البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الفجر 89:1 – الشمس 91:15
المحتويات
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
الفجر 89:1
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:2
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:3
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:4
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:5
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:6
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:7
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:8
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:9
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:10
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:11
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:12
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:13
يقول الحق جل جلاله: { والفجر } ، إما وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصبح، لما في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته لكونها مشهودة، { وليال عشر } عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونكرت للتفخيم، { والشفع والوتر } أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد لأن منها شفعا ومنها وترا، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعا وهو الزوج، أو وترا وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولما أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: { والليل إذا يسر } إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أريد به ليلة القدر، وحذفت الياء في الوصل اكتفاء بكسرتها، وسئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. ه. ويرد عليه: أنها حذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. { هل في ذلك } أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي: مقسم به، أو إقسام، والمعنى: من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسم بها، وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد مرتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الشرف والفضل، { لذي حجر } لذي عقل؟ سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلا ونهية لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل والمعنى: هل يحق عند ذوي العقول أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي لب وعقل؟ والمقسم عليه محذوف، أي: لتهلكن يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علما يقينا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم، فيعذب هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سموا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: { إرم } عطف بيان لعاد للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أن إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلة، كانت أو أرضا. وقوله تعالى: { ذات العماد } صفة لإرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، روي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل الله عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غما عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل. انظر الثعلبي. { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل عاد في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يخلق مثل مدينة " شداد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أن بعض الأولياء قال: دخلت مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: { لم يخلق مثلها في البلاد } أي: بلاد اليمن. ه. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتا، قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. { وفرعون ذي الأوتاد } أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، كما فعل بآسية.
{ الذين طغوا في البلاد } تجاوزوا الحد، والموصول إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: { فأكثروا فيها الفساد } بالكفر القتل والظلم، { فصب عليهم ربك } أي: أنزل إنزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد { سوط عذاب } أي: عذابا شديدا لا يدرك غايته وهو عبارة عما حل بكل واحد منهم من فنون العذاب التي بينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عذبوا عذابا دائما مؤلما، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتستأصلن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم تر كيف فعل ربك بعاد النفس الأمارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يخلق مثلها في البلاد في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطانا، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. ه. فأكثروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصب عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: { إن ربك لبالمرصاد }.
الفجر 89:14
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:15
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:16
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:17
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:18
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:19
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:20
يقول الحق جل جلاله: { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: { فأما الإنسان.. } الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمن بالمرصاد. ه. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لما بين تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون حيث صب عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: { إن ربك لبالمرصاد } تخلصا، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابا فوق كل عذاب، كما قال:
لا يعذب عذابه أحد
[الفجر:25]. ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: { فأما الإنسان } ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا أو شرا { فأما الإنسان } الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، { إذا ما ابتلاه ربه } أي: عامله معاملة من يبتليه ويختبره { فأكرمه ونعمه } ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعم هو عين الابتلاء، { فيقول ربي أكرمن } أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان " ، والفاء لما في " أما " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخر، كأنه قيل: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدمه للإيذان من أول مرة بأن الإكرام والتنعم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. ه. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأما الإنسان حال كونه مبتلى فيقول... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. ه. مختصرا انظر الحاشية الفاسية. { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه رزقه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحكم البالغة { فيقول ربي أهانن } ، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمن علم أن ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني وفضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا يهمه إلا العاجلة، وهو ما يلذه وينعمه فيها، وإنما أنكر قوله: { ربي أكرمن } مع أنه أثبته بقوله: { فأكرمه ونعمه } ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراما له لاستحقاقه، كقوله:
إنمآ أوتيته على علم عندي
[القصص:78] وإنما أعطاه الله ابتلاء من غير استحقاق منه، فرد تعالى عليه زعمه بقوله: { كلا } أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان ف " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك بمحض القضاء والقدر. وقوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديدا للتقريع، وتأكيدا للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي: يحض بعضكم بعضا على إطعام المساكين، { وتأكلون التراث } أي: الميراث، وأصله الوراث، فقلبت الواو تاء، { أكلا لما } أي: ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا شديدا، مع الحرص ومنع الحقوق، { كلا } ردع عن ذلك، وإنكار عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبر، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخط، كلا لينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمن شكر النعم وأطعم الفير والمسكين، وأبر اليتيم والأيم، كان من الأبرار، وإن عكس القضية كان من الفجار ومن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومن عكس القضية كان من البعداء، فمن نظر الإنسان القصير ظن النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسط الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوان، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحق تعالى عن التمتع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة. ثم خوفهم بأهوال القيامة، فقال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }.
الفجر 89:21
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:22
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:23
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:24
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:25
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:26
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:27
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:28
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:29
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
الفجر 89:30
يقول الحق جل جلاله: { كلا إذا دكت الأرض } أي: زلزلت { دكا دكا } أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثا، أو قاعا صفصفا، { وجاء ربك } أي: تجلى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، { والملك صفا صفا } أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن، { وجيء يومئذ بجهنم } ، قيل: برزت لأهلها، كقوله:
وبرزت الجحيم للغاوين 91
[الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث:
" يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تنصب عن يسار العرش لها لغيط وزفير "
رواه مسلم. { يومئذ يتذكر الإنسان } أي: يتعظ، وهو بدل من إذا دكت والعامل فيه: يتذكر أي: إذا دكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرط فيه بمشاهدة جزائه، { وأنى له الذكرى } أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي: لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، { ولا يوثق وثاقه أحد } ، قال صاحب الكشف: لايعدب بالسلاسل والأغلال أحد كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: { يا أيتها النفس } يخاطبه تعالى إكراما له بلا واسطة أو على لسان ملك، { المطمئنة } بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة من قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: { ارجعي إلى ربك } إلى وعده، أو: إلى إكرامه، { راضية } بما أوتيت من النعيم { مرضية } عند الله عز وجل، { فادخلي في عبادي } أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، { وادخلي جنتي } معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصي، كما قال:
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
[النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يدر من تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب وقيل: في خبيب بن عدي، الذي صلبه أهل مكة والمختار: أنها عامة في المؤمنين إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الإشارة: إذا دكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكا بعد دك، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلى للعيان، والملك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفا، وجيء يومئذ بجهنم، أي: بنار البعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكر الإنسان ما فاته من المجاهدة وصحبة أهل الجمع، وأنى له الذكرى مع إقامته في الفرق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي روحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذ يتولى الحق تصرفه في عباده بقدرته، فيعذب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويقيدهم بقيود البين، ثم ينادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أن صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأن من كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت من نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. ه. والنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللامة. والله تعالى أعلم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:1
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:2
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:3
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:4
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:5
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:6
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:7
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:8
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:9
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:10
يقول الحق جل جلاله: { لا أقسم بهذا البلد } أقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أن الإنسان خلق مغمورا بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاق. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: { وأنت حل بهذا البلد } ، أي: وأنت حال ساكن به، فهو حقيق بأن يقسم به لحلولك به، أو: وأنت حل، أي: تستحل حرمتك ويؤذيك الكفرة مع أن مكة لا يحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر وعلى هذا قيل: " لا أقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار "
، يعني: فتح مكة، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. فإن قلت: السورة مكية، وفتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة؟ قلت: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلا بعد الهجرة، كقوله تعالى:
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة
[فصلت:6، 7] وقوله تعالى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
[الأحقاف:10] وغير ذلك. { ووالد وما ولد } أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حرم إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. { لقد خلقنا الإنسان } أي: جنسه { في كبد } في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يكابد مشاق التعلم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلا بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأما خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أسقطوا حملهم قام الله بأمرهم، لقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق:3]، يقال: كبد الرجل كبدا: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحد، فعلى هذا نزلت في معين قيل: هو أبو الأشدين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا، ولا تزال قدماه، وقيل: عمرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
{ يقول أهلكت مالا لبدا } أي: كثيرا، جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياء وفخرا. { أيحسب أن لم يره أحد }؟ حين كان ينفق ما ينفق رياء وسمعة، وأنه تعالى لا يحاسبه ولا يجازيه يعني: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا فيجازيه عليه. ثم ذكر نعمه عليه، فقال: { ألم نجعل له عينين } يبصر بهما المرئيات، { ولسانا } يعبر به عما في ضميره، { وشفتين } يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، { وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر المفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله:
إنا هديناه السبيل...
[الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سميت نجد لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسان في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلا من رجع إلى أصله، أعني: روحانيا قدسيا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائما بطبعه، واقفا بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحة. ه. والحاصل: أن الإنسان كله في تعب إلا من عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أيحسب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحد، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حمل حمله إن أسقطه توكلا علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما من حمل السموات والأرض، أليس ذلك بقادر على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيره لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لسانا يشكر به نعم مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تفضي به إلى راحته، فقال: { فلا اقتحم العقبة }.
البلد 90:11
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:12
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:13
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:14
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:15
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:16
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:17
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:18
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:19
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
البلد 90:20
يقول الحق جل جلاله: { فلا اقتحم العقبة } ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إما تحضيضية، أي: هلا اقتحم العقبة، وإما نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا..الخ. ثم عظم تلك العقبة بقوله: { وما أدراك ما العقبة } أي: أي شيء أعلمك ما هي العقبة التي أمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسرها بقوله: { فك رقبة } أي: هي إعتاق رقبة أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجرا من العتق لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. ه. { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة { يتيما ذا مقربة } أي: قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومن قرأ " فك " و " أطعم " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم " ، { ثم كان من الذين آمنوا } اي: دام على إيمانه، أو: ثم كان حين فعل ما تقدم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء ب " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلا به، { وتواصوا بالصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يبتلى بهما المؤمن، { وتواصوا بالمرحمة } بالتراحم فيما بينهم. { أولئك أصحاب الميمنة } أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمن، { والذين كفروا بآياتنا } بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن { هم أصحاب المشئمة } أي: الشمال أو الشؤم، { عليهم نار موصدة } مطبقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته. الإشارة: هلا اقتحم مريد الوصول العقبة، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها وجرها إلى مكروهها، وعن الحسن رضي الله عنه: عقبة والله شديدة، يجاهد الإنسان نفسه وهواه، وعدوه الشيطان. ه. ثم فسرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رق الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رق نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إما يتيما لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكره بما يتقوى به إيقانه، أو فقيرا من أسرار التوحيد ترابيا أرضيا، فترقيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليمن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشمس 91:1
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:2
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:3
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:4
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:5
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:6
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:7
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:8
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:9
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:10
يقول الحق جل جلاله: { والشمس وضحاها } أي: وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، { والقمر إذا تلاها } تبعها في الضياء والنور وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمر الشمس في النور، { والنهار إذا جلاها } أي: جلى الشمس وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله:
ما ترك على ظهرها من دآبة
[فاطر:45]، { والليل إذا يغشاها } أي: يستر الشمس ويظلم الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض وعند الخليل: الثانية للعطف لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف وكذا الواو، ومن قال: إنها للقسم احتج بأنها لو كانت للعطف لكان عطفا على عاملين، لأن قوله:
والليل
[الليل:1] مثلا مجرور بواو القسم، { إذا يغشى } منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في
والنهار إذا تجلى
[الليل:2] للعطف لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و { إذا تجلى } معطوفا على " يغشى " نصبا، وكان كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا، وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرا ونصبا، وصارت كعامل واحد له معمولان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا وأبو بكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل. { والسماء وما بناها } أي: ومن بناها، وإيثار " ما " على " من " لإرادة الوصفية تفخيما، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم، وكذا في قوله: { والأرض وما طحاها } أي: بسطها من كل جانب، ك " دحاها ". { ونفس وما سواها } أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومن سوى كل نفس، { فألهمها فجورها وتقواها } أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة أو عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان:3] أي: ألهم من أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. { قد أفلح من زكاها } أي: فاز بكل مطلوب، ونجا من كل مكروه من طهرها وأصلحها وجعلها زكية بالإيمان والطاعة، { وقد خاب من دساها } أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد.
والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى: دسس كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثالث الأمثال أبدلنه ياء نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكن الله من كفر من قريش ويدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن والله تعالى أعلم. الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضحاها في أول الفناء والقمر قمر الإيمان إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزل لعالم الحكمة كمالا وتكميلا، والنهار نهار التمكين إذا جلاها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها من أصلها بشهود المكون والليل ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختبارا، هل يضطرب ويفزع فيرد عليه، أو يتسلى فيسلب أو نهار البسط إذا جلاها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح وما بناها رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها أي: بسطها للعبودية ونفس وما سواها ألقى صورتها وهيأها للقرب والبعد فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سواها بتسوية الصفة ورقمها بنور الآزلية، ثم بين أنه تعالى عرفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } عرفها أولا طريق القهر حتى عرفت المهلكات ثم عرفها طريق اللطف حتى عرفت معالجتها من المنجيات والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفة صانعها. ه. قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خذلها ووفقها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحكم التقدير. ثم قال: ويقال: أفلح من طهرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب من خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أن دساها بمنزلة من دس شيئا في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سد وغلق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. ه. ثم ذكر بعض من دسى نفسه وما آل إليه أمره، فقال: { كذبت ثمود بطغواهآ }.
الشمس 91:11
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود } صالحا { بطغواها } أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين لأن الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبة في الدنيا والآخرة. { إذ انبعث أشقاها } ، منصوب ب " كذبت " ، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قدار بن سالف، أو: هو ومن تصدى معه للعقر من الأشقياء، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. { فقال لهم } أي: لثمود { رسول الله } صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: { ناقة الله } أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، { و } الزموا { سقياها } فلا تدوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. { فكذبوه } فيما حذرهم به من نزول العذاب بقوله:
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم
[الأعراف:73]، { فعقروها } ، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحدا، لقوله:
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
[القمر:29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم ". { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة وقيل: فدمدم عليهم: عضب عليهم، { بذنبهم } بسبب ذنبهم، وصرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. { فسواها } أي: الدمدمة بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، { ولآ يخاف عقبآها } [الشمس:15] أي: عاقبتها وتبعتها، كما يخاف سائر المعاقبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة من أحد، كما يخاف من يعاقب من الملوك وغيرهم لأنه تصرف في ملكه،
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[الأنبياء:23]. ومن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف. الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمود النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله القلب الصالح: ناقة الله أي: اتركوا ناقة الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذبوه فكذبت ثمود النفس وجنودها رسول القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فدمدم عليهم ربهم على ثمود النفس وقومها عذاب البعد والطرد بذنبهم، فسواها، أي: فسوى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشمس 91:12
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود } صالحا { بطغواها } أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين لأن الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبة في الدنيا والآخرة. { إذ انبعث أشقاها } ، منصوب ب " كذبت " ، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قدار بن سالف، أو: هو ومن تصدى معه للعقر من الأشقياء، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. { فقال لهم } أي: لثمود { رسول الله } صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: { ناقة الله } أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، { و } الزموا { سقياها } فلا تدوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. { فكذبوه } فيما حذرهم به من نزول العذاب بقوله:
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم
[الأعراف:73]، { فعقروها } ، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحدا، لقوله:
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
[القمر:29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم ". { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة وقيل: فدمدم عليهم: عضب عليهم، { بذنبهم } بسبب ذنبهم، وصرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. { فسواها } أي: الدمدمة بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، { ولآ يخاف عقبآها } [الشمس:15] أي: عاقبتها وتبعتها، كما يخاف سائر المعاقبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة من أحد، كما يخاف من يعاقب من الملوك وغيرهم لأنه تصرف في ملكه،
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[الأنبياء:23]. ومن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف. الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمود النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله القلب الصالح: ناقة الله أي: اتركوا ناقة الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذبوه فكذبت ثمود النفس وجنودها رسول القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فدمدم عليهم ربهم على ثمود النفس وقومها عذاب البعد والطرد بذنبهم، فسواها، أي: فسوى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشمس 91:13
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود } صالحا { بطغواها } أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين لأن الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبة في الدنيا والآخرة. { إذ انبعث أشقاها } ، منصوب ب " كذبت " ، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قدار بن سالف، أو: هو ومن تصدى معه للعقر من الأشقياء، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. { فقال لهم } أي: لثمود { رسول الله } صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: { ناقة الله } أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، { و } الزموا { سقياها } فلا تدوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. { فكذبوه } فيما حذرهم به من نزول العذاب بقوله:
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم
[الأعراف:73]، { فعقروها } ، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحدا، لقوله:
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
[القمر:29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم ". { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة وقيل: فدمدم عليهم: عضب عليهم، { بذنبهم } بسبب ذنبهم، وصرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. { فسواها } أي: الدمدمة بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، { ولآ يخاف عقبآها } [الشمس:15] أي: عاقبتها وتبعتها، كما يخاف سائر المعاقبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة من أحد، كما يخاف من يعاقب من الملوك وغيرهم لأنه تصرف في ملكه،
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[الأنبياء:23]. ومن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف. الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمود النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله القلب الصالح: ناقة الله أي: اتركوا ناقة الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذبوه فكذبت ثمود النفس وجنودها رسول القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فدمدم عليهم ربهم على ثمود النفس وقومها عذاب البعد والطرد بذنبهم، فسواها، أي: فسوى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشمس 91:14
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود } صالحا { بطغواها } أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين لأن الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبة في الدنيا والآخرة. { إذ انبعث أشقاها } ، منصوب ب " كذبت " ، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قدار بن سالف، أو: هو ومن تصدى معه للعقر من الأشقياء، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. { فقال لهم } أي: لثمود { رسول الله } صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: { ناقة الله } أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، { و } الزموا { سقياها } فلا تدوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. { فكذبوه } فيما حذرهم به من نزول العذاب بقوله:
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم
[الأعراف:73]، { فعقروها } ، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحدا، لقوله:
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
[القمر:29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم ". { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة وقيل: فدمدم عليهم: عضب عليهم، { بذنبهم } بسبب ذنبهم، وصرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. { فسواها } أي: الدمدمة بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، { ولآ يخاف عقبآها } [الشمس:15] أي: عاقبتها وتبعتها، كما يخاف سائر المعاقبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة من أحد، كما يخاف من يعاقب من الملوك وغيرهم لأنه تصرف في ملكه،
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[الأنبياء:23]. ومن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف. الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمود النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله القلب الصالح: ناقة الله أي: اتركوا ناقة الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذبوه فكذبت ثمود النفس وجنودها رسول القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فدمدم عليهم ربهم على ثمود النفس وقومها عذاب البعد والطرد بذنبهم، فسواها، أي: فسوى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشمس 91:15
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود } صالحا { بطغواها } أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين لأن الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبة في الدنيا والآخرة. { إذ انبعث أشقاها } ، منصوب ب " كذبت " ، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قدار بن سالف، أو: هو ومن تصدى معه للعقر من الأشقياء، فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به. { فقال لهم } أي: لثمود { رسول الله } صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان الرسالة إيذانا بوجوب طاعته وبيانا لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: { ناقة الله } أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، { و } الزموا { سقياها } فلا تدوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. { فكذبوه } فيما حذرهم به من نزول العذاب بقوله:
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم
[الأعراف:73]، { فعقروها } ، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحدا، لقوله:
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
[القمر:29] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم ". { فدمدم عليهم ربهم } فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة وقيل: فدمدم عليهم: عضب عليهم، { بذنبهم } بسبب ذنبهم، وصرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر به كل مذنب. { فسواها } أي: الدمدمة بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، { ولآ يخاف عقبآها } [الشمس:15] أي: عاقبتها وتبعتها، كما يخاف سائر المعاقبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة من أحد، كما يخاف من يعاقب من الملوك وغيرهم لأنه تصرف في ملكه،
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
[الأنبياء:23]. ومن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف. الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمود النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله القلب الصالح: ناقة الله أي: اتركوا ناقة الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذبوه فكذبت ثمود النفس وجنودها رسول القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فدمدم عليهم ربهم على ثمود النفس وقومها عذاب البعد والطرد بذنبهم، فسواها، أي: فسوى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. ه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.