Lafzullah

أحكام القرآن — النساء 4:33 – النساء 4:171

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. النساء 4:33
  2. النساء 4:34
  3. النساء 4:35
  4. النساء 4:36
  5. النساء 4:37
  6. النساء 4:38
  7. النساء 4:39
  8. النساء 4:42
  9. النساء 4:43
  10. النساء 4:47
  11. النساء 4:49
  12. النساء 4:54
  13. النساء 4:56
  14. النساء 4:58
  15. النساء 4:59
  16. النساء 4:71
  17. النساء 4:76
  18. النساء 4:82
  19. النساء 4:83
  20. النساء 4:86
  21. النساء 4:88
  22. النساء 4:89
  23. النساء 4:90
  24. النساء 4:91
  25. النساء 4:92
  26. النساء 4:93
  27. النساء 4:94
  28. النساء 4:95
  29. النساء 4:96
  30. النساء 4:97
  31. النساء 4:98
  32. النساء 4:100
  33. النساء 4:101
  34. النساء 4:102
  35. النساء 4:103
  36. النساء 4:104
  37. النساء 4:105
  38. النساء 4:112
  39. النساء 4:114
  40. النساء 4:115
  41. النساء 4:119
  42. النساء 4:125
  43. النساء 4:127
  44. النساء 4:128
  45. النساء 4:129
  46. النساء 4:130
  47. النساء 4:135
  48. النساء 4:136
  49. النساء 4:137
  50. النساء 4:138
  51. النساء 4:139
  52. النساء 4:140
  53. النساء 4:141
  54. النساء 4:142
  55. النساء 4:144
  56. النساء 4:146
  57. النساء 4:148
  58. النساء 4:160
  59. النساء 4:161
  60. النساء 4:162
  61. النساء 4:171

النساء 4:33

بابُ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ إذا لَمْ يَكُنْ وارِثٌ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: " إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ فَأوْصى بِجَمِيعِ مالِهِ جازَ " وهو قَوْلُ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لا تَجُوزُ وصِيَّتُهُ إلّا مِنَ الثُّلُثِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا دَلالَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ وأنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالحِلْفِ، وهو أنْ يُحالِفَهُ عَلى أنَّهُ إنْ ماتَ ورِثَهُ ما يُسَمِّي لَهُ مِن مِيراثِهِ مِن ثُلُثٍ أوْ أكْثَرَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثابِتًا في صَدْرِ الإسْلامِ وفَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وقَوْلَهُ تَعالى: (p-٣٤)﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] فَجَعَلَ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِنَ الحُلَفاءِ، ولَمْ يُبْطِلْ بِذَلِكَ مِيراثَ الحُلَفاءِ أصْلًا بَلْ جَعَلَ ذَوِي الأنْسابِ أوْلى مِنهم كَما جَعَلَ الِابْنَ أوْلى مِنَ الأخِ. فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَوُو الأنْسابِ جازَ لَهُ أنْ يَجْعَلَ مالَهُ عَلى أصْلِ ما كانَ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّوارُثِ في الحِلْفِ. وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ سِهامَ المَوارِيثِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] وقالَ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] يَقْتَضِي جَوازَ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ، لَوْلا قِيامُ دَلالَةِ الإجْماعِ والسُّنَّةِ عَلى مَنعِ ذَلِكَ ووُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِها عَلى الثُّلُثِ وإيجابِ نَصِيبِ الرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الأقْرَبِينَ، فَمَتى عَدِمَ مَن وجَبَ بِهِ تَخْصِيصُ الوَصِيَّةِ في بَعْضِ المالِ وجَبَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في جَوازِ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ عَلى ظاهِرِهِ ومُقْتَضاهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ سَعْدٍ: «إنَّكَ إنْ تَدَعْ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» فَأخْبَرَ أنَّ مَنعَ الوَصِيَّةِ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إنَّما هو لِحَقِّ الوَرَثَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " لَيْسَ مِن حَيٍّ مِنَ العَرَبِ أحْرى أنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ مِنهم ولا يُعْرَفُ لَهُ وارِثٌ مِنكم مَعْشَرَ هَمْدانَ، فَإذا كانَ ذَلِكَ فَلْيَضَعْ مالَهُ حَيْثُ أحَبَّ "، ولا يُعْلَمُ لَهُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَخْلُو مَن لا وارِثَ لَهُ إذا ماتَ مِن أنْ يَسْتَحِقَّ المُسْلِمُونَ مالَهُ مِن جِهَةِ المِيراثِ أوْ مِن جِهَةِ أنَّهُ مالٌ لا مالِكَ لَهُ فَيَضَعُهُ الإمامُ حَيْثُ يَرى، فَلَمّا جازَ أنْ يَسْتَحِقَّهُ الرَّجُلُ مَعَ ابْنِهِ ومَعَ أبِيهِ والبَعِيدُ عَنِ القَرِيبِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لَهم عَلى وجْهِ المِيراثِ؛ لِأنَّ الأبَ والجَدَّ لا يَجْتَمِعانِ في اسْتِحْقاقِ مِيراثِ واحِدٍ مِن جِهَةِ الأُبُوَّةِ. وأيْضًا لَوْ كانَ مِيراثًا لَمْ يَجُزْ حِرْمانُ واحِدٍ مِنهم؛ لِأنَّ سَبِيلَ المِيراثِ أنْ لا يُخَصَّ بِهِ بَعْضُ الوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ وأيْضًا لَوْ كانَ مِيراثًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَوْ كانَ المَيِّتُ رَجُلًا مِن هَمْدانَ ولا يُعْرَفُ لَهُ وارِثٌ أنْ يَسْتَحِقَّ مِيراثَهُ أهْلُ قَبِيلَتِهِ؛ لِأنَّهم أقْرَبُ إلَيْهِ مِن غَيْرِهِمْ، فَلَمّا كانَ إنَّما يَسْتَحِقُّهُ بَيْتُ المالِ لِلْمُسْلِمِينَ ولِلْإمامِ أنْ يَصْرِفَهُ إلى مَن شاءَ مِنَ النّاسِ مِمَّنْ يَراهُ أهْلًا لَهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ لا يَأْخُذُونَهُ مِيراثًا، وإذا لَمْ يَأْخُذُوهُ مِيراثًا وإنَّما كانَ لِلْإمامِ صَرْفُهُ إلى حَيْثُ يَرى؛ لِأنَّهُ لا مالِكَ لَهُ، فَمالِكُهُ أوْلى بِصَرْفِهِ إلى مِن يَرى. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهم إذا لَمْ يَأْخُذُوهُ مِيراثًا أشْبَهَ الثُّلُثَ الَّذِي يُوصِي بِهِ المَيِّتُ (p-٣٥)ولا مِيراثَ فِيهِ، فَلَهُ أنْ يَصْرِفَهُ إلى مَن شاءَ، فَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ المالِ إذا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الوارِثُ كانَ لَهُ صَرْفُهُ إلى مَن شاءَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ قالَ: سَمِعْتُ نافِعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مالٌ يُوصِي فِيهِ تَمُرُّ عَلَيْهِ اللَّيْلَتانِ إلّا ووَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الوَصِيَّةِ بِبَعْضِ المالِ أوْ بِجَمِيعِهِ، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ المالِ؛ وقَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِهِ إذا كانَ لَهُ وارِثٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ فَهو عَلى ظاهِرِ مُقْتَضاهُ في جَوازِها بِالجَمِيعِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ العَصَبَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " المَوالِي هَهُنا العَصَبَةُ " . وقالَ السُّدِّيُّ: " المَوالِي الوَرَثَةُ " . وقِيلَ: إنَّ أصْلَ المَوْلى مِن ولِيَ الشَّيْءَ يَلِيهِ، وهو اتِّصالُ الوِلايَةِ في التَّصَرُّفِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: المَوْلى لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَنْصَرِفُ عَلى وُجُوهٍ: فالمَوْلى المُعْتِقُ؛ لِأنَّهُ ولِيُّ نِعْمَةٍ في عِتْقِهِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ مَوْلى النِّعْمَةِ. والمَوْلى العَبْدُ المُعْتَقُ لِاتِّصالِ وِلايَةِ مَوْلاهُ بِهِ في إنْعامِهِ عَلَيْهِ، وهَذا كَما يُسَمّى الطّالِبُ غَرِيمًا؛ لِأنَّ لَهُ اللُّزُومَ والمُطالَبَةَ بِحَقِّهِ ويُسَمّى المَطْلُوبُ غَرِيمًا لِتَوَجُّهِ المُطالَبَةِ عَلَيْهِ ولِلُزُومِ الدَّيْنِ إيّاهُ. والمَوْلى العَصَبَةُ، والمَوْلى الحَلِيفُ؛ لِأنَّ المُحالِفَ يَلِي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمِينِ. والمَوْلى ابْنُ العَمِّ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ بِالنُّصْرَةِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما. والمَوْلى الوَلِيُّ؛ لِأنَّهُ يَلِي بِالنُّصْرَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] أيْ يَلِيهِمْ بِالنُّصْرَةِ ولا ناصِرَ لِلْكافِرِينَ يُعْتَدُّ بِنُصْرَتِهِ. ويُرْوى لِلْفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا تُظْهِرُنَّ لَنا ما كانَ مَدْفُونا فَسَمّى بَنِي العَمِّ مَوالِيَ. والمَوْلى مالِكُ العَبْدِ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ بِالمِلْكِ والتَّصَرُّفِ والوِلايَةِ والنُّصْرَةِ والحِمايَةِ. فاسْمُ المَوْلى يَنْصَرِفُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ، وهو اسْمٌ مُشْتَرَكٌ لا يَصِحُّ اعْتِبارُ عُمُومِهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أوْصى لِمَوالِيهِ ولَهُ مَوالٍ أعْلى ومَوالٍ أسْفَلُ: إنَّ الوَصِيَّةَ باطِلَةٌ لِامْتِناعِ دُخُولِهِما تَحْتَ اللَّفْظِ في حالٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ أحَدُهُما بِأوْلى مِنَ الآخَرِ، فَبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ. وأوْلى الأشْياءِ بِمَعْنى المَوْلى هَهُنا العَصَبَةُ لِما رَوى إسْرائِيلُ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أنا أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ، مَن ماتَ وتَرَكَ مالًا فَمالُهُ لِلْمَوالِي العَصَبَةِ، ومَن تَرَكَ كَلًّا أوْ ضَياعًا فَأنا ولِيُّهُ» . ورَوى مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْسِمُوا المالَ بَيْنَ أهْلِ الفَرائِضِ، فَما أبَقْتِ السِّهامُ فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ» . ورُوِيَ: «فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ»؛ وفِيما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَسْمِيَةِ المَوالِي عَصَبَةً. وقَوْلُهُ: «فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ (p-١٤٤)هُمُ العَصَباتُ، ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ ما فَضَلَ عَنْ سِهامِ ذَوِي السِّهامِ فَهو لِأقْرَبِ العَصَباتِ إلى المَيِّتِ. والعَصَباتُ هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَتَّصِلُ قَرابَتُهم إلى المَيِّتِ بِالبَنِينَ والآباءِ، مِثْلُ الجَدِّ والإخْوَةِ مِنَ الأبِ والأعْمامِ وأبْنائِهِمْ، وكَذَلِكَ مَن بَعُدَ مِنهم بَعْدَ أنْ يَكُونَ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُمُ البَنُونَ والآباءُ، إلّا الأخَواتُ فَإنَّهُنَّ عَصَبَةٌ مَعَ البَناتِ خاصَّةً: . وإنَّما يَرِثُ مِنَ العَصَباتِ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ ولا مِيراثَ لِلْأبْعَدِ مَعَ الأقْرَبِ؛ ولا خِلافَ أنَّ مَن لا يَتَّصِلُ نَسَبُهُ بِالمَيِّتِ إلّا مِن قِبَلِ النِّساءِ أنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ. ومَوْلى العَتاقَةِ عَصَبَةٌ لِلْعَبْدِ المُعْتَقِ ولِأوْلادِهِ، وكَذَلِكَ أوْلادُ المُعْتَقِ الذُّكُورُ مِنهم يَكُونُونَ عَصَبَةً لِلْعَبْدِ المُعْتَقِ إذا ماتَ أبُوهم، ويَصِيرُ ولاؤُهُ لَهم دُونَ الإناثِ مِن ولَدِهِ. ولا يَكُونُ أحَدٌ مِنَ النِّساءِ عَصَبَةً بِالوَلاءِ إلّا ما أُعْتِقَتْ أوْ أعْتَقَ مَن أُعْتِقَتْ. وإنَّما صارَ مَوْلى العَتاقَةِ عَصَبَةً بِالسُّنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ إذْ كانَ عَصَبَةً ويَعْقِلُ عَنْهُ كَما يَعْقِلُ عَنْهُ بَنُو أعْمامِهِ. فَإنْ قِيلَ: المَيِّتُ لَيْسَ هو مِن أقْرِباءِ مَوْلى العَتاقَةِ ولا مِن والِدَيْهِ. قِيلَ لَهُ: إذا كانَ مَعَهُ وارِثٌ مِن ذَوِي نِسْبَةٍ مِنَ المَيِّتِ نَحْوُ البِنْتِ والأُخْتِ، جازَ دُخُولُهُ مَعَهم في هَذِهِ الفَرِيضَةِ، فَيَسْتَحِقُّ بِأصْلِ السِّهامِ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هو مِن أقْرِباءِ المَيِّتِ؛ إذْ كانَ في الوَرَثَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ فِيهِ إنَّهُ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، فَيَكُونُ بَعْضُ الوَرَثَةِ قَدْ ورِثَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِيراثِ المَوْلى الأسْفَلِ مِنَ الأعْلى، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ: " لا يَرِثُ المَوْلى الأسْفَلُ مِنَ المَوْلى الأعْلى " . وحَكى أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ قالَ: " يَرِثُ المَوْلى الأسْفَلُ مِنَ الأعْلى " وذَهَبَ فِيهِ إلى حَدِيثٍ رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ ووَهْبُ بْنُ خالِدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عَوْسَجَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، فَماتَ المُعْتِقُ ولَمْ يَتْرُكْ إلّا المُعْتَقَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيراثَهُ لِلْغُلامِ المُعْتَقِ» . قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَيْسَ لِهَذا الحَدِيثِ مُعارِضٌ فَوَجَبَ إثْباتُ حُكْمِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دَفَعَهُ إلَيْهِ لا عَلى وجْهِ المِيراثِ لَكِنَّهُ لِحاجَتِهِ وفَقْرِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مالًا لا وارِثَ لَهُ فَسَبِيلُهُ أنْ يُصْرَفَ إلى ذَوِي الحاجَةِ والفُقَراءِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ الأسْبابُ الَّتِي يَجِبُ بِها المِيراثُ هي الوَلاءُ والنَّسَبُ والنِّكاحُ، وكانَ ذَوُو الأنْسابِ يَتَوارَثُونَ وكَذَلِكَ الزَّوْجانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ (p-١٤٥)الوَلاءُ مِن حَيْثُ أوْجَبَ المِيراثَ لِلْأعْلى مِنَ الأسْفَلِ أنْ يُوجِبَهُ لِلْأسْفَلِ مِنَ الأعْلى. قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنّا قَدْ وجَدْنا في ذَوِي الأنْسابِ مَن يَرِثُ غَيْرَهُ ولا يَرِثُهُ هو إذا ماتَ؛ لِأنَّ امْرَأةً لَوْ تَرَكَتْ أُخْتًا أوِ ابْنَةً وابْنَ أخِيها كانَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ والباقِي لِابْنِ الأخِ، ولَوْ كانَ مَكانَها ماتَ ابْنُ الأخِ وخَلَّفَ بِنْتًا أوْ أُخْتًا وعَمَّتَهُ لَمْ تَرِثِ العَمَّةُ شَيْئًا، فَقَدْ ورِثَها ابْنُ الأخِ في الحالِ الَّتِي لا تَرِثُهُ هي، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ ولاءِ المُوالاةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ رَوى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُ يَرِثُ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ بِالأُخُوَّةِ الَّتِي آخى اللَّهُ بَيْنَهم، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ نُسِخَتْ؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ قالَ: مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ، ويُوصِي لَهُ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ أيُّهُما ماتَ ورِثَهُ الآخَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يَقُولُ: إلّا أنْ يُوصُوا لِأوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ عاقَدُوا لَهم وصِيَّةً، فَهو لَهم جائِزٌ مِن ثُلُثِ مالِ المَيِّتِ، فَذَلِكَ المَعْرُوفُ. ورَوى أبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ فَيَمُوتُ فَيَرِثُهُ، فَعاقَدَ أبُو بَكْرٍ رَجُلًا فَماتَ فَوَرِثَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: هَذا في الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجالًا ويُوَرِّثُونَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أنْ يُجْعَلَ لَهم مِنَ الوَصِيَّةِ، ورَدَّ المِيراثَ إلى المَوالِي مِن ذَوِي الرَّحِمِ والعَصَبَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا مِن قَوْلِ السَّلَفِ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا ثابِتًا في الإسْلامِ، وهو المِيراثُ بِالمُعاقَدَةِ والمُوالاةِ؛ ثُمَّ قالَ قائِلُونَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِمَنسُوخٍ مِنَ الأصْلِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِن مَوالِي المُعاقَدَةِ، فَنَسَخَ مِيراثَهم في حالِ وُجُودِ القَراباتِ وهو باقٍ لَهم إذا فَقَدَ الأقْرِباءَ عَلى الأصْلِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مِيراثِ مَوالِي المُوالاةِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " مَن أسْلَمَ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ ووالاهُ وعاقَدَهُ ثُمَّ ماتَ ولا وارِثَ لَهُ (p-١٤٦)غَيْرُهُ فَمِيراثُهُ لَهُ " . وقالَ مالِكٌ وابْنُ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ " . وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: " إذا جاءَ مِن أرْضِ العَدُوِّ فَأسْلَمَ عَلى يَدِهِ فَإنَّ ولاءَهُ لِمَن والاهُ، ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَوَلاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " مَن أسْلَمَ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ فَقَدْ والاهُ ومِيراثُهُ لِلَّذِي أسْلَمَ عَلى يَدِهِ إذا لَمْ يَدَعْ وارِثًا غَيْرَهُ " قالَ أبُو بَكْرٍ: الآيَةُ تُوجِبُ المِيراثَ لِلَّذِي والاهُ وعاقَدَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُنا؛ لِأنَّهُ كانَ حُكْمًا ثابِتًا في أوَّلِ الإسْلامِ، وحَكَمَ اللَّهُ بِهِ في نَصِّ التَّنْزِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَجَعَلَ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِنَ المُعاقِدِينَ المَوالِي، فَمَتى فُقِدَ ذَوُو الأرْحامِ وجَبَ مِيراثُهم بِقَضِيَّةِ الآيَةِ؛ إذْ كانَتْ إنَّما نَقَلَتْ ما كانَ لَهم إلى ذَوِي الأرْحامِ إذا وُجِدُوا، فَإذا لَمْ يُوجَدُوا فَلَيْسَ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ ما يُوجِبُ نَسْخَها، فَهي ثابِتَةُ الحُكْمِ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مِن إثْباتِ المِيراثِ عِنْدَ فَقْدِ ذَوِي الأرْحامِ. وقَدْ ورَدَ الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِثُبُوتِ هَذا الحُكْمِ وبَقائِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَوِي الأرْحامِ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ خالِدٍ الرَّمْلِيُّ وهِشامُ بْنُ عَمّارٍ الدِّمَشْقِيُّ قالا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَوْهَبٍ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ أنَّهُ «قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما السُّنَّةُ في الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلى يَدَيِ الرَّجُلِ مِنَ المُسْلِمِينَ ؟ قالَ: هو أوْلى النّاسِ بِمَحْياهُ ومَماتِهِ»، فَقَوْلُهُ: «هُوَ أوْلى النّاسِ بِمَماتِهِ» يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أوْلاهم بِمِيراثِهِ؛ إذْ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ بَيْنَهُما وِلايَةٌ إلّا في المِيراثِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ يَعْنِي ورَثَةً. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أصْحابِنا في ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ. ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أسْلَمَ فَوالى رَجُلًا هَلْ بِذَلِكَ بَأْسٌ ؟ قالَ: لا بَأْسَ بِهِ، قَدْ أجازَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. ورَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: " مَن أسْلَمَ عَلى يَدَيْ قَوْمٍ ضَمِنُوا جَرائِرَهُ وحَلَّ لَهم مِيراثُهُ " . وقالَ رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " إذا أسْلَمَ الكافِرُ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِأرْضِ العَدُوِّ أوْ بِأرْضِ المُسْلِمِينَ فَمِيراثُهُ لِلَّذِي أسْلَمَ عَلى يَدَيْهِ " . وقَدْ رَوى أبُو عاصِمٍ النَّبِيلُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ» وقالَ: «لا يَتَوَلّى مَوْلى قَوْمٍ إلّا بِإذْنِهِمْ»، وقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: جَوازُ المُوالاةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: «إلّا بِإذْنِهِمْ» فَأجازَ المُوالاةَ بِإذْنِهِمْ. (p-١٤٧)والثّانِي: أنَّ لَهُ أنْ يَتَحَوَّلَ بِوِلايَةٍ إلى غَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ كَرِهَهُ إلّا بِإذْنِ الأوَّلِينَ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ إلّا في ولاءِ المُوالاةِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ ولاءَ العَتاقَةِ لا يَصِحُّ النَّقْلُ عَنْهُ؛ وقالَ ﷺ: «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» . فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ نُمَيْرٍ وأبُو أُسامَةَ عَنْ زَكَرِيّا عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» قالَ: فَهَذا يُوجِبُ بُطْلانَ حِلْفِ الإسْلامِ ومَنعَ التَّوارُثِ بِهِ. قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيِ الحِلْفِ في الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانُوا يَتَحالَفُونَ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ حِلْفَ الجاهِلِيَّةِ كانَ عَلى أنْ يُعاقِدَهُ فَيَقُولُ: " هَدْمِي هَدْمُكَ ودَمِي دَمُكَ وتَرِثُنِي وأرِثُكَ " وكانَ في هَذا الحِلْفِ أشْياءُ قَدْ حَظَرَها الإسْلامُ، وهو أنَّهُ كانَ يَشْرِطُ أنْ يُحامِيَ عَلَيْهِ ويَبْذُلَ دَمَهُ دُونَهُ ويَهْدِمَ ما يَهْدِمُهُ فَيَنْصُرَهُ عَلى الحَقِّ والباطِلِ؛ وقَدْ أبْطَلَتِ الشَّرِيعَةُ هَذا الحِلْفَ وأوْجَبَتْ مَعُونَةَ المَظْلُومِ عَلى الظّالِمِ حَتّى يُتَنَصَّفَ مِنهُ وأنْ لا يُلْتَفَتَ إلى قَرابَةٍ ولا غَيْرِها. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالعَدْلِ والقِسْطِ في الأجانِبِ والأقارِبِ وأمَرَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الجَمِيعِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، فَأبْطَلَ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ مِن مَعُونَةِ القَرِيبِ والحَلِيفِ عَلى غَيْرِهِ ظالِمًا كانَ أوْ مَظْلُومًا. وكَذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اُنْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا يُعِينُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ يُعِينُهُ ظالِمًا ؟ قالَ: أنْ تَرُدَّهُ عَنِ الظُّلْمِ فَذَلِكَ مَعُونَةٌ مِنكَ لَهُ» . وكانَ في حِلْفِ الجاهِلِيَّةِ أنْ يَرِثَهُ الحَلِيفُ دُونَ أقْرِبائِهِ فَنَفى النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ» التَّحالُفَ عَلى النُّصْرَةِ والمُحاماةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في دِينٍ أوْ حُكْمٍ وأمَرَ بِاتِّباعِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ دُونَ ما يَعْقِدُهُ الحَلِيفُ عَلى نَفْسِهِ، ونَفى أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَلِيفُ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ الأقارِبِ؛ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ» . وأمّا قَوْلُهُ: «وأيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ الإسْلامَ قَدْ زادَهُ شِدَّةً وتَغْلِيظًا في المَنعِ مِنهُ وإبْطالِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا لَمْ يَجُزِ الحِلْفُ في الإسْلامِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَناصُرِ المُسْلِمِينَ وتَعاوُنِهِمْ فَحِلْفُ الجاهِلِيَّةِ أبْعَدُ مِن ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وعَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا مِنَ التَّوارُثِ بِالمُوالاةِ قالَ أصْحابُنا (p-١٤٨)فِيمَن أوْصى بِجَمِيعِ مالِهِ ولا وارِثَ لَهُ إنَّهُ جائِزٌ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا جازَ لَهُ أنْ يَجْعَلَ مِيراثَهُ لِغَيْرِهِ بِعَقْدِ المُوالاةِ ويَزْوِيَهُ عَنْ بَيْتِ المالِ، جازَ لَهُ أنْ يَجْعَلَهُ لِمَن شاءَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالوَصِيَّةِ؛ إذْ كانَتِ المُوالاةُ إنَّما تَثْبُتُ بَيْنَهُما بِعَقْدِهِ وإيجابِهِ ولَهُ أنْ يَنْتَقِلَ بِوَلائِهِ ما لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، فَأشْبَهَتِ الوَصِيَّةَ الَّتِي تَثْبُتُ بِقَوْلِهِ وإيجابِهِ ومَتى شاءَ رَجَعَ فِيها؛ إلّا أنَّها تُخالِفُ الوَصِيَّةَ مِن وجْهٍ، وهو أنَّهُ وإنْ كانَ يَأْخُذُهُ بِقَوْلِهِ فَإنَّهُ يَأْخُذُهُ عَلى وجْهِ المِيراثِ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تَرَكَ المَيِّتُ ذا رَحِمٍ كانَ أوْلى بِالمِيراثِ مِن مَوْلى المُوالاةِ ؟ ولَمْ يَكُنْ في الثُّلُثِ بِمَنزِلَةِ مَن أوْصى لِرَجُلٍ بِمالِهِ فَيَجُوزُ لَهُ مِنهُ الثُّلُثُ بَلْ لا يُعْطى شَيْئًا إذا كانَ لَهُ وارِثٌ مِن قَرابَةٍ أوْ ولاءِ عَتاقَةٍ، فَوَلاءُ المُوالاةِ يُشْبِهُ الوَصِيَّةَ بِالمالِ مِن وجْهٍ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ، ويُفارِقُها مِن وجْهٍ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّا واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:34

بابُ ما يَجِبُ عَلى المَرْأةِ مِن طاعَةِ زَوْجِها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ رَوى يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ رَجُلًا جَرَحَ امْرَأتَهُ، فَأتى أخُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: القِصاصُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ﷺ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ». ورَوى جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَطَمَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ، فاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ ﷺ: عَلَيْكُمُ القِصاصُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾» . قالَ أبُو بَكْرٍ: الحَدِيثُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنْ لا قِصاصَ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فِيما دُونَ النَّفْسِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. والحَدِيثُ الثّانِي جائِزٌ أنْ يَكُونَ لَطَمَها؛ لِأنَّها نَشَزَتْ عَلَيْهِ، وقَدْ أباحَ اللَّهُ تَعالى ضَرْبَها عِنْدَ النُّشُوزِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ﴾ فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ ضَرْبُهُ إيّاها لِأجْلِ النُّشُوزِ لَما أوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ القِصاصَ. قِيلَ لَهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما قالَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي فِيها إباحَةُ الضَّرْبِ عِنْدَ النُّشُوزِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ نَزَلَ بَعْدُ، فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ شَيْئًا، فَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ قِيامَهم عَلَيْهِنَّ بِالتَّأْدِيبِ والتَّدْبِيرِ والحِفْظِ والصِّيانَةِ لِما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الرَّجُلَ عَلى المَرْأةِ في العَقْلِ والرَّأْيِ وبِما ألْزَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْها. فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَعانٍ: أحَدِها: (p-١٤٩)تَفْضِيلُ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ في المَنزِلَةِ وأنَّهُ هو الَّذِي يَقُومُ بِتَدْبِيرِها وتَأْدِيبِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ إمْساكَها في بَيْتِهِ ومَنعِها مِنَ الخُرُوجِ وأنَّ عَلَيْها طاعَتَهُ وقَبُولَ أمْرِهِ ما لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةٌ. ودَلَّتْ عَلى وُجُوبِ نَفَقَتِها عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ولَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ مُنْتَظِمٌ لِلْمَهْرِ والنَّفَقَةِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا مِمّا يَلْزَمُ الزَّوْجَ لَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ في النِّساءِ الصّالِحَةَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿قانِتاتٌ﴾ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: " مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى ولِأزْواجِهِنَّ " وأصْلُ القُنُوتِ مُداوَمَةُ الطّاعَةِ، ومِنهُ القُنُوتُ في الوِتْرِ لِطُولِ القِيامِ. وقَوْلُهُ: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ: " حافِظاتٌ لِما غابَ عَنْهُ أزْواجُهُنَّ مِن مالِهِ وما يَجِبُ مِن رِعايَةِ حالِهِ وما يَلْزَمُ مِن صِيانَةِ نَفْسِها لَهُ " . قالَ عَطاءٌ في قَوْلِهِ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ " أيْ بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ في مُهُورِهِنَّ وإلْزامِ الزَّوْجِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ " . وقالَ آخَرُونَ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ " إنَّهُنَّ إنَّما صِرْنَ صالِحاتٍ قانِتاتٍ حافِظاتٍ بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاهُنَّ مِن مَعاصِيهِ وتَوْفِيقِهِ وما أمَدَّهُنَّ بِهِ مِن ألْطافِهِ ومَعُونَتِهِ " ورَوى أبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ النِّساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ وإذا غِبْتَ عَنْها خَلَفَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» واَللَّهُ المُوَفِّقُ. * * بابُ النَّهْيِ عَنِ النُّشُوزِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ﴾ قِيلَ في مَعْنى تَخافُونَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ خَوْفَ الشَّيْءِ إنَّما يَكُونُ لِلْعِلْمِ بِمَوْقِعِهِ، فَجازَ أنْ يُوضَعَ مَكانَ " يَعْلَمُ " " يَخافُ " كَما قالَ أبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ: ؎ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها ويَكُونُ خِفْتُ بِمَعْنى ظَنَنْتُ، وقَدْ ذَكَرُهُ الفَرّاءُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " هو الخَوْفُ الَّذِي هو خِلافُ الأمْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ بِعِلْمِكم بِالحالِ المُؤْذِنَةِ بِهِ " . وأمّا النُّشُوزُ، فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وعَطاءً والسُّدِّيَّ قالُوا: " أرادَ بِهِ مَعْصِيَةَ الزَّوْجِ فِيما يَلْزَمُها مِن طاعَتِهِ "، وأصْلُ النُّشُوزِ التَّرَفُّعُ عَلى الزَّوْجِ بِمُخالَفَتِهِ، مَأْخُوذٌ مِن نَشَزِ الأرْضِ وهو المَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنها. وقَوْلُهُ (p-١٥٠)تَعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ يَعْنِي خَوِّفُوهُنَّ بِاَللَّهِ وبِعِقابِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: " هَجْرُ الكَلامِ " . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " هَجْرُ الجِماعِ " . وقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ: " هَجْرُ المُضاجَعَةِ " . وقَوْلُهُ: ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " إذا أطاعَتْهُ في المَضْجَعِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَضْرِبَها " . وقالَ مُجاهِدٌ: " إذا نَشَزَتْ عَنْ فِراشِهِ يَقُولُ لَها اتَّقِي اللَّهَ وارْجِعِي " . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ وعُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةٍ وغَيْرُهُما قالُوا: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ خَطَبَ بِعَرَفاتٍ في بَطْنِ الوادِي فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ فَإنَّكم أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وإنَّ لَكم عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإنْ فَعَلْنَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عَلَيْكم رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: " الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ " . وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: " ضَرْبًا غَيْرَ شائِنٍ " . ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلُ المَرْأةِ مَثَلُ الضِّلَعِ مَتى تُرِدْ إقامَتَها تَكْسِرْها، ولَكِنْ دَعْها تَسْتَمْتِعْ بِها» . وقالَ الحَسَنُ: ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ قالَ: " ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وغَيْرَ مُؤَثِّرٍ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرْنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ قالَ: " إذا خافَ نُشُوزَها وعَظَها، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا هَجَرَها في المَضْجَعِ، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا ضَرَبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ " ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ قالَ: لا تَعَلَّلُوا عَلَيْهِنَّ بِالذُّنُوبِ.

النساء 4:35

بابُ الحَكَمَيْنِ كَيْفَ يَعْمَلانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ وقَدِ اخْتُلِفَ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن هم، فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ: " أنَّهُ السُّلْطانُ الَّذِي يَتَرافَعانِ إلَيْهِ " وقالَ السُّدِّيُّ: " الرَّجُلُ والمَرْأةُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] هو خِطابٌ لِلْأزْواجِ لِما في نَسَقِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ الأوْلى أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْحاكِمِ النّاظِرِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ والمانِعِ مِنَ التَّعَدِّي والظُّلْمِ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أمْرَ الزَّوْجِ وأمَرَهُ بِوَعْظِها وتَخْوِيفِها بِاَللَّهِ ثُمَّ بِهُجْرانِها في المَضْجَعِ إنْ لَمْ تَنْزَجِرْ ثُمَّ بِضَرْبِها إنْ أقامَتْ عَلى نُشُوزِها، (p-١٥١)ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ بَعْدَ الضَّرْبِ لِلزَّوْجِ إلّا المُحاكَمَةَ إلى مَن يُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنهُما مِنَ الظّالِمِ ويَتَوَجَّهُ حُكْمُهُ عَلَيْهِما. ورَوى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الحَكَمَيْنِ، فَغَضِبَ وقالَ: " ما وُلِدْتُ؛ إذْ ذاكَ "؛ فَقُلْتُ: إنَّما أعْنِي حَكَمَيْ شِقاقٍ، قالَ: " إذا كانَ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ دَرْءٌ وتَدارُؤٌ بَعَثُوا حَكَمَيْنِ فَأقْبَلا عَلى الَّذِي جاءَ التَّدارُؤُ مِن قِبَلِهِ فَوَعَظاهُ، فَإنْ أطاعَهُما وإلّا أقْبَلا عَلى الآخَرِ، فَإنْ سَمِعَ مِنهُما وأقْبَلَ إلى الَّذِي يُرِيدانِ وإلّا حَكَما بَيْنَهُما، فَما حَكَما مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ " . ورَوى عَبْدُ الوَهّابِ قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في المُخْتَلِعَةِ: " يَعِظُها فَإنِ انْتَهَتْ وإلّا هَجَرَها وإلّا ضَرَبَها، فَإنِ انْتَهَتْ وإلّا رَفَعَ أمْرَها إلى السُّلْطانِ، فَيَبْعَثُ حَكَمًا مِن أهْلِها وحَكَمًا مِن أهْلِهِ، فَيَقُولُ الحَكَمُ الَّذِي مِن أهْلِها يَفْعَلُ كَذا ويَفْعَلُ كَذا، ويَقُولُ الحَكَمُ الَّذِي مِن أهْلِهِ تَفْعَلُ بِهِ كَذا وتَفْعَلُ بِهِ كَذا، فَأيُّهُما كانَ أظْلَمَ رَدَّهُ إلى السُّلْطانِ وأخَذَ فَوْقَ يَدِهِ، وإنْ كانَتْ ناشِزًا أمَرُوهُ أنْ يَخْلَعَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا نَظِيرُ العِنِّينِ والمَجْبُوبِ والإيلاءِ في بابِ أنَّ الحاكِمَ هو الَّذِي يَتَوَلّى النَّظَرَ في ذَلِكَ والفَصْلَ بَيْنَهُما بِما يُوجِبُهُ حُكْمُ اللَّهِ، فَإذا اخْتَلَفا وادَّعى النُّشُوزَ وادَّعَتْ هي عَلَيْهِ ظُلْمَهُ وتَقْصِيرَهُ في حُقُوقِها، حِينَئِذٍ بَعَثَ الحاكِمُ حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها لِيَتَوَلَّيا النَّظَرَ فِيما بَيْنَهُما ويَرُدّا إلى الحاكِمِ ما يَقِفانِ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِما. وإنَّما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَكُونَ أحَدُ الحَكَمَيْنِ مِن أهْلِها والآخَرُ مِن أهْلِهِ لِئَلّا تَسْبِقَ الظِّنَّةُ إذا كانا أجْنَبِيَّيْنِ بِالمَيْلِ إلى أحَدِهِما، فَإذا كانَ أحَدُهُما مِن قِبَلِهِ والآخَرُ مِن قِبَلِها زالَتِ الظِّنَّةُ وتَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَمَّنْ هو مِن قِبَلِهِ. ويَدُلُّ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ عَلى أنَّ الَّذِي مِن أهْلِهِ وكِيلٌ لَهُ، واَلَّذِي مِن أهْلِها وكِيلٌ لَها، كَأنَّهُ قالَ: فابْعَثُوا رَجُلًا مِن قِبَلِهِ ورَجُلًا مِن قِبَلِها؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يَجْمَعا إنْ شاءا وإنْ شاءا فَرَّقا بِغَيْرِ أمْرِهِما. وزَعَمَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ حُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا أمْرَ الحَكَمَيْنِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا تَكَذُّبٌ عَلَيْهِمْ، وما أوْلى بِالإنْسانِ حِفْظَ لِسانِهِ لا سِيَّما فِيما يَحْكِيهِ عَنِ العُلَماءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ومَن عَلِمَ أنَّهُ مُؤاخَذٌ بِكَلامِهِ قَلَّ كَلامُهُ فِيما لا يَعْنِيهِ. وأمْرُ الحَكَمَيْنِ في الشِّقاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في الكِتابِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِمْ مَعَ مَحَلِّهِمْ مِنَ العِلْمِ والدِّينِ والشَّرِيعَةِ ولَكِنْ عِنْدَهم أنَّ الحَكَمَيْنِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونا وكِيلَيْنِ لَهُما، أحَدُهُما وكِيلُ المَرْأةِ والآخَرُ وكِيلُ الزَّوْجِ ؟ وكَذا رُوِيَ عَنْ (p-١٥٢)عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ قالَ: أتى عَلِيًّا رَجُلٌ وامْرَأتُهُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِئامٌ مِنَ النّاسِ، فَقالَ عَلِيٌّ: ما شَأْنُ هَذَيْنِ ؟ قالُوا: بَيْنَهُما شِقاقٌ، قالَ: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ فَقالَ عَلِيٌّ: هَلْ تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما ؟ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تَجْمَعا وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تَفَرَّقا. فَقالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ، فَقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ واَللَّهِ لا تَنْفَلِتُ مِنِّي حَتّى تُقِرَّ كَما أقَرَّتْ. فَأخْبَرَ عَلِيٌّ أنَّ قَوْلَ الحَكَمَيْنِ إنَّما يَكُونُ بِرِضا الزَّوْجَيْنِ فَقالَ أصْحابُنا: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يُفَرِّقا إلّا أنْ يَرْضى الزَّوْجُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ الزَّوْجَ لَوْ أقَرَّ بِالإساءَةِ إلَيْها لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما ولَمْ يُجْبِرْهُ الحاكِمُ عَلى طَلاقِها قَبْلَ تَحْكِيمِ الحَكَمَيْنِ. وكَذَلِكَ لَوْ أقَرَّتِ المَرْأةُ بِالنُّشُوزِ لَمْ يُجْبِرْها الحاكِمُ عَلى خُلْعٍ ولا عَلى رَدِّ مَهْرِها؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُما قَبْلَ بَعْثِ الحَكَمَيْنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ بَعْثِهِما لا يَجُوزُ إيقاعُ الطَّلاقِ مِن جِهَتِهِما مِن غَيْرِ رِضى الزَّوْجِ وتَوْكِيلِهِ ولا إخْراجُ المَهْرِ عَنْ مِلْكِها مِن غَيْرِ رِضاها؛ فَلِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُما لا يَجُوزُ خَلْعُهُما إلّا بِرِضى الزَّوْجَيْنِ، فَقالَ أصْحابُنا: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يُفَرِّقا إلّا بِرِضى الزَّوْجَيْنِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ لا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ الحَكَمانِ ؟ وإنَّما الحَكَمانِ وكِيلانِ لَهُما أحَدُهُما وكِيلُ المَرْأةِ والآخَرُ وكِيلُ الزَّوْجِ في الخُلْعِ أوْ في التَّفْرِيقِ بِغَيْرِ جُعْلٍ إنْ كانَ الزَّوْجُ قَدْ جَعَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ. قالَ إسْماعِيلُ: " الوَكِيلُ لَيْسَ بِحَكَمٍ ولا يَكُونُ حَكَمًا إلّا ويَجُوزُ أمْرُهُ عَلَيْهِ وإنْ أبى " . وهَذا غَلَطٌ مِنهُ؛ لِأنَّ ما ذَكَرَ لا يَنْفِي مَعْنى الوَكالَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ وكِيلًا أيْضًا إلّا ويَجُوزُ أمْرُهُ عَلَيْهِ فِيما وُكِّلَ بِهِ. فَجَوازُ أمْرِ الحَكَمَيْنِ عَلَيْهِما لا يُخْرِجُهُما عَنْ حَدِّ الوَكالَةِ، وقَدْ يَحْكُمُ الرَّجُلانِ حُكْمًا في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ لَهُما فِيما يَتَصَرَّفُ بِهِ عَلَيْهِما، فَإذا حَكَمَ بِشَيْءٍ لَزِمَهُما، بِمَنزِلَةِ اصْطِلاحِهِما عَلى أنَّ الحَكَمَيْنِ في شِقاقِ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَ يُغادِرُ أمْرُهُما مِن مَعْنى الوَكالَةِ شَيْئًا؛ وتَحْكِيمُ الحَكَمِ في الخُصُومَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يُشْبِهُ حُكْمَ الحاكِمِ مِن وجْهٍ ويُشِبْهُ الوَكالَةَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا. والحَكَمانِ في الشِّقاقِ إنَّما يَتَصَرَّفانِ بِوَكالَةٍ مَحْضَةٍ كَسائِرِ الوِكالاتِ. قالَ إسْماعِيلُ: " والوَكِيلُ لا يُسَمّى حَكَمًا " . ولَيْسَ ذَلِكَ كَما ظَنَّ؛ لِأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ هَهُنا الوَكِيلُ حَكَمًا تَأْكِيدًا لِلْوَكالَةِ الَّتِي فُوِّضَتْ إلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ الحَكَمَيْنِ يَجُوزُ أمْرُهُما عَلى الزَّوْجَيْنِ وإنْ أبَيا " فَلَيْسَ كَذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أمْرُهُما عَلَيْهِما إذا أبَيا؛ لِأنَّهُما وكِيلانِ، وإنَّما يَحْتاجُ الحاكِمُ أنْ يَأْمُرَهُما بِالنَّظَرِ في أمْرِهِما ويَعْرِفَ (p-١٥٣)أُمُورَ المانِعِ مِنَ الحَقِّ مِنهُما حَتّى يَنْقُلا إلى الحاكِمِ ما عَرَفاهُ مِن أمْرِهِما، فَيَكُونُ قَوْلُهُما مَقْبُولًا في ذَلِكَ إذا اجْتَمَعا، ويَنْهى الظّالِمُ مِنهُما عَنْ ظُلْمِهِ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونا سُمِّيا حَكَمَيْنِ لِقَبُولِ قَوْلِهِما عَلَيْهِما، وجائِزٌ أنْ يَكُونا سُمِّيا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُما إذا خَلَعا بِتَوْكِيلٍ مِنهُما وكانَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلى رَأْيِهِما وتَحَرِّيهِما لِلصَّلاحِ سُمِّيا حَكَمَيْنِ؛ لِأنَّ اسْمَ الحَكَمِ يُفِيدُ تَحَرِّيَ الصَّلاحِ فِيما جُعِلَ إلَيْهِ وإنْفاذَ القَضاءِ بِالحَقِّ والعَدْلِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلى رَأْيِهِما وأنْفَذا عَلى الزَّوْجَيْنِ حُكْمًا مِن جَمْعٍ أوْ تَفْرِيقٍ مَضى ما أنْفَذاهُ فَسُمِّيا حَكَمَيْنِ مِن هَذا الوَجْهِ. فَلَمّا أشْبَهَ فِعْلُهُما فِعْلَ الحاكِمِ في القَضاءِ عَلَيْهِما بِما وُكِّلا بِهِ عَلى جِهَةِ تَحَرِّي الخَيْرِ والصَّلاحِ وسُمِّيا حَكَمَيْنِ، ويَكُونانِ مَعَ ذَلِكَ وكِيلَيْنِ لَهُما؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ تَكُونَ لِأحَدٍ وِلايَةٌ عَلى الزَّوْجَيْنِ مِن خُلْعٍ أوْ طَلاقٍ إلّا بِأمْرِهِما. وزَعَمَ أنَّ عَلِيًّا إنَّما ظَهَرَ مِنهُ النَّكِيرُ عَلى الزَّوْجِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِكِتابِ اللَّهِ، قالَ: " ولَمْ يَأْخُذْهُ بِالتَّوْكِيلِ وإنَّما أخَذَهُ بِعَدَمِ الرِّضا بِكِتابِ اللَّهِ "؛ ولَيْسَ هَذا عَلى ما ذَكَرَ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لَمّا قالَ: " أمّا الفُرْقَةُ فَلا " قالَ عَلِيٌّ: " كَذَبْتَ أما واَللَّهِ لا تَنْفَلِتُ مِنِّي حَتّى تُقِرَّ كَما أقَرَّتْ " فَإنَّما أنْكَرَ عَلى الزَّوْجِ تَرْكَ التَّوْكِيلِ بِالفُرْقَةِ وأمَرَهُ بِأنْ يُوَكِّلَ بِالفُرْقَةِ، وما قالَ الرَّجُلُ لا أرْضى بِكِتابِ اللَّهِ حَتّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ، وإنَّما قالَ لا أرْضى بِالفُرْقَةِ بَعْدَ رِضى المَرْأةِ بِالتَّحْكِيمِ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفُرْقَةَ عَلَيْهِ غَيْرُ نافِذَةٍ إلّا بَعْدَ تَوْكِيلِهِ بِها. قالَ: " ولَمّا قالَ: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ عَلِمْنا أنَّ الحَكَمَيْنِ يُمْضِيانِ أمْرَهُما وأنَّهُما إنْ قَصَدا الحَقَّ وفَّقَهُما اللَّهُ لِلصَّوابِ مِنَ الحُكْمِ. قالَ: وهَذا لا يُقالُ لِلْوَكِيلَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِواحِدٍ مِنهُما أنْ يَتَعَدّى ما أُمِرَ بِهِ " . واَلَّذِي ذَكَرَهُ لا يَنْفِي مَعْنى الوَكالَةِ؛ لِأنَّ الوَكِيلَيْنِ إذا كانا مُوَكَّلَيْنِ بِما رَأيا مِن جَمْعٍ أوْ تَفْرِيقٍ عَلى جِهَةِ تَحَرِّي الصَّلاحِ والخَيْرِ فَعَلَيْهِما الِاجْتِهادُ فِيما يُمْضِيانِهِ مِن ذَلِكَ، وأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُوَفِّقُهُما لِلصَّلاحِ إنْ صَلُحَتْ نِيّاتُهُما، فَلا فَرْقَ بَيْنَ الوَكِيلِ والحَكَمِ؛ إذْ كُلُّ مَن فُوِّضَ إلَيْهِ أمْرٌ يُمْضِيهِ عَلى جِهَةِ تَحَرِّي الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وصَفَهُ اللَّهُ بِها لاحِقَةٌ بِهِ. قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وأبِي سَلَمَةَ وطاوُسٍ وإبْراهِيمَ قالُوا: " ما قَضى بِهِ الحَكَمانِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ "، وهَذا عِنْدَنا كَذَلِكَ أيْضًا. ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مُوافَقَةِ قَوْلِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا إنَّ فِعْلَ الحَكَمَيْنِ في التَّفْرِيقِ والخُلْعِ جائِزٌ بِغَيْرِ رِضى الزَّوْجَيْنِ، بَلْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهم أنَّ الحَكَمَيْنِ لا يَمْلِكانِ التَّفْرِيقَ إلّا بِرِضى الزَّوْجَيْنِ بِالتَّوْكِيلِ ولا يَكُونانِ حَكَمَيْنِ إلّا بِذَلِكَ، ثُمَّ ما حَكَما بَعْدَ ذَلِكَ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ؛ وكَيْفَ (p-١٥٤)يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يَخْلَعا بِغَيْرِ رِضاهُ ويُخْرِجا المالَ عَنْ مِلْكِها وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهَذا الخَوْفُ المَذْكُورُ هَهُنا هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ وحَظَرَ اللَّهُ عَلى الزَّوْجِ أخْذَ شَيْءٍ مِمّا أعْطاها إلّا عَلى شَرِيطَةِ الخَوْفِ مِنهُما ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَأباحَ حِينَئِذٍ أنْ تَفْتَدِيَ بِما شاءَتْ وأحَلَّ لِلزَّوْجِ أخْذَهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يُوقِعا خُلْعًا أوْ طَلاقًا مِن غَيْرِ رِضاهُما وقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أخْذُ شَيْءٍ مِمّا أعْطى إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِها ولا أنْ تَفْتَدِيَ بِهِ فالقائِلُ بِأنَّ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يَخْلَعا بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجِ مُخالِفٌ لِنَصِّ الكِتابِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَمَنَعَ كُلَّ أحَدٍ أنْ يَأْكُلَ مالَ غَيْرِهِ إلّا بِرِضاهُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الحاكِمَ وغَيْرَهُ سَواءٌ في أنَّهُ لا يَمْلِكُ أخْذَ مالِ أحَدٍ ودَفْعَهُ إلى غَيْرِهِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ»، وقالَ ﷺ: «فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ بِشَيْءٍ فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ»، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الحاكِمَ لا يَمْلِكُ أخْذَ مالِها ودَفْعَهُ إلى زَوْجِها، ولا يَمْلِكُ إيقاعَ طَلاقٍ عَلى الزَّوْجِ بِغَيْرِ تَوْكِيلِهِ ولا رِضاهُ؛ وهَذا حُكْمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْحاكِمِ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحُقُوقِ إسْقاطُهُ ونَقْلُهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِن غَيْرِ رِضا مَن هو لَهُ، فالحَكَمانِ إنَّما يُبْعَثانِ لِلصُّلْحِ بَيْنَهُما ولِيَشْهَدا عَلى الظّالِمِ مِنهُما كَما رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ الآيَةَ، قالَ: " إنَّما يُبْعَثُ الحَكَمانِ لِيُصْلَحا، فَإنْ أعْياهُما أنْ يُصْلِحا شَهِدا عَلى الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، ولَيْسَ بِأيْدِيهِما الفُرْقَةُ ولا يَمْلِكانِ ذَلِكَ " وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وفي فَحْوى الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أنْ يُفَرِّقا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ يُرِيدا فُرْقَةً، وإنَّما يُوَجَّهُ الحَكَمانِ لِيَعِظا الظّالِمَ مِنهُما ويُنْكِرا عَلَيْهِ ظُلْمَهُ وإعْلامِ الحاكِمِ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ هو عَلى يَدِهِ، فَإنْ كانَ الزَّوْجُ هو الظّالِمَ أنْكَرا عَلَيْهِ ظُلْمَهُ وقالا لَهُ لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تُؤْذِيَها لِتَخْلَعَ مِنكَ، وإنْ كانَتْ هي الظّالِمَةُ قالا لَها قَدْ حَلَّتْ لَكَ الفِدْيَةُ، وكانَ في أخْذِها مَعْذُورًا لِما ظْهَرَ لِلْحَكَمَيْنِ مِن نُشُوزِها، فَإذا جَعَلَ (p-١٥٥)كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الحَكَمِ الَّذِي مِن قِبَلِهِ ما لَهُ مِنَ التَّفْرِيقِ والخُلْعِ؛ كانا مَعَ ما ذَكَرْنا مِن أمْرِهِما وكِيلَيْنِ جائِزٌ لَهُما أنْ يَخْلَعا إنْ رَأيا وأنْ يَجْمَعا إنْ رَأيا ذَلِكَ صَلاحًا، فَهُما في حالٍ شاهِدانِ، وفي حالٍ مُصْلِحانِ وفي حالٍ آمِرانِ بِمَعْرُوفٍ وناهِيانِ عَنْ مُنْكَرٍ ووَكِيلانِ في حالٍ إذا فُوِّضَ إلَيْهِما الجَمْعُ والتَّفْرِيقُ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُما يُفَرِّقانِ ويَخْلَعانِ مِن غَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، فَهو تَعَسُّفٌ خارِجٌ عَنْ حُكْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

النساء 4:36

بابُ بِرِّ الوالِدَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ فَقَرَنَ تَعالى ذِكْرُهُ إلْزامَ بِرِّ الوالِدَيْنِ بِعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ وأمَرَ بِهِ كَما أمَرَ بِهِما، كَما قَرَنَ شُكْرَهُما بِشُكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وكَفى بِذَلِكَ دَلالَةً عَلى تَعْظِيمِ حَقِّهِما ووُجُوبِ بِرِّهِما والإحْسانِ إلَيْهِما. وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى آخِرِ القِصَّةِ وقالَ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وقالَ في الوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أكْبَرُ الكَبائِرِ: الإشْراكُ بِاَللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ واليَمِينُ الغَمُوسُ، واَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَحْلِفُ أحَدٌ وإنْ كانَ عَلى مِثْلِ جَناحِ البَعُوضَةِ إلّا كانَتْ وكْتَةً في قَلْبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-١٥٦)فَطاعَةُ الوالِدَيْنِ واجِبَةٌ في المَعْرُوفِ لا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ. وقَدْ حَدَّثَنامُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارِثِ أنَّ دَرّاجًا أبا السَّمْحِ حَدَّثَهُ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَمَنِ هاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ ؟ قالَ: أبَوايَ، قالَ: أذِنا لَكَ ؟ قالَ: لا، قالَ: ارْجِعْ إلَيْهِما فاسْتَأْذِنْهُما فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ وإلّا فَبِرَّهُما» . ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لا يَجُوزُ أنْ يُجاهِدَ إلّا بِإذْنِ الأبَوَيْنِ إذا قامَ بِجِهادِ العَدُوِّ مَن قَدْ كَفاهُ الخُرُوجَ، قالُوا: فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِإزاءِ العَدُوِّ مَن قَدْ قامَ بِفَرْضِ الخُرُوجِ فَعَلَيْهِ الخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِ أبَوَيْهِ، وقالُوا في الخُرُوجِ في التِّجارَةِ ونَحْوِها فِيما لَيْسَ فِيهِ قِتالٌ: لا بَأْسَ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِما؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما مَنَعَهُ مِنَ الجِهادِ إلّا بِإذْنِ الأبَوَيْنِ إذا قامَ بِالفَرْضِ غَيْرُهُ، لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْقَتْلِ وفَجِيعَةِ الأبَوَيْنِ بِهِ، فَأمّا التِّجاراتُ والتَّصَرُّفُ في المُباحاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيها تَعَرُّضٌ لِلْقَتْلِ فَلَيْسَ لِلْأبَوَيْنِ مَنعُهُ مِنها؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِئْذانِهِما. ومِن أجْلِ ما أكَّدَ اللَّهُ تَعالى مِن تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ قالَ أصْحابُنا: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يَقْتُلَ أباهُ الكافِرَ إذا كانَ مُحارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَأمَرَ تَعالى بِمُصاحَبَتِهِما بِالمَعْرُوفِ في الحالِ الَّتِي يُجاهِدانِهِ فِيها عَلى الكُفْرِ، ومِنَ المَعْرُوفِ أنْ لا يُشْهِرَ عَلَيْهِما سِلاحًا ولا يَقْتُلَهُما إلّا أنْ يَضْطَرَّ إلى ذَلِكَ بِأنْ يَخافَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ تَرَكَ قَتْلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِتَمْكِينِهِ غَيْرِهِ مِنهُ، وهو مَنهِيٌّ عَنْ تَمْكِينِ غَيْرِهِ مِن قَتْلِهِ كَما هو مَنهِيٌّ عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ، فَجازَ لَهُ حِينَئِذٍ مِن أجْلِ ذَلِكَ قَتْلُهُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ نَهى حَنْظَلَةَ بْنَ أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ عَنْ قَتْلِ أبِيهِ وكانَ مُشْرِكًا» . وقالَ أصْحابُنا في المُسْلِمِ يَمُوتُ أبَواهُ وهُما كافِرانِ: إنَّهُ يُغَسِّلُهُما ويَتْبَعُهُما ويَدْفِنُهُما؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الصُّحْبَةِ بِالمَعْرُوفِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِها. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وما ضَمِيرُهُ ؟ قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ: اسْتَوْصُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، ويَحْتَمِلُ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ أمْرٌ بِصِلَةِ الرَّحِمِ والإحْسانِ إلى القَرابَةِ، عَلى نَحْوِ ما ذَكَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] فَبَدَأ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ بِتَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ هو الأصْلَ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ سائِرُ الشَّرائِعِ والنُّبُوّاتِ وبِحُصُولِهِ يُتَوَصَّلُ إلى (p-١٥٧)سائِرِ مَصالِحِ الدِّينِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يَجِبُ لِلْأبَوَيْنِ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِما وقَضاءِ حُقُوقِهِما وتَعْظِيمِهِما، ثُمَّ ذَكَرَ الجارَ ذا القُرْبى وهو قَرِيبُكَ المُؤْمِنُ الَّذِي لَهُ حَقُّ القَرابَةِ وأوْجَبَ لَهُ الدِّينُ المُوالاةَ والنُّصْرَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ الجارَ الجُنُبَ وهو البَعِيدُ مِنكَ نَسَبًا إذا كانَ مُؤْمِنًا فَيَجْتَمِعُ حَقُّ الجِوارِ وما أوْجَبَهُ لَهُ الدِّينُ بِعِصْمَةِ المِلَّةِ وذِمَّةِ عَقْدِ النِّحْلَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ قالُوا: " الجارُ ذُو القُرْبى القَرِيبُ في النَّسَبِ " . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ القَرابَةِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقّانِ حَقُّ الجِوارِ وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقُّ الجِوارِ: المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ» . * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ رُوِيَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ: " أنَّهُ الرَّفِيقُ في السَّفَرِ " ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ وابْنِ أبِي لَيْلى: " أنَّهُ الزَّوْجَةُ "، ورِوايَةٌ أُخْرى عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُ المُنْقَطِعُ إلَيْكَ رَجاءَ خَيْرِكَ " . وقِيلَ: " هو جارُ البَيْتِ دانِيًا كانَ نَسَبُهُ أوْ نائِيًا إذا كانَ مُؤْمِنًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِجَمِيعِ ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وأنْ لا يُخَصَّ مِنهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» . ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» . ورَوى عُبَيْدُ اللَّهِ الوَصّافِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما آمَنَ مَن أمْسى شَبْعانَ وأمْسى جارُهُ جائِعًا» . ورَوى عُمَرُ بْنُ هارُونَ الأنْصارِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن أشْراطِ السّاعَةِ سُوءُ الجِوارِ وقَطِيعَةُ الأرْحامِ وتَعْطِيلُ الجِهادِ» . وقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُعَظِّمُ الجِوارَ وتُحافِظُ عَلى حِفْظِهِ وتُوجِبُ فِيهِ ما تُوجِبُ في القَرابَةِ، قالَ زُهَيْرٌ: ؎وجارُ البَيْتِ والرَّجُلُ المُنادِي أمامَ الحَيِّ عَقْدُهُما سَواءُ يُرِيدُ بِالرَّجُلِ المُنادِي مَن كانَ مَعَكَ في النّادِي، وهو مَجْلِسُ الحَيِّ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الصّاحِبِ بِالجَنْبِ أنَّهُ الجارُ الَّذِي يُلاصِقُ دارُهُ دارِهِ وإنَّ اللَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا لِحَقِّهِ عَلى الجارِ غَيْرِ المُلاصِقِ. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُمَرَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ (p-١٥٨)القُرَشِيُّ وراقُ أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ أبِي خالِدٍ الدّالانِيِّ عَنْ أبِي العَلاءِ الأزْدِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا اجْتَمَعَ الدّاعِيانِ فَأجِبْ أقْرَبَهُما بابًا، فَإنَّ أقْرَبَهُما بابًا أقْرَبَهُما جِوارًا، وإذا سَبَقَ أحَدُهُما فابْدَأْ بِاَلَّذِي سَبَقَ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ أرْبَعِينَ دارًا جِوارٌ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ شَبِيبٍ المَعْمَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفّى قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ السِّفْرِ عَنِ الأوْزاعِيِّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: «إنِّي نَزَلْتُ بِمَحَلَّةِ بَنِي فُلانٍ وإنَّ أشَدَّهم لِي أذًى أقْرَبُهم مِن جِوارِي، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا أنْ يَأْتُوا بابَ المَسْجِدِ فَيَقُومُوا عَلى بابِهِ فَيَصِيحُوا ثَلاثًا ألا إنَّ أرْبَعِينَ دارًا جِوارٌ ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن خافَ جارُهُ بَوائِقَهُ» قالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: يا أبا بَكْرٍ أرْبَعِينَ دارًا ؟ قالَ: أرْبَعِينَ هَكَذا وأرْبَعِينَ هَكَذا. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الِاجْتِماعَ في مَدِينَةٍ جِوارًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠] فَجَعَلَ تَعالى اجْتِماعَهم مَعَهُ في المَدِينَةِ جِوارًا. والإحْسانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى يَكُونُ مِن وُجُوهٍ: مِنها المُواساةُ لِلْفَقِيرِ مِنهم إذا خافَ عَلَيْهِ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ مِن جِهَةِ الجُوعِ والعُرْيِ، ومِنها حُسْنُ العِشْرَةِ وكَفُّ الأذى عَنْهُ والمُحاماةُ دُونَهُ مِمَّنْ يُحاوِلُ ظُلْمَهُ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ وجَمِيلِ الفِعالِ. ومِمّا أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِن حَقِّ الجِوارِ الشُّفْعَةُ لِمَن بِيعَتْ دارٌ إلى جَنْبِهِ؛ واَللَّهُ المُوَفِّقُ. * * ذِكْرُ الخِلافِ في الشُّفْعَةِ بِالجِوارِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " الشَّرِيكُ في المَبِيعِ أحَقُّ مِنَ الشَّرِيكِ في الطَّرِيقِ، ثُمَّ الشَّرِيكُ في الطَّرِيقِ أحَقُّ مِنَ الجارِ المُلازِقِ، ثُمَّ الجارُ المُلازِقُ بَعْدَهُما " وهو قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا شُفْعَةَ إلّا في مَشاعٍ، ولا شُفْعَةَ في بِئْرٍ لا بَياضَ لَها ولا تَحْتَمِلُ القَسْمَ " . وقَدْ رُوِيَ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ لِلْجارِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي حَفْصِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ شُرَيْحٌ: " كَتَبَ إلَيَّ عُمَرُ أنْ أقْضِيَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجارِ " . ورَوى عاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: " الشَّرِيكُ أحَقُّ مِنَ الخَلِيطِ " والخَلِيطُ أحَقُّ مِنَ الجارِ، والجارُ أحَقُّ مِمَّنْ سِواهُ " . ورَوى أيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ قالَ: " كانَ يُقالُ: (p-١٥٩)الشَّرِيكُ أحَقُّ مِنَ الخَلِيطِ، والخَلِيطُ أحَقُّ مِمَّنْ سِواهُ " . وقالَ إبْراهِيمُ: " إذا لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ فالجارُ أحَقُّ بِالشُّفْعَةِ " وقالَ طاوُسٌ مِثْلَ ذَلِكَ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: " إذا حُدَّتِ الحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ "، قالَ طاوُسٌ: " الجارُ أحَقُّ " . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لِلْجارِ ما رَوى حُسَيْنٌ المُعَلَّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أرْضٌ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَرِيكٌ إلّا الجارَ ؟ فَقالَ: الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ ما كانَ» . ورَوى سُفْيانُ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أبِي رافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ» ورَوى أبُو حَنِيفَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قالَ: عَرَضَ سَعْدٌ بَيْتًا لَهُ، فَقالَ: خُذْهُ فَإنِّي قَدْ أُعْطِيتُ بِهِ أكْثَرَ مِمّا تُعْطِينِي ولَكِنَّكَ أحَقُّ بِهِ؛ لِأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ» . ورَوى أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ بِالجِوارِ» . ورَوى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ، عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وإنْ كانَ غائِبًا إذا كانَ طَرِيقُهُما واحِدًا» . ورَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ ما كانَ» . ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «جارُ الدّارِ أحَقُّ بِشُفْعَةِ الجارِ»؛ وقَتادَةُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «جارُ الدّارِ أحَقُّ بِالدّارِ» . ورَوى سُفْيانُ عَنْ مَنصُورٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: حَدَّثَنِي مَن سَمِعَ عَلِيًّا وعَبْدَ اللَّهِ يَقُولانِ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجِوارِ»، ويُونُسُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجِوارِ» . فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ الجَماعَةُ عَلى الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وما نَعْلَمُ أحَدًا دَفَعَ هَذِهِ الأخْبارَ مَعَ شُيُوعِها واسْتِفاضَتِها في الأُمَّةِ، فَمَن عَدَلَ عَنِ القَوْلِ بِها كانَ تارِكًا لِلسُّنَّةِ الثّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ واحْتَجَّ مَن أبى ذَلِكَ بِما رَوى أبُو عاصِمٍ النَّبِيلُ قالَ: حَدَّثَنا مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيما لَمْ يُقَسَّمْ، فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ»؛ وكَذَلِكَ رَواهُ عَنْ مالِكٍ أبُو قَتِيلَةَ المَدَنِيُّ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الماجِشُونِ. وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ هَؤُلاءِ مَوْصُولًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأصْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مَقْطُوعٌ، رَواهُ مَعْنٌ ووَكِيعٌ والقَعْنَبِيُّ وابْنُ وهْبٍ كُلُّهم عَنْ مالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ أبِي هُرَيْرَةَ، وكَذَلِكَ هو في مُوَطَّأِ مالِكٍ. ولَوْ ثَبَتَ مَوْصُولًا لَما جازَ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى الأخْبارِ الَّتِي رَواها نَحْوُ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ (p-١٦٠)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في إيجابِ الشُّفْعَةِ لِلْجارِ؛ لِأنَّها في حَيِّزِ المُتَواتِرِ المُسْتَفِيضِ الَّذِي لا تَجُوزُ مُعارَضَتُهُ بِأخْبارِ الآحادِ. ولَوْ ثَبَتَ مِن وُجُوهٍ يَجُوزُ أنْ يُعارَضَ بِهِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَنْفِي أخْبارَ إيجابِ الشُّفْعَةِ لِلْجارِ وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضى بِالشُّفْعَةِ فِيما لَمْ يُقْسَمْ، ثُمَّ قالَ: فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ»، فَأمّا قَوْلُهُ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيما لَمْ يُقْسَمْ» فَإنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلى اسْتِعْمالِهِ في إيجابِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ، ومَعَ ذَلِكَ فَهو حِكايَةُ قَضِيَّةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَضى بِها، ولَيْسَ بِعُمُومِ لَفْظٍ ولا حِكايَةِ قَوْلٍ مِنهُ. وأمّا قَوْلُهُ: «فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ» فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الرّاوِي، إذْ لَيْسَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَهُ، ولا أنَّهُ قَضى بِهِ؛ وإذا احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ رِوايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الرّاوِي أدْرَجَهُ في الحَدِيثِ، كَما وُجِدَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأخْبارِ، لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ أنْ يُعْزِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ مَقالَةً بِالشَّكِّ والِاحْتِمالِ؛ فَهَذا وجْهُ مَنعِ الِاعْتِراضِ بِهِ عَلى ما ذَكَرْنا. واحْتَجُّوا أيْضًا بِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا حامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُرْدِفُ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ القَوارِيرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيما لَمْ يُقْسَمْ، فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» . وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَفْيِ الشُّفْعَةِ بِالجِوارِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما نَفى وُجُوبَ الشُّفْعَةِ إذا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِفَتِ الطُّرُقُ، فَأفادَ بِذَلِكَ نَفْيَ الشُّفْعَةِ لِغَيْرِ الجارِ المُلاصِقِ؛ لِأنَّ صَرْفَ الطُّرُقِ يَنْفِي المُلاصَقَةِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ جارِهِ طَرِيقًا. والثّانِي: أنَّهُ مَتى حَمَلْناهُ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ نَفْيَ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الحُدُودِ وصَرْفِ الطُّرُقِ، ووُقُوعُ الحُدُودِ وصَرْفُ الطُّرُقِ إنَّما هو القِسْمَةُ، فَكَأنَّهُ إنَّما أفادَ أنَّ القِسْمَةَ لا شُفْعَةَ فِيها، كَما قالَ أصْحابُنا إنَّهُ لا شُفْعَةَ في قِسْمَةٍ؛ وكَذَلِكَ الحَدِيثُ الأوَّلُ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا. وأيْضًا فَقَدْ رَوى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وإنْ كانَ غائِبًا إذا كانَ طَرِيقُهُما واحِدًا» . فَهَذانِ الخَبَرانِ قَدْ رُوِيا عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ نَجْعَلَهُما مُتَعارِضَيْنِ مَعَ إمْكانِ اسْتِعْمالِهِما جَمِيعًا؛ وقَدْ يُمْكِنُنا اسْتِعْمالَهُما عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا، ومُخالِفُونا يَجْعَلُونَهُما مُتَعارِضَيْنِ ويُسْقِطُونَ أحَدَهُما بِالآخَرِ. مَطْلَبٌ: إذا خَرَجَ الكَلامُ عَلى سَبَبٍ فَلا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ الفُقَهاءِ. وأيْضًا جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَلامًا خَرَجَ عَلى سَبَبٍ، فَنَقَلَ الرّاوِي لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ (p-١٦١)وتَرَكَ نَقْلَ السَّبَبِ، نَحْوُ أنْ يَخْتَصِمَ إلَيْهِ رَجُلانِ أحَدُهُما جارٌ والآخَرُ شَرِيكٌ، فَيَحْكُمُ بِالشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ دُونَ الجارِ؛ وقالَ: فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ لِصاحِبِ النَّصِيبِ المَقْسُومِ مَعَ الجارِ؛ كَما رَوى أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا رِبًا إلّا في النَّسِيئَةِ» وهو عِنْدَ سائِرِ الفُقَهاءِ كَلامٌ خارِجٌ عَلى سَبَبٍ اقْتَصَرَ فِيهِ راوِيهِ عَلى نَقْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ ذِكْرِ السَّبَبِ، وهو أنْ يَكُونَ سُئِلَ عَنِ النَّوْعَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إذا بِيعَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَقالَ ﷺ: «لا رِبًا إلّا في النَّسِيئَةِ» يَعْنِي فِيما سُئِلَ عَنْهُ؛ كَذَلِكَ ما ذَكَرْنا. وأيْضًا لَوْ تَساوَتْ أخْبارُ إيجابِ الشُّفْعَةِ بِالجِوارِ وأخْبارُ نَفْيِها، لَكانَتْ أخْبارُ الإيجابِ أوْلى مِن أخْبارِ النَّفْيِ؛ لِأنَّ الأصْلَ أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ حَتّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِإيجابِها، فَخَبَرُ نَفْيِ الشُّفْعَةِ وارِدٌ عَلى الأصْلِ وخَبَرُ إثْباتِها ناقِلٌ عَنْهُ وارِدٌ بَعْدَهُ فَهو أوْلى. فَإنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالجارِ الشَّرِيكَ. قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي رَوَيْناها أكْثَرُها يَنْفِي هَذا التَّأْوِيلَ؛ لِأنَّ فِيها أنَّ جارَ الدّارِ أحَقُّ بِشُفْعَةِ دارِهِ، والشَّرِيكُ لا يُسَمّى جارَ الدّارِ؛ وحَدِيثُ جابِرٍ قالَ فِيهِ: «يُنْتَظَرُ بِهِ وإنْ كانَ غائِبًا إذا كانَ طَرِيقُهُما واحِدًا» وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ هَذا في الشَّرِيكِ في المَبِيعِ. وأيْضًا فَإنَّ الشَّرِيكَ لا يُسَمّى جارًا؛ لِأنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّ اسْمَ الجِوارِ بِالشَّرِكَةِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَرِيكَيْنِ في شَيْءٍ جارَيْنِ، كالشَّرِيكَيْنِ في عَبْدٍ واحِدٍ ودابَّةٍ واحِدَةٍ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَحِقَّ اسْمُ الجارِ بِالشَّرِكَةِ في هَذِهِ الأشْياءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّرِيكَ لا يُسَمّى جارًا، وإنَّما الجارُ هو الَّذِي يَنْفَرِدُ حَقُّهُ ونَصِيبُهُ مِن حَقِّ الشَّرِيكِ ويَتَمَيَّزُ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ صاحِبِهِ. وأيْضًا فَإنَّ الشَّرِكَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِها الشُّفْعَةُ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي حُصُولَ الجِوارِ بِالقِسْمَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرِكَةَ في سائِرِ الأشْياءِ لا تُوجِبُ الشُّفْعَةَ لِعَدَمِ حُصُولِ الجِوارِ بِها عِنْدَ القِسْمَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّرِكَةَ في العَقارِ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِها الشُّفْعَةُ لِما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الجِوارِ عِنْدَ القِسْمَةِ، وإنْ كانَ الشَّرِيكُ أحَقَّ مِنَ الجارِ لِمَزِيَّةٍ حَصَلَتْ لَهُ مَعَ تَعَلُّقِ حَقِّ الجِوارِ بِالقِسْمَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرِكَةَ في سائِرِ الأشْياءِ لا تُوجِبُ الشُّفْعَةَ لِعَدَمِ حُصُولِ الجِوارِ بِها، كَما أنَّ الأخَ مِنَ الأبِ والأُمِّ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ الأخِ مِنَ الأبِ، وإنْ كانَتِ الأُخُوَّةُ مِن جِهَةِ الأبِ يُسْتَحَقُّ بِها التَّعْصِيبُ والمِيراثُ إذا لَمْ يَكُنْ أخٌ لِأبٍ وأُمٍّ، ومَعْلُومٌ أنَّ القَرابَةَ مِن جِهَةِ الأُمِّ لا يُسْتَحَقُّ بِها التَّعْصِيبُ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ قَرابَةٌ مِن جِهَةِ الأبِ، إلّا أنَّها أكَّدَتْ تَعْصِيبَ القَرابَةِ مِنَ الأبِ؛ كَذَلِكَ الشَّرِيكُ إنَّما يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِالشَّرِكَةِ؛ لِما تَعَلَّقَ بِها مِن حُصُولِ الجِوارِ عِنْدَ (p-١٦٢)القِسْمَةِ، والشَّرِيكُ أوْلى مِنَ الجارِ لِمَزِيَّةٍ حَصَلَتْ لَهُ كَما وُصِفَ بِالتَّعْصِيبِ، ويَكُونُ المَعْنى الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ هو الجِوارُ. وأيْضًا لَمّا كانَ المَعْنى الَّذِي بِهِ وجَبَتِ الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ هو دَوامُ التَّأذِّي بِالشَّرِيكِ، وكانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في الجِوارِ؛ لِأنَّهُ يَتَأذّى بِهِ في الإشْرافِ عَلَيْهِ ومُطالَعَةِ أُمُورِهِ والوُقُوفِ عَلى أحْوالِهِ وجَبَ أنْ تَكُونَ لَهُ الشُّفْعَةُ لِوُجُودِ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ وجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ؛ وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الجارِ غَيْرِ المُلاصِقِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ طَرِيقًا يَمْنَعُهُ التَّشَرُّفَ عَلَيْهِ والِاطِّلاعَ عَلى أُمُورِهِ. * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ المُسافِرُ؛ وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: " " هو الضَّيْفُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ومَعْناهُ صاحِبُ الطَّرِيقِ؛ وهَذا كَما يُقالُ لِطَيْرِ الماءِ: ابْنُ ماءٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ورَدْتُ اعْتِسافًا والثُّرَيّا كَأنَّها عَلى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ ومَن تَأوَّلَهُ عَلى الضَّيْفِ فَقَوْلُهُ سائِغٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الضَّيْفَ كالمُجْتازِ غَيْرِ المُقِيمِ، فَسُمِّيَ ابْنُ السَّبِيلِ تَشْبِيهًا بِالمُسافِرِ المُجْتازِ، وهو كَما يُقالُ: عابِرُ السَّبِيلِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: " ابْنُ السَّبِيلِ هو الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ ولَيْسَ مَعَهُ نَفَقَتُهُ " وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ ما لَمْ يَصِرْ في الطَّرِيقِ لا يُسَمّى ابْنَ السَّبِيلِ كَما لا يُسَمّى مُسافِرًا ولا عابِرَ سَبِيلٍ. * * وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي الإحْسانَ المَأْمُورَ بِهِ في أوَّلِ الآيَةِ. ورَوى سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَتْ عامَّةُ وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم حَتّى جَعَلَ يُغَرْغِرُ بِها في صَدْرِهِ وما يَقْبِضُ بِها لِسانَهُ»، ورَوَتْهُ أيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أبِي عُمارَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الغَنَمُ بَرَكَةٌ والإبِلُ عِزٌّ لِأهْلِها، والخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والمَمْلُوكُ أخُوكَ فَأحْسِنْ إلَيْهِ فَإنْ وجَدْتَهُ مَغْلُوبًا فَأعِنْهُ» . ورَوى مُرَّةُ الطَّيِّبُ عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَيِّئُ المَلَكَةِ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْسَ قَدْ حَدَّثْتَنا أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْثَرُ الأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وأتْباعًا ؟ قالَ: بَلى، فَأكْرِمُوهم كَكَرامَةِ أوْلادِكم وأطْعِمُوهم مِمّا تَأْكُلُونَ» . ورَوى الأعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ: مَرَرْتُ عَلى أبِي ذَرٍّ وهو بِالرَّبْذَةِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المَمالِيكُ (p-١٦٣)هم إخْوانُكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى خَوَّلَكم إيّاهم، فَأطْعِمُوهم مِمّا تَأْكُلُونَ وألْبِسُوهم مِمّا تَلْبَسُونَ» .

النساء 4:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قِيلَ في مَعْنى البُخْلِ في اللُّغَةِ: إنَّهُ مَشَقَّةُ الإعْطاءِ، وقِيلَ: البُخْلُ مَنعُ ما لا يَنْفَعُ مَنعُهُ ولا يَضُرُّ بَذْلُهُ. وقِيلَ: البُخْلُ مَنعُ الواجِبِ، ونَظِيرُهُ الشُّحُّ، ونَقِيضُهُ الجُودُ. وقَدْ عُقِلَ مِن مَعْناهُ في أسْماءِ الدِّينِ أنَّهُ مَنعُ الواجِبِ. ويُقالُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ في الدِّينِ إلّا عَلى جِهَةِ أنَّ فاعِلَهُ قَدْ أتى كَبِيرَةً بِالمَنعِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] فَأطْلَقَ الوَعِيدَ عَلى مَن بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ في مالِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ إذْ بَخِلُوا بِما أُعْطُوا مِنَ الرِّزْقِ. وكَتَمُوا ما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: هو فِيمَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وفِيمَن كَتَمَ نِعَمَ اللَّهِ وأنْكَرَها، وذَلِكَ كُفْرٌ بِاَللَّهِ تَعالى. قالَ أبُو بَكْرٍ: الِاعْتِرافُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ وجاحِدُها كافِرٌ، وأصْلُ الكُفْرِ إنَّما هو مِن تَغْطِيَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وكِتْمانِها وجُحُودِها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لِلْإنْسانِ أنْ يَتَحَدَّثَ بِنِعَمِ اللَّهِ عِنْدَهُ، لا عَلى جِهَةِ الفَخْرِ بَلْ عَلى جِهَةِ الِاعْتِرافِ بِالنِّعْمَةِ والشُّكْرِ لِلْمُنْعِمِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخَرَ، وأنا أفْصَحُ العَرَبِ ولا فَخْرَ» فَأخْبَرَ بِنِعَمِ اللَّهِ عِنْدَهُ وأبانَ أنَّهُ لَيْسَ إخْبارُهُ بِها عَلى وجْهِ الِافْتِخارِ. وقالَ ﷺ: «لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتى» وقَدْ كانَ ﷺ خَيْرًا مِنهُ، ولَكِنَّهُ نَهى أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِافْتِخارِ. وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَمْدَحُ رَجُلًا فَقالَ: لَوْ سَمِعَكَ لَقَطَعْتَ ظَهْرَهُ» . ورَأى المِقْدادُ رَجُلًا يَمْدَحُ عُثْمانَ في وجْهِهِ فَحَثا في وجْهِهِ التُّرابَ وقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا رَأيْتُمُ المَدّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» . وقَدْ رُوِيَ: «إيّاكم والتَّمادُحَ فَإنَّهُ الذَّبْحُ» . فَهَذا إذا كانَ عَلى وجْهِ الفَخْرِ فَقَدْ كُرِهَ، وأمّا أنْ يَتَحَدَّثَ بِنِعَمِ اللَّهِ عِنْدَهُ أوْ يَذْكُرَها غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ فَهَذا نَرْجُو أنْ لا يَضُرَّ؛ إلّا أنَّ أصْلَحَ الأشْياءِ لِقَلْبِ الإنْسانِ أنْ لا يَغْتَرَّ بِمَدْحِ النّاسِ لَهُ ولا يَعْتَدَّ بِهِ.

النساء 4:38

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ مَعْناهُ واَللَّهُ أعْلَمُ: أنَّهُ أعَدَّ لِلَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ واَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِياءَ النّاسِ عَذابًا مُهِينًا؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ (p-١٦٤)عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ لِغَيْرِ وجْهِ اللَّهِ فَإنَّهُ لا قُرْبَةَ فِيهِ ولا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الثَّوابَ؛ لِأنَّ ما يَفْعَلُ عَلى وجْهِ الرِّياءِ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيا كالذِّكْرِ الجَمِيلِ والثَّناءِ الحَسَنِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في أنَّ كُلَّ ما أُرِيدَ بِهِ عِوَضٌ مِن أعْواضِ الدُّنْيا أنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، كالِاسْتِئْجارِ عَلى الحَجِّ وعَلى الصَّلاةِ وسائِرِ القُرَبِ، أنَّهُ مَتى اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عِوَضًا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ بابِ القُرْبَةِ. وقَدْ عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ سَبِيلُها أنْ لا تُفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْها الأُجْرَةَ وأنَّ الإجارَةَ عَلَيْها باطِلَةٌ

النساء 4:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ أهْلِ الجَبْرِ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْإيمانِ بِاَللَّهِ والإنْفاقِ لَما جازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ لِأنَّ عُذْرَهم واضِحٌ وهو أنَّهم غَيْرُ مُمَكَّنِينَ مِمّا دُعُوا إلَيْهِ ولا قادِرِينَ عَلَيْهِ، كَما لا يُقالُ لِلْأعْمى: " ماذا عَلَيْهِ لَوْ أبْصَرَ " ولا يُقالُ لِلْمَرِيضِ: " ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا "؛ وفي ذَلِكَ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ اللَّهَ قَطَعَ عُذْرَهم مِن فِعْلِ ما كَلَّفَهم مِنَ الإيمانِ وسائِرِ الطّاعاتِ وأنَّهم مُمَكَّنُونَ مِن فِعْلِها.

النساء 4:42

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ هُناكَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ وما عَمِلُوهُ، لَعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ عالِمٌ بِأسْرارِهِمْ، فَيُقِرُّونَ بِها ولا يَكْتُمُونَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ أسْرارَهم هُناكَ كَما كانُوا يَكْتُمُونَها في الدُّنْيا. فَإنْ قِيلَ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ واَللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ قِيلَ لَهُ: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ فَمَوْطِنٌ لا تَسْمَعُ فِيهِ إلّا هَمْسًا أيْ صَوْتًا خَفِيًّا، ومَوْطِنٌ يَكْذِبُونَ فِيهِ فَيَقُولُونَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ واَللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، ومَوْطِنٌ يَعْتَرِفُونَ فِيهِ بِالخَطَإ ويَسْألُونَ اللَّهَ أنْ يَرُدَّهم إلى الدُّنْيا؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ داخِلٌ في التَّمَنِّي بَعْدَما نَطَقَتْ جَوارِحُهم بِفَضِيحَتِهِمْ وقِيلَ: إنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِكِتْمانِهِمْ؛ لِأنَّهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ أنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ هُناكَ عَلى الكِتْمانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُظْهِرُهُ. وقِيلَ: إنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الكِتْمانَ؛ لِأنَّهم إنَّما أخْبَرُوا عَلى ما تَوَهَّمُوا، ولا يُخْرِجُهم ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونُوا قَدْ كَتَمُوا، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النساء 4:43

بابُ الجُنُبِ يَمُرُّ في المَسْجِدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ (p-١٦٥)ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ السُّكْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ وقَتادَةُ: " السُّكْرُ مِنَ الشَّرابِ " . وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: " نَسَخَها تَحْرِيمُ الخَمْرِ " . وقالَ الضَّحّاكُ: " المُرادُ بِهِ سُكْرُ النَّوْمِ خاصَّةً " . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُنْهى السَّكْرانُ في حالِ سُكْرِهِ وهو في مَعْنى الصَّبِيِّ في نَقْصِ عَقْلِهِ ؟ قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَّكْرانَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ نُقْصانُ عَقْلِهِ إلى حَدٍّ يَزُولُ التَّكْلِيفُ مَعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا نُهُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِلسُّكْرِ إذا كانَ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الصَّلاةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ إنَّما دَلَّ عَلى أنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُعِيدُوها في حالِ الصَّحْوِ إذا فَعَلُوها في حالِ السُّكْرِ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُرادَةً بِالآيَةِ في حالِ نُزُولِها فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا ساغَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَها عَلى السَّكْرانِ الَّذِي لَمْ يُزَلْ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنهِيًّا عَنْ فِعْلِ الصَّلاةِ في هَذِهِ الحالِ مَعَ اتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِفِعْلِ الصَّلاةِ في هَذِهِ الحالِ ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّهُ مَنسُوخٌ، ويَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُتَوَجِّهًا إلى فِعْلِ الصَّلاةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ أوْ في جَماعَةٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: والصَّحِيحُ مِنَ التَّأْوِيلِ في مَعْنى السُّكْرِ أنَّهُ السُّكْرُ مِنَ الشَّرابِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّ النّائِمَ ومَن خالَطَ عَيْنَهُ النَّوْمُ لا يُسَمّى سَكْرانَ، ومَن سَكِرَ مِنَ الشَّرابِ يُسَمّى سَكْرانَ حَقِيقَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يَجُوزُ صَرْفُهُ عَنْها إلى المَجازِ إلّا بِدَلالَةٍ. والثّانِي: ما رَوى سُفْيانُ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " دَعا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ قَوْمًا فَشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصَلاةِ المَغْرِبِ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فالتَبَسَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ . وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ المُؤَدِّبِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ ثُمَّ نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيَةَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ قالَ: " كانُوا (p-١٦٦)لا يَشْرَبُونَها عِنْدَ الصَّلاةِ فَإذا صَلُّوا العِشاءَ شَرِبُوها " . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيانَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾، وذَكَرَ الحَدِيثَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنا هُشَيْمٌ قالَ: أخْبَرَنا مُغِيرَةُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: " شُرِبَتِ الخَمْرُ بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ واَلَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، وكانُوا يَشْرَبُونَها حَتّى تَحْضُرَ الصَّلاةُ فَإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ تَرَكُوها، ثُمَّ حُرِّمَتْ في المائِدَةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأخْبَرَ هَؤُلاءِ أنَّ المُرادَ السُّكْرُ مِنَ الشَّرابِ، وأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَزِينٍ أنَّهم تَرَكُوا شُرْبَها بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَ الصَّلاةِ وشَرِبُوها في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ؛ فَفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهم عَقَلُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِها في الحالِ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها سُكارى عِنْدَ لُزُومِ فَرْضِ الصَّلاةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ إنَّما أفادَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِها في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، وكانَ مَعْناهُ: لا يَكُنْ مِنكم شُرْبٌ تَصِيرُونَ بِهِ إلى حالِ السُّكْرِ عِنْدَ أوْقاتِ الصَّلَواتِ فَتُصَلُّوا وأنْتُمْ سُكارى وذَلِكَ أنَّهم لَمّا كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِفِعْلِ الصَّلَواتِ في أوْقاتِها مَنهِيِّينَ عَنْ تَرْكِها، قالَ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ بِذَلِكَ فَرْضُ الصَّلاةِ، كانَ في مَضْمُونِ هَذا اللَّفْظِ النَّهْيُ عَمّا يُوجِبُ السُّكْرَ عِنْدَ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، كَما أنَّهُ لَمّا نُهِينا عَنْ فِعْلِ الصَّلاةِ مَعَ الحَدَثِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» . وكَما قالَ تَعالى: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ كانَ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ تَرْكِ الطَّهارَةِ ولَمْ يَكُنْ نَهْيًا عَنْ فِعْلِ الصَّلاةِ. ولَمْ يُوجِبْ كَوْنُ الإنْسانِ جُنُبًا أوْ مُحْدِثًا سُقُوطَ فَرْضِ الصَّلاةِ؛ وإنَّما نُهِيَ عَنْ فِعْلِها في هَذِهِ الحالِ، وهو مَأْمُورٌ مَعَ ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الطَّهارَةِ لَها؛ كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ إنَّما دَلَّ عَلى حَظْرِ شُرْبٍ يُوجِبُ السُّكْرَ قَبْلَ الصَّلاةِ، وفَرْضُ الصَّلاةِ قائِمٌ عَلَيْهِ. فَهَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي رَزِينٍ، وظاهِرُ الآيَةِ وفَحْواها يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا. وهَذا التَّأْوِيلُ لا يُنافِي ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ عَنِ السَّلَفِ في حَظْرِ الصَّلاةِ عِنْدَ السُّكْرِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونُوا نُهُوا عَنْ شُرْبٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ سَكْرانَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَظْرًا قائِمًا، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَشْرَبَ حَتّى أنَّهُ كانَ سَكْرانَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلاةِ كانَ مَنهِيًّا عَنْ فِعْلِها مَأْمُورًا بِإعادَتِها في حالِ الصَّحْوِ، أوْ يَكُونُ النَّهْيُ مَقْصُورًا عَلى فِعْلِها مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (p-١٦٧)أوْ في جَماعَةٍ؛ وهَذِهِ المَعانِي كُلُّها صَحِيحَةٌ جائِزَةٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّكْرانَ الَّذِي مُنِعَ مِنَ الصَّلاةِ هو الَّذِي قَدْ بَلَغَ بِهِ السُّكْرُ إلى حالٍ لا يَدْرِي ما يَقُولُ، وأنَّ السَّكْرانَ الَّذِي يَدْرِي ما يَقُولُ لَمْ يَتَناوَلْهُ النَّهْيُ عَنْ فِعْلِ الصَّلاةِ؛ وهَذا يَشْهَدُ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنا مِن أنَّ النَّهْيَ إنَّما انْصَرَفَ إلى الشُّرْبِ لا إلى فِعْلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ السَّكْرانَ الَّذِي لا يَدْرِي ما يَقُولُ لا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ في هَذِهِ الحالِ كالمَجْنُونِ والنّائِمِ والصَّبِيِّ الَّذِي لا يَعْقِلُ، واَلَّذِي يَعْقِلُ ما يَقُولُ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ النَّهْيُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ إباحَةَ فِعْلِ الصَّلاةِ إذا عَلِمَ ما يَقُولُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ إنَّما حَظَرَتْ عَلَيْهِ الشُّرْبَ لا فِعْلَ الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ الَّذِي لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ فِيهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ تَكْلِيفُ السَّكْرانِ الَّذِي لا يَعْقِلُ. وهِيَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السُّكْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ هو الَّذِي لا يَعْقِلُ صاحِبُهُ ما يَقُولُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في السُّكْرِ المُوجِبِ لِلْحَدِّ " أنَّهُ هو الَّذِي لا يَعْرِفُ فِيهِ الرَّجُلَ مِنَ المَرْأةِ " ومَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ لا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنَ المَرْأةِ وقَوْلُهُ تَعالى:﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى فَرْضِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الصَّلاةِ لِأجْلِ عَدَمِ إقامَةِ القِراءَةِ فِيها، فَلَوْلا أنَّها مِن أرْكانِها وفُرُوضِها لَما مَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ لِأجْلِها. فَإنْ قِيلَ: لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ فِيها؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنها في الحالِ الَّتِي لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ولَمْ يَذْكُرِ القِراءَةَ وإنَّما ذَكَرَ نَفْيَ العِلْمِ بِما يَقُولُ، وهَذا عَلى سائِرِ الأقْوالِ والكَلامِ، ومَن صارَ بِهَذِهِ الحالِ مِنَ السُّكْرِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ إحْضارُ نِيَّةِ الصَّلاةِ ولا فِعْلُ سائِرِ أرْكانِها، فَإنَّما مُنِعَ مِنَ الصَّلاةِ مَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ؛ لِأنَّهُ لا تَصِحُّ مِنهُ نِيَّةُ الصَّلاةِ ولا سائِرُ أفْعالِها، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَعْلَمُ أنَّهُ طاهِرٌ غَيْرُ مُحْدِثٍ. قِيلَ لَهُ: هَذا عَلى ما ذَكَرْتَ في أنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ فَلا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الصَّلاةِ عَلى سائِرِ شَرائِطِها، إلّا أنَّ اخْتِصاصَهُ القَوْلَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أُمُورِ الصَّلاةِ وأحْوالِها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ قَوْلٌ مَفْعُولٌ في الصَّلاةِ وأنَّهُ مَتى كانَ مِنَ السُّكْرِ عَلى حالٍ لَمْ يُمْكِنْهُ إقامَةُ القِراءَةِ فِيها لَمْ يَصِحَّ لَهُ فِعْلُها لِأجْلِ عَدَمِ القِراءَةِ، وأنَّ وُجُودَ القِراءَةِ فِيها مِن فُرُوضِها وشَرائِطِها، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] في إفادَتِهِ أنَّ في الصَّلاةِ قِيامًا مَفْرُوضًا، ومِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] في دَلالَتِهِ عَلى فَرْضِ الرُّكُوعِ في الصَّلاةِ. * * وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ فَإنَّ أهْلَ العِلْمِ قَدْ تَنازَعُوا تَأْوِيلَهُ، فَرَوى المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ (p-١٦٨)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ " إلّا أنْ تَكُونُوا مُسافِرِينَ ولا تَجِدُونَ ما تَتَيَمَّمُونَ بِهِ وتُصَلُّونَ " . ورَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " هو المَمَرُّ في المَسْجِدِ " . ورَوى عَطاءُ بْنُ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وعَطاءٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مُرُورِ الجُنُبِ في المَسْجِدِ، فَرُوِيَ عَنْ جابِرٍ قالَ: " كانَ أحَدُنا يَمُرُّ في المَسْجِدِ مُجْتازًا وهو جُنُبٌ " . وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: " كانَ رِجالٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ تُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ فَيَتَوَضَّئُونَ ثُمَّ يَأْتُونَ المَسْجِدَ فَيَتَحَدَّثُونَ فِيهِ " . وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: " الجُنُبُ لا يَجْلِسُ في المَجْلِسِ ويَجْتازُ " وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. وما رُوِيَ في ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَإنَّ الصَّحِيحَ فِيهِ ما تَأوَّلَهُ شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قالَ: " الجُنُبُ يَمُرُّ في المَسْجِدِ ولا يَجْلِسُ "، ورَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ ويُقالُ إنَّ أحَدًا لَمْ يَرْفَعْهُ إلى عَبْدِ اللَّهِ غَيْرُ مَعْمَرٍ وسائِرُ النّاسِ وقَفُوهُ. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: " لا يَدْخُلُهُ إلّا طاهِرًا سَواءٌ أرادَ القُعُودَ فِيهِ أوِ الِاجْتِيازَ "، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والثَّوْرِيِّ. وقالَ اللَّيْثُ: " لا يَمُرُّ فِيهِ إلّا أنْ يَكُونَ بابُهُ إلى المَسْجِدِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " يَمُرُّ فِيهِ ولا يَقْعُدُ " . والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الجُنُبَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْتازَ في المَسْجِدِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ قالَ: حَدَّثَنا أفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ بِنْتُ دَجاجَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُجُوهُ بُيُوتِ أصْحابِهِ شارِعَةٌ في المَسْجِدِ، فَقالَ: وجِّهُوا هَذِهِ البُيُوتَ عَنِ المَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ ولَمْ يَصْنَعِ القَوْمُ شَيْئًا رَجاءَ أنْ تَنْزِلَ لَهم رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بَعْدُ فَقالَ: وجِّهُوا هَذِهِ البُيُوتَ فَإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحائِضٍ ولا جُنُبٍ» ولَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الِاجْتِيازِ وبَيْنَ القُعُودِ، فَهو عَلَيْهِما سَواءٌ. والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهم بِتَوْجِيهِ البُيُوتِ الشّارِعَةِ لِئَلّا يَجْتازُوا في المَسْجِدِ إذا أصابَتْهم جَنابَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ القُعُودَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: «وجِّهُوا هَذِهِ البُيُوتَ فَإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحائِضٍ ولا جُنُبٍ» مَعْنًى؛ لِأنَّ القُعُودَ مِنهم بَعْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَوْنِ البُيُوتُ شارِعَةً إلَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِتَوْجِيهِ البُيُوتِ لِئَلّا يُضْطَرُّوا عِنْدَ الجَنابَةِ (p-١٦٩)إلى الِاجْتِيازِ في المَسْجِدِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابٌ غَيْرُ ما هي شارِعَةٌ إلى المَسْجِدِ. وقَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ المُطَّلِبِ: " أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ أذِنَ لِأحَدٍ أنْ يَمُرَّ في المَسْجِدِ ولا يَجْلِسَ فِيهِ وهو جُنُبٌ، إلّا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَدْخُلُهُ جُنُبًا ويَمُرُّ فِيهِ؛ لِأنَّ بَيْتَهُ كانَ في المَسْجِدِ» فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ بِحَظْرِ النَّبِيِّ ﷺ الِاجْتِيازَ كَما حَظَرَ عَلَيْهِمُ القُعُودَ. وما ذُكِرَ مِن خُصُوصِيَّةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهو صَحِيحٌ، وقَوْلُ الرّاوِي: " لِأنَّهُ كانَ بَيْتُهُ في المَسْجِدِ " ظَنًّا مِنهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أمَرَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ بِتَوْجِيهِ البُيُوتِ الشّارِعَةِ إلى غَيْرِهِ ولَمْ يُبِحْ لَهُمُ المُرُورَ لِأجْلِ كَوْنِ بُيُوتِهِمْ في المَسْجِدِ، وإنَّما كانَتِ الخُصُوصِيَّةُ فِيهِ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَما خُصَّ جَعْفَرُ بِأنَّ لَهُ جَناحَيْنِ في الجَنَّةِ دُونَ سائِرِ الشُّهَداءِ، وكَما خُصَّ حَنْظَلَةُ بِغَسْلِ المَلائِكَةِ لَهُ حِينَ قُتِلَ جُنُبًا، وخُصُّ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ بِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَنْزِلُ عَلى صُورَتِهِ، وخُصَّ الزُّبَيْرُ بِإباحَةِ لُبْسِ الحَرِيرِ لَمّا شَكا مِن أذى القَمْلِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ سائِرَ النّاسِ مَمْنُوعُونَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ مُجْتازِينَ وغَيْرَ مُجْتازِينَ. وأمّا ما رَوى جابِرٌ: " كانَ أحَدُنا يَمُرُّ في المَسْجِدِ مُجْتازًا وهو جُنُبٌ " فَلا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ فَأقَرَّهُ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: " كانَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ فَيَتَوَضَّئُونَ ثُمَّ يَأْتُونَ المَسْجِدَ فَيَتَحَدَّثُونَ فِيهِ " لا دَلالَةَ فِيهِ لِلْمُخالِفِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقَرَّهم عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنهم ولِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يَحْظُرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ ولَوْ ثَبَتَ جَمِيعُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رُوِيَ ما وصَفْنا لَكانَ خَبَرُ الحَظْرِ أوْلى؛ لِأنَّهُ طارِئٌ عَلى الإباحَةِ لا مَحالَةَ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْها ولَمّا ثَبَتَ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ حَظْرُ القُعُودِ فِيهِ لِأجْلِ الجَنابَةِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ المَسْجِدِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الِاجْتِيازِ تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ؛ ولِأنَّ العِلَّةَ في حَظْرِ القُعُودِ فِيهِ هو الكَوْنُ فِيهِ جُنُبًا وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الِاجْتِيازِ، وكَما أنَّهُ لَمّا كانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ القُعُودُ في مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كانَ حُكْمُ الِاجْتِيازِ فِيهِ حُكْمَ القُعُودِ فَكانَ الِاجْتِيازُ بِمَنزِلَةِ القُعُودِ، كَذَلِكَ القُعُودُ في المَسْجِدِ لَمّا كانَ مَحْظُورًا وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الِاجْتِيازُ اعْتِبارًا بِما ذَكَرْنا؛ والعِلَّةُ في الجَمِيعِ حَظْرُ الكَوْنِ فِيهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى إباحَةِ الِاجْتِيازِ في المَسْجِدِ، فَإنَّ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ في تَأْوِيلِهِ أنَّ المُرادَ المُسافِرُ الَّذِي لا يَجِدُ الماءَ فَيَتَيَمَّمُ، أوْلى مِن تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى الِاجْتِيازِ في المَسْجِدِ وذَلِكَ (p-١٧٠)لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ نَهْيٌ عَنْ فِعْلِ الصَّلاةِ نَفْسِها في هَذِهِ الحالِ لا عِنْدَ المَسْجِدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ ومَفْهُومُ الخِطابِ، وحَمْلُهُ عَلى المَسْجِدِ عُدُولٌ بِالكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِأنْ تَجْعَلَ الصَّلاةَ عِبارَةً عَنْ مَوْضِعِها، كَما يُسَمّى الشَّيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ لِلْمُجاوَرَةِ أوْ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ﴾ [الحج: ٤٠] يَعْنِي بِهِ مَواضِعَ الصَّلَواتِ. ومَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ عَنْها إلى المَجازِ إلّا بِدَلالَةٍ، ولا دَلالَةَ تُوجِبُ صَرْفَ ذَلِكَ عَنِ الحَقِيقَةِ وفي نَسَقِ التِّلاوَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ ولَيْسَ لِلْمَسْجِدِ قَوْلٌ مَشْرُوطٌ يَمْنَعُ مِن دُخُولِهِ لِتَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّكْرِ، وفي الصَّلاةِ قِراءَةٌ مَشْرُوطَةٌ، فَمَنَعَ مِن أجْلِ العُذْرِ عَنْ إقامَتِها عَنْ فِعْلِ الصَّلاةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلَيْها مُوافِقًا لِظاهِرِها وحَقِيقَتِها. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ فَإنَّ مَعْناهُ المُسافِرَ؛ لِأنَّ المُسافِرَ يُسَمّى عابِرَ سَبِيلٍ، ولَوْلا أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمُ؛ لَما تَأوَّلَهُ عَلَيْهِعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ تَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى ما لا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وإنَّما سُمِّيَ المُسافِرُ عابِرَ سَبِيلٍ؛ لِأنَّهُ عَلى الطَّرِيقِ، كَما يُسَمّى ابْنَ السَّبِيلِ؛ فَأباحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في حالِ السَّفَرِ أنْ يَتَيَمَّمَ ويُصَلِّيَ وإنْ كانَ جُنُبًا، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: جازَ التَّيَمُّمُ لِلْجُنُبِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ والصَّلاةُ بِهِ، والثّانِي: أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الجَنابَةَ؛ لِأنَّهُ سَمّاهُ جُنُبًا مَعَ كَوْنِهِ مُتَيَمِّمًا؛ فَهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِن تَأْوِيلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الِاجْتِيازِ في المَسْجِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِإباحَةِ الصَّلاةِ، ولا خِلافَ أنَّ الغايَةَ في هَذا المَوْضِعِ داخِلَةٌ في الحَظْرِ إلى أنْ يَسْتَوْعِبَها بِوُجُودِ الِاغْتِسالِ، وأنَّهُ لا تَجُوزُ لَهُ الصَّلاةُ وقَدْ بَقِيَ مِن غُسْلِهِ شَيْءٌ في حالِ وُجُودِ الماءِ وإمْكانِ اسْتِعْمالِهِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ يَخافُهُ؛ فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغايَةَ قَدْ تَدْخُلُ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والغايَةُ خارِجَةٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّهُ بِدُخُولِ أوَّلِ اللَّيْلِ يَخْرُجُ مِنَ الصَّوْمِ؛ لِأنَّ " إلى " غايَةٌ كَما أنَّ " حَتّى " غايَةٌ. وهَذا أصْلٌ في أنَّ الغايَةَ قَدْ يَجُوزُ دُخُولُها في الكَلامِ تارَةً وخُرُوجُها أُخْرى، وحُكْمُها مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلالَةِ في دُخُولِها أوْ خُرُوجِها. وسَنَذْكُرُ أحْكامَ الجَنابَةِ ومَعْناها وحُكْمَ المَرِيضِ والمُسافِرِ في سُورَةِ المائِدَةِ إذا انْتَهَيْنا إلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * ذَكْرُ اخْتِلافِ اَلْفُقَهاءِ في فَرْضِ اَلنِّيَّةِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( كُلُّ طَهارَةٍ بِماءٍ تَجُوزُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ولا يُجْزِي التَّيَمُّمُ إلّا بِنِيَّةٍ )، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: ( يُجْزِي الوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ) ولَمْ تُحْفَظْ عَنْهُ في التَّيَمُّمِ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: ( لا يُجْزِي الوُضُوءُ ولا الغُسْلُ إلّا بِالنِّيَّةِ، وكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ ) . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( يُجْزِي الوُضُوءُ والتَّيَمُّمُ جَمِيعًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ )، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ: ولَمْ نَجِدْ هَذا القَوْلَ في التَّيَمُّمِ عَنْ غَيْرِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى جَوازِ الوُضُوءِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ دالٌ عَلى جَوازِ الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ومَعْناهُ: مُطَهِّرًا؛ فَحَيْثُما وُجِدَ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا. ولَوْ شَرَطْنا فِيهِ النِّيَّةَ كُنّا قَدْ سَلَبْناهُ الصِّفَةَ الَّتِي وصَفَهُ اللَّهُ بِها مِن كَوْنِهِ طَهُورًا؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ طَهُورًا إلّا بِغَيْرِهِ، واَللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ طَهُورًا مِن غَيْرِ شَرْطِ مَعْنًى آخَرَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: إيجابُ شَرْطِ النِّيَّةِ فِيهِ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ طَهُورًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «جُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» وقالَ: «التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ ما لَمْ يَجِدِ الماءَ» ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إيجابَ النِّيَّةِ شَرْطًا فِيهِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما سَمّاهُ طَهُورًا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالماءِ في بابِ إباحَةِ الصَّلاةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ ولا يُزِيلُ النَّجَسَ، فَعَلِمْنا أنَّهُ سَمّاهُ طَهُورًا اسْتِعارَةً ومَجازًا. ومِن (p-٣٣٧)جِهَةٍ أُخْرى أنَّ إثْباتَ النِّيَّةِ شَرْطٌ في التَّيَمُّمِ جائِزٌ مَعَ قَوْلِهِ: ( التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ ) ولا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الوُضُوءِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ( فَتَيَمَّمُوا ) يَقْتَضِي إيجابَ النِّيَّةِ؛ إذْ كانَ التَّيَمُّمُ هو القَصْدَ في اللُّغَةِ؛ وقَوْلُهُ: ( التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ ) وارِدٌ مِن طَرِيقِ الآحادِ، فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُرَتَّبًا عَلى الآيَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ تَرْكُ حُكْمِ الآيَةِ بِالخَبَرِ وتَجُوزُ الزِّيادَةُ في حُكْمِ الخَبَرِ بِالآيَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادَ في نَصِّ القُرْآنِ إلّا بِمِثْلِ ما يَجُوزُ بِهِ نَسْخُهُ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] فَأبانَ اللَّهُ تَعالى عَنْ وُقُوعِ التَّطْهِيرِ بِالماءِ مِن غَيْرِ شَرْطِ النِّيَّةِ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةُ، مُقْتَضِيًا لِفَرْضِ الطَّهارَةِ، فَمِن حَيْثُ كانَ فَرْضًا وجَبَ أنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا في صِحَّتِهِ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ مَوْقِعَ الفَرْضِ إلّا بِالنِّيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفَرْضَ يُحْتاجُ في صِحَّةِ وُقُوعِهِ إلى نِيَّتَيْنِ: إحْداهُما نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى والأُخْرى نِيَّةُ الفَرْضِ، فَإذا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ تُوجَدْ صِحَّةُ الفَرْضِ، فَلَمْ يُجْزِ عَنِ الفَرْضِ؛ إذْ هو غَيْرُ فاعِلٍ لِلْمَأْمُورِ بِهِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما يَجِبُ ما ذَكَرْتَ في الفُرُوضِ الَّتِي هي مَقْصُودَةٌ لِأعْيانِها ولَمْ تُجْعَلْ سَبَبًا لِغَيْرِها، فَأمّا ما كانَ شَرْطًا لِصِحَّةِ فِعْلٍ آخَرَ فَلَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ بِنَفْسِ وُرُودِ الأمْرِ إلّا بِدَلالَةٍ تُقارِنُهُ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الطَّهارَةَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ ولَمْ تَكُنْ مَفْرُوضَةً لِنَفْسِها لِأنَّ مَن لا صَلاةَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ الطَّهارَةِ كالمَرِيضِ المُغْمى عَلَيْهِ أيّامًا وكالحائِضِ والنُّفَساءِ، وقالَ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقالَ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ فَجَعَلَهُ شَرْطًا في غَيْرِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَأْمُورًا بِهِ لِنَفْسِهِ، فاحْتاجَ مُوجِبُ النِّيَّةِ شَرْطًا فِيهِ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ. ألا تَرى أنَّ كَثِيرًا مِمّا هو شَرْطٌ في الفَرْضِ ولَيْسَ بِمَفْرُوضٍ بِعَيْنِهِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ نَحْوُ الوَقْتِ الَّذِي هو شَرْطٌ في صِحَّةِ أداءِ الصَّلاةِ ولا صُنْعَ لِلْمُصَلِّي فِيهِ، ونَحْوُ البُلُوغِ والعَقْلِ اللَّذَيْنِ هُما شَرْطٌ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ ولَيْسا بِفِعْلِ المُكَلَّفِ ؟ فَبانَ بِما وصَفْنا أنَّ وُرُودَ لَفْظِ الأمْرِ بِما جُعِلَ شَرْطًا في غَيْرِهِ لا يَقْتَضِي وُقُوعُهُ طاعَةً مِنهُ ولا إيجابَ النِّيَّةِ فِيهِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وإنْ كانَ أمْرًا بِتَطْهِيرِ الثَّوْبِ مِنَ النَّجاسَةِ فَإنَّهُ لَمْ يُوجِبْ كَوْنَ النِّيَّةِ شَرْطًا في تَطْهِيرِهِ ؟ إذْ لَمْ تَكُنْ إزالَةُ النَّجاسَةِ مَفْرُوضَةً لِنَفْسِها وإنَّما هي شَرْطٌ في غَيْرِها، وإنَّما تَقْدِيرُهُ: لا تُصَلِّ إلّا في ثَوْبٍ طاهِرٍ ولا تُصَلِّ إلّا مَسْتُورَ العَوْرَةِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الشّافِعِيَّ قَدْ وافَقَنا عَلى أنَّ رَجُلًا لَوْ قَعَدَ في المَطَرِ يَنْوِي الطَّهارَةَ (p-٣٣٨)فَأصابَ جَمِيعَ أعْضائِهِ أنَّهُ يُجْزِيهِ مِن غَيْرِ فِعْلٍ لَهُ فِيهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مَفْرُوضًا لِنَفْسِهِ لَما أجْزاهُ دُونَ أنْ يَفْعَلَهُ هو أوْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ هَذا حُكْمُ المَفْرُوضِ. فَإنْ قِيلَ: فالتَّيَمُّمُ غَيْرُ مَفْرُوضٍ لِنَفْسِهِ ولا يَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ إلّا بِالنِّيَّةِ، فَلَيْسَ إيجابُ النِّيَّةِ مَقْصُورًا عَلى ما كانَ مَفْرُوضًا لِنَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَيْرُ لازِمٍ لِأنّا لَمْ نُخْرِجْ هَذا القَوْلَ مَخْرَجَ الِاعْتِلالِ فَتَلْزَمُنا عَلَيْهِ المُناقَضَةُ، وإنَّما بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ الأمْرِ إذا ورَدَ فِيما كانَ وصْفُهُ ما ذَكَرْنا فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي إيجابَ النِّيَّةِ شَرْطًا فِيهِ إلّا بِدَلالَةٍ أُخْرى مِن غَيْرِهِ، فَإنَّما أسْقَطْنا بِذَلِكَ احْتِجاجَ مَنِ احْتَجَّ بِظاهِرِ وُرُودِ الأمْرِ في إيجابِ النِّيَّةِ، وفي مَضْمُونِ لَفْظِ التَّيَمُّمِ إيجابُ النِّيَّةِ؛ إذْ كانَ التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ اسْمًا لِلْقَصْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يَعْنِي لا تَقْصِدُوا. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ إذا طُلِبا أنْ يُدْرَكا ما تَيَمَّما وقالَ آخَرُ: ؎فَإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ∗∗∗ فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مالِكا وقالَ الأعْشى: ؎تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنِ يَعْنِي قَصَدْتُهُ. فَلَمّا كانَ في لَفْظِ الآيَةِ إيجابُ القَصْدِ والقَصْدُ هو النِّيَّةُ لِفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ، جَعَلْنا النِّيَّةَ شَرْطًا ولَمْ يَكُنْ في إيجابِ النِّيَّةِ فِيهِ إلْحاقُ زِيادَةٍ بِالآيَةِ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ فِيها. وأمّا الغُسْلُ فَلا تَنْطَوِي تَحْتَهُ النِّيَّةُ، وفي إيجابِها فِيهِ إثْباتُ زِيادَةٍ فِيها لَيْسَتْ مِنها، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. ووَجْهٌ آخَرُ في الفَصْلِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ والوُضُوءِ: وهو أنَّ التَّيَمُّمَ قَدْ يَقَعُ تارَةً عَنِ الغُسْلِ وتارَةً عَنِ الوُضُوءِ، وهو عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ في الحالَيْنِ، فاحْتِيجَ إلى النِّيَّةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ حُكْمَيْهِما؛ لِأنَّ النِّيَّةَ إنَّما شُرِطَتْ لِتَمْيِيزِ أحْكامِ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ حُكْمُ التَّيَمُّمِ قَدْ يَخْتَلِفُ فَيَقَعُ تارَةً عَنِ الغُسْلِ وتارَةً عَنِ الوُضُوءِ اِحْتِيجَ إلى النِّيَّةِ فِيهِ لِتَمْيِيزِ ما يَقَعُ مِنهُ عَنِ الغُسْلِ عَمّا يَقَعُ مِنهُ عَنِ الوُضُوءِ؛ وأمّا الغُسْلُ فَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ في نَفْسِهِ ولا فِيما يَقَعُ لَهُ فاسْتُغْنِيَ عَنِ النِّيَّةِ فِيهِ والتَّمْيِيزِ؛ إذْ كانَ المَقْصِدُ مِنهُ إيقاعَ الفِعْلِ كَما قِيلَ: لا تُصَلِّ حَتّى تَغْسِلَ النَّجاسَةَ مِن بَدَنِكَ أوْ ثَوْبِكَ، ولا تُصَلِّ إلّا مَسْتُورَ العَوْرَةِ، ولَيْسَ يَقْتَضِي شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إيجابَ النِّيَّةِ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ وأبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَعْلِيمِهِ الأعْرابِيَّ (p-٣٣٩)الصَّلاةَ وقَوْلُهُ: لا تَتِمُّ صَلاةُ امْرِئٍ حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ويَمْسَحَ بِرَأْسِهِ ويَغْسِلَ رِجْلَيْهِ» فَقَوْلُهُ: ( حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ ) يَقْتَضِي جَوازَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِأنَّ مَواضِعَ الطَّهُورِ مَعْلُومَةٌ مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: حَتّى يَغْسِلَ هَذِهِ الأعْضاءَ، وقَوْلُهُ: ( فَيَغْسِلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ) يُوجِبُ ذَلِكَ أيْضًا، إذْ لَمْ يَشْرِطْ فِيهِ النِّيَّةَ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَهُ عَلى أيِّ وجْهٍ غَسَلَهُ. ويَدُلُّ مِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الأعْرابِيَّ كانَ جاهِلًا بِأحْكامِ الصَّلاةِ والطَّهارَةِ، فَلَوْ كانَتِ النِّيَّةُ شَرْطًا فِيها لَما أخْلاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّوْقِيفِ عَلَيْها، وفي ذَلِكَ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن فُرُوضِها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ في غُسْلِ الجَنابَةِ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «إنَّما يَكْفِيكَ أنْ تَحْثِي عَلى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ وعَلى سائِرِ جَسَدِكِ فَإذا أنْتِ قَدْ طَهُرْتِ» ولَمْ يَشْرِطْ فِيهِ النِّيَّةَ. ورَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ قالَ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» فَأشارَ إلى الفِعْلِ المُشاهَدِ دُونَ النِّيَّةِ الَّتِي هي ضَمِيرٌ لا تَصِحُّ الإشارَةُ إلَيْهِ وأخْبَرَ بِقَبُولِ الصَّلاةِ بِهِ، وقالَ: «إذا وجَدْتَ الماءَ فَأمْسِسْهُ جِلْدَكَ» وقالَ: «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنابَةً، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وأنْقُوا البَشَرَةَ». ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ الوُضُوءَ طَهارَةٌ بِالماءِ كَغَسْلِ النَّجاسَةِ، وأيْضًا هو سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى صِحَّةِ أداءِ الصَّلاةِ لا عَلى وجْهِ البَدَلِ عَنْ غَيْرِهِ، فَأشْبَهَ غَسْلَ النَّجاسَةِ وسَتْرَ العَوْرَةِ والوُقُوفَ عَلى مَكانٍ طاهِرٍ، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ. فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وذَلِكَ يَقْتَضِي إيجابَ النِّيَّةِ لَهُ لِأنَّ ذَلِكَ أقَلُّ أحْوالِ الإخْلاصِ. قِيلَ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ أنَّ الوُضُوءَ عِبادَةٌ أوْ أنَّهُ مِنَ الدِّينِ إذْ جائِزٌ أنْ يُقالَ: إنَّ العِباداتِ هي ما كانَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ في التَّعَبُّدِ، فَأمّا ما أُمِرَ بِهِ لِأجْلِ غَيْرِهِ أوْ جُعِلَ شَرْطًا فِيهِ أوْ سَبَبًا لَهُ فَلَيْسَ يَتَناوَلُهُ هَذا الِاسْمُ، ولَوْ لَزِمَ أنْ يَكُونَ تارِكُ النِّيَّةِ في الطَّهارَةِ غَيْرَ مُخْلِصٍ لِلَّهِ لَوَجَبَ مِثْلُهُ في تارِكِ النِّيَّةِ في غَسْلِ النَّجاسَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ تارِكُ النِّيَّةِ فِيما وصَفْنا غَيْرَ مُخْلِصٍ؛ إذْ كانَ مَأْمُورًا بِهِ لِأجْلِ الصَّلاةِ كانَ كَذَلِكَ في الطَّهارَةِ وأيْضًا فَإنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ الإسْلامَ فَهو مُخْلِصٌ لِلَّهِ تَعالى فِيما يَفْعَلُهُ مِنَ العِباداتِ؛ إذْ لَمْ يُشْرِكْ في النِّيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ ضِدَّ الإخْلاصِ هو الإشْراكُ، فَمَتى لَمْ يُشْرِكْ فَهو مُخْلِصٌ بِنَفْسِ اعْتِقادِ الإيمانِ في جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ مِنَ العِباداتِ ما لَمْ يُشْرِكْ غَيْرَهُ فِيهِ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» وهَذا لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ في مَوْضِعِ الخِلافِ، مِن قِبَلِ أنَّ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ تَقْتَضِي كَوْنَ العَمَلِ مَوْقُوفًا عَلى النِّيَّةِ والعَمَلُ مَوْجُودٌ (p-٣٤٠)مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ وإنَّما أرادَ مَعْنًى مُضْمَرًا فِيهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ؛ فالمُحْتَجُّ بِعُمُومِ الخَبَرِ في ذَلِكَ مُغَفَّلٌ. فَإنْ قِيلَ: مُرادُهُ حُكْمُ العَمَلِ. قِيلَ لَهُ: الحُكْمُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فالِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ ساقِطٌ. فَإنْ تَرَكَ الِاحْتِجاجَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ وقالَ: لَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَخْلُوَ كَلامُ النَّبِيِّ ﷺ مِن فائِدَةٍ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْسَ العَمَلِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ حُكْمَ العَمَلِ. قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ فَضِيلَةَ العَمَلِ لا حُكْمَهُ، وإذا احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ اِحْتِيجَ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ في إثْباتِ المُرادِ وسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: هو عَلى الأمْرَيْنِ. قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُحْتَمِلَ لِلْمَعْنَيَيْنِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بِهِ فَيُقالُ هو عَلَيْهِما، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما هو مَلْفُوظٌ بِهِ وفِيهِ احْتِمالٌ لِلْمَعانِي فَيُقالُ عُمُومُهُ شامِلٌ لِلْجَمِيعِ، فَأمّا ما لَيْسَ بِمَذْكُورٍ وهو ضَمِيرٌ لَيْسَ اللَّفْظُ عِبارَةً عَنْهُ فَقَوْلُ القائِلِ أحْمِلُهُ عَلى العُمُومِ خَطَأٌ. وأيْضًا فَغَيْرُ جائِزٍ إرادَةُ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ فَضِيلَةُ العَمَلِ صارَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لا فَضِيلَةَ لِلْعَمَلِ إلّا بِالنِّيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إثْباتَ حُكْمِ العَمَلِ حَتّى يَصِحَّ نَفْيُ فَضِيلَتِهِ لِأجْلِ عَدَمِ النِّيَّةِ، ومَتى أرادَ بِهِ حُكْمَ العَمَلِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُرِيدَ بِهِ الفَضِيلَةَ والأصْلُ مُنْتَفٍ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادا جَمِيعًا بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ لَفْظٌ واحِدٌ لِنَفْيِ الأصْلِ ونَفْيِ الكَمالِ؛ وأيْضًا غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادَ في حُكْمِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ عَلى ما بَيَّنّا، وهَذا مِن أخْبارِ الآحادِ.

النساء 4:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِنا في قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ أنْتِ طالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ فُلانٍ، أنَّها (p-١٧١)تُطَلَّقُ في الحالِ قَدِمَ فُلانٌ أوْ لَمْ يَقْدُمْ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها لا تُطَلَّقُ حَتّى يَقْدُمَ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ إنَّهُ قَبْلَ قُدُومِ فُلانٍ وما قَدِمَ. والصَّحِيحُ ما قالَ أصْحابُنا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فَكانَ الأمْرُ بِالإيمانِ صَحِيحًا قَبْلَ طَمْسِ الوُجُوهِ ولَمْ يُوجَدِ الطَّمْسُ أصْلًا، وكانَ ذَلِكَ إيمانًا قَبْلَ طَمْسِ الوُجُوهِ وما وُجِدَ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] فَكانَ الأمْرُ بِالعِتْقِ لِلرَّقَبَةِ أمْرًا صَحِيحًا وإنْ لَمْ يُوجَدِ المَسِيسُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْيَهُودِ ولَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يَقَعْ ما تُوُعِّدُوا بِهِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْمًا مِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ أسْلَمُوا، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ وزَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ وأسَدُ بْنُ سَعْيَةَ وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ومُخَيْرِيقٌ في آخَرِينَ مِنهم، وإنَّما كانَ الوَعِيدُ العاجِلُ مُعَلَّقًا بِتَرْكِ جَمِيعِهِمُ الإسْلامَ؛ ومُحْتَمَلٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ الوَعِيدَ في الآخِرَةِ؛ إذْ لَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ تَعْجِيلُ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا إنْ لَمْ يُسْلِمُوا.

النساء 4:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " هو قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى " ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " هو تَزْكِيَةُ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِيَنالَ بِها شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّزْكِيَةِ مِن هَذا الوَجْهِ، وقالَ اللَّهُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا رَأيْتُمُ المَدّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» .

النساء 4:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وعِكْرِمَةَ: " أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هَهُنا هو النَّبِيُّ ﷺ خاصَّةً " . وقالَ قَتادَةُ: " العَرَبُ " . وقالَ آخَرُونَ: " النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ "؛ وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ أوَّلَ الخِطابِ في ذِكْرِ اليَهُودِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ مَبْعَثَ النَّبِيِّ ﷺ وصِفَتَهُ وحالَ نُبُوَّتِهِ، وكانُوا يُوعِدُونَ العَرَبَ بِالقَتْلِ عِنْدَ مَبْعَثِهِ؛ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ، وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يَكُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ حَسَدُوا العَرَبَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ بِهِ وجَحَدُوا ما عَرَفُوهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] فَكانَتْ عَداوَةُ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ ظاهِرَةً بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ حَسَدًا مِنهم لَهم أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مَبْعُوثًا مِنهم؛ فالأظْهَرُ مِن مَعْنى الآيَةِ حَسَدُهم لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْعَرَبِ. (p-١٧٢)والحَسَدُ هو تَمَنِّي زَوالِ النِّعْمَةِ عَنْ صاحِبِها؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ كُلَّ أحَدٍ تَقْدِرُ أنْ تُرْضِيَهُ إلّا حاسِدَ نِعْمَةٍ فَإنَّهُ لا يُرْضِيهِ إلّا زَوالُها؛ والغِبْطَةُ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ؛ لِأنَّها تَمَنِّي مِثْلِ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ زَوالِها عَنْ صاحِبِها بَلْ مَعَ سُرُورٍ مِنهُ بِبَقائِها عَلَيْهِ.

النساء 4:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُجَدِّدُ لَهم جُلُودًا غَيْرَ الجُلُودِ الَّتِي احْتَرَقَتْ؛ والقائِلُونَ بِهَذا هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الجِلْدَ لَيْسَ بَعْضَ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ اللَّحْمُ والعَظْمُ، وإنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ اللّابِسُ لِهَذا البَدَنِ. ومَن قالَ إنَّ الجِلْدَ هو بَعْضُ الإنْسانِ وإنَّ الإنْسانَ هو هَذا الشَّخْصِ بِكَمالِهِ، فَإنَّهُ يَقُولُ إنَّ الجُلُودَ تُجَدَّدُ بِأنْ تُرَدَّ إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، كَما يُقالُ لِخاتِمٍ كُسِرَ ثُمَّ صِيغَ خاتَمٌ آخَرُ: هَذا الخاتِمُ غَيْرُ ذاكَ الخاتَمِ، وكَما يُقالُ لِمَن قَطَعَ قَمِيصَهُ قَباءً: هَذا اللِّباسُ غَيْرُ ذاكَ اللِّباسِ. وقالَ بَعْضُهم: التَّبْدِيلُ إنَّما هو لِلسَّرابِيلِ الَّتِي قَدْ أُلْبِسُوها؛ وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ السَّرابِيلَ لا تُسَمّى جُلُودًا؛ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

النساء 4:58

بابُ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِن أداءِ الأماناتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المَأْمُورِينَ بِأداءِ الأمانَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَن هم، فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومَكْحُولٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهم وُلاةُ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " إنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، أمَرَ بِأنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ مَفاتِيحُ الكَعْبَةِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: " هو في كُلِّ مُؤْتَمَنٍ عَلى شَيْءِ "؛ وهَذِهِ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ خِطابٌ يَقْتَضِي عُمُومُهُ سائِرَ المُكَلَّفِينَ فَغَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ بِهِ عَلى بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ إلّا بِدَلالَةٍ؛ وأظُنُّ مَن تَأوَّلَهُ عَلى وُلاةِ الأمْرِ ذَهَبَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ لَمّا كانَ خِطابًا لِوُلاةِ الأمْرِ كانَ ابْتِداءُ الخِطابِ مُنْصَرِفًا إلَيْهِمْ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الخِطابِ عُمُومًا في سائِرِ النّاسِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ خاصًّا في وُلاةِ الأمْرِ عَلى ما ذَكَرْنا في نَظائِرِهِ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ما اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ الإنْسانُ فَهو أمانَةٌ، فَعَلى المُؤْتَمَنِ عَلَيْها رَدُّها إلى صاحِبِها؛ فَمِنَ الأماناتِ الوَدائِعُ وعَلى مُودَعِيها رَدُّها إلى مَن أوْدَعَهُ إيّاها، ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ أنَّهُ لا ضَمانَ عَلى المُودَعِ فِيها إنْ هَلَكَتْ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهِ الضَّمانُ، ذَكَرَ الشَّعْبِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: " اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بِضاعَةً فَضاعَتْ مِن بَيْنِ ثِيابِي، فَضَمَّنَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا حامِدُ بْنُ (p-١٧٣)مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا شُرَيْحٌ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ هِشامِ بْنِ حَسّانَ عَنْ أنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: " اُسْتُودِعْتُ سِتَّةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فَذَهَبَتْ، فَقالَ لِي عُمَرُ: ذَهَبَ لَكَ مَعَها شَيْءٌ ؟ قُلْتُ: لا، فَضَمَّنَنِي " . ورَوى حَجّاجٌ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَجُلًا اسْتُودِعَ مَتاعًا فَذَهَبَ مِن بَيْنِ مَتاعِهِ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: هي أمانَةٌ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَنِ اسْتُودِعَ ودِيعَةً فَلا ضَمانَ عَلَيْهِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ هاشِمٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نُبَيْهٍ الحَجَبِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ضَمانَ عَلى راعٍ ولا عَلى مُؤْتَمَنٍ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ ﷺ: «لا ضَمانَ عَلى مُؤْتَمَنٍ» يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ضَمانِ العارِيَّةِ؛ لِأنَّ العارِيَّةَ أمانَةٌ في يَدِ المُسْتَعِيرِ؛؛ إذْ كانَ المُعِيرُ قَدِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْها؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في نَفْيِ ضَمانِ الوَدِيعَةِ إذا لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ المُودَعُ. وما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ في تَضْمِينِ الوَدِيعَةِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُودَعُ اعْتَرَفَ بِفِعْلٍ يُوجِبُ الضَّمانَ عِنْدَهُ، فَلِذَلِكَ ضَمَّنَهُ. * * واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ضَمانِ العارِيَّةِ بَعْدَ اخْتِلافٍ مِنَ السَّلَفِ فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وجابِرٍ وشُرَيْحٍ وإبْراهِيمَ: " أنَّ العارِيَّةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: " أنَّها مَضْمُونَةٌ " . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: " هي غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إذا هَلَكَتْ " وهو قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ. وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " المُسْتَعِيرُ ضامِنٌ لِما اسْتَعارَهُ إلّا الحَيَوانَ والعَقْلَ؛ فَإنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ في الحَيَوانِ والعَقْلِ الضَّمانَ فَهو ضامِنٌ " . وقالَ مالِكٌ: " لا يَضْمَنُ الحَيَوانَ في العارِيَّةِ ويَضْمَنُ الحُلِيَّ والثِّيابَ ونَحْوَها " . وقالَ اللَّيْثُ: " لا ضَمانَ في العارِيَّةِ ولَكِنَّ أبا العَبّاسِ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ كَتَبَ إلَيَّ بِأنْ أُضَمِّنَها فالقَضاءُ اليَوْمَ عَلى الضَّمانِ ": وقالَ الشّافِعِيُّ: " كُلُّ عارِيَّةٍ مَضْمُونَةٌ " قالَ أبُو بَكْرٍ: والدَّلِيلُ عَلى نَفْيِ ضَمانِها عِنْدَ الهَلاكِ إذا لَمْ يَتَعَدَّ فِيها أنَّ المُعِيرَ قَدِ ائْتَمَنَ المُسْتَعِيرَ عَلَيْها حِينَ دَفَعَها إلَيْهِ، وإذا كانَ أمِينًا لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُها؛ لِأنّا رَوَيْنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا ضَمانَ عَلى مُؤْتَمَنٍ» وذَلِكَ عُمُومٌ في نَفْيِ الضَّمانِ عَنْ كُلِّ مُؤْتَمَنٍ. وأيْضًا لَمّا كانَتْ مَقْبُوضَةً بِإذْنِ مالِكِها لا عَلى شَرْطِ الضَّمانِ لَمْ يَضْمَنها كالوَدِيعَةِ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى نَفْيِ ضَمانِ الثَّوْبِ المُسْتَأْجَرِ مَعَ شَرْطِ بَذْلِ المَنافِعِ إذا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ ضَمانَ بَدَلِ المَقْبُوضِ، فالعارِيَّةُ أوْلى أنْ لا تَكُونَ مَضْمُونَةً؛ إذْ لَيْسَ فِيها ضَمانٌ مَشْرُوطٌ (p-١٧٤)بِوَجْهٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ المَقْبُوضَ عَلى وجْهِ الإجارَةِ مَقْبُوضٌ لِاسْتِيفاءِ المَنافِعِ ولَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا، فَوَجَبَ أنْ لا تُضْمَنَ العارِيَّةُ؛ إذْ كانَتْ مَقْبُوضَةً لِاسْتِيفاءِ المَنافِعِ. وأيْضًا لَمّا كانَتِ الهِبَةُ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلى المَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأنَّها مَقْبُوضَةٌ بِإذْنِ مالِكِها لا عَلى شَرْطِ ضَمانِ البَدَلِ وهي مَعْرُوفٌ وتَبَرُّعٌ وجَبَ أنْ تَكُونَ العارِيَّةُ كَذَلِكَ؛ إذْ هي مَعْرُوفٌ وتَبَرُّعٌ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ العارِيَّةَ لَوْ نَقَصَتْ بِالِاسْتِعْمالِ لَمْ يَضْمَنِ النُّقْصانَ، فَإذا كانَ الجُزْءُ مِنها غَيْرَ مَضْمُونٍ مَعَ حُصُولِ القَبْضِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ لا يَضْمَنَ الكُلَّ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ ضَمانُهُ بِالقَبْضِ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ الكُلِّ والبَعْضِ، كالغَصْبِ والمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ فاسِدٍ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الجُزْءَ الفائِتَ بِالنُّقْصانِ غَيْرُ مَضْمُونٍ وجَبَ أنْ لا يُضْمَنَ الجَمِيعُ كالوَدائِعِ وسائِرِ الأماناتِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ألْفاظِ حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في العارِيَّةِ، فَذَكَرَ بَعْضُهم فِيهِ الضَّمانَ ولَمْ يَذْكُرْهُ بَعْضُهم. ورَوى شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمَيَّةَ عَنْ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «اسْتَعارَ النَّبِيُّ ﷺ مِن صَفْوانَ أدْراعًا مِن حَدِيدٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ مَضْمُونَةٌ فَقالَ: مَضْمُونَةٌ فَضاعَ بَعْضُها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إنْ شِئْتَ غَرِمْناها لَكَ فَقالَ: لا، أنا أرْغَبُ في الإسْلامِ مِن ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ» . ورَواهُ إسْرائِيلُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قالَ: «اسْتَعارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ أدْراعًا فَضاعَ بَعْضُها، فَقالَ: إنْ شِئْتَ غَرِمْناها لَكَ فَقالَ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ» . فَوَصَلَهُ شَرِيكٌ وذَكَرَ فِيهِ الضَّمانَ وقَطَعَهُ إسْرائِيلُ ولَمْ يَذْكُرِ الضَّمانَ. ورَوى قَتادَةُ عَنْ عَطاءٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعارَ مِن صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقالَ لَهُ: أمُؤَدّاةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ العارِيَّةُ ؟ فَقالَ: نَعَمْ» . ورَوى جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أُناسٍ مِن آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوانَ قالَ: أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَغْزُوَ حُنَيْنًا؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ مِن غَيْرِ ذِكْرِ ضَمانٍ. ويُقالُ إنَّهُ لَيْسَ في رُواةِ هَذا الحَدِيثِ أحْفَظُ ولا أتْقَنُ ولا أثْبَتُ مِن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ، ولَمْ يَذْكُرِ الضَّمانَ، ولَوْ تَكافَأتِ الرُّواةُ فِيهِ حَصَلَ مُضْطَرِبًا. وقَدْ رُوِيَ في أخْبارٍ أُخَرَ مِن طَرِيقِ أبِي أُمامَةَ وغَيْرِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العارِيَّةُ مُؤَدّاةٌ» . وإنْ صَحَّ ذِكْرُ الضَّمانِ في حَدِيثِ صَفْوانَ فَإنَّ مَعْناهُ ضَمانُ الأداءِ، كَما رُوِيَ في بَعْضِ ألْفاظِ حَدِيثِ صَفْوانَ أنَّهُ قالَ: «هِيَ مَضْمُونَةٌ حَتّى أُؤَدِّيَها إلَيْكَ»، وكَما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الفِرْيابِيُّ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِنْدٍ: أنَّ أوَّلَ ما ضُمِنَتِ العارِيَّةُ أنَّ رَسُولَ (p-١٧٥)اللَّهِ ﷺ «قالَ لِصَفْوانَ: أعِرْنا سِلاحَكَ وهي عَلَيْنا ضَمانٌ حَتّى نَأْتِيَكَ بِها»، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ إنَّما شَرَطَ لَهُ ضَمانَ الرَّدِّ وذَلِكَ لِأنَّ صَفْوانَ كانَ حَرْبِيًّا كافِرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَظَنَّ أنَّهُ يَأْخُذُها عَلى جِهَةِ اسْتِباحَةِ مالِهِ كَسائِرِ أمْوالِ الحَرْبِيِّينَ، ولِذَلِكَ«قالَ لَهُ: أغَصْبًا تَأْخُذُها يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: لا، بَلْ عارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتّى أُؤَدِّيَها إلَيْكَ وعارِيَّةٌ مُؤَدّاةٌ»؛ فَأخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ يَأْخُذُها عَلى أنَّها عارِيَّةٌ مُؤَدّاةٌ وأنَّهُ لَيْسَ يَأْخُذُها عَلى سَبِيلِ ما تُؤْخَذُ عَلَيْهِ أمْوالُ أهْلِ الحَرْبِ؛ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: أنا ضامِنٌ لِحاجَتِكَ، يَعْنِي القِيامَ بِها والسَّعْيَ فِيها حَتّى يَقْضِيَها؛ قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ ناقَةً: ؎بِتِلْكَ أُسَلِّي حاجَةً إنْ ضَمِنتَها وأُبْرِئُ هَمًّا كانَ في الصَّدْرِ داخِلا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: " إنْ ضَمِنتَها " يَعْنِي إنْ هَمَمْتَ بِها وأرَدْتَها. وأيْضًا فَإنّا نُسَلِّمُ لِلْمُخالِفِ صِحَّةَ الخَبَرِ بِما رُوِيَ فِيهِ مِنَ الضَّمانِ، ونَقُولُ: إنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: «عارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» فَجَعَلَ الأدْراعُ الَّتِي قَبَضَها مَضْمُونَةً، وهَذا يَقْتَضِي ضَمانَ عَيْنِها بِالرَّدِّ لا ضَمانَ قِيمَتِها،؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أضْمَنُ قِيمَتَها؛ وغَيْرُ جائِزٍ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ إلّا بِدَلالَةٍ. وأيْضًا فِيما ادَّعى المُخالِفُ إثْباتَ ضَمِيرٍ في اللَّفْظِ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ وهو ضَمانُ القِيمَةِ، ولا يَجُوزُ إثْباتُهُ إلّا بِدَلالَةٍ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً ضَمانَ القِيمَةِ عِنْدَ الهَلاكِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَقَدَ مِنها أدْراعًا قالَ لِصَفْوانَ: «إنْ شِئْتَ غَرِمْناها لَكَ»، فَلَوْ كانَ ضَمانُ القِيمَةِ قَدْ حَصَلَ عَلَيْهِ لَما قالَ: «إنْ شِئْتَ غَرِمْناها لَكَ» وهُوَ غارِمٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الغُرْمَ لَمْ يَجِبْ بِالهَلاكِ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أرادَ أنْ يَغْرَمَها إذا شاءَ ذَلِكَ صَفْوانُ مُتَبَرِّعًا بِالغُرْمِ ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا اسْتَقْرَضَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ ثَلاثِينَ ألْفًا في هَذِهِ الغَزاةِ أيْضًا ثُمَّ أرادَ أنْ يَرُدَّها إلى عَبْدِ اللَّهِ أبى عَبْدُ اللَّهِ أنْ يَقْبَلَها فَقالَ لَهُ: " خُذْها فَإنَّ جَزاءَ القَرْضِ الوَفاءُ والحَمْدُ " ؟ فَلَوْ كانَ الغُرْمُ لازِمًا فِيما فُقِدَ مِنَ الأدْراعِ لَما قالَ: «إنْ شِئْتَ غَرِمْناها لَكَ» . ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ضامِنًا لِقِيمَةِ ما فُقِدَ أنَّهُ قالَ: لا، فَإنَّ في قَلْبِي اليَوْمَ مِنَ الإيمانِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةَ القِيمَةِ؛ لِأنَّ ما كانَ مَضْمُونًا لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ في الإيمانِ والكُفْرِ. وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: إنَّ صَفْوانَ لَمّا كانَ حَرْبِيًّا جازَ أنْ يَشْرِطَ لَهُ ذَلِكَ؛ إذْ قَدْ يَجُوزُ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ مِنَ الشُّرُوطِ ما لا يَجُوزُ فِيما بَيْنَنا بَعْضِنا لِبَعْضٍ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَرْتَهِنَ مِنهُمُ الأحْرارَ ولا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِيما بَيْنَنا ؟ وكانَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ يَأْبى هَذا التَّأْوِيلَ (p-١٧٦)ويَقُولُ: لا يَصِحُّ شَرْطُ الضَّمانِ لِأهْلِ الحَرْبِ فِيما لَيْسَ بِمَضْمُونٍ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ شَرَطْنا لَهم ضَمانَ الوَدائِعِ والمُضارَباتِ ونَحْوِها لَمْ يَصِحَّ ؟ واحْتَجَّ مَن قالَ بِضَمانِ العارِيَّةِ بِما رَواهُ شُعْبَةُ وسَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيَهُ» ولا دَلالَةَ في هَذا الحَدِيثِ أيْضًا عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أوْجَبَ رَدَّ المَأْخُوذِ بِعَيْنِهِ ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ ضَمانِ القِيمَةِ عِنْدَ هَلاكِهِ، ونَحْنُ نَقُولُ إنَّ عَلَيْهِ رَدَّ العارِيَّةِ، فَهَذا لا خِلافَ فِيهِ ولا تَعَلُّقَ لَهُ أيْضًا بِمَوْضِعِ الخِلافِ؛ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِالعَدْلِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى بْنُ أبِي عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ حُبابٍ الحُلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الرِّجالِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ يَحْيى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ ثابِتٌ الأعْرَجُ: أخْبَرَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا تَزالُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ ما إذا قالَتْ صَدَقَتْ وإذا حَكَمَتْ عَدَلَتْ وإذا اسْتُرْحِمْتُ رَحِمَتْ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِي عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الأسْلَمِيِّ قالَ: شَتَمَ رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: " إنَّكَ لَتَشْتُمَنِي وفِيَّ ثَلاثُ خِصالٍ: إنِّي لَآتِي عَلى الآيَةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَوَدِدْتُ بِاَللَّهِ أنَّ النّاسَ كُلَّهم يَعْلَمُونَ مِنها ما أعْلَمُ، وإنِّي لَأسْمَعُ بِالحاكِمِ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ يَعْدِلُ في حُكْمِهِ فَأفْرَحُ بِهِ ولَعَلِّي لا أُقاضى إلَيْهِ أبَدًا، وإنِّي لَأسْمَعُ بِالغَيْثِ قَدْ أصابَ البَلَدَ مِن بِلادِ المُسْلِمِينَ فَأفْرَحُ بِهِ وما لِي مِن سائِمَةٍ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى الحُكّامِ ثَلاثًا: أنْ لا يَتَّبِعُوا الهَوى، وأنْ يَخْشَوْهُ ولا يَخْشَوُا النّاسَ، وأنْ لا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ثُمَّ قَرَأ: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ [ص: ٢٦] الآيَةَ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .

النساء 4:59

(p-١٧٧)بابٌ في طاعَةِ أُولِي الأمْرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: اُخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ أُولِي الأمْرِ، فَرُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً والحَسَنِ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ: " أنَّهم أُولُو الفِقْهِ والعِلْمِ "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً وأبِي هُرَيْرَةَ: " أنَّهم أُمَراءُ السَّرايا " . ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا جَمِيعًا مُرادِينَ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهم جَمِيعًا؛ لِأنَّ الأُمَراءَ يَلُونَ أمْرَ تَدْبِيرِ الجُيُوشِ والسَّرايا وقِتالِ العَدُوِّ، والعُلَماءَ يَلُونَ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ وما يَجُوزُ مِمّا لا يَجُوزُ، فَأمَرَ النّاسَ بِطاعَتِهِمْ والقَبُولِ مِنهم ما عَدَلَ الأُمَراءُ والحُكّامُ وكانَ العُلَماءُ عُدُولًا مَرْضِيِّينَ مَوْثُوقًا بِدِينِهِمْ وأمانَتِهِمْ فِيما يُؤَدُّونَ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ الأظْهَرَ مِن أُولِي الأمْرِ هَهُنا أنَّهُمُ الأُمَراءُ؛ لِأنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الأمْرِ بِالعَدْلِ؛ وهَذا خِطابٌ لِمَن يَمْلِكُ تَنْفِيذَ الأحْكامِ وهُمُ الأُمَراءُ والقُضاةُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ وهم وُلاةُ الأمْرِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ ما دامُوا عُدُولًا مَرْضِيِّينَ ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بِطاعَةِ الفَرِيقَيْنِ مِن أُولِي الأمْرِ وهم أُمَراءُ السَّرايا والعُلَماءُ؛ إذْ لَيْسَ في تَقَدُّمِ الأمْرِ بِالحُكْمِ بِالعَدْلِ ما يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِالأمْرِ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ عَلى الأُمَراءِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أطاعَ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي» . ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالخِيفِ مِن مِنًى فَقالَ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها ثُمَّ أدّاها إلى مَن لَمْ يَسْمَعْها، فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ. ثَلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى» وقالَ بَعْضُهم: «وطاعَةُ ذَوِي الأمْرِ» وقالَ بَعْضُهم: «والنَّصِيحَةُ لِأُولِي الأمْرِ ولُزُومُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ دَعْوَتَهم تُحِيطُ مَن وراءَهم» . والأظْهَرُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ أرادَ بِأُولِي الأمْرِ الأُمَراءَ. وقَوْلُهُ تَعالى عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولِي الأمْرِ هُمُ الفُقَهاءُ؛ لِأنَّهُ أمَرَ سائِرَ النّاسِ بِطاعَتِهِمْ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ فَأمَرَ أُولِي الأمْرِ بِرَدِّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ إذْ كانَتِ العامَّةُ ومَن لَيْسَ مِن أهْلِ العِلْمِ لَيْسَتْ هَذِهِ مَنزِلَتَهم؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ الرَّدِّ إلى كِتابِ اللَّهِ والسُّنَّةِ ووُجُوهَ دَلائِلِهِما عَلى أحْكامِ الحَوادِثِ فَثَبَتَ أنَّهُ خِطابٌ لِلْعُلَماءِ. واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى إبْطالِ قَوْلِ (p-١٧٨)الرّافِضَةِ في الإمامَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ قالَ: فَلَيْسَ يَخْلُو أُولُو الأمْرِ مِن أنْ يَكُونُوا الفُقَهاءَ أوِ الأُمَراءَ أوِ الإمامَ الَّذِي يَدْعُونَهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ الفُقَهاءَ والأُمَراءَ فَقَدْ بَطَلَ أنْ يَكُونَ الإمامُ، والفُقَهاءُ والأُمَراءُ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الغَلَطُ والسَّهْوُ والتَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ وقَدْ أُمِرْنا بِطاعَتِهِمْ. وهَذا يُبْطِلُ أصْلَ الإمامَةِ فَإنَّ شَرْطَ الإمامِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مَعْصُومًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الغَلَطُ والخَطَأُ والتَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإمامَ؛ لِأنَّهُ قالَ في نَسَقِ الخِطابِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ فَلَوْ كانَ هُناكَ إمامٌ مَفْرُوضُ الطّاعَةِ لَكانَ الرَّدُّ إلَيْهِ واجِبًا وكانَ هو يَقْطَعُ الخِلافَ والتَّنازُعَ، فَلَمّا أمَرَ بِرَدِّ المُتَنازَعِ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ الإمامِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ في الإمامَةِ، ولَوْ كانَ هُناكَ إمامٌ تَجِبُ طاعَتُهُ لَقالَ: فَرُدُّوهُ إلى الإمامِ؛ لِأنَّ الإمامَ عِنْدَهم هو الَّذِي يَقْضِي قَوْلُهُ عَلى تَأْوِيلِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَلَمّا أمَرَ بِطاعَةِ أُمَراءِ السَّرايا والفُقَهاءِ وأمَرَ بِرَدِّ المُتَنازَعِ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ الإمامِ ثَبَتَ أنَّ الإمامَ غَيْرُ مَفْرُوضِ الطّاعَةِ في أحْكامِ الحَوادِثِ المُتَنازَعِ فِيها، وأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الفُقَهاءِ أنْ يَرُدَّها إلى نَظائِرِها مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وزَعَمَتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهَذا تَأْوِيلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّ أُولِي الأمْرِ جَماعَةٌ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَجُلٌ واحِدٌ. وأيْضًا فَقَدْ كانَ النّاسُ مَأْمُورِينَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعْلُومٌ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمْ يَكُنْ إمامًا في أيّامِ النَّبِيِّ ﷺ فَثَبَتَ أنَّ أُولِي الأمْرِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا أُمَراءَ وقَدْ كانَ عَلى المُوَلّى عَلَيْهِمْ طاعَتُهم ما لَمْ يَأْمُرُوهم بِمَعْصِيَةٍ، وكَذَلِكَ حُكْمُهم بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ في لُزُومِ اتِّباعِهِمْ وطاعَتِهِمْ ما لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ والسُّدِّيِّ: " إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وذَلِكَ عُمُومٌ في وُجُوبِ الرَّدِّ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ في حَياةِ النَّبِيِّ وبَعْدَ وفاتِهِ ﷺ . والرَّدُّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ المَذْكُورِ بِاسْمِهِ ومَعْناهُ، والثّانِي: الرَّدُّ إلَيْهِما مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ واعْتِبارِهِ بِهِ مِن طَرِيقِ القِياسِ والنَّظائِرِ؛ وعُمُومُ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَوَجَبَ إذا تَنازَعْنا في شَيْءٍ رَدُّهُ إلى نَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنْ وجَدْنا المُتَنازَعَ فِيهِ مَنصُوصًا عَلى حُكْمِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإنْ لَمْ نَجِدْ (p-١٧٩)فِيهِ نَصًّا مِنهُما وجَبَ رَدُّهُ إلى نَظِيرِهِ مِنهُما؛ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِالرَّدِّ في كُلِّ حالٍ؛ إذْ لَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ بِالرَّدِّ إلَيْهِما في حالٍ دُونَ حالٍ. وعَلى أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ فَحْوى الكَلامِ وظاهِرُهُ الرَّدُّ إلَيْهِما فِيما لا نَصَّ فِيهِ وذَلِكَ لِأنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ لِغَيْرِهِ لا يَقَعُ التَّنازُعُ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِاللُّغَةِ ومَعْرِفَتِهِمْ بِما فِيهِ احْتِمالٌ مِمّا لا احْتِمالَ فِيهِ، فَظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي رَدَّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى نَظائِرِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما المُرادُ بِذَلِكَ تَرْكُ التَّنازُعِ والتَّسْلِيمُ لِما في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فَإنْ كانَ تَأْوِيلُهُ ما ذَكَرْتَ فَإنَّ مَعْناهُ: اتَّبِعُوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّهِ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ؛ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ فَفي اعْتِقادِهِ لِلْإيمانِ اعْتِقادٌ لِالتِزامِ حُكْمِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إبْطالِ فائِدَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ وعَلى أنَّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ في أوَّلِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فَغَيْرُ جائِزٍ حَمْلُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ عَلى ما قَدْ أفادَهُ بَدِيًّا في أوَّلِ الخِطابِ، ووَجَبَ حَمْلُهُ عَلى فائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ وهو رَدُّ غَيْرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ وهو الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّنازُعُ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ؛ وعَلى أنّا نَرُدُّ جَمِيعَ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ بِحَقِّ العُمُومِ ولا نُخْرِجُ مِنهُ شَيْئًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ الصَّحابَةُ مُخاطَبِينَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُمُ اسْتِعْمالُ الرَّأْيِ والقِياسِ في أحْكامِ الحَوادِثِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ كانَ عَلَيْهِمُ التَّسْلِيمُ لَهُ واتِّباعُ أمْرِهِ دُونَ تَكَلُّفِ الرَّدِّ مِن طَرِيقِ القِياسِ، ثَبَتَ أنَّ المُرادَ اسْتِعْمالُ المَنصُوصِ وتَرْكُ تَكَلُّفِ النَّظَرِ والِاجْتِهادِ فِيما لا نَصَّ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ وذَلِكَ؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَ الرَّأْيِ والِاجْتِهادِ ورَدَّ الحَوادِثِ إلى نَظائِرِها مِنَ المَنصُوصِ قَدْ كانَ جائِزًا في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ في حالَيْنِ ولَمْ يَكُنْ يَجُوزُ في حالٍ؛ فَأمّا الحالانِ اللَّتانِ كانَتا يَجُوزُ فِيهِما الِاجْتِهادُ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإحْداهُما في حالِ غَيْبَتِهِمْ عَنْ حَضْرَتِهِ، كَما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُعاذًا حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي إنْ عَرَضَ لَكَ قَضاءٌ ؟ قالَ: أقْضِي بِكِتابِ اللَّهِ قالَ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: أقْضِي بِسُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ، قالَ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ ولا في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قالَ: أجْتَهِدُ رَأْيِي لا آلُو، قالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى صَدْرِهِ وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»؛ فَهَذِهِ إحْدى الحالَيْنِ اللَّتَيْنِ كانَ يَجُوزُ الِاجْتِهادُ فِيهِما في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ . والحالُ الأُخْرى: أنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاجْتِهادِ (p-١٨٠)بِحَضْرَتِهِ ورَدِّ الحادِثَةِ إلى نَظِيرِها لِيَسْتَبْرِئَ في اجْتِهادِهِ وهَلْ هو مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، ولَكِنْ إنْ أخْطَأ وتَرَكَ طَرِيقَ النَّظَرِ أعْلَمَهُ وسَدَّدَهُ، وكانَ يُعَلِّمُهم وُجُوبَ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ بَعْدَهُ. فالِاجْتِهادُ بِحَضْرَتِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ سائِغٌ، كَما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أسْلَمُ بْنُ سَهْلٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا أبِي عَنْ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «جاءَ خَصْمانِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اقْضِ بَيْنَهُما يا عُقْبَةُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقْضِي بَيْنَهُما وأنْتَ حاضِرٌ قالَ: اقْضِ بَيْنَهُما فَإنْ أصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ حَسَناتٍ وإنْ أخْطَأْتَ فَلَكَ حَسَنَةٌ واحِدَةٌ»؛ فَأباحَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الِاجْتِهادَ بِحَضْرَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعاذٍ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ بِالِاجْتِهادِ صَدَرَ عِنْدَنا عَنِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ لِأنّا مَتى وجَدْنا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُكْمًا مُواطِئًا لِمَعْنى قَدْ ورَدَ بِهِ القُرْآنُ حَمَلْناهُ عَلى أنَّهُ حَكَمَ بِهِ عَنِ القُرْآنِ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا مُبْتَدَأً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَنَحْوِ قَطْعِهِ السّارِقَ وجَلْدِهِ الزّانِيَ وما جَرى مَجْراهُما؛ فَقَوْلُ القائِلِ " إنَّ الِاجْتِهادَ في أحْكامِ الحَوادِثِ لَمْ يَكُنْ سائِغًا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّ رَدَّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ كانَ واجِبًا حِينَئِذٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ تَرْكُ الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ والتَّسْلِيمُ لِلْمَنصُوصِ عَلَيْهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ " غَيْرُ صَحِيحٍ. وأمّا الحالُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَسُوغُ الِاجْتِهادُ فِيها في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهو أنْ يَجْتَهِدَ بِحَضْرَتِهِ عَلى جِهَةِ إمْضاءِ الحُكْمِ والِاسْتِبْدادِ بِالرَّأْيِ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، فَهَذا لَعَمْرِي اجْتِهادٌ مُطَّرَحٌ لا حُكْمَ لَهُ، ولَمْ يَكُنْ يَسُوغُ ذَلِكَ لِأحَدٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ قِيلَ: الثُّباتُ الجَماعاتُ، واحِدُها ثُبَةٌ. وقِيلَ: الثُّبَةُ عُصْبَةٌ مُنْفَرِدَةٌ مِن عُصَبٍ. فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَنْفِرُوا فِرَقًا فِرْقَةً بَعْدَ فِرْقَةٍ، فِرْقَةٌ في جِهَةٍ وفِرْقَةٌ في جِهَةٍ، أوْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا مِن غَيْرِ تَفَرُّقٍ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ مَعْناهُ: خُذُوا سِلاحَكم، فَسَمّى السِّلاحَ حِذْرًا؛ لِأنَّهُ يُتَّقى بِهِ الحَذَرُ؛ ويَحْتَمِلُ: احْذَرُوا عَدُوَّكم بِأخْذِ سِلاحِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ الأمْرَ بِأخْذِ السِّلاحِ لِقِتالِ العَدُوِّ عَلى حالِ افْتِراقِ العُصَبِ أوِ اجْتِماعِها بِما هو أوْلى في التَّدْبِيرِ. والنُّفُورُ هو الفَزَعُ، نَفَرَ يَنْفِرُ نُفُورًا إذا فَزِعَ، ونَفَرَ إلَيْهِ إذا فَزِعَ مِن أمْرٍ إلَيْهِ؛ والمَعْنى: انْفِرُوا إلى قِتالِ عَدُوِّكم؛ والنَّفَرُ جَماعَةٌ تَفْزَعُ إلى مِثْلِها، والنَّفِيرُ إلى قِتالِ العَدُوِّ، والمُنافَرَةُ: المُحاكَمَةُ لِلْفَزَعِ إلَيْها فِيما يَنُوبُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِيها؛ ويُقالُ إنَّ أصْلَها أنَّهم كانُوا يَسْألُونَ الحاكِمَ: أيُّنا أعَزُّ نَفَرًا ؟ . وقَدْ رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ نَسْخٌ؛ رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ قالَ: " عُصَبًا وفِرَقًا " . وقالَ في بَراءَةٍ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ، وقالَ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] الآيَةَ. قالَ: فَنَسَخَ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وتَمْكُثُ (p-١٨٢)طائِفَةٌ مِنهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالماكِثُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ ويُنْذِرُونَ إخْوانَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنَ الغَزَواتِ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ ما نَزَلَ مِن قَضاءِ اللَّهِ في كِتابِهِ وحُدُودِهِ.

النساء 4:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُؤَدِّي إلى ثَوابِ اللَّهِ في جَنَّتِهِ الَّتِي أعَدَّها لِأوْلِيائِهِ، وقِيلَ: دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِيُؤَدِّيَ إلى ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ في الطّاغُوتِ إنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: " هو الكاهِنُ " . وقِيلَ: " كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ الكَيْدُ هو السَّعْيُ في فَسادِ الحالِ عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ والقَصْدُ لِإيقاعِ الضَّرَرِ قالَ الحَسَنُ: " إنَّما قالَ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ لِأنَّهُ كانَ أخْبَرَهم أنَّهم يَسْتَظْهِرُونَ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَ ضَعِيفًا " . وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ ضَعِيفًا لِضَعْفِ نُصْرَتِهِ لِأوْلِيائِهِ بِالإضافَةِ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

النساء 4:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فَإنَّ الِاخْتِلافَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: اخْتِلافُ تَناقُضٍ بِأنْ يَدْعُوَ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ إلى فَسادِ الآخَرِ، واخْتِلافُ تَفاوُتٍ وهو أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ بَلِيغًا وبَعْضُهُ مَرْذُولًا ساقِطًا؛ وهَذانِ الضَّرْبانِ مِنَ الِاخْتِلافِ مَنفِيّانِ عَنِ القُرْآنِ، وهو إحْدى دَلالاتِ إعْجازِهِ؛ لِأنَّ كَلامَ سائِرِ الفُصَحاءِ والبُلَغاءِ إذا طالَ مِثْلَ السُّوَرِ الطِّوالِ مِنَ القُرْآنِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَخْتَلِفَ اخْتِلافَ التَّفاوُتِ. والثّالِثُ: اخْتِلافُ التَّلاؤُمِ، وهو أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُتَلائِمًا في الحُسْنِ، كاخْتِلافِ وُجُوهِ القِراءاتِ ومَقادِيرِ الآياتِ واخْتِلافِ الأحْكامِ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ. فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الحَضَّ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالقُرْآنِ لِما فِيهِ مِن وُجُوهِ الدَّلالاتِ عَلى الحَقِّ الَّذِي يَلْزَمُ اعْتِقادُهُ والعَمَلُ بِهِ.

النساء 4:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى: " هم أهْلُ العِلْمِ والفِقْهِ "، وقالَ السُّدِّيُّ: " الأُمَراءُ والوُلاةُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الفِقْهِ والوُلاةِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. فَإنْ قِيلَ: أُولُو الأمْرِ مَن يَمْلِكُ الأمْرَ بِالوِلايَةِ عَلى النّاسِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ أهْلِ العِلْمِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ " مَن يَمْلِكُ الأمْرَ بِالوِلايَةِ عَلى النّاسِ " وجائِزٌ أنْ يُسَمّى الفُقَهاءُ أُولِي الأمْرِ لِأنَّهم يَعْرِفُونَ أوامِرَ اللَّهِ ونَواهِيَهُ ويَلْزَمُ غَيْرَهم قَبُولُ قَوْلِهِمْ فِيها، فَجائِزٌ أنْ يُسَمَّوْا أُولِي الأمْرِ مِن هَذا الوَجْهِ كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَأوْجَبَ الحَذَرَ بِإنْذارِهِمْ وألْزَمَ (p-١٨٣)المُنْذَرِينَ قَبُولَ قَوْلِهِمْ، فَجازَ مِن أجْلِ ذَلِكَ إطْلاقُ اسْمِ أُولِي الأمْرِ عَلَيْهِمْ؛ والأُمَراءُ أيْضًا يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ لِنَفاذِ أُمُورِهِمْ عَلى مَن يَلُونَ عَلَيْهِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ فَإنَّ الِاسْتِنْباطَ هو الِاسْتِخْراجُ، ومِنهُ اسْتِنْباطُ المِياهِ والعُيُونِ؛ فَهو اسْمٌ لِكُلِّ ما اسْتُخْرِجَ حَتّى تَقَعَ عَلَيْهِ رُؤْيَةُ العُيُونِ أوْ مَعْرِفَةُ القُلُوبِ؛ والِاسْتِنْباطُ في الشَّرْعِ نَظِيرُ الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِعْلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ القَوْلِ بِالقِياسِ واجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أمْرٌ بِرَدِّ الحَوادِثِ إلى الرَّسُولِ ﷺ في حَياتِهِ إذا كانُوا بِحَضْرَتِهِ وإلى العُلَماءِ بَعْدَ وفاتِهِ والغَيْبَةِ عَنْ حَضْرَتِهِ ﷺ؛ وهَذا لا مَحالَةَ فِيما لا نَصَّ فِيهِ لِأنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِنْباطِهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مِن أحْكامِ اللَّهِ ما هو مَنصُوصٌ عَلَيْهِ ومِنها ما هو مُودَعٌ في النَّصِّ قَدْ كَلَّفَنا الوُصُولَ إلى عِلْمِهِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ واسْتِنْباطِهِ فَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعانِيَ: مِنها أنَّ في أحْكامِ الحَوادِثِ ما لَيْسَ بِمَنصُوصٍ عَلَيْهِ بَلْ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ. ومِنها أنَّ عَلى العُلَماءِ اسْتِنْباطَهُ والتَّوَصُّلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِرَدِّهِ إلى نَظائِرِهِ مِنَ المَنصُوصِ. ومِنها أنَّ العامِّيَّ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ العُلَماءِ في أحْكامِ الحَوادِثِ. ومِنها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ مُكَلَّفًا بِاسْتِنْباطِ الأحْكامِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِدَلائِلِها؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالرَّدِّ إلى الرَّسُولِ، وإلى أُولِي الأمْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَخُصَّ أُولِي الأمْرِ بِذَلِكَ دُونَ الرَّسُولِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلْجَمِيعِ الِاسْتِنْباطَ والتَّوَصُّلَ إلى مَعْرِفَةِ الحُكْمِ بِالِاسْتِدْلالِ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ هَذا اسْتِنْباطًا في أحْكامِ الحَوادِثِ، إنَّما هو في الأمْنِ والخَوْفِ مِنَ العَدُوِّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ فَإنَّما ذَلِكَ في شَأْنِ الأراجِيفِ الَّتِي كانَ المُنافِقُونَ يَرْجُفُونَ بِها، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِها ورَدِّ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ، وإلى الأُمَراءِ حَتّى لا يَفُتُّوا في أعْضادِ المُسْلِمِينَ إنْ كانَ شَيْئًا يُوجِبُ الخَوْفَ، وإنْ كانَ شَيْئًا يُوجِبُ الأمْنَ لِئَلّا يَأْمَنُوا فَيَتْرُكُوا الِاسْتِعْدادَ لِلْجِهادِ والحَذَرِ مِنَ الكُفّارِ؛ فَلا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى جَوازِ الِاسْتِنْباطِ في أحْكامِ الحَوادِثِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى أمْرِ العَدُوِّ؛ لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ قَدْ يَكُونانِ فِيما يَتَعَبَّدُونَ بِهِ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ فِيما يُباحُ ويُحْظَرُ وما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ، ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الأمْنِ والخَوْفِ؛ فَإذًا لَيْسَ في ذِكْرِهِ الأمْنَ والخَوْفَ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِهِ عَلى ما يَتَّفِقُ مِنَ (p-١٨٤)الأراجِيفِ بِالأمْنِ والخَوْفِ في أمْرِ العَدُوِّ، بَلْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ عامًّا في الجَمِيعِ، وحَظَرَ بِهِ عَلى العامِّيِّ أنْ يَقُولَ في شَيْءٍ مِن حَوادِثِ الأحْكامِ ما فِيهِ حَظْرٌ أوْ إباحَةٌ أوْ إيجابٌ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وألْزَمَهم رَدَّهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لِيَسْتَنْبِطُوا حُكْمَهُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ بِنَظائِرِهِ مِنَ المَنصُوصِ. وأيْضًا فَلَوْ سَلَّمْنا لَكَ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ مَقْصُورٌ عَلى الأمْنِ والخَوْفِ مِنَ العَدُوِّ؛ لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ إذا جازَ اسْتِنْباطُ تَدْبِيرِ الجِهادِ ومَكايِدِ العَدُوِّ بِأخْذِ الحَذَرِ تارَةً والإقْدامِ في حالٍ والإحْجامِ في حالٍ أُخْرى، وكانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِمّا تَعَبَّدَنا اللَّهُ بِهِ ووُكِلَ الأمْرُ فِيهِ إلى آراءِ أُولِي الأمْرِ واجْتِهادِهِمْ فَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ مِن تَدْبِيرِ الحُرُوبِ ومَكايِدِ العَدُوِّ وقِتالِ الكُفّارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاجْتِهادِ والِاسْتِدْلالِ عَلى النَّظائِرِ مِن سائِرِ الحَوادِثِ مِنَ العِباداتِ وفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، إذا كانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المانِعُ مِنَ الِاجْتِهادِ والِاسْتِنْباطِ في مِثْلِهِ كَمَن أباحَ الِاسْتِنْباطَ في البُيُوعِ خاصَّةً ومَنَعَهُ في المُناكَحاتِ أوْ أباحَهُ في الصَّلاةِ ومَنَعَهُ في المَناسِكِ، وهَذا خِلْفٌ مِنَ القَوْلِ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ الِاسْتِنْباطُ مَقْصُورًا عَلى القِياسِ واجْتِهادِ الرَّأْيِ دُونَ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ في اللُّغَةِ إلّا مَعْنًى واحِدًا. قِيلَ لَهُ: الدَّلِيلُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ في اللُّغَةِ إلّا مَعْنًى واحِدًا لا يَقَعُ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ تَنازُعٌ؛ إذْ كانَ أمْرًا مَعْقُولًا في اللَّفْظِ، فَهَذا لَيْسَ بِاسْتِنْباطٍ بَلْ هو في مَفْهُومِ الخِطابِ، وذَلِكَ عِنْدَنا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] أنَّهُ دَلالَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ الضَّرْبِ والشَّتْمِ والقَتْلِ ونَحْوِهِ، وهَذا لا يَقَعُ في مِثْلِهِ خِلافٌ؛ فَإنْ أرَدْتَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا هَذا الضَّرْبَ مِن دَلائِلِ الخِطابِ فَإنَّ هَذا لا تَنازُعَ فِيهِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى اسْتِنْباطٍ. وإنْ أرَدْتَ بِالدَّلِيلِ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فَيَكُونُ دَلالَةً عَلى أنَّ ما عَداهُ فَحُكْمُهُ بِخِلافِهِ، فَإنَّ هَذا لَيْسَ بِدَلِيلٍ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ؛ ولَوْ كانَ هَذا ضَرْبًا مِنَ الدَّلِيلِ لَما أغْفَلَتْهُ الصَّحابَةُ ولاسْتَدَلَّتْ بِهِ عَلى أحْكامِ الحَوادِثِ، ولَوْ فَعَلُوا هَذا لاسْتَفاضَ ذَلِكَ عَنْهم وظَهَرَ، فَلَمّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهم دَلَّ عَلى سُقُوطِ قَوْلِكَ. وأيْضًا لَوْ كانَ هَذا ضَرْبًا مِنَ الِاسْتِدْلالِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إيجابَ الِاسْتِنْباطِ فِيما لا طَرِيقَ إلَيْهِ إلّا مِن جِهَةِ الرَّأْيِ والقِياسِ؛ إذْ لَيْسَ يُوجَدُ في كُلِّ حادِثَةٍ هَذا الضَّرْبُ مِنَ الدَّلالَةِ، وقَدْ أُمِرْنا بِاسْتِنْباطِ سائِرِ ما لا نَصَّ فِيهِ فَما لَمْ نَجِدْ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ هَذا الضَّرْبَ مِنَ الدَّلِيلِ، فَعَلَيْنا اسْتِنْباطُ حُكْمِهِ مِن طَرِيقِ القِياسِ والِاجْتِهادِ؛ (p-١٨٥)إذْ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِ إلّا مِن هَذِهِ الجِهَةِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَكُنْ دَلِيلُ القِياسِ مُفْضِيًا بِنا إلى العِلْمِ بِمَدْلُولِهِ؛ إذْ كانَ القائِسُ يُجَوِّزُ عَلى نَفْسِهِ الخَطَأ ولا يُجَوِّزُ القَطْعَ بِأنَّ ما أدّاهُ إلَيْهِ قِياسُهُ واجْتِهادُهُ هو الحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِنْباطَ مِن طَرِيقِ القِياسِ والِاجْتِهادِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ: " إنَّ القائِسَ لا يَقْطَعُ بِأنَّ قِياسَهُ هو الحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ " خَطَأٌ لا نَقُولُ بِهِ وذَلِكَ أنَّ ما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ فَإنَّ المُجْتَهِدَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقْطَعَ بِأنَّ ما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ هو الحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا عِنْدَنا عِلْمٌ مِنهُ بِأنَّ هَذا حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فاسْتِنْباطُهُ حُكْمَ الحَوادِثِ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ يُوجِبُ العِلْمَ بِصِحَّةِ مُوجِبِهِ وما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ. وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِن أحْكامِ الدِّينِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ لَعَرَفَهُ الإمامُ ولَزالَ مَوْضِعُ الِاسْتِنْباطِ وسَقَطَ الرَّدُّ إلى أُولِي الأمْرِ، بَلْ كانَ الواجِبُ الرَّدَّ إلى الإمامِ الَّذِي يَعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ مِن باطِلِهِ مِن جِهَةِ النَّصِّ. * * (فَصْلٌ) قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا ما حَضَرَنا مِن عِلْمِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ، وما في ضِمْنِها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى المَعانِي، وما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهِ الِاحْتِمالِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُخْتَلِفُونَ فِيها، وذَكَرْناهُ عَنْ قائِلِيها مِنَ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ وإنْزالِ اللَّهِ إيّاها بِهَذِهِ الألْفاظِ المُحْتَمِلَةِ لِلْمَعانِي، ووُجُوهِ الدَّلالاتِ عَلى الأحْكامِ مَعَ أمْرِهِ إيّانا بِاعْتِبارِها والِاسْتِدْلالِ بِها في (p-٣٤)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فَحَثَّنا عَلى التَّفَكُّرِ فِيهِ، وحَرَّضَنا عَلى الِاسْتِنْباطِ والتَّدَبُّرِ، وأمَرَنا بِالِاعْتِبارِ لِنَتَسابَقَ إلى إدْراكِ أحْكامِهِ ونَنالَ دَرَجَةَ المُسْتَنْبِطِينَ والعُلَماءِ النّاظِرِينَ. ودَلَّ بِما أنْزَلَ مِنَ الآيِ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُجُوهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي طَرِيقُ اسْتِدْراكِ مَعانِيها السَّمْعُ عَلى تَسْوِيغِ الِاجْتِهادِ في طَلَبِها، وأنَّ كُلًّا مِنهم مُكَلَّفٌ بِالقَوْلِ بِما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ واسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ ونَظَرُهُ، وأنَّ مُرادَ اللَّهِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُجْتَهِدِينَ اعْتِقادُ ما أدّاهُ إلَيْهِ نَظَرُهُ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنا سَبِيلٌ إلى اسْتِدْراكِهِ إلّا مِن طَرِيقِ السَّمْعِ وكانَ جائِزًا تَعَبُّدُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِن طَرِيقِ النَّظَرِ بِمِثْلِ ما حَصَلَ عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ، فَوَجَبَ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن حَيْثُ جَعْلُ لَفْظِ الكِتابِ مُحْتَمِلًا لِلْمَعانِي أنْ يَكُونَ مُشَرِّعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُجْتَهِدِينَ ما دَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَحْوى الآيَةِ وما في مَضْمُونِ الخِطابِ ومُقْتَضاهُ مِن وُجُوهِ الِاحْتِمالِ. فانْظُرْ عَلى كَمِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِفَحْواها ومُقْتَضاها مِن لَطِيفِ المَعانِي وكَثْرَةِ الفَوائِدِ وضُرُوبِ ما أدَّتْ إلَيْهِ مِن وُجُوهِ الِاسْتِنْباطِ وهَذِهِ إحْدى دَلائِلِ إعْجازِ القُرْآنِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ مِثْلِهِ في كَلامِ البَشَرِ. وأنا ذاكِرٌ مُجْمَلًا ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُفَصَّلًا لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى فَهْمِ قارِئِهِ إذا كانَ مَجْمُوعًا مَحْصُورًا، واَللَّهُ تَعالى نَسْألُ التَّوْفِيقَ. فَأوَّلُ ما ذَكَرْنا مِن حُكْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ما احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ مِن إرادَةِ القِيامِ. والثّانِي: ما اقْتَضَتْهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ مِن إيجابِ الغَسْلِ بَعْدَ القِيامِ. والثّالِثُ: ما احْتَمَلَهُ مِنَ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذِهِ الحالِ نَزَلَتْ. والرّابِعُ: اقْتِضاؤُها إيجابَ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ المُعْتادِ الَّذِي يَصِحُّ إطْلاقُ القَوْلِ فِيهِ بِأنَّهُ قائِمٌ مِنَ النَّوْمِ. والخامِسُ: احْتِمالُها لِإيجابِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ، واحْتِمالُها لِطَهارَةٍ واحِدَةٍ لِصَلَواتٍ كَثِيرَةٍ ما لَمْ يُحْدِثْ. والسّادِسُ: احْتِمالُها إذا أرَدْتُمُ القِيامَ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ وإيجابُ الطَّهارَةِ مِنَ الإحْداثِ. والسّابِعُ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ الوُضُوءِ بِإمْرارِ الماءِ عَلى المَوْضِعِ مِن غَيْرِ دَلْكٍ واحْتِمالُها لِقَوْلِ مَن أوْجَبَ الدَّلْكَ. والثّامِنُ: إيجابُها بِظاهِرِها إجْراءَ الماءِ عَلى الأعْضاءِ وأنَّ مَسْحَها غَيْرُ جائِزٍ عَلى ما بَيَّنّا، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن أجازَ المَسْحَ في جَمِيعِ الأعْضاءِ. والتّاسِعُ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ الوُضُوءِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. والعاشِرُ: دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِالفَرْضِ عَلى ما واجَهْنا مِنَ المُتَوَضِّئِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذْ كانَ الوَجْهُ ما واجَهَكَ، وأنَّ المَضْمَضَةَ والِاسْتِنْشاقَ غَيْرُ واجِبَيْنِ في الوُضُوءِ. والحادِي عَشَرَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ تَخْلِيلَ (p-٣٥)اللِّحْيَةِ غَيْرُ واجِبٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ باطِنُها مِنَ الوَجْهِ. والثّانِي عَشَرَ: دَلالَتُها عَلى نَفْيِ إيجابِ التَّسْمِيَةِ في الوُضُوءِ. والثّالِثَ عَشَرَ: دَلالَتُها عَلى دُخُولِ المَرافِقِ في الغَسْلِ. والرّابِعَ عَشَرَ: احْتِمالُها أنْ تَكُونَ المَرافِقُ غَيْرَ داخِلَةٍ فِيهِ. والخامِسَ عَشَرَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ. والسّادِسَ عَشَرَ: احْتِمالُها لِوُجُوبِ مَسْحِ الجَمِيعِ. والسّابِعَ عَشَرَ: احْتِمالُها لِجَوازِ مَسْحِ البَعْضِ، أيِّ بَعْضٍ كانَ مِنهُ. والثّامِنَ عَشَرَ: دَلالَتُها عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المَفْرُوضُ ثَلاثَ شَعْراتٍ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ تَكْلِيفُهُ ما لا يُمْكِنُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ. والتّاسِعَ عَشَرَ: احْتِمالُها لِوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. والعِشْرُونَ: احْتِمالُها لِجَوازِ المَسْحِ عَلى قَوْلِ مُوجِبِي اسْتِيعابِها بِالمَسْحِ. والحادِي والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مُجِيزِي مَسْحِ البَعْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] والثّانِي والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى عَدَمِ إيجابِ الجَمْعِ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ وأنَّ الواجِبَ إنَّما كانَ أحَدُهُما بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ. والثّالِثُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ المَسْحِ في حالِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ ووُجُوبِ الغَسْلِ في حالِ ظُهُورِ الرِّجْلَيْنِ. والرّابِعُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ إذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُما طاهِرَتانِ ثُمَّ أكْمَلَ الطَّهارَةَ قَبْلَ الحَدَثِ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى المَسْحِ دَلَّتْ عَلى جَوازِهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ. والخامِسُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى قَوْلِ مَن أجازَ المَسْحَ عَلى الجُرْمُوقَيْنِ مِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ؛ لِأنَّ الماسِحَ عَلى الخُفَّيْنِ والجُرْمُوقَيْنِ جائِزٌ أنْ يُقالَ قَدْ مَسَحَ عَلى رِجْلَيْهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِما خُفّانِ. والسّادِسُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ وأنَّهُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ في أنَّ المَسْحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ غَيْرُ مُرادٍ. والسّابِعُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى لُزُومِ مُباشَرَةِ الرَّأْسِ بِالمَسْحِ وامْتِناعِ جَوازِهِ عَلى العِمامَةِ والخِمارِ. فَإنْ قِيلَ: فَإنْ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى بُطْلانِ المَسْحِ عَلى العِمامَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ. قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مُحْتَمِلًا لِلْمَسْحِ والغَسْلِ وأمْكَنَنا اسْتِعْمالُهُما اسْتَعْمَلْناهُ ما في حالَيْنِ، وإنْ كانَ في أحَدِهِما مَجازًا، لِئَلّا نُسْقِطُ واحِدًا مِنهُما، ولَمْ تَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى اسْتِعْمالِ قَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عَلى المَجازِ، فاسْتَعْمَلْناهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. والثّامِنُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً وأنَّ ما زادَ فَهو تَطَوُّعٌ. والتّاسِعُ والعِشْرُونَ: دَلالَتُها عَلى نَفْيِ فَرْضِ الِاسْتِنْجاءِ، وعَلى جَوازِ الصَّلاةِ مَعَ تَرْكِهِ، وعَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أوْجَبَ الِاسْتِنْجاءَ مِنَ الرِّيحِ. والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أوْجَبَ غَسْلَ اليَدَيْنِ قَبْلَ إدْخالِهِما الإناءَ، وأنَّهُ إنْ أدْخَلَهُما قَبْلَ أنْ يَغْسِلَهُما لَمْ يُجْزِهِ (p-٣٦)الوُضُوءُ. والحادِي والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ مَسْحَ الأُذُنَيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن أجازَ المَسْحَ عَلَيْهِما ما دُونَ الرَّأْسِ. والثّانِي والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ تَفْرِيقِ الوُضُوءِ بِإباحَةِ الصَّلاةِ بِالغَسْلِ عَلى أيِّ وجْهٍ حَصَلَ. والثّالِثُ والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مُوجِبِي التَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ. والرّابِعُ والثَّلاثُونَ: اقْتِضاؤُها لِإيجابِ الغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ. والخامِسُ والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى اقْتِضاءِ هَذا اللَّفْظِ لِمَن سُمِّيَ بِهِ اجْتِنابُ أشْياءَ، إذا كانَتِ الجَنابَةُ مِن مُجانَبَةِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ اجْتِنابَهُ، وهو ما قَدْ بُيِّنَ حُكْمُهُ في غَيْرِها. والسّادِسُ والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى اسْتِيعابِ البَدَنِ كُلِّهِ بِالغُسْلِ ووُجُوبِ المَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] والسّابِعُ والثَّلاثُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّهُ مَتى طَهُرَ بَدَنُهُ اسْتَباحَ الصَّلاةَ وأنَّ الوُضُوءَ لَيْسَ بِفَرْضٍ فِيهِ. والثّامِنُ والثَّلاثُونَ إيجابُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ والتّاسِعُ والثَّلاثُونَ: جَوازُهُ لِلْمَرِيضِ إذا خافَ ضَرَرَ الماءِ. والأرْبَعُونَ جَوازُ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ المَرِيضِ إذا خافَ ضَرَرَ البَرْدِ؛ إذْ كانَ المَعْنى في المَرَضِ مَفْهُومًا وهو أنَّهُ خَوْفُ الضَّرَرِ. والحادِي والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [المائدة: ٦] يَحْتَمِلُ الجِماعَ. والثّانِي والأرْبَعُونَ: احْتِمالُها إيجابَ الوُضُوءِ مِن مَسِّ المَرْأةِ؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ﴾ [المائدة: ٦] يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ. والثّالِثُ والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ مَن خافَ العَطَشَ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ إذْ كانَ في مَعْنى الخائِفِ لِضَرَرِ الماءِ بِاسْتِعْمالِهِ، وهو المَرِيضُ والمَجْرُوحُ. والرّابِعُ والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ النّاسِيَ لِلْماءِ في رَحْلِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ،؛ إذْ هو غَيْرُ واجِدٍ لِلْماءِ، واَللَّهُ تَعالى شَرَطَ اسْتِعْمالَ الماءِ عِنْدَ وُجُودِهِ. والخامِسُ والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ مَن مَعَهُ ماءٌ لا يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُهُ؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِغَسْلِ أعْضاءِ الوُضُوءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦] يَعْنِي ما يَكْفِي لِغَسْلِها؛ ولِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مِن فَرْضِهِ التَّيَمُّمَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الماءِ غَيْرُ مُرادٍ. والسّادِسُ والأرْبَعُونَ: احْتِمالُها لِاسْتِدْلالِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فَذَكَرَ عَدَمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، إذْ كانَ نَكِرَةً في جَوازِ التَّيَمُّمِ، فَإذا وجَدَ قَلِيلًا لَمْ يَجُزِ الِاقْتِصارُ عَلى التَّيَمُّمِ. والسّابِعُ والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى سُقُوطِ فَرْضِ الطَّلَبِ وبُطْلانِ قَوْلِ مُوجِبِهِ،؛ إذْ كانَ الوُجُودُ أوِ العَدَمُ لا يَقْتَضِيانِ طَلَبًا، فَمُوجِبُ الطَّلَبِ زائِدٌ فِيها ما لَيْسَ مِنها. والثّامِنُ والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ مَن خافَ ذَهابَ الوَقْتِ إنْ تَوَضَّأ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ،؛ إذْ كانَ واجِدًا لِلْماءِ، لِأمْرِهِ تَعالى إيّانا بِالغَسْلِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ (p-٣٧)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَقْتِ. والتّاسِعُ والأرْبَعُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ المَحْبُوسَ الَّذِي لا يَجِدُ الماءَ ولا تُرابًا نَظِيفًا أنَّهُ لا يُصَلِّي؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِفِعْلِ الصَّلاةِ بِأحَدِ ما ذَكَرَهُ في الآيَةِ مِن ماءٍ أوْ تُرابٍ. والخَمْسُونَ: احْتِمالُها لِجَوازِ التَّيَمُّمِ لِلْمَحْبُوسِ إذا وجَدَ تُرابًا نَظِيفًا. والحادِي والخَمْسُونَ جَوازُ التَّيَمُّمِ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ،؛ إذْ لَمْ يَحْصُرْهُ بِوَقْتٍ وإنَّما عَلَّقَهُ بِعَدَمِ الماءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦] والثّانِي والخَمْسُونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ بِتَيَمُّمٍ واحِدٍ ما لَمْ يُحْدِثْ أوْ يَجِدِ الماءَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ثُمَّ قَوْلُهُ في سِياقِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فَأمَرَ بِالصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ بِها بِالوُضُوءِ، فَلَمّا لَمْ تَقْتَضِ الآيَةُ تَكْرارَ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ لَمْ تَقْتَضِ تَكْرارَ التَّيَمُّمِ. والثّالِثُ والخَمْسُونَ: دَلالَتُها عَلى أنَّ عَلى المُتَيَمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ في الصَّلاةِ الوُضُوءَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] عَلى ما بَيَّنّا مِن دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ فِيما سَلَفَ. والرّابِعُ والخَمْسُونَ مَسْحُ الوَجْهِ واليَدَيْنِ في التَّيَمُّمِ واسْتِيعابُهُما بِهِ. والخامِسُ والخَمْسُونَ مَسْحُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ لِاقْتِضاءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] إيّاها، وأنَّ ما فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ إنَّما خَرَجَ بِدَلِيلٍ. والسّادِسُ والخَمْسُونَ: جَوازُهُ بِكُلِّ ما كانَ مِنَ الأرْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] والصَّعِيدُ الأرْضُ. والسّابِعُ والخَمْسُونَ بُطْلانُ التَّيَمُّمِ بِالتُّرابِ النَّجِسِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] والنَّجِسُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ. والثّامِنُ والخَمْسُونَ: وُجُوبُ النِّيَّةِ في التَّيَمُّمِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّيَمُّمَ القَصْدُ والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] عَلى ما بَيَّنّا مِن دَلالَتِهِ عَلى أنَّ ابْتِداءَهُ يَكُونُ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَتَّصِلَ بِالوَجْهِ مِن غَيْرِ قَطْعٍ، وأنَّ اسْتِعْمالَهُ لِشَيْءٍ آخَرَ يَقْطَعُ حُكْمَ النِّيَّةِ ويُوجِبُ الِاسْتِئْنافَ. والتّاسِعُ والخَمْسُونَ: احْتِمالُها لِإصابَةِ بَعْضِ التُّرابِ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] وهو لِلتَّبْعِيضِ. والسِّتُّونَ: دَلالَتُها عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أجازَ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ والحَشِيشِ؛ إذْ لَيْسا مِنَ الصَّعِيدِ. والواحِدُ والسِّتُّونَ: دَلالَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [المائدة: ٦] عَلى إيجابِ الطَّهارَةِ مِنَ الخارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وأنَّ دَمَ الِاسْتِحاضَةِ وسَلَسَ البَوْلِ والمَذْيَ ونَحْوَها تُوجِبُ الوُضُوءَ؛ إذْ كانَ الغائِطُ وهو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ يُؤْتى لِكُلِّ ذَلِكَ. والثّانِي والسِّتُّونَ: دَلالَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عَلى جَوازِ الغَسْلِ بِسائِرِ المائِعاتِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى جَوازِ الوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ ويَسْتَدِلُّ بِهِ أيْضًا الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ عَلى جَوازِهِ بِالخَلِّ وما جَرى مَجْراهُ ويَسْتَدِلُّ بِهِ أيْضًا عَلى جَوازِ (p-٣٨)الطَّهارَةِ بِالماءِ الَّذِي خالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الطّاهِراتِ ولَمْ يَغْلِبْ عَلى الماءِ مِثْلُ ماءِ الوَرْدِ واللَّبَنِ والخَلِّ ونَحْوِ ذَلِكَ. والثّالِثُ والسِّتُّونَ: دَلالَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] عَلى جَوازِهِ بِالنَّبِيذِ؛ إذْ كانَ في النَّبِيذِ ماءٌ، وإنَّما أطْلَقَ لَنا التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الماءِ لِذِكْرِهِ إيّاهُ بِلَفْظٍ مَنكُورٍ، ويَسْتَدِلُّ بِهِ أيْضًا مَن يُجِيزُ الوُضُوءَ بِالماءِ المُضافِ كالمَرَقِ وخَلِّ التَّمْرِ ونَحْوِهِ؛ إذْ كانَ فِيهِ ماءٌ. والرّابِعُ والسِّتُّونَ: دَلالَتُها لِمَن يَمْنَعُ المُسْتَحاضَةَ صَلاتَيْ فَرْضٍ بِوُضُوءٍ واحِدٍ عَلى لُزُومِ إعادَةِ الوُضُوءِ لِفَرْضٍ ثانٍ، لِقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] فَقَدْ رُوِيَ: " إذا قُمْتُمْ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ " وهي مُحْدِثَةٌ، لِوُجُودِ الحَدَثِ بَعْدَ الطَّهارَةِ. والخامِسُ والسِّتُّونَ: دَلالَتُها عَلى امْتِناعِ جَوازِ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ واحِدٍ كَدَلالَتِها في الِاسْتِحاضَةِ؛ إذْ كانَ التَّيَمُّمُ غَيْرَ رافِعٍ لِلْحَدَثِ، فَهو مَتى أرادَ القِيامَ إلى الصَّلاةِ قامَ إلَيْها وهو مُحْدِثٌ. والسّادِسُ والسِّتُّونَ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ التَّيَمُّمِ في أوَّلِ الوَقْتِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فَأمَرَ بِالصَّلاةِ عِنْدَ دُلُوكِها، وأمَرَ بِتَقْدِيمِ الطَّهارَةِ لَها بِالماءِ إنْ كانَ مَوْجُودًا أوِ التُّرابِ إذا كانَ مَعْدُومًا؛ فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ التَّيَمُّمِ في أوَّلِ الوَقْتِ وقَبْلَ الوَقْتِ، كَما اقْتَضى جَوازَ الطَّهارَةِ بِالماءِ قَبْلَ الوَقْتِ وفي أوَّلِهِ. والسّابِعُ والسِّتُّونَ: دَلالَتُها عَلى امْتِناعِ جَوازِ التَّيَمُّمِ في الحَضَرِ لِلْمَحْبُوسِ وجَوازِ الصَّلاةِ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [المائدة: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] فَشَرَطَ في إباحَةِ التَّيَمُّمِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما المَرَضُ، والآخَرُ: السَّفَرُ مَعَ عَدَمِ الماءِ؛ فَإذا لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا وكانَ مُقِيمًا إلّا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنهُ بِحَبْسٍ، فَغَيْرُ جائِزٍ صَلاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ. فَإنْ قِيلَ: فَهو غَيْرُ واجِدٍ لِلْماءِ وإنْ كانَ مُقِيمًا. قِيلَ لَهُ: هو كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ قَدْ شَرَطَ في جَوازِهِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: السَّفَرُ الَّذِي الأغْلَبُ فِيهِ عَدَمُ الماءِ، والثّانِي: عَدَمُهُ؛ وإنَّما أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ وجَوازُ الصَّلاةِ بِتَعَذُّرِ وُجُودِ الماءِ لِلْحالِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ وهو السَّفَرُ لا في الحَضَرِ الَّذِي الماءُ فِيهِ مَوْجُودٌ في الأغْلَبِ، وإنَّما حَصَلَ المَنعُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ مِن غَيْرِ حالِ العادَةِ فِيها، والغالِبُ مِنها عَدَمُهُ. والثّامِنُ والسِّتُّونَ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] عَلى نَفْيِ كُلِّ ما أوْجَبَ الحَرَجَ، والِاحْتِجاجُ بِهِ عِنْدَ وُقُوعِ الخِلافِ عَلى مُنْتَحِلِي مَذْهَبِ التَّضْيِيقِ؛ فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّيَمُّمِ، وإنْ كانَ مَعَهُ ما إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العَطَشِ فَيَحْبِسُهُ لِشُرْبِهِ؛ إذْ كانَ فِيهِ نَفْيُ الضِّيقِ والحَرَجِ، وعَلى نَفْيِ إيجابِ التَّرْتِيبِ والمُوالاةِ في الطَّهارَةِ، وعَلى نَفْيِ إيجابِ (p-٣٩)النِّيَّةِ فِيها، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. والتّاسِعُ والسِّتُّونَ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عَلى أنَّ المَقْصِدَ حُصُولُ الطَّهارَةِ عَلى أيِّ وجْهٍ حَصَلَتْ مِن تَرْتِيبٍ أوْ غَيْرِهِ، ومِن مُوالاةٍ أوْ تَفْرِيقٍ، ومِن وُجُوبِ نِيَّةٍ أوْ عَدَمِها، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. والسَّبْعُونَ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ تَقْدِيرِ الماءِ؛ إذْ كانَ المُرادُ التَّطْهِيرَ، وعَلى أنَّ اغْتِسالَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصّاعِ غَيْرُ مُوجِبٍ اعْتِبارَهُ. والواحِدُ والسَّبْعُونَ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مَسْحُهُ بِالماءِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهُ دَلالاتِ هَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ عَلى المَعانِي وضُرُوبِ الأحْكامِ، مِنها نُصُوصٌ ومِنها احْتِمالٌ في الطَّهارَةِ الَّتِي يَجِبُ تَقْدِيمُها أمامَ الصَّلاةِ وشُرُوطُها الَّتِي تَصِحُّ بِها. وعَسى أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِن دَلائِلِها وضُرُوبِ احْتِمالِها مِمّا لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُنا مَتى بُحِثَ عَنْها واسْتُقْصِيَ النَّظَرُ فِيها أدْرَكَها مَن وُفِّقَ لِفَهْمِها؛ واَللَّهُ المُوَفِّقُ.

النساء 4:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: التَّحِيَّةُ المُلْكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أسِيرُ بِهِ إلى النُّعْمانِ حَتّى أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِ يَعْنِي: عَلى مُلْكِهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: " حَيّاكَ اللَّهُ " أيْ " مَلَّكَكَ اللَّهُ " . ويُسَمّى السَّلامُ تَحِيَّةً أيْضًا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ حَيّاكَ اللَّهُ فَأُبْدِلُوا مِنهُ بَعْدَ الإسْلامِ بِالسَّلامِ وأُقِيمَ مَقامَ قَوْلِهِمْ حَيّاكَ اللَّهُ. قالَ أبُو ذَرٍّ: كُنْتُ أوَّلَ مَن حَيّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ النّابِغَةُ: ؎يُحَيُّونَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ يَعْنِي أنَّهم يُعْطُونَ الرَّيْحانَ. ويُقالُ لَهم " حَيّاكُمُ اللَّهُ " والأصْلُ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ مَلَّكَكَ اللَّهُ ؛ فَإذا حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ أفادَ أنَّ مَن مَلَّكَ غَيْرَهُ شَيْئًا بِغَيْرِ بَدَلٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ما لَمْ يُثَبْ مِنهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا فِيمَن وهَبَ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ أنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيها ما لَمْ يُثَبْ مِنها، فَإذا أُثِيبَ مِنها فَلا رُجُوعَ لَهُ فِيها؛ لِأنَّهُ أوْجَبَ أحَدَ شَيْئَيْنِ مِن ثَوابٍ أوْ رَدٍّ لِما جِيءَ بِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ (p-١٨٦)داوُدَ المَهْرِيُّ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ أنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ حَدَّثَهُ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَسْتَرِدُّ ما وهَبَ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ قَيْأهُ، فَإذا اسْتَرَدَّ الواهِبُ فَلْيُوَقَّفْ ولْيُعَرَّفْ بِما اسْتَرَدَّ ثُمَّ لِيُدْفَعْ إلَيْهِ ما وهَبَ». وقَدْ رَوى أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ إسْماعِيلَ بْنِ مَجْمَعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّجُلُ أحَقُّ بِهِبَتِهِ ما لَمْ يُثَبْ مِنها» . ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً أوْ يَهَبُ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيها. إلّا الوالِدُ فِيما يُعْطِي ولَدَهُ، ومَثَلُ الَّذِي يُعْطِي العَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيها كَمَثَلِ الكَلْبِ يَأْكُلُ فَإذا شَبِعَ قاءَ ثُمَّ عادَ في قَيْئِهِ» وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: صِحَّةُ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ، والآخَرُ: كَراهَتُهُ وأنَّهُ مِن لُؤْمِ الأخْلاقِ ودَناءَتِها في العاداتِ وذَلِكَ لِأنَّهُ شَبَّهَ الرّاجِعَ في الهِبَةِ بِالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ. وهو يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى ما ذَكَرْنا: أحَدُهُما: أنَّهُ شَبَّهَهُ بِالكَلْبِ إذا عادَ في قَيْئِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلى الكَلْبِ، فَما شَبَّهَهُ بِهِ فَهو مِثْلُهُ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ لا يَصِحُّ بِحالٍ لَما شَبَّهَ الرّاجِعَ بِالكَلْبِ العائِدِ في القَيْءِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَشْبِيهُ ما لا يَقَعُ بِحالٍ بِما قَدْ صَحَّ وُجُودُهُ. وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ مَعَ اسْتِقْباحِ هَذا الفِعْلِ وكَراهَتِهِ. وقَدْ رُوِيَ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وفُضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ ذَلِكَ في رَدِّ السَّلامِ، مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: " السَّلامُ تَطَوُّعٌ ورَدُّهُ فَرِيضَةٌ " وذَكَرَ الآيَةَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ في أنَّهُ خاصٌّ في أهْلِ الإسْلامِ أوْ عامٌّ في أهْلِ الإسْلامِ وأهْلِ الكُفْرِ، فَقالَ عَطاءٌ: " هو في أهْلِ الإسْلامِ خاصَّةً " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وإبْراهِيمُ وقَتادَةُ: " هو عامٌّ في الفَرِيقَيْنِ " وقالَ الحَسَنُ: " تَقُولُ لِلْكافِرِ وعَلَيْكم ولا تَقُلْ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِغْفارُ لِلْكُفّارِ " . وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ بِالسَّلامِ فَإنْ بَدَءُوكم فَقُولُوا وعَلَيْكم» . وقالَ أصْحابُنا رَدُّ السَّلامِ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ، إذا سَلَّمَ عَلى جَماعَةٍ فَرَدَّ واحِدٌ مِنهم أجْزَأ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأحْسَنَ مِنها﴾ إذا أُرِيدَ بِهِ رَدُّ السَّلامِ فَهو الزِّيادَةُ في الدُّعاءِ، وذَلِكَ إذا قالَ: " السَّلامُ عَلَيْكم " يَقُولُ هو: " وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ " وإذا قالَ: " السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ " قالَ هو: " وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ "

النساء 4:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّها نَزَلَتْ في (p-١٨٧)قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: " نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ " . وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: " نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وقالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم " . وفي نَسَقِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى خِلافِ هَذا التَّأْوِيلِ الأخِيرِ وأنَّهم مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْكَسَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " رَدَّهم " . وقالَ قَتادَةُ: " أرْكَسَهم أهْلَكَهم " . وقالَ غَيْرُهم: " أرْكَسَهم نَكَسَهم " . قالَ الكِسائِيُّ: " أرْكَسَهم ورَكَسَهم بِمَعْنًى " وإنَّما المَعْنى رَدَّهم في حُكْمِ الكُفْرِ مِنَ الصَّغارِ والذِّلَّةِ، وقِيلَ مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ؛ لِأنَّهم أظْهَرُوا الِارْتِدادَ بَعْدَما كانُوا عَلى النِّفاقِ. وإنَّما وُصِفُوا بِالنِّفاقِ وقَدْ أظْهَرُوا الِارْتِدادَ عَنِ الإسْلامِ لِأنَّهم نُسِبُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ مِن إضْمارِ الكُفْرِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ النَّحْوِيُّونَ: هَذا يَحْسُنُ مَعَ عَلَمِ التَّعْرِيفِ وهو الألِفُ واللّامُ، كَما تَقُولُ: " هَذِهِ العَجُوزُ هي الشّابَّةُ " يَعْنِي هي الَّتِي كانَتْ شابَّةً، ولا يَجُوزُ " هَذِهِ شابَّةٌ " . فَأبانَ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ أحْوالِ هَذِهِ الطّائِفَةِ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ وإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا الكُفْرَ والرِّدَّةَ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يُحْسِنُوا بِهِمُ الظَّنَّ وأنْ يُجادِلُوا عَنْهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] يَعْنِي هَذِهِ الطّائِفَةَ أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ ضَمائِرِهِمْ واعْتِقاداتِهِمْ لِئَلّا يُحْسِنَ المُؤْمِنُونَ بِهِمُ الظَّنَّ ولِيَعْتَقِدُوا مُعاداتِهِمْ والبَراءَةَ مِنهم.

النساء 4:89

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: حَتّى يُسْلِمُوا ويُهاجِرُوا؛ لِأنَّ الهِجْرَةَ بَعْدَ الإسْلامِ، وأنَّهم وإنْ أسْلَمُوا لَمْ تَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم مُوالاةٌ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وهَذا في حالِ ما كانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ، وأنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ أقامَ مَعَ مُشْرِكٍ قِيلَ: ولِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لا تَراءى ناراهُما» . فَكانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ فَنُسِخَ فَرْضُ الهِجْرَةِ. حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لا هِجْرَةَ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» . حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ عَنِ الأوْزاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطاءِ (p-١٨٨)بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «أنَّ أعْرابِيًّا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقالَ: ويْحَكَ إنَّ شَأْنَ الهِجْرَةِ شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَها ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فاعْمَلْ مِن وراءِ البِحارِ فَإنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شَيْئًا» فَأباحَ النَّبِيُّ ﷺ تَرْكَ الهِجْرَةِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ قالَ: حَدَّثَنا عامِرٌ قالَ: أتى رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقالَ: أخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ ثابِتٌ في كُلِّ مَن أقامَ في دارِ الحَرْبِ فَرَأى فَرْضَ الهِجْرَةِ إلى دارِ الإسْلامِ قائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الهِجْرَةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ والهِجْرَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَدِ انْتَظَمَ الإيمانَ والهِجْرَةَ جَمِيعًا، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ راجِعٌ إلَيْهِما؛ ولِأنَّ مَن أسْلَمَ حِينَئِذٍ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الإيمانِ والهِجْرَةِ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم.

النساء 4:90

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَصِلُونَ بِمَعْنى يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ، كَما قالَ الأعْشى: ؎إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ أبَكْرُ بْنُ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ وقالَ زَيْدُ الخَيْرِ: ؎إذا اتَّصَلَتْ تُنادِي يا قَيْسُ ∗∗∗ وخَصَّتْ بِالدُّعاءِ بَنِي كِلابِ قالَ أبُو بَكْرٍ: الِانْتِسابُ يَكُونُ بِالرَّحِمِ ويَكُونُ بِالحِلْفِ وبِالوَلاءِ، وجائِزٌ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ أيْضًا رَجُلٌ في عَهْدِهِمْ عَلى حَسَبِ ما كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ مِنَ المُوادَعَةِ فَدَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَتْ بَنُو كِنانَةَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ. وقِيلَ إنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] قالَ: ثُمَّ نَسَخَتْ هَذِهِ الآياتِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١] . (p-١٨٩)وقالَ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ إلّا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم أمانٌ فَلَهم مِنهُ مِثْلُ ما لَهم " . وقالَ الحَسَنُ: " هَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ، كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى مِن بَنِي مُدْلِجٍ ما حَرَّمَ مِن قُرَيْشٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا عَقَدَ الإمامُ عَهْدًا بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ فَلا مَحالَةَ يَدْخُلُ فِيهِ مَن كانَ في حَيِّزِهِمْ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ بِالرَّحِمِ أوِ الحِلْفِ أوِ الوَلاءِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِهِمْ ومِن أهْلِ نُصْرَتِهِمْ، وأمّا مَن كانَ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ في العَهْدِ ما لَمْ يَشْرِطْ، ومَن شَرَطَ مِن أهْلِ قَبِيلَةٍ أُخْرى دُخُولَهُ في عَهْدِ المُعاهَدِينَ فَهو داخِلٌ فِيهِمْ إذا عَقَدَ العَهْدَ عَلى ذَلِكَ كَما دَخَلَتْ بَنُو كِنانَةَ في عَهْدِ قُرَيْشٍ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: " إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ " فَإنَّما أرادَ أنَّ مُعاهَدَةَ المُشْرِكِينَ ومُوادَعَتَهم مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَهو كَما قالَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعَزَّ الإسْلامَ وأهْلَهُ، فَأُمِرُوا أنْ لا يَقْبَلُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَهَذا حُكْمٌ ثابِتٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ، فَنَسَخَ بِهِ الهُدْنَةَ والصُّلْحَ وأقَرَّهم عَلى الكُفْرِ وأمَرَنا في أهْلِ الكِتابِ بِقِتالِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَغَيْرُ جائِزٍ لِلْإمامِ أنْ يُقِرَّ أحَدًا مِن أهْلِ سائِرِ الأدْيانِ عَلى الكُفْرِ مِن غَيْرِ جِزْيَةٍ. وأمّا مُشْرِكُو العَرَبِ فَقَدْ كانُوا أسْلَمُوا في زَمَنِ الصَّحابَةِ ورَجَعَ مَنِ ارْتَدَّ مِنهم إلى الإسْلامِ بَعْدَما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنهم، فَهَذا وجْهٌ صَحِيحٌ في نَسْخِ مُعاهَدَةِ أهْلِ الكُفْرِ عَلى غَيْرِ جِزْيَةٍ والدُّخُولِ في الذِّمَّةِ عَلى أنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أحْكامُنا فَكانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثابِتًا بَعْدَما أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأظْهَرَ أهْلَهُ عَلى سائِرِ المُشْرِكِينَ، فاسْتَغْنُوا بِذَلِكَ عَنِ العَهْدِ والصُّلْحِ. إلّا أنَّهُ إنِ احْتِيجَ إلى ذَلِكَ في وقْتٍ لِعَجْزِ المُسْلِمِينَ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ أوْ خَوْفٍ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ ذَرارِيِهِمْ، جازَ لَهم مُهادَنَةُ العَدُوِّ ومُصالَحَتُهُ مِن غَيْرِ جِزْيَةٍ يُؤَدُّونَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ حَظْرَ المُعاهَدَةِ والصُّلْحِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ قُوَّتِهِمْ عَلى العَدُوِّ واسْتِعْلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتِ الهُدْنَةُ جائِزَةً مُباحَةً في أوَّلِ الإسْلامِ، إنَّما حُظِرَتْ لِحُدُوثِ هَذا السَّبَبِ، فَمَتى زالَ السَّبَبُ وعادَ الأمْرُ إلى الحالِ الَّتِي كانَ المُسْلِمُونَ عَلَيْها مِن خَوْفِهِمُ العَدُوَّ عَلى أنْفُسِهِمْ عادَ الحُكْمُ الَّذِي كانَ مِن جَوازِ الهُدْنَةِ؛ وهَذا نَظِيرُ ما ذَكَرْنا مِن نَسْخِ (p-١٩٠)التَّوارُثِ بِالحِلْفِ والمُعاقَدَةِ بِذَوِي الأرْحامِ، فَمَتى لَمْ يَتْرُكْ وارِثًا عادَ حُكْمُ التَّوارُثِ بِالمُعاقَدَةِ. * * قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: " ضاقَتْ صُدُورُهم عَلى أنْ يُقاتِلُوكم " والحَصْرُ الضِّيقُ، ومِنهُ الحَصْرُ في القِراءَةِ لِأنَّهُ ضاقَتْ عَلَيْهِ المَذاهِبُ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ لَقِراءَتِهِ، ومِنهُ المَحْصُورُ في حَبْسٍ أوْ نَحْوِهِ. ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: قالَ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ: " هو الَّذِي حَصِرَ صَدْرُهُ أنْ يُقاتِلَ المُسْلِمِينَ أوْ يُقاتِلَ قَوْمَهُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِلْفٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهم كانُوا قَوْمًا مُشْرِكِينَ مُحالِفِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ضاقَتْ صُدُورُهم أنْ يَكُونُوا مَعَ قَوْمِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ لِما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَهْدِ وأنْ يُقاتِلُوا مَعَ المُسْلِمِينَ ذَوِي أرْحامِهِمْ وأنْسابِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِالكَفِّ عَنْ هَؤُلاءِ إذا اعْتَزَلُوهم فَلَمْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ وإنْ لَمْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ هَؤُلاءِ كانُوا قَوْمًا مُسْلِمِينَ كَرِهُوا قِتالَ قَوْمِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الرَّحِمِ، وظاهِرُ الآيَةِ وما رُوِيَ في تَفْسِيرِها يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ قَطُّ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ مَعَهم ولا كانُوا قَطُّ مَأْمُورِينَ بِقِتالِ أمْثالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ يَعْنِي إنْ قاتَلْتُمُوهم ظالِمِينَ لَهم؛ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ أهْلِ الإسْلامِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا قَوْمًا مُشْرِكِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ حِلْفٌ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَكُفَّ عَنْهم إذا اعْتَزَلُوا قِتالَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ وأنْ لا يُكَلِّفَهم قِتالَ قَوْمِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ أيْضًا. والتَّسْلِيطُ المَذْكُورُ في الآيَةِ لَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ لِيُقاتِلُوكم، والثّانِي إباحَةُ القِتالِ لَهم في الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.

النساء 4:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: " نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُسْلِمُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا هَهُنا وهَهُنا، فَأمَرَ بِقِتالِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا ويُصْلِحُوا " . وذَكَرَ أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: " نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ، وكانَ يَأْمَنُ في المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ فَيَنْقُلُ الحَدِيثَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والمُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ . وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ (p-١٩١)الإيمانَ إذا جاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ وأنَّهم إذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا الكُفْرَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ والفِتْنَةُ هَهُنا الشِّرْكُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ لِلْإسْلامِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالكَفِّ عَنْ هَؤُلاءِ أيْضًا إذا اعْتَزَلُونا وألْقَوْا إلَيْنا السَّلَمَ، وهو الصُّلْحُ، كَما أمَرَنا بِالكَفِّ عَنِ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَنا وبَيْنَهم مِيثاقٌ وعَنِ الَّذِينَ جاءُونا وقَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهم؛ وكَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وكَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] فَخَصَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لِمَن يُقاتِلُنا دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ وجائِزٌ لِلْمُسْلِمِينَ تَرْكُ قِتالِ مَن لا يُقاتِلُهم مِنَ الكُفّارِ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآياتِ في النَّهْيِ عَنْ قِتالِ مَنِ اعْتَزَلَنا وكَفَّ عَنْ قِتالِنا مَنسُوخٌ. ومِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أنَّ فَرْضَ الجِهادِ غَيْرُ ثابِتٍ ابْنُ شُبْرُمَةَ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. إلّا أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها حَظْرُ قِتالِ مَن كَفَّ عَنْ قِتالِنا مِنَ الكُفّارِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الفُقَهاءِ يَحْظُرُ قِتالَ مَنِ اعْتَزَلَ قِتالَنا مِنَ المُشْرِكِينَ وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ تَرْكِ قِتالِهِمْ لا في حَظْرِهِ فَقَدْ حَصَلَ الِاتِّفاقُ مِنَ الجَمِيعِ عَلى نَسْخِ حَظْرِ القِتالِ لِمَن كانَ وصْفُهُ ما ذَكَرْنا واَللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

النساء 4:92

بابُ قَتْلِ الخَطَإ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى " كانَ " هَهُنا، فَقالَ قَتادَةُ: " مَعْناهُ ما كانَ لَهُ ذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وأمْرِهِ " . وقالَ آخَرُونَ: " ما كانَ لَهُ سَبَبُ جَوازِ قَتْلٍ " . وقالَ آخَرُونَ: " ما كانَ لَهُ ذَلِكَ فِيما سَلَفَ كَما لَيْسَ لَهُ الآنَ " . واخْتُلِفَ أيْضًا في مَعْنى " إلّا " فَقالَ قائِلُونَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى لَكِنْ قَدْ يَقْتُلُهُ خَطَأً، فَإذا وقَعَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وهو كَما قالَ النّابِغَةُ: ؎وقَفْتُ فِيها أُصَيْلالًا أُسائِلُها عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِ ؎إلّا الأوارِيَ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ وقالَ آخَرُونَ: هو اسْتِثْناءٌ صَحِيحٌ قَدْ أفادَ أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً في بَعْضِ الأحْوالِ، وهو أنْ يَرى عَلَيْهِ سِيما المُشْرِكِينَ أوَيَجِدَهُ في حَيِّزِهِمْ فَيَظُنَّهُ مُشْرِكًا فَجائِزٌ لَهُ قَتْلُهُ وهو خَطَأٌ؛ كَما (p-١٩٢)رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ قاتَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَأخْطَأ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِأبِيهِ يَحْسَبُونَهُ مِنَ العَدُوِّ وكَرُّوا عَلَيْهِ بِأسْيافِهِمْ، فَطَفِقَ حُذَيْفَةُ يَقُولُ: إنَّهُ أبِي فَلَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ حَتّى قَتَلُوهُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ فَبَلَغَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَزادَتْ حُذَيْفَةَ عِنْدَهُ خَيْرًا» . ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ مَعْناهُ: ولا خَطَأ؛ لِأنَّ قَتْلَ المُؤْمِنِ غَيْرُ مُباحٍ بِحالِ قِتالٍ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَتِهِ. وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " إلّا " لَمْ تُوجَدْ بِمَعْنى " ولا " . والثّانِي: ما أنْكَرَهُ مِنِ امْتِناعِ إباحَةِ قَتْلِ الخَطَإ مَوْجُودٌ في حَظْرِهِ لِأنَّ الخَطَأ إنْ كانَ لا تَصِحُّ إباحَتُهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ أنَّهُ خَطَأٌ، فَكَذَلِكَ لا يَصِحُّ حَظْرُهُ ولا النَّهْيُ عَنْهُ. وقالَ آخَرُونَ: قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ إيجابَ العِقابِ لِقاتِلِهِ لِاقْتِضاءِ إطْلاقِ النَّهْيِ لِذَلِكَ وأفادَ بِذَلِكَ اسْتِحْقاقَ المَأْثَمِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ لا مَأْثَمَ عَلى فاعِلِهِ، إنَّما أُدْخِلَ الِاسْتِثْناءُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ مِنَ اسْتِحْقاقِ المَأْثَمِ وأُخْرِجَ مِنهُ قاتِلُ الخَطَإ، والِاسْتِثْناءُ مُسْتَعْمَلٌ في مَوْضِعِهِ عَلى هَذا القَوْلِ غَيْرُ مَعْدُولٍ بِهِ عَنْ وجْهِهِ، إنَّما دَخَلَ عَلى المَأْثَمِ المُسْتَحَقِّ بِالقَتْلِ وأخْرَجَ قاتِلَ الخَطَإ مِنهُ ولَمْ يَدْخُلْ عَلى فِعْلِ القاتِلِ فَيَكُونُ مُبِيحًا لِما حَظَرَهُ بِلَفْظِ الجُمْلَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا وجْهٌ صَحِيحٌ سائِغٌ؛ وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى إباحَةِ قَتْلِ الخَطَإ فِيمَن يَظُنُّهُ مُشْرِكًا فَإنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ إلّا عَلى الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ إنْ كانَ ذَلِكَ إباحَةً، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَطَأً عِنْدَ القاتِلِ، وإذا كانَ قَتْلُ المُسْلِمِ الَّذِي في حَيِّزِ العَدُوِّ قُصِدَ بِالقَتْلِ لا يَكُونُ خَطَأً عِنْدَ القاتِلِ، وإنَّما عِنْدَهُ أنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ مَأْمُورٌ بِهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادَ الآيِ؛ لِأنَّ الإباحَةَ عَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُها وهو أنْ يَكُونَ قَتْلَ خَطَأٍ عِنْدَ القاتِلِ. ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ " لا تَقْتُلْهُ عَمْدًا " اقْتَضى النَّهْيَ قَتْلًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ عِنْدَ القاتِلِ، وإذا قالَ " لا تَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ " فَإنَّما حَظَرَ عَلَيْهِ قَتْلًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ ؟ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلا خَطَأً﴾ إذا كانَ قَدِ اقْتَضى إباحَةَ قَتْلِ الخَطَإ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ شَرْطُ الإباحَةِ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أنَّهُ خَطَأٌ، وذَلِكَ مُحالٌ لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ؛ لِأنَّ الخَطَأ هو الَّذِي لا يَعْلَمُ القاتِلُ أنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ، والحالُ الَّتِي لا يَعْلَمُها لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِها حَظْرٌ ولا إباحَةٌ. وقالَ أصْحابُنا: القَتْلُ عَلى أنْحاءٍ أرْبَعَةٍ عَمْدٌ، وخَطَأٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وما لَيْسَ بِعَمْدٍ ولا خَطَأٍ ولا شِبْهِ عَمْدٍ. فالعَمْدُ ما تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلاحٍ مَعَ العِلْمِ بِحالِ المَقْصُودِ بِهِ. والخَطَأُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَقْصِدَ رَمْيَ (p-١٩٣)مُشْرِكٍ أوْ طائِرٍ فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، والثّانِي: أنْ يَظُنَّهُ مُشْرِكًا لِأنَّهُ في حَيِّزِ أهْلِ الشِّرْكِ أوْ عَلَيْهِ لِباسُهم؛ فالأوَّلُ خَطَأٌ في الفِعْلِ والثّانِي خَطَأٌ في القَصْدِ. وشِبْهُ العَمْدِ ما تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ سِلاحٍ مِن حَجَرٍ أوْ عَصًا؛ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأمّا ما لَيْسَ بِعَمْدٍ ولا شِبْهِ عَمْدٍ ولا خَطَأٍ، فَهو قَتْلُ السّاهِي والنّائِمِ؛ لِأنَّ العَمْدَ ما قُصِدَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، والخَطَأُ أيْضًا الفِعْلُ فِيهِ مَقْصُودٌ إلّا أنَّهُ يَقَعُ الخَطَأُ تارَةً في الفِعْلِ وتارَةً في القَصْدِ، وقَتْلُ السّاهِي غَيْرُ مَقْصُودٍ أصْلًا فَلَيْسَ هو في حَيِّزِ الخَطَإ ولا العَمْدِ، إلّا أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الخَطَإ في الدِّيَةِ والكَفّارَةِ قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ أُلْحِقَ بِحُكْمِ القَتْلِ ما لَيْسَ بِقَتْلٍ في الحَقِيقَةِ لا عَمْدًا ولا غَيْرَ عَمْدٍ، وذَلِكَ نَحْوُ حافِرِ البِئْرِ وواضِعِ الحَجَرِ في الطَّرِيقِ إذا عَطِبَ بِهِ إنْسانٌ؛ هَذا لَيْسَ بِقاتِلٍ في الحَقِيقَةِ؛ إذْ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ في قَتْلِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ مِنّا إمّا أنْ يَكُونَ مُباشَرَةً أوْ مُتَوَلِّدًا، ولَيْسَ مِن واضِعِ الحَجَرِ وحافِرِ البِئْرِ فِعْلٌ في العاثِرِ بِالحَجَرِ والواقِعِ في البِئْرِ لا مُباشَرَةً ولا تَوَلُّدًا، فَلَمْ يَكُنْ قاتِلًا في الحَقِيقَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ. وكانَ القِياسُ أنْ لا تَجِبَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، ولَكِنَّ الفُقَهاءَ مُتَّفِقُونَ عَلى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ مَن عَلَيْهِ الدِّيَةُ مِنَ القاتِلِ أوِ العاقِلَةِ وقَدْ ورَدَتْ آثارٌ مُتَواتِرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في إيجابِ دِيَةِ الخَطَإ عَلى العاقِلَةِ، واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلَيْهِ؛ مِنها ما رَوى الحَجّاجُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتابًا بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْ يَعْقِلُوا مَعاقِلَهم ويَفُكُّوا عانِيَهم بِالمَعْرُوفِ والإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ كَتَبَ عَلى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ أنَّهُ لا يَحِلُّ أنْ يَتَوَلّى مَوْلى رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ» ورَوى مُجالِدٌ عَنِ الشُّعَبِيِّ عَنْ جابِرٍ: «أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن هُذَيْلٍ قَتَلَتْ إحْداهُما الأُخْرى ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما زَوْجٌ ووَلَدٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ المَقْتُولَةِ عَلى عاقِلَةِ القاتِلَةِ وتَرَكَ زَوْجَها ووَلَدَها، فَقالَ عاقِلَةُ المَقْتُولَةِ: مِيراثُها لَنا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا، مِيراثُها لِزَوْجِها ووَلَدِها؛ قالَ: وكانَتْ حُبْلى، فَألْقَتْ جَنِينًا، فَخافَ عاقِلَةُ القاتِلَةِ أنْ يُضَمِّنَهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا شَرِبَ ولا أكَلَ ولا صاحَ ولا اسْتَهَلَّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا سَجْعُ الجاهِلِيَّةِ فَقَضى في الجَنِينِ غُرَّةً عَبْدًا أوْ أمَةً» . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَضى في الجَنِينِ عَبْدًا أوْ أمَةً، فَقالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ العَقْلُ: أنُودِي مَن لا شَرِبَ ولا أكَلَ ولا صاحَ ولا اسْتَهَلَّ فَمِثْلُ (p-١٩٤)ذَلِكَ يُطَلُّ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ هَذا لَقَوْلُ الشّاعِرِ، فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أوْ أمَةٌ» . ورَوى عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ عَنْ مُجالِدٍ عَنِ الشُّعَبِيِّ عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «جَعَلَ في الجَنِينِ غُرَّةً عَلى عاقِلَةِ القاتِلِ» . ورَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «جَعَلَ العَقْلَ عَلى العَصَبَةِ» . وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: " اخْتَصَمَ عَلِيٌّ والزُّبَيْرُ في ولاءِ مَوالِي صَفِيَّةَ إلى عُمَرَ، فَقَضى بِالمِيراثِ لَلزُّبَيْرِ والعَقْلِ عَلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ في قَوْمٍ أجْلَوْا عَنْ قَتِيلٍ أنَّ الدِّيَةَ عَلى بَيْتِ المالِ، وعَنْ عُمَرَ في قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ وداعَةَ وحَيٍّ آخَرَ أنَّهُ قَضى بِالدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ فَقَدْ تَواتَرَتِ الآثارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في إيجابِ دِيَةِ الخَطَإ عَلى العاقِلَةِ واتَّفَقَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أبِيهِ ولا بِجَرِيرَةِ أخِيهِ»، وقالَ لِأبِي رَمَثَةَ وابْنِهِ: إنَّهُ «لا يَجْنِي عَلَيْكَ ولا تَجْنِي عَلَيْهِ»، والعُقُولُ أيْضًا تَمْنَعُ أخْذَ الإنْسانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ. قِيلَ لَهُ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَفْيِ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما نَفَتْ أنْ يُؤْخَذَ الإنْسانُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولَيْسَ في إيجابِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ أخْذُهم بِذَنْبِ الجانِي، إنَّما الدِّيَةُ عِنْدَنا عَلى القاتِلِ وأمْرُ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالدُّخُولِ مَعَهُ في تَحَمُّلِها عَلى وجْهِ المُواساةِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَلْزَمَهم ذَنْبُ جِنايَتِهِ، وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ في أمْوالِ الأغْنِياءِ حُقُوقًا لِلْفُقَراءِ مِن غَيْرِ إلْزامِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يُذْنِبُوهُ بَلْ عَلى وجْهِ المُواساةِ، وأمَرَ بِصِلَةِ الأرْحامِ بِكُلِّ وجْهٍ أمْكَنَ ذَلِكَ، وأمَرَ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ؛ وهَذِهِ كُلُّها أُمُورٌ مَندُوبٌ إلَيْها لِلْمُواساةِ وصَلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ أُمِرَتِ العاقِلَةُ بِتَحَمُّلِ الدِّيَةِ عَنْ قاتِلِ الخَطَإ عَلى جِهَةِ المُواساةِ مِن غَيْرِ إجْحافٍ بِهِمْ وبِهِ، وإنَّما يَلْزَمُ كُلُّ رِجْلٍ مِنهم ثَلاثَةَ دَراهِمَ أوْ أرْبَعَةَ دَراهِمَ ويُجْعَلُ ذَلِكَ في أُعْطِيّاتِهِمْ إذا كانُوا مِن أهْلِ الدِّيوانِ ومُؤَجَّلَةً ثَلاثَ سِنِينَ؛ فَهَذا مِمّا نُدِبُوا إلَيْهِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ. وقَدْ كانَ تَحَمُّلُ الدِّياتِ مَشْهُورًا في العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ مِن جَمِيلِ أفْعالِهِمْ ومَكارِمِ أخْلاقِهِمْ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، فَهَذا فِعْلٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ مَقْبُولٌ في الأخْلاقِ والعاداتِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أبِيهِ ولا بِجَرِيرَةِ أخِيهِ» «ولا يَجْنِي عَلَيْكَ ولا تَجْنِي عَلَيْهِ» . لا يَنْفِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ عَلى هَذا النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَعْنى الآيَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُلامَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ أوْ يُطالَبَ بِذَنْبِ سِواهُ. ولِوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ وُجُوهٌ سائِغَةٌ (p-١٩٥)مُسْتَحْسَنَةٌ في العُقُولِ: أحَدُها: أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهَ بَدِيًّا بِإيجابِ المالِ عَلَيْهِمْ لِهَذا الرَّجُلِ مِن غَيْرِ قَتْلٍ كانَ مِنهُ، كَما أوْجَبَ الصَّدَقاتِ في مالِ الأغْنِياءِ لِلْفُقَراءِ. والثّانِي: أنَّ مَوْضُوعَ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ إنَّما هو عَلى النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، ولِذَلِكَ أوْجَبَها أصْحابُنا عَلى أهْلِ دِيوانِهِ دُونَ أقْرِبائِهِ لِأنَّهم أهْلُ نُصْرَتِهِ ألا تَرى أنَّهم يَتَناصَرُونَ عَلى القِتالِ والحِمايَةِ والذَّبِّ عَنِ الحَرِيمِ ؟ فَلَمّا كانُوا مُتَناصِرِينَ في القِتالِ والحِمايَةِ أُمِرُوا بِالتَّناصُرِ والتَّعاوُنِ عَلى تَحَمُّلِ الدِّيَةِ لِيَتَساوَوْا في حَمْلِها كَما تَساوَوْا في حِمايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عِنْدَ القِتالِ. والثّالِثُ: أنَّ في إيجابِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ زَوالَ الضَّغِينَةِ والعَداوَةِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إذا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وهو داعٍ إلى الأُلْفَةِ وصَلاحِ ذاتِ البَيْنِ ألا تَرى أنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ كانَتْ بَيْنَهُما عَداوَةٌ فَتَحَمَّلَ أحَدُهُما عَنْ صاحِبِهِ ما قَدْ لَحِقَهُ لَأدّى ذَلِكَ إلى زَوالِ العَداوَةِ وإلى الأُلْفَةِ وصَلاحِ ذاتِ البَيْنِ ؟ كَما لَوْ قَصَدَهُ إنْسانٌ بِضَرَرٍ فَعاوَنَهُ وحَماهُ عَنْهُ انْسَلَّتْ سَخِيمَةُ قَلْبِهِ وعادَ إلى سَلامَةِ الصَّدْرِ والمُوالاةِ والنُّصْرَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُ إذا تَحَمَّلَ عَنْهُ جِنايَتَهُ حَمَلَ عَنْهُ القاتِلُ إذا جَنى أيْضًا، فَلَمْ يَذْهَبْ حَمْلُهُ لِلْجِنايَةِ عَنْهُ ضَياعًا بَلْ كانَ لَهُ أثَرٌ مَحْمُودٌ يُسْتَحَقُّ مِثْلُهُ عَلَيْهِ إذا وقَعَتْ مِنهُ جِنايَةٌ. فَهَذِهِ وُجُوهٌ كُلُّها مُسْتَحْسَنَةٌ في العُقُولِ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ، وإنَّما يُؤْتى المُلْحِدُ المُتَعَلِّقُ بِمِثْلِهِ مِن ضِيقِ عَقْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ وإعْراضِهِ عَنِ النَّظَرِ والفِكْرِ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى حُسْنِ هِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في وُجُوبِ دِيَةِ الخَطَإ في ثَلاثِ سِنِينَ، قالَ أصْحابُنا: " كُلُّ دِيَةٍ وجَبَتْ مِن غَيْرِ صُلْحٍ فَهي في ثَلاثِ سِنِينَ " . ورَوى أشْعَثُ عَنِ الشُّعَبِيِّ والحَكَمُ عَنْ إبْراهِيمَ قالا: " أوَّلُ مَن فَرَضَ العَطاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وفَرَضَ فِيهِ الدِّيَةَ كامِلَةً في ثَلاثِ سِنِينَ وثُلُثَيِ الدِّيَةِ في سَنَتَيْنِ والنِّصْفَ في سَنَتَيْنِ وما دُونَ ذَلِكَ في عامِهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: اسْتَفاضَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ولَمْ يُخالِفْهُ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلَيْهِ فَصارَ إجْماعًا لا يَسَعُ خِلافُهُ. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في العاقِلَةِ مَن هم، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسائِرُ أصْحابِنا: " الدِّيَةُ في قَتْلِ الخَطَإ عَلى العاقِلَةِ في ثَلاثِ سِنِينَ مِن يَوْمِ يُقْضى بِها، والعاقِلَةُ هم أهْلُ دِيوانِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ الدِّيوانِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن أُعْطِيّاتِهِمْ حَتّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنهم مِنَ الدِّيَةِ كُلِّها ثَلاثَةَ دَراهِمَ أوْ أرْبَعَةَ دَراهِمَ، فَإنْ أصابَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهِمْ أقْرَبُ القَبائِلِ في النَّسَبِ مِن أهْلِ الدِّيوانِ، وإنْ كانَ القاتِلُ لَيْسَ مِن أهْلِ الدِّيوانِ فُرِضَتِ الدِّيَةُ عَلى عاقِلَتِهِ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ في ثَلاثِ سِنِينَ مِن يَوْمِ يَقْضِي بِها القاضِي، فَيُؤْخَذُ في كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ ويَضُمُّ إلَيْهِمْ (p-١٩٦)أقْرَبَ القَبائِلِ مِنهم في النَّسَبِ حَتّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنهم مِنَ الدِّيَةِ ثَلاثَةَ دَراهِمَ أوْ أرْبَعَةً " . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: " ويَعْقِلُ عَنِ الحَلِيفِ حُلَفاؤُهُ ولا يَعْقِلُ عَنْهُ قَوْمُهُ " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " لَيْسَ أهْلُ الدِّيوانِ أوْلى بِها مِن سائِرِ العاقِلَةِ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " الدِّيَةُ عَلى القَبائِلِ عَلى الغَنِيِّ عَلى قَدْرِهِ ومَن دُونَهُ عَلى قَدْرِهِ حَتّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنها مِائَةَ دِرْهَمٍ ونِصْفًا " وحُكِيَ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِن أُعْطِيّاتِهِمْ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: " تُجْعَلُ الدِّيَةُ ثُلُثًا في العامِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ الرَّجُلُ ولَكِنْ تَكُونُ عِنْدَ الأعْطِيَةِ عَلى الرِّجالِ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " العَقْلُ عَلى رُءُوسِ الرِّجالِ في أعْطِيَةِ المُقاتِلَةِ " وقالَ اللَّيْثُ: " العَقْلُ عَلى القاتِلِ وعَلى القَوْمِ الَّذِينَ يَأْخُذُ مَعَهُمُ العَطاءَ ولا يَكُونُ عَلى قَوْمِهِ مِنهُ شَيْءٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يَحْمِلُ العَقْلَ ضَمَّ إلى ذَلِكَ أقْرَبَ القَبائِلِ إلَيْهِمْ " . ورَوى المُزَنِيُّ في مُخْتَصَرِهِ عَنِ الشّافِعِيِّ: " أنَّ العَقْلَ عَلى ذَوِي الأنْسابِ دُونَ أهْلِ الدِّيوانِ والحُلَفاءِ عَلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن بَنِي أبِيهِ ثُمَّ مِن بَنِي جَدِّهِ ثُمَّ مِن بَنِي جَدِّ أبِيهِ، فَإنْ عَجَزُوا عَنِ البَعْضِ حَمَلَ المَوالِي المُعْتَقُونَ الباقِيَ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ بَعْضٍ ولَهم عَواقِلُ عَقَلَتْهم عَواقِلُهم، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم ذُو نَسَبٍ ولا مَوْلًى مِن أعْلى حَمَلَ عَلى المَوالِي مِن أسْفَلَ، ويَحْمِلُ مَن كَثُرَ مالُهُ نِصْفَ دِينارٍ ومَن كانَ دُونَهُ رُبْعَ دِينارٍ ولا يُزادُ عَلى هَذا ولا يُنْقَصُ مِنهُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: حَدِيثُ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ عَلى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ وقالَ: لا يَتَوَلّى مَوْلى قَوْمٍ إلّا بِإذْنِهِمْ» يَدُلُّ عَلى سُقُوطُ اعْتِبارِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وأنَّ القَرِيبَ والبَعِيدَ مِنَ الجانِي سَواءٌ في ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ لِسَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمٍ حِينَ قَتَلَ مُسْلِمًا وهو يَظُنُّهُ كافِرًا: " إنَّ عَلَيْكَ وعَلى قَوْمِكَ الدِّيَةَ " ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ مِنهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَساوِي القَرِيبِ والبَعِيدِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهم فِيما يَلْزَمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ يَدْخُلُ في العَقْلِ مَعَ العاقِلَةِ لِأنَّهُ قالَ: «عَلَيْكَ وعَلى قَوْمِكَ الدِّيَةُ» . وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَعاقَلُونَ بِالنُّصْرَةِ، ثُمَّ جاءَ الإسْلامُ فَجَرى الأمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ جَعَلَ عُمَرُ الدَّواوِينَ فَجَمَعَ بِها النّاسَ وجَعَلَ أهْلَ كُلِّ رايَةٍ وجُنْدٍ يَدًا واحِدَةً وجَعَلَ عَلَيْهِمْ قِتالَ مَن يَلِيهِمْ مِنَ الأعْداءِ، فَصارُوا يَتَناصَرُونَ بِالرّاياتِ والدَّواوِينِ وعَلَيْها يَتَعاقَلُونَ، وإذا لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الدِّيوانِ فَعَلى القَبائِلِ لِأنَّ التَّناصُرَ في هَذِهِ الحالِ بِالقَبائِلِ؛ فالمَعْنى الَّذِي تَعاقَلُوا بِهِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ مَعْنًى واحِدٌ وهو النُّصْرَةُ، فَإذا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ النُّصْرَةُ بِالرّاياتِ والدَّواوِينِ تَعاقَلُوا بِها لِأنَّهم في هَذِهِ الحالِ أخَصُّ بِالنُّصْرَةِ مِنَ القَبِيلَةِ، فَإذا فُقِدَتِ الرّاياتُ تَناصَرُوا (p-١٩٧)بِالقَبائِلِ وبِها يَتَعاقَلُونَ أيْضًا. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العَقْلَ تابِعٌ لِلنُّصْرَةِ أنَّ النِّساءَ لا يَدْخُلْنَ في العَقْلِ لِعَدَمِ النُّصْرَةِ فِيهِنَّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ اعْتِبارِ النُّصْرَةِ في العَقْلِ. وأمّا العَقْلُ بِالحِلْفِ فَإنَّ سَعْدَ بْنَ إبْراهِيمَ رَوى عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ وأيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ حِلْفَ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ كانَ الحِلْفُ عِنْدَهم كالقَرابَةِ في النُّصْرَةِ والعَقْلِ، ثُمَّ أكَّدَهُ الإسْلامُ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَوْلى القَوْمِ مِن أنْفُسِهِمْ وحَلِيفُهم مِنهم» . «وقَدْ كانَتْ ظَهَرَتْ خَيْلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَرَبَطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سِوارِي المَسْجِدِ، فَقالَ: عَلامَ أُحْبَسُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: بِجَرِيرَةِ حُلَفائِكَ» . فَإنْ قِيلَ فَقَدْ نَفى النَّبِيُّ ﷺ حِلْفَ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ» . قِيلَ لَهُ: مَعْناهُ نَفْيُ التَّوارُثِ بِهِ مَعَ ذَوِي الأرْحامِ لِأنَّهم كانُوا يُورِثُونَ الحَلِيفَ دُونَ ذَوِي الأرْحامِ، فَأمّا حُكْمُ الحِلْفِ في العَقْلِ والنُّصْرَةِ فَباقٍ ثابِتٌ؛ وكَذَلِكَ الوَلاءُ ثابِتٌ يُعْقَلُ بِهِ، لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ. وإنَّما ألْزَمَ أصْحابُنا كُلَّ واحِدٍ ثَلاثَةَ دَراهِمَ أوْ أرْبَعَةَ دَراهِمَ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى لُزُومِهِ هَذا القَدْرَ، وما زادَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْزَمْ. ويَدْخُلُ القاتِلُ مَعَهم في العَقْلِ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا ومالِكٍ وابْنِ شُبْرُمَةَ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والأوْزاعِيُّ: " لا يَدْخُلُ فِيهِ " . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: " أنَّهُ يَعْقِلُ مَعَهم " وما رُوِيَ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ خِلافُهُ. ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَلْزَمُ القاتِلَ والعاقِلَةُ تَعْقِلُ عَنْهُ عَلى جِهَةِ المُواساةِ والنُّصْرَةِ، فَواجِبٌ أنْ لا يَلْزَمَ العاقِلَةَ إلّا المُتَيَقِّنُ؛ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ما عَدا حِصَّةَ الواحِدِ مِنهم لازِمٌ لِلْعاقِلَةِ واخْتَلَفُوا في المِقْدارِ الَّذِي هو نَصِيبُ أحَدِهِمْ هَلْ تَحْمِلُهُ العاقِلَةُ، فَواجِبٌ أنْ لا يَكُونَ لازِمًا لِعَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى لُزُومِهِ العاقِلَةَ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ العاقِلَةَ إنَّما تَعْقِلُ عَنْهُ، فَعَقْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ أوْلى، فَيَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ مَعَهم. وأيْضًا لَوْ كانَ غَيْرُهُ هو الجانِيَ لَدَخَلَ مَعَ سائِرِ العاقِلَةِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهم، فَإذا كانَ هو الجانِيَ فَهو أوْلى بِالدُّخُولِ مَعَهم لِلتَّخْفِيفِ عَنْهم لِأنَّهم مُتَساوُونَ في التَّناصُرِ والمُواساةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزَفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " يُجْزِي في كَفّارَةِ القَتْلِ الصَّبِيُّ إذا كانَ أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمًا " وهو قَوْلُ عَطاءٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ والشُّعَبِيِّ: " لا يُجْزِي إلّا مَن صامَ وصَلّى " . ولَمْ يَخْتَلِفُوا في جَوازِهِ في رَقَبَةِ (p-١٩٨)الظِّهارِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهَذِهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ» فَأثْبَتَ لَهُ حُكْمَ الفِطْرَةِ عِنْدَ الوِلادَةِ، فَوَجَبَ جَوازُهُ بِإطْلاقِ اللَّفْظِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ مُنْتَظِمٌ لِلصَّبِيِّ كَما يَتَناوَلُ الكَبِيرَ، فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولَمْ يَشْرِطِ اللَّهُ عَلَيْها الصِّيامَ والصَّلاةَ فَلا تَجُوزُ الزِّيادَةُ فِيهِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ في النَّصِّ مُوجِبُ النَّسْخِ؛ ولَوْ أنَّ عَبْدًا أسْلَمَ فَأعْتَقَهُ مَوْلاهُ عَنْ كَفّارَتِهِ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِ الصَّلاةِ والصِّيامِ كانَ مُجْزِيًا عَنِ الكَفّارَةِ لِحُصُولِ اسْمِ الإيمانِ، فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذا كانَ داخِلًا في إطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ. فَإنْ قِيلَ: العَبْدُ المُعْتَقُ بَعْدَ إسْلامِهِ لا يُجْزِي إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صامَ وصَلّى. قِيلَ لَهُ: لا يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ في إطْلاقِ اسْمِ الإيمانِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أسْلَمَ قَبْلَ حُضُورِ وقْتِ الصَّلاةِ أوِ الصَّوْمِ، فَمِن أيْنَ شَرَطْتَ مَعَ الإيمانِ فِعْلَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ واَللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشْرِطْهُما ؟ ولِمَ زِدْتَ في الآيَةِ ما لَيْسَ فِيها وحَظَرْتَ ما أباحَتْهُ مِن غَيْرِ نَصٍّ يُوجِبُ ذَلِكَ وفِيهِ إيجابُ نَسْخِ القُرْآنِ ؟ وأيْضًا لَمّا كانَ حُكْمُ الصَّبِيِّ حُكْمَ الرَّجُلِ في بابِ التَّوارُثِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ ووُجُوبِ الدِّيَةِ عَلى قاتِلِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ في جَوازِهِ عَنِ الكَفّارَةِ، إذْ كانَتْ رَقَبَةً تامَّةً لَها حُكْمُ الإيمانِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ رَقَبَةٍ بالِغَةٍ مُعْتَقِدَةٍ لِلْإيمانِ لا مَن لَها حُكْمُ الإيمانِ مِن غَيْرِ اعْتِقادٍ، ولا خِلافَ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها مُرادَةً بِالآيَةِ؛ فَلا يَدْخُلُ فِيها مَن لا تَلْحَقُهُ هَذِهِ السِّمَةُ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ وهو الطِّفْلُ الَّذِي لا اعْتِقادَ لَهُ. قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ أنَّ غَيْرَ البالِغِ جائِزٌ في كَفّارَةِ الخَطَإ إذا كانَ قَدْ صامَ وصَلّى، ولَمْ يَشْرِطْ أحَدٌ وُجُودَ الإيمانِ مِنهُ حَقِيقَةً ألا تَرى أنَّ مَن لَهُ سَبْعُ سِنِينَ مَأْمُورٌ بِالصَّلاةِ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ ولَيْسَ لَهُ اعْتِقادٌ صَحِيحٌ لِلْإيمانِ ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ سُقُوطُ اعْتِبارِ وُجُودِ حَقِيقَةِ الإيمانِ لِلرَّقَبَةِ؛ ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ بِاتِّفاقِ السَّلَفِ عَلِمْنا أنَّ الِاعْتِبارَ فِيهِ بِمَن لَحِقَتْهُ سِمَةُ الإيمانِ عَلى أيِّ وجْهٍ سُمِّيَ، والصَّبِيُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إذا كانَ أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمًا، فَوَجَبَ جَوازُهُ عَنِ الكَفّارَةِ. تَصِحُّ البَراءَةُ ما لَمْ يَرُدَّها المُبَرَّأُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ إلّا أنْ يُبَرِّئَ أوْلِياءُ القَتِيلِ مِنَ الدِّيَةِ؛ فَسُمِّيَ الإبْراءُ مِنها صَدَقَةً. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى آخَرَ دَيْنٌ فَقالَ: " قَدْ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيْكَ " أنَّ ذَلِكَ بَراءَةٌ صَحِيحَةٌ وأنَّهُ لا يُحْتاجُ في صِحَّةِ هَذِهِ البَراءَةِ إلى (p-١٩٩)قَبُولِ المُبَرَّأِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ البَراءَةَ واقِعَةٌ ما لَمْ يَرُدَّها المُبَرَّأُ مِنهُ. وقالَ زَفَرُ: " لا يُبْرِئُ الغَرِيمُ مِنَ الدَّيْنِ إلّا أنْ يَقْبَلَ البَراءَةَ وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ " وجَعْلَهُ بِمَنزِلَةِ هِبَةِ الأعْيانِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا لِأنَّهُ لَمْ يَشْرِطِ القَبُولَ ولِأنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ فَيَصِحُّ إسْقاطُهُ كالعَفْوِ عَنْ دَمِ العَمْدِ والعِتْقِ ولا يَحْتاجُ إلى قَبُولٍ وقالَ أصْحابُنا: " إذا رَدَّ المُبَرَّأُ مِنهُ البَراءَةَ مِنَ الدَّيْنِ عادَ الدَّيْنُ " وقالَ غَيْرُهم: " لا يَعُودُ " وجَعَلُوهُ كالعِتْقِ والعَفْوِ عَنْ دَمِ العَمْدِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أنَّ البَراءَةَ مِنَ الدَّيْنِ يَلْحَقُها الفَسْخُ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ صالَحَهُ عَلى ثَوْبٍ بَرِئَ فَإنْ هَلَكَ الثَّوْبُ قَبْلَ القَبْضِ بَطَلَتِ البَراءَةُ وعادَ الدَّيْنُ ؟ والعِتْقُ والعَفْوُ عَنِ الدَّمِ لا يَنْفَسِخانِ بِحالٍ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى وُقُوعِ البَراءَةِ مِنَ الدَّيْنِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ أنَّ الصَّدَقَةَ مِن ألْفاظِ التَّمْلِيكِ، وقَدْ حُكِمَ بِصِحَّةِ البَراءَةِ بِها، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الأعْيانِ إذا مَلَكَها غَيْرُهُ بِلَفْظِ الإبْراءِ، فَلا يَمْلِكُ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: " قَدْ أبْرَأْتُكَ مِن هَذا العَبْدِ " فَلا يَمْلِكُهُ وإنْ قَبِلَ البَراءَةَ، وإذا قالَ: " قَدْ تَصَدَّقْتُ بِما لِي عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ، أوْ قَدْ وهَبْتُ لَكَ ما لِي عَلَيْكَ " صَحَّتِ البَراءَةُ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن لَهُ عَلى غَيْرِهِ دَيْنٌ وهو غَنِيٌّ فَقالَ: " قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْكَ " بَرِئَ مِنهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ في ذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأهْلَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأوْلِياءِ والوَرَثَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مَعْناهُ: إلى ورَثَتِهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فِيمَن أوْصى لِأهْلِ فُلانٍ: " إنَّ القِياسَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِزَوْجاتِهِ، إلّا أنِّي قَدْ تَرَكْتُ القِياسَ وجَعَلْتُهُ لِكُلِّ مَن كانَ في عِيالِهِ " قالَ أبُو بَكْرٍ: الأهْلُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الزَّوْجَةِ وعَلى جَمِيعِ مَن يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَنزِلُهُ وعَلى أتْباعِ الرَّجُلِ وأشْياعِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] فَكانَ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ مَنزِلِهِ مِن أوْلادِهِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ويَقَعُ عَلى مَنِ اتَّبَعَهُ في دِينِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] فَسَمّى أتْباعَهُ في دِينِهِ أهْلَهُ؛ وقالَ في ابْنِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] فاسْمُ الأهْلِ يَقَعُ عَلى مَعانِيَ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الأهْلِ ويُرادُ بِهِ الآلُ وهو قَراباتُهُ مِن قِبَلِ الأبِ، كَما يُقالُ آلُ النَّبِيِّ وأهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ " وهُما سَواءٌ * * مَطْلَبٌ: في دِيَةِ المَقْتُولِ في الحَرَمِ والشَّهْرِ الحَرامِ. (p-٢١٠)واخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في المَقْتُولِ في الحَرَمِ والشَّهْرِ الحَرامِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ: " القَتْلُ في الحَرَمِ والشَّهْرِ الحَرامِ كَهو في غَيْرِهِ فِيما يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ والقَوَدِ " . وسُئِلَ الأوْزاعِيُّ عَنِ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ والحَرَمِ هَلْ تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِيهِ ؟ قالَ: " بَلَغَنا أنَّهُ إذا قُتِلَ في الحَرَمِ أوِ الشَّهْرِ الحَرامِ زِيدَ عَلى العَقْلِ ثُلُثَهُ ويُزادُ في شِبْهِ العَمْدِ في أسْنانِ الإبِلِ " . وذَكَرَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ في مُخْتَصَرِهِ، وذَكَرَ تَغْلِيظَ الدِّيَةِ في شِبْهِ العَمْدِ وقالَ: " الدِّيَةُ في هَذا عَلى العاقِلَةِ، وكَذَلِكَ الجِراحُ، وكَذَلِكَ التَّغْلِيظُ في النَّفْسِ والجِراحُ في الشَّهْرِ الحَرامِ والبَلَدِ الحَرامِ وذَوِي الرَّحِمِ " ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ قَضى في دِيَةِ امْرَأةٍ قُتِلَتْ بِمَكَّةَ بِدِيَةٍ وثُلُثٍ ورَوى إبْراهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ أنَّ رَجُلًا أُصِيبَ عِنْدَ البَيْتِ، فَسَألَ عُمَرُ عَلِيًّا، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: " دِيَتُهُ مِن بَيْتِ المالِ " فَلَمْ يَرَ فِيهِ عَلِيٌّ أكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ، ولَمْ يُخالِفْهُ عُمَرُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ وهو عامٌّ في الحِلِّ والحَرَمِ، ولَمّا كانَتِ الكَفّارَةُ في الحَرَمِ كَهي في الحِلِّ لا فَرْقَ بَيْنَهُما وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى، وجَبَ أنْ تَكُونَ الدِّيَةُ كَذَلِكَ؛ إذِ الدِّيَةُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ولا تَعَلُّقَ لَها بِالحَرَمِ ولا بِالشَّهْرِ الحَرامِ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ والشَّهْرِ الحَرامِ إنَّما هي حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، فَلَوْ كانَ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ والأشْهُرِ تَأْثِيرٌ في إلْزامِ الغُرْمِ لَكانَ تَأْثِيرُهُ في الكَفّارَةِ الَّتِي هي حَقُّ اللَّهِ تَعالى أوْلى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا إنَّ قَتِيلَ خَطَإ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ التّابِعُونَ في ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وخارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ: " الدِّيَةُ في الحَرَمِ كَهي في غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ الشَّهْرُ الحَرامُ " . ورُوِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وسالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: " أنَّ مَن قُتِلَ في الحَرَمِ زِيدَ عَلى دِيَتِهِ مِثْلُ ثُلُثِها " واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الدِّيَةِ مِن غَيْرِ الإبِلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: " الدِّيَةُ مِنَ الإبِلِ والدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، فَمِنَ الدَّراهِمِ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ ومِنَ الدَّنانِيرِ ألْفُ دِينارٍ " . وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى الدِّيَةَ إلّا مِنَ الإبِلِ والوَرِقِ والذَّهَبِ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " مِنَ الوَرِقِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا ومِنَ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ " . وقالَ مالِكٌ: " أهْلُ الذَّهَبِ أهْلُ الشّامِ ومِصْرَ، وأهْلُ الوَرِقِ أهْلُ العِراقِ، وأهْلُ الإبِلِ أهْلُ البَوادِي " . وقالَ مالِكٌ: " ولا يُقْبَلُ مِن أهْلِ الإبِلِ إلّا الإبِلُ ومِن أهْلِ الذَّهَبِ إلّا الذَّهَبُ ومِن أهْلِ الوَرِقِ إلّا الوَرِقُ " . وقالَ (p-٢١١)أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " الدِّيَةُ مِنَ الوَرِقِ عَشَرَةُ آلافٍ وعَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ وعَلى أهْلِ الإبِلِ مِائَةُ بَعِيرٍ وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتا بَقَرَةٍ وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفا شاةٍ وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتا حُلَّةٍ يَمانِيَّةٍ، ولا يُؤْخَذُ مِنَ الغَنَمِ والبَقَرِ في الدِّيَةِ إلّا الثَّنِيُّ فَصاعِدًا، ولا تُؤْخَذُ مِنَ الحُلَلِ إلّا اليَمانِيَّةُ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَصاعِدًا " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى عَنِ الشُّعَبِيِّ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيِّ عَنْ عُمَرَ: " أنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ وعَلى أهْلِ الوَرِقِ عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ شاةٍ وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ وعَلى أهْلِ الإبِلِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الدِّيَةُ قِيمَةُ النَّفْسِ، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ لَها مِقْدارًا مَعْلُومًا لا يُزادُ عَلَيْهِ ولا يُنْقَصُ مِنهُ، وأنَّها غَيْرُ مَوْكُولَةٍ إلى اجْتِهادِ الرَّأْيِ كَقِيَمِ المُتْلَفاتِ ومُهُورِ المِثْلِ ونَحْوِهِما؛ وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى إثْباتِ عَشَرَةِ آلافٍ واخْتَلَفُوا فِيما زادَ، فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ إلّا بِتَوْقِيفٍ. وقَدْ رَوى هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَوَّمَ الإبِلَ في الدِّيَةِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، قَوَّمَ كُلَّ بَعِيرٍ بِمِائَةٍ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ في الدِّيَةِ عَشْرَةُ آلافٍ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَن رَوى اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا عَلى أنَّها وزْنُ سِتَّةٍ فَتَكُونُ عَشَرَةَ آلافٍ وزْنِ سَبْعَةٍ. وذَكَرَ الحَسَنُ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ مِنَ الوَرِقِ قِيمَةَ الإبِلِ لا أنَّهُ أصْلٌ في الدِّيَةِ، وفي غَيْرِ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ مِنَ الوَرِقِ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في الدِّيَةِ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الدِّيَةُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا» وبِما رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ عُمَرَ قَضى في الدِّيَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، ورَوى نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، والشُّعَبِيُّ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ. قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ فَإنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ؛ ويُقالُ إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ غَلِطَ في وصْلِهِ وعَلى أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ جَمِيعُ ذَلِكَ احْتَمَلَ أنْ يُرِيدَ بِها اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ وزْنُ سِتَّةٍ، وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إثْباتُ الزِّيادَةِ بِالِاحْتِمالِ ويَثْبُتُ عَشَرَةُ آلافٍ بِالِاتِّفاقِ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّها مِنَ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ، وقَدْ جَعَلَ في الشَّرْعِ كُلَّ عَشَرَةِ دَراهِمَ قِيمَةً لِدِينارٍ، ألا تَرى أنَّ الزَّكاةَ في عِشْرِينَ مِثْقالًا وفي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَجُعِلَتْ مِائَتا الدِّرْهَمِ نِصابًا بِإزاءِ العِشْرِينَ دِينارًا ؟ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ بِإزاءِ كُلِّ دِينارٍ مِنَ الدِّيَةِ عَشَرَةَ دَراهِمَ وإنَّما لَمْ يَجْعَلْ أبُو حَنِيفَةَ الدِّيَةَ مِن غَيْرِ الأصْنافِ (p-٢١٢)الثَّلاثَةِ مِن قِبَلِ أنَّ الدِّيَةَ لَمّا كانَتْ قِيمَةَ النَّفْسِ كانَ القِياسُ أنْ لا تَكُونَ إلّا مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ كَقِيَمِ سائِرِ المُتْلَفاتِ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ قِيمَتَها مِنَ الإبِلِ اتَّبَعَ الأثَرَ فِيها ولَمْ يُوجِبْها مِن غَيْرِها؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ دِياتِ أهْلِ الكُفْرِ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ دِيَةُ الكافِرِ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ والمَجُوسِيِّ والمُعاهَدِ والذِّمِّيِّ سَواءٌ " . وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ دِيَةُ أهْلِ الكِتابِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ودِياتُ نِسائِهِمْ عَلى النِّصْفِ مِن ذَلِكَ " . وقالَ الشّافِعِيُّ دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ ثُلُثُ الدِّيَةِ ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثَمانِمِائَةٍ والمَرْأةُ عَلى النِّصْفِ " قالَ أبُو بَكْرٍ: الدَّلِيلُ عَلى مُساواتِهِمُ المُسْلِمِينَ في الدِّياتِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ والدِّيَةُ اسْمٌ لَمِقْدارٍ مَعْلُومٍ مِنَ المالِ بَدَلًا مِن نَفْسِ الحُرِّ؛ لِأنَّ الدِّياتِ قَدْ كانَتْ مُتَعالِمَةً مَعْرُوفَةً بَيْنَهم قَبْلَ الإسْلامِ وبَعْدَهُ، فَرَجَعَ الكَلامُ إلَيْها في قَوْلِهِ في قَتْلِ المُؤْمِنِ خَطَأً ثُمَّ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ كانَتْ هَذِهِ الدِّيَةُ هي الدِّيَةَ المَذْكُورَةَ بَدِيًّا؛ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَما كانَتْ دِيَةً؛ لِأنَّ الدِّيَةَ اسْمٌ لِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ مِن بَدَلِ النَّفْسِ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ مَقادِيرَ الدِّياتِ ولَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ دِيَةِ المُسْلِمِ والكافِرِ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الدِّيَةُ المَذْكُورَةُ لِلْكافِرِ هي الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْمُسْلِمِ، وأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ راجِعًا إلَيْها، كَما عَقَلَ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ أنَّها المُعْتادُ المُتَعارَفُ عِنْدَهم، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِ، كَما أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ ولا يُخْرِجُها ذَلِكَ مِن أنْ تَكُونَ دِيَةً كامِلَةً لَها. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ الرَّجُلَ في الآيَةِ فَقالَ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ فَكَما اقْتَضى فِيما ذَكَرَهُ لِلْمُسْلِمِ كَمالَ الدِّيَةِ كَذَلِكَ دِيَةُ المُعاهَدِ لِتَساوِيهِما في اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ التَّعارُفِ عِنْدَهم في مِقْدارِ الدِّيَةِ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ لا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الدِّيَةِ (p-٢١٣)وإنَّما يَتَناوَلُها الِاسْمُ مُقَيَّدًا ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ دِيَةُ المَرْأةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وإطْلاقُ اسْمِ الدِّيَةِ إنَّما يَقَعُ عَلى المُتَعارَفِ المُعْتادِ وهو كَمالُها ؟ . فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ المُؤْمِنُ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ؛ فاكْتَفى بِذِكْرِ الإيمانِ لِلْقَتِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَنْ إعادَتِهِ في القَتِيلِ الثّالِثِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الخِطابِ ذِكْرُ القَتِيلِ المُؤْمِنِ خَطَأً وحُكْمُهُ، وذَلِكَ عُمُومٌ يَقْتَضِي سائِرَ المُؤْمِنِينَ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَغَيْرُ جائِزٍ إعادَةُ ذِكْرِ المُؤْمِنِ بِذَلِكَ الحُكْمِ في سِياقِ الآيَةِ مَعَ شُمُولِ أوَّلِ الآيَةِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ المُؤْمِنَ مِمَّنْ كانَ بَيْنَنا وبَيْنَهم مِيثاقٌ. والثّانِي: لَمّا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِذِكْرِ الإيمانِ وجَبَ إجْراؤُهُ في الجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ مِن قَوْمٍ بَيْنَنا وبَيْنَهم مِيثاقٌ، وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِالمُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ بِغَيْرِ دَلالَةٍ. والثّالِثُ: أنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِأنَّهُ مِنَ المُعاهَدِينَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُعاهَدًا مِثْلَهم، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ القائِلِ: " إنَّ هَذا الرَّجُلَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ " يُفِيدُ أنَّهُ ذِمِّيٌّ مِثْلُهم ؟ وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُعاهَدًا مِثْلَهم ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ بَيانَ حُكْمِ المُؤْمِنِ إذا كانَ مِن ذَوِي أنْسابِ المُشْرِكِينَ قالَ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَقَيَّدَهُ بِذِكْرِ الإيمانِ ؟ لِأنَّهُ لَوْ أطْلَقَهُ لَكانَ المَفْهُومُ مِنهُ أنَّهُ كافِرٌ مِثْلُهم. والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَما قالَ هَذا القائِلُ لَما كانَتِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلى أهْلِهِ؛ لِأنَّ أهْلَهُ كُفّارٌ لا يَرِثُونَهُ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَقْتَضِي المُساواةَ وفَسادَ هَذا التَّأْوِيلِ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا أيْضًا ما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] الآيَةَ، قالَ: " كانَ إذا قَتَلَ بَنُو النَّضِيرِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ قَتِيلًا أدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ، وإذا قَتَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِن بَنِي النَّضِيرِ أدَّوُا الدِّيَةَ إلَيْهِمْ، قالَ: فَسَوّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم في الدِّيَةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا قالَ: " أدُّوا الدِّيَةَ " ثُمَّ قالَ: " سَوّى بَيْنَهم في الدِّيَةِ " دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى الدِّيَةِ المَعْهُودَةِ المَبْدُوءِ بِذِكْرِها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَدَّ بَنِي النَّضِيرِ إلى نِصْفِها لَقالَ: سَوّى بَيْنَهم في نِصْفِ الدِّيَةِ، ولَمْ يَقُلْ: سَوّى بَيْنَهم في الدِّيَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» وهو عامٌّ في الكافِرِ والمُسْلِمِ. ورَوى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ ودى العامِرِيَّيْنِ وكانا مُشْرِكَيْنِ دِيَةَ الحُرَّيْنِ المُسْلِمَيْنِ» . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ قالَ: سَمِعْتُ نافِعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ «ودى ذِمِّيًّا دِيَةَ مُسْلِمٍ» . وهَذانِ الخَبَرانِ يُوجِبانِ (p-٢١٤)مُساواةَ الكافِرِ لِلْمُسْلِمِ في الدِّيَةِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وداهُما بِما في الآيَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ دِيَةُ المُسْلِمِ. وأيْضًا لَمّا لَمْ يَكُنْ مِقْدارُ الدِّيَةِ مُبَيَّنًا في الكِتابِ، كانَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وارِدًا مَوْرِدَ البَيانِ، وفِعْلُهُ ﷺ إذا ورَدَ مَوْرِدَ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ. ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنِ الهَيْثَمِ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ قالُوا «دِيَةُ المُعاهَدِ دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ» . ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: " كانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ يَجْعَلُونَ دِيَةَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ إذا كانُوا مُعاهَدَيْنِ مِثْلَ دِيَةِ المُسْلِمِ " . ورَوى سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ أنَّ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَكَمِ أخْبَرَهُ: أنَّ رِفاعَةَ بْنَ السَّمَوْألِ اليَهُودِيَّ قُتِلَ بِالشّامِّ، فَجَعَلَ عُمَرُ دِيَتَهُ ألْفَ دِينارٍ " . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ أبانَ بْنِ صالِحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ دِيَةُ أهْلِ الكِتابِ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِينَ " وهو قَوْلُ عَلْقَمَةَ وإبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ والشُّعَبِيِّ. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ: " أنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ كافِرًا مِن أهْلِ العَقْدِ، فَقَضى عَلَيْهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ بِدِيَةِ المُسْلِمِ " . فَهَذِهِ الأخْبارُ وما ذَكَرْنا مِن أقاوِيلِ السَّلَفِ مَعَ مُوافَقَتِها لِظاهِرِ الآيَةِ تُوجِبُ مُساواةَ الكافِرِ لِلْمُسْلِمِ في الدِّياتِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثَمانِمِائَةٍ " . قالَ سَعِيدٌ: " وقَضى عُثْمانُ في دِيَةِ المُعاهَدِ بِأرْبَعَةِ آلافٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنْهُما خِلافُ ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرْناهُ. واحْتَجَّ المُخالِفُ بِما رَواهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ قالَ في خُطْبَتِهِ: ودِيَةُ الكافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ» وبِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دِيَةُ المَجُوسِ ثَمانِمِائَةٍ» . قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلِمْنا حُضُورَ هَؤُلاءِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنا عَنْهم مِقْدارَ الدِّيَةِ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ ثابِتًا لَعَرَفَهُ هَؤُلاءِ ولَما عَدَلُوا عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. وأيْضًا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «دِيَةُ المُعاهَدِ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِ» وأنَّهُ ودى العامِرِيَّيْنِ دِيَةَ الحُرَّيْنِ المُسْلِمَيْنِ؛ وهَذا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ، ولَوْ تَعارَضَ الخَبَرانِ لَكانَ ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الكِتابِ وما ورَدَ بِهِ النَّقْلُ المُتَواتِرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في أنَّ الدِّيَةَ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ أوْلى فَوَجَبَ تَساوِيهِما في الدِّياتِ. وأمّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ في دِيَةِ المَجُوسِيِّ فَإنَّهُ حَدِيثٌ واهٍ لا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ ابْنَ (p-٢١٥)لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ لا سِيَّما مِن رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صالِحٍ عَنْهُ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ عَطْفًا عَلى ما ذُكِرَ في دِيَةِ المُسْلِمِ لا يَدُلُّ عَلى تَساوِي الدِّيَتَيْنِ، كَما لَوْ قالَ: مَن قَتَلَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ومَنِ اسْتَهْلَكَ ثَوْبًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، لَمْ يَدُلَّ عَلى تَساوِي القِيمَتَيْنِ. قِيلَ لَهُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الدِّيَةَ اسْمٌ لِمِقْدارٍ مِنَ المالِ بَدَلًا مِن نَفْسِ الحُرِّ كانَتْ مَعْلُومَةَ المِقْدارِ عِنْدَهم وهي مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَمَتى أُطْلِقَتْ كانَ مِن مَفْهُومِ اللَّفْظِ هَذا القَدْرُ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الدِّيَةِ قَدْ أنْبَأ عَنْ هَذا المَعْنى، وعَطْفُها عَلى الدِّيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعَ تَساوِي اللَّفْظِ فِيهِما بِأنَّها دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ أيْضًا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ. * * بابُ المُسْلِمِ يُقِيمُ في دارِ الحَرْبِ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ إلَيْنا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ رَوى إسْرائِيلُ عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ قالَ: " يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وقَوْمُهُ كُفّارًا فَلا دِيَةَ لَهُ ولَكِنْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى الَّذِي يُسْلِمُ في دارِ الحَرْبِ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ إلَيْنا؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ في المُؤْمِنِ في دارِ الإسْلامِ إذا قُتِلَ ولَهُ أقارِبُ كُفّارٌ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ عَلى قاتِلِهِ الدِّيَةَ لِبَيْتِ المالِ، وأنَّ كَوْنَ أقْرِبائِهِ كُفّارًا لا يُوجِبُ سُقُوطَ دِيَتِهِ لِأنَّهم بِمَنزِلَةِ الأمْواتِ حَيْثُ لا يَرِثُونَهُ. ورَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي يَحْيى عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: " كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَيُسْلِمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى قَوْمِهِ فَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُصِيبُهُ المُسْلِمُونَ خَطَأً في سَرِيَّةٍ أوْ غَزاةٍ، فَيَعْتِقُ الَّذِي يُصِيبُهُ رَقَبَةً " . قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا أسْلَمَ في دارِ الإسْلامِ لَمْ تَسْقُطْ دِيَتُهُ بِرُجُوعِهِ إلى دارِ الحَرْبِ كَسائِرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ مِنَ القَرابَةِ لا تَأْثِيرَ لَهُ في إسْقاطِ قِيمَةِ دَمِهِ، كَسائِرِ أهْلِ دارِ الإسْلامِ إذا دَخَلُوا دارَ الحَرْبِ بِأمانٍ، عَلى القاتِلِ الدِّيَةُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عِياضٍ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: " هو المُسْلِمُ يَكُونُ في المُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُهُ المُؤْمِنُ ولا يَدْرِي فَفِيهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ " . وهَذا عَلى أنْ يُقْتَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى دارِ الإسْلامِ. ورَوى مُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ قالَ: " هو المُؤْمِنُ يُقْتَلُ وقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وإنْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَهْدٌ أدّى دِيَتَهُ إلى قَرابَتِهِ الَّذِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَهْدٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا لا مَعْنى لَهُ، مِن قِبَلِ أنَّ أقْرِباءَهُ لا يَرِثُونَهُ لِأنَّهم كُفّارٌ (p-٢١٦)وهُوَ مُسْلِمٌ فَكَيْفَ يَأْخُذُونَ دِيَتَهُ وإنْ كانَ قَوْمُهُ أهْلَ حَرْبٍ وهو مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ فالدِّيَةُ واجِبَةٌ لِبَيْتِ المالِ كَمُسْلِمٍ قُتِلَ في دارِ الإسْلامِ ولا وارِثَ لَهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ فِيمَن قُتِلَ في دارِ الحَرْبِ وهو مُؤْمِنٌ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ ومُحَمَّدٌ في الحَرْبِيِّ يُسْلِمُ. فَيَقْتُلُهُ مُسْلِمٌ مُسْتَأْمَنٌ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ إلّا الكَفّارَةُ في الخَطَإ، وإنْ كانا مُسْتَأْمَنَيْنِ دَخَلا دارَ الحَرْبِ فَقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ في العَمْدِ والخَطَإ والكَفّارَةُ في الخَطَإ خاصَّةً، وإنْ كانا أسِيرَيْنِ فَلا شَيْءَ عَلى القاتِلِ إلّا الكَفّارَةُ في الخَطَإ، في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " عَلَيْهِ الدِّيَةُ في العَمْدِ والخَطَإ " . ورَوى بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في الحَرْبِيِّ يُسْلِمُ في دارِ الحَرْبِ فَيَقْتُلَهُ رِجْلٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلَيْنا أنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ اسْتِحْسانًا، ولَوْ وقَعَ في بِئْرٍ حَفَرَها أوْ وقَعَ عَلَيْهِ مِيزابٌ عَمِلَهُ لَمْ يَضْمَن شَيْئًا. وهَذا خِلافُ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ وخِلافُ القِياسِ أيْضًا. وقالَ مالِكٌ: وإذا أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ فَقُتِلَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلَيْنا فَعَلى قاتِلِهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ إنْ كانَ خَطَأً قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ إنَّما كانَ في صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُهاجِرْ لَمْ يُورَثْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَلَمْ يَكُنْ لِمَن لَمْ يُهاجِرْ ورَثَةٌ يَسْتَحِقُّونَ مِيراثَهُ، فَلَمْ تَجِبِ الدِّيَةُ؛ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " مَن أقامَ في أرْضِ العَدُوِّ وإنِ انْتَحَلَ الإسْلامَ وهو يَقْدِرُ عَلى التَّحَوُّلِ إلى المُسْلِمِينَ فَأحْكامُهُ أحْكامُ المُشْرِكِينَ، وإذا أسْلَمَ الحَرْبِيُّ فَأقامَ بِبِلادِهِمْ وهو يَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ يُحْكَمُ فِيهِ بِما يُحْكَمُ عَلى أهْلِ الحَرْبِ في مالِهِ ونَفْسِهِ " . وقالَ الحَسَنُ: " إذا لَحِقَ الرَّجُلُ بِدارِ الحَرْبِ ولَمْ يَرْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ فَهو مُرْتَدٌّ بِتَرْكِهِ دارَ الإسْلامِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا قَتَلَ المُسْلِمُ مُسْلِمًا في دارِ الحَرْبِ في الغارَةِ أوِ الحَرْبِ وهو لا يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَلا عَقْلَ فِيهِ ولا قَوَدَ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، وسَواءٌ كانَ المُسْلِمُ أسِيرًا أوْ مُسْتَأْمَنًا أوْ رَجُلًا أسْلَمَ هُناكَ؛ وإنْ عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ القَوَدُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَخْلُو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحَرْبِيَّ الَّذِي يُسْلِمُ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ عَلى ما قالَهُ أصْحابُنا، أوِ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ قَراباتٌ مِن أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِأنْ يَكُونَ مِن (p-٢١٧)أهْلِ دارِ الحَرْبِ وبِأنْ يَكُونَ ذا نَسَبٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ، فَلَوْ خَلَّيْنا والظّاهِرَ لَأسْقَطْنا دِيَةَ مَن قُتِلَ في دارِ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا كانَ ذا قَرابَةٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ لِاقْتِضاءِ الظّاهِرِ ذَلِكَ، فَلَمّا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ كَوْنِهِ ذا قَرابَةٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ لا يُسْقِطُ حُكْمَ دَمِهِ في إيجابِ الدِّيَةِ أوِ القَوَدِ إذا قُتِلَ في دارِ الإسْلامِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ: مَن كانَ مُسْلِمًا مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ لَمْ يُهاجِرْ إلى دارِ الإسْلامِ، فَيَكُونُ الواجِبُ عَلى قاتِلِهِ خَطَأً الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ فِيهِ الكَفّارَةَ ولَمْ يُوجِبِ الدِّيَةَ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادَ في النَّصِّ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ؛ إذْ كانَتِ الزِّيادَةُ في النَّصِّ تُوجِبُ النَّسْخَ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا أوْجَبْتَ الدِّيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ هَذا المُؤْمِنُ مُرادًا بِالمُؤْمِنِ المَذْكُورِ في أوَّلِ الآيَةِ؛ لِأنَّ فِيها إيجابَ الدِّيَةِ والرَّقَبَةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ نَعْطِفَهُ عَلَيْهِ ونَشْرِطُ كَوْنَهُ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ ونُوجِبُ فِيهِ الرَّقَبَةَ وهو قَدْ أوْجَبَها بَدِيًّا مَعَ الدِّيَةِ في ابْتِداءِ الخِطابِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ في الخِطابِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: " أعْطِ هَذا رَجُلًا وإنْ كانَ رَجُلًا فَأعْطِهِ " هَذا كَلامٌ فاسِدٌ لا يَتَكَلَّمُ بِهِ حَكِيمٌ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ المَعْطُوفَ عَلى الأوَّلِ غَيْرُ داخِلٍ في أوَّلِ الخِطابِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنْ إسْماعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى خَثْعَمٍ، فاعْتَصَمَ ناسٌ مِنهم بِالسُّجُودِ، فَأسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَ لَهم بِنِصْفِ العَقْلِ، وقالَ: أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ؟ قالَ: لا تَراءى ناراهُما» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عائِشَةَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الحَجّاجِ عَنْ إسْماعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أقامَ مَعَ المُشْرِكِينَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ أوْ قالَ: لا ذِمَّةَ لَهُ»؛ قالَ ابْنُ عائِشَةَ: هو الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَيُقِيمُ مَعَهم فَيُغْزَوْنَ، فَإنْ أُصِيبَ فَلا دِيَةَ لَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ. وقَوْلُهُ: " أنا بَرِيءٌ مِنهُ " يَدُلُّ عَلى أنْ لا قِيمَةَ لِدَمِهِ كَأهْلِ الحَرْبِ الَّذِينَ لا ذِمَّةَ لَهم، ولَمّا أمَرَ لَهم بِنِصْفِ العَقْلِ في الحَدِيثِ الأوَّلِ كانَ ذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ كانَ مَشْكُوكًا في أنَّهُ مِن دارِ الحَرْبِ أوْ مِن دارِ الإسْلامِ، أوْ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَرَّعَ (p-٢١٨)بِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جَمِيعُهُ واجِبًا لَما اقْتَصَرَ عَلى نِصْفِهِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا شَيْبانُ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ يَعْنِي ابْنَ المُغِيرَةِ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ قالَ: أتانِي أبُو العالِيَةِ وصاحِبٌ لِي، فانْطَلَقْنا حَتّى أتَيْنا بِشْرَ بْنَ عاصِمٍ اللَّيْثِيَّ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ حَدِّثْ هَذَيْنِ فَقالَ بِشْرٌ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مالِكٍ اللَّيْثِيُّ وكانَ مِن رَهْطِهِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً فَأغارَتْ عَلى قَوْمٍ، فَشَذَّ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ واتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ السَّرِيَّةِ ومَعَهُ السَّيْفُ شاهِرَهُ، فَقالَ الشّاذُّ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَنَما الحَدِيثُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، فَقالَ القاتِلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما قالَ إلّا تَعَوُّذًا مِنَ القَتْلِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِرارًا تُعْرَفُ المَساءَةُ في وجْهِهِ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ أبى عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ مُؤْمِنًا ثَلاثَ مَرّاتٍ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإيمانِ المَقْتُولِ ولَمْ يُوجِبْ عَلى قاتِلِهِ الدِّيَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ حَرْبِيًّا لَمْ يُهاجِرْ بَعْدَ إسْلامِهِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وعُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا يَعْلى بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي ظَبْيانَ قالَ: حَدَّثَنا أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلى الحُرُقاتِ فَنُذِرُوا بِنا فَهَرَبُوا، فَأدْرَكْنا رَجُلًا، فَلَمّا غَشِيناهُ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَضَرَبْناهُ حَتّى قَتَلْناهُ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مَن لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها مَخافَةَ السِّلاحِ، قالَ: أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتّى تَعْلَمَ مِن أجْلِ ذَلِكَ قالَها أمْ لا ؟ مَن لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَما زالَ يَقُولُها حَتّى أنِّي ودِدْتُ أنِّي لَمْ أُسْلِمْ إلّا يَوْمَئِذٍ» . وهَذا الحَدِيثُ أيْضًا يَدُلُّ عَلى ما قُلْنا لِأنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا. وهو حُجَّةٌ عَلى الشّافِعِيِّ في إيجابِهِ القَوَدَ عَلى قاتِلِ المُسْلِمِ في دارِ الحَرْبِ إذا عَلِمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُخْبِرَ بِإسْلامِ هَذا الرَّجُلِ ولَمْ يُوجِبْ عَلى أُسامَةَ دِيَةً ولا قَوَدًا. وأمّا قَوْلُ مالِكٍ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ إنَّما كانَ حُكْمًا لِمَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ وهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَإنَّهُ دَعْوى لِنَسْخِ حُكْمٍ ثابِتٍ في القُرْآنِ بِلا دَلالَةٍ، ولَيْسَ في نَسْخِ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ وإثْباتِهِ بِالرَّحِمِ ما يُوجِبُ نَسْخَ هَذا الحُكْمِ، بَلْ هو حُكْمٌ ثابِتٌ بِنَفْسِهِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمِيراثِ. وعَلى أنَّهُ في حالِ ما كانَ التَّوارُثُ بِالهِجْرَةِ قَدْ كانَ مَن لَمْ يُهاجِرْ مِنَ القَراباتِ يَرِثُ بَعْضُهم بَعْضًا، وإنَّما كانَتِ الهِجْرَةُ قاطِعَةً لِلْمِيراثِ بَيْنَ المُهاجِرِ وبَيْنَ مَن لَمْ يُهاجِرْ، فَأمّا مَن لَمْ يُهاجِرْ فَقَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِأسْبابٍ أُخَرَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَهُ مالِكٌ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ دِيَةً واجِبَةً لِمَن لَمْ يُهاجِرْ مِن أقْرِبائِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ (p-٢١٩)لَمْ يَكُنْ مِيراثُ مَن لَمْ يُهاجِرْ مُهْمَلًا لا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَلَمّا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ تَعالى لَهُ دِيَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ لا لِلْمُهاجِرِينَ ولا لِغَيْرِهِمْ عَلِمْنا أنَّهُ كانَ مُبْقًى عَلى حُكْمِ الحَرْبِ لا قِيمَةَ لِدَمِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ ما لَمْ يُهاجِرْ فَهو مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ باقٍ عَلى حُكْمِهِ الأوَّلِ في أنْ لا قِيمَةَ لِدَمِهِ وإنْ كانَ دَمُهُ مَحْظُورًا؛ إذْ كانَتِ النِّسْبَةُ إلَيْهِمْ قَدْ تَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ مِن بَلَدِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم رَحِمٌ بَعْدَ أنْ يَجْمَعَهم في الوَطَنِ بَلَدٌ أوْ قَرْيَةٌ أوْ صُقْعٌ، فَنَسَبَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الإسْلامِ؛ إذْ كانَ مِن أهْلِ دِيارِهِمْ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ لا قِيمَةَ لِدَمِهِ. وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ في أنَّ المُسْلِمَ إذا لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ فَهو مُرْتَدٌّ، فَإنَّهُ خِلافُ الكِتابِ والإجْماعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فَجَعَلَهم مُؤْمِنِينَ مَعَ إقامَتِهِمْ في دارِ الحَرْبِ بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وأوْجَبَ عَلَيْنا نُصْرَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] ولَوْ كانَ ما قالَ صَحِيحًا لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَلتِّجّارِ دُخُولُ دارِ الحَرْبِ بِأمانٍ وأنْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مُرْتَدِّينَ، ولَيْسَ هَذا قَوْلَ أحَدٍ. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ وعَبْدانُ المَرْوَزِيُّ قالا: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ الشُّعَبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إذا أبَقَ العَبْدُ إلى المُشْرِكِينَ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ» فَإنَّ هَذا مَحْمُولٌ عِنْدَنا عَلى أنَّهُ قَدْ لَحِقَ بِهِمْ مُرْتَدًّا عَنِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ إباقَ العَبْدِ لا يُبِيحُ دَمَهُ، واللَّحاقُ بِدارِ الحَرْبِ كَدُخُولِ التّاجِرِ إلَيْها بِأمانٍ فَلا يُبِيحُ دَمَهُ. وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ في أنَّ مَن أصابَ مُسْلِمًا في دارِ الحَرْبِ وهو لا يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ عَلِمَ بِإسْلامِهِ أُقِيدَ بِهِ؛ فَإنَّهُ مُتَناقِضٌ مِن قِبَلِ أنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّ لِدَمِهِ قِيمَةً لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ العَمْدِ والخَطَإ في وُجُوبِ بَدَلِهِ في العَمْدِ ودِيَتِهِ في الخَطَإ، فَإذا لَمْ يَجِبْ في الخَطَإ شَيْءٌ كَذَلِكَ حُكْمُ العَمْدِ فِيهِ. ولَمّا ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّهُ لا قِيمَةَ لِدَمِ المُقِيمِ في دارِ الحَرْبِ بَعْدَ إسْلامِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلَيْنا وكانَ مُبْقًى عَلى حُكْمِ الحَرْبِ وإنْ كانَ مَحْظُورَ الدَّمِ أجْرَوْهُ أصْحابُنا مُجْرى الحَرْبِيِّ في إسْقاطِ الضَّمانِ عَنْ مُتْلِفِ مالِهِ؛ لِأنَّ دَمَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً مِن مالِهِ، ولا ضَمانَ عَلى مُتْلِفِ نَفْسِهِ. فَمالُهُ أحْرى أنْ لا يَجِبَ فِيهِ ضَمانٌ، وأنْ يَكُونَ كَمالِ الحَرْبِيِّ مِن هَذا الوَجْهِ؛ ولِذَلِكَ أجازَ أبُو حَنِيفَةَ مُبايَعَتَهُ عَلى سَبِيلِ ما يَجُوزُ مُبايَعَةُ الحَرْبِيِّ مِن بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ في دارِ الحَرْبِ. وأمّا الأسِيرُ في دارِ الحَرْبِ فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ أجْراهُ مُجْرى الَّذِي أسْلَمَ هُناكَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ وذَلِكَ لِأنَّ (p-٢٢٠)إقامَتَهُ هُناكَ لا عَلى وجْهِ الأمانِ وهو مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ، فَلَمّا اسْتَوَيا مِن هَذا الوَجْهِ اسْتَوى حُكْمُهُما في سُقُوطِ الضَّمانِ عَنْ قاتِلِهِما؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ أقْسامِ القَتْلِ وأحْكامِهِ قالَ أبُو بَكْرٍ: القَتْلُ يَنْقَسِمُ إلى أرْبَعَةِ أنْحاءٍ: واجِبٌ، ومُباحٌ، ومَحْظُورٌ، وما لَيْسَ بِواجِبٍ ولا مَحْظُورٍ ولا مُباحٍ. فَأمّا الواجِبُ فَهو قَتْلُ أهْلِ الحَرْبِ المُحارِبِينَ لَنا قَبْلَ أنْ يَصِيرُوا في أيْدِينا بِالأسْرِ أوْ بِالأمانِ أوِ العَهْدِ، وذَلِكَ في الرِّجالِ مِنهم دُونَ النِّساءِ اللّاتِي لا يُقاتِلْنَ ودُونَ الصِّغارِ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَ، وقَتْلُ المُحارِبِينَ إذا خَرَجُوا مُمْتَنِعِينَ وقُتِلُوا وصارُوا في يَدِ الإمامِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وقَتْلُ أهْلِ البَغْيِ إذا قاتَلُونا، وقَتْلُ مَن قَصَدَ إنْسانًا مَحْظُورَ الدَّمِ بِالقَتْلِ فَعَلَيْنا قَتْلُهُ، وقَتْلُ السّاحِرِ والزّانِي المُحْصَنِ رَجْمًا، وكُلُّ قَتْلٍ وجَبَ عَلى وجْهِ الحَدِّ؛ فَهَذِهِ ضُرُوبُ القَتْلِ الواجِبِ. وأمّا المُباحُ فَهو القَتْلُ الواجِبُ لِوَلِيِّ الدَّمِ عَلى وجْهِ القَوَدِ، فَهو مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والعَفْوِ، فالقَتْلُ هَهُنا مُباحٌ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ وكَذَلِكَ قَتْلُ أهْلِ الحَرْبِ إذا صارُوا في أيْدِينا، فالإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القَتْلِ والِاسْتِبْقاءِ، وكَذَلِكَ مَن دَخَلَ دارَ الحَرْبِ وأمْكَنَهُ القَتْلُ والأسْرُ فَهو مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَقْتُلَ وبَيْنَ أنْ يَأْسِرَ. وأمّا المَحْظُورُ فَإنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى أنْحاءٍ: مِنها ما يَجِبُ فِيهِ القَوَدُ، وهو قَتْلُ المُسْلِمِ عَمْدًا في دارِ الإسْلامِ العارِي مِنَ الشُّبْهَةِ، فَعَلى القاتِلِ القَوَدُ في ذَلِكَ؛ ومِنها ما تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ دُونَ القَوَدِ، وهو قَتْلُ شِبْهِ العَمْدِ وقَتْلُ الأبِ ابْنَهُ وقَتْلُ الحَرْبِيِّ المُسْتَأْمَنِ والمُعاهَدِ وما يَدْخُلُهُ الشُّبْهَةُ فَيَسْقُطُ القَوَدُ وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ ومِنها ما لا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ، وهو قَتْلُ المُسْلِمِ في دارِ الحَرْبِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ وقَتْلُ الأسِيرِ في دارِ الحَرْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ وقَتْلُ المَوْلى لِعَبْدِهِ؛ هَذِهِ ضُرُوبٌ مِنَ القَتْلِ مَحْظُورَةٌ ولا يَجِبُ عَلى القاتِلِ فِيها شَيْءٌ غَيْرُ التَّعْزِيرِ. وأمّا ما لَيْسَ بِواجِبٍ ولا مُباحٍ ولا مَحْظُورٍ فَهو قَتْلُ المُخْطِئِ والسّاهِي والنّائِمِ والمَجْنُونِ والصَّبِيِّ، وقَدْ بَيَّنّا حُكْمَهُ فِيما سَلَفَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ والزُّهْرِيُّ: " هو الرَّجُلُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ يُقْتَلُ خَطَأً فَتَجِبُ عَلى قاتِلِهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ "، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. وقالَ إبْراهِيمُ والحَسَنُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: " أرادَ وإنْ كانَ المُؤْمِنُ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وكانُوا لا يُوجِبُونَ الكَفّارَةَ عَلى قاتِلِ الذِّمِّيِّ " وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ أنَّ ظاهِرَ (p-٢٢١)الآيَةِ مُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ المَقْتُولُ المَذْكُورُ في الآيَةِ كافِرًا ذا عَهْدٍ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إضْمارُ الإيمانِ لَهُ إلّا بِدَلالَةٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أرادَ مُؤْمِنًا مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ ذَكَرَ الإيمانَ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَوَصَفَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أطْلَقَ لاقْتَضى الإطْلاقُ أنْ يَكُونَ كافِرًا مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنا؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الكافِرَ المُعاهَدَ تَجِبُ عَلى قاتِلِهِ الدِّيَةُ، وذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الكافِرَ المُعاهَدَ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ القَتْلِ العَمْدِ هَلْ فِيهِ كَفّارَةٌ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَنَصَّ عَلى إيجابِ الكَفّارَةِ في قَتْلِ الخَطَإ؛ وذَكَرَ قَتْلَ العَمْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقالَ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وخَصَّهُ بِالعَمْدِ؛ فَلَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَتِيلَيْنِ مَذْكُورًا بِعَيْنِهِ ومَنصُوصًا عَلى حُكْمِهِ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَتَعَدّى ما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فِيهِما،؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ قِياسُ المَنصُوصاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ؛ وهَذا قَوْلُ أصْحابِنا جَمِيعًا. وقالَ الشّافِعِيُّ: " عَلى قاتِلِ العَمْدِ الكَفّارَةُ "؛ ومَعَ ذَلِكَ فَفي إثْباتِ الكَفّارَةِ في العَمْدِ زِيادَةٌ في حُكْمِ النَّصِّ، وغَيْرُ جائِزٍ الزِّيادَةُ في النَّصِّ إلّا بِمِثْلِ ما يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ؛ وأيْضًا فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُ الكَفّاراتِ قِياسًا وإنَّما طَرِيقُها التَّوْقِيفُ أوِ الِاتِّفاقُ. وأيْضًا لَمّا نَصَّ اللَّهُ عَلى حُكْمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَتِيلَيْنِ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن أدْخَلَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» فَمُوجِبُ الكَفّارَةِ عَلى العامِدِ مُدْخِلٌ في أمْرِهِ ما لَيْسَ مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا وجَبَتِ الكَفّارَةُ في الخَطَإ فَهي في العَمْدِ أوْجَبُ؛ لِأنَّهُ أغْلَظُ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الكَفّارَةُ مُسْتَحَقَّةً بِالمَأْثَمِ فَيُعْتَبَرُ عِظَمُ المَأْثَمِ فِيها؛ لِأنَّ المُخْطِئَ غَيْرُ آثِمٍ، فاعْتِبارُ المَأْثَمِ فِيهِ ساقِطٌ؛ وأيْضًا قَدْ أوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ سُجُودَ السَّهْوِ عَلى السّاهِي، ولا يَجِبُ عَلى العامِدِ وإنْ كانَ العَمْدُ أغْلَظَ. فَإنِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ ضَمْرَةَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْلَةَ عَنِ العَرِيفِ بْنِ الدِّيلِيِّ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: «أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في صاحِبٍ لَنا قَدْ أوْجَبَ يَعْنِي النّارَ بِالقَتْلِ، فَقالَ: أعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنهُ عُضْوًا مِنَ النّارِ» . قِيلَ لَهُ رَواهُ ابْنُ المُبارَكِ وهانِئُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أخِي إبْراهِيمَ بْنِ أبِي عَبْلَةَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ أبِي عَبْلَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ أوْجَبَ بِالقَتْلِ؛ وهَؤُلاءِ أثْبَتُ مِن ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ومَعَ ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ الحَدِيثُ عَلى ما رَواهُ ضَمْرَةُ لَمْ يَدُلَّ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: (p-٢٢٢)أنَّهُ تَأْوِيلٌ مِنَ الرّاوِي في قَوْلِهِ: " أوْجَبَ النّارَ بِالقَتْلِ " لِأنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالقَتْلِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ أرادَ رَقَبَةَ القَتْلِ لَذَكَرَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَلَمّا لَمْ يَشْرِطْ لَهُمُ الإيمانَ فِيها دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن كَفّارَةِ القَتْلِ؛ وأيْضًا فَإنَّما أمَرَهم بِأنْ يُعْتِقُوا عَنْهُ، ولا خِلافَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ عِتْقُها عَنْهُ؛ وأيْضًا فَإنَّ عِتْقَ الغَيْرِ عَنِ القاتِلِ لا يُجْزِيهِ عَنِ الكَفّارَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ جَعَلَ اللَّهُ مِن صِفَةِ رَقَبَةِ القَتْلِ الإيمانَ، ولا خِلافَ أنَّها لا تُجْزِي إلّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عِتْقُ الرَّقَبَةِ المُؤْمِنَةِ أفْضَلُ مِنَ الكافِرَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ قَدْ صارَتْ شَرْطًا في الفَرْضِ، وكَذَلِكَ مَن نَذَرَ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً لَمْ تُجْزِهِ الكافِرَةُ لِأنَّهُ أوْجَبَها مَقْرُونَةً بِصِفَةٍ هي قُرْبَةٌ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ عَلى المُسْلِمِينَ أفْضَلُ مِنها عَلى الكُفّارِ الذِّمِّيِّينَ وإنْ كانَتْ تَطَوُّعًا، وكَذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ التَّتابُعَ في صَوْمِ كَفّارَةِ القَتْلِ صِفَةً زائِدَةً، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يُجْزِي إلّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ الإمْكانِ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أوْجَبَ صَوْمَ شَهْرٍ مُتَتابِعٍ أنَّهُ لا يُجْزِيهِ التَّفْرِيقُ لِإيجابِهِ إيّاهُ بِصِفَةٍ هي قُرْبَةٌ، فَوَجَبَتْ حِينَ أوْجَبَها كَما وجَبَ المَنذُورُ مِنَ الصَّوْمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ الفُقَهاءُ أنَّهُ إذا صامَ بِالأهِلَّةِ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ النُّقْصانُ، وأنَّها إنْ كانَتْ ناقِصَةً أوْ تامَّةً أجْزَأتْهُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ»، فَأمَرَ بِاعْتِبارِ الشُّهُورِ بِالأهِلَّةِ وأمَرَ عِنْدَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِاعْتِبارِ الثَّلاثِينَ؛ وإنِ ابْتَدَأ صِيامَ الشَّهْرَيْنِ مِن بَعْضِ الشَّهْرِ اُعْتُبِرَ الشَّهْرُ الثّانِي بِالهِلالِ وبَقِيَّةُ الشَّهْرِ الأوَّلِ بِالعَدَدِ تَمامَ ثَلاثِينَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ. ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يَعْتَبِرُ الأهِلَّةَ إلّا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ صَوْمِهِ بِالهِلالِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أنَّها بَقِيَّةُ ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٍ ورَبِيعٍ الأوَّلِ وبَقِيَّةٍ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، فاعْتُبِرَ الكَسْرُ بِالأيّامِ عَلى التَّمامِ وسائِرُ الشُّهُورِ بِالأهِلَّةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ مَعْلُومٌ أنَّهُ كَلَّفَنا التَّتابُعَ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ، وفي العادَةِ أنَّ المَرْأةَ لا تَخْلُو مِن حَيْضٍ في كُلِّ شَهْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ (p-٢٢٣)لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أوْ سَبْعًا كَما تَحِيضُ النِّساءُ في كُلِّ شَهْرٍ»، فَأخْبَرَ أنَّ عادَةَ النِّساءِ حَيْضَةٌ في كُلِّ شَهْرٍ؛ فَإذا كانَ تَكْلِيفُ صَوْمِ التَّتابُعِ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ وكانَتِ المَرْأةُ إذا كانَ عَلَيْها صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لَمْ يَكُنْ في وُسْعِها في العادَةِ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ لا حَيْضَ فِيهِما سَقَطَ حُكْمُ أيّامِ الحَيْضِ ولَمْ يَقْطَعْ حُكْمَ التَّتابُعِ وصارَتْ أيّامُ الحَيْضِ بِمَنزِلَةِ اللَّيْلِ الَّذِي لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّها تُسْتَقْبَلُ. وقالَ أصْحابُنا: " إذا مَرِضَ في الشَّهْرَيْنِ فَأفْطَرَ اسْتَقْبَلَ " وقالَ مالِكٌ: " يَصِلُ ويُجْزِيهِ " وفَرَّقُوا بَيْنَ الحَيْضِ والمَرَضِ لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ في العادَةِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ بِلا مَرَضٍ ولا يُمْكِنُها ذَلِكَ بِلا حَيْضٍ. ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ حُدُوثَ المَرَضِ لا يُوجِبُ الإفْطارَ بَلِ الإفْطارُ بِفِعْلِهِ، والحَيْضُ يُنافِي الصَّوْمَ لا بِفِعْلِها، فَأشْبَهَ اللَّيْلَ ولَمْ يَقْطَعِ التَّتابُعَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّ مَعْناهُ اعْمَلُوا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ لِيَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَكم فِيما اقْتَرَفْتُمُوهُ مِن ذُنُوبِكم. وقِيلَ إنَّهُ خاصٌّ في سَبَبِ القَتْلِ، فَأمَرَ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ. وقِيلَ مَعْناهُ تَوْسِعَةً ورَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمَعْنى: وسَّعَ عَلَيْكم وسَهَّلَ عَلَيْكم.

النساء 4:93

بابُ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكانِ في قَتْلِ رَجُلٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولا خِلافَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ لاحِقٌ بِمَن شارَكَ غَيْرَهُ في القَتْلِ، وأنَّ عَشَرَةً لَوْ قَتَلُوا رَجُلًا عَمْدًا لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم داخِلًا في الوَعِيدِ قاتِلًا لِلنَّفْسِ المُؤْمِنَةِ. وكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ عَشَرَةٌ رَجُلًا خَطَأً كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قاتِلًا في الحُكْمِ لِلنَّفْسِ يَلْزَمُهُ مِنَ الكَفّارَةِ ما يَلْزَمُ المُنْفَرِدَ بِالقَتْلِ. ولا خِلافَ أنَّ ما دُونَ النَّفْسِ لا يَجِبُ فِيهِ كَفّارَةٌ، فَيَثْبُتُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ في حُكْمِ مَن أتْلَفَ جَمِيعَ النَّفْسِ. وقالَ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فالجَماعَةُ إذا اجْتَمَعَتْ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ فَكُلُّ واحِدٍ في حُكْمِ القاتِلِ لِلنَّفْسِ، ولِذَلِكَ قُتِلُوا بِهِ جَمِيعًا. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلَوْ قَتَلَ اثْنانِ رَجُلًا أحَدُهُما عَمْدًا والآخَرُ خَطَأً، أوْ أحَدُهُما مَجْنُونٌ، والآخَرُ عاقِلٌ، فَمَعْلُومٌ أنَّ المُخْطِئَ في حُكْمِ أخْذِ جَمِيعِ النَّفْسِ، فَيَثْبُتُ لِجَمِيعِهِما حُكْمُ الخَطَإ، فانْتَفى مِنهُما حُكْمُ العَمْدِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ ثُبُوتُ حُكْمِ الخَطَأِ لِلْجَمِيعِ، وحُكْمُ العَمْدِ لِلْجَمِيعِ. وكَذَلِكَ المَجْنُونُ والعاقِلُ والصَّبِيُّ والبالِغُ، ألا تَرى أنَّهُ إذا ثَبَتَ حُكْمُ الخَطَأِ لِلْجَمِيعِ وجَبَتِ الدِّيَةُ كامِلَةً. وإذا ثَبَتَ حُكْمُ العَمْدِ لِلْجَمِيعِ وجَبَ القَوَدُ فِيهِ ؟ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في امْتِناعِ وُجُوبِ دِيَةٍ كامِلَةٍ في النَّفْسِ ووُجُوبِ القَوَدِ مَعَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ اسْتِيفائِهِما جَمِيعًا، فَوَجَبَ بِذَلِكَ أنَّهُ مَتى وجَبَ لِلنَّفْسِ المُتْلَفَةِ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ شَيْءٌ مِنَ الدِّيَةِ أنْ لا يَثْبُتَ مَعَهُ قَوَدٌ عَلى أحَدٍ؛ لِأنَّ وُجُوبَ القَوَدِ يُوجِبُ ثُبُوتَ حُكْمِ العَمْدِ في الجَمِيعِ، وثُبُوتُ حُكْمِ العَمْدِ في الجَمِيعِ يَنْفِي وُجُوبَ الأرْشِ لِشَيْءٍ مِنها. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الصَّبِيِّ، والبالِغِ، والمَجْنُونِ، والعاقِلِ، والعامِدِ، والمُخْطِئِ يَقْتُلانِ رَجُلًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وصاحِباهُ: " لا قِصاصَ عَلى واحِدٍ مِنهُما " . وكَذَلِكَ لَوْ كانَ أحَدُهُما أبا المَقْتُولِ فَعَلى الأبِ والعاقِلِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِهِ، والمُخْطِئُ والمَجْنُونُ والصَّبِيُّ عَلى عاقِلَتِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ. وقالَ مالِكٌ: " إذا اشْتَرَكَ الصَّبِيُّ (p-١٨١)والبالِغُ في قَتْلِ رَجْلٍ قُتِلَ الرَّجُلُ، وعَلى عاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " عَلى عاقِلَتِهِما الدِّيَةُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا قَتَلَ رَجُلٌ مَعَ صَبِيِّ رَجُلًا فَعَلى الصَّبِيِّ العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِهِ، وكَذَلِكَ الحُرُّ والعَبْدُ إذا قَتَلا عَبْدًا، والمُسْلِمُ والنَّصْرانِيُّ إذا قَتَلا نَصْرانِيًّا " قالَ: " إنْ شَرَكَهُ قاتِلٌ خَطَأً فَعَلى العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِهِ، وجِنايَةُ المُخْطِئِ عَلى عاقِلَتِهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: أصَّلَ أصْحابُنا في ذَلِكَ أنَّهُ مَتى اشْتَرَكَ اثْنانِ في قَتْلِ رَجُلٍ، وأحَدُهُما لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ فَلا قَوَدَ عَلى الآخَرِ. وما قَدَّمْناهُ مِن دَلائِلِ الآيِ الَّتِي ذَكَرْنا يَمْنَعُ وُجُوبَ القَوَدِ عَلى أحَدِهِما عَمْدًا، ويَجِبُ المالُ عَلى الآخَرِ لِحُصُولِ حُكْمِ الخَطَأِ لِلنَّفْسِ المُتْلَفَةِ، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ خَطَأً وعَمْدًا مُوجِبًا لِلْمالِ والقَوَدِ في حالِ واحِدَةٍ، وهي نَفْسٌ واحِدَةٌ لا تَتَبَعَّضُ، ألا تَرى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ بَعْضُها مُتْلَفًا، وبَعْضُها حَيًّا ؟ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ حَيًّا مَيِّتًا في حالٍ واحِدَةٍ. فَلَمّا امْتَنَعَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القاتِلَيْنِ في حُكْمِ المُتْلِفِ لِجَمِيعِها، فَوَجَبَ بِذَلِكَ قِسْطُها مِنَ الدِّيَةِ عَلى مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَحْكُومًا لِلْجَمِيعِ بِحُكْمِ الخَطَأِ. فَلا جائِزٌ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُحْكَمَ بِها بِحُكْمِ العَمْدِ لِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فِيهِما جَمِيعُ الدِّيَةِ. ويُشْبِهُ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا الواطِئَ لِجارِيَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في سُقُوطِ الحَدِّ عَنْهُ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَتَبَعَّضْ في نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَلَمّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَدُّ في نَصِيبِهِ مَنَعَ ذَلِكَ مِن وُجُوبِهِ في نَصِيبِ شَرِيكِهِ لِعَدَمِ التَّبْعِيضِ فِيهِ. وعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا في رَجُلَيْنِ سَرَقا مِنِ ابْنِ أحَدِهِما: إنَّهُ لا قَطْعَ عَلى واحِدٍ مِنهُما لِمُشارَكَتِهِ في انْتِهاكِ الحِرْزِ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَطْعَ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ تَعَلُّقَ حُكْمِ العَمْدِ عَلى العامِدِ، والصَّحِيحِ والبالِغِ مُوجِبٌ عَلَيْهِ القَوَدَ بِقَضِيَّةِ اسْتِدْلالِكَ بِالآيِ الَّتِي تَلَوْتَ إذا كانَ قاتِلًا لِجَمِيعِ النَّفْسِ مُتْلِفًا لِجَمِيعِ الحَياةِ، ولِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الوَعِيدَ في حالِ الِاشْتِراكِ والِانْفِرادِ. وكَذَلِكَ الجَماعَةُ العامِدُونَ لِقَتْلِ رَجُلٍ أوْجَبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ القَوَدَ؛ إذْ كانَ في حُكْمِ مَن أتْلَفَ الجَمِيعَ مُنْفَرِدًا بِهِ، وهَذا يُوجِبُ قَتْلَ العاقِلِ مِنهُما. وكَذَلِكَ الصَّبِيُّ والبالِغُ، وأنْ لا يَسْقُطَ بِمُشارَكَةِ مَن لا قَوَدَ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَيْرُ واجِبٍ، مِن قِبَلِ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ المُشارِكَ الَّذِي لا قَوَدَ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ ولَمّا وجَبَ فِيهِ الأرْشُ انْتَفى عَنْهُ حُكْمُ العَمْدِ في الجَمِيعِ لِما ذَكَرْنا مِنَ امْتِناعِ تَبْعِيضِها في حالِ الإتْلافِ، فَصارَ الجَمِيعُ في حُكْمِ الخَطَأِ، وما لا قَوَدَ فِيهِ. ولَمّا كانَ الواجِبُ عَلى الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ القَوَدُ قِسْطَهُ مِنَ الدِّيَةِ دُونَ جَمِيعِها، ثَبَتَ أنَّ الجَمِيعَ قَدْ صارَ في حُكْمِ الخَطَإ، لَوْلا ذَلِكَ (p-١٨٢)لَوَجَبَ جَمِيعُ الدِّيَةِ، ألا تَرى أنَّهم لَوْ كانُوا جَمِيعًا مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ القَوَدُ لَأقَدْنا مِنهم جَمِيعًا، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في حُكْمِ القاتِلِ مُنْفَرِدًا بِهِ ؟ فَلَمّا وجَبَ عَلى المُشارِكِ الَّذِي لا قَوَدَ عَلَيْهِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى سُقُوطِ القَوَدِ، وأنَّ النَّفْسَ قَدْ صارَتْ في حُكْمِ الخَطَأِ؛ فَلِذَلِكَ انْقَسَمَتِ الدِّيَةُ عَلى عَدَدِهِمْ. ومِن حَيْثُ وافَقْنا الشّافِعِيَّ في قاتِلِي العَمْدِ والخَطَأِ أنْ لا قَوَدَ عَلى العامِدِ مِنهُما لَزِمَهُ مِثْلُ ذَلِكَ في العاقِلِ والمَجْنُونِ والصَّبِيِّ والبالِغِ؛ لِمُشارَكَتِهِ في القَتْلِ مَن لا قَوَدَ عَلَيْهِ فِيهِ. وأيْضًا فَوَجَدْنا في الأُصُولِ امْتِناعَ وُجُوبِ المالِ والقَوَدِ في شَخْصٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ القاتِلُ واحِدًا فَوَجَبَ المالُ انْتَفى وُجُوبُ القِصاصِ ؟ وكَذَلِكَ الوَطْءُ إذا وجَبَ بِهِ المَهْرُ سَقَطَ الحَدُّ، وكَذَلِكَ السَّرِقَةُ إذا وجَبَ بِها الضَّمانُ سَقَطَ القَطْعُ عِنْدَنا؛ لِأنَّ المالَ لا يَجِبُ في هَذِهِ المَواضِعِ إلّا مَعَ وُجُودِ الشُّبْهَةِ المُسْقِطَةِ لِلْقَوَدِ والحَدِّ، فَلَمّا وجَبَ المالُ في مَسْألَتِنا بِالِاتِّفاقِ انْتَفى بِهِ وُجُوبُ القِصاصِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ سُقُوطَ القَوَدِ فِيما وصَفْنا أوْلى مِن إيجابِهِ: أنَّ القَوَدَ قَدْ يَتَحَوَّلُ مالًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ، والمالُ لا يَتَحَوَّلُ قَوَدًا بِوَجْهٍ، فَكانَ ما لا يَنْفَسِخُ إلى غَيْرِهِ أوْلى بِالإثْباتِ مِمّا يَنْفَسِخُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إلى الآخَرِ، وكانَ سُقُوطُ القَوَدِ عَنْ أحَدِهِما مُسْقِطًا لَهُ عَنِ الآخَرِ. فَإنْ قِيلَ: فَأنْتُمْ تَقُولُونَ في العامِدِينَ إذا قَتَلا رَجُلًا ثُمَّ عَفا الوَلِيُّ عَنْ أحَدِهِما أنَّ الآخَرَ يُقْتَلُ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَقُولُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ. قِيلَ لَهُ: هَذا سُؤالٌ ساقِطٌ عَلى أصْلِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يُقِيدَ مِنَ العامِدِ إذا شارَكَهُ المُخْطِئُ؛ إذْ كانَتِ الشَّرِكَةُ لا حَظَّ لَها في نَفْيِ القَوَدِ عَمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَوِ انْفَرَدَ، وإنْ كانَ سُقُوطُ القَوَدِ عَنْ أحَدِ قاتِلَيِ العَمْدِ بِالعَفْوِ لا يَسْقُطُ عَنِ الآخَرِ، فَلَمّا لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ في المُخْطِئِ والعامِدِ لَمْ يَلْزَمْنا في الصَّبِيِّ والبالِغِ والمَجْنُونِ والعاقِلِ. والسُّؤالُ ساقِطٌ لِلْآخَرَيْنِ أيْضًا مِن قِبَلِ أنَّ هَذا كَلامٌ في الِاسْتِيفاءِ، والِاسْتِيفاءُ لا يَجِبُ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ؛ إذْ لَهُ أنْ يَقْتُلَ أحَدَهُما قَبْلَ الآخَرِ، ولَهُ أنْ يَقْتُلَ مَن وجَدَهُ مِنهُما دُونَ مَن لَمْ يَجِدْ. وأيْضًا مَسْألَتُنا في الوُجُوبِ ابْتِداءً إذا وقَعَ القَتْلُ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ فَيَسْتَحِيلُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ صارَ في الحُكْمِ كَمُتْلِفٍ دُونَ الآخَرِ، واسْتَحالَ انْفِرادُ أحَدِهِما بِالحُكْمِ دُونَ شَرِيكِهِ. وأيْضًا فالوُجُوبُ حُكْمٌ غَيْرُ الِاسْتِيفاءِ، فَغَيْرُ جائِزٍ إلْزامُ الِاسْتِيفاءِ عَلَيْهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ اعْتِبارُ حالِ الِاسْتِيفاءِ بِحالِ الوُجُوبِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حالِ الِاسْتِيفاءِ تائِبًا ولِيًّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ في حالِ القَتْلِ المُوجِبِ لِلْقَوَدِ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى ؟ وجائِزٌ أنْ يَتُوبَ الزّانِي فَيَكُونُ (p-١٨٣)حَقُّ اسْتِيفاءِ الحَدِّ باقِيًا عَلَيْهِ، وغَيْرُ جائِزٍ وُجُوبُ الحَدِّ، وهو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ حالَ الوُجُوبِ بِحالِ الِاسْتِيفاءِ فَهو مُغْفِلٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ مَتى عَفا عَنْ أحَدِهِما سَقَطَ حُكْمُ قَتْلِهِ فَصارَ الباقِي في حُكْمِ المُنْفَرِدِ بِقَتْلِهِ فَلَزِمَهُ القَوَدُ، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بِسُقُوطِهِ عَنِ الآخَرِ. وأمّا المَجْنُونُ ومَن لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَوَدُ فَحُكْمُ فِعْلِهِ ثابِتٌ عَلى وجْهِ الخَطَأِ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِحَظْرِ دَمِ مَن شارَكَهُ؛ إذْ كانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ لِاشْتِراكِهِما فِيهِ. وإذا ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا مِن دَلائِلِ الكِتابِ والنَّظَرِ سُقُوطُ القَوَدِ عَمَّنْ شارَكَهُ مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ، جازَ أنْ يَخُصَّ بِهِما مُوجِبَ حُكْمِ الآيِ المَذْكُورِ فِيها القِصاصُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَوْلِهِ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] و﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِن عُمُومِ السُّنَنِ المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ ولِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ عامٌّ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ بِالِاتِّفاقِ، وما كانَ هَذا سَبِيلَهُ فَجائِزٌ تَخْصِيصُهُ بِدَلائِلِ النَّظَرِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ. وذَكَرَ المُزَنِيُّ أنَّ الشّافِعِيَّ احْتَجَّ عَلى مُحَمَّدٍ في مَنعِهِ إيجابَ القَوَدِ عَلى العامِدِ إذا شارَكَهُ صَبِيٌّ أوْ مَجْنُونٌ، فَقالَ: " إنْ كُنْتَ رَفَعْتَ عَنْهُ القَتْلَ لِأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُما، وأنَّ عَمْدَهُما خَطَأٌ، فَهَلّا أقَدْتَ مِنَ الأجْنَبِيِّ إذا قَتَلَ عَمْدًا مَعَ الأبِ؛ لِأنَّ القَلَمَ عَنِ الأبِ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ " . وهَذا تَرْكٌ لِأصْلِهِ. قالَ المُزَنِيُّ: " قَدْ شَرَكَ الشّافِعِيُّ مُحَمَّدًا فِيما أُنْكِرَ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ رَفْعَ القِصاصِ عَنِ المُخْطِئِ والمَجْنُونِ واحِدٌ، وكَذَلِكَ حُكْمُ مَن شَرَكَهم في العَمْدِ واحِدٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ما ذَكَرَهُ المُزَنِيُّ عَنْ الشّافِعِيُّ إلْزامٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّهُ ألْزَمَهُ عَكْسَ المَعْنى، وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ عَلى هَذا الأصْلِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَمْدُهُ خَطَأً أنْ لا يُقَيَّدَ المُشارِكُ لَهُ في القَتْلِ، وإنْ كانَ عامِدًا، فَأمّا مَن لَيْسَ عَمْدُهُ خَطَأً فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَهُما في الحُكْمِ بَلْ حُكْمُهُ مَوْقُوفٌ عَلى دَلِيلِهِ؛ لِأنَّهُ عَكْسُ العِلَّةِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مَنِ اعْتَلَّ بِعَلَّةٍ في الشَّرْعِ أنْ يَعْكِسَها، ويُوجِبَ مِنَ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِها ضِدَّ مُوجِبِها عِنْدَ وُجُودِها، ألا تَرى أنّا إذا قُلْنا: وُجُودُ الغَرَرِ يَمْنَعُ جَوازَ البَيْعِ " لَمْ يَلْزَمْنا عَلى ذَلِكَ الحُكْمُ بِجَوازِهِ عِنْدَ عَدَمِ الغَرَرِ ؟ بَلْ جائِزٌ أنْ يَمْنَعَ الجَوازَ عِنْدَ عَدَمِ الغَرَرِ؛ لِوُجُودِ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ مِمّا لَمْ يَقْبِضْهُ بائِعُهُ، أوْ شَرَطَ فِيهِ شَرْطًا لا يُوجِبُهُ العَقْدُ، أوْ يَكُونَ مَجْهُولَ الثَّمَنِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِنَ المَعانِي المُفْسِدَةِ لِعُقُودِ البِياعاتِ. وجائِزٌ أنْ يَجُوزَ البَيْعُ عِنْدَ زَوالِ الغَرَرِ عَلى حَسَبِ قِيامِ دَلالَةٍ الجَوازِ والفَسادِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في مَسائِلِ العَقْدِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ارْتِياضٍ بِنَظَرِ الفِقْهِ. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا إنَّ قَتِيلَ خَطَإ العَمْدِ قَتِيلُ (p-١٨٤)السَّوْطِ والعَصا فِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ» وقَتِيلُ الصَّبِيِّ والبالِغِ والمَجْنُونِ والعاقِلِ والمُخْطِئِ والعامِدِ هو خَطَأُ العَمْدِ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ قَتْلَ خَطَأٍ العَمْدِ بِأنَّهُ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا، فَإذا اشْتَرَكَ مَجْنُونٌ مَعَهُ عَصًا وعاقِلٌ مَعَهُ سَيْفٌ فَهو قَتِيلُ خَطَأِ العَمْدِ لِقَضِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فالواجِبُ أنْ لا قِصاصَ فِيهِ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ خَطَأٌ؛ لِأنَّ القَتْلَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا خَطَأٌ أوْ عَمْدٌ أوْ شِبْهُ عَمْدٍ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ قَتْلُ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ عَمْدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ في أحَدِ الحَيِّزَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنَ الخَطَأِ أوْ شِبْهِ العَمْدِ، وأيَّهُما كانَ فَقَدِ اقْتَضى ظاهِرُ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ إسْقاطَ القَوَدِ عَنْ مُشارِكِهِ في القَتْلِ؛ لِأنَّهُ قَتِيلُ خَطَأٍ أوْ قَتِيلُ خَطَأِ العَمْدِ. وأيْضًا فَإنَّهُ أوْجَبَ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ دِيَةً مُغَلَّظَةً، ومَتى وجَبَتِ الدِّيَةُ كامِلَةً انْتَفى القَوَدُ بِالِاتِّفاقِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما أرادَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «قَتِيلُ خَطَأِ العَمْدِ» إذا انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ بِالسَّوْطِ والعَصا. قِيلَ لَهُ: مُشارَكَةُ غَيْرِهِ فِيهِ بِالسَّيْفِ لا تُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ قَتِيلَ السَّوْطِ والعَصا، وقَتِيلَ خَطَأٍ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن حَيْثُ كانَ قاتِلًا وجَبَ أنْ يَكُونَ هو قَتِيلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فاشْتَمَلَ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى المَعْنَيَيْنِ، وانْتَفى بِهِ القِصاصُ في الحالَيْنِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ اخْتِلافُ حُكْمِ مُشارَكَةِ المَجْنُونِ لِلْعاقِلِ والمُخْطِئِ لِلْعامِدِ، أنَّ رَجُلًا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا، وهو مَجْنُونٌ ثُمَّ أفاقَ وجَرَحَهُ أُخْرى بَعْدَ الإفاقَةِ ثُمَّ ماتَ المَجْرُوحُ مِنهُما، أنَّهُ لا قَوَدَ عَلى القاتِلِ، كَما لَوْ جَرَحَهُ خَطَأً ثُمَّ جَرَحَهُ عَمْدًا، وماتَ مِنهُما لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَوَدُ، وكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَهُ مُرْتَدًّا ثُمَّ أسْلَمَ ثُمَّ جَرَحَهُ، وماتَ مِنَ الجِراحَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلى الجارِحِ القَوَدُ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَوْتَهُ مِن جِراحَتَيْنِ، إحْداهُما غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْقَوَدِ، والأُخْرى مُوجِبَةٌ يُوجِبُ إسْقاطَ القَوَدِ، ولَمْ يَكُنْ لِانْفِرادِ الجِراحَةِ الَّتِي لا شُبْهَةَ فِيها عَنِ الأُخْرى حُكْمٌ في إيجابِ القَوَدِ، بَلْ كانَ الحُكْمُ لِلَّتِي لَمْ تُوجِبْ قَوَدًا، فَوَجَبَ عَلى هَذا أنَّهُ إذا ماتَ مِن جِراحَةِ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما لَوِ انْفَرَدَ أوْجَبَتْ جِراحَتُهُ القَوَدَ، والأُخْرى لا تُوجِبُهُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ سُقُوطِهِ أوْلى مِن حُكْمِ إيجابِهِ لِحُدُوثِ المَوْتِ مِنهُما، فَكانَ حُكْمُ ما يُوجِبُ سُقُوطَ القَوَدِ أوْلى مِن حُكْمِ ما يُوجِبُهُ، والعِلَّةُ فِيها مَوْتُهُ مِن جِراحَتَيْنِ إحْداهُما مِمّا تُوجِبُ القَوَدَ، والأُخْرى مِمّا لا تُوجِبُهُ. والمَعْنى الآخَرُ: ما قَسَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ بَدِيًّا، هو أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُخْطِئِ والعامِدِ وبَيْنَ المَجْنُونِ والعاقِلِ عِنْدَ الِاشْتِراكِ، كَما لَمْ تَخْتَلِفْ جِنايَةُ المَجْنُونِ في حالِ جُنُونِهِ ثُمَل في حالِ إفاقَتِهِ إذا حَدَثَ المَوْتُ مِنهُما. وجِنايَةُ الخَطَأِ والعَمْدِ إذا حَدَثَ المَوْتُ (p-١٨٥)مِنهُما في سُقُوطِ القَوَدِ في الحالَيْنِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ جِنايَةِ الصَّحِيحِ لِمُشارَكَةِ المَجْنُونِ، وحُكْمُ جِنايَةِ العامِدِ لِمُشارَكَةِ المُخْطِئِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ الآيَةَ. رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَرِيَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لَقِيَتْ رَجُلًا ومَعَهُ غُنَيْماتٌ لَهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ؛ فَلَمّا رَجَعُوا أخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: لِمَ قَتَلْتَهُ وقَدْ أسْلَمَ ؟ فَقالَ: إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا مِنَ القَتْلِ، فَقالَ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ وحَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَتَهُ إلى أهْلِهِ ورَدَّ عَلَيْهِمْ غُنَيْماتِهِ» . قالَ ابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي حَدْرَدٍ: القاتِلُ مُحَلَّمُ بْنُ جُثامَةَ قَتَلَ عامِرَ بْنَ الأضْبَطِ الأشْجَعِيَّ. ورُوِيَ أنَّ القاتِلَ ماتَ بَعْدَ أيّامٍ، فَلَمّا دُفِنَ لَفَظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِنهُ ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُرِيَكم عِظَمَ الدَّمِ عِنْدَهُ ثُمَّ أمَرَ أنْ يُلْقى عَلَيْهِ الحِجارَةُ». وهَذِهِ القِصَّةُ مَشْهُورَةٌ لِمُحَلَّمِ بْنِ جُثامَةَ، وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ «أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَتَلَ في سَرِيَّةٍ رَجُلًا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقالَ: إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَقالَ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ مَن لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟» وذَكَرْنا أيْضًا حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ مالِكٍ اللَّيْثِيِّ في هَذا المَعْنى وأنَّ الرَّجُلَ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَتَلَهُ، فَأنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: «إنَّ اللَّهَ أبى عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ مُؤْمِنًا» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا (p-٢٢٤)اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ بْنِ الخِيارِ عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ فَقاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقالَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ أفَأقْتُلُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أنْ قالَها ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَقْتُلْهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَطَعَ يَدِي، قالَ: لا تَقْتُلْهُ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ وأنْتَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قالَ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو النَّضْرِ هاشِمُ بْنُ القاسِمِ قالَ: حَدَّثَنا المَسْعُودِيُّ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا شَرَعَ أحَدُكُمُ الرُّمْحَ إلى الرَّجُلِ فَإنْ كانَ سِنانُهُ عِنْدَ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ فَقالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيُرْجِعْ عَنْهُ الرُّمْحَ» وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الكَلِمَةَ أمَنَةَ المُسْلِمِ وعِصْمَةَ مالِهِ ودَمِهِ، وجَعَلَ الجِزْيَةَ أمَنَةَ الكافِرِ وعِصْمَةَ مالِهِ ودَمِهِ "؛ وهو نَظِيرُ ما رُوِيَ في آثارٍ مُتَواتِرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وفي بَعْضِها: وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلِّي فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» رَواهُ عُمَرُ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عُمَرَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وأبُو هُرَيْرَةَ. وقالُوا لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أرادَ قَتْلَ العَرَبِ لَمّا امْتَنَعُوا مِن أداءِ الزَّكاةِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إلّا بِحَقِّها، وهَذا مِن حَقِّها»؛ فاتَّفَقَتِ الصَّحابَةُ عَلى صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فَحَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِصِحَّةِ إيمانِ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ، وأمَرَنا بِإجْرائِهِ عَلى أحْكامِ المُسْلِمِينَ وإنْ كانَ في المُغَيَّبِ عَلى خِلافِهِ. وهَذا مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ مَتى أظْهَرَ الإسْلامَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وغَيْرِهِ إذا أظْهَرَ الإسْلامَ؛ وهو يُوجِبُ أنَّ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أوْ قالَ إنِّي مُسْلِمٌ، أنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ إنَّما مَعْناهُ: لِمَنِ اسْتَسْلَمَ فَأظْهَرَ الِانْقِيادَ لِما دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وإذا قُرِئَ " السَّلامُ " فَهو إظْهارُ تَحِيَّةِ الإسْلامِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ عَلَمًا لِمَن أظْهَرَ بِهِ الدُّخُولَ في الإسْلامِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي قالَ أسْلَمْتُ واَلَّذِي قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: " قَتَلْتَهُ بَعْدَما أسْلَمَ ؟ " فَحَكَمَ لَهُ بِالإسْلامِ بِإظْهارِ هَذا القَوْلِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في كِتابِ السِّيَرِ الكَبِيرِ: " لَوْ أنَّ يَهُودِيّا أوَنَصْرانِيًّا قالَ أنا مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ بِهَذا القَوْلِ مُسْلِمًا؛ لِأنَّ كُلَّهم (p-٢٢٥)يَقُولُونَ نَحْنُ مُسْلِمُونَ ونَحْنُ مُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ إنَّ دِينَنا هو الإيمانُ وهو الإسْلامُ، فَلَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى الإسْلامِ مِنهم " . وقالَ مُحَمَّدٌ: " ولَوْ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ حَمَلَ عَلى رِجْلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لِيَقْتُلَهُ فَقالَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ كانَ هَذا مُسْلِمًا، وإنْ رَجَعَ عَنْ هَذا ضُرِبَ عُنُقُهُ؛ لِأنَّ هَذا هو الدَّلِيلُ عَلى الإسْلامِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يُجْعَلِ اليَهُودِيُّ مُسْلِمًا بِقَوْلِهِ: " أنا مُسْلِمٌ أوْ مُؤْمِنٌ "؛ لِأنَّهم كَذَلِكَ يَقُولُونَ، ويَقُولُونَ الإيمانُ والإسْلامُ هو ما نَحْنُ عَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ في هَذا القَوْلِ دَلِيلٌ عَلى إسْلامِهِ، ولَيْسَ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ بِمَنزِلَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ، فَكانَ إقْرارُهم بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُ القائِلِ مِنهم إنِّي مُسْلِمٌ وإنِّي مُؤْمِنٌ تَرْكًا لِما كانَ عَلَيْهِ ودُخُولًا في الإسْلامِ، فَكانَ يُقْتَصَرُ مِنهُ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ كانَ لا يَسْمَحُ بِهِ إلّا وقَدْ صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ وآمَنَ بِهِ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم» وإنَّما أرادَ المُشْرِكِينَ بِهَذا القَوْلِ دُونَ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ قَدْ كانُوا يَقُولُونَ: " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " وكَذَلِكَ النَّصارى يُطْلِقُونَ ذَلِكَ وإنْ ناقَضُوا بَعْدَ ذَلِكَ في التَّفْصِيلِ فَيُثْبِتُونَهُ ثَلاثَةً؛ فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَ: " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " إنَّما كانَ عَلَمًا لِإسْلامِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ إلّا اسْتِجابَةً لِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ وتَصْدِيقًا لَهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] واليَهُودُ والنَّصارى يُوافِقُونَ المُسْلِمِينَ عَلى إطْلاقِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وإنَّما يُخالِفُونَ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ، فَمَتى أظْهَرَ مِنهم مُظْهِرٌ الإيمانَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَهو مُسْلِمٌ. ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ إذا قالَ: " أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " ولَمْ يَقُلْ إنِّي داخِلٌ في الإسْلامِ ولا بَرِئَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ ولا مِنَ النَّصْرانِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مُسْلِمًا. وأحْسَبُ أنِّي قَدْ رَأيْتُ عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلَ هَذا، إلّا أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ في السِّيَرِ الكَبِيرِ خِلافُ ما رَواهُ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ، ووَجْهُ ما رَواهُ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ أنَّ مِن هَؤُلاءِ مَن يَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ولَكِنَّهُ رَسُولٌ إلَيْكم، ومِنهم مَن يَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ وسَيُبْعَثُ؛ فَلَمّا كانَ فِيهِمْ مَن يَقُولُ ذَلِكَ في حالِ إقامَتِهِ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ لَمْ يَكُنْ في إظْهارِهِ لِذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى إسْلامِهِ حَتّى يَقُولَ إنِّي داخِلٌ في الإسْلامِ أوْ يَقُولَ إنِّي بَرِيءٌ مِنَ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ؛ فَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (p-٢٢٦)لَوْ خَلَّيْنا وظاهِرَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مَحْكُومٌ لَهُ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا تَنْفُوا عَنْهُ الإسْلامَ ولا تُثْبِتُوهُ ولَكِنْ تَثَبَّتُوا في ذَلِكَ حَتّى تَعْلَمُوا مِنهُ مَعْنى ما أرادَ بِذَلِكَ. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ الأمْرُ بِالتَّثَبُّتِ والنَّهْيُ عَنْ نَفْيِ سِمَةِ الإيمانِ عَنْهُ، ولَيْسَ في النَّهْيِ عَنْ نَفْيِ سِمَةِ الإيمانِ عَنْهُ إثْباتُ الإيمانِ والحُكْمُ بِهِ ألا تَرى أنّا مَتى شَكَكْنا في إيمانِ رِجْلٍ لا نَعْرِفُ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَحْكُمَ بِإيمانِهِ ولا بِكُفْرِهِ ولَكِنْ نَتَثَبَّتُ حَتّى نَعْلَمَ ؟ وكَذَلِكَ لَوْ أخْبَرَنا مُخْبِرٌ بِخَبَرٍ لا نَعْلَمُ صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُكَذِّبَهُ، ولا يَكُونُ تَرْكُنا لِتَكْذِيبِهِ تَصْدِيقًا مِنّا لَهُ؛ كَذَلِكَ ما وُصِفَ مِن مُقْتَضى الآيَةِ لَيْسَ فِيهِ إثْباتُ إيمانٍ ولا كُفْرٍ وإنَّما فِيهِ الأمْرُ بِالتَّثَبُّتِ حَتّى نَتَبَيَّنَ إلّا أنَّ الآثارَ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنا قَدْ أوْجَبَتْ لَهُ الحُكْمَ بِالإيمانِ لِقَوْلِهِ ﷺ: أقَتَلْتَ مُسْلِمًا ؟ " و" قَتَلْتَهُ بَعْدَ ما أسْلَمَ ؟ وقَوْلُهُ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» فَأثْبَتَ لَهم حُكْمَ الإسْلامِ بِإظْهارِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ مالِكٍ اللَّيْثِيِّ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى أبى عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ مُؤْمِنًا»، فَجَعَلَهُ مُؤْمِنًا بِإظْهارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُرادَ الآيَةِ إثْباتُ الإيمانِ لَهُ في الحُكْمِ بِإظْهارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وقَدْ كانَ المُنافِقُونَ يَعْصِمُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم بِإظْهارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِاعْتِقادِهِمُ الكُفْرَ وعِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِنِفاقِ كَثِيرٍ مِنهم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَدِ اقْتَضى الحُكْمَ لِقائِلِهِ بِالإسْلامِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي بِهِ الغَنِيمَةَ. وإنَّما سَمّى مَتاعَ الدُّنْيا عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ، عَلى ما رُوِيَ في الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ الَّذِي أظْهَرَ الإسْلامَ وأخَذَ ما مَعَهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي بِهِ السَّيْرَ فِيها وقَوْلُهُ تَعالى: " فَتَثَبَّتُوا " قُرِئَ بِالياءِ والنُّونِ، وقِيلَ إنَّ الِاخْتِيارَ التَّبَيُّنَ لِأنَّ التَّثَبُّتَ إنَّما هو لِلتَّبَيُّنِ، والتَّثَبُّتُ إنَّما هو سَبَبٌ لَهُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ قالَ الحَسَنُ: " كُفّارًا مِثْلَهم " وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " كُنْتُمْ مُسْتَخِفِّينَ بِدِينِكم بَيْنَ قَوْمِكم كَما اسْتَخَفُّوا. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي بِإسْلامِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقِيلَ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِإعْزازِكم حَتّى أظْهَرْتُمْ دِينَكم.

النساء 4:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآيَةَ؛ يَعْنِي بِهِ تَفْضِيلَ (p-٢٢٧)المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ والحَضَّ عَلى الجِهادِ بِبَيانِ ما لِلْمُجاهِدِينَ مِن مَنزِلَةِ الثَّوابِ الَّتِي لَيْسَتْ لِلْقاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ؛ ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّ شَرَفَ الجَزاءِ عَلى قَدْرِ شَرَفِ العَمَلِ، فَذَكَرَ بَدِيًّا أنَّهُما غَيْرُ مُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ التَّفْضِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ وقَدْ قُرِئَ " غَيْرُ " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِلْقاعِدَيْنِ، والنَّصْبُ عَلى الحالِ؛ ويُقالُ إنَّ الِاخْتِيارَ فِيها الرَّفْعُ، لِأنَّ الصِّفَةَ أغْلَبُ عَلى " غَيْرٍ " مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ كِلاهُما جائِزًا؛ والفَرْقُ بَيْنَ " غَيْرٍ " إذا كانَتْ صِفَةً وبَيْنَها إذا كانَتِ اسْتِثْناءً كَأنَّها في الِاسْتِثْناءِ تُوجِبُ إخْراجَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، نَحْوِ " جاءَنِي القَوْمُ غَيْرَ زَيْدٍ " ولَيْسَتْ كَذَلِكَ في الصِّفَةِ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: " جاءَنِي رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ " و " غَيْرُ " هَهُنا صِفَةٌ وفي الأوَّلِ اسْتِثْناءٌ، وإنْ كانَتْ في الحالَيْنِ مُخَصِّصَةٌ عَلى حَدِّ النَّفْيِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ فَرْضَ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ ولَيْسَ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ وعَدَ القاعِدِينَ الحُسْنى كَما وعَدَ المُجاهِدِينَ وإنْ كانَ ثَوابُ المُجاهِدِينَ أشْرَفَ وأجْزَلَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ مُباحًا إذا قامَتْ بِهِ طائِفَةٌ لَما وعَدَ القاعِدِينَ الثَّوابَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ فَرْضَ الجِهادِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ ذَكَرَ هَهُنا: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ وذَكَرِ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿دَرَجَةً﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأوَّلَ عَلى أهْلِ الضَّرَرِ فُضِّلُوا عَلَيْهِمْ دَرَجَةً واحِدَةً، والثّانِي عَلى غَيْرِ أهْلِ الضَّرَرِ فَضَّلَهم عَلَيْهِمْ دَرَجاتٍ كَثِيرَةً وأجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ إنَّ الأوَّلَ عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ فَفُضِّلُوا دَرَجَةً واحِدَةً، والآخَرُ الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ فَفُضِّلُوا دَرَجاتٍ كَثِيرَةً. وقِيلَ إنَّهُ أرادَ بِالأوَّلِ دَرَجَةَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وشَرَفَ الدِّينِ، وأرادَ بِالآخَرِ دَرَجاتِ الجَنَّةِ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مُساواةِ أُولِي الضَّرَرِ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أجْلِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فِيها ؟ قِيلَ لَهُ: لا دَلالَةَ فِيها عَلى التَّساوِي؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ ورَدَ مِن حَيْثُ كانَ مَخْرَجُ الآيَةِ تَحْرِيضًا عَلى الجِهادِ وحَثًّا عَلَيْهِ، فاسْتَثْنى أُولِي الضَّرَرِ؛ إذْ لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِالجِهادِ لا مِن حَيْثُ أُلْحِقُوا بِالمُجاهِدِينَ.

النساء 4:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآيَةَ؛ يَعْنِي بِهِ تَفْضِيلَ (p-٢٢٧)المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ والحَضَّ عَلى الجِهادِ بِبَيانِ ما لِلْمُجاهِدِينَ مِن مَنزِلَةِ الثَّوابِ الَّتِي لَيْسَتْ لِلْقاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ؛ ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّ شَرَفَ الجَزاءِ عَلى قَدْرِ شَرَفِ العَمَلِ، فَذَكَرَ بَدِيًّا أنَّهُما غَيْرُ مُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ التَّفْضِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ وقَدْ قُرِئَ " غَيْرُ " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِلْقاعِدَيْنِ، والنَّصْبُ عَلى الحالِ؛ ويُقالُ إنَّ الِاخْتِيارَ فِيها الرَّفْعُ، لِأنَّ الصِّفَةَ أغْلَبُ عَلى " غَيْرٍ " مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ كِلاهُما جائِزًا؛ والفَرْقُ بَيْنَ " غَيْرٍ " إذا كانَتْ صِفَةً وبَيْنَها إذا كانَتِ اسْتِثْناءً كَأنَّها في الِاسْتِثْناءِ تُوجِبُ إخْراجَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، نَحْوِ " جاءَنِي القَوْمُ غَيْرَ زَيْدٍ " ولَيْسَتْ كَذَلِكَ في الصِّفَةِ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: " جاءَنِي رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ " و " غَيْرُ " هَهُنا صِفَةٌ وفي الأوَّلِ اسْتِثْناءٌ، وإنْ كانَتْ في الحالَيْنِ مُخَصِّصَةٌ عَلى حَدِّ النَّفْيِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ فَرْضَ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ ولَيْسَ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ وعَدَ القاعِدِينَ الحُسْنى كَما وعَدَ المُجاهِدِينَ وإنْ كانَ ثَوابُ المُجاهِدِينَ أشْرَفَ وأجْزَلَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ مُباحًا إذا قامَتْ بِهِ طائِفَةٌ لَما وعَدَ القاعِدِينَ الثَّوابَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ فَرْضَ الجِهادِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ ذَكَرَ هَهُنا: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ وذَكَرِ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿دَرَجَةً﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأوَّلَ عَلى أهْلِ الضَّرَرِ فُضِّلُوا عَلَيْهِمْ دَرَجَةً واحِدَةً، والثّانِي عَلى غَيْرِ أهْلِ الضَّرَرِ فَضَّلَهم عَلَيْهِمْ دَرَجاتٍ كَثِيرَةً وأجْرًا عَظِيمًا. وقِيلَ إنَّ الأوَّلَ عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ فَفُضِّلُوا دَرَجَةً واحِدَةً، والآخَرُ الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ فَفُضِّلُوا دَرَجاتٍ كَثِيرَةً. وقِيلَ إنَّهُ أرادَ بِالأوَّلِ دَرَجَةَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وشَرَفَ الدِّينِ، وأرادَ بِالآخَرِ دَرَجاتِ الجَنَّةِ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مُساواةِ أُولِي الضَّرَرِ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أجْلِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فِيها ؟ قِيلَ لَهُ: لا دَلالَةَ فِيها عَلى التَّساوِي؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ ورَدَ مِن حَيْثُ كانَ مَخْرَجُ الآيَةِ تَحْرِيضًا عَلى الجِهادِ وحَثًّا عَلَيْهِ، فاسْتَثْنى أُولِي الضَّرَرِ؛ إذْ لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِالجِهادِ لا مِن حَيْثُ أُلْحِقُوا بِالمُجاهِدِينَ.

النساء 4:97

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ فِيهِ تُقْبَضُ أرْواحُهم عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: تَحْشُرُهم إلى النّارِ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا وإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا لَهُمُ الكُفْرَ ولا (p-٢٢٨)يُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِما ذَكَرَ أنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وبِتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى فَرْضِ الهِجْرَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّهم عَلى تَرْكِها؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الكُفّارَ مُكَلَّفُونَ بِشَرائِعِ الإسْلامِ مُعاقَبُونَ عَلى تَرْكِها؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ عَلى تَرْكِ الهِجْرَةِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] فَذَمَّهم عَلى تَرْكِ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ كَما ذَمَّهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ حُجَّةِ الإجْماعِ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لَما ذَمَّهم عَلى تَرْكِهِ ولَما قَرَنَهُ إلى مُشاقَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُقامِ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ مِن أرْضِ الشِّرْكِ إلى أيِّ أرْضٍ كانَتْ مِن أرْضِ الإسْلامِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الهِجْرَةِ وأعْطَوُا المُشْرِكِينَ المَحَبَّةَ وقُتِلَ قَوْمٌ مِنهم بِبَدْرٍ عَلى ظاهِرِ الرِّدَّةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ الَّذِينَ أقْعَدَهُمُ الضَّعْفُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ يَعْنِي طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ دارِ الهِجْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] قالَ الحَسَنُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ وقِيلَ: إنَّها بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ؛ لِأنَّهُ لا يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ شَكٍّ وقِيلَ: إنَّما هَذا عَلى شَكِّ العِبادِ، أيْ كُونُوا أنْتُمْ عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ.

النساء 4:98

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ فِيهِ تُقْبَضُ أرْواحُهم عِنْدَ المَوْتِ. وقالَ الحَسَنُ: تَحْشُرُهم إلى النّارِ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا وإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا لَهُمُ الكُفْرَ ولا (p-٢٢٨)يُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِما ذَكَرَ أنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وبِتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى فَرْضِ الهِجْرَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّهم عَلى تَرْكِها؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الكُفّارَ مُكَلَّفُونَ بِشَرائِعِ الإسْلامِ مُعاقَبُونَ عَلى تَرْكِها؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ عَلى تَرْكِ الهِجْرَةِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] فَذَمَّهم عَلى تَرْكِ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ كَما ذَمَّهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ حُجَّةِ الإجْماعِ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لَما ذَمَّهم عَلى تَرْكِهِ ولَما قَرَنَهُ إلى مُشاقَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُقامِ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ مِن أرْضِ الشِّرْكِ إلى أيِّ أرْضٍ كانَتْ مِن أرْضِ الإسْلامِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ تَخَلَّفُوا عَنِ الهِجْرَةِ وأعْطَوُا المُشْرِكِينَ المَحَبَّةَ وقُتِلَ قَوْمٌ مِنهم بِبَدْرٍ عَلى ظاهِرِ الرِّدَّةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ الَّذِينَ أقْعَدَهُمُ الضَّعْفُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ يَعْنِي طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ دارِ الهِجْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] قالَ الحَسَنُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ وقِيلَ: إنَّها بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ؛ لِأنَّهُ لا يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ شَكٍّ وقِيلَ: إنَّما هَذا عَلى شَكِّ العِبادِ، أيْ كُونُوا أنْتُمْ عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ.

النساء 4:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾؛ قِيلَ في المُراغَمِ إنَّهُ أرادَ مُتَّسَعًا لِهِجْرَتِهِ؛ لِأنَّ الرَّغْمَ أصْلُهُ الذُّلُّ، تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عَلى الرَّغْمِ مِن فُلانٍ، أيْ فَعَلْتُهُ عَلى الذُّلِّ والكُرْهِ. والرَّغامُ التُّرابُ؛ لِأنَّهُ يَتَيَسَّرُ لِمَن رامَهُ مَعَ احْتِقارِهِ وأرْغَمَ اللَّهُ أنْفَهُ أيْ ألْصَقْهُ بِالتُّرابِ إذْلالًا لَهُ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ أيْ يَجِدْ في الأرْضِ مُتَّسَعًا سَهْلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] فَمُراغَمٌ وذَلُولٌ مُتَقارِبانِ في المَعْنى. وقِيلَ في المُراغَمِ إنَّهُ ما يُرْغَمُ بِهِ مَن كانَ يَمْنَعُهُ مِنَ الهِجْرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَعَةً﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ والضَّحّاكِ: أنَّهُ السَّعَةُ في الرِّزْقِ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ السَّعَةُ في إظْهارِ الدِّينِ لِما كانَ يَلْحَقُهم مِن تَضْيِيقِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ دِينِهِمْ حَتّى يَمْنَعُوهم مِن إظْهارِهِ. * * وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ (p-٢٢٩)فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ أجْرِ مَن هاجَرَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ لَمْ تَتِمَّ هِجْرَتُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خَرَجَ مُتَوَجِّهًا لِفِعْلِ شَيْءٍ مِنَ القُرَبِ أنَّ اللَّهَ يُجازِيهِ بِقَدْرِ نِيَّتِهِ وسَعْيِهِ وإنِ اقْتُطِعَ دُونَهُ، كَما أوْجَبَ اللَّهُ أجْرَ مَن خَرَجَ مُهاجِرًا وإنْ لَمْ تَتِمَّ هِجْرَتُهُ. وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ فِيمَن خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ ثُمَّ ماتَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ وأوْصى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ أنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي ماتَ فِيهِ، وكَذَلِكَ الحاجُّ عَنِ المَيِّتِ أوْ عَمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ الحَجِّ بِنَفْسِهِ أنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِن حَيْثُ ماتَ الَّذِي قَصَدَ لِلْحَجِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ لَهُ بِمِقْدارِ ما كانَ لَهُ مِنَ الخُرُوجِ والنَّفَقَةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مُحْتَسَبًا لِلْأوَّلِ كانَ الَّذِي وجَبَ أنْ يَقْضِيَ عَنْهُ ما بَقِيَ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَن قالَ: " إنْ خَرَجْتُ مِن دارِي إلّا إلى الصَّلاةِ أوْ إلى الحَجِّ فَعَبْدِي حُرٌّ " فَخَرَجَ يُرِيدُ الصَّلاةَ أوِ الحَجَّ ثُمَّ لَمْ يَصِلْ ولَمْ يَحُجَّ وتَوَجَّهَ إلى حاجَةٍ أُخْرى أنَّهُ لا يَحْنَثُ في يَمِينِهِ؛ لِأنَّ خُرُوجَهُ بَدِيًّا كانَ لِلصَّلاةِ أوَلِلْحَجِّ لِمُقارَنَةِ النِّيَّةِ لَهُ، كَما كانَ خُرُوجُ مَن خَرَجَ مُهاجِرًا قُرْبَةً وهِجْرَةً لِمُقارَنَةِ النِّيَّةِ واقْتِطاعِ المَوْتِ لَهُ عَنِ الوُصُولِ إلى دارِ الهِجْرَةِ لَمْ يُبْطِلْ حُكْمَ الخُرُوجِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي وُجِدَ بَدِيًّا عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى، فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» فَأخْبَرَ أنَّ أحْكامَ الأفْعالِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّيّاتِ، فَإذا كانَ خُرُوجُهُ عَلى نِيَّةِ الهِجْرَةِ كانَ مُهاجِرًا، وإذا كانَ عَلى نِيَّةِ الغَزْوِ كانَ غازِيًا. واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا ماتَ في الطَّرِيقِ وجَبَ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ لِوَرَثَتِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما قالُوا؛ لِأنَّ كَوْنَها غَنِيمَةً مُتَعَلِّقٌ بِحِيازَتِها؛ إذْ لا تَكُونَ غَنِيمَةً إلّا بَعْدَ الحِيازَةِ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فَمَن ماتَ قَبْلَ أنْ يَغْنَمَ فَهو لَمْ يَغْنَمْ شَيْئًا فَلا سَهْمَ لَهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِ سَهْمِهِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ خَرَجَ غازِيًا مِن بَيْتِهِ فَماتَ في دارِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ دارَ الحَرْبِ أنَّهُ لا سَهْمَ لَهُ، وقَدْ وجَبَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ كَما وجَبَ أجْرُ الَّذِي خَرَجَ مُهاجِرًا وماتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ دارَ هِجْرَتِهِ واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:101

بابُ صَلاةِ السَّفَرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَأباحَ اللَّهُ تَعالى القَصْرَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنَيَيْنِ: (p-٢٣٠)أحَدُهُما: السَّفَرُ وهو الضَّرْبُ في الأرْضِ، والآخَرُ: الخَوْفُ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في مَعْنى القَصْرِ المَذْكُورِ فِيها ما هو ؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ تَعالى صَلاةَ الحَضَرَ أرْبَعًا وصَلاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ والخَوْفِ رَكْعَةً عَلى لِسانِ نَبِيِّكم عَلَيْهِ السَّلامُ» . ورَوى يَزِيدُ الفَقِيرُ عَنْ جابِرٍ قالَ صَلاةُ الخَوْفِ رَكْعَةً رَكْعَةً " . ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَصَرَ العَدَدَ مِن أرْبَعٍ إلى ثِنْتَيْنِ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: " قَصْرُها في الخَوْفِ والقِتالِ والصَّلاةُ في كُلِّ حالٍ راكِبًا وماشِيًا، فَأمّا صَلاةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَلاةُ النّاسِ في السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ بِقَصْرٍ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى غَيْرُ ما قَدَّمْنا في القَصْرِ، وهي أنَّهُ قالَ: " إنَّما هو قَصْرُ حُدُودِ الصَّلاةِ وأنْ تُكَبِّرَ وتَخْفِضَ رَأْسَكَ وتُومِئَ إيماءً " قالَ أبُو بَكْرٍ: وأوْلى المَعانِي وأشْبَهُها بِظاهِرِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ في أنَّهُ قَصْرٌ في صِفَةِ الصَّلاةِ بِتَرْكِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ إلى الإيماءِ وتَرْكِ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ، وجائِزٌ أنْ يُسَمّى المَشْيُ في الصَّلاةِ قَصْرًا؛ إذْ كانَ مِثْلُهُ في غَيْرِ الخَوْفِ يُفْسِدُها. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ في أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ رَكْعَةٌ فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّ الَّذِي يُصَلِّيهِ المَأْمُومُ مَعَ الإمامِ رَكْعَةٌ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ النّاسَ طائِفَتَيْنِ فَيُصَلِّي بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَمْضُونَ إلى تُجاهِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ فَيُصَلِّي بِها رَكْعَةً ويُسَلِّمُ بِتِلْكَ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ المَأْمُومِينَ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ مَعَ الإمامِ، ثُمَّ يَقْضُونَ رَكْعَةً رَكْعَةً؛ فَيَكُونُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أنَّهُ قَصْرٌ في صِفَةِ الصَّلاةِ غَيْرُ مُخالِفٍ لِقَوْلِهِ: إنَّ صَلاةَ الخَوْفِ رَكْعَةٌ؛ لِأنَّ الآثارَ قَدْ تَواتَرَتْ في فِعْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصَلاةِ الخَوْفِ مَعَ اخْتِلافِها، وكُلُّها مُوجِبَةٌ لِلرَّكْعَتَيْنِ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ صَلّاها رَكْعَةً، إلّا أنَّها لِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةٌ مَعَ الإمامِ والقَضاءُ لِرَكْعَةٍ دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى واحِدَةٍ. ولَوْ كانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ رَكْعَةً واحِدَةً لَما اخْتَلَفَ حُكْمُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وحُكْمُ المَأْمُومِينَ فِيها، فَلَمّا نَقَلَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى رَكْعَتَيْنِ، عَلِمْنا أنَّ فَرْضَ صَلاةِ الخائِفِ كَفَرْضِ غَيْرِهِ وأنَّ ما رُوِيَ مِن أنَّهُ كانَ لِلْقَوْمِ رَكْعَةً رَكْعَةً عَلى مَعْنى أنَّها كانَتْ رَكْعَةً رَكْعَةً مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهم قَضَوْا رَكْعَةً رَكْعَةً عَلى ما رُوِيَ في سائِرِ الأخْبارِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ القَصْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو القَصْرُ في صِفَةِ الصَّلاةِ أوِ المَشْيِ والِاخْتِلافُ فِيها عَلى النَّحْوِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ دُونَ أعْدادِ رَكَعاتِها وأنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ في القَصْرِ ما وُصِفَ دُونَ نُقْصانِ عَدَدِ الرَّكَعاتِ، ما رَوى مُجاهِدٌ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنِّي وصاحِبٌ لِي خَرَجْنا في سَفَرٍ فَكُنْتُ (p-٢٣١)أُتِمُّ وكانَ صاحِبِي يَقْصُرُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْتَ الَّذِي تَقْصُرُ وصاحِبُكَ الَّذِي كانَ يُتِمُّ. فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ القَصْرَ لَيْسَ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وأنَّ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ لَيْسَتا بِقَصْرٍ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَوى سُفْيانُ عَنْ زُبَيْدٍ اليامِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى عَنْ عُمَرَ قالَ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ وصَلاةُ الفِطْرِ والأضْحى رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم عَلَيْهِ السَّلامُ»، وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ صَلاةُ الخَوْفِ في السَّفَرِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ جَمِيعَ هَذِهِ الصَّلَواتِ وأخْبَرَ أنَّها تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ القَصْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو عَلى ما وصَفَ دُونَ أعْدادِ رَكَعاتِ الصَّلاةِ. فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: كَيْفَ نَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؟ فَقالَ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو القَصْرُ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَفْهُومًا عِنْدَهم مِن مَعْنى الآيَةِ. قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ مِن أعْدادِ رَكَعاتِ الصَّلاةِ ومِن صِفَتِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في وهْمِ عُمَرَ ويَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ ما ذُكِرَ، وأنَّ عُمَرَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ القَصْرِ في حالِ الأمْنِ لا عَلى أنَّهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنَّ قَصْرَ الآيَةِ هو في العَدَدِ فَأجابَهُ بِما وصَفَ؛ ولَكِنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَيْفَ نَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا، مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرَ لَهُ تَأْوِيلَ الآيَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَقْصُرُ في مَغازِيهِ، ثُمَّ قَصَرَ في الحَجِّ في حالِ الأمْنِ وزَوالِ القِتالِ، فَقالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . يَعْنِي أنَّ اللَّهَ قَدْ أسْقَطَ عَنْكم في السَّفَرِ فَرْضَ الرَّكْعَتَيْنِ في حالِ الخَوْفِ والأمْنِ جَمِيعًا. وقَدْ رَوى عُمَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ السَّفَرِ أنَّها تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ظَنَّ بَدِيًّا أنَّ قَصْرَ الخَوْفِ هو في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، فَلَمّا سَمِعَهُ يَقُولُ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ» عَلِمَ أنَّ قَصْرَ الآيَةِ إنَّما هو في صِفَةِ الصَّلاةِ لا في عَدَدِ الرَّكَعاتِ. وإذا صَحَّ بِما وصَفَ أنَّ المُرادَ بِالقَصْرِ ما ذَكَرْنا لَمْ تَكُنْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَرْضِ المُسافِرِ ولا عَلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإتْمامِ والقَصْرِ؛ إذْ لا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في فَرْضِ المُسافِرِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " فَرْضُ المُسافِرِ رَكْعَتانِ إلّا صَلاةَ المَغْرِبِ فَإنَّها ثَلاثٌ، فَإنْ صَلّى المُسافِرُ أرْبَعَةً ولَمْ يَقْعُدْ في الِاثْنَيْنِ فَسَدَتْ صَلاتُهُ، وإنْ قَعَدَ فِيهِما مِقْدارَ التَّشَهُّدِ تَمَّتْ صَلاتُهُ، بِمَنزِلَةِ مَن صَلّى الفَجْرَ أرْبَعَةً بِتَسْلِيمَةٍ " وهو قَوْلُ (p-٢٣٢)الثَّوْرِيِّ وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: " إذا صَلّى أرْبَعًا أعادَ " وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا صَلّى أرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أعادَ إذا كانَ ذَلِكَ مِنهُ الشَّيْءُ اليَسِيرُ، فَإذا طالَ في سَفَرِهِ وكَثُرَ لَمْ يُعِدْ " قالَ: " وإذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ عَلى أنْ يُصَلِّيَ أرْبَعًا اسْتَقْبَلَ الصَّلاةَ حَتّى يَبْتَدِئَها بِالنِّيَّةِ عَلى رَكْعَتَيْنِ، " وإنْ صَلّى رَكْعَتَيْنِ وتَشَهَّدَ، ثُمَّ بَدا لَهُ أنْ يُتِمَّ فَصَلّى أرْبَعًا أعادَ، وإنْ نَوى أنْ يُصَلِّيَ أرْبَعًا بَعْدَ ما افْتَتَحَ الصَّلاةَ عَلى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَدا لَهُ فَسَلَّمَ في الرَّكْعَتَيْنِ أجْزَتْهُ " . وقالَ مالِكٌ: " إذا صَلّى المُسافِرُ أرْبَعًا فَإنَّهُ يُعِيدُ ما دامَ في الوَقْتِ، فَإذا مَضى الوَقْتُ فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ " قالَ: " ولَوْ أنَّ مُسافِرًا افْتَتَحَ المَكْتُوبَةَ يَنْوِي أرْبَعًا فَلَمّا صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَدا لَهُ فَسَلَّمَ، أنَّهُ لا يُجْزِيهِ، ولَوْ صَلّى مُسافِرٌ بِمُسافِرِينَ فَقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ فَإنَّهم يَقْعُدُونَ ويَتَشَهَّدُونَ ولا يَتْبَعُونَهُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " يُصَلِّي المُسافِرُ رَكْعَتَيْنِ فَإنْ قامَ إلى الثّالِثَةِ وصَلّاها فَإنَّهُ يُلْغِيها ويَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لَيْسَ لِلْمُسافِرِ أنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إلّا أنْ يَنْوِيَ القَصْرَ مَعَ الإحْرامِ، فَإذا أحْرَمَ ولَمْ يَنْوِ القَصْرَ كانَ عَلى أصْلِ فَرْضِهِ أرْبَعًا " قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ حُكْمُ القَصْرِ في أعْدادِ الرَّكَعاتِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ النّاسُ في قَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ في أسْفارِهِ كُلِّها في حالِ الأمْنِ والخَوْفِ، فَثَبَتَ أنَّ فَرْضَ المُسافِرِ رَكْعَتانِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانِهِ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ القَصْرِ في حالِ الأمْنِ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . وصَدَقَةُ اللَّهِ عَلَيْنا هي إسْقاطُهُ عَنّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفَرْضَ رَكْعَتانِ؛ وقَوْلُهُ: " فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ " يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَإذا كُنّا مَأْمُورِينَ بِالقَصْرِ فالإتْمامُ مَنهِيٌّ عَنْهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم» فَأخْبَرَ أنَّ الفَرْضَ رَكْعَتانِ وأنَّهُ لَيْسَ بِقَصْرٍ بَلْ هو تَمامٌ، كَما ذَكَرَ صَلاةَ الفَجْرِ والجُمُعَةِ والأضْحى والفِطْرِ وعَزا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَصارَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ» وذَلِكَ يَنْفِي التَّخْيِيرَ بَيْنَ القَصْرِ والإتْمامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا خَرَجَ مُسافِرًا صَلّى رَكْعَتَيْنِ حَتّى يَرْجِعَ» . ورَوى عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتّى يَرْجِعَ إلى المَدِينَةِ، وأقامَ بِمَكَّةَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ لا يُصَلِّي إلّا رَكْعَتَيْنِ، وقالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: صَلُّوا أرْبَعًا فَإنّا قَوْمٌ سَفْرٌ» . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلى رَكْعَتَيْنِ، وصَحِبْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في السَّفَرِ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلى رَكْعَتَيْنِ حَتّى قَبَضَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: (p-٢٣٣)﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]» . ورَوى بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ قالَ: حَدَّثَنا أبانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خالِدِ بْنِ عُثْمانَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «صَلاةُ المُسافِرِ رَكْعَتانِ حَتّى يَئُوبَ إلى أهْلِهِ أوْ يَمُوتَ» . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ومَعَ أبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، ومَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ» . وقالَ مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ الصَّلاةِ في السَّفَرِ، فَقالَ: " رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ " . فَهَذِهِ أخْبارٌ مُتَواتِرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ في فِعْلِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ لا زِيادَةَ عَلَيْهِما، وفي ذَلِكَ الدَّلالَةُ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّهُما فَرْضُ المُسافِرِ: أحَدُهُما: أنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ مُجْمَلٌ في الكِتابِ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، وفِعْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا ورَدَ عَلى وجْهِ البَيانِ فَهو كَبَيانِهِ بِالقَوْلِ يَقْتَضِي الإيجابَ، وفي فِعْلِهِ صَلاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ بَيانٌ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ، كَفِعْلِهِ لِصَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الجُمُعَةِ وسائِرِ الصَّلَواتِ. والوَجْهُ الثّانِي: لَوْ كانَ مُرادُ اللَّهِ الإتْمامَ أوِ القَصْرَ عَلى ما يَخْتارُهُ المُسافِرُ لَما جازَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقْتَصِرَ بِالبَيانِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ دُونَ الآخَرَ، وكانَ بَيانُهُ لِلْإتْمامِ في وزْنِ بَيانِهِ لِلْقَصْرِ، فَلَمّا ورَدَ البَيانُ إلَيْنا مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في القَصْرِ دُونَ الإتْمامِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مُرادُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا كانَ مُرادُ اللَّهِ في رُخْصَةِ المُسافِرِ في الإفْطارِ أحَدَ شَيْئَيْنِ مِن إفْطارٍ أوْ صَوْمٍ ورَدَ البَيانُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَةً بِالإفْطارِ وتارَةً بِالصَّوْمِ ؟ وأيْضًا «لَمّا صَلّى عُثْمانُ بِمِنًى أرْبَعًا أنْكَرَتْ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ ذَلِكَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ومَعَ أبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ومَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَلَوَدِدْتُ أنَّ حَظِّي مِن أرْبَعٍ رَكْعَتانِ مُتَقَبَّلَتانِ»؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ مَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ؛ وقالَ عُثْمانُ: أنا إنَّما أتْمَمْتُ؛ لِأنِّي تَأهَّلْتُ بِهَذا البَلَدِ وسَمِعْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «مَن تَأهَّلَ بِبَلَدٍ فَهو مِن أهْلِهِ»، فَلَمْ يُخالِفْهم عُثْمانُ في مَنعِ الإتْمامِ وإنَّما اعْتَذَرَ بِأنَّهُ قَدْ تَأهَّلَ بِمَكَّةَ فَصارَ مِن أهْلِها؛ وكَذَلِكَ قَوْلُنا في أهْلِ مَكَّةَ إنَّهم لا يَقْصُرُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " فَرَضَ اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ في السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وفي الحَضَرِ أرْبَعًا " وقالَتْ عائِشَةُ: " أوَّلُ ما فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتانِ رَكْعَتانِ ثُمَّ زِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ "، فَأخْبَرَتْ أنَّ فَرْضَ المُسافِرِ في الأصْلِ رَكْعَتانِ وفَرْضَ المُقِيمِ أرْبَعٌ كَفَرْضِ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الظُّهْرِ، فَغَيْرُ جائِزٍ الزِّيادَةُ عَلَيْها كَما لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى سائِرِ الصَّلَواتِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ لِلْمُسافِرِ تَرْكُ الأُخْرَيَيْنِ (p-٢٣٤)لا إلى بَدَلٍ ومَتى فَعَلَهُما فَإنَّما يَفْعَلُهُما عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما نَفْلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ صُورَةُ النَّفْلِ وهو أنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ فِعْلِهِ وتَرْكِهِ، وإذا تَرَكَهُ تَرَكَهُ لا إلى بَدَلٍ. واحْتَجَّ مَن خَيَّرَهُ بَيْنَ القَصْرِ والإتْمامِ بِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأتَمَّ»، وهَذا صَحِيحٌ، ومَعْناهُ أنَّهُ قَصَرَ في الفِعْلِ وأتَمَّ في الحُكْمِ، كَقَوْلِ عُمَرَ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم عَلَيْهِ السَّلامُ» . واحْتَجَّ أيْضًا مَن قالَ بِالتَّخْيِيرِ أنَّهُ لَوْ دَخَلَ في صَلاةِ مُقِيمٍ لَزِمَهُ الإتْمامُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في الأصْلِ. وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ في صَلاةِ الإمامِ يُغَيِّرُ الفَرْضَ، ألا تَرى أنَّ المَرْأةَ والعَبْدَ فَرْضُهُما يَوْمَ الجُمُعَةِ أرْبَعٌ ولَوْ دَخَلا في الجُمُعَةِ صَلَّيا رَكْعَتَيْنِ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما مُخَيَّرانِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَيْنَ الأرْبَعِ والرَّكْعَتَيْنِ ؟ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في مَواضِعَ مِن كُتُبِنا. واخْتَلَفُوا أيْضًا في المُسافِرِ يَدْخُلُ في صَلاةِ المُقِيمِ، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ والأوْزاعِيُّ: " يُصَلِّي صَلاةَ مُقِيمٍ وإنْ أدْرَكَهُ في التَّشَهُّدِ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقالَ مالِكٌ: " وإذا لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً صَلّى رَكْعَتَيْنِ " . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فاتَكم فَأتِمُّوا وفي بَعْضِ الألْفاظِ: وما فاتَكم فاقْضُوا» فَأمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَضاءِ الفائِتِ مِن صَلاةِ الإمامِ، واَلَّذِي فاتَهُ أرْبَعُ رَكَعاتٍ فَعَلَيْهِ قَضاؤُها؛ وأيْضًا قَدْ صَحَّ لَهُ الدُّخُولُ في آخِرِ صَلاتِهِ ويَلْزَمُهُ سَهْوُهُ وانْتَفى عَنْهُ سَهْوُ نَفْسِهِ لِأجْلِ إمامِهِ، كَذَلِكَ لَزِمَهُ حُكْمُ صَلاتِهِ في الإتْمامِ. وأيْضًا لَوْ نَوى المُسافِرُ الإقامَةَ في هَذِهِ الحالِ لَزِمَهُ الإتْمامُ كَذَلِكَ دُخُولُهُ مَعَ الإمامِ، ويَكُونُ دُخُولُهُ مَعَهُ في التَّشَهُّدِ كَدُخُولِهِ في أوَّلِها، كَما كانَتْ نِيَّةُ الإقامَةِ في التَّشَهُّدِ كَهي في أوَّلِها واَللَّهُ أعْلَمُ. * * فَصْلٌ قالَ أبُو بَكْرٍ: وجَمِيعُ ما قَدَّمْنا في قَصْرِ الصَّلاةِ لِلْمُسافِرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ صَلاةَ سائِرِ المُسافِرِينَ رَكْعَتانِ في أيِّ شَيْءٍ كانَ سَفَرُهم مِن تِجارَةٍ أوْ غَيْرِها وذَلِكَ؛ لِأنَّ الآثارَ المَرْوِيَّةَ فِيهِ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأسْفارِ. وقَدْ رَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ «أنَّ رَجُلًا كانَ يَتَّجِرُ إلى البَحْرَيْنِ، فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَمْ أُصَلِّي ؟ فَقالَ: رَكْعَتَيْنِ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ: " أنَّهُما خَرَجا إلى الطّائِفِ فَقَصَرا الصَّلاةَ " . ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " لا تُقْصَرُ الصَّلاةُ إلّا في حَجٍّ أوْ جِهادٍ " . وعَنْ عَطاءٍ قالَ: " لا أرى أنْ يَقْصُرَ الصَّلاةَ إلّا مَن كانَ في سَبِيلِ اللَّهِ " فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَقْصُرِ النَّبِيُّ ﷺ إلّا في حَجٍّ أوْ جِهادٍ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لَمْ يُسافِرْ إلّا في حَجٍّ أوْ جِهادٍ؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَصْرَ مَخْصُوصٌ بِالحَجِّ والجِهادِ، وقَوْلُ عُمَرَ «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ عَلى (p-٢٣٥)لِسانِ نَبِيِّكم» عُمُومٌ في سائِرِ الأسْفارِ، وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» عامٌّ أيْضًا في سائِرِ الأسْفارِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِأهْلِ مَكَّةَ «أتِمُّوا فَإنّا قَوْمٌ سَفْرٌ» ولَمْ يَقُلْ " في حَجٍّ " دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ القَصْرِ عامٌّ في جَمِيعِ المُسافِرِينَ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِالسَّفَرِ وجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الأسْفارِ فِيهِ كالمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ ثَلاثًا. ومَن يَتَأوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ عَلى عَدَدِ الرَّكَعاتِ يَحْتَجُّ بِعُمُومِهِ في جَمِيعِ الأسْفارِ إذا كانَ خائِفًا مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ إذا ثَبَتَ ذَلِكَ في صَلاةِ الخَوْفِ إذا كانَ سَفَرُهُ في غَيْرِ جِهَةِ القُرْبَةِ وجَبَ مِثْلُهُ في سائِرِ الأسْفارِ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القَصْرَ لَيْسَ هو في عَدَدِ الرَّكَعاتِ. واَلَّذِي ذَكَرْناهُ في القَصْرِ في جَمِيعِ الأسْفارِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ السَّفَرُ ثَلاثًا هو قَوْلُ أصْحابِنا والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ. وقالَ مالِكٌ: " إنْ خَرَجَ إلى الصَّيْدِ وهو مَعاشُهُ قَصَرَ، وإنْ خَرَجَ مُتَلَذِّذًا لَمْ أسْتَحِبَّ لَهُ أنْ يَقْصُرَ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا سافَرَ في مَعْصِيَةٍ لَمْ يَقْصُرْ ولَمْ يَمْسَحْ مَسْحَ السَّفَرِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ في شَأْنِ المُضْطَرِّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المَلّاحِ هَلْ يَقْصُرُ في السَّفِينَةِ ؟ فَقالَ أصْحابُنا: " يَقْصُرُ إذا كانَ في سَفَرٍ حَتّى يَصِيرَ إلى قَرْيَتِهِ فَيُتِمَّ " وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا كانَ فِيها أهْلُهُ وقَرارُهُ يَقْصُرُ إذا أكْراها حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ أكْراها، فَإذا انْتَهى أتَمَّ الصَّلاةَ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا كانَتِ السَّفِينَةُ بَيْتَهُ ولَيْسَ لَهُ مَنزِلٌ غَيْرُها فَهو فِيها بِمَنزِلَةِ المُقِيمِ يُتِمُّ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: كَوْنُ المَلّاحِ مالِكًا لِلسَّفِينَةِ لا يُخْرِجُهُ مِن حُكْمِ السَّفَرِ، كالجَمّالِ مالِكٌ لِلْجِمالِ الَّتِي يَنْتَقِلُ بِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ فَلا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِن حُكْمِ السَّفَرِ. وقَدْ بَيَّنّا الكَلامَ في مُدَّةِ السَّفَرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ أحْكامِ الصَّوْمِ. وشَرَطَ أصْحابُنا فِيهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ. وقالَ مالِكٌ: " ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا فَإنْ لَمْ تَكُنْ فِيها أمْيالٌ فَمَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ لِلْقَفْلِ " وهو قَوْلُ اللَّيْثِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: " يَوْمٌ تامٌّ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " سِتَّةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا بِالهاشِمِيِّ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " ثَلاثَةُ أيّامٍ "، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " يَوْمٌ ولَيْلَةٌ " . واخْتَلَفُوا في المُدَّةِ الَّتِي يُتِمُّ فِيها الصَّلاةَ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ: " إذا نَوى إقامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أتَمَّ، وإنْ كانَ أقَلَّ قَصَرَ " . وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " إذا نَوى إقامَةَ أرْبَعٍ أتَمَّ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا نَوى إقامَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا أتَمَّ وإنْ نَوى أقَلَّ قَصَرَ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إنْ مَرَّ المُسافِرُ بِمِصْرِهِ الَّذِي فِيهِ أهْلُهُ وهو مُنْطَلِقٌ ماضٍ في سَفَرِهِ قَصَرَ فِيهِ الصَّلاةَ ما لَمْ (p-٢٣٦)يُقِمْ بِهِ عَشْرًا، وإنْ أقامَ بِهِ عَشْرًا أوْ بِغَيْرِهِ أتَمَّ الصَّلاةَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ الرّابِعَةِ مِن ذِي الحِجَّةِ فَكانَ مُقامُهُ إلى وقْتِ خُرُوجِهِ أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ وكانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ» فَدَلَّ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ الأرْبَعِ. وأيْضًا رَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ قالا: " إذا قَدِمْتَ بَلْدَةً وأنْتَ مُسافِرٌ وفي نَفْسِكَ أنْ تُقِيمَ بِها خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً فَأكْمِلِ الصَّلاةَ بِها، وإنْ كُنْتَ لا تَدْرِي مَتى تَظْعَنُ فاقْصُرْها "؛ ولَمْ يُرْوَ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ خِلافُ ذَلِكَ فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ. فَإنْ قِيلَ: رَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: " مَن أجْمَعَ عَلى أرْبَعٍ وهو مُسافِرٌ أتَمَّ الصَّلاةَ " . قِيلَ لَهُ: رَوى هُشَيْمٌ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: " إذا أقامَ المُسافِرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ لَيْلَةً أتَمَّ الصَّلاةَ وما كانَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَلْيَقْصُرْ "، وإنْ جَعَلْنا الرِّوايَتَيْنِ مُتَعارِضَتَيْنِ سَقَطَتا وصارَ كَأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ، ولَوْ ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ مِن غَيْرِ مُعارَضَةٍ لَما جازَ أنْ يَكُونَ خِلافًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ؛ وأيْضًا مُدَّةُ الإقامَةِ والسَّفَرِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها مِن طَرِيقِ المَقايِيسِ وإنَّما طَرِيقُها التَّوْقِيفُ أوِ الِاتِّفاقُ، وقَدْ حَصَلَ الِاتِّفاقُ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وما دُونَها مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَيُثْبِتُ الخَمْسَةَ عَشَرَ أنَّها إقامَةٌ صَحِيحَةٌ ولَمْ يُثْبِتْ ما دُونَها؛ وكَذَلِكَ السَّلَفُ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى الثَّلاثِ أنَّها سَفَرٌ صَحِيحٌ يَتَعَلَّقُ بِها حُكْمُ القَصْرِ والإفْطارِ واخْتَلَفُوا فِيما دُونَها فَلَمْ يَثْبُتْ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:102

بابُ صَلاةِ الخَوْفِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةُ الخَوْفِ عَلى ضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ فِيها، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ تَقُومُ طائِفَةٌ مَعَ الإمامِ وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلى مَقامِ أصْحابِهِمْ، ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ ويُسَلِّمُ ويَنْصَرِفُونَ إلى مَقامِ أصْحابِهِمْ، ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ فَيَقْضُونَ رَكْعَةً بِغَيْرِ قِراءَةٍ ويَتَشَهَّدُونَ ويُسَلِّمُونَ ويَذْهَبُونَ إلى وجْهِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الأُخْرى فَيَقْضُونَ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ بِقِراءَةٍ " . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " إذا كانَ العَدُوُّ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ جَعَلَ النّاسَ طائِفَتَيْنِ، فَيُكَبِّرُ ويُكَبِّرُونَ ويَرْكَعُ ويَرْكَعُونَ جَمِيعًا مَعَهُ، وسَجَدَ الإمامُ والصَّفُّ الأوَّلُ، ويَقُومُ الصَّفُّ الآخَرُ في وُجُوهِ العَدُوِّ، فَإذا قامُوا مِنَ السُّجُودِ (p-٢٣٧)سَجَدَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، فَإذا فَرَغُوا مِن سُجُودِهِمْ قامُوا وتَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ وتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، فَيُصَلِّي بِهِمُ الإمامُ الرَّكْعَةَ الأُخْرى كَذَلِكَ، وإنْ كانَ العَدُوُّ في دُبُرِ القِبْلَةِ قامَ الإمامُ ومَعَهُ صَفٌّ مُسْتَقْبِلٌ القِبْلَةَ والصَّفُّ الآخَرُ مُسْتَقْبِلٌ العَدُوَّ، فَيُكَبِّرُ ويُكَبِّرُونَ جَمِيعًا ويَرْكَعُ ويَرْكَعُونَ جَمِيعًا، ثُمَّ يَسْجُدُ الصَّفُّ الَّذِي مَعَ الإمامِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُونَ فَيَكُونُونَ مُسْتَقْبِلِي العَدُوِّ، ثُمَّ يَجِيءُ الآخَرُونَ فَيَسْجُدُونَ ويُصَلِّي بِهِمُ الإمامُ جَمِيعًا الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَيَرْكَعُونَ جَمِيعًا ويَسْجُدُ الصَّفُّ الَّذِي مَعَهُ، ثُمَّ يَنْقَلِبُونَ إلى وجْهِ العَدُوِّ، ويَجِيءُ الآخَرُونَ فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ ويَفْرُغُونَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ الإمامُ وهم جَمِيعًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في صَلاةِ الخَوْفِ ثَلاثُ رِواياتٍ، إحْداها مِثْلُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ، والأُخْرى مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ أبِي لَيْلى إذا كانَ العَدُوُّ في القِبْلَةِ، وإذا كانَ في غَيْرِ القِبْلَةِ فَمِثْلُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. والثّالِثَةُ أنَّهُ لا تُصَلّى بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةُ الخَوْفِ بِإمامٍ واحِدٍ وإنَّما تُصَلّى بِإمامَيْنِ كَسائِرِ الصَّلَواتِ. ورُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. ورُوِيَ أيْضًا مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ أبِي لَيْلى وقالَ: " إنْ فَعَلْتَ كَذَلِكَ جازَ " وقالَ مالِكٌ: " يَتَقَدَّمُ الإمامُ بِطائِفَةٍ وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ ويَقُومُ قائِمًا وتُتِمُّ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ لِأنْفُسِها رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ ويُسَلِّمُونَ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى مَكانِ الطّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ فَيَقُومُونَ مَكانَهم، وتَأْتِي الطّائِفَةُ الأُخْرى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ ويُسَلِّمُ ويَقُومُونَ فَيُتِمُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ " قالَ ابْنُ القاسِمِ: كانَ مالِكٌ يَقُولُ: " لا يُسَلِّمُ الإمامُ حَتّى تُتِمَّ الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ لِأنْفُسِها، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ " لِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى حَدِيثِ القاسِمِ وفِيهِ أنَّ الإمامَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ تَقُومُ الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ فَيَقْضُونَ. وقالَ الشّافِعِيُّ مِثْلَ قَوْلِ مالِكٍ، إلّا أنَّهُ قالَ: " الإمامُ لا يُسَلِّمُ حَتّى تُتِمَّ الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ لِأنْفُسِها، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ مِثْلَ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، إلّا أنَّهُ قالَ: " الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ إذا صَلَّتْ مَعَ الإمامِ وسَلَّمَ الإمامُ قَضَتْ لِأنْفُسِها الرَّكْعَةَ الَّتِي لَمْ يُصَلُّوها مَعَ الإمامِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ وتَجِيءُ الطّائِفَةُ الأُولى فَتَقْضِي بَقِيَّةَ صَلاتِها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: أشَدُّ هَذِهِ الأقاوِيلُ مُوافَقَةً لِظاهِرِ الآيَةِ قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: (p-٢٣٨)﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ أنَّ طائِفَةً مِنهم بِإزاءِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ الطّائِفَةَ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ الطّائِفَةَ المُصَلِّيَةَ؛ والأوْلى أنْ يَكُونَ الطّائِفَةُ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ؛ لِأنَّها تَحْرُسُ هَذِهِ المُصَلِّيَةَ؛ وقَدْ عُقِلَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا يَكُونُونَ جَمِيعًا مَعَ الإمامِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مَعَ الإمامِ لَما كانَتْ طائِفَةٌ مِنهم قائِمَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُونَ جَمِيعًا مَعَهُ، وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ وعَلى مَذْهَبِ مالِكٍ يَقْضُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولا يَكُونُونَ مِن ورائِهِمْ إلّا بَعْدَ القَضاءِ. وفي الآيَةِ الأمْرُ لَهم بِأنْ يَكُونُوا بَعْدَ السُّجُودِ مِن ورائِهِمْ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِقَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإمامَ يَجْعَلُهم طائِفَتَيْنِ في الأصْلِ: طائِفَةٌ مَعَهُ، وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ عَلى ما قالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾ وعَلى مَذْهَبِ مُخالِفِنا هي مَعَ الإمامِ لا تَأْتِيهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الصَّلاةِ، ومُخالِفُنا يَقُولُ: يَفْتَتِحُ الجَمِيعُ الصَّلاةَ مَعَ الإمامِ فَيَكُونُونَ حِينَئِذٍ بَعْدَ الِافْتِتاحِ فاعِلِينَ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْنا مِن مَعْنى الآيَةِ مُوافِقَةٌ لِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ. وقَوْلُنا مُوافِقٌ لِلسُّنَّةِ الثّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولِلْأُصُولِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا» وقالَ: «إنِّي امْرُؤٌ قَدْ بَدَّنْتُ فَلا تُبادِرُونِي بِالرُّكُوعِ ولا بِالسُّجُودِ» . ومِن مَذْهَبِ المُخالِفِ أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى تَقْضِي صَلاتَها وتَخْرُجَ مِنها قَبْلَ الإمامِ. وفي الأُصُولِ أنَّ المَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِمُتابَعَةِ الإمامِ لا يَجُوزُ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَهُ؛ وأيْضًا جائِزٌ أنْ يَلْحَقَ الإمامَ سَهْوٌ يَلْزَمُ المَأْمُومَ ولا يُمَكِّنُ الخارِجِينَ مِن صَلاتِهِ قَبْلَ فَراغِهِ أنْ يَسْجُدُوا. ويُخالِفُ هَذا القَوْلُ الأُصُولَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي اشْتِغالُ المَأْمُومِ بِقَضاءِ صَلاتِهِ والإمامُ قائِمٌ أوْ جالِسٌ تارِكٌ لِأفْعالِ الصَّلاةِ، فَيَحْصُلُ بِهِ مُخالَفَةُ الإمامِ في الفِعْلِ وتَرْكِ الإمامِ لِأفْعالِ الصَّلاةِ لِأجْلِ المَأْمُومِ، وذَلِكَ يُنافِي مَعْنى الِاقْتِداءِ والِائْتِمامِ ومَنعِ الإمامِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ لِأجْلِ المَأْمُومِ؛ فَهَذانِ وجْهانِ أيْضًا خارِجانِ مِنَ الأُصُولِ. فَإنْ قِيلَ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ صَلاةُ الخَوْفِ مَخْصُوصَةً بِجَوازِ انْصِرافِ الطّائِفَةِ الأُولى قَبْلَ الإمامِ كَما جازَ المَشْيُ فِيها. قِيلَ لَهُ: المَشْيُ لَهُ نَظِيرٌ في الأُصُولِ، وهو الرّاكِبُ المُنْهَزِمُ. يُصَلِّي وهو سائِرٌ (p-٢٣٩)بِالِاتِّفاقِ؛ فَكانَ لِما ذَكَرْنا أصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَجازَ أنْ لا تَفْسُدَ صَلاةُ الخَوْفِ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا أنَّ الَّذِي سَبَقِهِ الحَدَثُ في الصَّلاةِ يَنْصَرِفُ ويَتَوَضَّأُ ويَبْنِي، قَدْ ورَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن قاءَ أوْ رَعُفَ في صَلاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ ولْيَتَوَضَّأْ ولْيَبْنِ عَلى ما مَضى مِن صَلاتِهِ»، والرَّجُلُ يَرْكَعُ ويَمْشِي إلى الصَّفِّ فَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ؛ ورَكَعَ أبُو بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ ومَشى إلى الصَّفِّ، فَلَمّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لَهُ: «زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» ولَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنافِ الصَّلاةِ، فَكانَ لِلْمَشْيِ في الصَّلاةِ نَظائِرُ في الأُصُولِ ولَيْسَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاةِ قَبْلَ فَراغِ الإمامِ نَظِيرٌ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ. وأيْضًا فَإنَّ المَشْيَ فِيها اتِّفاقٌ بَيْنَنا وبَيْنَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، ولَمّا قامَتْ بِهِ الدَّلالَةُ سَلَّمْناهُ لَها، وما عَدا ذَلِكَ فَواجِبٌ حَمْلُهُ عَلى مُوافَقَةِ الأُصُولِ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ خُرُوجِهِ عَنْها. ومِمّا يَدُلُّ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ عَلى ما وُصِفَ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً والطّائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أُولَئِكَ وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قامَ هَؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهم وقامَ هَؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهم»؛ قالَ أبُو داوُدَ: وكَذَلِكَ رَواهُ نافِعٌ وخالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ؛ وقالَ أبُو داوُدَ: وكَذَلِكَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ ويُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ فَعَلَهُ. وقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: " فَقَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً وهَؤُلاءِ رَكْعَةً " عَلى أنَّهم قَضَوْا عَلى وجْهٍ يُجَوِّزُ القَضاءَ، وهو أنْ تَرْجِعَ الثّانِيَةُ إلى مَقامِ الأُولى وجاءَتِ الأُولى فَقَضَتْ رَكْعَةً وسَلَّمَتْ ثُمَّ جاءَتِ الثّانِيَةُ فَقَضَتْ رَكْعَةً وسَلَّمَتْ. وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في حَدِيثِ خُصَيْفٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى في حَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ صَلاةَ الخَوْفِ، قامَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وكانَ العَدُوُّ في غَيْرِ القِبْلَةِ، فَصَفَّ مَعَهُ صَفًّا وأخَذَ صَفٌّ السِّلاحَ واسْتَقْبَلُوا العَدُوَّ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والصَّفُّ الَّذِي مَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعَ الصَّفُّ الَّذِي مَعَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ الصَّفُّ الَّذِينَ صُفُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأخَذُوا السِّلاحَ، وتَحَوَّلَ الآخَرُونَ فَقامُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ورَكَعُوا وسَجَدَ وسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَهَبَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ وجاءَ الآخَرُونَ فَقَضَوْا رَكْعَةً فَلَمّا فَرَغُوا أخَذُوا السِّلاحَ، وتَحَوَّلَ الآخَرُونَ وصَلَّوْا رَكْعَةً؛ فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتانِ (p-٢٤٠)ولِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ»؛ فَبَيَّنَ في هَذا الحَدِيثِ انْصِرافَ الطّائِفَةِ الثّانِيَةِ قَبْلَ قَضاءِ الرَّكْعَةِ الأُولى، وهو مَعْنى ما أجْمَلَهُ ابْنُ عُمَرَ في حَدِيثِهِ. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ قَضَتْ رَكْعَةً لِأنْفُسِها قَبْلَ قَضاءِ الطّائِفَةِ الأُولى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْها»، والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ الأُولى قَدْ أدْرَكَتْ أوَّلَ الصَّلاةِ والثّانِيَةَ لَمْ تُدْرِكْ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِلثّانِيَةِ الخُرُوجُ مِن صَلاتِها قَبْلَ الأُولى؛ ولِأنَّهُ لَمّا كانَ مِن حُكْمِ الطّائِفَةِ الأُولى أنْ تُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ في مَقامَيْنِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ الثّانِيَةِ أنْ تَقْضِيَهُما في مَقامَيْنِ لا في مَقامٍ واحِدٍ لِأنَّ سَبِيلَ صَلاةِ الخَوْفِ أنْ تَكُونَ مَقْسُومَةً بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى التَّعْدِيلِ بَيْنَهُما فِيها. واحْتَجَّ مالِكٌ بِحَدِيثٍ رَواهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى صَلَّتِ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ إلّا يَزِيدُ بْنُ رُومانَ؛ وقَدْ خُولِفَ فِيهِ فَرَوى شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ صَلاةَ الخَوْفِ فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَهُ وصَفَّ مَصافَّ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبَ هَؤُلاءِ وجاءَ أُولَئِكَ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قامُوا فَقَضَوْا رَكْعَةً رَكْعَةً» . فَفِي هَذا الحَدِيثِ أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى لَمْ تَقْضِ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ إلّا بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن صَلاتِهِ؛ وهَذا أوْلى لِما قَدَّمْناهُ مِن دَلائِلِ الأُصُولِ عَلَيْهِ. وقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ القاسِمِ عَنْ صالِحٍ مِثْلَ رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ. وفي حَدِيثِ مالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ أنَّ تِلْكَ الصَّلاةَ إنَّما كانَتْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذاتِ الرِّقاعِ؛ وقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذاتِ الرِّقاعِ، فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطائِفَةٍ مِنهم، ثُمَّ انْصَرَفُوا وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ؛ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرْبَعًا وكُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ»؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى اضْطِرابِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةُ الخَوْفِ عَلى وُجُوهٍ أُخَرَ، فاتَّفَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وجابِرٌ وحُذَيْفَةُ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً والطّائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهُونَ العَدُوَّ، ثُمَّ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُخْرى رَكْعَةً، وأنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يَقْضِ بَقِيَّةَ صَلاتِهِ قَبْلَ فَراغِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ورَوى صالِحُ بْنُ خَوّاتٍ عَلى ما قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ مِمّا قَدَّمْنا ذِكْرَهُ. ورَوى أبُو عَيّاشٍ الزُّرَقِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ نَحْوَ (p-٢٤١)المَذْهَبِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى وأبِي يُوسُفَ إذا كانَ العَدُوُّ في القِبْلَةِ. ورَوى أيُّوبُ وهِشامٌ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ هَذا المَعْنى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وكَذَلِكَ رَواهُ داوُدُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَطاءِ بْنِ جابِرٍ، وكَذَلِكَ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حِطّانَ عَنْ أبِي مُوسى مِن فِعْلِهِ. ورَواهُ عِكْرِمَةُ بْنُ خالِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذَلِكَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ قَبْلَ هَذا، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُما فِيها. ورُوِيَ فِيها نَوْعٌ آخَرُ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِي قالَ: حَدَّثَنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وابْنُ لَهِيعَةَ قالا: أخْبَرَنا أبُو الأسْوَدِ أنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ أنَّهُ سَألَ أبا هُرَيْرَةَ: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ ؟ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ قالَ مَرْوانُ: مَتى ؟ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى صَلاةِ العَصْرِ فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا الَّذِينَ مَعَهُ واَلَّذِينَ مُقابِلِي العَدُوِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً واحِدَةً ورَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي تَلِيهِ والآخَرُونَ قِيامٌ مُقابِلِي العَدُوِّ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقامَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ فَذَهَبُوا إلى العَدُوِّ فَقابَلُوهم وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مُقابِلِي العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ كَما هو، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى ورَكَعُوا مَعَهُ وسَجَدَ وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مُقابِلِي العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ ومَن مَعَهُ، ثُمَّ كانَ السَّلامُ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا جَمِيعًا؛ فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ ولِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ» . وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ نَوْعٌ آخَرُ مِن صَلاةِ الخَوْفِ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعاذٍ قالَ: حَدَّثَنا أبِي قالَ: حَدَّثَنا الأشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خَوْفٍ الظُّهْرَ، فَصَفَّ بَعْضَهم خَلْفَهُ وبَعْضَهم بِإزاءِ العَدُوِّ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أصْحابِهِمْ، ثُمَّ جاءَ أُولَئِكَ فَصَلُّوا خَلْفَهُ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعًا ولِأصْحابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ»، وبِذَلِكَ كانَ يُفْتِي الحَسَنُ. قالَ أبُو داوُدَ: وكَذَلِكَ رَواهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذَلِكَ رَواهُ سُلَيْمانُ (p-٢٤٢)اليَشْكُرِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ قَدَّمْنا قَبْلَ ذَلِكَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وجابِرًا رَوَيا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً رَكْعَةً فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ رَكْعَتانِ ولِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةٌ» وأنَّ هَذا مَحْمُولٌ عِنْدَنا عَلى أنَّهُ كانَ رَكْعَةً في جَماعَةٍ وفَعَلَها مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو يُوسُفَ إذا كانَ العَدُوُّ في القِبْلَةِ إلى حَدِيثِ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَلّى هَذِهِ الصَّلَواتِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ورَدَتْ بِها الرِّواياتُ وذَلِكَ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ صَلاةً واحِدَةً فَتَتَضادُّ الرِّواياتُ فِيها وتَتَنافى، بَلْ كانَتْ صَلَواتٍ في مَواضِعَ مُخْتَلِفَةٍ؛ بِعَسْفانَ في حَدِيثِ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ، وفي حَدِيثِ جابِرٍ بِبَطْنِ النَّخْلِ؛ ومِنها حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ في غَزْوَةِ نَجْدٍ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ بِذاتِ الرِّقاعِ، وصَلّاها في حَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى في بَعْضِ هَذِهِ المَواضِعِ عِدَّةَ صَلَواتٍ؛ لِأنَّ في بَعْضِ حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ذَكَرَ أنَّهُ كانَ بِذاتِ الرِّقاعِ، وفي حَدِيثِ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ أيْضًا أنَّهُ صَلّاها بِذاتِ الرِّقاعِ؛ وهُما مُخْتَلِفانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ذَكَرَ فِيهِ مِن صِفَةِ صَلاتِهِ خِلافَ صِفَةِ الأُخْرى؛ وكَذَلِكَ حَدِيثُ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ ذَكَرَ أنَّهُ صَلّاها بِعَسْفانَ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ صَلّاها بِعَسْفانَ؛ فَرُوِيَ تارَةً نَحْوُ حَدِيثِ أبِي عَيّاشٍ وتارَةً عَلى خِلافِهِ. واخْتِلافُ هَذِهِ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلّى هَذِهِ الصَّلَواتِ عَلى اخْتِلافِها عَلى حَسَبِ وُرُودِ الرِّواياتِ بِها وعَلى ما رَآهُ النَّبِيُّ احْتِياطًا في الوَقْتِ مِن كَيْدِ العَدُوِّ وما هو أقْرَبُ إلى الحَذَرِ والتَّحَرُّزِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن أخْذِ الحَذَرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ ولِذَلِكَ كانَ الِاجْتِهادُ سائِغًا في جَمِيعِ أقاوِيلِ الفُقَهاءِ عَلى اخْتِلافِها؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيها إلّا أنَّ الأوْلى عِنْدَنا ما وافَقَ ظاهِرَ الكِتابِ والأُصُولِ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الثّابِتُ الحُكْمِ مِنها واحِدًا والباقِي مَنسُوخٌ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ ثابِتًا غَيْرَ مَنسُوخٍ تَوْسِعَةً وتَرْفِيهًا لِئَلّا يُحْرَجَ مَن ذَهَبَ إلى بَعْضِها، ويَكُونُ الكَلامُ في الأفْضَلِ مِنها كاخْتِلافِ الرِّواياتِ في التَّرْجِيعِ في الأذانِ وفي تَثْنِيَةِ الإقامَةِ وتَكْبِيراتِ العِيدَيْنِ والتَّشْرِيقِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا الكَلامُ فِيهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ في الأفْضَلِ؛ فَمَن ذَهَبَ إلى وجْهٍ مِنها فَغَيْرُ مُعَنَّفٍ عَلَيْهِ في اخْتِيارِهِ، وكانَ الأوْلى عِنْدَنا ما وافَقَ ظاهِرَ الآيَةِ والأُصُولَ. وفِي حَدِيثِ جابِرٍ وأبِي بَكْرَةَ (p-٢٤٣)أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كانَ مُقِيمًا حِينَ صَلّاها كَذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُما " إنَّهُ سَلَّمَ في الرَّكْعَتَيْنِ " المُرادُ بِهِ تَسْلِيمُ التَّشَهُّدِ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ الكِتابِ يَنْفِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الخَبَرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ وظاهِرُ الخَبَرِ يُوجِبُ أنْ يَكُونُوا مُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ السُّجُودِ عَلى الحالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَهُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مُقِيمًا في بادِيَةٍ وهي ذاتُ الرِّقاعِ ولَيْسَتْ مَوْضِعَ إقامَةٍ ولا هي بِالقُرْبِ مِنَ المَدِينَةِ ؟ قِيلَ لَهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ لَمْ يَنْوِ سَفَرَ ثَلاثٍ وإنَّما نَوى في كُلِّ مَوْضِعٍ يَبْلُغُ إلَيْهِ سَفَرَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، فَيَكُونُ مُقِيمًا عِنْدَنا؛ إذْ لَمْ يُنْشِئْ سَفَرَ ثَلاثٍ وإنْ كانَ في البادِيَةِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَعَلَها في الوَقْتِ الَّذِي يُعادُ الفَرْضُ فِيهِ، وذَلِكَ مَنسُوخٌ عِنْدَنا؛ وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ صَلاةَ خَوْفٍ وإنَّما هي صَلاةٌ عَلى هَيْئَةِ سائِرِ الصَّلَواتِ، ولا خِلافَ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ مُخالِفَةٌ لِسائِرِ الصَّلَواتِ المَفْعُولَةِ في حالِ الأمْنِ. وأمّا القَوْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في أنَّهُ لا تُصَلّى بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةُ الخَوْفِ وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تُصَلّى عِنْدَ الخَوْفِ بِإمامَيْنِ؛ فَإنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلى ظاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ فَخَصَّ هَذِهِ الصَّلاةَ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ، وأباحَ لَهم فِعْلَها مَعَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ الصَّلاةِ خَلْفَهُ الَّتِي مِثْلُها لا يُوجَدُ في الصَّلاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ بَعْدَهُ لِأحَدٍ أنْ يُصَلِّيَها إلّا بِإمامَيْنِ؛ لِأنَّ فَضِيلَةَ الصَّلاةِ خَلْفَ الثّانِي كَهي خَلْفَ الأوَّلِ، فَلا يُحْتاجُ إلى مَشْيٍ واخْتِلافٍ واسْتِدْبارِ القِبْلَةِ مِمّا هو مُنافٍ لِلصَّلاةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا تَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ بِالخِطابِ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فَلَيْسَ بِمُوجِبٍ بِالِاقْتِصارِ عَلَيْهِ بِهَذا الحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الَّذِي قالَ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هو الَّذِي قالَ: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فَإذا وجَدْنا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا فَعَلَيْنا اتِّباعُهُ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] لَمْ يُوجِبْ كَوْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَخْصُوصًا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأئِمَّةِ بَعْدَهُ ؟ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فِيهِ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ، والأئِمَّةُ بَعْدَهُ مُرادُونَ بِالحُكْمِ مَعَهُ. وأمّا إدْراكُ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِإباحَةِ المَشْيِ في الصَّلاةِ واسْتِدْبارِ القِبْلَةِ والأفْعالِ الَّتِي تَرْكُها (p-٢٤٤)مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِتَرْكِ الفَرْضِ لِأجْلِ إدْراكِ الفَضْلِ، فَلَمّا كانَ هَذا عَلى ما وصَفْنا بَطَلَ اعْتِلالُهُ بِذَلِكَ وصَحَّ أنَّ فِعْلَ صَلاةِ الخَوْفِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جائِزٌ بَعْدَهُ كَما جازَ مَعَهُ. وقَدْ رَوى جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ جَوازَ فِعْلِ صَلاةِ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو مُوسى وحُذَيْفَةُ وسَعِيدُ بْنُ العاصِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ في آخَرِينَ مِنهم، مِن غَيْرِ خِلافٍ يُحْكى عَنْ أحَدٍ مِنهم، ومِثْلُهُ يَكُونُ إجْماعًا لا يَسَعُ خِلافُهُ. واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الِاخْتِلافِ في صَلاةِ المَغْرِبِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَتَيْنِ وبِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ رَكْعَةً " إلّا أنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ يَقُولانِ: " يَقُومُ الإمامُ قائِمًا حَتّى يُتِمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ يُسَلِّمُ الإمامُ وتَقُومُ الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ فَيَقْضُونَ رَكْعَتَيْنِ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " إنْ شاءَ الإمامُ ثَبَتَ جالِسًا حَتّى تُتِمَّ الطّائِفَةُ الأُولى لِأنْفُسِهِمْ، وإنْ شاءَ كانَ قائِمًا، ويُسَلِّمُ الإمامُ بَعْدَ فَراغِ الطّائِفَةِ الثّانِيَةِ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " يَقُومُ صَفٌّ خَلْفَهُ وصَفٌّ مُوازِي العَدُوِّ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى مَقامِ أُولَئِكَ ويَجِيءُ هَؤُلاءِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ويَجْلِسُونَ، فَإذا قامَ ذَهَبَ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ أُولَئِكَ وجاءَ أُولَئِكَ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا والإمامُ قائِمٌ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الإمامِ لَهم قِراءَةٌ، وجَلَسُوا، ثُمَّ قامُوا يُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ الرَّكْعَةَ الثّالِثَةَ، فَإذا جَلَسُوا وسَلَّمَ الإمامُ ذَهَبُوا إلى مَصافِّ أُولَئِكَ وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ "، وذَهَبَ في ذَلِكَ إلى أنَّ عَلَيْهِ التَّعْدِيلَ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ في الصَّلاةِ، فَيُصَلِّي بِكُلِّ واحِدَةٍ رَكْعَةً؛ وقَدْ تُرِكَ هَذا المَعْنى حِينَ جَعَلَ لِلطّائِفَةِ الأُولى أنْ تُصَلِّيَ مَعَ الإمامِ الرَّكْعَةَ الأُولى والثّالِثَةَ والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ إنَّما صَلَّتِ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ مَعَهُ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إنَّهُ إذا كانَ مُقِيمًا فَصَلّى بِهِمُ الظُّهْرَ، أنَّهُ يُصَلِّي بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَتَيْنِ وبِالثّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ " فَلَمْ يَقْسِمُ الصَّلاةَ بَيْنَهم عَلى أنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم مَعَهُ رَكْعَةً عَلى حِيالِها؛ ومَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ هَذا مُخالِفٌ لِلْأُصُولِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَقُومَ قائِمًا حَتّى تَفْرُغَ الطّائِفَةُ الأُولى مِنَ الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ، وذَلِكَ خِلافُ الأُصُولِ عَلى ما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. (p-٢٤٥) * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في الصَّلاةِ في حالِ القِتالِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " لا يُصَلِّي في حالِ القِتالِ، فَإنْ قاتَلَ في الصَّلاةِ فَسَدَتْ صَلاتُهُ " وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ: " يُصَلِّي إيماءً إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الرُّكُوعِ مِنَ القِتالِ كَبَّرَ بَدَلَ كُلِّ رَكْعَةٍ تَكْبِيرَةً " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِأنْ يَضْرِبَ في الصَّلاةِ الضَّرْبَةَ ويَطْعَنَ الطَّعْنَةَ، فَإنْ تابَعَ الطَّعْنَ والضَّرْبَ أوْ عَمِلَ عَمَلًا يَطُولُ بَطَلَتْ صَلاتُهُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القِتالَ يُبْطِلُ الصَّلاةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ في مَواضِعَ عَلى ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، ولَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ أرْبَعَ صَلَواتٍ حَتّى كانَ هُوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: «مَلَأ اللَّهُ بُيُوتَهم وقُبُورَهم نارًا كَما شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى»، ثُمَّ قَضاهُنَّ عَلى التَّرْتِيبِ. فَأخْبَرَ أنَّ القِتالَ شَغَلَهُ عَنِ الصَّلاةِ، ولَوْ كانَتِ الصَّلاةُ جائِزَةً في حالِ القِتالِ لَما تَرَكَها كَما لَمْ يَتْرُكْها في حالِ الخَوْفِ في غَيْرِ قِتالٍ. وقَدْ كانَتِ الصَّلاةُ مَفْرُوضَةً في حالِ الخَوْفِ قَبْلَ الخَنْدَقِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِذاتِ الرِّقاعِ صَلاةَ الخَوْفِ؛ وقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ والواقِدِيُّ أنَّ غَزْوَةَ ذاتِ الرِّقاعِ كانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ القِتالَ يُنافِي الصَّلاةَ وأنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ مَعَهُ. وأيْضًا فَلَمّا كانَ القِتالُ فِعْلًا يُنافِي الصَّلاةَ لا تَصِحُّ مَعَهُ في غَيْرِ الخَوْفِ، كانَ حُكْمُهُ في الخَوْفِ كَهو في غَيْرِهِ، مِثْلُ الحَدَثِ والكَلامِ والأكْلِ والشُّرْبِ وسائِرِ الأفْعالِ المُنافِيَةِ لِلصَّلاةِ؛ وإنَّما أُبِيحَ لَهُ المَشْيُ فِيها؛ لِأنَّ المَشْيَ لا يُنافِي الصَّلاةَ في كُلِّ حالٍ عَلى ما بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ، ولِأنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المَشْيَ لا يُفْسِدُها، فَسَلَّمْناهُ لِلْإجْماعِ، وما عَداهُ مِنَ الأفْعالِ المُنافِيَةِ لِلصَّلاةِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أصْلِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُونَ بِأخْذِ السِّلاحِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَ الإمامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا لِلطّائِفَةِ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ، وضَمِيرُها ظاهِرٌ في نَسَقِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ومِن وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا، وهو أنَّهُ أمَرَ الطّائِفَةَ المُصَلِّيَةَ مَعَ الإمامِ بِأخْذِ السِّلاحِ، ولَمْ يَقُلْ فَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهم؛ لِأنَّ في وجْهِ العَدُوِّ طائِفَةً غَيْرَ مُصَلِّيَةٍ حامِيَةً لَها قَدْ كَفَتْ هَذِهِ أخْذَ الحَذَرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّ (p-٢٤٦)قَوْلَهُ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ إنَّما أُرِيدَ بِهِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَ الإمامِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ قالَ: ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ ولَوْ كانُوا مَأْمُورِينَ بِأخْذِ السِّلاحِ بَدِيًّا لاكْتَفى بِذِكْرِها بَدِيًّا لَهم. والوَجْهُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ فَجَمَعَ لَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِن أخْذِ الحَذَرِ والسِّلاحِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ الأُولى قَدْ صارَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ وهي في الصَّلاةِ، وذَلِكَ أوْلى بِطَمَعِ العَدُوِّ فِيهِمْ؛ إذْ قَدْ صارَتِ الطّائِفَتانِ جَمِيعًا في الصَّلاةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ إنَّما أُرِيدَ بِهِ الطّائِفَةُ الأُولى؛ وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي تَقِفُ بِإزاءِ العَدُوِّ بَدِيًّا غَيْرُ داخِلَةٍ في الصَّلاةِ، وأنَّها إنَّما تَدْخُلُ في الصَّلاةِ بَعْدَ مَجِيئِها في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ ولِذَلِكَ أُمِرَتْ بِأخْذِ الحَذَرِ والسِّلاحِ جَمِيعًا لِأنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي في وجْهِ العَدُوِّ في الصَّلاةِ فَيَشْتَدُّ طَمَعُ العَدُوِّ فِيها لِعِلْمِهِمْ بِاشْتِغالِها بِالصَّلاةِ. ألا تَرى أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ قالَ لِأصْحابِهِ بِعَسْفانَ بَعْدَما صَلّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ: " دَعُوهم فَإنَّ لَهم بَعْدَها صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ، فَإذا صَلَّوْها حَمَلْنا عَلَيْهِمْ " فَصَلّى النَّبِيُّ ﷺ الخَوْفَ؛ ولِذَلِكَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِأخْذِ الحَذَرِ والسِّلاحِ جَمِيعًا، واَللَّهُ أعْلَمُ. ولَمّا جازَ أخْذُ السِّلاحِ في الصَّلاةِ وذَلِكَ عَمَلٌ فِيها دَلَّ عَلى أنَّ العَمَلَ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِيها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ إخْبارٌ عَمّا كانَ عَزَمَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الإيقاعِ بِالمُسْلِمِينَ إذا اشْتَغَلُوا بِالصَّلاةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَيْهِ وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِأخْذِ الحَذَرِ مِنهم. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ فِيهِ إباحَةُ وضْعِ السِّلاحِ لِما فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ في حالِ المَرَضِ والوَحْلِ والطِّينِ؛ وسَوّى اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أذى المَطَرِ والمَرَضِ ورَخَّصَ فِيهِما جَمِيعًا في وضْعِ السِّلاحِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن كانَ في وحْلٍ وطِينٍ فَجائِزٌ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ بِالإيماءِ كَما يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ في حالِ المَرَضِ إذا لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ سَوّى بَيْنَ أذى المَطَرِ والمَرَضِ فِيما وصَفْنا، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِأخْذِ الحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ وأنْ لا يَغْفُلُوا عَنْهُ فَيَكُونُ سِلاحُهم بِالقُرْبِ مِنهم بِحَيْثُ يُمْكِنُهم أخْذُهُ إنْ حَمَلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ.

النساء 4:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا (p-٢٤٧)وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى الذِّكْرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وأرادَ بِهِ الصَّلاةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَأى النّاسَ يَصِيحُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: ما هَذا النُّكْرُ ؟ قالُوا: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] ؟ فَقالَ: إنَّما يَعْنِي بِهَذِهِ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ إنْ لَمْ تَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَصَلِّ عَلى جَنْبِكَ. ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَرِيضِ أنْ يُصَلِّيَ قاعِدًا وإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبِهِ. فَهَذا الذِّكْرُ المُرادُ بِهِ نَفْسُ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، وفِيها أيْضًا أذْكارٌ مَسْنُونَةٌ ومَفْرُوضَةٌ. وأمّا الذِّكْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ فَلَيْسَ هو الصَّلاةَ، ولَكِنَّهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وهو الفِكْرُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وقُدْرَتِهِ وفِيما في خَلْقِهِ وصُنْعِهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ وعَلى حُكْمِهِ وجَمِيلِ صُنْعِهِ. والذِّكْرُ الثّانِي: الذِّكْرُ بِاللِّسانِ بِالتَّعْظِيمِ والتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لَمْ يُعْذَرْ أحَدٌ في تَرْكِ الذِّكْرِ إلّا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ "، والذِّكْرُ الأوَّلُ أشْرَفُهُما وأعْلاهُما مَنزِلَةً. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذا الذِّكْرِ الصَّلاةَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " فَإذا رَجَعْتُمْ إلى الوَطَنِ في دارِ الإقامَةِ فَأتِمُّوا الصَّلاةَ مِن غَيْرِ قَصْرٍ " . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: " فَعَلَيْكم أنْ تُتِمُّوا رُكُوعَها وسُجُودَها غَيْرَ مُشاةٍ ولا رُكْبانٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: مَن تَأوَّلَ القَصْرَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] عَلى أعْدادِ الرَّكَعاتِ، جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَلى إتْمامِ الرَّكَعاتِ عِنْدَ زَوالِ الخَوْفِ والسَّفَرِ. ومَن تَأوَّلَهُ عَلى صِفَةِ الصَّلاةِ مِن فِعْلِها بِالإيماءِ أوْ عَلى إباحَةِ المَشْيِ فِيها، جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أمْرًا بِفِعْلِ الصَّلاةِ المَعْهُودَةِ عَلى الهَيْئَةِ المَفْعُولَةِ قَبْلَ الخَوْفِ، واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ مَواقِيتِ الصَّلاةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " إنَّ لِلصَّلاةِ وقْتًا كَوَقْتِ الحَجِّ " . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ: " مَفْرُوضًا " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: " مَوْقُوتًا مُنَجَّمًا، كُلَّما مَضى نَجْمٌ جاءَ نَجْمٌ آخَرُ " . وعَنْ (p-٢٤٨)زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِثْلَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَ ذَلِكَ إيجابَ الفَرْضِ ومَواقِيتَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كِتابًا﴾ مَعْناهُ فَرْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿مَوْقُوتًا﴾ مَعْناهُ أنَّهُ مَفْرُوضٌ في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَأجْمَلَ ذِكْرَ الأوْقاتِ في هَذِهِ الآيَةِ وبَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ مِنَ الكِتابِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ تَحْدِيدِ أوائِلِها وأواخِرِها، وبَيَّنَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْدِيدَها ومَقادِيرَها. فَمِمّا ذَكَرَ اللَّهُ في الكِتابِ مِن أوْقاتِ الصَّلاةِ قَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ذَكَرَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قالَ: " إذا زالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّماءِ لِصَلاةِ الظُّهْرِ " ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قالَ: " بُدُوُّ اللَّيْلِ لِصَلاةِ المَغْرِبِ " . وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في دُلُوكِها أنَّهُ زَوالُها. ورَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إنَّ دُلُوكَها غُرُوبُها " وعَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ نَحْوُهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ مِنَ الزَّوالِ ومِنَ الغُرُوبِ دَلَّ عَلى احْتِمالِها لَهُما لَوْلا ذَلِكَ لَما تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلَيْهِما؛ والدُّلُوكُ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، فَدُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُها، وقَدْ تَمِيلُ تارَةً لِلزَّوالِ وتارَةً لِلْغُرُوبِ؛ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ دُلُوكَها هو أوَّلُ الوَقْتِ وغَسَقُ اللَّيْلِ نِهايَتُهُ وغايَتُهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] و" إلى " غايَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ وقْتَ الظُّهْرِ لا يَتَّصِلُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما وقْتَ العَصْرِ، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدُّلُوكِ هَهُنا هو الغُرُوبُ وغَسَقُ اللَّيْلِ هَهُنا هو اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ؛ لِأنَّ وقْتَ المَغْرِبِ يَتَّصِلُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ ويَكُونُ نِهايَةً لَهُ؛ واحْتِمالُ الزَّوالِ مَعَ ذَلِكَ قائِمٌ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقْتُ هَذِهِ الصَّلَواتِ وهي الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ، فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ لا يَنْفَكُّ مِن أنْ يَكُونَ وقْتًا لِصَلاةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ العَتَمَةُ أيْضًا؛ لِأنَّ الغايَةَ قَدْ تَدْخُلُ في الحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] والمَرافِقُ داخِلَةٌ فِيها، وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] والغُسْلُ داخِلٌ في شَرْطِ الإباحَةِ؛ فَإنْ حُمِلَ المَعْنى عَلى الزَّوالِ انْتَظَمَ أرْبَعَ صَلَواتٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وهو صَلاةُ الفَجْرِ، فَتَنْتَظِمُ الآيَةُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ وهَذا مَعْنًى قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ إفْرادُهُ صَلاةَ الفَجْرِ بِالذِّكْرِ؛ إذْ كانَ بَيْنَها وبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وقْتٌ لَيْسَ مِن أوْقاتِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَأبانَ تَعالى أنَّ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى وقْتِ العَتَمَةِ وقْتًا لِصَلَواتٍ مَفْعُولَةٍ فِيهِ، وأفْرَدَ الفَجْرَ بِالذِّكْرِ؛ إذْ كانَ بَيْنَها وبَيْنَ الظُّهْرِ فاصِلَةُ وقْتٍ لَيْسَ مِن أوْقاتِ الصَّلَواتِ. فَهَذِهِ الآيَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها بَيانَ وقْتِ صَلاتَيْنِ إذا كانَ المُرادُ بِالدُّلُوكِ الغُرُوبَ وهو وقْتُ المَغْرِبِ والفَجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (p-٢٤٩)ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها الصَّلَواتِ الخَمْسَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها الظُّهْرَ والمَغْرِبَ والفَجْرَ وذَلِكَ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أقِمِ الصَّلاةَ مَعَ غَسَقِ اللَّيْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ومَعْناهُ: مَعَ أمْوالِكم؛ ويَكُونُ غَسَقُ اللَّيْلِ حِينَئِذٍ وقْتًا لِصَلاةِ المَغْرِبِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وقْتَ صَلاةِ العَتَمَةِ؛ وقَدْ رَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " دُلُوكُ الشَّمْسِ حِينَ تَزُولُ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ "؛ قالَ: وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " دُلُوكُ الشَّمْسِ: حِينَ تَجِبُ، إلى غَسَقِ: اللَّيْلِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ " . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قالَ: " هَذا غَسَقُ اللَّيْلِ "، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: " غَسَقُ اللَّيْلِ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ "، وقالَ الحَسَنُ: " غَسَقُ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ "، وقالَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: " غَسَقُ اللَّيْلِ العِشاءُ الآخِرَةُ " . وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: " غَسَقُ اللَّيْلِ انْتِصافُهُ " . ورَوى مالِكٌ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: أخْبَرَنِي مُخْبِرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " غَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ " . فَهَذِهِ الآيَةُ فِيها احْتِمالٌ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا مِن مَواقِيتِ الصَّلَواتِ. وقالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] رَوى عَمْرٌو عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] قالَ: " صَلاةُ الفَجْرِ، والأُخْرى الظُّهْرُ والعَصْرُ " ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] قالَ: " المَغْرِبُ والعِشاءُ " . فَعَلى هَذا القَوْلِ قَدِ انْتَظَمَتِ الآيَةُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ. ورَوى يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] قالَ: " الفَجْرُ والعَصْرُ " . ورَوى لَيْثٌ عَنِ الحَكَمِ عَنْ أبِي عِياضٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] المَغْرِبَ والعِشاءَ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] الفَجْرَ ﴿وعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] العَصْرَ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] الظُّهْرَ " . وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ. ورَوى أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] قالَ: " الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ " وقالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] وهَذِهِ الآيَةُ مُنْتَظِمَةٌ لِأوْقاتِ الصَّلَواتِ أيْضًا. فَهَذِهِ الآياتُ كُلُّها فِيها ذِكْرُ أوْقاتِ الصَّلَواتِ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ لَها، إلّا فِيما ذُكِرَ مِنَ الدُّلُوكِ فَإنَّهُ جَعَلَهُ أوَّلَ وقْتٍ لِتِلْكَ الصَّلاةِ، ووَقْتُ الزَّوالِ والغُرُوبِ مَعْلُومانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] لَيْسَ فِيهِ بَيانُ نِهايَةِ الوَقْتِ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُحْتَمِلٍ لِلْمَعانِي، وقَوْلُهُ: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] إنْ أرادَ بِهِ المَغْرِبَ كانَ مَعْلُومًا، وكَذَلِكَ ﴿تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] لِأنَّ وقْتَ الصُّبْحِ مَعْلُومٌ، وقَوْلُهُ: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَحْدِيدِ الوَقْتِ لاحْتِمالِهِ أنْ يُرِيدَ الظُّهْرَ والعَصْرَ وذَلِكَ لِأنَّ وسَطَ (p-٢٥٠)النَّهارِ هو وقْتُ الزَّوالِ، فَما كانَ مِنهُ في النِّصْفِ الآخِرِ فَهو طَرَفٌ، وكَذَلِكَ ما كانَ مِنهُ في النِّصْفِ الأوَّلِ فَهو طَرَفٌ. وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ العَصْرَ؛ لِأنَّ آخِرَ النَّهارِ مِن طَرَفِهِ؛ والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ العَصْرَ دُونَ الظُّهْرِ؛ لِأنَّ طَرَفَ الشَّيْءِ إمّا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَهُ أوْ نِهايَتَهُ وآخِرَهُ ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما قَرُبَ مِنَ الوَسَطِ طَرَفًا؛ إلّا أنَّ الحَسَنَ في رِوايَةِ عَمْرٍو قَدْ تَأوَّلَهُ عَلى الظُّهْرِ والعَصْرِ جَمِيعًا وقَدْ رَوى عَنْهُ يُونُسُ أنَّهُ العَصْرُ، وهو أشْبَهُ بِمَعْنى الآيَةِ، ألا تَرى أنَّ طَرَفَ الثَّوْبِ ما يَلِي نِهايَتَهُ ولا يُسَمّى ما قَرُبَ مِن وسَطِهِ طَرَفًا ؟ فَهَذِهِ الآيُ دالَّةٌ عَلى أعْدادِ الصَّلَواتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى أنَّها وِتْرٌ؛ لِأنَّ الشَّفْعَ لا وسَطَ لَهُ، وقَدْ تَواتَرَتِ الآثارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ونَقَلَتِ الأُمَّةُ عَنْهُ قَوْلًا وفِعْلًا فَرْضَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ في حَدِيثِ المِعْراجِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ أُمِرَ بِخَمْسِينَ صَلاةً، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْألُ رَبَّهُ التَّخْفِيفَ حَتّى اسْتَقَرَّتْ عَلى خَمْسٍ»، وهَذا عِنْدَنا كانَ فَرْضًا مَوْقُوفًا عَلى اخْتِيارِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ نَسْخُ الفَرْضِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِوُجُوبِ الوِتْرِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ولَيْسَ هو بِفَرْضٍ عِنْدَهُ وإنْ كانَ واجِبًا؛ لِأنَّ الفَرْضَ ما كانَ في أعْلى مَراتِبِ الإيجابِ. وقَدْ ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثارٌ مُتَواتِرَةٌ في بَيانِ تَحْدِيدِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ في بَعْضِها واخْتَلَفَتْ في بَعْضٍ. * * وقْتُ الفَجْرِ فَأمّا أوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ فَلا خِلافَ فِيهِ أنَّهُ مِن حِينِ يَطْلُعُ الفَجْرُ الثّانِي الَّذِي يَعْتَرِضُ في الأُفُقِ؛ ورَوى سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ الفَجْرُ أنْ يَقُولَ هَكَذا وجَمَعَ كَفَّهُ حَتّى يَقُولَ هَكَذا ومَدَّ أُصْبُعَيْهِ السَّبّابَتَيْنِ» . ورَوى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُوا واشْرَبُوا ولا يَهِيدَنَّكُمُ السّاطِعُ المُصْعِدُ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ» . ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الفَجْرُ فَجْرانِ فَجْرٌ يَحِلُّ فِيهِ الطَّعامُ وتَحْرُمُ فِيهِ الصَّلاةُ، وفَجْرٌ تَحِلُّ فِيهِ الصَّلاةُ ويَحْرُمُ فِيهِ الطَّعامُ» . ورَوى نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ في حَدِيثِ المَواقِيتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَّهُ عِنْدَ البَيْتِ، فَصَلّى الفَجْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ (p-٢٥١)حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ وحَرَّمَ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلى الصّائِمِ»، فَهَذا أوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ؛ وقَدْ تَواتَرَتْ بِهِ الآثارُ واتَّفَقَ عَلَيْهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ. وأمّا آخِرُ وقْتِها فَهو إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ سائِرِ الفُقَهاءِ؛ وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: " وقْتُ الصُّبْحِ الإغْلاسُ والنُّجُومُ بادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ، وآخِرُ وقْتِها إذا أسْفَرَ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ الوَقْتَ المُسْتَحَبَّ وكَراهَةَ التَّأْخِيرِ إلى بَعْدِ الإسْفارِ، لا عَلى مَعْنى أنَّها تَكُونُ فائِتَةً إذا أخَّرَها إلى بَعْدِ الإسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «وقْتُ الفَجْرِ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» وقَدْ رَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلصَّلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ» . ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِن صَلاةِ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ»، فَألْزَمَ النَّبِيُّ ﷺ مُدْرِكَ هَذا القَدْرِ مِنَ الوَقْتِ جَمِيعَ الصَّلاةِ، مِثْلَ الحائِضِ تَطْهُرُ والصَّبِيُّ يَبْلُغُ والكافِرُ يُسْلِمُ؛ فَثَبَتَ أنَّ وقْتَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.

النساء 4:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ الآيَةَ هو حَثٌّ عَلى الجِهادِ وأمْرٌ بِهِ ونَهْيٌ عَنِ الضَّعْفِ عَنْ طَلَبِهِمْ ولِقائِهِمْ؛ لِأنَّ الِابْتِغاءَ هو الطَّلَبُ، يُقالُ: بَغَيْتُ وابْتَغَيْتُ إذا طَلَبْتَ، والوَهَنُ ضَعْفُ القَلْبِ والجُبْنُ الَّذِي يَسْتَشْعِرُهُ الإنْسانُ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ. واسْتَدْعاهم إلى نَفْيِ ذَلِكَ واسْتِشْعارِ الجُرْأةِ والإقْدامِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهم يُساوُونَكم فِيما يَلْحَقُ مِنَ الألَمِ بِالقِتالِ وأنَّكم تَفْضُلُونَهم فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالإقْدامِ والصَّبْرِ عَلى ألَمِ الجِراحِ مِنهم؛ إذْ لَيْسَ لَهم هَذا الرَّجاءُ وهَذِهِ الفَضِيلَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما وعَدَكُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ إذا نَصَرْتُمْ دِينَهُ، والآخَرُ ثَوابُ الآخِرَةِ ونَعِيمُ الجَنَّةِ؛ فَدَواعِي المُسْلِمِينَ عَلى التَّصَبُّرِ عَلى القِتالِ واحْتِمالِ ألَمِ الجِراحِ أكْثَرُ مِن دَواعِي الكُفّارِ. وقِيلَ فِيهِ: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ تُؤَمِّلُونَ مِن ثَوابِ اللَّهِ ما لا يُؤَمِّلُونَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ. وقالَ آخَرُونَ: وتَخافُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَخافُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] يَعْنِي لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُ: لا يَكُونُ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ إلّا مَعَ النَّفْيِ وذَلِكَ حُكْمٌ لا يُقْبَلُ إلّا بِدَلالَةٍ.

النساء 4:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. فِيهِ إخْبارٌ أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما عَرَّفَهُ اللَّهُ مِنَ الأحْكامِ والتَّعَبُّدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ في رِجْلٍ سَرَقَ دِرْعًا، فَلَمّا خافَ أنْ تَظْهَرَ عَلَيْهِ رَمى بِها في دارِ يَهُودِيٍّ، فَلَمّا وُجِدَتِ الدِّرْعُ أنْكَرَ اليَهُودِيُّ أنْ يَكُونَ أخَذَها، وذَكَرَ السّارِقُ أنَّ اليَهُودِيَّ أخَذَها، فَأعانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ هَذا الآخِذَ عَلى اليَهُودِيِّ، فَمالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِمْ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى الآخِذِ وبَرَّأ اليَهُودِيَّ مِنهُ ونَهاهُ عَنْ مُخاصَمَةِ اليَهُودِيِّ وأمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِمّا كانَ مِنهُ مِن مُعاوَنَتِهِ الَّذِينَ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ عَنِ السّارِقِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ غَيْرِهِ في إثْباتِ حَقٍّ أوْ نَفْيِهِ وهو غَيْرُ عالِمٍ بِحَقِيقَةِ أمْرِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عاتَبَ نَبِيَّهُ عَلى مِثْلِهِ وأمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ. وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُجادَلَةِ عَنِ الخَوَنَةِ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ كُلُّهُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مَعُونَةِ مَن لا يَعْلَمُهُ حِقًّا. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ رُبَّما احْتَجَّ (p-٢٦٥)بِهِ مَن يَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ شَيْئًا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ، وإنَّ أقْوالَهُ وأفْعالَهُ كُلَّها كانَتْ تَصْدُرُ عَنِ النُّصُوصِ، وإنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ولَيْسَ في الآيَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ شَيْئًا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ وذَلِكَ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ ما صَدَرَ عَنِ اجْتِهادٍ فَهو مِمّا أراهُ اللَّهُ وعَرَّفَهُ إيّاهُ ومِمّا أوْحى بِهِ إلَيْهِ أنْ يَفْعَلَهُ، فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ الِاجْتِهادِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في الأحْكامِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ إنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ دَفَعَ عَنْهم، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَمَّ بِالدَّفْعِ عَنْهم مَيْلًا مِنهُ إلى المُسْلِمِينَ دُونَ اليَهُودِيِّ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أنَّهم غَيْرُ مُحِقِّينَ؛ وإذا كانَ ظاهِرُ الحالِ وُجُودَ الدِّرْعِ عِنْدَ اليَهُودِيِّ فَكانَ اليَهُودِيُّ أوْلى بِالتُّهْمَةِ والمُسْلِمُ أوْلى بِبَراءَةِ السّاحَةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَرْكِ المَيْلِ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ والدَّفْعِ عَنْهُ وإنْ كانَ مُسْلِمًا والآخَرُ يَهُودِيًّا، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في أنَّ الحاكِمَ لا يَكُونُ لَهُ مَيْلٌ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلى الآخَرِ وإنْ كانَ أحَدُهُما ذا حُرْمَةٍ لَهُ والآخَرُ عَلى خِلافِهِ. وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ وُجُودَ السَّرِقَةِ في يَدِ إنْسانٍ لا يُوجِبُ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهاهُ عَنِ الحُكْمِ عَلى اليَهُودِيِّ بِوُجُودِ السَّرِقَةِ عِنْدَهُ؛ إذْ كانَ جاحِدًا أنْ يَكُونَ هو الآخِذَ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ جَعَلَ الصّاعَ في رَحْلِ أخِيهِ، ثُمَّ أخَذَهُ بِالصّاعِ واحْتَبَسَهُ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ جائِزٌ، وكانُوا يَسْتَرِقُّونَ السّارِقَ، فاحْتَبَسَهُ عِنْدَهُ؛ وكانَ لَهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلى ذَلِكَ ولَمْ يَسْتَرِقَّهُ، ولا قالَ إنَّهُ سَرَقَ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ رَجُلٌ غَيْرُهُ ظَنَّهُ سارِقًا. وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ الحُكْمِ بِالظَّنِّ والهَوى بِقَوْلِهِ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّهُ أكْذَبُ الحَدِيثِ» . وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] جائِزٌ أنْ يَكُونَ صادَفَ مَيْلًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى اليَهُودِيِّ بِوُجُودِ الدِّرْعِ المَسْرُوقَةِ في دارِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ بَراءَةَ ساحَةِ اليَهُودِيِّ ونَهاهُ عَنْ مُجادَلَتِهِ عَنِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يُجادِلُونَ عَنِ السّارِقِ. وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ شاهِدَةً لِلْخائِنِ بِالبَراءَةِ سائِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُومَ بِعُذْرِهِ في أصْحابِهِ وأنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ عَلى مَنِ ادَّعى عَلَيْهِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أظْهَرَ مُعاوَنَتَهُ لِما ظَهَرَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ مِنَ الشَّهادَةِ بِبَراءَتِهِ وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ باطِنَ أُمُورِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] بِمَسْألَتِهِمْ مَعُونَةَ هَذا الخائِنِ. وقَدْ قِيلَ (p-٢٦٦)إنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ الَّتِي سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ وأعانُوا الخائِنَ كانُوا مُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُونُوا أيْضًا عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِ الخائِنِ وسَرِقَتِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الحُكْمُ جائِزًا عَلى اليَهُودِيِّ بِالسَّرِقَةِ لِأجْلِ وُجُودِ الدِّرْعِ في دارِهِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الحُكْمُ عَلى ظاهِرِ الحالِ ضَلالًا إذا كانَ في الباطِنِ خِلافُهُ، وإنَّما عَلى الحاكِمِ الحُكْمُ بِالظّاهِرِ دُونَ الباطِنِ ؟ قِيلَ لَهُ: لا يَكُونُ الحُكْمُ بِظاهِرِ الحالِ ضَلالًا وإنَّما الضَّلالُ إبْراءُ الخائِنِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةِ عِلْمٍ، فَإنَّما اجْتَهَدُوا أنْ يُضِلُّوهُ عَنْ هَذا المَعْنى.

النساء 4:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ في الفَرْقِ بَيْنَ الخَطِيئَةِ والإثْمِ: إنَّ الخَطِيئَةَ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، والإثْمُ ما كانَ عَنْ عَمْدٍ؛ فَذَكَرَهُما جَمِيعًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهُما، وأنَّهُ سَواءٌ كانَ عَنْ تَعَمُّدٍ أوْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَإنَّهُ إذا رَمى بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا، إذْ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ رَمْيُ غَيْرِهِ بِما لا يَعْلَمُهُ مِنهُ.

النساء 4:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ الآيَةَ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: النَّجْوى هو الإسْرارُ؛ فَأبانَ تَعالى أنَّهُ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِمّا يَتَسارُّونَ بِهِ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بِصَدَقَةٍ أوْ أمْرًا بِمَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ، وكُلُّ أعْمالِ البِرِّ مَعْرُوفٌ لِاعْتِرافِ العُقُولِ بِها؛ لِأنَّ العُقُولَ تَعْتَرِفُ بِالحَقِّ مِن جِهَةِ إقْرارِها بِهِ والتِزامِها لَهُ وتُنْكِرُ الباطِلَ مِن جِهَةِ زَجْرِها عَنْهُ وتَبَرِّيها مِنهُ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى سَمّى أعْمالَ البِرِّ مَعْرُوفًا، وهو أنَّ أهْلَ الفَضْلِ والدِّينِ يَعْرِفُونَ الخَيْرَ لِمُلابَسَتِهِمْ إيّاهُ وعِلْمِهِمْ بِهِ ولا يَعْرِفُونَ الشَّرَّ بِمِثْلِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالخَيْرِ؛ لِأنَّهم لا يُلابِسُونَهُ ولا يَعْلَمُونَ بِهِ، فَسَمّى أعْمالَ البِرِّ مَعْرُوفًا والشَّرَّ مُنْكَرًا. حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ بَكّارٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ أبُو الخَلِيلِ عَنْ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيِّ قالَ: قالَ أبُو جُرَيٍّ جابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ: «رَكِبْتُ قَعُودِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إلى مَكَّةَ فَأنَخْتُ قَعُودِي بِبابِ المَسْجِدِ، فَإذا النَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدانِ مِن صُوفٍ فِيهِما طَرائِقُ حُمْرٌ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ قُلْتُ: إنّا مَعْشَرَ أهْلِ البادِيَةِ فِينا الجَفاءُ فَعَلِّمْنِي كَلِماتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِها فَقالَ: اُدْنُ ثَلاثًا فَدَنَوْتُ فَقالَ: أعِدْ عَلَيَّ فَأعَدْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: اتَّقِ اللَّهَ ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا ولَوْ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ وأنْ تُفْرِغَ مِن فَضْلِ (p-٢٦٧)دَلْوِكَ في إناءِ المُسْتَسْقِي، وإنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِما يَعْلَمُ مِنكَ فَلا تَسُبَّهُ بِما تَعْلَمُ مِنهُ فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ أجْرًا وعَلَيْهِ وِزْرًا، ولا تَسُبُّنَّ شَيْئًا مِمّا خَوَّلَكَ اللَّهُ» قالَ أبُو جُرَيٍّ: واَلَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ ما سَبَبْتُ بَعْدَهُ شَيْئًا لا شاةً ولا بَعِيرًا. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الدَّقّاقُ قالَ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اصْنَعِ المَعْرُوفَ إلى مَن هو أهْلُهُ وإلى مَن لَيْسَ أهْلَهُ، فَإنْ أصَبْتَ أهْلَهُ فَهو أهْلُهُ وإنْ لَمْ تُصِبْ أهْلَهُ فَأنْتَ أهْلُهُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو زَكَرِيّا يَحْيى بْنُ مُحَمَّدٍ الحِمّانِيُّ والحُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالا: حَدَّثَنا شَيْبانُ قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بْنُ شُعَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وأوَّلُ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا أهْلُ المَعْرُوفِ، صَنائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصارِعَ السُّوءِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى وسَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأعْرابِيُّ قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّكم لا تَسَعُونَ النّاسَ بِأمْوالِكم ولَكِنْ لِيَسَعْهم مِنكم بَسْطُ الوَجْهِ وحُسْنُ الخُلُقِ» وأمّا الصَّدَقَةُ فَعَلى وُجُوهٍ: مِنها: الصَّدَقَةُ بِالمالِ عَلى الفُقَراءِ فَرْضًا تارَةً ونَفْلًا أُخْرى ومِنها: مَعُونَةُ المُسْلِمِ بِالجاهِ والقَوْلِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وقالَ ﷺ: «عَلى كُلِّ سُلامى مِنَ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ» وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَكُونَ مِثْلَ أبِي ضَمْضَمٍ ؟ قالُوا: ومَن أبُو ضَمْضَمٍ ؟ قالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم كانَ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلى مَن شَتَمَهُ، فَجَعَلَ احْتِمالَهُ أذى النّاسِ صَدَقَةً بِعِرْضِهِ عَلَيْهِمْ» . قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] وقالَ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ [النساء: ٣٥] حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سالِمٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ (p-٢٦٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وفَسادُ ذاتِ البَيْنِ الحالِقَةُ» . وإنَّما قَيَّدَ الكَلامَ بِشَرْطِ فِعْلِهِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ مَن فَعَلَهُ لِلتَّرَؤُّسِ عَلى النّاسِ والتَّأمُّرِ عَلَيْهِمْ يَدْخُلُ في هَذا الوَعْدِ.

النساء 4:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ الآيَةَ. فَإنَّ مُشاقَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُبايَنَتُهُ ومُعاداتُهُ بِأنْ يَصِيرَ في شِقٍّ غَيْرِ الشِّقِّ الَّذِي هو فِيهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] هو أنْ يَصِيرَ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الرَّسُولِ، وهو يَعْنِي مُبايَنَتَهُ في الِاعْتِقادِ والدِّيانَةِ. وقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ تَغْلِيظًا في الزَّجْرِ عَنْهُ وتَقْبِيحًا لِحالِهِ وتَبْيِينًا لِلْوَعِيدِ فِيهِ؛ إذْ كانَ مُعانِدًا بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ والمُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . وقَرَنَ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ إلى مُبايَنَةِ الرَّسُولِ فِيما ذُكِرَ لَهُ مِنَ الوَعِيدِ، فَدَلَّ عَلى صِحَّةِ إجْماعِ الأُمَّةِ لِإلْحاقِهِ الوَعِيدَ بِمَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ إخْبارٌ عَنْ بَراءَةِ اللَّهِ مِنهُ وأنَّهُ يَكِلُهُ إلى ما تَوَلّى مِنَ الأوْثانِ واعْتَضَدَ بِهِ، ولا يَتَوَلّى اللَّهُ نَصْرَهُ ومَعُونَتَهُ.

النساء 4:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ التَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ، يُقالُ: بَتَّكَهُ يُبَتِّكُهُ تَبْتِيكًا، والمُرادُ بِهِ في هَذا المَوْضِعِ شَقُّ أُذُنِ البَحِيرَةِ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ. * * وقَوْلُهُ: ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: أنَّهُ يُمَنِّيهِمْ طُولَ البَقاءِ في الدُّنْيا ونَيْلَ نَعِيمِها ولَذّاتِها لِيَرْكَنُوا إلى ذَلِكَ ويَحْرِصُوا عَلَيْهِ ويُؤْثِرُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ويَأْمُرَهم أنْ يَشُقُّوا آذانَ الأنْعامِ ويُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى النّاسِ بِذَلِكَ أكْلَها، وهي البَحِيرَةُ الَّتِي كانَتْ العَرَبُ تُحَرِّمُ أكْلَها. * * وقَوْلُهُ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةُ إبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ: دِينَ اللَّهِ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ. ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] والثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وعِكْرِمَةَ وأبِي صالِحٍ: " أنَّهُ الخِصاءُ " . والثّالِثُ: ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ: " أنَّهُ الوَشْمُ " . ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا بِإخْصاءِ الدّابَّةِ، وعَنْ طاوُسٍ وعُرْوَةَ مِثْلُهُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ نَهى عَنِ الإخْصاءِ، وقالَ: " ما أنْهى إلّا في الذُّكُورِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " إخْصاءُ البَهِيمَةِ مُثْلَةٌ " ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نافِعٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إخْصاءِ الجَمَلِ» .

النساء 4:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا (p-٢٦٩)إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وهَذا يُوجِبُ أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَيْنا اتِّباعُهُ. فَإنْ قِيلَ: فَواجِبٌ أنْ تَكُونَ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ ﷺ هي شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ داخِلَةٌ في مِلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وفي مِلَّةِ نَبِيِّنا ﷺ زِيادَةٌ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ فَوَجَبَ مِن أجْلِ ذَلِكَ اتِّباعُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، إذْ كانَتْ داخِلَةً في مِلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . فَكانَ مُتَّبِعُ مِلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّبِعًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ. وقِيلَ في الحَنِيفِ: إنَّهُ المُسْتَقِيمُ، فَمَن سَلَكَ طَرِيقَ الِاسْتِقامَةِ فَهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ. وإنَّما قِيلَ لِلْمُعْوَجِّ الرِّجْلِ " أحْنَفُ " تَفاؤُلًا، كَما قِيلَ لِلْمَهْلَكَةِ مَفازَةٌ ولِلَّدِيغِ سَلِيمًا. * * وقَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاصْطِفاءُ بِالمَحَبَّةِ والِاخْتِصاصُ بِالأسْرارِ دُونَ مَن لَيْسَ لَهُ تِلْكَ المَنزِلَةُ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخُلَّةِ، وهي الحاجَةُ، فَخَلِيلُ اللَّهِ المُحْتاجُ إلَيْهِ المُنْقَطِعُ إلَيْهِ بِحَوائِجِهِ؛ فَإذا أُرِيدَ بِهِ الوَجْهُ الأوَّلُ جازَ أنْ يُقالَ إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ واَللَّهُ تَعالى خَلِيلُ إبْراهِيمَ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الوَجْهُ الثّانِي لَمْ يَجُزْ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِأنَّهُ خَلِيلُ إبْراهِيمَ وجازَ أنْ يُوصَفَ إبْراهِيمُ بِأنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ.

النساء 4:127

(p-٢)بابُ الفَرائِضِ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَوارَثُونَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَبُ، والآخَرُ: السَّبَبُ، فَأمّا ما يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَلَمْ يَكُونُوا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ ولا الإناثَ وإنَّما يُوَرِّثُونَ مَن قاتَلَ عَلى الفَرَسِ وحازَ الغَنِيمَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في آخَرِينَ مِنهم، إلى أنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقَدْ كانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ في المُناكَحاتِ والطَّلاقِ والمِيراثِ إلى أنْ نُقِلُوا عَنْهُ إلى غَيْرِهِ بِالشَّرِيعَةِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أبَلَغَكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أقَرَّ النّاسَ عَلى ما أدْرَكَهم مِن طَلاقٍ أوْ نِكاحٍ أوْ مِيراثٍ» ؟ قالَ: لَمْ يَبْلُغْنا إلّا ذَلِكَ. ورَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: " تَوارَثَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ بِنَسَبِهِمُ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ " . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قالَ: «ما كانَ مِن نِكاحٍ أوْ طَلاقٍ في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ إلّا الرِّبا»، فَما أدْرَكَ الإسْلامُ مِن رِبًا لَمْ يُقْبَضْ رَدَّ إلى البائِعِ رَأْسَ مالِهِ وطَرَحَ الرِّبا " . ورَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: " بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ والنّاسُ عَلى أمْرِ جاهِلِيَّتِهِمْ إلى أنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ أوْ يُنْهَوْا عَنْهُ، وإلّا فَهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أمْرِ جاهِلِيَّتِهِمْ "، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " الحَلالُ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى والحَرامُ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ " . فَقَدْ كانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما لا يَحْظُرُهُ العَقْلُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ مُتَمَسِّكَةً بِبَعْضِ شَرائِعِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ كانُوا أحْدَثُوا أشْياءَ مِنها ما يَحْظُرُهُ العَقْلُ نَحْوُ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ ودَفْنِ البَناتِ وكَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ المُقَبَّحَةِ في العُقُولِ، وقَدْ كانُوا عَلى أشْياءَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ وكَثِيرٍ مِنَ المُعامَلاتِ الَّتِي لا تَحْظُرُها العُقُولُ، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ داعِيًا إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ ما تَحْظُرُهُ العُقُولُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ودَفْنِ البَناتِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وما كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى (p-٣)أوْثانِهِمْ، وتَرَكَهم فِيما لَمْ يَكُنِ العَقْلُ يَحْظُرُهُ مِنَ المُعامَلاتِ وعُقُودِ البِياعاتِ والمُناكَحاتِ والطَّلاقِ والمَوارِيثِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ؛ فَكانَ ذَلِكَ جائِزًا مِنهم؛ إذْ لَيْسَ في العَقْلِ حَظْرُهُ ولَمْ تَقُمْ حُجَّةُ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ، فَكانَ أمْرُ مَوارِيثِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَوْرِيثِ الذُّكُورِ المُقاتِلَةِ مِنهم دُونَ الصِّغارِ ودُونَ الإناثِ إلى أنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَ المَوارِيثِ. وكانَ السَّبَبُ الَّذِي يَتَوارَثُونَ بِهِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: الحِلْفُ، والمُعاقَدَةُ، والآخَرُ: التَّبَنِّي، ثُمَّ جاءَ الإسْلامُ فَتُرِكُوا بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالحِلْفِ والمُعاقَدَةِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ ثُمَّ نُسِخَ. وقالَ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قالَ: " كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ دَمِي دَمُكَ وهَدْمِي هَدْمُكَ وتَرِثُنِي وأرِثُكَ وتُطْلَبُ بِي وأُطْلَبُ بِكَ " قالَ: " فَوَرَّثُوا السُّدُسَ في الإسْلامِ مِن جَمِيعِ الأمْوالِ ثُمَّ يَأْخُذُ أهْلُ المِيراثِ مِيراثَهم، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] ورَوى الحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] " كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَحْلِفُ لَهُ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تابِعًا لَهُ، فَإذا ماتَ صارَ المِيراثُ لِأهْلِهِ وأقارِبِهِ وبَقِيَ تابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ يُعْطى مِن مِيراثِهِ " . وقالَ عَطاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ وفي الإسْلامِ كانَ يَرْغَبُ في خُلَّةِ الرَّجُلِ فَيُعاقِدُهُ فَيَقُولُ: تَرِثُنِي وأرِثُكَ، وأيُّهُما ماتَ قَبْلَ صاحِبِهِ كانَ لِلْحَيِّ ما اشْتَرَطَ مِن مالِ المَيِّتِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قِسْمَةِ المِيراثِ ولَمْ يُذْكَرْ أهْلُ العَقْدِ جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ نَزَلَتْ قِسْمَةُ المِيراثِ ولَمْ يُذْكَرْ أهْلُ العَقْدِ وقَدْ كُنْتُ عاقَدْتُ رَجُلًا فَماتَ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] . فَأخْبَرَ هَؤُلاءِ السَّلَفُ أنَّ مِيراثَ الحَلِيفِ قَدْ كانَ حُكْمُهُ ثابِتًا في الإسْلامِ مِن طَرِيقِ السَّمْعِ لا مِن جِهَةِ إقْرارِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ثابِتًا بِالسَّمْعِ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ وإنَّما كانُوا مُقِرِّينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ فَأزالَتْ ذَلِكَ الحُكْمَ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيانَ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ (p-٤)تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قالَ: " كانَ حِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ فَأُمِرُوا أنْ يُعْطُوهم نَصِيبَهم مِنَ المَشُورَةِ والعَقْلِ والنَّصْرِ ولا مِيراثَ لَهم " . قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذٌ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عِيسى بْنِ الحارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] قالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في العَصَباتِ، كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وأرِثُكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] . قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ تَرِثُنِي وأرِثُكَ، فَنَسَخَتْها: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] قالَ: إلّا أنْ تُوصُوا لِأوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ عاقَدُوهم وصِيَّةً " . فَذَكَرَ هَؤُلاءِ أنَّ ما كانَ مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ [الأحزاب: ٦] وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] إنَّما أُرِيدَ بِهِ الوَصِيَّةُ أوِ المَشُورَةُ والنَّصْرُ مِن غَيْرِ مِيراثٍ؛ وأوْلى الأشْياءِ بِمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ التَّوارُثِ بِالحِلْفِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] يَقْتَضِي نَصِيبًا ثابِتًا لَهم، والعَقْلُ والمَشُورَةُ والوَصِيَّةُ لَيْسَتْ بِنَصِيبٍ ثابِتٍ، وهو مِثْلُ قَوْلِهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] المَفْهُومُ مِن ظاهِرِهِ إثْباتُ نَصِيبٍ مِنَ المِيراثِ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَدِ اقْتَضى ظاهِرُهُ إثْباتَ نَصِيبٍ لَهم قَدِ اسْتَحَقُّوهُ بِالمُعاقَدَةِ؛ والمَشُورَةُ يَسْتَوِي فِيها سائِرُ النّاسِ فَلَيْسَتْ إذًا بِنَصِيبٍ، فالعَقْلُ إنَّما يَجِبُ عَلى حُلَفائِهِ ولَيْسَ هو بِنَصِيبٍ لَهُ، والوَصِيَّةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَقَّةً واجِبَةً فَلَيْسَتْ بِنَصِيبٍ؛ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى النَّصِيبِ المُسَمّى لَهُ في عَقْدِ المُحالَفَةِ أوْلى وأشْبَهُ بِمَفْهُومِ الخِطابِ مِمّا قالَ الآخَرُونَ. وهَذا عِنْدَنا لَيْسَ بِمَنسُوخٍ، وإنَّما حَدَثَ وارِثٌ آخَرُ هو أوْلى مِنهم كَحُدُوثِ ابْنٍ لِمَن لَهُ أخٌ لَمْ يَخْرُجِ الأخُ مِن أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ المِيراثِ، إلّا أنَّ الِابْنَ أوْلى مِنهُ، وكَذَلِكَ أُولُو الأرْحامِ أوْلى مِنَ الحَلِيفِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ رَحِمٌ ولا عَصَبَةٌ فالمِيراثُ لِمَن حالَفَهُ وجَعَلَهُ لَهُ؛ وكَذَلِكَ أجازَ أصْحابُنا الوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ المالِ لِمَن لا وارِثَ لَهُ. وأمّا المِيراثُ بِالدَّعْوَةِ والتَّبَنِّي فَإنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَتَبَنّى ابْنَ غَيْرِهِ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ أبِيهِ مِنَ النَّسَبِ ويَرِثُهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا ثابِتًا في الإسْلامِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ وكانَ يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقالَ تَعالى: (p-٥)﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقَدْ كانَ أبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ تَبَنّى سالِمًا، فَكانَ يُقالُ لَهُ سالِمُ بْنُ أبِي حُذَيْفَةَ، إلى أنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ؛ فَنَسَخَ اللَّهُ تَعالى الدَّعْوَةَ بِالتَّبَنِّي ونَسَخَ مِيراثَهُ. حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ المُؤَدِّبُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: " إنَّما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجالًا ويُوَرِّثُونَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ أنْ يُجْعَلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ الوَصِيَّةِ ورَدَّ المِيراثَ إلى المَوالِي مِن ذَوِي الرَّحِمِ والعَصَبَةِ، وأبى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِلْمُدَّعَيْنَ مِيراثًا مِمَّنِ ادَّعاهم، ولَكِنْ جَعَلَ لَهم نَصِيبًا مِنَ الوَصِيَّةِ، فَكانَ ما تَعاقَدُوا عَلَيْهِ في المِيراثِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ أمْرَهم " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مُنْتَظِمًا لِلْحِلْفِ والتَّبَنِّي جَمِيعًا؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَثْبُتُ بِالعَقْدِ؛ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا كانَ مِن مَوارِيثِ الجاهِلِيَّةِ وبَقِيَ في الإسْلامِ بَعْضُها بِالإقْرارِ عَلَيْهِ إلى أنْ نُقِلُوا عَنْهُ وبَعْضُهُ بِنَصٍّ ورَدَ في إثْباتِهِ إلى أنْ ورَدَ ما أوْجَبَ نَقْلَهُ. وأمّا مَوارِيثُ الإسْلامِ فَإنَّها مَعْقُودَةٌ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما نَسَبٌ، والآخَرُ سَبَبٌ لَيْسَ بِنَسَبٍ؛ فَأمّا المُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَما نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ في كِتابِهِ وبَيَّنَ رَسُولُهُ ﷺ بَعْضَهُ وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى بَعْضِهِ وقامَتِ الدَّلالَةُ عَلى بَعْضٍ، وأمّا السَّبَبُ الَّذِي وُرِّثَ بِهِ في الإسْلامِ فَبَعْضُهُ ثابِتٌ وبَعْضُهُ مَنسُوخُ الحُكْمِ. فَمِنَ الأسْبابِ الَّتِي وُرِّثَ بِها في الإسْلامِ ما ذَكَرْنا في عَقْدِ المُحالَفَةِ ومِيراثِ الأدْعِياءِ، وقَدْ ذَكَرْنا حُكْمَهُ ونَسْخَ ما رُوِيَ نَسْخُهُ وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا لَيْسَ بِنَسْخٍ وإنَّما جُعِلَ وارِثٌ أوْلى مِن وارِثٍ. وكانَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المِيراثَ الهِجْرَةُ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] قالَ: " كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ (p-٦)الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] . وقالَ بَعْضُهم: نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] وكانُوا يَتَوارَثُونَ بِالأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم " . ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخى بَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وبَيْنَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، فارْتَثَّ كَعْبٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجاءَ بِهِ الزُّبَيْرُ يَقُودُهُ بِزِمامِ راحِلَتِهِ، ولَوْ ماتَ كَعْبٌ عَنِ الضِّحِّ والرِّيحِ لَوَرِثَهُ الزُّبَيْرُ» حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَرِثُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الَّذِي آخى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُونَ أخِيهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مِنَ النَّصْرِ، والرِّفادَةِ " . فَذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] أُرِيدَ بِهِ مُعاقَدَةُ الأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم. ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والإسْلامِ، فَكانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ ولا يُهاجِرُ فَلا يَرِثُ أخاهُ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] . ورَوى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ لا يَرِثُ مِنَ المُهاجِرِ شَيْئًا وإنْ كانَ ذا قُرْبى لِيَحُثَّهم بِذَلِكَ عَلى الهِجْرَةِ، فَلَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ تِلْكَ، ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] فَرَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِ أنْ يُوصِيَ لِقَرابَتِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ مِنَ الثُّلُثِ وما دُونَهُ، ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦] قالَ: مَكْتُوبًا. فَجُمْلَةُ ما حَصَلَ عَلَيْهِ التَّوارُثُ بِالأسْبابِ في أوَّلِ الإسْلامِ التَّبَنِّي والحِلْفُ والهِجْرَةُ والمُؤاخاةُ الَّتِي آخى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نُسِخَ المِيراثُ بِالتَّبَنِّي والهِجْرَةِ والمُؤاخاةِ؛ وأمّا الحِلْفُ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ جُعِلَتِ القَرابَةُ أوْلى مِنهُ ولَمْ يُنْسَخْ إذا لَمْ تَكُنْ قَرابَةٌ، وجائِزٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ جَمِيعَ مالِهِ أوْ بَعْضَهُ ومِنَ الأسْبابِ الَّتِي عُقِدَ بِها التَّوارُثُ في الإسْلامِ ولاءُ العَتاقَةِ والزَّوْجِيَّةِ ووَلاءُ المُوالاةِ، وهو عِنْدَنا يَجْرِي مَجْرى الحِلْفِ، وإنَّما يَثْبُتُ حُكْمُهُ إذا لَمْ يَكُنْ وارِثٌ مِن ذِي رَحِمٍ أوْ عَصَبَةٍ. فَجَمِيعُ ما انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ مَوارِيثُ الإسْلامِ السَّبَبُ والنَّسَبُ، والسَّبَبُ كانَ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ: (p-٧)مِنها المُعاقَدَةُ بِالحِلْفِ والتَّبَنِّي، والأُخُوَّةُ الَّتِي آخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والهِجْرَةُ والزَّوْجِيَّةُ ووَلاءُ العَتاقَةِ ووَلاءُ المُوالاةِ، فَأمّا إيجابُ المِيراثِ بِالحِلْفِ والتَّبَنِّي والأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِها فَمَنسُوخٌ مَعَ وُجُودِ العَصَباتِ وذَوِي الأرْحامِ، ووَلاءُ العَتاقَةِ والمُوالاةُ والزَّوْجِيَّةُ هي أسْبابٌ ثابِتَةٌ يُسْتَحَقُّ بِها المِيراثُ عَلى التَّرْتِيبِ المَشْرُوطِ لِذَلِكَ. وأمّا النَّسَبُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ المِيراثُ فَيَنْقَسِمُ إلى أنْحاءٍ ثَلاثَةٍ: ذَوُو السِّهامِ والعَصَباتُ وذَوُو الأرْحامِ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. فَأمّا الآياتُ المُوجِبَةُ لِمِيراثِ ذَوِي الأنْسابِ مِن ذَوِي السِّهامِ والعَصَباتِ وذَوِي الأرْحامِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ نُسِخَ بِهِما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ ما كانَ عَلَيْهِ الأمْرُ في تَوْرِيثِ الرِّجالِ المُقاتِلَةِ دُونَ الذُّكُورِ الصِّغارِ والإناثِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في اليَتِيمَةِ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها فَيَرْغَبُ في مالِها وجَمالِها ولا يُقْسِطُ لَها في صَداقِها، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ أوْ يَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ يَعْنِي بِهِ ما ذَكَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] وقَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، واَللَّهُ المُوَفِّقُ.

النساء 4:128

بابُ مُصالَحَةِ المَرْأةِ وزَوْجِها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ قِيلَ في مَعْنى النُّشُوزِ إنَّهُ التَّرَفُّعُ عَلَيْها لِبُغْضِهِ إيّاها، مَأْخُوذٌ مِن نَشَزِ الأرْضِ وهي المُرْتَفِعَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ إعْراضًا﴾ يَعْنِي لِمَوْجِدَةٍ أوْ أثَرَةٍ، فَأباحَ اللَّهُ لَهُما الصُّلْحَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أجازَ لَهُما أنْ يَصْطَلِحا عَلى تَرْكِ بَعْضِ مَهْرِها أوْ بَعْضِ أيّامِها بِأنْ تَجْعَلَهُ لِغَيْرِها. وقالَ عُمَرُ: " ما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ " . ورَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُطَلِّقْنِي وأمْسِكْنِي واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ فَفَعَلَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ؛ فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ " وقالَ هِشامُ (p-٢٧٠)بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ في المَرْأةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ ويُرِيدُ طَلاقَها ويَتَزَوَّجُ غَيْرَها فَتَقُولُ: أمْسِكْنِي ولا تُطَلِّقُنِي، ثُمَّ تَزَوَّجْ وأنْتَ في حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ والقِسْمَةِ لِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ . وعَنْ عائِشَةَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ: أنَّ «سَوْدَةَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بِهِ لَها» . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ القَسْمِ بَيْنَ النِّساءِ إذا كانَ تَحْتَهُ جَماعَةٌ، وعَلى وُجُوبِ الكَوْنِ عِنْدَها إذا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ إلّا واحِدَةٌ وقَضى كَعْبُ بْنُ سُورٍ بِأنَّ لَها يَوْمًا مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ بِحَضْرَةِ عُمَرَ، فاسْتَحْسَنَهُ عُمَرُ ووَلّاهُ قَضاءَ البَصْرَةِ. وأباحَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَ حَقَّها مِنَ القَسْمِ وأنْ تَجْعَلَهُ لِغَيْرِها مِن نِسائِهِ، وعُمُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازَ اصْطِلاحِهِما عَلى تَرْكِ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والقَسْمِ وسائِرِ ما يَجِبُ لَها بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، إلّا أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ لَها إسْقاطُ ما وجَبَ مِنَ النَّفَقَةِ لِلْماضِي، فَأمّا المُسْتَقْبَلُ فَلا تَصِحُّ البَراءَةُ مِنهُ؛ وكَذَلِكَ لَوْ أبْرَأتْ مِنَ الوَطْءِ لَمْ يَصِحَّ إبْراؤُها وكانَ لَها المُطالَبَةُ بِحَقِّها مِنهُ؛ وإنَّما يَجُوزُ بِطِيبِ نَفْسِها بِتَرْكِ المُطالَبَةِ بِالنَّفَقَةِ وبِالكَوْنِ عِنْدَها، فَأمّا أنْ تُسْقِطَ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ بِالبَراءَةِ مِنهُ فَلا. ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُعْطِيَها عِوَضًا عَلى تَرْكِ حَقِّها مِنَ القَسْمِ أوِ الوَطْءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أكْلُ مالٍ بِالباطِلِ، أوْ ذَلِكَ حَقٌّ لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يَسْقُطُ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ وهو عَقْدُ النِّكاحِ، وهو مِثْلُ أنْ تُبْرِئَ الرَّجُلَ مِن تَسْلِيمِ العَبْدِ المَهْرَ فَلا يَصِحُّ لِوُجُودِ ما يُوجِبُهُ وهو العَقْدُ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ أجازَ أصْحابُنا أنْ يَخْلَعَها عَلى نَفَقَةِ عِدَّتِها فَقَدْ أجازُوا البَراءَةَ مِن نَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ المُوجِبِ لَها وهي العِدَّةُ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يُجِيزُوا البَراءَةَ مِنَ النَّفَقَةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المُخْتَلِعَةِ والزَّوْجَةِ في امْتِناعِ وُقُوعِ البَراءَةِ مِن نَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ؛ ولَكِنَّهُ إذا خالَعَها عَلى نَفَقَةِ العِدَّةِ فَإنَّما جَعَلَ الجُعْلَ مِقْدارَ نَفَقَةِ العِدَّةِ، والجُعْلُ في الخُلْعِ يَجُوزُ فِيهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الجَهالَةِ، فَصارَ ذَلِكَ في ضَمانِها بِعَقْدِ الخُلْعِ، ثُمَّ ما يَجِبُ لَها بَعْدُ مِن نَفَقَةِ العِدَّةِ في المُسْتَقْبَلِ يَصِيرُ قِصاصًا بِمالِهِ عَلَيْها وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ اصْطِلاحِهِما مِنَ المَهْرِ عَلى تَرْكِ جَمِيعِهِ أوْ بَعْضِهِ أوْ عَلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وأجازَتِ الصُّلْحَ في سائِرِ الوُجُوهِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: " يَعْنِي خَيْرٌ مِنَ الإعْراضِ والنُّشُوزِ "؛ وقالَ آخَرُونَ: " مِنَ الفُرْقَةِ " . وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عُمُومًا في جَوازِ الصُّلْحِ في سائِرِ الأشْياءِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الصُّلْحِ عَنْ إنْكارٍ والصُّلْحُ مِن (p-٢٧١)المَجْهُولِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " الشُّحُّ عَلى أنْصِبائِهِنَّ مِن أزْواجِهِنَّ وأمْوالِهِنَّ "؛ وقالَ الحَسَنُ: " تَشِحُّ نَفْسُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ بِحَقِّهِ قِبَلَ صاحِبِهِ " . والشُّحُّ البُخْلُ، وهو الحِرْصُ عَلى مَنعِ الخَيْرِ.

النساء 4:129

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآيَةَ؛ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: " يَعْنِي المَوَدَّةَ ومَيْلَ الطِّباعِ " وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ إظْهارَهُ بِالفِعْلِ حَتّى يَنْصَرِفَ عَنْها إلى غَيْرِها، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " لا أيِّمَ ولا ذاتِ زَوْجٍ " . وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما عَلى الأُخْرى جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»؛ وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ أيْضًا عَلى وُجُوبِ القَسْمِ بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأنَّهُ إذا لَمْ يَعْدِلْ فالفُرْقَةُ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِهِ ما يَجِبُ لَها مِنَ العَدْلِ في القَسْمِ وتَرْكِ إظْهارِ المَيْلِ عَنْها إلى غَيْرِها: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ تَسْلِيَةً لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما سَيُغْنِيهِ اللَّهُ عَنِ الآخَرِ إذا قَصَدا الفُرْقَةَ، تَخَوُّفًا مِن تَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي أوْجَبَها؛ وأخْبَرَ أنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ عَلى اللَّهِ وأنَّ ما يُجْرِيهِ مِنهُ عَلى أيْدِي عِبادِهِ فَهو المُسَبِّبُ لَهُ والمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ عَلَيْهِ؛ وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

النساء 4:130

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآيَةَ؛ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: " يَعْنِي المَوَدَّةَ ومَيْلَ الطِّباعِ " وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ إظْهارَهُ بِالفِعْلِ حَتّى يَنْصَرِفَ عَنْها إلى غَيْرِها، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " لا أيِّمَ ولا ذاتِ زَوْجٍ " . وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما عَلى الأُخْرى جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»؛ وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ أيْضًا عَلى وُجُوبِ القَسْمِ بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأنَّهُ إذا لَمْ يَعْدِلْ فالفُرْقَةُ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِهِ ما يَجِبُ لَها مِنَ العَدْلِ في القَسْمِ وتَرْكِ إظْهارِ المَيْلِ عَنْها إلى غَيْرِها: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ تَسْلِيَةً لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما سَيُغْنِيهِ اللَّهُ عَنِ الآخَرِ إذا قَصَدا الفُرْقَةَ، تَخَوُّفًا مِن تَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي أوْجَبَها؛ وأخْبَرَ أنَّ رِزْقَ العِبادِ كُلِّهِمْ عَلى اللَّهِ وأنَّ ما يُجْرِيهِ مِنهُ عَلى أيْدِي عِبادِهِ فَهو المُسَبِّبُ لَهُ والمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ عَلَيْهِ؛ وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

النساء 4:135

بابُ ما يَجِبُ عَلى الحاكِمِ مِنَ العَدْلِ بَيْنَ الخُصُومِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ؛ رَوى قابُوسٌ عَنْ أبِي ظَبْيانَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ قالَ: " هو الرَّجُلانِ يَجْلِسانِ إلى القاضِي فَيَكُونُ لَيُّ القاضِي وإعْراضُهُ عَنِ الآخَرِ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرانَ الدِّينَوَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ كَثِيرٍ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ بِالقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهم في لَحْظِهِ وإشارَتِهِ ومَقْعَدِهِ ولا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ ما لَمْ يَرْفَعْ عَلى الآخَرِ» قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ قَدْ (p-٢٧٢)أفادَ الأمْرَ بِالقِيامِ بِالحَقِّ والعَدْلِ، وذَلِكَ مُوجِبٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ إنْصافَ النّاسِ مِن نَفْسِهِ فِيما يَلْزَمُهُ لَهم وإنْصافَ المَظْلُومِ مِن ظالِمِهِ ومَنعَ الظّالِمِ مِن ظُلْمِهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: فِيما إذا كانَ الوُصُولُ إلى القِسْطِ مِن طَرِيقِ الشَّهادَةِ؛ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ عَلى الظّالِمِ المانِعِ مِنَ الحَقِّ لِلْمَظْلُومِ صاحِبِ الحَقِّ لِاسْتِخْراجِ حَقِّهِ مِنهُ وإيصالِهِ إلَيْهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وتَضَمَّنَ أيْضًا الأمْرَ بِالِاعْتِرافِ والإقْرارِ لِصاحِبِ الحَقِّ بِحَقِّهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ لِأنَّ شَهادَتَهُ عَلى نَفْسِهِ هو إقْرارُهُ بِما عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ إقْرارِ المُقِرِّ عَلى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وأنَّهُ واجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يُقِرَّ إذا طالَبَهُ صاحِبُ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ عَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ودَلَّ عَلى جَوازِ شَهادَةِ الإنْسانِ عَلى والِدَيْهِ وعَلى سائِرِ أقْرِبائِهِ؛ لِأنَّهم والأجْنَبِيِّينَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَنزِلَةٍ، وإنْ كانَ الوالِدانِ إذا شَهِدَ عَلَيْهِما أوْلادُهُما رُبَّما أوْجَبَ ذَلِكَ حَبْسُهُما، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُقُوقٍ ولا يَجِبُ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِما لِكَراهَتِهِما لِذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَنعٌ لَهُما مِنَ الظُّلْمِ وهو نُصْرَةٌ لَهُما كَما قالَ ﷺ: «اُنْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظالِمًا ؟ قالَ: تَرُدُّهُ عَنِ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرٌ مِنكَ إيّاهُ»، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: «لا طاعَةَ لَمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ طاعَةُ الأبَوَيْنِ فِيما يَحِلُّ ويَجُوزُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُطِيعَهُما في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَهُ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِما مَعَ كَراهَتِهِما لِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ أمْرٌ لَنا بِأنْ لا نَنْظُرَ إلى فَقْرِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إشْفاقًا مِنّا عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ أوْلى بِحُسْنِ النَّظَرِ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الأغْنِياءِ والفُقَراءِ وأعْلَمُ بِمَصالِحِ الجَمِيعِ، فَعَلَيْكم إقامَةَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِما عِنْدَكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ يَعْنِي لا تَتْرُكُوا العَدْلَ اتِّباعًا لِلْهَوى والمَيْلِ إلى الأقْرِباءِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ [ص: ٢٦] وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَلى الشّاهِدِ إقامَةَ الشَّهادَةِ عَلى الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وإنْ كانَ عالِمًا بِفَقْرِهِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِناعُ مِن إقامَتِها خَوْفًا مِن أنْ يَحْبِسَهُ القاضِي لِفَقْدِ عِلْمِهِ بِعَدَمِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُ في القاضِي يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ الخَصْمانِ فَيَكُونُ (p-٢٧٣)لَيُّهُ وإعْراضُهُ عَلى أحَدِهِما " . واللَّيُّ هو الدَّفْعُ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ»، يَعْنِي مَطْلَهُ ودَفْعَ الطّالِبِ عَنْ حَقِّهِ. فَإذا أُرِيدَ بِهِ القاضِي كانَ مَعْناهُ دَفْعُهُ الخَصْمَ عَمّا يَجِبُ لَهُ مِنَ العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الشّاهِدَ في أنَّهُ مَأْمُورٌ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ وأنْ لا يَدْفَعَ صاحِبَ الحَقِّ عَنْها ويُمْطِلَهُ بِها ويَعْرِضَ عَنْهُ إذا طالَبَهُ بِإقامَتِها، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْحاكِمِ والشّاهِدِ جَمِيعًا لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما، فَيُفِيدُ ذَلِكَ الأمْرَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخُصُومِ في المَجْلِسِ والنَّظَرِ والكَلامِ وتَرْكِ إسْرارِ أحَدِهِما والخَلْوَةِ بِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: «نَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُضَيِّفَ أحَدَ الخَصْمَيْنِ دُونَ الآخَرِ» .

النساء 4:136

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قِيلَ فِيهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمَن قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الأنْبِياءِ آمِنُوا بِاَللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ وما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم مِن حَيْثُ آمَنُوا بِالمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الأنْبِياءِ لِما كانَ مَعَهم مِنَ الآياتِ فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِهَذِهِ العِلَّةِ بِعَيْنِها. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ في كُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَمِن حَيْثُ آمَنُوا بِهِمْ وصَدَّقُوا بِما أخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أخْبَرُوهم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَلَيْهِمُ الإيمانُ بِهِ وهم مَحْجُوجُونَ بِذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرٌ لَهم بِالمُداوَمَةِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:137

بابُ اسْتِتابَةِ المُرْتَدِّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قالَ قَتادَةُ: " يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابَيْنِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ آمَنَ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخالَفَتِها وكَذَلِكَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخالَفَتِهِ، وآمَنَ النَّصارى بِالإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخالَفَتِهِ وكَذَلِكَ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ كَفَرُوا بِمُخالَفَتِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُخالَفَةِ الفُرْقانِ ومُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ مُجاهِدٌ: " هي في المُنافِقِينَ: آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ " . وقالَ آخَرُونَ هم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدَتْ تَشْكِيكَ أهْلِ الإسْلامِ، وكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ والكُفْرَ بِهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أمْرَهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرْتَدَّ الَّذِي تابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وأنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ مَقْبُولَةٌ؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ وقَبُولُ تَوْبَتِهِ بَعْدَ الكُفْرِ مَرَّةً بَعْدَ (p-٢٧٤)أُخْرى والحُكْمُ بِإيمانِهِ مَتى أظْهَرَ الإيمانَ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في اسْتِتابَةِ المُرْتَدِّ والزِّنْدِيقِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " في الأصْلِ لا يُقْتَلُ المُرْتَدُّ حَتّى يُسْتَتابَ، ومَن قَتَلَ مُرْتَدًّا قَبْلَ أنْ يُسْتَتابَ فَلا ضَمانَ عَلَيْهِ " . وذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في الزِّنْدِيقِ الَّذِي يُظْهِرُ الإسْلامَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: " أسْتَتِيبُهُ كالمُرْتَدِّ، فَإنْ أسْلَمَ خَلَّيْتُ سَبِيلَهُ وإنْ أبى قَتَلْتُهُ "، وقالَ أبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ زَمانًا، فَلَمّا رَأى ما يَصْنَعُ الزَّنادِقَةُ ويَعُودُونَ قالَ: " أرى إذا أُتِيتُ بِزِنْدِيقٍ آمُرُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ ولا أسْتَتِيبُهُ، فَإنْ تابَ قَبْلَ أنْ أقْتُلَهُ خَلَّيْتُهُ " . وذَكَرَ سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي يُوسُفَ قالَ: " إذا زَعَمَ الزِّنْدِيقُ أنَّهُ قَدْ تابَ حَبَسْتُهُ] حَتّى أعْلَمَ تَوْبَتَهُ " . وذَكَرَ مُحَمَّدٌ في السِّيَرِ عَنْ أبِي يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: " أنَّ المُرْتَدَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الإسْلامُ فَإنْ أسْلَمَ وإلّا قُتِلَ مَكانَهُ، إلّا أنْ يَطْلُبَ أنْ يُؤَجَّلَ فَإنْ طَلَبِ ذَلِكَ أُجِّلَ ثَلاثَةَ أيّامٍ " ولَمْ يَحْكِ خِلافًا. قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ: وحَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في نَوادِرَ ذَكَرَها عَنْهُ أدْخَلَها في أمالِيهِ عَلَيْهِمْ قالَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: " اُقْتُلِ الزِّنْدِيقَ سِرًّا فَإنَّ تَوْبَتَهُ لا تُعْرَفُ "، ولَمْ يَحْكِ أبُو يُوسُفَ خِلافَهُ. وقالَ أبُو القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " المُرْتَدُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الإسْلامُ ثَلاثًا فَإنْ أسْلَمَ وإلّا قُتِلَ، وإنِ ارْتَدَّ سِرًّا قُتِلَ ولَمْ يُسْتَتَبْ كَما يُقْتَلُ الزَّنادِقَةُ، وإنَّما يُسْتَتابُ مَن أظْهَرَ دِينَهُ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ " قالَ مالِكٌ: " يُقْتَلُ الزَّنادِقَةُ ولا يُسْتَتابُونَ، والقَدَرِيَّةُ يُسْتَتابُونَ " فَقِيلَ لِمالِكٍ: فَكَيْفَ يُسْتَتابُ القَدَرِيَّةُ ؟ قالَ: " يُقالُ لَهُمُ اتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَإنْ فَعَلُوا وإلّا قُتِلُوا وإنْ أقَرَّ القَدَرِيَّةُ بِالعِلْمِ لَمْ يُقْتَلُوا " . ورَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن غَيَّرَ دِينَهُ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ»؛ قالَ مالِكٌ: هَذا فِيمَن تَرَكَ الإسْلامَ ولَمْ يُقِرَّ بِهِ، لا فِيمَن خَرَجَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ إلى النَّصْرانِيَّةِ ولا مِنَ النَّصْرانِيَّةِ إلى اليَهُودِيَّةِ؛ قالَ مالِكٌ: وإذا رَجَعَ المُرْتَدُّ إلى الإسْلامِ فَلا ضَرْبَ عَلَيْهِ، وحَسَنٌ أنْ يُتْرَكَ المُرْتَدُّ ثَلاثَةَ أيّامٍ ويُعْجِبُنِي. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ وإنْ تابَ مِائَةَ مَرَّةٍ " . وقالَ اللَّيْثُ: " النّاسُ لا يَسْتَتِيبُونَ مَن وُلِدَ في الإسْلامِ إذا شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، ولَكِنَّهُ يُقْتَلُ تابَ مِن ذَلِكَ أوْ لَمْ يَتُبْ إذا قامَتِ البَيِّنَةُ العادِلَةُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ ظاهِرًا والزِّنْدِيقُ، وإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ " . وفِي الِاسْتِتابَةِ ثَلاثًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَدِيثُ عُمَرَ، والآخَرُ أنَّهُ لا يُؤَخَّرُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِأناةٍ؛ وهَذا ظاهِرُ الخَبَرِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى سُفْيانُ عَنْ جابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: " يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ ثَلاثًا " ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ؛ ورُوِيَ (p-٢٧٥)عَنْ عُمَرَ أنَّهُ أمَرَ بِاسْتِتابَتِهِ ثَلاثًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِتابَتَهُ؛ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى أنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ دُعاءَهُ إلى الإسْلامِ والتَّوْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فَأمَرَ بِالدُّعاءِ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المُرْتَدِّ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي دُعاءَ المُرْتَدِّ إلى الإسْلامِ كَدُعاءِ سائِرِ الكُفّارِ، ودُعاؤُهُ إلى الإسْلامِ هو الِاسْتِتابَةُ؛ وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الدُّعاءَ إلى الإيمانِ؛ ويُحْتَجُّ بِذَلِكَ أيْضًا في اسْتِتابَةِ الزِّنْدِيقِ لِاقْتِضاءِ عُمُومِ اللَّفْظِ لَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وغَيْرِهِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي قَبُولَ إسْلامِهِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى زَوالِ القَتْلِ عَنْهُ؛ لِأنّا نَقُولُ هو مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ ويَجِبُ مَعَ ذَلِكَ قَتْلُهُ كَما يُقْتَلُ الزّانِي المُحْصَنُ وإنْ كانَ تائِبًا ويُقْتَلُ قاتِلُ النَّفْسِ مَعَ التَّوْبَةِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] يَقْتَضِي غُفْرانَ ذُنُوبِهِ وقَبُولَ تَوْبَتِهِ؛ لِأنَّ تَوْبَتَهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لَما كانَتْ ذُنُوبُهُ مَغْفُورَةً، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ اسْتِتابَتِهِ وقَبُولِها مِنهُ في أحْكامِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأيْضًا فَإنَّ قَتْلَ الكافِرِ إنَّما هو مُسْتَحَقٌّ بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ، فَإذا انْتَقَلَ عَنْهُ إلى الإيمانِ فَقَدْ زالَ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ وجَبَ قَتْلُهُ وعادَ إلى حَظْرِ دَمِهِ ألا تَرى أنَّ المُرْتَدَّ ظاهِرًا مَتى أظْهَرَ الإسْلامَ حُقِنَ دَمُهُ ؟ كَذَلِكَ الزِّنْدِيقُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المُرْتَدِّ الَّذِي لَحِقَ بِمَكَّةَ وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ: سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] فَكَتَبُوا بِها إلَيْهِ، فَرَجَعَ فَأسْلَمَ؛ فَحَكَمَ لَهُ بِالتَّوْبَةِ بِما ظَهَرَ مِن قَوْلِهِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ والحُكْمُ لَهُ بِما يَظْهَرُ مِنهُ دُونَ ما في قَلْبِهِ. وقَوْلُهُ مَن قالَ: إنِّي لا أعْرِفُ تَوْبَتَهُ إذا كَفَرَ سِرًّا، فَإنّا لا نُؤاخَذُ بِاعْتِبارِ حَقِيقَةِ اعْتِقادِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا نَصِلُ إلَيْهِ، وقَدْ حَظَرَ اللَّهُ عَلَيْنا الحُكْمَ بِالظَّنِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّهُ أكْذَبُ الحَدِيثِ»، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقالَ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ العِلْمِ بِضَمائِرِهِنَّ (p-٢٧٦)واعْتِقادِهِنَّ، وإنَّما أرادَ ما ظَهَرَ مِن إيمانِهِنَّ بِالقَوْلِ وجَعَلَ ذَلِكَ عِلْمًا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالضَّمِيرِ في أحْكامِ الدُّنْيا وإنَّما الِاعْتِبارُ بِما يَظْهَرُ مِنَ القَوْلِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وذَلِكَ عُمُومٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ؛ «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا، قالَ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» . ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، أنَّهُ أتى عَبْدَ اللَّهِ فَقالَ: ما بَيْنِي وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ إحْنَةٌ، وإنِّي مَرَرْتُ بِمَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ فَإذا هم يُؤْمِنُونَ بِمُسَيْلِمَةَ؛ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ، فَجاءَ بِهِمْ واسْتَتابَهم، غَيْرَ ابْنِ النَّوّاحَةِ قالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلا أنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ» فَأنْتَ اليَوْمَ لَسْتَ بِرَسُولٍ، أيْنَ ما كُنْتَ تُظْهِرُ مِنَ الإسْلامِ ؟ قالَ: كُنْتُ أتَّقِيكم بِهِ؛ فَأمَرَ بِهِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِالسُّوقِ، ثُمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى ابْنِ النَّوّاحَةِ قَتِيلًا بِالسُّوقِ. فَهَذا مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْتَتابَ القَوْمَ وقَدْ كانُوا مُظْهِرِينَ لِكُفْرِهِمْ، وأمّا ابْنُ النَّوّاحَةِ فَلَمْ يَسْتَتِبْهُ؛ لِأنَّهُ أقَرَّ أنَّهُ كانَ مُسِرًّا لِلْكُفْرِ مُظْهِرًا لِلْإيمانِ عَلى وجْهِ التَّقِيَّةِ؛ وقَدْ كانَ قَتْلُهُ إيّاهُ بِحَضْرَةِ الصَّحابَةِ؛ لِأنَّ في الحَدِيثِ أنَّهُ شاوَرَ الصَّحابَةَ فِيهِمْ. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: أُخِذَ بِالكُوفَةِ رِجالٌ يُؤْمِنُونَ بِمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلى عُثْمانَ، فَكَتَبَ عُثْمانُ: " اعْرِضْ عَلَيْهِمْ دِينَ الحَقِّ وشَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَن قالَها وتَبَرَّأ مِن دِينِ مُسَيْلِمَةَ فَلا تَقْتُلُوهُ، ومَن لَزِمَ دِينَ مُسَيْلِمَةَ فاقْتُلْهُ " فَقَبِلَها رِجالٌ مِنهم ولَزِمَ دِينَ مُسَيْلِمَةَ رِجالٌ فَقُتِلُوا.

النساء 4:138

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أنْصارًا وأعْضادًا لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ لَهُمُ القُوَّةَ والمَنَعَةَ بِعَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالمُخالَفَةِ جَهْلًا مِنهم بِدِينِ اللَّهِ؛ وهَذا مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الِاسْتِنْصارُ بِالكُفّارِ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ إذْ كانُوا مَتى غَلَبُوا كانَ حُكْمُ الكُفْرِ هو الغالِبُ؛ وبِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا. وقَوْلُهُ: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الِاعْتِبارِ، وأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالكُفّارِ لا تَجُوزُ، إذْ كانُوا مَتى غَلَبُوا كانَ الغَلَبَةُ والظُّهُورُ لَلْكُفّارِ، وكانَ حُكْمُ الكُفْرِ هو الغالِبُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتِ الآيَةُ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، وهم كُفّارٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلال بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذا الفِعْلَ مَحْظُورٌ فَلا يَخْتَلِفُ (p-٢٧٧)حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَتى ذَمَّ قَوْمًا عَلى فِعْلٍ فَذَلِكَ الفِعْلُ قَبِيحٌ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ فِعْلُهُ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ إنَّ أصْلَ العِزَّةِ هو الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ الشَّدِيدَةِ " عَزازُ " وقِيلَ: قَدِ اسْتَعَزَّ المَرَضُ عَلى المَرِيضِ إذا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ " عَزَّ عَلَيَّ كَذا " إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وعَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ؛ لِأنَّهُ يَشْتَدُّ مَطْلَبُهُ؛ وعازَّهُ في الأمْرِ إذا شادَّهُ فِيهِ، وشاةٌ عَزُوزٌ إذا كانَتْ تَحْلِبُ بِشِدَّةٍ لِضِيقِ أحالِيلِها، والعِزَّةُ القُوَّةُ مَنقُولَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، والعَزِيزُ القَوِيُّ المَنِيعُ؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ وأنْصارًا والِاعْتِزازِ بِهِمْ والِالتِجاءِ إلَيْهِمْ لِلتَّعَزُّزِ بِهِمْ. وقَدْ حَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الدَّوْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كاسِبٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُمَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ الحُرِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اعْتَزَّ بِالعَبِيدِ أذَلَّهُ اللَّهُ تَعالى»؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى الآيَةِ فِيمَنِ اعْتَزَّ بِالكُفّارِ والفُسّاقِ ونَحْوِهِمْ، فَأمّا أنْ يَعْتَزَّ بِالمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِزازِ بِالكُفّارِ وإخْبارٌ بِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ دُونَهم وذَلِكَ مُنْصَرِفٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها امْتِناعُ إطْلاقِ العِزَّةِ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِعِزَّةِ أحَدٍ مَعَ عِزَّتِهِ لِصِغَرِها واحْتِقارِها في صِفَةِ عِزَّتِهِ. والآخَرُ: أنَّهُ المُقَوِّي لِمَن لَهُ القُوَّةُ مِن جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَجَمِيعُ العِزَّةِ لَهُ؛ إذْ كانَ عَزِيزًا لِنَفْسِهِ مُعِزًّا لِكُلِّ مَن نُسِبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العِزَّةِ. والآخَرُ: أنَّ الكُفّارَ أذِلّاءُ في حُكْمِ اللَّهِ فانْتَفَتْ عَنْهم صِفَةُ العِزَّةِ وكانَتْ لِلَّهِ ولِمَن جَعَلَها لَهُ في الحُكْمِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فالكُفّارُ وإنْ حَصَلَ لَهم ضَرْبٌ مِنَ القُوَّةِ والمَنَعَةِ فَغَيْرُ مُسْتَحَقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ العِزَّةِ لَهم.

النساء 4:139

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أنْصارًا وأعْضادًا لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ لَهُمُ القُوَّةَ والمَنَعَةَ بِعَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالمُخالَفَةِ جَهْلًا مِنهم بِدِينِ اللَّهِ؛ وهَذا مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الِاسْتِنْصارُ بِالكُفّارِ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ إذْ كانُوا مَتى غَلَبُوا كانَ حُكْمُ الكُفْرِ هو الغالِبُ؛ وبِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا. وقَوْلُهُ: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الِاعْتِبارِ، وأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالكُفّارِ لا تَجُوزُ، إذْ كانُوا مَتى غَلَبُوا كانَ الغَلَبَةُ والظُّهُورُ لَلْكُفّارِ، وكانَ حُكْمُ الكُفْرِ هو الغالِبُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتِ الآيَةُ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، وهم كُفّارٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلال بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذا الفِعْلَ مَحْظُورٌ فَلا يَخْتَلِفُ (p-٢٧٧)حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَتى ذَمَّ قَوْمًا عَلى فِعْلٍ فَذَلِكَ الفِعْلُ قَبِيحٌ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ فِعْلُهُ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ. وقِيلَ إنَّ أصْلَ العِزَّةِ هو الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ الشَّدِيدَةِ " عَزازُ " وقِيلَ: قَدِ اسْتَعَزَّ المَرَضُ عَلى المَرِيضِ إذا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ " عَزَّ عَلَيَّ كَذا " إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وعَزَّ الشَّيْءُ إذا قَلَّ؛ لِأنَّهُ يَشْتَدُّ مَطْلَبُهُ؛ وعازَّهُ في الأمْرِ إذا شادَّهُ فِيهِ، وشاةٌ عَزُوزٌ إذا كانَتْ تَحْلِبُ بِشِدَّةٍ لِضِيقِ أحالِيلِها، والعِزَّةُ القُوَّةُ مَنقُولَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، والعَزِيزُ القَوِيُّ المَنِيعُ؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ وأنْصارًا والِاعْتِزازِ بِهِمْ والِالتِجاءِ إلَيْهِمْ لِلتَّعَزُّزِ بِهِمْ. وقَدْ حَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الدَّوْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كاسِبٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُمَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ الحُرِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اعْتَزَّ بِالعَبِيدِ أذَلَّهُ اللَّهُ تَعالى»؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى الآيَةِ فِيمَنِ اعْتَزَّ بِالكُفّارِ والفُسّاقِ ونَحْوِهِمْ، فَأمّا أنْ يَعْتَزَّ بِالمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِزازِ بِالكُفّارِ وإخْبارٌ بِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ دُونَهم وذَلِكَ مُنْصَرِفٌ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها امْتِناعُ إطْلاقِ العِزَّةِ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِعِزَّةِ أحَدٍ مَعَ عِزَّتِهِ لِصِغَرِها واحْتِقارِها في صِفَةِ عِزَّتِهِ. والآخَرُ: أنَّهُ المُقَوِّي لِمَن لَهُ القُوَّةُ مِن جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَجَمِيعُ العِزَّةِ لَهُ؛ إذْ كانَ عَزِيزًا لِنَفْسِهِ مُعِزًّا لِكُلِّ مَن نُسِبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العِزَّةِ. والآخَرُ: أنَّ الكُفّارَ أذِلّاءُ في حُكْمِ اللَّهِ فانْتَفَتْ عَنْهم صِفَةُ العِزَّةِ وكانَتْ لِلَّهِ ولِمَن جَعَلَها لَهُ في الحُكْمِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فالكُفّارُ وإنْ حَصَلَ لَهم ضَرْبٌ مِنَ القُوَّةِ والمَنَعَةِ فَغَيْرُ مُسْتَحَقِّينَ لِإطْلاقِ اسْمِ العِزَّةِ لَهم.

النساء 4:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ مُجالَسَةِ مَن يُظْهِرُ الكُفْرَ والِاسْتِهْزاءَ بِآياتِ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ و" حَتّى " هَهُنا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها تَصِيرُ غايَةً لِحَظْرِ القُعُودِ مَعَهم حَتّى إذا تَرَكُوا إظْهارَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِآياتِ اللَّهِ زالَ الحَظْرُ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا رَأوْا هَؤُلاءِ أظْهَرُوا الكُفْرَ والِاسْتِهْزاءَ بِآياتِ اللَّهِ، فَقالَ: لا تَقْعُدُوا مَعَهم لِئَلّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ ويَزْدادُوا كُفْرًا واسْتِهْزاءً بِمُجالَسَتِكم لَهم؛ والأوَّلُ أظْهَرُ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِن (p-٢٧٨)إباحَةِ المُجالَسَةِ إذا خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي مُشْرِكِي العَرَبِ، وقِيلَ: أرادَ بِهِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بَلْ هي عامَّةٌ في سائِرِ الظّالِمِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في العِصْيانِ وإنْ لَمْ تَبْلُغْ مَعْصِيَتُهم مَنزِلَةَ الكُفْرِ، والثّانِي: أنَّكم مِثْلُهم في الرِّضا بِحالِهِمْ في ظاهِرِ أمْرِكم، والرِّضا بِالكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، ولَكِنْ مَن قَعَدَ مَعَهم ساخِطًا لِتِلْكَ الحالِ مِنهم لَمْ يَكْفُرْ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ في القُعُودِ مَعَهم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ إنْكارِ المُنْكَرِ عَلى فاعِلِهِ وأنَّ مِن إنْكارِهِ إظْهارُ الكَراهَةِ إذا لَمْ يُمْكِنْهُ إزالَتُهُ وتَرْكُ مُجالَسَةِ فاعِلِهِ والقِيامُ عَنْهُ حَتّى يَنْتَهِيَ ويَصِيرَ إلى حالٍ غَيْرِها. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَلْزَمُ مَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مُنْكِرٌ أنْ يَتَباعَدَ عَنْهُ وأنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لا يَراهُ ولا يَسْمَعُهُ ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ قِيلَ في هَذا أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ في تَباعُدِهِ وتَرْكِ سَماعِهِ تَرْكُ الحَقِّ عَلَيْهِ، مِن نَحْوِ تَرْكِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ لِأجْلِ ما يَسْمَعُ مِن صَوْتِ الغِناءِ والمَلاهِي، وتَرْكِ حُضُورِ الجِنازَةِ لِما مَعَهُ مِنَ النُّواحِ، وتَرْكِ حُضُورِ الوَلِيمَةِ لِما هُناكَ مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ؛ فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فالتَّباعُدُ عَنْهم أوْلى، وإذا كانَ هُناكَ حَقٌّ يَقُومُ بِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلى ما هُناكَ مِنَ المُنْكَرِ وقامَ بِما هو مَندُوبٌ إلَيْهِ مِن حَقٍّ بَعْدَ إظْهارِهِ لَإنْكارِهِ وكَراهَتِهِ وقالَ قائِلُونَ: إنَّما نَهى اللَّهُ عَنْ مُجالَسَةِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ومَن يُظْهِرُ الكُفْرَ والِاسْتِهْزاءَ بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ في مُجالَسَتِهِمْ تَأْنِيسًا لَهم ومُشارَكَتَهم فِيما يَجْرِي في مَجْلِسِهِمْ. وقَدْ قالَ أبُو حَنِيفَةَ في رَجُلٍ يَكُونُ في الوَلِيمَةِ فَيَحْضُرُ هُناكَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَخْرُجَ، وقالَ: لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ مَرَّةً. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ حَضَرَ هو وابْنُ سِيرِينَ جِنازَةً وهُناكَ نُواحٌ، فانْصَرَفَ ابْنُ سِيرِينَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: إنّا كُنّا مَتى رَأيْنا باطِلًا وتَرَكْنا حَقًّا أسْرَعَ ذَلِكَ في دِينِنا لَمْ نَرْجِعْ. وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ شُهُودَ الجِنازَةِ حَقٌّ قَدْ نُدِبَ إلَيْهِ وأُمِرَ بِهِ فَلا يَتْرُكُهُ لِأجْلِ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ حُضُورُ الوَلِيمَةِ قَدْ نَدَبَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُتْرَكَ لِأجْلِ المُنْكَرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ إذا كانَ كارِهًا لَهُ وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الغُدانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى عَنْ نافِعٍ قالَ «سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمارًا فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ونَأى عَنِ الطَّرِيقِ وقالَ لِي: يا نافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا ؟ فَقُلْتُ: لا، فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وقالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ (p-٢٧٩)مِثْلَ هَذا فَصَنَعَ مِثْلَ هَذا» . وهَذا هو الِاخْتِيارُ لِئَلّا تُساكِنَهُ نَفْسُهُ ولا تَعْتادَ سَماعَهُ فَيَهُونَ عِنْدَهُ أمْرُهُ، فَأمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا فَلا.

النساء 4:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ قالا: " سَبِيلًا في الآخِرَةِ " . وعَنِ السُّدِّيِّ: " ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهم عَلَيْهِمْ حُجَّةً، يَعْنِي فِيما فَعَلُوا بِهِمْ مِن قَتْلِهِمْ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ فَهم في ذَلِكَ ظالِمُونَ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ " . ويُحْتَجُّ بِظاهِرِهِ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِرِدَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يُثْبِتُ عَلَيْها لِلزَّوْجِ سَبِيلًا في إمْساكِها في بَيْتِهِ وتَأْدِيبِها ومَنعِها مِنَ الخُرُوجِ، وعَلَيْها طاعَتُهُ فِيما يَقْتَضِيهِ عَقْدُ النِّكاحِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤] فاقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ وُقُوعَ الفُرْقَةِ بِرِدَّةِ الزَّوْجِ وزَوالِ سَبِيلِهِ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ ما دامَ النِّكاحُ باقِيًا فَحُقُوقُهُ ثابِتَةٌ وسَبِيلُهُ باقٍ عَلَيْها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما قالَ: ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَلا تَدْخُلُ النِّساءُ فِيهِ. قِيلَ لَهُ إطْلاقُ لَفْظِ التَّذْكِيرِ يَشْتَمِلُ عَلى المُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقَدْ أرادَ بِهِ الرِّجالَ والنِّساءَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ونَحْوُهُ مِنَ الألْفاظِ. ويُحْتَجُّ بِظاهِرِهِ أيْضًا في الكافِرِ الذِّمِّيِّ إذا أسْلَمَتِ امْرَأتُهُ أنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وفي الحَرْبِيِّ كَذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إقْرارُها تَحْتَهُ أبَدًا. ويَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ في إبْطالِ شِرى الذِّمِّيِّ لِلْعَبْدِ المُسْلِمِ؛ لِأنَّهُ بِالمِلْكِ يَسْتَحِقُّ السَّبِيلَ عَلَيْهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ كَما قالُوا؛ لِأنَّ الشِّرى لَيْسَ هو السَّبِيلَ المَنفِيَّ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ الشِّرى لَيْسَ هو المِلْكَ، والمِلْكُ إنَّما يَتَعَقَّبُ الشِّرى، وحِينَئِذٍ يَمْلِكُ السَّبِيلَ عَلَيْهِ؛ فَإذًا لَيْسَ في الآيَةِ نَفْيُ الشِّرى إنَّما فِيها نَفْيُ السَّبِيلِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الشِّرى هو المُؤَدِّي إلى حُصُولِ السَّبِيلِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا كَما كانَ السَّبِيلُ مُنْتَفِيًا. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يُمْتَنَعُ أنْ يَكُونَ السَّبِيلُ عَلَيْهِ مُنْتَفِيًا ويَكُونَ الشِّرى المُؤَدِّي إلى حُصُولِ السَّبِيلِ جائِزًا، وإنَّما أرَدْتُ نَفْيَ الشِّرى بِالآيَةِ نَفْسِها، فَإنْ ضَمَمْتَ إلى الآيَةِ مَعْنًى آخَرَ في نَفْيِ الشِّرى فَقَدْ عَدَلْتَ عَنِ الِاحْتِجاجِ بِها وثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الآيَةَ غَيْرُ مانِعَةٍ صِحَّةَ الشِّرى؛ وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ بِصِحَّةِ الشِّرى السَّبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِخْدامِهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ إلّا بِالبَيْعِ وإخْراجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَهُنا سَبِيلٌ عَلَيْهِ.

النساء 4:142

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُخادِعُونَ نَبِيَّ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ بِما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ ومُشارَكَةِ المُسْلِمِينَ في غَنائِمِهِمْ واَللَّهُ تَعالى يُخادِعُهم بِالعِقابِ عَلى خِداعِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ (p-٢٨٠)عَلى الفِعْلِ بِاسْمِهِ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] والآخَرُ: أنَّهم يَعْمَلُونَ عَمَلَ المُخادِعِ لِمالِكِهِ بِما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ ويُبْطِنُونَ خِلافَهُ، وهو يَعْمَلُ عَمَلَ المُخادِعِ بِما أُمِرَ بِهِ مِن قَبُولِ إيمانِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يُبْطِنُونَ مِن كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّما سَمّاهُ قَلِيلًا؛ لِأنَّهُ لِغَيْرِ وجْهِهِ، فَهو قَلِيلٌ في المَعْنى وإنْ كَثُرَ الفِعْلُ مِنهم. وقالَ قَتادَةُ: " إنَّما سَمّاهُ قَلِيلًا لِأنَّهُ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، فَهو حَقِيرٌ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ مِنهم بَلْ هو وبالٌ عَلَيْهِمْ " . وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ إلّا يَسِيرًا مِنَ الذِّكْرِ، نَحْوَ ما يُظْهِرُونَهُ لِلنّاسِ دُونَ ما أُمِرُوا بِهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في كُلِّ حالٍ أمَرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وأخْبَرَ أيْضًا أنَّهم يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ كُسالى مُراءاةً لِلنّاسِ، والكَسَلُ هو التَّثاقُلُ عَنِ الشَّيْءِ لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ مَعَ ضَعْفِ الدَّواعِي إلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ لِلْإيمانِ لَمْ يَكُنْ لَهم داعٍ إلى الصَّلاةِ إلّا مُراءاةً لِلنّاسِ خَوْفًا مِنهم.

النساء 4:144

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الوَلِيَّ هو الَّذِي يَتَوَلّى صاحِبَهُ بِما يَجْعَلُ لَهُ مِنَ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ عَلى أمْرِهِ والمُؤْمِنُ ولِيُّ اللَّهِ بِما يَتَوَلّى مِن إخْلاصِ طاعَتِهِ، واَللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَوَلّى مِن جَزائِهِمْ عَلى طاعَتِهِ. واقْتَضَتِ الآيَةُ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِنْصارِ بِالكُفّارِ والِاسْتِعانَةِ بِهِمْ والرُّكُونِ إلَيْهِمْ والثِّقَةِ بِهِمْ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ عَلى المُسْلِمِ بِوَجْهٍ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ في الأُمُورِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها التَّصَرُّفُ والوِلايَةُ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقَدْ كَرِهَ أصْحابُنا تَوْكِيلَ الذِّمِّيِّ في الشِّرى والبَيْعِ ودَفْعِ المالِ إلَيْهِ مُضارَبَةً؛ وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ.

النساء 4:146

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ مِن أمْرِ الدِّينِ عَلى مِنهاجِ القُرْبِ، فَسَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ سالِمًا مِن شَوْبِ الرِّياءِ أوْ طَلَبِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا أوْ ما يُحْبِطُهُ مِنَ المَعاصِي؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوازِ أخْذِ شَيْءٍ مِن أعْراضِ الدُّنْيا عَلى ما سَبِيلُهُ أنْ لا يُفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ مِن نَحْوِ الصَّلاةِ والأذانِ والحَجِّ.

النساء 4:148

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: " إلّا أنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ "، وعَنْ مُجاهِدٍ رِوايَةً: " إلّا أنْ يُخْبِرَ بِظُلْمِ ظالِمِهِ لَهُ " . وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: " إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِن ظالِمِهِ " . وذَكَرَ الفُراتُ بْنُ سُلَيْمانَ قالَ: سُئِلَ عَبْدُ الكَرِيمِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ (p-٢٨١)بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَشْتُمُكَ فَتَشْتُمُهُ، ولَكِنْ إنِ افْتَرى عَلَيْكَ فَلا تَفْتَرِ عَلَيْهِ. وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] . ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ: " ذاكَ في الضِّيافَةِ، إذا جِئْتَ الرَّجُلَ فَلَمْ يُضِفْكَ فَقَدْ رُخِّصَ أنْ تَقُولَ فِيهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: إنْ كانَ التَّأْوِيلُ كَما ذُكِرَ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وقْتٍ كانَتِ الضِّيافَةُ واجِبَةً، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الضِّيافَةُ ثَلاثَةُ أيّامٍ فَما زادَ فَهو صَدَقَةٌ»، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيمَن لا يَجِدُ ما يَأْكُلُ فَيَسْتَضِيفُ غَيْرَهُ فَلا يُضِيفُهُ، فَهَذا مَذْمُومٌ يَجُوزُ أنْ يُشْكى. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الإنْكارِ عَلى مَن تَكَلَّمَ بِسُوءٍ فِيمَن كانَ ظاهِرُهُ السِّتْرَ والصَّلاحَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُحِبُّ ذَلِكَ، وما لا يُحِبُّ فَهو الَّذِي لا يُرِيدُهُ، فَعَلَيْنا أنْ نَكْرَهَهُ ونُنْكِرَهُ؛ وقالَ: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ فَما لَمْ يَظْهَرْ لَنا ظُلْمُهُ فَعَلَيْنا إنْكارُ سُوءِ القَوْلِ فِيهِ.

النساء 4:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: " عُوقِبُوا عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ بِتَحْرِيمِ أشْياءَ عَلَيْهِمْ " وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَغْلِيظِ المِحْنَةِ عَلَيْهِمْ بِالتَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ عُقُوبَةً لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ بِظُلْمِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ واَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرائِعِ مُكَلَّفُونَ بِها مُسْتَحَقُّونَ لِلْعِقابِ عَلى تَرْكِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ ذَمَّهم عَلى أكْلِ الرِّبا وأخْبَرَ أنَّهُ عاقَبَهم عَلَيْهِ.

النساء 4:161

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: " عُوقِبُوا عَلى ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ بِتَحْرِيمِ أشْياءَ عَلَيْهِمْ " وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَغْلِيظِ المِحْنَةِ عَلَيْهِمْ بِالتَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ عُقُوبَةً لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ بِظُلْمِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ واَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالشَّرائِعِ مُكَلَّفُونَ بِها مُسْتَحَقُّونَ لِلْعِقابِ عَلى تَرْكِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ ذَمَّهم عَلى أكْلِ الرِّبا وأخْبَرَ أنَّهُ عاقَبَهم عَلَيْهِ.

النساء 4:162

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ " لَكِنْ " هَهُنا اسْتِثْناءٌ، وقِيلَ: إنَّ " إلّا " و" لَكِنْ " قَدْ تَتَّفِقانِ في الإيجابِ بَعْدَ النَّفْيِ أوِ النَّفْيِ بَعْدَ الإيجابِ وتُطْلَقُ " إلّا " ويُرادُ بِها " لَكِنْ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ومَعْناهُ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ؛ فَأُقِيمَتْ " إلّا " في هَذا المَوْضِعِ مَقامَ " لَكِنْ " . وتَنْفَصِلُ " لَكِنْ " مِن " إلّا " بِأنَّ " إلّا " لِإخْراجِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ولَكِنْ قَدْ تَكُونُ بَعْدَ الواحِدِ نَحْوَ قَوْلِكَ: ما جاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو، وحَقِيقَةُ " لَكِنْ " الِاسْتِدْراكُ و" لّا " لِلتَّخْصِيصِ.

النساء 4:171

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ النَّصارى غَلَتْ (p-٢٨٢)فِي المَسِيحِ فَجاوَزُوا بِهِ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ حَتّى اتَّخَذُوهُ إلَهًا، واليَهُودُ غَلَتْ فِيهِ فَجَعَلُوهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، فَغَلا الفَرِيقانِ جَمِيعًا في أمْرِهِ. والغُلُوُّ في الدِّينِ هو مُجاوَزَةُ حَدِّ الحَقِّ فِيهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَألَهُ أنْ يُناوِلَهُ حَصَياتٍ لِرَمْيِ الجِمارِ، قالَ: فَناوَلْتُهُ إيّاها مِثْلَ حَصا الخَذْفِ فَجَعَلَ يُقَلِّبُهُنَّ بِيَدِهِ ويَقُولُ بِمِثْلِهِنَّ بِمِثْلِهِنَّ إيّاكم والغُلُوَّ في الدِّينِ، فَإنَّما هَلَكَ مَن قَبْلَكم بِالغُلُوِّ في دِينِهِمْ؛» ولِذَلِكَ قِيلَ دِينُ اللَّهِ بَيْنَ المُقَصِّرِ والغالِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ قِيلَ في وصْفِ المَسِيحِ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّهُ كانَ عِيسى بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] لا عَلى سَبِيلِ ما أجْرى العادَةَ بِهِ مِن حُدُوثِهِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى جَمِيعًا. والثّانِي: أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلِمَةِ اللَّهِ. والثّالِثُ: ما تَقَدَّمَ مِنَ البِشارَةِ بِهِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَلِأنَّهُ كانَ بِنَفْخَةِ جِبْرِيلَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى رُوحًا، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْها إلَيْكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا أيْ بِنَفْخِكَ. وقِيلَ: إنَّما سَمّاهُ رُوحًا؛ لِأنَّهُ يُحْيِي النّاسَ بِهِ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ؛ ولِهَذا المَعْنى سَمّى القُرْآنَ رُوحًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقِيلَ: لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ كَسائِرِ أرْواحِ النّاسِ، وأضافَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وسَماءُ اللَّهِ.