌ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَسْتَخْصِي ؟ فَنَهانا عَنْ ذَلِكَ ورَخَّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ بِالثَّوْبِ إلى أجَلٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]» فَأخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ نِكاحًا إلى أجَلٍ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ جابِرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدُهُ في بابِ المُتْعَةِ، أنَّهُ قالَ: " إنَّ اللَّهَ كانَ يُحِلُّ لَرَسُولِهِ ما شاءَ فَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ كَما أمَرَ اللَّهُ واتَّقُوا نِكاحَ هَذِهِ النِّساءِ؛ لا أُوتى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً إلى أجَلٍ إلّا رَجَمْتُهُ " . فَأخْبَرَ عُمَرُ أنَّ النِّكاحَ إلى أجَلٍ هو مُتْعَةٌ؛ وإذا ثَبَتَ لَهُ هَذا الِاسْمُ وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُتْعَةِ انْتَظَمَ ذَلِكَ تَحْرِيمَ النِّكاحِ إلى أجَلٍ لَدُخُولِهِ تَحْتَ الِاسْمِ. وأيْضًا لَمّا كانَتِ المُتْعَةُ اسْمًا لِلنَّفْعِ القَلِيلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ [غافر: ٣٩] يَعْنِي نَفْعًا قَلِيلًا، وسَمّى الواجِبَ بَعْدَ الطَّلاقِ مُتْعَةً بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] وقالَ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] لِأنَّهُ أقَلُّ مِنَ المَهْرِ، عَلِمْنا أنَّ ما أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ المُتْعَةِ أوِ المَتاعِ فَقَدْ أُرِيدَ (p-١٠٥)بِهِ التَّقْلِيلُ وأنَّهُ نَزْرٌ يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْدُ ويُوجِبُهُ، فَسُمِّيَ ما يُعْطى بَعْدَ الطَّلاقِ مِمّا لا يُوجَبُ بِنَفْسِ العَقْدِ مَتاعًا ومُتْعَةً لَقِلَّتِهِ بِالإضافَةِ إلى المَهْرِ المُسْتَحَقِّ بِالعَقْدِ. وسُمِّيَ النِّكاحُ المُوَقَّتُ مُتْعَةً لِقِصَرِ مُدَّتِهِ وقِلَّةِ الِانْتِفاعِ بِهِ بِالإضافَةِ إلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْدُ مِن بَقائِهِ مُؤَبَّدًا إلى أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما المَوْتُ أوْ سَبَبٌ حادِثٌ يُوجِبُ التَّفْرِيقَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ عَلى ذَلِكَ في إطْلاقِ اسْمِ المُتْعَةِ أنْ يَكُونَ بِلَفْظِ المُتْعَةِ أوْ بِلَفْظِ النِّكاحِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا لِأنَّ اسْمَ المُتْعَةِ يَتَناوَلُهُما مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا. وأيْضًا لا يَخْلُو العاقِدُ عَقْدَ النِّكاحِ عَلى عَشْرَةِ أيّامٍ مِن أنْ يَجْعَلَهُ مُوَقَّتًا عَلى ما شَرَطَ أوْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ ويَجْعَلَهُ مُؤَبَّدًا؛ فَإنْ جَعَلَهُ مُوَقَّتًا كانَ مُتْعَةً بِلا خِلافٍ، وإنْ جَعَلَهُ مُؤَبَّدًا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنَّ ما بَعْدَ الوَقْتِ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَبِيحَ بُضْعَها بِلا عَقْدٍ ألا تَرى أنَّ مَنِ اشْتَرى صُبْرَةً مِن طَعامٍ عَلى أنَّها عَشْرَةُ أقْفِزَةٍ أوْ قالَ: " قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنكَ عَشْرَةَ أقْفِزَةٍ مِن هَذِهِ الصُّبْرَةِ " أنَّ العَقْدَ واقِعٌ عَلى عَشْرَةِ أقْفِزَةٍ دُونَ ما عَداها ؟ فَكَذَلِكَ إذا عَقَدَ النِّكاحَ عَلى عَشْرَةِ أيّامٍ فَما بَعْدَ العَشَرَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ نِكاحٍ، فَغَيْرُ جائِزٍ اسْتِباحَةُ بُضْعِها فِيهِ بِالعَقْدِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَهُ مُوَقَّتًا فَيَكُونُ صَرِيحَ المُتْعَةِ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ إفْسادُ العَقْدِ. ولَيْسَ هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " قَدْ تَزَوَّجْتُكِ عَلى أنْ أُطَلِّقَكَ بَعْدَ عَشْرَةِ أيّامٍ " فَيَجُوزُ النِّكاحُ ويَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لِأنَّهُ عَقَدَ النِّكاحَ مُؤَبَّدًا وشَرَطَ فِيهِ قَطْعَهُ بِالطَّلاقِ ألا تَرى أنَّهُ إذا لَمْ يُطَلِّقْ كانَ النِّكاحُ باقِيًا ؟ فَعَلِمْتَ أنَّ النِّكاحَ قَدْ وقَعَ عَلى وجْهِ التَّأْبِيدِ، وإنَّما شَرَطَ قَطْعَهُ بِالطَّلاقِ، وذَلِكَ شَرْطٌ فاسِدٌ، والنِّكاحُ لا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ، فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ويَجُوزُ العَقْدُ. ولَيْسَ كَذَلِكَ إذا تَزَوَّجَها عَشْرَةَ أيّامٍ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ العَشَرَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ ألا تَرى أنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ دارًا عَشْرَةَ أيّامٍ كانَ العَقْدُ واقِعًا عَلى عَشْرَةِ أيّامٍ وما بَعْدَها لَيْسَ عَلَيْها عَقْدٌ، ولَوْ سَكَنَها بَعْدَ العَشَرَةِ كانَ غاصِبًا ساكِنًا لَها عَلى غَيْرِ وجْهِ العَقْدِ ولا أجْرَ عَلَيْهِ، ولَوْ قالَ: " آجَرْتُكَ هَذِهِ الدّارَ عَلى أنْ أفْسَخَ العَقْدَ بَعْدَ عَشْرَةِ أيّامٍ " " كانَتْ إجارَةً فاسِدَةً مُؤَبَّدَةً ما سَكَنَ مِنها مِنَ المُدَّةِ في العَشَرَةِ وبَعْدَها يَلْزَمُهُ أجْرُ المِثْلِ ؟ فَكَذَلِكَ النِّكاحُ إذا عُقِدَ عَلى عَشْرَةٍ فَلَيْسَ عَلى ما بَعْدَ العَشَرَةِ عَقْدٌ. فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ قالَ: " قَدْ تَزَوَّجْتُكِ عَلى أنَّكِ طالِقٌ بَعْدَ عَشْرَةِ أيّامٍ " . كانَ النِّكاحُ مُوَقَّتًا؛ لِأنَّهُ يَبْطُلُ بَعْدَ مُضِيِّ العَشَرَةِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا نِكاحًا مُوَقَّتًا بَلْ هو مُؤَبَّدٌ، وإنَّما قَطَعَهُ بِالطَّلاقِ؛ ولا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِ الطَّلاقِ مَعَ العَقْدِ وإيقاعِهِ بَعْدَ المُدَّةِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ قَدْ وقَعَ بَدِيًّا مُؤَبَّدًا، وإنَّما أوْقَعَ طَلاقًا لَوَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَلا يُوجِبُ ذَلِكَ تَوْقِيتَ العَقْدِ. قَوْلُهُ (p-١٠٦)تَعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ مَعْناهُ المُهُورُ، فَسَمّى المَهْرَ أجْرًا لِأنَّهُ بَدَلُ مَنافِعِ البُضْعِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ المَهْرُ أنَّهُ ذَكَرَهُ لِمَن كانَ مُحْصَنًا بِالنِّكاحِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] فَذَكَرَ الإحْصانَ عَقِيبَ ذِكْرِ النِّكاحِ وسَمّى المَهْرَ أجْرًا. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً﴾ تَأْكِيدٌ لَوُجُوبِهِ وإسْقاطٌ لِلظَّنِّ وتَوَهُّمِ التَّأْوِيلِ فِيهِ؛ إذْ كانَ الفَرْضُ ما هو في أعْلى مَراتِبِ الإيجابِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النساء 4:25

بابُ نِكاحِ الإماءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: الَّذِي اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ إباحَةُ نِكاحِ الإماءِ المُؤْمِناتِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ إلى الحَرائِرِ المُؤْمِناتِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ هَهُنا الحَرائِرُ ولَيْسَ فِيها حَظْرٌ لَغَيْرِهِنَّ لِأنَّ تَخْصِيصُ هَذِهِ الحالِ بِذِكْرِ الإباحَةِ فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى حَظْرِ ما عَداها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إباحَةِ القَتْلِ عِنْدَ زَوالِ هَذِهِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] لا يَدُلُّ عَلى إباحَتِهِ إذا لَمْ يَكُنْ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] لَيْسَ بِدَلالَةٍ عَلى أنَّ أحَدَنا يَجُوزُ أنْ يَقُومَ لَهُ بُرْهانٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِأنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ. فَإذًا لَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾ الآيَةَ، إلّا إباحَةُ نِكاحِ الإماءِ لِمَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حُكْمِ مَن وجَدَ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ لا بِحَظْرٍ ولا إباحَةٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى الطَّوْلِ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّهم قالُوا: " هو الغِنى " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وإبْراهِيمَ قالُوا: " إذا هَوِيَ الأمَةَ فَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها وإنْ كانَ مُوسِرًا إذا خافَ أنْ يَزْنِيَ بِها " . فَكانَ مَعْنى الطَّوْلِ عِنْدَ هَؤُلاءِ في هَذا المَوْضِعِ أنْ لا يَنْصَرِفَ قَلْبُهُ عَنْها بِنِكاحِ الحُرَّةِ لِمَيْلِهِ إلَيْها ومَحَبَّتِهِ لَها، فَأباحُوا لَهُ في هَذِهِ الحالِ نِكاحَها. والطَّوْلُ يَحْتَمِلُ الغِنى والقُدْرَةَ ويَحْتَمِلُ الفَضْلَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] قِيلَ فِيهِ: ذُو الفَضْلِ، وقِيلَ: ذُو القُدْرَةِ؛ والفَضْلُ والغِنى يَتَقارَبانِ في المَعْنى فاحْتَمَلَ الطَّوْلُ المَذْكُورُ في الآيَةِ الغِنى والقُدْرَةَ، واحْتَمَلَ الفَضْلَ والسَّعَةَ. فَإذا كانَ مَعْناهُ الغِنى احْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الغِنى لَهُ بِكَوْنِ الحُرَّةِ تَحْتَهُ، والثّانِي: غِنى المالِ وقُدْرَتُهُ عَلى تَزَوُّجِ حُرَّةٍ. وإذا كانَ مَعْناهُ الفَضْلَ احْتَمَلَ إرادَةَ الغِنى؛ لِأنَّ الفَضْلَ يُوجِبُ ذَلِكَ، والثّانِي: اتِّساعُ قَلْبِهِ لِتَزَوُّجِ الحُرَّةِ والِانْصِرافِ عَنِ الأمَةِ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَتَّسِعْ قَلْبُهُ لِذَلِكَ وخَشِيَ الإقْدامَ مِن نَفْسِهِ عَلى مَحْظُورٍ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها وإنْ كانَ مُوسِرًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وإبْراهِيمَ هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَحْتَمِلُها الآيَةُ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيِّ ومَكْحُولٍ: " لا يَتَزَوَّجِ الأمَةَ إلّا أنْ لا يَجِدَ (p-١١٠)طَوْلًا إلى الحُرَّةِ " . ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ والشَّعْبِيِّ قالا: " نِكاحُ الأمَةِ بِمَنزِلَةِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ لا يَحِلُّ إلّا لِمُضْطَرٍّ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي جَعْفَرٍ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ رِوايَةً وإبْراهِيمَ والحَسَنِ رِوايَةً والزُّهْرِيِّ قالُوا: " يَنْكِحُ الأمَةَ وإنْ كانَ مُوسِرًا " . وعَنْ عَطاءٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: " أنَّهُ إنْ خَشِيَ أنْ يَزْنِيَ بِها تَزَوَّجَها " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: " أنَّهُ يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " لا يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ إلّا المَمْلُوكُ " . وقالَ عُمَرُ وعَلِيٌّ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ومَكْحُولٌ في آخَرِينَ: " لا يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ " . وقالَ إبْراهِيمُ: " يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ إذا كانَ لَهُ مِنها ولَدٌ " وقالَ: " إذا تَزَوَّجَ أمَةً وحُرَّةً في عَقْدٍ واحِدٍ بَطَلَ نِكاحُهُما جَمِيعًا " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ: " إذا تَزَوَّجَ حُرَّةً فَهو طَلاقُ الأمَةِ " . وقالَ إبْراهِيمُ رِوايَةً: " يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمَةِ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ مِنها ولَدٌ " . وقالَ الشَّعْبِيُّ: " إذا وجَدَ الطَّوْلَ إلى الحُرَّةِ بَطَلَ نِكاحُ الأمَةِ " . ورَوى مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: " لا تُنْكَحُ الأمَةُ عَلى الحُرَّةِ إلّا أنْ تَشاءَ الحُرَّةُ ويَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ يَوْمَيْنِ ولَلْأمَةِ يَوْمًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ لا يَرى تَزْوِيجَ الأمَةِ عَلى الحُرَّةِ جائِزًا إنْ لَمْ تَرْضَ الحُرَّةُ واخْتَلَفُوا فِيمَن يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ الإماءِ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " لا يَتَزَوَّجْ مِنَ الإماءِ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ " . وقالَ إبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ: " يَجْمَعُ أرْبَعَ إماءٍ إنْ شاءَ " . فاخْتَلَفَ السَّلَفُ في نِكاحِ الأمَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: " لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً إذا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وإنْ وجَدَ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ، ولا يَتَزَوَّجُها إذا كانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةُ " . وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: " إذا خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ في المَمْلُوكَةِ فَلا بَأْسَ بِأنْ يَتَزَوَّجَها وإنْ كانَ مُوسِرًا " . وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " الطَّوْلُ المالُ؛ فَإذا وجَدَ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ لا يَتَزَوَّجُ أمَةً، وإنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لَمْ يَتَزَوَّجْها أيْضًا حَتّى يَخْشى العَنَتَ عَلى نَفْسِهِ " . واتَّفَقَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً وتَحْتَهُ حُرَّةٌ، ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ إذْنِ الحُرَّةِ في ذَلِكَ وغَيْرِ إذْنِها. وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: " لا بَأْسَ بِأنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ والحُرَّةُ بِالخِيارِ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ في الأمَةِ تُنْكَحُ عَلى الحُرَّةِ: " أرى أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما " ثُمَّ رَجَعَ وقالَ " تُخَيَّرُ الحُرَّةُ إنْ شاءَتْ أقامَتْ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْ " . قالَ: وسُئِلَ مالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ أمَةً وهو مِمَّنْ يَجِدُ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ، قالَ: " أرى أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما " " فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَخافُ العَنَتَ، قالَ: (p-١١١)" السَّوْطُ يُضْرَبُ بِهِ " ثُمَّ خَفَّفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ: وقالَ مالِكٌ: " إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ أمَةً عَلى حُرَّةٍ فَلا خِيارَ لِلْحُرَّةِ لِأنَّ الأمَةَ مِن نِسائِهِ " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " لا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ " . والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ وإنْ قَدَرَ عَلى تَزَوُّجِ الحُرَّةِ إذا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ، قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ الدَّلالَةَ مِن وجْهَيْنِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ الأمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى نِكاحِ الحُرَّةِ: أحَدُهُما: إباحَةُ النِّكاحِ عَلى الإطْلاقِ في جَمِيعِ النِّساءِ مِنَ العَدَدِ المَذْكُورِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِحُرَّةٍ مِن أمَةٍ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ الخِطابِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] غَيْرُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في إفادَةِ الحُكْمِ وأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى ضَمِيرٍ وضَمِيرُهُ هو ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا في الخِطابِ وهو عَقْدُ النِّكاحِ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ: فاعْقِدُوا نِكاحًا عَلى ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ أوْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم؛ وغَيْرُ جائِزٍ إضْمارُ الوَطْءِ فِيهِ؛ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فَثَبَتَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَزْوِيجِ الأمَةِ أوِ الحُرَّةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] إباحَةٌ مَعْقُودَةٌ بِشَرْطٍ، وهي أنْ تَكُونَ مِمّا طابَ لَنا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِمّا طابَ حَتّى يَجُوزَ العَقْدُ؛ وهو إذا كانَ كَذَلِكَ كانَ بِمَنزِلَةِ المُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى البَيانِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ما اسْتَطَبْتُمُوهُ، فَيَكُونُ مُفِيدًا لِلتَّخْيِيرِ، كَقَوْلِ القائِلِ: " اجْلِسْ ما طابَ لَكَ في هَذِهِ الدّارِ وكُلْ ما طابَ لَكَ مِن هَذا الطَّعامِ " فَيُفِيدُ تَخْيِيرَهُ في فِعْلِ ما شاءَ مِنهُ. والوَجْهُ الآخَرُ: ما حَلَّ لَكم. فَإنْ كانَ المُرادُ الوَجْهَ الأوَّلَ فَقَدِ اقْتَضى تَخْيِيرَهُ في نِكاحِ مَن شاءَ وذَلِكَ عُمُومٌ في الحَرائِرِ والإماءِ، وإنْ كانَ مَعْناهُ ما حَلَّ لَكم، فَإنَّهُ قَدْ عَقِبَهُ بَيانُ ما طابَ لَكم مِنها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَقَدْ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حَيِّزِ الإجْمالِ إلى حَيِّزِ العُمُومِ، واسْتِعْمالُ العُمُومِ واجِبٌ كَيْفَ تَصَرَّفَتِ الحالُ. وعَلى أنَّها لَوْ كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْعُمُومِ والإجْمالِ جَمِيعًا لَكانَ حَمْلُها عَلى مَعْنى العُمُومِ أوْلى لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِ، ومَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُ حُكْمِ اللَّفْظِ عَلى وجْهٍ فَعَلَيْنا اسْتِعْمالُهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وذَلِكَ عُمُومٌ في الحَرائِرِ والإماءِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (p-١١٢)والإحْصانُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الإسْلامِ وعَلى العَقْدِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: " فَإذا أسْلَمْنَ " وقالَ بَعْضُهم: " فَإذا تَزَوَّجْنَ " . ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّزْوِيجَ في هَذا المَوْضِعِ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرادَ العَفافَ، وذَلِكَ عُمُومٌ في الحَرائِرِ والإماءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] هو عُمُومٌ أيْضًا في تَزَوُّجِ الإماءِ الكِتابِيّاتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وذَلِكَ عُمُومٌ يُوجِبُ جَوازَ نِكاحِ الإماءِ كَما اقْتَضى جَوازَ نِكاحِ الحَرائِرِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ومُحالٌ أنْ يُخاطَبَ بِذَلِكَ إلّا مَن قَدَرَ عَلى نِكاحِ المُشْرِكَةِ الحُرَّةِ، ومَن وجَدَ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ فَهو يَجِدُ طَوْلًا إلى الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ، فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ نِكاحِ الأمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ كَما اقْتَضاهُ مَعَ وُجُودِهِ إلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ أنَّ القُدْرَةَ عَلى نِكاحِ امْرَأةٍ لا تُحَرِّمُ نِكاحَ أُخْرى، كالقُدْرَةِ عَلى تَزْوِيجِ البِنْتِ لا يُحَرِّمُ تَزْوِيجَ الأُمِّ، والقُدْرَةِ عَلى نِكاحِ المَرْأةِ لا يُحَرِّمُ نِكاحَ أُخْتِها؛ فَوَجَبَ عَلى هَذا أنْ لا تَمْنَعَ قُدْرَتُهُ عَلى نِكاحِ الحُرَّةِ مِن تَزْوِيجِ الأمَةِ بَلِ الأمَةُ أيْسَرُ أمْرًا في ذَلِكَ مِنَ الأُخْتَيْنِ والأُمِّ والبِنْتِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوازُ اجْتِماعِ الحُرَّةِ والأمَةِ تَحْتَهُ عِنْدَ جَمِيعِ فُقَهاءِ الأمْصارِ وامْتِناعُ اجْتِماعِ الأُمِّ والبِنْتِ والأُخْتَيْنِ تَحْتَهُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ إمْكانُ تَزْوِيجِ البِنْتِ الَّذِي هو أغْلَظُ حُكْمًا مانِعًا مِنَ الأُمِّ الحُرَّةِ والأمَةِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ لِإمْكانِ تَزَوُّجِ الحُرَّةِ تَأْثِيرٌ في مَنعِ نِكاحِ الأمَةِ. واحْتَجَّ مَن خالَفَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأنَّهُ أباحَ نِكاحَ الأمَةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ وخَشْيَةَ العَنَتِ، فَلا تَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ إلّا بِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا؛ وهَذِهِ الآيَةُ قاضِيَةٌ عَلى ما تَلَوْتُ مِنَ الآيِ لِما فِيها مِن بَيانِ حُكْمِ الأمَةِ في التَّزْوِيجِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ حَظْرُ نِكاحِ الأمَةِ في حالِ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ. وإنَّما فِيها إباحَتُهُ في حالِ عَدَمِ الطَّوْلِ إلَيْها، وسائِرُ الآيِ الَّتِي تَلَوْنا يَقْتَضِي إباحَةَ نِكاحِها في سائِرِ الأحْوالِ، فَلَيْسَ في أحَدِهِما ما يُوجِبُ تَخْصِيصَ الأُخْرى لِوُرُودِهِما جَمِيعًا في حُكْمِ الإباحَةِ، ولَيْسَ في واحِدَةٍ مِنهُما حَظْرٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ مُخَصِّصَةٌ لَها؛ والجَمِيعُ وارِدٌ في حُكْمٍ واحِدٍ. فَإنْ قِيلَ: (p-١١٣)هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] فَكانَ مُقْتَضى جَمِيعِ ذَلِكَ امْتِناعُ جَوازِهِ مَعَ وُجُودِ ما قَبْلَهُ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ جَعَلَ الفَرْضَ بَدِيًّا عِتْقَ رَقَبَةٍ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الفَرْضُ هو العِتْقَ لا غَيْرُ، فَلَمّا نَقَلَهُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ إلى الصِّيامِ اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُجْزِيَ غَيْرُهُ إذا عَدِمَ الرَّقَبَةَ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] كانَ حُكْمُ الكَفّارَةِ مَقْصُورًا عَلى المَذْكُورِ في الآيَةِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ولَيْسَ مَعَكَ آيَةٌ تَحْظُرُ نِكاحَ الإماءِ حَتّى إذا ذَكَرْتَ إباحَتَهُنَّ بِشَرْطٍ وحالٍ كانَ عَدَمُ الشَّرْطِ والحالُ مُوجِبًا لَحَظْرِهِنَّ، بَلْ سائِرُ الآيِ الوارِدَةُ في إباحَةِ النِّكاحِ لَيْسَ فِيها فَرْقٌ بَيْنَ الحَرائِرِ والإماءِ، فَلَيْسَ إذًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ دَلالَةٌ عَلى حَظْرِهِنَّ عِنْدَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحَرائِرِ. وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ هَذِهِ الآيَةَ وذَكَرَ اخْتِلافَ السَّلَفِ فِيها، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أصْحابِنا في تَجْوِيزِهِمْ نِكاحَ الأمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَزْوِيجِ الحُرَّةِ، فَقالَ: وهَذا قَوْلٌ تَجاوَزَ فَسادُهُ ولا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ مَحْظُورٌ في الكِتابِ إلّا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: " لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ " خِلافُ الإجْماعِ وذَلِكَ لِأنَّ الصَّحابَةَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وقَدْ حَكَيْنا أقاوِيلَهم، ولَوْلا خَشْيَةُ الإطالَةِ لَذَكَرْنا أسانِيدَها؛ ولَوْ كانَ لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَما قالَ بِهِ مَن قالَ مِنَ السَّلَفِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ تَأْوِيلُ آيَةٍ عَلى مَعْنًى لا تَحْتَمِلُهُ، وقَدْ ظَهَرَ هَذا الِاخْتِلافُ في السَّلَفِ فَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ القَوْلَ فِيها عَلى الوُجُوهِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، ولَوْ كانَ هَذا القَوْلُ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ ولا يَسُوغُ التَّأْوِيلُ فِيهِ لَأنْكَرَهُ مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنهم عَلى قائِلِيهِ، فَإذا كانَ هَذا القَوْلُ مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ ظَهَرَ مِن أحَدٍ مِنهم عَلى قائِلِيهِ فَقَدْ حَصَلَ بِإجْماعِهِمْ تَسْوِيغُ الِاجْتِهادِ فِيهِ واحْتِمالُ الآيَةِ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي تَأوَّلْتَهُ؛ فَقَدْ بانَ بِما وصَفْنا أنَّ إنْكارَهُ لِاحْتِمالِ التَّأْوِيلِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّهُ مَحْظُورٌ في الكِتابِ إلّا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ " فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مَحْظُورٌ فِيهِ نَصًّا أوْ دَلِيلًا، فَإنِ ادَّعى نَصًّا طُولِبَ بِتِلاوَتِهِ وإظْهارِهِ ولا سَبِيلَ لَهُ إلى ذَلِكَ، وإنِ ادَّعى عَلى ذَلِكَ دَلِيلًا طُولِبَ بِإيجادِهِ وذَلِكَ مَعْدُومٌ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِن قَوْلِهِ إلّا عَلى هَذِهِ الدَّعْوى لَنَفْسِهِ والتَّعَجُّبُ مِن قَوْلِ خَصْمِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَزْعُمَ أنَّ تَخْصِيصَهُ الإباحَةَ بِهَذِهِ الحالِ والشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلى حَظْرِ ما عَداهُ، فَإنْ كانَ إلى هَذا ذَهَبَ فَإنَّ هَذا دَلِيلٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، وما نَعْلَمُ أحَدًا اسْتَدَلَّ بِمِثْلِهِ قَبْلَ الشّافِعِيِّ ولَوْ كانَ هَذا دَلِيلًا لَكانَتِ (p-١١٤)الصَّحابَةُ أوْلى بِالسَّبْقِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ونَظائِرِها مِنَ المَسائِلِ مَعَ كَثْرَةِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن أحْكامِ الحَوادِثِ الَّتِي لَمْ يَخْلُ كَثِيرٌ مِنها مِن إمْكانِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِهَذا الضَّرْبِ كَما اسْتَدَلُّوا عَلَيْها بِالقِياسِ والِاجْتِهادِ وسائِرِ ضُرُوبِ الدَّلالاتِ، وفي تَرْكِهِمُ الِاسْتِدْلالَ بِمِثْلِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم دَلِيلًا عَلى شَيْءٍ؛ فَإذًا لَمْ يَحْصُلْ إسْماعِيلُ مِن قَوْلِهِ: " هو مَحْظُورٌ في الكِتابِ " عَلى حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ. وقَدْ حَكى داوُدُ الأصْبَهانِيُّ أنَّ إسْماعِيلَ سُئِلَ عَنِ النَّصِّ ما هو ؟ فَقالَ: النَّصُّ ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: فَكُلُّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الكِتابِ فَلَيْسَ بِنَصٍّ ؟ فَقالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ نَصٌّ، فَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ اخْتَلَفَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ والقُرْآنُ كُلُّهُ نَصٌّ ؟ فَقالَ داوُدُ: ظَلَمَهُ السّائِلُ، لَيْسَ مِثْلُهُ يُسْألُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، هو أقَلُّ مِن أنْ يَبْلُغَ عِلْمُهُ هَذا المَوْضِعَ. فَإنْ كانَتْ حِكايَةُ داوُدَ عَنْهُ صَحِيحَةً فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِإنْكارِهِ عَلى القائِلِينَ بِإباحَةِ نِكاحِ الأمَةِ مَعَ إمْكانِ تَزَوُّجِ الحُرَّةِ؛ لِأنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ مَرَّةً: " ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَهو نَصٌّ " وقالَ مَرَّةً: " القُرْآنُ كُلُّهُ نَصٌّ " ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يُخالِفُ قَوْلَنا ولا اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ أيْضًا عَلى خِلافِهِ. وفي حِكايَةِ داوُدَ هَذا عَنْ إسْماعِيلَ عُهْدَةٌ وهو غَيْرُ أمِينٍ ولا ثِقَةٍ فِيما يَحْكِيهِ وغَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلى إسْماعِيلَ خاصَّةً لِأنَّهُ كانَ نَفاهُ مِن بَغْدادَ وقَذَفَهُ بِالعَظائِمِ، وما أظُنُّ تَعَجُّبَ إسْماعِيلَ مِن قَوْلِنا إلّا مِن جِهَةِ أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ في مِثْلِهِ أنَّهُ دَلالَةٌ عَلى حَظْرِ ما عَدا المَذْكُورَ؛ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ واسْتَقْصَيْنا القَوْلَ فِيهِ في أُصُولِ الفِقْهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أنَّ خَوْفَ العَنَتِ وعَدَمَ الطَّوْلِ لَيْسا بِضَرُورَةٍ؛ لِأنَّ الضَّرُورَةَ ما يُخافُ فِيها تَلَفُ النَّفْسِ، ولَيْسَ في فَقْدِ الجِماعِ تَلَفُ النَّفْسِ، وقَدْ أُبِيحَ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، فَإذا جازَ نِكاحُ الأمَةِ في غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ الطَّوْلِ وعَدَمِهِ؛ إذْ عَدَمُ الطَّوْلِ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ في التَّزَوُّجِ؛ إذْ لا تَقَعُ لِأحَدٍ ضَرُورَةٌ إلى التَّزَوُّجِ إلّا أنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ بِما يُوجِبُ تَلَفَ النَّفْسِ أوْ بَعْضِ الأعْضاءِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ غَيْرُ مَعْقُودَةٍ بِضَرُورَةٍ قَوْلُهُ في نَسَقِ الخِطابِ: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وما اضْطُرَّ إلَيْهِ الإنْسانُ مِن مَيْتَةٍ أوْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ أوْ نَحْوِهِ لا يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ خَيْرًا لَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَبَرَ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ كانَ عاصِيًا وأيْضًا فَلَيْسَ النِّكاحُ بِفَرْضٍ حَتّى تُعْتَبَرَ فِيهِ الضَّرُورَةُ، وأصْلُهُ تَأْدِيبٌ ونَدْبٌ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ وقَدْ جازَ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ وجَبَ أنْ يَجُوزَ في حالِ وُجُودِ الطَّوْلِ كَما جازَ في حالِ عَدَمِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ في نَسَقِ التِّلاوَةِ قِيلَ فِيهِ: إنَّ كُلَّكم مِن آدَمَ، وقِيلَ فِيهِ: كُلُّكم مُؤْمِنُونَ. يَدُلُّ عَلى (p-١١٥)أنَّهُ أرادَ المُساواةَ بَيْنَهم في النِّكاحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ إلّا فِيما تَقُومُ فِيهِ دَلالَةُ التَّفْضِيلِ. وأمّا مَن قالَ: " إنَّ نِكاحَ الحُرَّةِ طَلاقٌ لِلْأمَةِ " فَقَوْلُهُ واهٍ ضَعِيفٌ لا مَساغَ لَهُ في النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما ذَكَرَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الطَّوْلُ إلى الحُرَّةِ فاسِخًا لِنِكاحِ الأمَةِ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ كالمُتَيَمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ يُنْتَقَضُ تَيَمُّمُهُ تَوَضَّأ أوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ تَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾ عَلى عَدَمِ الحُرَّةِ في مِلْكِهِ وأنَّ وُجُودَ الطَّوْلِ هو كَوْنُ الحُرَّةِ تَحْتَهُ. وهَذا تَأْوِيلٌ سائِغٌ؛ لِأنَّ مَن لَيْسَ عِنْدَهُ حُرَّةٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لَلطَّوْلِ إلَيْها؛ إذْ لا يَصِلُ إلَيْها ولا يَقْدِرُ عَلى وطْئِها، فَكانَ وُجُودُ الطَّوْلِ عِنْدَهُ هو مِلْكُ وطْءِ الحُرَّةِ. وهو أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ مِن تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى القُدْرَةِ عَلى تَزَوُّجِها؛ لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى المالِ لا تُوجِبُ لَهُ مِلْكَ الوَطْءِ إلّا بَعْدَ النِّكاحِ، فَوُجُودُ الطَّوْلِ بِحالِ مِلْكِ الوَطْءِ أخَصُّ مِنهُ بِوُجُودِ المالِ الَّذِي بِهِ يَتَوَصَّلُ إلى النِّكاحِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنّا وجَدْنا لِمِلْكِ وطْءِ الزَّوْجَةِ تَأْثِيرًا في مَنعِ نِكاحِ أُخْرى، ولَمْ نَجِدْ هَذِهِ المَزِيَّةَ لِوُجُودِ المالِ، فَإذًا لا حَظَّ لِوُجُودِ المالِ في مَنعِ نِكاحِ الأمَةِ؛ فَتَأْوِيلُ أبِي يُوسُفَ الآيَةَ عَلى مِلْكِ وطْءِ الحُرَّةِ أصَحُّ مِن تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَها عَلى مِلْكِ المالِ. فَإنْ قِيلَ: وُجُودُ ثَمَنِ رَقَبَةِ الظِّهارِ كَوُجُودِ الرَّقَبَةِ في مِلْكِهِ، فَهَلّا كانَ وُجُودُ مَهْرِ الحُرَّةِ كَوُجُودِ نِكاحِها قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ مُنْتَقَضٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّكَ لَمْ تَعْقِدْهُ بِمَعْنًى يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَهُما وبِدَلالَةٍ يَدُلُّ بِها عَلى صِحَّةِ المَعْنى، وما خَلا مِن ذَلِكَ مِن دَعْوى الخَصْمِ فَهو ساقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ مَهْرِ امْرَأةٍ في مِلْكِهِ كَوُجُودِ نِكاحِها في مَنعِ تَزْوِيجِ أُمِّها أوْ أُخْتِها، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بانَ بِهِ فَسادُ ما ذَكَرْتَ؛ وعَلى أنَّ الرَّقَبَةَ لَيْسَتْ عُرُوضًا لِلنِّكاحِ لِأنَّ الرَّقَبَةَ فُرِضَ عَلَيْهِ عِتْقُها، وغَيْرُ جائِزٍ لَهُ الِانْصِرافُ عَنْها مَعَ وُجُودِها، وجائِزٌ لِلرَّجُلِ أنْ لا يَتَزَوَّجَ مَعَ الإمْكانِ؛ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ وُجُودُ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ في مِلْكِهِ كَوُجُودِها؛ إذْ كانَتْ فَرْضًا هو مَأْمُورٌ بِعِتْقِها عَلى حَسَبِ الإمْكانِ، ولَيْسَ النِّكاحُ بِفَرْضٍ فَيَلْزَمُهُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ لِوُجُودِ المَهْرِ، فَلَيْسَ إذًا لِوُجُودِ المَهْرِ في مِلْكِهِ تَأْثِيرٌ في مَنعِ نِكاحِ الأمَةِ وكانَ واجِدُهُ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَجِدْ. وإنَّما قالَ أصْحابُنا إنَّهُ لا يَتَزَوَّجُ الأمَةَ عَلى الحُرَّةِ لِما رَوى الحَسَنُ ومُجاهِدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تُنْكَحُ الأمَةُ عَلى الحُرَّةِ»، ولَوْلا ما ورَدَ مِنَ الأثَرِ لَمْ يَكُنْ تَزْوِيجُ الأمَةِ عَلى الحُرَّةِ مَحْظُورًا؛ إذْ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يُوجِبُ حَظْرَهُ والقِياسُ يُوجِبُ إباحَتَهُ، ولَكِنَّهُمُ اتَّبَعُوا (p-١١٦)الأثَرَ في ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * بابُ نِكاحِ الأمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ بُطْلانَ نِكاحِ الأمَةِ إلّا أنْ يَأْذَنَ سَيِّدُها وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الإذْنِ شَرْطًا في جَوازِ النِّكاحِ وإنْ لَمْ يَكُنِ النِّكاحُ واجِبًا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ:«مَن أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ»؛ أنَّ السَّلَمَ لَيْسَ بِواجِبٍ، ولَكِنَّهُ إذا اخْتارَ أنْ يُسْلِمَ فَعَلَيْهِ اسْتِيفاءُ هَذِهِ الشَّرائِطِ، كَذَلِكَ النِّكاحُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَتْمًا فَعَلَيْهِ إذا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ الأمَةَ أنْ لا يَتَزَوَّجَها إلّا بِإذْنِ سَيِّدِها. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذا المَعْنى في نِكاحِ العَبْدِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ قالَ: أخْبَرَنا مُعَلّى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ قالَ: حَدَّثَنا القاسِمُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ» . حَدَّثَنا عَبْدُ (p-١٢٠)الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الخَطّابِيِّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ» . ورَوى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " نِكاحُ العَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ زِنًا " . ورَوى هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنْ نافِعٍ: " أنَّ مَمْلُوكًا لِابْنِ عُمَرَ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَضَرَبَهُما وفَرَّقَ بَيْنَهُما وأخَذَ كُلَّ شَيْءِ أعْطاها " . وقالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وإبْراهِيمُ والشَّعْبِيُّ: " إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فالأمْرُ إلى المَوْلى إنْ شاءَ أجازَ وإنْ شاءَ رَدَّ " . وقالَ عَطاءٌ: " نِكاحُ العَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَيْسَ بِزِنًا ولَكِنَّهُ أخْطَأ السُّنَّةَ " . ورَوى قَتادَةُ عَنْ خِلاسٍ: " أنَّ غُلامًا لِأبِي مُوسى تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى عُثْمانَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُما وأعْطاها الخُمُسَيْنِ وأخَذَ ثَلاثَةَ أخْماسٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: واتَّفَقَ مَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِما، وإنَّما رُوِيَ الحَدُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَلَدَهُما تَعْزِيرًا لا حَدًّا فَظَنَّ الرّاوِي أنَّهُ حَدٌّ. واتَّفَقَ عَلِيٌّ وعُمَرُ في المُتَزَوِّجَةِ في العِدَّةِ أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْها، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ خالَفَهُما في ذَلِكَ. والعَبْدُ الَّذِي تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ أيْسَرُ أمْرًا مِنَ المُتَزَوِّجَةِ في العِدَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نِكاحٌ تَلْحَقُهُ الإجازَةُ عِنْدَ عامَّةِ التّابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، ونِكاحُ المُعْتَدَّةِ لا تَلْحَقُهُ إجازَةٌ عِنْدَ أحَدٍ؛ وتَحْرِيمُ نِكاحِ المُعْتَدَّةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وتَحْرِيمُ نِكاحِ العَبْدِ مِن جِهَةِ خَبَرِ الواحِدِ والنَّظَرِ. فَإنْ قِيلَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ في «العَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ: هو عاهِرٌ»، وقَدْ قالَ ﷺ: «ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» . قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُرادٍ بِقَوْلِهِ: «ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» لِأنَّهُ لا يُرْجَمُ إذا زَنى، وإنَّما سَمّاهُ عاهِرًا عَلى المَجازِ والتَّشْبِيهِ بِالزِّنى لِإقْدامِهِ عَلى وطْءٍ مَحْظُورٍ؛ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «العَيْنانِ تَزْنِيانِ والرِّجْلانِ تَزْنِيانِ» وذَلِكَ مَجازٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ في العَبْدِ. وأيْضًا فَقَدْ قالَ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ» ولَمْ يَذْكُرِ الوَطْءَ، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَكُونُ عاهِرًا بِالتَّزَوُّجِ؛ فَدَلَّ أنَّ إطْلاقَهُ ذَلِكَ كانَ عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالعاهِرِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ أمَتَها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أهْلِهِنَّ﴾ المُرادُ بِهِ المَوالِي؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاها، وأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِإذْنِ غَيْرِ المَوْلى إذا كانَ المَوْلى بالِغًا عاقِلًا جائِزَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ أمَتَها وإنَّما تُوَكِّلُ غَيْرَها بِالتَّزْوِيجِ " وهو قَوْلٌ يَرُدُّهُ ظاهِرُ الكِتابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَقْدِها التَّزْوِيجَ وبَيْنَ عَقْدِ غَيْرِها بِإذْنِها. ويَدُلُّ عَلى أنَّها إذا أذِنَتْ لِامْرَأةٍ أُخْرى في (p-١٢١)تَزْوِيجِها أنَّهُ جائِزٌ لِأنَّها تَكُونُ مَنكُوحَةً بِإذْنِها، وظاهِرُ الآيَةِ مُقْتَضٍ لِجَوازِ نِكاحِها بِإذْنِ مَوْلاها، فَإذا وكَّلَ مَوْلاها أوْ مَوْلاتُها امْرَأةً بِتَزْوِيجِها وجَبَ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ قَدْ أجازَهُ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ فَإنَّما خَصَّ الآيَةَ بِغَيْرِ دَلالَةٍ. وأيْضًا فَإنْ كانَتْ هي لا تَمْلِكُ عَقْدَ النِّكاحِ عَلَيْها فَغَيْرُ جائِزٍ تَوْكِيلُها غَيْرَها بِهِ؛ لِأنَّ تَوْكِيلَ الإنْسانِ إنَّما يَجُوزُ فِيما يَمْلِكُهُ فَأمّا ما لا يَمْلِكُهُ فَغَيْرُ جائِزٍ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ بِهِ في العُقُودِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ أحْكامُها بِالمُوَكَّلِ دُونَ الوَكِيلِ، وقَدْ يَصِحُّ عِنْدَنا تَوْكِيلُ مَن لا يَصِحُّ عَقْدُهُ إذا عَقَدَ في العُقُودِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ أحْكامُها بِالوَكِيلِ دُونَ المُوَكِّلِ وهي عُقُودُ البِياعاتِ والإجاراتِ، فَأمّا عَقْدُ النِّكاحِ إذا وُكِّلَ بِهِ فَإنَّما يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِالمُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ ألا تَرى أنَّ الوَكِيلَ بِالنِّكاحِ لا يَلْزَمُهُ المَهْرُ ولا تَسْلِيمُهُ البُضْعَ ؟ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ المَرْأةُ مالِكَةً لِعَقْدِ النِّكاحِ لَما صَحَّ تَوْكِيلُها بِهِ لَغَيْرِها؛ إذْ كانَتْ أحْكامُ العُقُودِ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالوَكِيلِ، فَلَمّا صَحَّ تَوْكِيلُها بِهِ مَعَ تَعَلُّقِ أحْكامِهِ بِها دُونَ الوَكِيلِ دَلَّ عَلى أنَّها تَمْلِكُ العَقْدَ. وهَذا أيْضًا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحُرَّةَ تَمْلِكُ عَقْدَ النِّكاحِ عَلى نَفْسِها كَما جازَ تَوْكِيلُها عَلى غَيْرِها بِهِ وهو ولِيُّها * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مَهْرِها إذا نَكَحَها سَمّى لَها مَهْرًا أوْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن سَمّى وبَيْنَ مِن لَمْ يُسَمِّ في إيجابِهِ المَهْرَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ مَهْرُ المِثْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهَذا إنَّما يُطْلَقُ فِيما كانَ مَبْنِيًّا عَلى الِاجْتِهادِ وغالِبِ الظَّنِّ في المُعْتادِ والمُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ وُجُوبَ دَفْعِ المَهْرِ إلَيْها، والمَهْرُ واجِبٌ لِلْمَوْلى دُونَها؛ لِأنَّ المَوْلى هو المالِكُ لِلْوَطْءِ الَّذِي أباحَهُ لِلزَّوْجِ بِعَقْدِ النِّكاحِ فَهو المُسْتَحِقُّ لَبَدَلِهِ، كَما لَوْ آجَرَها لِلْخِدْمَةِ كانَ المَوْلى هو المُسْتَحِقَّ لِلْأُجْرَةِ دُونَها، كَذَلِكَ المَهْرُ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الأمَةَ لا تَمْلِكُ شَيْئًا فَلا تَسْتَحِقُّ قَبْضَ المَهْرِ. ومَعْنى الآيَةِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إعْطاءَهُنَّ المَهْرَ بِشَرْطِ إذْنِ المَوْلى فِيهِ، فَيَكُونُ الإذْنُ المَذْكُورُ بَدِيًّا مُضْمَرًا في إعْطائِها المَهْرَ كَما كانَ مَشْرُوطًا في التَّزْوِيجِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِإذْنِهِنَّ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إعْطاؤُهُنَّ المَهْرَ إلّا بِإذْنِ المَوْلى، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] والمَعْنى: والحافِظاتُ فُرُوجَهُنَّ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ومَعْناهُ: والذّاكِراتُ اللَّهَ وتَكُونُ دَلالَةُ هَذا الضَّمِيرِ ما في الآيَةِ مِن نَفْيِ مِلْكِها لِتَزْوِيجِها نَفْسَها (p-١٢٢)وأنَّ المَوْلى أمْلَكُ بِذَلِكَ مِنها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] فَنَفى مِلْكَهُ نَفْيًا عامًّا؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الأمَةَ لا تَسْتَحِقُّ مَهْرَها ولا تَمْلِكُهُ. والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ أضافَ الإعْطاءَ إلَيْهِنَّ والمُرادُ المَوْلى، كَما لَوْ تَزَوَّجَ صَبِيَّةً صَغِيرَةً أوْ أمَةً صَغِيرَةً بِإذْنِ الأبِ والمَوْلى جازَ أنْ يُقالَ أعْطِهِما مَهْرَيْهِما، ويَكُونُ المُرادُ إعْطاءَ الأبِ أوِ المَوْلى ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِمَن عَلَيْهِ دَيْنٌ لِيَتِيمٍ قَدْ مَطَلَهُ بِهِ إنَّهُ مانِعٌ لِلْيَتِيمِ حَقَّهُ وإنْ كانَ اليَتِيمُ لا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ ويُقالُ أعْطِ اليَتِيمَ حَقَّهُ ؟ وقالَ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقَدِ انْتَظَمَ ذَلِكَ الصِّغارَ والكِبارَ مِن أهْلِ هَذِهِ الأصْنافِ؛ وإعْطاءُ الصِّغارِ إنَّما يَكُونُ بِإعْطاءِ أوْلِيائِهِمْ فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوهُنَّ﴾ إيتاءَ مَن يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِن مَوالِيهِنَّ وزَعَمَ بَعْضُ أصْحابِ مالِكٍ أنَّ الأمَةَ هي المُسْتَحِقَّةُ لِقَبْضِ مَهْرِها وأنَّ المَوْلى إذا آجَرَها لِلْخِدْمَةِ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْأجْرِ دُونَها، واحْتَجَّ لِلْمَهْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ ذَلِكَ ومَعْناهُ، وعَلى أنَّهُ إنْ كانَ المَهْرُ يَجِبُ لَها لِأنَّهُ بَدَلُ بُضْعِها فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الأُجْرَةُ لَها لِأنَّهُ بَدَلُ مَنافِعِها. ومِن حَيْثُ كانَ المَوْلى هو المالِكُ لَمَنافِعِها كَما كانَ مالِكًا لِبُضْعِها، فَمَنِ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ دُونَها فَواجِبٌ أنْ يَسْتَحِقَّ قَبْضَ المَهْرِ دُونَها لِأنَّهُ بَدَلُ مِلْكِ المَوْلى لا مِلْكُها لِأنَّها لا تَمْلِكُ مَنافِعَ بُضْعِها ولا مَنافِعَ بَدَنِها، والمَوْلى هو العاقِدُ في الحالَيْنِ وبِهِ تَمَّتِ الإجارَةُ والنِّكاحُ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما. وحَكى هَذا القائِلُ أنَّ بَعْضَ العِراقِيِّينَ أجازَ أنْ يُزَوِّجَ المَوْلى أمَتَهُ عَبْدَهُ بِغَيْرِ صَداقٍ؛ وهَذا خِلافُ الكِتابِ زَعْمٌ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ما أشَدَّ إقْدامَ مُخالِفِينا عَلى الدَّعاوى عَلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ومَن راعى كَلامَهُ وتَفَقَّدَ ألْفاظَهُ قَلَّتْ دَعاوِيهِ بِما لا سَبِيلَ لَهُ إلى إثْباتِهِ؛ فَإنْ كانَ هَذا القائِلُ إنَّما أرادَ أنَّهم أجازُوا أنْ يُزَوِّجَ أمَتَهُ عَبْدَهُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ، فَإنَّ كِتابَ اللَّهِ تَعالى قَدْ حَكَمَ بِجَوازِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلاقِ في نِكاحٍ لا مَهْرَ فِيهِ مُسَمًّى. فَدَعْواهُ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الكِتابِ قَدْ أكْذَبَها الكِتابُ، وإنْ كانَ مُرادُهُ أنَّهم قالُوا إنَّهُ لا يَثْبُتُ مَهْرٌ ويَسْتَبِيحُ بُضْعَها بِغَيْرِ بَدَلٍ فَهَذا ما لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ العِراقِيِّينَ قالَهُ؛ فَحَصَلَ هَذا القائِلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ باطِلَيْنِ: أحَدُهُما: دَعْواهُ عَلى الكِتابِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الكِتابَ بِخِلافِ ما قالَ. والثّانِي دَعْواهُ عَلى بَعْضِ العِراقِيِّينَ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ قَوْلُهم في ذَلِكَ أنَّهُ إذا زَوَّجَ أمَتَهُ مِن عَبْدِهِ وجَبَ لَها (p-١٢٣)المَهْرُ بِالعَقْدِ لِامْتِناعٍ اسْتِباحَةِ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، ثُمَّ يَسْقُطُ في الثّانِي حِينَ يَسْتَحِقُّهُ المَوْلى لِأنَّها لا تَمْلِكُ والمَوْلى هو الَّذِي يَمْلِكُ مالَها ولا يَثْبُتُ لِلْمَوْلى عَلى عَبْدِهِ دَيْنٌ، فَهَهُنا حالانِ: إحْداهُما حالٌ العَقْدُ يُثْبِتُ فِيها المَهْرَ عَلى العَبْدِ، والحالُ الثّانِيَةُ هي حالُ انْتِقالِهِ إلى المَوْلى بَعْدَ العَقْدِ، فَيَسْقُطُ، كَما أنَّ رَجُلًا لَوْ كانَ لَهُ عَلى آخَرَ مالٌ فَقَضاهُ إيّاهُ كانَ لِما قَبَضَهُ حالانِ: إحْداهُما حالُ قَبْضِهِ فَيَمْلِكُهُ مَضْمُونًا بِمِثْلِهِ ثُمَّ يَصِيرُ قِصاصًا بِمالِهِ عَلَيْهِ، وكَما يَقُولُ في الوَكِيلِ في الشِّرى إنَّ المُشْتَرى انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالعَقْدِ ولا يَمْلِكُهُ ويَنْتَقِلُ في الثّانِي مِلْكُهُ إلى المُوَكِّلِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ لا يَفْهَمُها إلّا مَنِ ارْتاضَ المَعانِيَ الفِقْهِيَّةَ وجالَسَ أهْلَ فِقْهِ هَذا الشَّأْنِ وأخَذَ عَنْهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: فانْكِحُوهُنَّ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ؛ وأمَرَ بِأنْ يَكُونَ العَقْدُ عَلَيْها بِنِكاحٍ صَحِيحٍ وأنْ لا يَكُونَ وطْؤُها عَلى وجْهِ الزِّنا؛ لِأنَّ الإحْصانَ هَهُنا النِّكاحُ، والسِّفاحُ الزِّنا. ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ يَعْنِي: لا يَكُونُ وطْؤُها عَلى حَسَبِ ما كانَتْ عَلَيْهِ عادَةُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في اتِّخاذِ الأخْدانِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانَ قَوْمٌ مِنهم يُحَرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنَ الزِّنا ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ مِنهُ "؛ والخِدْنُ هو الصَّدِيقُ لِلْمَرْأةِ يَزْنِي بِها سِرًّا، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنِ الفَواحِشِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطْنَ وزَجَرَ عَنِ الوَطْءِ إلّا عَنْ نِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ. وسَمّى اللَّهُ الإماءَ الفَتَياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ والفَتاةُ اسْمٌ لِلشّابَّةِ، والعَجُوزُ الحُرَّةُ لا تُسَمّى فَتاةً، والأمَةُ الشّابَّةُ والعَجُوزُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما تُسَمّى فَتاةً؛ ويُقالُ إنَّها سُمِّيَتْ فَتاةً وإنْ كانَتْ عَجُوزًا لِأنَّها إذا كانَتْ أمَةً لا تُوَقَّرُ تَوْقِيرَ الكَبِيرَةِ. والفُتُوَّةُ حالُ الغِرَّةِ والحَداثَةِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ حَدِّ الأمَةِ والعَبْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قُرِئَ فَإذا أحْصَنَّ " بِفَتْحِ الألِفِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الألِفِ "؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ: ﴿أُحْصِنَّ﴾ بِالضَّمِّ مَعْناهُ تَزَوَّجْنَ. وعَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ: " أحْصَنَّ " بِالفَتْحِ، قالُوا: مَعْناهُ أسْلَمْنَ؛ وقالَ الحَسَنُ: " يُحْصِنُها الزَّوْجُ ويُحْصِنُها الإسْلامُ " . واخْتَلَفَ السَّلَفُ في حَدِّ الأمَةِ مَتى يَجِبُ، فَقالَ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ بِالضَّمِّ عَلى التَّزْوِيجِ: إنَّ الأمَةَ لا يَجِبُ عَلَيْها الحَدُّ وإنْ أسْلَمَتْ ما لَمْ تَتَزَوَّجْ " وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ والقائِلِينَ بِقَوْلِهِ. ومَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ: " فَإذا أحْصَنَّ " بِالفَتْحِ عَلى (p-١٢٤)الإسْلامِ، جَعَلَ عَلَيْها الحَدَّ إذا أسْلَمَتْ وزَنَتْ وإنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والقائِلِينَ بِقَوْلِهِ. وقالَ بَعْضُهم: تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أسْلَمْنَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الإيمانِ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ قالَ: فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ: " مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ فَإذا آمَنَّ " . ولَيْسَ هَذا كَما ظَنَّ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ إنَّما هو في شَأْنِ النِّكاحِ، وقَدِ اسْتَأْنَفَ ذِكْرَ حُكْمٍ آخَرَ غَيْرَهُ وهو الحَدُّ، فَجازَ اسْتِئْنافُ ذِكْرِ الإسْلامِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: " فَإذا كُنَّ مُسْلِماتٍ فَأتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ " هَذا لا يَدْفَعُهُ أحَدٌ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ سائِغٍ لَما تَأوَّلَهُ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ والجَماعَةُ الَّذِينَ ذَكَرْنا قَوْلَهم عَلَيْهِ. ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الأمْرانِ جَمِيعًا مِنَ الإسْلامِ والنِّكاحِ مُرادَيْنِ بِاللَّفْظِ، لِاحْتِمالِهِ لَهُما وتَأْوِيلِ السَّلَفِ الآيَةَ عَلَيْهِما. ولَيْسَ الإسْلامُ والتَّزْوِيجُ شَرْطًا في إيجابِ الحَدِّ عَلَيْها حَتّى إذا لَمْ تُحْصَنْ لَمْ يَجِبْ، لِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ، قالَ: إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ، والضَّفِيرُ الحَبْلُ» . وفي حَدِيثِ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في كُلِّ مَرَّةٍ: «فَلْيُقِمْ عَلَيْها كِتابَ اللَّهِ تَعالى» فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِوُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْها مَعَ عَدَمِ الإحْصانِ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ شَرْطِ اللَّهِ الإحْصانَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ وهي مَحْدُودَةٌ في حالِ الإحْصانِ وعَدَمِهِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَتِ الحُرَّةُ لا يَجِبُ عَلَيْها الرَّجْمُ إلّا أنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً مُتَزَوِّجَةً، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُنَّ وإنْ أُحْصِنَّ بِالإسْلامِ وبِالتَّزْوِيجِ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ أكْثَرُ مِن نِصْفِ حَدِّ الحُرَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ افْتِراقُ حالِها في حُكْمِ وُجُودِ الإحْصانِ وعَدَمِهِ، فَإذا كانَتْ مُحْصَنَةً يَكُونُ عَلَيْها الرَّجْمُ وإذا كانَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ فَنِصْفُ الحَدِّ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى تَوَهُّمَ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْها إلّا نِصْفُ الحَدِّ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فَهَذِهِ فائِدَةُ شَرْطِ الإحْصانِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِّها. ولَمّا أوْجَبَ عَلَيْها نِصْفَ حَدِّ الحُرَّةِ مَعَ الإحْصانِ عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ الجَلْدَ؛ إذِ الرَّجْمُ لا يَنْتَصِفُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ أرادَ بِهِ الإحْصانَ مِن جِهَةِ الحُرِّيَّةِ لا الإحْصانَ المُوجِبَ لِلرَّجْمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ عَلَيْها نِصْفُ الرَّجْمِ لِأنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ. وخَصَّ اللَّهُ الأمَةَ بِإيجابِ نِصْفِ حَدِّ الحُرَّةِ عَلَيْها إذا زَنَتْ، (p-١٢٥)وعَقَلَتِ الأُمَّةُ مِن ذَلِكَ أنَّ العَبْدَ بِمَثابَتِها؛ إذْ كانَ المَعْنى المُوجِبُ لِنُقْصانِ الحَدِّ مَعْقُولًا مِنَ الظّاهِرِ وهو الرِّقُّ وهو مَوْجُودٌ في العَبْدِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] خَصَّ المُحْصَناتِ بِالذِّكْرِ وعَقَلَتِ الأُمَّةُ حُكْمَ المُحْصَنِينَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ إذا قُذِفُوا، إذْ كانَ المَعْنى في المُحْصَنَةِ العِفَّةَ والحُرِّيَّةَ والإسْلامَ، فَحَكَمُوا لِلرَّجُلِ بِحُكْمِ النِّساءِ بِالمَعْنى. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْكامَ إذا عُلِّقَتْ بِمَعانٍ فَحَيْثُما وُجِدَتْ فالحُكْمُ ثابِتٌ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ المَواضِعِ دُونَ بَعْضٍ. * * فَصْلٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَدُلُّ عَلى جَوازِ عَطْفِ الواجِبِ عَلى النَّدْبِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ نَدْبٌ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وإيتاءُ المَهْرِ واجِبٌ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] ثُمَّ قالَ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] ويَصِحُّ عَطْفُ النَّدْبِ عَلى الواجِبِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ [النحل: ٩٠] فالعَدْلُ واجِبٌ والإحْسانُ نَدْبٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو الزِّنا. وقالَ آخَرُونَ: هو الضَّرَرُ الشَّدِيدُ في دِينٍ أوَدُنْيا، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقَوْلِهِ: ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ وهَذا شَرْطٌ إلى المَندُوبِ إلَيْهِ مِن تَرْكِ نِكاحِ الأمَةِ والِاقْتِصارِ عَلى تَزَوُّجِ الحُرَّةِ لِئَلّا يَكُونَ ولَدُهُ عَبْدًا لَغَيْرِهِ، فَإذا خَشِيَ العَنَتَ ولَمْ يَأْمَن مُواقَعَةَ المَحْظُورِ فَهو مُباحٌ لا كَراهَةَ فِيهِ لا في الفِعْلِ ولا في التَّرْكِ. ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأبانَ عَنْ مَوْضِعِ النَّدْبِ، والِاخْتِيارُ هو تَرْكُ نِكاحِ الأمَةِ رَأْسًا؛ فَكانَتْ دَلالَةُ الآيَةِ مُقْتَضِيَةً لِكَراهِيَةِ نِكاحِ الأمَةِ إذا لَمْ يَخْشَ العَنَتَ، ومَتى خَشِيَ العَنَتَ فالنِّكاحُ مُباحٌ إذا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ. والِاخْتِيارُ أنْ يَتْرُكَهُ رَأْسًا وإنْ خَشِيَ العَنَتَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وإنَّما نَدَبَ اللَّهُ تَعالى إلى تَرْكِ نِكاحِ الأمَةِ رَأْسًا مَعَ خَوْفِ العَنَتِ لِأنَّ الوَلَدَ المَوْلُودَ عَلى فِراشِ النِّكاحِ مِنَ الأمَةِ يَكُونُ عَبْدًا لَسَيِّدِها، ولَمْ يُكْرَهِ اسْتِيلادُ الأمَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ لِأنَّ ولَدَهُ مِنها يَكُونُ حُرًّا وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُوافِقُ مَعْنى الآيَةِ في كَراهَةِ نِكاحِ الأمَةِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ جابِرٍ السَّقَطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ هَرِمٍ السَّدُوسِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلى قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنْكِحُوا (p-١٢٦)الأكْفاءَ وأنْكِحُوهُنَّ واخْتارُوا لِنُطَفِكم وإيّاكم والزِّنْجَ فَإنَّهُ خَلْقٌ مُشَوَّهٌ» قَوْلُهُ: «أنْكِحُوا الأكْفاءَ» يَدُلُّ عَلى كَراهَةِ نِكاحِ الأمَةِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِكُفُوٍ لِلْحُرِّ؛ وقَوْلُهُ: " اخْتارُوا لِنُطَفِكم " يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا لِئَلّا يَصِيرَ ولَدُهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا وماؤُهُ ماءٌ حُرٌّ فَيَنْتَقِلُ بِتَزَوُّجِهِ إلى الرِّقِّ. ورُوِيَ في خَبَرٍ آخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكم فَإنَّ عِرْقَ السُّوءِ يُدْرِكُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ» .

النساء 4:26

مَطْلَبُ البَيانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهَيْنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: يُرِيدُ لِيُبَيِّنَ لَنا ما بِنا الحاجَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ. والبَيانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما بِالنَّصِّ والآخَرُ بِالدَّلالَةِ، ولا تَخْلُو حادِثَةٌ صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ إلّا ولِلَّهِ فِيها حُكْمٌ إمّا بِنَصٍّ وإمّا بِدَلِيلٍ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] * * وقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: " إنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما حَرَّمَهُ عَلَيْنا وبَيَّنَ لَنا تَحْرِيمَهُ مِنَ النِّساءِ في الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ مُحَرَّمًا عَلى الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِنا مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ " . وقالَ آخَرُونَ: " لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى اتِّفاقِ الشَّرائِعِ وإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في بَيانِ ما لَكم فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ كَما بَيَّنَهُ لَهم وإنْ كانَتِ العِباداتُ والشَّرائِعُ مُخْتَلِفَةً في أنْفُسِها، إلّا أنَّها وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في أنْفُسِها فَهي مُتَّفِقَةٌ في بابِ المَصالِحِ " . وقالَ آخَرُونَ: " يُبَيِّنُ لَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ وغَيْرِهِمْ لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتُحِبُّوا الحَقَّ " . * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ أهْلِ الإجْبارِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا، وزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّهُ يُرِيدُ مِنَ المُصِرِّينَ الإصْرارَ ولا يُرِيدُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ.

النساء 4:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ فَقالَ قائِلُونَ: " المُرادُ بِهِ كُلُّ مُبْطِلٍ؛ لِأنَّهُ يَتْبَعُ شَهْوَةَ نَفْسِهِ فِيما وافَقَ الحَقَّ أوْ خالَفَهُ ولا يَتْبَعُ الحَقَّ في مُخالَفَةِ الشَّهْوَةِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " أرادَ بِهِ الزِّنا " . وقالَ السُّدِّيُّ: " اليَهُودَ والنَّصارى " . وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي بِهِ العُدُولَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ المَعْصِيَةِ؛ وتَكُونُ إرادَتُهم لِلْمِيلِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا لِعَداوَتِهِمْ، أوْ لِلْأُنْسِ بِهِمْ والسُّكُونِ إلَيْهِمْ في الإقامَةِ عَلى المَعْصِيَةِ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إرادَتَهُ لَنا خِلافُ إرادَةِ هَؤُلاءِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القَصْدَ في اتِّباعِ الشَّهْوَةِ مَذْمُومٌ، إلّا أنْ يُوافِقَ الحَقَّ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ غَيْرَ مَذْمُومٍ في اتِّباعِ شَهْوَتِهِ؛ إذْ كانَ قَصْدُهُ اتِّباعَ الحَقِّ. ولَكِنْ مَن كانَ هَذا سَبِيلَهُ لا يُطْلَقْ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّبِعٌ لَشَهْوَتِهِ؛ لِأنَّ مَقْصِدَهُ فِيهِ اتِّباعُ الحَقِّ وافَقَ شَهْوَتَهُ أوْ خالَفَها.

النساء 4:28

قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٢٧)﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ التَّخْفِيفُ هو تَسْهِيلُ التَّكْلِيفِ وهو خِلافُ التَّثْقِيلِ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ فَنَفى الضِّيقَ والثِّقَلَ والحَرَجَ عَنّا في هَذِهِ الآياتِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جِئْتُكم بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وذَلِكَ لِأنَّهُ وإنْ حَرَّمَ عَلَيْنا ما ذَكَرَ تَحْرِيمَهُ مِنَ النِّساءِ فَقَدْ أباحَ لَنا غَيْرَهُنَّ مِن سائِرِ النِّساءِ تارَةً بِنِكاحٍ وتارَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ، وكَذَلِكَ سائِرُ المُحَرَّماتِ قَدْ أباحَ لَنا مِن جِنْسِها أضْعافَ ما حَظَرَ فَجَعَلَ لَنا مَندُوحَةً عَنِ الحَرامِ بِما أباحَ مِنَ الحَلالِ. وعَلى هَذا المَعْنى ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَكم فِيما حَرَّمَ عَلَيْكم " يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ بِالشِّفاءِ عَلى المُحَرَّماتِ بَلْ جَعَلَ لَنا مَندُوحَةً وغِنًى عَنِ المُحَرَّماتِ بِما أباحَهُ لَنا مِنَ الأغْذِيَةِ والأدْوِيَةِ حَتّى لا يَضُرَّنا فَقْدُ ما حُرِّمَ في أُمُورِ دُنْيانا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ ما خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما» . وهَذِهِ الآياتُ يُحْتَجُّ بِها في المَصِيرِ إلى التَّخْفِيفِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ وسَوَّغُوا فِيهِ الِاجْتِهادَ، وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ في قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ العِبادَ ما لا يُطِيقُونَ؛ لِإخْبارِهِ بِأنَّهُ يُرِيدُ التَّخْفِيفَ عَنّا، وتَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ غايَةُ التَّثْقِيلِ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِمَعانِي كِتابِهِ.

النساء 4:29

بابُ التِّجاراتِ وخِيارِ البَيْعِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَ هَذا العُمُومُ النَّهْيَ عَنْ أكْلِ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ وأكْلِ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ يَقَعُ عَلى مالِ الغَيْرِ ومالِ نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قَدِ اقْتَضى النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ غَيْرِهِ وقَتْلِ نَفْسِهِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ نَهْيٌ لِكُلِّ أحَدٍ عَنْ أكْلِ مالِ نَفْسِهِ ومالِ غَيْرِهِ بِالباطِلِ. وأكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ؛ وأكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما قالَ السُّدِّيُّ وهو أنْ يَأْكُلَ بِالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: أنْ يَأْكُلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إلى أنْ نُسِخَ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي في النُّورِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الآيَةَ. قالَ أبُو (p-١٢٨)بَكْرٍ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ النّاسَ تَحَرَّجُوا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ أنْ يَأْكُلُوا عِنْدَ أحَدٍ لا عَلى أنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الهِباتِ والصَّدَقاتِ لَمْ تَكُنْ مَحْظُورَةً قَطُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الأكْلُ عِنْدَ غَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الأكْلَ عِنْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَذا لَعَمْرِي قَدْ تَناوَلَتْهُ الآيَةُ. وقَدْ رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " هي مُحْكَمَةٌ ما نُسِخَتْ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ " ورَوى الرَّبِيعُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " ما نَسَخَها شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ " . ونَظِيرُ ما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ مالِ الغَيْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» . وعَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ أكْلِ مالِ الغَيْرِ مَعْقُودٌ بِصِفَةٍ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ بِالباطِلِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أكْلَ أبِدالِ العُقُودِ الفاسِدَةِ كَأثْمانِ البِياعاتِ الفاسِدَةِ، وكَمَنِ اشْتَرى شَيْئًا مِنَ المَأْكُولِ فَوَجَدَهُ فاسِدًا لا يُنْتَفَعُ بِهِ نَحْوُ البَيْضِ والجَوْزِ، فَيَكُونُ أكْلُ ثَمَنِهِ أكْلَ مالٍ بِالباطِلِ؛ وكَذَلِكَ ثَمَنُ كُلِّ ما لا قِيمَةَ لَهُ ولا يُنْتَفَعُ بِهِ كالقِرْدِ والخِنْزِيرِ والذُّبابِ والزَّنابِيرِ وسائِرِ ما لا مَنفَعَةَ فِيهِ، فالِانْتِفاعُ بِأثْمانِ جَمِيعِ ذَلِكَ أكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، وكَذَلِكَ أُجْرَةُ النّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ، وكَذَلِكَ ثَمَنُ المَيْتَةِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن باعَ بَيْعًا فاسِدًا وأخَذَ ثَمَنَهُ أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ أكْلِ ثَمَنِهِ وعَلَيْهِ رَدُّهُ إلى مُشْتَرِيهِ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ إذا تَصَرَّفَ فِيهِ فَرَبِحَ فِيهِ وقَدْ كانَ عَقَدَ عَلَيْهِ بِعِينَةٍ وقَبَضَهُ أنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَهُ مِن وجْهٍ مَحْظُورٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] مُنْتَظِمٌ لِهَذِهِ المَعانِي كُلِّها ونَظائِرِها مِنَ العُقُودِ المُحَرَّمَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَلِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ تَحْرِيمَ أكْلِ الهِباتِ والصَّدَقاتِ والإباحَةَ لِلْمالِ مِن صاحِبِهِ ؟ قِيلَ لَهُ: كُلُّ ما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العُقُودِ وأطْلَقَهُ مِن جَوازِ أكْلِ مالِ الغَيْرِ بِإباحَتِهِ إيّاهُ فَخارِجٌ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الحَظْرَ في أكْلِ المالِ مُقَيَّدٌ بِشَرِيطَةٍ وهي أنْ يَكُونَ أكْلَ مالٍ بِالباطِلِ، وما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى وأحَلَّهُ فَلَيْسَ بِباطِلٍ بَلْ هو حَقٌّ؛ فَنَحْتاجُ أنْ نَنْظُرَ إلى السَّبَبِ الَّذِي يَسْتَبِيحُ أكْلَ هَذا المالِ، فَإنْ كانَ مُباحًا فَلَيْسَ بِباطِلٍ ولَمْ تَتَناوَلْهُ الآيَةُ، وإنْ كانَ مَحْظُورًا فَقَدِ اقْتَضَتْهُ الآيَةُ. * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اقْتَضى إباحَةَ سائِرِ التِّجاراتِ الواقِعَةِ عَنْ تَراضٍ. والتِّجارَةُ اسْمٌ واقِعٌ عَلى عُقُودِ المُعاوَضاتِ (p-١٢٩)المَقْصُودِ بِها طَلَبُ الأرْباحِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] فَسَمّى الإيمانَ تِجارَةً عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِالتِّجاراتِ المَقْصُودِ بِها الأرْباحُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] كَما سَمّى بَذْلَ النُّفُوسِ لِجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى شِرًى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] فَسَمّى بَذْلَ النُّفُوسِ شِراءً عَلى وجْهِ المَجازِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَسَمّى ذَلِكَ بَيْعًا وشِراءً عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِعُقُودِ الأشْرِبَةِ والبِياعاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِها الأعْواضُ. كَذَلِكَ سَمّى الإيمانَ بِاَللَّهِ تَعالى تِجارَةً لِما اسْتَحَقَّ بِهِ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والأبْدالِ الجَسِيمَةِ، فَتَدْخُلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ عُقُودُ البَياعاتِ والإجاراتُ والهِباتُ المَشْرُوطَةُ فِيها الأعْواضُ؛ لِأنَّ المُبْتَغى في جَمِيعِ ذَلِكَ في عاداتِ النّاسِ تَحْصِيلُ الأعْواضِ لا غَيْرُ. ولا يُسَمّى النِّكاحُ تِجارَةً في العُرْفِ والعادَةِ، إذْ لَيْسَ المُبْتَغى مِنهُ في الأكْثَرِ الأعَمِّ تَحْصِيلُ العِوَضِ الَّذِي هو مَهْرٌ، وإنَّما المُبْتَغى فِيهِ أحْوالُ الزَّوْجِ مِنَ الصَّلاحِ والعَقْلِ والدِّينِ والشَّرَفِ والجاهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ يُسَمَّ تِجارَةً لِهَذا المَعْنى؛ وكَذَلِكَ الخُلْعُ والعِتْقُ عَلى مالٍ لَيْسَ يَكادُ يُسَمّى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تِجارَةً. ولِما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِصاصِ اسْمِ التِّجارَةِ بِما وصَفْنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " إنَّ المَأْذُونَ لَهُ في التِّجارَةِ لا يُزَوِّجُ أمَتَهُ وعَبْدَهُ ولا يُكاتِبُ ولا يُعْتِقُ عَلى مالٍ ولا يَتَزَوَّجُ هو أيْضًا وإنْ كانَتْ أمَةً لا تُزَوِّجُ نَفْسَها؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُ مَقْصُورٌ عَلى التِّجارَةِ ولَيْسَتْ هَذِهِ العُقُودُ مِنَ التِّجارَةِ "؛ وقالُوا: " إنَّهُ يُؤاجِرُ نَفْسَهُ وعَبِيدَهُ وما في يَدِهِ مِن أمْوالِ التِّجارَةِ؛ إذْ كانَتِ الإجارَةُ مِنَ التِّجارَةِ "؛ وكَذَلِكَ قالُوا في المُضارِبِ وشَرِيكِ العِنانِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُما مَقْصُورٌ عَلى التِّجارَةِ دُونَ غَيْرِها. ولَمْ يَخْتَلِفِ النّاسُ أنَّ البُيُوعَ مِنَ التِّجاراتِ. * * واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في لَفْظِ البَيْعِ كَيْفَ هو، قالَ أصْحابُنا: " إذا قالَ الرَّجُلُ بِعْنِي عَبْدَكَ هَذا بِألْفِ دِرْهَمٍ فَقالَ قَدْ بِعْتُكَ لَمْ يَقَعِ البَيْعُ حَتّى يَقْبَلَ الأوَّلُ " ولا يَصِحُّ عِنْدَهم إيجابُ البَيْعِ ولا قَبُولُهُ إلّا بِلَفْظِ الماضِي، ولا يَقَعُ بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ قَوْلَهُ " بِعْنِي " إنَّما هو سَوْمٌ وأمْرٌ بِالبَيْعِ ولَيْسَ بِإيقاعٍ لِلْعَقْدِ، والأمْرُ بِالبَيْعِ لَيْسَ بِبَيْعٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " أشْتَرِي مِنكَ " لَيْسَ بِشِرًى وإنَّما هو إخْبارٌ بِأنَّهُ يَشْتَرِيهِ؛ لِأنَّ الألِفَ لِلِاسْتِقْبالِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ البائِعِ " اشْتَرِ مِنِّي " وقَوْلُهُ: " أبِيعُكَ " لَيْسَ ذَلِكَ بِلَفْظِ العَقْدِ، وإنَّما هو إخْبارٌ بِأنَّهُ سَيَعْقِدُ (p-١٣٠)أوْ أمْرٌ بِهِ. وقالُوا في النِّكاحِ: " القِياسُ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ " إلّا أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا فَقالُوا: إذا قالَ: " زَوِّجْنِي بِنْتَكَ " فَقالَ: " قَدْ زَوَّجْتُكَ " أنَّهُ يَكُونُ نِكاحًا ولا يَحْتاجُ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قَبُولٍ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيها فَراجَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيما يُعْطِيها، إلى أنْ قالَ لَهُ: «زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ: " زَوِّجْنِيها " مَعَ قَوْلِهِ: " زَوَّجْتُكَها " عَقْدًا واقِعًا؛ ولِأخْبارٍ أُخَرَ قَدْ رُوِيَتْ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصِدُ في النِّكاحِ الدُّخُولَ فِيهِ عَلى وجْهِ المُساوَمَةِ، والعادَةُ في مِثْلِهِ أنَّهم لا يُفَرِّقُونَ فِيهِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " زَوِّجْنِي " وبَيْنَ قَوْلِهِ: " قَدْ زَوَّجْتُكَ " فَلَمّا جَرَتِ العادَةُ في النِّكاحِ بِما وصَفْنا كانَ قَوْلُهُ: " قَدْ زَوَّجْتُكَ " وقَوْلُهُ: " زَوِّجِينِي نَفْسَكِ " سَواءً. ولَمّا كانَتِ العادَةُ في البَيْعِ دُخُولَهم فِيهِ عَلى وجْهِ السَّوْمِ بَدِيًّا كانَ ذَلِكَ سَوْمًا ولَمْ يَكُنْ عَقْدًا، فَحَمَلُوهُ عَلى القِياسِ. وقَدْ قالَ أصْحابُنا فِيما جَرَتْ بِهِ العادَةُ بِأنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ إيجابَ التَّمْلِيكِ وإيقاعَ العَقْدِ إنَّهُ يَقَعُ بِهِ العَقْدُ، وهو أنْ يُساوِمَهُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ يَزِنَ لَهُ الدَّراهِمَ ويَأْخُذَ المَبِيعَ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَقْدًا لِوُقُوعِ تَراضِيهِما بِهِ وتَسْلِيمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ ما طَلَبَهُ مِنهُ وذَلِكَ لِأنَّ جَرَيانَ العادَةِ بِالشَّيْءِ كالنُّطْقِ بِهِ؛ إذْ كانَ المَقْصِدُ مِنَ القَوْلِ الإخْبارَ عَنِ الضَّمِيرِ والِاعْتِقادَ فَإذا عُلِمَ ذَلِكَ بِالعادَةِ مَعَ التَّسْلِيمِ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أجْرَوْا ذَلِكَ مَجْرى العَقْدِ، وكَما يُهْدِي الإنْسانُ لَغَيْرِهِ فَيَقْبِضَهُ فَيَكُونَ قَبُولًا لِلْهِبَةِ؛ «ونَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَناتٍ ثُمَّ قالَ: مَن شاءَ فَلِيَقْتَطِعْ» فَقامَ الِاقْتِطاعُ في ذَلِكَ مَقامَ القَبُولِ لِلْهِبَةِ في إيجابِ التَّمْلِيكِ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها هي طُرُقُ التَّراضِي المَشْرُوطِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: إذا قالَ: " بِعْنِي هَذا بِكَذا " فَقالَ: " قَدْ بِعْتُكَ " فَقَدْ تَمَّ البَيْعُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ النِّكاحُ حَتّى يَقُولَ: " قَدْ زَوَّجْتُكَها " ويَقُولَ الآخَرُ: " قَدْ قَبِلْتُ تَزْوِيجَها " أوْ يَقُولَ الخاطِبُ: " زَوِّجْنِيها " ويَقُولَ الوَلِيُّ: " قَدْ زَوَّجْتُكَها " فَلا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَوْلِ الزَّوْجِ قَدْ قَبِلْتُ. فَإنْ قِيلَ عَلى ما ذَكَرْنا مِن قَوْلِ أصْحابِنا في المُتَساوِمَيْنِ إذا تَساوَما عَلى السِّلْعَةِ ثُمَّ وزَنَ المُشْتَرِي الثَّمَنَ وسَلَّمَهُ إلَيْهِ وسَلَّمَ البائِعُ السِّلْعَةَ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ وهو تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ، غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ هَذا بَيْعًا؛ لِأنَّ لِعَقْدِ البَيْعِ صِيغَةً وهي الإيجابُ والقَبُولُ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيما وصَفْتَ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " أنَّهُ «نَهى عَنْ بَيْعِ المُنابَذَةِ والمُلامَسَةِ وبَيْعِ الحَصاةِ» وما ذَكَرْتُمُوهُ في مَعْنى هَذِهِ البِياعاتِ الَّتِي أبْطَلَها النَّبِيُّ ﷺ لَوُقُوعِها بِغَيْرِ لَفْظِ البَيْعِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا كَما ظَنَنْتَ، ولَيْسَ ما أجازَهُ أصْحابُنا مِمّا (p-١٣١)نَهى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وذَلِكَ لِأنَّ بَيْعَ المُلامَسَةِ هو وُقُوعُ العَقْدِ بِاللَّمْسِ والمُنابَذَةُ وُقُوعُ العَقْدِ بِنَبْذِهِ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ بَيْعُ الحَصاةُ هو أنْ يَضَعَ عَلَيْهِ حَصاةً؛ فَتَكُونَ هَذِهِ الأفْعالُ عِنْدَهم مُوجِبَةً لِوُقُوعِ البَيْعِ، فَهَذِهِ بُيُوعٌ مَعْقُودَةٌ عَلى المُخاطَرَةِ ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الأسْبابِ الَّتِي عَلَّقُوا وُقُوعَ البَيْعِ بِها بِعَقْدِ البَيْعِ. وأمّا ما أجازَهُ أصْحابُنا فَهو أنْ يَتَساوَما عَلى ثَمَنٍ يَقِفُ البَيْعُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَزِنُ لَهُ المُشْتَرِي الثَّمَنَ ويُسَلِّمُ البائِعُ إلَيْهِ المَبِيعَ، وتَسْلِيمُ المَبِيعِ والثَّمَنِ مِن حُقُوقِ البَيْعِ وأحْكامِهِ، فَلَمّا فَعَلا مُوجِبَ العَقْدِ مِنَ التَّسْلِيمِ صارَ ذَلِكَ رِضًى مِنهُما بِما وقَفَ عَلَيْهِ العَقْدُ مِنَ السَّوْمِ ولَمْسِ الثَّوْبِ ووَضْعِ الحَصاةِ ونَبْذُهُ لَيْسَ مِن مُوجِباتِ العَقْدِ ولا مِن أحْكامِهِ، فَصارَ العَقْدُ مُعَلَّقًا عَلى خَطَرٍ فَلا يَجُوزُ، وصارَ ذَلِكَ أصْلًا في امْتِناعِ وُقُوعِ البِياعاتِ عَلى الأخْطارِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: " بِعْتُكَهُ إذا قَدِمَ زَيْدٌ وإذا جاءَ غَدٌ " ونَحْوَ ذَلِكَ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ عُمُومٌ في إطْلاقِ سائِرِ التِّجاراتِ وإباحَتِها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] في اقْتِضاءِ عُمُومِهِ، لِإباحَةِ سائِرِ البُيُوعِ إلّا ما خَصَّهُ التَّحْرِيمُ؛ لِأنَّ اسْمَ التِّجارَةِ أعَمُّ مِنِ اسْمِ البَيْعِ لِأنَّ اسْمَ التِّجارَةِ يَنْتَظِمُ عُقُودَ الإجاراتِ والهِباتِ الواقِعَةِ عَلى الأعْواضِ والبِياعاتِ. فَيُضَمَّنُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: نَهْيٌ مَعْقُودٌ بِشَرِيطَةٍ مُحْتاجَةٍ إلى بَيانٍ في إيجابِ حُكْمِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يَثْبُتَ أنَّهُ أكْلُ مالٍ باطِلٍ حَتّى يَتَناوَلَهُ حُكْمُ اللَّفْظِ. والمَعْنى الثّانِي: إطْلاقُ سائِرِ التِّجاراتِ، وهو عُمُومٌ في جَمِيعِها لا إجْمالَ فِيهِ ولا شَرِيطَةَ، فَلَوْ خُلِّينا وظاهِرَهُ لَأجَزْنا سائِرَ ما يُسَمّى تِجارَةً، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَصَّ مِنها أشْياءَ بِنَصِّ الكِتابِ وأشْياءَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالخَمْرُ والمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وسائِرُ المُحَرَّماتِ في الكِتابِ لا يَجُوزُ بَيْعُها لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي سائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَباعُوها وأكَلُوا أثْمانَها» وقالَ في الخَمْرِ: «إنَّ الَّذِي حَرَّمَها حَرَّمَ بَيْعَها وأكْلَ ثَمَنِها» ولَعَنَ بائِعَها ومُشْتَرِيَها. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ وبَيْعِ العَبْدِ الآبِقِ وبَيْعِ ما لَمْ يُقْبَضْ وبَيْعِ ما لَيْسَ عِنْدَ الإنْسانِ ونَحْوِها مِنَ البِياعاتِ المَجْهُولَةِ والمَعْقُودَةِ عَلى غَرَرٍ، جَمِيعُ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ وقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، فَمَن قَرَأها بِالنَّصْبِ كانَ تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ، فَتَكُونُ التِّجارَةُ (p-١٣٢)الواقِعَةُ عَنْ تَراضٍ مُسْتَثْناةً مِنَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ المالِ؛ إذْ كانَ أكْلُ المالِ بِالباطِلِ قَدْ يَكُونُ مِن جِهَةِ التِّجارَةِ ومِن غَيْرِ جِهَةِ التِّجارَةِ، فاسْتَثْنى التِّجارَةَ مِنَ الجُمْلَةِ وبَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ. ومَن قَرَأها بِالرَّفْعِ كانَ تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فِدى لِبَنِي شَيْبانَ رَحْلِي وناقَتِي إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ يَعْنِي: إذا حَدَثَ يَوْمٌ كَذَلِكَ. وإذا كانَ مَعْناهُ عَلى هَذا كانَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ عَلى إطْلاقِهِ لَمْ يُسْتَثْنَ مِنهُ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَنزِلَةِ: لَكِنْ إنْ وقَعَتْ تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ فَهو مُباحٌ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ بِتَحْرِيمِ المَكاسِبِ لِإباحَةِ اللَّهِ التِّجارَةَ الواقِعَةَ عَنْ تَراضٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَذَكَرَ الضَّرْبَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ المَعاشِ مَعَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ؛ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * بابُ خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: " إذا عُقِدَ بَيْعٌ بِكَلامٍ فَلا خِيارَ لَهُما وإنْ لَمْ يَتَفَرَّقا " ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ والشّافِعِيُّ: " إذا عَقَدا فَهُما بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " هُما بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا في بُيُوعٍ ثَلاثَةٍ: بَيْعِ مُزايَدَةِ الغَنائِمِ والشَّرِكَةِ في المِيراثِ والشَّرِكَةِ في التِّجارَةِ، فَإذا صافَقَهُ فَقَدْ وجَبَ ولَيْسا فِيهِ بِالخِيارِ " . ووَقْتُ الفُرْقَةِ أنْ يَتَوارى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ؛ وقالَ اللَّيْثُ: " التَّفَرُّقُ أنْ يَقُومَ أحَدُهُما " . وكُلُّ مَن أوْجَبَ الخِيارَ يَقُولُ: إذا خَيَّرَهُ في المَجْلِسِ فاخْتارَ فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ. ورُوِيَ خِيارُ المَجْلِسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الأكْلِ بِوُقُوعِ البَيْعِ عَنْ تَراضٍ قَبْلَ الِافْتِراقِ، إنْ كانَتِ التِّجارَةُ إنَّما هي الإيجابُ والقَبُولُ في عَقْدِ البَيْعِ، ولَيْسَ التَّفَرُّقُ والِاجْتِماعُ مِنَ التِّجارَةِ في شَيْءٍ ولا يُسَمّى ذَلِكَ تِجارَةً في شَرْعٍ ولا لُغَةٍ، فَإذا كانَ اللَّهُ قَدْ أباحَ أكْلَ ما اشْتَرى بَعْدَ وُقُوعِ التِّجارَةِ عَنْ تَراضٍ فَمانِعُ ذَلِكَ بِإيجابِ الخِيارِ خارِجٌ عَنْ (p-١٣٣)ظاهِرِ الآيَةِ مُخَصِّصٌ لَها بِغَيْرِ دَلالَةٍ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَألْزَمَ كُلَّ عاقِدٍ الوَفاءَ بِما عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ وذَلِكَ عَقْدٌ قَدْ عَقَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ؛ وفي إثْباتِ الخِيارِ نَفْيٌ لِلُزُومِ الوَفاءِ بِهِ وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ أمَرَ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهُودِ بِأخْذِ الرَّهْنِ وثِيقَةً بِالثَّمَنِ، وذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ عَقْدِهِ البَيْعَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأمَرَ بِالكِتابَةِ عِنْدَ عَقْدِهِ المُدايَنَةَ، وأمَرَ بِالكِتابَةِ بِالعَدْلِ، وأمَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالإمْلاءِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَقْدَهُ المُدايَنَةَ قَدْ أثْبَتَ الدَّيْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَقْدُ المُدايَنَةِ مُوجِبًا لِلْحَقِّ عَلَيْهِ قَبْلَ الِافْتِراقِ لَما قالَ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولَما وعَظَهُ بِالبَخْسِ وهو لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَ الخِيارِ لَهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الدَّيْنِ لِلْبائِعِ في ذِمَّتِهِ، وفي إيجابِ اللَّهِ تَعالى الحَقَّ عَلَيْهِ بِعَقْدِ المُدايَنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الخِيارِ وإيجابِ البَتاتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] تَحْصِينًا لِلْمالِ واحْتِياطًا لِلْبائِعِ مِن جُحُودِ المَطْلُوبِ أوْ مَوْتِهِ قَبْلَ أدائِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولَوْ كانَ لَهُما الخِيارُ قَبْلَ الفُرْقَةِ لَمْ يَكُنْ في الإشْهادِ احْتِياطٌ ولا كانَ أقَوْمَ لِلشَّهادَةِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ لِلشّاهِدِ إقامَةُ الشَّهادَةِ بِثُبُوتِ المالِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] و" إذا " هي لِلْوَقْتِ، فاقْتَضى ذَلِكَ الأمْرَ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبايُعِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الفُرْقَةِ، ثُمَّ أمَرَ بِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ في السَّفَرِ بَدَلًا مِنَ الِاحْتِياطِ بِالإشْهادِ في الحَضَرِ. وفِي إثْباتِ الخِيارِ إبْطالُ الرَّهْنِ إذْ غَيْرُ جائِزٍ إعْطاءُ الرَّهْنِ بِدَيْنٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأمْرِ بِالإشْهادِ عَلى عَقْدِ المُدايَنَةِ وعَلى التَّبايُعِ والِاحْتِياطِ في تَحْصِينِ المالِ تارَةً بِالإشْهادِ وتارَةً بِالرَّهْنِ أنَّ العَقْدَ قَدْ أوْجَبَ مِلْكَ المَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي ومِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبائِعِ بِغَيْرِ خِيارٍ لَهُما؛ إذْ كانَ إثْباتُ الخِيارِ نافِيًا لِمَعانِي الإشْهادِ والرَّهْنِ ونافِيًا لِصِحَّةِ الإقْرارِ بِالدَّيْنِ. فَإنْ قِيلَ: الأمْرُ بِالإشْهادِ والرَّهْنِ يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الشُّهُودُ حاضِرِينَ العَقْدَ (p-١٣٤)ويَفْتَرِقانِ بِحَضْرَتِهِمْ فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ شَهادَتُهم عَلى صِحَّةِ البَيْعِ ولُزُومِ الثَّمَنِ، وإمّا أنْ يَتَعاقَدا فِيما بَيْنَهُما عَقْدَ مُدايَنَةٍ ثُمَّ يَفْتَرِقانِ ويُقِرّانِ عِنْدَ الشُّهُودِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَشْهَدُ الشُّهُودُ عَلى إقْرارِهِما بِهِ أوْ يَرْهَنُهُ بِالدَّيْنِ رَهْنًا فَيَصِحُّ. قِيلَ لَهُ: أوَّلُ ما في ذَلِكَ أنَّ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا خِلافُ الآيَةِ وفِيهِما إبْطالُ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاحْتِياطِ بِالإشْهادِ والرَّهْنِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأمَرَ بِالإشْهادِ عَلى عَقْدِ المُدايَنَةِ عِنْدَ وُقُوعِهِ بِلا تَراخٍ احْتِياطًا لَهُما، وزَعَمْتَ أنْتَ أنَّهُ يَشْهَدُ بَعْدَ الِافْتِراقِ، وجائِزٌ أنْ تَهْلِكَ السِّلْعَةُ قَبْلَ الِافْتِراقِ فَيَبْطُلُ الدَّيْنُ، أوْ يَجْحَدُهُ إلى أنْ يَفْتَرِقا ويَشْهَدا، وجائِزٌ أنْ يَمُوتَ فَلا يَصِلُ البائِعُ إلى تَحْصِينِ مالِهِ بِالإشْهادِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَنَدَبَ إلى الإشْهادِ عَلى التَّبايُعِ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ولَمْ يَقُلْ: " إذا تَبايَعْتُمْ وتَفَرَّقْتُمْ " ومُوجِبُ الخِيارِ مُثْبِتٌ في الآيَةِ مِنَ التَّفَرُّقِ ما لَيْسَ فِيها، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادَ في حُكْمِ الآيَةِ ما لَيْسَ فِيها. وإنْ تَرَكا الإشْهادَ إلى بَعْدِ الِافْتِراقِ كانَ في ذَلِكَ تَرْكُ الِاحْتِياطِ الَّذِي مِن أجْلِهِ نَدَبَ إلى الإشْهادِ، وعَسى أنْ يَمُوتَ المُشْتَرِي قَبْلَ الإشْهادِ أوْ يَجْحَدُهُ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ إيجابُ الخِيارِ مُسْقِطًا لِمَعْنى الِاحْتِياطِ وتَحْصِينِ المالِ بِالإشْهادِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ البَيْعِ بِالإيجابِ والقَبُولِ بَتاتًا لا خِيارَ فِيهِ لِواحِدٍ مِنهُما. فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ شَرَطا في البَيْعِ ثُبُوتَ الخِيارِ لِثَلاثٍ كانَ الإشْهادُ عَلَيْهِ صَحِيحًا مَعَ شَرْطِ الخِيارِ، ولَمْ يَكُنْ ما تَلَوْتَ مِن آيَةِ الدَّيْنِ وكَتْبِ الكِتابِ والإشْهادِ والرَّهْنِ مانِعًا وُقُوعَهُ عَلى شَرْطِ الخِيارِ وصِحَّةِ الإشْهادِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ خِيارِ المَجْلِسِ لا يَنْفِي صِحَّةَ الشَّهادَةِ والرَّهْنِ. قِيلَ لَهُ: الآيَةُ بِما فِيها مِنَ الإشْهادِ لَمْ تَتَضَمَّنِ البَيْعَ المَشْرُوطِ فِيهِ الخِيارُ وإنَّما تَضَمَّنَتْ بَيْعًا باتًّا، وإنَّما أجَزْنا شَرْطَ الخِيارِ بِدَلالَةٍ خَصَّصْناهُ بِها مِن جُمْلَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ في المُدايَناتِ واسْتَعْمَلْنا حُكْمَها في البِياعاتِ العارِيَّةِ مِن شَرْطِ الخِيارِ، فَلَيْسَ فِيما أجَزْنا مِنَ البَيْعِ المَعْقُودِ عَلى شَرْطِ الخِيارِ ما يَمْنَعُ اسْتِعْمالَ حُكْمِ الآيَةِ بِما انْتَظَمَتْهُ مِنَ الِاحْتِياطِ بِالإشْهادِ والرَّهْنِ وصِحَّةِ إقْرارِ العاقِدِ في البِياعاتِ الَّتِي لَمْ يُشْرَطْ فِيها خِيارٌ، والبَيْعُ المَعْقُودُ عَلى شَرْطِ الخِيارِ خارِجٌ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ غَيْرُ مُرادٍ بِها لِما وصَفْنا حَتّى يَسْقُطَ الخِيارُ ويَتِمَّ البَيْعُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونانِ مَندُوبَيْنِ إلى الإشْهادِ عَلى الإقْرارِ دُونَ التَّبايُعِ؛ ولَوْ أثْبَتْنا الخِيارَ في كُلِّ بَيْعٍ وتَمَّ البَيْعُ عَلى حَسَبِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مُخالِفُونا لَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَوْضِعٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ حُكْمُها عَلى حَسَبِ مُقْتَضاها ومُوجِبِها. وأيْضًا فَإنَّ إثْباتَ الخِيارِ إنَّما يَكُونُ مَعَ (p-١٣٥)عَدَمِ الرِّضى بِالبَيْعِ لِيَرْتَئِيَ في إبْرامِ البَيْعِ أوْ فَسْخِهِ، فَإذا تَعاقَدا عَقْدَ البَيْعِ مِن غَيْرِ شَرْطِ الخِيارِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما راضٍ بِتَمْلِيكِ ما عَقَدَ عَلَيْهِ لَصاحِبِهِ، فَلا مَعْنى لِإثْباتِ الخِيارِ فِيهِ مَعَ وُجُودِ الرِّضى بِهِ، ووُجُودُ الرِّضى مانِعٌ مِنَ الخِيارِ ألا تَرى أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُثْبِتِينَ لِخِيارِ المَجْلِسِ أنَّهُ إذا قالَ لَصاحِبِهِ " اخْتَرْ " فاخْتارَهُ ورَضِيَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِخِيارِهِما ؟ ولَيْسَ في ذَلِكَ أكْثَرُ مِن رِضاهُما بِإمْضاءِ البَيْعِ، والرِّضى مَوْجُودٌ مِنهُما بِنَفْسِ المُعاقَدَةِ، فَلا يَحْتاجانِ إلى رِضًى ثانٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يُشْتَرَطَ بَعْدَ رِضاهُما بِهِ بَدِيًّا بِالعَقْدِ رِضًى آخَرُ لَجازَ أنْ يُشْتَرَطَ رِضًى ثانٍ وثالِثٌ، وكانَ لا يَمْنَعُ رِضاهُما بِهِ مِن إثْباتِ خِيارٍ ثالِثٍ ورابِعٍ، فَلَمّا بَطَلَ هَذا صَحَّ أنَّ رِضاهُما بِالبَيْعِ هو إبْطالٌ لِلْخِيارِ وإتْمامٌ لِلْبَيْعِ. وإنَّما صَحَّ خِيارُ الشَّرْطِ في البَيْعِ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ المَشْرُوطِ لَهُ الخِيارُ رِضًى بِإخْراجِ شَيْئِهِ مِن مِلْكِهِ حِينَ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الخِيارَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ جازَ إثْباتُ الخِيارِ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: فَأنْتَ قَدْ أثْبَتَّ خِيارَ الرُّؤْيَةِ وخِيارَ العَيْبِ مَعَ وُجُودِ الرِّضى بِالبَيْعِ، ولَمْ يَمْنَعْ رِضاهُما مِن إثْباتِ الخِيارِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ رِضاهُما بِهِ مِن إثْباتِ خِيارِ المَجْلِسِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ خِيارُ الرُّؤْيَةِ وخِيارُ العَيْبِ مِن خِيارِ المَجْلِسِ في شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ خِيارَ الرُّؤْيَةِ لا يَمْنَعُ وُقُوعَ المِلْكِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِيما عَقَدَ لَهُ صاحِبُهُ مِن جِهَتِهِ لِوُجُودِ الرِّضى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِهِ، فَلَيْسَ لِهَذا الخِيارُ تَأْثِيرٌ في نَفْيِ المِلْكِ، بَلِ المِلْكُ واقِعٌ مَعَ وُجُودِ الخِيارِ لِأجْلِ وُجُودِ الرِّضى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِهِ، وخِيارُ المَجْلِسِ عَلى وُقُوعِ القائِلِينَ بِهِ مانِعٌ مِن وُقُوعِ المِلْكِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِيما مَلَّكَهُ إيّاهُ صاحِبُهُ مَعَ وُجُودِ الرِّضى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِتَمْلِيكِهِ إيّاهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الرِّضى بِهِ بَدِيًّا بِإيجابِهِ لَهُ العَقْدَ وبَيْنَهُ إذا قالَ: " قَدْ رَضِيتَ فاخْتَرْ " ورَضِيَ بِهِ صاحِبُهُ؛ فَلا فَرْقَ بَيْنَ البَيْعِ فِيما فِيهِ خِيارُ الرُّؤْيَةِ وخِيارُ العَيْبِ وبَيْنَ ما لَيْسَ فِيهِ واحِدٌ مِنَ الخِيارَيْنِ في بابِ وُقُوعِ المِلْكِ بِهِ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ بَعْدَ ذَلِكَ في خِيارٍ غَيْرِ نافٍ لِلْمِلْكِ، وإنَّما هو لِأجْلِ جَهالَةِ صِفاتِ المَبِيعِ عِنْدَهُ أوْ لِفَوْتِ جُزْءٍ مِنهُ مُوجِبٍ لَهُ بِالعَقْدِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّضى بِالعَقْدِ هو المُوجِبُ لِلْمِلْكِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى وُقُوعِ المِلْكِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ الِافْتِراقِ وبُطْلانِ الخِيارِ بِهِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ في الفُرْقَةِ دَلالَةٌ عَلى الرِّضى ولا عَلى نَفْيِهِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الفُرْقَةِ والبَقاءِ في المَجْلِسِ سَواءٌ في نَفْيِ دَلالَتِهِ عَلى الرِّضى، فَعَلِمْنا أنَّ المِلْكَ إنَّما وقَعَ بِالرِّضى بَدِيًّا بِالعَقْدِ لا بِالفُرْقَةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ فُرْقَةٌ يَتَعَلَّقُ بِها تَمْلِيكٌ وتَصْحِيحُ العَقْدِ، بَلْ في الأُصُولِ أنَّ الفُرْقَةَ إنَّما تُؤَثِّرُ في فَسْخِ كَثِيرٍ (p-١٣٦)مِنَ العُقُودِ، مِن ذَلِكَ الفُرْقَةُ عَنْ عَقْدِ الصَّرْفِ قَبْلَ القَبْضِ وعَنِ السَّلَمِ قَبْلَ القَبْضِ لِرَأْسِ المالِ وعَنِ الدَّيْنِ قَبْلَ تَعْيِينِ أحَدِهِما، فَلَمّا وجَدْنا الفُرْقَةَ في الأُصُولِ في كَثِيرٍ مِنَ العُقُودِ إنَّما تَأْثِيرُها في إبْطالِ العَقْدِ دُونَ جَوازِهِ ولَمْ نَجِدْ في الأُصُولِ فُرْقَةً مُؤَثِّرَةً في تَصْحِيحِ العَقْدِ وجَوازِهِ ثَبَتَ أنَّ اعْتِبارَ خِيارِ المَجْلِسِ ووُقُوعَ الفُرْقَةِ في تَصْحِيحِ العَقْدِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ ظاهِرِ الكِتابِ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ الأُمَّةِ أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ الصَّرْفِ افْتِراقُهُما عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ عَنْ قَبْضٍ صَحِيحٍ، فَإنْ كانَ خِيارُ المَجْلِسِ ثابِتًا في عَقْدِ الصَّرْفِ مَعَ التَّقابُضِ والعَقْدُ لَمْ يَتِمَّ ما بَقِيَ الخِيارُ، فَإذا افْتَرَقا لَمْ يَجُزْ أنْ يَصِحَّ بِالِافْتِراقِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْطِلَهُ الِافْتِراقُ قَبْلَ صِحَّتِهِ، فَإذا كانا قَدِ افْتَرَقا عَنْهُ ولَمّا يَصِحَّ بَعْدُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصِحَّ بِالِافْتِراقِ فَيَكُونُ المُوجِبُ لِصِحَّتِهِ هو المُوجِبُ لِبُطْلانِهِ. ويَدُلُّ عَلى نَفْيِ خِيارِ المَجْلِسِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» فَأحَلَّ لَهُ المالَ بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ، وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ بِعَقْدِ البَيْعِ، فَوَجَبَ بِمُقْتَضى الخَبَرِ أنْ يَحِلَّ لَهُ؛ ودَلالَةُ الخَبَرِ عَلى ذَلِكَ كَدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعامِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ الصّاعانِ صاعُ البائِعِ وصاعُ المُشْتَرِي، فَأباحَ بَيْعَهُ إذا جَرى فِيهِ الصّاعانِ ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الِافْتِراقَ، فَوَجَبَ عَلى ذَلِكَ أنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ إذا اكْتالَهُ مِن بائِعِهِ في المَجْلِسِ الَّذِي تَعاقَدا فِيهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنِ ابْتاعَ طَعامًا فَلا يَبِعْهُ حَتّى يَقْبِضَهُ» فَلَمّا أجازَ بَيْعَهُ بَعْدَ القَبْضِ ولَمْ يَشْرُطْ فِيهِ الِافْتِراقَ، فَوَجَبَ بِقَضِيَّةِ الخَبَرِ أنَّهُ إذا قَبَضَهُ في المَجْلِسِ أنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ، وذَلِكَ يَنْفِي خِيارَ البائِعِ لِأنَّ ما لِلْبائِعِ فِيهِ خِيارٌ لا يَجُوزُ تَصَرُّفُ المُشْتَرِي فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ، ومَن باعَ نَخْلًا ولَهُ ثَمَرَةٌ فَثَمَرَتُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ»، فَجَعَلَ الثَّمَرَةَ ومالَ العَبْدِ لِلْمُشْتَرِي بِالشَّرْطِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ التَّفْرِيقِ، ومُحالٌ أنْ يَمْلِكَها المُشْتَرِي قَبْلَ مِلْكِ الأصْلِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى وُقُوعِ المِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بِنَفْسِ العَقْدِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «لَنْ يَجْزِيَ ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ؛» واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْنافِ عِتْقٍ بَعْدَ الشِّرى، وأنَّهُ مَتى صَحَّ لَهُ المِلْكُ عُتِقَ عَلَيْهِ، فالنَّبِيُّ ﷺ أوْجَبَ عِتْقَهُ بِالشِّرى مِن غَيْرِ شَرْطِ الفُرْقَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ المَجْلِسَ قَدْ يَطُولُ ويَقْصُرُ، فَلَوْ عَلَّقْنا وُقُوعَ المِلْكِ عَلى خِيارِ المَجْلِسِ لَأوْجَبَ بُطْلانَهُ (p-١٣٧)لِجَهالَةِ مُدَّةِ الخِيارِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ وُقُوعُ المِلْكِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ باعَهُ بَيْعًا باتًّا وشَرَطا الخِيارَ لَهُما بِمِقْدارِ قُعُودِ فُلانٍ في مَجْلِسِهِ كانَ البَيْعُ باطِلًا لِجَهالَةِ مُدَّةِ الخِيارِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ صِحَّةُ العَقْدِ ؟ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِخِيارِ المَجْلِسِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي بَرْزَةَ وحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا» . ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا تَبايَعَ المُتَبايِعانِ بِالبَيْعِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالخِيارِ مِن بائِعِهِ ما لَمْ يَفْتَرِقا أوْ يَكُونُ بَيْعُهُما عَنْ خِيارٍ فَإذا كانَ عَنْ خِيارٍ فَقَدْ وجَبَ» وكانَ ابْنُ عُمَرَ إذا بايَعَ الرَّجُلَ ولَمْ يُخَيِّرْهُ وأرادَ أنْ لا يُقِيلَهُ قامَ فَمَشى هُنَيْهَةً ثُمَّ رَجَعَ. فاحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: " المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا " وابْنُ عُمَرَ هو راوِي الحَدِيثِ، وقَدْ عَقَلَ مِن مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ فُرْقَةَ الأبَدانِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا ما رُوِيَ مِن فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ مِن مَذْهَبِهِ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ خافَ أنْ يَكُونَ بائِعُهُ مِمَّنْ يَرى الخِيارَ في المَجْلِسِ فَيَحْذَرُ مِنهُ بِذَلِكَ حَذَرًا مِمّا لَحِقَهُ في البَراءَةِ مِنَ العُيُوبِ، حَتّى خُوصِمَ إلى عُثْمانَ فَحَمَلَهُ عَلى خِلافِ رَأْيِهِ ولَمْ يُجِزِ البَراءَةَ إلّا أنْ يُبَيِّنَهُ لِمُبْتاعِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ عَلى مُوافَقَتِهِ، وهو ما رَوى ابْنُ شِهابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ قالَ: " ما أدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا فَهو مِن مالِ المُبْتاعِ "، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَرى أنَّ المَبِيعَ كانَ يَدْخُلُ في مِلْكِ المُشْتَرِي بِالصَّفْقَةِ ويَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ البائِعِ، وذَلِكَ يَنْفِي الخِيارَ. وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا»، وفي بَعْضِ الألْفاظِ: «البائِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا»، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ تَقْتَضِي حالَ التَّبايُعِ وهي حالُ السَّوْمِ، فَإذا أبْرَما البَيْعَ وتَراضَيا فَقَدْ وقَعَ البَيْعُ، فَلَيْسا مُتَبايِعَيْنِ في هَذِهِ الحالِ في الحَقِيقَةِ كَما أنَّ المُتَضارِبَيْنِ والمُتَقايِلِينَ إنَّما يَلْحَقُهُما هَذا الِاسْمُ في حالِ التَّضارُبِ والتَّقايُلِ، وبَعْدَ انْقِضاءِ الفِعْلِ لا يُسَمَّيانِ بِهِ عَلى الإطْلاقِ وإنَّما يُقالُ كانا مُتَقايِلَيْنِ ومُتَضارِبَيْنِ؛ وإذا كانَتْ حَقِيقَةُ مَعْنى اللَّفْظِ ما وصَفْنا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ في مَوْضِعِ الخِلافِ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّأْوِيلُ يُودِي إلى إسْقاطِ فائِدَةِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُشْكِلٍ عَلى أحَدٍ أنَّ المُتَساوِمَيْنِ قَبْلَ وُجُودِ التَّراضِي بِالعَقْدِ هُما عَلى خِيارِهِما في إيقاعِ العَقْدِ أوْ تَرْكِهِ. قِيلَ لَهُ: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّهُ قَدْ كانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ البائِعَ إذا قالَ لِلْمُشْتَرِي " قَدْ بِعْتُكَ " أنْ لا يَكُونَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ المُشْتَرِي، كالعِتْقِ عَلى مالٍ والخُلْعِ عَلى مالٍ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْلى ولا لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ العَبْدِ والمَرْأةِ؛ فَأبانَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ البَيْعِ في إثْباتِ الخِيارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما في الرُّجُوعِ قَبْلَ قَبُولِ الآخَرِ وأنَّهُ مُفارِقٌ لِلْعِتْقِ والخُلْعِ. (p-١٣٨)فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى المُتَساوِمانِ مُتَبايِعَيْنِ قَبْلَ وُقُوعِ العَقْدِ بَيْنَهُما ؟ قِيلَ لَهُ: جائِزٌ إذا قَصَدا إلى البَيْعِ بِإظْهارِ السَّوْمِ فِيهِ كَما نُسَمِّي القاصِدَيْنِ إلى القَتْلِ مُتَقاتِلَيْنِ وإنْ لَمْ يَقَعْ مِنهُما قَتْلٌ بَعْدُ، وكَما قِيلَ لِوَلَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَأْمُورُ بِذَبْحِهِ: الذَّبِيحَ لِقُرْبِهِ مِنَ الذَّبْحِ وإنْ لَمْ يُذْبَحْ؛ وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] والمَعْنى فِيهِ مُقارَبَةُ البُلُوغِ ألا تَرى أنَّهُ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وأرادَ بِهِ حَقِيقَةَ البُلُوغِ. فَجائِزٌ عَلى هَذا أنْ يُسَمّى المُتَساوِمانِ مُتَبايِعَيْنِ إذا قَصَدا إيقاعَ العَقْدِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا، واَلَّذِي لا يَخْتَلُّ عَلى أحَدٍ أنَّهُما بَعْدَ وُقُوعِ البَيْعِ مِنهُما لا يُسَمَّيانِ مُتَبايِعَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ كَسائِرِ الأفْعالِ إذا انْقَضَتْ زالَ عَنْ فاعِلِيها الأسْماءُ المُشْتَقَّةُ لَها مِن أفْعالِهِمْ، إلّا في أسْماءِ المَدْحِ والذَّمِّ عَلى ما بَيَّنّا في صَدْرِ هَذا الكِتابِ؛ وإنَّما يُقالُ كانا مُتَبايِعَيْنِ وكانا مُتَقايِلَيْنِ وكانا مُتَضارِبَيْنِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الِاسْمَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لَهُما بَعْدَ إيقاعِ العَقْدِ أنَّهُ قَدْ يَصِحُّ مِنهُما الإقالَةُ والفَسْخُ بَعْدَ العَقْدِ وهُما في الحَقِيقَةِ مُتَقايِلانِ في حالِ فِعْلِ الإقالَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونا مُتَقايِلَيْنِ مُتَفاسِخَيْنِ ومُتَبايِعَيْنِ في حالٍ واحِدَةٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إطْلاقَ اسْمِ المُتَبايِعَيْنِ عَلَيْهِما إنَّما يَتَناوَلُ حالَ السَّوْمِ وإيقاعَ العَقْدِ حَقِيقَةً، وأنَّ هَذا الِاسْمَ إنَّما يَلْحَقُهُما بَعْدَ انْقِضاءِ العَقْدِ عَلى مَعْنى أنَّهُما كانا مُتَبايِعَيْنِ وذَلِكَ مَجازٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ وهي حالُ التَّبايُعِ، وهو أنْ يَقُولَ: " قَدْ بِعْتُكَ " فَأطْلَقَ اسْمَ البَيْعِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ قَبُولِ الآخَرِ، فَهَذِهِ هي الحالُ الَّتِي هُما مُتَبايِعانِ فِيها وهي حالُ ثُبُوتِ الخِيارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما. فَلِلْبائِعِ الخِيارُ في الفَسْخِ قَبْلَ قَبُولِ الآخَرِ ولِلْمُشْتَرِي الخِيارُ في القَبُولِ قَبْلَ الِافْتِراقِ. ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ المُرادَ هَذِهِ الحالُ قَوْلُهُ: " المُتَبايِعانِ " وإنَّما البائِعُ أحَدُهُما وهو صاحِبُ السِّلْعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا قالَ البائِعُ قَدْ بِعْتُ فَهُما بِالخِيارِ قَبْلَ الِافْتِراقِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المُشْتَرِيَ لَيْسَ بِبائِعٍ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ: إذا باعَ البائِعُ قَبْلَ قَبُولِ المُشْتَرِي. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا» فَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْناهُ: إذا قالَ البائِعُ قَدْ بِعْتُكَ فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ ما لَمْ يَقُلِ المُشْتَرِي قَبِلْتُ، قالَ: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وعَنْ أبِي يُوسُفَ: " هُما المُتَساوِيانِ، فَإذا قالَ بِعْتُكَ بِعَشْرَةٍ فَلِلْمُشْتَرِي خِيارُ القَبُولِ في المَجْلِسِ ولِلْبائِعِ خِيارُ الرُّجُوعِ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ المُشْتَرِي، ومَتى قامَ أحَدُهُما قَبْلَ قَبُولِ البَيْعِ بَطَلَ الخِيارُ الَّذِي كانَ لَهُما ولَمْ تَكُنْ لِواحِدٍ مِنهُما (p-١٣٩)إجازَتُهُ " . فَحَمَلَهُ مُحَمَّدٌ عَلى الِافْتِراقِ بِالقَوْلِ وذَلِكَ سائِغٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] ويُقالُ: تَشاوَرَ القَوْمُ في كَذا فافْتَرَقُوا عَنْ كَذا، يُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ عَلى قَوْلٍ والرِّضى بِهِ وإنْ كانُوا مُجْتَمَعِينَ في المَجْلِسِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الِافْتِراقُ بِالقَوْلِ، ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا أنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفارِقَ صاحِبَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ» . وقَوْلُهُ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» هو عَلى الِافْتِراقِ بِالقَوْلِ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: " ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفارِقَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ " ؟ وهَذا هو افْتِراقُ الأبْدانِ بَعْدَ الِافْتِراقِ بِالقَوْلِ وصِحَّةِ وُقُوعِ العَقْدِ بِهِ، والِاسْتِقالَةُ هو مَسْألَةُ الإقالَةِ؛ وهَذا يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى نَفْيِ الخِيارِ بَعْدَ وُقُوعِ العَقْدِ: أحَدِهِما: أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ خِيارُ المَجْلِسِ لَما احْتاجَ إلى أنْ يَسْألَهُ الإقالَةَ بَلْ كانَ هو يَفْسَخُهُ بِحَقِّ الخِيارِ الَّذِي لَهُ فِيهِ، والثّانِي: أنَّ الإقالَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ صِحَّةِ العَقْدِ وحُصُولِ مِلْكِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِيما عَقَدَ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ صاحِبِهِ، فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الخِيارِ وصِحَّةِ البَيْعِ. وقَوْلُهُ: «ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفارِقَهُ» يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ إلى إقالَتِهِ إذا سَألَهُ إيّاها ما داما في المَجْلِسِ مَكْرُوهٌ لَهُ أنْ لا يُجِيبَهُ إلَيْها، وأنَّ حُكْمَهُ في ذَلِكَ بَعْدَ الِافْتِراقِ مُخالِفٌ لَهُ إذا لَمْ يُفارِقْهُ في أنَّهُ لا يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ إجابَتِهِ إلى الإقالَةِ بَعْدَ الفُرْقَةِ ويُكْرَهُ لَهُ قَبْلَها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ الأزْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرارَةَ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ لا بَيْعَ بَيْنَهُما إلّا أنْ يَفْتَرِقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ القَسْمَلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا»، فَأخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ كُلَّ بَيِّعَيْنِ لا بَيْعَ بَيْنَهُما إلّا بَعْدَ الِافْتِراقِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِنَفْيِهِ البَيْعَ بَيْنَهُما في حالِ السَّوْمِ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ كانا قَدْ تَبايَعا لَمْ يَنْفِ النَّبِيُّ ﷺ تَبايُعَهُما مَعَ صِحَّةِ العَقْدِ ووُقُوعِهِ فِيما بَيْنَهُما؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَنْفِي ما قَدْ أثْبَتَ؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ المُتَساوِمانِ اللَّذانِ قَدْ قَصَدا إلى التَّبايُعِ وأوْجَبَ البائِعُ البَيْعَ لِلْمُشْتَرِي وقَصَدَ المُشْتَرِي إلى شِرائِهِ مِنهُ بِأنْ قالَ لَهُ " بِعْنِي " فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما بَيْعٌ حَتّى يَفْتَرِقا بِالقَوْلِ والقَبُولِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ " بِعْنِي " قَبُولًا (p-١٤٠)لِلْعَقْدِ ولا مِن ألْفاظِ البَيْعِ وإنَّما هو أمْرٌ بِهِ، فَإذا قالَ " قَدْ قَبِلْتُ " وقَعَ البَيْعُ؛ فَهَذا هو الِافْتِراقُ الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى القَوْلِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَ نَظائِرِهِ في إطْلاقِ ذَلِكَ في اللِّسانِ. فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ مُرادُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نَفْيِهِ البَيْعَ حالَ إيقاعِ البَيْعِ بِالإيجابِ والقَبُولِ ؟ وإنَّما نَفى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما بَيْعٌ لِما لَهُما فِيهِ مِن خِيارِ المَجْلِسِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ، مِن قِبَلِ أنَّ ثُبُوتَ الخِيارِ لا يُوجِبُ نَفْيَ اسْمِ البَيْعِ عَنْهُ ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أثْبَتَ بَيْنَهُما البَيْعَ إذا شَرَطا فِيهِ الخِيارَ بَعْدَ الِافْتِراقِ ولَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الخِيارِ فِيهِ مُوجِبًا لِنَفْيِ اسْمِ البَيْعِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ» ؟ فَجَعَلَ بَيْعَ الخِيارِ بَيْعًا، فَلَوْ أرادَ بِقَوْلِهِ: " كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا " حالَ وُقُوعِ الإيجابِ والقَبُولِ لَما نَفى البَيْعَ بَيْنَهُما لِأجْلِ خِيارِ المَجْلِسِ كَما لَمْ يَنْفِهِ إذا كانَ فِيهِ خِيارٌ مَشْرُوطٌ بَلْ أثْبَتَهُ وجَعَلَهُ بَيْعًا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: " كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا " إنَّما أرادَ بِهِ المُتَساوِيَيْنِ في البَيْعِ. وأفادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: " اشْتَرِ مِنِّي " أوْ قَوْلَ المُشْتَرِي " بِعْنِي " لَيْسَ بِبَيْعٍ حَتّى يَفْتَرِقا بِأنْ يَقُولَ البائِعُ " قَدْ بِعْتُ " ويَقُولَ المُشْتَرِي " قَدِ اشْتَرَيْتُ " فَيَكُونا قَدِ افْتَرَقا وتَمَّ البَيْعُ، ووَجَبَ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ خِيارٌ مَشْرُوطٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا، وإنْ لَمْ يَفْتَرِقا بِأبْدانِهِما بَعْدَ حُصُولِ الِافْتِراقِ فِيهِما بِالإيجابِ والقَبُولِ. وأكْثَرُ أحْوالِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا» احْتِمالُهُ لِما وصَفْنا ولِما قالَ مُخالِفُنا؛ وغَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ بِالِاحْتِمالِ بَلِ الواجِبُ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلى مُوافَقَةِ القُرْآنِ ولا يُحْمَلُ عَلى ما يُخالِفُهُ. ويَدُلُّ مِن جِهَةِ النَّظَرِ عَلى ما وصَفْنا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ النِّكاحَ والخُلْعَ والعِتْقَ عَلى مالٍ والصُّلْحَ مِن دَمِ العَمْدِ إذا تَعاقَداهُ بَيْنَهُما صَحَّ بِالإيجابِ والقَبُولِ مِن غَيْرِ خِيارٍ يَثْبُتُ لِواحِدٍ مِنهُما، والمَعْنى فِيهِ الإيجابُ والقَبُولُ فِيما يَصِحُّ العَقْدُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ خِيارٍ مَشْرُوطٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: " لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] ومَعْناهُ: يَقْتُلُوا بَعْضَكم. وتَقُولُ العَرَبُ: قُتِلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، إذا قُتِلَ بَعْضُهم. وقِيلَ: إنَّما حَسُنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم أهْلُ دِينٍ واحِدٍ فَهم كالنَّفْسِ الواحِدَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وأرادَ قَتْلَ بَعْضِكم بَعْضًا ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ إذا ألِمَ بَعْضُهُ تَداعى سائِرُهُ بِالحُمّى والسَّهَرِ» وقالَ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» فَكانَ تَقْدِيرُهُ: ولا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا في أكْلِ أمْوالِكم بِالباطِلِ ولا غَيْرِهِ مِمّا هو مُحَرَّمٌ (p-١٤١)عَلَيْكم، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ويَحْتَمِلُ: ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم في طَلَبِ المالِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلى الغَرَرِ المُؤَدِّي إلى التَّلَفِ. ويَحْتَمِلُ: ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم في حالِ غَضَبٍ أوْ ضَجَرٍ. وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُرادَةً لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ فَإنَّهُ قِيلَ فِيما عادَ إلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ عَلى أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الخَصْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: " في قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ خاصَّةً " . وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى فِعْلِ كُلِّ ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ. وقِيلَ: مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَقْرُونٌ بِالوَعِيدِ، والأظْهَرُ عَوْدُهُ إلى ما يَلِيهِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ. وقَيَّدَ الوَعِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ لِيَخْرُجَ مِنهُ فِعْلُ السَّهْوِ والغَلَطِ وما كانَ طَرِيقَهُ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ إلى حَدِّ التَّعَمُّدِ والعِصْيانِ. وذَكَرَ الظُّلْمَ والعُدْوانَ مَعَ تَقارُبِ مَعانِيهِما؛ لِأنَّهُ يَحْسُنُ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎وقَدَدْتُ الأدِيمَ لِراهِشِيهِ وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنا والكَذِبُ هو المَيْنُ؛ وحَسُنَ العَطْفُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وكَقَوْلِ بِشْرِ بْنِ حازِمٍ: ؎فَما وطِئَ الحَصى مِثْلُ ابْنِ سُعْدى ∗∗∗ ولا لَبِسَ النِّعالَ ولا احْتَذاها والِاحْتِذاءُ هو لُبْسُ النَّعْلِ. وكَما تَقُولُ: بُعْدًا وسُحْقًا، ومَعْناهُما واحِدٌ، وحَسُنَ لاخْتِلافِ اللَّفْظِ واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:30

بابُ التِّجاراتِ وخِيارِ البَيْعِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَ هَذا العُمُومُ النَّهْيَ عَنْ أكْلِ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ وأكْلِ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ يَقَعُ عَلى مالِ الغَيْرِ ومالِ نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قَدِ اقْتَضى النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ غَيْرِهِ وقَتْلِ نَفْسِهِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ نَهْيٌ لِكُلِّ أحَدٍ عَنْ أكْلِ مالِ نَفْسِهِ ومالِ غَيْرِهِ بِالباطِلِ. وأكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ؛ وأكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما قالَ السُّدِّيُّ وهو أنْ يَأْكُلَ بِالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: أنْ يَأْكُلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إلى أنْ نُسِخَ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي في النُّورِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الآيَةَ. قالَ أبُو (p-١٢٨)بَكْرٍ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ النّاسَ تَحَرَّجُوا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ أنْ يَأْكُلُوا عِنْدَ أحَدٍ لا عَلى أنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الهِباتِ والصَّدَقاتِ لَمْ تَكُنْ مَحْظُورَةً قَطُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الأكْلُ عِنْدَ غَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الأكْلَ عِنْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَذا لَعَمْرِي قَدْ تَناوَلَتْهُ الآيَةُ. وقَدْ رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " هي مُحْكَمَةٌ ما نُسِخَتْ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ " ورَوى الرَّبِيعُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " ما نَسَخَها شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ " . ونَظِيرُ ما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ مالِ الغَيْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» . وعَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ أكْلِ مالِ الغَيْرِ مَعْقُودٌ بِصِفَةٍ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ بِالباطِلِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أكْلَ أبِدالِ العُقُودِ الفاسِدَةِ كَأثْمانِ البِياعاتِ الفاسِدَةِ، وكَمَنِ اشْتَرى شَيْئًا مِنَ المَأْكُولِ فَوَجَدَهُ فاسِدًا لا يُنْتَفَعُ بِهِ نَحْوُ البَيْضِ والجَوْزِ، فَيَكُونُ أكْلُ ثَمَنِهِ أكْلَ مالٍ بِالباطِلِ؛ وكَذَلِكَ ثَمَنُ كُلِّ ما لا قِيمَةَ لَهُ ولا يُنْتَفَعُ بِهِ كالقِرْدِ والخِنْزِيرِ والذُّبابِ والزَّنابِيرِ وسائِرِ ما لا مَنفَعَةَ فِيهِ، فالِانْتِفاعُ بِأثْمانِ جَمِيعِ ذَلِكَ أكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، وكَذَلِكَ أُجْرَةُ النّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ، وكَذَلِكَ ثَمَنُ المَيْتَةِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن باعَ بَيْعًا فاسِدًا وأخَذَ ثَمَنَهُ أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ أكْلِ ثَمَنِهِ وعَلَيْهِ رَدُّهُ إلى مُشْتَرِيهِ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ إذا تَصَرَّفَ فِيهِ فَرَبِحَ فِيهِ وقَدْ كانَ عَقَدَ عَلَيْهِ بِعِينَةٍ وقَبَضَهُ أنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَهُ مِن وجْهٍ مَحْظُورٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] مُنْتَظِمٌ لِهَذِهِ المَعانِي كُلِّها ونَظائِرِها مِنَ العُقُودِ المُحَرَّمَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَلِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ تَحْرِيمَ أكْلِ الهِباتِ والصَّدَقاتِ والإباحَةَ لِلْمالِ مِن صاحِبِهِ ؟ قِيلَ لَهُ: كُلُّ ما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العُقُودِ وأطْلَقَهُ مِن جَوازِ أكْلِ مالِ الغَيْرِ بِإباحَتِهِ إيّاهُ فَخارِجٌ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الحَظْرَ في أكْلِ المالِ مُقَيَّدٌ بِشَرِيطَةٍ وهي أنْ يَكُونَ أكْلَ مالٍ بِالباطِلِ، وما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى وأحَلَّهُ فَلَيْسَ بِباطِلٍ بَلْ هو حَقٌّ؛ فَنَحْتاجُ أنْ نَنْظُرَ إلى السَّبَبِ الَّذِي يَسْتَبِيحُ أكْلَ هَذا المالِ، فَإنْ كانَ مُباحًا فَلَيْسَ بِباطِلٍ ولَمْ تَتَناوَلْهُ الآيَةُ، وإنْ كانَ مَحْظُورًا فَقَدِ اقْتَضَتْهُ الآيَةُ. * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اقْتَضى إباحَةَ سائِرِ التِّجاراتِ الواقِعَةِ عَنْ تَراضٍ. والتِّجارَةُ اسْمٌ واقِعٌ عَلى عُقُودِ المُعاوَضاتِ (p-١٢٩)المَقْصُودِ بِها طَلَبُ الأرْباحِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] فَسَمّى الإيمانَ تِجارَةً عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِالتِّجاراتِ المَقْصُودِ بِها الأرْباحُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] كَما سَمّى بَذْلَ النُّفُوسِ لِجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى شِرًى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] فَسَمّى بَذْلَ النُّفُوسِ شِراءً عَلى وجْهِ المَجازِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَسَمّى ذَلِكَ بَيْعًا وشِراءً عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِعُقُودِ الأشْرِبَةِ والبِياعاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِها الأعْواضُ. كَذَلِكَ سَمّى الإيمانَ بِاَللَّهِ تَعالى تِجارَةً لِما اسْتَحَقَّ بِهِ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والأبْدالِ الجَسِيمَةِ، فَتَدْخُلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ عُقُودُ البَياعاتِ والإجاراتُ والهِباتُ المَشْرُوطَةُ فِيها الأعْواضُ؛ لِأنَّ المُبْتَغى في جَمِيعِ ذَلِكَ في عاداتِ النّاسِ تَحْصِيلُ الأعْواضِ لا غَيْرُ. ولا يُسَمّى النِّكاحُ تِجارَةً في العُرْفِ والعادَةِ، إذْ لَيْسَ المُبْتَغى مِنهُ في الأكْثَرِ الأعَمِّ تَحْصِيلُ العِوَضِ الَّذِي هو مَهْرٌ، وإنَّما المُبْتَغى فِيهِ أحْوالُ الزَّوْجِ مِنَ الصَّلاحِ والعَقْلِ والدِّينِ والشَّرَفِ والجاهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ يُسَمَّ تِجارَةً لِهَذا المَعْنى؛ وكَذَلِكَ الخُلْعُ والعِتْقُ عَلى مالٍ لَيْسَ يَكادُ يُسَمّى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تِجارَةً. ولِما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِصاصِ اسْمِ التِّجارَةِ بِما وصَفْنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " إنَّ المَأْذُونَ لَهُ في التِّجارَةِ لا يُزَوِّجُ أمَتَهُ وعَبْدَهُ ولا يُكاتِبُ ولا يُعْتِقُ عَلى مالٍ ولا يَتَزَوَّجُ هو أيْضًا وإنْ كانَتْ أمَةً لا تُزَوِّجُ نَفْسَها؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُ مَقْصُورٌ عَلى التِّجارَةِ ولَيْسَتْ هَذِهِ العُقُودُ مِنَ التِّجارَةِ "؛ وقالُوا: " إنَّهُ يُؤاجِرُ نَفْسَهُ وعَبِيدَهُ وما في يَدِهِ مِن أمْوالِ التِّجارَةِ؛ إذْ كانَتِ الإجارَةُ مِنَ التِّجارَةِ "؛ وكَذَلِكَ قالُوا في المُضارِبِ وشَرِيكِ العِنانِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَهُما مَقْصُورٌ عَلى التِّجارَةِ دُونَ غَيْرِها. ولَمْ يَخْتَلِفِ النّاسُ أنَّ البُيُوعَ مِنَ التِّجاراتِ. * * واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في لَفْظِ البَيْعِ كَيْفَ هو، قالَ أصْحابُنا: " إذا قالَ الرَّجُلُ بِعْنِي عَبْدَكَ هَذا بِألْفِ دِرْهَمٍ فَقالَ قَدْ بِعْتُكَ لَمْ يَقَعِ البَيْعُ حَتّى يَقْبَلَ الأوَّلُ " ولا يَصِحُّ عِنْدَهم إيجابُ البَيْعِ ولا قَبُولُهُ إلّا بِلَفْظِ الماضِي، ولا يَقَعُ بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ قَوْلَهُ " بِعْنِي " إنَّما هو سَوْمٌ وأمْرٌ بِالبَيْعِ ولَيْسَ بِإيقاعٍ لِلْعَقْدِ، والأمْرُ بِالبَيْعِ لَيْسَ بِبَيْعٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " أشْتَرِي مِنكَ " لَيْسَ بِشِرًى وإنَّما هو إخْبارٌ بِأنَّهُ يَشْتَرِيهِ؛ لِأنَّ الألِفَ لِلِاسْتِقْبالِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ البائِعِ " اشْتَرِ مِنِّي " وقَوْلُهُ: " أبِيعُكَ " لَيْسَ ذَلِكَ بِلَفْظِ العَقْدِ، وإنَّما هو إخْبارٌ بِأنَّهُ سَيَعْقِدُ (p-١٣٠)أوْ أمْرٌ بِهِ. وقالُوا في النِّكاحِ: " القِياسُ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ " إلّا أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا فَقالُوا: إذا قالَ: " زَوِّجْنِي بِنْتَكَ " فَقالَ: " قَدْ زَوَّجْتُكَ " أنَّهُ يَكُونُ نِكاحًا ولا يَحْتاجُ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قَبُولٍ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في قِصَّةِ المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيها فَراجَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيما يُعْطِيها، إلى أنْ قالَ لَهُ: «زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ: " زَوِّجْنِيها " مَعَ قَوْلِهِ: " زَوَّجْتُكَها " عَقْدًا واقِعًا؛ ولِأخْبارٍ أُخَرَ قَدْ رُوِيَتْ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصِدُ في النِّكاحِ الدُّخُولَ فِيهِ عَلى وجْهِ المُساوَمَةِ، والعادَةُ في مِثْلِهِ أنَّهم لا يُفَرِّقُونَ فِيهِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " زَوِّجْنِي " وبَيْنَ قَوْلِهِ: " قَدْ زَوَّجْتُكَ " فَلَمّا جَرَتِ العادَةُ في النِّكاحِ بِما وصَفْنا كانَ قَوْلُهُ: " قَدْ زَوَّجْتُكَ " وقَوْلُهُ: " زَوِّجِينِي نَفْسَكِ " سَواءً. ولَمّا كانَتِ العادَةُ في البَيْعِ دُخُولَهم فِيهِ عَلى وجْهِ السَّوْمِ بَدِيًّا كانَ ذَلِكَ سَوْمًا ولَمْ يَكُنْ عَقْدًا، فَحَمَلُوهُ عَلى القِياسِ. وقَدْ قالَ أصْحابُنا فِيما جَرَتْ بِهِ العادَةُ بِأنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ إيجابَ التَّمْلِيكِ وإيقاعَ العَقْدِ إنَّهُ يَقَعُ بِهِ العَقْدُ، وهو أنْ يُساوِمَهُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ يَزِنَ لَهُ الدَّراهِمَ ويَأْخُذَ المَبِيعَ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ عَقْدًا لِوُقُوعِ تَراضِيهِما بِهِ وتَسْلِيمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ ما طَلَبَهُ مِنهُ وذَلِكَ لِأنَّ جَرَيانَ العادَةِ بِالشَّيْءِ كالنُّطْقِ بِهِ؛ إذْ كانَ المَقْصِدُ مِنَ القَوْلِ الإخْبارَ عَنِ الضَّمِيرِ والِاعْتِقادَ فَإذا عُلِمَ ذَلِكَ بِالعادَةِ مَعَ التَّسْلِيمِ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أجْرَوْا ذَلِكَ مَجْرى العَقْدِ، وكَما يُهْدِي الإنْسانُ لَغَيْرِهِ فَيَقْبِضَهُ فَيَكُونَ قَبُولًا لِلْهِبَةِ؛ «ونَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَناتٍ ثُمَّ قالَ: مَن شاءَ فَلِيَقْتَطِعْ» فَقامَ الِاقْتِطاعُ في ذَلِكَ مَقامَ القَبُولِ لِلْهِبَةِ في إيجابِ التَّمْلِيكِ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها هي طُرُقُ التَّراضِي المَشْرُوطِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: إذا قالَ: " بِعْنِي هَذا بِكَذا " فَقالَ: " قَدْ بِعْتُكَ " فَقَدْ تَمَّ البَيْعُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ النِّكاحُ حَتّى يَقُولَ: " قَدْ زَوَّجْتُكَها " ويَقُولَ الآخَرُ: " قَدْ قَبِلْتُ تَزْوِيجَها " أوْ يَقُولَ الخاطِبُ: " زَوِّجْنِيها " ويَقُولَ الوَلِيُّ: " قَدْ زَوَّجْتُكَها " فَلا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَوْلِ الزَّوْجِ قَدْ قَبِلْتُ. فَإنْ قِيلَ عَلى ما ذَكَرْنا مِن قَوْلِ أصْحابِنا في المُتَساوِمَيْنِ إذا تَساوَما عَلى السِّلْعَةِ ثُمَّ وزَنَ المُشْتَرِي الثَّمَنَ وسَلَّمَهُ إلَيْهِ وسَلَّمَ البائِعُ السِّلْعَةَ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ وهو تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ، غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ هَذا بَيْعًا؛ لِأنَّ لِعَقْدِ البَيْعِ صِيغَةً وهي الإيجابُ والقَبُولُ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيما وصَفْتَ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " أنَّهُ «نَهى عَنْ بَيْعِ المُنابَذَةِ والمُلامَسَةِ وبَيْعِ الحَصاةِ» وما ذَكَرْتُمُوهُ في مَعْنى هَذِهِ البِياعاتِ الَّتِي أبْطَلَها النَّبِيُّ ﷺ لَوُقُوعِها بِغَيْرِ لَفْظِ البَيْعِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا كَما ظَنَنْتَ، ولَيْسَ ما أجازَهُ أصْحابُنا مِمّا (p-١٣١)نَهى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وذَلِكَ لِأنَّ بَيْعَ المُلامَسَةِ هو وُقُوعُ العَقْدِ بِاللَّمْسِ والمُنابَذَةُ وُقُوعُ العَقْدِ بِنَبْذِهِ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ بَيْعُ الحَصاةُ هو أنْ يَضَعَ عَلَيْهِ حَصاةً؛ فَتَكُونَ هَذِهِ الأفْعالُ عِنْدَهم مُوجِبَةً لِوُقُوعِ البَيْعِ، فَهَذِهِ بُيُوعٌ مَعْقُودَةٌ عَلى المُخاطَرَةِ ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الأسْبابِ الَّتِي عَلَّقُوا وُقُوعَ البَيْعِ بِها بِعَقْدِ البَيْعِ. وأمّا ما أجازَهُ أصْحابُنا فَهو أنْ يَتَساوَما عَلى ثَمَنٍ يَقِفُ البَيْعُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَزِنُ لَهُ المُشْتَرِي الثَّمَنَ ويُسَلِّمُ البائِعُ إلَيْهِ المَبِيعَ، وتَسْلِيمُ المَبِيعِ والثَّمَنِ مِن حُقُوقِ البَيْعِ وأحْكامِهِ، فَلَمّا فَعَلا مُوجِبَ العَقْدِ مِنَ التَّسْلِيمِ صارَ ذَلِكَ رِضًى مِنهُما بِما وقَفَ عَلَيْهِ العَقْدُ مِنَ السَّوْمِ ولَمْسِ الثَّوْبِ ووَضْعِ الحَصاةِ ونَبْذُهُ لَيْسَ مِن مُوجِباتِ العَقْدِ ولا مِن أحْكامِهِ، فَصارَ العَقْدُ مُعَلَّقًا عَلى خَطَرٍ فَلا يَجُوزُ، وصارَ ذَلِكَ أصْلًا في امْتِناعِ وُقُوعِ البِياعاتِ عَلى الأخْطارِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: " بِعْتُكَهُ إذا قَدِمَ زَيْدٌ وإذا جاءَ غَدٌ " ونَحْوَ ذَلِكَ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ عُمُومٌ في إطْلاقِ سائِرِ التِّجاراتِ وإباحَتِها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] في اقْتِضاءِ عُمُومِهِ، لِإباحَةِ سائِرِ البُيُوعِ إلّا ما خَصَّهُ التَّحْرِيمُ؛ لِأنَّ اسْمَ التِّجارَةِ أعَمُّ مِنِ اسْمِ البَيْعِ لِأنَّ اسْمَ التِّجارَةِ يَنْتَظِمُ عُقُودَ الإجاراتِ والهِباتِ الواقِعَةِ عَلى الأعْواضِ والبِياعاتِ. فَيُضَمَّنُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: نَهْيٌ مَعْقُودٌ بِشَرِيطَةٍ مُحْتاجَةٍ إلى بَيانٍ في إيجابِ حُكْمِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يَثْبُتَ أنَّهُ أكْلُ مالٍ باطِلٍ حَتّى يَتَناوَلَهُ حُكْمُ اللَّفْظِ. والمَعْنى الثّانِي: إطْلاقُ سائِرِ التِّجاراتِ، وهو عُمُومٌ في جَمِيعِها لا إجْمالَ فِيهِ ولا شَرِيطَةَ، فَلَوْ خُلِّينا وظاهِرَهُ لَأجَزْنا سائِرَ ما يُسَمّى تِجارَةً، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَصَّ مِنها أشْياءَ بِنَصِّ الكِتابِ وأشْياءَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالخَمْرُ والمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وسائِرُ المُحَرَّماتِ في الكِتابِ لا يَجُوزُ بَيْعُها لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي سائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَباعُوها وأكَلُوا أثْمانَها» وقالَ في الخَمْرِ: «إنَّ الَّذِي حَرَّمَها حَرَّمَ بَيْعَها وأكْلَ ثَمَنِها» ولَعَنَ بائِعَها ومُشْتَرِيَها. ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ وبَيْعِ العَبْدِ الآبِقِ وبَيْعِ ما لَمْ يُقْبَضْ وبَيْعِ ما لَيْسَ عِنْدَ الإنْسانِ ونَحْوِها مِنَ البِياعاتِ المَجْهُولَةِ والمَعْقُودَةِ عَلى غَرَرٍ، جَمِيعُ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ وقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، فَمَن قَرَأها بِالنَّصْبِ كانَ تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ، فَتَكُونُ التِّجارَةُ (p-١٣٢)الواقِعَةُ عَنْ تَراضٍ مُسْتَثْناةً مِنَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ المالِ؛ إذْ كانَ أكْلُ المالِ بِالباطِلِ قَدْ يَكُونُ مِن جِهَةِ التِّجارَةِ ومِن غَيْرِ جِهَةِ التِّجارَةِ، فاسْتَثْنى التِّجارَةَ مِنَ الجُمْلَةِ وبَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ. ومَن قَرَأها بِالرَّفْعِ كانَ تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فِدى لِبَنِي شَيْبانَ رَحْلِي وناقَتِي إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ يَعْنِي: إذا حَدَثَ يَوْمٌ كَذَلِكَ. وإذا كانَ مَعْناهُ عَلى هَذا كانَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ عَلى إطْلاقِهِ لَمْ يُسْتَثْنَ مِنهُ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَنزِلَةِ: لَكِنْ إنْ وقَعَتْ تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ فَهو مُباحٌ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ بِتَحْرِيمِ المَكاسِبِ لِإباحَةِ اللَّهِ التِّجارَةَ الواقِعَةَ عَنْ تَراضٍ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَذَكَرَ الضَّرْبَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ المَعاشِ مَعَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ؛ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * بابُ خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: " إذا عُقِدَ بَيْعٌ بِكَلامٍ فَلا خِيارَ لَهُما وإنْ لَمْ يَتَفَرَّقا " ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ والشّافِعِيُّ: " إذا عَقَدا فَهُما بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " هُما بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا في بُيُوعٍ ثَلاثَةٍ: بَيْعِ مُزايَدَةِ الغَنائِمِ والشَّرِكَةِ في المِيراثِ والشَّرِكَةِ في التِّجارَةِ، فَإذا صافَقَهُ فَقَدْ وجَبَ ولَيْسا فِيهِ بِالخِيارِ " . ووَقْتُ الفُرْقَةِ أنْ يَتَوارى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ؛ وقالَ اللَّيْثُ: " التَّفَرُّقُ أنْ يَقُومَ أحَدُهُما " . وكُلُّ مَن أوْجَبَ الخِيارَ يَقُولُ: إذا خَيَّرَهُ في المَجْلِسِ فاخْتارَ فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ. ورُوِيَ خِيارُ المَجْلِسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الأكْلِ بِوُقُوعِ البَيْعِ عَنْ تَراضٍ قَبْلَ الِافْتِراقِ، إنْ كانَتِ التِّجارَةُ إنَّما هي الإيجابُ والقَبُولُ في عَقْدِ البَيْعِ، ولَيْسَ التَّفَرُّقُ والِاجْتِماعُ مِنَ التِّجارَةِ في شَيْءٍ ولا يُسَمّى ذَلِكَ تِجارَةً في شَرْعٍ ولا لُغَةٍ، فَإذا كانَ اللَّهُ قَدْ أباحَ أكْلَ ما اشْتَرى بَعْدَ وُقُوعِ التِّجارَةِ عَنْ تَراضٍ فَمانِعُ ذَلِكَ بِإيجابِ الخِيارِ خارِجٌ عَنْ (p-١٣٣)ظاهِرِ الآيَةِ مُخَصِّصٌ لَها بِغَيْرِ دَلالَةٍ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَألْزَمَ كُلَّ عاقِدٍ الوَفاءَ بِما عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ وذَلِكَ عَقْدٌ قَدْ عَقَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ؛ وفي إثْباتِ الخِيارِ نَفْيٌ لِلُزُومِ الوَفاءِ بِهِ وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ أمَرَ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهُودِ بِأخْذِ الرَّهْنِ وثِيقَةً بِالثَّمَنِ، وذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ عَقْدِهِ البَيْعَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأمَرَ بِالكِتابَةِ عِنْدَ عَقْدِهِ المُدايَنَةَ، وأمَرَ بِالكِتابَةِ بِالعَدْلِ، وأمَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالإمْلاءِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَقْدَهُ المُدايَنَةَ قَدْ أثْبَتَ الدَّيْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَقْدُ المُدايَنَةِ مُوجِبًا لِلْحَقِّ عَلَيْهِ قَبْلَ الِافْتِراقِ لَما قالَ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولَما وعَظَهُ بِالبَخْسِ وهو لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَ الخِيارِ لَهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الدَّيْنِ لِلْبائِعِ في ذِمَّتِهِ، وفي إيجابِ اللَّهِ تَعالى الحَقَّ عَلَيْهِ بِعَقْدِ المُدايَنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الخِيارِ وإيجابِ البَتاتِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] تَحْصِينًا لِلْمالِ واحْتِياطًا لِلْبائِعِ مِن جُحُودِ المَطْلُوبِ أوْ مَوْتِهِ قَبْلَ أدائِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولَوْ كانَ لَهُما الخِيارُ قَبْلَ الفُرْقَةِ لَمْ يَكُنْ في الإشْهادِ احْتِياطٌ ولا كانَ أقَوْمَ لِلشَّهادَةِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ لِلشّاهِدِ إقامَةُ الشَّهادَةِ بِثُبُوتِ المالِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] و" إذا " هي لِلْوَقْتِ، فاقْتَضى ذَلِكَ الأمْرَ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبايُعِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الفُرْقَةِ، ثُمَّ أمَرَ بِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ في السَّفَرِ بَدَلًا مِنَ الِاحْتِياطِ بِالإشْهادِ في الحَضَرِ. وفِي إثْباتِ الخِيارِ إبْطالُ الرَّهْنِ إذْ غَيْرُ جائِزٍ إعْطاءُ الرَّهْنِ بِدَيْنٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأمْرِ بِالإشْهادِ عَلى عَقْدِ المُدايَنَةِ وعَلى التَّبايُعِ والِاحْتِياطِ في تَحْصِينِ المالِ تارَةً بِالإشْهادِ وتارَةً بِالرَّهْنِ أنَّ العَقْدَ قَدْ أوْجَبَ مِلْكَ المَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي ومِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبائِعِ بِغَيْرِ خِيارٍ لَهُما؛ إذْ كانَ إثْباتُ الخِيارِ نافِيًا لِمَعانِي الإشْهادِ والرَّهْنِ ونافِيًا لِصِحَّةِ الإقْرارِ بِالدَّيْنِ. فَإنْ قِيلَ: الأمْرُ بِالإشْهادِ والرَّهْنِ يَنْصَرِفُ إلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ الشُّهُودُ حاضِرِينَ العَقْدَ (p-١٣٤)ويَفْتَرِقانِ بِحَضْرَتِهِمْ فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ شَهادَتُهم عَلى صِحَّةِ البَيْعِ ولُزُومِ الثَّمَنِ، وإمّا أنْ يَتَعاقَدا فِيما بَيْنَهُما عَقْدَ مُدايَنَةٍ ثُمَّ يَفْتَرِقانِ ويُقِرّانِ عِنْدَ الشُّهُودِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَشْهَدُ الشُّهُودُ عَلى إقْرارِهِما بِهِ أوْ يَرْهَنُهُ بِالدَّيْنِ رَهْنًا فَيَصِحُّ. قِيلَ لَهُ: أوَّلُ ما في ذَلِكَ أنَّ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا خِلافُ الآيَةِ وفِيهِما إبْطالُ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاحْتِياطِ بِالإشْهادِ والرَّهْنِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأمَرَ بِالإشْهادِ عَلى عَقْدِ المُدايَنَةِ عِنْدَ وُقُوعِهِ بِلا تَراخٍ احْتِياطًا لَهُما، وزَعَمْتَ أنْتَ أنَّهُ يَشْهَدُ بَعْدَ الِافْتِراقِ، وجائِزٌ أنْ تَهْلِكَ السِّلْعَةُ قَبْلَ الِافْتِراقِ فَيَبْطُلُ الدَّيْنُ، أوْ يَجْحَدُهُ إلى أنْ يَفْتَرِقا ويَشْهَدا، وجائِزٌ أنْ يَمُوتَ فَلا يَصِلُ البائِعُ إلى تَحْصِينِ مالِهِ بِالإشْهادِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَنَدَبَ إلى الإشْهادِ عَلى التَّبايُعِ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ولَمْ يَقُلْ: " إذا تَبايَعْتُمْ وتَفَرَّقْتُمْ " ومُوجِبُ الخِيارِ مُثْبِتٌ في الآيَةِ مِنَ التَّفَرُّقِ ما لَيْسَ فِيها، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادَ في حُكْمِ الآيَةِ ما لَيْسَ فِيها. وإنْ تَرَكا الإشْهادَ إلى بَعْدِ الِافْتِراقِ كانَ في ذَلِكَ تَرْكُ الِاحْتِياطِ الَّذِي مِن أجْلِهِ نَدَبَ إلى الإشْهادِ، وعَسى أنْ يَمُوتَ المُشْتَرِي قَبْلَ الإشْهادِ أوْ يَجْحَدُهُ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ إيجابُ الخِيارِ مُسْقِطًا لِمَعْنى الِاحْتِياطِ وتَحْصِينِ المالِ بِالإشْهادِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ البَيْعِ بِالإيجابِ والقَبُولِ بَتاتًا لا خِيارَ فِيهِ لِواحِدٍ مِنهُما. فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ شَرَطا في البَيْعِ ثُبُوتَ الخِيارِ لِثَلاثٍ كانَ الإشْهادُ عَلَيْهِ صَحِيحًا مَعَ شَرْطِ الخِيارِ، ولَمْ يَكُنْ ما تَلَوْتَ مِن آيَةِ الدَّيْنِ وكَتْبِ الكِتابِ والإشْهادِ والرَّهْنِ مانِعًا وُقُوعَهُ عَلى شَرْطِ الخِيارِ وصِحَّةِ الإشْهادِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إثْباتُ خِيارِ المَجْلِسِ لا يَنْفِي صِحَّةَ الشَّهادَةِ والرَّهْنِ. قِيلَ لَهُ: الآيَةُ بِما فِيها مِنَ الإشْهادِ لَمْ تَتَضَمَّنِ البَيْعَ المَشْرُوطِ فِيهِ الخِيارُ وإنَّما تَضَمَّنَتْ بَيْعًا باتًّا، وإنَّما أجَزْنا شَرْطَ الخِيارِ بِدَلالَةٍ خَصَّصْناهُ بِها مِن جُمْلَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ في المُدايَناتِ واسْتَعْمَلْنا حُكْمَها في البِياعاتِ العارِيَّةِ مِن شَرْطِ الخِيارِ، فَلَيْسَ فِيما أجَزْنا مِنَ البَيْعِ المَعْقُودِ عَلى شَرْطِ الخِيارِ ما يَمْنَعُ اسْتِعْمالَ حُكْمِ الآيَةِ بِما انْتَظَمَتْهُ مِنَ الِاحْتِياطِ بِالإشْهادِ والرَّهْنِ وصِحَّةِ إقْرارِ العاقِدِ في البِياعاتِ الَّتِي لَمْ يُشْرَطْ فِيها خِيارٌ، والبَيْعُ المَعْقُودُ عَلى شَرْطِ الخِيارِ خارِجٌ عَنْ حُكْمِ الآيَةِ غَيْرُ مُرادٍ بِها لِما وصَفْنا حَتّى يَسْقُطَ الخِيارُ ويَتِمَّ البَيْعُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونانِ مَندُوبَيْنِ إلى الإشْهادِ عَلى الإقْرارِ دُونَ التَّبايُعِ؛ ولَوْ أثْبَتْنا الخِيارَ في كُلِّ بَيْعٍ وتَمَّ البَيْعُ عَلى حَسَبِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مُخالِفُونا لَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَوْضِعٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ حُكْمُها عَلى حَسَبِ مُقْتَضاها ومُوجِبِها. وأيْضًا فَإنَّ إثْباتَ الخِيارِ إنَّما يَكُونُ مَعَ (p-١٣٥)عَدَمِ الرِّضى بِالبَيْعِ لِيَرْتَئِيَ في إبْرامِ البَيْعِ أوْ فَسْخِهِ، فَإذا تَعاقَدا عَقْدَ البَيْعِ مِن غَيْرِ شَرْطِ الخِيارِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما راضٍ بِتَمْلِيكِ ما عَقَدَ عَلَيْهِ لَصاحِبِهِ، فَلا مَعْنى لِإثْباتِ الخِيارِ فِيهِ مَعَ وُجُودِ الرِّضى بِهِ، ووُجُودُ الرِّضى مانِعٌ مِنَ الخِيارِ ألا تَرى أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُثْبِتِينَ لِخِيارِ المَجْلِسِ أنَّهُ إذا قالَ لَصاحِبِهِ " اخْتَرْ " فاخْتارَهُ ورَضِيَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِخِيارِهِما ؟ ولَيْسَ في ذَلِكَ أكْثَرُ مِن رِضاهُما بِإمْضاءِ البَيْعِ، والرِّضى مَوْجُودٌ مِنهُما بِنَفْسِ المُعاقَدَةِ، فَلا يَحْتاجانِ إلى رِضًى ثانٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يُشْتَرَطَ بَعْدَ رِضاهُما بِهِ بَدِيًّا بِالعَقْدِ رِضًى آخَرُ لَجازَ أنْ يُشْتَرَطَ رِضًى ثانٍ وثالِثٌ، وكانَ لا يَمْنَعُ رِضاهُما بِهِ مِن إثْباتِ خِيارٍ ثالِثٍ ورابِعٍ، فَلَمّا بَطَلَ هَذا صَحَّ أنَّ رِضاهُما بِالبَيْعِ هو إبْطالٌ لِلْخِيارِ وإتْمامٌ لِلْبَيْعِ. وإنَّما صَحَّ خِيارُ الشَّرْطِ في البَيْعِ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ المَشْرُوطِ لَهُ الخِيارُ رِضًى بِإخْراجِ شَيْئِهِ مِن مِلْكِهِ حِينَ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الخِيارَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ جازَ إثْباتُ الخِيارِ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: فَأنْتَ قَدْ أثْبَتَّ خِيارَ الرُّؤْيَةِ وخِيارَ العَيْبِ مَعَ وُجُودِ الرِّضى بِالبَيْعِ، ولَمْ يَمْنَعْ رِضاهُما مِن إثْباتِ الخِيارِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ رِضاهُما بِهِ مِن إثْباتِ خِيارِ المَجْلِسِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ خِيارُ الرُّؤْيَةِ وخِيارُ العَيْبِ مِن خِيارِ المَجْلِسِ في شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ خِيارَ الرُّؤْيَةِ لا يَمْنَعُ وُقُوعَ المِلْكِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِيما عَقَدَ لَهُ صاحِبُهُ مِن جِهَتِهِ لِوُجُودِ الرِّضى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِهِ، فَلَيْسَ لِهَذا الخِيارُ تَأْثِيرٌ في نَفْيِ المِلْكِ، بَلِ المِلْكُ واقِعٌ مَعَ وُجُودِ الخِيارِ لِأجْلِ وُجُودِ الرِّضى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِهِ، وخِيارُ المَجْلِسِ عَلى وُقُوعِ القائِلِينَ بِهِ مانِعٌ مِن وُقُوعِ المِلْكِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِيما مَلَّكَهُ إيّاهُ صاحِبُهُ مَعَ وُجُودِ الرِّضى مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِتَمْلِيكِهِ إيّاهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الرِّضى بِهِ بَدِيًّا بِإيجابِهِ لَهُ العَقْدَ وبَيْنَهُ إذا قالَ: " قَدْ رَضِيتَ فاخْتَرْ " ورَضِيَ بِهِ صاحِبُهُ؛ فَلا فَرْقَ بَيْنَ البَيْعِ فِيما فِيهِ خِيارُ الرُّؤْيَةِ وخِيارُ العَيْبِ وبَيْنَ ما لَيْسَ فِيهِ واحِدٌ مِنَ الخِيارَيْنِ في بابِ وُقُوعِ المِلْكِ بِهِ، وإنَّما يَخْتَلِفانِ بَعْدَ ذَلِكَ في خِيارٍ غَيْرِ نافٍ لِلْمِلْكِ، وإنَّما هو لِأجْلِ جَهالَةِ صِفاتِ المَبِيعِ عِنْدَهُ أوْ لِفَوْتِ جُزْءٍ مِنهُ مُوجِبٍ لَهُ بِالعَقْدِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّضى بِالعَقْدِ هو المُوجِبُ لِلْمِلْكِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى وُقُوعِ المِلْكِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ الِافْتِراقِ وبُطْلانِ الخِيارِ بِهِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ في الفُرْقَةِ دَلالَةٌ عَلى الرِّضى ولا عَلى نَفْيِهِ؛ لِأنَّ حُكْمَ الفُرْقَةِ والبَقاءِ في المَجْلِسِ سَواءٌ في نَفْيِ دَلالَتِهِ عَلى الرِّضى، فَعَلِمْنا أنَّ المِلْكَ إنَّما وقَعَ بِالرِّضى بَدِيًّا بِالعَقْدِ لا بِالفُرْقَةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ فُرْقَةٌ يَتَعَلَّقُ بِها تَمْلِيكٌ وتَصْحِيحُ العَقْدِ، بَلْ في الأُصُولِ أنَّ الفُرْقَةَ إنَّما تُؤَثِّرُ في فَسْخِ كَثِيرٍ (p-١٣٦)مِنَ العُقُودِ، مِن ذَلِكَ الفُرْقَةُ عَنْ عَقْدِ الصَّرْفِ قَبْلَ القَبْضِ وعَنِ السَّلَمِ قَبْلَ القَبْضِ لِرَأْسِ المالِ وعَنِ الدَّيْنِ قَبْلَ تَعْيِينِ أحَدِهِما، فَلَمّا وجَدْنا الفُرْقَةَ في الأُصُولِ في كَثِيرٍ مِنَ العُقُودِ إنَّما تَأْثِيرُها في إبْطالِ العَقْدِ دُونَ جَوازِهِ ولَمْ نَجِدْ في الأُصُولِ فُرْقَةً مُؤَثِّرَةً في تَصْحِيحِ العَقْدِ وجَوازِهِ ثَبَتَ أنَّ اعْتِبارَ خِيارِ المَجْلِسِ ووُقُوعَ الفُرْقَةِ في تَصْحِيحِ العَقْدِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ ظاهِرِ الكِتابِ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ الأُمَّةِ أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ الصَّرْفِ افْتِراقُهُما عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ عَنْ قَبْضٍ صَحِيحٍ، فَإنْ كانَ خِيارُ المَجْلِسِ ثابِتًا في عَقْدِ الصَّرْفِ مَعَ التَّقابُضِ والعَقْدُ لَمْ يَتِمَّ ما بَقِيَ الخِيارُ، فَإذا افْتَرَقا لَمْ يَجُزْ أنْ يَصِحَّ بِالِافْتِراقِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْطِلَهُ الِافْتِراقُ قَبْلَ صِحَّتِهِ، فَإذا كانا قَدِ افْتَرَقا عَنْهُ ولَمّا يَصِحَّ بَعْدُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصِحَّ بِالِافْتِراقِ فَيَكُونُ المُوجِبُ لِصِحَّتِهِ هو المُوجِبُ لِبُطْلانِهِ. ويَدُلُّ عَلى نَفْيِ خِيارِ المَجْلِسِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» فَأحَلَّ لَهُ المالَ بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ، وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ بِعَقْدِ البَيْعِ، فَوَجَبَ بِمُقْتَضى الخَبَرِ أنْ يَحِلَّ لَهُ؛ ودَلالَةُ الخَبَرِ عَلى ذَلِكَ كَدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعامِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ الصّاعانِ صاعُ البائِعِ وصاعُ المُشْتَرِي، فَأباحَ بَيْعَهُ إذا جَرى فِيهِ الصّاعانِ ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الِافْتِراقَ، فَوَجَبَ عَلى ذَلِكَ أنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ إذا اكْتالَهُ مِن بائِعِهِ في المَجْلِسِ الَّذِي تَعاقَدا فِيهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنِ ابْتاعَ طَعامًا فَلا يَبِعْهُ حَتّى يَقْبِضَهُ» فَلَمّا أجازَ بَيْعَهُ بَعْدَ القَبْضِ ولَمْ يَشْرُطْ فِيهِ الِافْتِراقَ، فَوَجَبَ بِقَضِيَّةِ الخَبَرِ أنَّهُ إذا قَبَضَهُ في المَجْلِسِ أنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ، وذَلِكَ يَنْفِي خِيارَ البائِعِ لِأنَّ ما لِلْبائِعِ فِيهِ خِيارٌ لا يَجُوزُ تَصَرُّفُ المُشْتَرِي فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ، ومَن باعَ نَخْلًا ولَهُ ثَمَرَةٌ فَثَمَرَتُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ»، فَجَعَلَ الثَّمَرَةَ ومالَ العَبْدِ لِلْمُشْتَرِي بِالشَّرْطِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ التَّفْرِيقِ، ومُحالٌ أنْ يَمْلِكَها المُشْتَرِي قَبْلَ مِلْكِ الأصْلِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى وُقُوعِ المِلْكِ لِلْمُشْتَرِي بِنَفْسِ العَقْدِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «لَنْ يَجْزِيَ ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ؛» واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْنافِ عِتْقٍ بَعْدَ الشِّرى، وأنَّهُ مَتى صَحَّ لَهُ المِلْكُ عُتِقَ عَلَيْهِ، فالنَّبِيُّ ﷺ أوْجَبَ عِتْقَهُ بِالشِّرى مِن غَيْرِ شَرْطِ الفُرْقَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ المَجْلِسَ قَدْ يَطُولُ ويَقْصُرُ، فَلَوْ عَلَّقْنا وُقُوعَ المِلْكِ عَلى خِيارِ المَجْلِسِ لَأوْجَبَ بُطْلانَهُ (p-١٣٧)لِجَهالَةِ مُدَّةِ الخِيارِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ وُقُوعُ المِلْكِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ باعَهُ بَيْعًا باتًّا وشَرَطا الخِيارَ لَهُما بِمِقْدارِ قُعُودِ فُلانٍ في مَجْلِسِهِ كانَ البَيْعُ باطِلًا لِجَهالَةِ مُدَّةِ الخِيارِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ صِحَّةُ العَقْدِ ؟ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِخِيارِ المَجْلِسِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي بَرْزَةَ وحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا» . ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا تَبايَعَ المُتَبايِعانِ بِالبَيْعِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالخِيارِ مِن بائِعِهِ ما لَمْ يَفْتَرِقا أوْ يَكُونُ بَيْعُهُما عَنْ خِيارٍ فَإذا كانَ عَنْ خِيارٍ فَقَدْ وجَبَ» وكانَ ابْنُ عُمَرَ إذا بايَعَ الرَّجُلَ ولَمْ يُخَيِّرْهُ وأرادَ أنْ لا يُقِيلَهُ قامَ فَمَشى هُنَيْهَةً ثُمَّ رَجَعَ. فاحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: " المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا " وابْنُ عُمَرَ هو راوِي الحَدِيثِ، وقَدْ عَقَلَ مِن مُرادِ النَّبِيِّ ﷺ فُرْقَةَ الأبَدانِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا ما رُوِيَ مِن فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ مِن مَذْهَبِهِ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ خافَ أنْ يَكُونَ بائِعُهُ مِمَّنْ يَرى الخِيارَ في المَجْلِسِ فَيَحْذَرُ مِنهُ بِذَلِكَ حَذَرًا مِمّا لَحِقَهُ في البَراءَةِ مِنَ العُيُوبِ، حَتّى خُوصِمَ إلى عُثْمانَ فَحَمَلَهُ عَلى خِلافِ رَأْيِهِ ولَمْ يُجِزِ البَراءَةَ إلّا أنْ يُبَيِّنَهُ لِمُبْتاعِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ عَلى مُوافَقَتِهِ، وهو ما رَوى ابْنُ شِهابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ قالَ: " ما أدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا فَهو مِن مالِ المُبْتاعِ "، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَرى أنَّ المَبِيعَ كانَ يَدْخُلُ في مِلْكِ المُشْتَرِي بِالصَّفْقَةِ ويَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ البائِعِ، وذَلِكَ يَنْفِي الخِيارَ. وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا»، وفي بَعْضِ الألْفاظِ: «البائِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا»، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ تَقْتَضِي حالَ التَّبايُعِ وهي حالُ السَّوْمِ، فَإذا أبْرَما البَيْعَ وتَراضَيا فَقَدْ وقَعَ البَيْعُ، فَلَيْسا مُتَبايِعَيْنِ في هَذِهِ الحالِ في الحَقِيقَةِ كَما أنَّ المُتَضارِبَيْنِ والمُتَقايِلِينَ إنَّما يَلْحَقُهُما هَذا الِاسْمُ في حالِ التَّضارُبِ والتَّقايُلِ، وبَعْدَ انْقِضاءِ الفِعْلِ لا يُسَمَّيانِ بِهِ عَلى الإطْلاقِ وإنَّما يُقالُ كانا مُتَقايِلَيْنِ ومُتَضارِبَيْنِ؛ وإذا كانَتْ حَقِيقَةُ مَعْنى اللَّفْظِ ما وصَفْنا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ في مَوْضِعِ الخِلافِ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّأْوِيلُ يُودِي إلى إسْقاطِ فائِدَةِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُشْكِلٍ عَلى أحَدٍ أنَّ المُتَساوِمَيْنِ قَبْلَ وُجُودِ التَّراضِي بِالعَقْدِ هُما عَلى خِيارِهِما في إيقاعِ العَقْدِ أوْ تَرْكِهِ. قِيلَ لَهُ: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّهُ قَدْ كانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ البائِعَ إذا قالَ لِلْمُشْتَرِي " قَدْ بِعْتُكَ " أنْ لا يَكُونَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ المُشْتَرِي، كالعِتْقِ عَلى مالٍ والخُلْعِ عَلى مالٍ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْلى ولا لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ العَبْدِ والمَرْأةِ؛ فَأبانَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ البَيْعِ في إثْباتِ الخِيارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما في الرُّجُوعِ قَبْلَ قَبُولِ الآخَرِ وأنَّهُ مُفارِقٌ لِلْعِتْقِ والخُلْعِ. (p-١٣٨)فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى المُتَساوِمانِ مُتَبايِعَيْنِ قَبْلَ وُقُوعِ العَقْدِ بَيْنَهُما ؟ قِيلَ لَهُ: جائِزٌ إذا قَصَدا إلى البَيْعِ بِإظْهارِ السَّوْمِ فِيهِ كَما نُسَمِّي القاصِدَيْنِ إلى القَتْلِ مُتَقاتِلَيْنِ وإنْ لَمْ يَقَعْ مِنهُما قَتْلٌ بَعْدُ، وكَما قِيلَ لِوَلَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَأْمُورُ بِذَبْحِهِ: الذَّبِيحَ لِقُرْبِهِ مِنَ الذَّبْحِ وإنْ لَمْ يُذْبَحْ؛ وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] والمَعْنى فِيهِ مُقارَبَةُ البُلُوغِ ألا تَرى أنَّهُ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وأرادَ بِهِ حَقِيقَةَ البُلُوغِ. فَجائِزٌ عَلى هَذا أنْ يُسَمّى المُتَساوِمانِ مُتَبايِعَيْنِ إذا قَصَدا إيقاعَ العَقْدِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا، واَلَّذِي لا يَخْتَلُّ عَلى أحَدٍ أنَّهُما بَعْدَ وُقُوعِ البَيْعِ مِنهُما لا يُسَمَّيانِ مُتَبايِعَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ كَسائِرِ الأفْعالِ إذا انْقَضَتْ زالَ عَنْ فاعِلِيها الأسْماءُ المُشْتَقَّةُ لَها مِن أفْعالِهِمْ، إلّا في أسْماءِ المَدْحِ والذَّمِّ عَلى ما بَيَّنّا في صَدْرِ هَذا الكِتابِ؛ وإنَّما يُقالُ كانا مُتَبايِعَيْنِ وكانا مُتَقايِلَيْنِ وكانا مُتَضارِبَيْنِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الِاسْمَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لَهُما بَعْدَ إيقاعِ العَقْدِ أنَّهُ قَدْ يَصِحُّ مِنهُما الإقالَةُ والفَسْخُ بَعْدَ العَقْدِ وهُما في الحَقِيقَةِ مُتَقايِلانِ في حالِ فِعْلِ الإقالَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونا مُتَقايِلَيْنِ مُتَفاسِخَيْنِ ومُتَبايِعَيْنِ في حالٍ واحِدَةٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إطْلاقَ اسْمِ المُتَبايِعَيْنِ عَلَيْهِما إنَّما يَتَناوَلُ حالَ السَّوْمِ وإيقاعَ العَقْدِ حَقِيقَةً، وأنَّ هَذا الِاسْمَ إنَّما يَلْحَقُهُما بَعْدَ انْقِضاءِ العَقْدِ عَلى مَعْنى أنَّهُما كانا مُتَبايِعَيْنِ وذَلِكَ مَجازٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ وهي حالُ التَّبايُعِ، وهو أنْ يَقُولَ: " قَدْ بِعْتُكَ " فَأطْلَقَ اسْمَ البَيْعِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ قَبُولِ الآخَرِ، فَهَذِهِ هي الحالُ الَّتِي هُما مُتَبايِعانِ فِيها وهي حالُ ثُبُوتِ الخِيارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما. فَلِلْبائِعِ الخِيارُ في الفَسْخِ قَبْلَ قَبُولِ الآخَرِ ولِلْمُشْتَرِي الخِيارُ في القَبُولِ قَبْلَ الِافْتِراقِ. ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ المُرادَ هَذِهِ الحالُ قَوْلُهُ: " المُتَبايِعانِ " وإنَّما البائِعُ أحَدُهُما وهو صاحِبُ السِّلْعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا قالَ البائِعُ قَدْ بِعْتُ فَهُما بِالخِيارِ قَبْلَ الِافْتِراقِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المُشْتَرِيَ لَيْسَ بِبائِعٍ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ: إذا باعَ البائِعُ قَبْلَ قَبُولِ المُشْتَرِي. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا» فَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْناهُ: إذا قالَ البائِعُ قَدْ بِعْتُكَ فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ ما لَمْ يَقُلِ المُشْتَرِي قَبِلْتُ، قالَ: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وعَنْ أبِي يُوسُفَ: " هُما المُتَساوِيانِ، فَإذا قالَ بِعْتُكَ بِعَشْرَةٍ فَلِلْمُشْتَرِي خِيارُ القَبُولِ في المَجْلِسِ ولِلْبائِعِ خِيارُ الرُّجُوعِ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِ المُشْتَرِي، ومَتى قامَ أحَدُهُما قَبْلَ قَبُولِ البَيْعِ بَطَلَ الخِيارُ الَّذِي كانَ لَهُما ولَمْ تَكُنْ لِواحِدٍ مِنهُما (p-١٣٩)إجازَتُهُ " . فَحَمَلَهُ مُحَمَّدٌ عَلى الِافْتِراقِ بِالقَوْلِ وذَلِكَ سائِغٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] ويُقالُ: تَشاوَرَ القَوْمُ في كَذا فافْتَرَقُوا عَنْ كَذا، يُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ عَلى قَوْلٍ والرِّضى بِهِ وإنْ كانُوا مُجْتَمَعِينَ في المَجْلِسِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الِافْتِراقُ بِالقَوْلِ، ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا أنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفارِقَ صاحِبَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ» . وقَوْلُهُ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» هو عَلى الِافْتِراقِ بِالقَوْلِ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: " ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفارِقَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ " ؟ وهَذا هو افْتِراقُ الأبْدانِ بَعْدَ الِافْتِراقِ بِالقَوْلِ وصِحَّةِ وُقُوعِ العَقْدِ بِهِ، والِاسْتِقالَةُ هو مَسْألَةُ الإقالَةِ؛ وهَذا يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى نَفْيِ الخِيارِ بَعْدَ وُقُوعِ العَقْدِ: أحَدِهِما: أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ خِيارُ المَجْلِسِ لَما احْتاجَ إلى أنْ يَسْألَهُ الإقالَةَ بَلْ كانَ هو يَفْسَخُهُ بِحَقِّ الخِيارِ الَّذِي لَهُ فِيهِ، والثّانِي: أنَّ الإقالَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ صِحَّةِ العَقْدِ وحُصُولِ مِلْكِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِيما عَقَدَ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ صاحِبِهِ، فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الخِيارِ وصِحَّةِ البَيْعِ. وقَوْلُهُ: «ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفارِقَهُ» يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ إلى إقالَتِهِ إذا سَألَهُ إيّاها ما داما في المَجْلِسِ مَكْرُوهٌ لَهُ أنْ لا يُجِيبَهُ إلَيْها، وأنَّ حُكْمَهُ في ذَلِكَ بَعْدَ الِافْتِراقِ مُخالِفٌ لَهُ إذا لَمْ يُفارِقْهُ في أنَّهُ لا يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ إجابَتِهِ إلى الإقالَةِ بَعْدَ الفُرْقَةِ ويُكْرَهُ لَهُ قَبْلَها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ الأزْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرارَةَ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ لا بَيْعَ بَيْنَهُما إلّا أنْ يَفْتَرِقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ القَسْمَلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا»، فَأخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ كُلَّ بَيِّعَيْنِ لا بَيْعَ بَيْنَهُما إلّا بَعْدَ الِافْتِراقِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِنَفْيِهِ البَيْعَ بَيْنَهُما في حالِ السَّوْمِ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ كانا قَدْ تَبايَعا لَمْ يَنْفِ النَّبِيُّ ﷺ تَبايُعَهُما مَعَ صِحَّةِ العَقْدِ ووُقُوعِهِ فِيما بَيْنَهُما؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَنْفِي ما قَدْ أثْبَتَ؛ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ المُتَساوِمانِ اللَّذانِ قَدْ قَصَدا إلى التَّبايُعِ وأوْجَبَ البائِعُ البَيْعَ لِلْمُشْتَرِي وقَصَدَ المُشْتَرِي إلى شِرائِهِ مِنهُ بِأنْ قالَ لَهُ " بِعْنِي " فَنَفى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما بَيْعٌ حَتّى يَفْتَرِقا بِالقَوْلِ والقَبُولِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ " بِعْنِي " قَبُولًا (p-١٤٠)لِلْعَقْدِ ولا مِن ألْفاظِ البَيْعِ وإنَّما هو أمْرٌ بِهِ، فَإذا قالَ " قَدْ قَبِلْتُ " وقَعَ البَيْعُ؛ فَهَذا هو الِافْتِراقُ الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى القَوْلِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَ نَظائِرِهِ في إطْلاقِ ذَلِكَ في اللِّسانِ. فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ مُرادُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نَفْيِهِ البَيْعَ حالَ إيقاعِ البَيْعِ بِالإيجابِ والقَبُولِ ؟ وإنَّما نَفى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما بَيْعٌ لِما لَهُما فِيهِ مِن خِيارِ المَجْلِسِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ، مِن قِبَلِ أنَّ ثُبُوتَ الخِيارِ لا يُوجِبُ نَفْيَ اسْمِ البَيْعِ عَنْهُ ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أثْبَتَ بَيْنَهُما البَيْعَ إذا شَرَطا فِيهِ الخِيارَ بَعْدَ الِافْتِراقِ ولَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الخِيارِ فِيهِ مُوجِبًا لِنَفْيِ اسْمِ البَيْعِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ» ؟ فَجَعَلَ بَيْعَ الخِيارِ بَيْعًا، فَلَوْ أرادَ بِقَوْلِهِ: " كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا " حالَ وُقُوعِ الإيجابِ والقَبُولِ لَما نَفى البَيْعَ بَيْنَهُما لِأجْلِ خِيارِ المَجْلِسِ كَما لَمْ يَنْفِهِ إذا كانَ فِيهِ خِيارٌ مَشْرُوطٌ بَلْ أثْبَتَهُ وجَعَلَهُ بَيْعًا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: " كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلا بَيْعَ بَيْنَهُما حَتّى يَفْتَرِقا " إنَّما أرادَ بِهِ المُتَساوِيَيْنِ في البَيْعِ. وأفادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: " اشْتَرِ مِنِّي " أوْ قَوْلَ المُشْتَرِي " بِعْنِي " لَيْسَ بِبَيْعٍ حَتّى يَفْتَرِقا بِأنْ يَقُولَ البائِعُ " قَدْ بِعْتُ " ويَقُولَ المُشْتَرِي " قَدِ اشْتَرَيْتُ " فَيَكُونا قَدِ افْتَرَقا وتَمَّ البَيْعُ، ووَجَبَ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ خِيارٌ مَشْرُوطٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا، وإنْ لَمْ يَفْتَرِقا بِأبْدانِهِما بَعْدَ حُصُولِ الِافْتِراقِ فِيهِما بِالإيجابِ والقَبُولِ. وأكْثَرُ أحْوالِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ: «المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا» احْتِمالُهُ لِما وصَفْنا ولِما قالَ مُخالِفُنا؛ وغَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ بِالِاحْتِمالِ بَلِ الواجِبُ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلى مُوافَقَةِ القُرْآنِ ولا يُحْمَلُ عَلى ما يُخالِفُهُ. ويَدُلُّ مِن جِهَةِ النَّظَرِ عَلى ما وصَفْنا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ النِّكاحَ والخُلْعَ والعِتْقَ عَلى مالٍ والصُّلْحَ مِن دَمِ العَمْدِ إذا تَعاقَداهُ بَيْنَهُما صَحَّ بِالإيجابِ والقَبُولِ مِن غَيْرِ خِيارٍ يَثْبُتُ لِواحِدٍ مِنهُما، والمَعْنى فِيهِ الإيجابُ والقَبُولُ فِيما يَصِحُّ العَقْدُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ خِيارٍ مَشْرُوطٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: " لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] ومَعْناهُ: يَقْتُلُوا بَعْضَكم. وتَقُولُ العَرَبُ: قُتِلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، إذا قُتِلَ بَعْضُهم. وقِيلَ: إنَّما حَسُنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم أهْلُ دِينٍ واحِدٍ فَهم كالنَّفْسِ الواحِدَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وأرادَ قَتْلَ بَعْضِكم بَعْضًا ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ إذا ألِمَ بَعْضُهُ تَداعى سائِرُهُ بِالحُمّى والسَّهَرِ» وقالَ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» فَكانَ تَقْدِيرُهُ: ولا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا في أكْلِ أمْوالِكم بِالباطِلِ ولا غَيْرِهِ مِمّا هو مُحَرَّمٌ (p-١٤١)عَلَيْكم، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ويَحْتَمِلُ: ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم في طَلَبِ المالِ وذَلِكَ بِأنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلى الغَرَرِ المُؤَدِّي إلى التَّلَفِ. ويَحْتَمِلُ: ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم في حالِ غَضَبٍ أوْ ضَجَرٍ. وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُرادَةً لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ فَإنَّهُ قِيلَ فِيما عادَ إلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ عَلى أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الخَصْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: " في قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ خاصَّةً " . وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى فِعْلِ كُلِّ ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ. وقِيلَ: مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَقْرُونٌ بِالوَعِيدِ، والأظْهَرُ عَوْدُهُ إلى ما يَلِيهِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ. وقَيَّدَ الوَعِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ لِيَخْرُجَ مِنهُ فِعْلُ السَّهْوِ والغَلَطِ وما كانَ طَرِيقَهُ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ إلى حَدِّ التَّعَمُّدِ والعِصْيانِ. وذَكَرَ الظُّلْمَ والعُدْوانَ مَعَ تَقارُبِ مَعانِيهِما؛ لِأنَّهُ يَحْسُنُ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎وقَدَدْتُ الأدِيمَ لِراهِشِيهِ وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنا والكَذِبُ هو المَيْنُ؛ وحَسُنَ العَطْفُ لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ. وكَقَوْلِ بِشْرِ بْنِ حازِمٍ: ؎فَما وطِئَ الحَصى مِثْلُ ابْنِ سُعْدى ∗∗∗ ولا لَبِسَ النِّعالَ ولا احْتَذاها والِاحْتِذاءُ هو لُبْسُ النَّعْلِ. وكَما تَقُولُ: بُعْدًا وسُحْقًا، ومَعْناهُما واحِدٌ، وحَسُنَ لاخْتِلافِ اللَّفْظِ واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:32

بابُ النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ رَوى سُفْيانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا تَغْزُو النِّساءُ ويُذْكَرُ الرِّجالُ ولا تُذْكَرُ النِّساءُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " لا يَتَمَنَّ أحَدٌ المالَ وما يُدْرِيهِ لَعَلَّ هَلاكَهُ في ذَلِكَ المالِ " . وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ المَرْأةَ شَيْئًا ولا الصَّبِيَّ ويَجْعَلُونَ المِيراثَ لِمَن يُحِبُّونَ فَلَمّا أُلْحِقَ لِلْمَرْأةِ نَصِيبُها ولِلصَّبِيِّ نَصِيبُهُ وجُعِلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ (p-١٤٢)الأُنْثَيَيْنِ، قالَتِ النِّساءُ: لَوْ كانَ أنْصِباؤُنا في المِيراثِ كَأنْصِباءِ الرِّجالِ وقالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ يَقُولُ: المَرْأةُ تُجْزى بِحَسَناتِها عَشْرَ أمْثالِها كَما يُجْزى الرَّجُلُ؛ قالَ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ونَهى اللَّهُ عَنْ تَمَنِّي ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ عَلِمَ أنَّ المَصْلَحَةَ لَهُ في إعْطائِهِ ما أعْطى الآخَرَ لَفَعَلَ، ولِأنَّهُ لا يَمْنَعُ مِن بُخْلٍ ولا عَدَمٍ وإنَّما يَمْنَعُ لِيُعْطِيَ ما هو أكْثَرَ مِنهُ. وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الحَسَدِ وهو تَمَنِّي زَوالِ النِّعْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ إلَيْهِ، وهو مِثْلُ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخِيهِ ولا تَسْألُ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَكْتَفِئَ ما في صَحْفَتِها فَإنَّ اللَّهَ هو رازِقُها»، فَنَهى ﷺ أنْ يَخْطُبَ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ إذا كانَتْ قَدْ رَكَنَتْ إلَيْهِ ورَضِيَتْ بِهِ، وأنْ يَسُومَ عَلى سَوْمِهِ كَذَلِكَ؛ فَما ظَنُّكَ بِمَن يَتَمَنّى أنْ يُجْعَلَ لَهُ ما قَدْ صارَ لِغَيْرِهِ ومَلَكَهُ وقالَ ﷺ: «لا تَسْألُ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَكْتَفِئَ ما في صَحْفَتِها»، يَعْنِي أنْ تَسْعى في إسْقاطِ حَقِّها وتَحْصِيلِهِ لِنَفَسِها. ورَوى سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ورَجُلٍ آتاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهو يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: والتَّمَنِّي عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَمَنّى الرَّجُلُ أنْ تَزُولَ نِعْمَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ، فَهَذا الحَسَدُ، وهو التَّمَنِّي المَنهِيُّ عَنْهُ. والآخَرُ: أنْ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لِغَيْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُرِيدَ زَوالَ النِّعْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ، فَهَذا غَيْرُ مَحْظُورٍ إذا قُصِدَ بِهِ وجْهُ المَصْلَحَةِ، وما يَجُوزُ في الحِكْمَةِ. ومِنَ التَّمَنِّي المَنهِيِّ عَنْهُ أنْ يَتَمَنّى ما يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، مِثْلُ أنْ تَتَمَنّى المَرْأةُ أنْ تَكُونَ رَجُلًا أوْ تَتَمَنّى حالَ الخِلافَةِ والإمامَةِ ونَحْوِها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَدْ عُلِمَ أنَّها لا تَكُونُ ولا تَقَعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ حَظًّا مِنَ الثَّوابِ قَدْ عَرَضَ لَهُ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ في أمْرِهِ ولُطِفَ لَهُ فِيهِ حَتّى اسْتَحَقَّهُ وبَلَغَ عُلُوَّ المَنزِلَةِ بِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ هَذا التَّدْبِيرِ، فَإنَّ لِكُلٍّ مِنهم حَظَّهُ ونَصِيبَهُ غَيْرَ مَبْخُوسٍ ولا مَنقُوصٍ والآخَرُ: أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءَ ما اكْتَسَبَ فَلا يُضَيِّعْهُ بِتَمَنِّي ما لِغَيْرِهِ مُحْبِطًا لِعَمَلِهِ. وقِيلَ فِيهِ: إنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مِمّا اكْتَسَبَ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، فَعَلَيْهِ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ (p-١٤٣)فِيهِ: إنَّ مَعْناهُ إنِ احْتَجْتُمْ إلى ما لِغَيْرِكم فَسَلُوا اللَّهَ أنْ يُعْطِيَكم مِثْلَ ذَلِكَ مِن فَضْلِهِ، لا بِأنْ تَتَمَنَّوْا ما لِغَيْرِكم؛ إلّا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ تُغْنِي إنْ تَكُنْ مَعْقُودَةً بِشَرِيطَةِ المَصْلَحَةِ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.