Lafzullah

أحكام القرآن — النساء 4:176 – المائدة 5:38

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. النساء 4:176
  2. المائدة 5:1
  3. المائدة 5:2
  4. المائدة 5:3
  5. المائدة 5:4
  6. المائدة 5:5
  7. المائدة 5:6
  8. المائدة 5:8
  9. المائدة 5:12
  10. المائدة 5:13
  11. المائدة 5:14
  12. المائدة 5:17
  13. المائدة 5:18
  14. المائدة 5:20
  15. المائدة 5:21
  16. المائدة 5:22
  17. المائدة 5:23
  18. المائدة 5:24
  19. المائدة 5:25
  20. المائدة 5:26
  21. المائدة 5:27
  22. المائدة 5:28
  23. المائدة 5:29
  24. المائدة 5:30
  25. المائدة 5:31
  26. المائدة 5:32
  27. المائدة 5:33
  28. المائدة 5:34
  29. المائدة 5:38

النساء 4:176

بابُ العَوْلِ رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ مَن أعالَ الفَرائِضَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَمّا التَوَتْ عَلَيْهِ الفَرائِضُ ودافَعَ بَعْضُها بَعْضًا قالَ: واَللَّهِ ما أدْرِي أيُّكم قَدَّمَ اللَّهُ ولا أيُّكم أخَّرَ؛ وكانَ امْرَأً ورِعًا فَقالَ: ما أجِدُ شَيْئًا هو أوْسَعُ لِي أنْ أُقَسِّمَ المالَ عَلَيْكم بِالحِصَصِ؛ وأُدْخِلَ عَلى كُلِّ ذِي حَقٍّ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِن عَوْلِ الفَرِيضَةِ. ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ في بِنْتَيْنِ وأبَوَيْنِ وامْرَأةٍ قالَ: " صارَ ثُمُنُها تُسْعًا "، وكَذَلِكَ رَواهُ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ أوَّلُ مَن أشارَ عَلى عُمَرَ بِالعَوْلِ، قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قالَ ابْنُ العَبّاسِ: أوَّلُ مَن أعالَ الفَرائِضَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وأيْمُ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَن قَدَّمَ اللَّهُ لَما عالَتْ فَرِيضَةٌ فَقِيلَ لَهُ: وأيُّها الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ وأيُّها الَّتِي أخَّرَ ؟ قالَ: كُلُّ فَرِيضَةٍ لَمْ تُزَلْ عَنْ فَرِيضَةٍ إلّا إلى فَرِيضَةٍ فَهي الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ، وكُلُّ فَرِيضَةٍ إذا زالَتْ عَنْ فَرْضِها لَمْ يَكُنْ لَها ما بَقِيَ فَهي الَّتِي أخَّرَ اللَّهُ تَعالى؛ فَأمّا الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى فالزَّوْجُ والزَّوْجَةُ والأُمُّ؛ لِأنَّهم لا يَزُولُونَ مِن فَرْضٍ إلّا إلى فَرْضٍ، والبَناتُ والأخَواتُ نَزَلْنَ مِن فَرْضٍ إلى تَعْصِيبٍ مَعَ البِنْتَيْنِ والإخْوَةِ فَيَكُونُ لَهُنَّ ما بَقِيَ مَعَ الذُّكُورِ، فَنَبْدَأُ بِأصْحابِ السِّهامِ ثُمَّ يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلى الباقِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ ما بَقِيَ إذا كانُوا عَصَبَةً. قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَقُلْنا لَهُ: فَهَلّا راجَعْتَ فِيهِ عُمَرَ فَقالَ: إنَّهُ كانَ امْرَأً مَهِيبًا ورِعًا؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ كَلَّمْتُ فِيهِ عُمَرَ لَرَجَعَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لَوْلا أنَّهُ تَقَدَّمَ ابْنَ عَبّاسٍ إمامٌ عَدْلٌ فَأمْضى أمْرًا فَمَضى وكانَ امْرَأً ورِعًا ما اخْتَلَفَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ اثْنانِ مِن أهْلِ العِلْمِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ (p-٢٣)عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ الفَرائِضَ وعَوْلَها فَقالَ: أتَرَوْنَ الَّذِي أحْصى رَمْلَ عالِجٍ عَدَدًا جَعَلَ في مالٍ قَسَّمَهُ نِصْفًا ونِصْفًا وثُلُثًا ؟ فَهَذا النِّصْفُ وهَذا النِّصْفُ فَأيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ ؟ قالَ عَطاءٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا ابْنَ عَبّاسٍ إنَّ هَذا لا يُغْنِي عَنْكَ ولا عَنِّي شَيْئًا، لَوْ مِتُّ أوْ مِتَّ قَسِّمْ مِيراثَنا عَلى ما عَلَيْهِ القَوْمُ مِن خِلافِ رَأْيِكَ ورَأْيِي. قالَ: فَإنْ شاءُوا فَلْنَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَهم ونِساءَنا ونِساءَهم وأنْفُسَنا وأنْفُسَهم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، ما جَعَلَ اللَّهُ في مالٍ نِصْفًا ونِصْفًا وثُلُثًا. والحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ولِلْأُخْتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ النِّصْفَ ولِلْإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ الثُّلُثَ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حالِ اجْتِماعِهِمْ وانْفِرادِهِمْ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ نَصِّ الآيَةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ؛ فَإذا انْفَرَدُوا واتَّسَعَ المالُ لَسِهامِهِمْ قُسِّمَ بَيْنَهم عَلَيْها، وإذا اجْتَمَعُوا وجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِ الآيَةِ في التَّضارُبِ بِها، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى بَعْضٍ وأسْقَطَ بَعْضًا أوْ نَقَّصَ نَصِيبَ بَعْضٍ ووَفّى الآخَرِينَ كَمالَ سِهامِهِمْ فَقَدْ أدْخَلَ الضَّيْمَ عَلى بَعْضِهِمْ مَعَ مُساواتِهِ لِلْآخَرِينَ في التَّسْمِيَةِ. فَأمّا ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِن تَقْدِيمِ مَن قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى وتَأْخِيرِ مَن أخَّرَ، فَإنَّما قَدَّمَ بَعْضًا وأخَّرَ بَعْضًا وجَعَلَ لَهُ الباقِيَ في حالِ التَّعْصِيبِ، فَأمّا حالُ التَّسْمِيَةِ الَّتِي لا تَعْصِيبَ فِيها فَلَيْسَ واحِدٌ مِنهم أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِنَ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّ الأُخْتَ مَنصُوصٌ عَلى فَرْضِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ كَنَصِّهِ عَلى فَرْضِ الزَّوْجِ والأُمِّ والإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ، فَمِن أيْنَ وجَبَ تَقْدِيمُ هَؤُلاءِ عَلَيْها في هَذِهِ الحالَةِ وقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى فَرْضِها في هَذِهِ الحالِ كَما نَصَّ عَلى فَرْضِ الَّذِينَ مَعَها ؟ ولَيْسَ يَجِبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أزالَ فَرْضَها إلى غَيْرِ فَرْضٍ في مَوْضِعِ أنْ يُزِيلَ فَرْضَها في الحالِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهِ فِيها؛ فَهَذا القَوْلُ أشْنَعُ في مُخالَفَةِ الآيِ الَّتِي فِيها سِهامُ المَوارِيثِ مِنَ القَوْلِ بِإثْباتِ نِصْفٍ ونِصْفٍ وثُلُثٍ عَلى وجْهِ المُضارَبَةِ بِها. ولِذَلِكَ نَظائِرُ في المَوارِيثِ مِنَ الأُصُولِ أيْضًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَلَوْ تَرَكَ المَيِّتُ ألْفَ دِرْهَمٍ وعَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ ألْفُ دِرْهَمٍ ولِآخَرَ خَمْسُمِائَةٍ ولِآخَرَ ألْفٌ، كانَتِ الألْفُ المَتْرُوكَةُ مَقْسُومَةً بَيْنَهم عَلى قَدْرِ دُيُونِهِمْ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ لَمْ يَكُنِ اسْتِيفاءُ ألْفَيْنِ وخَمْسِمِائَةٍ مِن ألْفٍ اسْتَحالَ الضَّرْبُ بِها؛ وكَذَلِكَ لَوْ أوْصى رَجُلٌ بِثُلُثِ مالِهِ لِرَجُلٍ وبِسُدُسِهِ لِآخَرَ ولَمْ تُجِزْ ذَلِكَ الوَرَثَةُ تَضارَبا في الثُّلُثِ بِقَدْرِ وصاياهم، فَيَضْرِبُ أحَدُهُما بِالسُّدُسِ والآخَرُ بِالثُّلُثِ مَعَ اسْتِحالَةِ اسْتِيفاءِ النِّصْفِ (p-٢٤)مِنَ الثُّلُثِ؛ وكَذَلِكَ الِابْنُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ المالِ لَوِ انْفَرَدَ ولِلْبِنْتِ النِّصْفُ لَوِ انْفَرَدَتْ، فَإذا اجْتَمَعا ضَرَبَ الِابْنُ بِجَمِيعِ المالِ والبِنْتُ بِالنِّصْفِ فَيَكُونُ المالُ بَيْنَهُما أثْلاثًا، وهَكَذا سَبِيلُ العَوْلِ في الفَرائِضِ عِنْدَ تَدافُعِ السِّهامِ، واَللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ السَّلَفِ في مِيراثِ الأُخْتِ مَعَ البِنْتِ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ في رَجُلٍ خَلَّفَ بِنْتًا وأُخْتًا لِأبٍ وأُمٍّ وعَصَبَةً أنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وما بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَجَعَلُوها عَصَبَةً مَعَ البَناتِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ: " لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وما بَقِيَ فَلِلْعَصَبَةِ وإنْ بَعُدَ نَسَبُهم، ولا حَظَّ لِلْأُخْتِ في المِيراثِ مَعَ البِنْتِ "؛ ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَضى بِهِ ورُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: إنَّ عَلِيًّا وعَبْدَ اللَّهِ وزَيْدًا كانُوا يَجْعَلُونَ الأخَواتِ مَعَ البَناتِ عَصَبَةً فَيُورَثُونَهُنَّ فاضِلَ المالِ، فَقالَ: أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ؟ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ وأنْتُمْ تَجْعَلُونَ لَها مَعَ الوَلَدِ النِّصْفَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَوْرِيثَ الأُخْتِ مَعَ البِنْتِ؛ لِأنَّ أخاها المَيِّتَ هو مِنَ الأقْرَبِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مِيراثَ الأقْرَبِينَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ. ويُحْتَجُّ فِيهِ بِحَدِيثِ أبِي قَيْسٍ الأوْدِيِّ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَضى في بِنْتٍ وبِنْتِ ابْنٍ وأُخْتٍ لِأبٍ وأُمٍّ أنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ ولِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وما بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأعْطى لِلْأُخْتِ بَقِيَّةَ المالِ بَعْدَ السِّهامِ وجَعَلَها عَصَبَةً مَعَ البِنْتِ» . وأمّا احْتِجاجُ مَن يَحْتَجُّ في ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ لَها النِّصْفَ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ لَها النِّصْفَ مَعَ الوَلَدِ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ عَلى سَهْمِها عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ ولَمْ يَنْفِ مِيراثَها مَعَ وُجُودِهِ، وتَسْمِيَتُهُ لَها النِّصْفَ عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى سُقُوطِ حَقِّها إذا كانَ هُناكَ ولَدٌ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الحالَ بِنَفْيِ المِيراثِ ولا بِإيجابِهِ، فَهو مَوْقُوفٌ عَلى دَلِيلِهِ. ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ مَعْناهُ: إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ولَيْسَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ؛ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿وهُوَ يَرِثُها﴾ يَعْنِي الأخَ يَرِثُ الأُخْتَ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ الجَمِيعِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ ذَكَرٌ إذْ لا خِلافَ بَيْنَ الصَّحابَةِ أنَّها إذا تَرَكَتْ ولَدًا أُنْثى وأخًا أنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ والباقِيَ لِلْأخِ، والوَلَدُ المَذْكُورُ هاهُنا هو المَذْكُورُ بَدِيًّا في أوَّلِ الآيَةِ. وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١١] ومَعْناهُ عِنْدَ الجَمِيعِ: إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم مِنَ الفُقَهاءِ أنَّهُ لَوْ تَرَكَ (p-٢٧)ابْنَةً وأبَوَيْنِ أنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ ولِلْأبَوَيْنِ السُّدُسانِ والباقِي لِلْأبِ، فَيَأْخُذُ الأبُ في هَذِهِ الحالِ مَعَ الوَلَدِ الأُنْثى أكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١١] عَلى أنَّهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ أبًا وبِنْتًا كانَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ولِلْأبِ النِّصْفُ؛ فَقَدْ أخَذَ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ أكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ مَعَ الوَلَدِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وشَذَّتْ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَّةِ فَزَعَمَتْ أنَّهُ إذا تَرَكَ بِنْتًا وأُخْتًا كانَ المالُ كُلُّهُ لِلْبِنْتِ، وكَذَلِكَ البِنْتُ والأخُ. وهَذا قَوْلٌ خارِجٌ عَنْ ظاهِرِ التَّنْزِيلِ واتِّفاقِ الأُمَّةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فَنَصَّ عَلى سَهْمِ البِنْتِ وسَهْمِ ما فَوْقَ الثِّنْتَيْنِ، وجَعَلَ لَها إذا انْفَرَدَتِ النِّصْفَ وإذا ضامَّها غَيْرُها الثُّلُثَيْنِ لَهُما جَمِيعًا؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ تُعْطى أكْثَرَ مِنهُ إلّا بِدَلالَةٍ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ ذِكْرُ النِّصْفِ والثُّلُثَيْنِ غَيْرَ دالٍّ عَلى نَفْيِ ما فَوْقَهُما عَلى ما ذَكَرْتَ فَلَيْسَ إذًا في الظّاهِرِ نَفْيُ ما زادَ وإنَّما تَحْتاجُ إلى أنْ تُطالِبَ خَصْمَكَ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ مُسْتَحَقَّةٌ. قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أمْرًا بِاعْتِبارِ السِّهامِ المَذْكُورَةِ؛ إذْ كانَتِ الوَصِيَّةُ أمْرًا، أوْجَبَ ذَلِكَ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ في الآيَةِ عَلى حِيالِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ، فاقْتَضى ذَلِكَ وُجُوبَ الِاقْتِصارِ عَلى المَقادِيرِ المَذْكُورَةِ لِمَن سَمَّيْتَ لَهُ غَيْرَ زائِدَةٍ ولا ناقِصَةٍ، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ دُونَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِاعْتِبارِها في ابْتِداءِ الخِطابِ، فَلِذَلِكَ مَنَعْنا الزِّيادَةَ عَلَيْها إلّا بِدَلالَةٍ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ بِمَعْنى: لِئَلّا تَضِلُّوا، فَحَذَفَ " لا " كَما تُحْذَفُ مَعَ القَسَمِ في قَوْلِكَ: واَللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا، أيْ لا أبْرَحُ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎تاللَّهِ يَبْقى عَلى الأيّامِ ذُو حِيَدٍ مَعْناهُ: لا يَبْقى. وقِيلَ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يَعْنِي أهْلَ القَرْيَةِ.

المائدة 5:1

سُورَةُ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُطَرِّفٍ (p-٢٨٣)والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ والثَّوْرِيِّ قالُوا: " العُقُودُ في هَذا المَوْضِعِ أرادَ بِها العُهُودَ " . ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: " هي عُقُودُ الجاهِلِيَّةِ الحِلْفُ " . ورَوى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ وأمّا حِلْفُ الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» . ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: «حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في دارِنا؛ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا حِلْفَ في الإسْلامِ وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَقالَ: حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في دارِنا. قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: " إنَّما آخى بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَلَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ أنَّهم في أوَّلِ الإسْلامِ قَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالحِلْفِ دُونَ النَّسَبِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] إلى أنْ جَعَلَ اللَّهُ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِنَ الحَلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَقَدْ كانَ حِلْفُ الإسْلامِ عَلى التَّناصُرِ والتَّوارُثِ ثابِتًا صَحِيحًا. وأمّا قَوْلُهُ: " لا حِلْفَ في الإسْلامِ " فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحِلْفَ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها الحِلْفُ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ بَعْدَ نَسْخِ التَّوارُثِ بِالحِلْفِ. وقَدْ كانَ حِلْفُ الجاهِلِيَّةِ عَلى وُجُوهٍ: مِنها الحِلْفُ في التَّناصُرِ، فَيَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ إذا حالَفَهُ: " دَمِي دَمُكَ وهَدْمِي هَدْمُكَ وتَرِثُنِي وأرِثُكَ " فَيَتَعاقَدانِ الحِلْفَ عَلى أنْ يَنْصُرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ فَيَدْفَعَ عَنْهُ ويَحْمِيَهُ بِحَقٍّ كانَ ذَلِكَ أوْ بِباطِلٍ؛ ومِثْلُهُ لا يَجُوزُ في الإسْلامِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعاقَدا الحِلْفَ عَلى أنْ يَنْصُرَهُ عَلى الباطِلِ ولا أنْ يَزْوِيَ مِيراثَهُ عَنْ ذَوِي أرْحامِهِ ويَجْعَلَهُ لِحَلِيفِهِ؛ فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الحِلْفِ الَّذِي لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الإسْلامِ. وقَدْ كانُوا يَتَعاقَدُونَ الحِلْفَ لِلْحِمايَةِ والدَّفْعِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ إلى ضَرُورَةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا نَشَرًا لا سُلْطانَ عَلَيْهِمْ يُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ ويَمْنَعُ القَوِيَّ عَنِ الضَّعِيفِ، فَكانَتِ الضَّرُورَةُ تُؤَدِّيهِمْ إلى التَّحالُفِ فَيَمْتَنِعُ بِهِ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وكانَ ذَلِكَ مُعْظَمَ ما يُرادُ الحِلْفُ مِن أجْلِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانُوا يَحْتاجُونَ إلى الجِوارِ وهو أنْ يُجِيرَ الرَّجُلُ أوِ الجَماعَةُ أوِ العِيرُ عَلى قَبِيلَةٍ ويُؤَمِّنَهم فَلا يَنْداهُ مَكْرُوهٌ مِنهم؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ بِقَوْلِهِ: " لا حِلْفَ في الإسْلامِ " هَذا الضَّرْبَ مِنَ الحِلْفِ. وقَدْ كانُوا يَحْتاجُونَ إلى الحِلْفِ في أوَّلِ الإسْلامِ (p-٢٨٤)لِكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ مِن سائِرِ المُشْرِكِينَ ومِن يَهُودِ المَدِينَةِ ومِنَ المُنافِقِينَ، فَلَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وكَثَّرَ أهْلَهُ وامْتَنَعُوا بِأنْفُسِهِمْ وظَهَرُوا عَلى أعْدائِهِمْ، أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّحالُفِ؛ لِأنَّهم قَدْ صارُوا كُلُّهم يَدًا واحِدَةً عَلى أعْدائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّناصُرِ والمُوالاةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " المُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلى مَن سِواهم " وقالَ: " ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، والنَّصِيحَةُ لِوُلاةِ الأمْرِ، ولُزُومُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ دَعْوَتَهم تُحِيطُ مَن وراءَهم " . فَزالَ التَّناصُرُ بِالحِلْفِ وزالَ الجِوارُ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: " ولَعَلَّكَ أنْ تَعِيشَ حَتّى تَرى المَرْأةَ تَخْرُجُ مِنَ القادِسِيَّةِ إلى اليَمَنِ بِغَيْرِ جِوارٍ " ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ». وأمّا قَوْلُهُ: «وما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِمّا هو مُجَوَّزٌ في العُقُولِ مُسْتَحْسَنٌ فِيها، نَحْوُ الحِلْفِ الَّذِي عَقَدَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ حُمْرَ النَّعَمِ في دارِ ابْنِ جُدْعانَ وأنِّي أغْدِرُ بِهِ: هاشِمٌ وزُهْرَةُ وتَيْمٌ تَحالَفُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، ولَوْ دُعِيتُ إلى مِثْلِهِ في الإسْلامِ لَأجَبْتُ وهو حِلْفُ الفُضُولِ» . وقِيلَ إنَّ الحِلْفَ كانَ عَلى مَنعِ المَظْلُومِ، وعَلى التَّأسِّي في المَعاشِ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ حَضَرَ هَذا الحِلْفَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وأنَّهُ لَوْ دُعِيَ إلى مِثْلِهِ في الإسْلامِ لَأجابَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وهو شَيْءٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ، بَلْ واجِبٌ فِيها قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ» إنَّما أرادَ بِهِ الَّذِي لا تُجَوِّزُهُ العُقُولُ ولا تُبِيحُهُ الشَّرِيعَةُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «حَضَرْتُ حِلْفَ المُطَيِّبِينَ وأنا غُلامٌ، وما أُحِبُّ أنْ أنْكُثَهُ وأنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ» . وقَدْ كانَ حِلْفُ المُطَيِّبِينَ بَيْنَ قُرَيْشٍ عَلى أنْ يَدْفَعُوا عَنِ الحَرَمِ مَن أرادَ انْتِهاكَ حُرْمَتِهِ بِالقِتالِ فِيهِ. وأمّا قَوْلُهُ: «وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَهو نَحْوُ حِلْفِ المُطَيِّبِينَ وحِلْفِ الفُضُولِ، وكُلِّ ما يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ مِنَ المُعاقَدَةِ دُونَ ما كانَ مِنهُ مَعْصِيَةً لا تُجَوِّزُهُ الشَّرِيعَةُ. والعَقْدُ في اللُّغَةِ هو الشَّدُّ، تَقُولُ: عَقَدْتُ الحَبْلَ، إذا شَدَدْتَهُ. واليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ تُسَمّى عَقْدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] والحِلْفُ يُسَمّى عَقْدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ قالَ: " هي العُهُودُ والأيْمانُ " . ورُوِيَ عَنْ (p-٢٨٥)جابِرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ قالَ: " هي عُقْدَةُ النِّكاحِ والبَيْعِ والحِلْفِ والعَهْدِ " وزادَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ مِن قَبْلِهِ: " وعَقْدُ الشَّرِكَةِ وعَقْدُ اليَمِينِ " . ورَوى وكِيعٌ عَنْ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قالَ: " العُقُودُ سِتَّةٌ عَقْدُ الإيمانِ، وعَقْدُ النِّكاحِ، وعُقْدَةُ العَهْدِ، وعُقْدَةُ الشِّرى والبَيْعِ، وعُقْدَةُ الحِلْفِ " . وقالَ أبُو بَكْرٍ: العَقْدُ ما يَعْقِدُهُ العاقِدُ عَلى أمْرٍ يَفْعَلُهُ هو أوْ يَعْقِدُ عَلى غَيْرِهِ فِعْلَهُ عَلى وجْهِ إلْزامِهِ إيّاهُ؛ لِأنَّ العَقْدَ إذا كانَ في أصْلِ اللُّغَةِ الشَّدَّ ثُمَّ نُقِلَ إلى الأيْمانِ، والعُقُودُ عُقُودُ المُبايَعاتِ ونَحْوِها، فَإنَّما أُرِيدَ بِهِ إلْزامُ الوَفاءِ بِما ذَكَرَهُ في إيجابِهِ عَلَيْهِ، وهَذا إنَّما يَتَناوَلُ مِنهُ ما كانَ مُنْتَظَرًا مُراعًى في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الأوْقاتِ، فَيُسَمّى البَيْعُ والنِّكاحُ والإجارَةُ وسائِرُ عُقُودِ المُعاوَضاتِ عُقُودًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ التَّمامَ عَلَيْهِ، والوَفاءَ بِهِ، وسُمِّيَ اليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ عَقْدًا؛ لِأنَّ الحالِفَ قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ الوَفاءَ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ والشَّرِكَةُ والمُضارَبَةُ ونَحْوُها تُسَمّى أيْضًا عُقُودًا لِما وصَفْنا مِنَ اقْتِضائِهِ الوَفاءَ بِما شَرَطَهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرِّبْحِ والعَمَلِ لِصاحِبِهِ وألْزَمَهُ نَفْسَهُ، وكَذَلِكَ العَهْدُ والأمانُ؛ لِأنَّ مُعْطِيَها قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ الوَفاءَ بِها، وكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ شَرَطَهُ إنْسانٌ عَلى نَفْسِهِ في شَيْءٍ يَفْعَلُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَهو عَقْدٌ، وكَذَلِكَ النُّذُورُ، وإيجابُ القُرَبِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. وما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَعْنًى في المُسْتَقْبَلِ يُنْتَظَرُ وُقُوعُهُ وإنَّما هو عَلى شَيْءٍ ماضٍ قَدْ وقَعَ فَإنَّهُ لا يُسَمّى عَقْدًا ألا تَرى أنَّ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَإنَّهُ لا يُسَمّى طَلاقُهُ عَقْدًا ؟ ولَوْ قالَ لَها: " إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ " كانَ ذَلِكَ عَقْدًا لِيَمِينٍ ؟ ولَوْ قالَ: " واَللَّهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدّارَ أمْسِ " لَمْ يَكُنْ عاقِدًا لِشَيْءٍ ؟ ولَوْ قالَ: " لَأدْخُلَنَّها غَدًا " كانَ عاقِدًا ؟ ويَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لا يَصِحُّ إيجابُهُ في الماضِي ويَصِحُّ في المُسْتَقْبَلِ لَوْ قالَ: " عَلَيَّ أنْ أدْخُلَ الدّارَ أمْسِ " كانَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ مُسْتَحِيلًا، ولَوْ قالَ: " عَلَيَّ أنْ أدْخُلَها غَدًا " كانَ إيجابًا مَفْعُولًا. فالعَقْدُ ما يَلْزَمُ بِهِ حُكْمٌ في المُسْتَقْبَلِ، واليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ إنَّما كانَتْ عَقْدًا؛ لِأنَّ الحالِفَ قَدْ أكَّدَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ في الماضِي؛ ألا تَرى أنَّ مَن قالَ: " واَللَّهِ لَأُكَلِّمَنَّ زَيْدًا " فَهو مُؤَكِّدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ كَلامَهُ ؟ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: " واَللَّهِ لا كَلَّمْتُ زَيْدًا " كانَ مُؤَكِّدًا بِهِ نَفْيَ كَلامِهِ مُلْزِمًا نَفْسَهُ بِهِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ مِن نَفْيٍ أوْ إثْباتٍ؛ فَسُمِّيَ مِن أجْلِ التَّأْكِيدِ الَّذِي في اللَّفْظِ عَقْدًا تَشْبِيهًا بِعَقْدِ الحَبْلِ الَّذِي هو بِيَدِهِ والِاسْتِيثاقُ بِهِ، ومِن أجْلِهِ كانَ النَّذْرُ عَقْدًا ويَمِينًا؛ لِأنَّ النّاذِرَ مُلْزِمٌ نَفْسَهُ ما نَذَرَهُ ومُؤَكِّدًا عَلى نَفْسِهِ أنْ يَفْعَلَهُ أوْ يَتْرُكَهُ. (p-٢٨٦)ومَتى صُرِفَ الخَبَرُ إلى الماضِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدًا كَما لا يَكُونُ ذَلِكَ إيجابًا وإلْزامًا ونَذْرًا، وهَذا يُبَيِّنُ مَعْنى ما ذَكَرْنا مِنَ العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والإلْزامِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَقْدَ هو ما تَعَلَّقَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي، أنَّ ضِدَّ العَقْدِ هو الحَلُّ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما قَدْ وقَعَ لا يُتَوَهَّمُ لَهُ حَلٌّ عَمّا وقَعَ عَلَيْهِ بَلْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِيهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الحَلُّ ضِدًّا لَما وقَعَ في الماضِي عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَقْدًا لَكانَ لَهُ ضِدٌّ مِنَ الحَلِّ يُوصَفُ بِهِ كالعَقْدِ عَلى المُسْتَقْبَلِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ " إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ " و" أنْتِ طالِقٌ إذا جاءَ غَدٌ " هو عَقْدٌ ولا يَلْحَقُهُ الِانْتِقاضُ والفَسْخُ. قِيلَ لَهُ جائِزٌ أنْ لا يَقَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِها قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَهو مِمّا يُوصَفُ بِضِدِّهِ. مِنَ الحَلِّ، ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ فِيمَن قالَ: " إنْ لَمْ أشْرَبِ الماءَ الَّذِي في هَذا الكُوزِ فَعَبْدِي حُرٌّ " ولَيْسَ في الكُوزِ ماءٌ، إنَّ يَمِينَهُ لا تَنْعَقِدُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقِيضٌ مِنَ الحَلِّ، ولَوْ قالَ: " إنْ لَمْ أصْعَدِ السَّماءَ فَعَبْدِي حُرٌّ حَنِثَ بَعْدَ انْعِقادِ يَمِينِهِ؛ لِأنَّ لِهَذا العَقْدِ نَقِيضًا مِنَ الحَلِّ، " وإنْ كُنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَبَرُّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ عَقَدَ اليَمِينَ عَلى مَعْنًى مُتَوَهَّمٍ مَعْقُولٍ، وإذا كانَ صُعُودُ السَّماءِ مَعْنًى مُتَوَهَّمًا مَعْقُولًا، وكَذَلِكَ تَرْكُهُ مَعْقُولٌ جائِزٌ، وشُرْبُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ مُسْتَحِيلٌ تَوَهُّمُهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدًا. وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ عَلى إلْزامِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ والذِّمَمِ الَّتِي نَعْقِدُها لِأهْلِ الحَرْبِ وأهْلِ الذِّمَّةِ والخَوارِجِ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ النّاسِ، وعَلى إلْزامِ الوَفاءِ بِالنُّذُورِ والأيْمانِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وعَهْدُ اللَّهِ تَعالى أوامِرُهُ ونَواهِيهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ أيْ بِعُقُودِ اللَّهِ فِيما حَرَّمَ وحَلَّلَ؛ وعَنِ الحَسَنِ قالَ: " يَعْنِي عُقُودَ الدِّينِ " . واقْتَضى أيْضًا الوَفاءَ بِعُقُودِ البِياعاتِ والإجاراتِ والنِّكاحاتِ، وجَمِيعِ ما يَتَناوَلُهُ اسْمُ العُقُودِ، فَمَتى اخْتَلَفْنا في جَوازِ عَقْدٍ أوْ فَسادِهِ وفي صِحَّةِ نَذْرٍ ولُزُومِهِ صَحَّ الِاحْتِجاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ لِاقْتِضاءِ عُمُومِهِ جَوازَ جَمِيعِها مِنَ الكَفالاتِ والإجاراتِ والبُيُوعِ وغَيْرِها. ويَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ في جَوازِ الكَفالَةِ بِالنَّفْسِ، وبِالمالِ وجَوازِ تَعَلُّقِها عَلى الأخْطارِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها. وقَوْلُهُ ﷺ: «والمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» في مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وهو عُمُومٌ في إيجابِ الوَفاءِ بِجَمِيعِ ما يَشْرِطُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لَمْ تَقُمْ دَلالَةً (p-٢٨٧)تُخَصِّصُهُ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ يَمِينًا أوْ نَذْرًا أوْ شَرْطًا لِغَيْرِهِ الوَفاءُ بِشَرْطِهِ ويَكُونُ عَقْدُهُ لِذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ يَلْزَمُهُ ما شَرَطَهُ وأوْجَبَهُ ؟ قِيلَ لَهُ: أمّا النُّذُورُ فَهي عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: مِنها نَذْرُ قُرْبَةٍ، فَيَصِيرُ واجِبًا بِنَذْرِهِ بَعْدَ أنْ كانَ فِعْلُهُ قُرْبَةً غَيْرَ واجِبٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] فَذَمَّهم عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِالمَنذُورِ نَفْسَهُ؛ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: «أوْفِ بِنَذْرِكَ» حِينَ نَذَرَ أنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا في الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلِهِ ﷺ: «مَن نَذَرَ نَذْرًا سَمّاهُ فَعَلَيْهِ أنْ يَفِيَ بِهِ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّهِ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ»؛ فَهَذا حُكْمُ ما كانَ قُرْبَةً مِنَ المَنذُورِ في لُزُومِ الوَفاءِ بِهِ بِعَيْنِهِ وقِسْمٌ آخَرُ: وهو ما كانَ مُباحًا غَيْرَ قُرْبَةٍ، فَمَتى نَذَرَهُ لا يَصِيرُ واجِبًا ولا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، فَإذا أرادَ بِهِ يَمِينًا فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ إذا لَمْ يَفْعَلْهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أُكَلِّمَ زَيْدًا وأدْخُلَ هَذِهِ الدّارَ وأمْشِيَ إلى السُّوقِ " فَهَذِهِ أُمُورٌ مُباحَةٌ لا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في القُرَبِ لا يَصِيرُ قُرْبَةً بِالإيجابِ، كَما أنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الوُجُوبِ لا يَصِيرُ واجِبًا بِالنَّذْرِ؛ فَإنْ أرادَ بِهِ اليَمِينَ كانَ يَمِينًا وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ إذا حَنَثَ. والقِسْمُ الثّالِثُ: نَذْرُ المَعْصِيَةِ، نَحْوُ أنْ يَقُولَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ فُلانًا أوْ أشْرَبَ الخَمْرَ أوْ أغْصِبَ فُلانًا مالَهُ " فَهَذِهِ أُمُورٌ هي مَعاصٍ لِلَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ لَهُ الإقْدامُ عَلَيْها لِأجْلِ النَّذْرِ وهي باقِيَةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَظْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في إيجابِ ما لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مِنَ المُباحاتِ أنَّها لا تَصِيرُ واجِبَةً بِالنَّذْرِ، كَما أنَّ ما كانَ مَحْظُورًا لا يَصِيرُ مُباحًا ولا واجِبًا بِالنَّذْرِ، وتَجِبُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ إذا أرادَ يَمِينًا وحَنَثَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، فالنَّذْرُ يَنْقَسِمُ إلى هَذِهِ الأنْحاءِ. وأمّا الأيْمانُ فَإنَّها تُعْقَدُ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ مِن قُرْبَةٍ أوْ مُباحٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، فَإذا عَقَدَها عَلى قُرْبَةٍ لَمْ تَصِرْ واجِبَةً بِاليَمِينِ، ولَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالوَفاءِ بِهِ فَإنْ لَمْ يَفِ بِهِ وحَنَثَ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «بَلَغَنِي أنَّكَ قُلْتَ واَللَّهِ لَأصُومَنَّ الدَّهْرَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: فَلا تَفْعَلْ ولَكِنْ صُمْ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقالَ: إنِّي أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ إلى أنْ ورَدَهُ إلى أنْ يَصُومَ يَوْمًا ويُفْطِرَ (p-٢٨٨)يَوْمًا»، فَلَمْ يَلْزَمْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ بِاليَمِينِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اليَمِينَ لا يُلْزَمُ بِها المَحْلُوفُ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: " واَللَّهِ لَأصُومَنَّ غَدًا " ثُمَّ لَمْ يَصُمْهُ: فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ. والقِسْمُ الآخَرُ مِنَ الأيْمانِ: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى مُباحٍ أنْ يَفْعَلَهُ فَلا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ كَما لا يَلْزَمُهُ فِعْلُ القُرْبَةِ المَحْلُوفِ عَلَيْها، فَإنْ شاءَ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ وإنْ شاءَ تَرَكَ، فَإنْ حَنَثَ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ. والقِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْلِفَ عَلى مَعْصِيَةٍ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَفْعَلَها بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَحْنَثَ في يَمِينِهِ ويُكَفِّرَ عَنْها، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»، وقالَ: «إنِّي لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا فَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ لِما كانَ مِنهُ مِنَ الخَوْضِ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالرُّجُوعِ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قِيلَ في الأنْعامِ إنَّها الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وقالَ بَعْضُهم: الإطْلاقُ يَتَناوَلُ الإبِلَ وإنْ كانَتْ مُنْفَرِدَةً، ويَتَناوَلُ البَقَرَ والغَنَمَ إذا كانَتْ مَعَ الإبِلِ، ولا تَتَناوَلُهُما مُنْفَرِدَةً عَنِ الإبِلِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ القَوْلُ الأوَّلُ. وقِيلَ: إنَّ الأنْعامَ تَقَعُ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ وعَلى الظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ ولا يَدْخُلُ فِيها الحافِرُ؛ لِأنَّهُ أُخِذَ مِن نُعُومَةِ الوَطْءِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ اسْتِثْناؤُهُ الصَّيْدَ مِنها بِقَوْلِهِ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الحافِرَ غَيْرُ داخِلٍ في الأنْعامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] فَلَمّا اسْتَأْنَفَ ذِكْرَها وعَطَفَها عَلى الأنْعامِ دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنها. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في جَنِينِ البَقَرَةِ: " إنَّها بَهِيمَةُ الأنْعامِ " وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ مِنَ الأنْعامِ. وإنَّما قالَ ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ وإنْ كانَتِ الأنْعامُ كُلُّها مِنَ البَهائِمِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " أحَلَّ لَكُمُ البَهِيمَةَ الَّتِي هي الأنْعامُ " فَأضافَ البَهِيمَةَ إلى الأنْعامِ وإنْ كانَتْ هي، كَما تَقُولُ نَفْسُ الإنْسانِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ هَذِهِ الإباحَةَ مَعْقُودَةٌ بِشَرْطِ الوَفاءِ بِالعُقُودِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الوَفاءَ بِالعُقُودِ شَرْطًا لِلْإباحَةِ ولا أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المُجازاةِ، ولَكِنَّهُ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْنا بِلَفْظِ الإيمانِ في قَوْلِهِ (p-٢٨٩)تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ الِاقْتِصارَ بِالإباحَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، بَلِ الإباحَةُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ كُفّارًا كانُوا أوْ مُؤْمِنِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] وهو حُكْمٌ عامٌّ في المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ مَعَ وُرُودِ اللَّفْظِ خاصًّا بِخِطابِ المُؤْمِنِينَ. وكَذَلِكَ كُلُّ ما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ فَهو مُباحٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ، كَما أنَّ كُلَّ ما أوْجَبَهُ وفَرَضَهُ فَهو فَرْضٌ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إلّا أنْ يَخُصَّ بَعْضَهم دَلِيلٌ؛ وكَذَلِكَ قُلْنا: إنَّ الكُفّارَ مُسْتَحِقُّونَ لِلْعِقابِ عَلى تَرْكِ الشَّرائِعِ كَما يَسْتَحِقُّونَ عَلى تَرْكِ الإيمانِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ ذَبْحُ البَهائِمِ مَحْظُورًا إلّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهِ، فَمَن لَمْ يَعْتَقِدْ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِباحَتُهُ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ فَحُكْمُهُ في حَظْرِهِ عَلَيْهِ باقٍ عَلى الأصْلِ، وقائِلُ هَذا القَوْلِ يَقُولُ إنَّ ذَبْحَ البَهائِمِ مَحْظُورٌ عَلى الكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ مِنهم وغَيْرِهِمْ وهم عُصاةٌ في ذَبْحِها، وإنْ كانَ أكْلُ ما ذَبَحَهُ أهْلُ الكِتابِ مُباحًا لَنا. وزَعَمَ هَذا القائِلُ أنَّ لِلْمُلْحِدِ أنْ يَأْكُلَ بَعْدَ الذَّبْحِ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَذْبَحَ. ولَيْسَ هَذا عِنْدَ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أهْلُ الكِتابِ عُصاةً بِذَبْحِهِمْ لِأجْلِ دِياناتِهِمْ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ ذَبائِحُهم غَيْرَ مُذَكّاةٍ، مِثْلُ المَجُوسِيِّ لَمّا كانَ مَمْنُوعًا مِنَ الذَّبْحِ لِأجْلِ اعْتِقادِهِ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُهُ ذَكاةً، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكِتابِيَّ غَيْرُ عاصٍ في ذَبْحِ البَهائِمِ وأنَّهُ مُباحٌ لَهُ كَهو لَنا. وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّهُ إذا لَمْ يَعْتَقِدْ صِحَّةَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِباحَتُهُ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ فَحُكْمُ حَظْرِ الذَّبْحِ قائِمٌ عَلَيْهِ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ السَّمْعِ بِكُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ في إباحَةِ ذَبْحِ البَهائِمِ. وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ ذَكاتِهِ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلى الذَّبِيحَةِ عامِدًا لَكانَ عِنْدَنا عاصِيًا بِذَلِكَ، وكانَ لِمَن يَعْتَقِدُ جَوازَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْها أنْ يَأْكُلَها، ولَمْ يَكُنْ كَوْنُ الذّابِحِ عاصِيًا مانِعًا صِحَّةَ ذَكاتِهِ. * * قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾: " يَعْنِي قَوْلَهُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيِّتَةُ والدَّمُ وسائِرُ ما حُرِّمَ في القُرْآنِ " . وقالَ آخَرُونَ: " إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِن أكْلِ الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ " . فَكَأنَّهُ قالَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم في نَسَقِ هَذا الخِطابِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُجْمَلًا؛ لِأنَّ ما قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ هو مَعْلُومٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (p-٢٩٠)﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ عُمُومًا في إباحَةِ جَمِيعِها إلّا ما خَصَّهُ الآيُ الَّتِي فِيها تَحْرِيمُ ما حُرِّمَ مِنها، وجَعَلَ هَذِهِ الإباحَةَ مُرَتَّبَةً عَلى آيِ الحَظْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلّا ما يَبِينُ حُرْمَتُهُ؛ فَيَكُونُ مُؤْذِنًا بِتَحْرِيمِ بَعْضِها عَلَيْنا في وقْتٍ ثانٍ، فَلا يَسْلُبُ ذَلِكَ الآيَةَ حُكْمَ العُمُومِ أيْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ بَعْضَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمُ الآنَ تَحْرِيمًا يَرِدُ بَيانُهُ في الثّانِي، فَهَذا يُوجِبُ إجْمالَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ لِاسْتِثْنائِهِ بَعْضَها، فَهو مَجْهُولُ المَعْنى عِنْدَنا، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَمِلًا عَلى إباحَةٍ وحَظْرٍ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ويَكُونُ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلى البَيانِ. وأوْلى الأشْياءِ بِنا إذا كانَ في اللَّفْظِ احْتِمالٌ لِما وصَفْنا مِنَ الإجْمالِ والعُمُومِ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى العُمُومِ لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِ، فَيَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ في القُرْآنِ مِنَ المَيْتَةِ ونَحْوِها. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يَقْتَضِي تِلاوَةً مُسْتَقْبَلَةً لا تِلاوَةً ماضِيَةً، وما قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تُلِيَ عَلَيْنا فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى تِلاوَةٍ تَرِدُ في الثّانِي قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما قَدْ تُلِيَ عَلَيْنا ويُتْلى في الثّانِي؛ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى حالٍ ماضِيَةٍ دُونَ مُسْتَقْبَلَةٍ، بَلْ عَلَيْنا تِلاوَتُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما تَلَوْناهُ في الماضِي، فَتِلاوَةُ ما قَدْ نَزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ مُمْكِنَةٌ في المُسْتَقْبَلِ؛ وتَكُونُ حِينَئِذٍ فائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ إبانَةً عَنْ بَقاءِ حُكْمِ المُحَرَّماتِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وأنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، ولَوْ أُطْلِقَ اللَّفْظُ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ مَعَ تَقَدُّمِ نُزُولِ تَحْرِيمِ كَثِيرٍ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ لَأوْجَبَ ذَلِكَ نَسْخَ التَّحْرِيمِ وإباحَةَ الجَمِيعِ مِنها. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَمِنَ النّاسِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى مَعْنى: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِن أكْلِ الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ؛ فَيَكُونُ المُسْتَثْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ هو الصَّيْدَ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى المُحْرِمِينَ. وهَذا تَأْوِيلٌ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ويَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم، وهو تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ؛ وذَلِكَ تَعَسُّفٌ في التَّأْوِيلِ. ويُوجِبُ ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن إباحَةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ مَقْصُورًا عَلى الصَّيْدِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ المَيْتَةَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ مُسْتَثْناةٌ مِنَ الإباحَةِ؛ فَهَذا تَأْوِيلٌ لا وجْهَ لَهُ. ثُمَّ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مُسْتَثْنًى مِمّا يَلِيهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم إلّا مُحَلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِإباحَةِ الصَّيْدِ في الإحْرامِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ (p-٢٩١)المَحْظُورِ؛ إذْ كانَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ سِوى الصَّيْدِ مِمّا قَدْ بُيِّنَ وسَيُبَيَّنُ تَحْرِيمُهُ في الثّانِي، أوْ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أوْفُوا بِالعُقُودِ غَيْرَ مُحَلِّي الصَّيْدِ وأُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم.

المائدة 5:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ فِيهِ وُجُوهٌ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ الشَّعائِرَ مَناسِكُ الحَجِّ " . وقالَ مُجاهِدٌ الصَّفّا والمَرْوَةُ والهَدْيُ والبُدْنُ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الشَّعائِرِ " وقالَ عَطاءٌ فَرائِضُ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ " . وقالَ الحَسَنُ دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أيْ دِينُ اللَّهِ " . وقِيلَ: إنَّها أعْلامُ الحَرَمِ نَهاهم أنْ يَتَجاوَزُوها غَيْرَ مُحْرِمِينَ إذا أرادُوا دُخُولَ مَكَّةَ. وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها في احْتِمالِ الآيَةِ. والأصْلُ في الشَّعائِرِ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الإشْعارِ وهي الإعْلامُ مِن جِهَةِ الإحْساسِ، ومِنهُ مَشاعِرُ البَدَنِ وهي الحَواسُّ. والمَشاعِرُ أيْضًا هي المَواضِعُ الَّتِي قَدْ أُشْعِرَتْ بِالعَلاماتِ؛ وتَقُولُ: قَدْ شَعَرْتُ بِهِ، أيْ عَلِمْتَهُ؛ وقالَ تَعالى: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] يَعْنِي: لا يَعْلَمُونَ. ومِنهُ الشّاعِرُ لِأنَّهُ يَشْعُرُ بِفِطْنَتِهِ لِما لا يَشْعُرُ بِهِ غَيْرُهُ. وإذا كانَ الأصْلُ عَلى ما وصَفْنا فالشَّعائِرُ العَلاماتُ واحِدُها شَعِيرَةٌ، وهي العَلامَةُ الَّتِي يُشْعَرُ بِها الشَّيْءُ ويُعْلَمُ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قَدِ انْتَظَمَ جَمِيعَ مَعالِمِ دِينِ اللَّهِ، وهو ما أعْلَمَناهُ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ مِن فَرائِضِ دِينِهِ وعَلاماتِها بِأنْ لا يَتَجاوَزُوا حُدُودَهُ ولا يُقَصِّرُوا دُونَها ولا يُضَيِّعُوها، فَيَنْتَظِمُ ذَلِكَ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ السَّلَفِ مِن تَأْوِيلِها؛ فاقْتَضى ذَلِكَ حَظْرَ دُخُولِ الحَرَمِ إلّا مُحْرِمًا، وحَظْرَ اسْتِحْلالِهِ بِالقِتالِ فِيهِ، وحَظْرَ قَتْلَ مَن لَجَأ إلَيْهِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفّا والمَرْوَةِ؛ لِأنَّهُما مِن شَعائِرِ اللَّهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ لِأنَّ الطَّوافَ بِهِما كانَ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ طافَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِما، فَثَبَتَ أنَّهُما مِن شَعائِرِ اللَّهِ. * * وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ إحْلالَهُ هو القِتالُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ مَنسُوخٌ، وذَكَرْنا قَوْلَ مَن رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] نَسَخَهُ. وقالَ عَطاءٌ: " حُكْمُهُ ثابِتٌ، والقِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ مَحْظُورٌ " . وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: " مَعْناهُ الأشْهُرُ الحُرُمُ " . وقالَ عِكْرِمَةُ: " هو ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ ورَجَبٌ " . وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ هَذِهِ الأشْهُرُ كُلُّها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها في حُكْمٍ واحِدٍ مِنها. وبَقِيَّةُ الشُّهُورِ مَعْلُومٌ حُكْمُها مِن جِهَةِ دَلالَةِ اللَّفْظِ إذْ (p-٢٩٢)كانَ جَمِيعُها في حُكْمٍ واحِدٍ مِنها، فَإذا بَيَّنَ حُكْمًا واحِدًا مِنها فَقَدْ دَلَّ عَلى حُكْمِ الجَمِيعِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ أمّا الهَدْيُ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنَ الذَّبائِحِ والصَّدَقاتِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المُبَكِّرُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي شاةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي دَجاجَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَيْضَةً»، فَسَمّى الدَّجاجَةَ والبَيْضَةَ هَدْيًا، وأرادَ بِهِ الصَّدَقَةَ. وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فَيَمَنِ قالَ: " ثَوْبِي هَذا هَدْيٌ " أنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. إلّا أنَّ الإطْلاقَ إنَّما يَتَناوَلُ أحَدَ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ إلى الحَرَمِ وذَبْحِهِ فِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ أدْناهُ شاةٌ؛ وقالَ تَعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقالَ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأقَلُّهُ شاةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الفُقَهاءِ؛ فاسْمُ الهَدْيِ إذا أُطْلِقَ يَتَناوَلُ ذَبْحَ أحَدِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ في الحَرَمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا الهَدْيَ﴾ أرادَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ إحْلالِ الهَدْيِ الَّذِي قَدْ جُعِلَ لَلذَّبْحِ في الحَرَمِ، وإحْلالِ اسْتِباحَتِهِ لِغَيْرِ ما سِيقَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبَةِ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى حَظْرِ الِانْتِفاعِ بِالهَدْيِ إذا ساقَهُ صاحِبُهُ إلى البَيْتِ أوْ أوْجَبَهُ هَدْيًا مِن جِهَةِ نَذْرٍ أوْ غَيْرِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى حَظْرِ الأكْلِ مِنَ الهَدايا نَذْرًا كانَ أوْ واجِبًا مِن إحْصارٍ أوْ جَزاءِ صَيْدٍ. وظاهِرُهُ يَمْنَعُ جَوازَ الأكْلِ مِن هَدْيِ المُتْعَةِ والقِرانِ لَشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ، إلّا أنَّ الدَّلالَةَ قَدْ قامَتْ عِنْدَنا عَلى جَوازِ الأكْلِ مِنهُ. وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا القَلائِدَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: لا تُحِلُّوا القَلائِدَ. وقَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ القَلائِدِ وُجُوهٌ عَنِ السَّلَفِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " أرادَ الهَدْيَ المُقَلَّدَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنَ الهَدْيِ ما يُقَلَّدُ ومِنهُ ما لا يُقَلَّدُ، واَلَّذِي يُقَلَّدُ الإبِلُ والبَقَرُ، واَلَّذِي لا يُقَلَّدُ الغَنَمُ، فَحَظَرَ تَعالى إحْلالَ الهَدْيِ مُقَلَّدًا وغَيْرَ مُقَلَّدٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: " كانُوا إذا أحْرَمُوا يُقَلِّدُونَ أنْفُسَهم والبَهائِمَ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، فَكانَ ذَلِكَ أمْنًا لَهم، فَحَظَرَ اللَّهُ تَعالى اسْتِباحَةَ ما هَذا وصْفُهُ وذَلِكَ مَنسُوخٌ في النّاسِ وفي البَهائِمِ غَيْرِ الهَدايا " . ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ في تَقْلِيدِ النّاسِ لِحاءَ شَجَرِ الحَرَمِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: " أرادَ بِهِ قَلائِدَ الهَدْيِ بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِها ولا يَنْتَفِعُوا بِها " . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: " يُقَلَّدُ الهَدْيُ بِالنِّعالِ، فَإذا لَمْ تُوجَدْ فالجِفافُ تُقَوَّرُ ثُمَّ يُجْعَلُ في أعْناقِها ثُمَّ يُتَصَدَّقُ بِها " . وقِيلَ: هو صُوفٌ يُفْتَلُ فَيُجْعَلُ في أعْناقِ الهَدْيِ. قالَ أبُو (p-٢٩٣)بَكْرٍ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَقْلِيدَ الهَدْيِ قُرْبَةٌ، وأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ كَوْنِهِ هَدْيًا وذَلِكَ بِأنْ يُقَلِّدَهُ ويُرِيدَ أنْ يَهْدِيَهُ فَيَصِيرَ هَدْيًا بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِالقَوْلِ، فَمَتى وُجِدَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ صارَ هَدْيًا لا تَجُوزُ اسْتِباحَتُهُ والِانْتِفاعُ بِهِ إلّا بِأنْ يَذْبَحَهُ ويَتَصَدَّقَ بِهِ. وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ قَلائِدَ الهَدْيِ يَجِبُ أنْ يُتَصَدَّقَ بِها لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَها، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في البُدْنِ الَّتِي نُحِرَ بَعْضُها بِمَكَّةَ وأمَرَ عَلِيًّا بِنَحْرِ بَعْضِها، وقالَ لَهُ: «تَصَدَّقْ بِجِلالِها وخُطُمِها ولا تُعْطِ الجَزّارَ مِنها شَيْئًا، فَإنّا نُعْطِيهِ مِن عِنْدِنا». وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ رُكُوبُ الهَدْيِ ولا حَلْبُهُ ولا الِانْتِفاعُ بِلَبَنِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَلائِدَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِما دَلَّ بِهِ عَلى القُرْبَةِ فِيها وتَعَلُّقِ الأحْكامِ بِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] فَلَوْلا ما تَعَلَّقَ بِالهَدْيِ والقَلائِدِ مِنَ الحُرُماتِ والحُقُوقِ الَّتِي هي لِلَّهِ تَعالى كَتَعَلُّقِها بِالشَّهْرِ الحَرامِ وبِالكَعْبَةِ لَما ضَمَّها إلَيْهِما عِنْدَ الإخْبارِ عَمّا فِيها مِنَ المَنافِعِ وصَلاحِ النّاسِ وقِوامِهِمْ. ورَوى الحَكَمُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هاتانِ الآيَتانِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ نَسَخَتْها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] الآيَةُ نَسَخَتْها: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] قالَ أبُو بَكْرٍ: يُرِيدُ بِهِ نَسْخَ تَحْرِيمِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ونَسْخَ القَلائِدِ الَّتِي كانُوا يُقَلِّدُونَ بِها أنْفُسَهم وبَهائِمَهم مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ نَسْخَ قَلائِدِ الهَدْيِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ ثابِتٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والتّابِعِينَ بَعْدَهم. ورَوى مالِكُ بْنُ مَغُولٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا القَلائِدَ﴾ قالَ: كانُوا يُقَلِّدُونَ لِحاءَ شَجَرِ الحَرَمِ يَأْمَنُونَ بِهِ إذا خَرَجُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَظَرَ اللَّهُ انْتِهاكَ حُرْمَةِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ؛ لِأنَّ النّاسَ كانُوا مُقِرِّينَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَحْظُرُها العَقْلُ، إلى أنْ نَسَخَ اللَّهُ مِنها ما شاءَ فَنَهى اللَّهُ عَنِ اسْتِحْلالِ حُرْمَةِ مَن تَقَلَّدَ بِلِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أمَّنَ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانُوا بِالإسْلامِ. وأمّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَصارَ حَظْرُ قَتْلِ المُشْرِكِ الَّذِي تَقَلَّدَ بِلِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ مَنسُوخًا، والمُسْلِمُونَ قَدِ اسْتَغْنُوا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ، وبَقِيَ حُكْمُ قَلائِدِ الهَدْيِ ثابِتًا. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (p-٢٩٤)مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا الثَّوْرِيُّ عَنْ بَيانٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ مِن سُورَةِ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ . وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ الآيَةُ، قالَ: مَنسُوخٌ؛ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَّمُرِ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ، وإذا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلادَةَ شَعْرٍ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ، وكانَ المُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لا يُصَدُّ عَنِ البَيْتِ، فَأُمِرُوا أنْ لا يُقاتَلُوا في الشَّهْرِ الحَرامِ ولا عِنْدَ البَيْتِ، فَنَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ورَوى يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] حَواجِزُ جَعَلَها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ الرَّجُلُ إذا لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يَتَناوَلْهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصَبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ تَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ فَمُنِعَتِ النّاسُ عَنْهُ. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ البَيْتَ جَمِيعًا، فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَمْنَعُوا أحَدًا أنْ يَحُجَّ البَيْتَ أوْ يَعْرِضُوا لَهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ كافِرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] وقَدْ رَوى إسْحاقُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ هَلْ نُسِخَ مِنَ " المائِدَةِ" شَيْءٌ ؟ فَقالَ: لا. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ إنَّما أُرِيدَ بِهِ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ الحَسَنِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الكُفّارُ فَذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ حَظْرُ القِتالِ فِيهِ مَنسُوخٌ بِما قَدَّمْنا إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَ الحَسَنِ هَذا الحُكْمُ ثابِتًا عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ. * * قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٩٥)﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: أُرِيدَ بِهِ الرِّبْحَ في التِّجارَةِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التِّجارَةِ في الحَجِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ. وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ " الأجْرُ والتِّجارَةُ " . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ في آخَرِينَ: " هو تَعْلِيمٌ، إنْ شاءَ صادَ وإنْ شاءَ لَمْ يَصِدْ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هو إطْلاقٌ مِن حَظْرٍ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] لَمّا حَظَرَ البَيْعَ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] عَقَّبَهُ بِالإطْلاقِ بَعْدَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ قَدْ تَضَمَّنَ إحْرامًا مُتَقَدِّمًا؛ لِأنَّ الإحْلالَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْرامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قَدِ اقْتَضى كَوْنَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مُحْرِمًا، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ سَوْقَ الهَدْيِ وتَقْلِيدَهُ يُوجِبُ الإحْرامَ. ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ دُخُولُ مَكَّةَ إلّا بِالإحْرامِ،؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ قَدْ تَضَمَّنَ أنْ يَكُونَ مَن أمَّ البَيْتَ الحَرامَ فَعَلَيْهِ إحْرامٌ يَحِلُّ مِنهُ ويَحِلُّ لَهُ الِاصْطِيادُ بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ قَدْ أرادَ بِهِ الإحْلالَ مِنَ الإحْرامِ والخُرُوجَ مِنَ الحَرَمِ أيْضًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَظَرَ الِاصْطِيادَ في الحَرَمِ بِقَوْلِهِ: «ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها» ولا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ فِيهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ قَدْ أرادَ بِهِ الخُرُوجَ مِنَ الحَرَمِ والإحْرامِ جَمِيعًا. وهُوَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاصْطِيادِ لِمَن حَلَّ مِن إحْرامِهِ بِالحَلْقِ، وأنَّ بَقاءَ طَوافِ الزِّيارَةِ عَلَيْهِ لا يَمْنَعُ الِاصْطِيادَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ وهَذا قَدْ حَلَّ؛ إذْ كانَ هَذا الحَلْقُ واقِعًا لِلْإحْلالِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: " لا يَجْرِمَنَّكم: لا يَحْمِلَنَّكم " . وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ جَرَمَنِي زَيْدٌ عَلى بُغْضِكَ أيْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَكْسِبَنَّكم، يُقالُ: جَرَمْتُ عَلى أهْلِي أيْ كَسَبْتُ لَهم، وفُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ أيْ كاسِبُهم؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا (p-٢٩٦)ويُقالُ: جَرَمَ يَجْرُمُ جُرْمًا، إذا قَطَعَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِها، فَمَن فَتَحَ النُّونَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مِن قَوْلِكَ: " شَنِئْتُهُ أشَنْأُهُ شَنَآنًا " والشَّنَآنُ البُغْضُ فَكَأنَّهُ قالَ ولا يَجْرِمَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا عَداوَةُ قَوْمٍ " . ومَن قَرَأ بِسُكُونِ النُّونِ فَمَعْناهُ بَغِيضُ قَوْمٍ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَتَجاوَزُوا الحَقَّ إلى الظُّلْمِ والتَّعَدِّي، لِأجْلِ تَعَدِّي الكُفّارِ بِصَدِّهِمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَن خانَكَ». * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ إيجابَ التَّعاوُنِ عَلى كُلِّ ما كانَ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ البِرَّ هو طاعاتُ اللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُعاوَنَةِ غَيْرِنا عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:3

بابُ أكْلِ الجَرادِ قالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: لا بَأْسَ بِأكْلِ الجَرادِ كُلِّهِ ما أخَذْتَهُ وما وجَدْتَهُ مَيِّتًا. ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ إذا أخَذَهُ حَيًّا ثُمَّ قَطَعَ رَأْسَهُ وشَواهُ أُكِلَ، وما أُخِذَ حَيًّا فَغَفَلَ عَنْهُ حَتّى ماتَ لَمْ يُؤْكَلْ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ ما لَوْ وجَدَهُ مَيِّتًا قَبْلَ أنْ يَصْطادَهُ فَلا يُؤْكَلُ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ورَبِيعَةَ. وقالَ مالِكٌ: " وما قَتَلَهُ مَجُوسِيٌّ لَمْ يُؤْكَلْ " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " أكْرَهُ أكْلَ الجَرادِ مَيِّتًا، فَأمّا الَّذِي أخَذْتَهُ حَيًّا فَلا بَأْسَ بِهِ " قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ السَّمَكُ والجَرادُ» يُوجِبُ إباحَتَهُ جَمِيعَهُ، مِمّا وُجِدَ مَيِّتًا ومِمّا قَتَلَهُ آخِذُهُ. وقَدِ اسْتَعْمَلَ النّاسُ جَمِيعُهم هَذا الخَبَرَ في إباحَةِ أكْلِ الجَرادِ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُهُ عَلى عُمُومِهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ لِقَتْلِ آخِذِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا (p-١٣٦)الحَسَنُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا زَكَرِيّا بْنُ يَحْيى بْنِ عُمارَةَ الأنْصارِيُّ قالَ: حَدَّثَنا فائِدُ أبُو العَوّامِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمانَ «، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الجَرادِ قالَ: أكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ، لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ» . وما لَمْ يُحَرِّمْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهو مُباحٌ وتَرْكُ أكْلِهِ لا يُوجِبُ حَظْرَهُ؛ إذْ جائِزٌ تَرْكُ أكْلِ المُباحِ وغَيْرُ جائِزٍ نَفْيُ التَّحْرِيمِ عَمّا هو مُحَرَّمٌ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ما ماتَ وبَيْنَ ما قَتَلَهُ آخِذُهُ. وقالَ عَطاءٌ عَنْ جابِرٍ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأصَبْنا جَرادًا فَأكَلْناهُ» . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ ولا نَأْكُلُ غَيْرَهُ» قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَيِّتِهِ وبَيْنَ مَقْتُولِهِ، حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ زَكَرِيّا التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الخَطّابِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَتّابٍ: حَدَّثَنا النُّعْمانُ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ الأسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ: «أنَّها كانَتْ تَأْكُلُ الجَرادَ وتَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُهُ» قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذِهِ الآثارُ الوارِدَةُ في الجَرادِ لَمْ يُفَرَّقْ في شَيْءٍ مِنها بَيْنَ مَيِّتِهِ وبَيْنَ مَقْتُولِهِ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ يَقْتَضِي حَظْرَ جَمِيعِها فَلا يُخَصُّ مِنها إلّا ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وهو ما يَقْتُلُهُ آخِذُهُ، وما عَداهُ فَهو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ في إيجابِ تَحْرِيمِهِ قِيلَ لَهُ: تَخُصُّهُ الأخْبارُ الوارِدَةُ في إباحَتِهِ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ في تَخْصِيصِ الآيَةِ. ولَمْ تُفَرِّقْ هَذِهِ الأخْبارُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها، فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنها ولا الِاعْتِراضُ عَلَيْها بِالآيَةِ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّها قاضِيَةٌ عَلى الآيَةِ مُخَصِّصَةٌ لَها. ولَيْسَ الجَرادُ عِنْدَنا مِثْلَ السَّمَكِ في حَظْرِنا لِلطّافِي مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ في تَخْصِيصِ السَّمَكِ بِالإباحَةِ مِن جُمْلَةِ المَيْتَةِ بِإزائِها أخْبارٌ أُخَرُ في حَظْرِ الطّافِي مِنهُ، فاسْتَعْمَلْناها جَمِيعًا وقَضَيْنا بِالخاصِّ مِنها عَلى العامِّ مَعَ مُعاضَدَةِ الآيَةِ لِأخْبارِ الحَظْرِ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا وافَقَنا مالِكٌ ومَن تابَعَهُ عَلى إباحَةِ المَقْتُولِ مِنهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَيِّتِ مِن غَيْرِ قَتْلٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَتْلَ لَيْسَ بِذَكاةٍ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ الذَّكاةَ في الأصْلِ عَلى وجْهَيْنِ وهي فِيما لَهُ دَمٌ سائِلٌ: أحَدُهُما قَطْعُ الحُلْقُومِ والأوْداجِ في حالِ إمْكانِهِ، والآخَرُ: إسالَةُ دَمِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الذَّبْحِ، ألا تَرى أنَّ الصَّيْدَ لا يَكُونُ مُذَكًّى بِإصابَتِهِ إلّا أنْ يَجْرَحَهُ ويَسْفَحَ دَمَهُ ؟ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَرادِ دَمٌ سائِلٌ كانَ قَتْلُهُ ومَوْتُهُ حَتْفَ أنْفِهِ سَواءً، كَما كانَ قَتْلُ ما لَهُ دَمٌ سائِلٌ مِن غَيْرِ سَفْحِ دَمِهِ ومَوْتِهِ حَتْفَ أنْفِهِ سَواءً في كَوْنِهِ غَيْرِ مُذَكًّى. فَكَذَلِكَ واجِبٌ أنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ قَتْلِ الجَرادِ ومَوْتِهِ حَتْفَ أنْفِهِ؛ إذْ لَيْسَ هو مِمّا يُسْفَحُ دَمُهُ. فَإنْ قِيلِ: قَدْ فَرَّقْتَ بَيْنَ السَّمَكِ (p-١٣٧)الطّافِي وما قَتَلَهُ آخِذُهُ أوْ ماتَ بِسَبَبٍ حادِثٍ، فَما أنْكَرْتَ مِن فَرْقِنا بَيْنَ ما ماتَ مِنَ الجَرادِ وما قُتِلَ مِنهُ ؟ قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما أنَّ هَذا هو القِياسُ في السَّمَكِ لِما لَمْ يَحْتَجْ في صِحَّةِ ذَكاتِهِ إلى سَفْحِ الدَّمِ، إلّا أنّا تَرَكْنا القِياسَ لِلْآثارِ الَّتِي ذَكَرْنا، ومِن أصْلِنا تَخْصِيصُ القِياسِ بِالآثارِ. ولَيْسَ مَعَكَ الأثَرُ في تَخْصِيصِ بَعْضِ الجَرادِ بِالإباحَةِ دُونَ بَعْضٍ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ أخْبارِ الإباحَةِ في الكُلِّ والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ السَّمَكَ لَهُ دَمٌ سائِلٌ فَكانَ لَهُ ذَكاةٌ مِن جِهَةِ القَتْلِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى سَفْحِ دَمِهِ في شَرْطِ الذَّكاةِ؛ لِأنَّ دَمَهُ طاهِرٌ وهو يُؤْكَلُ بِدَمِهِ، فَلِذَلِكَ شُرِطَ فِيهِ مَوْتُهُ بِسَبَبٍ حادِثٍ يَقُومُ لَهُ مَقامَ الذَّكاةِ في سائِرِ ما لَهُ دَمٌ سائِلٌ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الجَرادِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: " الجَرادُ كُلُّهُ ذَكِيٌّ " وعَنْ عُمَرَ وصُهَيْبٍ والمِقْدادِ إباحَةُ أكْلِ الجَرادِ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ ذَكاةِ الجَنِينِ قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في جَنِينِ النّاقَةِ والبَقَرَةِ وغَيْرِهِما إذا خَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ ذَبْحِ الأُمِّ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " لا يُؤْكَلُ إلّا أنْ يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذْبَحَ " وهو قَوْلُ حَمّادٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: " يُؤْكَلُ أشْعَرَ أوْ لَمْ يُشْعَرْ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ قالا ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ. وقالَ مالِكٌ: " إنْ تَمَّ خَلْقُهُ ونَبَتَ شَعْرُهُ أُكِلَ وإلّا فَلا " وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا تَمَّ خَلْقُهُ فَذَكاةُ أُمِّهِ ذَكاتُهُ " . قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ وقالَ في آخِرِها ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وقالَ: إنَّما ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ فَحَرَّمَ اللَّهُ المَيْتَةَ مُطْلَقًا واسْتَثْنى المُذَكّى مِنها وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الذَّكاةَ في المَقْدُورِ عَلى ذَكاتِهِ في النَّحْرِ واللَّبَّةِ وفي غَيْرِ المَقْدُورِ عَلى ذَكاتِهِ بِسَفْحِ دَمِهِ فَقَوْلُهُ: ﷺ «أنْهِرِ الدَّمَ بِما شِئْتَ» . وقَوْلُهُ في المِعْراضِ: «إذا خَزَقَ فَكُلْ وإذا لَمْ يَخْزِقْ فَلا تَأْكُلْ» فَلَمّا كانَتِ الذَّكاةُ مُنْقَسِمَةً إلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وحَكَمَ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ المَيْتَةِ حُكْمًا عامًّا واسْتَثْنى مِنهُ المُذَكّى بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةً في الجَنِينِ، كانَ مُحَرَّمًا بِظاهِرِ الآيَةِ واحْتَجَّ مَن أباحَ ذَلِكَ بِأخْبارٍ رُوِيَتْ مِن طُرُقٍ، مِنها عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي أُمامَةَ وكَعْبِ بْنِ مالِكٍ وابْنِ عُمَرَ وأبِي أيُّوبَ وأبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «ذَكاةُ الجَنِينَ ذَكاةُ أُمِّهِ» . وهَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها واهِيَةُ السَّنَدِ عِنْدَ أهْلِ النَّقْلِ كَرِهْتُ الإطالَةَ بِذِكْرِ أسانِيدِها وبَيانِ ضَعْفِها واضْطِرابِها؛ إذْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها دَلالَةٌ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ، (p-١٣٨)وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: «ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ ذَكاةٌ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ إيجابَ تَذْكِيَتِهِ كَما تُذَكّى أُمُّهُ وأنَّهُ لا يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] مَعْناهُ كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وكَقَوْلِ القائِلِ: " قَوْلِي قَوْلُكَ ومَذْهَبِي مَذْهَبُكَ " والمَعْنى قَوْلِي كَقَوْلِكَ ومَذْهَبِي كَمَذْهَبِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَعَيْناكِ عَيْناها وجِيدُكِ جِيدُها سِوى أنَّ عَظْمَ السّاقِ مِنكِ دَقِيقُ ومَعْناهُ: فَعَيْناكِ كَعَيْنَيْها وجِيدُكِ كَجِيدِها. وإذا احْتَمَلَ اللَّفْظُ لِما وصَفْنا ولَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ المَعْنَيانِ جَمِيعًا مُرادَيْنِ بِالخَبَرِ لِتَنافِيهِما؛ إذْ كانَ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ إيجابُ تَذْكِيَتِهِ، فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ غَيْرَ مُذَكًّى في نَفْسِهِ والآخَرُ يُبِيحُ أكْلَهُ بِذَكاةِ أُمِّهِ؛ إذْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ذَكاتُهُ في نَفْسِهِ، لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُخَصِّصَ الآيَةَ بِهِ ووَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مُوافَقَةِ الآيَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُ الآيَةِ بِخَبَرِ الواحِدِ واهِيِ السَّنَدِ مُحْتَمِلٍ لِمُوافَقَتِها. ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهُ إيجابُ تَذْكِيَتِهِ كَما تُذَكّى الأُمُّ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ إذا خَرَجَ حَيًّا وجَبَ تَذْكِيَتُهُ ولَمْ يَجُزِ الِاقْتِصارُ عَلى تَذْكِيَةِ الأُمِّ، فَكانَ ذَلِكَ مُرادًا بِالخَبَرِ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ ذَكاةَ أُمِّهِ ذَكاةً لَهُ لِتَنافِيهِما وتَضادِّهِما؛ إذْ كانَ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ إيجابُ تَذْكِيَتِهِ وفي الآخَرِ نَفْيُهُ فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما أنْكَرْتَ أنْ نُرِيدَ المَعْنَيَيْنِ في حالَيْنِ بِأنْ يَجِبَ ذَكاتُهُ إذا خَرَجَ حَيًّا ويُقْتَصَرُ عَلى ذَكاةِ أُمِّهِ إذا خَرَجَ مَيِّتًا ؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ ذِكْرُ الحالَيْنِ مَوْجُودًا في الخَبَرِ، وهو لَفْظٌ واحِدٌ ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ في إرادَةِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ إثْباتَ زِيادَةِ حَرْفٍ ولَيْسَ في الآخَرِ إثْباتُ زِيادَةِ حَرْفٍ، ولَيْسَ في الجائِزِ أنْ يَكُونَ لَفْظٌ واحِدٌ فِيهِ حَرْفٌ وغَيْرُ حَرْفٍ، فَلِذَلِكَ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ بِإرادَتِهِما. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ إرادَةُ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ تُوجِبُ زِيادَةَ حَرْفٍ وهو الكافُ ولَيْسَ في الآخَرِ زِيادَةٌ، فَحَمْلُهُ عَلى المَعْنى الَّذِي لا يَفْتَقِرُ إلى زِيادَةٍ أوْلى؛ لِأنَّ حَذْفَ الحَرْفِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَجازًا، وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَذْفُ شَيْءٍ فَهو حَقِيقَةٌ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ قِيلَ لَهُ: كَوْنُ الحَرْفِ مَحْذُوفًا أوْ غَيْرَ مَحْذُوفٍ لا يُزِيلُ عَنْهُ الِاحْتِمالَ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مَجازًا فَهو مَفْهُومُ اللَّفْظِ مُحْتَمِلٌ لَهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيما هو مِن مُقْتَضى اللَّفْظِ، فَلَمْ يَجُزْ مِن أجْلِ ذَلِكَ تَخْصِيصُ الآيَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَيْسَ في اللَّفْظِ احْتِمالُ كَوْنِهِ غَيْرَ مُذَكًّى بِذَكاةِ الأُمِّ؛ لِأنَّهُ لا يُسَمّى جَنِينًا إلّا في حالِ كَوْنِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، ومَتى بايَنَها لا يُسَمّى جَنِينًا، والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما أثْبَتَ لَهُ الذَّكاةَ في حالِ اتِّصالِهِ بِالأُمِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُذَكًّى (p-١٣٩)بِتِلْكَ الحالِ في ذَكاتِها قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّهُ جائِزٌ أنْ يُسَمّى بَعْدَ الِانْفِصالِ جَنِينًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الِاجْتِنانِ في بَطْنِ أُمِّهِ، ولا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِن إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ الجَنِينَ لَوْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ كَما تُذَكّى الأُمُّ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَنِينِ بَعْدَ الذَّكاةِ والِانْفِصالِ. وقالَ حَمَلُ بْنُ مالِكٍ: «كُنْتُ بَيْنَ جارِيَتَيْنِ لِي فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِعَمُودِ فُسْطاطٍ فَألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضى النَّبِيُّ ﷺ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ» فَسَمّاهُ جَنِينًا بَعْدَ الإلْقاءِ. وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ مُرادُ النَّبِيِّ ﷺ «ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ» أنَّهُ يُذَكّى كَما تُذَكّى أُمُّهُ إذا ألْقَتْهُ حَيًّا. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مُرادُهُ كَوْنَهُ مُذَكًّى وهو جَنِينٌ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُذَكًّى بِذَكاةِ الأُمِّ وإنْ خَرَجَ حَيًّا، وأنَّ مَوْتَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ لا يُكْسِبُهُ حُكْمَ المَيْتاتِ كَمَوْتِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ خُرُوجَهُ حَيًّا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَكاةُ الأُمِّ ذَكاتَهُ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ إثْباتَ ذَكاةِ الأُمِّ لَهُ في حالِ اتِّصالِهِ بِالأُمِّ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما أرادَ إثْباتَ الحُكْمِ بِحالِ خُرُوجِهِ مَيِّتًا قِيلَ لَهُ: هَذِهِ دَعْواكَ لَمْ يَذْكُرْها النَّبِيُّ ﷺ فَإنْ جازَ أنْ تَشْتَرِطَ فِيهِ مَوْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ جازَ لَنا أنْ نَشْتَرِطَ إيجابَ ذَكاتِهِ خَرَجَ حَيًّا أوْ مَيِّتًا، فَمَتى لَمْ يُوجَدْ لَهُ ذَكاةٌ في نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أكْلُهُ. وعَلى أنّا مَتى شَرَطْنا إيجابَ ذَكاتِهِ في نَفْسِهِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ بِأُمِّهِ اسْتَعْمَلْنا الخَبَرَ عَلى عُمُومِهِ فَجَعَلْنا إباحَةَ الأكْلِ مُعَلَّقَةً بِوُجُودِ الذَّكاةِ فِيهِ في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وبَعْدَ خُرُوجِهِ، وحَمْلُ الخَبَرِ عَلى ذَلِكَ أوْلى مِنَ الِاقْتِصارِ بِهِ عَلى ما ذَكَرْتَ وإثْباتِ ضَمِيرٍ فِيهِ لا ذِكْرَ لَهُ في الخَبَرِ ولا دَلالَةَ عَلَيْهِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: حَمْلُ الخَبَرِ عَلى ما ذَكَرْتَ في إيجابِ ذَكاتِهِ إذا خَرَجَ يُسْقِطُ فائِدَتَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ قَبْلَ وُرُودِهِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، مِن قِبَلِ أنَّهُ أفادَ أنَّهُ إنْ خَرَجَ حَيًّا فَقَدْ وجَبَتْ ذَكاتُهُ سَواءٌ ماتَ في حالٍ لَمْ يُقْدَرْ عَلى ذَكاتِهِ أوْ بَقِيَ، وبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ إنْ ماتَ في وقْتٍ لا يُقْدَرُ عَلى ذَكاتِهِ كانَ مُذَكًّى بِذَكاةِ الأُمِّ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ حُكْمٌ بِإيجابِ ذَكاتِهِ وأنَّهُ إنْ خَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤْكَلْ؛ إذْ هو غَيْرُ مُذَكًّى، فَإنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ، فَأفادَ أنَّهُ مَيْتَةٌ لا تُؤْكَلُ، وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى ذَكاةٍ إذا خَرَجَ مَيِّتًا فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما ذَكَرَهُ زَكَرِيّا بْنُ يَحْيى السّاجِيُّ عَنْ بُنْدارٍ وإبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ قالا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُجالِدٌ عَنْ أبِي الوَدّاكِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الجَنِينِ يَخْرُجُ مَيِّتًا فَقالَ: إنْ شِئْتُمْ فَكُلُوهُ فَإنَّ ذَكاتَهُ ذَكاةُ أُمِّهِ» . قِيلَ لَهُ: قَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ جَماعَةٌ مِنَ الثِّقاتِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ أنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا، ورَواهُ جَماعَةٌ عَنْ مُجالِدٍ مِنهم هُشَيْمٌ وأبُو (p-١٤٠)أُسامَةَ وعِيسى بْنُ يُونُسَ ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ أنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا، وإنَّما قالُوا: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الجَنِينِ يَكُونُ في بَطْنِ الجَزُورِ أوِ البَقَرَةِ أوِ الشّاةِ، فَقالَ: كُلُوهُ فَإنَّ ذَكاتَهُ ذَكاةُ أُمِّهِ» ورَواهُ أيْضًا ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذَلِكَ قالَ كُلُّ مَن يَرْوِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ قَدَّمْنا ذِكْرَهُ لَمْ يَذْكُرْ واحِدٌ مِنهم أنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا، ولَمْ تَجِئْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إلّا في رِوايَةِ السّاجِيِّ. ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيادَةُ مِن عِنْدِهِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، فَإنِ احْتَجَّ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١] أنَّها الأجِنَّةُ، قِيلَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها جَمِيعُ الأنْعامِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] الخِنْزِيرُ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ الشّاةُ والبَعِيرُ والبَقَرَةُ. والأوْلى أنْ تَكُونَ عَلى جَمِيعِ الأنْعامِ ولا تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى الجَنِينِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِلا دَلالَةٍ. وأيْضًا فَإنْ كانَ المُرادُ الأجِنَّةَ فَهي عَلى إباحَتِها بِالذَّكاةِ كَسائِرِ الأنْعامِ هي مُباحَةٌ بِشَرْطِ ذَكاتِها، وكالجَنِينِ إذا خَرَجَ حَيًّا هو مُباحٌ بِشَرْطِ الذَّكاةِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] إذا كانَ المُرادُ ما سَيُتْلى عَلَيْكم في المُسْتَقْبَلِ مِمّا هو مُحَرَّمٌ في الحالِ، فَهو مُجْمَلٌ لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ: بَعْضُ الأنْعامِ مُباحٌ وبَعْضُهُ مَحْظُورٌ. ولَمْ يُبَيِّنْهُ فَلا يَصِحُّ اعْتِبارُ عُمُومِ شَيْءٍ مِنهُ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا كانَ حُكْمُ الجَنِينِ حُكْمَ أُمِّهِ فِيمَن ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأةٍ فَماتَتْ وألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ولَمْ يَنْفَرِدْ بِحُكْمِ نَفْسِهِ، كانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ في الذَّكاةِ إذا ماتَ في بَطْنِ أُمِّهِ بِمَوْتِها، ولَوْ خَرَجَ الوَلَدُ حَيًّا ثُمَّ ماتَ انْفَرَدَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ دُونَ أُمِّهِ في إيجابِ الغُرَّةِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ جَنِينُ الحَيَوانِ إذا ماتَ بِمَوْتِ أُمِّهِ وخَرَجَ مَيِّتًا أُكِلَ، وإذا خَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤْكَلْ حَتّى يُذَكّى قِيلَ لَهُ: هَذا قِياسٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ قِياسُ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ غَيْرِهِ، وإنَّما القِياسُ الصَّحِيحُ الجَمْعُ بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ في حُكْمٍ واحِدٍ بِعِلَّةٍ تُوجِبُ رَدَّ إحْداهُما إلى الأُخْرى. فَأمّا في قِياسِ مَسْألَةٍ عَلى مَسْألَةٍ في حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ المَسْألَةَ الَّتِي اسْتَشْهَدْتَ بِها إنَّما حُكْمُها ضَمانُ الجَنِينِ في حالِ انْفِصالِهِ مِنها حَيًّا بَعْدَ مَوْتِها، ومَسْألَتُنا إنَّما هي في إثْباتِ ذَكاةِ الأُمِّ لَهُ في حالِ مَنعِهِ في حالٍ أُخْرى، فَكَيْفَ يَصِحُّ رَدُّ هَذِهِ إلى تِلْكَ ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ شاةٍ أوْ غَيْرِها فَألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا لَمْ يَجِبْ لِلْجَنِينِ أرْشٌ ولا قِيمَةٌ عَلى الضّارِبِ وإنَّما يَجِبُ فِيهِ نُقْصانُ الأُمِّ إنْ حَدَثَ بِها نُقْصانٌ. وإذا لَمْ يَكُنْ لِجَنِينِ البَهائِمِ بَعْدَ الِانْفِصالِ حُكْمٌ في حَياةِ الأُمِّ وثَبَتَ ذَلِكَ لِجَنِينِ (p-١٤١)المَرْأةِ. فَكَيْفَ يَجُوزُ قِياسُ البَهِيمَةِ عَلى الإنْسانِ وقَدِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُما في نَفْسِ ما ذَكَرْتَ ؟ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الجَنِينُ في حالِ اتِّصالِهِ بِالأُمِّ في حُكْمِ عُضْوٍ مِن أعْضائِها كانَ بِمَنزِلَةِ العُضْوِ مِنها إذا ذُكِّيَتِ الأُمُّ فَيَحِلُّ بِذَكاتِها قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ عُضْوٍ مِنها لِجَوازِ خُرُوجِهِ حَيًّا تارَةً في حَياةِ الأُمِّ وتارَةً بَعْدَ مَوْتِها، والعُضْوُ لا يَجُوزُ أنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ الحَياةِ بَعْدَ انْفِصالِهِ مِنها، فَثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ تابِعٍ لَها في حالِ حَياتِها ولا بَعْدَ مَوْتِها. فَإنْ قِيلَ: الواجِبُ أنْ يَتْبَعَ الجَنِينُ الأُمَّ في الذَّكاةِ كَما يَتْبَعُ الوَلَدُ الأُمَّ في العِتاقِ والِاسْتِيلادِ والكِتابَةِ ونَحْوِها قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنا في امْتِناعِ قِياسِ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ آخَرَ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إذا أعْتَقَتِ الأمَةُ أنْ يَنْفَصِلَ الوَلَدُ مِنها غَيْرَ حُرٍّ وهو تابِعٌ لِلْأُمِّ في الأحْكامِ الَّتِي ذَكَرْتَ، وجائِزٌ أنْ يُذَكِّيَ الأُمَّ ويَخْرُجَ الوَلَدُ حَيًّا فَلا يَكُونُ ذَكاةُ الأُمِّ ذَكاةً لَهُ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَتْبَعُ الأُمَّ في الذَّكاةِ؛ إذْ لَوْ تَبِعَها في ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَنْفَرِدَ بَعْدَ ذَكاةِ الأُمِّ بِذَكاةِ نَفْسِهِ وأمّا مالِكٌ فَإنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلى ما رُوِيَ في حَدِيثِ سُلَيْمانَ أبِي عِمْرانَ، عَنِ ابْنِ البَراءِ، عَنْ أبِيهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى في أجِنَّةِ الأنْعامِ أنَّ ذَكاتَها ذَكاةُ أُمِّها إذا أُشْعِرَتْ» . ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: " كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: إذا أُشْعِرَ الجَنِينُ فَإنَّ ذَكاتَهُ ذَكاةُ أُمِّهِ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِما مِثْلُ ذَلِكَ. فَيُقالُ لَهُ: إذا ذُكِرَ الإشْعارُ في هَذا الخَبَرِ وأُبْهِمَ في غَيْرِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي هي أصَحُّ مِنهُ، وهو خَبَرُ جابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي أُمامَةَ، ولَمْ يُشْتَرَطْ فِيها الإشْعارُ، فَهَلّا سَوَّيْتَ بَيْنَهُما؛ إذْ لَمْ تَنْفِ هَذِهِ الأخْبارَ ما أوْجَبَهُ خَبَرُ الإشْعارِ؛ إذْ هُما جَمِيعًا يُوجِبانِ حُكْمًا واحِدًا، وإنَّما في أحَدِهِما تَخْصِيصُ ذَلِكَ الحُكْمِ مِن غَيْرِ نَفْيٍ لِغَيْرِهِ وفي الآخَرِ إبْهامُهُ وعُمُومُهُ. ولَمّا اتَّفَقْنا جَمِيعًا عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يُشْعِرْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ ذَكاةُ الأُمِّ واعْتُبِرَتْ ذَكاةُ نَفْسِهِ وهو في هَذِهِ الحالَةِ أقْرَبُ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ أعْضائِها مِنهُ بَعْدَ مُبايَنَتِهِ لَها، وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهُ إذا أُشْعِرَ ويَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: «ذَكاتُهُ ذَكاةُ أُمِّهِ» عَلى أنَّهُ يُذَكّى كَما تُذَكّى أُمُّهُ، ويُقالُ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ: إذا كانَ قَوْلُهُ: " ذَكاتُهُ ذَكاةُ أُمِّهِ " إذا أُشْعِرَ، يَنْفِي ذَكاتَهُ بِأُمِّهِ إذا لَمْ يُشْعِرْ، فَهَلّا خَصَّصْتَ بِهِ الأخْبارَ المُبْهَمَةَ؛ أكانَ عِنْدَكم أنَّ هَذا الضَّرْبَ مِنَ الدَّلِيلِ يُخَصُّ بِهِ العُمُومُ بَلْ هو أوْلى مِنهُ. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلى الشّافِعِيِّ أيْضًا في ذَلِكَ، قَوْلُهُ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» ودَلالَةُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي عِنْدَهُ تَحْرِيمَ سائِرِ المَيْتاتِ سِواهُما، فَيَلْزَمُهُ أنْ يَحْمِلَ مَعْنى. قَوْلِهِ: «ذَكاةُ الجَنِينِ (p-١٤٢)ذَكاةُ أُمِّهِ» عَلى مُوافَقَةِ دَلالَةِ هَذا الخَبَرِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ الآيَةُ. المَيْتَةُ ما فارَقَتْهُ الرُّوحُ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ مِمّا شُرِطَ عَلَيْنا الذَّكاةُ في إباحَتِهِ. وأمّا الدَّمُ فالمُحَرَّمُ مِنهُ هو المَسْفُوحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والدَّلِيلُ أيْضًا عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنهُ هو المَسْفُوحُ اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ عَلى إباحَةِ الكَبِدِ والطِّحالِ وهُما دَمانِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتانِ ودَمانِ» يَعْنِي بِالدَّمَيْنِ الكَبِدَ والطِّحالَ؛ فَأباحَهُما وهُما دَمانِ؛ إذْ لَيْسا بِمَسْفُوحٍ، فَدَلَّ عَلى إباحَةِ كُلِّ ما لَيْسَ بِمَسْفُوحٍ مِنَ الدِّماءِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا حَصَرَ المُباحَ مِنهُ بِعَدَدٍ دَلَّ عَلى حَظْرِ ما عَداهُ. قِيلَ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ الحَصْرَ بِالعَدَدِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ حَرَّمَهُ بِخِلافِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا خِلافَ أنَّ مِمّا عَداهُ مِنَ الدِّماءِ ما هو المُباحُ وهو الدَّمُ الَّذِي يَبْقى في خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وما يَبْقى مِنهُ في العُرُوقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ حَصْرَهُ الدَّمَيْنِ بِالعَدَدِ وتَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ لَمْ يَقْتَضِ حَظْرَ جَمِيعِ ما عَداهُما مِنَ الدِّماءِ. وأيْضًا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ثُمَّ قالَ: ﴿والدَّمُ﴾ كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِلْمَعْهُودِ، وهو الدَّمُ المَخْصُوصُ بِالصِّفَةِ، وهو أنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا؛ وقَوْلُهُ ﷺ: «أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتانِ ودَمانِ» إنَّما ورَدَ مُؤَكَّدًا لَمُقْتَضى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إذْ لَيْسا بِمَسْفُوحَيْنِ؛ ولَوْ لَمْ يُرِدْ لَكانَتْ دَلالَةُ الآيَةِ كافِيَةً في الِاقْتِصارِ بِالتَّحْرِيمِ عَلى المَسْفُوحِ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ وأنَّ الكَبِدَ والطِّحالَ غَيْرُ مُحَرَّمَيْنِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ فَإنَّهُ قَدْ تَناوَلَ شَحْمَهُ وعَظْمَهُ وسائِرَ أجْزائِهِ، ألا تَرى أنَّ الشَّحْمَ المُخالِطَ لِلَّحْمِ قَدِ اقْتَضاهُ اللَّفْظُ؛ لِأنَّ اسْمَ (p-٢٩٧)اللَّحْمِ يَتَناوَلُهُ ؟ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّحْمَ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ مَنافِعِهِ؛ وأيْضًا فَإنَّ تَحْرِيمَ الخِنْزِيرِ لَمّا كانَ مُبْهَمًا اقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَ سائِرِ أجْزائِهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وقَدْ ذَكَرْنا حُكْمَ شَعْرِهِ وعَظْمِهِ فِيما تَقَدَّمَ. * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فَإنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ما سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإهْلالَ هو إظْهارُ الذِّكْرِ والتَّسْمِيَةِ، وأصْلُهُ اسْتِهْلالُ الصَّبِيِّ إذا صاحَ حِينَ يُولَدُ، ومِنهُ إهْلالُ المُحَرَّمِ؛ فَيَنْتَظِمُ ذَلِكَ تَحْرِيمَ ما سُمِّيَ عَلَيْهِ الأوْثانُ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، ويَنْتَظِمُ أيْضًا تَحْرِيمَ ما سُمِّيَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ أيَّ اسْمٍ كانَ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قالَ عِنْدَ الذَّبْحِ: " بِاسْمِ زَيْدٍ أوْ عَمْرٍو " أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُذَكًّى، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ مُوجِبًا تَحْرِيمَها وذَلِكَ لِأنَّ أحَدًا لا يُفَرِّقُ بَيْنَ تَسْمِيَةِ زَيْدٍ عَلى الذَّبِيحَةِ وبَيْنَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ رَأْسًا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ أنَّها الَّتِي تَخْتَنِقُ بِحَبْلِ الصّائِدِ أوْ غَيْرِهِ حَتّى تَمُوتَ، ومِن نَحْوِهِ حَدِيثُ عَبايَةِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ذَكُّوا بِكُلِّ شَيْءٍ إلّا السِّنَّ والظُّفُرَ»؛ وهَذا عِنْدَنا عَلى السِّنِّ والظُّفُرِ غَيْرِ المَنزُوعَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ في مَعْنى المَخْنُوقِ. * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ أنَّها المَضْرُوبَةُ بِالخَشَبِ ونَحْوِهِ حَتّى تَمُوتَ، يُقالُ فِيهِ: وقَذَهُ يَقِذُهُ وقْذًا وهو وقِيذٌ إذا ضَرَبَهُ حَتّى يُشْفِيَ عَلى الهَلاكِ. ويَدْخُلُ في المَوْقُوذَةِ كُلُّ ما قُتِلَ مِنها عَلى غَيْرِ وجْهِ الذَّكاةِ، وقَدْ رَوى أبُو عامِرٍ العَقَدِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ في المَقْتُولَةِ بِالبُنْدُقَةِ: " تِلْكَ المَوْقُوذَةُ " . ورَوى شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ الخَذْفِ وقالَ: إنَّها لا تَنْكَأُ العَدُوَّ ولا تَصِيدُ الصَّيْدَ ولَكِنَّها تَكْسِرُ السِّنَّ وتَفْقَأُ العَيْنَ» . ونَظِيرُ ذَلِكَ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ هَمّامٍ عَنْ عَدِّي بْنِ حاتِمٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرْمِي بِالمِعْراضِ فَأُصِيبُ أفَآكُلُ ؟ قالَ: إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأصابَ فَخَرَقَ فَكُلْ، وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ». حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ عَنْ مُجالِدٍ وزَكَرِيّا وغَيْرِهِما، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِّي بْنِ حاتِمٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ المِعْراضِ، فَقالَ: ما أصابَ بِحَدِّهِ فَخَرَقَ فَكُلْ، وما أصابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ»، فَجَعَلَ ما أصابَ بِعَرْضِهِ مِن غَيْرِ جِراحَةٍ مَوْقُوذَةً وإنْ لَمْ يَكُنْ (p-٢٩٨)مَقْدُورًا عَلى ذَكاتِهِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَرْطَ ذَكاةِ الصَّيْدِ الجِراحَةُ وإسالَةُ الدَّمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا عَلى ذَبْحِهِ واسْتِيفاءِ شُرُوطِ الذَّكاةِ فِيهِ؛ وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ عامٌّ في المَقْدُورِ عَلى ذَكاتِهِ وفي غَيْرِهِ مِمّا لا يُقْدَرُ عَلى ذَكاتِهِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ النَّضْرِ قالَ: حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنا زائِدَةُ قالَ: حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: " يا أيُّها النّاسُ هاجِرُوا ولا تَهْجُرُوا، وإيّاكم والأرْنَبَ يَحْذِفُها أحَدُكم بِالعَصا أوِ الحَجَرِ يَأْكُلُها، ولَكِنْ لِيُذَكِّ لَكُمُ الأسَلُ الرِّماحُ والنَّبْلُ " . * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ قالُوا: " هي السّاقِطَةُ مِن رَأْسِ جَبَلٍ أوْ في بِئْرٍ فَتَمُوتُ " . ورَوى مَسْرُوقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إذا رَمَيْتَ صَيْدًا مِن عَلى جَبَلٍ فَماتَ فَلا تَأْكُلْهُ فَإنِّي أخْشى أنْ يَكُونَ التَّرَدِّي هو الَّذِي قَتَلَهُ، وإذا رَمَيْتَ طَيْرًا فَوَقَعَ في ماءٍ فَماتَ فَلا تَطْعَمْهُ فَإنِّي أخْشى أنْ يَكُونَ الغَرَقُ قَتَلَهُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا وجَدَ هُناكَ سَبَبًا آخَرَ وهو التَّرَدِّي وقَدْ يَحْدُثُ عَنْهُ المَوْتُ حُظِرَ أكْلُهُ، وكَذَلِكَ الوُقُوعُ في الماءِ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَرَفَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِّي بْنِ حاتِمٍ، أنَّهُ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ فَقالَ: إذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ وسَمَّيْتَ فَكُلْ إنْ قَتَلَ إلّا أنْ تُصِيبَهُ في الماءِ فَلا تَدْرِي أيُّهُما قَتَلَهُ» . ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ في صَيْدِ الكَلْبِ أنَّهُ قالَ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وسَمَّيْتَ فَكُلْ، وإنْ خالَطَهُ كَلْبٌ آخَرُ فَلا تَأْكُلْ»، فَحَظَرَ ﷺ أكْلَهُ إذا وُجِدَ مَعَ الرَّمْيِ سَبَبٌ آخَرُ يَجُوزُ حُدُوثُ المَوْتِ مِنهُ مِمّا لا يَكُونُ ذَكاةً، وهو الوُقُوعُ في الماءِ ومُشارَكَةُ كَلْبٍ آخَرَ مَعَهُ. وكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ في الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ وهو عَلى الجَبَلِ فَيَتَرَدّى إنَّهُ لا يُؤْكَلُ لِاجْتِماعِ سَبَبِ الحَظْرِ والإباحَةِ في تَلَفِهِ، فَجَعَلَ الحُكْمَ لَلْحَظْرِ دُونَ الإباحَةِ. وكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَكَ مَجُوسِيٌّ ومُسْلِمٌ في قَتْلِ صَيْدٍ أوْ ذَبْحِهِ لَمْ يُؤْكَلْ. وجَمِيعُ ما ذَكَرْنا أصْلٌ في أنَّهُ مَتى اجْتَمَعَ سَبَبُ الحَظْرِ وسَبَبُ الإباحَةِ كانَ الحُكْمُ لِلْحَظْرِ دُونَ الإباحَةِ. * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّطِيحَةُ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّها المَنطُوحَةُ حَتّى تَمُوتَ. وقالَ بَعْضُهم: هي النّاطِحَةُ حَتّى تَمُوتَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: هو عَلَيْهِما جَمِيعًا، فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَمُوتَ مِن نَطْحِها لِغَيْرِها وبَيْنَ مَوْتِها مِن نَطْحِ غَيْرِها لَها. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: (p-٢٩٩)ما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ حَتّى يَمُوتَ، فَحَذَفَ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي ما قَتَلَهُ السَّبُعُ وأكَلَ مِنهُ أكِيلَةَ السَّبُعِ، ويُسَمُّونَ الباقِيَ مِنهُ أيْضًا أكِيلَةَ السَّبُعِ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ مِمّا أكَلَ السَّبُعُ فَيَأْكُلُ مِنهُ ويَبْقى بَعْضُهُ وإنَّما هو فَرِيسَتُهُ. وجَمِيعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ المَوْتُ مِن ذَلِكَ. وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ سائِرَ الأسْبابِ الَّتِي يَحْدُثُ عَنْها المَوْتُ لِلْأنْعامِ مَحْظُورٌ أكْلُها بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ مِن فِعْلِ آدَمِيٍّ عَلى وجْهِ التَّذْكِيَةِ. * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى بَعْضِ المَذْكُورِ دُونَ جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لا خِلافَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ غَيْرُ راجِعٍ إلَيْهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ تَلْحَقَهُ الذَّكاةُ، وقَدْ كانَ حُكْمُ الِاسْتِثْناءِ أنْ يَرْجِعَ إلى ما يَلِيهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلى ما قَبْلَ المُنْخَنِقَةِ؛ فَكانَ حُكْمُ العُمُومِ فِيهِ قائِمًا وكانَ الِاسْتِثْناءُ عائِدًا إلى المَذْكُورِ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ لِما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وقالُوا كُلُّهم: " ما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ بِأنْ تُوجَدَ لَهُ عَيْنٌ تَطْرِفُ أوْ ذَنَبٌ يَتَحَرَّكُ فَأكْلُهُ جائِزٌ " . وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ دُونَ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ؛ ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، لِاتِّفاقِ السَّلَفِ عَلى خِلافِهِ؛ ولِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ سَبُعًا لَوْ أخَذَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ البَهِيمَةِ فَأكَلَها أوْ تَرَدّى شاةً مِن جَبَلٍ ولَمْ يَشْفِ بِها ذَلِكَ عَلى المَوْتِ فَذَكّاها صاحِبُها أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ مُباحُ الأكْلِ، وكَذَلِكَ النَّطِيحَةُ وما ذُكِرَ مَعَها، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ وإنَّما قَوْلُهُ: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ فَإنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ " كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] ومَعْناهُ: لَكِنْ قَوْمُ يُونُسَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿طه﴾ [طه: ١] ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] مَعْناهُ: لَكِنْ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى؛ ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَكاةِ المَوْقُوذَةِ ونَحْوِها، فَذَكَرَ مُحَمَّدٌ في الأصْلِ في المُتَرَدِّيَةِ: إذا أُدْرِكَتْ ذَكاتُها قَبْلَ أنْ تَمُوتَ أُكِلَتِ، وكَذَلِكَ المَوْقُوذَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ. وعَنْ أبِي يُوسُفَ في الإمْلاءِ: أنَّهُ إذا بَلَغَ بِهِ ذَلِكَ إلى حالٍ لا يَعِيشُ في مِثْلِهِ لَمْ يُؤْكَلْ وإنْ ذُكِّيَ قَبْلَ المَوْتِ. وذَكَرَ ابْنُ سِماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أنَّهُ إنْ كانَ يَعِيشُ مِنهُ اليَوْمَ ونَحْوَهُ أوْ دُونَهُ فَذَكّاها حَلَّتْ، وإنْ كانَ لا يَبْقى إلّا كَبَقاءِ المَذْبُوحِ لَمْ يُؤْكَلْ وإنْ ذُبِحَ؛ واحْتَجَّ بِأنَّ عُمَرَ كانَتْ بِهِ جِراحَةٌ مُتْلِفَةٌ وصَحَّتْ عُهُودُهُ (p-٣٠٠)وأوامِرُهُ، ولَوْ قَتَلَهُ قاتِلٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ عَلَيْهِ القَوَدُ. وقالَ مالِكٌ: " إذا أُدْرِكَتْ ذَكاتُها وهي حَيَّةٌ تَطْرِفُ أُكِلَتْ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا صارَتْ بِحالٍ لا تَعِيشُ أبَدًا لَمْ تُؤْكَلْ وإنْ ذُبِحَتْ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا كانَ فِيها حَياةٌ فَذُبِحَتْ أُكِلَتْ، والمَصْيُودَةُ إذا ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ " . وقالَ اللَّيْثُ: " إذا كانَتْ حَيَّةً وقَدْ أخْرَجَ السَّبُعُ ما في جَوْفِها أُكِلَتْ إلّا ما بانَ عَنْها " . وقالَ الشّافِعِيُّ في السَّبُعِ إذا شَقَّ بَطْنَ الشّاةِ ونَسْتَيْقِنُ أنَّها تَمُوتُ: إنْ لَمْ تُذَكَّ فَذُكِّيَتْ فَلا بَأْسَ بِأكْلِها. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ يَقْتَضِي ذَكاتَها ما دامَتْ حَيَّةً، فَلا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَعِيشَ مِن مِثْلِهِ أوْ لا تَعِيشَ، وأنْ تَبْقى قَصِيرَ المُدَّةِ أوْ طَوِيلَها؛ وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا تَحَرَّكَ شَيْءٌ مِنها صَحَّتْ ذَكاتُها. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الأنْعامِ إذا أصابَتْها الأمْراضُ المُتْلِفَةُ الَّتِي تَعِيشُ مَعَها مُدَّةً قَصِيرَةً أوْ طَوِيلَةً أنَّ ذَكاتَها بِالذَّبْحِ، فَكَذَلِكَ المُتَرَدِّيَةُ ونَحْوُها؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابٌ في شَرْطِ الذَّكاةِ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَعْتَوِرُهُ مَعانٍ: مِنها مَوْضِعُ الذَّكاةِ وما يُقْطَعُ مِنهُ، ومِنها الآلَةُ، ومِنها الدَّيْنُ، ومِنها التَّسْمِيَةُ في حالِ الذِّكْرِ وذَلِكَ فِيما كانَتْ ذَكاتُهُ بِالذَّبْحِ عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ. فَأمّا السَّمَكُ فَإنَّ ذَكاتَهُ بِحُدُوثِ المَوْتِ فِيهِ عَنْ سَبَبٍ مِن خارِجٍ، وما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ فَغَيْرُ مُذَكًّى؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ في الطّافِي في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَأمّا مَوْضِعُ الذَّكاةِ في الحَيَوانِ المَقْدُورِ عَلى ذَبْحِهِ فَهو اللَّبَّةُ وما فَوْقَ ذَلِكَ إلى اللَّحْيَيْنِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الجامِعِ الصَّغِيرِ: " لا بَأْسَ بِالذَّبْحِ في الحَلْقِ كُلِّهِ أسْفَلَ الحَلْقِ وأوْسَطِهِ وأعْلاهُ " . وأمّا ما يَجِبُ قَطْعُهُ فَهو الأوْداجُ، وهي أرْبَعَةٌ: الحُلْقُومُ، والمَرِيءُ، والعِرْقانِ اللَّذانِ بَيْنَهُما الحُلْقُومُ والمَرِيءُ، فَإذا فَرى المُذَكِّي ذَلِكَ أجْمَعَ فَقَدْ أكْمَلَ الذَّكاةَ عَلى تَمامِها وسُنَّتِها، فَإنْ قَصَّرَ عَنْ ذَلِكَ فَفَرى مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ ثَلاثَةً فَإنَّ بِشْرَ بْنَ الوَلِيدِ رَوى عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: " إذا قَطَعَ أكْثَرَ الأوْداجِ أكَلَ، وإذا قَطَعَ ثَلاثَةً مِنها أكَلَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ " وكَذَلِكَ قالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ثُمَّ قالَ أبُو يُوسُفَ بَعْدَ ذَلِكَ: " لا تَأْكُلْ حَتّى تَقْطَعَ الحُلْقُومَ والمَرِيءَ وأحَدَ العِرْقَيْنِ " . وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ واللَّيْثُ: " يَحْتاجُ أنْ يَقْطَعَ الأوْداجَ والحُلْقُومَ وإنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنها لَمْ يُجْزِهِ " ولَمْ يَذْكُرِ المَرِيءَ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: " لا بَأْسَ إذا قَطَعَ الأوْداجَ وإنْ لَمْ يَقْطَعِ الحُلْقُومَ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " أقَلُّ ما يُجْزِي مِنَ الذَّكاةِ قَطْعُ الحُلْقُومِ (p-٣٠١)والمَرِيءِ، ويَنْبَغِي أنْ يَقْطَعَ الوَدَجَيْنِ وهُما العِرْقانِ وقَدْ يُسَلّانِ مِنَ البَهِيمَةِ والإنْسانِ ثُمَّ يُحْيِيانِ، فَإنْ لَمْ يُقْطَعِ العِرْقانِ وقُطِعَ الحُلْقُومُ والمَرِيءُ جازَ " . وإنَّما قُلْنا إنَّ مَوْضِعَ الذَّكاةِ النَّحْرُ واللَّبَّةُ لِما رَوى أبُو قَتادَةَ الحَرّانِيُّ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أبِي العُشَراءِ عَنْ أبِيهِ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الذَّكاةِ فَقالَ: «فِي اللَّبَّةِ والحَلْقِ، ولَوْ طُعِنَتْ في فَخِذِها أجْزَأ عَنْكَ»، وإنَّما يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﷺ: " لَوْ طُعِنَتْ في فَخِذِها أجْزَأ عَنْكَ " فِيما لا تَقْدِرُ عَلى ذَبْحِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّهُ جائِزٌ لَهُ قَطْعُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَطْعَها مَشْرُوطٌ في الذَّكاةِ، ولَوْلا أنَّهُ كَذَلِكَ لَما جازَ لَهُ قَطْعُها؛ إذْ كانَ فِيهِ زِيادَةُ ألَمٍ بِما لَيْسَ هو شَرْطًا في صِحَّةِ الذَّكاةِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ عَلَيْهِ قَطْعَ هَذِهِ الأرْبَعِ. إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: " إذا قَطَعَ الأكْثَرَ جازَ مَعَ تَقْصِيرِهِ عَنِ الواجِبِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ قَطَعَ الأكْثَرَ والأكْثَرُ في مِثْلِها يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ، كَما أنَّ قَطْعَ الأكْثَرِ مِنَ الأُذُنِ والذَّنَبِ بِمَنزِلَةِ قَطْعِ الكُلِّ في امْتِناعِ جَوازِهِ عَنِ الأُضْحِيَّةِ " وأبُو يُوسُفَ جَعَلَ شَرْطَ صِحَّةِ الذَّكاةِ قَطْعَ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ وأحَدَ العِرْقَيْنِ، ولَمْ يُفَرِّقْ أبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ قَطْعِ العِرْقَيْنِ وأحَدِ شَيْئَيْنِ مِنَ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ وبَيْنَ قَطْعِ هَذَيْنِ مَعَ أحَدِ العِرْقَيْنِ؛ إذْ كانَ قَطْعُ الجَمِيعِ مَأْمُورًا بِهِ في صِحَّةِ الذَّكاةِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ والحَسَنُ بْنُ عِيسى مَوْلى ابْنِ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ زادَ ابْنُ عِيسى: وأبِي هُرَيْرَةَ، قالا: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطانِ زادَ ابْنُ عِيسى في حَدِيثِهِ: وهي الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الجِلْدُ ولا يُفْرى الأوْداجُ ثُمَّ تُتْرَكُ حَتّى تَمُوتَ»؛ وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْهِ قَطْعَ الأوْداجِ. ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبايَةَ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ ما أنْهَرَ الدَّمَ وأفْرى الأوْداجَ ما خَلا السِّنَّ والظُّفُرَ». ورَوى إبْراهِيمُ عَنْ أبِيهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اذْبَحُوا بِكُلِّ ما أفْرى الأوْداجَ وهَراقَ الدَّمَ ما خَلا السِّنَّ والظُّفُرَ». فَهَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها تُوجِبُ أنْ يَكُونَ فَرْيُ الأوْداجِ شَرْطًا في الذَّكاةِ، والأوْداجُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الحُلْقُومِ والمَرِيءِ والعِرْقَيْنِ اللَّذَيْنِ عَنْ جَنْبَيْهِما. * * فَصْلٌ وأمّا الآلَةُ فَإنَّ كُلَّ ما فَرى الأوْداجَ وأنْهَرَ الدَّمَ فَلا بَأْسَ بِهِ والذَّكاةُ صَحِيحَةٌ، غَيْرَ أنَّ أصْحابَنا كَرِهُوا الظُّفْرَ المَنزُوعَ والعَظْمَ والقَرْنَ والسِّنَّ لِما رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلا بَأْسَ بِهِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ في الجامِعِ الصَّغِيرِ. وقالَ أبُو يُوسُفَ في الإمْلاءِ: " لَوْ أنَّ (p-٣٠٢)رَجُلًا ذَبَحَ بِلِيطَةٍ فَفَرى الأوْداجَ وأنْهَرَ الدَّمَ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَ بِعُودٍ، وكَذَلِكَ لَوْ نَحَرَ بِوَتَدٍ أوْ بِشَظاظٍ أوْ بِمَرْوَةِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ؛ فَأمّا العَظْمُ والسِّنُّ والظُّفْرُ فَقَدْ نُهِيَ أنْ يُذَكّى بِها، وجاءَتْ في ذَلِكَ أحادِيثُ وآثارٌ، وكَذَلِكَ القَرْنُ عِنْدَنا والنّابُ " قالَ: " ولَوْ أنَّ رَجُلًا ذَبَحَ بِسِنِّهِ أوْ بِظُفْرِهِ فَهي مَيْتَةٌ لا تُؤْكَلُ " وقالَ في الأصْلِ: " إذا ذَبَحَ بِسِنِّ نَفْسِهِ أوْ بِظُفْرِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ قاتِلٌ ولَيْسَ بِذابِحٍ " . وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: " كُلُّ ما بُضِعَ مِن عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِ فَفَرى الأوْداجَ فَلا بَأْسَ بِهِ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " كُلُّ ما فَرى الأوْداجَ فَهو ذَكاةٌ إلّا السِّنَّ والظُّفْرَ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " لا يُذْبَحُ بِصَدَفِ البَحْرِ " . وكانَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ يَكْرَهُ الذَّبْحَ بِالقَرْنِ والسِّنِّ والظُّفْرِ والعَظْمِ. وقالَ اللَّيْثُ: " لا بَأْسَ بِأنْ يُذْبَحَ بِكُلِّ ما أنْهَرَ الدَّمَ إلّا العَظْمَ والسِّنَّ والظُّفْرَ " . واسْتَثْنى الشّافِعِيُّ الظُّفْرَ والسِّنَّ. قالَ أبُو بَكْرٍ: الظُّفْرُ والسِّنُّ المَنهِيُّ عَنِ الذَّبِيحَةِ بِهِما، إذا كانَتا قائِمَتَيْنِ في صاحِبِهِما وذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في الظُّفْرِ: «إنَّها مُدى الحَبَشَةِ» وهم إنَّما يَذْبَحُونَ بِالظُّفُرِ القائِمِ في مَوْضِعِهِ غَيْرِ المَنزُوعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ذَلِكَ الخَنْقُ " . وعَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ عَنِ الذَّبِيحَةِ بِالمَرْوَةِ، قالَ: " إذا كانَتْ حَدِيدَةً لا تَثْرِدُ الأوْداجَ فَكُلْ " فَشَرَطَ في ذَلِكَ أنْ لا تَثْرِدَ الأوْداجَ، وهو أنْ لا تَفْرِيَها، ولَكِنَّهُ يَقْطَعُها قِطْعَةً قِطْعَةً، والذَّبْحُ بِالظُّفْرِ والسِّنِّ غَيْرُ المَنزُوعِ يَثْرُدُ ولا يَفْرِي فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الذَّكاةُ بِهِما، وأمّا إذا كانا مَنزُوعَيْنِ فَفَرَيا الأوْداجَ فَلا بَأْسَ؛ وإنَّما كَرِهَ أصْحابُنا مِنها ما كانَ بِمَنزِلَةِ السِّكِّينِ الكالَّةِ، ولِهَذا المَعْنى كَرِهُوا الذَّبْحَ بِالقَرْنِ والعَظْمِ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي الأشْعَثِ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: «خَصْلَتانِ سَمِعْتُهُما مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا قالَ غَيْرُ مُسْلِمٍ: فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرَتَهُ ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» فَكانَتْ كَراهَتُهم لِلذَّبْحِ بِسِنٍّ مَنزُوعٍ أوْ عَظْمٍ أوْ قَرْنٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِن جِهَةِ كَلالَةٍ لِما يَلْحَقُ البَهِيمَةَ مِنَ الألَمِ الَّذِي لا يُحْتاجُ إلَيْهِ في صِحَّةِ الذَّكاةِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِماكٍ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مَرِّي بْنِ قَطَرِيٍّ عَنْ عَدِّي بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ أحَدُنا أصابَ صَيْدًا ولَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أيَذْبَحُ بِالمَرْوَةِ وشِقَّةِ العَصا ؟ قالَ: أمْرِرِ الدَّمَ بِما شِئْتَ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» . وفِي (p-٣٠٣)حَدِيثِ نافِعٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ جارِيَةً سَوْداءَ ذَكَّتْ شاةً بِمَرْوَةٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ كَعْبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأمَرَهم بِأكْلِها» . ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. وفِي حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا إلّا ما كانَ مِن سِنٍّ أوْ ظُفُرٍ». * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ النُّصُبَ أحْجارٌ مَنصُوبَةٌ كانُوا (p-٣٠٦)يَعْبُدُونَها ويُقَرِّبُونَ الذَّبائِحَ لَها فَنَهى اللَّهُ عَنْ أكْلِ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؛ لِأنَّهُ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. والفَرْقُ بَيْنَ النُّصُبِ والصَّنَمِ أنَّ الصَّنَمَ يُصَوَّرُ ويُنْقَشُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النُّصُبُ؛ لِأنَّ النُّصُبَ حِجارَةٌ مَنصُوبَةٌ والوَثَنُ كالنُّصُبِ سَواءٌ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوَثَنَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما لَيْسَ بِمُصَوَّرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ حِينَ جاءَهُ وفي عُنُقِهِ صَلِيبٌ: ألْقِ هَذا الوَثَنَ مِن عُنُقِكَ» فَسَمّى الصَّلِيبَ وثَنًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النُّصُبَ والوَثَنَ اسْمٌ لِما نُصِبَ لِلْعِبادَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُصَوَّرًا ولا مَنقُوشًا. وهَذِهِ ذَبائِحُ قَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَها، فَحَرَّمَها اللَّهُ تَعالى مَعَ ما حَرَّمَ مِنَ المَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ وما ذُكِرَ في الآيَةِ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَبِيحُونَهُ. وقَدْ قِيلَ إنَّها المُرادَةُ بِالِاسْتِثْناءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قِيلَ في الِاسْتِقْسامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ عِلْمِ ما قُسِمَ لَهُ بِالأزْلامِ، والثّانِي: إلْزامُ أنْفُسِهِمْ بِما تَأْمُرُهم بِهِ القِداحُ كَقَسَمِ اليَمِينِ. والِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا أرادَ أحَدُهم سَفَرًا أوْ غَزْوًا أوْ تِجارَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الحاجاتِ أجالَ القِداحَ وهي الأزْلامُ، وهي عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: مِنها ما كُتِبَ عَلَيْهِ: أمَرَنِي رَبِّي " ومِنها ما كُتِبَ عَلَيْهِ: " نَهانِي رَبِّي " ومِنها غُفْلٌ لا كِتابَةَ عَلَيْهِ يُسَمّى: " المَنِيحُ " . فَإذا خَرَجَ " أمَرَنِي رَبِّي " مَضى في الحاجَةِ، وإذا خَرَجَ: " نَهانِي رَبِّي " قَعَدَ عَنْها، وإذا خَرَجَ الغُفْلُ أجالَها ثانِيَةً. قالَ الحَسَنُ: كانُوا يَعْمِدُونَ إلى ثَلاثَةِ قِداحٍ؛ نَحْوِ ما وصَفْنا. وكَذَلِكَ قالَ سائِرُ أهْلِ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ. وواحِدُ الأزْلامِ " زَلَمٌ " وهي القِداحُ فَحَظَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وكانَ مَن فِعْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وجَعَلَهُ فِسْقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القُرْعَةِ في عِتْقِ العَبِيدِ؛ لِأنَّها في مَعْنى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ؛ إذْ كانَ فِيهِ اتِّباعُ ما أخْرَجَتْهُ القُرْعَةُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ؛ لِأنَّ مَن أعْتَقَ عَبْدَيْهِ أوْ عَبِيدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ولَمْ يَخْرُجُوا مِنَ الثُّلُثِ فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهم مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الحُرِّيَّةِ، فَفي اسْتِعْمالِ القُرْعَةِ إثْباتُ حُرِّيَّةٍ غَيْرِ مُسْتَحَقَّةٍ وحِرْمانُ مَن هو مُساوٍ لَهُ فِيها، كَما يَتْبَعُ صاحِبُ الأزْلامِ ما يُخْرِجُهُ الأمْرُ والنَّهْيُ لا سَبَبَ لَهُ غَيْرَهُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جازَتِ القُرْعَةُ في قِسْمَةِ الغَنائِمِ وغَيْرِها في إخْراجِ النِّساءِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما القُرْعَةُ فِيها لِتَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ وبَراءَةً لِلتُّهْمَةِ مِن إيثارِ بَعْضِهِمْ بِها، ولَوِ اصْطَلَحُوا عَلى ذَلِكَ جازَ مِن غَيْرِ قُرْعَةٍ؛ وأمّا الحُرِّيَّةُ الواقِعَةُ عَلى واحِدٍ مِنهم فَغَيْرُ جائِزٍ نَقْلُها عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وفي اسْتِعْمالِ القُرْعَةِ نَقْلُ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ إخْراجُهُ مِنها مَعَ مُساواتِهِ لِغَيْرِهِ فِيها. * * قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ قالَ ابْنُ (p-٣٠٧)عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: " يَئِسُوا أنْ يَرْتَدُّوا راجِعِينَ إلى دِينِهِمْ " . وقَدِ اخْتُلِفَ في اليَوْمِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هو يَوْمُ عَرَفَةَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ. ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وقالَ الحَسَنُ: " ذَلِكَ اليَوْمُ يَعْنِي بِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ وهو زَمانُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُ " . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: اسْمُ اليَوْمِ يُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] إنَّما عَنى بِهِ وقْتًا مُبْهَمًا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ فَإنَّ الِاضْطِرارَ هو الضَّرَرُ الَّذِي يُصِيبُ الإنْسانَ مِن جُوعٍ أوْ غَيْرِهِ ولا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ مِنهُ؛ والمَعْنى هَهُنا مِن إصابَةِ ضُرِّ الجُوعِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى بَعْضِ أعْضائِهِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ: " المَخْمَصَةُ المَجاعَةُ " . فَأباحَ اللَّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أكْلَ جَمِيعَ ما نَصَّ عَلى تَحْرِيمِهِ في الآيَةِ، ولَمْ يَمْنَعْ ما عَرَضَ مِن قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مَعَهُ مِن عَوْدِ التَّخْصِيصِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، فاَلَّذِي تَضَمَّنَهُ الخِطابُ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١] إباحَةُ الأنْعامِ. ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فِيهِ بَيانُ إباحَةِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْلالِ وغَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١] ثُمَّ بَيَّنَ ما حُرِّمَ عَلَيْنا في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ، ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ حالَ الضَّرُورَةِ وأبانَ أنَّها غَيْرُ داخِلَةٍ في التَّحْرِيمِ، وذَلِكَ عامٌّ في الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ وفي جَمِيعِ المُحَرَّماتِ، فَمَتى اضْطُرَّ إلى شَيْءٍ مِنها حَلَّ لَهُ أكْلُهُ بِمُقْتَضى الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: " غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ " فَكَأنَّهُ قالَ: غَيْرَ مُعْتَمِدٍ بِهَواهُ إلى إثْمٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَتَناوَلَ مِنهُ بَعْدَ زَوالِ الضَّرُورَةِ.

المائدة 5:4

فَصْلٌ وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ فِيما كانَ مِنَ الحَيَوانِ مَقْدُورًا عَلى ذَبْحِهِ، فَيُعْتَبَرُ في ذَكاتِهِ ما وصَفْنا مِن مَوْضِعِ الذَّكاةِ ومِنَ الآلَةِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا. وأمّا الَّذِي لا نَقْدِرُ مِنهُ عَلى ذَبْحِهِ، فَإنَّ ذَكاتَهُ إنَّما تَكُونُ بِإصابَتِهِ بِما يَجْرَحُ ويُسِيلُ الدَّمَ أوْ بِإرْسالِ كَلْبٍ أوْ طَيْرٍ فَيَجْرَحُهُ دُونَ ما يَصْدِمُ أوْ يَهْشِمُ مِمّا لا حَدَّ لَهُ يَجْرَحُهُ؛ ولا يَخْتَلِفُ في ذَلِكَ عِنْدَنا حُكْمُ ما يَكُونُ أصْلُهُ مُمْتَنِعًا مِثْلَ الصَّيْدِ وما لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ في الأصْلِ مِنَ الأنْعامِ ثُمَّ يَتَوَحَّشُ ويَمْتَنِعُ أوْ يَتَرَدّى في مَوْضِعٍ لا نَقْدِرُ فِيهِ عَلى ذَكاتِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ في مَوْضِعَيْنِ، أحَدُهُما: في الصَّيْدِ إذا أُصِيبَ بِما لا يَجْرَحُهُ مِنَ الآلَةِ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ: " إذا أصابَهُ بِعَرْضِ المِعْراضِ لَمْ يُؤْكَلْ إلّا أنْ يُدْرِكَ ذَكاتَهُ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " وإنْ رَمَيْتَهُ بِحَجَرٍ أوْ بُنْدُقَةٍ كَرِهْتُهُ إلّا أنْ تُذَكِّيَهُ، ولا فَرْقَ عِنْدَ أصْحابِنا بَيْنَ المِعْراضِ والحَجَرِ والبُنْدُقَةِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ في صَيْدِ المِعْراضِ: " يُؤْكَلُ خَزَقَ أوْ لَمْ يَخْزِقْ " قالَ: " وكانَ أبُو الدَّرْداءِ وفَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ومَكْحُولٌ لا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا خَزَقَ الحَجَرُ فَكُلْ والبُنْدُقَةُ لا تَخْزِقُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " إنْ خَزَقَ المَرْمِيُّ بِرَمْيِهِ أوْ قَطَعَ بِحَدِّهِ أُكِلَ، وما جَرَحَ بِثِقَلِهِ فَهو وقِيذٌ؛ وفِيما نالَتْهُ الجَوارِحُ فَقَتَلَتْهُ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُؤْكَلُ حَتّى يُجْرَحَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ والآخَرُ أنَّهُ حِلٌّ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يَخْتَلِفْ أصْحابُنا ومالِكٌ والشّافِعِيُّ في الكَلْبِ إذا قَتَلَ الصَّيْدُ بِصَدْمَتِهِ لَمْ يُؤْكَلْ. وأمّا المَوْضِعُ الآخَرُ: فَما لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ في الأصْلِ، مِثْلُ البَعِيرِ والبَقَرِ إذا تَوَحَّشَ أوْ تَرَدّى في بِئْرٍ، فَقالَ أصْحابُنا: " إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَبْحِهِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ كالصَّيْدِ ويَكُونُ مُذَكًّى " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والشّافِعِيِّ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: " لا يُؤْكَلُ إلّا أنْ يُذْبَحَ عَلى شَرائِطِ الذَّكاةِ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعَلْقَمَةَ والأسْوَدِ ومَسْرُوقٍ مِثْلُ قَوْلِ أصْحابِنا، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الآثارِ المُؤَيِّدَةِ لِقَوْلِ أصْحابِنا في الصَّيْدِ أنَّ شَرْطَ ذَكاتِهِ أنْ يَجْرَحَهُ بِما لَهُ حَدٌّ، ومِنهُ ما ذُكِرَ في المِعْراضِ أنَّهُ إنْ أصابَ بِحَدِّهِ أُكِلَ وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ لَمْ يُؤْكَلْ فَإنَّهُ وقِيذٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] فَكُلُّ (p-٣٠٤)ما لا يُجْرَحُ مِن ذَلِكَ فَهو وقِيذٌ مُحَرَّمٌ بِظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وفِي حَدِيثِ قَتادَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «نَهى عَنِ الخَذْفِ وقالَ: إنَّها لا تَنْكَأُ العَدُوَّ ولا تَصِيدُ الصَّيْدَ ولَكِنَّها تَكْسِرُ السِّنَّ وتَفْقَأُ العَيْنَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِراحَةَ في مِثْلِهِ لا تُذَكّى؛ إذْ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، وإنَّما الجِراحَةُ الَّتِي لَها حُكْمٌ في الذَّكاةِ هي ما يَقَعُ بِما لَهُ حَدٌّ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ في المِعْراضِ: إنْ أصابَهُ بِحَدِّهِ فَخَزَقَ فَكُلْ وإنْ أصابَهُ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ما يَجْرَحُ ولا يَجْرَحُ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ الآلَةِ، وأنَّ سَبِيلَها أنْ يَكُونَ لَها حَدٌّ في صِحَّةِ الذَّكاةِ بِها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في الخَذْفِ: «إنَّها لا تَصِيدُ الصَّيْدَ» يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ جِراحَتِهِ في صِحَّةِ الذَّكاةِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ. وأمّا البَعِيرُ ونَحْوُهُ إذا تَوَحَّشَ أوْ تَرَدّى في بِئْرٍ، فَإنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الصَّيْدِ في ذَكاتِهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبايَةَ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قالَ: «نَدَّ عَلَيْنا بَعِيرٌ فَرَمَيْناهُ بِالنَّبْلِ، ثُمَّ سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِهَذِهِ الإبِلِ أوابِدَ كَأوابِدِ الوَحْشِ فَإذا نَدَّ مِنها شَيْءٌ فاصْنَعُوا بِهِ ذَلِكَ وكُلُوهُ»؛ وقالَ سُفْيانُ: وزادَ إسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَرَمَيْناهُ بِالنَّبْلِ حَتّى رَهَصْناهُ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ أكْلِهِ إذا قَتَلَهُ النَّبْلُ لِإباحَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن غَيْرِ شَرْطِ ذَكاةِ غَيْرِهِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أبِي العُشَراءِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أما تَكُونُ الذَّكاةُ إلّا في اللَّبَّةِ والنَّحْرِ ؟ فَقالَ ﷺ: لَوْ طُعِنَتْ في فَخِذِها لَأجْزَأ عَنْكَ» وهَذا عَلى الحالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ فِيها عَلى ذَبْحِها؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ المَقْدُورَ عَلى ذَبْحِهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ ذَكاتَهُ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا مِن طَرِيقِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ رَمْيَ الصَّيْدِ يَكُونُ ذَكاةً لَهُ إذا قَتَلَهُ، ثُمَّ لا يَخْلُو المَعْنى المُوجِبُ لِكَوْنِ ذَلِكَ ذَكاةً مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الجِنْسُ الصَّيْدَ؛ أوْ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلى ذَبْحِهِ، فَلَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الصَّيْدَ إذا صارَ في يَدِهِ حَيًّا لَمْ تَكُنْ ذَكاتُهُ إلّا بِالذَّبْحِ كَذَكاةِ ما لَيْسَ مِن جِنْسِ الصَّيْدِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِجِنْسِهِ وإنَّما تَعَلَّقَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلى ذَبْحِهِ في حالِ امْتِناعِهِ، فَوَجَبَ مِثْلُهُ في غَيْرِهِ إذا صارَ بِهَذِهِ الحالِ لِوُجُودِ العِلَّةِ الَّتِي مِن أجْلِها كانَ ذَلِكَ ذَكاةً لِلصَّيْدِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الصَّيْدِ يُقْطَعُ بَعْضُهُ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ (p-٣٠٥)وهُوَ قَوْلُ إبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ: " إذا قَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ أُكِلا جَمِيعًا، وإنْ قَطَعَ الثُّلُثَ مِمّا يَلِي الرَّأْسَ أُكِلَ، فَإنْ قَطَعَ الثُّلُثَ الَّذِي يَلْحَقُ العَجُزَ أُكِلَ الثُّلُثانِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ ولا يُؤْكَلُ الثُّلُثُ الَّذِي يَلِي العَجُزَ " . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى واللَّيْثُ: " إذا قَطَعَ مِنهُ قِطْعَةً فَماتَ الصَّيْدُ مَعَ الضَّرْبَةِ أكَلَهُما جَمِيعًا " . وقالَ مالِكٌ: " إذا قَطَعَ وسَطَهُ أوْ ضَرَبَ عُنُقَهُ أُكِلَ، وإنْ قَطَعَ فَخِذَهُ لَمْ يَأْكُلِ الفَخِذَ وأكَلَ الباقِيَ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا أبانَ عَجُزَهُ لَمْ يَأْكُلْ ما انْقَطَعَ مِنهُ ويَأْكُلُ سائِرَهُ، وإنْ قَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ أكَلَهُ كُلَّهُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " إنْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ أكَلَهُ وإنْ كانَتْ إحْداهُما أقَلَّ مِنَ الأُخْرى، وإنْ قَطَعَ يَدًا أوْ رِجْلًا أوْ شَيْئًا يُمْكِنُ أنْ يَعِيشَ بَعْدَهُ ساعَةً أوْ أكْثَرَ ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ رَمْيَتِهِ أكَلَ ما لَمْ يَبِنْ مِنهُ ولَمْ يُؤْكَلْ ما بانَ وفِيهِ الحَياةُ، ولَوْ ماتَ مِنَ القَطْعِ الأوَّلِ أكَلَهُما جَمِيعًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي واقِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فَهو مَيْتَةٌ»، وهَذا إنَّما يَتَناوَلُ قَطْعَ القَلِيلِ مِنهُ مِن غَيْرِ مَوْضِعِ الذَّكاةِ وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ ضَرَبَ عُنُقَ الصَّيْدِ فَأبانَ رَأْسَهُ كانَ الجَمِيعُ مُذَكًّى، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المُرادَ ما بانَ مِنها مِن غَيْرِ مَوْضِعِ الذَّكاةِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَناوَلُ الأقَلَّ مِنهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَطَعَ النِّصْفَ أوِ الثُّلُثَ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ فَإنَّهُ يَقْطَعُ العُرُوقَ الَّتِي يُحْتاجُ إلى قَطْعِها لِلذَّكاةِ، وهي الأوْداجُ والحُلْقُومُ والمَرِيءُ فَيَكُونُ الجَمِيعُ مُذَكًّى، وإذا قَطَعَ الثُّلُثَ مِمّا يَلِي الذَّنَبَ فَإنَّهُ لا يُصادِفُ قَطْعَ العُرُوقِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في شَرْطِ الذَّكاةِ فَيَكُونُ ما بانَ مِنهُ مَيْتَةً لِقَوْلِهِ ﷺ: «ما بانَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فَهو مَيْتَةٌ» وذَلِكَ لِأنَّهُ لا مَحالَةَ إنَّما يَحْدُثُ المَوْتُ بَعْدَ القَطْعِ فَقَدْ بانَ ذَلِكَ العُضْوُ مِنها وهي حَيَّةٌ فَهو مَيْتَةٌ، وما يَلِي الرَّأْسَ كُلَّهُ مُذَكًّى كَما لَوْ قَطَعَ رِجْلَها أوْ جَرَحَها في غَيْرِ مَوْضِعِ الذَّكاةِ ولَمْ يَبِنْ مِنها شَيْئًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَكاةً لَها لِتَعَذُّرِ قَطْعِ مَوْضِعِ الذَّكاةِ. * * فَصْلٌ وأمّا الدِّينُ فَأنْ يَكُونَ الرّامِي أوِ المُصْطادُ مُسْلِمًا أوْ كِتابِيًّا، وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأمّا التَّسْمِيَةُ فَهي أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الذَّبْحِ أوْ عِنْدَ الرَّمْيِ أوْ إرْسالِ الجَوارِحِ والكَلْبِ إذا كانَ ذاكِرًا، فَإنْ كانَ ناسِيًا لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ؛ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيهِ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ اسْمُ الطَّيِّباتِ يَتَناوَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الطَّيِّبُ المُسْتَلَذُّ، والآخَرُ: الحَلالُ وذَلِكَ لِأنَّ ضِدَّ الطَّيِّبِ هو الخَبِيثُ، والخَبِيثُ حَرامٌ، فَإذا الطَّيِّبُ حَلالٌ؛ والأصْلُ فِيهِ الِاسْتِلْذاذُ، فَشَبَّهَ الحَلالَ بِهِ في انْتِفاءِ المَضَرَّةِ مِنهُما جَمِيعًا ؛ وقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] يَعْنِي الحَلالَ، وقالَ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَجَعَلَ الطَّيِّباتِ في مُقابَلَةِ الخَبائِثِ، والخَبائِثُ هي المُحَرَّماتُ؛ وقالَ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] وهو يَحْتَمِلُ: ما حَلَّ لَكم، ويَحْتَمِلُ: ما اسْتَطَبْتُمُوهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما اسْتَطَبْتُمُوهُ واسْتَلْذَذْتُمُوهُ مِمّا لا ضَرَرَ عَلَيْكم في تَناوُلِهِ (p-٣٠٨)مِن طَرِيقِ الدِّينِ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى الحَلالِ الَّذِي لا تَبِعَةَ عَلى مُتَناوِلِهِ، وجائِزٌ أنْ يَحْتَجَّ بِظاهِرِهِ في إباحَةِ جَمِيعِ الأشْياءِ المُسْتَلَذَّةِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنِ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ غِيلانَ العَمّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبانُ بْنُ صالِحٍ عَنِ القَعْقاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَلْمى عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أقْتُلَ الكِلابَ، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أُحِلَّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِقَتْلِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ الآيَةُ» . حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وابْنُ عَبْدُوسِ بْنِ كامِلٍ قالا: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الجُشَمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرِ النُّواءِ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ بَشِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عامِرٌ الشَّعْبِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «لَمّا سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الكِلابِ لَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ لِي حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾» . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ الأوَّلِ أنْ تَكُونَ الإباحَةُ تَناوَلَتْ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ، وهو يَنْتَظِمُ الكَلْبَ وسائِرَ جَوارِحِ الطَّيْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ إباحَةَ سائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِها، فَدَلَّ عَلى جَوازِ بَيْعِ الكَلْبِ والجَوارِحِ والِانْتِفاعِ بِها بِسائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ وهو الأكْلُ. ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ في الكَلامِ حَذْفًا، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ مِن صَيْدِ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ؛ ويُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ الَّذِي ذَكَرْناهُ حِينَ سَألَ عَنْ صَيْدِ الكِلابِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ وحَدِيثِ أبِي رافِعٍ فِيهِ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا أُحِلَّ مِنَ الكِلابِ الَّتِي أُمِرُوا بِقَتْلِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ؛ ولَيْسَ يُمْتَنَعُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُنْتَظِمَةً لِإباحَةِ الِانْتِفاعِ بِالكِلابِ وبِصَيْدِها جَمِيعًا، وحَقِيقَةُ اللَّفْظِ تَقْتَضِي الكِلابَ أنْفُسَها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ﴾ يُوجِبُ إباحَةَ ما عَلَّمْنا، وإضْمارُ الصَّيْدِ فِيهِ يَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ، وفي فَحَوى الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ صَيْدِها أيْضًا وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فَحَمَلَ الآيَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ واسْتِعْمالُها فِيهِما عَلى الفائِدَتَيْنِ أوْلى مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِهِما. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ شَرْطَ إباحَةِ الجَوارِحِ أنْ تَكُونَ مُتَعَلَّمَةً، لِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وأمّا الجَوارِحُ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّها الكَواسِبُ لِلصَّيْدِ عَلى أهْلِها، وهي الكِلابُ وسِباعُ الطَّيْرِ الَّتِي تَصْطادُ وغَيْرُها، واحِدُها " جارِحٌ " ومِنهُ سُمِّيَتِ الجارِحَةُ لِأنَّهُ يَكْسِبُ بِها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] (p-٣٠٩)يَعْنِي: ما كَسَبْتُمْ؛ ومِنهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاصْطِيادِ بِكُلِّ ما عُلِّمَ الِاصْطِيادَ مِن سائِرِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ. وقِيلَ في الجَوارِحِ إنَّها ما تَجْرَحُ بِنابٍ أوْ مِخْلَبٍ، قالَ مُحَمَّدٌ في الزِّياداتِ: إذا صَدَمَ الكَلْبُ الصَّيْدَ ولَمْ يَجْرَحْهُ فَماتَ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ بِنابٍ أوْ مِخْلَبٍ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فَإنَّما يَحِلُّ صَيْدُ ما يَجْرَحُ بِنابٍ أوْ مِخْلَبٍ. وإذا كانَ الِاسْمُ يَقَعُ عَلَيْهِما فَلَيْسَ يُمْتَنَعُ أنْ يَكُونا مُرادَيْنِ بِاللَّفْظِ، فَيُرِيدُ بِالكَواسِبِ ما يُكْسَبُ بِالِاصْطِيادِ فَيُفِيدُ الأصْنافَ الَّتِي يَصْطادُ بِها مِنَ الكِلابِ والفُهُودِ وسِباعِ الطَّيْرِ وجَمِيعِ ما يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، ويُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ في شَرْطِ الذَّكاةِ وُقُوعَ الجِراحَةِ بِالمَقْتُولِ مِنَ الصَّيْدِ وأنَّ ذَلِكَ شَرْطُ ذَكاتِهِ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الجِراحَةَ مُرادَةُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ في المِعْراضِ أنَّهُ: «إنْ خَزَقَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ» ومَتى وجَدْنا لِلنَّبِيِّ ﷺ حُكْمًا يُواطِئُ مَعْنى ما في القُرْآنِ، وجَبَ حَمْلُ مُرادِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُكَلِّبَ هو صاحِبُ الكَلْبِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ الصَّيْدَ ويُؤَدِّبُهُ. وقِيلَ مَعْناهُ: مُضْرِينَ عَلى الصَّيْدِ كَما تُضَرّى الكِلابُ؛ والتَّكْلِيبُ هو التَّضْرِيَةُ يُقال: كَلْبٌ كَلِبٌ إذا ضَرّى بِالنّاسِ. ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ تَخْصِيصٌ لِلْكِلابِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الجَوارِحِ؛ إذْ كانَتِ التَّضْرِيَةُ عامَّةً فِيهِنَّ، وكَذَلِكَ إنْ أرادَ بِهِ تَأْدِيبَ الكَلْبِ وتَعْلِيمَهُ كانَ ذَلِكَ عُمُومًا في سائِرِ الجَوارِحِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيما قَتَلَتْهُ الجَوارِحُ غَيْرَ الكَلْبِ، فَرَوى مَرْوانُ العُمَرِيُّ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: " الصَّقْرُ والبازِي مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ " . ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ لَيْثٍ قالَ: سُئِلَ مُجاهِدٌ عَنِ البازِي والفَهْدِ وما يُصادُ بِهِ مِنَ السِّباعِ، فَقالَ: " هَذِهِ كُلُّها جَوارِحُ " . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قالَ: " الطَّيْرُ والكِلابُ " . ورَوى مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قالَ: " الجَوارِحُ الكِلابُ وما تُعَلَّمُ مِنَ البُزاةِ والفُهُودِ " . ورَوى أشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قالَ: " الصَّقْرُ والبازِي والفَهْدُ بِمَنزِلَةِ الكَلْبِ " . ورَوى صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نافِعٍ قالَ: وجَدْتُ في كِتابٍ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: " لا يَصْلُحُ أكْلُ ما قَتَلَتْهُ البُزاةُ " . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نافِعٍ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: " فَأمّا ما صادَ مِنَ الطَّيْرِ البُزاةُ وغَيْرُها فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَذَكَّيْتَهُ فَهو لَكَ وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ " . ورَوى سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ نافِعٍ أنَّ عَلِيًّا كَرِهَ ما قَتَلَتِ (p-٣١٠)الصُّقُورُ. ورَوى أبُو بِشْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ صَيْدَ الطَّيْرِ ويَقُولُ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ إنَّما هي الكِلابُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَتَأوَّلَ بَعْضُهم قَوْلَهُ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ عَلى الكِلابِ خاصَّةً، وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى الكِلابِ وغَيْرِها؛ ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ شامِلٌ لِلطَّيْرِ والكِلابِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مُحْتَمِلٌ لَأنْ يُرِيدَ بِهِ الكِلابَ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَوارِحِ والكِلابِ مِنها، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ بِمَعْنى مُؤَدِّبِينَ أوْ مُضْرِينَ، ولا يُخَصَّصُ ذَلِكَ بِالكِلابِ دُونَ غَيْرِها؛ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ وأنْ لا يُخَصَّصَ بِالِاحْتِمالِ. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في إباحَةِ صَيْدِ الطَّيْرِ وإنْ قَتَلَ وأنَّهُ كَصَيْدِ الكَلْبِ؛ قالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " ما عَلَّمْتَ مِن كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ صَيْدُهُ " . وظاهِرُ الآيَةِ يَشْهَدُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّهُ أباحَ صَيْدَ الجَوارِحِ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ ما يَجْرَحُ بِنابٍ أوْ بِمِخْلَبٍ وعَلى ما يَكْسِبُ عَلى أهْلِهِ بِالِاصْطِيادِ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ بَيْنَ الكَلْبِ وبَيْنَ غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْطَ إباحَةِ صَيْدِ هَذِهِ الجَوارِحِ أنْ تَكُونَ مُعَلَّمَةً وأنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مُعَلَّمَةً فَقَتَلَتْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى وذَلِكَ؛ لِأنَّ الخِطابَ خَرَجَ عَلى سُؤالِ السّائِلِينَ عَمّا يَحِلُّ مِنَ الصَّيْدِ، فَأطْلَقَ لَهم إباحَةَ صَيْدِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ، وذَلِكَ شامِلٌ لِجَمِيعِ ما شَمِلَتْهُ الإباحَةُ وانْتَظَمَهُ الإطْلاقُ؛ لِأنَّ السُّؤالَ وقَعَ عَنْ جَمِيعِ ما يَحِلُّ لَهم مِنَ الصَّيْدِ فَخُصَّ الجَوابُ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ، فَلا تَجُوزُ اسْتِباحَةُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ فَرُوِيَ عَنْ سَلْمانَ وسَعْدٍ أنَّ تَعْلِيمَهُ أنْ يُضَرّى عَلى الصَّيْدِ ويَعُودَ إلى إلْفِ صاحِبِهِ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ ولا يَهْرُبَ عَنْهُ. وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عُمَرَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ولَمْ يَشْرِطُوا فِيهِ تَرْكَ الأكْلِ. ورُوِيَ عَنْ غَيْرِهِما أنَّ ذَلِكَ مِن تَعْلِيمِ الكَلْبِ، وأنَّ مِن شَرْطِ إباحَةِ صَيْدِهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنهُ، فَإنْ أكَلَ مِنهُ لَمْ يُؤْكَلْ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وأبِي هُرَيْرَةَ؛ وقالُوا جَمِيعًا في صَيْدِ البازِي إنَّهُ يُؤْكَلُ وإنْ أكَلَ مِنهُ؛ وإنَّما تَعْلِيمُهُ أنْ تَدْعُوَهُ فَيُجِيبَكَ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " إذا أكَلَ الكَلْبُ مِنَ الصَّيْدِ فَهو غَيْرُ مُعَلَّمٍ لا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ، ويُؤْكَلُ صَيْدُ البازِي وإنْ أكَلَ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ: " يُؤْكَلُ وإنْ أكَلَ الكَلْبُ مِنهُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يُؤْكَلُ إذا أكَلَ الكَلْبُ مِنهُ والبازِي (p-٣١١)مِثْلُهُ في القِياسِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ السَّلَفُ المُجِيزُونَ لِصَيْدِ الجَوارِحِ مِن سِباعِ الطَّيْرِ أنَّ صَيْدَها يُؤْكَلُ وإنْ أكَلَتْ مِنهُ، مِنهم سَعْدٌ وابْنُ عَبّاسٍ وسَلْمانُ وابْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ وإنَّما اخْتَلَفُوا في صَيْدِ الكَلْبِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمُ: " لا يُؤْكَلُ صَيْدُ الكَلْبِ إذا أكَلَ مِنهُ " . وقالَ سَلْمانُ وسَعْدٌ وابْنُ عُمَرَ: " يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وإنْ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا ثُلُثُهُ " . وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَطاءٍ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وابْنِ شِهابٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: مَعْلُومٌ مِن حالِ الكَلْبِ قَبُولُهُ لِلتَّأْدِيبِ في تَرْكِ الأكْلِ، فَجائِزٌ أنْ يُعَلَّمَ تَرْكَهُ ويَكُونَ تَرْكُهُ لِلْأكْلِ عَلَمًا لِلتَّعْلِيمِ ودَلالَةً عَلَيْهِ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ لِلْأكْلِ مِن شَرائِطِ صِحَّةِ ذَكاتِهِ ووُجُودُ الأكْلِ مانِعٌ مِن صِحَّةِ ذَكاتِهِ. وأمّا البازِي فَإنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ بِتَرْكِ الأكْلِ وأنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَإذا كانَ اللَّهُ قَدْ أباحَ صَيْدَ جَمِيعِ الجَوارِحِ عَلى شَرْطِ التَّعْلِيمِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مِن شَرْطِ التَّعْلِيمِ لِلْبازِي تَرْكُهُ الأكْلَ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعْلِيمِهِ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُكَلِّفَهُ اللَّهُ تَعْلِيمَ ما لا يَصِحُّ مِنهُ التَّعْلِيمُ وقَبُولُ التَّأْدِيبِ؛ فَثَبَتَ أنَّ تَرْكَ الأكْلِ لَيْسَ مِن شَرائِطِ تَعَلُّمِ البازِي وجَوارِحِ الطَّيْرِ، وكانَ ذَلِكَ مِن شَرائِطِ تَعَلُّمِ الكَلْبِ؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُهُ ويُمْكِنُ تَأْدِيبُهُ بِهِ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وغَيْرِهِ في حَظْرِ ما قَتَلَهُ البازِي، مِن حَيْثُ كانَ عِنْدَهم أنَّ مِن شَرْطِ التَّعْلِيمِ تَرْكَ الأكْلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ في الطَّيْرِ فَلَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا فَلا يَكُونُ ما قَتَلَهُ مُذَكًّى. إلّا أنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا تَكُونَ لِذِكْرِ التَّعْلِيمِ في الجَوارِحِ مِنَ الطَّيْرِ فائِدَةٌ؛ إذْ كانَ صَيْدُها غَيْرَ مُذَكًّى، وأنْ يَكُونَ المُعَلَّمُ وغَيْرُ المُعَلَّمِ فِيهِ سَواءٌ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَمَّمَ الجَوارِحَ كُلَّها وشَرَطَ تَعْلِيمَها ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الكَلْبِ وبَيْنَ الطَّيْرِ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيها كُلِّها، فَيَكُونُ مِن جَوارِحِ الطَّيْرِ ما يَكُونُ مُعَلَّمًا، وكَذَلِكَ مِنَ الكِلابِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ وُجُوهُ تَعْلِيمِها، فَيَكُونُ مِن تَعْلِيمِ الكِلابِ ونَحْوِها تَرْكُ الأكْلِ، ومِن تَعْلِيمِ جَوارِحِ الطَّيْرِ أنْ يُجِيبَهُ إذا دَعاهُ ويَأْلَفَهُ ولا يَنْفِرَ عَنْهُ، حَتّى يَكُونَ التَّعْلِيمُ عامًّا في جَمِيعِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ. ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مِن شَرائِطِ ذَكاةِ صَيْدِ الكَلْبِ ونَحْوِهِ تَرْكَ الأكْلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ إمْساكِهِ عَلى نَفْسِهِ وبَيْنَ إمْساكِهِ عَلَيْنا إلّا بِتَرْكِ الأكْلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُ الأكْلِ مَشْرُوطًا لَزالَتْ فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فَلَمّا كانَ تَرْكُ الأكْلِ عَلَمًا لِإمْساكِهِ (p-٣١٢)عَلَيْنا وكانَ اللَّهُ إنَّما أباحَ لَنا أكْلَ صَيْدِها بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ ما أمْسَكَهُ عَلى نَفْسِهِ مَحْظُورًا. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ يَأْكُلُ البازِي مِنهُ ويَكُونُ مَعَ الأكْلِ مُمْسِكًا عَلَيْنا. قِيلَ لَهُ: الإمْساكُ عَلَيْنا إنَّما هو مَشْرُوطٌ في الكَلْبِ ونَحْوِهِ، فَأمّا الطَّيْرُ فَلَمْ يَشْرِطْ فِيهِ أنْ يُمْسِكَهُ عَلَيْنا لِما قَدَّمْناهُ بَدِيًّا. ويَدُلُّ عَلى أنَّ إمْساكَ الكَلْبِ عَلَيْنا أنْ لا يَأْكُلَ مِنهُ وأنَّهُ مَتى أكَلَ مِنهُ كانَ مُمْسِكًا عَلى نَفْسِهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " إذا أكَلَ مِنهُ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ "، فَأخْبَرَ أنَّ الإمْساكَ عَلَيْنا تَرْكُهُ لِلْأكْلِ؛ فَإذا كانَ اسْمُ الإمْساكِ يَتَناوَلُ ما ذَكَرَهُ ولَوْ لَمْ يَتَناوَلْهُ لَمْ يَتَأوَّلْهُ عَلَيْهِ، وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ صارَ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ أيْضًا، فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَيانُ مَعْنى الآيَةِ والمُرادُ بِها. والثّانِي: نَصُّ السُّنَّةِ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ. حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: حَدَّثَنا مُجالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ، فَقالَ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمّا أمْسَكَ عَلَيْكَ فَإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المِعْراضِ، فَقالَ: إذا أصابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وإذا أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّهُ وقِيذٌ. قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي ؟ قالَ: إذا سَمَّيْتَ فَكُلْ وإلّا فَلا تَأْكُلْ، وإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ؛ وقالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأجِدُ عَلَيْهِ كَلْبًا آخَرَ ؟ قالَ: لا تَأْكُلْ لِأنَّكَ إنَّما سَمَّيْتَ عَلى كَلْبِكَ» . فَثَبَتَ بِهَذا الخَبَرِ مُرادُ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ونَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى النَّهْيِ عَنْ أكْلِ ما أكَلَ مِنهُ الكَلْبُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى حَبِيبٌ المُعَلَّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ: فَكُلْ مِمّا أمْسَكَ عَلَيْكَ الكَلْبُ قالَ: فَإنْ أكَلَ مِنهُ ؟ قالَ: وإنْ أكَلَ مِنهُ» . قِيلَ لَهُ: هَذا اللَّفْظُ غَلَطٌ في حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حَدِيثَ أبِي ثَعْلَبَةَ قَدْ رَواهُ عَنْهُ أبُو إدْرِيسَ الخَوْلانِيُّ وأبُو أسْماءَ وغَيْرُهم فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذا اللَّفْظَ؛ وعَلى أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ في حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ كانَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن مُوافَقَتِهِ لِظاهِرِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ والثّانِي: ما فِيهِ مِن حَظْرِ ما أكَلَ مِنهُ الكَلْبُ؛ ومَتى ورَدَ خَبَرانِ في أحَدِهِما حَظْرُ شَيْءٍ وفي (p-٣١٣)الآخَرِ إباحَتُهُ فَخَبَرُ الحَظْرِ أوْلاهُما بِالِاسْتِعْمالِ. فَإنْ قِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أنْ يَحْبِسَهُ عَلَيْنا بَعْدَ قَتْلِهِ لَهُ، فَهَذا هو إمْساكُهُ عَلَيْنا. فَيُقالُ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صارَ مَحْبُوسًا بِالقَتْلِ فَلا يَحْتاجُ الكَلْبُ إلى أنْ يَحْبِسَهُ عَلَيْنا بَعْدَ قَتْلِهِ، فَهَذا لا مَعْنى لَهُ. فَإنْ قِيلَ: قَتْلُهُ هو حَبْسُهُ عَلَيْنا. قِيلَ لَهُ: هَذا أيْضًا لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا: فَكُلُوا مِمّا قَتَلْنَ عَلَيْكم؛ وهَذا يُسْقِطُ فائِدَةَ الآيَةِ؛ لِأنَّ إباحَةَ ما قَتَلَتْهُ قَدْ تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ وهو يَعْنِي صَيْدَ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ جَوابًا لِسُؤالِ مَن سَألَ عَنِ المُباحِ مِنهُ. وعَلى أنَّ الإمْساكَ لَيْسَ بِعِبارَةٍ عَنِ القَتْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُمْسِكُهُ عَلَيْنا وهو حَيٌّ غَيْرُ مَقْتُولٍ، فَلَيْسَ إمْساكُهُ عَلَيْنا إذًا إلّا أنْ يَحْبِسَهُ حَتّى يَجِيءَ صاحِبُهُ. ولا يَخْلُو الإمْساكُ عَلَيْنا مِن أنْ يَكُونَ حَبْسُهُ إيّاهُ عَلَيْنا مِن غَيْرِ قَتْلٍ، أوْ حَبْسُهُ عَلَيْنا بَعْدَ قَتْلِهِ، أوْ تَرَكَهُ لِلْأكْلِ مِنهُ بَعْدَ قَتْلِهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَبْسَهُ عَلَيْنا وهو حَيٌّ غَيْرُ مَقْتُولٍ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ، وأنَّ حَبْسَهُ عَلَيْنا حَيًّا لَيْسَ بِشَرْطٍ في إباحَةِ أكْلِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ لا يَحِلُّ أكْلُ ما قَتَلَهُ، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ حَبْسَهُ عَلَيْنا بَعْدَ قَتْلِهِ، وإنْ أكَلَ مِنهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إمْساكَهُ عَلَيْنا شَرْطًا في الإباحَةِ، ولا خِلافَ أنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ وانْصَرَفَ عَنْهُ ولَمْ يَحْبِسْهُ عَلَيْنا أنَّهُ يَجُوزُ أكْلُهُ؛ فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ تَرْكُهُ الأكْلَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يَقْتَضِي إباحَةَ ما بَقِيَ مِنَ الصَّيْدِ بَعْدَ أكْلِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أمْسَكَهُ عَلَيْنا إذا لَمْ يَأْكُلْهُ، وإنَّما لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْنا المَأْكُولَ مِنهُ دُونَ ما بَقِيَ مِنهُ فَقَدِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ إباحَةَ أكْلِ الباقِي مِمّا هو مُمْسَكٌ عَلَيْنا. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَن رُوِيَ عَنْهُ مَعْنى الإمْساكِ مِنَ السَّلَفِ قالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ لا يَأْكُلَ مِنهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْلُ مَن قالَ حَبَسَهُ عَلَيْنا بَعْدَ القَتْلِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم إنَّ تَرْكَ أكْلِ الباقِي مِنهُ بَعْدَ ما أكَلَ هو إمْساكٌ، فَبَطَلَ هَذا القَوْلُ. والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ» فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُمْسِكًا عَلَيْنا ما بَقِيَ مِنهُ إذا كانَ قَدْ أكَلَ مِنهُ شَيْئًا. والثّالِثُ: أنَّهُ يَصِيرُ في مَعْنى قَوْلِهِ: فَكُلُوا مِمّا قَتَلَهُ، مِن غَيْرِ ذِكْرِ إمْساكٍ؛؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّ ما قَدْ أكَلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَهُ الحَظْرُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إسْقاطِ فائِدَةِ ذِكْرِ إمْساكِهِ عَلَيْنا. وأيْضًا فَإنَّهُ إذا أكَلَ مِنهُ فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما اصْطادَ لِنَفْسِهِ وأمْسَكَهُ عَلَيْها ولَمْ يُمْسِكْهُ عَلَيْنا بِاصْطِيادِهِ، وتَرْكُهُ أكْلَ بَعْضِهِ بَعْدَ ما أكَلَ (p-٣١٤)مِنهُ ما أكَلَ لا يُكْسِبُهُ في الباقِي حُكْمَ الإمْساكِ عَلَيْنا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَ أكْلَ الباقِي؛ لِأنَّهُ قَدْ شَبِعَ ولَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لا؛ لِأنَّهُ أمْسَكَهُ عَلَيْنا، وفي أكْلِهِ مِنهُ بَدِيًّا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُمْسِكْهُ عَلَيْنا بِاصْطِيادِهِ؛ وهَذا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنا اعْتِبارُهُ في صِحَّةِ التَّعْلِيمِ، وهو أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَصْطادَهُ لَنا ويُمْسِكَهُ عَلَيْنا، فَإذا أكَلَ مِنهُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّعْلِيمِ. فَإنْ قِيلَ: الكَلْبُ إنَّما يَصْطادُ ويُمْسِكُ لِنَفْسِهِ لا لِصاحِبِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ شَبْعانَ حِينَ أُرْسِلَ لَمْ يَصْطَدْ ؟ وهو إنَّما يُضَرّى عَلى الصَّيْدِ بِأنْ يُطْعَمَ مِنهُ، فَلَيْسَ إذًا في أكْلِهِ مِنهُ نَفْيُ التَّعْلِيمِ والإمْساكِ عَلَيْنا. ولَوِ اعْتُبِرَ ما ذَكَرْتُمْ فِيهِ لاحْتَجْنا إلى اعْتِبارِ نِيَّةِ الكَلْبِ وضَمِيرِهِ، وذَلِكَ مِمّا لا نَعْلَمُهُ ولا نَقِفُ عَلَيْهِ بَلْ لا نَشُكُّ أنَّ نِيَّتَهُ وقَصْدَهُ لِنَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ: " إنَّهُ يَصْطادُ ويُمْسِكُ لِنَفْسِهِ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما ضُرِبَ حَتّى يَتْرُكَ الأكْلَ، ولَما تَعَلَّمَ ذَلِكَ إذا عُلِّمَ، فَلَمّا كانَ إذا عُلِّمَ تَرْكَ الأكْلِ تَعَلَّمَ ذَلِكَ ولَمْ يَأْكُلْ مِنهُ عَلِمْنا أنَّهُ مَتى تَرَكَ الأكْلَ فَهو مُمْسِكٌ لَهُ عَلَيْنا مُعَلَّمٌ لِما شَرَطَ اللَّهُ تَعالى مِن تَعْلِيمِهِ فَهو حِينَئِذٍ مُصْطادٌ لِصاحِبِهِ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ؛ وقَوْلُهُ: " إنَّهُ لَوْ كانَ يَصْطادُ لِصاحِبِهِ لَكانَ يَصْطادُ في حالِ الشِّبَعِ " فَهو يَصْطادُ في حالِ الشِّبَعِ لِصاحِبِهِ ويُمْسِكُهُ عَلَيْهِ إذا أرْسَلَهُ صاحِبُهُ، وهو إذا كانَ مُعَلَّمًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ الِاصْطِيادِ إذا أرْسَلَهُ. وأمّا قَوْلُكَ: " إنَّهُ يُضَرّى عَلى الصَّيْدِ بِأنَّهُ يُطْعَمُ مِنهُ " فَإنَّهُ إنَّما يُطْعَمُ مِنهُ بَعْدَ إمْساكِهِ عَلى صاحِبِهِ؛ وأمّا ضَمِيرُ الكَلْبِ ونِيَّتُهُ فَإنَّ الكَلْبَ يَعْلَمُ ما يُرادُ مِنهُ بِالتَّعْلِيمِ فَيَنْتَهِي إلَيْهِ، كَما يَعْرِفُ الفَرَسُ ما يُرادُ مِنهُ بِالزَّجْرِ ورَفْعِ السَّوْطِ ونَحْوِهِ، واَلَّذِي يُعْلَمُ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الكَلْبِ تَرْكُهُ لِلْأكْلِ ومَتى أكَلَ مِنهُ فَقَدْ عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إمْساكَهُ عَلى نَفْسِهِ دُونَ صاحِبِهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا وأنَّ تَعْلِيمَ الكَلْبِ إنَّما يَكُونُ بِتَرْكِهِ الأكْلَ أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ ألُوفٌ غَيْرُ مُسْتَوْحَشٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمُهُ لِيَتَألَّفَ ولا يَسْتَوْحِشَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِتَرْكِهِ الأكْلَ. والبازِي مِن جَوارِحِ الطَّيْرِ وهو مُسْتَوْحَشٌ في الأصْلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمُهُ بِأنْ يُضْرَبَ لِيَتْرُكَ الأكْلَ، فَثَبَتَ أنَّ تَعْلِيمَهُ بِإلْفِهِ لِصاحِبِهِ وزَوالِ الوَحْشَةِ مِنهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ فَيُجِيبَهُ، فَيَزُولَ بِذَلِكَ عَنْ طَبْعِهِ الأوَّلِ ويَكُونَ ذَلِكَ عَلَمًا لَتَعْلِيمِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّ " مِن " دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ مَعْنى التَّبْعِيضِ فِيهِ أنَّ بَعْضَ ما يُمْسِكُهُ عَلَيْنا مُباحٌ دُونَ جَمِيعِهِ، وهو الَّذِي يَجْرَحُهُ فَيَقْتُلُهُ دُونَ ما يَقْتُلُهُ بِصَدْمِهِ مِن غَيْرِ جِراحَةٍ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ " مِن " هَهُنا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا خَطَأٌ؛ (p-٣١٥)لِأنَّها لا تُزادُ في المُوجَبِ وإنَّما تُزادُ في النَّفْيِ والِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ابْتِداءُ الغايَةِ، أيْ: يُكَفِّرُ عَنْكم أعْمالَكُمُ الَّتِي تُحِبُّونَ سِتْرَها عَلَيْكم مِن سَيِّئاتِكم؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يُكَفِّرُ عَنْكم مِنَ السَّيِّئاتِ ما يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ في الحِكْمَةِ دُونَ ما لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ خِطابٌ عامٌّ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الكَلْبِ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ وقَدْ صادَ قَبْلَ ذَلِكَ صَيْدًا كَثِيرًا ولَمْ يَأْكُلْ مِنهُ: " إنَّ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حِينَ أكَلَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا، وقَدْ كانَ الحُكْمُ بِتَعْلِيمِهِ بَدِيًّا حِينَ تَرَكَ الأكْلَ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ وغالِبِ الظَّنِّ، والحُكْمُ بِنَفْيِ التَّعْلِيمِ عِنْدَ الأكْلِ مِن طَرِيقِ اليَقِينِ، ولا حَظَّ لِلِاجْتِهادِ مَعَ اليَقِينِ، وقَدْ يَتْرُكُ الأكْلَ بَدِيًّا وهو غَيْرُ مُعَلَّمٍ كَما يَتْرُكُ سائِرُ السِّباعِ فَرائِسَها عِنْدَ الِاصْطِيادِ ولا يَأْكُلُها ساعَةَ الِاصْطِيادِ، فَإنَّما يَحْكُمُ إذا كَثُرَ مِنهُ تَرْكُ الأكْلِ بِحُكْمِ التَّعْلِيمِ مِن جِهَةِ غالِبِ الظَّنِّ، فَإذا أكَلَ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ اليَقِينُ بِنَفْيِ التَّعْلِيمِ فَيَحْرُمُ ما قَدِ اصْطادَهُ قَبْلَ ذَلِكَ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " إذا تَرَكَ الأكْلَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَهو مُعَلَّمٌ، فَإنْ أكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ مِن صَيْدِهِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيَ التَّعْلِيمَ فَلَمْ يَحْرُمْ ما قَدْ حُكِمَ بِإباحَتِهِ بِالِاحْتِمالِ " . ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ مَحْمُولًا عَلى أنَّهُ أكَلَ في مُدَّةٍ لا يَكادُ يَنْسى فِيها، فَإنْ تَطاوَلَتِ المُدَّةُ في الِاصْطِيادِ ثُمَّ اصْطادَ فَأكَلَ مِنهُ وفي مِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ يَجُوزُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَحْرُمَ ما تَقَدَّمَ، ويَكُونُ مَوْضِعُ الخِلافِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ أنَّهُما يَعْتَبِرانِ في شَرْطِ التَّعْلِيمِ تَرْكَ الأكْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وأبُو حَنِيفَةَ لا يُحِدُّهُ، وإنَّما يَعْتَبِرُ ما يَغْلِبُ في الظَّنِّ مِن حُصُولِ التَّعْلِيمِ، فَإذا غَلَبَ في الظَّنِّ أنَّهُ مُعَلَّمٌ بِتَرْكِ الأكْلِ ثُمَّ أُرْسِلَ مَعَ قُرْبِ المُدَّةِ فَأكَلَ مِنهُ، فَهو مَحْكُومٌ بِأنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فِيما تَرَكَ أكْلَهُ؛ مِمّا تَطاوَلَتِ المُدَّةُ بِإرْسالِهِ بَعْدَ تَرْكِ الأكْلِ حَتّى يُظَنَّ في مِثْلِها نِسْيانُ التَّعْلِيمِ، لَمْ يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ؛ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ يَقُولانِ: إنَّهُ إذا تَرَكَ الأكْلَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ اصْطادَ فَأكَلَ في مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ أوْ بَعِيدَةٍ لَمْ يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ مِن صَيْدِهِ، فَيَظْهَرُ مَوْضِعُ الخِلافِ بَيْنَهم هَهُنا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ: " يَعْنِي عَلى إرْسالِ الجَوارِحِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمْرٌ يَقْتَضِي الإيجابَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأكْلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الإرْسالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ إرْسالَ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ عَلى الصَّيْدِ، فَجائِزٌ عَوْدُ الأمْرِ (p-٣١٦)بِالتَّسْمِيَةِ إلَيْهِ، ولَوْلا احْتِمالُ ذَلِكَ لَما تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلَيْهِ. وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وقَدْ تَضَمَّنَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ إيجابَهُ واتَّفَقُوا أنَّ الذِّكْرَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى الأكْلِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِهِ عَلى الإرْسالِ؛ إذْ كانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ؛ وإذا كانَتْ التَّسْمِيَةُ واجِبَةً عَلى الإرْسالِ صارَتْ مِن شَرائِطِ الذَّكاةِ، كَتَعْلِيمِ الجَوارِحِ وكَوْنِ المُرْسَلِ مِمَّنْ تَصِحُّ ذَكاتُهُ وإسالَةِ دَمِ الصَّيْدِ بِما يَجْرَحُ ولَهُ حَدٌّ، فَإذا تَرَكَها لَمْ تَصِحَّ ذَكاتُهُ كَما لا تَصِحُّ ذَكاتُهُ مَعَ تَرْكِ ما ذَكَرْنا مِن شَرائِطِ الذَّكاةِ. واَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ فَسادُ الذَّكاةِ عِنْدَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عامِدًا وذَلِكَ؛ لِأنَّ الأمْرَ لا يَتَناوَلُ النّاسِيَ؛ إذْ لا يَصِحُّ خِطابُهُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الذَّكاةِ؛ إذْ هو غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِها في حالِ النِّسْيانِ. وسَنَذْكُرُ إيجابَ التَّسْمِيَةِ عَلى الذَّبِيحَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ رُوِيَ في التَّسْمِيَةِ عَلى إرْسالِ الكَلْبِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي ؟ قالَ: إذا سَمَّيْتَ فَكُلْ وإلّا فَلا تَأْكُلْ، وإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ وقالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأجِدُ عَلَيْهِ كَلْبًا آخَرَ ؟ قالَ: لا تَأْكُلْ؛ لِأنَّكَ إنَّما سَمَّيْتَ عَلى كَلْبِكَ» فَنَهاهُ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ وما شارَكَهُ كَلْبٌ آخَرُ لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مِن شَرائِطِ ذَكاةِ الصَّيْدِ التَّسْمِيَةَ عَلى الإرْسالِ. وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ حالَ الإرْسالِ بِمَنزِلَةِ حالِ الذَّبْحِ في وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في أشْياءَ مِن أمْرِ الصَّيْدِ، مِنها الِاصْطِيادُ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِالِاصْطِيادِ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ إذا كانَ مُعَلَّمًا وإنْ كانَ الَّذِي عَلَّمَهُ مَجُوسِيًّا بَعْدَ أنْ يَكُونَ الَّذِي أرْسَلَهُ مُسْلِمًا " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " أكْرَهُ الِاصْطِيادَ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ إلّا أنْ يَأْخُذَهُ مِن تَعْلِيمِ المُسْلِمِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يَقْتَضِي جَوازَ صَيْدِهِ وإباحَةَ أكْلِهِ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مالِكُهُ مُسْلِمًا أوْ مَجُوسِيًّا. وأيْضًا فَإنَّ الكَلْبَ آلَةٌ كالسِّكِّينِ يُذْبَحُ بِها والقَوْسِ يُرْمى عَنْها، فَواجِبٌ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الكَلْبِ لِمَن كانَ كَسائِرِ الآلاتِ الَّتِي يَصْطادُ بِها. وأيْضًا فَلا اعْتِبارَ بِالكَلْبِ وإنَّما الِاعْتِبارُ بِالمُرْسِلِ، ألا تَرى أنَّ مَجُوسِيًّا لَوِ اصْطادَ بِكَلْبِ مُسْلِمٍ لَمْ يَجُزْ أكْلُهُ ؟ وكَذَلِكَ اصْطِيادُ المُسْلِمِ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ يَنْبَغِي أنْ يَحِلَّ أكْلُهُ. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ (p-٣١٧)الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمُ المُسْلِمِ شَرْطًا في الإباحَةِ. قِيلَ لَهُ: لا يَخْلُو تَعْلِيمُ المَجُوسِيِّ مِن أنْ يَكُونَ مِثْلَ تَعْلِيمِ المُسْلِمِ المَشْرُوطِ في إباحَةِ الذَّكاةِ أوْ مُقَصِّرًا عَنْهُ، فَإنْ كانَ مِثْلَهُ فَلا اعْتِبارَ بِالمُعَلَّمِ وإنَّما الِاعْتِبارُ بِحُصُولِ التَّعْلِيمِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ مُسْلِمٌ وهو مُعَلَّمٌ كَتَعْلِيمِ المُسْلِمِ جازَ أكْلُ ما صادَهُ ؟ فَإذًا لا اعْتِبارَ بِالمِلْكِ وإنَّما الِاعْتِبارُ بِالتَّعْلِيمِ. وإنْ كانَ تَعْلِيمُ المَجُوسِيِّ مُقَصِّرًا عَنْ تَعْلِيمِ المُسْلِمِ حَتّى يُخِلَّ عِنْدَ الِاصْطِيادِ بِبَعْضِ شَرائِطِ الذَّكاةِ فَهَذا كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، ولا يَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ حُكْمُ مِلْكِ المَجُوسِيِّ والمُسْلِمِ في حَظْرِ ما يَصْطادُهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ، وإنْ كانَ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ فالمَقْصِدُ فِيهِ حُصُولُ التَّعْلِيمِ لِلْكَلْبِ، فَإذا عَلَّمَهُ المَجُوسِيُّ كَتَعْلِيمِ المُسْلِمِ فَقَدْ وُجِدَ المَعْنى المَشْرُوطُ، فَلا اعْتِبارَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِلْكِ المَجُوسِيِّ. واخْتَلَفُوا في الصَّيْدِ يُدْرِكُهُ حَيًّا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ فِيمَن يُدْرِكُ صَيْدَ الكَلْبِ أوِ السَّهْمِ فَيَحْصُلُ في يَدِهِ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ: " فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَبْحِهِ حَتّى ماتَ " . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَبْحِهِ حَتّى ماتَ أُكِلَ، وإنْ ماتَ في يَدِهِ، وإنْ قَدَرَ عَلى ذَبْحِهِ فَلَمْ يَذْبَحْهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ في يَدِهِ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ قَدَرَ أنْ يَأْخُذَهُ مِنَ الكَلْبِ فَيَذْبَحَهُ فَلَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يُؤْكَلْ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا أمْكَنَهُ أنْ يُذَكِّيَهُ ولَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُؤْكَلْ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ حَتّى ماتَ بَعْدَ ما صارَ في يَدِهِ أُكِلَ " . وقالَ اللَّيْثُ: " إنْ أدْرَكَهُ في في الكَلْبِ فَأخْرَجَ سِكِّينَهُ مِن خُفِّهِ أوْ مِنطَقَتِهِ لِيَذْبَحَهُ فَماتَ أكَلَهُ، وإنْ ذَهَبَ لِيُخْرِجَ السِّكِّينَ مِن خُرْجِهِ فَماتَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَهُ لَمْ يَأْكُلْهُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا حَصَلَ في يَدِهِ حَيًّا فَلا اعْتِبارَ بِإمْكانِ ذَبْحِهِ أوْ تَعَذُّرِهِ في أنَّ شَرْطَ ذَكاتِهِ الذَّبْحُ وذَلِكَ؛ لِأنَّ الكَلْبَ إنَّما حَلَّ صَيْدُهُ لِامْتِناعِ الصَّيْدِ وتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْهِ إلّا مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَإذا حَصَلَ في يَدِهِ حَيًّا فَقَدْ زالَ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ أُبِيحَ صَيْدُهُ وصارَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ البَهائِمِ الَّتِي يُخافُ عَلَيْها المَوْتُ، فَلا تَكُونُ ذَكاتُهُ إلّا بِالذَّبْحِ سَواءٌ ماتَ في وقْتٍ لا يَقْدِرُ عَلى ذَبْحِهِ أوْ قَدَرَ عَلَيْهِ، والمَعْنِيُّ فِيهِ كَوْنُهُ في يَدِهِ حَيًّا. فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ تَكُنْ ذَكاةُ سائِرِ البَهائِمِ إلّا بِالذَّبْحِ؛ لِأنَّ ذَبْحَها قَدْ كانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، ولَوْ ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها لَمْ يَكُنْ ذَكاةً؛ وجِراحَةُ الكَلْبِ والسَّهْمِ قَدْ كانَتْ تَكُونُ ذَكاةً لِلصَّيْدِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ في يَدِهِ حَتّى ماتَ، فَإذا صارَ في يَدِهِ ولَمْ يَبْقَ مِن حَياتِهِ بِمِقْدارِ ما يُدْرِكُ ذَكاتَهُ فَهو مُذَكًّى بِجِراحَةِ الكَلْبِ، وهو بِمَنزِلَةِ ما لَوْ صارَ في يَدِهِ بَعْدَ المَوْتِ. قِيلَ لَهُ: هَذا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: (p-٣١٨)أنْ يَكُونَ الكَلْبُ قَدْ جَرَحَهُ جِراحَةً لا يُعاشُ مِن مِثْلِها إلّا مِثْلَ حَياةِ المَذْبُوحِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ قَطَعَ أوْداجَهُ أوْ شَقَّ جَوْفَهُ فَأخْرَجَ حَشْوَتَهُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كانَتْ جِراحَتُهُ ذَكاةً لَهُ سَواءٌ أمْكَنَ بَعْدَ ذَلِكَ ذَبْحُهُ أوْ لَمْ يُمْكِنْ، فَهَذا الَّذِي تَكُونُ جِراحَةُ الكَلْبِ ذَكاةً لَهُ؛ وأمّا الوَجْهُ الآخَرُ: فَهو أنْ يَعِيشَ مِن مِثْلِها، إلّا أنَّهُ اتَّفَقَ مَوْتُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ في يَدِهِ في وقْتٍ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلى ذَبْحِهِ؛ فَهَذا لا يَكُونُ مُذَكًّى؛ لِأنَّ تِلْكَ الجِراحَةَ قَدْ كانَتْ مُراعاةً عَلى حُدُوثِ المَوْتِ قَبْلَ حُصُولِهِ في يَدِهِ وإمْكانِ ذَكاتِهِ، فَإذا صارَ في يَدِهِ حَيًّا بَطَلَ حُكْمُ الجِراحَةِ، وصارَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ البَهائِمِ الَّتِي يُصِيبُها جِراحاتٌ غَيْرُ مُذَكِّيَةٍ لَها مِثْلُ المُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وغَيْرِهِما، فَلا يَكُونُ ذَكاتُهُ إلّا بِالذَّبْحِ. واخْتَلَفُوا في الصَّيْدِ يَغِيبُ عَنْ صاحِبِهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " إذا تَوارى عَنْهُ الصَّيْدُ والكَلْبُ وهو في طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ قَتَلَهُ جازَ أكْلُهُ، وإنْ تَرَكَ الطَّلَبَ واشْتَغَلَ بِعَمَلٍ غَيْرِهِ ثُمَّ ذَهَبَ في طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ مَقْتُولًا والكَلْبُ عِنْدَهُ كَرِهْنا أكْلَهُ " وكَذَلِكَ قالُوا في السَّهْمِ إذا رَماهُ بِهِ فَغابَ عَنْهُ. وقالَ مالِكٌ: " إذا أدْرَكَهُ مِن يَوْمِهِ أكَلَهُ في الكَلْبِ والسَّهْمِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ مَيِّتًا إذا كانَ فِيهِ أثَرُ جِراحَةٍ، وإنْ باتَ عَنْهُ لَمْ يَأْكُلْهُ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إذا رَماهُ فَغابَ عَنْهُ يَوْمًا أوْ لَيْلَةً كَرِهْتُ أكْلَهُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إنْ وجَدَهُ مِنَ الغَدِ مَيِّتًا ووَجَدَ فِيهِ سَهْمُهُ أوْ أثَرًا فَلْيَأْكُلْهُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ القِياسُ أنْ لا يَأْكُلَهُ إذا غابَ عَنْهُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " كُلْ ما أصْمَيْتَ ودَعْ ما أنْمَيْتَ " وفي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ: " وما غابَ عَنْكَ لَيْلَةً فَلا تَأْكُلْهُ " . والإصْماءُ ما أدْرَكَهُ مِن ساعَتِهِ والإنْماءُ ما غابَ عَنْهُ. ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَزِينٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّيْدِ: «إذا غابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ كَرِهَهُ» وذَكَرَ هَوامَّ الأرْضِ. وأبُو رَزِينٍ هَذا لَيْسَ بِأبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ صاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما هو أبُو رَزِينٍ مَوْلى أبِي وائِلٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا تَراخى عَنْ طَلَبِهِ لَمْ يَأْكُلْهُ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ وأمْكَنَهُ أنْ يُدْرِكَ ذَكاتَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ أنَّهُ لا يُؤْكَلُ، فَإذا لَمْ يَتْرُكِ الطَّلَبَ وأدْرَكَهُ مَيِّتًا فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ ذَكاتَهُ فَكانَ قَتْلُ الكَلْبِ أوِ السَّهْمِ لَهُ ذَكاةً لَهُ، وإذا تَراخى عَنِ الطَّلَبِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ لَوْ طَلَبَهُ في فَوْرِهِ أدْرَكَ ذَكاتَهُ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ، فَإذا لَمْ يَتْرُكِ الطَّلَبَ وأدْرَكَ حَياتَهُ تَيَقَّنَ أنَّ قَتْلَ الكَلْبِ لَيْسَ بِذَكاةٍ لَهُ فَلا يَجُوزُ أكْلُهُ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «وإنْ شارَكَهُ كَلْبٌ آخَرُ فَلا تَأْكُلْهُ فَلَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ الثّانِي قَتَلَهُ» فَحَظَرَ (p-٣١٩)الشّارِعُ ﷺ أكْلَهُ حِينَ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ قَتَلَهُ كَلْبٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ إذا جازَ أنْ يَكُونَ مِمّا كانَ يُدْرِكُ ذَكاتَهُ لَوْ طَلَبَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ وجَبَ أنْ لا يُؤْكَلَ، لِتَجْوِيزِ هَذا المَعْنى فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: رَوى مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ الحَضْرَمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الَّذِي يُدْرَكُ صَيْدُهُ بَعْدَ ثَلاثٍ: " يَأْكُلُهُ إلّا أنْ يُنْتِنَ " ورُوِيَ في بَعْضِ الألْفاظِ: «إذا أدْرَكْتَ بَعْدَ ثَلاثٍ وسَهْمُكَ فِيهِ فَكُلْهُ ما لَمْ يُنْتِنْ» . قِيلَ لَهُ: قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى رَفْضِ هَذا الخَبَرِ، وتَرْكِ اسْتِعْمالِهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أحَدًا مِنَ الفُقَهاءِ لا يَقُولُ إنَّهُ إذا وجَدَهُ بَعْدَ ثَلاثٍ يَأْكُلُهُ. والثّانِي: أنَّهُ أباحَ لَهُ أكْلَهُ ما لَمْ يُنْتِنْ، ولا اعْتِبارَ عِنْدَ أحَدٍ بِتَغَيُّرِ الرّائِحَةِ. والثّالِثُ: أنَّ تَغَيُّرَ الرّائِحَةِ لا حُكْمَ لَهُ في سائِرِ الأشْياءِ وإنَّما الحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالذَّكاةِ أوْ فَقْدِها، فَإنْ كانَ الصَّيْدُ مُذَكًّى مَعَ تَراخِي المُدَّةِ فَلا حُكْمَ لَلرّائِحَةِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُذَكًّى فَلا حُكْمَ أيْضًا لِعَدَمِ تَغَيُّرِهِ. وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ عِيسى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِن نَهْدٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «مَرَّ بِالرَّوْحاءِ، فَإذا هو بِحِمارِ وحْشٍ عَقِيرٍ فِيهِ سَهْمٌ قَدْ ماتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهُ حَتّى يَجِيءَ صاحِبُهُ فَجاءَ النَّهْدِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هي رَمْيَتِي فَكُلُوهُ فَأمَرَ أبا بَكْرٍ أنْ يُقَسِّمَ بَيْنَ الرِّفاقِ وهم مُحْرِمُونَ» . فَمِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في إباحَةِ أكْلِهِ إنْ تَراخى عَنْ طَلَبِهِ لِتَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ مَسْألَتَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ لَسَألَهُ؛ ولَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ، مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ شاهَدَ هَذا الحِمارَ عَلى حالٍ اسْتَدَلَّ بِها عَلى قُرْبِ وقْتِ الجِراحَةِ مِن سَيْلانِ الدَّمِ وطَراوَتِهِ ومَجِيءِ الرّامِي عَقِبَهُ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَتَراخَ عَنْ طَلَبِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْألْهُ. فَإنْ قِيلَ: رَوى هُشَيْمٌ عَنْ أبِي هُشَيْمٍ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا أهْلُ صَيْدٍ يَرْمِي أحَدُنا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ واللَّيْلَتَيْنِ ثُمَّ يَتْبَعُ أثَرَهُ بَعْدَما يُصْبِحُ فَيَجِدُ سَهْمَهُ فِيهِ ؟ قالَ: إذا وجَدْتَ سَهْمَكَ فِيهِ ولَمْ تَجِدْ بِهِ أثَرَ سَبُعٍ وعَلِمْتَ أنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» . قِيلَ لَهُ: هَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لَوْ أصابَهُ بَعْدَ لَيالِي كَثِيرَةٍ أنْ يَأْكُلَهُ إذا عَلِمَ أنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ، ولا نَعْلَمُ ذَلِكَ قَوْلَ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ اعْتَبَرَ العِلْمَ بِأنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ. وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ العِلْمُ بِأنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ بَعْدَما تَراخى عَنْ طَلَبِهِ، وقَدْ شَرَطَ ﷺ حُصُولَ العِلْمِ بِذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَواجِبٌ أنْ لا يَأْكُلَهُ وهو لا يَعْلَمُ إذا تَراخى عَنْ طَلَبِهِ وطالَتِ المُدَّةُ أنَّ سَهْمَهُ قَتَلَهُ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: (p-٣٢٠)حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مَشْمُولٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا أهْلُ بَدْوٍ ونَصِيدُ بِالكِلابِ المُعَلَّمَةِ ونَرْمِي الصَّيْدَ، فَما يَحِلُّ لَنا مِن ذَلِكَ وما يَحْرُمُ عَلَيْنا ؟ قالَ: إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وسَمَّيْتَ فَكُلْ مِمّا أمْسَكَ عَلَيْكَ أكَلَ أوْ لَمْ يَأْكُلْ قَتَلَ أوْ لَمْ يَقْتُلْ، وإذا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَكُلْ مِمّا أصْمَيْتَ ولا تَأْكُلْ مِمّا أنْمَيْتَ»؛ فَحَظَرَ ما أنْمى، وهو ما غابَ عَنْهُ. وهو مَحْمُولٌ عَلى ما غابَ عَنْهُ وتَراخى عَنْ طَلَبِهِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ إذا كانَ في طَلَبِهِ أكَلَ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ أباحَ في هَذا الحَدِيثِ أكْلَ ما أكَلَ مِنهُ الكَلْبُ، وهو خِلافُ قَوْلِكم قِيلَ لَهُ: قَدْ عارَضَهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.

المائدة 5:5

بابُ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِ، فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ كَراهَةُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ في آخَرِينَ: " يَجُوزُ نِكاحُها "، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ كَرِهَهُ إذا كانَ مَوْلاها كافِرًا والنِّكاحُ جائِزٌ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلى أنَّ ولَدَها يَكُونُ عَبْدًا لِمَوْلاها وهو مُسْلِمٌ بِإسْلامِ الأبِ، كَما يَكْرَهُ بَيْعَ العَبْدِ المُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ. وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " لا يَجُوزُ النِّكاحُ " . والدَّلِيلُ عَلى جَوازِهِ جَمِيعُ ما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ الآيِ في البابِ الَّذِي قَبْلَهُ المُوجِبَةِ لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ، ودَلالَتُها عَلى جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ كَهي عَلى إباحَةِ نِكاحِ المُسْلِمَةِ. ومِمّا يُخْتَصُّ مِنها بِالدَّلالَةِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ورَوى جَرِيرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: " العَفائِفُ " . ورَوى هُشَيْمٌ عَنْ مُطَّرِفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: " إحْصانُها أنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الجَنابَةِ وتُحَصِّنَ فَرْجَها مِنَ الزِّنا. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ اسْمَ الإحْصانِ قَدْ يَتَناوَلُ الكِتابِيَّةَ، قالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فاسْتَثْنى مِلْكَ اليَمِينِ مِنَ المُحْصَناتِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِنَّ لَوْلا ذَلِكَ لَما اسْتَثْناهُنَّ، وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] فَأطْلَقَ اسْمَ الإحْصانِ في هَذا المَوْضِعِ عَلى الإماءِ ولَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْمَ المُحْصَناتِ يَقَعُ عَلى الكِتابِيّاتِ مِنَ الحَرائِرِ والإماءِ وأطْلَقَ اللَّهُ نِكاحَ الكِتابِيّاتِ المُحْصَناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ كانَ عامًّا في الحَرائِرِ والإماءِ مِنهُنَّ فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وكانَتْ هَذِهِ مُشْرِكَةً، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَكانَتْ إباحَةُ نِكاحِ الإماءِ مَقْصُورَةً عَلى المُسْلِماتِ مِنهُنَّ دُونَ الكِتابِيّاتِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ نِكاحُ الإماءِ الكِتابِيّاتِ باقِيًا عَلى حُكْمِ الحَظْرِ. قِيلَ لَهُ: إطْلاقُ اسْمِ المُشْرِكاتِ لا يَتَناوَلُ الكِتابِيّاتِ وإنَّما يَقَعُ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى (p-١١٧)قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] فَعَطَفَ المُشْرِكِينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إطْلاقَ الِاسْمِ إنَّما يَتَناوَلُ عَبَدَةَ الأوْثانِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَعُمَّ الكِتابِيّاتِ، فَغَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ بِهِ في حَظْرِ نِكاحِ الإماءِ الكِتابِيّاتِ. وأيْضًا فَلا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قاضٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في جَوازِ نِكاحِ الحَرائِرِ الكِتابِيّاتِ، فَلَيْسَ يَخْلُو حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] مِن أنْ يَكُونَ عامًّا في إطْلاقِهِ لِلْكِتابِيّاتِ والوَثَنِيّاتِ أوْ أنْ يَكُونَ إطْلاقُهُ مَقْصُورًا عَلى الوَثَنِيّاتِ دُونَ الكِتابِيّاتِ؛ فَإنْ كانَ الإطْلاقُ إنَّما يَتَناوَلُ الوَثَنِيّاتِ دُونَ الكِتابِيّاتِ فالسُّؤالُ عَنْها ساقِطٌ فِيهِ؛ إذْ لَيْسَ بِنافٍ فِيهِ لِنِكاحِ الكِتابِيّاتِ، وإنْ كانَ الإطْلاقُ يَنْتَظِمُ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ظاهِرِهِ فَقَدِ اتَّفَقُوا أنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى اسْتِعْمالِهِ مَعَهُ في الحَرائِرِ مِنهُنَّ. وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ تَكُونَ الآيَتانِ نَزَلَتا مَعًا، أوْ أنْ تَكُونَ إباحَةُ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ مُتَأخِّرَةً عَنْ حَظْرِ نِكاحِ المُشْرِكاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ حَظْرُ نِكاحِ المُشْرِكاتِ مُتَأخِّرًا عَنْ إباحَةِ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ. فَإنْ كانَتا نَزَلَتا مَعًا فَهُما مُسْتَعْمَلَتانِ جَمِيعًا عَلى جِهَةِ تَرْتِيبِ حَظْرِ نِكاحِ المُشْرِكاتِ عَلى إباحَةِ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ نازِلًا بَعْدَهُ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا أيْضًا، أوْ أنْ يَكُونَ حَظْرُ نِكاحِ المُشْرِكاتِ مُتَأخِّرًا عَنْ إباحَةِ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ ورَدَ مُرَتَّبًا عَلى إباحَةِ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ؛ فالإباحَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها كَيْفَ تَصَرَّفَتِ الحالُ وعَلى أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَزَلَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ نِكاحَ المُشْرِكاتِ؛ لِأنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ المُشْرِكاتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإباحَةُ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ في سُورَةِ المائِدَةِ وهي نَزَلَتْ بَعْدَها، فَهي قاضِيَةٌ عَلى تَحْرِيمِ المُشْرِكاتِ إنْ كانَ إطْلاقُ اسْمِ المُشْرِكاتِ يَتَناوَلُ الكِتابِيّاتِ. ثُمَّ لَمّا لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ المُبِيحَةُ لِنِكاحِ الكِتابِيّاتِ بَيْنَ الحَرائِرِ مِنهُنَّ وبَيْنَ الإماءِ واقْتَضى عُمُومُها الفَرِيقَيْنِ مِنهُنَّ، وجَبَ اسْتِعْمالُها فِيهِما جَمِيعًا وأنْ لا يُعْتَرَضَ بِتَحْرِيمِ نِكاحِ المُشْرِكاتِ عَلَيْهِنَّ كَما لَمْ يَجُزِ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى الحَرائِرِ مِنهُنَّ. وأمّا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِناتِ مِنَ الإماءِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَقَدْ بَيَّنّا في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ (p-١١٨)لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَدا المَخْصُوصَ حُكْمُهُ بِخِلافِهِ. فَإنْ قِيلَ: لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ في إباحَةِ النِّكاحِ وذَلِكَ لِأنَّ الإحْصانَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَتَناوَلُ مَعانِيَ مُخْتَلِفَةً، ولَيْسَ بِعُمُومٍ فَيُجْرى عَلى مُقْتَضى لَفْظِهِ بَلْ هو مُجْمَلٌ مَوْقُوفُ الحُكْمِ عَلى البَيانِ، فَما ورَدَ بِهِ البَيانُ مِن تَوْقِيفٍ أوِ اتِّفاقٍ صِرْنا إلَيْهِ وكانَ حُكْمُ الآيَةِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وما لَمْ يَرِدْ بِهِ بَيانٌ فَهو عَلى إجْمالِهِ لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الحَرائِرَ مِنَ الكِتابِيّاتِ مُراداتٌ بِهِ اسْتَعْمَلْنا حُكْمَ الآيَةِ فِيهِنَّ، ولَمّا لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى إرادَةِ الإماءِ الكِتابِيّاتِ احْتَجْنا في إثْباتِها إلى دَلِيلٍ مِن غَيْرِها. قِيلَ لَهُ: لَمّا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أنَّهُنَّ العَفائِفُ مِنهُنَّ؛ إذْ كانَ اسْمُ الإحْصانِ يَقَعُ عَلى العِفَّةِ، وجَبَ اعْتِبارُ عُمُومِ اللَّفْظِ في جَمِيعِ العَفائِفِ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّ العِفَّةَ مُرادَةٌ بِهَذا الإحْصانِ، وما عَدا ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الإحْصانِ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها مُرادَةٌ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ هَذا الإحْصانِ اسْتِكْمالُ شَرائِطِهِ كُلِّها، فَما وقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ واتَّفَقَ الجَمِيعُ أنَّهُ مُرادٌ أثْبَتْناهُ، وما عَداهُ يَحْتاجُ مُثْبِتُهُ شَرْطًا في الإباحَةِ إلى دَلالَةٍ فَإنْ قِيلَ: اسْمُ الإحْصانِ يَقَعُ عَلى الحُرِّيَّةِ، فَما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الحَرائِرَ مِنهُنَّ ؟ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذِكْرِ الإحْصانِ في هَذا المَوْضِعِ اسْتِيفاءَ شَرائِطِهِ، لَمْ يَجُزْ لِأحَدٍ أنْ يَقْتَصِرَ بِمَعْنى الإحْصانِ فِيهِ عَلى بَعْضِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ إذا تَناوَلَهُ الِاسْمُ مِن وجْهٍ وجَبَ اعْتِبارُ عُمُومِهِ فِيهِ، فَلَمّا كانَتِ الأمَةُ قَدْ يَتَناوَلُها اسْمُ الإحْصانِ عَلى الإطْلاقِ في بَعْضِ الوُجُوهِ مِن طَرِيقِ العِفَّةِ أوْ غَيْرِها جازَ اعْتِبارُ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيهِ، وإذا جازَ لَكَ أنْ تَقْتَصِرَ بِاسْمِ الإحْصانِ عَلى الحُرِّيَّةِ دُونَ غَيْرِها فَجائِزٌ لَغَيْرِكَ أنْ يَقْتَصِرَ بِهِ عَلى العَفافِ دُونَ غَيْرِهِ، وغَيْرُ جائِزٍ لَنا إجْمالُ حُكْمِ اللَّفْظِ مَعَ إمْكانِ اسْتِعْمالِهِ عَلى العُمُومِ؛ وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ اسْمَ الإحْصانِ عَلى الأمَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ: فَإذا أسْلَمْنَ، وقالَ بَعْضُهم: فَإذا تَزَوَّجْنَ؛ فَكانَ اعْتِبارُ هَذا العُمُومِ سائِغًا في إيجابِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ. وقَدْ قالَ في الآيَةِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ ولَمْ يُرِدْ بِهِ حُصُولَ جَمِيعِ شَرائِطِ الإحْصانِ وإنَّما أرادَ بِهِ العَفائِفَ مِنهُنَّ، وحَرَّمَ ذَواتِ الأزْواجِ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَكانَ عُمُومًا في تَحْرِيمِ ذَواتِ الأزْواجِ إلّا (p-١١٩)ما اسْتَثْناهُنَّ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ لا يَمْنَعُ ذِكْرُ الإحْصانِ فِيهِ مِنِ اعْتِبارِ عُمُومِهِ فِيمَن يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِن جِهَةِ العَفافِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ. ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في إباحَةِ وطْءِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وكُلُّ مَن جازَ وطْؤُها بِمِلْكِ اليَمِينِ جازَ وطْؤُها بِمِلْكِ النِّكاحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ نِكاحُ الحُرَّةِ المُنْفَرِدَةِ، ألا تَرى أنَّ المُسْلِمَةَ لَمّا جازَ وطْؤُها بِمِلْكِ اليَمِينِ جازَ وطْؤُها بِالنِّكاحِ، وأنَّ الأُخْتَ مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّ المَرْأةِ وحَلِيلَةَ الِابْنِ وما نَكَحَ الآباءُ لَمّا لَمْ يَجُزْ وطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ حُرِّمَ وطْؤُهُنَّ بِالنِّكاحِ ؟ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى جَوازِ وطْءِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ وجَبَ جَوازُ وطْئِها بِالنِّكاحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ وطْءُ الحُرَّةِ المُنْفَرِدَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ وطْءُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ولا يَجُوزُ بِالنِّكاحِ كَما إذا كانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ. قِيلَ لَهُ: لَمْ نَجْعَلْ ما ذَكَرْنا عِلَّةً لِجَوازِ نِكاحِها في سائِرِ الأحْوالِ، وإنَّما جَعَلْناهُ عِلَّةً لِجَوازِ نِكاحِها مُنْفَرِدَةً غَيْرَ مَجْمُوعَةٍ إلى غَيْرِها ألا تَرى أنَّ الأمَةَ المُسْلِمَةَ يَجُوزُ وطْؤُها بِمِلْكِ اليَمِينِ ويَجُوزُ نِكاحُها مُنْفَرِدَةً، ولَوْ كانا تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَما جازَ نِكاحُها لِأنَّهُ لَمْ يَجُزْ نِكاحُها مِن طَرِيقِ جَمْعِها إلى الحُرَّةِ كَما لا يَجُوزُ نِكاحُها لَوْ كانَتْ أُخْتُها تَحْتَهُ وهي أمَةٌ ؟ فَعِلَّتُنا صَحِيحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ جارِيَةٌ في مَعْلُولاتِها غَيْرُ لازِمٍ عَلَيْها ما ذَكَرْتَ؛ إذْ كانَتْ مَنصُوبَةً لِجَوازِ نِكاحِها مُنْفَرِدَةً غَيْرَ مَجْمُوعَةٍ إلى غَيْرِها؛ وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ اليَوْمَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] والآخَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ في عامِ حَجَّةِ الوَداعِ، وقِيلَ: زَمانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُ، عَلى ما قَدَّمْنا مِنِ اخْتِلافِ السَّلَفِ فِيهِ. والطَّيِّباتُ هَهُنا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها ما اسْتَطَبْناهُ واسْتَلْذَذْناهُ ما عَدا ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ في هَذِهِ الآياتِ وفي غَيْرِها، فَيَكُونُ عُمُومًا في إباحَةِ جَمِيعِ المُتَلَذَّذاتِ إلّا ما قامَ دَلِيلُ حَظْرِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالطَّيِّباتِ ما أباحَهُ لَنا مِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَ إباحَتَها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي الدَّرْداءِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: أنَّهُ ذَبائِحُهم. وظاهِرُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَبائِحَهم مِن طَعامِهِمْ، ولَوِ اسْتَعْمَلْنا اللَّفْظَ عَلى عُمُومِهِ لانْتَظَمَ جَمِيعَ طَعامِهِمْ مِنَ الذَّبائِحِ وغَيْرِها. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الذَّبائِحَ خاصَّةً؛ لِأنَّ سائِرَ طَعامِهِمْ مِنَ الخُبْزِ والزَّيْتِ وسائِرِ الأدْهانِ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُها بِمَن يَتَوَلّاهُ، ولا شُبْهَةَ في ذَلِكَ عَلى أحَدٍ، سَواءٌ كانَ المُتَوَلِّي لِصُنْعِهِ واِتِّخاذِهِ مَجُوسِيًّا أوْ كِتابِيًّا، ولا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وما كانَ مِنهُ غَيْرَ مُذَكّى لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ في إيجابِ حَظْرِهِ بِمَن تَوَلّى إماتَتُهُ مِن مُسْلِمٍ أوْ كِتابِيٍّ أوْ مَجُوسِيٍّ؛ فَلَمّا خَصَّ اللَّهُ تَعالى طَعامَ أهْلِ الكِتابِ بِالإباحَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الذَّبائِحِ الَّتِي يَخْتَلِفُ حُكْمُها بِاخْتِلافِ الأدْيانِ. وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أكَلَ مِنَ الشّاةِ المَسْمُومَةِ المَشْوِيَّةِ الَّتِي أهْدَتْها إلَيْهِ اليَهُودِيَّةُ ولَمْ يَسْألْها عَنْ ذَبِيحَتِها أهِي مِن ذَبِيحَةِ المُسْلِمِ أمِ اليَهُودِيِّ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَنِ انْتَحَلَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: ( مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ (p-٣٢١)فَذَبِيحَتُهُ مُذَكّاةٌ إذا سَمّى اللَّهَ عَلَيْها. وإنْ سَمّى النَّصْرانِيُّ عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ لَمْ تُؤْكَلْ، ولا فَرْقَ بَيْنَ العَرَبِ والعَجَمِ في ذَلِكَ ) . وقالَ مالِكٌ: ( ما ذَبَحُوهُ لِكَنائِسِهِمْ أكْرَهُ أكْلَهُ، وما سُمِّيَ عَلَيْهِ بِاسْمِ المَسِيحِ لا يُؤْكَلُ والعَرَبُ والعَجَمُ فِيهِ سَواءٌ ) . وقالَ الثَّوْرِيُّ: ( إذا ذُبِحَ وأُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ )، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: وبَلَغَنِي عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: ( قَدْ أحَلَّ اللَّهُ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهم سَيَقُولُونَ هَذا القَوْلَ ) . وقالَ الأوْزاعِيُّ: ( إذا سَمِعْتَهُ يُرْسِلُ كَلْبَهُ بِاسْمِ المَسِيحِ أُكِلَ ) . وقالَ فِيما ذَبَحَ أهْلُ الكِتابَيْنِ لِكَنائِسِهِمْ وأعْيادِهِمْ: كانَ مَكْحُولٌ لا يَرى بِهِ بَأْسًا، ويَقُولُ: هَذِهِ كانَتْ ذَبائِحَهم قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ ثُمَّ أحَلَّها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؛ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ: ( لا خَيْرَ في ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ مِن بَنِي تَغْلِبَ ) قالَ: ( ومَن دانَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وخالَفَ دِينَ أهْلِ الأوْثانِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ فَهو خارِجٌ مِن أهْلِ الأوْثانِ وتُقْبَلُ مِنهُ الجِزْيَةُ عَرَبِيًّا كانَ أوْ عَجَمِيًّا، ومَن دَخَلَ عَلَيْهِ الإسْلامُ ولَمْ يَدِنْ بِدِينِ أهْلِ الكِتابِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ القَوْلُ في أهْلِ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ، لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ مِنهم فِيهِ بَيْنَ مَن دانَ بِذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ أوْ بَعْدَهُ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ اعْتَبَرَ فِيهِمْ ما اعْتَبَرَهُ الشّافِعِيُّ في ذَلِكَ، فَهو مُنْفَرِدٌ بِهَذِهِ المَقالَةِ خارِجٌ بِها عَنْ أقاوِيلِ أهْلِ العِلْمِ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قالَ: «كانَتِ المَرْأةُ مِنَ الأنْصارِ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ فَتَحْلِفُ لَئِنْ عاشَ لَها ولَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ إذا فِيهِمْ ناسٌ مِن أبْناءِ الأنْصارِ فَقالَتِ الأنْصارُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أبْناؤُنا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]» . قالَ سَعِيدٌ: فَمَن شاءَ لَحِقَ بِهِمْ ومَن شاءَ دَخَلَ الإسْلامَ فَلَمْ يُفَرِّقْ فِيما ذَكَرَ بَيْنَ مَن دانَ بِاليَهُودِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وبَعْدَهُ ورَوى عُبادَةُ بْنُ نُسَيٍّ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الحارِثِ: أنَّ عامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَتَبَ إلَيْهِ أنَّ ناسًا مِنَ السّامِرَةِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويَسْبِتُونَ السَّبْتَ ولا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، فَما تَرى ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: " إنَّهم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ " . ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ، فَقالَ: ( لا تَحِلُّ ذَبائِحُهم فَإنَّهم لَمْ يَتَعَلَّقُوا مِن دِينِهِمْ بِشَيْءٍ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ ) . ورَوى عَطاءُ بْنُ (p-٣٢٢)السّائِبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُوا مِن ذَبائِحِ بَنِي تَغْلِبَ وتَزَوَّجُوا مِن نِسائِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في كِتابِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنهم إلّا بِالوِلايَةِ كانُوا مِنهم ولَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ بَيْنَ مَن دانَ بِذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وبَعْدَهُ، فَهو إجْماعٌ مِنهم. ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَن دانَ بِدِينِ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ أوْ بَعْدَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وذَلِكَ إنَّما يَقَعُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فَأخْبَرَ تَعالى بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ أنَّ مَن يَتَوَلّاهم مِنَ العَرَبِ فَهو مِنهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كِتابِيًّا؛ لِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وأنْ تَحِلَّ ذَبائِحُهم، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ هم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ دُونَ مَن سِواهم مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ الَّذِينَ دانُوا بِدِينِهِمْ، ولَمْ يُفَرِّقُوا في ذَلِكَ بَيْنَ مَن دانَ بِذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وبَعْدَهُ، ويَحْتَجُّونَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [الجاثية: ١٦] فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ هم بَنُو إسْرائِيلَ؛ وبِحَدِيثِ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ( لا تَحِلُّ ذَبائِحُ نَصارى العَرَبِ لِأنَّهم لَمْ يَتَعَلَّقُوا مِن دِينِهِمْ بِشَيْءٍ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ ) أمّا الآيَةُ فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ آتى بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ولَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَنِ انْتَحَلَ دِينَهم في حُكْمِهِمْ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَحِلُّ ذَبائِحُهم، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنهم إلّا بِالوِلايَةِ لَكانُوا مِنهم وقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في ذَلِكَ وحَظْرُ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّهم مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، لَكِنْ مِن قِبَلِ أنَّهم غَيْرُ مُتَمَسِّكِينَ بِأحْكامِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: إنَّهم لا يَتَعَلَّقُونَ مِن دِينِهِمْ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ، ولَمْ يَقُلْ: لِأنَّهم لَيْسُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقَوْلُ مَن قالَ إنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يَكُونُونَ إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ دانُوا بِدِينِهِمْ قَوْلٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ. ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «أتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَدِيُّ بْنَ حاتِمٍ أسْلِمْ تَسْلَمْ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ لِي دِينًا، فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِدِينِكَ مِنكَ قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي ؟ قالَ: نَعَمْ ألَسْتَ رَكُوسِيًّا ؟ قالَ: قُلْتُ بَلى قالَ: ألَسْتَ تَرْأسُ قَوْمَكَ ؟ قالَ: قُلْتُ: بَلى قالَ: ألَسْتَ تَأْخُذُ المِرْباعَ ؟ قالَ: (p-٣٢٣)قُلْتُ: بَلى قالَ: فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لَكَ في دِينِكَ قالَ: فَكَأنِّي رَأيْتُ أنَّ عَلَيَّ بِها غَضاضَةً، وكَأنِّي تَواضَعْتُ بِها». ورَوى عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أعْيَنَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ ذَهَبٌ فَقالَ: ألْقَ هَذا الوَثَنَ عَنْكَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كُنّا نَعْبُدُهم قالَ: ألَيْسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَكم ما حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَتُحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْكم ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ؟ قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهم» وفي هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ ضُرُوبٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْنا، أحَدُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسَبَ إلى مُتَّخِذِي الأحْبارِ والرُّهْبانِ أرْبابًا وهم اليَهُودُ والنَّصارى، ولَمْ يَنْفِ ذَلِكَ عَنْهُ مِن حَيْثُ كانَ عَرَبِيًّا، وقالَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ: " ألَسْتَ رَكُوسِيًّا " وهم صِنْفٌ مِنَ النَّصارى، فَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهم بِأخْذِهِمُ المِرْباعَ، وهو رُبُعُ الغَنِيمَةِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن دِينِ النَّصارى؛ لِأنَّ في دِينِهِمْ أنَّ الغَنائِمَ لا تَحِلُّ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ التَّمَسُّكِ بِما يَنْتَحِلُهُ المُنْتَحِلُونَ لِلْأدْيانِ لا يُخْرِجُهم مِن أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ وذَلِكَ الدِّينِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ العَرَبَ وبَنِي إسْرائِيلَ سَواءٌ فِيما يَنْتَحِلُونَ مِن دِينِ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم غَيْرُ مُخْتَلِفِي الأحْكامِ؛ ولَمّا لَمْ يَسْألْهُ النَّبِيُّ ﷺ عَمّا انْتَحَلَهُ مِن دِينِ النَّصارى أكانَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ أوْ بَعْدَهُ ونَسَبَهُ إلى فِرْقَةٍ مِنهم مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مَنِ انْتَحَلَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ أوْ بَعْدَهُ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ تَزَوُّجِ الكِتابِيّاتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ: اُخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمُحْصَناتِ هَهُنا، فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ والسُّدِّيِّ: أنَّهُمُ العَفائِفُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى عِنْدَهُ ذَلِكَ، وهو ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرامَ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ بِيَهُودِيَّةٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أنْ خَلِّ سَبِيلَها، فَكَتَبَ إلَيْهِ حُذَيْفَةُ: أحَرامٌ هي ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: لا، ولَكِنِّي أخافُ أنْ تُواقِعُوا المُومِساتِ مِنهُنَّ؛ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي العَواهِرَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الإحْصانِ عِنْدَهُ هَهُنا كانَ عَلى العِفَّةِ. وقالَ مُطَرِّفٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ " إحْصانُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةَ أنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الجَنابَةِ وأنْ تُحْصِنَ فَرْجَها " . ورَوى ابْنُ (p-٣٢٤)أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: " والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم " قالَ: ( الحَرائِرُ ) قالَ أبُو بَكْرٍ: الِاخْتِلافُ في نِكاحِ الكِتابِيَّةِ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنها إباحَةُ نِكاحِ الحَرائِرِ مِنهُنَّ إذا كُنَّ ذِمِّيّاتٍ، فَهَذا لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ فِيهِ إلّا شَيْئًا يُرْوى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَرِهَهُ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا بِطَعامِ أهْلِ الكِتابِ ويَكْرَهُ نِكاحَ نِسائِهِمْ. قالَ جَعْفَرُ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ قالَ: حَدَّثَنِي نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ إذا سُئِلَ عَنْ نِكاحِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ قالَ: ( إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المُشْرِكاتِ عَلى المُسْلِمِينَ ولا أعْلَمُ مِنَ الشِّرْكِ شَيْئًا أعْظَمَ مِن أنْ تَقُولَ رَبُّها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وهو عَبْدٌ مِن عَبِيدِ اللَّهِ ) . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ أبِي المَلِيحِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنّا بِأرْضٍ يُخالِطُنا فِيها أهْلُ الكِتابِ، أفَنَنْكِحُ نِساءَهم ونَأْكُلُ مِن طَعامِهِمْ ؟ قالَ: فَقَرَأ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ وآيَةَ التَّحْرِيمِ، قالَ: قُلْتُ: إنِّي أقْرَأُ ما تَقْرَأُ أفَنَنْكِحُ نِساءَهم ونَأْكُلُ طَعامَهم ؟ قالَ: فَأعادَ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ وآيَةَ التَّحْرِيمِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي بِآيَةِ التَّحْلِيلِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وبِآيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] فَلَمّا رَأى ابْنُ عُمَرَ الآيَتَيْنِ في نِظامِهِما تَقْتَضِي إحْداهُما التَّحْلِيلَ والأُخْرى التَّحْرِيمَ وقَفَ فِيهِ ولَمْ يَقْطَعْ بِإباحَتِهِ. واتَّفَقَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى إباحَةِ أهْلِ الكِتابِ الذِّمِّيّاتِ سِوى ابْنِ عُمَرَ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] خاصًّا في غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ. حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيانَ عَنْ حَمّادٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ نِكاحِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، قالَ: لا بَأْسَ، قالَ: قُلْتُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] قالَ: أهْلُ الأوْثانِ والمَجُوسُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ. ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ تَزَوَّجَ نائِلَةَ بِنْتَ الفُرافِصَةِ الكَلْبِيَّةَ وهي نَصْرانِيَّةٌ وتَزَوَّجَها عَلى نِسائِهِ؛ ورُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً مِن أهْلِ الشّامِ. وتُرْوى إباحَةُ ذَلِكَ عَنْ عامَّةِ التّابِعِينَ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ والشَّعْبِيُّ في آخَرِينَ مِنهم. ولا يَخْلُو قَوْلُهُ (p-٣٢٥)تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] مِن أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُهُ مُقْتَضِيًا لِدُخُولِ الكِتابِيّاتِ فِيهِ، أوْ مَقْصُورًا عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ غَيْرِ الكِتابِيّاتِ. فَإنْ كانَ إطْلاقُ اللَّفْظِ يَتَناوَلُ الجَمِيعَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَخُصُّهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] مُرَتَّبًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُ الآيَتَيْنِ عَلى مَعْنى تَرْتِيبِ العامِّ عَلى الخاصِّ وجَبَ اسْتِعْمالُهُما ولَمْ يَجُزْ لَنا نَسْخُ الخاصِّ بِالعامِّ إلّا بِيَقِينٍ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] إنَّما يَتَناوَلُ إطْلاقُهُ عَبَدَةَ الأوْثانِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ثابِتُ الحُكْمِ؛ إذْ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يُوجِبُ نَسْخَهُ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ اللّاتِي كُنَّ كِتابِيّاتٍ فَأسْلَمْنَ، كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤] والمُرادُ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ فَأسْلَمَ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ المُرادُ بِهِ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ فَأسْلَمَ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ يَنْصَرِفُ إلى الطّائِفَتَيْنِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى دُونَ المُسْلِمِينَ ودُونَ سائِرِ الكُفّارِ، ولا يُطْلِقُ أحَدٌ عَلى المُسْلِمِينَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ كَما لا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَهُودٌ أوْ نَصارى، واَللَّهُ تَعالى حِينَ قالَ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] فَإنَّهُ لَمْ يُطْلِقِ الِاسْمَ عَلَيْهِمْ إلّا مُقَيَّدًا بِذِكْرِ الإيمانِ عَقِيبَهُ، وكَذَلِكَ قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] فَذَكَرَ إيمانَهم بَعْدَ وصْفِهِمْ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ؛ ولَسْتُ واجِدًا في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ إطْلاقَ أهْلِ الكِتابِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ إلّا وهو يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ والنَّصارى. والثّانِي: أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ المُؤْمِناتِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ فانْتَظَمَ ذَلِكَ سائِرَ المُؤْمِناتِ مِمَّنْ كُنَّ مُشْرِكاتٍ أوَكِتابِيّاتٍ فَأسْلَمْنَ ومِمَّنْ نَشَأ مِنهُنَّ عَلى الإسْلامِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ مُؤْمِناتٍ كُنَّ كِتابِيّاتٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَلى الكِتابِيّاتِ اللّاتِي لَمْ يُسْلِمْنَ. وأيْضًا فَإنْ ساغَ التَّأْوِيلُ الَّذِي ادَّعاهُ مَن خالَفَ في ذَلِكَ، فَغَيْرُ جائِزٍ لَنا الِانْصِرافُ عَنِ الظّاهِرِ إلى غَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ، ولَيْسَ مَعَناهُ دَلالَةٌ (p-٣٢٦)تُوجِبُ صَرْفَهُ عَنِ الظّاهِرِ. وأيْضًا فَلَوْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ لَزالَتْ فائِدَتُهُ؛ إذْ كانَتْ مُؤْمِنَةً وقَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرُ المُومِناتِ. وأيْضًا لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ طَعامُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وأنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو عَلى الكِتابِيّاتِ دُونَ المُؤْمِناتِ. ويَحْتَجُّ لِلْقائِلَيْنِ بِتَحْرِيمِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] قِيلَ لَهُ: إنَّما ذَلِكَ في الحَرْبِيَّةِ إذا خَرَجَ زَوْجُها مُسْلِمًا أوِ الحَرْبِيُّ تَخْرُجُ امْرَأتُهُ مُسْلِمَةً، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] وأيْضًا فَلَوْ كانَ عُمُومًا لَخَصَّهُ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وقَدِ اخْتُلِفَ في نِكاحِ الكِتابِيّاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( لا تَحِلُّ نِساءُ أهْلِ الكِتابِ إذا كانُوا حَرْبًا ) وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] قالَ الحَكَمُ: حَدَّثْتُ بِذَلِكَ إبْراهِيمَ فَأعْجَبَهُ. ولَمْ يُفَرِّقْ غَيْرُهُ مِمَّنْ ذَكَرْنا قَوْلَهُ مِنَ الصَّحابَةِ بَيْنَ الحَرْبِيّاتِ والذِّمِّيّاتِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازَ نِكاحِ الجَمِيعِ لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُنَّ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] والنِّكاحُ يُوجِبُ المَوَدَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نِكاحُ الحَرْبِيّاتِ مَحْظُورًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] إنَّما يَقَعُ عَلى أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّهم في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّنا؛ وهَذا عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى الكَراهَةِ، وأصْحابُنا يَكْرَهُونَ مُناكَحاتِ أهْلِ الحَرْبِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في نِكاحِ المَرْأةِ مِن بَنِي تَغْلِبَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنَ النَّصْرانِيَّةِ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ؛ وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( لا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنهم إلّا بِالوِلايَةِ لَكانُوا مِنهم ) . واخْتُلِفَ أيْضًا في نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ الفُقَهاءِ فِيهِ في سُورَةِ النِّساءِ. ومَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَلى الحَرائِرِ جَعَلَ الإباحَةَ مَقْصُورَةَ عَلى نِكاحِ الحَرائِرِ مِنَ الكِتابِيّاتِ، ومَن تَأوَّلَهُ عَلى العِفَّةِ أباحَ نِكاحَ الإماءِ الكِتابِيّاتِ. واخْتُلِفَ في المَجُوسِ فَقالَ جُلُّ السَّلَفِ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ: " لَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ " . وقالَ آخَرُونَ: " هم أهْلُ الكِتابِ " . والقائِلُونَ بِذَلِكَ شَواذُّ؛ والدَّلِيلُ (p-٣٢٧)عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ طائِفَتانِ، فَلَوْ كانَ المَجُوسُ أهْلَ الكِتابِ لَكانُوا ثَلاثَ طَوائِفَ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ: إنَّما لِي عَلى فُلانٍ جُبَّتانِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَدَّعِيَ أكْثَرَ مِنهُ ؟ وقَوْلُ القائِلِ: إنَّما لَقِيتُ اليَوْمَ رَجُلَيْنِ، يَنْفِي أنْ يَكُونَ قَدْ لَقِيَ أكْثَرَ مِنهُما ؟ فَإنْ قِيلَ: إنَّما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنِ المُشْرِكِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا قَدْ غَلِطُوا. قِيلَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْكِ هَذا القَوْلَ عَنِ المُشْرِكِينَ، ولَكِنَّهُ قَطَعَ بِذَلِكَ عُذْرَهم لِئَلّا يَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنّا كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ؛ فَهَذا إنَّما هو قَوْلُ اللَّهِ واحْتِجاجٌ مِنهُ عَلى المُشْرِكِينَ في قَطْعِ عُذْرِهِمْ بِالقُرْآنِ. وأيْضًا فَإنَّ المَجُوسَ لا يَنْتَحِلُونَ شَيْئًا مِن كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِ، وإنَّما يَقْرَءُونَ كِتابَ زَرادِشْتَ وكانَ مُتَنَبِّيًا كَذّابًا، فَلَيْسُوا إذًا أهْلَ كِتابٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ حَدِيثُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ عُمَرُ: ما أدْرِي كَيْفَ أصْنَعُ بِالمَجُوسِ ولَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» . فَصَرَّحَ عُمَرُ بِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ، ولَمْ يُخالِفْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ولا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحابَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ»؛ فَلَوْ كانُوا أهْلَ الكِتابِ لَما قالَ: ( سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ ) ولَقالَ هم مِن أهْلِ الكِتابِ. وفي حَدِيثٍ آخَرَ أنَّهُ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ وقالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» . فَإنْ قِيلَ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ كِتابٍ فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَهم حُكْمَ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» . قِيلَ لَهُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ في الجِزْيَةِ خاصَّةً، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا الخَبَرِ. ورَوى سُفْيانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، قالَ: فَإنْ أسْلَمْتُمْ فَلَكم ما لَنا وعَلَيْكم ما عَلَيْنا، ومَن أبى فَعَلَيْهِ الجِزْيَةُ غَيْرَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ولا نِكاحِ نِسائِهِمْ» . وقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنْ صَيْدِ المَجُوسِ عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأبِي رافِعٍ وعِكْرِمَةَ، وهَذا يُوجِبُ أنْ لا يَكُونُوا عِنْدَهم أهْلَ كِتابٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى صاحِبِ الرُّومِ: يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم، وكَتَبَ إلى كِسْرى ولَمْ يَنْسُبْهُ إلى كِتابٍ» . ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] أنَّ المُسْلِمِينَ أحَبُّوا غَلَبَةَ الرُّومِ لِأنَّهم أهْلَ كِتابٍ (p-٣٢٨)وأحَبَّتْ قُرَيْشٌ غَلَبَةَ فارِسَ لِأنَّهم جَمِيعًا لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، فَخاطَرَهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والقِصَّةُ في ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ. وأمّا مَن قالَ: إنَّهم كانُوا أهْلَ كِتابٍ ثُمَّ ذَهَبَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَجْعَلُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ هَذا لا يَصِحُّ ولا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ، وإنْ ثَبَتَ أوْجَبَ أنْ لا يَكُونُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الكِتابَ قَدْ ذَهَبَ مِنهم وهُمُ الآنَ غَيْرُ مُنْتَحِلِينَ لِشَيْءٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى. وقَدِ اخْتُلِفَ في الصّابِئِينَ هم مِن أهْلِ الكِتابِ أمْ لا ؟ فَرُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ. وكانَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ يَقُولُ: الصّابِئُونَ الَّذِينَ هم عِنْدَهم مِن أهْلِ الكِتابِ قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ دِينَ المَسِيحِ ويَقْرَءُونَ الإنْجِيلَ، فَأمّا الصّابِئُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وهُمُ الَّذِينَ بِناحِيَةِ حَرّانَ فَإنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ عِنْدَهم جَمِيعًا. قالَ أبُو بَكْرٍ: الصّابِئُونَ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِهَذا الِاسْمِ في هَذا الوَقْتِ لَيْسَ فِيهِمْ أهْلُ كِتابٍ وانْتِحالُهم في الأصْلِ واحِدٌ، أعْنِي الَّذِينَ بِناحِيَةِحَرّانَ واَلَّذِينَ بِناحِيَةِ البَطائِحِ في سَوادِ واسِطَ؛ وأصْلُ اعْتِقادِهِمْ تَعْظِيمُ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ وعِبادَتُها واِتِّخاذُها آلِهَةً وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ في الأصْلِ إلّا أنَّهم مُنْذُ ظَهَرَ الفُرْسُ عَلى إقْلِيمِ العِراقِ وأزالُوا مَمْلَكَةَ الصّابِئِينَ وكانُوا نَبَطًا لَمْ يَجْسُرُوا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ ظاهِرًا لِأنَّهم مَنَعُوهم مِن ذَلِكَ. وكَذَلِكَ الرُّومُ وأهْلُ الشّامِ والجَزِيرَةِ كانُوا صابِئِينَ، فَلَمّا تَنَصَّرَ قُسْطَنْطِينُ حَمَلَهم بِالسَّيْفِ عَلى الدُّخُولِ في النَّصْرانِيَّةِ، فَبَطَلَتْ عِبادَةُ الأوْثانِ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ ودَخَلُوا في غِمارِ النَّصارى في الظّاهِرِ وبَقِيَ كَثِيرٌ مِنهم عَلى تِلْكَ النِّحْلَةِ مُسْتَخْفِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَلَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ دَخَلُوا في جُمْلَةِ النَّصارى ولَمْ يُمَيِّزِ المُسْلِمُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّصارى؛ إذْ كانُوا مُسْتَخْفِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ كاتِمِينَ لِأصْلِ الِاعْتِقادِ وهم أكْتَمُ النّاسِ لاعْتِقادِهِمْ، ولَهم أُمُورٌ وحِيَلٌ في صِبْيانِهِمْ إذا عَقَلُوا في كِتْمانِ دِينِهِمْ، وعَنْهم أخَذَتِ الإسْماعِيلِيَّةُ كِتْمانَ المَذْهَبِ، وإلى مَذْهَبِهِمُ انْتَهَتْ دَعْوَتُهم. وأصْلُ الجَمِيعِ اتِّخاذُ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ آلِهَةً وعِبادَتُها واِتِّخاذُها أصْنامًا عَلى أسْمائِها لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وإنَّما الخِلافُ بَيْنَ الَّذِينَ بِناحِيَةِ حَرّانَ وبَيْنَ الَّذِينَ بِناحِيَةِ البَطائِحِ في شَيْءٍ مِن شَرائِعِهِمْ؛ ولَيْسَ فِيهِمْ أهْلُ كِتابٍ. فاَلَّذِي يَغْلِبُ في ظَنِّي في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في الصّابِئِينَ أنَّهُ شاهَدَ قَوْمًا مِنهم أنَّهم يُظْهِرُونَ أنَّهم مِنَ النَّصارى وأنَّهم يَقْرَءُونَ الإنْجِيلَ ولا يَنْتَحِلُونَ دِينَ المَسِيحِ تَقِيَّةً؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ لا يَرَوْنَ إقْرارَ مُعْتَقَدِي مَقالِهِمْ بِالجِزْيَةِ ولا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ ومَن كانَ اعْتِقادُهُ مِنَ الصّابِئِينَ (p-٣٢٩)ما وصَفْنا فَلا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ وأنَّهُ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم.

المائدة 5:6

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةُ. قالَ أبُو بَكْرٍ ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الطَّهارَةِ بَعْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ القِيامَ إلَيْها شَرْطًا لِفِعْلِ الطَّهارَةِ، وحُكْمُ الجَزاءِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ الشَّرْطِ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: ( إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ ) إنَّما يَقَعُ الطَّلاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وإذا قِيلَ: ( إذا لَقِيتَ زَيْدًا فَأكْرِمْهُ ) أنَّهُ مُوجِبٌ لِلْإكْرامِ بَعْدَ اللِّقاءِ ؟ وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُقْتَضى اللَّفْظِ وحَقِيقَتُهُ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ أنَّ القِيامَ إلى الصَّلاةِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِإيجابِ الطَّهارَةِ وأنَّ وُجُوبَ الطَّهارَةِ مُتَعَلِّقٌ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ القِيامِ، فَلَيْسَ إذًا هَذا اللَّفْظُ عُمُومًا في إيجابِ الطَّهارَةِ بَعْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ، إذْ كانَ الحُكْمُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِضَمِيرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ. ولَيْسَ في اللَّفْظِ أيْضًا ما يُوجِبُ تَكْرارَ وُجُوبِ الطَّهارَةِ بَعْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن تَعَلُّقِ الحُكْمِ بِضَمِيرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ يُحْتاجُ فِيهِ إلى طَلَبِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ والثّانِي: أنَّ ( إذا ) لا تُوجِبُ التَّكْرارَ في لُغَةِ العَرَبِ؛ ألا تَرى أنَّ مَن قالَ لِرَجُلٍ: ( إذا دَخَلَ زَيْدٌ الدّارَ فَأعْطِهِ دِرْهَمًا ) فَدَخَلَها مَرَّةً أنَّهُ يَسْتَحِقُّ دِرْهَمًا، فَإنْ دَخَلَها مَرَّةً أُخْرى لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؟ وكَذَلِكَ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: ( إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ ) فَدَخَلَتْها مَرَّةً طُلِّقَتْ، فَإنْ دَخَلَتْها مَرَّةً أُخْرى لَمْ تُطَلَّقْ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ تَكْرارِ الطَّهارَةِ لِتَكْرارِ القِيامِ إلَيْها. . فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَتَوَضَّأْ أحَدٌ بِالآيَةِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً. قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ غَيْرُ مُكْتَفِيَةٍ بِنَفْسِها في إيجابِ الطَّهارَةِ دُونَ بَيانِ مُرادِ الضَّمِيرِ بِها، فَقَوْلُ القائِلِ: " إنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِالآيَةِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً " خَطَأٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ في مَعْنى المُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى البَيانِ، فَمَهْما ورَدَ بِهِ البَيانُ فَهو المُرادُ الَّذِي بِهِ تَعَلَّقَ الحُكْمُ عَلى وجْهِ الإفْرادِ أوِ التَّكْرارِ عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ بَيانُ المُرادِ، ولَوْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ عُمُومًا مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ فِيما ورَدَ فِيهِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ لَمْ يَكُنْ أيْضًا مُوجِبًا لِتَكْرارِ الطَّهارَةِ عِنْدَ القِيامِ إلَيْها مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وإنَّما كانَ يُوجِبُ التَّكْرارَ مِن جِهَةِ المَعْنى الَّذِي عُلِّقَ بِهِ وُجُوبُ الطَّهارَةِ وهو الحَدَثُ دُونَ القِيامِ إلَيْها. وقَدْ حَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُسْلِمٍ الكَرْخِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ عَنْ سُفْيانَ عَنْ عَلْقَمَةَ (p-٣٣٠)بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتَحَ مَكَّةَ خَمْسَ صَلَواتٍ بِوُضُوءٍ واحِدٍ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ قالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ» . وحَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى الذُّهْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ خالِدٍ الوَهْبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قُلْتُ لَهُ: «أرَ أيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلاةٍ طاهِرًا كانَ أوْ غَيْرَ طاهِرٍ عَمَّنْ هو ؟ قالَ حَدَّثَتْنِيهِ أسْماءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الخَطّابِ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي عامِرٍ الغَسِيلِ حَدَّثَها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أمَرَ بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ طاهِرًا كانَ أوْ غَيْرَ طاهِرٍ، فَلَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أمَرَ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ووَضَعَ عَنْهُ الوُضُوءَ» إلّا مِن حَدَثٍ، فَكانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرى أنَّ بِهِ قُوَّةً عَلى ذَلِكَ فَفَعَلَهُ حَتّى ماتَ فَقَدْ دَلَّ الحَدِيثُ الأوَّلُ عَلى أنَّ القِيامَ إلى الصَّلاةِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلطَّهارَةِ؛ إذْ لَمْ يُجَدِّدِ النَّبِيُّ ﷺ لِكُلِّ صَلاةٍ طَهارَةً، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ فِيهِ ضَمِيرًا بِهِ يَتَعَلَّقُ بِإيجابِ الطَّهارَةِ. وبَيَّنَ في الحَدِيثِ الثّانِي أنَّ الضَّمِيرَ هو الحَدَثُ لِقَوْلِهِ: ووَضَعَ عَنْهُ الوُضُوءَ إلّا مِن حَدَثٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ هو الحَدَثُ ما رَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أراقَ ماءً نُكَلِّمُهُ فَلا يُكَلِّمُنا ونُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلا يُكَلِّمُنا حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ فَيَتَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، فَقُلْنا لَهُ في ذَلِكَ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الرُّخْصَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةُ،» فَأخْبَرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في إيجابِ الوُضُوءِ مِنَ الحَدَثِ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ. وحَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ في الرِّوايَةِ قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ أنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنصُورٍ حَدَّثَهم قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: أخْبَرَنا أيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ الطَّعامُ، فَقالُوا: ألا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ ؟ قالَ: إنَّما أُمِرْتُ بِالوُضُوءِ إذا قُمْتُ إلى الصَّلاةِ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: سَألُوهُ عَنِ الوُضُوءِ مِنَ الحَدَثِ عِنْدَ الطَّعامِ فَأخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِالوُضُوءِ مِنَ الحَدَثِ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ. ورَوى أبُو مَعْشَرٍ المَدَنِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُ في كُلِّ صَلاةٍ بِوُضُوءٍ ومَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِواكٍ»؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ إيجابَ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الآيَةَ لَوْ أوْجَبَتْ ذَلِكَ لَما قالَ: ( لَأمَرْتُ في كُلِّ صَلاةٍ بِوُضُوءٍ ) والثّانِي: إخْبارُهُ بِأنَّهُ لَوْ أمَرَ بِهِ لَكانَ (p-٣٣١)واجِبًا بِأمْرِهِ دُونَ الآيَةِ. ورَوى مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قالَ: إذا قُمْتُمْ مِنَ المَضْجَعِ يَعْنِي النَّوْمَ وقَدْ كانَ رَدُّ السَّلامِ مَحْظُورًا إلّا بِطَهارَةٍ. ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حُصَيْنِ أبِي ساسانَ عَنِ المُهاجِرِ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَتَوَضَّأُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن وُضُوئِهِ قالَ: ما مَنَعَنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ إلّا أنِّي كُنْتُ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ قالَ: حَدَّثَنا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ قالَ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ثابِتٍ العَبْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا نافِعٌ قالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في حاجَةٍ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَلَمّا قَضى حاجَتَهُ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ مِن حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ في سِكَّةٍ مِن سِكَكِ المَدِينَةِ وقَدْ خَرَجَ مِن غائِطٍ أوْ بَوْلٍ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ عَلى الحائِطِ ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرى فَمَسَحَ ذِراعَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السَّلامَ وقالَ: لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلّا أنِّي لَمْ أكُنْ عَلى وُضُوءٍ أوْ قالَ: عَلى طَهارَةٍ» . فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَدَّ السَّلامِ كانَ مَشْرُوطًا فِيهِ الطَّهارَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ خاصًّا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهى عَنْ رَدِّ السَّلامِ إلّا عَلى طَهارَةٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى الوُجُوبِ أنَّهُ تَيَمَّمَ حِينَ خافَ فَوْتَ الرَّدِّ؛ لِأنَّ رَدَّ السَّلامِ إنَّما يَكُونُ عَلى الحالِ، فَإذا تَراخى فاتَ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن خافَ فَوْتَ صَلاةِ العِيدِ أوْ صَلاةِ الجِنازَةِ إنْ تَوَضَّأ فَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ قَدْ كانَ باقِيًا إلى أنْ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ أنَّهم كانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم فَعَلُوهُ اسْتِحْبابًا وقالَ سَعْدٌ: ( إذا تَوَضَّأْتَ فَصَلِّ بِوُضُوئِكَ ما لَمْ تُحْدِثْ ) . وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ كانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ ويَتَأوَّلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ وقَدْ رُوِيَ نَفْيُ إيجابِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ مِن غَيْرِ حَدَثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي مُوسى وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ وأبِي العالِيَةِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وإبْراهِيمَ والحَسَنِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ. * * بابُ فَضْلِ تَجْدِيدِ الوُضُوءِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في فَضِيلَةِ تَجْدِيدِ الوُضُوءِ، مِنها ما حَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ بْنُ زَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ قالَ: حَدَّثَنا سَلامٌ الطَّوِيلُ عَنْ زَيْدٍ العَمِّيِّ (p-٣٣٢)عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِماءٍ فَتَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً وقالَ: هَذا وظِيفَةُ الوُضُوءِ وُضُوءُ مَن لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلاةً إلّا بِهِ ثُمَّ تَحَدَّثَ ساعَةً، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَتَوَضَّأ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ فَقالَ: هَذا وُضُوءُ مَن تَوَضَّأ بِهِ ضاعَفَ اللَّهُ لَهُ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ تَحَدَّثَ ساعَةً، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَتَوَضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا فَقالَ: هَذا وُضُوئِي ووُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِن قَبْلِي» . ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الوُضُوءُ عَلى الوُضُوءِ نُورٌ عَلى نُورٍ» . وقالَ ﷺ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» . فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْبابِ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا؛ وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ مِن تَجْدِيدِ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ وقالَ: ( هَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ ) ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ، وثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّ فِيهِ ضَمِيرًا بِهِ تَعَلُّقُ إيجابِ الطَّهارَةِ وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى البَيانِ لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ إلّا فِيما قامَ دَلِيلُ مُرادِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ مُتَواتِرَةٌ في إيجابِ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القِيامَ إلى الصَّلاةِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِأنَّهُ إذا وجَبَ مِنَ النَّوْمِ لَمْ يَكُنِ القِيامُ إلى الصَّلاةِ بَعْدَ ذَلِكَ مُوجِبًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا وجَبَ مِنَ النَّوْمِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن حَدَثٍ آخَرَ وُضُوءٌ آخَرُ إذا لَمْ يَكُنْ تَوَضَّأ مِنَ النَّوْمِ ؟ فَلَوْ كانَ القِيامُ إلى الصَّلاةِ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ لَما وجَبَ مِنَ النَّوْمِ عِنْدَ إرادَةِ القِيامِ إلَيْها، كالسَّبَبَيْنِ إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ ثُمَّ وجَبَ مِنَ الأوَّلِ لَمْ يَجِبْ مِنَ الثّانِي؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ( مِنَ النَّوْمِ ) هو الضَّمِيرُ الَّذِي في الآيَةِ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ: ( إذا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ ) عَلى ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ النَّوْمَ المُوجِبَ لِلْوُضُوءِ هو النَّوْمُ المُعْتادُ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُقالَ فِيهِ إنَّهُ قامَ مِنَ النَّوْمِ، ومَن نامَ قاعِدًا أوْ ساجِدًا أوْ راكِعًا لا يُقالُ: إنَّهُ قامَ مِنَ النَّوْمِ وإنَّما يُطْلَقُ ذَلِكَ في نَوْمِ المُضْطَجِعِ، ومَن قالَ: إنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ وإنَّما وجَبَ بِهِ الطَّهارَةُ لِغَلَبَةِ الحالِ في وُجُودِ الحَدَثِ فِيهِ فَإنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الطَّهارَةِ مِنَ الرِّيحِ، وإذا كانَ المَعْنى عَلى ما وصَفْنا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ في مَضْمُونِ الآيَةِ إيجابُ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ ومِنَ الرِّيحِ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ أيْضًا إيجابُ الوُضُوءِ مِنَ الغائِطِ والبَوْلِ وذَلِكَ مِن ضَمِيرِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ والغائِطُ هو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، وكانُوا يَأْتُونَهُ (p-٣٣٣)لِقَضاءِ حَوائِجِهِمْ فِيهِ، وذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى وُجُوبِ الوُضُوءِ مِنَ الغائِطِ والبَوْلِ وسَلَسِ البَوْلِ والمَذْيِ ودَمِ الِاسْتِحاضَةِ وسائِرِ ما يَسْتَتِرُ الإنْسانُ عِنْدَ وُجُودِهِ عَنِ النّاسِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَأْتُونَ الغائِطَ لِلِاسْتِتارِ عَنِ النّاسِ وإخْفاءِ ما يَكُونُ مِنهم، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْياءِ الخارِجَةِ مِنَ البَدَنِ الَّتِي في العادَةِ يَسْتُرُها عَنِ النّاسِ مِن سَلَسِ البَوْلِ والمَذْيِ ودَمِ الِاسْتِحاضَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها أحْداثٌ يَشْتَمِلُ عَلَيْها ضَمِيرُ الآيَةِ. وقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ وسائِرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى نَفْيِ إيجابِ الوُضُوءِ عَلى مَن نامَ قاعِدًا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى شَيْءٍ؛ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ ذاتَ لَيْلَةٍ حَتّى نامَ النّاسُ ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا، فَجاءَهُ عُمَرُ فَقالَ: الصَّلاةَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَخَرَجَ وصَلّى؛ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهم تَوَضَّئُوا» . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كُنّا نَجِيءُ إلى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَمِنّا مَن نَعَسَ ومِنّا مَن نامَ ولا نُعِيدُ وُضُوءًا» . ورَوى نافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ( لا يَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ حَتّى يَضَعَ جَنْبَهُ ويَنامَ ) . وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ الفُقَهاءِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ كانَ يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي لَسْتُ كَأحَدِكم إنَّهُ تَنامُ عَيْنايَ ولا يَنامُ قَلْبِي لَوْ أحْدَثْتُ لَعَلِمْتُهُ» وهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّوْمَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وأنَّ إيجابَ الوُضُوءِ فِيهِ إنَّما هو لِما عَسى أنْ يَكُونَ فِيهِ مِنَ الحَدَثِ الَّذِي لا يَشْعُرُ بِهِ وهو الغالِبُ مِن حالِ النّائِمِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العَيْنُ وِكاءُ السَّهِ فَإذا نامَتِ العَيْنُ اسْتَطْلَقَ الوِكاءُ»؛ فَلَمّا كانَ الأغْلَبُ في النَّوْمِ الَّذِي يَسْتَثْقِلُ فِيهِ النّائِمُ وُجُودَ الحَدَثِ فِيهِ، حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الحَدَثِ، وهَذا إنَّما هو في النَّوْمِ المُعْتادِ الَّذِي يَضَعُ النّائِمُ جَنْبَهُ عَلى الأرْضِ ويَكُونُ في المُضْطَجِعِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِنهُ بِما يَكُونُ مِنهُ، فَإذا كانَ جالِسًا أوْ عَلى حالٍ مِن أحْوالِ الصَّلاةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِثْلِ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ لَمْ تُنْتَقَضُ طَهارَتُهُ؛ لِأنَّ هَذِهِ أحْوالٌ يَكُونُ الإنْسانُ فِيها مُتَحَفِّظًا، وإنْ كانَ مِنهُ حَدَثٌ عَلِمَ بِهِ. وقَدْ رَوى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ عَلى مَن نامَ ساجِدًا وُضُوءٌ حَتّى يَضْطَجِعَ فَإذا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفاصِلُهُ» . فَصْلٌ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ لَمّا كانَ ضَمِيرُهُ ما وصَفْنا مِنَ القِيامِ مِنَ النَّوْمِ أوْ إرادَةِ القِيامِ إلَيْها في حالِ الحَدَثِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ تَقْدِيمَ الطَّهارَةِ مِن (p-٣٣٤)الإحْداثِ لِلصَّلاةِ، وكانَتِ الصَّلاةُ اسْمًا لِلْجِنْسِ يَتَناوَلُ سائِرَها مِنَ المَفْرُوضاتِ والنَّوافِلِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مِن شَرائِطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ الطَّهارَةُ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها، وقَدْ أكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَقْتَضِي إيجابَ الغَسْلِ والغَسْلُ اسْمٌ لِإمْرارِ الماءِ عَلى المَوْضِعِ إذا لَمْ تَكُنْ هُناكَ نَجاسَةٌ، وإذا كانَ هُناكَ نَجاسَةٌ فَغَسْلُها إزالَتُها بِإمْرارِ الماءِ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إنَّما المَقْصِدُ فِيهِ إمْرارُ الماءِ عَلى المَوْضِعِ؛ إذْ لَيْسَ هُناكَ نَجاسَةٌ مَشْرُوطٌ إزالَتُها، فَإذًا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلْكُ المَوْضِعِ بِيَدِهِ وإنَّما عَلَيْهِ إمْرارُ الماءِ حَتّى يَجْرِيَ عَلى المَوْضِعِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ( عَلَيْهِ إمْرارُ الماءِ ودَلْكُ المَوْضِعِ بِيَدِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ غَسْلًا ) . وقالَ آخَرُونَ وهو قَوْلُ أصْحابِنا وعامَّةِ الفُقَهاءِ: ( عَلَيْهِ إجْراءُ الماءِ عَلَيْهِ ولَيْسَ عَلَيْهِ دَلْكُهُ بِيَدِهِ ) . ورَوى هِشامٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ: ( أنَّهُ إنْ مَسَحَ المَوْضِعَ بِالماءِ كَما يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ أجْزَأهُ ) . والدَّلِيلُ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مُوجِبِ دَلْكِ المَوْضِعِ أنَّ اسْمَ الغَسْلِ يَقَعُ عَلى إجْراءِ الماءِ عَلى المَوْضِعِ مِن غَيْرِ دَلْكٍ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى بَدَنِهِ نَجاسَةٌ فَوالى بَيْنَ صَبِّ الماءِ عَلَيْهِ حَتّى أزالَها بِذَلِكَ غاسِلًا وإنْ لَمْ يَدْلُكْهُ بِيَدِهِ، فَلَمّا كانَ الِاسْمُ يَقَعُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الدَّلْكِ لِأجْلِ إمْرارِ الماءِ عَلَيْهِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا﴾ فَهو مَتى أجْرى الماءَ عَلى المَوْضِعِ فَقَدْ فَعَلَ مُقْتَضى الآيَةِ ومُوجِبَها؛ فَمَن شَرَطَ فِيهِ دَلْكَ المَوْضِعِ بِيَدِهِ فَقَدْ زادَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، وغَيْرُ جائِزٍ الزِّيادَةُ في النَّصِّ إلّا بِمِثْلِ ما يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ يُزالُ بِالدَّلْكِ لَمْ يَكُنْ لِدَلْكِ المَوْضِعِ وإمْساسِهِ بِيَدِهِ فائِدَةٌ ولا حُكْمٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ إذا دَلَكَهُ بِيَدِهِ أوْ أمَرَّ الماءَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ دَلْكٍ. وأيْضًا فَلَيْسَ لِدَلْكِ المَوْضِعِ بِيَدِهِ حُكْمٌ في الطَّهارَةِ في سائِرِ الأُصُولِ فَوَجَبَ أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا لَمْ يَكُنِ الغَسْلُ مَأْمُورًا بِهِ لِإزالَةِ شَيْءٍ هُناكَ عَلِمْنا أنَّهُ عِبادَةٌ فَمِن حَيْثُ شَرَطَ فِيهِ إمْرارَ الماءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ دَلْكُهُ بِيَدِهِ شَرْطًا وإلّا فَلا مَعْنى لِإمْرارِ الماءِ وإجْرائِهِ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ في الأُصُولِ لِإمْرارِ الماءِ عَلى المَوْضِعِ حُكْمٌ في غَسْلِ النَّجاساتِ ولَمْ يَثْبُتْ لِدَلْكِ المَوْضِعِ حُكْمٌ بَلْ حُكْمُهُ ساقِطٌ في إزالَةِ الأنْجاسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ حُكْمٌ لَكانَ اعْتِبارُ الدَّلْكِ فِيها أوْلى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ في طَهارَةِ الحَدَثِ. وأمّا مَن أجازَ مَسْحَ هَذِهِ الأعْضاءِ المَأْمُورِ بِغَسْلِها فَإنَّ قَوْلَهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (p-٣٣٥)تَعالى شَرَطَ في بَعْضِ الأعْضاءِ الغَسْلَ وفي بَعْضِها المَسْحَ، فَما أمَرَ بِغَسْلِهِ لا يُجْزِي فِيهِ المَسْحُ لِأنَّ الغَسْلَ يَقْتَضِي إمْرارَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ وإجْراءَهُ عَلَيْهِ، ومَتى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يُسَمَّ غاسِلًا، والمَسْحُ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما يَقْتَضِي مُباشَرَتَهُ بِالماءِ دُونَ إمْرارِهِ عَلَيْهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ تَرْكُ الغَسْلِ إلى المَسْحِ. ولَوْ كانَ المُرادُ بِالغَسْلِ هو المَسْحُ لَبَطَلَتْ فائِدَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما في الآيَةِ، وفي وُجُوبِ إثْباتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَسْحُ غَيْرَ الغَسْلِ، فَمَتى مَسَحَ ولَمْ يَغْسِلْ فَلا يُجْزِيهِ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ المَأْمُورَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ في مَسْحِ الرَّأْسِ في الوُضُوءِ إبْلاغُ الماءِ إلى أُصُولِ الشَّعْرِ وإنَّما عَلَيْهِ مَسْحُ الظّاهِرِ مِنهُ، وعَلَيْهِ في غُسْلِ الجَنابَةِ إبْلاغُ الماءِ أُصُولَ الشَّعْرِ؛ فَلَوْ كانَ المَسْحُ والغَسْلُ واحِدًا لَأجْزى في غُسْلِ الجَنابَةِ مَسْحُهُ كَما يُجْزِي في الوُضُوءِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما شُرِطَ فِيهِ الغَسْلَ لا يَنُوبُ عَنْهُ المَسْحُ. فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ تَكُنْ هُناكَ نَجاسَةٌ تُزالُ بِالغَسْلِ فالمَقْصِدُ فِيهِ مُباشَرَةُ المَوْضِعِ بِالماءِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ تَكُنْ هُناكَ نَجاسَةٌ مِن أجْلِها يَجِبُ الغَسْلُ فَكانَ وُجُوبُ الغَسْلِ عِبادَةً، ثُمَّ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ بَيْنَ الغَسْلِ والمَسْحِ، فَعَلَيْنا اتِّباعُ الأمْرِ عَلى حَسَبِ مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ وغَيْرُ جائِزٍ لَنا تَرْكُ الغَسْلِ إلى غَيْرِهِ، والعِبادَةُ عَلَيْنا في الغَسْلِ في الأعْضاءِ المَأْمُورِ بِها كَهي عَلَيْنا في مَسْحِ العُضْوِ المَأْمُورِ بِهِ، فَلَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُ النَّظَرِ في تَرْكِ حُكْمِ اللَّفْظِ إلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ في ذِراعِهِ فَمَسَحَها جازَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ مَسْحِ الجَمِيعِ كَما جازَ مَسْحُ البَعْضِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ اللُّمْعَةَ إذا اتَّصَلَتْ صارَتْ في حُكْمِ المَغْسُولِ وأمّا إذا لَمْ تَتَّصِلْ فَلا يَجُوزُ بِالإجْماعِ، فَفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَسْحَ لا يَنُوبُ مَنابَ الغَسْلِ. وقِيلَ لَهُ: لَوْ لَزِمْنا هَذا الوُضُوءَ لَلَزِمَكَ في غُسْلِ الجَنابَةِ مِثْلُهُ. واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الوُضُوءِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الصَّلاةِ بِوُجُودِ الغَسْلِ سَواءٌ قارَنَتْهُ النِّيَّةُ أوْ لَمْ تُقارِنْهُ وذَلِكَ لِأنَّ الغَسْلَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَفْهُومُ المَعْنى في اللُّغَةِ، وهو إمْرارُ الماءِ عَلى المَوْضِعِ، ولَيْسَ هو عِبارَةً عَنِ النِّيَّةِ. فَمَن شَرَطَ فِيهِ النِّيَّةَ فَهو زائِدٌ في النَّصِّ، وهَذا فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُوجِبُ نَسْخَ الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ أباحَتْ فِعْلَ الصَّلاةِ بِوُجُودِ الغَسْلِ لِلطَّهارَةِ مِن غَيْرِ شَرْطِ النِّيَّةِ، فَمَن حَظَرَ الصَّلاةَ ومَنَعَها إلّا مَعَ وُجُودِ نِيَّةِ الغَسْلِ فَقَدْ أوْجَبَ نَسْخَها، (p-٣٣٦)وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ النَّصَّ لَهُ حُكْمُهُ ولا يَجُوزُ أنْ يُلْحَقَ بِهِ ما لَيْسَ مِنهُ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يُسْقَطَ مِنهُ ما هو مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ شُرِطَتْ في صِحَّةِ الصَّلاةِ النِّيَّةُ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِها في اللَّفْظِ قِيلَ لَهُ: إنَّما جازَ ذَلِكَ فِيها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّلاةَ اسْمٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ إلّا بِبَيانٍ يَرِدُ فِيهِ، وقَدْ ورَدَ فِيهِ البَيانُ بِإيجابِ النِّيَّةِ فَلِذَلِكَ أوْجَبْناها؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الوُضُوءُ لِأنَّهُ اسْمٌ شَرْعِيٌّ ظاهِرُ المَعْنى بَيِّنُ المُرادِ، فَمَهْما ألْحَقْنا بِهِ ما لَيْسَ في اللَّفْظِ عِبارَةً عَنْهُ فَهو زِيادَةٌ في النَّصِّ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ. والوَجْهُ الآخَرُ: اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى إيجابِ النِّيَّةِ فِيها، فَلَوْ كانَ اسْمُ الصَّلاةِ عُمُومًا لَيْسَ بِمُجْمَلٍ لَجازَ إلْحاقُ النِّيَّةِ بِها بِالِاتِّفاقِ، فَهي إذا كانَتْ مُجْمَلًا أُجْرِيَ بِإثْباتِ النِّيَّةِ فِيها مِن جِهَةِ الإجْماعِ. * * فَصْلٌ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ حَدَّ الوَجْهِ مِن قِصاصِ الشَّعْرِ إلى أصْلِ الذَّقَنِ إلى شَحْمَةِ الأُذُنِ، حَكى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ البَرْدَعِيِّ؛ ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ في هَذا المَعْنى. وكَذَلِكَ يَقْتَضِي ظاهِرُ الِاسْمِ؛ إذْ كانَ إنَّما سُمِّيَ وجْهًا لِظُهُورِهِ ولِأنَّهُ يُواجِهُ الشَّيْءَ ويُقابَلُ بِهِ؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن تَحْدِيدِ الوَجْهِ هو الَّذِي يُواجِهُ الإنْسانَ ويُقابِلُهُ مِن غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأُذُنانِ مِنَ الوَجْهِ لِهَذا المَعْنى. قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأُذُنَيْنِ تُسْتَرانِ بِالعِمامَةِ والقَلَنْسُوَةِ ونَحْوِهِما كَما يُسْتَرُ صَدْرُهُ، وإنْ كانَ مَتى ظَهَرَ كانَ مُواجِهًا لِمَن يُقابِلُهُ. وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن مَعْنى الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَضْمَضَةَ والِاسْتِنْشاقَ غَيْرُ واجِبَيْنِ بِالآيَةِ؛ إذْ لَيْسَ داخِلَ الأنْفِ والفَمِ مِنَ الوَجْهِ؛ إذْ هُما غَيْرُ مُواجِهَيْنِ لِمَن قابَلَهُما. وإذا لَمْ تَقْتَضِ الآيَةُ إيجابَ غَسْلِهِما وإنَّما اقْتَضَتْ غَسْلَ ما واجَهَنا وقابَلَنا مِنهُ فَمَن قالَ بِإيجابِ المَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ فَهو زائِدٌ في حُكْمِ الفَرْضِ ما لَيْسَ مِنهُ، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ يُوجِبُ نَسْخَهُ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «بالِغْ في المَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ إلّا أنْ تَكُونَ صائِمًا» وقَوْلُهُ ﷺ حِينَ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً: «هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ (p-٣٤١)اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» يُوجِبُ فَرْضَ المَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ. قِيلَ لَهُ: أمّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ أنَّهُ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ قالَ: «هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّهُ تَمَضْمَضَ فِيهِ واسْتَنْشَقَ، وإنَّما ذَكَرَ فِيهِ الوُضُوءَ فَحَسْبُ، والوُضُوءُ هو غَسْلُ الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ في ذَلِكَ الوُضُوءِ لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ تَوْقِيفَهم عَلى المَفْرُوضِ الَّذِي لا يُجْزِي غَيْرُهُ؛ فَإذًا لا دَلالَةَ في هَذا الخَبَرِ عَلى ما قالَ هَذا القائِلُ، ولَوْ ثَبَتَ أنَّهُ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ لَمْ يَجُزْ أنْ يُزادَ في حُكْمِ الآيَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «بالِغْ في المَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ إلّا أنْ تَكُونَ صائِمًا» لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى الآيَةِ في إثْباتِ الزِّيادَةِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُزادَ في حُكْمِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مَيْسَرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَيْمُونِ بْنِ عَطاءٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: سُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإناءٍ فِيهِ ماءٌ فَتَوَضَّأ وكَفَأ عَلى يَدَيْهِ مَرَّةً وغَسَلَ وجْهَهُ مَرَّةً وغَسَلَ ذِراعَيْهِ مَرَّةً ومَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وغَسَلَ قَدَمَيْهِ مَرَّةً، وقالَ: هَذا الوُضُوءُ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنا، ثُمَّ أعادَ ذَلِكَ فَقالَ: مَن ضاعَفَ ضاعَفَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أعادَ الثّالِثَةَ فَقالَ: هَذا وُضُوءُنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ، فَمَن زادَ فَقَدْ أساءَ». فَأخْبَرَتْ بِوُضُوئِهِ مِن غَيْرِ مَضْمَضَةٍ ولا اسْتِنْشاقٍ؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بَيانَ المَفْرُوضِ مِنهُ، ولَوْ كانَ فَرْضًا فِيهِ لَفَعَلَهُ. * * بابُ غَسْلُ اَللِّحْيَةِ وتَخْلِيلها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الوَجْهَ ما واجَهَكَ مِنَ الإنْسانِ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ اللِّحْيَةُ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّها تُواجِهُ المُقابِلَ لَهُ غَيْرَ مُغَطّاةٍ في الأكْثَرِ كَسائِرِ الوَجْهِ؛ وقَدْ يُقالُ أيْضًا: خَرَجَ وجْهُهُ، إذا خَرَجَتْ لِحْيَتُهُ؛ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ اللِّحْيَةُ مِنَ الوَجْهِ فَيَقْتَضِي ظاهِرُ ذَلِكَ وُجُوبَ غَسْلِها؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: لَيْسَتْ مِنَ الوَجْهِ وإنَّما الوَجْهُ ما واجَهَكَ مِن بَشَرَتِهِ دُونَ الشَّعْرِ النّابِتِ عَلَيْهِ بَعْدَما كانَتِ البَشَرَةُ ظاهِرَةً دُونَهُ. ولِمَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولَ: نَباتُ الشَّعْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ البَشَرَةِ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ الوَجْهِ، كَما أنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ مِنَ الرَّأْسِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فَلَوْ مَسَحَ عَلى شَعْرِ رَأْسِهِ مِن غَيْرِ إبْلاغِ الماءِ بَشَرَتَهُ كانَ ماسِحًا عَلى الرَّأْسِ وفاعِلًا لِمُقْتَضى الآيَةِ عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ نَباتُ الشَّعْرِ عَلى الوَجْهِ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مِنهُ. (p-٣٤٢)ولِمَن يَأْبى أنْ يَكُونَ مِنَ الوَجْهِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ أنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ يُوجَدُ مَعَ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ فَهو بِمَنزِلَةِ الحاجِبِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ العُضْوِ الَّذِي هو فِيهِ، وشَعْرُ اللِّحْيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُ في حالِ الوِلادَةِ وإنَّما نَبَتَ بَعْدَها؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الوَجْهِ. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ اخْتِلافٌ في غَسْلِ اللِّحْيَةِ وتَخْلِيلِها ومَسْحِها، فَرَوى إسْرائِيلُ عَنْ جابِرٍ قالَ: ( رَأيْتُ القاسِمَ ومُجاهِدًا وعَطاءً والشَّعْبِيَّ يَمْسَحُونَ لِحاهم ) وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ. ورَوى حَرِيزٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: ( رَأيْتُهُ تَوَضَّأ ولَمْ أرَهُ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ وقالَ هَكَذا رَأيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأ ) . وقالَ يُونُسُ: ( رَأيْتُ أبا جَعْفَرٍ لا يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ ) . فَلَمْ يَرَ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ غَسْلَ اللِّحْيَةِ واجِبًا. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نافِعٍ: ( أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَبُلُّ أُصُولَ شَعْرِ لِحْيَتِهِ ويُغَلْغِلُ بِيَدَيْهِ في أُصُولِ شَعْرِها حَتّى يَكْثُرَ القَطْرُ مِنها )، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وابْنِ سِيرِينَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. فَهَؤُلاءِ كُلُّهم رُوِيَ عَنْهم غَسْلُ اللِّحْيَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهم أنَّهم رَأوْا ذَلِكَ واجِبًا كَغَسْلِ الوَجْهِ. وقَدْ كانَ ابْنُ عُمَرَ مُتَقَصِّيًا في أمْرِ الطَّهارَةِ، كانَ يُدْخِلُ الماءَ عَيْنَيْهِ ويَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ اسْتِحْبابًا لا إيجابًا. ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في أنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ»، ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ وقالَ: بِهَذا أمَرَنِي رَبِّي» ورَوى عُثْمانُ وعَمّارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ في الوُضُوءِ» . ورَوى الحَسَنُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «وضَّأْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا مَرَّةً ولا مَرَّتَيْنِ ولا ثَلاثًا، فَرَأيْتُهُ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ بِأصابِعِهِ كَأنَّها أسْنانُ مِشْطٍ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: ورُوِيَ أخْبارٌ أُخَرُ في صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ؛ مِنها حَدِيثُ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ وغَيْرِهِمْ، كُلُّهم ذَكَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَسَلَ وجْهَهُ ثَلاثًا ولَمْ يَذْكُرُوا تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ فِيهِ. وغَيْرُ جائِزٍ إيجابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ ولا غَسْلُها بِالآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما أوْجَبَتْ غَسْلَ الوَجْهِ، والوَجْهُ ما واجَهَكَ مِنهُ، وباطِنُ اللِّحْيَةِ لَيْسَ مِنَ الوَجْهِ كَداخِلِ الفَمِ والأنْفِ لَمّا لَمْ يَكُونا مِنَ الوَجْهِ لَمْ يَلْزَمْ تَطْهِيرُهُما في الوُضُوءِ عَلى جِهَةِ الوُجُوبِ؛ فَإنْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَخْلِيلُها أوْ غَسْلُها كانَ ذَلِكَ مِنهُ اسْتِحْبابًا لا إيجابًا كالمَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ تَكُنْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ غَسْلِها أوْ تَخْلِيلِها لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَزِيدَ في الآيَةِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وجَمِيعُ ما رُوِيَ مِن أخْبارِ التَّخْلِيلِ إنَّما هي أخْبارُ (p-٣٤٣)آحادٍ لا يَجُوزُ إثْباتُ الزِّيادَةِ بِها في نَصِّ القُرْآنِ. وأيْضًا فَإنَّ التَّخْلِيلَ لَيْسَ بِغَسْلٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالآيَةِ، ولَمّا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ التَّخْلِيلُ ثَبَتَ أنَّ غَسْلَها غَيْرُ واجِبٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لَما تَرَكَهُ إلى التَّخْلِيلِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ ومَسْحِها، فَرَوى المُعَلّى عَنْ أبِي يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ قالَ: سَألْتُهُ عَنْ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ في الوُضُوءِ فَقالَ: ( لا يُخَلِّلُها ويُجْزِيهِ أنْ يُمِرَّ بِيَدِهِ عَلى ظاهِرِها ) قالَ: فَإنَّما مَواضِعُ الوُضُوءِ مِنها الظّاهِرُ ولَيْسَ تَخْلِيلُ الشَّعْرِ مِن مَواضِعِ الوُضُوءِ؛ وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى. قالَ أبُو يُوسُفَ: ( وأنا أُخَلِّلُ ) . وقالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في نَوادِرِهِ: ( يَمْسَحُ ما ظَهَرَ مِنَ اللِّحْيَةِ وإنْ كانَتْ عَرِيضَةً، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الإعادَةُ إنْ صَلّى ) . وذَكَرَ ابْنُ شُجاعٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ زُفَرَ في الرَّجُلِ يَتَوَضَّأُ: ( أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إذا غَسَلَ وجْهَهُ أنْ يُمِرَّ الماءَ عَلى لِحْيَتِهِ، فَإنْ أصابَ لِحْيَتَهُ مِنَ الماءِ قَدْرَ ثُلُثٍ أوْ رُبُعٍ أجْزَأهُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ )، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وبِهِ أخَذَ الحَسَنُ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: ( يُجْزِيهِ إذا غَسَلَ وجْهَهُ أنْ لا يَمَسَّ لِحْيَتَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الماءِ ) . وقالَ ابْنُ شُجاعٍ: ( لَمّا لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُها صارَ المَوْضِعُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ مِنَ الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ؛ إذْ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ، فَكانَ الواجِبُ مَسْحَها كَمَسْحِ الرَّأْسِ فَيَجْزِي مِنهُ الرُّبُعُ كَما قالُوا في مَسْحِ الرَّأْسِ ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: لا تَخْلُو اللِّحْيَةُ مِن أنْ تَكُونَ مِنَ الوَجْهِ فَيَلْزَمَهُ غَسْلُها كَغَسْلِ بَشَرَةِ الوَجْهِ مِمّا لَيْسَ عَلَيْهِ شَعْرٌ، وأنْ لا تَكُونَ مِنَ الوَجْهِ فَلا يَلْزَمُهُ غَسْلُها ولا مَسْحُها بِالآيَةِ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى سُقُوطِ غَسْلِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الوَجْهِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِنهُ لَوَجَبَ غَسْلُها، ولَمّا سَقَطَ غَسْلُها لَمْ يَجُزْ إيجابُ مَسْحِها؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ زِيادَةٍ في الآيَةِ، كَما لَمْ يَجُزْ إيجابُ المَضْمَضَةِ والِاسْتِنْشاقِ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ في نَصِّ الكِتابِ. وأيْضًا لَوْ وجَبَ مَسْحُها كانَ فِيهِ إثْباتُ فَرْضِ المَسْحِ والغَسْلِ في عُضْوٍ واحِدٍ وهو الوَجْهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وذَلِكَ خِلافُ الأُصُولِ. . فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَجْتَمِعُ فَرْضُ المَسْحِ والغَسْلِ في عُضْوٍ واحِدٍ بِأنْ يَكُونَ عَلى يَدِهِ جَبائِرُ فَيَمْسَحَ عَلَيْها ويَغْسِلَ باقِيَ العُضْوِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما يَجِبُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ والعُذْرِ، ولَيْسَ في نَباتِ اللِّحْيَةِ ضَرُورَةٌ في تَرْكِ الغَسْلِ، والوَجْهُ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأعْضاءِ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى طَهارَتَها، فَلا يَجُوزُ اجْتِماعُ الغَسْلِ والمَسْحِ فِيهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ويَقْتَضِي ما قالَ أبُو يُوسُفَ مِن سُقُوطِ فَرْضِ غَسْلِها ومَسْحِها جَمِيعًا وإنْ كانَ المُسْتَحَبُّ إمْرارَ الماءِ عَلَيْها. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: اليَدُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى هَذا العُضْوِ إلى المَنكِبِ، (p-٣٤٤)والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ عَمّارًا تَيَمَّمَ إلى المَنكِبِ وقالَ: «تَيَمَّمْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَناكِبِ» وكانَ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ بَلْ هو كانَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ الِاسْمَ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُها إلى المَنكِبِ. وإذا كانَ الإطْلاقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّحْدِيدَ فَجَعَلَ المَرافِقَ غايَةً، كانَ ذِكْرُهُ لَها لِإسْقاطِ ما وراءَها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ المَرافِقَ فَيَجِبُ اسْتِعْمالُهُ فِيها؛ إذْ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى سُقُوطِها. والثّانِي: أنَّ الغايَةَ لَمّا كانَتْ قَدْ تَدْخُلُ تارَةً ولا تَدْخُلُ أُخْرى، والمَوْضِعُ الَّذِي دَخَلَتِ الغايَةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ووُجُودُ الطُّهْرِ شَرْطٌ في الإباحَةِ، وقالَ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ووُجُودُهُ شَرْطٌ فِيهِ، و( إلى ) و( حَتّى ) جَمِيعًا لِلْغايَةِ والمَوْضِعُ الَّذِي لا تَدْخُلُ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] واللَّيْلُ خارِجٌ مِنهُ؛ فَلَمّا كانَ هَذا هَكَذا وكانَ الحَدَثُ فِيهِ يَقِينًا لَمْ يَرْتَفِعْ إلّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وهو وُجُودُ غَسْلِ المِرْفَقَيْنِ؛ إذْ كانَتِ الغايَةُ مَشْكُوكًا فِيها. وأيْضًا رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا بَلَغَ المِرْفَقَيْنِ في الوُضُوءِ أدارَ الماءَ عَلَيْهِما» وفَعَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَنا عَلى الوُجُوبِ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ البَيانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ لَمّا احْتَمَلَ دُخُولَ المَرافِقِ فِيهِ واحْتَمَلَ خُرُوجَها صارَ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ، وفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ إذا ورَدَ عَلى وجْهِ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ. واَلَّذِي ذَكَرْنا مِن دُخُولِ المَرافِقِ في الوُضُوءِ هو قَوْلُ أصْحابِنا جَمِيعًا، إلّا زُفَرَ فَإنَّهُ يَقُولُ: إنَّ المَرافِقَ غَيْرُ داخِلَةٍ في الوُضُوءِ؛ وكَذَلِكَ الكَعْبانِ عَلى هَذا الخِلافِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في المَفْرُوضِ مِن مَسْحِ الرَّأْسِ، فَرُوِيَ عَنْ أصْحابِنا فِيهِ رِوايَتانِ: إحْداهُما: رُبُعُ الرَّأْسِ، والأُخْرى: مِقْدارُ ثَلاثَةِ أصابِعَ، ويَبْدَأُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ) . وقالَ الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ: ( يَمْسَحُ مُقَدَّمَ الرَّأْسِ ) . وقالَ مالِكٌ: ( الفَرْضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وإنْ تَرَكَ القَلِيلَ مِنهُ جازَ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( الفَرْضُ مَسْحُ بَعْضِ رَأْسِهِ ) . ولَمْ يَحُدَّ شَيْئًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي مَسْحَ بَعْضِهِ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الأدَواتِ مَوْضُوعَةٌ لِإفادَةِ المَعانِي، فَمَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُها عَلى فَوائِدَ مُضَمَّنَةٍ بِها وجَبَ اسْتِعْمالُها عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ يَجُوزُ دُخُولُها في بَعْضِ المَواضِعِ صِلَةً لِلْكَلامِ وتَكُونُ مُلْغاةً، نَحْوَ ( مِن ) هي مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى مَعانٍ مِنها التَّبْعِيضُ، ثُمَّ قَدْ تَدْخُلُ في الكَلامِ وتَكُونُ (p-٣٤٥)مُلْغاةً وُجُودُها وعَدَمُها سَواءٌ. ومَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُها عَلى وجْهِ الفائِدَةِ وما هي مَوْضُوعَةٌ لَهُ لَمْ يَجُزْ لَنا إلْغاؤُها، فَقُلْنا مِن أجْلِ ذَلِكَ إنَّ الباءَ لِلتَّبْعِيضِ وإنْ جازَ وُجُودُها في الكَلامِ عَلى أنَّها مُلْغاةٌ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ( مَسَحْتُ يَدِي بِالحائِطِ ) كانَ مَعْقُولًا مَسْحُها بِبَعْضِهِ دُونَ جَمِيعِهِ، ولَوْ قُلْتَ: ( مَسَحْتُ الحائِطَ ) كانَ المَعْقُولُ مَسْحَهُ جَمِيعَهُ دُونَ بَعْضِهِ، فَقَدْ وضَحَ الفَرْقُ بَيْنَ إدْخالِ الباءِ وبَيْنَ إسْقاطِها في العُرْفِ واللُّغَةِ؛ فَوَجَبَ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أنْ نَحْمِلَ قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ عَلى البَعْضِ حَتّى نَكُونَ قَدْ وفَّيْنا الحَرْفَ حَظَّهُ مِنَ الفائِدَةِ وأنْ لا نُسْقِطَهُ فَتَكُونَ مُلْغاةً يَسْتَوِي دُخُولُها وعَدَمُها. والباءُ وإنْ كانَتْ تَدْخُلُ لِلْإلْصاقِ كَقَوْلِكَ: ( كَتَبْتُ بِالقَلَمِ ) و( مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ) فَإنَّ دُخُولَها لِلْإلْصاقِ لا يُنافِي كَوْنَها مَعَ ذَلِكَ لِلتَّبْعِيضِ فَنَسْتَعْمِلُ الأمْرَيْنِ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا لِلْإلْصاقِ في البَعْضِ المَفْرُوضِ طَهارَتُهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ ما رَوى عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدِّمٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ حَمّادٍ عَنْ أبِيهِ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ قالَ: إذا مَسَحَ بِبَعْضِ الرَّأْسِ أجْزَأهُ، قالَ: ولَوْ كانَتْ ( امْسَحُوا رُءُوسَكم ) كانَ مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ. فَأخْبَرَ إبْراهِيمُ أنَّ الباءَ لِلتَّبْعِيضِ وقَدْ كانَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ مَقْبُولَ القَوْلِ فِيها. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِها التَّبْعِيضُ في الآيَةِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى جَوازِ تَرْكِ القَلِيلِ مِنَ الرَّأْسِ في المَسْحِ والِاقْتِصارِ عَلى البَعْضِ، وهَذا هو اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ عَلى التَّبْعِيضِ، وقَوْلُ مُخالِفِنا بِإيجابِ مَسْحِ الأكْثَرِ لا يَعْصِمُهُ مِن أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ عَلى التَّبْعِيضِ، إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ البَعْضَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المِقْدارَ الَّذِي ادَّعاهُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ البَعْضُ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ احْتاجَ إلى دَلالَةٍ في إثْباتِ المِقْدارِ الَّذِي حَدَّهُ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ الباءُ لِلتَّبْعِيضِ لَما جازَ أنْ تَقُولَ: ( مَسَحْتُ بِرَأْسِي كُلِّهِ ) كَما لا تَقُولُ: ( مَسَحْتُ بِبَعْضِ رَأْسِي كُلِّهِ ) . قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ حَقِيقَتَها ومُقْتَضاها إذا أُطْلِقَتِ التَّبْعِيضُ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِها مُلْغاةً، فَإذا قالَ: ( مَسَحْتُ بِرَأْسِي كُلِّهِ ) عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ أنْ تَكُونَ الباءُ مُلْغاةً، وإذا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى حَقِيقَتِها، كَما أنَّ ( مِن ) حَقِيقَتُها التَّبْعِيضُ وقَدْ تُوجَدُ صِلَةً لِلْكَلامِ فَتَكُونُ مُلْغاةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] و﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] ولا يَجِبُ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ نَجْعَلَها مُلْغاةً في كُلِّ مَوْضِعٍ إلّا بِدَلالَةٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنا في جَوازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ، رَوى عَنْهُ نافِعٌ أنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ؛ وعَنْ عائِشَةَ مِثْلُ ذَلِكَ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ( أيَّ جانِبِ رَأْسِكَ مَسَحْتَ أجْزَأكَ ) وكَذَلِكَ قالَ (p-٣٤٦)إبْراهِيمُ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِفَرْضِ البَعْضِ ما حَدَّثَنا أبُو الحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحُسَيْنِ الكَرْخِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ وهْبٍ قالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: خَصْلَتانِ لا أسْألُ عَنْهُما أحَدًا بَعْدَما شَهِدْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنّا كُنّا مَعَهُ في سَفَرٍ، فَنَزَلَ لِحاجَتِهِ ثُمَّ جاءَ فَتَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وجانِبَيْ عِمامَتِهِ» . ورَوى سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ عَنِ ابْنِ المُغِيرَةِ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ ومَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ ووَضَعَ يَدَهُ عَلى العِمامَةِ أوْ مَسَحَ عَلى العِمامَةِ» . وحَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحُسَيْنِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الحَضْرَمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا كُرْدُوسُ بْنُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا المُعَلّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَسْحَةً واحِدَةً بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَرْنِهِ» فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِن ظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ أنَّ المَفْرُوضَ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ. فَإنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّما اقْتَصَرَ عَلى مَسْحِ النّاصِيَةِ لِضَرُورَةٍ، أوْ كانَ وُضُوءَ مَن لَمْ يُحْدِثْ. قِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ ضَرُورَةٌ لَنُقِلَتْ كَما نُقِلَ غَيْرُهُ، وأمّا كَوْنُهُ وُضُوءَ مَن لَمْ يُحْدِثْ فَإنَّهُ تَأْوِيلٌ ساقِطٌ؛ لِأنَّ في حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى حاجَتَهُ ثُمَّ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ» ولَوْ ساغَ هَذا التَّأْوِيلُ في مَسْحِ النّاصِيَةِ لَساغَ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ مَسَحَ لِضَرُورَةٍ أوْ كانَ وُضُوءَ مَن لَمْ يُحْدِثْ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِمَسْحِ الجَمِيعِ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ ومُؤَخِّرَهُ» قالَ: فَلَوْ كانَ المَفْرُوضُ بَعْضَهُ لَما مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ جَمِيعَهُ، ولَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَن مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ مُتَعَدِّيًا؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ تَوَضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا وقالَ: مَن زادَ فَقَدِ اعْتَدى وظَلَمَ» . فَيُقالُ لَهُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المَفْرُوضُ البَعْضَ والمَسْنُونُ الجَمِيعَ، كَما أنَّ المَفْرُوضَ في الأعْضاءِ المَغْسُولَةِ مَرَّةٌ والمَسْنُونَ ثَلاثٌ، فَلا يَكُونُ الزّائِدُ عَلى المَفْرُوضِ مُتَعَدِّيًا؛ إذْ أصابَ السُّنَّةَ، وكَما أنَّ المَفْرُوضَ مِنَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ هو بَعْضُ ظاهِرِهِما ولَوْ مَسَحَ ظاهِرَهُما وباطِنَهُما لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا، وكَما أنَّ فَرْضَ القِراءَةِ عَلى قَوْلِنا آيَةٌ وعَلى قَوْلِ مُخالِفِينا فاتِحَةُ الكِتابِ، والمَسْنُونُ عِنْدَ الجَمِيعِ قِراءَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ وشَيْءٍ مَعَها. والمَفْرُوضُ مِن غَسْلِ الوَجْهِ ظاهِرُهُ والمَسْنُونُ غَسْلُ ذَلِكَ والمَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، والمَفْرُوضُ مَسْحُ (p-٣٤٧)الرَّأْسِ والمَسْنُونُ مَسْحُ الأُذُنَيْنِ مَعَهُ؛ وكَما يَقُولُ مُخالِفُنا: إنَّ المَفْرُوضَ مِن مَسْحِ الرَّأْسِ هو الأكْثَرُ وإنَّ تَرْكَ القَلِيلِ جائِزٌ ولَوْ مَسَحَ الجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بَلْ كانَ مُصِيبًا، كَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ المَفْرُوضَ مَسْحُ البَعْضِ والمَسْنُونَ مَسْحُ الجَمِيعِ. وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إنَّ المَفْرُوضَ مِقْدارُ ثَلاثَةِ أصابِعَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ وهي رِوايَةُ الأصْلِ، وفي رِوايَةِ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ: الرُّبُعُ؛ فَإنَّ وجْهَ تَقْدِيرِ ثَلاثِ أصابِعَ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ المَفْرُوضَ مَسْحُ البَعْضِ بِما قَدَّمْنا وكانَ ذَلِكَ البَعْضُ غَيْرَ مَذْكُورِ المِقْدارِ في الآيَةِ احْتَجْنا فِيهِ إلى بَيانِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ كانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ وارِدًا مَوْرِدَ البَيانِ. وفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ إذا ورَدَ عَلى وجْهِ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ كَفِعْلِهِ لِأعْدادِ رَكَعاتِ الصَّلاةِ وأفْعالِها، فَقَدَّرُوا النّاصِيَةَ بِثَلاثِ أصابِعَ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَسَحَ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَرْنِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ أقْبَلَ بِهِما وأدْبَرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ واجِبًا. قِيلَ لَهُ: مَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَتْرُكُ المَفْرُوضَ. وجائِزٌ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَ المَفْرُوضِ عَلى أنَّهُ مَسْنُونٌ، فَلَمّا رُوِيَ عَنْهُ الِاقْتِصارُ عَلى مِقْدارِ النّاصِيَةِ في حالٍ ورُوِيَ عَنْهُ اسْتِيعابُ الرَّأْسِ في أُخْرى اسْتَعْمَلْنا الخَبَرَيْنِ وجَعَلْنا المَفْرُوضَ مِقْدارَ النّاصِيَةِ؛ إذْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أنَّهُ مَسَحَ أقَلَّ مِنها وما زادَ عَلَيْها فَهو مَسْنُونٌ. وأيْضًا لَوْ كانَ المَفْرُوضُ أقَلَّ مِن مِقْدارِ النّاصِيَةِ لاقْتَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ في حالٍ بَيانًا لِلْمِقْدارِ المَفْرُوضِ كَما اقْتَصَرَ عَلى مَسْحِ النّاصِيَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَلَمّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أقَلُّ مِن ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ هو المَفْرُوضُ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ البَيانِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَفْرُوضُ مَوْضِعَ النّاصِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرَّأْسِ كَما جَعَلْتَها بَيانًا لِلْمِقْدارِ ولَمْ تُجِزْ أقَلَّ مِنها، فَلَمّا جازَ عِنْدَ الجَمِيعِ مِنَ القائِلِينَ بِجَوازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ تَرْكُ مَسْحِ النّاصِيَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الرَّأْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِاقْتِصارِ عَلى مِقْدارٍ. قِيلَ لَهُ: قَدْ كانَ ظاهِرُ فِعْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَسْحَ غَيْرِ النّاصِيَةِ مِنَ الرَّأْسِ يَقُومُ مَقامَ النّاصِيَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ تَعْيِينَ الفَرْضِ فِيها وبَقِيَ حُكْمُ فِعْلِهِ في المِقْدارِ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ بَيانِهِ بِفِعْلِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مُقْتَضِيًا مَسْحَ بَعْضِهِ، فَأيُّ بَعْضٍ مَسَحَهُ مِنهُ وجَبَ أنْ يَجْزِيَهُ بِحُكْمِ الظّاهِرِ. قِيلَ لَهُ: إذا كانَ ذَلِكَ البَعْضُ مَجْهُولًا صارَ مُجْمَلًا ولَمْ يُخْرِجْهُ ما ذَكَرْتَ مِن حُكْمِ الإجْمالِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقَوْلَهُ: ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْلَهُ: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] (p-٣٤٨)كُلُّها مُجْمَلَةٌ لِجَهالَةِ مَقادِيرِها في حالِ وُرُودِها، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ اعْتِبارَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنها ؟ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ وإنِ اقْتَضى البَعْضُ فَإنَّ ذَلِكَ البَعْضَ لَمّا كانَ مَجْهُولًا عِنْدَنا وجَبَ أنْ يَكُونَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الحُكْمِ عَلى البَيانِ. فَما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن فِعْلٍ فِيهِ فَهو بَيانُ مُرادِ اللَّهِ بِهِ. ودَلِيلٌ آخَرُ: وهو أنَّ سائِرَ أعْضاءِ الوُضُوءِ لَمّا كانَ المَفْرُوضُ مِنها مُقَدَّرًا وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ لِأنَّهُ مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ؛ وهَذا يُحْتَجُّ بِهِ عَلى مالِكٍ والشّافِعِيِّ جَمِيعًا؛ لِأنَّ مالِكًا يُوجِبُ مَسْحَ الأكْثَرِ ويُجِيزُ تَرْكَ القَلِيلِ مِنهُ فَيَحْصُلُ المَفْرُوضُ مَجْهُولَ المِقْدارِ، والشّافِعِيُّ يَقُولُ: ( كُلُّ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْحِ جازَ ) وذَلِكَ مَجْهُولُ القَدْرِ، وما قُلْنا مِن مِقْدارِ ثَلاثَةِ أصابِعَ فَهو مَعْلُومٌ؛ وكَذَلِكَ الرُّبُعُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى فَهو مُوافِقٌ لِحُكْمِ أعْضاءِ الوُضُوءِ مِن كَوْنِ المَفْرُوضِ مِنها مَعْلُومَ القَدْرِ. وقَوْلُ مُخالِفِينا عَلى خِلافِ المَفْرُوضِ مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ؛ ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ ذَلِكَ ابْتِداءً دَلِيلًا في المَسْألَةِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لَهُ بِمِقْدارِ النّاصِيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقُولَ: لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ المَفْرُوضُ في مِقْدارِ المَسْحِ مُقَدَّرًا اعْتِبارًا بِسائِرِ أعْضاءِ الوُضُوءِ ثُمَّ لَمْ يُقَدِّرْهُ أحَدٌ بِغَيْرِ ما ذَكَرْنا مِن مِقْدارِ ثَلاثَةِ أصابِعَ أوْ مِقْدارِ رُبُعِ الرَّأْسِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا هو المَفْرُوضُ مِنَ المِقْدارِ. فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِثَلاثِ شَعَراتٍ ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ مِقْدارَ ثَلاثِ شَعَراتٍ لا يُمْكِنُ المَسْحُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المَفْرُوضُ ما لا يُمْكِنُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ؛ وأيْضًا فَهو قِياسٌ عَلى المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ لَمّا كانَ مُقَدَّرًا بِالأصابِعِ، وبِهِ ورَدَتِ السُّنَّةُ وهو مَسْحٌ بِالماءِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مَسْحُ الرَّأْسِ مِثْلَهُ. وأمّا وجْهُ رِوايَةِ مَن رَوى الرُّبُعَ، فَهو أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ المَفْرُوضَ البَعْضُ وأنَّ مَسْحَ شَعْرَةٍ لا يُجْزِي وجَبَ اعْتِبارُ المِقْدارِ الَّذِي يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ عِنْدَ الإطْلاقِ إذا أُجْرِيَ عَلى الشَّخْصِ وهو الرُّبُعُ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ: ( رَأيْتُ فُلانًا ) واَلَّذِي يَلِيكَ مِنهُ الرُّبُعُ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؛ فَلِذَلِكَ اعْتَبَرُوا الرُّبُعَ واعْتَبَرُوا أيْضًا في حَلْقِ الرَّأْسِ الرُّبُعَ لا خِلافَ بَيْنَهم فِيهِ أنَّهُ يَحِلُّ بِهِ المُحْرِمُ إذا حَلَقَهُ، ولا يَحِلُّ عِنْدَ أصْحابِنا بِأقَلَّ مِنهُ؛ فَلِذَلِكَ يُوجِبُونَ بِهِ دَمًا إذا حَلَقَهُ في الإحْرامِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مَسْحِ الرَّأْسِ بِأُصْبُعٍ واحِدَةٍ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " لا يَجُوزُ مَسْحُهُ بِأقَلَّ مِن ثَلاثِ أصابِعَ، وإنْ مَسَحَهُ بِأُصْبُعٍ أوْ أُصْبُعَيْنِ ومَدَّها حَتّى يَكُونَ المَمْسُوحُ مِقْدارَ ثَلاثَةِ أصابِعَ لَمْ يَجُزْ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ وزُفَرُ والشّافِعِيُّ: ( يُجْزِيهِ ) إلّا أنَّ زُفَرَ يَعْتَبِرُ الرُّبُعَ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَجْزِي في (p-٣٤٩)مَفْرُوضِ المَسْحِ نَقْلُ الماءِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصِدَ فِيهِ إمْساسُ الماءِ المَوْضِعَ لا إجْراؤُهُ عَلَيْهِ، فَإذا وضَعَ أُصْبُعًا فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ الماءُ مَمْسُوحًا بِهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ مَسْحُ مَوْضِعٍ غَيْرِهِ بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الأعْضاءُ المَغْسُولَةُ لِأنَّهُ لَوْ مَسَحَها بِالماءِ ولَمْ يُجْرِهِ عَلَيْها لَمْ يُجْزِهِ، فَلا يَحْصُلُ مَعْنى الغَسْلِ إلّا بِجَرَيانِ الماءِ عَلى العُضْوِ وانْتِقالِهِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا بِحُصُولِهِ مِن مَوْضِعٍ وانْتِقالِهِ إلى غَيْرِهِ مِن ذَلِكَ العُضْوِ. وأمّا المَسْحُ فَلَوِ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلى إمْساسِ الماءِ المَوْضِعَ مِن غَيْرِ جَرْيٍ لَجازَ، فَلَمّا اسْتَغْنى عَنْ إجْرائِهِ عَلى العُضْوِ في صِحَّةِ أداءِ الفَرْضِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ إلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ صَبَّ عَلى رَأْسِهِ ماءً وجَرى عَلَيْهِ حَتّى اسْتَوْفى مِنهُ مِقْدارَ ثَلاثَةِ أصابِعَ أجْزى عَنِ المَسْحِ مَعَ انْتِقالِهِ مِن مَوْضِعٍ إلى غَيْرِهِ، فَهَلّا أجْزَتْهُ أيْضًا إذا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ واحِدَةٍ ونَقَلَهُ إلى غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ: مِن قِبَلِ أنَّ صَبَّ الماءِ غَسْلٌ ولَيْسَ بِمَسْحٍ، والغَسْلُ يَجُوزُ نَقْلُ الماءِ فِيهِ مِن مَوْضِعٍ إلى غَيْرِهِ؛ وأمّا إذا وضَعَ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ فَهَذا مَسْحٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَمْسَحَ بِها مَوْضِعًا غَيْرَهُ. وأيْضًا فَإنَّ الماءَ الَّذِي يُجْرى عَلَيْهِ بِالصَّبِّ والغَسْلِ يَتَّسِعُ لِلْمِقْدارِ المَفْرُوضِ كُلِّهِ، وما عَلى أُصْبُعٍ واحِدَةٍ مِنَ الماءِ لا يَتَّسِعُ لِلْمِقْدارِ المَفْرُوضِ، وإنَّما يَكْفِي لِمِقْدارِ الأُصْبُعِ، فَإذا جَرَّهُ إلى غَيْرِهِ فَإنَّما نَقَلَ إلَيْهِ ماءً مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. * * بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وحَمْزَةُ وابْنُ كَثِيرٍ: ( وأرْجُلِكم ) بِالخَفْضِ، وتَأوَّلُوها عَلى المَسْحِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ وإبْراهِيمُ والضَّحّاكُ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ، وكانُوا يَرَوْنَ غَسْلَها واجِبًا. والمَحْفُوظُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ اسْتِيعابُ الرِّجْلِ كُلِّها بِالمَسْحِ، ولَسْتُ أحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أجازَ المَسْحَ مِنَ السَّلَفِ هو عَلى الِاسْتِيعابِ أوْ عَلى البَعْضِ؛ وقالَ قَوْمٌ: ( يَجُوزُ مَسْحُ البَعْضِ ) . ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في أنَّ المُرادَ الغَسْلُ. وهاتانِ القِراءَتانِ قَدْ نَزَلَ بِهِما القُرْآنُ جَمِيعًا ونَقَلَتْهُما الأُمَّةُ تَلَقِّيًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَخْتَلِفُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ القِراءَتَيْنِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَسْحِ بِعَطْفِها عَلى الرَّأْسِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الغَسْلُ بِعَطْفِها عَلى المَغْسُولِ مِنَ الأعْضاءِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ( وأرْجُلَكم ) بِالنَّصْبِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: فاغْسِلُوا أرْجُلَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٣٥٠)مَعْطُوفًا عَلى الرَّأْسِ فَيُرادُ بِها المَسْحُ وإنْ كانَتْ مَنصُوبَةً فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى المَعْنى لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ المَمْسُوحَ بِهِ مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُعاوِيَةَ إنَّنا بَشَرٌ فَأسْجِحْ فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا فَنَصَبَ الحَدِيدَ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الجِبالِ بِالمَعْنى. ويُحْتَمَلُ قِراءَةُ الخَفْضِ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الرَّأْسِ فَيُرادُ بِهِ المَسْحُ، ويُحْتَمَلُ عَطْفُهُ عَلى الغَسْلِ ويَكُونُ مَخْفُوضًا بِالمُجاوِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ثُمَّ قالَ: ( وحُورٍ عِينٍ ) فَخَفَضَهُنَّ بِالمُجاوِرَةِ وهُنَّ مَعْطُوفاتٌ في المَعْنى عَلى الوِلْدانِ؛ لِأنَّهُنَّ يَطُفْنَ ولا يُطافُ بِهِنَّ؛ وكَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَهَلْ أنْتَ إنْ ماتَتْ أتانُكَ راكِبٌ ∗∗∗ إلى آلِ بِسْطامِ بْنِ قَيْسٍ فَخاطِبِ فَخَفَضَ ( خاطِبًا ) بِالمُجاوَرَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَرْفُوعِ مِن قَوْلِهِ: ( راكِبٌ ) والقَوافِي مَجْرُورَةٌ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ؎فَنَلْ مِثْلَها في مِثْلِهِمْ أوْ فَلُمْهم ∗∗∗ عَلى دارِ مَيَّ بَيْنَ لَيْلى وغالِبِ فَثَبَتَ بِما وصَفْنا احْتِمالُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ القِراءَتَيْنِ لِلْمَسْحِ والغَسْلِ، فَلا يَخْلُو حِينَئِذٍ القَوْلُ مِن أحَدِ مَعانٍ ثَلاثَةٍ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ هُما جَمِيعًا مَجْمُوعانِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ أنْ يَمْسَحَ ويَغْسِلَ فَيَجْمَعَهُما. أوْ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ يَفْعَلُ المُتَوَضِّئُ أيَّهُما شاءَ، ويَكُونُ ما يَفْعَلُهُ هو المَفْرُوضُ. أوْ يَكُونُ المُرادُ أحَدَهُما بِعَيْنِهِ لا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ. وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونا هُما جَمِيعًا عَلى وجْهِ الجَمْعِ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى خِلافِهِ؛ ولا جائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أحَدَهُما عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ التَّخْيِيرِ ولا دَلالَةٌ عَلَيْهِ ولَوْ جازَ إثْباتُ التَّخْيِيرِ مَعَ عَدَمِ لَفْظِ التَّخْيِيرِ في الآيَةِ لَجازَ إثْباتُ الجَمْعِ مَعَ عَدَمِ لَفْظِ الجَمْعِ، فَبَطَلَ التَّخْيِيرُ بِما وصَفْنا. وإذا انْتَفى التَّخْيِيرُ والجَمْعُ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أحَدَهُما لا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ، فاحْتَجْنا إلى طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلى المُرادِ مِنهُما؛ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ الغَسْلُ دُونَ المَسْحِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ إذا غَسَلَ فَقَدْ أدّى فَرْضَهُ وأتى بِالمُرادِ وأنَّهُ غَيْرُ مَلُومٍ عَلى تَرْكِ المَسْحِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ الغَسْلُ. وأيْضًا فَإنَّ اللَّفْظَ لَمّا وقَفَ المَوْقِفَ الَّذِي ذَكَرْنا مِنَ احْتِمالِهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ مَعَ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما، صارَ في حُكْمِ المُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى البَيانِ، فَمَهْما ورَدَ فِيهِ مِنَ البَيانِ عَنِ الرَّسُولِ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ عَلِمْنا أنَّهُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى؛ وقَدْ ورَدَ البَيانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالغَسْلِ قَوْلًا وفِعْلًا، فَأمّا وُرُودُهُ مِن جِهَةِ (p-٣٥١)الفِعْلِ فَهو ما ثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُسْتَفِيضِ المُتَواتِرِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَسَلَ رِجْلَيْهِ في الوُضُوءِ» . ولَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ فِيهِ، فَصارَ فِعْلُهُ ذَلِكَ وارِدًا مَوْرِدَ البَيانِ، وفِعْلُهُ إذا ورَدَ عَلى وجْهِ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ هو مُرادُ اللَّهِ تَعالى بِالآيَةِ. وأمّا مِن جِهَةِ القَوْلِ فَما رَوى جابِرٌ وأبُو هُرَيْرَةَ وعائِشَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وغَيْرُهم: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى قَوْمًا تَلُوحُ أعْقابُهم لَمْ يُصِبْها الماءُ، فَقالَ: ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ أسْبِغُوا الوُضُوءَ» «وتَوَضَّأ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وقالَ: هَذا وُضُوءُ مَن لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلاةً إلّا بِهِ» . فَقَوْلُهُ: «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» وعِيدٌ لا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقَّ إلّا بِتَرْكِ الفَرْضِ؛ فَهَذا يُوجِبُ اسْتِيعابَ الرِّجْلِ بِالطَّهارَةِ ويُبْطِلُ قَوْلَ مَن يُجِيزُ الِاقْتِصارَ عَلى البَعْضِ. وقَوْلُهُ ﷺ: ( أسْبِغُوا الوُضُوءَ ) وقَوْلُهُ بَعْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: «هَذا وُضُوءُ مَن لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلاةً إلّا بِهِ» يُوجِبُ اسْتِيعابَها بِالغَسْلِ؛ لِأنَّ الوُضُوءَ اسْمٌ لِلْغَسْلِ يَقْتَضِي إجْراءَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ، والمَسْحُ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ وفي الخَبَرِ الآخَرِ إخْبارٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ الصَّلاةَ إلّا بِغَسْلِهِما. وأيْضًا فَلَوْ كانَ المَسْحُ جائِزًا لَما أخْلاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن بَيانِهِ؛ إذْ كانَ مُرادُ اللَّهِ في المَسْحِ كَهو في الغَسْلِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَسْحُهُ في وزْنِ غَسْلِهِ، فَلَمّا لَمْ يَرِدْ عَنْهُ المَسْحُ حَسَبَ وُرُودِهِ في الغَسْلِ ثَبَتَ أنَّ المَسْحَ غَيْرُ مُرادٍ. وأيْضًا فَإنَّ القِراءَتَيْنِ كالآيَتَيْنِ في إحْداهُما الغَسْلُ وفي الأُخْرى المَسْحُ لِاحْتِمالِهِما لِلْمَعْنَيَيْنِ، فَلَوْ ورَدَتْ آيَتانِ إحْداهُما تُوجِبُ الغَسْلَ والأُخْرى المَسْحَ لَما جازَ تَرْكُ الغَسْلِ إلى المَسْحِ؛ لِأنَّ في الغَسْلِ زِيادَةَ فِعْلٍ، وقَدِ اقْتَضاهُ الأمْرُ بِالغَسْلِ، فَكانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ يَجِبُ اسْتِعْمالُهُما عَلى أعَمِّهِما حُكْمًا وأكْثَرِهِما فائِدَةً وهو الغَسْلُ لِأنَّهُ يَأْتِي عَلى المَسْحِ والمَسْحُ لا يَنْتَظِمُ الغَسْلَ. وأيْضًا لَمّا حَدَّدَ الرِّجْلَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ كَما قالَ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ دَلَّ عَلى اسْتِيعابِ الجَمِيعِ، كَما دَلَّ ذِكْرُ الأيْدِي عَلى المَرافِقِ عَلى اسْتِيعابِهِما بِالغَسْلِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى قَدَمَيْهِ ونَعْلَيْهِ» . قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِراضِ بِهِ عَلى مُوجِبِ الآيَةِ مِنَ الغَسْلِ عَلى ما قَدْ دَلَّلْنا عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّ أخْبارَ الآحادِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ في مِثْلِهِ لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ: ( وأرْجُلَكم ) بِالنَّصْبِ وقالَ: ( المُرادُ الغَسْلُ ) فَلَوْ كانَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَوازُ المَسْحِ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ دُونَ الغَسْلِ لَما قالَ: إنَّ مُرادَ اللَّهِ الغَسْلُ. وأيْضًا فَإنَّ الحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ في ذَلِكَ، قالَ (p-٣٥٢)فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ( هَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ ) وهو حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ: «أنَّ عَلِيًّا صَلّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ في الرَّحْبَةِ، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ دَعا بِكُوزٍ مِن ماءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ووَجْهَهُ وذِراعَيْهِ ومَسَحَ بِرَأْسِهِ ورِجْلَيْهِ، وقالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ وقالَ: هَذا وُضُوءُ مَن لَمْ يُحْدِثْ» ولا خِلافَ في جَوازِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ في وُضُوءِ مَن لَمْ يُحْدِثْ. وأيْضًا لَمّا احْتَمَلَتِ الآيَةُ الغَسْلَ والمَسْحَ، اسْتَعْمَلْناها عَلى الوُجُوبِ في الحالَيْنِ: الغَسْلُ في حالِ ظُهُورِ الرِّجْلَيْنِ، والمَسْحُ في حالِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا سَقَطَ فَرْضُ الرِّجْلِ في حالِ التَّيَمُّمِ كَما سَقَطَ الرَّأْسُ، دَلَّ عَلى أنَّها مَمْسُوحَةٌ غَيْرُ مَغْسُولَةٍ. قِيلَ لَهُ: فَهَذا يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ الغَسْلُ مُرادًا، ولا خِلافَ أنَّهُ إذا غَسَلَ فَقَدْ فَعَلَ المَفْرُوضَ؛ ولَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ أيْضًا في نَقْلِ الغَسْلِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وأيْضًا فَإنَّ غَسْلَ البَدَنِ كُلِّهِ يَسْقُطُ في الجَنابَةِ إلى التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وقامَ التَّيَمُّمُ في هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ مَقامَ غَسْلِ سائِرِ الأعْضاءِ، كَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَقُومَ مَقامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وإنْ لَمْ يَجِبِ التَّيَمُّمُ فِيها. * * فَصْلٌ وقَدِ اخْتُلِفَ في الكَعْبَيْنِ ما هُما، فَقالَ جُمْهُورُ أصْحابِنا وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ: ( هُما النّاتِئانِ بَيْنَ مَفْصِلِ القَدَمِ والسّاقِ ) . وحَكى هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: ( أنَّهُ مَفْصِلُ القَدَمِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ عَقْدُ الشِّراكِ عَلى ظَهْرِ القَدَمِ ) . والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، ولَوْ كانَ في كُلِّ رَجُلٍ كَعْبٌ واحِدٌ لَقالَ: إلى الكِعابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] لَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ قَلْبٌ واحِدٌ أضافَهُما إلَيْهِما بِلَفْظِ الجَمْعِ، فَلَمّا أضافَهُما إلى الأرْجُلِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا مَن لا أتَّهِمُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسى عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيادِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ جامِعِ بْنِ شِدادٍ عَنْ طارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُحارَبِيِّ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في سُوقِ ذِي المَجازِ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ حَمْراءُ وهو يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا ورَجُلٌ يَتْبَعُهُ ويَرْمِيهِ بِالحِجارَةِ وقَدْ أدْمى عُرْقُوبَيْهِ وكَعْبَيْهِ، وهو يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ لا تُطِيعُوهُ فَإنَّهُ كَذّابٌ، فَقُلْتُ: مَن هَذا ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قُلْتُ: فَمَن هَذا الَّذِي يَتْبَعُهُ ويَرْمِيهِ بِالحِجارَةِ ؟ قالُوا: هَذا عَبْدُ العُزّى أبُو لَهَبٍ». وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَعْبَ هو العَظْمُ النّاتِئُ في جانِبِ القَدَمِ؛ لِأنَّ الرَّمْيَةَ إذا كانَتْ مِن وراءِ الماشِي لا يَضْرِبُ ظَهْرَ القَدَمِ. قالَ: وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ قالَ: أخْبَرَنا (p-٣٥٣)وكِيعٌ قالَ: حَدَّثَنا زَكَرِيّا بْنُ أبِي زائِدَةَ عَنِ القاسِمِ الجَدَلِيِّ قالَ: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكم أوْ لَيُخالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكم أوْ وُجُوهِكم» قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ الرَّجُلَ مِنّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صاحِبِهِ ومَنكِبَهُ بِمَنكِبِ صاحِبِهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَعْبَ ما وصَفْنا ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ * * ذِكْرُ الخِلافِ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ قالَ أصْحابُنا جَمِيعًا والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: ( يَمْسَحُ المُقِيمُ عَلى الخُفَّيْنِ يَوْمًا ولَيْلَةً والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها ) . ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ واللَّيْثِ: ( أنَّهُ لا وقْتَ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، إذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُما طاهِرَتانِ يَمْسَحُ ما بَدا لَهُ )، قالَ مالِكٌ: ( والمُقِيمُ والمُسافِرُ في ذَلِكَ سَواءٌ )، وأصْحابُهُ يَقُولُونَ: هَذا هو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِهِ؛ ورَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ: ( أنَّ المُسافِرَ يَمْسَحُ ولا يَمْسَحُ المُقِيمُ )، ورَوى ابْنُ القاسِمِ أيْضًا عَنْ مالِكٍ أنَّهُ ضَعَّفَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ والِاسْتِفاضَةِ مِن حَيْثُ يُوجِبُ العِلْمُ؛ ولِذَلِكَ قالَ أبُو يُوسُفَ: إنَّما يَجُوزُ نَسْخُ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إذا ورَدَتْ كَوُرُودِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ في الِاسْتِفاضَةِ. وما دَفَعَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ مِن حَيْثُ نَعْلَمُ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ، ولَمْ يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَسَحَ، وإنَّما اخْتُلِفَ في وقْتِ مَسْحِهِ أكانَ قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أوْ بَعْدَها ؟ فَرَوى المَسْحَ مُوَقَّتًا لِلْمُقِيمِ يَوْمًا ولَيْلَةً ولِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرُ وعَلِيٌّ وصَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ وعَوْفُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ مُوَقَّتٍ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وأبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ وسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وثَوْبانُ وعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أبِيهِ وسُلَيْمانُ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ورَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ هَمّامٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ» . قالَ الأعْمَشُ: قالَ إبْراهِيمُ: كانُوا مُعْجَبِينَ بِحَدِيثِ جَرِيرٍ لِأنَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ. ولَمّا كانَ وُرُودُ هَذِهِ الأخْبارِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِفاضَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِ ناقِلِيها وامْتِناعِ التَّواطُؤِ والسَّهْوِ والغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ فِيها، وجَبَ اسْتِعْمالُها مَعَ حُكْمِ الآيَةِ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في الآيَةِ احْتِمالًا لِلْمَسْحِ، فاسْتَعْمَلْناهُ في حالِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ واسْتَعْمَلْنا الغَسْلَ في حالِ ظُهُورِ (p-٣٥٤)الرِّجْلَيْنِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مَسْحُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أوْ بَعْدَها، مِن قِبَلِ أنَّهُ إنْ كانَ مَسَحَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالآيَةُ مُرَتَّبَةٌ عَلَيْهِ غَيْرُ ناسِخَةٍ لَهُ لِاحْتِمالِها ما يُوجِبُ مُوافَقَتَهُ مِنَ المَسْحِ في حالِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ ولِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها احْتِمالٌ لِمُوافَقَةِ الخَبَرِ لَجازَ أنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِهِ فَيَكُونَ الأمْرُ بِالغَسْلِ خاصًّا في حالِ ظُهُورِ الرِّجْلَيْنِ دُونَ حالِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةً لِلْمَسْحِ فَإنَّما جازَ المَسْحُ لِمُوافَقَةِ ما احْتَمَلَتْهُ الآيَةُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا ولَكِنَّهُ بَيانٌ لِلْمُرادِ بِها، وإنْ كانَ جائِزًا نَسْخُ الآيَةِ بِمِثْلِهِ لِتَواتُرِهِ وشُيُوعِهِ. ومِن حَيْثُ ثَبَتَ المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ ثَبَتَ التَّوْقِيتُ فِيهِ لِلْمُقِيمِ والمُسافِرِ عَلى ما بَيَّنّا؛ لِأنَّ بِمِثْلِ الأخْبارِ الوارِدَةِ في المَسْحِ مُطْلَقًا ثَبَتَ التَّوْقِيتُ أيْضًا، فَإنْ بَطَلَ التَّوْقِيتُ بَطَلَ المَسْحُ وإنْ ثَبَتَ المَسْحُ ثَبَتَ التَّوْقِيتُ. فَإنِ احْتَجَّ المُخالِفُ في ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ وقَدْ مَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ جُمُعَةً: ( أصَبْتَ السُّنَّةَ )، وبِما رَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ بْنِ شِنْظِيرٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ فَقالَ: كُنّا نُسافِرُ مَعَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا يُوَقِّتُونَ. قِيلَ لَهُ: قَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ أنْكَرَ عَلى سَعْدٍ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ: ( يا بُنَيَّ عَمُّكَ أفْقَهُ مِنكَ، لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها ولِلْمُقِيمِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ) سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ( ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها لِلْمُسافِرِ ويَوْمٌ ولَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ ) وقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ التَّوْقِيتُ عَلى الحَدِّ الَّذِي بَيَّنّاهُ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ لِعُقْبَةَ حِينَ مَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ جُمُعَةً: ( أصَبْتَ السُّنَّةَ ) يَعْنِي: أنَّكَ أصَبْتَ السُّنَّةَ في المَسْحِ، وقَوْلُهُ: ( إنَّهُ مَسَحَ جُمُعَةً ) إنَّما عَنى بِهِ أنَّهُ مَسَحَ جُمُعَةً عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ المَسْحُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ( مَسَحْتُ شَهْرًا عَلى الخُفَّيْنِ ) وهو يَعْنِي عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ المَسْحُ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أنَّهُ مَسَحَ جُمُعَةً دائِمًا لا يَفْتُرُ، وإنَّما أرادَ بِهِ المَسْحَ في الوَقْتِ الَّذِي يَحْتاجُ فِيهِ إلى المَسْحِ، كَذَلِكَ إنَّما أرادَ الوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ المَسْحُ. وكَما تَقُولُ: ( صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ شَهْرًا بِمَكَّةَ ) والمَعْنى: في الأوْقاتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيها فِعْلُ الجُمُعَةِ. وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ: ( إنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ سافَرَ مَعَهم كانُوا لا يُوَقِّتُونَ ) فَإنَّهُ إنَّما عَنى بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم رُبَّما خَلَعُوا الخِفافَ فِيما بَيْنَ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ، وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُداوِمُونَ عَلى مَسْحِ الثَّلاثِ حَسَبَما قَدْ جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِنَ النّاسِ أنَّهم لَيْسُوا يَكادُونَ يَتْرُكُونَ خِفافَهم لا يَنْزِعُونَها ثَلاثًا؛ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْسَحُونَ أكْثَرَ مِن ثَلاثٍ. فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المَسْحُ عَلى (p-٣٥٥)الخُفَّيْنِ لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها ولِلْمُقِيمِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ» ولَوِ اسْتَزَدْناهُ لَزادَنا. وفي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ عُمارَةَ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ ؟ قالَ: ( نَعَمْ ) قالَ: يَوْمًا ؟ قالَ: ( ويَوْمَيْنِ ) قالَ: وثَلاثَةً ؟ قالَ: ( نَعَمْ، وما شِئْتَ ) . وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: حَتّى بَلَغَ سَبْعًا. قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ خُزَيْمَةَ وما قِيلَ فِيهِ ( ولَوِ اسْتَزَدْناهُ لَزادَنا ) فَإنَّما هو ظَنٌّ مِنَ الرّاوِي، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. وأمّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عُمارَةَ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقَدِ اخْتُلِفَ في سَنَدِهِ، ولَوْ ثَبَتَ كانَ قَوْلُهُ: ( وما شِئْتَ ) عَلى أنَّهُ يَمْسَحُ بِالثَّلاثِ ما شاءَ، وغَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلى أخْبارِ التَّوْقِيتِ بِمِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ الشّاذَّةِ المُحْتَمِلَةِ لِلْمَعانِي مَعَ اسْتِفاضَةِ الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّوْقِيتِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا جازَ المَسْحُ وجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ كَمَسْحِ الرَّأْسِ. قِيلَ لَهُ: لا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ الأثَرِ، فَإنْ كانَتْ أخْبارُ التَّوْقِيتِ ثابِتَةً فالنَّظَرُ مَعَها ساقِطٌ، وإنْ كانَتْ غَيْرَ ثابِتَةٍ فالكَلامُ حِينَئِذٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في إثْباتِها، وقَدْ ثَبَتَ التَّوْقِيتُ بِالأخْبارِ المُسْتَفِيضَةِ مِن حَيْثُ لا يُمْكِنُ دَفْعُها. وأيْضًا فَإنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما ظاهِرٌ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، وهو أنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ هو المَفْرُوضُ في نَفْسِهِ ولَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ غَيْرِهِ، والمَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ بَدَلٌ عَنِ الغَسْلِ مَعَ إمْكانِهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ بَدَلًا إلّا في المِقْدارِ الَّذِي ورَدَ بِهِ التَّوْقِيتُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جازَ المَسْحُ عَلى الجَبائِرِ بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ وهو بَدَلٌ عَنِ الغَسْلِ. قِيلَ لَهُ: أمّا عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ فَهَذا السُّؤالُ ساقِطٌ؛ لِأنَّهُ لا يُوجِبُ المَسْحَ عَلى الجَبائِرِ، وهو عِنْدَهُ مُسْتَحَبٌّ تَرْكُهُ لا يَضُرُّ. وعَلى قَوْلِ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ أيْضًا لا يَلْزَمُ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كالتَّيَمُّمِ، والمَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ جائِزٌ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا. فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ جَوازُ المَسْحِ مَقْصُورًا عَلى السَّفَرِ لِأنَّ الأخْبارَ ورَدَتْ فِيهِ، وأنْ لا يَجُوزَ في الحَضَرِ لِما رُوِيَ أنَّ عائِشَةَ سُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ فَقالَتْ: ( سَلُوا عَلِيًّا فَإنَّهُ كانَ مَعَهُ في أسْفارِهِ )؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ في الحَضَرِ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لا يَخْفى عَلى عائِشَةَ ؟ قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ سُئِلَتْ عَنْ تَوْقِيتِ المَسْحِ لِلْمُسافِرِ فَأحالَتْ بِهِ عَلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وأيْضًا فَإنَّ عائِشَةَ أحَدُ مَن رَوى تَوْقِيتَ المَسْحِ لِلْمُسافِرِ والمُقِيمِ جَمِيعًا. وأيْضًا فَإنَّ الأخْبارَ الَّتِي فِيها تَوْقِيتُ مَسْحِ المُسافِرِ فِيها تَوْقِيتُهُ لِلْمُقِيمِ، فَإنْ ثَبَتَ لِلْمُسافِرِ ثَبَتَ لِلْمُقِيمِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَواتَرَتِ الأخْبارُ بِغَسْلِهِ في الحَضَرِ وقَوْلُهُ: «ويْلٌ لِلْعَراقِيبِ مِنَ النّارِ» . قِيلَ لَهُ: إنَّما ذَلِكَ في حالِ ظُهُورِ الرِّجْلَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: جائِزٌ أنْ يَخْتَصَّ حالُ السَّفَرِ بِالتَّخْفِيفِ دُونَ حالِ الحَضَرِ كالقَصْرِ والتَّيَمُّمِ والإفْطارِ. قِيلَ لَهُ: لَمْ نُبِحِ المَسْحَ لِلْمُقِيمِ ولا لِلْمُسافِرِ (p-٣٥٦)قِياسًا، وإنَّما أبَحْناهُ بِالآثارِ، وهي مُتَساوِيَةٌ فِيما يَقْتَضِيهِ مِنَ المَسْحِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، فَلا مَعْنى لِلْمُقايَسَةِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ أيْضًا في المَسْحِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ أصْحابُنا: ( إذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ ولَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أكْمَلَ الطَّهارَةَ قَبْلَ الحَدَثِ أجْزَأهُ أنْ يَمْسَحَ إذا أحْدَثَ )، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ مِثْلُهُ. وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ: ( أنَّهُ لا يَجْزِيهِ إلّا أنْ يَلْبَسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ إكْمالِ الطَّهارَةِ ) ودَلِيلُ أصْحابِنا عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ: «يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًا ولَيْلَةً والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ لُبْسِهِ قَبْلَ إكْمالِ الطَّهارَةِ وبَعْدَها. ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأ، فَأهْوَيْتُ إلى خُفَّيْهِ لِأنْزِعَهُما، فَقالَ: مَهْ فَإنِّي أدْخَلْتُ القَدَمَيْنِ الخُفَّيْنِ وهُما طاهِرَتانِ» فَمَسَحَ عَلَيْهِما. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: ( إذا أدْخَلْتَ قَدَمَيْكَ الخُفَّيْنِ وهُما طاهِرَتانِ فامْسَحْ عَلَيْهِما ) . ومَن غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَدْ طَهُرَتا قَبْلَ إكْمالِ طَهارَةِ سائِرِ الأعْضاءِ، كَما يُقالُ: غَسَلَ رِجْلَيْهِ، وكَما يُقالُ: صَلّى رَكْعَةً؛ وإنْ لَمْ يُتِمَّ صَلاتَهُ. وأيْضًا فَإنَّ مَن لا يُجِيزُ ذَلِكَ فَإنَّما يَأْمُرُهُ بِنَزْعِ الخُفَّيْنِ ثُمَّ لُبْسِهِما كَذَلِكَ بَقاؤُهُما في رِجْلَيْهِ لِحِينِ المَسْحِ؛ لِأنَّ اسْتِدامَةَ اللُّبْسِ بِمَنزِلَةِ ابْتِدائِهِ. * * واخْتُلِفَ في المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، فَلَمْ يُجِزْهُ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ إلّا أنْ يَكُونا مُجَلَّدَيْنِ. وحَكى الطَّحاوِيُّ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَمْسَحُ وإنْ كانا مُجَلَّدَيْنِ. وحَكى بَعْضُ أصْحابِ مالِكٍ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْسَحُ إلّا أنْ يَكُونا مُجَلَّدَيْنِ كالخُفَّيْنِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( يَمْسَحُ إذا كانا ثَخِينَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُونا مُجَلَّدَيْنِ ) . والأصْلُ فِيهِ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ مُرادَ الآيَةِ الغَسْلُ عَلى ما قَدَّمْنا، فَلَوْ لَمْ تَرِدِ الآثارُ المُتَواتِرَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ لَما أجَزْنا المَسْحَ، فَلَمّا ورَدَتِ الآثارُ الصِّحاحُ واحْتَجْنا إلى اسْتِعْمالِها مَعَ الآيَةِ اسْتَعْمَلْناها مَعَها عَلى مُوافَقَةِ الآيَةِ في احْتِمالِها لِلْمَسْحِ وتَرَكْنا الباقِيَ عَلى مُقْتَضى الآيَةِ ومُرادِها؛ ولَمّا لَمْ تَرِدِ الآثارُ في جَوازِ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ في وزْنِ وُرُودِها في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ بَقَّيْنا حُكْمَ الغَسْلِ عَلى مُرادِ الآيَةِ ولَمْ نَنْقُلْهُ عَنْهُ. فَإنْ قِيلَ: رَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وأبُو مُوسى: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى جَوْرَبَيْهِ ونَعْلَيْهِ» . قِيلَ لَهُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُما كانا مُجَلَّدَيْنِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ؛ إذْ لَيْسَ بِعُمُومِ لَفْظٍ وإنَّما هو حِكايَةُ فِعْلٍ لا نَعْلَمُ. وأيْضًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وُضُوءَ مَن لَمْ يُحْدِثْ، كَما مَسَحَ عَلى رِجْلَيْهِ وقالَ: ( هَذا وُضُوءُ مِن لَمْ يُحْدِثْ ) . ومِن جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمْعِ عَلى امْتِناعِ جَوازِ المَسْحِ عَلى اللِّفافَةِ؛ إذْ لَيْسَ في العادَةِ المَشْيُ فِيها، كَذَلِكَ الجَوْرَبانِ. وأمّا إذا كانا مُجَلَّدَيْنِ فَهُما بِمَنزِلَةِ الخُفَّيْنِ ويَمْشِي فِيهِما وبِمَنزِلَةِ (p-٣٥٧)الجُرْمُوقَيْنِ، ألا تَرى أنَّهم قَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ إذا كانَ كُلُّهُ مُجَلَّدًا جازَ المَسْحُ ؟ ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ مُجَلَّدًا أوْ بَعْضُهُ بَعْدَ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الخُفَّيْنِ في المَشْيِ والتَّصَرُّفِ. * * واخْتُلِفَ في المَسْحِ عَلى العِمامَةِ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ: ( لا يَجُوزُ المَسْحُ عَلى العِمامَةِ ولا عَلى الخِمارِ ) . وقالَ الثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ: ( يَمْسَحُ عَلى العِمامَةِ ) . والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وحَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي إمْساسَهُ الماءَ ومُباشَرَتَهُ، وماسِحُ العِمامَةِ غَيْرُ ماسِحٍ بِرَأْسِهِ فَلا تَجْزِيهِ صَلاتُهُ إذا صَلّى بِهِ. وأيْضًا فَإنَّ الآثارَ مُتَواتِرَةٌ في مَسْحِ الرَّأْسِ، فَلَوْ كانَ المَسْحُ عَلى العِمامَةِ جائِزًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا في وزْنِ وُرُودِهِ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ؛ فَلَمّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ مَسْحُ العِمامَةِ مِن جِهَةِ التَّواتُرِ لَمْ يَجُزِ المَسْحُ عَلَيْها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي مَسْحَ الرَّأْسِ، فَغَيْرُ جائِزٍ العُدُولُ عَنْهُ إلّا بِخَبَرٍ يُوجِبُ العِلْمَ. والثّانِي: عُمُومُ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَلا يُقْبَلُ في مِثْلِهِ إلّا المُتَواتِرُ مِنَ الأخْبارِ. وأيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً وقالَ: هَذا وُضُوءُ مَن لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلاةً إلّا بِهِ» ومَعْلُومٌ أنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ لِأنَّ مَسْحَ العِمامَةِ لا يُسَمّى وُضُوءًا، ثُمَّ نَفى جَوازَ الصَّلاةِ إلّا بِهِ. وحَدِيثُ عائِشَةَ الَّذِي قَدَّمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً ومَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا الوُضُوءُ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنا» فَأخْبَرَ أنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ بِالماءِ هو المَفْرُوضُ عَلَيْنا فَلا تَجْزِي الصَّلاةُ إلّا بِهِ. وإنِ احْتَجُّوا بِما رَوى بِلالٌ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ والعِمامَةِ» وما رَوى راشِدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأصابَهُمُ البَرْدُ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمَرَهم أنْ يَمْسَحُوا عَلى العَصائِبِ والتَّساخِينِ» . قِيلَ لَهم: هَذِهِ أخْبارٌ مُضْطَرِبَةُ الأسانِيدِ وفِيها رِجالٌ مَجْهُولُونَ، ولَوِ اسْتَقامَتْ أسانِيدُها لَما جازَ الِاعْتِراضُ بِمِثْلِها عَلى الآيَةِ؛ وقَدْ بَيَّنّا في حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أنَّهُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وعِمامَتِهِ، وفي بَعْضِها: عَلى جانِبِ عِمامَتِهِ، وفي بَعْضِها: وضَعَ يَدَهُ عَلى عِمامَتِهِ؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ فَعَلَ المَفْرُوضَ في مَسْحِ النّاصِيَةِ ومَسَحَ عَلى العِمامَةِ وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا ويُحْتَمَلُ ما رَواهُ بِلالٌ ما بُيِّنَ في حَدِيثِ المُغِيرَةِ. وأمّا حَدِيثُ ثَوْبانَ فَمَحْمُولٌ عَلى مَعْنى حَدِيثِ المُغِيرَةِ أيْضًا بِأنْ مَسَحُوا عَلى بَعْضِ الرَّأْسِ وعَلى العِمامَةِ. واَللَّهُ أعْلَمُ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

المائدة 5:8

بابُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ والعَدْلِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ ومَعْناهُ: كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ بِالحَقِّ في كُلِّ ما يَلْزَمُكُمُ القِيامُ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والعَمَلِ بِهِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ واجْتِنابِهِ، فَهَذا هو القِيامُ لِلَّهِ بِالحَقِّ. وقَوْلُهُ: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ؛ قَدْ قِيلَ في الشَّهادَةِ إنَّها الشَّهاداتُ في حُقُوقِ النّاسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ؛ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ الشَّهادَةَ عَلى النّاسِ بِمَعاصِيهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فَكانَ مَعْناهُ: أنْ كُونُوا مِن أهْلِ العَدالَةِ الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ بِأنَّ مِثْلَهم يَكُونُونَ شُهَداءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ الشَّهادَةَ لِأمْرِ اللَّهِ بِأنَّهُ الحَقُّ. وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُرادَةً لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَهُودِ حِينَ ذَهَبَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَعِينَهم في دِيَةٍ، فَهَمُّوا أنْ يَقْتُلُوهُ. وقالَ الحَسَنُ: " نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] فَحَمَلَهُ الحَسَنُ عَلى مَعْنى الآيَةِ الأُولى، والأوْلى أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ وأنْ لا تَكُونَ تَكْرارًا. وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِالعَدْلِ عَلى المُحِقِّ والمُبْطِلِ، وحُكِمَ بِأنَّ كُفْرَ الكافِرِينَ وظُلْمَهم لا يَمْنَعُ مِنَ العَدْلِ عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يُتَجاوَزَ في قِتالِهِمْ وقَتْلِهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَ، وأنْ يَقْتَصِرَ بِهِمْ عَلى (p-٤٠)المُسْتَحِقِّ مِنَ القِتالِ والأسْرِ والِاسْتِرْقاقِ دُونَ المُثْلَةِ بِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وقَتْلِ أوْلادِهِمْ ونِسائِهِمْ قَصْدًا لِإيصالِ الغَمِّ والألَمِ إلَيْهِمْ. وكَذَلِكَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى خَيْبَرَ خارِصًا، فَجَمَعُوا لَهُ شَيْئًا مِن حُلِيِّهِمْ وأرادُوا دَفْعَهُ إلَيْهِ لِيُخَفِّفَ في الخَرْصِ: إنَّ هَذا سُحْتٌ وإنَّكم لَأبْغَضُ إلَيَّ مِن عِدَّتِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وما يَمْنَعُنِي ذَلِكَ مِن أنْ أعْدِلَ عَلَيْكم فَقالُوا: بِهَذا قامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ العَدْلَ نَفْسَهُ هو التَّقْوى، فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ هو أقْرَبُ إلى نَفْسِهِ ؟ قِيلَ: مَعْناهُ: هو أقْرَبُ إلى أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ بِاجْتِنابِ جَمِيعِ السَّيِّئاتِ، فَيَكُونُ العَدْلُ فِيما ذُكِرَ داعِيًا إلى العَدْلِ في جَمِيعِ الأشْياءِ واجْتِنابِ جَمِيعِ المَعاصِي؛ ويَحْتَمِلُ: هو أقْرَبُ لِاتِّقاءِ النّارِ. وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَقَوْلُهُ: " هو " راجِعٌ إلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، كَأنَّهُ قالَ: العَدْلُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، كَقَوْلِ القائِلِ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ؛ يَعْنِي كانَ الكَذِبُ شَرًّا لَهُ.

المائدة 5:12

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالنَّقِيبِ هاهُنا، فَقالَ الحَسَنُ: " الضَّمِينُ " . وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " الأمِينُ " . وقالَ قَتادَةُ: " الشَّهِيدُ عَلى قَوْمِهِ " . وقِيلَ إنَّ أصْلَ النَّقِيبِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّقْبِ وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، فَقِيلَ نَقِيبُ القَوْمِ لِأنَّهُ يَنْقُبُ عَلى أحْوالِهِمْ وعَنْ مَكْنُونِ ضَمائِرِهِمْ وأسْرارِهِمْ، فَسُمِّيَ رَئِيسُ العُرَفاءِ نَقِيبًا لِهَذا المَعْنى. وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ إنَّهُ الضَّمِينُ، فَإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهُ الضَّمِينُ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ وأُمُورِهِمْ وصَلاحِهِمْ وفَسادِهِمْ واسْتِقامَتِهِمْ وعُدُولِهِمْ لِيَرْفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وكَذَلِكَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الأنْصارِ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا عَلى هَذا المَعْنى. وقَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ إنَّهُ الأمِينُ، وقَوْلُ قَتادَةَ إنَّهُ الشَّهِيدُ، يُقارِبُ ما قالَ الحَسَنُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وشَهِيدٌ بِما يَعْمَلُونَ بِهِ ويُجْرِي عَلَيْهِمْ أُمُورَهم. وإنَّما نَقَّبَ النَّبِيُّ ﷺ النُّقَباءَ لِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: لِمُراعاةِ أحْوالِهِمْ وأُمُورِهِمْ وإعْلامِها النَّبِيَّ ﷺ لِيُدَبِّرَ فِيهِمْ بِما يَرى. والثّانِي: أنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ عَلَيْهِمْ نَقِيبًا كانُوا أقْرَبَ إلى الِاسْتِقامَةِ؛ إذْ عَلِمُوا أنَّ أخْبارَهم تَنْتَهِي إلى النَّبِيِّ ﷺ ولِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَحْتَشِمُ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يَنُوبُهُ ويَعْرِضُ لَهُ مِنَ الحَوائِجِ قَبْلَهُ، فَيَقُومُ عَنْهُ النَّقِيبُ فِيهِ ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّقِيبُ ضامِنًا عَنْهُمُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لا يَصِحُّ ضَمانُهُ ولا يُمْكِنُ الضَّمِينُ فِعْلَهُ ولا القِيامَ بِهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ نَقِيبَ كُلِّ قَوْمٍ إنَّما نُصِبَ لِيُعَرِّفَ (p-٤١)أحْوالَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ أوِ الإمامَ، فَلَوْلا أنَّ خَبَرَهُ مَقْبُولٌ لَما كانَ لِنَصْبِهِ وجْهٌ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى قَبُولِ خَبَرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ دُونَ الواحِدِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ لَمْ يَكُونُوا نُقَباءَ عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِجُمْلَتِهِمْ، وإنَّما كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نَقِيبًا عَلى قَوْمِهِ خاصَّةً دُونَ الآخَرِينَ.

المائدة 5:13

قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ تَحْرِيفُهم إيّاهُ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، والآخَرُ: بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ. وأمّا ما قَدِ اسْتَفاضَ وانْتَشَرَ في أيْدِي الكافَّةِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ تَغْيِيرُ ألْفاظِهِ إلى غَيْرِها لِامْتِناعِ التَّواطُؤِ عَلى مِثْلِهِمْ، وما لَمْ يَسْتَفِضْ في الكافَّةِ وإنَّما كانَ عِلْمُهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ الخاصَّةِ يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمُ التَّواطُؤُ، فَإنَّهُ جائِزٌ وُقُوعُ تَغْيِيرِ ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ إلى غَيْرِها وإثْباتُ ألْفاظٍ أُخَرَ سِواها. وأمّا المُسْتَفِيضُ الشّائِعُ في أيْدِي الكافَّةِ فَإنَّما تَحْرِيفُهم عَلى تَأْوِيلاتٍ فاسِدَةٍ، كَما تَأوَّلَتِ المُشَبِّهَةُ والمُجَبِّرَةُ كَثِيرًا مِنَ الآيِ المُتَشابِهَةِ عَلى ما تَعْتَقِدُهُ مِن مَذْهَبِها وتَدَّعِي مِن مَعانِيها ما يُوافِقُ اعْتِقادَها دُونَ حَمْلِها عَلى مَعانِي الآيِ المُحْكَمَةِ. وإنَّما قُلْنا إنَّهُ (p-٤٢)غَيْرُ جائِزٍ وُقُوعُ التَّحْرِيفِ مِن جِهَةِ تَغْيِيرِ الألْفاظِ فِيما اسْتَفاضَ وانْتَشَرَ عِنْدَ الكافَّةِ، مِن قِبَلِ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا بِالتَّواطُؤِ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ مَعَ اخْتِلافِ هِمَمِهِمْ وتَباعُدِ أوْطانِهِمْ لا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّواطُؤِ مِنهم عَلى مِثْلِهِ، كَما لا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّواطُؤِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ إلى غَيْرِهِ؛ ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ تَواطُؤُهم عَلى اخْتِراعِ أخْبارٍ لا أصْلَ لَها، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَما صَحَّ أنْ يُعْلَمَ بِالأخْبارِ شَيْءٌ؛ وقَدْ عُلِمَ بُطْلانُ هَذا القَوْلِ اضْطِرارًا.

المائدة 5:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّما قالَ: ﴿قالُوا إنّا نَصارى﴾ ولَمْ يَقُلْ: " مِنَ النَّصارى " لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَعُوا النَّصْرانِيَّةَ وتَسَمَّوْا بِها، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى مِنهاجِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا المَسِيحَ في زَمانِهِ مِنَ الحَوارِيِّينَ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا نَصارى في الحَقِيقَةِ نُسِبُوا إلى قَرْيَةٍ بِالشّامِ تُسَمّى " ناصِرَةَ " فانْتَسَبَ هَؤُلاءِ إلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِنهم؛ لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُوَحِّدَةً مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ مُثَلِّثَةٌ مُشْرِكُونَ. وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعَ غَيْرِهِ اسْمَ النَّصارى، لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ عَنْهم، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وفي مَواضِعَ أُخَرَ؛ لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا بِذَلِكَ وصارَ ذَلِكَ سِمَةٌ لَهم وعَلامَةٌ.

المائدة 5:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إنَّما لَحِقَتْهم سِمَةُ الكُفْرِ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّدَيُّنِ بِهِ واعْتِقادِهِمْ إيّاهُ والإقْرارِ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهم لَوْ قالُوا عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُ لَما كَفَرُوا؛ والكُفْرُ هو التَّغْطِيَةُ، ويَرْجِعُ مَعْنى ما ذُكِرَ عَنْهم إلى التَّغْطِيَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كُفْرانُ النِّعْمَةِ بِجَحْدِها أنْ يَكُونَ المُنْعِمُ بِها هو اللَّهُ تَعالى وإضافَتُها إلى غَيْرِهِ مِمَّنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ. والآخَرُ كُفْرٌ مِن جِهَةِ الجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعالى، وكُلُّ جاهِلٍ بِاَللَّهِ كافِرٌ لِتَضْيِيعِهِ حَقَّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ بِمَنزِلَةِ مُضِيفِها إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْناهُ: مَن يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إنْ أرادَ هَلاكَ المَسِيحِ وأُمِّهِ. وهَذا مِن أظْهَرِ الِاحْتِجاجِ وأوْضَحِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المَسِيحُ إلَهًا لَقَدَرَ عَلى دَفْعِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى إهْلاكَهُ وإهْلاكَ غَيْرِهِ، فَلَمّا كانَ المَسِيحُ وسائِرُ المَخْلُوقِينَ سَواءً في جَوازِ وُرُودِ المَوْتِ والهَلاكِ عَلَيْهِمْ، صَحَّ أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ سائِرُ النّاسِ آلِهَةً وهو مِثْلُهم في جَوازِ الفَناءِ والمَوْتِ والهَلاكِ عَلَيْهِمْ.

المائدة 5:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ حِينَ حَذَّرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ نِقْماتِ اللَّهِ، فَقالُوا: لا تُخَوِّفْنا فَإنّا أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ " . قالَ السُّدِّيُّ: " تَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى إسْرائِيلَ أنَّ ولَدَكَ بِكْرِي مِنَ الوَلَدِ " . وقالَ الحَسَنُ: " إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى قُرْبِ الوَلَدِ مِنَ الوالِدِ " وأمّا النَّصارى فَقِيلَ إنَّهم تَأوَّلُوا ما في الإنْجِيلِ مِن قَوْلِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكم " وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وكانَ مِنهم، جَرى ذَلِكَ عَلى قَوْلِ العَرَبِ هُذَيْلٌ شُعَراءُ " أيْ مِنهم شُعَراءُ، وعَلى قَوْلِهِمْ في رَهْطِ مُسَيْلِمَةَ؛ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، أيْ قالَ قائِلٌ مِنهم وتابَعُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ " نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ " أيْ مِنّا ابْنُ اللَّهِ. وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ فِيهِ إبْطالُ دَعْواهم ذَلِكَ وتَكْذِيبُهم بِها عَلى لِسانِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهم يُعَذَّبُونَ بِالذُّنُوبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبَ المُشْفِقَ لا يُعَذِّبُ ولَدَهُ.

المائدة 5:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والحَسَنُ: " المَلِكُ مَن لَهُ دارٌ وامْرَأةٌ وخادِمٌ " . وقالَ غَيْرُهم: " هو الَّذِي لَهُ ما يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ لِلْمَعاشِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ والغَمامِ. وقالَ غَيْرُهم: " بِالأمْوالِ أيْضًا " . وقالَ الحَسَنُ: " إنَّما سَمّاهم مُلُوكًا لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِالتَّخَلُّصِ مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَعْبِدُونَهم " . وقالَ السُّدِّيُّ: " مَلَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ " . وقالَ قَتادَةُ: " كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخادَمَ " .

المائدة 5:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: " أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " أرْضُ الطُّورِ " . وقالَ قَتادَةُ: " أرْضُ الشّامِّ " . (p-٤٣)وقِيلَ: " دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ " . والمُقَدَّسَةُ هي المُطَهَّرَةُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيسَ التَّطْهِيرُ، وإنَّما سَمّاها اللَّهُ المُقَدَّسَةَ لِأنَّها طَهُرَتْ مِن كَثِيرٍ مِنَ الشِّرْكِ وجُعِلَتْ مَسْكَنًا وقَرارًا لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وقَدْ قالَ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٦] ؟ قِيلَ لَهُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَمَهم إيّاها. قالَ أبُو بَكْرٍ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَها عَلى شَرِيطَةِ القِيامِ بِطاعَتِهِ واتِّباعِ أمْرِهِ، فَلَمّا عَصَوْا حَرَمَهم إيّاها. وقَدْ قِيلَ إنَّها عَلى الخُصُوصِ وإنْ كانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ العُمُومِ.

المائدة 5:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الجَبّارَ هو مَنِ الإجْبارِ عَلى الأمْرِ وهو الإكْراهُ عَلَيْهِ، وجَبَرَ العَظْمَ لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، والجُبارُ هَدْرُ الأرْشِ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الكُرْهِ، والجُبارُ مِنَ النَّخْلِ ما فاتَ اليَدَ طُولًا لِأنَّهُ كالجَبّارِ مِنَ النّاسِ، والجَبّارُ مِنَ النّاسِ الَّذِي يُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُ. والجَبّارُ صِفَةُ مَدْحٍ لَهُ تَعالى وهو ذَمٌّ في صِفَةِ غَيْرِهِ يَتَعَظَّمُ بِما لَيْسَ لَهُ والعَظَمَةُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ بِالِاقْتِدارِ؛ ولَمْ يَزَلِ اللَّهُ جَبّارًا، والمَعْنى أنَّ ذاتَهُ يَدْعُو العارِفَ بِهِ إلى تَعْظِيمِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ الجَبّارِ والقَهّارِ أنَّ في القَهّارِ مَعْنى الغالِبِ لِمَن ناوَأهُ أوْ كانَ في حُكْمِ المُناوِئِ بِعِصْيانِهِ إيّاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾ أنَّهم يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى. وقالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ العَلْمِ: " يَخافُونَ الجَبّارِينَ " ولَمْ يَمْنَعْهُمُ الخَوْفُ مِن أنْ يَقُولُوا الحَقَّ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِما بِذَلِكَ فَدَلَّ عَلى فَضِيلَةِ قَوْلِ الحَقِّ عِنْدَ الخَوْفِ وشَرَفِ مَنزِلَتِهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ وعَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» وقالَ لِأبِي ذَرٍّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «وأنْ لا يَأْخُذَكَ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ» وقالَ حِينَ «سُئِلَ عَنْ أفْضَلِ الجِهادِ، فَقالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ».

المائدة 5:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الجَبّارَ هو مَنِ الإجْبارِ عَلى الأمْرِ وهو الإكْراهُ عَلَيْهِ، وجَبَرَ العَظْمَ لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، والجُبارُ هَدْرُ الأرْشِ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الكُرْهِ، والجُبارُ مِنَ النَّخْلِ ما فاتَ اليَدَ طُولًا لِأنَّهُ كالجَبّارِ مِنَ النّاسِ، والجَبّارُ مِنَ النّاسِ الَّذِي يُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُ. والجَبّارُ صِفَةُ مَدْحٍ لَهُ تَعالى وهو ذَمٌّ في صِفَةِ غَيْرِهِ يَتَعَظَّمُ بِما لَيْسَ لَهُ والعَظَمَةُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ بِالِاقْتِدارِ؛ ولَمْ يَزَلِ اللَّهُ جَبّارًا، والمَعْنى أنَّ ذاتَهُ يَدْعُو العارِفَ بِهِ إلى تَعْظِيمِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ الجَبّارِ والقَهّارِ أنَّ في القَهّارِ مَعْنى الغالِبِ لِمَن ناوَأهُ أوْ كانَ في حُكْمِ المُناوِئِ بِعِصْيانِهِ إيّاهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾ أنَّهم يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى. وقالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ العَلْمِ: " يَخافُونَ الجَبّارِينَ " ولَمْ يَمْنَعْهُمُ الخَوْفُ مِن أنْ يَقُولُوا الحَقَّ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِما بِذَلِكَ فَدَلَّ عَلى فَضِيلَةِ قَوْلِ الحَقِّ عِنْدَ الخَوْفِ وشَرَفِ مَنزِلَتِهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ وعَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» وقالَ لِأبِي ذَرٍّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «وأنْ لا يَأْخُذَكَ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ» وقالَ حِينَ «سُئِلَ عَنْ أفْضَلِ الجِهادِ، فَقالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ».

المائدة 5:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ المَجازِ بِمَعْنى " ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ " . والثّانِي: الذَّهابُ الَّذِي هو النُّقْلَةُ؛ وهَذا تَشْبِيهٌ وكُفْرٌ مِن قائِلِهِ، وهو أوْلى بِمَعْنى الكَلامِ؛ لِأنَّ الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّعَجُّبِ مِن جَهْلِهِمْ، وقَدْ يُقالُ عَلى المَجازِ " قاتَلَهُ اللَّهُ " بِمَعْنى أنَّ عَداوَتَهُ لَهم كَعَداوَةِ المُقاتِلِ المُسْتَعْلِي عَلَيْهِمْ بِالِاقْتِدارِ وعِظَمِ السُّلْطانِ.

المائدة 5:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ هَذا مَجازٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ولا أخاهُ الحُرَّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ المِلْكِ القُدْرَةُ (p-٤٤)ومُحالٌ أنْ يَقْدِرَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى أخِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ اسْمُ المِلْكِ عَلى التَّصَرُّفِ فَجُعِلَ المَمْلُوكُ في حُكْمِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ لَهُ أنْ يُصَرِّفَهُ تَصَرُّفَ المَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ وإنَّما مَعْناهُ هاهُنا أنَّهُ يَمْلِكُ تَصْرِيفَ نَفْسِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، وأطْلَقَهُ عَلى أخِيهِ أيْضًا؛ إذْ كانَ يَتَصَرَّفُ بِأمْرِهِ ويَنْتَهِي إلى قَوْلِهِ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أحَدٌ أمَنَّ عَلَيَّ بِنَفْسِهِ وذاتِ يَدِهِ مِن أبِي بَكْرٍ» فَبَكى أبُو بَكْرٍ وقالَ: هَلْ أنا ومالِي إلّا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ يَعْنِي إنِّي مُتَصَرِّفٌ حَيْثُ صَرَفْتَنِي وأمْرُكَ جائِزٌ في مالِي. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» ولَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ المِلْكِ.

المائدة 5:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: " هو تَحْرِيمُ مَنعٍ لِأنَّهم كانُوا يُصْبِحُونَ بِحَيْثُ أمْسَوْا ومِقْدارُ المَوْضِعِ سِتَّةُ فَراسِخَ " . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العَلْمِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ التَّعَبُّدِ؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ أصْلُهُ المَنعُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] يَعْنِي بِهِ المَنعَ؛ قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَرَسًا: ؎حالَتْ لِتَصْرَعَنِي فَقُلْتُ لَها اقْصُرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكَ حَرامُ يَعْنِي: إنِّي فارِسٌ لا يُمْكِنُكَ صَرْعِي. فَهَذا هو أصْلُ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ أجْرى تَحْرِيمَ التَّعَبُّدِ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَنَعَهُ بِذَلِكَ حُكْمًا وصارَ المُحَرَّمُ بِمَنزِلَةِ المَمْنُوعِ؛ إذْ كانَ مِن حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ أنْ لا يَقَعَ كَما لا يَقَعُ المَمْنُوعُ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ونَحْوُهُما تَحْرِيمُ حُكْمٍ وتَعَبُّدٍ لا تَحْرِيمَ مَنعٍ في الحَقِيقَةِ ويَسْتَحِيلُ اجْتِماعُ تَحْرِيمِ المَنعِ وتَحْرِيمِ التَّعَبُّدِ في شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ المَمْنُوعَ لا يَجُوزُ حَظْرُهُ ولا إباحَتُهُ؛ إذْ هو غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، والحَظْرُ والإباحَةُ يَتَعَلَّقُ بِأفْعالِنا، ولا يَكُونُ فِعْلٌ لَنا إلّا وقَدْ كانَ قَبْلَ وُقُوعِهِ مِنّا مَقْدُورًا لَنا.

المائدة 5:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " كانا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ هابِيلَ وقابِيلَ، وكانَ هابِيلُ مُؤْمِنًا وقابِيلُ كافِرًا " وقِيلَ بَلْ كانَ رَجُلَ سُوءٍ. وقالَ الحَسَنُ: هُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ عَلامَةَ تَقَبُّلِ القُرْبانِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ " . والقُرْبانُ ما يُقْصَدُ بِهِ القُرْبُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أعْمالِ البِرِّ؛ وهو " فُعْلانَ " مِنَ القُرْبِ كالفُرْقانِ مِنَ الفَرْقِ، والعُدْوانِ مِنَ العَدْوِ، والكُفْرانِ مِنَ الكُفْرِ وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُتَقَبَّلْ مِن أحَدِهِما لِأنَّهُ قَرَّبَ شَرَّ مالِهِ وقَرَّبَ الآخَرُ خَيْرَ مالِهِ فَتُقُبِّلَ مِنهُ. وقِيلَ: بَلْ رُدَّ قُرْبانُهُ لِأنَّهُ كانَ فاجِرًا، وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَجِيءَ نارٌ فَتَأْكُلَ المُتَقَبَّلَ ولا تَأْكُلُ المَرْدُودَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٥)﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]

المائدة 5:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " مَعْناهُ لَئِنْ بَدَأْتَنِي بِقَتْلٍ لَمْ أبْدَأْكَ بِهِ " ولَمْ يُرِدْ أنِّي لا أدْفَعُكَ عَنْ نَفْسِي إذا قَصَدْتَ قَتْلِي؛ فَرُوِيَ أنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً بِأنْ ألْقى عَلَيْهِ صَخْرَةً وهو نائِمٌ فَشَدَخَهُ بِها. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا أرادَ رَجُلٌ قَتْلَهُ أنْ يَتْرُكَهُ ولا يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وجائِزٌ في العَقْلِ وُرُودُ العِبادَةِ بِمِثْلِهِ، فَإنْ كانَ التَّأْوِيلُ هو الأوَّلُ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ تَرْكِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَتْلِ مَن أرادَ قَتْلَهُ، وإنَّما فِيهِ أنَّهُ لا يَبْدَأُ بِقَتْلِ غَيْرِهِ؛ وإنْ كانَ التَّأْوِيلُ هو الثّانِي فَهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَسْخُهُ بِشَرِيعَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَسْخُهُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ ثابِتٍ في شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ الواجِبَ عَلى مَن قَصَدَهُ إنْسانٌ بِالقَتْلِ أنَّ عَلَيْهِ قَتْلَهُ إذا أمْكَنَهُ وأنَّهُ لا يَسَعُهُ تَرْكُ قَتْلِهِ مَعَ الإمْكانِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فَأمَرَ اللَّهُ بِقِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ، ولا بَغْيَ أشَدُّ مِن قَصْدِ إنْسانٍ بِالقَتْلِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، فاقْتَضَتِ الآيَةُ قَتْلَ مَن قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وقالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فَأخْبَرَ أنَّ في إيجابِهِ القِصاصَ حَياةٌ لَنا؛ لِأنَّ القاصِدَ لِغَيْرِهِ بِالقَتْلِ مَتى عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَصُّ مِنهُ كَفَّ عَنْ قَتْلِهِ. وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في حالِ قَصْدِهِ لِقَتْلِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ في قَتْلِهِ إحْياءً لِمَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَأمَرَ بِالقِتالِ لِنَفْيِ الفِتْنَةِ، ومِنَ الفِتْنَةِ قَصْدُهُ قَتْلَ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قالَ: حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن شَهَرَ سَيْفَهُ ثُمَّ وضَعَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أخْبارٍ مُسْتَفِيضَةٍ: «مَن قُتِلَ دُونَ نَفْسِهِ فَهو شَهِيدُ، ومَن قُتِلَ دُونَ أهْلِهِ فَهو شَهِيدٌ، ومَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ» . ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أُرِيدَ مالُهُ فَقاتَلَ فَقُتِلَ فَهو شَهِيدٌ» فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ الدّافِعَ عَنْ نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ شَهِيدٌ، ولا يَكُونُ مَقْتُولًا دُونَ مالِهِ إلّا وقَدْ قاتَلَ دُونَهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذاكَ أضْعَفُ الإيمانِ» فَأمَرَ بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ (p-٤٦)بِاليَدِ، وإذا لَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهُ إلّا بِقَتْلِهِ فَعَلَيْهِ أنْ يَقْتُلَهُ بِمُقْتَضى ظاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ولا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ رَجُلًا لَوْ شَهَرَ سَيْفَهُ عَلى رَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلَهُ، فَكَذَلِكَ جائِزٌ لِلْمَقْصُودِ بِالقَتْلِ قَتْلُهُ؛ وقَدْ قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ الخَوارِجَ حِينَ قَصَدُوا قَتْلَ النّاسِ وأصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ مُوافِقُونَ لَهُ عَلَيْهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثارٌ في وُجُوبِ قَتْلِهِمْ، مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سَيَكُونُ في أُمَّتِي اخْتِلافٌ وفُرْقَةٌ فِيهِمْ قَوْمٌ يُحْسِنُونَ القَوْلَ ويُسِيئُونَ العَمَلَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ طُوبى لِمَن قَتَلَهم أوْ قَتَلُوهُ» في آثارٍ كَثِيرَةٍ مَشْهُورَةٍ، وقَدْ تَلَقَّتْها السَّلَفُ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلَتْها في وُجُوبِ قَتْلِهِمْ وقِتالِهِمْ. ورَوى أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ عَنْ سِماكٍ عَنْ قابُوسَ بْنِ أبِي المُخارِقِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَأْتِينِي يُرِيدُ مالِي ؟ قالَ: ذَكِّرْهُ اللَّهَ قالَ: فَإنْ لَمْ يَذْكُرْ ؟ قالَ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَن حَوْلَكَ مِنَ المُسْلِمِينَ قالَ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي مِنهم ؟ قالَ: فاسْتَعِنْ عَلَيْهِ السُّلْطانَ قالَ: فَإنْ نَأى عَنِّي السُّلْطانُ ؟ قالَ: قاتِلْ دُونَ مالِكَ حَتّى تَمْنَعَ مالَكَ أوْ تَكُونَ شَهِيدًا في الآخِرَةِ» وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الحَشَوِيَّةِ إلى أنَّ عَلى مَن قَصَدَهُ إنْسانٌ بِالقَتْلِ أنْ لا يُقاتِلَهُ ولا يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى يَقْتُلَهُ، وتَأوَّلُوا فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كَفَّ يَدَهُ عَنْ قَتْلِهِ حِينَ قَصَدَهُ بِالقَتْلِ، وإنَّما الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَبْدَأُ بِالقَتْلِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الآيَةِ عَلى ما ادَّعَوْهُ لَكانَ مَنسُوخًا بِما ذَكَرْنا مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ واتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ عَلى سائِرِ النّاسِ دَفْعَهم عَنْهُ وإنْ أتى عَلى نَفْسِهِ. وتَأوَّلَتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ الَّتِي ذَكَرْنا قَوْلَها أحادِيثَ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنها حَدِيثُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا تَواجَهَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فَقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ أرادَ قَتْلَ صاحِبِهِ» . ورَوى عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَدْعانَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ فافْعَلْ ولا تَقْتُلْ أحَدًا مِن أهْلِ القِبْلَةِ» . ورَوى الحَسَنُ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» . ورَوى مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلًا فَخُذُوا بِالخَيْرِ مِنهُما» . ورَوى مَعْمَرٌ (p-٤٧)عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصّامِتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ بِكَ يا أبا ذَرٍّ إذا كانَ بِالمَدِينَةِ قَتْلٌ ؟ قالَ: قُلْتُ: ألْبَسُ سِلاحِي، قالَ: شارَكْتُ القَوْمَ إذًا قالَ قُلْتُ: فَكَيْفَ أصْنَعُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: إنْ خَشِيتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعاعُ السَّيْفِ فَألْقِ ناحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلى وجْهِكَ يَبُوءُ بِإثْمِكَ وإثْمِهِ» . فاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآثارِ، ولا دَلالَةَ لَهم فِيها. فَأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ» فَإنَّما أرادَ بِذَلِكَ إذا قَصَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ ظُلْمًا عَلى نَحْوِ ما يَفْعَلُهُ أصْحابُ العَصَبِيَّةِ والفِتْنَةِ. وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ فافْعَلْ ولا تَقْتُلْ أحَدًا مِن أهْلِ القِبْلَةِ» فَإنَّما عَنى بِهِ تَرْكَ القِتالِ في الفِتْنَةِ وكَفَّ اليَدِ عَنِ الشُّبْهَةِ، فَأمّا قَتْلُ مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَمَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْفِهِ بِذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ» فَإنَّما عَنى بِهِ أنْ لا يَبْدَأ بِالقَتْلِ، وأمّا دَفْعُ القاتِلِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ. فَإنِ احْتَجُّوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» فَلا يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَ، بِقَضِيَّةِ نَفْيِ النَّبِيِّ ﷺ قَتْلَ المُسْلِمِ إلّا بِإحْدى ما ذُكِرَ، وهَذا لَمْ يَقْتُلْ بَعْدُ فَلا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ. قِيلَ لَهُ: هَذا القاصِدُ لِقَتْلِ غَيْرِهِ ظُلْمًا داخِلٌ في هَذا الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ أرادَ قَتْلَ غَيْرِهِ، فَإنَّما قَتَلْناهُ بِنَفْسِ مَن قَصَدَ لِقَتْلِهِ لِئَلّا يَقْتُلَهُ فَأحْيَيْنا نَفْسَ المَقْصُودِ بِقَتْلِنا إيّاهُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ في ذَلِكَ عَلى ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِن حَظْرِ قَتْلِ مَن قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ ظُلْمًا والإمْساكُ عَنْهُ حَتّى يَقْتُلَ مَن يُرِيدُ قَتْلَهُ، لَوَجَبَ مِثْلُهُ في سائِرِ المَحْظُوراتِ إذا أرادَ الفاجِرُ ارْتِكابَها مِنَ الزِّنا وأخْذِ المالِ أنْ نُمْسِكَ عَنْهُ حَتّى يَفْعَلَها، فَيَكُونَ في ذَلِكَ تَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ واسْتِيلاءِ الفُجّارِ وغَلَبَةِ الفُسّاقِ والظَّلَمَةِ ومَحْوِ آثارِ الشَّرِيعَةِ؛ وما أعْلَمُ مَقالَةً أعْظَمَ ضَرَرًا عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، ولَعَمْرِي إنَّها أدَّتْ إلى غَلَبَةِ الفُسّاقِ عَلى أُمُورِ المُسْلِمِينَ واسْتِيلائِهِمْ عَلى بُلْدانِهِمْ حَتّى تَحَكَّمُوا فَحَكَمُوا فِيها بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، وقَدْ جَرَّ ذَلِكَ ذَهابَ الثُّغُورِ وغَلَبَةَ العَدُوِّ حِينَ رَكَنَ النّاسُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ في تَرْكِ قِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والإنْكارِ عَلى الوُلاةِ والجُوارِ واَللَّهُ المُسْتَعانُ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الجُمْهُورِ في ذَلِكَ وأنَّ القاصِدَ لِقَتْلِ غَيْرِهِ ظُلْمًا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ وأنَّ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ أنْ يَقْتُلُوهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فَكانَ في (p-٤٨)مَضْمُونِ الآيَةِ إباحَةُ قَتْلِ المُفْسِدِ في الأرْضِ، ومِن أعْظَمِ الفَسادِ قَصْدُ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ القاصِدَ لِقَتْلِ غَيْرِهِ ظُلْمًا مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ مُبِيحٌ لِدَمِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ ذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ في اللِّصِّ يَنْقُبُ البُيُوتَ: يَسَعُكَ قَتْلُهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ» ولا يَكُونُ شَهِيدًا إلّا هو مَأْمُورٌ بِالقِتالِ إنْ أمْكَنَهُ فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ إيجابَ قَتْلِهِ إذا قَدَرِ عَلَيْهِ. وقالَ أيْضًا في رَجُلٍ يُرِيدُ قَلْعَ سِنِّكَ، قالَ فَلَكَ أنْ تَقْتُلَهُ إذا كُنْتَ في مَوْضِعٍ لا يُعِينُكَ النّاسُ عَلَيْهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وذَلِكَ لِأنَّ قَلْعَ السِّنِّ أعْظَمُ مِن أخْذِ المالِ، فَإذا جازَ قَتْلُهُ لِحِفْظِ مالِهِ فَهو أوْلى بِجَوازِ القَتْلِ مِن أجْلِها.

المائدة 5:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: " إثْمُ قَتْلِي وإثْمُكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي " . وقالَ غَيْرُهم: " إثْمُكَ الَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ " . والمُرادُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِعِقابِ إثْمِي وإثْمِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ حَقِيقَةَ الإثْمِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إرادَةُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ كَما لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ بِها. ومَعْنى " تَبُوءَ " تَرْجِعُ، يُقالُ: باءَ، إذا رَجَعَ إلى المَباءَةِ وهي المَنزِلُ، وباءُوا بِغَضَبِ اللَّهِ: رَجَعُوا، والبَواءُ: الرُّجُوعُ بِالقَوَدِ وهم في هَذِهِ الأمْرِ بَواءٌ أيْ سَواءٌ؛ لِأنَّهم يَرْجِعُونَ فِيهِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.

المائدة 5:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: " شَجَّعَتْهُ نَفْسُهُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ " . وقالَ قَتادَةُ: " زَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ " . وقِيلَ: " ساعَدَتْهُ نَفْسُهُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ " . والمَعْنى في جَمِيعِ ذَلِكَ أنَّهُ فَعَلَهُ طَوْعًا مِن نَفْسِهِ غَيْرَ مُتَكَرِّهٍ لَهُ، ويُقالُ إنَّ العَرَبَ تَقُولُ: طاعَ لِهَذِهِ الظَّبْيَةِ أُصُولُ الشَّجَرِ، وطاعَ لِفُلانٍ كَذا، أيْ أتاهُ طَوْعًا. ويُقالُ: انْطاعَ بِمَعْنى انْقادَ؛ ويُقالُ: طَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، ولا يُقالُ أطاعَتْهُ نَفْسُهُ، عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهم: " أطاعَ " يَقْتَضِي قَصْدًا مِنهُ لِمُوافَقَةِ مَعْنى الأمْرِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في نَفْسِهِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ الطَّوْعُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْتَضِي أمْرًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ آمِرًا لِنَفْسِهِ ولا ناهِيًا لَها؛ إذْ كانَ مَوْضُوعُ الأمْرِ والنَّهْيِ مِمَّنْ هو أعْلى لِمَن دُونَهُ؛ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْ يُوصَفَ بِفِعْلٍ يَتَناوَلُهُ ولا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: " حَرَّكَ نَفْسَهُ " و" قَتَلَ نَفْسَهُ " كَما يُقالُ: " حَرَّكَ غَيْرَهُ " و" قَتَلَ غَيْرَهُ " . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ يَعْنِي خَسِرَ نَفْسَهُ بِإهْلاكِهِ إيّاها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] ولا دَلالَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ عَلى أنَّ القَتْلَ كانَ لَيْلًا، وإنَّما المُرادُ بِهِ وقْتٌ مُبْهَمٌ جائِزٌ أنْ يَكُونَ لَيْلًا وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَهارًا، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ: (p-٤٩) ؎أصْبَحَتْ عاذِلَتِي مُعْتَلَّهْ ولَيْسَ المُرادُ النَّهارَ دُونَ اللَّيْلِ؛ وكَقَوْلِ الآخَرِ: ؎بَكَرَتْ عَلَيَّ عَواذِلِي ∗∗∗ يَلْحَيْنَنِي ويَصْرِمُنَّهْ ولَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أوَّلَ النَّهارِ دُونَ آخِرِهِ. وهَذا عادَةُ العَرَبِ في إطْلاقِ مِثْلِهِ والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ المُبْهَمُ.

المائدة 5:31

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ حَتّى رَأى غُرابًا جاءَ يَدْفِنُ غُرابًا مَيِّتًا " وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى فَسادِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ قَدْ عَرَفَ الدَّفْنَ بِجَرَيانِ العادَةِ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وهو الأصْلُ في سُنَّةِ دَفْنِ المَوْتى؛ وقالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] وقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] وقِيلَ في مَعْنى: ﴿سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: جِيفَةُ أخِيهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ حَتّى يُنْتِنَ لَقِيلَ لِجِيفَتِهِ سَوْأةٌ. والثّانِي عَوْرَةُ أخِيهِ؛ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِاحْتِمالِهِما. وأصْلُ السَّوْأةِ التَّكَرُّهُ، ومِنهُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا؛ إذا أتاهُ بِما يَتَكَرَّهُهُ وقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا قِصَّتَهُ لِنَعْتَبِرَ بِها ونَتَجَنَّبَ قُبْحَ ما فَعَلَهُ القاتِلُ مِنهُما. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما ودَعُوا شَرَّهُما» . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ قِيلَ إنَّهُ نَدِمَ عَلى القَتْلِ عَلى غَيْرِ جِهَةِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ وخَوْفِ عِقابِهِ، وإنَّما كانَ نَدَمُهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما فَعَلَ ونالَهُ ضَرَرٌ بِسَبَبِهِ مِن قِبَلِ أبِيهِ وأُمِّهِ، ولَوْ نَدِمَ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ لَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وغَفَرَ ذَنْبَهُ.

المائدة 5:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. فِيهِ إبانَةٌ عَنِ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ما ذُكِرَ في الآيَةِ، وهو لِئَلّا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النُّصُوصَ قَدْ تَرِدُ مُضَمَّنَةً بِمَعانٍ يَجِبُ اعْتِبارُها في أغْيارِها في إثْباتِ الأحْكامِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ القِياسِ ووُجُوبِ اعْتِبارِ المَعانِي الَّتِي عُلِّقَ بِها الأحْكامُ وجُعِلَتْ عِلَلًا وأعْلامًا لَها * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِنَفْسٍ فَلا لَوْمَ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ مَن قَتَلَ (p-٥٠)نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ قَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها تَعْظِيمُ الوِزْرِ. والثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَأْثَمِ كُلِّ قاتِلٍ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُ سَنَّ القَتْلَ وسَهَّلَهُ لِغَيْرِهِ فَكانَ كالمُشارِكِ لَهُ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن قاتِلٍ ظُلْمًا إلّا وعَلى ابْنِ آدَمَ كِفْلٌ مِنَ الإثْمِ لِأنَّهُ سَنَّ القَتْلَ» وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . والثّالِثُ: أنَّ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ مَعُونَةَ ولِيِّ المَقْتُولِ حَتّى يُقِيدُوهُ مِنهُ، فَيَكُونُ كُلُّهم خُصُومَهُ في ذَلِكَ حَتّى يُقادَ مِنهُ، كَأنَّهُ قَتَلَ أوْلِياءَهم جَمِيعًا. وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القَوَدِ عَلى الجَماعَةِ إذا قَتَلَتْ واحِدًا؛ إذْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: " مَن أحْياها نَجّاها مِنَ الهَلاكِ " . وقالَ الحَسَنُ: " إذا عَفا عَنْ دَمِها وقَدْ وجَبَ القَوَدُ " . وقالَ غَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: " زَجَرَ عَنْ قَتْلِها بِما فِيهِ حَياتُها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِإحْيائِها مَعُونَةَ الوَلِيِّ عَلى قَتْلِ القاتِلِ واسْتِيفاءَ القِصاصِ مِنهُ حَياةً كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِإحْيائِها أنْ يُقْتَلَ القاصِدُ لِقَتْلِ غَيْرِهِ ظُلْمًا فَيَكُونَ مُجِيبًا لِهَذا المَقْصُودِ بِالقَتْلِ ويَكُونَ كَمَن أحْيا النّاسَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُرْدِعُ القاصِدِينَ إلى قَتْلِ غَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ حَياةٌ لِسائِرِ النّاسِ مِنَ القاصِدِينَ لِلْقَتْلِ والمَقْصُودِينَ بِهِ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضُرُوبًا مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الأحْكامِ، مِنها: دَلالَتُها عَلى وُرُودِ الأحْكامِ مُضَمَّنَةً بِمَعانٍ يَجِبُ اعْتِبارُها بِوُجُودِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقِياسِ. والثّانِي إباحَةُ قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ. والثّالِثُ: أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ. والرّابِعُ: مَن قَصَدَ قَتْلَ مُسْلِمٍ ظُلْمًا فَهو مُسْتَحِقُّ القَتْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ كَما دَلَّ عَلى وُجُوبِ قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ فَهو يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قَتْلِهِ إذا قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ؛ إذْ هو مَقْتُولٌ بِنَفْسِ إرادَةِ إتْلافِها. والخامِسُ: الفَسادُ في الأرْضِ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ. والسّادِسُ احْتِمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ أنَّ عَلَيْهِ مَأْثَمَ كُلِّ قاتِلٍ بَعْدَهُ لِأنَّهُ سَنَّ القَتْلَ وسَهَّلَهُ لِغَيْرِهِ. والسّابِعُ: أنَّ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ مَعُونَةَ ولِيِّ المَقْتُولِ حَتّى يُقِيدُوهُ مِنهُ. والثّامِنُ: دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ القَوَدِ عَلى الجَماعَةِ إذا قَتَلُوا واحِدًا. والتّاسِعُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ عَلى مَعُونَةِ الوَلِيِّ عَلى قَتْلِ القاتِلِ. والعاشِرُ: دَلالَتُهُ أيْضًا عَلى قَتْلِ مَن قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ ظُلْمًا؛ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. (p-٥١)

المائدة 5:33

بابُ حَدِّ المُحارِبِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ هو مَجازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَسْتَحِيلُ أنْ يُحارَبَ؛ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّى الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مُمْتَنِعِينَ مُجاهِرِينَ بِإظْهارِ السِّلاحِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ مُحارِبِينَ لَمّا كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن حارَبَ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ ومانَعَهُ، فَسُمُّوا مُحارِبِينَ تَشْبِيهًا لَهم بِالمُحارِبِينَ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] ومَعْنى المُشاقَّةِ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ يُبايِنُ صاحِبَهُ ومَعْنى المُحادَّةِ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في حَدٍّ عَلى وجْهِ المُفارَقَةِ وذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ لَيْسَ بِذِي مَكانٍ فَيُشاقُّ أوْ يُحادُّ أوْ تَجُوزُ عَلَيْهِ المُبايَنَةُ والمُفارَقَةُ، ولَكِنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالمُعادِيِّينَ إذا صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ وناحِيَةٍ عَلى وجْهِ المُبايَنَةِ. وذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في إظْهارِ المُخالَفَةِ والمُبايَنَةِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا سُمُّوا بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِمُظْهِرِي الخِلافِ عَلى غَيْرِهِمْ ومُحارَبَتِهِمْ إيّاهم مِنَ النّاسِ. وخُصَّتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِهَذِهِ السِّمَةِ لِخُرُوجِها مُمْتَنِعَةً بِأنْفُسِها لِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وانْتِهاكِ الحَرِيمِ وإظْهارِ السِّلاحِ، ولَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ كُلُّ عاصٍ لِلَّهِ تَعالى؛ إذْ لَيْسَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ في الِامْتِناعِ وإظْهارِ المُغالَبَةِ في أخْذِ الأمْوالِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] والمَعْنى: يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَوْ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ لَكانُوا مُرْتَدِّينَ بِإظْهارِ مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ المُحارَبَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ عَلى مَن عَظُمَتْ جَرِيرَتُهُ بِالمُجاهَرَةِ بِالمَعْصِيَةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ المِلَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ، «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَأى مُعاذًا يَبْكِي فَقالَ: ما يُبْكِيكَ ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اليَسِيرُ مِنَ الرِّياءِ شِرْكٌ ومَن عادى أوْلِياءَ اللَّهِ فَقَدْ بارَزَ اللَّهَ بِالمُحارَبَةِ» فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ المُحارَبَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الرِّدَّةَ؛ ومَن حارَبَ مُسْلِمًا عَلى أخْذِ مالِهِ فَهو مُعادٍ لِأوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى مُحارِبٌ لِلَّهِ تَعالى بِذَلِكَ. ورَوى أسْباطُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ صُبَيْحٍ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ: «أنا حَرْبٌ لِمَن حارَبْتُمْ سِلْمٌ لِمَن سالَمْتُمْ» فاسْتَحَقَّ مَن حارَبَهُمُ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قاطِعَ الطَّرِيقِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المُحارِبِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِرَسُولِهِ. (p-٥٢)ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى أشْعَثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ: أنَّ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا وتابَ مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى عامِلِهِ بِالبَصْرَةِ: " إنَّ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وتابَ مِن قَبْلِ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَلا تَعْرِضَنَّ لَهُ إلّا بِخَيْرٍ " فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يَرْتَدَّ وإنَّما قَطَعَ الطَّرِيقَ. فَهَذِهِ الأخْبارُ وما ذَكَرْنا مِن مَعْنى الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الِاسْمَ يَلْحَقُ قُطّاعَ الطَّرِيقِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا ولا مُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِأهْلِ الرِّدَّةِ وأنَّهُ فِيمَن قَطَعَ الطَّرِيقَ وإنْ كانَ مِن أهْلِ المِلَّةِ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ مِمَّنْ لا يُعْتَدُّ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُرْتَدِّينَ؛ وهو قَوْلٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ وإجْماعِ السَّلَفِ والخَلَفِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ مِن أهْلِ المِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ المُرْتَدِّينَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهم في زَوالِ العُقُوبَةِ عَنْهم بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ القُدْرَةِ كَما تُسْقِطُها عَنْهم قَبْلَ القُدْرَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ تَوْبَتِهِمْ قَبْلَ القُدْرَةِ أوْ بَعْدَها. وأيْضًا فَإنَّ الإسْلامَ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَمَّنْ وجَبَ عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ قُطّاعُ الطَّرِيقِ مِن أهْلِ المِلَّةِ وأنَّ تَوْبَتَهم مِنَ الفِعْلِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ هي المُسْقِطَةُ لِلْحَدِّ عَنْهم. وأيْضًا فَإنَّ المُرْتَدَّ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ دُونَ المُحارَبَةِ، والمَذْكُورُ في الآيَةِ مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ بِالمُحارَبَةِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ المُرْتَدَّ. وأيْضًا ذُكِرَ فِيهِ نَفْيُ مَن لَمْ يَتُبْ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، والمُرْتَدُّ لا يُنْفى، فَعَلِمْنا أنَّ حُكْمَ الآيَةِ جارٍ في أهْلِ المِلَّةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ بِالكُفْرِ، وإنَّ الأسِيرَ مِن أهْلِ الرِّدَّةِ مَتى حَصَلَ في أيْدِينا عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ فَإنْ أسْلَمَ وإلّا قُتِلَ ولا تُقْطَعُ يَدُهُ ولا رِجْلُهُ. وأيْضًا فَإنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ قَطْعَ يَدِ المُحارِبِ ورِجْلِهِ ولَمْ تُوجِبْ مَعَهُ شَيْئًا آخَرَ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرْتَدَّ لا يَجُوزُ أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ورِجْلُهُ ويُخَلّى سَبِيلُهُ بَلْ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، واَللَّهُ تَعالى قَدْ أوْجَبَ الِاقْتِصارَ بِهِمْ في حالٍ عَلى قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ دُونَ غَيْرِهِ. وأيْضًا لَيْسَ مِن حُكْمِ المُرْتَدِّينَ الصَّلْبُ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ في غَيْرِ أهْلِ الرِّدَّةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ في المُحارِبِينَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَشَرَطَ في زَوالِ الحَدِّ عَنِ المُحارِبِينَ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنهم قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وأسْقَطَ عُقُوبَةَ الكُفْرِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها. فَلَمّا عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ (p-٥٣)بِالمُحارِبِينَ أهْلَ الرِّدَّةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها كُلَّها دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَنِ ادَّعى خُصُوصَ الآيَةِ في المُرْتَدِّينَ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رَوى قَتادَةُ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أُناسٌ مِن عُرَيْنَةَ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلى ذَوْدِنا فَشَرِبْتُمْ مِن ألْبانِها وأبْوالِها فَفَعَلُوا، فَلَمّا صَحُّوا قامُوا إلى راعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلُوهُ ورَجَعُوا كُفّارًا واسْتاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ في طَلَبِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وسَمَّلَ أعْيُنَهم وتَرَكَهم في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا» . قِيلَ لَهُ: إنَّ خَبَرَ العُرَنِيِّينَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَذَكَرَ بَعْضُهم عَنْ أنَسٍ نَحْوَ ما ذَكَرْنا، وزادَ فِيهِ: أنَّهُ كانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ. ورَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ وكانَ مُوادِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلى قَوْمٍ جاءُوا يُرِيدُونَ الإسْلامَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ قِصَّةِ العُرَنِيِّينَ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْ. رِدَّةً ولا يَخْلُو نُزُولُ الآيَةِ مِن أنْ يَكُونَ في شَأْنِ العُرَنِيِّينَ أوِ المُوادِعِينَ، فَإنْ كانَ نُزُولُها في العُرَنِيِّينَ وأنَّهُمُ ارْتَدُّوا، فَإنَّ نُزُولَها في شَأْنِهِمْ لا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِها عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا حُكْمَ لِلسَّبَبِ عِنْدَنا وإنَّما الحُكْمُ عِنْدَنا لِعُمُومِ اللَّفْظِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى الِاقْتِصارِ بِهِ عَلى السَّبَبِ. وأيْضًا فَإنَّ مَن ذَكَرَ نُزُولَها في شَأْنِ العُرَنِيِّينَ فَإنَّهُ ما ذَكَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ شَيْئًا، وإنَّما تَرَكَهم في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا؛ ويَسْتَحِيلُ نُزُولُ الآيَةِ في الأمْرِ بِقَطْعِ مَن قَدْ قُطِعَ وقَتْلِ مَن قُتِلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَعَلِمْنا أنَّهم غَيْرُ مُرادِينَ بِحُكْمِ الآيَةِ ولِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في سائِرِ مَن يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الحُكْمِ عَلى المُرْتَدِّينَ وقَدْ رَوى هَمّامٌ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: " كانَ أمْرُ العُرَنِيِّينَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ " فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّلَ أعْيُنَهم، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ المُثْلَةِ. وأيْضًا لَمّا كانَ نُزُولُ الآيَةِ بَعْدَ قِصَّةِ العُرَنِيِّينَ واقْتُصِرَ فِيها عَلى ما ذُكِرَ ولَمْ يَذْكُرْ سَمْلَ الأعْيُنِ، فَصارَ سَمْلُ الأعْيُنِ مَنسُوخًا بِالآيَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حَدًّا مَعَهُ لَذَكَرَهُ؛ وهو مِثْلُ ما رُوِيَ في خَبَرِ عُبادَةَ: «فِي البِكْرِ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ. والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الجَلْدُ والرَّجْمُ» ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فَصارَ الحَدُّ هو ما في الآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وصارَ النَّفْيُ مَنسُوخًا بِها. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ في العُرَنِيِّينَ وأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَهم أنَّ فِيها ذِكْرَ القَتْلِ والصَّلْبِ ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ (p-٥٤)سَمْلِ الأعْيُنِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ إجْراءِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا مُرادِينَ بِها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجْرى النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَها عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لَمْ يُصْلَبُوا وسَمَلَهم دَلَّ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا حِينَئِذٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى المُرْتَدِّينَ وأنَّهُ عامٌّ في سائِرِ المُحارِبِينَ. ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ واخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في حُكْمِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ أنا ذاكِرُها، بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ جارٍ في أهْلِ المِلَّةِ إذا قَطَعُوا الطَّرِيقَ؛ فَرَوى الحَجّاجُ بْنُ أرْطَأةَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ الآيَةَ، قالَ: " إذا حارَبَ الرَّجُلُ فَقَتَلَ وأخَذَ المالَ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ وقُتِلَ وصُلِبَ، فَإنْ قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ قُتِلَ، وإنْ أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ، وإذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ نُفِيَ " . ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ في الرَّجُلِ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويَأْخُذُ المالَ ويَقْتُلُ أنَّ الإمامَ فِيهِ بِالخِيارِ، إنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ مِن خِلافٍ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، وإنْ شاءَ صَلَبَهُ ولَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ ولا رِجْلَهُ، وإنْ شاءَ قَتَلَهُ ولَمْ يَصْلُبْهُ؛ فَإنْ أخَذَ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ عُزِّرَ ونُفِيَ مِنَ الأرْضِ، ونَفْيُهُ حَبْسُهُ؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أُوجِعَ عُقُوبَةً وحُبِسَ حَتّى يُحْدِثَ خَيْرًا؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ رِوايَةً وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وحَمّادٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ. فَهَذا قَوْلُ السَّلَفِ الَّذِينَ جَعَلُوا حُكْمَ الآيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ. وقالَ آخَرُونَ: الإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ إذا خَرَجُوا يُجْرِي عَلَيْهِمْ أيَّ هَذِهِ الأحْكامِ شاءَ وإنْ لَمْ يَقْتُلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا مالًا. ومِمَّنْ قالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ رِوايَةً وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إذا قَتَلَ المُحارِبُونَ ولَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ قُتِلُوا، وإنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، لا خِلافَ بَيْنَ أصْحابِنا في ذَلِكَ، فَإنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: " لِلْإمامِ أرْبَعُ خِياراتٍ: إنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وقَتَلَهم، وإنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، وإنْ شاءَ صَلَبَهم، وإنْ شاءَ قَتَلَهم وتَرَكَ القَطْعَ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فَإنَّهم يُصْلَبُونَ ويُقْتَلُونَ ولا يُقْطَّعُونَ " . ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في " الإمْلاءِ " أنَّهُ قالَ: " إنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ وصَلَبَهُ، فَأمّا (p-٥٥)الصَّلْبُ فَلا أُعْفِيهِ مِنهُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ: " إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا المالَ قُتِلُوا ولَمْ يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، وإذا أخافُوا السَّبِيلَ نُفُوا، وإذا هَرَبُوا طُلِبُوا حَتّى يُؤْخَذُوا فَيُقامُ عَلَيْهِمُ الحُدُودُ، إلّا مَن تابَ قَبْلَ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الحَدُّ، ولا يَسْقُطُ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ؛ ويُقْطَعُ مَن أخَذَ رُبْعَ دِينارٍ فَصاعِدًا " . وقالَ مالِكٌ: " إذا أخَذَ المُحارِبُ المُخِيفُ لِلسَّبِيلِ فَإنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في إقامَةِ أيِّ الحُدُودِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها قَتَلَ المُحارِبُ أوْ لَمْ يَقْتُلْ، أخَذَ مالًا أوْ لَمْ يَأْخُذْ، الإمامُ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ: إنْ شاءَ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ قَطَعَهُ خِلافًا، وإنْ شاءَ نَفاهُ ونَفْيُهُ حَبْسُهُ حَتّى يُظْهِرَ تَوْبَةً، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى المُحارِبِ حَتّى يَأْتِيَهُ تائِبًا وُضِعَ عَنْهُ حَدُّ المُحارَبَةِ القَتْلُ والقَطْعُ والنَّفْيُ وأُخِذَ بِحُقُوقِ النّاسِ " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " الَّذِي يَقْتُلُ ويَأْخُذُ المالَ يُصْلَبُ فَيُطْعَنُ بِالحَرْبَةِ حَتّى يَمُوتَ، واَلَّذِي يَقْتُلُ فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ " . وقالَ أبُو الزِّنادِ في المُحارِبِينَ: " ما يَصْنَعُ الوالِي فِيهِمْ فَهو صَوابٌ، مِن قَتْلٍ أوْ صَلْبٍ أوْ قَطْعٍ أوْ نَفْيٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» فَنَفى ﷺ قَتْلَ مَن خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ ولَمْ يُخَصِّصْ فِيهِ قاطِعَ الطَّرِيقِ، فانْتَفى بِذَلِكَ قَتْلُ مَن لَمْ يَقْتُلْ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ وإذا انْتَفى قَتْلُ مَن لَمْ يَقْطَعْ وجَبَ قَطْعُ يَدِهِ ورِجْلِهِ، إذا أخَذَ المالَ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: رَوى إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ ورَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا فَقُتِلَ بِهِ، ورَجُلٌ خَرَجَ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَيُقْتَلُ أوْ يُصْلَبُ أوْ يُنْفى مِنَ الأرْضِ» . قِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن وُجُوهٍ صِحاحٍ ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ قَتْلُ المُحارِبِ رَواهُ عُثْمانُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَتْلَ المُحارِبِ. والصَّحِيحُ مِنها ما لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ لا مَحالَةَ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ بِالِاتِّفاقِ، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ في خَبَرِ هَؤُلاءِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الثَّلاثَةِ غَيْرُهم، ويَكُونُ المُحارِبُ إذا لَمْ يُقْتَلْ خارِجًا مِنهم. وإنْ صَحَّ ذِكْرُ المُحارِبِ فِيهِ، فالمَعْنى فِيهِ: إذا قُتِلَ، حَتّى يَكُونَ مُوافِقًا لِلْأخْبارِ الأُخَرِ وتَكُونُ فائِدَتُهُ جَوازَ قَتْلِهِ عَلى وجْهِ الصَّلْبِ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ: أوْ (p-٥٦)يُنْفى مِنَ الأرْضِ. قِيلَ لَهُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأٌ قَدْ أُضْمِرَ فِيهِ: إنْ لَمْ يَقْتُلْ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ يُقْتَلُ الباغِي وإنْ لَمْ يَقْتُلْ، وهو خارِجٌ عَنِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ في الخَبَرِ. قِيلَ لَهُ ظاهِرُ الخَبَرِ يَنْفِي قَتْلَهُ، وإنَّما قَتَلْناهُ بِدَلالَةِ الِاتِّفاقِ وبَقِيَ حُكْمُ الخَبَرِ في نَفْيِ قَتْلِ المُحارِبِ إلّا أنْ يَقْتُلَ عَلى العُمُومِ. وأيْضًا فَإنَّ الخَبَرَ إنَّما ورَدَ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ بِفِعْلٍ سَبَقَ مِنهُ واسْتَقَرَّ حُكْمُهُ عَلَيْهِ، كالزّانِي المُحْصَنِ والمُرْتَدِّ والقاتِلِ، والباغِي لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وإنَّما يُقْتَلُ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ ولَمْ يُقاتِلْ لَمْ يُقْتَلْ وإنْ كانَ مُعْتَقِدًا لِمَقالَةِ أهْلِ البَغْيِ ؟ فَثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّ حُكْمَ الآيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا لا عَلى التَّخْيِيرِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا ولا تَخْيِيرَ فِيها اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهم لَوْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا لَمْ يَجُزْ لِلْإمامِ أنْ يَنْفِيَهُ ويَتْرُكَ قَطْعَ يَدِهِ ورِجْلِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ لَمْ يَجُزْ لِلْإمامِ أنْ يُعْفِيَهُ مِنَ القَتْلِ أوِ الصَّلْبِ. ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَ القائِلُونَ بِالتَّخْيِيرِ لَكانَ التَّخَيُّرُ ثابِتًا فِيما إذا أخَذُوا المالَ وقَتَلُوا أوْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا ثَبَتَ أنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا وهو أنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ إنْ خَرَجُوا ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ حَتّى ظُفِرَ بِهِمْ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالتَّخْيِيرِ بِظاهِرِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فَدَلَّ عَلى أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ بِخُرُوجِهِمْ وامْتِناعِهِمْ وإخافَتِهِمُ السَّبِيلَ وإنْ لَمْ يَقْتُلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا مالًا. ولَيْسَ ما ذَكَرُوهُ بِمُوجِبٍ لِلتَّخْيِيرِ مَعَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى ضَمِيرِ الآيَةِ وتَعَلُّقِ الحُكْمِ بِهِ دُونَ مُقْتَضى ظاهِرِها، وهو ما قَدَّمْنا مِن أنَّها لَوْ كانَتْ مُوجِبَةً لِلتَّخْيِيرِ ولَمْ يَكُنْ فِيها ضَمِيرٌ لَكانَ الخِيارُ باقِيًا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ في العُدُولِ عَنْ قَتْلِهِمْ وقَطْعِهِمْ إلى نَفْيِهِمْ، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ العُدُولُ عَنِ القَتْلِ والقَطْعِ في هَذِهِ الحالِ صَحَّ أنَّ مَعْناها أنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا أوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما وجَبَ قَتْلُهم إذا قَتَلُوا وقَطْعُهم إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْهُ إلى النَّفْيِ؛ لِأنَّ القَتْلَ عَلى الِانْفِرادِ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحارِبًا وأخَذَ المالَ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَطْعُ إذا كانَ سارِقًا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ في هَذِهِ الحالِ العُدُولُ إلى النَّفْيِ وتَرْكُ القَتْلِ أوِ القَطْعِ. قِيلَ لَهُ قَتْلُ المُحارِبِ في هَذِهِ الحالِ وقَطْعُهُ حَدٌّ لَيْسَ عَلى وجْهِ (p-٥٧)القَوَدِ، ألا تَرى أنَّ عَفْوَ الأوْلِياءِ غَيْرُ جائِزٍ فِيهِ ؟ فَثَبَتَ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ، ووَجَبَ قَطْعُهُ لِأخْذِهِ المالَ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ، فَإذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذْ مالًا لَمْ يَجُزْ أنْ يُقْتَلَ ولا يُقْطَعَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ القَتْلُ واجِبًا حَدًّا لَما جازَ العُدُولُ عَنْهُ إلى النَّفْيِ وكَذَلِكَ القَطْعُ، كَما أنَّهم إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ لَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنِ القَتْلِ أوِ القَطْعِ إلى النَّفْيِ؛ إذْ كانَ وُجُوبُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَدِّ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُحارِبَ لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلّا إذا قَتَلَ ولا القَطْعَ إلّا إذا أخَذَ المالَ. ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا مُبْتَدَأً؛ لِأنَّ القَتْلَ إذا وجَبَ حَدًّا لَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ القَطْعُ كالزّانِي والسّارِقِ؛ فَلَمّا جازَ لِلْإمامِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ قَتْلِ المُحارِبِ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ إلى النَّفْيِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ بِنَفْسِ الخُرُوجِ، وكَما لَوْ قَتَلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يُعْفى عَنْ قَتْلِهِ، فَلَوْ كانَ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِنَفْسِ المُحارَبَةِ لَما جازَ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ كَما لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إذا قَتَلَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] وتَسْوِيَتُهُ بَيْنَ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ النَّفْسِ وبَيْنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَإنَّما المُرادُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ قَتْلٌ أوْ قَتْلُهُ في حالِ إظْهارِ الفَسادِ، فَيُقْتَلُ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ؛ ونَحْنُ قَدْ نَقْتُلُ المُحارِبَ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ، وإنَّما الكَلامُ فِيمَن صارَ في يَدِ الإمامِ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ هَلْ يَجُوزُ أنْ يَقْتُلَهُ إذا لَمْ يَقْتُلْ ؟ فَأمّا عَلى وجْهِ الدَّفْعِ فَلا خِلافَ فِيهِ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الفَسادَ في الأرْضِ لَوْ كانَ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ لَما جازَ العُدُولُ عَنْهُ إلى النَّفْيِ، فَلَمّا جازَ عِنْدَ الجَمِيعِ نَفْيُهُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ، فَصَحَّ بِما وصَفْنا قَوْلُ مَن قالَ بِإيجابِ تَرْتِيبِ حُكْمِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا. وأيْضًا فَإنَّ الوُصُولَ إلى القَتْلِ لا يُسْتَحَقُّ بِأخْذِ المالِ ولا القَصْدُ لَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُحارِبِينَ إنَّما خَرَجُوا لِأخْذِ المالِ، فَإنْ كانَ القَتْلُ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ لِأخْذِ المالِ في الأُصُولِ فالقَصْدُ لِأخْذِهِ أوْلى أنْ لا يُسْتَحَقَّ بِهِ القَتْلُ عَلى وجْهِ الحَدِّ، فَإذا خَرَجَ المُحارِبُونَ وقَتَلُوا قُتِلُوا حَدًّا لِأجْلِ القَتْلِ. ولَيْسَ قَتْلُهم هَذا قَوَدًا؛ لِأنَّ القَتْلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ في الأُصُولِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ الفَسادِ في الأرْضِ تَأكَّدَ حُكْمُهُ بِأنْ أوْجَبَ قَتْلَهُ حَدًّا عَلى أنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ فِيهِ عَفْوُ الأوْلِياءِ؛ فَإنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ لِما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ. وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ يُسْتَحَقُّ بِأخْذِ المالِ في الأُصُولِ، ألا تَرى أنَّ السّارِقَ تُقْطَعُ يَدُهُ فَإنْ (p-٥٨)عادَ فَسَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ ؟ إلّا أنَّهُ غُلِّظَتْ عُقُوبَتُهُ حِينَ كانَ أخْذُهُ لِلْمالِ عَلى وجْهِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَإنْ قَتَلَ وأخَذَ فالإمامُ فِيهِ بِالخِيارِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِلافِ أصْحابِنا فِيهِ، فَكانَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ: لَهُ أنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ والصَّلْبِ والقَتْلِ، وأخَذَ المالَ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ صارَ جَمِيعُ ذَلِكَ حَدًّا واحِدًا، ألا تَرى أنَّ القَتْلَ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَحَقٌّ عَلى وجْهِ الحَدِّ كالقَطْعِ وأنَّ عَفْوَ الأوْلِياءِ فِيهِ لا يَجُوزُ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا حَدٌّ واحِدٌ؛ فَلِذَلِكَ كانَ لِلْإمامِ أنْ يَجْمَعَهُما جَمِيعًا ولَهُ أنْ يَقْتُلَهم، فَيَدْخُلُ فِيهِ قَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى الإمامِ التَّرْتِيبُ في التَّبْدِئَةِ بِبَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ فَلَهُ أنْ يَبْدَأ بِالقَتْلِ أوْ بِالقَطْعِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلّا قَتَلْتَهُ وأسْقَطْتَ القَطْعَ كَمَن سَرَقَ وقَتَلَ أنَّهُ يُقْتَلُ ولا يُقْطَعُ قِيلَ لَهُ: لَمّا بَيَّنّا مِن أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَدٌّ واحِدٌ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ واحِدٍ وهو القَتْلُ وأخْذُ المالِ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ، وأمّا السَّرِقَةُ والقَتْلُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ اسْتُحِقَّ الآخَرُ، وقَدْ أُمِرْنا بِدَرْءِ الحُدُودِ ما اسْتَطَعْنا؛ فَلِذَلِكَ بَدَأْنا بِالقَتْلِ لِنَدْرَأ أحَدَ الحَدَّيْنِ، ولَيْسَ في مَسْألَتِنا دَرْءُ أحَدِ الحَدَّيْنِ وإنَّما هو حَدٌّ واحِدٌ، فَلَمْ يَلْزَمْنا إسْقاطُ بَعْضِهِ وإيجابُ بَعْضٍ. وهُوَ مُخَيَّرٌ أيْضًا بَيْنَ أنْ يَقْتُلَهُ صَلْبًا وبَيْنَ الِاقْتِصارِ عَلى القَتْلِ دُونَ الصَّلْبِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ وذَكَرَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ أنَّ الصَّلْبَ المَذْكُورَ في آيَةِ المُحارِبِ هو الصَّلْبُ بَعْدَ القَتْلِ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. وكانَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ يَحْكِي عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ يُصْلَبُ ثُمَّ يُقْتَلُ يُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ أوْ غَيْرِهِ فَيُقْتَلُ. وقالَ أبُو الحَسَنِ: هَذا هو الصَّحِيحُ، وصَلْبُهُ بَعْدَ القَتْلِ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الصَّلْبَ عُقُوبَةٌ وذَلِكَ يَسْتَحِيلُ في المَيِّتِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُصْلَبَ بَعْدَ القَتْلِ رَدْعًا لِغَيْرِهِ ؟ فَقالَ: لِأنَّ الصَّلْبَ إذا كانَ مَوْضُوعُهُ لِلتَّعْذِيبِ والعُقُوبَةِ لَمْ يَجُزْ إيقاعُهُ إلّا عَلى الوَجْهِ المَوْضُوعِ في الشَّرِيعَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَ اللَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ القَتْلَ أوِ الصَّلْبَ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَمْعُهُما عَلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهُ: أرادَ قَتْلًا عَلى غَيْرِ وجْهِ الصَّلْبِ إذا قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ، وأرادَ قَتْلًا عَلى وجْهِ الصَّلْبِ إذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ، فَغُلِّظَتِ العُقُوبَةُ عَلَيْهِ في صِفَةِ القَتْلِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ. ورَوى مُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: " يُتْرَكُ المَصْلُوبُ مِنَ المُحارِبِينَ عَلى الخَشَبَةِ يَوْمًا " وقالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ " . واخْتُلِفَ في النَّفْيِ، فَقالَ أصْحابُنا: " هو حَبْسُهُ حَيْثُ يَرى الإمامُ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ إبْراهِيمَ؛ ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ رِوايَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ نَفْيَهُ طَلَبُهُ. وقالَ مالِكٌ: " يُنْفى إلى بَلَدٍ آخَرَ غَيْرِ (p-٥٩)البَلَدِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ العُقُوبَةَ فَيُحْبَسُ هُناكَ " . وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: " هو أنْ يَطْلُبَ الإمامُ الحَدَّ عَلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ عَنْ دارِ الإسْلامِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا مَن قالَ إنَّهُ يُنْفى عَنْ كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ؛ فَهو إنَّما يَنْفِيهِ عَنِ البَلَدِ الَّذِي هو فِيهِ والإقامَةُ فِيهِ، وهو حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنفِيٍّ مِنَ التَّصَرُّفِ في غَيْرِهِ، فَلا مَعْنى لِذَلِكَ ولا مَعْنى أيْضًا لِحَبْسِهِ في بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ؛ إذِ الحَبْسُ يَسْتَوِي في البَلَدِ الَّذِي أصابَ فِيهِ وفي غَيْرِهِ، فالصَّحِيحُ إذًا حَبْسُهُ في بَلَدِهِ. وأيْضًا فَلا يَخْلُو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ نَفْيُهُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ نَفْيُهُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ إلّا بِأنْ يُقْتَلَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّفْيِ القَتْلَ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ في الآيَةِ القَتْلَ مَعَ النَّفْيِ، أوْ يَكُونُ مُرادُهُ نَفْيَهُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي خَرَجَ مِنها مُحارِبًا مِن غَيْرِ حَبْسِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِما ذَكَرَهُ زَجْرُهُ عَنْ إخافَةِ السَّبِيلِ وكَفُّ أذاهُ عَنِ المُسْلِمِينَ، وهو إذا صارَ إلى بَلَدٍ آخَرَ فَكانَ هُناكَ مُخَلّى كانَتْ مَعَرَّتُهُ قائِمَةً عَلى المُسْلِمِينَ إذا كانَ تَصَرُّفُهُ هُناكَ كَتَصَرُّفِهِ في غَيْرِهِ أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَهُ عَنْ دارِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ نَفْيُ المُسْلِمِ إلى دارِ الحَرْبِ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِهِ لِلرِّدَّةِ ومَصِيرِهِ إلى أنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا. فَثَبَتَ أنَّ مَعْنى النَّفْيِ هو نَفْيُهُ عَنْ سائِرِ الأرْضِ إلّا مَوْضِعَ حَبْسِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ فِيهِ العَبَثُ والفَسادُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ لا تَكُونُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، لِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِوَعِيدِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِثْناءٌ لِمَن تابَ مِنهم مِن قَبْلِ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وإخْراجٌ لَهم مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الحَدَّ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو إخْراجُ بَعْضِ ما انْتَظَمَتْهُ الجُمْلَةُ مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] فَأخْرَجَ آلَ لُوطٍ مِن جُمْلَةِ المُهْلَكِينَ، وأخْرَجَ المَرْأةَ بِالِاسْتِثْناءِ مِن جُمْلَةِ المُنَجِّينَ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] فَكانَ إبْلِيسُ خارِجًا مِن جُمْلَةِ السّاجِدِينَ. فَكَذَلِكَ لَمّا اسْتَثْناهم مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ إذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ نَفى إيجابَ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] عُقِلَ بِذَلِكَ سُقُوطُ عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عَنْهم. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ قالَ في السَّرِقَةِ: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ (p-٦٠)وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩] ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ تَوْبَةُ السّارِقِ مُسْقِطَةً لِلْحَدِّ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنَّما أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن تابَ مِنهم، وفي آيَةِ المُحارِبِينَ اسْتِثْناءٌ يُوجِبُ إخْراجَهم مِن مُبْتَدَأً مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ عَنْ تَضْمِينِهِ بِغَيْرِهِ، وكُلُّ كَلامٍ اكْتَفى بِنَفْسِهِ لَمْ نَجْعَلْهُ مُضَمَّنًا بِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ مُفْتَقِرٌ في صِحَّتِهِ إلى ما قَبْلَهُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ مُضَمَّنًا بِهِ. ومَتى سَقَطَ الحَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ وجَبَتْ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ مِنَ القَتْلِ والجِراحاتِ وضَمانِ الأمْوالِ. وإذا وجَبَ الحَدُّ سَقَطَ ضَمانُ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ في المالِ والنَّفْسِ والجِراحاتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ وُجُوبَ الحَدِّ بِهَذا الفِعْلِ يُسْقِطُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ، كالسّارِقِ إذا سَرَقَ وقُطِعَ لَمْ يَضْمَنِ السَّرِقَةَ، وكالزّانِي إذا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لَمْ يَلْزَمْهُ المَهْرُ، وكالقاتِلِ إذا وجَبَ عَلَيْهِ القَوَدُ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُ المالِ؛ كَذَلِكَ المُحارِبُونَ إذا وجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدُّ سَقَطَتْ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فَإذا سَقَطَ الحَدُّ عَنِ المُحارِبِ وجَبَ ضَمانُ ما تَناوَلَهُ مِن مالٍ أوْ نَفْسٍ، كالسّارِقِ إذا دُرِئَ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ مُحارِبًا فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " مَن قَطَعَ الطَّرِيقَ في المِصْرِ لَيْلًا أوْ نَهارًا أوْ بَيْنَ الحِيرَةِ والكُوفَةِ لَيْلًا أوْ نَهارًا فَلا يَكُونُ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ إلّا في الصَّحارِي " . وحَكى أصْحابُ " الإمْلاءِ " عَنْ أبِي يُوسُفَ: " أنَّ الأمْصارَ وغَيْرَها سَواءٌ وهُمُ المُحارِبُونَ، يُقامُ حَدُّهم " . ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في اللُّصُوصِ الَّذِينَ يَكْبِسُونَ النّاسَ لَيْلًا في دُورِهِمْ في المِصْرِ أنَّهم بِمَنزِلَةِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ يُجْرى عَلَيْهِمْ أحْكامُهم. وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَكُونُ مُحارِبًا حَتّى يَقْطَعَ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ مِنَ القَرْيَةِ؛ وذُكِرَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: " المُحارَبَةُ أنْ يُقاتِلُوا عَلى طَلَبِ المالِ مِن غَيْرِ نائِرَةٍ " ولَمْ يُفَرِّقْ هاهُنا بَيْنَ المِصْرِ وغَيْرِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: " قُطّاعُ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ بِالسِّلاحِ لِلْقَوْمِ حَتّى يَغْصِبُوهُمُ المالَ، والصَّحارِي والمِصْرَ واحِدٌ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " لا يَكُونُ مُحارِبًا بِالكُوفَةِ حَتّى يَكُونَ خارِجًا مِنها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا قَطْعَ عَلى خائِنٍ ولا مُخْتَلِسٍ» فَنَفى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَطْعَ عَنِ المُخْتَلِسِ، والمُخْتَلِسُ هو الَّذِي يَخْتَلِسُ الشَّيْءَ وهو مُمْتَنِعٌ فَوَجَبَ بِذَلِكَ اعْتِبارُ المَنعَةِ مِنَ المُحارِبِينَ وأنَّهم مَتى كانُوا في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُهم أنْ يَمْتَنِعُوا وقَدْ يَلْحَقُ مَن قَصَدُوهُ الغَوْثُ مِن قِبَلِ المُسْلِمِينَ أنْ لا يَكُونُوا مُحارِبِينَ وأنْ يَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُخْتَلِسِ والمُنْتَهِبِ كالرَّجُلِ الواحِدِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في المِصْرِ فَيَكُونُ مُخْتَلِسًا غاصِبًا لا يَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، وإذا كانَتْ جَماعَةٌ مُمْتَنِعَةٌ (p-٦١)فِي الصَّحْراءِ فَهَؤُلاءِ يُمْكِنُهم أخْذُ أمْوالِ السّابِلَةِ قَبْلَ أنْ يَلْحَقَهُمُ الغَوْثُ، فَبايَنُوا بِذَلِكَ المُخْتَلِسَ ومَن لَيْسَ لَهُ امْتِناعٌ في أحْكامِهِمْ. ولَوْ وجَبَ أنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ المِصْرِ وغَيْرِهِ لَوَجَبَ اسْتِواءُ حُكْمِ الرَّجُلِ الواحِدِ والجَماعَةِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ لا يَكُونُ مُحارِبًا في المِصْرِ لِعَدَمِ الِامْتِناعِ مِنهُ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ الجَماعَةِ في المِصْرِ لِفَقْدِ الِامْتِناعِ مِنهم عَلى أهْلِ المِصْرِ. وأمّا إذا كانُوا في الصَّحْراءِ فَهم مُمْتَنِعُونَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِمْ إلّا بِالطَّلَبِ والقِتالِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُهم وحُكْمُ مَن في المِصْرِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنْ كانَ الِاعْتِبارُ بِما ذَكَرْتَ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ العَشَرَةُ مِنَ اللُّصُوصِ إذا اعْتَرَضُوا قافِلَةً فِيها ألْفُ رَجُلٍ غَيْرُ مُحارِبِينَ؛ إذْ قَدْ يُمْكِنُهُمُ الِامْتِناعُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ لَهُ: صارُوا مُحارِبِينَ بِالِامْتِناعِ والخُرُوجِ، سَواءٌ قَصَدُوا القافِلَةَ أوْ لَمْ يَقْصِدُوها، فَلا يَزُولُ عَنْهم هَذا الحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ القافِلَةِ مُمْتَنِعَةً مِنهم كَما لا يَزُولُ بِكَوْنِ أهْلِ الأمْصارِ مُمْتَنِعِينَ مِنهم. وأجْرى أبُو يُوسُفَ عَلى اللُّصُوصِ في المِصْرِ حُكْمَ المُحارِبِينَ لِامْتِناعِهِمْ والخُرُوجُ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ لِأخْذِ المالِ فَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُهم بِالمِصْرِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ سائِرَ ما يُوجِبُ الحَدَّ مِنَ الزِّنا والسَّرِقَةِ والقَذْفِ والقَتْلِ لا يَخْتَلِفُ أحْكامُ فاعِلِيها بِالمِصْرِ وغَيْرِهِ. * * واعْتَبَرَ أصْحابُنا في إيجابِ قَطْعِ المُحارِبِ مِقْدارَ المالِ المَأْخُوذِ، بِأنْ يُصِيبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشَرَةَ دَراهِمَ. واعْتَبَرَ الشّافِعِيُّ رُبْعَ دِينارٍ كَما اعْتَبَرَهُ في قَطْعِ السّارِقِ، ولَمْ يَعْتَبِرْهُ مالِكٌ؛ لِأنَّهُ يَرى إجْراءَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ قَبْلَ أخْذِ المالِ. * * وقالَ أصْحابُنا: إذا كانَ الَّذِي ولِيَ القَتْلَ وأخَذَ المالَ بَعْضُهم كانَ حُكْمُ جَمِيعِهِمْ حُكْمَ المُحارِبِينَ يَجْرِي الحُكْمُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَ المُحارَبَةِ والمَنعَةِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِاجْتِماعِهِمْ جَمِيعًا، فَلَمّا كانَ السَّبَبُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ المُحارَبَةِ وهو المَنعَةُ حَصَلَ بِاجْتِماعِهِمْ جَمِيعًا وجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ مَن ولِيَ القَتْلَ مِنهم ومَن كانَ عَوْنًا أوْ ظَهِيرًا؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجَيْشَ إذا غَنِمُوا مِن أهْلِ الحَرْبِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ مَن ولِيَ القِتالَ مِنهم ومَن كانَ مِنهم رِدْءًا وظَهِيرًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ مَن قَتَلَ بِعَصًا أوْ بِسَيْفٍ؛ إذْ كانَ مَن لَمْ يَلِ القِتالَ يَجْرِي عَلَيْهِ الحُكْمُ.

المائدة 5:34

بابُ حَدِّ المُحارِبِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ هو مَجازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَسْتَحِيلُ أنْ يُحارَبَ؛ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّى الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مُمْتَنِعِينَ مُجاهِرِينَ بِإظْهارِ السِّلاحِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ مُحارِبِينَ لَمّا كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن حارَبَ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ ومانَعَهُ، فَسُمُّوا مُحارِبِينَ تَشْبِيهًا لَهم بِالمُحارِبِينَ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] ومَعْنى المُشاقَّةِ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ يُبايِنُ صاحِبَهُ ومَعْنى المُحادَّةِ أنْ يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في حَدٍّ عَلى وجْهِ المُفارَقَةِ وذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ لَيْسَ بِذِي مَكانٍ فَيُشاقُّ أوْ يُحادُّ أوْ تَجُوزُ عَلَيْهِ المُبايَنَةُ والمُفارَقَةُ، ولَكِنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالمُعادِيِّينَ إذا صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ وناحِيَةٍ عَلى وجْهِ المُبايَنَةِ. وذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في إظْهارِ المُخالَفَةِ والمُبايَنَةِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا سُمُّوا بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِمُظْهِرِي الخِلافِ عَلى غَيْرِهِمْ ومُحارَبَتِهِمْ إيّاهم مِنَ النّاسِ. وخُصَّتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِهَذِهِ السِّمَةِ لِخُرُوجِها مُمْتَنِعَةً بِأنْفُسِها لِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وانْتِهاكِ الحَرِيمِ وإظْهارِ السِّلاحِ، ولَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ كُلُّ عاصٍ لِلَّهِ تَعالى؛ إذْ لَيْسَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ في الِامْتِناعِ وإظْهارِ المُغالَبَةِ في أخْذِ الأمْوالِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] والمَعْنى: يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَوْ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ لَكانُوا مُرْتَدِّينَ بِإظْهارِ مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ يَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ المُحارَبَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ عَلى مَن عَظُمَتْ جَرِيرَتُهُ بِالمُجاهَرَةِ بِالمَعْصِيَةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ المِلَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ، «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَأى مُعاذًا يَبْكِي فَقالَ: ما يُبْكِيكَ ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اليَسِيرُ مِنَ الرِّياءِ شِرْكٌ ومَن عادى أوْلِياءَ اللَّهِ فَقَدْ بارَزَ اللَّهَ بِالمُحارَبَةِ» فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ المُحارَبَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الرِّدَّةَ؛ ومَن حارَبَ مُسْلِمًا عَلى أخْذِ مالِهِ فَهو مُعادٍ لِأوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى مُحارِبٌ لِلَّهِ تَعالى بِذَلِكَ. ورَوى أسْباطُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ صُبَيْحٍ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ: «أنا حَرْبٌ لِمَن حارَبْتُمْ سِلْمٌ لِمَن سالَمْتُمْ» فاسْتَحَقَّ مَن حارَبَهُمُ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قاطِعَ الطَّرِيقِ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المُحارِبِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِرَسُولِهِ. (p-٥٢)ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى أشْعَثُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ: أنَّ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا وتابَ مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى عامِلِهِ بِالبَصْرَةِ: " إنَّ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وتابَ مِن قَبْلِ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَلا تَعْرِضَنَّ لَهُ إلّا بِخَيْرٍ " فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ المُحارِبِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يَرْتَدَّ وإنَّما قَطَعَ الطَّرِيقَ. فَهَذِهِ الأخْبارُ وما ذَكَرْنا مِن مَعْنى الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الِاسْمَ يَلْحَقُ قُطّاعَ الطَّرِيقِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا ولا مُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِأهْلِ الرِّدَّةِ وأنَّهُ فِيمَن قَطَعَ الطَّرِيقَ وإنْ كانَ مِن أهْلِ المِلَّةِ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ مِمَّنْ لا يُعْتَدُّ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُرْتَدِّينَ؛ وهو قَوْلٌ ساقِطٌ مَرْدُودٌ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ وإجْماعِ السَّلَفِ والخَلَفِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ مِن أهْلِ المِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ المُرْتَدِّينَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهم في زَوالِ العُقُوبَةِ عَنْهم بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ القُدْرَةِ كَما تُسْقِطُها عَنْهم قَبْلَ القُدْرَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ تَوْبَتِهِمْ قَبْلَ القُدْرَةِ أوْ بَعْدَها. وأيْضًا فَإنَّ الإسْلامَ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَمَّنْ وجَبَ عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ قُطّاعُ الطَّرِيقِ مِن أهْلِ المِلَّةِ وأنَّ تَوْبَتَهم مِنَ الفِعْلِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ هي المُسْقِطَةُ لِلْحَدِّ عَنْهم. وأيْضًا فَإنَّ المُرْتَدَّ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ دُونَ المُحارَبَةِ، والمَذْكُورُ في الآيَةِ مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ بِالمُحارَبَةِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ المُرْتَدَّ. وأيْضًا ذُكِرَ فِيهِ نَفْيُ مَن لَمْ يَتُبْ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، والمُرْتَدُّ لا يُنْفى، فَعَلِمْنا أنَّ حُكْمَ الآيَةِ جارٍ في أهْلِ المِلَّةِ. وأيْضًا فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ بِالكُفْرِ، وإنَّ الأسِيرَ مِن أهْلِ الرِّدَّةِ مَتى حَصَلَ في أيْدِينا عُرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامُ فَإنْ أسْلَمَ وإلّا قُتِلَ ولا تُقْطَعُ يَدُهُ ولا رِجْلُهُ. وأيْضًا فَإنَّ الآيَةَ أوْجَبَتْ قَطْعَ يَدِ المُحارِبِ ورِجْلِهِ ولَمْ تُوجِبْ مَعَهُ شَيْئًا آخَرَ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرْتَدَّ لا يَجُوزُ أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ورِجْلُهُ ويُخَلّى سَبِيلُهُ بَلْ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، واَللَّهُ تَعالى قَدْ أوْجَبَ الِاقْتِصارَ بِهِمْ في حالٍ عَلى قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ دُونَ غَيْرِهِ. وأيْضًا لَيْسَ مِن حُكْمِ المُرْتَدِّينَ الصَّلْبُ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ في غَيْرِ أهْلِ الرِّدَّةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ في المُحارِبِينَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَشَرَطَ في زَوالِ الحَدِّ عَنِ المُحارِبِينَ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنهم قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وأسْقَطَ عُقُوبَةَ الكُفْرِ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها. فَلَمّا عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ (p-٥٣)بِالمُحارِبِينَ أهْلَ الرِّدَّةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها كُلَّها دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَنِ ادَّعى خُصُوصَ الآيَةِ في المُرْتَدِّينَ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رَوى قَتادَةُ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أُناسٌ مِن عُرَيْنَةَ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلى ذَوْدِنا فَشَرِبْتُمْ مِن ألْبانِها وأبْوالِها فَفَعَلُوا، فَلَمّا صَحُّوا قامُوا إلى راعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلُوهُ ورَجَعُوا كُفّارًا واسْتاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْسَلَ في طَلَبِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وسَمَّلَ أعْيُنَهم وتَرَكَهم في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا» . قِيلَ لَهُ: إنَّ خَبَرَ العُرَنِيِّينَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَذَكَرَ بَعْضُهم عَنْ أنَسٍ نَحْوَ ما ذَكَرْنا، وزادَ فِيهِ: أنَّهُ كانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ. ورَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ وكانَ مُوادِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلى قَوْمٍ جاءُوا يُرِيدُونَ الإسْلامَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ قِصَّةِ العُرَنِيِّينَ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْ. رِدَّةً ولا يَخْلُو نُزُولُ الآيَةِ مِن أنْ يَكُونَ في شَأْنِ العُرَنِيِّينَ أوِ المُوادِعِينَ، فَإنْ كانَ نُزُولُها في العُرَنِيِّينَ وأنَّهُمُ ارْتَدُّوا، فَإنَّ نُزُولَها في شَأْنِهِمْ لا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِها عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا حُكْمَ لِلسَّبَبِ عِنْدَنا وإنَّما الحُكْمُ عِنْدَنا لِعُمُومِ اللَّفْظِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى الِاقْتِصارِ بِهِ عَلى السَّبَبِ. وأيْضًا فَإنَّ مَن ذَكَرَ نُزُولَها في شَأْنِ العُرَنِيِّينَ فَإنَّهُ ما ذَكَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ شَيْئًا، وإنَّما تَرَكَهم في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا؛ ويَسْتَحِيلُ نُزُولُ الآيَةِ في الأمْرِ بِقَطْعِ مَن قَدْ قُطِعَ وقَتْلِ مَن قُتِلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَعَلِمْنا أنَّهم غَيْرُ مُرادِينَ بِحُكْمِ الآيَةِ ولِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في سائِرِ مَن يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الحُكْمِ عَلى المُرْتَدِّينَ وقَدْ رَوى هَمّامٌ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: " كانَ أمْرُ العُرَنِيِّينَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ " فَأخْبَرَ أنَّهُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّلَ أعْيُنَهم، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ المُثْلَةِ. وأيْضًا لَمّا كانَ نُزُولُ الآيَةِ بَعْدَ قِصَّةِ العُرَنِيِّينَ واقْتُصِرَ فِيها عَلى ما ذُكِرَ ولَمْ يَذْكُرْ سَمْلَ الأعْيُنِ، فَصارَ سَمْلُ الأعْيُنِ مَنسُوخًا بِالآيَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حَدًّا مَعَهُ لَذَكَرَهُ؛ وهو مِثْلُ ما رُوِيَ في خَبَرِ عُبادَةَ: «فِي البِكْرِ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ. والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الجَلْدُ والرَّجْمُ» ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فَصارَ الحَدُّ هو ما في الآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وصارَ النَّفْيُ مَنسُوخًا بِها. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ في العُرَنِيِّينَ وأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَهم أنَّ فِيها ذِكْرَ القَتْلِ والصَّلْبِ ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ (p-٥٤)سَمْلِ الأعْيُنِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ إجْراءِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا مُرادِينَ بِها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجْرى النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَها عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لَمْ يُصْلَبُوا وسَمَلَهم دَلَّ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا حِينَئِذٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى المُرْتَدِّينَ وأنَّهُ عامٌّ في سائِرِ المُحارِبِينَ. ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ واخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في حُكْمِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ أنا ذاكِرُها، بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ جارٍ في أهْلِ المِلَّةِ إذا قَطَعُوا الطَّرِيقَ؛ فَرَوى الحَجّاجُ بْنُ أرْطَأةَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ الآيَةَ، قالَ: " إذا حارَبَ الرَّجُلُ فَقَتَلَ وأخَذَ المالَ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ وقُتِلَ وصُلِبَ، فَإنْ قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ قُتِلَ، وإنْ أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ، وإذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ نُفِيَ " . ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ في الرَّجُلِ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويَأْخُذُ المالَ ويَقْتُلُ أنَّ الإمامَ فِيهِ بِالخِيارِ، إنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ مِن خِلافٍ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، وإنْ شاءَ صَلَبَهُ ولَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ ولا رِجْلَهُ، وإنْ شاءَ قَتَلَهُ ولَمْ يَصْلُبْهُ؛ فَإنْ أخَذَ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ عُزِّرَ ونُفِيَ مِنَ الأرْضِ، ونَفْيُهُ حَبْسُهُ؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أُوجِعَ عُقُوبَةً وحُبِسَ حَتّى يُحْدِثَ خَيْرًا؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ رِوايَةً وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وحَمّادٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ. فَهَذا قَوْلُ السَّلَفِ الَّذِينَ جَعَلُوا حُكْمَ الآيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ. وقالَ آخَرُونَ: الإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ إذا خَرَجُوا يُجْرِي عَلَيْهِمْ أيَّ هَذِهِ الأحْكامِ شاءَ وإنْ لَمْ يَقْتُلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا مالًا. ومِمَّنْ قالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ رِوايَةً وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إذا قَتَلَ المُحارِبُونَ ولَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ قُتِلُوا، وإنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، لا خِلافَ بَيْنَ أصْحابِنا في ذَلِكَ، فَإنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: " لِلْإمامِ أرْبَعُ خِياراتٍ: إنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وقَتَلَهم، وإنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وصَلَبَهم، وإنْ شاءَ صَلَبَهم، وإنْ شاءَ قَتَلَهم وتَرَكَ القَطْعَ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فَإنَّهم يُصْلَبُونَ ويُقْتَلُونَ ولا يُقْطَّعُونَ " . ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في " الإمْلاءِ " أنَّهُ قالَ: " إنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ وصَلَبَهُ، فَأمّا (p-٥٥)الصَّلْبُ فَلا أُعْفِيهِ مِنهُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ: " إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا المالَ قُتِلُوا ولَمْ يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، وإذا أخافُوا السَّبِيلَ نُفُوا، وإذا هَرَبُوا طُلِبُوا حَتّى يُؤْخَذُوا فَيُقامُ عَلَيْهِمُ الحُدُودُ، إلّا مَن تابَ قَبْلَ أنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الحَدُّ، ولا يَسْقُطُ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ؛ ويُقْطَعُ مَن أخَذَ رُبْعَ دِينارٍ فَصاعِدًا " . وقالَ مالِكٌ: " إذا أخَذَ المُحارِبُ المُخِيفُ لِلسَّبِيلِ فَإنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في إقامَةِ أيِّ الحُدُودِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها قَتَلَ المُحارِبُ أوْ لَمْ يَقْتُلْ، أخَذَ مالًا أوْ لَمْ يَأْخُذْ، الإمامُ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ: إنْ شاءَ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ قَطَعَهُ خِلافًا، وإنْ شاءَ نَفاهُ ونَفْيُهُ حَبْسُهُ حَتّى يُظْهِرَ تَوْبَةً، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى المُحارِبِ حَتّى يَأْتِيَهُ تائِبًا وُضِعَ عَنْهُ حَدُّ المُحارَبَةِ القَتْلُ والقَطْعُ والنَّفْيُ وأُخِذَ بِحُقُوقِ النّاسِ " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " الَّذِي يَقْتُلُ ويَأْخُذُ المالَ يُصْلَبُ فَيُطْعَنُ بِالحَرْبَةِ حَتّى يَمُوتَ، واَلَّذِي يَقْتُلُ فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ " . وقالَ أبُو الزِّنادِ في المُحارِبِينَ: " ما يَصْنَعُ الوالِي فِيهِمْ فَهو صَوابٌ، مِن قَتْلٍ أوْ صَلْبٍ أوْ قَطْعٍ أوْ نَفْيٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» فَنَفى ﷺ قَتْلَ مَن خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ ولَمْ يُخَصِّصْ فِيهِ قاطِعَ الطَّرِيقِ، فانْتَفى بِذَلِكَ قَتْلُ مَن لَمْ يَقْتُلْ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ وإذا انْتَفى قَتْلُ مَن لَمْ يَقْطَعْ وجَبَ قَطْعُ يَدِهِ ورِجْلِهِ، إذا أخَذَ المالَ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: رَوى إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ ورَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا فَقُتِلَ بِهِ، ورَجُلٌ خَرَجَ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فَيُقْتَلُ أوْ يُصْلَبُ أوْ يُنْفى مِنَ الأرْضِ» . قِيلَ لَهُ: قَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن وُجُوهٍ صِحاحٍ ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ قَتْلُ المُحارِبِ رَواهُ عُثْمانُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَتْلَ المُحارِبِ. والصَّحِيحُ مِنها ما لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ لا مَحالَةَ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ بِالِاتِّفاقِ، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ في خَبَرِ هَؤُلاءِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الثَّلاثَةِ غَيْرُهم، ويَكُونُ المُحارِبُ إذا لَمْ يُقْتَلْ خارِجًا مِنهم. وإنْ صَحَّ ذِكْرُ المُحارِبِ فِيهِ، فالمَعْنى فِيهِ: إذا قُتِلَ، حَتّى يَكُونَ مُوافِقًا لِلْأخْبارِ الأُخَرِ وتَكُونُ فائِدَتُهُ جَوازَ قَتْلِهِ عَلى وجْهِ الصَّلْبِ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ: أوْ (p-٥٦)يُنْفى مِنَ الأرْضِ. قِيلَ لَهُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأٌ قَدْ أُضْمِرَ فِيهِ: إنْ لَمْ يَقْتُلْ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ يُقْتَلُ الباغِي وإنْ لَمْ يَقْتُلْ، وهو خارِجٌ عَنِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورِينَ في الخَبَرِ. قِيلَ لَهُ ظاهِرُ الخَبَرِ يَنْفِي قَتْلَهُ، وإنَّما قَتَلْناهُ بِدَلالَةِ الِاتِّفاقِ وبَقِيَ حُكْمُ الخَبَرِ في نَفْيِ قَتْلِ المُحارِبِ إلّا أنْ يَقْتُلَ عَلى العُمُومِ. وأيْضًا فَإنَّ الخَبَرَ إنَّما ورَدَ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ بِفِعْلٍ سَبَقَ مِنهُ واسْتَقَرَّ حُكْمُهُ عَلَيْهِ، كالزّانِي المُحْصَنِ والمُرْتَدِّ والقاتِلِ، والباغِي لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وإنَّما يُقْتَلُ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ ولَمْ يُقاتِلْ لَمْ يُقْتَلْ وإنْ كانَ مُعْتَقِدًا لِمَقالَةِ أهْلِ البَغْيِ ؟ فَثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّ حُكْمَ الآيَةِ عَلى التَّرْتِيبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا لا عَلى التَّخْيِيرِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا ولا تَخْيِيرَ فِيها اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهم لَوْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا لَمْ يَجُزْ لِلْإمامِ أنْ يَنْفِيَهُ ويَتْرُكَ قَطْعَ يَدِهِ ورِجْلِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ لَمْ يَجُزْ لِلْإمامِ أنْ يُعْفِيَهُ مِنَ القَتْلِ أوِ الصَّلْبِ. ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَ القائِلُونَ بِالتَّخْيِيرِ لَكانَ التَّخَيُّرُ ثابِتًا فِيما إذا أخَذُوا المالَ وقَتَلُوا أوْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا ثَبَتَ أنَّ في الآيَةِ ضَمِيرًا وهو أنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ إنْ خَرَجُوا ولَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ حَتّى ظُفِرَ بِهِمْ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالتَّخْيِيرِ بِظاهِرِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فَدَلَّ عَلى أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ بِخُرُوجِهِمْ وامْتِناعِهِمْ وإخافَتِهِمُ السَّبِيلَ وإنْ لَمْ يَقْتُلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا مالًا. ولَيْسَ ما ذَكَرُوهُ بِمُوجِبٍ لِلتَّخْيِيرِ مَعَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى ضَمِيرِ الآيَةِ وتَعَلُّقِ الحُكْمِ بِهِ دُونَ مُقْتَضى ظاهِرِها، وهو ما قَدَّمْنا مِن أنَّها لَوْ كانَتْ مُوجِبَةً لِلتَّخْيِيرِ ولَمْ يَكُنْ فِيها ضَمِيرٌ لَكانَ الخِيارُ باقِيًا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ في العُدُولِ عَنْ قَتْلِهِمْ وقَطْعِهِمْ إلى نَفْيِهِمْ، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ العُدُولُ عَنِ القَتْلِ والقَطْعِ في هَذِهِ الحالِ صَحَّ أنَّ مَعْناها أنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا أوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما وجَبَ قَتْلُهم إذا قَتَلُوا وقَطْعُهم إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْهُ إلى النَّفْيِ؛ لِأنَّ القَتْلَ عَلى الِانْفِرادِ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحارِبًا وأخَذَ المالَ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَطْعُ إذا كانَ سارِقًا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ في هَذِهِ الحالِ العُدُولُ إلى النَّفْيِ وتَرْكُ القَتْلِ أوِ القَطْعِ. قِيلَ لَهُ قَتْلُ المُحارِبِ في هَذِهِ الحالِ وقَطْعُهُ حَدٌّ لَيْسَ عَلى وجْهِ (p-٥٧)القَوَدِ، ألا تَرى أنَّ عَفْوَ الأوْلِياءِ غَيْرُ جائِزٍ فِيهِ ؟ فَثَبَتَ أنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ، ووَجَبَ قَطْعُهُ لِأخْذِهِ المالَ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ، فَإذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذْ مالًا لَمْ يَجُزْ أنْ يُقْتَلَ ولا يُقْطَعَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ القَتْلُ واجِبًا حَدًّا لَما جازَ العُدُولُ عَنْهُ إلى النَّفْيِ وكَذَلِكَ القَطْعُ، كَما أنَّهم إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ لَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنِ القَتْلِ أوِ القَطْعِ إلى النَّفْيِ؛ إذْ كانَ وُجُوبُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَدِّ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُحارِبَ لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلّا إذا قَتَلَ ولا القَطْعَ إلّا إذا أخَذَ المالَ. ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا مُبْتَدَأً؛ لِأنَّ القَتْلَ إذا وجَبَ حَدًّا لَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ القَطْعُ كالزّانِي والسّارِقِ؛ فَلَمّا جازَ لِلْإمامِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ قَتْلِ المُحارِبِ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ إلى النَّفْيِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ بِنَفْسِ الخُرُوجِ، وكَما لَوْ قَتَلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يُعْفى عَنْ قَتْلِهِ، فَلَوْ كانَ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِنَفْسِ المُحارَبَةِ لَما جازَ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ كَما لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إذا قَتَلَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] وتَسْوِيَتُهُ بَيْنَ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ النَّفْسِ وبَيْنَ الفَسادِ في الأرْضِ، فَإنَّما المُرادُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ قَتْلٌ أوْ قَتْلُهُ في حالِ إظْهارِ الفَسادِ، فَيُقْتَلُ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ؛ ونَحْنُ قَدْ نَقْتُلُ المُحارِبَ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ، وإنَّما الكَلامُ فِيمَن صارَ في يَدِ الإمامِ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ هَلْ يَجُوزُ أنْ يَقْتُلَهُ إذا لَمْ يَقْتُلْ ؟ فَأمّا عَلى وجْهِ الدَّفْعِ فَلا خِلافَ فِيهِ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الفَسادَ في الأرْضِ لَوْ كانَ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ لَما جازَ العُدُولُ عَنْهُ إلى النَّفْيِ، فَلَمّا جازَ عِنْدَ الجَمِيعِ نَفْيُهُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ، فَصَحَّ بِما وصَفْنا قَوْلُ مَن قالَ بِإيجابِ تَرْتِيبِ حُكْمِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا. وأيْضًا فَإنَّ الوُصُولَ إلى القَتْلِ لا يُسْتَحَقُّ بِأخْذِ المالِ ولا القَصْدُ لَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُحارِبِينَ إنَّما خَرَجُوا لِأخْذِ المالِ، فَإنْ كانَ القَتْلُ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ لِأخْذِ المالِ في الأُصُولِ فالقَصْدُ لِأخْذِهِ أوْلى أنْ لا يُسْتَحَقَّ بِهِ القَتْلُ عَلى وجْهِ الحَدِّ، فَإذا خَرَجَ المُحارِبُونَ وقَتَلُوا قُتِلُوا حَدًّا لِأجْلِ القَتْلِ. ولَيْسَ قَتْلُهم هَذا قَوَدًا؛ لِأنَّ القَتْلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ القَتْلُ في الأُصُولِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ عَلى جِهَةِ إظْهارِ الفَسادِ في الأرْضِ تَأكَّدَ حُكْمُهُ بِأنْ أوْجَبَ قَتْلَهُ حَدًّا عَلى أنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ فِيهِ عَفْوُ الأوْلِياءِ؛ فَإنْ أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ لِما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ. وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ يُسْتَحَقُّ بِأخْذِ المالِ في الأُصُولِ، ألا تَرى أنَّ السّارِقَ تُقْطَعُ يَدُهُ فَإنْ (p-٥٨)عادَ فَسَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ ؟ إلّا أنَّهُ غُلِّظَتْ عُقُوبَتُهُ حِينَ كانَ أخْذُهُ لِلْمالِ عَلى وجْهِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَإنْ قَتَلَ وأخَذَ فالإمامُ فِيهِ بِالخِيارِ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِلافِ أصْحابِنا فِيهِ، فَكانَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ: لَهُ أنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ والصَّلْبِ والقَتْلِ، وأخَذَ المالَ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ صارَ جَمِيعُ ذَلِكَ حَدًّا واحِدًا، ألا تَرى أنَّ القَتْلَ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَحَقٌّ عَلى وجْهِ الحَدِّ كالقَطْعِ وأنَّ عَفْوَ الأوْلِياءِ فِيهِ لا يَجُوزُ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا حَدٌّ واحِدٌ؛ فَلِذَلِكَ كانَ لِلْإمامِ أنْ يَجْمَعَهُما جَمِيعًا ولَهُ أنْ يَقْتُلَهم، فَيَدْخُلُ فِيهِ قَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ عَلى الإمامِ التَّرْتِيبُ في التَّبْدِئَةِ بِبَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ فَلَهُ أنْ يَبْدَأ بِالقَتْلِ أوْ بِالقَطْعِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلّا قَتَلْتَهُ وأسْقَطْتَ القَطْعَ كَمَن سَرَقَ وقَتَلَ أنَّهُ يُقْتَلُ ولا يُقْطَعُ قِيلَ لَهُ: لَمّا بَيَّنّا مِن أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَدٌّ واحِدٌ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ واحِدٍ وهو القَتْلُ وأخْذُ المالِ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ، وأمّا السَّرِقَةُ والقَتْلُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ اسْتُحِقَّ الآخَرُ، وقَدْ أُمِرْنا بِدَرْءِ الحُدُودِ ما اسْتَطَعْنا؛ فَلِذَلِكَ بَدَأْنا بِالقَتْلِ لِنَدْرَأ أحَدَ الحَدَّيْنِ، ولَيْسَ في مَسْألَتِنا دَرْءُ أحَدِ الحَدَّيْنِ وإنَّما هو حَدٌّ واحِدٌ، فَلَمْ يَلْزَمْنا إسْقاطُ بَعْضِهِ وإيجابُ بَعْضٍ. وهُوَ مُخَيَّرٌ أيْضًا بَيْنَ أنْ يَقْتُلَهُ صَلْبًا وبَيْنَ الِاقْتِصارِ عَلى القَتْلِ دُونَ الصَّلْبِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ وذَكَرَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ أنَّ الصَّلْبَ المَذْكُورَ في آيَةِ المُحارِبِ هو الصَّلْبُ بَعْدَ القَتْلِ في قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. وكانَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ يَحْكِي عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ يُصْلَبُ ثُمَّ يُقْتَلُ يُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ أوْ غَيْرِهِ فَيُقْتَلُ. وقالَ أبُو الحَسَنِ: هَذا هو الصَّحِيحُ، وصَلْبُهُ بَعْدَ القَتْلِ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الصَّلْبَ عُقُوبَةٌ وذَلِكَ يَسْتَحِيلُ في المَيِّتِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُصْلَبَ بَعْدَ القَتْلِ رَدْعًا لِغَيْرِهِ ؟ فَقالَ: لِأنَّ الصَّلْبَ إذا كانَ مَوْضُوعُهُ لِلتَّعْذِيبِ والعُقُوبَةِ لَمْ يَجُزْ إيقاعُهُ إلّا عَلى الوَجْهِ المَوْضُوعِ في الشَّرِيعَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَ اللَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ القَتْلَ أوِ الصَّلْبَ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَمْعُهُما عَلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهُ: أرادَ قَتْلًا عَلى غَيْرِ وجْهِ الصَّلْبِ إذا قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ، وأرادَ قَتْلًا عَلى وجْهِ الصَّلْبِ إذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ، فَغُلِّظَتِ العُقُوبَةُ عَلَيْهِ في صِفَةِ القَتْلِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ. ورَوى مُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: " يُتْرَكُ المَصْلُوبُ مِنَ المُحارِبِينَ عَلى الخَشَبَةِ يَوْمًا " وقالَ يَحْيى بْنُ آدَمَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ " . واخْتُلِفَ في النَّفْيِ، فَقالَ أصْحابُنا: " هو حَبْسُهُ حَيْثُ يَرى الإمامُ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ إبْراهِيمَ؛ ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ رِوايَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ نَفْيَهُ طَلَبُهُ. وقالَ مالِكٌ: " يُنْفى إلى بَلَدٍ آخَرَ غَيْرِ (p-٥٩)البَلَدِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ العُقُوبَةَ فَيُحْبَسُ هُناكَ " . وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: " هو أنْ يَطْلُبَ الإمامُ الحَدَّ عَلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ عَنْ دارِ الإسْلامِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا مَن قالَ إنَّهُ يُنْفى عَنْ كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ؛ فَهو إنَّما يَنْفِيهِ عَنِ البَلَدِ الَّذِي هو فِيهِ والإقامَةُ فِيهِ، وهو حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنفِيٍّ مِنَ التَّصَرُّفِ في غَيْرِهِ، فَلا مَعْنى لِذَلِكَ ولا مَعْنى أيْضًا لِحَبْسِهِ في بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ؛ إذِ الحَبْسُ يَسْتَوِي في البَلَدِ الَّذِي أصابَ فِيهِ وفي غَيْرِهِ، فالصَّحِيحُ إذًا حَبْسُهُ في بَلَدِهِ. وأيْضًا فَلا يَخْلُو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ نَفْيُهُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ نَفْيُهُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ إلّا بِأنْ يُقْتَلَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّفْيِ القَتْلَ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ في الآيَةِ القَتْلَ مَعَ النَّفْيِ، أوْ يَكُونُ مُرادُهُ نَفْيَهُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي خَرَجَ مِنها مُحارِبًا مِن غَيْرِ حَبْسِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِما ذَكَرَهُ زَجْرُهُ عَنْ إخافَةِ السَّبِيلِ وكَفُّ أذاهُ عَنِ المُسْلِمِينَ، وهو إذا صارَ إلى بَلَدٍ آخَرَ فَكانَ هُناكَ مُخَلّى كانَتْ مَعَرَّتُهُ قائِمَةً عَلى المُسْلِمِينَ إذا كانَ تَصَرُّفُهُ هُناكَ كَتَصَرُّفِهِ في غَيْرِهِ أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَهُ عَنْ دارِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ نَفْيُ المُسْلِمِ إلى دارِ الحَرْبِ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِهِ لِلرِّدَّةِ ومَصِيرِهِ إلى أنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا. فَثَبَتَ أنَّ مَعْنى النَّفْيِ هو نَفْيُهُ عَنْ سائِرِ الأرْضِ إلّا مَوْضِعَ حَبْسِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ فِيهِ العَبَثُ والفَسادُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ لا تَكُونُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، لِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِوَعِيدِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِثْناءٌ لِمَن تابَ مِنهم مِن قَبْلِ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وإخْراجٌ لَهم مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الحَدَّ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو إخْراجُ بَعْضِ ما انْتَظَمَتْهُ الجُمْلَةُ مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] فَأخْرَجَ آلَ لُوطٍ مِن جُمْلَةِ المُهْلَكِينَ، وأخْرَجَ المَرْأةَ بِالِاسْتِثْناءِ مِن جُمْلَةِ المُنَجِّينَ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] فَكانَ إبْلِيسُ خارِجًا مِن جُمْلَةِ السّاجِدِينَ. فَكَذَلِكَ لَمّا اسْتَثْناهم مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ إذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ نَفى إيجابَ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] عُقِلَ بِذَلِكَ سُقُوطُ عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عَنْهم. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ قالَ في السَّرِقَةِ: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ (p-٦٠)وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩] ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ تَوْبَةُ السّارِقِ مُسْقِطَةً لِلْحَدِّ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنَّما أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن تابَ مِنهم، وفي آيَةِ المُحارِبِينَ اسْتِثْناءٌ يُوجِبُ إخْراجَهم مِن مُبْتَدَأً مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ عَنْ تَضْمِينِهِ بِغَيْرِهِ، وكُلُّ كَلامٍ اكْتَفى بِنَفْسِهِ لَمْ نَجْعَلْهُ مُضَمَّنًا بِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ مُفْتَقِرٌ في صِحَّتِهِ إلى ما قَبْلَهُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ مُضَمَّنًا بِهِ. ومَتى سَقَطَ الحَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ وجَبَتْ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ مِنَ القَتْلِ والجِراحاتِ وضَمانِ الأمْوالِ. وإذا وجَبَ الحَدُّ سَقَطَ ضَمانُ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ في المالِ والنَّفْسِ والجِراحاتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ وُجُوبَ الحَدِّ بِهَذا الفِعْلِ يُسْقِطُ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ، كالسّارِقِ إذا سَرَقَ وقُطِعَ لَمْ يَضْمَنِ السَّرِقَةَ، وكالزّانِي إذا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لَمْ يَلْزَمْهُ المَهْرُ، وكالقاتِلِ إذا وجَبَ عَلَيْهِ القَوَدُ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمانُ المالِ؛ كَذَلِكَ المُحارِبُونَ إذا وجَبَ عَلَيْهِمُ الحَدُّ سَقَطَتْ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فَإذا سَقَطَ الحَدُّ عَنِ المُحارِبِ وجَبَ ضَمانُ ما تَناوَلَهُ مِن مالٍ أوْ نَفْسٍ، كالسّارِقِ إذا دُرِئَ عَنْهُ الَّذِي يَكُونُ مُحارِبًا فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " مَن قَطَعَ الطَّرِيقَ في المِصْرِ لَيْلًا أوْ نَهارًا أوْ بَيْنَ الحِيرَةِ والكُوفَةِ لَيْلًا أوْ نَهارًا فَلا يَكُونُ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ إلّا في الصَّحارِي " . وحَكى أصْحابُ " الإمْلاءِ " عَنْ أبِي يُوسُفَ: " أنَّ الأمْصارَ وغَيْرَها سَواءٌ وهُمُ المُحارِبُونَ، يُقامُ حَدُّهم " . ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في اللُّصُوصِ الَّذِينَ يَكْبِسُونَ النّاسَ لَيْلًا في دُورِهِمْ في المِصْرِ أنَّهم بِمَنزِلَةِ قُطّاعِ الطَّرِيقِ يُجْرى عَلَيْهِمْ أحْكامُهم. وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَكُونُ مُحارِبًا حَتّى يَقْطَعَ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ مِنَ القَرْيَةِ؛ وذُكِرَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: " المُحارَبَةُ أنْ يُقاتِلُوا عَلى طَلَبِ المالِ مِن غَيْرِ نائِرَةٍ " ولَمْ يُفَرِّقْ هاهُنا بَيْنَ المِصْرِ وغَيْرِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: " قُطّاعُ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ بِالسِّلاحِ لِلْقَوْمِ حَتّى يَغْصِبُوهُمُ المالَ، والصَّحارِي والمِصْرَ واحِدٌ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " لا يَكُونُ مُحارِبًا بِالكُوفَةِ حَتّى يَكُونَ خارِجًا مِنها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا قَطْعَ عَلى خائِنٍ ولا مُخْتَلِسٍ» فَنَفى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَطْعَ عَنِ المُخْتَلِسِ، والمُخْتَلِسُ هو الَّذِي يَخْتَلِسُ الشَّيْءَ وهو مُمْتَنِعٌ فَوَجَبَ بِذَلِكَ اعْتِبارُ المَنعَةِ مِنَ المُحارِبِينَ وأنَّهم مَتى كانُوا في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُهم أنْ يَمْتَنِعُوا وقَدْ يَلْحَقُ مَن قَصَدُوهُ الغَوْثُ مِن قِبَلِ المُسْلِمِينَ أنْ لا يَكُونُوا مُحارِبِينَ وأنْ يَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُخْتَلِسِ والمُنْتَهِبِ كالرَّجُلِ الواحِدِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في المِصْرِ فَيَكُونُ مُخْتَلِسًا غاصِبًا لا يَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، وإذا كانَتْ جَماعَةٌ مُمْتَنِعَةٌ (p-٦١)فِي الصَّحْراءِ فَهَؤُلاءِ يُمْكِنُهم أخْذُ أمْوالِ السّابِلَةِ قَبْلَ أنْ يَلْحَقَهُمُ الغَوْثُ، فَبايَنُوا بِذَلِكَ المُخْتَلِسَ ومَن لَيْسَ لَهُ امْتِناعٌ في أحْكامِهِمْ. ولَوْ وجَبَ أنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ المِصْرِ وغَيْرِهِ لَوَجَبَ اسْتِواءُ حُكْمِ الرَّجُلِ الواحِدِ والجَماعَةِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ لا يَكُونُ مُحارِبًا في المِصْرِ لِعَدَمِ الِامْتِناعِ مِنهُ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ الجَماعَةِ في المِصْرِ لِفَقْدِ الِامْتِناعِ مِنهم عَلى أهْلِ المِصْرِ. وأمّا إذا كانُوا في الصَّحْراءِ فَهم مُمْتَنِعُونَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِمْ إلّا بِالطَّلَبِ والقِتالِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُهم وحُكْمُ مَن في المِصْرِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنْ كانَ الِاعْتِبارُ بِما ذَكَرْتَ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ العَشَرَةُ مِنَ اللُّصُوصِ إذا اعْتَرَضُوا قافِلَةً فِيها ألْفُ رَجُلٍ غَيْرُ مُحارِبِينَ؛ إذْ قَدْ يُمْكِنُهُمُ الِامْتِناعُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ لَهُ: صارُوا مُحارِبِينَ بِالِامْتِناعِ والخُرُوجِ، سَواءٌ قَصَدُوا القافِلَةَ أوْ لَمْ يَقْصِدُوها، فَلا يَزُولُ عَنْهم هَذا الحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ القافِلَةِ مُمْتَنِعَةً مِنهم كَما لا يَزُولُ بِكَوْنِ أهْلِ الأمْصارِ مُمْتَنِعِينَ مِنهم. وأجْرى أبُو يُوسُفَ عَلى اللُّصُوصِ في المِصْرِ حُكْمَ المُحارِبِينَ لِامْتِناعِهِمْ والخُرُوجُ عَلى وجْهِ المُحارَبَةِ لِأخْذِ المالِ فَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُهم بِالمِصْرِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ سائِرَ ما يُوجِبُ الحَدَّ مِنَ الزِّنا والسَّرِقَةِ والقَذْفِ والقَتْلِ لا يَخْتَلِفُ أحْكامُ فاعِلِيها بِالمِصْرِ وغَيْرِهِ. * * واعْتَبَرَ أصْحابُنا في إيجابِ قَطْعِ المُحارِبِ مِقْدارَ المالِ المَأْخُوذِ، بِأنْ يُصِيبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشَرَةَ دَراهِمَ. واعْتَبَرَ الشّافِعِيُّ رُبْعَ دِينارٍ كَما اعْتَبَرَهُ في قَطْعِ السّارِقِ، ولَمْ يَعْتَبِرْهُ مالِكٌ؛ لِأنَّهُ يَرى إجْراءَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ قَبْلَ أخْذِ المالِ. * * وقالَ أصْحابُنا: إذا كانَ الَّذِي ولِيَ القَتْلَ وأخَذَ المالَ بَعْضُهم كانَ حُكْمُ جَمِيعِهِمْ حُكْمَ المُحارِبِينَ يَجْرِي الحُكْمُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَ المُحارَبَةِ والمَنعَةِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِاجْتِماعِهِمْ جَمِيعًا، فَلَمّا كانَ السَّبَبُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ المُحارَبَةِ وهو المَنعَةُ حَصَلَ بِاجْتِماعِهِمْ جَمِيعًا وجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ مَن ولِيَ القَتْلَ مِنهم ومَن كانَ عَوْنًا أوْ ظَهِيرًا؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجَيْشَ إذا غَنِمُوا مِن أهْلِ الحَرْبِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ مَن ولِيَ القِتالَ مِنهم ومَن كانَ مِنهم رِدْءًا وظَهِيرًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ مَن قَتَلَ بِعَصًا أوْ بِسَيْفٍ؛ إذْ كانَ مَن لَمْ يَلِ القِتالَ يَجْرِي عَلَيْهِ الحُكْمُ.

المائدة 5:38

بابُ قَطْعِ السّارِقِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ رَوى سُفْيانُ عَنْ جابِرٍ عَنْ (p-٦٢)عامِرٍ قالَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ورَوى ابْنُ عَوْفٍ عَنْ إبْراهِيمَ: في قِراءَتِنا: " فاقْطَعُوا أيْمانَهُما " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ في أنَّ اليَدَ المَقْطُوعَةَ بِأوَّلِ سَرِقَةٍ هي اليَمِينُ، فَعَلِمْنا أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أيْدِيَهُما﴾ أيْمانُهُما، فَظاهِرُ اللَّفْظِ في جَمْعِهِ الأيْدِي مِنَ الِاثْنَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ اليَدُ الواحِدَةُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] لَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قَلْبٌ واحِدٌ أضافَهُ إلَيْهِما بِلَفْظِ الجَمْعِ، كَذَلِكَ لَمّا أضافَ الأيْدِي إلَيْهِما بِلَفْظِ الجَمْعِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ إحْدى اليَدَيْنِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهي اليُمْنى. وقَدِ اخْتُلِفَ في قَطْعِ اليُسْرى في المَرَّةِ الثّالِثَةِ وفي قَطْعِ الرِّجْلِ اليُمْنى في الرّابِعَةِ، وسَنَذْكُرُهُ فِيما بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ في خُصُوصِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ اسْمَ السّارِقِ يَقَعُ عَلى سارِقِ الصَّلاةِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أسْوَأ النّاسِ سَرِقَةً هو الَّذِي يَسْرِقُ صَلاتَهُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ يَسْرِقُ صَلاتَهُ ؟ قالَ: لا يُتِمُّ رُكُوعَها وسُجُودَها» . ويَقَعُ عَلى سارِقِ اللِّسانِ؛ رَوى لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي رُهْمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أُسْرِقَ السّارِقُ الَّذِي يَسْرِقُ لِسانَ الأمِيرِ» فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ كُلَّ سارِقٍ. والسَّرِقَةُ اسْمٌ لُغَوِيٌّ مَفْهُومُ المَعْنى عِنْدَ أهْلِ اللِّسانِ بِنَفْسِ وُرُودِهِ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى بَيانٍ وكَذَلِكَ حُكْمُهُ في الشَّرْعِ وإنَّما عَلَّقَ بِهَذا الِاسْمِ حُكْمَ القَطْعِ كالبَيْعِ والنِّكاحِ والإجارَةِ وسائِرِ الأُمُورِ المَعْقُولَةِ مَعانِيها مِنَ اللُّغَةِ قَدْ عُلِّقَتْ بِها أحْكامٌ يَجِبُ اعْتِبارُ عُمُومِها بِوُجُوبِ الِاسْمِ إلّا ما قامَ دَلِيلُ خُصُوصِهِ فَلَوْ خُلِّينا وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ لَوَجَبَ إجْراءُ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا أنَّ الحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنًى غَيْرِ الِاسْمِ يَجِبُ اعْتِبارُهُ في إيجابِهِ وهو الحِرْزُ والمِقْدارُ فَهو مُجْمَلٌ مِن جِهَةِ المِقْدارِ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ مِن غَيْرِهِ في إثْباتِهِ فَلا يَصِحُّ مِن أجْلِ ذَلِكَ اعْتِبارُ عُمُومِهِ في إيجابِ القَطْعِ في كُلِّ مِقْدارٍ والدَّلِيلُ عَلى إجْمالِهِ وامْتِناعِ اعْتِبارِ عُمُومِهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبارَكِ قالَ: حَدَّثَنا وُهَيْبٌ عَنْ أبِي واقَدٍ قالَ: حَدَّثَنِي عامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» ورَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أبِي النَّصْرِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلّا فِيما بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَما فَوْقَ» . ورَوى سُفْيانُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ أيْمَنَ الحَبَشِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أدْنى ما يُقْطَعُ فِيهِ السّارِقُ (p-٦٣)ثَمَنُ المِجَنِّ» فَثَبَتَ بِهَذِهِ الأخْبارِ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ في إيجابِ القَطْعِ مَوْقُوفٌ عَلى ثَمَنِ المِجَنِّ فَصارَ ذَلِكَ كَوُرُودِهِ مَعَ الآيَةِ مَضْمُومًا إلَيْها وكانَ تَقْدِيرُها: والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما إذا بَلَغَتِ السَّرِقَةُ ثَمَنَ المِجَنِّ وهَذا لَفْظٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في إثْباتِ الحُكْمِ وما كانَ هَذا سَبِيلَهُ لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ ووَجْهٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلى إجْمالِها في هَذا الوَجْهِ وهو ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في تَقْوِيمِ المِجَنِّ فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وأيْمَنَ الحَبَشِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ في آخَرِينَ: " أنَّ قِيمَتَهُ كانَتْ عَشَرَةَ دَراهِمَ " وقالَ ابْنُ عُمَرَ: " قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ " وقالَ أنَسٌ وعُرْوَةُ والزُّهْرِيُّ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: " قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَراهِمَ " وقالَتْ عائِشَةُ ثَمَنُ المِجَنِّ رُبْعُ دِينارٍ " ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَقْوِيمًا مِنهم لِسائِرِ المَجانِّ؛ لِأنَّها تَخْتَلِفُ كاخْتِلافِ الثِّيابِ وسائِرِ العُرُوضِ فَلا مَحالَةَ أنَّ ذَلِكَ كانَ تَقْوِيمًا لِلْمِجَنِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعْلُومٌ أيْضًا أنَّهم لَمْ يَحْتاجُوا إلى تَقْوِيمِهِ مِن حَيْثُ قَطَعَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ إذْ لَيْسَ في قَطْعِ النَّبِيِّ ﷺ في شَيْءٍ بِعَيْنِهِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ القَطْعِ عَمّا دُونَهُ كَما أنَّ قَطْعَهُ السّارِقَ في المِجَنِّ غَيْرُ دالٍّ عَلى أنَّ حُكْمَ القَطْعِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ إذا كانَ ما فَعَلَهُ بَعْضَ ما تَناوَلَهُ لَفْظُ العُمُومِ عَلى حَسَبِ حُدُوثِ الحادِثَةِ فَإذًا لا مَحالَةَ قَدْ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفٌ لَهم حِينَ قَطَعَ السّارِقَ عَلى نَفْيِ القَطْعِ فِيما دُونَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إجْمالِ حُكْمِ الآيَةِ في المِقْدارِ كَدَلالَةِ الأخْبارِ الَّتِي قَدَّمْناها لَفْظًا مِن نَفْيِ القَطْعِ عَمّا دُونَ قِيمَةِ المِجَنِّ، فَلَمْ يَجُزْ مِن أجْلِ ذَلِكَ اعْتِبارُ عُمُومِ الآيَةِ في إثْباتِ المِقْدارِ ووَجَبَ طَلَبُ مَعْرِفَةِ قِيمَةِ المِجَنِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ . ولَيْسَ إجْمالُها في المِقْدارِ بِمُوجِبِ إجْمالِها في سائِرِ الوُجُوهِ مِنَ الحِرْزِ وجِنْسِ المَقْطُوعِ فِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ عُمُومًا في هَذِهِ الوُجُوهِ مُجْمَلًا في حُكْمِ المِقْدارِ فَحَسْبُ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] عُمُومٌ في جِهَةِ الأمْوالِ المُوجَبِ فِيها الصَّدَقَةُ مُجْمَلٌ في المِقْدارِ الواجِبِ مِنها. وكانَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ مِن حَيْثُ عُلِّقَ فِيها الحُكْمُ بِمَعانٍ لا يَقْتَضِيها اللَّفْظُ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ، وهو الحِرْزُ والمِقْدارُ، والمَعانِي المُعْتَبَرَةُ في إيجابِ القَطْعِ مَتى عُدِمَ مِنها شَيْءٌ لَمْ يَجِبِ القَطْعُ مَعَ وُجُودِ الِاسْمِ؛ لِأنَّ اسْمَ السَّرِقَةِ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِأخْذِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفاءِ، ومِنهُ قِيلَ " سارِقُ اللِّسانِ " و" سارِقُ الصَّلاةِ " تَشْبِيهًا بِأخْذِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفاءِ، والأصْلُ فِيهِ ما ذَكَرْنا. وهَذِهِ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْنا اعْتِبارُها في إيجابِ القَطْعِ (p-٦٤)لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ مَوْضُوعًا لَها في اللُّغَةِ، وإنَّما ثَبَتَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، فَصارَتِ السَّرِقَةُ في الشَّرْعِ اسْمًا شَرْعِيًّا لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ إلّا فِيما قامَتْ دَلالَتُهُ. واخْتُلِفَ في مِقْدارِ ما يُقْطَعُ فِيهِ السّارِقُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ: " لا قَطْعَ إلّا في عَشَرَةِ دَراهِمَ فَصاعِدًا أوْ قِيمَتِها مِن غَيْرِها " . ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ: " أنَّهُ لا قَطْعَ حَتّى تَكُونَ قِيمَةُ السَّرِقَةِ عَشَرَةَ دَراهِمَ مَضْرُوبَةً " . ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: " أنَّهُ إذا سَرَقَ ما يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ مِمّا يَجُوزُ بَيْنَ النّاسِ قُطِعَ " . وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا " قالَ الشّافِعِيُّ: " فَلَوْ غَلَتِ الدَّراهِمُ حَتّى يَكُونَ الدِّرْهَمانِ بِدِينارٍ قُطِعَ في رُبْعِ دِينارٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ نِصْفَ دِرْهَمٍ، وإنْ رَخُصَتِ الدَّنانِيرُ حَتّى يَكُونَ الدِّينارُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ قُطِعَ في رُبْعِ دِينارٍ، وذَلِكَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا " . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: " يُقْطَعُ في دِرْهَمٍ واحِدٍ "، وهو قَوْلٌ شاذٌّ قَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى خِلافِهِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وعُرْوَةُ والزُّهْرِيُّ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: " لا يُقْطَعُ إلّا في خَمْسَةِ دَراهِمَ " ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ أنَّهُما قالا: " لا يُقْطَعُ إلّا في خَمْسَةٍ " . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأيْمَنُ الحَبَشِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وعَطاءٌ وإبْراهِيمُ: " لا قَطْعَ إلّا في عَشَرَةِ دَراهِمَ " قالَ ابْنُ عُمَرَ: " يُقْطَعُ في ثَلاثَةِ دَراهِمَ " ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ قالا: " لا تُقْطَعُ اليَدُ إلّا في أرْبَعَةِ دَراهِمَ " والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم أنَّ القَطْعَ لا يَجِبُ إلّا في مِقْدارِ مَتى قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَجِبْ وكانَ طَرِيقُ إثْباتِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ المَقادِيرِ التَّوْقِيفَ أوِ الِاتِّفاقَ ولَمْ يَثْبُتِ التَّوْقِيفُ فِيما دُونَ العَشَرَةِ وثَبَتَ الِاتِّفاقُ في العَشَرَةِ أثْبَتْناها ولَمْ نُثْبِتْ ما دُونَها لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ والِاتِّفاقِ فِيهِ ولا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ لِما بَيَّنّا أنَّهُ مُجْمَلٌ بِما اقْتَرَنَ إلَيْهِ مِن تَوْقِيفِ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اعْتِبارِ ثَمَنِ المِجَنِّ ومِنَ اتِّفاقِ السَّلَفِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا فَسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ ووَجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَ الِاتِّفاقِ في القَطْعِ في العَشَرَةِ ونَفْيُهُ عَمّا دُونَها لِما وصَفْنا وقَدْ رُوِيَتْ أخْبارٌ تُوجِبُ اعْتِبارَ العَشَرَةِ في إيجابِ القَطْعِ مِنها ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ ثابِتٍ عَنِ الحَجّاجِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا قَطْعَ فِيما دُونَ عَشَرَةِ دَراهِمَ» وقَدْ سَمِعْنا أيْضًا في سُنَنِ ابْنِ قانِعٍ (p-٦٥)حَدِيثًا رَواهُ بِإسْنادٍ لَهُ عَنْ زُحَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُقْطَعُ اليَدُ إلّا في دِينارٍ أوْ عَشَرَةِ دَراهِمَ» . وقالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: إنَّ عُرْوَةَ والزُّهْرِيَّ وسُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ يَقُولُونَ لا تُقْطَعُ اليَدُ إلّا في خَمْسَةِ دَراهِمَ فَقالَ: أمّا هَذا فَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ فِيهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةُ دَراهِمَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأيْمَنُ الحَبَشِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وقالُوا: «كانَ ثَمَنُ المِجَنِّ عَشَرَةَ دَراهِمَ» فَإنِ احْتَجُّوا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ» وبِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارٍ» قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ لِأنَّهُما قَوَّماهُ ثَلاثَةَ دَراهِمَ وقَدْ قَوَّمَهُ غَيْرُهُما عَشَرَةً فَكانَ تَقْدِيمُ الزّائِدِ أوْلى وأمّا حَدِيثُ عائِشَةَ فَقَدِ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ وقَدْ قِيلَ إنَّ الصَّحِيحَ مِنهُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْها غَيْرُ مَرْفُوعٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ الإثْباتَ مِنَ الرُّواةِ رَوَوْهُ مَوْقُوفًا ورَوى يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ ثُلُثُ دِينارٍ أوْ نِصْفُ دِينارٍ فَصاعِدًا» . ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ: " أنْ يَدَ السّارِقِ لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أدْنى مِن ثَمَنِ المِجَنِّ، وكانَ المِجَنُّ يَوْمَئِذٍ لَهُ ثَمَنٌ ولَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ في الشَّيْءِ التّافِهِ "؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي كانَ عِنْدَ عائِشَةَ مِن ذَلِكَ القَطْعِ في ثَمَنِ المِجَنِّ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ ذَلِكَ؛ إذْ لَوْ كانَ عِنْدَها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ مَعْلُومُ المِقْدارِ مِنَ الذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ لَمْ تَكُنْ بِها حاجَةٌ إلى ذِكْرِ ثَمَنِ المِجَنِّ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مُدْرَكًا مِن جِهَةِ الِاجْتِهادِ ولا حَظَّ لِلِاجْتِهادِ مَعَ النَّصِّ. وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ ما رُوِيَ عَنْها مَرْفُوعٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ إنْ ثَبَتَ فَإنَّما هو تَقْدِيرٌ مِنها لِثَمَنِ المِجَنِّ اجْتِهادًا؛ وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا " قالَ أيُّوبُ: وحَدَّثَ بِهِ يَحْيى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ ورَفَعَهُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ: إنَّها كانَتْ لا تَرْفَعُهُ، فَتَرَكَ يَحْيى رَفْعَهُ. فَهَذا يَدُلُّ. عَلى أنَّ مَن رَواهُ مَرْفُوعًا فَإنَّما سَمِعَهُ مِن يَحْيى قَبْلَ تَرْكِهِ الرَّفْعَ. ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ هَذا الحَدِيثُ لَعارَضَهُ ما قَدَّمْناهُ مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ في نَفْيِ القَطْعِ عَنْ سارِقِ ما دُونَ العَشَرَةِ، وكانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَبَرُنا أوْلى لِما فِيهِ مِن حَظْرِ القَطْعِ عَمّا دُونَها وخَبَرُهم مُبِيحٌ لَهُ، وخَبَرُ الحَظْرِ أوْلى مِن خَبَرِ الإباحَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السّارِقَ يَسْرِقُ الحَبْلَ (p-٦٦)فَيُقْطَعُ فِيهِ، ويَسْرِقُ البَيْضَةَ فَيُقْطَعُ فِيها» فَرُبَّما ظَنَّ بَعْضُ مَن لا رَوِيَّةَ لَهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما دُونَ العَشَرَةِ يُقْطَعُ فِيهِ لِذِكْرِ البَيْضَةِ والحَبْلِ وهُما في العادَةِ أقَلُّ قِيمَةً مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى ما يَظُنُّهُ؛ لِأنَّ المُرادَ بَيْضَةُ الحَدِيدِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في بَيْضَةٍ مِن حَدِيدٍ قِيمَتُها أحَدٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا»؛ ولِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ سارِقَ بَيْضَةِ الدَّجاجِ لا قَطْعَ عَلَيْهِ، وأمّا الحَبْلُ فَقَدْ يَكُونُ مِمّا يُساوِي العَشَرَةَ والعِشْرِينَ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ. * * بابُ مِن أيْنَ يُقْطَعُ السّارِقُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ واسْمُ اليَدِ يَقَعُ عَلى هَذا العُضْوِ إلى المَنكِبِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ عَمّارًا تَيَمَّمَ إلى المَنكِبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] ولَمْ يُخْطِئْ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ؛ وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِخِلافِهِ. ويَقَعُ عَلى اليَدِ إلى مَفْصِلِ الكَفِّ أيْضًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] وقَدْ عُقِلَ بِهِ ما دُونَ المِرْفَقِ. وقالَ تَعالى لِمُوسى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢] ويَمْتَنِعُ أنْ يُدْخِلَ يَدَهُ إلى المِرْفَقِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فَلَوْ لَمْ يَقَعِ الِاسْمُ عَلى ما دُونَ المِرْفَقِ لَما ذَكَرَها إلى المَرافِقِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الِاسْمِ إلى الكُوعِ، فَلَمّا كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُ هَذا العُضْوَ إلى المَفْصِلِ وإلى المِرْفَقِ وإلى المَنكِبِ (p-٧٠)اقْتَضى عُمُومُ اللَّفْظِ القَطْعَ مِنَ المَنكِبِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ ما دُونَهُ. وجائِزٌ أنْ يُقالَ إنَّ الِاسْمَ لَمّا تَناوَلَها إلى الكُوعِ ولَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ إنَّ ذَلِكَ بَعْضُ اليَدِ بَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ اليَدِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ وإنْ كانَ قَدْ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى ما فَوْقَهُ إلى المِرْفَقِ تارَةً وإلى المَنكِبِ أُخْرى ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وكانَتِ اليَدُ مَحْظُورَةً في الأصْلِ فَمَتى قَطَعْناها مِنَ المَفْصِلِ فَقَدْ قَضَيْنا عُهْدَةَ الآيَةِ، لَمْ يَجُزْ لَنا قَطْعُ ما فَوْقَهُ إلّا بِدَلالَةٍ، كَما لَوْ قالَ: " أعْطِ هَذا رِجالًا " فَأعْطاهُ ثَلاثَةً مِنهم فَقَدْ فَعَلَ المَأْمُورَ بِهِ؛ إذْ كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُهم، وإنْ كانَ اسْمُ الرِّجالِ يَتَناوَلُ ما فَوْقَهم. فَإنْ قالَ قائِلٌ: يَلْزَمُكم في التَّيَمُّمِ مِثْلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] قُلْتُمْ فِيهِ أنَّ الِاسْمَ لَمّا تَناوَلَ العُضْوَ إلى المَرْفِقِ اقْتَضاهُ العُمُومُ ولَمْ يُنْزَلْ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ قِيلَ لَهُ هُما مُخْتَلِفانِ مِن قِبَلِ أنَّ اليَدَ لَمّا كانَتْ مَحْظُورَةً في الأصْلِ ثُمَّ كانَ الِاسْمُ يَقَعُ عَلى العُضْوِ إلى المَفْصِلِ وإلى المِرْفَقِ لَمْ يَجُزْ لَنا قَطْعُ الزِّيادَةِ بِالشَّكِّ ولَمّا كانَ الأصْلُ الحَدَثَ واحْتاجَ إلى اسْتِباحَةِ الصَّلاةِ لَمْ يَزُلْ أيْضًا إلّا بِيَقِينٍ وهو التَّيَمُّمُ إلى المِرْفَقِ ولا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ أنَّ القَطْعَ مِنَ المَفْصِلِ وإنَّما خالَفَ فِيهِ الخَوارِجُ وقَطَعُوا مَنِ المَنكِبِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ وهم شُذُوذٌ لا يُعَدُّونَ خِلافًا وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ يَدَ سارِقٍ مِنَ الكُوعِ» وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ أنَّهُما قَطَعا اليَدَ مِنَ المَفْصِلِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ دُونَ الرُّسْغِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ اليَدِ عَلى الإطْلاقِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّهُ يَقْتَصِرُ بِالتَّيَمُّمِ عَلى ما دُونَ المَفْصِلِ وإنَّما اخْتَلَفُوا فِيما فَوْقَهُ. * * واخْتَلَفُوا في قَطْعِ الرِّجْلِ مَن أيِّ مَوْضِعٍ هو فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَطَعَ سارِقًا مَن خَصْرِ القَدَمِ ورَوى صالِحُ السِّمانُ قالَ رَأيْتُ الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقْطُوعًا مَن أطْرافِ الأصابِعِ فَقِيلَ لَهُ مَن قَطَعَكَ فَقالَ خَيْرُ النّاسِ قالَ أبُو رَزِينٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ أيَعْجِزُ مَن رَأى هَؤُلاءِ أنْ يَقْطَعَ كَما قَطَعَ هَذا الأعْرابِيُّ يَعْنِي نَحْوَهُ فَلَقَدْ قَطَعَ فَما أخْطَأ يَقْطَعُ الرِّجْلَ ويَذَرُ عَقِبَها، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطاءٍ وأبِي جَعْفَرٍ مِن قَوْلِهِما وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في آخَرِينَ يُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنَ المَفْصِلِ وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ والنَّظَرُ يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى قَطْعِ اليَدِ مِنَ المَفْصِلِ الظّاهِرِ وهو الَّذِي يَلِي الزَّنْدَ. وكَذَلِكَ الواجِبُ قَطْعُ الرِّجْلِ مِنَ المَفْصِلِ الظّاهِرِ الَّذِي يَلِي الكَعْبَ النّاتِئَ وأيْضًا لِما اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يُتْرَكُ (p-٧١)لَهُ مِنَ اليَدِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ لِلْبَطْشِ ولَمْ يُقْطَعْ مِن أُصُولِ الأصابِعِ حَتّى يَبْقى لَهُ الكَفُّ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُتْرَكَ لَهُ مِنَ الرِّجْلِ العَقِبُ فَيَمْشِي عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ قَطْعَ اليَدِ لِيَمْنَعَهُ الأخْذَ والبَطْشَ بِها وأمَرَ بِقَطْعِ الرِّجْلِ لِيَمْنَعَهُ المَشْيَ بِها فَغَيْرُ جائِزٍ تَرْكُ العَقِبِ لِلْمَشْيِ عَلَيْهِ ومَن قَطَعَ مِنَ المَفْصِلِ الَّذِي هو عَلى ظَهْرِ القَدَمِ فَإنَّهُ ذَهَبَ في ذَلِكَ أنَّ هَذا المَفْصِلَ مِنَ الرِّجْلِ بِمَنزِلَةِ مَفْصِلِ الزَّنْدِ مِنَ اليَدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَفْصِلِ ظَهْرِ القَدَمِ وبَيْنَ مَفْصِلِ أصابِعِ الرِّجْلِ مَفْصِلٌ غَيْرُهُ كَما أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَفْصِلِ الزَّنْدِ ومَفْصِلِ أصابِعِ اليَدِ مَفْصِلٌ غَيْرُهُ فَلَمّا وجَبَ في اليَدِ قَطْعُ أقْرَبِ المَفاصِلِ إلى مَفْصِلِ الأصابِعِ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يُقْطَعَ في الرِّجْلِ مِن أقْرَبِ المَفاصِلِ إلى مِفْصَلِ الأصابِعِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ مَفْصِلَ ظَهْرِ القَدَمِ غَيْرُ ظاهِرٍ كَظُهُورِ مِفْصَلِ الكَعْبِ مِنَ الرِّجْلِ ومِفْصَلِ الزَّنْدِ مِنَ اليَدِ فَلَمّا وجَبَ قَطْعُ مِفْصَلِ اليَدِ الظّاهِرِ مِنهُ كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في الرِّجْلِ ولَمّا اسْتُوعِبَتِ اليَدُ بِالقَطْعِ وجَبَ اسْتِيعابُ الرِّجْلِ أيْضًا والرِّجْلُ كُلُّها إلى مَفْصِلِ الكَعْبِ بِمَنزِلَةِ الكَفِّ إلى مِفْصَلِ الزَّنْدِ. وأمّا القَطْعُ مِن أُصُولِ أصابِعِ الرِّجْلِ فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ مِن جِهَةٍ صَحِيحَةٍ وهُوَ قَوْلٌ شاذٌّ خارِجٌ عَنِ الِاتِّفاقِ والنَّظَرِ جَمِيعًا. * * واخْتُلِفَ في قَطْعِ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حِينَ رَجَعَ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ لَمّا اسْتَشارَهُ وابْنُ عَبّاسٍ إذا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى فَإنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى فَإنْ سَرَقَ لَمْ يُقْطَعْ وحُبِسَ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ اليُسْرى بَعْدَ الرِّجْلِ اليُمْنى فَإنْ سَرَقَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنى فَإنْ سَرَقَ حُبِسَ حَتّى يُحْدِثَ تَوْبَةً وعَنْ أبِي بَكْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ إلّا أنَّ عُمَرَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ تُقْطَعُ اليَدُ اليُسْرى بَعْدَ الرِّجْلِ اليُسْرى والرِّجْلُ اليُمْنى بَعْدَ ذَلِكَ ولا يُقْتَلُ إنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهم قَتَلُوا سارِقًا بَعْدَما قُطِعَتْ أطْرافُهُ ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ أنَّ «أبا بَكْرٍ أرادَ أنْ يَقْطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ اليَدِ والرِّجْلِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ السُّنَّةُ اليَدُ» . ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ جابِرٍ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّ عُمَرَ قالَ لا تَقْطَعُوا يَدَهُ بَعْدَ اليَدِ والرِّجْلِ ولَكِنِ احْبِسُوهُ عَنِ المُسْلِمِينَ وقالَ الزُّهْرِيُّ انْتَهى أبُو بَكْرٍ إلى اليَدِ والرِّجْلِ ورَوى أبُو خالِدٍ الأحْمَرُ عَنْ حَجّاجٍ عَنْ سِماكٍ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ أنَّ عُمَرَ اسْتَشارَهم في السّارِقِ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ (p-٧٢)اليُمْنى فَإنْ عادَ فَرِجْلُهُ اليُسْرى ثُمَّ لا يُقْطَعُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إجْماعًا لا يَسَعُ خِلافُهُ لِأنَّ الَّذِينَ يَسْتَشِيرُهم عُمَرُ هُمُ الَّذِينَ يَنْعَقِدُ بِهِمُ الإجْماعُ ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَطَعَ اليَدَ بَعْدَ قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ في قِصَّةِ الأسْوَدِ الَّذِي نَزَلَ بِأبِي بَكْرٍ ثُمَّ سَرَقَ حُلِيَّ أسْماءَ وهو مُرْسَلٌ وأصْلُهُ حَدِيثُ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَجُلًا خَدَمَ أبا بَكْرٍ فَبَعَثَهُ مَعَ مُصَدِّقٍ وأوْصاهُ بِهِ فَلَبِثَ قَرِيبًا مِن شَهْرٍ ثُمَّ جاءَهُ وقَدْ قَطَعَهُ المُصَدِّقُ فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ قالَ لَهُ ما لَكَ قالَ وجَدَنِي خُنْتُ فَرِيضَةً فَقَطَعَ يَدَيَّ فَقالَ أبُو بَكْرٍ إنِّي لَأراهُ يَخُونُ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ فَرِيضَةً واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كُنْتَ صادِقًا لَأقِيدَنَّكَ مِنهُ ثُمَّ سَرَقَ حُلِيَّ أسْماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ فَقَطَعَهُ أبُو بَكْرٍ فَأخْبَرَتْ عائِشَةُ أنَّ أبا بَكْرٍ قَطَعَهُ بَعْدَ قَطْعِ المُصَدِّقِ يَدَهُ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا قَطْعَ الرِّجْلِ اليُسْرى وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ لا يُعارَضُ بِحَدِيثِ القاسِمِ لَوْ تَعارَضا لَسَقَطا جَمِيعًا ولَمْ يَثْبُتْ بِهَذا الحَدِيثِ عَنْ أبِي بَكْرٍ شَيْءٌ ويَبْقى لَنا الأخْبارُ الأُخَرُ الَّتِي ذَكَرْناها عَنْ أبِي بَكْرٍ والِاقْتِصارُ عَلى الرِّجْلِ اليُسْرى. فَإنْ قِيلَ رَوى خالِدُ الحَذّاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ أنَّ أبا بَكْرٍ قَطَعَ يَدًا بَعْدَ يَدٍ ورِجْلٍ قِيلَ لَهُ لَمْ يَقُلْ في السَّرِقَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قِصاصٍ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِثْلُ ذَلِكَ وتَأْوِيلُهُ ما ذَكَرْناهُ فَحَصَلَ مِنَ اتِّفاقِ السَّلَفِ وُجُوبُ الِاقْتِصارِ عَلى اليَدِ والرِّجْلِ وما رُوِيَ عَنْهم مِن مُخالَفَةِ ذَلِكَ فَإنَّما هو عَلى وجْهَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ الحِكايَةُ في قَطْعِ اليَدِ بَعْدَ الرِّجْلِ أوْ قَطْعِ الأرْبَعِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ السَّرِقَةِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى القَطْعِ في السَّرِقَةِ أوْ يَكُونُ مَرْجُوعًا عَنْهُ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ ضَرَبَ عُنُقَ رَجُلٍ بَعْدَما قَطَعَ أرْبَعَتَهُ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ قَطْعُهُ في السَّرِقَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَطْعُهُ مِن قِصاصٍ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ أيْمانُهُما وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ وإذا كانَ الَّذِي تَتَناوَلُهُ الآيَةُ يَدًا واحِدَةً لَمْ تَجُزِ الزِّيادَةُ عَلَيْها إلّا مِن جِهَةِ التَّوْقِيفِ أوِ الِاتِّفاقِ وقَدْ ثَبَتَ الِاتِّفاقُ في الرِّجْلِ اليُسْرى واخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ في اليَدِ اليُسْرى فَلَمْ يَجُزْ قَطْعُها مَعَ عَدَمِ الِاتِّفاقِ والتَّوْقِيفِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ إثْباتُ الحُدُودِ إلّا مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ودَلِيلٌ آخَرُ وهو اتِّفاقُ الأُمَّةِ عَلى قَطْعِ الرِّجْلِ بَعْدَ اليَدِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَدَ اليُسْرى غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ أصْلًا لِأنَّ العِلَّةَ في العُدُولِ عَنِ (p-٧٣)اليَدِ اليُسْرى بَعْدَ اليُمْنى إلى الرِّجْلِ في قَطْعِها عَلى هَذا الوَجْهِ إبْطالُ مَنفَعَةِ الجِنْسِ وهَذِهِ العِلَّةُ مَوْجُودَةٌ بَعْدَ قَطْعِ الرِّجْلِ اليُسْرى. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَمْ تُقْطَعْ رِجْلُهُ اليُمْنى بَعْدَ رِجْلِهِ اليُسْرى لِما فِيهِ مِن بُطْلانِ مَنفَعَةِ المَشْيِ رَأْسًا كَذَلِكَ لا تُقْطَعُ اليَدُ اليُسْرى بَعْدَ اليُمْنى لِما فِيهِ مِن بُطْلانِ مَنفَعَةِ البَطْشِ وهو مَنافِعُ اليَدِ كالمَشْيِ مِن مَنافِعِ الرِّجْلِ ودَلِيلٌ آخَرُ وهو اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُحارِبَ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ في أخْذِ المالِ لا يُزادُ عَلى قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ لِئَلّا تَبْطُلَ مَنفَعَةُ جِنْسِ الأطْرافِ كَذَلِكَ السّارِقُ وإنْ كَثُرَ الفِعْلُ مِنهُ بِأنْ عَظُمَ جُرْمُهُ فَلا يُوجِبُ الزِّيادَةَ عَلى قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ فَإنْ قالَ قائِلٌ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يَقْتَضِي قَطْعَ اليَدَيْنِ جَمِيعًا ولَوْلا الِاتِّفاقُ لَما عَدَلْنا عَنِ اليَدِ اليُسْرى في السَّرِقَةِ الثّانِيَةِ إلى الرِّجْلِ اليُسْرى قِيلَ لَهُ. أمّا قَوْلُكَ إنَّ الآيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِقَطْعِ اليَدِ اليُسْرى فَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّها إنَّما اقْتَضَتْ يَدًا واحِدَةً لِما ثَبَتَ مِن إضافَتِها إلى الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الجَمْعِ دُونَ التَّثْنِيَةِ وإنَّ ما كانَ هَذا وصْفُهُ فَإنَّهُ يَقْتَضِي يَدًا واحِدَةً مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ثُمَّ قَدِ اتَّفَقُوا أنَّ اليَدَ اليُمْنى مُرادَةٌ فَصارَ كَقَوْلِهِ تَعالى فاقْطَعُوا أيْمانَهُما فانْتَفى بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ اليُسْرى مُرادَةً بِاللَّفْظِ فَيَسْقُطُ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ في إيجابِ قَطْعِ اليُسْرى وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ مُحْتَمِلًا لِما وصَفْتُ لَكانَ اتِّفاقُ الأُمَّةِ عَلى قَطْعِ الرِّجْلِ بَعْدَ اليُمْنى دَلالَةً عَلى أنَّ اليُسْرى غَيْرُ مُرادَةٍ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ تَرْكُ المَنصُوصِ والعُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. * * واحْتَجَّ مُوجِبُو قَطْعِ الأطْرافِ بِما رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ قالَ أخْبَرَنِي حَمّادُ بْنُ أبِي حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسارِقٍ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ أنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ أنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ حَتّى قُطِعَتْ أطْرافُهُ كُلُّها» وحَمّادُ بْنُ أبِي حُمَيْدٍ مِمَّنْ يُضَعَّفُ وهو مُخْتَصَرٌ وأصْلُهُ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ الهِلالِيُّ حَدَّثَنا جَدِّيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «جِيءَ بِسارِقٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ اقْتُلُوهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما سَرَقَ فَقالَ اقْطَعُوهُ قالَ فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثّانِيَةَ فَقالَ اقْتُلُوهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما سَرَقَ قالَ اقْطَعُوهُ قالَ فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثّالِثَةَ فَقالَ اقْتُلُوهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما سَرَقَ قالَ اقْطَعُوهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرّابِعَةَ فَقالَ اقْتُلُوهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما سَرَقَ قالَ اقْطَعُوهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الخامِسَةَ فَقالَ اقْتُلُوهُ قالَ جابِرٌ فانْطَلَقْنا بِهِ فَقَتَلْناهُ» . ورَواهُ أبُو مَعْشَرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ بِإسْنادٍ مِثْلِهِ وزادَ (p-٧٤)«خَرَجْنا بِهِ إلى مِرْبَدِ النَّعَمِ فَحَمَلَنا عَلَيْهِ النَّعَمَ فَأشارَ بِيَدِهِ ورِجْلَيْهِ فَنَفَرَتِ الإبِلُ عَنْهُ فَلَقِيناهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلْناهُ» ورَواهُ يَزِيدُ بْنُ سِنانٍ حَدَّثَنِي هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِقَتْلِهِ» . ورَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ حاطِبٍ «أنَّ رَجُلًا سَرَقَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْتُلُوهُ فَقالَ القَوْمُ إنَّما سَرَقَ فَقالَ اقْطَعُوهُ فَقَطَعُوهُ ثُمَّ سَرَقَ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَطَعَهُ ثُمَّ سَرَقَ فَقَطَعَهُ حَتّى قُطِعَتْ قَوائِمُهُ كُلُّها ثُمَّ سَرَقَ الخامِسَةَ فَقالَ أبُو بَكْرٍ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْلَمُ بِهِ حِينَ أمَرَ بِقَتْلِهِ فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ» . واَلَّذِي ذَكَرْناهُ مِن حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ هو أصْلُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ حَمّادُ بْنُ أبِي حُمَيْدٍ وفِيهِ الأمْرُ بِقَتْلِهِ بَدِيًّا ومَعْلُومٌ أنَّ السَّرِقَةَ لا يُسْتَحَقُّ بِها القَتْلُ فَثَبَتَ أنَّ قَطْعَ هَذِهِ الأعْضاءِ لَمْ يَكُنْ عَلى وجْهِ الحَدِّ المُسْتَحَقِّ بِالسَّرِقَةِ وإنَّما كانَ عَلى جِهَةِ تَغْلِيظِ العُقُوبَةِ والمُثْلَةِ كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ العُرَنِيِّينَ أنَّهُ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وسَمَّلَهم ولَيْسَ السَّمْلُ حَدًّا في قُطّاعِ الطَّرِيقِ فَلَمّا نُسِخَتِ المُثْلَةُ نُسِخَ بِها هَذا الضَّرْبُ مِنَ العُقُوبَةِ فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ عَلى اليَدِ والرِّجْلِ لا غَيْرُ ويَدُلُّ عَلى أنَّ قَطْعَ الأرْبَعِ كانَ عَلى وجْهِ المُثْلَةِ لا عَلى الحَدِّ أنَّ في حَدِيثِ جابِرٍ أنَّهم حَمَلُوا عَلَيْهِ النَّعَمَ ثُمَّ قَتَلُوهُ بِالحِجارَةِ وذَلِكَ لا يَكُونُ حَدًّا في السَّرِقَةِ بِوَجْهٍ. * * ما لا يُقْطَعُ فِيهِ قالَ أبُو بَكْرٍ عُمُومُ قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يُوجِبُ قَطْعَ كُلِّ مَن تَناوَلَ الِاسْمَ في سائِرِ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ عُمُومٌ في هَذا الوَجْهِ وإنْ كانَ مُجْمَلًا في المِقْدارِ إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ مِن سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وقَوْلِ السَّلَفِ واتِّفاقِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ العُمُومُ وأنَّ كَثِيرًا مِمّا يُسَمّى آخِذُهُ سارِقًا لا قَطْعَ فِيهِ واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في أشْياءَ مِنهُ. ذُكِرَ الِاخْتِلافُ في ذَلِكَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: لا قَطْعَ في كُلِّ ما يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ نَحْوُ الرُّطَبِ والعِنَبِ والفَواكِهِ الرَّطْبَةِ واللَّحْمِ والطَّعامِ الَّذِي لا يَبْقى ولا في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ والحِنْطَةِ في سُنْبُلِها سَواءٌ كانَ لَها حافِظٌ أوْ لَمْ يَكُنْ ولا قَطْعَ في شَيْءٍ مِنَ الخَشَبِ إلّا السّاجَ والقَنا ولا قَطْعَ في الطِّينِ والنُّورَةِ (p-٧٥)والجِصِّ والزَّرْنِيخِ ونَحْوِهِ ولا قَطْعَ في شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ ويُقْطَعُ في الياقُوتِ والزُّمُرُّدِ ولا قَطْعَ في شَيْءٍ مِنَ الخَمْرِ ولا في شَيْءٍ مِن آلاتِ المَلاهِي وقالَ أبُو يُوسُفَ يُقْطَعُ في كُلِّ شَيْءٍ سُرِقَ مِن حِرْزٍ إلّا في السِّرْقِينِ والتُّرابِ والطِّينِ. وقالَ مالِكٌ لا يُقْطَعُ في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ ولا في حَرِيسَةِ الجَبَلِ وإذا آواهُ الجَرِينُ فَفِيهِ القَطْعُ وكَذَلِكَ إذا سَرَقَ خَشَبَةً مُلْقاةً فَبَلَغَ ثَمَنُها ما يَجِبُ فِيهِ القَطْعُ فَفِيهِ القَطْعُ وقالَ الشّافِعِيُّ لا قَطْعَ في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ ولا في الجُمّارِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ فَإنْ أُحْرِزَ فَفِيهِ القَطْعُ رَطْبًا كانَ أوْ يابِسًا وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ إذا سَرَقَ الثَّمَرَ عَلى شَجَرَةٍ فَهو سارِقٌ يُقْطَعُ قالَ أبُو بَكْرٍ رَوى مالِكٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ أنَّ مَرْوانَ أرادَ قَطْعَ يَدِ عَبْدٍ وقَدْ سَرَقَ ودِيًّا فَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ» . ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حِبّانَ عَنْ عَمِّهِ واسِعِ بْنِ حِبّانَ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَأدْخَلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حِبّانَ وبَيْنَ رافِعٍ واسِعِ بْنِ حِبّانَ ورَواهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِبّانَ عَنْ عَمَّةٍ لَهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ وأدْخَلَ اللَّيْثُ بَيْنَهُما عَمَّةً لَهُ مَجْهُولَةً ورَواهُ الدَّراوَرْدِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ عَنْ أبِي مَيْمُونَةَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ فَجَعَلَ الدَّراوَرْدِيُّ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى ورافِعِ أبا مَيْمُونَةَ فَإنْ كانَ واسِعُ بْنُ حِبّانَ كُنْيَتُهُ أبُو مَيْمُونَةَ فَقَدْ وافَقَ ابْنَ عُيَيْنَةَ وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَهو مَجْهُولٌ لا يُدْرى مَن هو إلّا أنَّ الفُقَهاءَ قَدْ تَلَقَّتْ هَذا الحَدِيثَ بِالقَبُولِ وعَمِلُوا بِهِ فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ بِقَبُولِهِمْ لَهُ كَقَوْلِهِ «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» واخْتِلافُ التّابِعِينَ لَمّا تَلَقّاهُ العُلَماءُ بِالقَبُولِ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ ولَزِمَ العَمَلُ بِهِ وقَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ مَعْنى قَوْلِهِ «لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ» فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ هو عَلى كُلِّ ثَمَرٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ وعُمُومُهُ يَقْتَضِي ما يَبْقى مِنهُ وما لا يَبْقى إلّا أنَّ الكُلَّ مُتَّفِقُونَ عَلى القَطْعِ فِيما قَدِ اسْتَحْكَمَ ولا يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ فَخُصَّ ما كانَ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ العُمُومِ وصارَ ذَلِكَ أصْلًا في نَفْيِ القَطْعِ عَنْ جَمِيعِ ما يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ. ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «لا قَطْعَ في طَعامٍ» وذَلِكَ يَنْفِي القَطْعَ عَنْ جَمِيعِ الطَّعامِ إلّا أنَّهُ خُصَّ ما لا يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ بِدَلِيلٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومَن قَدَّمْنا قَوْلَهُ أنَّ نَفْيَهُ القَطْعَ عَنِ الثَّمَرِ والكَثَرِ لِأجْلِ عَدَمِ الحِرْزِ فَإذا أُحْرِزَ فَهو وغَيْرُهُ سَواءٌ وهَذا تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلالَةٍ وقَوْلُهُ «ولا كَثَرٍ» أصْلٌ في ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ الكَثَرَ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: الجُمّارُ والآخَرُ الصِّغارُ وهو عَلَيْهِما جَمِيعًا (p-٧٦)فَإذا أرادَ بِهِ الجُمّارَ فَقَدْ نَفى القَطْعَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَفْسُدُ وهو أصْلٌ في كُلِّ ما كانَ في مَعْناهُ وإنْ أرادَ بِهِ النَّخْلَ فَقَدْ دَلَّ عَلى نَفْيِ القَطْعِ في الخَشَبِ فَنَسْتَعْمِلُهُما عَلى فائِدَتَيْهِما جَمِيعًا وكَذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ لا قَطْعَ في خَشَبٍ إلّا السّاجَ والقَنا وكَذَلِكَ يَجِيءُ عَلى قَوْلِهِ في الأبَنُوسِ. وذَلِكَ أنَّ السّاجَ والأبَنُوسَ لا يُوجَدُ في دارِ الإسْلامِ إلّا مالًا فَهو كَسائِرِ الأمْوالِ. وإنَّما اعْتُبِرَ ما يُوجَدُ في دارِ الإسْلامِ مالًا مِن قِبَلِ أنَّ الأمْلاكَ الصَّحِيحَةَ هي الَّتِي تُوجَدُ في دارِ الإسْلامِ وما كانَ في دارِ الحَرْبِ فَلَيْسَ بِمِلْكٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّها دارُ إباحَةٍ وأمْلاكُ أهْلِها مُباحَةٌ فَلا يَخْتَلِفُ فِيها حُكْمُ ما كانَ مِنهُ مالًا مَمْلُوكًا وما كانَ مِنهُ مُباحًا فَلِذَلِكَ سَقَطَ اعْتِبارُ كَوْنِها مُباحَةً في دارِ الحَرْبِ فاعْتُبِرَ حُكْمُ وُجُودِها في دارِ الإسْلامِ فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ في دارِ الإسْلامِ إلّا مالًا كانَتْ كَسائِرِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ الَّتِي لَيْسَتْ مُباحَةَ الأصْلِ فَإنْ قالَ قائِلٌ النَّخْلُ غَيْرُ مُباحِ الأصْلِ قِيلَ لَهُ هو مُباحُ الأصْلِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَسائِرِ الجِنْسِ المُباحِ الأصْلِ وإنْ كانَ بَعْضُها مَمْلُوكًا بِالأخْذِ والنَّقْلِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ. وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ «جاءَ رَجُلٌ مِن مُزَيْنَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرى في حَرِيسَةِ الجَبَلِ قالَ هي عَلَيْهِ ومِثْلُها والنَّكالُ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الماشِيَةِ قَطْعٌ إلّا ما أواهُ المُراحُ فَإذا أواهُ المُراحُ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَفِيهِ قَطْعُ اليَدِ وما لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ المِجَنِّ فَفِيهِ غَرامَةُ مِثْلِهِ وجَلَداتُ النَّكالِ قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرى في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ قالَ هي ومِثْلُهُ مَعَهُ والنَّكالُ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ قَطْعٌ إلّا ما أواهُ الجَرِينُ فَما أخَذَهُ مِنَ الجَرِينِ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَفِيهِ القَطْعُ وما لَمْ يَبْلُغْ فَفِيهِ غَرامَةُ مِثْلِهِ وجَلَداتُ النَّكالِ» . فَنَفى في حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ القَطْعَ عَنِ الثَّمَرِ رَأْسًا ونَفى في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ القَطْعَ عَنِ الثَّمَرِ إلّا ما أواهُ الجَرِينُ وقَوْلُهُ «حَتّى يَأْوِيَهُ الجَرِينُ» يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الحِرْزُ والآخَرُ الإبانَةُ عَنْ حالِ اسْتِحْكامِهِ وامْتِناعِ إسْراعِ الفَسادِ إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَأْوِيهِ الجَرِينُ إلّا وهو مُسْتَحْكِمٌ في الأغْلَبِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ولَمْ يُرِدْ بِهِ وُقُوعَ الحَصادِ. وإنَّما أرادَ بِهِ بُلُوغَهُ وقْتَ الحَصادِ وقَوْلُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حائِضٍ إلّا بِخِمارٍ» ولَمْ يُرِدْ بِهِ وُجُودَ الحَيْضِ وإنَّما أخْبَرَ عَنْ حُكْمِها بَعْدَ البُلُوغِ وقَوْلُهُ «إذا زَنى الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ» ولَمْ يُرِدْ بِهِ السِّنَّ وإنَّما أرادَ الإحْصانَ وقَوْلُهُ «فِي خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ» . أرادَ دُخُولَها في السَّنَةِ الثّانِيَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِأُمِّها مَخاضٌ؛ لِأنَّ الأغْلَبَ إذا صارَتْ كَذَلِكَ كانَ بِأُمِّها مَخاضٌ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ «حَتّى يَأْوِيَهُ (p-٧٧)الجَرِينُ» يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ بُلُوغَ حالِ الِاسْتِحْكامِ فَلَمْ يَجُزْ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ يَخُصَّ حَدِيثُ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ في قَوْلِهِ «لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ» وإنَّما لَمْ يُقْطَعْ في النُّورَةِ ونَحْوِها لِما رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ «لَمْ يَكُنْ قَطْعُ السّارِقِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الشَّيْءِ التّافِهِ يَعْنِي الحَقِيرَ» . فَكُلُّ ما كانَ تافِهًا مُباحَ الأصْلِ فَلا قَطْعَ فِيهِ والزِّرْنِيخُ والجِصُّ والنُّورَةُ ونَحْوُها تافِهٌ مُباحُ الأصْلِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَتْرُكُونَهُ في مَوْضِعِهِ مَعَ إمْكانِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ وأمّا الياقُوتُ والجَوْهَرُ فَغَيْرُ تافِهٍ وإنْ كانَ مُباحَ الأصْلِ بَلْ هو ثَمِينٌ رَفِيعٌ لَيْسَ يَكادُ يُتْرَكُ في مَوْضِعِهِ مَعَ إمْكانِ أخْذِهِ فَيُقْطَعُ فِيهِ وإنْ كانَ مُباحَ الأصْلِ كَما يُقْطَعُ في سائِرِ الأمْوالِ؛ لِأنَّ شَرْطَ زَوالِ القَطْعِ المَعْنَيانِ جَمِيعًا مِن كَوْنِهِ تافِهًا في نَفْسِهِ ومُباحَ الأصْلِ وأيْضًا فَإنَّ الجِصَّ والنُّورَةَ ونَحْوَها أمْوالٌ لا يُرادُ بِها القِنْيَةُ بَلِ الإتْلافُ فَهي كالخُبْزِ واللَّحْمِ ونَحْوِ ذَلِكَ والياقُوتُ ونَحْوُهُ مالٌ يُرادُ بِهِ القِنْيَةُ والتَّبْقِيَةُ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ وأمّا الطَّيْرُ فَإنَّما لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُثْمانَ أنَّهُما قالا لا يُقْطَعُ في الطَّيْرِ مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ عَلَيْهِما وأيْضًا فَإنَّهُ مُباحُ الأصْلِ فَأشْبَهَ الحَشِيشَ والحَطَبَ. * * واخْتُلِفَ في السّارِقِ مِن بَيْتِ المالِ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ لا يُقْطَعُ مَن سَرَقَ مِن بَيْتِ المالِ وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والحَسَنِ ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ يُقْطَعُ وهو قَوْلُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ ورَوى سُفْيانُ عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ أنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِرَجُلٍ سَرَقَ مِغْفَرًا مِنَ الخُمُسِ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا وقالَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ ورَوى وكِيعٌ عَنِ المَسْعُودِيِّ عَنِ القاسِمِ أنَّ رَجُلًا سَرَقَ مِن بَيْتِ المالِ فَكَتَبَ فِيهِ سَعْدٌ إلى عُمَرَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ ولا نَعْلَمُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ خِلافَ ذَلِكَ وأيْضًا لَمّا كانَ حَقُّهُ وحَقُّ سائِرِ المُسْلِمِينَ فِيهِ سَواءً فَصارَ كَسارِقِ مالٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَلا يُقْطَعُ * * واخْتُلِفَ فِيمَن سَرَقَ خَمْرًا مِن ذِمِّيٍّ أوْ مُسْلِمٍ فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والشّافِعِيُّ لا قَطْعَ عَلَيْهِ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وقالَ الأوْزاعِيُّ في ذِمِّيٍّ سَرَقَ مِن مُسْلِمٍ خَمْرًا أوْ خِنْزِيرًا غُرِّمَ الذِّمِّيُّ ويَجِدُّ فِيهِ المُسْلِمُ قالَ أبُو بَكْرٍ الخَمْرُ لَيْسَتْ بِمالٍ لَنا وإنَّما أمْرُ هَؤُلاءِ أنْ تُتْرَكَ مالًا لَهم بِالعَهْدِ والذِّمَّةِ فَلا يُقْطَعُ سارِقُها؛ لِأنَّ ما كانَ مالًا مِن وجْهٍ وغَيْرَ مالٍ مِن وجْهٍ فَإنَّ أقَلَّ أحْوالِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عَنْ سارِقِهِ كَمَن وطِئَ جارِيَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ وأيْضًا فَإنَّ المُسْلِمَ مُعاقَبٌ عَلى اقْتِناءِ الخَمْرِ وشُرْبِها مَأْمُورٌ بِتَخْلِيلِها أوْ صَبِّها فَمَن أخَذَها فَإنَّما (p-٧٨)أزالَ يَدَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ إزالَتُها عَنْهُ فَلا يُقْطَعُ * * واخْتُلِفَ فِيمَن أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ مَرَّةً واحِدَةً فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ إذا أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ مَرَّةً واحِدَةً قُطِعَ وقالَ أبُو يُوسُفَ وابْنُ شُبْرُمَةَ وابْنُ أبِي لَيْلى لا يُقْطَعُ حَتّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ ما رَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّراوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «أُتِيَ بِسارِقٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا سَرَقَ فَقالَ ما إخالُهُ سَرَقَ فَقالَ السّارِقُ بَلى قالَ فاذْهَبُوا بِهِ فاقْطَعُوهُ فَقُطِعَ» ورَواهُ غَيْرُ الدَّراوَرْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أبا هُرَيْرَةَ مِنهُمُ الثَّوْرِيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ أبُو بَكْرٍ وعَلى أيِّ وجْهٍ حَصَلَتِ الرِّوايَةُ مِن وصْلٍ أوْ قَطْعٍ فَحُكْمُها ثابِتٌ؛ لِأنَّ إرْسالَ مَن أرْسَلَهُ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ وصْلِ مَن وصَلَهُ ومَعَ ذَلِكَ لَوْ حَصَلَ مُرْسَلًا لَكانَ حُكْمُهُ ثابِتًا؛ لِأنَّ المُرْسَلَ والمَوْصُولَ سَواءٌ عِنْدَنا فِيما يُوجِبُونَ مِنَ الحُكْمِ فَقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِإقْرارِهِ مَرَّةً واحِدَةً فَإنْ قالَ قائِلٌ إنَّما قَطَعَهُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ لِأنَّهم قالُوا سَرَقَ قِيلَ لَهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لاقْتَصَرَ عَلَيْها ولَمْ يُلَقِّنْهُ الجُحُودَ فَلَمّا قالَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ سَرَقَ «وما إخالُهُ سَرَقَ» ولَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى أقَرَّ ثَبَتَ أنَّهُ قُطِعَ بِإقْرارِهِ دُونَ الشَّهادَةِ فَإنَّ احْتَجُّوا بِما رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ إسْحاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أبِي المُنْذِرِ مَوْلى أبِي ذَرٍّ عَنْ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ اعْتَرَفَ اعْتِرافًا ولَمْ يُوجِبُوا مَعَهُ المَتاعَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما أخالُكَ سَرَقْتَ قالَ بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فَأعادَها عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا قالَ بَلى فَأمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» فَفي هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهُ بِإقْرارِهِ مَرَّةً واحِدَةً وهو أقْوى إسْنادًا مِنَ الأوَّلِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ في هَذا الحَدِيثِ بَيانُ مَوْضِعِ الخِلافِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إقْرارُ السّارِقِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُقِرَّ ثُمَّ أقَرَّ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ اعْتَرَفَ اعْتِرافًا فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاعْتِرافُ قَدْ حَصَلَ مِنهُ عِنْدَ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَلا يُوجِبُ ذَلِكَ القَطْعَ عَلَيْهِ وأيْضًا لَوْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَعْدَ الإقْرارِ الأوَّلِ لِما دَلَّ عَلى أنَّ الإقْرارَ الأوَّلَ لَمْ يُوجِبِ القَطْعَ؛ إذْ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ القَطْعُ قَدْ وجَبَ وأرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَتَوَصَّلَ إلى إسْقاطِهِ بِتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ عَنْهُ. فَإنْ قِيلَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «ما يَنْبَغِي لِوالٍ آمِرٍ أنْ يُؤْتى لَحَدٍّ إلّا أقامَهُ» فَلَوْ كانَ القَطْعُ واجِبًا بِإقْرارِهِ بَدِيًّا لَما اشْتَغَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ عَنِ الإقْرارِ (p-٧٩)ولَسارَعَ إلى إقامَتِهِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ وُجُوبُ القَطْعِ مانِعًا مِنَ اسْتِثْباتِ الإمامِ إيّاهُ فِيهِ ولا مُوجِبًا عَلَيْهِ قَطْعَهُ في الحالِ لِأنَّ «ماعِزًا قَدْ أقَرَّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنا أرْبَعَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَرْجُمْهُ حَتّى اسْتَثْبَتَهُ وقالَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ. وسَألَ أهْلَهُ عَنْ صِحَّةِ عَقْلِهِ وقالَ لَهم أبِهِ جِنَّةٌ» ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الرَّجْمَ لَمْ يَكُنْ قَدْ وجَبَ بِإقْرارِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ فَلَيْسَ إذًا في هَذا الخَبَرِ ما يُعْتَرَضُ بِهِ عَلى خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِهِ حِينَ أقَرَّ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُقْدِمُ عَلى إقامَةِ حَدٍّ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يُؤَخِّرَ إقامَةَ حَدٍّ قَدْ وجَبَ مُسْتَثْبِتًا لِذَلِكَ ومُتَحَرِّيًا بِالِاحْتِياطِ والثِّقَةِ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا أيْضًا حَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الأنْصارِيِّ عَنْ أبِيهِ «أنَّ عَمْرَو بْنَ سَمُرَةَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي سَرَقْتُ جَمَلًا لِبَنِي فُلانٍ فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالُوا إنّا فَقَدْنا جَمَلًا لَنا فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُهُ» فَفي هَذا الخَبَرِ أيْضًا قَطَعَهُ بِإقْرارِهِ مَرَّةً واحِدَةً ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أيْضًا أنَّ السَّرِقَةَ المُقَرَّ بِها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ عَيْنًا أوْ غَيْرَ عَيْنٍ فَإنْ كانَتْ عَيْنًا ولَمْ يَجِبِ القَطْعُ بِإقْرارِ الأوَّلِ فَقَدْ وجَبَ ضَمانُها لا مَحالَةَ مِن قِبَلِ أنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ فِيهِ يَثْبُتُ بِإقْرارِهِ مَرَّةً واحِدَةً ولا يَتَوَقَّفُ عَلى الإقْرارِ ثانِيًا وإذا ثَبَتَ المِلْكُ لِلْمُقَرِّ لَهُ ولَمْ يَثْبُتِ القَطْعُ صارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. وحُصُولُ الضَّمانِ يَنْفِي القَطْعَ وإنْ كانَتِ السَّرِقَةُ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ قائِمَةٍ فَقَدْ صارَتْ دَيْنًا بِالإقْرارِ الأوَّلِ وحُصُولُها دَيْنًا في ذِمَّتِهِ يَنْفِي القَطْعَ عَلى ما وصَفْنا فَإنْ قالَ قائِلٌ إذا جازَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ أخْذِهِ بَدِيًّا عَلى وجْهِ السَّرِقَةِ مَوْقُوفًا في القَطْعِ عَلى نَفْيِ الضَّمانِ وإثْباتِهِ فَهَلّا جَعَلْتَ حُكْمَ إقْرارِهِ مَوْقُوفًا في تَعَلُّقِ الضَّمانِ بِهِ عَلى وُجُوبِ القَطْعِ وْسُقُوطِهِ قِيلَ لَهُ نَفْسُ الأخْذِ عِنْدَنا عَلى وجْهِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ القَطْعَ فَلا يَكُونُ مَوْقُوفًا وإنَّما سُقُوطُ القَطْعِ بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمانَ ألا تَرى أنَّهُ إذا ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُها فَإنْ لَمْ يَكُنِ الإقْرارُ بَدِيًّا لِلْقَطْعِ فَيَنْبَغِي أنْ يُوجِبَ الضَّمانَ ووُجُوبُ الضَّمانِ يَنْفِي القَطْعَ؛ إذْ كانَ إقْرارُهُ الثّانِي لا يَنْفِي ما قَدْ حَصَلَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّمانِ النّافِي لِلْقَطْعِ بِإقْرارِهِ الأوَّلِ. فَإنْ قِيلَ يُنْتَقَضُ هَذا الِاعْتِلالُ بِالإقْرارِ بِالزِّنا لِأنَّ إقْرارَهُ الأوَّلَ بِالزِّنا إذا لَمْ يُوجِبْ حَدًّا فَلا بُدَّ مِن إيجابِ المَهْرِ بِهِ لِأنَّ الوَطْءَ في غَيْرِ مِلْكٍ لا يَخْلُو مِن إيجابِ حَدٍّ أوْ مَهْرٍ ومَتى انْتَفى الحَدُّ وجَبَ المَهْرُ وإقْرارُهُ الثّانِي والثّالِثُ والرّابِعُ لا يُسْقِطُ المَهْرَ الواجِبَ بَدِيًّا بِالإقْرارِ الأوَّلِ وهَذا يُؤَدِّي إلى سُقُوطِ اعْتِبارِ عَدَدِ الإقْرارِ في الزِّنا فَلَمّا صَحَّ وُجُوبُ اعْتِبارِ عَدَدِ الإقْرارِ (p-٨٠)فِي الزِّنا مَعَ وُجُودِ العِلَّةِ المانِعَةِ مِنَ اعْتِبارِ عَدَدِ الإقْرارِ في السَّرِقَةِ بِأنَّ بِهِ فَسادَ اعْتِلالِكَ قِيلَ لَهُ لَيْسَ هَذا مِمّا ذَكَرْناهُ في شَيْءٍ وذَلِكَ أنَّ سُقُوطَ الحَدِّ في الزِّنا عَلى وجْهِ الشُّبْهَةِ لا يَجِبْ بِهِ مَهْرٌ؛ لِأنَّ البُضْعَ لا قِيمَةَ لَهُ إلّا مِن جِهَةِ عَقْدٍ أوْ شُبْهَةِ عَقْدٍ ومَتى عُرِّيَ مِن ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفاقُهم جَمِيعًا عَلى أنَّهُ لَوْ أقَرَّ بِالزِّنا مَرَّةً واحِدَةً ثُمَّ ماتَ أوْ قامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالزِّنا فَماتَ قَبْلَ أنْ يُحَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ المَهْرُ في مالِهِ ولَوْ ماتَ بَعْدَ إقْرارِهِ بِالسَّرِقَةِ مَرَّةً واحِدَةً لَكانَتِ السَّرِقَةُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ بِاتِّفاقٍ مِنهم جَمِيعًا فَقَدْ حَصَلَ مِن قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إيجابُ الضَّمانِ بِالإقْرارِ مَرَّةً واحِدَةً وسُقُوطُ المَهْرِ مَعَ الإقْرارِ بِالزِّنا مِن غَيْرِ حَدٍّ واحْتَجَّ الآخَرُونَ بِما رَوى الأعْمَشُ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ رَجُلًا أقَرَّ عِنْدَهُ بِسَرِقَةٍ مَرَّتَيْنِ فَقالَ قَدْ شَهِدْتَ عَلى نَفْسِكَ بِشَهادَتَيْنِ فَأمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وعَلَّقَها في عُنُقِهِ ولا دَلالَةَ في هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ مَذْهَبَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يُقْطَعُ إلّا بِالإقْرارِ مَرَّتَيْنِ إنَّما قالَ شَهِدْتَ عَلى نَفْسِكَ بِشَهادَتَيْنِ ولَمْ يَقُلْ لَوْ شَهِدْتَ بِشَهادَةٍ واحِدَةٍ لَما قُطِعَتْ ولَيْسَ فِيهِ أيْضًا أنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى أقَرَّ مَرَّتَيْنِ ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِأبِي يُوسُفَ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ أنَّ هَذا لَمّا كانَ حَدًّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ عَدَدُ الإقْرارِ فِيهِ بِالشَّهادَةِ فَلَمّا كانَ أقَلَّ مَن يُقْبَلُ فِيهِ شَهادَةَ شاهِدَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ أقَلَّ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُهُ مَرَّتَيْنِ كالزِّنا اعْتُبِرَ عَدَدُ الإقْرارِ فِيهِ بِعَدَدِ الشُّهُودِ وهَذا يَلْزَمُ أبا يُوسُفَ أنْ يَعْتَبِرَ عَدَدَ الإقْرارِ في شُرْبِ الخَمْرِ بِعَدَدِ الشُّهُودِ وقَدْ سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ الكَرْخِيَّ يَقُولُ إنَّهُ وجَدَ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ في شُرْبِ الخَمْرِ أنَّهُ لا يُحَدُّ حَتّى يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ كَعَدَدِ الشُّهُودِ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ؛ لِأنَّ المُطالَبَةَ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ولَيْسَ كَذَلِكَ سائِرُ الحُدُودِ وهَذا الضَّرْبُ مِنَ القِياسِ مَدْفُوعٌ عِنْدَنا فَإنَّ المَقادِيرَ لا تُؤْخَذُ مِن طَرِيقِ المَقايِيسِ فِيما كانَ هَذا صِفَتَهُ وإنَّما طَرِيقُها التَّوْقِيفُ والِاتِّفاقُ. * * بابُ السَّرِقَةِ مِن ذَوِي الأرْحامِ قالَ أبُو بَكْرٍ قَوْلُهُ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ عُمُومٌ في إيجابِ قَطْعِ كُلِّ سارِقٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، عَلى النَّحْوِ الَّذِي قَدَّمْنا، وعَلى ما حَكَيْنا عَنْ أبِي الحَسَنِ، لَيْسَ بِعُمُومٍ وهو مُجْمَلٌ مُحْتاجٌ فِيهِ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ في إثْباتِ حُكْمِهِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى عَلى أصْلِهِ أنَّ ما ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفاقِ لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِعُمُومِهِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ؛ وهو مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجاعٍ. إلّا أنَّهُ وإنْ كانَ عُمُومًا عِنْدَنا لَوْ خُلِّينا ومُقْتَضاهُ فَقَدْ قامَتْ (p-٨١)دَلالَةُ خُصُوصِهِ في ذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ. ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ: قالَ أصْحابُنا: ( لا يُقْطَعُ مَن سَرَقَ مِن ذِي الرَّحِمِ ) وهو الَّذِي لَوْ كانَ أحَدُهُما رَجُلًا والآخَرُ امْرَأةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها مِن أجْلِ الرَّحِمِ الَّذِي بَيْنَهُما. ولا تُقْطَعُ أيْضًا عِنْدَهُمُ المَرْأةُ إذا سَرَقَتْ مِن زَوْجِها، ولا الزَّوْجُ إذا سَرَقَ مِنَ امْرَأتِهِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: ( إذا سَرَقَ مِن ذِي رَحِمٍ مِنهُ لَمْ يُقْطَعْ ) . وقالَ مالِكٌ: ( يُقْطَعُ الزَّوْجُ فِيما سَرَقَ مِنَ امْرَأتِهِ والمَرْأةُ فِيما تَسْرِقُ مِن زَوْجِها في غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنانِ فِيهِ، وكَذَلِكَ في الأقارِبِ ) . وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ في الَّذِي يَسْرِقُ مِن أبَوَيْهِ: ( إنْ كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ لا يُقْطَعُ، وإنْ كانُوا نَهَوْهُ عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فَسَرَقَ قُطِعَ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( لا قَطْعَ عَلى مَن سَرَقَ مِن أبَوَيْهِ أوْ أجْدادِهِ، ولا عَلى زَوْجٍ سَرَقَ مِنَ امْرَأتِهِ أوِ امْرَأةٍ سَرَقَتْ مِن زَوْجِها ) . والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] فَأباحَ تَعالى الأكْلَ مِن بُيُوتِ هَؤُلاءِ، وقَدِ اقْتَضى ذَلِكَ إباحَةَ الدُّخُولِ إلَيْها بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ فَإذا جازَ لَهم دُخُولُها لَمْ يَكُنْ ما فِيها مُحْرَزًا عَنْهم، ولا قَطْعَ إلّا فِيما سُرِقَ مِن حِرْزٍ وأيْضًا إباحَةُ أكْلِ أمْوالِهِمْ يَمْنَعُ وُجُوبَ القَطْعِ فِيها، لِما لَهم فِيها مِنَ الحَقِّ كالشَّرِيكِ ونَحْوِهِ. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ويُقْطَعُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ إذا سَرَقَ مِن صَدِيقِهِ. قِيلَ لَهُ ظاهِرُ الآيَةِ يَنْفِي القَطْعَ مِنَ الصَّدِيقِ أيْضًا، وإنَّما خَصَّصْناهُ بِدَلالَةِ الِاتِّفاقِ ودَلالَةُ اللَّفْظِ قائِمَةٌ فِيما عَداهُ؛ وعَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صَدِيقًا إذا قَصَدَ السَّرِقَةَ. ودَلِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا وُجُوبُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ وجَوازُ أخْذِها مِنهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ، فَأشْبَهَ السّارِقَ مِن بَيْتِ المالِ، لِثُبُوتِ حَقِّهِ فِيهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ هَذا الحَقُّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ في مالِ الأجْنَبِيِّ ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ القَطْعِ بِالسَّرِقَةِ مِنهُ. قِيلَ لَهُ: يُعْتَرَضانِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّهُ في مالِ الأجْنَبِيِّ يَثْبُتُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وخَوْفِ التَّلَفِ وفي مالِ هَؤُلاءِ يَثْبُتُ بِالفَقْرِ وتَعَذُّرِ الكَسْبِ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ الأجْنَبِيَّ يَأْخُذُهُ بِبَدَلٍ وهَؤُلاءِ يَسْتَحِقُّونَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ كَمالِ بَيْتِ المالِ. وأيْضًا فَلَمّا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إحْياءَ نَفْسِهِ وأعْضائِهِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِ، وكانَ هَذا السّارِقُ مُحْتاجًا إلى هَذا المالِ في إحْياءِ يَدِهِ لِسُقُوطِ (p-٨٢)القَطْعِ، صارَ في هَذِهِ الحالَةِ كالفَقِيرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلى ذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ مِنهُ الإنْفاقَ عَلَيْهِ لِإحْياءِ نَفْسِهِ أوْ بَعْضِ أعْضائِهِ. وأيْضًا فَهو مَقِيسٌ عَلى الأبِ بِالمَعْنى الَّذِي قَدَّمْناهُ؛ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * قالَ أصْحابُنا فِيمَن سَرَقَ ثَوْبًا فَقُطِعَ فِيهِ ثُمَّ سَرَقَهُ مَرَّةً أُخْرى وهو بِعَيْنِهِ: ( لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ ) . والأصْلُ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَنا إثْباتُ الحُدُودِ بِالقِياسِ، وإنَّما طَرِيقُها التَّوْقِيفُ أوِ الِاتِّفاقُ، فَلَمّا عَدِمْناهُما فِيما وصَفْنا لَمْ يَبْقَ في إثْباتِهِ إلّا القِياسُ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَنا. فَإنْ قِيلَ: هَلّا قَطَعْتَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ قِبَلَ السَّرِقَةِ قِيلَ لَهُ: السَّرِقَةُ الثّانِيَةُ لَمْ يَتَناوَلْها العُمُومُ؛ لِأنَّها تُوجِبُ قَطْعَ الرِّجْلِ لَوْ وجَبَ القَطْعُ، واَلَّذِي في الآيَةِ قَطْعُ اليَدِ. وأيْضًا فَإنَّ وُجُوبَ قَطْعِ السَّرِقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ والعَيْنِ جَمِيعًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَتى سَقَطَ القَطْعُ وجَبَ ضَمانُ العَيْنِ، كَما أنَّ حَدَّ الزِّنا لَمّا تَعَلَّقَ بِالوَطْءِ كانَ سُقُوطُ الحَدِّ مُوجِبًا ضَمانَ الوَطْءِ، ولَمّا تَعَلَّقَ وُجُوبُ القِصاصِ بِقَتْلِ النَّفْسِ كانَ سُقُوطُ القَوَدِ مُوجِبًا ضَمانَ النَّفْسِ؛ فَكَذَلِكَ وُجُوبُ ضَمانِ العَيْنِ في السَّرِقَةِ عِنْدَ سُقُوطِ القَطْعِ يُوجِبُ اعْتِبارَ العَيْنِ في ذَلِكَ. فَلَمّا كانَ فِعْلُ واحِدٍ في عَيْنَيْنِ لا يُوجِبُ إلّا قَطْعًا واحِدًا، كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الفِعْلَيْنِ في عَيْنٍ واحِدَةٍ يَنْبَغِي أنْ لا يُوجِبَ إلّا قَطْعًا واحِدًا؛ إذْ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العَيْنَيْنِ أعْنِي الفِعْلَ والعَيْنَ تَأْثِيرٌ في إيجابِ القَطْعِ. فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ زَنى بِامْرَأةٍ فَحُدَّ ثُمَّ زَنى بِها مَرَّةً أُخْرى حُدَّ ثانِيًا مَعَ وُقُوعِ الفِعْلَيْنِ في عَيْنٍ واحِدَةٍ. قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِعَيْنِ المَرْأةِ في تَعَلُّقِ وُجُوبِ الحَدِّ بِها، وإنَّما يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ حَدِّ الزِّنا بِالوَطْءِ لا غَيْرُ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ مَتى سَقَطَ الحَدُّ ضَمِنَ الوَطْءَ ولَمْ يَضْمَن عَيْنَ المَرْأةِ، وفي السَّرِقَةِ مَتى سَقَطَ القَطْعُ ضَمِنَ عَيْنَ السَّرِقَةِ. وأيْضًا فَلَمّا صارَتِ السَّرِقَةُ في يَدِهِ بَعْدَ القَطْعِ في حُكْمِ المُباحِ التّافِهِ، بِدَلالَةِ أنَّ اسْتِهْلاكَها لا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمانَها، وجَبَ أنْ لا يُقْطَعَ فِيها بَعْدَ ذَلِكَ كَما لا يُقْطَعُ في سائِرِ المُباحاتِ التّافِهَةِ في الأصْلِ وإنْ حَصَلَتْ مِلْكًا لِلنّاسِ كالطِّينِ والخَشَبِ والحَشِيشِ والماءِ؛ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ لَوْ كانَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ ثَوْبًا بَعْدَما قُطِعَ فِيهِ ثُمَّ سَرَقَهُ مَرَّةً أُخْرى قُطِعَ؛ لِأنَّ حُدُوثَ هَذا الفِعْلِ فِيهِ يَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ المانِعَةِ كانَتْ مِن وُجُوبِ القَطْعِ، كَما لَوْ سَرَقَ خَشَبًا لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ، ولَوْ كانَ بابًا مَنجُورًا فَسَرَقَ قُطِعَ لِخُرُوجِهِ بِالصَّنْعَةِ (p-٨٣)عَنِ الحالِ الأُولى. وأيْضًا لَمّا كانَ وُقُوعُ القَطْعِ فِيهِ يُوجِبُ البَراءَةَ مِنَ اسْتِهْلاكِهِ قامَ القَطْعُ فِيهِ مَقامَ دَفْعِ قِيمَتِهِ، فَصارَ كَأنَّهُ عَوَّضَهُ مِنهُ، وأشْبَهَ مِن هَذا الوَجْهِ وُقُوعَ المِلْكِ لَهُ في المَسْرُوقِ؛ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ البَدَلِ عَلَيْهِ يُوجِبُ لَهُ المِلْكَ، فَلَمّا أشْبَهَ مِلْكَهُ مِن هَذا الوَجْهِ سَقَطَ القَطْعُ لِأنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أنْ يُشْبِهَ المُباحَ مِن وجْهٍ ويُشْبِهَ المِلْكَ مِن وجْهٍ. * * بابُ اَلسّارِقِ يُوجَدُ قَبْلَ إخْراجِ اَلسَّرِقَةِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّ القَطْعَ غَيْرُ واجِبٍ إلّا أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المَتاعِ وبَيْنَ حِرْزِهِ، والدّارُ كُلُّها حِرْزٌ واحِدٌ، فَكَما لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الدّارِ لَمْ يَجِبِ القَطْعُ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عُمَرَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ. ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ قالَ: بَلَغَ عائِشَةَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إذا لَمْ يَخْرُجْ بِالمَتاعِ لَمْ يُقْطَعْ، فَقالَتْ عائِشَةُ: " لَوْ لَمْ أجِدْ إلّا سِكِّينًا لَقَطَعْتُهُ " . ورَوى سَعِيدُ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إذا وُجِدَ في بَيْتٍ فَعَلَيْهِ القَطْعُ " قالَ أبُو بَكْرٍ: دُخُولُهُ البَيْتَ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ اسْمَ السّارِقِ، فَلا يَجُوزُ إيجابُ القَطْعِ بِهِ، وأخْذُهُ في الحِرْزِ أيْضًا لا يُوجِبُ القَطْعَ؛ لِأنَّهُ باقٍ في الحِرْزِ، ومَتى لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الحِرْزِ فَهو بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَأْخُذْهُ فَلا يَجِبْ عَلَيْهِ القَطْعُ؛ ولَوْ جازَ إيجابُ القَطْعِ في مِثْلِهِ لَما كانَ لِاعْتِبارِ الحِرْزِ مَعْنًى؛ واَللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ غُرْمِ اَلسّارِقِ بَعْدَ اَلْقَطْعِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ وابْنُ شُبْرُمَةَ: " إذا قُطِعَ السّارِقُ فَإنْ كانَتِ السَّرِقَةُ قائِمَةً بِعَيْنِها أخَذَها المَسْرُوقُ مِنهُ، وإنْ كانَتْ مُسْتَهْلَكَةً فَلا ضَمانَ عَلَيْهِ "، وهو قَوْلُ مَكْحُولٍ وعَطاءٍ والشَّعْبِيِّ وابْنِ شُبْرُمَةَ وأحَدُ قَوْلَيْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. وقالَ مالِكٌ: " يَضْمَنُها إنْ كانَ مُوسِرًا ولا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كانَ مُعْسِرًا " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " يَغْرَمُ السَّرِقَةَ وإنْ كانَتْ هالِكَةً " وهو قَوْلُ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ وحَمّادٍ وأحَدُ قَوْلَيْ إبْراهِيمَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا إذا كانَتْ قائِمَةً بِعَيْنِها فَلا خِلافَ أنَّ صاحِبَها يَأْخُذُها؛ وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ سارِقَ رِداءِ صَفْوانَ ورَدَّ الرِّداءَ عَلى صَفْوانَ» . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الضَّمانِ بَعْدَ القَطْعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ﴾ والجَزاءُ اسْمٌ لِما يُسْتَحَقُّ بِالفِعْلِ؛ فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى جَعَلَ جَمِيعَ ما يُسْتَحَقُّ بِالفِعْلِ هو القَطْعُ، لَمْ يَجُزْ إيجابُ الضَّمانِ (p-٨٤)مَعَهُ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ في حُكْمِ المَنصُوصِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بِمِثْلِ ما يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] فَأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الجَزاءِ هو المَذْكُورُ في الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] يَنْفِي أنْ يَكُونَ هُناكَ جَزاءٌ غَيْرُهُ. ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنِي المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إبْراهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ أخِيهِ المِسْوَرِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا أقَمْتُمْ عَلى السّارِقِ الحَدَّ فَلا غُرْمَ عَلَيْهِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ صُهَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شُجاعٍ الآدَمِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي خالِدُ بْنُ خِداشٍ قالَ: حَدَّثَنِي إسْحاقُ بْنُ الفُراتِ قالَ: حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ فَضالَةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسارِقٍ، فَأمَرَ بِقَطْعِهِ وقالَ: لا غُرْمَ عَلَيْهِ» . وقالَ عَبْدُ الباقِي: هَذا هو الصَّحِيحُ؛ وأخْطَأ فِيهِ خالِدُ بْنُ خِداشٍ، فَقالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ امْتِناعُ وُجُوبِ الحَدِّ والمالِ بِفِعْلٍ واحِدٍ، كَما لا يَجْتَمِعُ الحَدُّ والمَهْرُ والقَوَدُ والمالُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُ القَطْعِ نافِيًا لِضَمانِ المالِ؛ إذْ كانَ المالُ في الحُدُودِ لا يَجِبُ إلّا مَعَ الشُّبْهَةِ، وحُصُولُ الشُّبْهَةِ يَنْفِي وُجُوبَ القَطْعِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ مِن أصْلِنا أنَّ الضَّمانَ سَبَبٌ لِإيجابِ المِلْكِ فَلَوْ ضَمَّنّاهُ لِمِلْكِهِ بِالأخْذِ المُوجِبِ لِلضَّمانِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَقْطُوعًا في مِلْكِ نَفْسِهِ وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ لَنا سَبِيلٌ إلى رَفْعِ القَطْعِ وكانَ في إيجابِ الضَّمانِ إسْقاطُ القَطْعِ، امْتَنَعَ وُجُوبُ الضَّمانِ * * فِيمَن يُقِيمُ الحَدَّ عَلى المَمْلُوكِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: ( يُقِيمُهُ الإمامُ دُونَ المَوْلى وذَلِكَ في سائِرِ الحُدُودِ )، وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ. وقالَ مالِكٌ: ( يَحُدُّهُ المَوْلى في الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ والقَذْفِ إذا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ، ولا يَقْطَعُهُ في السَّرِقَةِ وإنَّما يَقْطَعُهُ الإمامُ )، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: ( يَحُدُّهُ المَوْلى ويَقْطَعُهُ ) . وقالَ الثَّوْرِيُّ: ( يَحُدُّهُ المَوْلى في الزِّنا ) رِوايَةَ الأشْجَعِيِّ، وذَكَرَ عَنْهُ الفِرْيابِيُّ: ( أنَّ المَوْلى إذا حَدَّ عَبْدَهُ ثُمَّ أعْتَقَهُ جازَتْ شَهادَتُهُ ) . وقالَ الأوْزاعِيُّ: ( يَحُدُّهُ المَوْلى ) . (p-١٣١)ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ( ضَمِنَ هَؤُلاءِ أرْبَعًا: الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ والحُدُودَ والحُكْمَ ) رَواهُ عَنْهُ ابْنُ عَوْنٍ، ورُوِيَ عَنْهُ بَدَلُ الصَّلاةِ الجُمُعَةِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ: ( الحُدُودُ والفَيْءُ والجُمُعَةُ والزَّكاةُ إلى السُّلْطانِ ) . وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيى البَكّاءِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْمُرُنا أنْ نَأْخُذَ عَنْهُ وهو عالِمٌ فَخُذُوا عَنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ( الزَّكاةُ والحُدُودُ والفَيْءُ والجُمُعَةُ إلى السُّلْطانِ )؛وقَدْ قِيلَ إنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ هَذا يَظُنُّ أنَّهُ أخُو أبِي بَكْرَةَ واسْمُهُ نافِعٌ. فَهَؤُلاءِ السَّلَفُ قَدْ رُوِيَ عَنْهم ذَلِكَ، ولا نَعْلَمُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ خِلافَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ ذَكَرَ إقامَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدًّا بِالشّامِ، وقالَ الأعْمَشُ هم أُمَراءُ حَيْثُ كانُوا. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ كانَ ولِيَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أنَّ المَحْدُودَ كانَ عَبْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى أنَّهُ قالَ: أدْرَكْتَ بَقايا الأنْصارِ يَضْرِبُونَ الوَلِيدَةَ مِن ولائِدِهِمْ إذا زَنَتْ في مَجالِسِهِمْ. قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْزِيرِ لا عَلى وجْهِ إقامَةِ الحَدِّ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِرَفْعِها إلى الإمامِ بَلْ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسَّتْرِ عَلَيْها وتَرْكِ رَفْعِها إلى الإمامِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ إقامَةَ الحَدِّ عَلى المَمْلُوكِ إلى الإمامِ دُونَ المَوْلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] وقَدْ عَلِمَ مَن قَرَعَ سَمْعَهُ هَذا الخِطابُ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ هُمُ الأئِمَّةُ دُونَ عامَّةِ النّاسِ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ: فَلْيَقْطَعِ الأئِمَّةُ والحُكّامُ أيْدِيَهُما ولْيَجْلِدْهُما الأئِمَّةُ والحُكّامُ. ولَمّا ثَبَتَ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ أنَّ المَأْمُورِينَ بِإقامَةِ هَذِهِ الحُدُودِ عَلى الأحْرارِ هُمُ الأئِمَّةُ ولَمْ تُفَرِّقْ هَذِهِ الآياتُ بَيْنَ المَحْدُودِينَ مِنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ جَمِيعًا وأنْ يَكُونَ الأئِمَّةُ هُمُ المُخاطَبُونَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلى الأحْرارِ والعَبِيدِ دُونَ المَوالِي. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لَوْ جازَ لِلْمَوْلى أنْ يَسْمَعَ شَهادَةَ الشُّهُودِ عَلى عَبْدِهِ بِالسَّرِقَةِ فَيَقْطَعَهُ ثُمَّ يَرْجِعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهادَتِهِمْ أنْ يَكُونَ لَهُ تَضْمِينُ الشُّهُودِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَضْمِينَ الشُّهُودِ يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الحاكِمِ بِالشَّهادَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكم بِشَهادَتِهِمْ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا، فَكانَ يَصِيرُ حاكِمًا لِنَفْسِهِ بِإيجابِ الضَّمانِ عَلَيْهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ لا يَجُوزُ أنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ المَوْلى لا يَمْلِكُ اسْتِماعَ البَيِّنَةِ عَلى عَبْدِهِ بِذَلِكَ ولا قَطْعَهُ. وأيْضًا فَإنَّ المَوْلى والأجْنَبِيَّ سَواءٌ في حَدِّ العَبْدِ والأمَةِ، بِدَلالَةِ أنَّ إقْرارَهُ بِهِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وأنَّ (p-١٣٢)إقْرارَ العَبْدِ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ مَقْبُولٌ وإنْ جَحَدَهُ المَوْلى، فَلَمّا كانا في ذَلِكَ في حُكْمِ الأجْنَبِيَّيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْلى بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، وإنَّما جازَ لِلْحاكِمِ أنْ يَسْمَعَ البَيِّنَةَ ويُقِيمَ الحَدَّ لِأنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ في ثُبُوتِ ما يُوجِبُ الحَدَّ عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ سَمِعَ البَيِّنَةَ وحَكَمَ بِالحَدِّ. فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ إقْرارُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ بِما يُوجِبُ الحَدَّ ولا يَمْلِكُ مَعَ ذَلِكَ إقامَةَ الحَدِّ عَلى نَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ: إذا كانَ مَن يَجُوزُ إقْرارُهُ عَلى نَفْسِهِ ولا يُقِيمُ الحَدَّ عَلى نَفْسِهِ فَمَن لا يَجُوزُ إقْرارُهُ عَلى عَبْدِهِ أحْرى بِأنْ لا يُقِيمَ الحَدَّ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: فَلا نَجْعَلُ قَوْلَ الحاكِمِ عَلَيْهِ عِلَّةَ جَوازِ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْلَ الحاكِمِ: ( قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي ) لا يُوجِبُ عَلَيْهِ الحَدَّ ولَيْسَ بِإقْرارٍ مِنهُ، وإنَّما هو حُكْمٌ؛ وكَذَلِكَ البَيِّنَةُ إذا قامَتْ عِنْدَهُ فَإنَّهُ يُقِيمُ الحَدَّ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، فَمَن لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ في الحُكْمِ فَهو لا يَمْلِكُ سَماعَ البَيِّنَةِ ولا إقامَةَ الحَدِّ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ أبا حَنِيفَةَ وأبا يُوسُفَ لا يَقْبَلانِ قَوْلَ الحاكِمِ بِما يُوجِبُ الحَدَّ لِأنَّهُما يَقُولانِ: ( لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ في الحُدُودِ ) . قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَ الحاكِمِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إذا قالَ: ( ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدِي بِبَيِّنَةٍ أوْ بِإقْرارٍ ) لِأنَّ مِن قَوْلِهِما أنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، وإنَّما مَعْنى قَوْلِهِما: ( إنَّهُ لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ في الحُدُودِ ) أنَّهُ لَوْ شاهَدَ رَجُلًا عَلى زِنًا أوْ سَرِقَةٍ أوْ شُرْبِ خَمْرٍ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الحَدَّ بِعِلْمِهِ، فَأمّا إذا قالَ: ( قَدْ شَهِدَ عِنْدِي شُهُودٌ بِذَلِكَ ) أوْ قالَ: ( أُقِرَّ عِنْدِي بِذَلِكَ ) فَإنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ مِنهُ في ذَلِكَ ويَسَعُ مَن أمَرَهُ الحاكِمُ بِالرَّجْمِ والقَطْعِ أنْ يَرْجُمَ ويَقْطَعَ. واحْتَجَّ المُخالِفُ لَنا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم»، وقَوْلُهُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها وإنْ عادَتْ فَلْيَجْلِدْها وإنْ عادَتْ فَلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّبْ عَلَيْها فَإنْ عادَتْ فَلْيَبِعْها ولَوْ بِضَفِيرٍ» وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الحَدِيثِ: «فَلْيُقِمْ عَلَيْها الحَدَّ» قالَ أبُو بَكْرٍ: لا دَلالَةَ في هَذِهِ الأخْبارِ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: «أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ رَفْعُهُ إلى الإمامِ لِإقامَةِ الحَدِّ، فالمُخاطَبُونَ بِإقامَةِ الحَدِّ هُمُ الأئِمَّةُ وسائِرُ النّاسِ مُخاطَبُونَ بِرَفْعِهِمْ إلَيْهِمْ حَتّى يُقِيمُوا عَلَيْهِمُ الحُدُودَ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أقِيمُوا الحُدُودَ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» هو عَلى هَذا المَعْنى. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها» فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَلْدٍ حَدًّا؛ لِأنَّ الجَلْدَ قَدْ يَكُونُ عَلى وجْهِ التَّعْزِيرِ فَإذا عَزَّرْناها فَقَدْ قَضَيْنا عُهْدَةَ الخَبَرِ ولا يَجُوزُ أنْ نَجْلِدَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ التَّعْزِيرَ قَوْلُهُ: ( لا يُثَرِّبْ عَلَيْها ) يَعْنِي: ولا (p-١٣٣)يُعَيِّرْها. ومِن شَأْنِ إقامَةِ الحَدِّ أنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ النّاسِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ والتَّنْكِيلِ، فَلَمّا قالَ: ( ولا يُثَرِّبْ عَلَيْها ) دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أرادَ التَّعْزِيرَ لا الحَدَّ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ في الرّابِعَةِ: ( فَلْيَبِعْها ولَوْ بِضَفِيرٍ ) ولَمْ يَأْمُرْ بِجَلْدِها، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حَدًّا لَذَكَرَهُ وأمَرَ بِهِ كَما أمَرَ بِهِ في الأوَّلِ والثّانِي والثّالِثِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الحُدُودِ بَعْدَ ثُبُوتِها عِنْدَ مَن يُقِيمُها، وقَدْ يَجُوزُ تَرْكُ التَّعْزِيرِ عَلى حَسَبِ ما يَرى الإمامُ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ أرادَ التَّعْزِيرَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَوْ عَزَّرَها المَوْلى ثُمَّ رُفِعَ إلى الإمامِ بَعْدَ التَّعْزِيرِ أنْ يُقِيمَ عَلَيْها الحَدَّ؛ لِأنَّ التَّعْزِيرَ لا يُسْقِطُ الحَدَّ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْها الحَدُّ والتَّعْزِيرُ. قِيلَ لَهُ: لا يَنْبَغِي لِمَوْلاها أنْ يَرْفَعَها إلى الإمامِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ هو مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ عَلَيْها لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهُزالٍ حِينَ أشارَ عَلى ماعِزٍ بِالإقْرارِ بِالزِّنا: «لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كانَ خَيْرًا لَكَ»، وقالَ ﷺ: «مَن أتى شَيْئًا مِن هَذِهِ القاذُوراتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإنَّ مَن أبْدى لَنا صَفْحَتَهُ أقَمْنا عَلَيْهِ كِتابَ اللَّهِ» . وأيْضًا فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ الحَدِّ والتَّعْزِيرِ، وقَدْ يَجِبُ النَّفْيُ عِنْدَنا مَعَ الجَلْدِ عَلى وجْهِ التَّعْزِيرِ. ورُوِيَ أنَّ النَّجاشِيَّ الشّاعِرَ شَرِبَ الخَمْرَ في رَمَضانَ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ثَمانِينَ وقالَ: ( هَذا لِشُرْبِكَ الخَمْرَ ) ثُمَّ جَلَدَهُ عِشْرِينَ وقالَ: ( هَذا لِإفْطارِكَ في رَمَضانَ ) فَجَمَعَ عَلَيْهِ الحَدَّ والتَّعْزِيرَ؛ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ جائِزًا لَمْ يَمْتَنِعْ لَوْ رُفِعَتْ هَذِهِ الأمَةُ بَعْدَ تَعْزِيرِ المَوْلى إلى الإمامِ أنْ يَحُدَّها حَدَّ الزِّنا.