Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الطارق 86:1 – الغاشية 88:26

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الطارق 86:1
  2. الطارق 86:2
  3. الطارق 86:3
  4. الطارق 86:4
  5. الطارق 86:5
  6. الطارق 86:6
  7. الطارق 86:7
  8. الطارق 86:8
  9. الطارق 86:9
  10. الطارق 86:10
  11. الطارق 86:11
  12. الطارق 86:12
  13. الطارق 86:13
  14. الطارق 86:14
  15. الطارق 86:15
  16. الطارق 86:16
  17. الطارق 86:17
  18. الأعلى 87:1
  19. الأعلى 87:2
  20. الأعلى 87:3
  21. الأعلى 87:4
  22. الأعلى 87:5
  23. الأعلى 87:6
  24. الأعلى 87:7
  25. الأعلى 87:8
  26. الأعلى 87:9
  27. الأعلى 87:10
  28. الأعلى 87:11
  29. الأعلى 87:12
  30. الأعلى 87:13
  31. الأعلى 87:14
  32. الأعلى 87:15
  33. الأعلى 87:16
  34. الأعلى 87:17
  35. الأعلى 87:18
  36. الأعلى 87:19
  37. الغاشية 88:1
  38. الغاشية 88:2
  39. الغاشية 88:3
  40. الغاشية 88:4
  41. الغاشية 88:5
  42. الغاشية 88:6
  43. الغاشية 88:7
  44. الغاشية 88:8
  45. الغاشية 88:9
  46. الغاشية 88:10
  47. الغاشية 88:11
  48. الغاشية 88:12
  49. الغاشية 88:13
  50. الغاشية 88:14
  51. الغاشية 88:15
  52. الغاشية 88:16
  53. الغاشية 88:17
  54. الغاشية 88:18
  55. الغاشية 88:19
  56. الغاشية 88:20
  57. الغاشية 88:21
  58. الغاشية 88:22
  59. الغاشية 88:23
  60. الغاشية 88:24
  61. الغاشية 88:25
  62. الغاشية 88:26

الطارق 86:1

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:2

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:3

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:4

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:5

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:6

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:7

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:8

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:9

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:10

يقول الحق جل جلاله: { والسماء والطارق } ، عظم تعالى قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن ملائكته، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق، والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها، لعظم منفعتها، ثم عظمه ونوه به، فقال: { وما أدراك ما الطارق } بعد أن فخمه بالإقسام به، تنبيها على رفعة قدره بحيث لا يناله إدراك الخلق، فلا بد من تلقيه من الخلاق العليم، أي: أي شيء أعلمك بالطارق، ثم فسره بقوله: { النجم الثاقب } المضيء، فكأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق، أو: لأنه يطرق الجني، أي: يصكه. وقيل: المراد به كوكب معهود، قيل:هو الثريا، وقيل زحل، وقيل الجدي. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، " إن " نافية، و " لما " بمعنى " إلا " في قراءة من شددها، وهي لغة هذيل يقولون: " نشدتك الله لما قمت " أي: إلا قمت، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب، وهو الله عز وجل، كما في قوله تعالى: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب:52] أو: من يحفظ عملها، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر كما في قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار:10] أو: من يحفظها من الآفات، ويذب عنها كما في قوله تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11]، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " وكل بالمؤمن ستون ومائة ملك، يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { إن كل نفس.. } الخ. و " ما ": صلة في قراءة من خفف، أي: إنه، أي: الأمر والشأن كل نفس لعليها حافظ. { فلينظر الإنسان مم خلق } ، لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أمره بالنظر في أول نشأته، وبالتفكر فيها حق التفكر، حتى يتضح له أن من قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط، فهو قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجزى به، ولا يملي على حافظه ما يرديه، فالفاء فصيحة تنبىء عن هذه الجمل، أي: إذا علم أن على كل إنسان حفظة يحفظونه من الآفات، أو يكتبون أعماله، خيره وشرها، دقيقها وجليلها، وأنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، فلينظر في أول نشأته حتى يتحقق أن له صانعا، فيعبده ولا يشرك به شيئا، ثم فسر أصل نشأته فقال: { خلق من ماء دافق } ، فهو استئناف بياني، كأنه قيل: مم خلق؟ فقال: خلق من ماء دافق، والدفق: صب فيه دفع وسرعة، والدفق في الحقيقة لصاحبه، والاستناد إلى الماء مجاز، ولم يقل: من ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما. { يخرج من بين الصلب والترائب } أي: صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها، حيث تكون القلادة، وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة، وقال بعض الحكماء: إن النظفة تتولد من فضل الهضم الرابع، وتنفصل عن جميع الأعضاء، حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ومقرها عروق ملتف بعضها على بعض عند البيضتين، فالدماغ أعظم معونة في توليدها، ولذلك كان الإفراط في الجماع يورث الضعف فيه، وله خليفة هو النخاع، وهو في الصلب، وفيه شعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني، فلذا خصا بالذكر، فالمعنى على هذا: يخرج من بين صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وهو الأحسن، وبه صدر ابن جزي. { إنه } أي: الخالق، لدلالة " خلق " عليه، أي: إن الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة، { على رجعه } على إعادته بعد موته { لقادر } بين القدرة. وجيء ب " إن " واللام وتنكير الخبر ليدل على رد بليغ على من يدعي أنه لا حشر ولا بعث، حتى كأنه لا تتعلق القدرة بشيء إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، { يوم تبلى السرائر } أي: تكشف ويتصفح ما فيها من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال، ويتبين ما طاب منها وما خبث. والسرائر: القلوب، هو ظرف ل " رجعه " ، أي: إنه لقادر على رده بالبعث في هذا اليوم الذي تفضح فيه السرائر، { فما له من قوة } في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر } ينتصر به ويدفع عنه غير الله تعالى. ولما كان رفع المكان في الدنيا إما بقوة الأنسان، وإما بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة. الإشارة: أقسم تعالى بقلب العارف، لأنه سماء لشمس العرفان وقمر الإيمان ونجوم العلم، وبما يطرقه من الواردات الإلهية والنفحات القدسية ثم نوه بذلك الطارق، فقال: { وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب } أي: هو نجم العلم الثاقب لظلمة الجهل، إما جهل الشرائع أو جهل الحقائق. إن كل نفس لما عليها حافظ، وهو الله، فإنه رقيب على الظواهر والبواطن، ففيه حث على تدقيق المراقبة ظاهرا وباطنا. فلينظر الإنسان مم خلق في عالم الحكمة من جهة بشريته خلق من ماء دافق، يخرج من محل البول ويقع في محل البول، فإذا نظر إلى أصل بشريته تواضع وانكسر، وفي ذلك عزه وشرفه، من تواضع رفعه الله. وفيه روح سماوية قدسية، إذا اعتنى بها وزكاها، نال عز الدارين وشرف المنزلين " من عرف نفسه عرف ربه " فالإنسان من جهة بشريته أرضي، ومن جهة روحانيته سماوي، والحكم للغالب منهما. إنه على رجعه: أي: رده إلى أصله، حين برز من عالم الغيب، بظهور روحه، لقادر، فيصير روحانيا سماويا، بعد أن كان بشريا أرضيا، وذلك يوم تبلى السرائر بإظهار ما فيها من المساوىء، ليقع الدواء عليها، فتذهب، فمن لم يفضح نفسه لم يظفر بها، فما لها من قوة على جهادها وإظهار مساوئها بين الأقران إلا بالله، ولا ناصر ينصره على الظفر بها إلا من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أقسم على حقية كتابه المحفوظ، فقال: { والسمآء ذات الرجع }.

الطارق 86:11

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الطارق 86:12

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الطارق 86:13

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الطارق 86:14

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الطارق 86:15

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الطارق 86:16

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الطارق 86:17

يقول الحق جل جلاله: { والسماء ذات الرجع } أي: المطر، لأنه يرجع حينا بعد حين، وسمته العرب بذلك تفاؤلا، { والأرض ذات الصدع } أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار لا بالعيون كما قيل، فإن وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقية القرآن الناطق بالبعث للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأن في تشقق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. { إنه } أي: القرآن { لقول فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانا، وصفه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، { وما هو بالهزل } أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومن حقه حيث وصفه الله بذلك أن يكون مهابا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العتاة. { إنهم } أي: أهل مكة { يكيدون } في إبطال أمره، وإطفاء نوره { كيدا } على قدر طاقتهم { وأكيد كيدا } أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأستدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيدا، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه المشاكلة، كقوله: يخادعون الله وهو خادعهم [النساء:142] إلى غير ذلك { فمهل الكافرين } أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفك أمرهم { أمهلهم رويدا } أي: إمهالا يسيرا، ف " أمهلهم ": بدل من " مهل " ، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و " رويدا ": مصدر أرود بالترخيم، ولا يتكلم به إلا مصغرا، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رويد زيدا، وكونه حالا، نحو: سار القوم رويدا، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أن الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سلم ومعراج يصعد إليها، فمن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقسم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقية القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصدع لأنها تتصدع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمن طلب الحق من غيره أضله الله. ووصفه أيضا بالجد غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } ، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية من آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. ه. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الأعلى 87:1

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:2

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:3

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:4

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:5

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:6

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:7

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:8

يقول الحق جل جلاله: { سبح اسم ربك } أي: نزه اسمه تعالى عن الإلحاد فيه، بالتأويلات الزائغة، وعن إطلاقه على غيره بوجه يوجب الاشتراك في معناه، فلا يسمى به صنم ولا وثن ولا شيء مما سواه تعالى، قال تعالى: هل تعلم له سميا [مريم:65] فلا يقال لغيره تعالى: رب وإله، وإذا كان أمر بتنزيه اللفظ فتنزيه الذات أحرى، أو: نزه اسمه عن ذكره لا على وجه الإجلال والإعظام، أو: نزه ذاته المقدسة عما لا يليق بها، فيكون " اسم " صلة. و " الأعلى " صفة لرب، وهو الأظهر. وعلوه تعالى: قهريته واقتداره، أو: تعاليه عن سمة الحدوث وعن مدارك العقول، فلا يحيط به وصف واصف أو علم عارف، لا علو مكان. أو صفة للاسم، وعلوه بعلو مسماه، وقيل: قل: سبحان ربي الأعلى. لما نزل: فسبح باسم ربك العظيم 74 [الواقعة:74] قال صلى الله عليه وسلم: " اجعلوه في ركوعكم " فلما نزل: { سبح اسم ربك الأعلى } قال: " اجعلوه في سجودكم " وكانوا يقولون في الركوع: لك ركعت، وفي السجود: لك سجدت، فجعلوا هذا مكانه. { الذي خلق فسوى } أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير متلائم، ولكن على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، أو: سواه على ما يتأتى به كماله ويتيسر به معاشه، { والذي قدر فهدى } أي: قدر الأشياء في أزله، فهدى كل واحد إلى ما سبق له من شقاوة وسعادة، ورزق وأجل، أو: ما قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، فترى الولد بمجرد خروجه من بطن أمه يلتمس غذاه، وكذا سائر الحيوانات، فسبحان المدبر الحكيم: { الذي أخرج المرعى } أي: أنبت ما ترعاه الدواب غضا طريا، { فجعله } بعد ذلك { غثاء } يابسا هشيما { أحوى } أسود، ف " أحوى " صفة لغثاء، وقيل: حال من المرعى، أي: أخرجه أحوى من شدة الخضرة، فمضت مدة، فجعله غثاء يابسا. وهذه الجمل الثلاث صفة للرب. ولما تغايرت الصفات وتباينت أتى لكل صفة بموصول. وعطف على كل صلة ما يترتب عليها. { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنعلمك القرآن فلا تنساه، وهو بيان لهدايته تعالى الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو أهدى للعالمين، مع ضمانه له. والسين إما للتأكيد، وإما لأن المراد إقراء ما أوحي إليه حنيئذ وما سيوحى إليه، فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام، أو: سنجعلك قارئا فلا تنسى أصلا، من قوة الحفظ والإتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة، ليكون ذلك آية أخرى لك مع ما في تضاعيف ما تقرأ من الآيات البينات من حيث الإعجاز، ومن حيث الإخبار بالمغيبات. وقوله تعالى: { إلا ماشاء الله }: استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أي: فلا تنسى شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه بأن ننسخ تلاوته، وهذا إشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي، فلا يتفلت منه شيء، إلا ما شاء الله نسخه، فيذهب به عن حفظه، ويرفع حكمه وتلاوته. قال الكواشي: إلا ما شاء الله أن ننسيكه على سبيل النسخ، أو تنساه ثم تذكره بعد. روي أنه صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فظن أبي أنها نسخت، فسأله، فقال: " نسيتها " ، قال الشيخ السنوسي: والمحققون على منع النسيان لشيء من الأقوال البلاغية قبل التبليغ، لإجماع السلف، وأما بعد التبليغ، فجائز لأنه من الأعراض البشرية. ه. وفي الحديث: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " الحديث. فالسهو في حق الأنبياء جائز، لأنه من قهرية الربوبية، لتتميز به العبودية من الربوبية، فليس بنقص في حقهم، بل كما، ليحصل التشريع والاقتداء. وقيل: " لا " ناهية، وإثبات الألف للفاصلة، كقوله: السبيلا [الأحزاب:67] أي: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيك برفع تلاوته، وهو ضعيف. { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي: يعلم ما ظهر وما بطن، التي من جملتها ما أوحى إليك، فينسى ما شاء الله إنساءه، ويبقى محفوظا ما شاء إبقاءه، أو: يعلم جهرك بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو: ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، وما تجهر به، أو: يعلم ما أعلنتم وما أسررتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم. قال الورتجبي: السر والعلانية عنده تعالى سواء، إذا هو يبصرهما ببصره القديم، ويعلمهما بالعلم القديم، وليس في القدم نقص، بحيث يتفاوت عنده الظاهر والباطن إذ هناك الظاهر هو الباطن، والباطن هو الظاهر لأن الظاهر ظهر من ظاهريته، والباطن من باطنيته. ه. { ونيسرك لليسرى } ، معطوف على " سنقرئك " وما بينهما اعتراض، أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وهي الشريعة السمحة التي هي أسهل الشرائع، أو: نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين، علما وتعليما، هداية واهتداء، فيندرج فيه تلقي الوحي والإطاحة بما فيه من الأحكام التشريعية السمحة، والنواميس الإلهية، مما يتعلق بتكميل نفس صلى الله عليه وسلم وتكميل غيره، كما يفصح عنه قوله: { فذكر.. } الخ. وتخصيص التيسير به عليه السلام، مع أنه يسري إلى غيره، للإيذان بقوة تمكنه صلى الله عليه وسلم من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك ملكة راسخة له، كأنه عليه السلام جبل عليها. قاله أبو السعود. الإشارة: نزه ربك أن ترى معه غيره، وقدسه عن الحلول والاتحاد، قال القشيري: أي: سبح ربك بمعرفة أسمائه واسبح بسرك في بحر عطائه، واستخرج من بواهر علوه وسناه ما ترفع به عند مدحه من ثنائه. ه. قال الورتجبي: أي: نزه اسمه عن أن يكون له سميا، من العرش إلى الثرى، حتى يكون بقدس اسمه مقدسا عن رؤية الأغيار، ويصل بقدس اسمه إلى رؤية قدس الصفات، ثم إلى رؤية قدس الذات. ه. الأعلى فوق كل شيء، والقريب دون كل شيء، فهو علي في قربه، قريب في علوه، ليس فوقه شيء، وليس دونه شيء، الذي خلق أظهر الأشياء فسوى صورتها، وأتقن خلقها. والذي قدر المراتب، فهدى إلى أسباب الوصول إليها، والذي أخرج المرعى، أي: ما ترعى في بهجته وحسن طلعته الأرواح من مظاهر الذات، وأنوار الصفات، فجعله غثاء أحوى، فتلون من طلعة الجمال إلى قهرية الجلال. قال القشيري: أخرج المرعى: أي: المراتع الروحانية لأرباب الأرواح والأسرار والقلوب، ليرعوا فيها أعشاب المواهب الإلهية والعطايا اللاهوتية، وأخرج المراتع الجسمانية لأصحاب النفوس الأمارة والهوى المتبع، ليرتعوا فيها من كلأ اللذات الحيوانية الشهوانية. ه. سنقرك: سنلهمك من العلوم والأسرار ما تعجز عنه العقول، فلا تنسى، إلا ما شاء الله أن تنساه، إنه يعلم الجهر، أي: ما يصلح أن تجهر به من تلك العلوم، وما يخفى وما يجب إخفاءه عن غير أهله. ونيسرك للطريقة اليسرى، التي توصل إلى الحضرة الكبرى. قال القشيري: أي: طريق السلوك إلى الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. ه. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به، كما قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }.

الأعلى 87:9

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:10

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:11

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:12

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:13

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:14

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:15

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:16

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:17

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:18

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الأعلى 87:19

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس حسبما سيرناك له بما يوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية كما كنت تفعل، أي: دم على تذكيرك. وتقييد التذكير لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصا على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلا نفورا، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون من يذكره ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا ينفعه ولا يزيده إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلبه، فهو كقوله: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق:45] وقوله تعالى: فأعرض عن من تولى عن ذكرنا [النجم:29] وقيل المعنى: ذكر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: تقيكم الحر [النحل:81]، واستبعده ابن جزي لأن المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحذاق، قلت: الأولى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلا لمن تنفعه وتؤثر فيه، وأما من تحقق عناده فلا يزيده إلا عنادا، والقرائن تكفي في ذلك. { سيذكر من يخشى } سيتعظ ويقبل التذكرة من يخشى الله تعالى { ويتجنبها } أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها { الأشقى } الذي سبق له الشقاء أو: أشقى الكفرة لتوغله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. { الذي يصلى النار الكبرى } أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم " ، { ثم لا يموت فيها } حتى يستريح { ولا يحيا } حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي. { قد أفلح } أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه { من تزكى } أي: تطهر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، { وذكر اسم ربه } بقلبه ولسانه { فصلى } أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح من زكى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: وأقم الصلاة لذكري [طه:14] فيكون تفعل من الزكاة، أو: أفلح من تزكى: أخرج زكاة الفطر وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخبارا بما سيكون، إذ لم تشرع زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلا بالمدينة. { بل تؤثرون الحياة الدنيا } على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها وتشتغلون بذلك عن التزود للأخرة، { والآخرة خير وأبقى } أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالبا، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلا القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قل من ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. وجملة: { والآخرة... } الخ: حال من فاعل { تؤثرون } مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. ه. وقوله تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى } الإشارة إلى قوله: { قد أفلح من تزكى } إلى قوله: { وأبقى } ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. ه. وقوله تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } بدل من " الصحف الأولى ". وفي حديث أبي ذر: " قلت: يا رسول الله: كم كتابا أنزل الله؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: " كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: " كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب أي يتعب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " قلت: يا رسول الله وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: { قد أفلح من تزكى.. } الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه " ، قلت: يا رسول الله زدني قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي " ، قلت: يا رسول الله زدني، قال: " عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " ه. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأت في العشر صحف التي أنزل ا لله على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، الثاني: من كانت الدنيا أكبر همه نزع الله خوف الآخرة من قلبه، الثالث: من شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عز وجل، الرابع: من تواضع لملك من ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: من لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يبال الله من أي أبواب جهنم يدخله يعني من حلال أو حرام، السادس: من أتى خطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: من جعل حاجته إلى آدمي جعل الله الفقر بين عينيه. ه. الإشارة: فذكر أيها العارف الدال على الله إن نفعت الذكرى إن رجوت أو توهمت نفع تذكيرك، فإن تحققت عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذكر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة... [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تقر كل واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تقرهم فيها وتدلهم على بذلها، وأهل العلم تقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وترغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيت أحدا تشوف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدله عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر: " إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال عليه السلام: { سيذكر من يخشى } أي: ينتفع بتذكيري من يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنبها الأشقى: أي: ويعرض عنها من سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: من يعرف شقاوته، والأشقى: من لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. ه. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح من تزكى، أي: فاز بالوصول من تطهر من هوى نفسه، بأن طهر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تؤثرون الحياة الدنيا عن التوجه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأن التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. ه. وقال الورتجبي: إن هذا أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: إني بريء مما تشركون [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: إني وجهت وجهي [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف:143]. ه. أي: وبقوله: وعجلت إليك رب لترضى [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الغاشية 88:1

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:2

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:3

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:4

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:5

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:6

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:7

يقول الحق جل جلاله: { هل أتاك حديث الغاشية } أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أريد به التعجب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: يغشاهم العذاب من فوقهم [العنكبوت:55] الخ. ثم فصل أحوال الناس فيها، فقال: { وجوه يومئذ خاشعة } ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: { وجوه يومئذ } أي: يوم إذ غشيت { خاشعة } ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و { وجوه } متبدأ، سوغه التنويع، وخاشعة خبر، و { عاملة ناصبة }: خبران آخران، أي: تعمل أعمالا شاقة في النار، تتعب فيها من جر السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، { تصلى } أي: تدخل { نارا حامية } متناهية في الحر مددا طويلة، { تسقى من عين آنية } أي: من عين ماء متناهية في الحر، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، وهو نبت يقال لرطبه: الشبرق على وزن زبرج، تأكله الإبل رطبا فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سم قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء في النار، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار " ، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح الله وجوه أهل النار يوم القيامة، تشبيها بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: فقطع أمعآءهم [محمد:15] ه. والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض. ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: { لا يسمن ولا يغني من جوع } أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعا لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه. الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذل طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبدا حتى يأخذ الموت بعنقه، تصلى نار القطيعة والبعد تسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلا من ضريع شبهاتها أو حرماتها، لا يسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئا، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها. ثم ثنى بأضدادهم، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة }.

الغاشية 88:8

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:9

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:10

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:11

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:12

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:13

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:14

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:15

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:16

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:17

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:18

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:19

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:20

يقول الحق جل جلاله في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية إيذانا بكمال تباين مضمونيهما، فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم نضرة النعيم 24 [المطففين:24]، { لسعيها راضية } أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، { في جنة عالية } علو المكان أو المقدار، { لا تسمع فيها لاغية } أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفس لاغية، فإن كلام أهل الجنة كله أذكار وحكم، أو: لا تسمع يا مخاطب، فيمن بناه للفاعل. { فيها عين جارية } أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: علمت نفس [التكوير:14] أي: كل نفس، { فيها سرر مرفوعة } رفيعة السمك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، { وأكواب موضوعة } بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب، { ونمارق } وسائد ومرافق { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، { وزرابي } أي: بسط فاخرة، جمع " زربية " ، { مبثوثة } مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ولما أنزل الله هذه الآيات وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأن ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربي كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟! ذكرهم الله بقوله: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } طويلة عالية، ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خلقت خلقا بديعا معدولا عن سنن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن ضمأها ليبلغ العشر فصاعدا، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحداء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأن المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. ه. قاله المحشي. { وإلى السماء كيف رفعت } رفعا بعيدا بلا عمد ولا مساك، أو بحيث لا ينالها فهم ولا إدراك، { وإلى الجبال } التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها { كيف نصبت } نصبا رصينا، فهي راسخة لا تميل ولا تميد، { وإلى الإرض كيف سطحت } سطحا بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الجلال: وفي الآية دليل على أن الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنا من أركان الشرع. ه. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: يكور الليل على النهار... [الزمر:5] أن الآية تدل على أن السماء كروية قال: لأن من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. ه. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أن السموات والأرض كرتان. ه. الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية لأن أهلها مقدسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحكم، فيها سرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة كيسان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الروح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة بسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإن الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خلقت فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رفعت به، وإلى الأرض كيف سطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمارة، لقوله عليه السلام: " الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة " ه وإلى الأرواح كيف رفعت لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها. ثم حض على التذكير ثانيا، فقال: { فذكر إنمآ أنت مذكر }.

الغاشية 88:21

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس بالأدلة العقلية والنقلية، { إنما أنت مذكر } ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط، كقوله: ومآ أنت عليهم بجبار [ق:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر } ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: فذكر أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. { إن إلينا إيابهم } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام، { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير، ومن تولى منهم يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الغاشية 88:22

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس بالأدلة العقلية والنقلية، { إنما أنت مذكر } ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط، كقوله: ومآ أنت عليهم بجبار [ق:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر } ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: فذكر أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. { إن إلينا إيابهم } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام، { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير، ومن تولى منهم يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الغاشية 88:23

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس بالأدلة العقلية والنقلية، { إنما أنت مذكر } ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط، كقوله: ومآ أنت عليهم بجبار [ق:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر } ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: فذكر أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. { إن إلينا إيابهم } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام، { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير، ومن تولى منهم يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الغاشية 88:24

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس بالأدلة العقلية والنقلية، { إنما أنت مذكر } ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط، كقوله: ومآ أنت عليهم بجبار [ق:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر } ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: فذكر أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. { إن إلينا إيابهم } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام، { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير، ومن تولى منهم يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الغاشية 88:25

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس بالأدلة العقلية والنقلية، { إنما أنت مذكر } ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط، كقوله: ومآ أنت عليهم بجبار [ق:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر } ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: فذكر أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. { إن إلينا إيابهم } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام، { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير، ومن تولى منهم يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الغاشية 88:26

يقول الحق جل جلاله: { فذكر } الناس بالأدلة العقلية والنقلية، { إنما أنت مذكر } ليس عليك إلا التبليغ { لست عليهم بمصيطر } بمسلط، كقوله: ومآ أنت عليهم بجبار [ق:45]، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر } ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمسلط عليهم، تقهرهم على الإيمان، لكن من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: فذكر أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض. { إن إلينا إيابهم } رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا للجبار المقتدر على الانتقام، { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من " ، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود. الإشارة: ما قيل للرسول يقال لخلفائه من أهل التذكير، ومن تولى منهم يعذب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.