السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — النور 24:1 – الفرقان 25:77
المحتويات
- النور 24:1
- النور 24:2
- النور 24:3
- النور 24:4
- النور 24:5
- النور 24:6
- النور 24:7
- النور 24:8
- النور 24:9
- النور 24:10
- النور 24:11
- النور 24:12
- النور 24:13
- النور 24:14
- النور 24:15
- النور 24:16
- النور 24:17
- النور 24:18
- النور 24:19
- النور 24:20
- النور 24:21
- النور 24:22
- النور 24:23
- النور 24:24
- النور 24:25
- النور 24:26
- النور 24:27
- النور 24:28
- النور 24:29
- النور 24:30
- النور 24:31
- النور 24:32
- النور 24:33
- النور 24:34
- النور 24:35
- النور 24:36
- النور 24:37
- النور 24:38
- النور 24:39
- النور 24:40
- النور 24:41
- النور 24:42
- النور 24:43
- النور 24:44
- النور 24:45
- النور 24:46
- النور 24:47
- النور 24:48
- النور 24:49
- النور 24:50
- النور 24:51
- النور 24:52
- النور 24:53
- النور 24:54
- النور 24:55
- النور 24:56
- النور 24:57
- النور 24:58
- النور 24:59
- النور 24:60
- النور 24:61
- النور 24:62
- النور 24:63
- النور 24:64
- الفرقان 25:1
- الفرقان 25:2
- الفرقان 25:3
- الفرقان 25:4
- الفرقان 25:5
- الفرقان 25:6
- الفرقان 25:7
- الفرقان 25:8
- الفرقان 25:9
- الفرقان 25:10
- الفرقان 25:11
- الفرقان 25:12
- الفرقان 25:13
- الفرقان 25:14
- الفرقان 25:15
- الفرقان 25:16
- الفرقان 25:17
- الفرقان 25:18
- الفرقان 25:19
- الفرقان 25:20
- الفرقان 25:21
- الفرقان 25:22
- الفرقان 25:23
- الفرقان 25:24
- الفرقان 25:25
- الفرقان 25:26
- الفرقان 25:27
- الفرقان 25:28
- الفرقان 25:29
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:31
- الفرقان 25:32
- الفرقان 25:33
- الفرقان 25:34
- الفرقان 25:35
- الفرقان 25:36
- الفرقان 25:37
- الفرقان 25:38
- الفرقان 25:39
- الفرقان 25:40
- الفرقان 25:41
- الفرقان 25:42
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:47
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:49
- الفرقان 25:50
- الفرقان 25:51
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:53
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:56
- الفرقان 25:57
- الفرقان 25:58
- الفرقان 25:59
- الفرقان 25:60
- الفرقان 25:61
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:65
- الفرقان 25:66
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:69
- الفرقان 25:70
- الفرقان 25:71
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:73
- الفرقان 25:74
- الفرقان 25:75
- الفرقان 25:76
- الفرقان 25:77
النور 24:1
قوله تعالى :﴿سورة﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه سورة أي : عظيمة أو سورة أنزلناها، مبتدأ موصوف والخبر محذوف أي : فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقال الأخفش : لا يبعد الابتداء بالنكرة، فسورة مبتدأ، وأنزلناها خبره، ثم رغب في امتثال ما فيها مبيناً أن تنوينها للتعظيم بقوله تعالى :﴿أنزلناها﴾ أي : بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة ﴿وفرضناها﴾ أي : قدرنا ما فيها من الحدود، وقيل : أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء لكثرة الفروض، والباقون بالتخفيف ﴿وأنزلنا فيها آيات﴾ من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها ﴿بينات﴾ أي : واضحات الدلالة ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي : تتعظون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد.
النور 24:2
ثم إنه تعالى ذكر في السورة أحكاماً كثيرة : الحكم الأول : قوله تعالى :﴿الزانية والزاني﴾ أي : غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ أي : ضربة يقال : جلده إذا ضرب جلده، ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر، ولا رجم عليه لأنه لا يتنصف.
واعلم أن الزنا من الكبائر، ويدل عليه أمور : أحدها : أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى :﴿ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً﴾ [ الفرقان، ٦٨ ]، ثانيها : قوله تعالى :﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ [ الإسراء، ٣٢ ]، ثالثها : أن الله تعالى أوجب المائة فيه بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر وشرّع فيه الرجم، وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة فسخط الله سبحانه وتعالى وسوء الحساب وعذاب النار »، وعن عبد الله قال :«قلت : يار رسول الله أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك » فأنزل الله تعالى تصديقاً لذلك :﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ » [ الفرقان، ٦٧ ]
والزنا إيلاج حشفة أو قدرها من مقطوعها من الذكر المتصل الأصلي من الآدمي الواضح ولو أشل وغير منتشر، وكان ملفوفاً في خرقة بقبل محرم في نفس الأمر لعينه خال عن الشبهة المسقطة للحدّ مشتهي طبعاً بأن كان فرج آدمي حيّ ولا يشترط إزالة البكارة حتى لو كانت غوراء وأدخل الحشفة فيها، ولم يزل بكارتها ترتب عليه حد الزنا بخلاف التحليل لا بدّ فيه من إزالة البكارة لقوله صلى الله عليه وسلم :«حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك »، واختلف في اللواط هل يطلق عليه اسم الزنا أو لا ؟ فقال بعضهم : يطلق عليه لقوله صلى الله عليه وسلم :«إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان »، والذي عليه أكثر أصحابنا أنه غير داخل تحت اسم الزنا لأنه لو حلف لا يزني فلاط لم يحنث، والحديث محمول على الإثم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان »، وللشافعي في حده قولان ؛ أصحهما أن الفاعل إن كان محصناً فإنه يرجم، وإلا فيجلد مائة ويغرب عاماً، وأما المفعول فلا يتصور فيه إحصان فيجلد ويغرب، والقول الثاني : يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصناً أم لا لما روي عن ابن عباس أنه قال : من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
وأما إتيان البهائم فحرام بإجماع الأئمة، واختلف في عقوبته على أقوال : أحدها : حد الزنا فيرجم الفاعل المحصن ويجلد غيره ويغرب، والثاني : أنه يقتل محصناً كان أو غير محصن لما روي عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه »، والثالث : وهو الأصح أنه يعزر ؛ لأن الحدّ شرع للزجر عما تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس لضعف إسناده، وهو وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه صلى الله عليه وسلم :«نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله ».
وأما السحاق من النساء وإتيان المرأة الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع فيه شيء من ذلك إلا التعزير والمقيم للحد هو الإمام أو نائبه، وللسيد أن يقيم الحدّ على رقيقه ولا تجوز الشفاعة في إسقاط الحدّ ولا تركه ولا تخفيفه كما قال تعالى :﴿ولا تأخذكم﴾ أي : على أي حال من الأحوال ﴿بهما رأفة﴾ أي : رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة والباقون بسكونها، والسوسي على أصله من البدل، وقيل : معنى الرأفة أن يخففوا الضرب ﴿في دين الله﴾ أي : الذي شرعه لكم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :«لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها »، روي أن عمر رضي الله عنه جلد جارية له زنت، فقال للجلاد : اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال : يا بني إن الله تعالى لم يأمرنا بقتلها وقد ضربت فأوجبت. ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الحض على ذلك بقوله تعالى :﴿إن كنتم تؤمنون بالله﴾ أي : الذي هو أرحم الراحمين فإنه ما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموماً وللزانين خصوصاً فلا تزيدوا في الحد ولا تنقصوا منه شيئاً، وفي الحديث «يؤتى بوال نقص من الحدود سوطاً فيقول : رحمة لعبادك، فيقال له : أنت أرحم مني، فيؤمر به إلى النار، ويؤتي بمن زاد سوطاً فيقول : لينتهوا عن معاصيك، فيؤمر به إلى النار » وعن أبي هريرة : إقامة حد بأرض خير من مطر أربعين ليلة ثم أتبع ذلك بما يرهبه بقوله تعالى :﴿واليوم الآخر﴾ الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي ﴿وليشهد﴾ أي : وليحضر ﴿عذابهما﴾ أي : حدهما إذا أقيم عليهما ﴿طائفة من المؤمنين﴾ والطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء، وعن ابن عباس في تفسيرها : أربعة إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله تعالى، وعن الحسن : عشرة، وعن قتادة : ثلاثة فصاعداً، وعن عكرمة : رجلان فصاعداً، وعن مجاهد : أقلها رجل فصاعداً، وقيل : رجلان وفضل قول ابن عباس ؛ لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها الزنا ولا يجب على الإمام حضور رجم ولا على الشهود لأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور ؛ لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس : إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.
تنبيه : الضرب يكون بسوط لا حديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، ويفرق بين السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد، واتفقوا على أنه يتقي المهالك كالوجه والبطن والفرج ويضرب على الرأس لقول أبي بكر رضي الله عنه : اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه، ولا يشد يده وينزع الثياب التي تمنع ألم الضرب كالفرو، ولو فرق سياط الحدّ تفريقاً لا يحصل به التنكيل مثل أن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، فإن فرق وضرب والألم موجود كفى، وإن وجب الحدّ على حامل لا يقام عليها حتى تضع وترضعه حتى ينفطم ويندب أن يحفر للمرأة إلى صدرها إن ثبت زناها بالبينة لا بإقرارها ولا يندب للرجل مطلقاً، وإن وجب الحدّ على المريض نظر إن كان يرجى زواله كصداع انتظر أو لا يرجى كالزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط بل بعثكال عليه مائة شمراخ، فيقوم ذلك مقام جلده، وأما في حال الحر والبرد الشديدين فإن كان الحدّ رجماً لم يؤخر لأن النفس مستوفاة، وإن كان جلداً أخر إلى اعتدال الهواء، ويقبل رجوع الزاني عن إقراره، ولو في أثناء الحدّ، وإذا مات في الحدّ يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
النور 24:3
الحكم الثاني قوله تعالى :﴿الزاني لا ينكح﴾ أي : لا يتزوج ﴿إلا زانية أو مشركة﴾ أي : المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ﴿والزانية لا ينكحها﴾ أي : لا يتزوجها ﴿إلا زانٍ أو مشرك﴾، أي : والمعلوم اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زانٍ أو مشرك إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والانضمام والمخالفة سبب النفرة والافتراق، وقال بعضهم : الجنسية علة الضم والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل »، وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم، فقال : يا أهل الكوفة قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا : كيف وما لك إلا ثلاثة أيام ؟ فقال : كان معنا شرار وخيار فانضم خيارنا إلى خياركم وشرارنا إلى شراركم، وعن الشعبي أنه قال : إنّ لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض، وقال القائل :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه؍ فكل قرين بالمقارن يقتدي؍
فإن قيل : لما قدمت الزانية على الزاني أولاً، ثم قدم عليها ثانياً ؟ أجيب : بأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية ؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلاً وأوّلاً في ذلك بدئ بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الراغب فيه والخاطب، ومنه يبدو الطلب ﴿وحرم ذلك﴾ أي : نكاح الزاني والزانية تحريماً لا مشوبة فيه ﴿على المؤمنين﴾ واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم منهم مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي، ورواية عن ابن عباس قدم المهاجرون لمدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغاياهنّ يومئذٍ أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهنّ لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فنزلت هذه الآية، وحرم ذلك على المؤمنين أن يتزوّجوا تلك البغايا لأنهن كنّ مشركات، وقال عكرمة : نزلت في نساء كن بمكة وبالمدينة لهن رايات يعرفن بهن منهن : أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل منهم النبي صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول فاشترطت أن تنفق عليه فنزلت هذه الآية، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :«كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغيّ يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد : إن الله حرم الزنا، فقالت : فانكحني، فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح عناقاً، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليّ شيئاً، فنزل :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها عليّ وقال : لا تنكحها » أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داوود بألفاظ متقاربة المعنى.
فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصاً في حق أولئك دون سائر الناس، وقال قوم منهم سعيد بن جبير والضحاك، ورواية عن ابن عباس : المراد من النكاح هو الجماع، ومعنى الآية : الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزانٍ أو مشرك، وقال يزيد بن هارون : إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وعن عائشة رضي الله عنها : إن الرجل إذا زنا بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانياً. وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول : إذا تزوج الزاني الزانية فهما زانيان أبداً. وقال الحسن : الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة، والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. وقال سعيد بن المسيب وجماعة منهم الشافعي رحمه الله تعالى : إن حكم الآية منسوخ، وكان نكاح الزانية حراماً بهذه الآية فنسخها الله تعالى بقوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [ النور، ٣٢ ]، وهو جمع أيم وهي من لا زوج لها، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين واحتج من جوّز نكاح الزانية بما روي عن جابر «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال : طلقها، قال فإني أحبها وهي جميلة، قال : استمتع بها، وفي رواية غيره «أمسكها إذاً » وقد أجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال :«أوله سفاح وآخره نكاح »، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضرب رجلاً وامرأة زنيا، وحرض أن يجمع بينهما فأبى الغلام.
النور 24:4
ولما نفر سبحانه وتعالى عن نكاح من اتصف بالزنا من رجل أو امرأة نهى عن الرمي به فقال تعالى :
﴿والذين يرمون﴾ أي : بالزنا ﴿المحصنات﴾ جمع محصنة وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة وهذا هو الحكم الثالث والذي يدل على أن المراد الرمي بالزنا أمور : أحدها : تقدم ذكر الزنا، ثانيها : أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميها بضد ذلك، ثالثها : انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا، رابعها : قوله تعالى :﴿ثم لم يأتوا﴾ أي : إلى الحكام ﴿بأربعة شهداء﴾ أي : ذكور ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير شرط إلا في الزنا وشرط القاذف الذي يحد بسبب القذف التكليف والاختيار والتزام الأحكام والعلم بالتحريم وعدم إذن المقذوف، وأن يكون غير أصل، وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض فمن الصريح قوله لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت، أو يا زاني أو يا زانية، ولو كسر التاء في خطاب الرجل وفتحها في خطاب المرأة أو زنيت في الجبل، ومن الكناية زنأت وزنأت في الجبل بالهمز، فإن نوى بذلك القذف كان قذفاً وإلا فلا، ومن التعريض يا ابن الحلال، وأما أنا فلست بزانٍ، فهذا ليس بقذف وإن نواه.
فإن قيل : إذا كان ذلك القذف يشمل الذكر والأنثى فلم كانت الآية الكريمة في الإناث فقط ؟ أجيب : بأن الكلام في حقهن أشنع وتنبيهاً على عظيم حق أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها، وحدّ القاذف الحر ثمانون كما قال تعالى :﴿فاجلدوهم﴾ أي : أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم ﴿ثمانين جلدة﴾ لكل واحد منهم لكل محصنة وحدّ القاذف الرقيق ولو مبعضاً أو مكاتباً أربعون جلدة على النصف من الحر لآية النساء ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين حدّ الزنا وحدّ القذف، ويدل على أن المراد بالآية الأحرار قوله تعالى :﴿ولا تقبلوا لهم﴾ أي : بعد قذفهم ﴿شهادة﴾ أي : شهادة كانت ﴿أبداً﴾ للحكم بافترائهم ؛ لأن العبد لا تقبل شهادته، وإن لم يقذف. ولما كان التقدير أنهم قد افتروا عطف عليه تحذيراً من الإقدام عليه من غير تثبت ﴿وأولئك﴾ أي : الذين تقدم ذمهم بالقذف فنزلت رتبتهم جدّاً ﴿هم الفاسقون﴾ أي : المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف، وإن كان القاذف منهم محقاً في نفس الأمر وفي ذلك دليل على أن القذف من الكبائر ؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة.
النور 24:5
واختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وحكم هذا الاستثناء المذكور في قوله :﴿إلا الذين تابوا﴾ أي : رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره، وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا ﴿من بعد ذلك﴾ أي : الأمر الذي أوجب إبعادهم، فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب وصلح حاله كما قال تعالى :﴿وأصلحوا﴾ أي : بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطبائع ﴿فإن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه ﴿رحيم﴾ أي : يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة، وقبلت شهادته سواء قبل الحدّ وبعده وزال عنه اسم الفسق، وقالوا : هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة، وإلى الفسق، ويروى ذلك عن ابن عمرو وابن عباس، وجمع من الصحابة وبه قال مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبداً وإن تاب، وقالوا : الاستثناء رجع إلى قوله :﴿وأولئك هم الفاسقون﴾، ويروى ذلك عن النخعي وشريح، وبه قال أصحاب الرأي قالوا : بنفس القذف لا تردّ شهادته ما لم يحد ؛ قال الشافعي : هو قبل أن يحدّ شر منه حين يحدّ ؛ لأن الحدود كفارات، فكيف يرد بها في أحسن حاليه، وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة.
فإن قيل : إذا قلتم بالأول فما معنى قوله تعالى :﴿أبداً﴾ ؟ أجيب : بأن معنى أبداً ما دام مصراً على القذف ؛ لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبداً ؛ يراد بذلك ما دام على كفره، فإذا أسلم قبلت شهادته.
تنبيهان : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين أو أربع كالزنا ؟ فيه قولان : أصحهما أنه يثبت برجلين بخلاف فعل الزنا ؛ لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه، وإذا شهد على فعل الزنا يجب أن يذكر الزاني ومن زنا بها ؛ لأنه قد يراه على جارية لأبيه فيظنه زناً يوجب الحد، وأن يقول في شهادته : رأيت ذكره يدخل في فرجها، وإن لم يقل دخول الميل في المكحلة لكن قوله ذلك أولى، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنا لم يقبلوا لأنهم ربما يرون المفاخذة زناً، ويشترط أيضاً أن يفسر في إقراره كالشهود ويصح رجوعه عن الإقرار، ولو في أثناء الحدّ كما مرَّ، ولا فرق في قبول الشهادة بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين كما قاله الشافعي، وقال أبو حنيفة : إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حدّ القذف، ولو شهد على الزنا أقل من أربعة أو أربعة وفيهم الزوج لم يثبت الزنا وعليهم الحدّ ؛ لأن شهادة الزوج لا تقبل في حق زوجته ؛ قال ابن الرفعة في الكفاية : لأمرين أحدهما : أن الزنا تعرض لمحل حق الزوج، فإنّ الزاني يستمتع بالمنافع المستحقة له فشهادته في حقها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له، فلم تسمع كما إذا شهد أنه جنى على عبده، والثاني : أنّ من شهد بزنا زوجته فنفس شهادته دال على إظهار العداوة ؛ لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال الغير عليه وعلى ولده، وهو أبلغ من مؤلم الضرب وفاحش السب، ولو قذف رجل وجاء بأربعة فساق شهدوا على المقذوف بالزنا لم يحدّوا ؛ لأن شرائط الشهادة بالزنا قد وجدت عند القاضي إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحدّ عن المشهود عليه، فكذلك أوجبنا اعتبارها في نفي الحدّ عنهم.
النور 24:6
ولما كان لفظ المحصنات عاماً للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم وهو الحكم الرابع أفردهن بقوله :﴿والذين يرمون﴾ أي : بالزنا ﴿أزواجهم﴾ أي : من المؤمنات والكافرات الحرائر والإماء ﴿ولم يكن لهم شهداء﴾ يشهدون على صحة ما قالوه ﴿إلا أنفسهم﴾ أي : غير أنفسهم وهذا ربما يفهم أنه إذا كان الزوج أحد الأربعة كفى وهذا المفهوم معطل لكونه حكاية حال واقعة لا شهود فيها، وقوله تعالى في الآية قبلها :﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي بالزنا، ولعله استثناه من الشهداء ؛ لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي أنه لا يقبل في ذلك كما قدّمناه ﴿فشهادة أحدهم﴾ أي : فالواجب شهادة أحدهم على من رماها أو فعليهم شهادة أحدهم ﴿أربع شهادات﴾ من خمس في مقابلة أربعة شهداء ﴿بالله﴾ أي : مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال ﴿إنه لمن الصادقين﴾ أي : فيما قذفها به، وقرأ حفص وحمزة والكسائي برفع العين على أنه خبر شهادة والباقون بنصبها على المصدر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة أو حد في ظهرك "، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء "، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ".
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، و لو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء.
النور 24:7
﴿والخامسة أن لعنت الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿عليه﴾ أي : القاذف نفسه ﴿إن كان من الكاذبين﴾ فيما رماها به، وقرأ نافع بتخفيف أن ساكنة ورفع لعنة، والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب لعنة ورسمت لعنة بتاء مجرورة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حدّ القذف عليه وحصول الفرقة بنفسه فرقة فسخ عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً ».
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة أو حد في ظهرك "، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء "، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ".
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، و لو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء.
النور 24:8
وبتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد إن تعرض له فيه وثبوت حدّ الزنا على المرأة بقوله تعالى :﴿ويدرأ﴾ أي : يدفع ﴿عنها﴾ أي : المقذوفة ﴿العذاب﴾ أي : المعهود وهو الحدّ الذي أوجبه عليها كما تقدّم ﴿أن تشهد أربع شهادات﴾ من خمس ﴿بالله﴾ الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا كما تقدم في الزوج ﴿إنه لمن الكاذبين﴾ فيما قاله عليها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة أو حد في ظهرك "، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء "، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ".
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، و لو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء.
النور 24:9
﴿والخامسة﴾ من الشهادات ﴿أن غضب الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿عليها إن كان من الصادقين﴾ أي : فيما رماها به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة أو حد في ظهرك "، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء "، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ".
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، و لو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء.
روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة أو حد في ظهرك "، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء "، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ".
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، و لو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء. روى البخاري في تفسيره وغيره عن ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة أو حد في ظهرك "، فقال هلال بن أمية : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه :﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية، فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "، ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة أوقفوها وقالوا : إنها موجبة ؛ قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سمحاء "، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ".
وقد روى البخاري أيضاً عن سهل ابن سعد أنّ سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر رضي الله عنه وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدّة أسباب معاً أو متفرقة.
تنبيه : خصت المرأة بالغصب لأنه أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يصدق الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد وخالطة الأنساب، ويشترط في اللعان أمر القاضي وتلقينه كلماته في الجانبين فيقول : قل أشهد بالله إلخ ؛ لأنّ اللعان يمين واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة، فهي لا تؤدى عنده إلا بإذنه وأن يتأخر لعانها عن لعانه لأن لعانها لإسقاط الحدّ الذي وجب عليها بلعان الزوج كما علم مما مرّ، ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة ويكرر كلمة الشهادة أربعاً أو يكتبها مرّة ويشير إليها أربعاً، ويصح اللعان بالعجمية، وإن عرف العربية ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس فيؤثر الفصل الطويل ولا يشترط الولاء بين لعاني الزوجين، و لو أبدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو لفظ غضب بلعن أو عكسه أو ذكره قبل تمام الشهادة لم يصح ذلك ويصح أن يتلاعنا قائمين وإن يغلظ اللعان بزمان وهو بعد عصر الجمعة فيؤخر إليه إن لم يكن طلب أكيد وإلا فبعد عصر أي يوم كان وبمكان عند أشرف بلد اللعان فبمكة بين الحجر الأسود والمقام، وهو المسمى بالحطيم، والمدينة على المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وغيرها على منبر الجامع، وتلاعن حائض بباب المسجد وذمي في بيعة للنصارى، وكنيسة لليهود وبيت نار لمجوس ؛ لأنهم يعظمونها لا بيت أصنام وثني ؛ لأنه لا حرمة له.
وقرأ حفص : والخامسة الأخيرة بالنصب، والباقون بالرفع. وقرأ نافع بتخفيف النون ساكنة وكسر الضاد ورفع الهاء من الاسم الجليل والباقون بتشديد النون منصوبة ونصب الضاد وخفض الهاء.
النور 24:10
ولما حرّم سبحانه وتعالى بهذه الجمل الأعراض والأنساب فصان بذلك الدين والأموال، علم أن التقدير فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين لما فعل بكم ذلك ولا فضح المذنبين وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله تعالى :﴿ولولا فضل الله﴾ أي : بما له من الكرم والاتصاف بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي : بكم بالستر في ذلك ﴿وإن الله﴾ أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿تواب﴾ بقبوله التوبة في ذلك وغير ذلك ﴿حكيم﴾ يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور لفضح كل عاصٍ، ولم يوجب أربعة شهداء ستراً لكم.
النور 24:11
الحكم الخامس : قصة الإفك المذكورة في قوله تعالى :
﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ أي : أسوأ الكذب سمي إفكاً لكونه مصروفاً عن الحق من قولهم : أفك الشيء إذا صرفه عن جهته، وذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبويها كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أفضائه.
فإن قيل : لم ترك تسميتها ؟ أجيب : بأنه تركه تنزيهاً لها عن هذا القال وإبعاداً لصون جانبها العلي عن هذا المراد، وقوله تعالى :﴿عصبة﴾ خبر إنّ أي : جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون وكذا العصابة وقوله تعالى :﴿منكم﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن يعد عندكم في عداد المسلمين يريد عبد الله بن أبيّ وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وقوله تعالى :﴿لا تحسبوه شرّاً لكم﴾ مستأنف أي : لا تنشأ عنه فتنة ولا يصدقه أحد ﴿بل هو خير لكم﴾ لاكتسابكم به الثواب العظيم ؛ لأنه كان بلاءً مبيناً ومحنة ظاهرة، وظهور كرامتكم على الله تعالى بإنزال ثمان عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم، والثناء على من ظن بكم خيراً كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له، وتبرئة لأم المؤمنين رضوان الله تعالى عليها وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به، فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمّلها، ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له علل ذلك بقوله تعالى :﴿لكل امرئ منهم﴾ أي : الآفكين ﴿ما اكتسب﴾ أي : بخوضه فيه ﴿من الإثم﴾ الموجب لشقائه ﴿والذي تولى كبره﴾ أي : معظمه ﴿منهم﴾ أي : من الخائضين وهو ابن أبيّ فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو هو وحسان ومسطح فإنهما تابعاه بالتصريح به والذي بمعنى الذين على هذا ﴿له عذاب عظيم﴾ في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبيّ مطروداً مشهوراً بالنفاق وحسان أعمى أشل اليدين ومسطح مكفوف البصر.
تنبيه : قصة الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرهما شهيرة جداً ولكن نذكر منها طرفاً تبركاً بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبذكر السيدة عائشة وأبويها رضي الله تعالى عنهم، فنقول :«عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ؛ قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين فأذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري وإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت : وأقبل الرهط الذين يرحلون بي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما سار الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن معطل السهمي ثم الذكواني رضي الله تعالى عنه قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك من هلك،
وكان الذي تولى كبر الإفك منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم، ثم ينصرف فذلك الذي يريبني فيه ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأمّ مسطح قبل المناصع، وكان متبرزناً وكنا لا نخرج إلا ليلاً وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأولى في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح، فقلت لها : بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهداً بدراً، فقالت : يا هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قالت : وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : كيف تيكم، فقلت له : أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت : وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ؛ قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت أبويّ فقلت لأمي : يا أماه ماذا يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هوني عليك فوالله ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها ؛ قالت : فقلت سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا، قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي ؛ قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت : فأما أسامة فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودِّ، فقال أسامة : هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيراً، وأما عليّ فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيراً وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، ولم يدخل على أهلي إلا معي ؛ قالت : فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فقال : أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ؛ قالت : وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن حملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أن تقتله، فقام أسيد بن حضير ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه كأنك منافق تجادل عن المنافقين قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت ؛ قالت : فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت : وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى أني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ؛ قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، و قد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء ؛ قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه ؛ قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى لا أحس منه بقطرة، فقلت لأبي : أجب رسول الله فيما قال، فقال : إني والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقالت أمي : والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيراً : والله لقد علمت ما سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني فوالله لا أجد لي ولا لكم مثلاً إلا ما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه حين قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم حينئذٍ أني بريئة، والله مبرئي ببراءتي ؛ ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحياً يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان يأخذه عند الوحي من البرحاء حتى أنه لا ينحدر منه العرق مثل الجمان في اليوم الشاتي من ثقل الذي أنزل عليه فسجي بثوب، فوالله ما سرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفس أبوي ستخرجان فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس، فلما سرى عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة قد برأك الله فكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي : قومي إليه، فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي ؛ لقد سمعتموه فما أنكرتموه، ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى :﴿إن الذين جاؤوا﴾ العشر آيات كلها، فقال أبو بكر : والله لا أنفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله :﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ إلى قوله :﴿غفور رحيم﴾، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح التي كان ينفقها عليه، وقال : والله لا أنزعها منه أبداً ؛ قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت حجش عن أمري فقال لزينب : ما علمت أو رأيت ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيراً ؛ قالت عائشة : وهي التي تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع ؛ قالت عائشة :«والله إنّ الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط، قالت : ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله تعالى » ؛ قالت : ولما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وتلا القرآن وضرب ع
النور 24:12
ولما أخبر سبحانه وتعالى بعقاب أهل الإفك، وكان في المؤمنين من سمعه وسكت، وفيهم من سمعه فتحدّث به متعجباً من قائله أو متثبتاً في أمره وفيهم من أكذبه أتبعه سبحانه وتعالى بعتابهم في أسلوب خطابهم مثنياً على من كذبه، فقال سبحانه وتعالى مستأنفاً محرضاً :﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿سمعتموه﴾ أيها المدعون للإيمان ﴿ظن المؤمنون﴾ أي : منكم ﴿والمؤمنات﴾ وكان الأصل ظننتم أي : أيها العصبة ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهاً على التوبيخ، وصرح بالنساء ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفاً للذي ظن السوء من سوء الخاتمة ﴿بأنفسهم﴾ حقيقة ﴿خيراً﴾ وهم دون من كذب عليها فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن في الناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم لأن المؤمنين كالجسد الواحد وذلك نحو ما يروى أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب : ألا ترين ما يقال ؟ فقالت : لو كنت بدل صفوان كنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً قال : لا، قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير مني وصفوان خير منك ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ أي : كذب بيّن.
فإن قيل : هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ؟ أجيب : بأن ذلك مبالغة في التوبيخ على طريقة الالتفات وليصرح بلفظ الإيمان دالاً على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع مقالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير هذا إفك مبين هكذا اللفظ المصرح ببراءة ساحته لا يقول كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه.
النور 24:13
ثم علل سبحانه وتعالى كذب الآفكين أن قال موبخاً لمن اختلقه وأذاعه ملفتاً لمريديه إلى ظن الخير :﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها ﴿فإذ﴾ أي : حين ﴿لم يأتوا بالشهداء﴾ أي : الموصوفين ﴿فأولئك﴾ أي : البعداء من الصواب ﴿عند الله هم الكاذبون﴾ قد جعل الله التفضل بين الرمي الصادق والرمي الكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها، والذين رموا عائشة لم تكن لهم بينة على قولهم، فقامت عليهم الحجة، وكانوا عند الله أي : في حكمه وشريعته كاذبين، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة في التنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيبة حبيب رب العالمين.
النور 24:14
ولما بيّن الله سبحانه وتعالى الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام وأنهم استحقوا الملام قال عاطفاً على لولا الماضية التي للتحضيض :﴿ولولا﴾ التي هي لامتناع الشيء لوجود غيره ﴿فضل الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي : معاملته لكم بمزيد الإنعام والإكرام اللازم للرحمة ﴿في الدنيا﴾ بقبول التوبة والمعاملة بالحلم ﴿والآخرة﴾ بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم ﴿لمسكم﴾ أي : عاجلكم ﴿في ما أفضتم﴾ أي : أيها العصبة أي : خضتم ﴿فيه﴾ من حديث الإفك ﴿عذاب عظيم﴾ أي : يحتقر معه اللوم والجلد.
فائدة : في مقطوعة في الرسم من ما كما ترى،
النور 24:15
ثم بين تعالى وقت حلول العذاب وزمان تعجيله بقوله تعالى :
﴿إذ﴾ أي : مسكم حين ﴿تلقونه﴾ أي : تجتهدون في تلقي أي : قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه ﴿بألسنتكم﴾ أي : يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول : بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقياً يلقيه بعضهم إلى بعض، وحذفت من الفعل إحدى التاءين ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ أي : كلاماً مختصاً بالأفواه فهو كلام لا حقيقة له فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل وأكد هذا المعنى بقوله تعالى :﴿ما ليس لكم به علم﴾ أي : بوجه من الوجوه وتنكيره للتحقير.
فإن قيل : القول لا يكون إلا بالفم، فما معنى قوله تعالى :﴿بأفواهكم﴾ ؟ أجيب : بأن معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله تعالى :﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ [ آل عمران، ١٦٧ ]
﴿وتحسبونه﴾ بدليل سكوتكم عن إنكاره ﴿هيناً﴾ أي : لا إثم فيه ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿عند الله﴾ أي : الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته ﴿عظيم﴾ في الوزر واستجرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مرتبة علق بها مس العذاب العظيم تلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك، وهو عند الله تعالى عظيم.
النور 24:16
﴿ولولا﴾ أي : وهلا ولم لا ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿سمعتموه قلتم﴾ من غير توقف ولا تلعثم ﴿ما يكون﴾ أي : ما ينبغي وما يصح ﴿لنا أن نتكلم بهذا﴾ أي : القول المخصوص ويجوز أن تكون الإشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس محرم، فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق.
فإن قيل : كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم ؟ أجيب : بأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها وأنها لا انفكاك لها عنه فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها.
فإن قيل : أيّ فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلاً ؟ أجيب : بأن الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يذبوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم.
فإن قيل : ما معنى يكون والكلام بدونه ملتئم لو قيل ما لنا أن نتكلم بهذا ؟ أجيب : بأن معناه ينبغي ويصح أي : ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح لنا كما تقدم تقريره، ونحوه ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ [ المائدة، ١١٦ ]، وقوله تعالى :﴿سبحانك﴾ تعجب من أن يخطر ذلك بالبال في حال من الأحوال.
فإن قيل : ما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟ أجيب : بأن الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية التعجب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب، وقيل : تنزيه، فهو منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء القذفة، وعن أن لا يعاقبهم وعن أن تكون حرمة نبيه صلى الله عليه وسلم فاجرة، قال البيضاوي : فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فإنه لا ينفر أي : ولهذا كانت امرأة نوح ولوط كافرتين، وهذا يقتضي حل نكاح الكتابية مع أنها لا تحل له صلى الله عليه وسلم لأنها تكره صحبته ؛ ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة بنكاح ولقوله تعالى :﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [ الأحزاب، ٦ ]
ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين، ولخبر «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كانت معي في الجنة فأعطاني » رواه الحاكم وصحح إسناده.
أما التسري بالكافرة فلا يحرم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تسرى بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة ولا يشكل تعليلهم السابق من أنه أشرف أن يضع ماءه في رحم كافرة ؛ لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم منه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيهما ﴿هذا بهتان﴾ أي : كذب يبهت من يواجه به ويحيره لشدّة ما يفعل في القوى الباطنة ؛ لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه، ثم هونه بقوله ﴿عظيم﴾ لعظمة المبهوت عليه، فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها، ولما كان هذا كله وعظاً لهم واستصلاحاً ترجمه بقوله :﴿يعظكم الله﴾.
النور 24:17
﴿يعظكم الله﴾ أي : يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله، فيمهل بحلمه ولا يهمل بحكمته ﴿أن﴾ أي : كراهة أن ﴿تعودوا لمثله أبداً﴾ أي : ما دمتم أحياء مكلفين، ثم عظم هذا الوعظ بقوله تعالى :﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي : متصفين بالإيمان راسخين فيه، فإنكم لا تعودون، فإن الإيمان يمنع عنه، وهذا تهييج وتقريع لا أنه يخرج عن الإيمان كما تقول المعتزلة.
فإن قيل : هل يجوز أن يسمى الله واعظاً كقوله تعالى :﴿يعظكم الله﴾ ؟ أجيب : بأنه لا يجوز كما قاله الرازي، قال : كما لا يجوز أن يسمى الله معلماً كقوله تعالى :﴿الرحمن ١ علم القرآن﴾ [ الرحمن، ١ ] ؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية.
النور 24:18
﴿ويبين الله﴾ أي : بما له من صفات الكمال والإكرام ﴿لكم الآيات﴾ أي : الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا ﴿والله﴾ أي : المحيط بجميع الكمال ﴿عليم﴾ أي : بما يأمر به وينهى عنه ﴿حكيم﴾ لا يضع شيئاً إلا في أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك فلا تتوقفوا في أمر من أوامره.
النور 24:19
ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب بينه بقوله تعالى :﴿إن الذين يحبون﴾ أي : يريدون وعبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة ﴿أن تشيع﴾ أي : تنتشر بالقول أو الفعل ﴿الفاحشة﴾ الفعلة الكبيرة القبح ﴿في الذين آمنوا﴾ أي : بنسبتها إليهم وهم العصبة، وقيل : المنافقون ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ أي : بالحدّ للقذف ﴿والآخرة﴾ أي : بالنار لحق الله تعالى إن لم يتب ﴿والله﴾ أي : المستجمع لصفات الجلال والجمال ﴿يعلم﴾ أي : له العلم التام فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في إظهاره أو ستره أو غير ذلك من جميع الأمور ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي : ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا بما علمكم فلا تتجاوزوه ولا تضلوا، وقيل : معناه يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه عليها وأنتم لا تعلمون ذلك، وقيل : والله يعلم انتفاء الفاحشة عنهم وأنتم أيها العصبة لا تعلمون وجودها فيهم.
النور 24:20
وقوله تعالى :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ أي : بكم تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة، ولذا عطف عليه ﴿وأن الله﴾ أي : الذي له القدرة التامة، فسبقت رحمته غضبه ﴿رؤوف رحيم﴾ على حصول فضله ورحمته، وجواب لولا محذوف كأنه قال : لعذبكم واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم ؛ قال ابن عباس : الخطاب لحسان ومسطح وحمنة قال الرازي : ويجوز أن يكون الخطاب عاماً، وقيل : الجواب في قوله تعالى :﴿ما زكى منكم من أحد﴾، وقرأ : رؤوف ؛ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمدّ الهمزة والباقون بقصرها.
النور 24:21
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات﴾ أي : طرق ﴿الشيطان﴾ بتزيينه أي : لا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة ولا في غيرها ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه﴾ أي : المتبع ﴿يأمر بالفحشاء﴾ أي : بالقبائح من الأفعال ﴿والمنكر﴾ أي : ما أنكره الشرع وهو كل ما يكرهه الله تعالى، وقرأ قنبل وابن عامر وحفص والكسائي بضم الطاء والباقون بالسكون ﴿ولولا فضل الله﴾ أي : الذي لا إله غيره ﴿عليكم ورحمته﴾ أي : بكم بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وتشريع الحدود المكفرة لها ﴿ما زكى﴾ أي : ما طهر من ذنبها ﴿منكم من أحد أبداً﴾ آخر الدهر، والآية عند بعض المفسرين على العموم قالوا : أخبر الله أنه لولا فضل الله ورحمته ما صلح منكم من أحد، وقال ابن عباس : الخطاب للذين خاضوا في الإفك ومعناه ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل بالتوبة منه ﴿ولكن الله﴾ أي : العليم بأحوال خلقه ﴿يزكي﴾ أي : يطهر ﴿من يشاء﴾ من الذنوب بقبول التوبة منها ﴿والله سميع﴾ أي : لأقوالهم ﴿عليم﴾ أي : بما في قلوبهم.
النور 24:22
﴿ولا يأتل﴾ أي : يحلف افتعال من الآلية وهو القسم ﴿أولو الفضل﴾ أي : أصحاب الغنى ﴿منكم والسعة أن﴾ أي : أن لا ﴿يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا﴾ عنهم في ذلك ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ أي : على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم، قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكان يتيماً في حجره، وكان ينفق عليه فلما فرط منه ما فرط قال لهم أبو بكر : قوموا لستم مني ولست منكم وكفى بذلك داعياً في المنع، فإن الإنسان إذا أحسن إلى قريبه وكافأه بالإساءة كان أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من أجنبي ؛ قال الشاعر :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة؍ على المرء من وضع الحسام المهند؍
فقال له مسطح : نشدتك الله والإسلام والقرابة لا تحوجنا إلى أحد فما كان لنا أول الأمر من ذنب فقال : ألم تتكلم ؟ فقال : قد كان بعض ذلك عجباً من قول حسان فلم يقبل عذره، وقال : انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذراً ولا فرجاً، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدّقوا على من تكلم بشيء من الإفك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وقرأ عليه الآية، فلما وصل إلى قوله :﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ ﴿والله غفور رحيم﴾ أي : مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه قال : بلى يا رب إني أحب أن تغفر لي، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال : قبلت ما أنزل الله تعالى على الرأس والعين وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم، وجعل له مثلي ما كان له، وقال : والله لا أنزعها أبداً، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أعظم من مقاتلة الكفار ؛ لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكفار ومجاهدة النفس أشدّ من مجاهدة الكفار، ولهذا روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".
النور 24:23
﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾ أي : العفائف ﴿الغافلات﴾ أي : عن الفواحش وهنَّ السليمات الصدور النقيات القلوب بأن لا يقع في قلوبهن فعلها اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات ؛ قال في ذلك القائل متغزلاً :
ولقد لهوت بطفلة ميالة؍ بلهاء تطلعني على أسرارها؍
وكذلك البله من الرجال في قوله صلى الله عليه وسلم :«أكثر أهل الجنة البله »، وقيل : البله هم الراضون بنعيم الجنة والفطناء لم يرضوا إلا بالنظر إلى وجهه الكريم ﴿المؤمنات﴾ بالله ورسوله ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ أي : عذبوا في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بالنار ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ لعظم ذنوبهم ؛ قال مقاتل : هذا خاص في عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وروي أنه قيل لسعيد بن جبير : من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة، فقال : ذلك لعائشة رضي الله عنها خاصة. قال الزمخشري : ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم ترَ أنَّ الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما أنزل فيه على طرق مختلفة أو أساليب مفتنة كل واحد منها كاف في بابه ولو لم تنزل إلا هذه الثلاث آيات لكفى بها حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم كما قال تعالى :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾.
النور 24:24
﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ أي : من قول وفعل، وهو يوم القيامة بما أفكوا وبهتوا فإنه تعالى يوفيهم جزاءهم الحق كما قال تعالى :﴿يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق﴾.
النور 24:25
﴿يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق﴾ أي : جزاءهم الواجب الذين هم أهله ﴿ويعلمون﴾ عند ذلك ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ حيث حقق لهم جزاء الذي كانوا يشكون فيه فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين وعبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمر عظيم، وعن ابن عباس أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن حتى سئل عن هذه الآيات فقال : من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ولقد برّأ الله تعالى أربعة بأربعة برّأ يوسف عليه السلام بلسان الشاهد فقال تعالى :﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [ يوسف، ٢٦ ]
الآية، وبرّأ موسى عليه الصلاة والسلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرّأ مريم بإنطاق ولدها عليه الصلاة والسلام حين نادى من تحتها ﴿إني عبد الله﴾ [ مريم، ٣٠ ] الآية، وبرّأ عائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كيف بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنبيه على أنافة محل سيد ولد آدم وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه وتقدم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك وليتأمل كيف غضب الله تعالى له في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه، وقال قوم : ليس لمن قذف عائشة وبقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة ؛ لأن الله تعالى لم يذكر في قذفهن توبة، وما ذكر من أول السورة فذاك في قذف غيرهن.
فإن قيل : إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل المحصنات ؟ أجيب : بأنها لما كانت أم المؤمنين جمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان ولذا قيل : إن هذا حكم كل قاذف ما لم يتب.
فإن قيل : ما معنى قوله تعالى :﴿هو الحق المبين﴾ ؟ أجيب : بأن معناه ذو الحق المبين أي : العادل الظاهر العدل الذي لا ظلم في حكمه والمحق الذي لا يوصف بباطل ومن هذه صفته كان له أن يجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه، وقرأ : يشهد ؛ حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ويوم ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم، وقرأ أبو عمرو : يوفيهم الله، بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم هذا كله في الوصل، وأما الوقف فالجميع بكسر الهاء وسكون الميم.
النور 24:26
﴿الخبيثات﴾ أي : من النساء والكلمات ﴿للخبيثين﴾ من الناس ﴿والخبيثون﴾ أي : من الناس ﴿للخبيثات﴾ أي : مما ذكر ﴿والطيبات﴾ أي : مما ذكر ﴿للطيبين﴾ أي : من الناس ﴿والطيبون﴾ أي : منهم ﴿للطيبات﴾ أي : مما ذكر فاللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله ﴿أولئك﴾ أي : الطيبون والطيبات من النساء، ومنهم صفوان وعائشة ﴿مبرؤون مما يقولون﴾ أي : الخبيثون والخبيثات من النساء، وقيل : عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى :﴿فإن كان له إخوة﴾ [ النساء، ١١ ] أي : إخوان ﴿لهم﴾ أي : الطيبين والطيبات من النساء على الأول، ولصفوان وعائشة على الثاني ﴿مغفرة﴾ أي : عفو عن الذنوب ﴿ورزق كريم﴾ هو الجنة، وروي أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل عليه السلام أتى بصورتها في سرقة من حرير وقال للنبي صلى الله عليه وسلم هذه زوجتك، وروي أنه أتى بصورتها في راحته، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها، ومنها أنه قبض صلى الله عليه وسلم ورأسه الشريف في حجرها، ومنها أنه دفن في بيتها، ومنها أنه كان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحاف، ومنها أن براءتها نزلت من السماء، ومنها أنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت طيبة، ووعدت بمغفرة ورزق كريم، وكان مسروق رحمه الله تعالى إذا روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال : حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرّأة من السماء.
النور 24:27
الحكم السادس : ما ذكره بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم﴾ أي : التي تسكنونها، فإن المؤجر والمعير لا يدخلان إلا بإذن، وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها، وفي قوله تعالى :﴿حتى تستأنسوا﴾ وجهان : أحدهما : أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش ؛ لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له فقد استأنس، والمعنى حتى يؤذن لكم كقوله تعالى :﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ [ الأحزاب، ٥٣ ]، وهذا من باب الكناية والإرداف ؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن، والثاني : أن يكون من الاستئناس بمعنى الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، والمعنى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا، ومنه قولهم : استأنس هل ترى أحداً، واستأنست فلم أرَ أحداً أي : تعرفت واستعلمت، وقال الخليل بن أحمد : الاستئناس : الاستبصار، من قولهم : آنست ناراً ؛ أي : أبصرت، وقيل : هو أن يتكلم بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة ويتنحنح يؤذن أهل البيت، وعن أبي أيوب الأنصاري قال : يا رسول الله : ما الاستئناس ؟ قال :«أن يتكلم الرجل » ﴿وتسلموا على أهلها﴾ كأن يقول الواحد : السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، فإن أذن له دخل، وإلا رجع قال قتادة : المرة الأولى للتسميع، والثانية : ليتهيأ، والثالثة : إن شاء أذن، وإن شاء رد، وهذا من محاسن الآداب، فإن أول مرة ربما منعهم بعض الاشتغال من الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك مانع يقتضي المنع، فإن لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع، ولهذا كان الأولى في الاستئذان ثلاثاً أن لا تكون متصلة، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما.
ولا بد من إذن صريح إذا كان الداخل أجنبياً أو قريباً غير محرم سواء كان الباب مغلقاً أم لا، وإن كان محرماً فإن كان ساكناً مع صاحبه فيه لم يلزمه الاستئذان، ولكن عليه أن يشعره بدخوله بتنحنح أو شدة وطء أو نحو ذلك ليستتر العريان فإن لم يكن ساكناً فإن كان الباب مغلقاً لم يدخل إلا بإذن، وإن كان مفتوحاً فوجهان، والأوجه الاستئذان، وعن أبي موسى الأشعري أنه أتى باب عمر، فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ قالها ثلاثاً، ثم رجع وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«الاستئذان ثلاثاً »، و " استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة يقال لها روضة : قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن، قولي له يقول : السلام عليكم أدخل، فسمع الرجل فقال : أدخل ".
وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته : حييتم صباحاً وحييتم مساءً، ثم يدخل، فربما أصاب صاحب البيت مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ الله عز وجل عن ذلك، وعلم ما هو الأحسن الأجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به وباب الاستئذان من ذلك.
قال الزمخشري : بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن يسمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أين الأذن الواعية. ﴿ذلكم خير لكم﴾ أي : من تحية الجاهلية، ومن أن تدخلوا من غير استئذان. «روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي ؟ قال : نعم، قال : إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال : أتحب أن تراها عريانة ؟ قال الرجل : لا، قال : فاستأذن »، وقوله تعالى :﴿لعلكم تذكرون﴾ متعلق بمحذوف أي : أنزل عليكم، وقيل : بين لكم هذا إرادة أن تذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد.
النور 24:28
﴿فإن لم تجدوا فيها﴾ أي : البيوت ﴿أحداً﴾ يأذن لكم في دخولها ﴿فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم﴾ أي : حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول فيها ليس الاطلاع على العورات فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي تطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ﴿وإن قيل لكم ارجعوا﴾ أي : بعد الاستئذان ﴿فارجعوا﴾ أي : إذا كان في البيت أحد، وقال لكم : ارجعوا فارجعوا ﴿هو﴾ أي : الرجوع ﴿أزكى﴾ أي : أطهر وأصلح ﴿لكم﴾ من الوقوف على الأبواب منتظرين ؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصاً إذا كانوا ذوي مروءة مرتاضين للآداب الحسنة وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد رحمه الله تعالى : ما قرعت باباً على عالم قط، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى :﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾، [ الحجرات، ٤ ] وعن قتادة رحمه الله تعالى : إذا لم يؤذن له لا يقعد وراء الباب فإن للناس حاجات، وإن حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأتي باب الأنصاري لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ولا يستأذن فيخرج الرجل فيقول : يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أخبرتني فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم، فإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردوداً لما روي عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من اطلع في بيت قوم فقد حل لهم يفقؤوا عينه » وفي رواية للنسائي قال :«لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان عليك جناح »، ولو عرض أمر في دار من حريق أو هدم أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره جاز الدخول بغير إذن ﴿والله﴾ أي : الذي لا يخفى عليه شيء ﴿بما تعملون﴾ من الدخول بإذن وبغير إذن ﴿عليم﴾ فيجازيكم عليه.
النور 24:29
لما نزلت آية الاستئذان قالوا : يا رسول الله كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها إنسان فأنزل اللّه تعالى :﴿ليس عليكم جناح﴾ أي : إثم ﴿أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة﴾ أي : بغير استئذان منكم، وذلك كبيوت الخانات والربط المسبلة ﴿فيها متاع﴾ أي : منفعة ﴿لكم﴾ والمنفعة فيها بالنزول وأنواع المتاع والاتقاء من الحر والبرد ونحو ذلك، وقال ابن زيد : هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو المنفعة، وقال إبراهيم النخعي : ليس على حوانيت الأسواق إذن، وكان ابن سيرين رحمه الله تعالى إذا جاء إلى حانوت السوقي يقول : السلام عليكم أدخل ثم يلج، وقال عطاء : هي البيوت الخربة والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت المسكونة وغيرها ﴿والله يعلم ما تبدون﴾ أي : تظهرون ﴿وما تكتمون﴾ أي : تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وفي ذلك وعيد من الله تعالى لمن دخل لفساد أو تطلع على عورات وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم سلموا على أنفسهم.
النور 24:30
والحكم السابع حكم النظر المذكور في قوله تعالى :﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ أي : عما لا يحل لهم نظره ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ أي : عما لا يحل لهم فعله بها.
تنبيه : من للتبعيض، والمراد غض البصر عما لا يحل كما مرَّ والاقتصار به على ما يحل، وجوّز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه.
فإن قيل : لم دخلت من في غض البصر دون حفظ الفرج ؟ أجيب : بأن في ذلك دلالة على أن المراد أن أمر النظر أوسع بدليل جواز النظر للمحارم فيما عدا ما بين السرة والركبة، وأما نظر الفروج فالأمر فيه ضيق وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه، ويجوز أن يراد مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء، وعن ابن زيد : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار.
فإن قيل : لم قدم غض البصر على حفظ الفرج ؟ أجيب : بأن البلوى فيه أشد. وروي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال :«اصرف بصرك ». وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي :«يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية » أخرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد » ﴿ذلك﴾ أي : غض البصر وحفظ الفرج ﴿أزكى﴾ أي : خير ﴿لهم﴾ لما فيه من البعد عن الريبة، سئل الشيخ الشبلي رحمه الله تعالى عن قوله تعالى :﴿يغضوا من أبصارهم﴾، فقال : أبصار الرؤوس عن المحرمات وأبصار القلوب عن المحرمات، ثم أخبر سبحانه وتعالى بأنه خبير بأحوالهم وأفعالهم بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الملك الذي لا يخفى عليه شيء ﴿خبير بما يصنعون﴾ بسائر حواسهم وجوارحهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون.
النور 24:31
﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ عما لا يحل لهن نظره ﴿ويحفظن فروجهن﴾ عما لا يحل لهن فعله بها، روي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت :«كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت الحرث إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه »، وقوله تعالى :﴿ولا يبدين﴾ أي : يظهرن ﴿زينتهن﴾ أي : لغير محرم، والزينة خفية وظاهرة، فالخفية مثل الخلخال والخضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط في الأذن والقلائد في العنق، فلا يجوز للمرأة إظهارها، ولا يجوز للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة مواضعها من البدن، وذكر الزينة للمبالغة في الأمر بالصون والستر ؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي : من الزينة الظاهرة، و اختلف أهل العلم في هذه الزينة التي استثناها الله تعالى فقال سعيد بن جبير وجماعة : هي الوجه والكفان، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : هي الثياب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للأجنبي النظر إليها إن لم يخفِ فتنة في أحد وجهين وعليه الأكثر.
وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها، ولأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدّاً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وخاصة الفقيرات، والوجه الثاني يحرم ؛ لأنه محل الفتنة ورجح حسماً للباب ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ أي : يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع، فإن جيوبهن كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدّامهن حتى تغطيها، ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور تسمية لها باسم ما يليها ويلابسها، ومنه قولهم : ناصح الجيب بالنون والصاد أي : سليم الصدر، وقولك : ضربت بخمارها على جيبها كقولك : ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه ؛ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : يرحم الله تعالى نساء المهاجرات لما أنزل الله وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن بها، والمرط كساء من صوف أو خز أو كتان، وقيل : هو الإزار، وقيل : هو الدرع.
وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وعاصم بضم الجيم، والباقون بكسرها، وكرر قوله تعالى :﴿ولا يبدين زينتهن﴾ لبيان من يحل له الإبداء، ومن لا يحل له أي : الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين ﴿إلا لبعولتهن﴾ أي : فإنهم المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ولو الدبر ولكنه يكره، وقال ابن عباس : لا يضعن الجلباب والخمار عنهن إلا لأزواجهن ﴿أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن﴾ فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الخفية ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة، وإنما سومح في الزينة الخفية لأولئك المذكورين في الآية للحاجة المضطرّة إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة الفتنة من جهتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك ﴿أو نسائهن﴾ أي : المؤمنات، فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال، فلا يجوز للمسلمة أن تتجرّد من ثيابها عند النساء الكافرات ؛ لأنهن أجنبيات عن الدين فكن كالرجال الأجانب، لكن يجوز أن ترى الكافرة منها ما يبدو عند المهنة، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمامات مع المسلمات، وقيل : النساء كلهن، وللعلماء في ذلك خلاف.
تنبيه : العورة على أربعة أقسام ؛ عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وعورة الرجل مع المرأة، أما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه ما عدا ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، وأما المرأة مع الرجل أو الرجل مع المرأة، فلا ينظر أحدهما من الآخر شيئاً، وقيل : يجوز للأجنبي أن ينظر إلى وجهها وكفيها إذا أمن الفتنة ولم تكن شهوة، وقيل : يجوز لها أن تنظر منه ما عدا ما بين السرة والركبة، ويجوز لمن أراد أن يخطب حرة أن ينظر وجهها وكفيها، وهي تنظر منه إذا أرادت أن تتزوج به ما عدا ما بين السرة والركبة، وإن أراد أن يتزوج بأمة جاز أن ينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة، ويحرم أن ينظر بشهوة، ويحرم النظر بشهوة لكل منظور إليه إلا لمن أرد أن يتزوج بها وإلا حليلته ويباح النظر من الأجنبي لمعاملة وشهادة حتى يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الزنا والولادة، وإلى الثدي للشهادة على الرضاع وتعليم ومداواة بقدر الحاجة.
وكل ما حرم نظره متصلاً حرم نظره منفصلاً كشعر عانة من رجل أو قلامة ظفر من أجنبية، ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوب واحد إذا كانا عاريين، وإن كان كل منهما في جانب من الفراش للخبر المتقدم، ويجب التفريق بين ابن عشر سنين وإخوته وأخواته في المضجع إذا كانا عاريين، وتسن مصافحة الرجلين والمرأتين لخبر :" ما من مسلمين يلتقيان ويتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ".
وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص، والمعانقة والتقبيل في الرأس للنهي عن ذلك إلا لقادم من سفر أو تباعد عهد، ويسن تقبيل الطفل ولو لغير أبويه شفقة، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، ويسن تقبيل يد الحي لصلاح أو علم أو زهد أو نحو ذلك، ويكره لغني أو وجاهة أو نحو ذلك، وقوله تعالى :﴿أو ما ملكت أيمانهنّ﴾ يعم الإماء والعبيد، فيحل نظر العبد العفيف غير المبعض والمشترك والمكاتب إلى سيدته العفيفة لما روى أبو داود : أنه صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم وما تلقى قال صلى الله عليه وسلم :" إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ".
وعن عائشة أنها قالت لعبدها ذكوان : إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر، وأما الفاسق والمبغض والمشترك والمكاتب فكالأجنبي بل قيل : إن المراد بالآية الإماء وعبداً وأمة كالأجنبي وبه قال ابن المسيب آخراً، وقال : لا تغرنكم آية النور فإن المراد بها الإماء ﴿أو التابعين﴾ أي : الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم ﴿غير أولي الإربة﴾ أي : أصحاب الحاجة إلى النساء ﴿من الرجال﴾ أي : ليس لهم همة إلى ذلك ولا حاجة لهم في النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهن، وقيل : هم شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، وقيل : هم الممسوحون سواء كان حراً أم لا وهو ذاهب الذكر والأنثيين، أما ذاهب الذكر فقط أو الأنثيين فقط فكالفحل، وعن أبي حنيفة لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم. قال الزمخشري : فإن قلت : روي :«أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصي فقبله » قلت : لا يقبل فيما تعم به البلوى إلا حديث مكشوف وإن صح فلعله قبله ليعتقه أو لسبب من الأسباب، انتهى. وعندنا يجوز جميع ذلك إذ لا مانع منه، وقيل : المراد بأولي الإربة هو المخنث، وقرأ ابن عامر وشعبة بنصب الراء على الاستثناء والحال، والباقون بكسرها على الوصفية، وقوله تعالى :﴿أو الطفل﴾ بمعنى الأطفال وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس ويبينه ما بعده، وهو قوله تعالى :﴿الذين لم يظهروا﴾ أي : لم يطلعوا ﴿على عورات النساء﴾ للجماع فيجوز لهن أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة ؛ قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى : إذا لم يبلغ الطفل حداً يحكي ما يراه فكالعدم أو بلغه من غير شهوة فكالمحرم، أو بشهوة فكالبالغ ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ وذلك أن المرأة كانت تضرب برجلها الأرض ليقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال، وقيل : كانت تضرب بإحدى رجليها على الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين فنهين عن ذلك لأن ذلك يورث ميلاً في الرجال، وإذا وقع النهي عن إظهار صوت الحلي فمواضع الحلي أبلغ في النهي وأوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد ولا يخلو من تقصير يقع منه فلذلك قال تعالى :﴿وتوبوا إلى الله﴾ أي : الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ﴿جميعاً أيها المؤمنون﴾ أي : مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره.
وشروط التوبة أن يقلع الشخص عن الذنب ويندم على ما مضى منه ويعزم على ألا يعود إليه ويرد الحقوق لأهلها، وقرأ ابن عامر في الوصل : أيها المؤمنون بضم الهاء لأنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها والباقون بفتحها، وأما الوقف فوقف أبو عمرو والكسائي بالألف بعد الهاء، ووقف الباقون على الهاء ساكنة ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي : تنجون من ذلك بقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على الإناث، وعن ابن عباس توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.
فإن قيل : على هذا قد صحت التوبة بالإسلام لأنه يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة ؟ أجيب : بأن بعض العلماء قال : إن من أذنب ذنباً ثم تاب لزمه كلما ذكره أن يجدد التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه على عدم العودة إلى أن يلقى الله تعالى، والذي عليه الأكثر أنه لا يلزمه تجديدها.
وعن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إلى ربي كل يوم مائة مرة »، وعن ابن عمر قال : إنا كنا لنعدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول :«رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة »، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه »، وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «للّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة ».
النور 24:32
ولما نهى عما سيفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بالحكم الثامن وهو الأمر بالنكاح المذكور في قوله تعالى :﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ جمع أيم والأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، والأيم هي من ليس لها زوج بكراً كانت أو ثيباً، ومن ليس له امرأة فيشمل ذلك الذكر والأنثى قال الشاعر :
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي؍ وإن كنت أفتى منكم أتأيم؍
أي : أقرب إلى الشباب منك وأتأيم بالرفع على قلة جواب إن تتأيمي، وما بينهما جملة معترضة، والمعنى أوافقك في حالتي التزوج والتأيم، وإن كنت أقرب إلى الشباب منك، وعنه صلى الله عليه وسلم :«اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة، والأيمة والقزم والقرم العيمة : شهوة اللبن، والغيمة : العطش، والأيمة : شهوة النكاح مع الخلو من الزوجية، والقزم : البخل، والقرم : شهوة اللحم، وهذا في الأحرار والحرائر، وأما غيرهم فهو قوله تعالى :﴿والصالحين﴾ أي : المؤمنين﴿من عبادكم﴾ وهو من جموع عبد، ﴿وإمائكم﴾ والخطاب للأولياء والسادة، وهذا الأمر أمر ندب، فيستحب لمن تاقت نفسه للنكاح ووجد أهبته أن يتزوج ومن لم يجد أهبته استحب له أن يكسر شهوته بالصوم لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال :«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » أي : قاطع لشهوته لأن الوجاء بكسر الواو نوع من الخصاء وهو أن ترض عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هما، فشبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل، والباءة بالمد مؤن النكاح، وهي المهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه.
فإن لم تنكسر شهوته بالصوم فلا يكسرها بالكافور ونحوه بل يتزوج، ويكره لغير التائق إن فقد الأهبة أو وجدها وكان به علة كهرم فإن وجدها ولا علة به وهو غير تائق فالتخلي للعبادة أفضل من النكاح إن كان متعبداً فإن لم يتعبد فالنكاح أفضل من تركه لقوله صلى الله عليه وسلم :«من أحب فطرتي فليستن بسنتي » وهي النكاح، وعنه صلى الله عليه وسلم «من كان له مال يتزوج به فلم يتزوج فليس منا »، وعنه صلى الله عليه وسلم «إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ويلاه عصم ابن آدم مني ثلثي دينه » والأحاديث في ذلك كثيرة، وربما كان واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة، وعنه صلى الله عليه وسلم «إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال »، وفي رواية :«يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة »، ويندب النكاح للمرأة التائقة وفي معناها المحتاجة إلى النفقة، والخائفة من اقتحام الفجرة، ويستحب أن تكون المنكوحة بكراً إلا لعذر لقوله صلى الله عليه وسلم «هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك »، ولوداً لقوله صلى الله عليه وسلم «تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة »، وفي رواية :«يا عياض لا تتزوج عجوزاً ولا عاقراً، فإني مكاثر دينة » لما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال :«الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ».
وقيل : المراد بالصالحين الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، و قوله تعالى :﴿إن يكونوا﴾ أي : الأحرار ﴿فقراء يغنهم الله﴾ أي : بالتزويج ﴿من فضله﴾ ردّ لما عساه أن يمنع من النكاح والمعنى لا يمنعهن فقر الخاطب والمخطوبة من المناكحة، فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غادٍ ورائح، أو وعد من الله تعالى بالغنى لقوله صلى الله عليه وسلم «اطلبوا الغنى في هذه الآية ».
لكن ينبغي أن تكون شريطة الله تعالى غير منسية في هذا الوعد ونظائره، وهي مشيئته ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة، ونحوه :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ٢ ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [ الطلاق، ٢ - ٣ ]، وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى :﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم﴾ [ التوبة، ٢٨ ]، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضاً بعزب كان غنياً فأفقره النكاح.
وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكيناً، وورد :«التمسوا الرزق بالنكاح »، وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل الحاجة فقال :«عليك بالباءة » أي : النكاح، وعن عمر رضي الله عنه : عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح، والله تعالى يقول :﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾، وحكي عنه أنه قال : عجبت لمن لم يطلب الغنى بالباءة، وقال طلحة بن مطرف : تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع في أخلاقكم ويزيد الله في ثروتكم ؛ قال الزمخشري : ولقد كان عندنا رجل رازح الحال ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته فقال : كنت في أول أمري على ما علمت وذلك قبل أن أرزق ولداً، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر فلما ولد لي الثاني ازددت خيراً فلما تتاموا ثلاثة صبَّ الله علي الخير، فأصبحت إلى ما ترى، انتهى. ﴿والله﴾ أي : الذي له الملك كله ﴿واسع﴾ أي : ذو سعة لخلقه لا تنفد نعمه إذ لا تنتهي قدرته ﴿عليم﴾ بهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
النور 24:33
ولما ذكر تعالى تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك بقوله :﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً﴾ أي : وليجهد في طلب العفة عن الزنا والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من مهر ونفقة يوم التمكين وكسوة فصله، وقيل : لا يجدون ما ينكحون ﴿حتى يغنيهم الله﴾ أي : يوسع عليهم ﴿من فضله﴾ فينكحون، ولما ذكر تعالى نكاح الصالحين من العبيد والإماء حث على كتابتهم بالحكم التاسع وهو الأمر بالكتابة المذكور في قوله تعالى :﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ أي : يطلبون الكاتبة ﴿مما ملكت أيمانكم﴾ أي : من العبيد والإماء ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ أي : أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة.
وسبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى يقال له : الصبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب وأركانها أربعة رقيق وصيغة وعوض وسيد وشرط في السيد كونه مختاراً أهل تبرع وولاء وكتابة المريض مرض الموت محسوبة من الثلث، فإن خلف مثلي قيمته صحت الكتابة في كله أو مثل قيمته صحت في ثلثيه أو لم يخلف غيره صحت في ثلثه، وشرط في الرقيق اختيار وعدم صبا وجنون وأن لا يتعلق به حق آدمي لازم، وشرط في الصيغة لفظ يشعر بالكتابة كأن يقول السيد لمملوكه : كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف، فإذا أديتهما فأنت حر، فيقول العبد : قبلت ذلك، فلا يصح عقدها إلا مؤجلاً منجماً بنجمين فأكثر، كما جرى عليه الصحابة فمن بعدهم، فلا بدّ من بيان قدر العوض وصفته وعدد النجوم وقسط كل نجم فلا تجوز عند الشافعي رضي الله تعالى عنه بنجم واحد ولا بحال لأن العبد لا يملك شيئاً فعقدها بحال يمنع من حصول الغرض لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلاً، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه تجوز حالاً ومؤجلاً ومنجماً وغير منجم ؛ لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود وهي سنة لا واجبة، وإن طلبها الرقيق لئلا يتعطل أثر الملك وتتحكم المماليك على الملاك بطلب رقيق أمين قوي على الكسب وبهما فسر الشافعي الخير في الآية واعتبرت الأمانة لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق، والطلب والقدرة على الكسب ليوثق بتحصيل النجوم.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله »، فإن فقدت هذه الشروط أو بعضها فهي مباحة إذ لا يقوى رجاء العتق بها ولا تكره بحال لأنها عند فقد ما ذكر فقد تفضي إلى العتق، نعم إن كان الرقيق فاسقاً بسرقة أو نحوها، وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب اكتسب بطريق الفسق لم يبعد تحريمها حينئذٍ لتضمنها التمكين من الفساد، وتصح على عوض قليل وكثير، ويجب أن يحط عنه قبل عتقه شيئاً متمولاً من النجوم، أو يدفعه إليه من جنسها أو من غيرها، كما قال تعالى :﴿وآتوهم﴾ أمر للسادة ﴿من مال الله الذي آتاكم﴾ ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم أيها السادة، وفي معنى الإيتاء حط شيء متمول مما التزموه بل الحط أولى من الدفع ؛ لأن القصد بالحط الإعانة على العتق وهي محققة فيه موهومة في الدفع إذ قد يصرف المدفوع في جهة أخرى، وكون ذلك في النجم الأخير أولى منه فيما قبله لأنه أقرب إلى العتق.
يروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمر وقال : استعن به على كتابتك، فقال : لو أخرته إلى آخر نجم، فقال : أخاف أن لا أدرك ذلك وكونه ربعاً من النجوم أولى، فإن لم تسمح به نفسه فكونه سبعاً أولى، روى حط الربع النسائي وغيره، وحط السبع مالك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة أمر للمسلمين على جهة الوجوب بإعانتهم للمكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال كقوله :﴿وفي الرقاب﴾ [ البقرة، ١٧٧ ] ولما بين تعالى ما يصح من تزويج العبيد والإماء أتبع ذلك بالحكم العاشر وهو الإكراه على الزنا المذكور في قوله تعالى :﴿ولا تكرهوا فتياتكم﴾ أي : إماءكم ﴿على البغاء﴾ أي : الزنا.
كان لعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت مسيكة لمعاذة : إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيراً فقد استكثرنا منه، وإن يك شراً فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله هذه الآية، وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوماً ببرد، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما : ارجعا فازنيا، فقالا : والله لا نفعل قد جاء الإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكيا إليه فنزلت.
ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي » ﴿إن أردن تحصناً﴾ أي : تعففاً عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط ؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها بغي الطبع طوعاً، وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر ولأن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج النهي على صورة صفة السبب وإن لم تكن شرطاً فيه، وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصناً، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ أي : تطلبوا من أموال الدنيا بكسبهن وأولادهن ﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور﴾ أي : لهن ﴿رحيم﴾ بهن، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن : والله لهن أي : لا للمكره إلا إذا تاب.
فإن قيل : إن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة ؟ أجيب : بأن الزنا لا يباح بالإكراه فهي آثمة لكن لا حد عليها للإكراه.
النور 24:34
ولما ذكر تعالى في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث :
أحدها : قوله تعالى :
﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾ أي : الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء التحتية والباقون بفتحها ؛ لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول السليمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود.
ثانيها : قوله تعالى :﴿ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم﴾ أي : من جنس أمثالهم، أي : وقصة عجيبة مثل قصصهم وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنها كقصة يوسف ومريم عليهما السلام.
ثالثها : قوله تعالى :﴿وموعظة للمتقين﴾ أي : ما وعظ به في قوله تعالى :﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [ النور، ٢ ]، وقوله تعالى :﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾ [ النور، ١٢ ] إلخ، وفي قوله تعالى :﴿لولا إذ سمعتموه قلتم﴾ [ النور، ١٦ ] إلخ، وفي قوله تعالى :﴿يعظكم الله أن تعودوا﴾ [ النور، ١٧ ] إلخ وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها.
النور 24:35
واختلف في معنى قوله تعالى :﴿الله نور السماوات والأرض﴾ فقال ابن عباس : الله هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلال ينجون، وقال الضحاك : منور السماوات والأرض، فقال : نور السماء بالملائكة، ونور الأرض بالأنبياء، وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض، وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزين السماوات والأرض ؛ زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، ويقال : بالنبات والأشجار، وقيل : معناه الأنوار كلها منه ؛ كما يقال : فلان رحمة أي : منه الرحمة وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل :
إذ سار عبد الله من مرو ليلة؍ فقد سار منها نورها وجمالها؍
وسبب هذا الاختلاف أن النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيران على الأجرام الكثيفة المحاذية لها وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا على ضرب من التجوز كالأمثلة المتقدمة أو على تقدير مضاف كقولك : زيد كرم وجود، ثم تقول : ينعش الناس بكرمه وجوده، والمعنى ذو نور السماوات والأرض ونور السماوات والأرض الحق شبه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله تعالى :﴿الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [ البقرة، ٢٥٧ ]
أي : من الباطل إلى الحق، وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين إما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وإما أن يراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به، واختلف أيضاً في معنى قوله تعالى :﴿مثل نوره﴾ فقال ابن عباس : مثل نوره الذي أعطى المؤمن أي : مثل نور الله في قلب المؤمن وهو النور الذي يهتدي به كما قال تعالى :﴿فهو على نور من ربه﴾ [ الزمر، ٢٢ ]، وقال الحسن وزيد بن أسلم : أراد بالنور القرآن، وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : أراد بالنور : الطاعة سمى طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضلاً أي : صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿كمشكاة﴾ أي : كصفة مشكاة وهي الكوة في الجدار غير النافذة ﴿فيها مصباح﴾ أي : سراج ضخم ثاقب ﴿المصباح في زجاجة﴾ أي : قنديل من زجاج شامي أزهر وإنما ذكر الزجاجة ؛ لأن النور وضوء النهار فيها أبين من كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج.
ثم وصف الزجاجة بقوله تعالى :﴿الزجاجة كأنها﴾ أي : النور فيها ﴿كوكب دري﴾ أي : مضيء شبهها في الضوء بإحدى الدراري من الكواكب الخمسة العظام وهي المشاهير المشتري والزهرة والمريخ وزحل وعطارد.
فإن قيل : لم شبه بالكواكب ولم يشبه بالشمس والقمر ؟ أجيب : بأنهما يلحقهما الخسوف والكسوف والكواكب لا يلحقها ذلك.
وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام والباقون بضمها منسوب إلى الدر أي : اللؤلؤ في صفاته وحسنه، وإن كان الكوكب أكثر ضوء من الدر لكن يفضل الكواكب بصفائه كما يفضل الدر سائر الحب، وهمز مع المد أبو عمر وشعبة وحمزة والكسائي والباقون بغير همز وكل من أهل الهمز على مرتبته في المد ﴿توقد من شجرة مباركة زيتونة﴾ أي : ابتداء توقده من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت فتيلة المصباح بزيت الشجرة، وهي شجرة كثيرة البركة وفيها منافع كثيرة ؛ لأن الزيت يسرج به ويدهن به وهو أدام وهو أصفى الأدهان وأضوؤها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والواو وبتشديد القاف على وزن تفعل على الماضي أي : المصباح، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بضم التاء الفوقية وتخفيف القاف أي : المصباح ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ أي : ليست بشرقية وحدها لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس إذا طلعت بل هي مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ، وهذا كما يقال : فلان ليس أسود ولا أبيض أي : ليس أسود خالصاً ولا أبيض خالصاً بل اجتمع فيه كل واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض أي : اجتمع فيه الحلاوة والحموضة، هذا قول ابن عباس والأكثرين، وقال السدي وجماعة : معناه أنها ليست مقنأة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لا يصيبها الظل فهي لا تضرها شمس ولا ظل، والمقنأة بقاف فنون فهمزة وهي بفتح النون وضمها المكان الذي لا تطلع عليه الشمس، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري
وفي الحديث :«لا خير في شجرة مقنأة ولا في نبات في مقنأة، ولا خير فيهما في مضحى » قال ابن حجر العسقلاني : لم أجده، وقيل : معناه أنها معتدلة ليست في شرق يصيبها الحر، ولا في غرب يضرها البرد، وقيل : معناه هي شامية لأن الشام وسط الأرض لا شرقي ولا غربي، وقيل : ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ﴿يكاد زيتها﴾ أي : من صفائه ﴿يضيء ولو لم تمسسه نار﴾ أي : يكاد يتلألأ ويضيء بنفسه من غير نار ﴿نور على نور﴾ أي : نور المصباح على نور الزجاجة.
تنبيه : اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل فقال بعضهم : وقع التمثيل لنور محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار : أخبرني عن قوله تعالى :﴿مثل نوره كمشكاة﴾ قال كعب : هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة تتوقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور محمد صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين للناس، ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار.
وروى سالم عن عمر في هذه الآية قال : المشكاة جوف النبي صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى فيه، لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة إبراهيم، نور على نور نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليهما وسلم، وقال محمد بن كعب القرظي : المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل عليهما السلام، والمصباح محمد صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى مصباحاً كما سماه سراجاً، فقال تعالى :﴿وسراجاً منيراً﴾ [ الأحزاب، ٤٦ ] توقد من شجرة مباركة، وهي إبراهيم عليه السلام سماه مباركاً ؛ لأن أكثر الأنبياء من صلبه، لا شرقية ولا غربية يعني إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، نور على نور نبي من نسل نبي نور محمد على نور إبراهيم عليهما السلام، وقال بعضهم : وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن، روى أبو العالية عن أبيّ بن كعب قال : هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه توقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت، فكذلك المؤمن قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن، فهو بين أربع خلال ؛ إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء ؛ أي : يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته إياه، نور على نور ؛ قال أبيّ : أي : فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة ؛ قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى، ونوراً على نور، وقال الكلبي : قوله تعالى : نور على نور يعني إيمان المؤمن وعمله، وقال السدي : نور الإيمان ونور القرآن، وقال الحسن وابن زيد : هذا مثل للقرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح يهتدى بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي، يكاد زيتها يضيء يعني : تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور يعني القرآن نور من الله لخلقه مع ما قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور ﴿يهدي الله لنوره﴾ قال ابن عباس : دين الإسلام وقيل : القرآن ﴿من يشاء﴾ فإن الأسباب بدون مشيئته لاغية، وقيل : يوفق الله لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يميناً وشمالاً، ومن لم يتدبر فهو كالأعمى، سواء عليه جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس ﴿ويضرب﴾ أي : يبين ﴿الله الأمثال للناس﴾ تقريباً للأفهام وتسهيلاً للأكدار ﴿والله بكل شيء عليم﴾ معقولاً كان أو محسوساً، ظاهراً كان أو خفياً، وفيه وعيد لمن تدبرها ولم يكترث بها.
النور 24:36
وقوله تعالى :﴿في بيوت﴾ يتعلق بما قبله أي : كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه قيل : مثل نوره، كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، أو بما بعده وهو يسبح أي : يسبح رجال في بيوت، وفي قوله : فيها تكرير لقوله : في بيوت كقوله : زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله تعالى :﴿في تسع آيات﴾ [ النمل، ١٢ ] أي : سبحوا في بيوت، والبيوت هي المساجد ؛ قال سعيد بن جبير : عن ابن عباس قال : المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، وقيل : المراد بالبيوت المساجد الثلاثة، وقيل : المراد أربعة مساجد لم يبنها إلا نبيّ ؛ الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام، ومسجد المدينة، ومسجد قباء بناهما النبي صلى الله عليه وسلم وأتى فيها بجمع الكثرة دون جمع القلة للتعظيم ﴿أذن الله أن ترفع﴾ قال مجاهد : تبنى، نظيره قوله تعالى :﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ [ البقرة، ١٢٧ ]، وقال الحسن : تعظم أي : فلا يذكر فيها الفحش من القول وتطهر من الأنجاس والأقذار، وقوله تعالى :﴿ويذكر فيها اسمه﴾ عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله، والمباحثة في أحكامه، وقال ابن عباس : يتلى فيها كتابه ﴿يسبح﴾ أي : يصلى ﴿له فيها بالغدو والآصال﴾ أي : بالغداة والعشي، قال أهل التفسير : أراد به الصلوات المفروضة، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين ؛ لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت، وقيل : أراد به الصبح والعصر ؛ قال صلى الله عليه وسلم :«من صلى البردين دخل الجنة » ؛ أراد صلاة الصبح وصلاة العصر، وقال ابن عباس : التسبيح بالغدو صلاة الضحى، وروى «من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى، لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين »، وقرأ ابن عامر وشعبة بفتح الباء الموحدة والباقون بكسرها.
النور 24:37
﴿رجال لا تلهيهم تجارة﴾ أي : معاملة رابحة، وقيل : المراد بالتجارة الشراء لقوله تعالى :﴿ولا بيع عن ذكر الله﴾ إطلاقاً لاسم الجنس على النوع كما تقول : رزق فلان تجارة صالحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء، وعلى الأول ذكر مبالغة للتعظيم والتعميم بعد التخصيص، وقيل : التجارة لأهل الجلب تقول تجر فلان في كذا أي : جلب.
تنبيه : قوله تعالى :﴿رجال﴾ فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل : من يسبحه وحذف من قوله تعالى :﴿وإقام الصلاة﴾ الهاء تخفيفاً أي : وإقامة الصلاة، وأراد أداءها في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وإنما ذكر إقام الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه تعالى أراد بإقامة الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر : أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فقام الناس وغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد ؛ قال ابن عمر : فيهم نزلت هذه الآية :﴿وإيتاء الزكاة﴾ قال ابن عباس : إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها أي : فيخرجون ما يجب إخراجه من المال للمستحقين، وقيل : هي الأعمال الصالحة ومع ما هم عليه ﴿يخافون يوماً﴾ هو يوم القيامة ﴿تتقلب﴾ أي : تضطرب ﴿فيه القلوب﴾ بين النجاة والهلاك ﴿والأبصار﴾ بين ناحيتي اليمين والشمال، وقيل : تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وتنفتح الأبصار من الأغطية.
النور 24:38
وقوله تعالى :﴿ليجزيهم الله﴾ متعلق بيسبح أو بلا تلهيهم، أو بيخافون ﴿أحسن ما عملوا﴾ في الطاعات فرضها ونقلها أي : ثوابه الموعود لهم، وأحسن بمعنى حسن ﴿ويزيدهم من فضله﴾ ما لم يستحقوه بأعمالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وقوله تعالى :﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان وكمال جوده فكأنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالله سبحانه وتعالى يعطيهم الثواب العظيم على طاعتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.
النور 24:39
وقوله تعالى :﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ أي : فحالهم على ضد ذلك، فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله تعالى يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كسراب وهو ما يرى في الغلاة وقت الضحى الأكبر شبيهاً بالماء الجاري، وهو ليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماءً جارياً، وقيل : هو الشعاع الذي يرى نصف النهار في شدّة الحر في البراري الذي يخيل للناظر أنه الماء السارب أي : الجاري، فإذا قرب منه انغش فلم يرَ شيئاً، وأما الآل فإنما يكون أول النهار كأنه ماء بين السماء والأرض، وقال البغوي : والآل ما ارتفع عن الأرض وهو شعاع يجري بين السماء والأرض بالغدوات شبه بالمرآة ترفع فيها الشخوص يرى فيها الصغير كبيراً، والقصير طويلاً والرقراق يكون بالعشاء وهو ما ترقرق من السراب أي : جاء وذهب، وقوله تعالى :﴿بقيعة﴾ جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام قاله في القاموس، وقيل : القيعة بمعنى القاع، وهو الأرض المستوية المنبسطة، وفيها يكون السراب، وقال الفراء : جمع قاع كجار وجيرة، وقال الفارسي : جمعه قيعة وقيعان ﴿يحسبه﴾ أي : يظنه ﴿الظمآن﴾ أي : العطشان الشديد العطش من ضعف العقل ﴿ماءً﴾ فيقصده ولا يزال سائراً ﴿حتى إذا جاءه﴾ أي : ما قدر أنه ماء، وقيل : جاء إلى موضع السراب ﴿لم يجده شيئاً﴾ مما حسبه ووجه التشبيه أن الذي جاء به الكافر إن كان من أفعال البر، فهو لا يستحق عليه ثواباً مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أن له ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه فيشبه حاله حال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في البر تعلق به قلبه، فإذا جاء له لم يجده شيئاً، فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده شيئاً ولا ينفعه، وقال مجاهد : السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا.
فإن قيل : قوله تعالى :﴿حتى إذا جاءه﴾ يدل على كونه شيئاً، وقوله تعالى : لم يجده شيئاً مناقض له ؟ أجيب : بأن معناه ﴿لم يجده شيئاً﴾ نافعاً كما يقال : فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد، أو أنه إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء ﴿ووجد الله عنده﴾ أي : ووجد عقاب الله الذي توعد به الكفار أو وجد زبانية الله، أو وجده محاسباً إياه أو قدم على الله ﴿فوفاه حسابه﴾ أي : جزاء عمله قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة فإنه قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر بالإسلام ؛ قال ابن الخازن : والأصح أن الآية عامة في حق جميع الكفار ﴿والله سريع الحساب﴾ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشغله محاسبة واحد عن واحد، وفي هذا رد على المشبهة قبحهم الله تعالى لأنه تعالى لو كان متكلماً بآلة كما يقولون لما صح ذلك.
النور 24:40
وقوله تعالى :﴿أو كظلمات﴾ عطف على كسراب على حذف مضاف واحد تقديره : أو كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف قوله تعالى :﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ [ النور، ٤٠ ] فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف، وهو قول أبي علي، وقال غيره على حذف مضافين تقديره أو كأعمال ذي ظلمات فقدر ذي ليصح عود الضمير إليه في قوله تعالى :﴿إذا أخرج يده﴾ وقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة، وأو للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع، فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن كانت قبيحة فكالظلمات أو للتقسيم باعتبار وقتين، فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة، وقوله تعالى :﴿في بحر لجي﴾ صفة لظلمات فيتعلق بمحذوف، واللجي منسوب إلى اللج، وهو معظم البحر، وقيل : منسوب إلى اللجة بالتاء، وهي أيضاً معظمه، فاللجي هو العميق الكثير الماء، وقوله تعالى :﴿يغشاه﴾ أي : يغطي هذا البحر ويعلوه ﴿موج﴾ كائن ﴿من فوقه موج﴾ أي : أمواج مترادفة متراكمة ﴿من فوقه﴾ أي : الموج الثاني المركوم، وقوله تعالى :﴿سحاب﴾ أي : غيم غطى النجوم وحجب أنوارها صفة أخرى لبحر، وقوله تعالى :﴿ظلمات﴾ أي : من البحر والموجين والسحاب خبر مبتدأ مضمر تقديره هذه ظلمات أو تلك ظلمات، ويجوز أن يكون ظلمات مبتدأ والجملة من قوله تعالى :﴿بعضها فوق بعض﴾ خبره، قاله الحوفي.
فإن قيل : لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة ؟ أجيب : بأنها موصوفة تقديراً ؛ أي : ظلمات كثيرة متكاثفة، وقرأ البزي سحاب بلا تنوين وجر ظلمات وقنبل ينون سحاب ويجر ظلمات، والبزي جعل الموج المتراكم بمنزلة السحاب، وأما قنبل : فإنه جعل ظلمات بدلاً من ظلمات الأولى والباقون بتنوين سحاب، وظلمات بالرفع فيهما ﴿إذا أخرج﴾ أي : الكافر في هذا البحر بدلالة المعنى، وإن لم يجرِ له ذكر ﴿يده﴾ وهي أقرب ما يرى إليه في هذه الظلمات ﴿لم يكد﴾ أي : الكائن فيه ﴿يراها﴾ أي : لم يقرب من رؤيتها فضلاً عن أن يراها كقول ذي الرمة :
إذا غير النأي ( أي : البعد وفي نسخة الهجر )المحبين لم يكد
رسيس الهوى ( أي : ثابته بمعنى الهوى الثابت ) من حب مية يبرح
أي : يزول، والمعنى لم يقرب من البراح فضلاً عن أن يبرح.
تنبيه : في كيفية هذا التشبيه وجوه ؛ أحدها : قال الحسن : إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمة ؛ ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب ؛ كذا الكافر له ظلمات ثلاثة : ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، ثانيها : قال ابن عباس : شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث، ثالثها : أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاثة شبه تلك الظلمات الثلاث، رابعها : قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، خامسها : أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه.
﴿ومن لم يجعل الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿له نوراً فما له من نور﴾، قال ابن عباس : من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً فلا دين له، وقيل : من لم يهده الله فلا هادي له ؛ لأنه تعالى قادر على ما يريد.
النور 24:41
ولما وصف تعالى أنوار القلوب قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد بقوله تعالى :﴿ألم ترَ﴾ أي : تعلم علماً يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي والاستدلال ﴿أن الله﴾ أي : الحائز لصفات الكمال ﴿يسبح له﴾ أي : ينزهه عن كل شائبة نقص ﴿من في السماوات والأرض﴾ لأن التسبيح لا يرى بالبصر بل يعلم بالقلب، وهذا استفهام والمراد به التقرير والبيان، وهذا التسبيح إما أن يكون المراد منه دلالته بخلق هذه الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص موصوفاً بنعوت الجلال، أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه، وفي حق الباقين النطق باللسان ؛ قال الرازي : والأول أقرب ؛ لأن القسم الثاني متعذر ؛ لأن في الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار، وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : إن من في السماوات وهم الملائكة يسبحون باللسان، وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان، ومنهم من يسبح على لسان الدلالة، فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً وهو غير جائز أي : عند أكثر العلماء فلم يبق إلا القسم الأول وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله تعالى وقدرته وإلهيته وتوحيده وعدله، فسمي ذلك تنزيهاً توسعاً.
فإن قيل : فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات، فما وجه تخصيصه هاهنا بالعقلاء ؟ أجيب : بأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه وتعالى ؛ لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر، وهي العقل والنطق والفهم، ولما كان أمر الطير دلالته أعجب، ولأنها قد تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من فيهما خصها بالذكر من جملة الحيوان بقوله تعالى :﴿والطير صافات﴾ أي : باسطات أجنحتها في جو السماء لا شبهة في أنه لا يمسكها إلا الله تعالى وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة وإقداره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته تعالى.
واختلف في عود الضمائر في قوله تعالى :﴿كل﴾ أي : من المخلوقات ﴿قد علم صلاته وتسبيحه﴾ على قولين أحدهما : أنها كلها عائدة على كل أي : كل قد علم هو صلاة نفسه وتسبيحها ؛ قال ابن عادل : وهذا أولى لتوافق الضمائر، ثانيهما : أن الضمير في علم عائد إلى الله تعالى وفي صلاته وتسبيحه عائد على كل ويدل عليه قوله تعالى :﴿والله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿عليم بما يفعلون﴾ وقيل : إن ضرب أجنحة الطير صلاته وتسبيحه، وهذا يؤيد أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه لا النطق باللسان روي أن أبا ثابت قال : كنت جالساً عند أبي جعفر الباقر فقال لي : أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال : لا، قال : فإنهن يقدسن الله ربهن ويسألنه قوت يومهن ؛ قال بعض العلماء : إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالاً لطيفة يعجز عنها كثير من العقلاء، فإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه، وبيان أنه تعالى ألهمها الأعمال اللطيفة بوجوه :
أحدها : أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاد يشمه ويتجسس نفسه، ويصعد الشجرة أخف صعود، ويهشم الجوز بين كفيه تفريقاً بالواحدة، وصدمة بالأخرى، ثم يفتح فاه فيذر قشره، ويتغذى به، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة.
ثانيها : أمر النحل وما لها من الرياسة، والبيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين.
ثالثها : انتقال الكركي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طالباً لما يوافقه من الأهوية، ويقال : من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي قاتله وقتاً ما، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال لها القطقاط، وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطائر تأذى من تلك الشوكة فيفتح فاه، فيخرج ذلك الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية سعتراً جبلياً، ثم تعود وقد عوفيت من ذلك، وحكي عن بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنها إلى بقلة تتناول منها ثم تعود، ولا تزال كذلك، وكان ذلك الشخص قاعداً في كن، وكانت البقلة قريبة من مسكنه، فلما اشتغل الحباري بالأفعى قلع البقلة، فعاد الحباري إلى منبتها فلم يجدها فأخذ يدور حول منبتها دوراناً متتابعاً حتى خرَّ ميتاً، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة هي الجرجير البري، وابن عرس يستظهر في مقاتلة الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية تنفر منها الأفعى، والكلاب إذا مرضت بطونها أكلت سنبل القمح، وإذا جرحت داوت الجراحة بالسعتر الجبلي.
رابعها : القنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب، فتغير المدخل إلى جحرها، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها، وينفع الناس بإنذاره، وكان السبب فيه قنفذاً في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به، والخطاف صناع في اتخاذ العش من الطين، وقطع الخشب، فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدراً من الطين، وإذا فرخ بالغ في تعهد الفراخ وتأخذ رزقها بمنقارها، وترميها من العش، والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يتبع به بعضها بعضاً، وإذا باتت على جبل فإنها تضع رأسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا سمع جرساً صاح، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضهاً بعضاً أمر عجيب، وإذا كشف عن بيوتها الساتر الذي كان يسترها، وكان تحته بيض لها، فإن كل نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت، والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان، والمقصود في ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال تلك الحيل وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال : إنها تسبح الله تعالى وتثني عليه، وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي تعرفها الناس، ويؤيد هذا قوله تعالى :﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [ الإسراء، ٤٤ ]، وقوله صلى الله عليه وسلم «إن نوحاً عليه السلام أوصى بنيه عند موته بلا إله إلا الله فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن في حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء، وقال الغزالي في الإحياء : روي «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تولت عني الدنيا، وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبها يرزقون ؛ قال : فقلت : وما هي يا رسول الله، قال : قل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله عز وجل من كل كلمة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه »،
النور 24:42
ثم نبه سبحانه وتعالى بقوله :﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب الوجود ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وفي قوله تعالى :﴿وإلى الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿المصير﴾ دليل على المعاد وأنه لا بد من مصير الكل إليه بعد الفناء.
النور 24:43
والرؤية في قوله تعالى :﴿ألم ترَ﴾ نظرية ﴿أن الله﴾ أي : ذا الجلال والجمال ﴿يزجي سحاباً﴾ أي : يسوقه برفق بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل وتارة من العلو ضعيفاً رقيقاً متفرقاً ؛ قال أبو حيان : وهو اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة، وهو معنى قوله تعالى :﴿ثم يؤلف بينه﴾ أي : بين أجزائه بعد أن كان قطعاً في جهات مختلفة، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة، ﴿ثم يجعله ركاماً﴾ في غاية العظمة متراكماً بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة ﴿فترى﴾ أي : في تلك الحالة المستمرة ﴿الودق﴾ أي : المطر ﴿يخرج من خلاله﴾ أي : من فتوقه التي حدثت بالتراكم وإرهاص بعضه في بعض.
فإن قيل : بين إنما تدخل على مثنى فما فوقه فلم دخلت هنا على مفرد ؟ أجيب : بأن المراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه أو على حذف مضاف أي : بين أجزائه كما مر وبين قطعه فإن كل قطعة سحابة، وقرأ السوسي فترى في الوصل بالإمالة بخلاف عنه والباقون بالفتح، وأما في الوقف فأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح، ﴿وينزل من السماء﴾ أي : من الغمام وكل ما علا فهو سماء ﴿من جبال فيها﴾ أي : في السماء وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال وقوله تعالى :﴿من برد﴾ بيان للجبال، والمفعول محذوف أي : ينزل مبتدئاً من السماء من جبال فيها من برد برداً، فمن الأولى : لابتداء الغاية باتفاق، والثانية : للتبعيض، والثالثة : للبيان، ويجوز أن تكون الثانية لابتداء الغاية أيضاً ومجرورها بدل من الأولى بإعادة العامل والتقدير وينزل من جبال أي : من جبال فيها فهو بدل اشتمال، والأخيرة للتبعيض واقع موقع المفعول.
فإن قيل : ما معنى ﴿من جبال فيها من برد﴾ ؟ أجيب : بأن فيه معنيين ؛ أحدهما : أن يخلق اللّه في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر وليس في العقل قاطع يمنعه، الثاني : أن يراد الكثرة بذكر الجبال كما يقال : فلان يملك جبالاً من ذهب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، ثم بيّن تعالى أن ذلك باختياره وإرادته بقوله تعالى :﴿فيصيب به﴾ أي : بكلٍ من البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة ﴿من يشاء﴾ أي من الناس وغيرهم ﴿ويصرفه عن من يشاء﴾ صرفه عنه :
فائدة : عن مقطوعة من من في الرسم، ثم نبه تعالى على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النور الذي ربما نزل منه صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار بقوله تعالى :﴿يكاد﴾ أي يقرب ﴿سنا﴾ أي ضوء ﴿برقه﴾ وهو اضطراب النور في خلاله ﴿يذهب﴾ أي هو ملتبساً ﴿بالأبصار﴾ أي الناظرة له أي يخطفها لشدّة لمعانه وتلألئه فتكون قوة البرق دليلاً على تكاثف السحاب وبشيراً بقوة المطر ونذيراً بنزول الصواعق، واعلم أن البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضدّ من الضدّ وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم.
النور 24:44
ثم ذكر تعالى ما هو أدل على الاختيار بقوله تعالى مترجماً لما يشمل ما مضى وزيادة :﴿يقلب الله﴾ أي الذي له الأمر كله بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاماً والنقص تارة والزيادة أخرى مع المطر تارة والصحو أخرى ﴿الليل والنهار﴾ فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والتنويع واليبس ما يبهر العقول، ولهذا قال منبهاً على النتيجة ﴿إن في ذلك﴾ الأمر العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم ﴿لعبرة﴾ أي دلالة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته، وتنزيهه عن الحاجة وما يفضي إليها ﴿لأولي الأبصار﴾ أي لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده.
النور 24:45
ولما استدل تعالى أولاً بأحوال السماء والأرض وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات بقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ﴿خلق كل دابة﴾ أي : حيوان ﴿من ماء﴾ وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف وكسر لام كل والباقون بفتح اللام والخاء ولا ألف بينهما ونصب لام كل.
فإن قيل : كثير من الحيوانات لم يخلق من الماء كالملائكة خلقوا من النور وهم أعظم الحيوانات عدداً، وكذا الجن وهم مخلوقون من النار وخلق آدم من التراب كما قال تعالى :﴿خلقه من تراب﴾ [ آل عمران، ٥٩ ] وخلق عيسى من الريح، كما قال تعالى :﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ [ التحريم، ١٢ ] ونرى كثيراً من الحيوانات يتوالد لا من نطفة ؟ أجيب : بوجوه ؛ أحسنها : ما قال القفال : إن من ماء صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى، ثانيها : إن أصل جميع المخلوقات من الماء على ما روي «أن أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم قسم ذلك الماء فخلق منه النار والهواء والنور والتراب »، والمقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة، فكان أصل الخلقة الماء، فلهذا ذكره الله تعالى، ثالثها : المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنها هنالك، فتخرج الملائكة والجن، رابعها : لما كان الغالب من هذه الحيوانات كونها مخلوقة من الماء إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء أطلق عليها لفظ كل تنزيلاً للغالب منزلة الكل.
فإن قيل : لم نكر الماء في قوله تعالى ﴿من ماء﴾ وعرفه في قوله تعالى ﴿من الماء كل شيء حي﴾ [ الأنبياء، ٣٠ ] ؟ أجيب : بأنه جاء هاهنا منكراً لأن المعنى خلق كل دابة من نوع من الماء مختصاً بتلك الدابة، وعرفه في قوله تعالى :﴿من الماء كل شيء حيّ﴾ ؛ لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بيان أن ذلك الجنس. ينقسم إلى أنواع كثيرة ﴿فمنهم﴾ أي : الدواب ﴿من يمشي على بطنه﴾. كالحية والحيتان والديدان واستعير المشي للزحف على البطن كما قالوا في الأمر المستمر : قد مشى هذا الأمر ويقال فلان ما مشى له أمر أو سمي بذلك للمشاكلة بذكر الزاحف مع الماشي ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ أي : فقط كالآدمي والطير ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ أي : من الأيدي والأرجل كالنعم والوحش فإن قيل : لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي، وقد نجد من يمشي على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب والحيوان الذي له أربع وأربعون رجلاً الذي يسمى دخال الأذن ؟ أجيب : بأن هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقاً بالعدم، وقال النقاش : إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر من أربع ؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوائم مشيه وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها وبأن قوله تعالى :﴿يخلق الله ما يشاء﴾ كالتنبيه على سائر الأقسام فإن قيل : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟.
أجيب : بأنه قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع.
تنبيه : إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصل بمن، وهو كل دابة وكان التعبير بمن أولى ليوافق اللفظ، ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر وكانوا منكرين له أكد ذلك بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له الكمال المطلق ﴿على كل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿قدير﴾ لأنه القادر على الكل والعالم بالكل، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها، وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ؛ بل هو الذي يخلق ما يشاء كيف يشاء، ولا يمنعه منه مانع.
النور 24:46
ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص وقامت أدلة الوحدانية على ساق واتسقت براهين الألوهية أيّ اتساق ؛ قال تعالى مترجماً لتلك الأدلة :﴿لقد أنزلنا﴾ أي : في هذه السورة وما تقدمها بما لنا من العظمة ﴿آيات﴾ أي : مما لنا من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال ﴿مبينات﴾ للحقائق بأنواع الدلائل التي لا خفاء فيها ﴿والله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿يهدي من يشاء﴾ من عباده ﴿إلى صراط﴾ طريق ﴿مستقيم﴾ هو دين الإسلام الموصل إلى دار الحق والفوز بالجنة.
النور 24:47
ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم لم يفعلوه بقلوبهم، فقال تعالى :﴿ويقولون﴾ أي : الذين ذمهم الله تعالى :﴿آمنا بالله﴾ أي : الذي أوضح لنا جلاله وعظمته وكماله ﴿وبالرسول﴾ أي : الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما قام عليها من الأدلة ﴿وأطعنا﴾ أي : وأوجدنا الطاعة لله ولرسوله، ثم عظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال تعالى :﴿ثم يتولى﴾ أي : يرتد بإنكار القلب، ويعرض عن طاعة الله ورسوله ضلالاً منهم عن الحق ﴿فريق منهم﴾ أي : ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ﴿من بعد ذلك﴾ أي : القول السديد المؤكد مع الله الذي هو أكبر من كل شيء، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق ﴿وما أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد ﴿بالمؤمنين﴾ أي : المعهودين الموافقة قلوبهم ألسنتهم فإن قيل : إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون : آمنا، ثم حكى عن فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم :﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ مع أن المتولي فريق ؟ أجيب : بأن قوله تعالى :﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، ولو رجع إلى الجملة الأولى لصح، ويكون معنى قوله تعالى :﴿ثم يتولى فريق منهم﴾ أي : يرجع عن هذا الفريق إلى الباقي، فيظهر بعضهم لبعض الرجوع كما أظهروه بينهم.
النور 24:48
ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم قبح عليهم ما أظهروه فقال تعالى معبراً بأداة التحقيق :﴿وإذا دعوا﴾ أي : الفريق الذين ادعوا الإيمان من أيّ داعٍ كان ﴿إلى الله﴾ أي : إلى ما نصب الملك الأعظم من أحكامه ﴿ورسوله﴾ وأفرد الضمير في قوله تعالى :﴿ليحكم﴾ وقد تقدمه اسمان وهما الله ورسوله، فهو كقوله تعالى :﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [ التوبة، ٦٢ ] ؛ لأن حكم رسوله هو حكمه. قال الزمخشري : كقولك : أعجبني زيد وكرمه، تريد كرم زيد ومنه قوله :
ومنهل من الفلا في أوسطه؍ غلسته قبل القطا خرّطه؍
أي : قبل فرط القطا ﴿بينهم﴾ أي : بما أراه الله ﴿إذا فريق منهم﴾ أي : ناس مجبولون على الأذى ﴿معرضون﴾ أي : فاجؤوا الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه.
النور 24:49
﴿وإن يكن لهم﴾ أي : على سبيل الفرض ﴿الحق﴾ أي : بلا شبهة ﴿يأتوا إليه﴾ أي : الرسول ﴿مذعنين﴾ أي : منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم لأنهم يعلمون أنه دائر مع الحق لهم وعليهم، فليس انقيادهم لطاعة الله ورسوله.
تنبيه : قوله تعالى :﴿إليه﴾ يجوز تعليقه بيأتوا لأن أتى وجاء قد يتعديان بإلى، ويجوز أن يتعلق بمذعنين ؛ لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة، وصححه الزمخشري قال : لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص ومذعنين حال.
النور 24:50
ثم قسم تعالى الأمر في عدولهم عن حكومته صلى الله عليه وسلم إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب بقوله تعالى :﴿أفي قلوبهم مرض﴾ أي : نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال، أو مرتابين في نبوته بقوله تعالى :﴿أم ارتابوا﴾ أي : بأن رأوا منك تهمة فزالت ثقتهم ويقينهم بك أو خائفين الحيف في قضائه بقوله تعالى :﴿أم يخافون أن يحيف﴾ أي : يجور ﴿الله﴾ أي : الغني عن كل شيء لأن له كل شيء ﴿عليهم ورسوله﴾ أي : الذي لا ينطق عن الهوى، ثم أضرب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول بقوله تعالى :﴿بل أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿هم الظالمون﴾ أي : الكاملون في الظلم، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني : إما أن يكون محققاً عندهم أو متوقعاً، وكل منهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته تمنعه فتعين الأول فظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم فإن قيل : إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدنيا، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض والكل واحد فأي فائدة في التعديد ؟
أجيب : بأن قوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض﴾ أشار به إلى النفاق، وقوله تعالى :﴿أم ارتابوا﴾ إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا حيث يتركون الدين بسببه فإن قيل : هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة أم ؟ أجييب بأنه تعالى نبههم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق وكان فيها شك وارتياب وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال مقاتل : نزلت في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض، فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق : نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمداً يحيف علينا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد مضت قصتها في سورة النساء.
وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي رضي الله تعالى عنه أرض تقاسماها فوقع إلى علي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال المغيرة : بعني أرضك فباعه إياها وتقابضا، فقيل للمغيرة : أخذت سبخة لا ينالها الماء، فقال لعلي : اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها، فقال علي : بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة : أما محمد فلا نأتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ، فنزلت الآية.
وقال الحسن : نزلت في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.
النور 24:51
ولما نفى تعالى عنهم الإيمان الكامل بما وصفهم به كان كأنه سئل عن حال المؤمنين، فقال تعالى :﴿إنما كان﴾ أي : دائماً ﴿قول المؤمنين﴾ أي : العريقين في ذلك الوصف ﴿إذا دعوا﴾ أي : من أي داع كان ﴿إلى الله﴾ أي : إلى ما أنزل الملك الذي لا كفء له من أحكامه ﴿ورسوله﴾ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿ليحكم﴾ أي : الرسول ﴿بينهم﴾ بما أراه الله تعالى أي حكومة من الحكومات لهم أو عليهم ﴿أن يقولوا سمعنا﴾ أي : الدعاء ﴿وأطعنا﴾ أي : بالإجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وهذا ليس على طريق الخبر ولكنه تعليم أدب الشرع بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا هكذا ﴿وأولئك﴾ أي : العالوا الرتبة ﴿هم المفلحون﴾ الذين وصفهم الله تعالى في أول المؤمنين، وهذا يدل على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي.
النور 24:52
ولما رتب تعالى الفلاح على هذا النوع الخاص أتبعه عموم الطاعة بقوله تعالى :﴿ومن يطع الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿ورسوله﴾ أي : فيما ساءه وسره ﴿ويخش الله﴾ أي : فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ليحمله ذلك على كل خير ﴿ويتقه﴾ أي : الله فيما بقي من عمره بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية من المباحات فيتركها ورعاً ﴿فأولئك﴾ أي : العالوا الرتبة ﴿هم الفائزون﴾ بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم، وعن ابن عباس في تفسير هذه الآية ومن يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه ويخش الله على ما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل، وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت عليه هذه الآية.
وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد ويتقه بسكون الهاء بخلاف عن خلاد وقالون باختلاس كسرة الهاء وحفص بسكون القاف، وقصر كسرة الهاء، والباقون وخلاد في أحد وجهيه بإشباع كسرة الهاء.
النور 24:53
ولما ذكر تعالى ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن ذكر حال المنافقين بقوله تعالى :﴿وأقسموا بالله﴾ أي : الذي له الكمال المطلق، وقوله تعالى :﴿جهد أيمانهم﴾ مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها، وعن ابن عباس : من قال بالله فقد بالغ في اليمين، وبلغ غاية شدتها ﴿لئن أمرتهم﴾ أي : أمر من الأمور ﴿ليخرجن﴾ مما هم متلبسون به من خلافه كائناً ما كان، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال الله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿لا تقسموا﴾ أي : لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام، وهاهنا قد تم الكلام، ولو كان قسمهم صادقاً لما نهوا عنه ؛ لأن من حلف على القيام بالبر لا ينهى عنه، فثبت أن قسمهم كان لنفاقهم، وكان باطنهم يخالف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح ؛ قال المتنبي :
وفي اليمين على ما أنت واعده؍ ما دل أنك في الميعاد متهم؍
وفي رفع قوله تعالى :﴿طاعة معروفة﴾ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره أمرنا طاعة أو المطلوب طاعة، ثانيها : أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي : أمثل أو أولى أو خير أي : طاعة معروفة للنبي صلى الله عليه وسلم خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه، ثالثها : طاعة مبتدأ أي : هذه الحقيقة ومعروفة هو الخبر أي : معروفة منكم ومن غيركم وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها ؛ لأن العموم الذي تصلح له قد تخصص بإرادة الحقيقة كما قالوه في أعرف المعارف.
والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها عل شمائله، وكذا المعصية ؛ لأنه «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها » رواه الطبراني عن عثمان، وعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال : لو أن رجلاً دخل بيتاً في جوف بيت فأدى هناك عملاً أوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل عمل عملاً إلا كساه الله رداء عمله إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، وعن سعيد : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لخرج عمله للناس كائناً من كان ﴿إن الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿خبير بما تعملون﴾ أي : لا يخفى عليه شيء من سرائركم فإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم.
النور 24:54
ولما نبه الله تعالى على خداعهم، وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم أمر بترغيبهم وترهيبهم مشيراً إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿أطيعوا الله﴾ أي : الذي له الكمال المطلق ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي : الذي له الرسالة المطلقة ظاهراً وباطناً، وقوله تعالى :﴿فإن تولوا﴾ أي : عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم أي : فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم ﴿فإنما عليه﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ما حمل﴾ أي : ما حمله الله تعالى من أداء الرسالة، وإذا أدّى فقد خرج من عهدة التكليف ﴿وعليكم﴾ أي : وأما أنتم فعليكم ﴿ما حملتم﴾ أي : ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضر عائد إليكم ﴿وإن تطيعوه﴾ بالإقبال على كل ما يأمركم به ﴿تهتدوا﴾ أي : إلى كل خير ﴿وما على الرسول﴾ أي : من جهة غيره ﴿إلا البلاغ﴾ أي : وما الرسول إلا ناصح وهاد، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفع في قبولكم، ولا عليه ضرر في توليتكم، والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية، ومعنى ﴿المبين﴾ كونه مقروناً بالآيات والمعجزات. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال على المنبر :«من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب »، وقال أبو أمامة الباهلي : عليكم بالسواد الأعظم، فقال رجل : ما السواد الأعظم ؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم.
النور 24:55
وقوله تعالى :﴿وعد الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿الذين آمنوا منكم وعملوا﴾ أي : تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة أو له ولمن معه ومن للبيان، ثم أكد غاية التأكيد بلام القسم لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك بقوله تعالى :﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾ أي : أرض العرب والعجم بأن يمد زمانهم وينفذ أحكامهم، فيجعلهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم ﴿كما استحلف الذين من قبلهم﴾ أي : من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وكما قال موسى عليه السلام : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقرأ أبو بكر بضم التاء الفوقية وكسر اللام، والباقون بفتح التاء واللام ﴿وليمكنن لهم﴾ أي : في الباطن والظاهر ﴿دينهم الذي ارتضى لهم﴾ وهو دين الإسلام، وتمكينه تثبيته وتوكيده، وأضافه إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه، وأنه الذي لا ينسخ، ولما بشرهم بالتمكين أشار لهم إلى مقداره بقوله تعالى :﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم﴾ أي : الذي كانوا عليه ﴿أمنا﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فقال صلى الله عليه وسلم «لا تصبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس فيه حديدة » وأنجز الله تعالى وعده وأظفرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعض بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا واستعبدوا أبناء القياصرة وتمكنوا شرقاً وغرباً مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها »، ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه وخرجوا على عليّ ثم ابنه الحسن نزع الله ذلك الأمر كما أشير إليه بمن، وتنكير أمنا، وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلاً قليلاً إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم، وذلك تصديق لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام :«الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يملك الله من يشاء، فتصير ملكاً ثم تصير بزيزي قطع سبيل وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها »، والثلاثون : خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشرة، وخلافة عثمان اثنا عشر، وخلافة علي ستة، والبِزَّيزي بكسر الباء وتشديد الزاي الأولى، والقصر السلب والتغلب، وقوله : قطع سبيل إما عطف بيان لقوله : نصب بِزَّيزي، أو بدل منه، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بسكون الباء الموحدة وتخفيف الدال، والباقون بفتح الموحدة وتشديد الدال، ثم أتبع ذلك بنتيجته بقوله تعالى تعليلاً للتمكين وما معه ﴿يعبدونني﴾ أي : وحدي، وقوله تعالى :﴿لا يشركون بي شيئاً﴾ حال من الواو أي : يعبدونني غير مشركين فإن قيل : فما محل يعبدونني ؟ أجيب : بأنه مستأنف لا محل له كأن قائلاً قال ما لهم مستخلفين ويؤمنون ؟ فقال : يعبدونني ويجوز أن يكون حالاً عن وعدهم أي : وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلافهم فمحله النصب، ولما كان التقدير فمن ثبت على دين الإسلام وانقاد لأحكامه واستقام، نال هذه البشرى عطف عليه قوله تعالى :﴿ومن كفر﴾ أي : ارتد وكفر هذه النعمة ﴿بعد ذلك﴾ أي : بعد الوعد أو الخلافة ﴿فأولئك﴾ أي : البعداء من الخير ﴿هم الفاسقون﴾ أي : الخارجون عن الدين خروجاً كاملاً لا يقبل معه معذرة، ولا يقال لصاحبه عثرة، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى منهم ملام ولا تؤخذ بهم رأفة عند انتقام كما تقدم أول السورة فيمن لزمه الجلد، وقيل : المراد بالكفر كفران النعمة لا الكفر بالله، وقوله تعالى :﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ أي : العاصون لله.
النور 24:56
وقوله تعالى : وأقيموا الصلاة } أي : فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم معطوف على أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ؛ قال الزمخشري : وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال ؛ لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ﴿وآتوا الزكاة﴾ فإنها نظام ما بينكم وبين إخوانكم ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي : في كل حال يأمركم به، وكررت طاعة الرسول تأكيداً لوجوبها ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي : لتكونوا على رجاء من الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره.
النور 24:57
والفاعل في قوله تعالى :﴿لا تحسبن﴾ ضمير المخاطب أي : لا تحسبن أيها المخاطب ﴿الذين كفروا﴾ أي : وإن ازدادت كثرتهم على العدِّ وتجاوزت عظمتهم الحدّ ﴿معجزين﴾ أي : لأهل ودنا، وقيل : لنا ﴿في الأرض﴾ أي : فإنهم مأخوذون لا محالة، وقرأ ابن عامر وحمزة، بالياء على الغيبة قال النحاس : ما علمت أحداً من أهل العربية بصرياً ولا كوفياً إلا وهو يلحن قراءة حمزة فمنهم من يقول : هي لحن ؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن، وأجيب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن المفعول الأول محذوف تقديره : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين إلا أن حذف أحد المفعولين ضعيف عند البصريين، ومنه قول عنترة :
ولقد نزلت فلا تظني غيره؍ مني بمنزلة المحب المكرم؍
أي : فلا تظني غيره واقعاً.
والثاني : أن المفعولين هما قوله :﴿معجزين في الأرض﴾ قاله الكوفيون، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب، وفتح السين ابن عامر وعاصم وحمزة، وكسرها الباقون، وقوله تعالى :﴿ومأواهم النار﴾ أي : مسكنهم معطوف على لا تحسبن الذين كفروا معجزين، كأنه قيل : الذين كفروا لا يفوتون أهل ودنا أو لا يفوتوننا ومأواهم النار المراد بهم المقسمون عليه بالله جهد أيمانهم، ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد المصير إليه، قال تعالى :﴿ولبئس المصير﴾ أي : المرجع مصيرها، فكيف إذا كان على وجه السكنى ؟
النور 24:58
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ الآية، فقال ابن عباس : وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً من الأنصار يقال له : مدلج بن عمرو إلى عمر رضي الله تعالى عنه وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فنزلت.
وقال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت فكرهته فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فنزلت، واللام في ﴿ليستأذنكم﴾ للأمر، وملك اليمين يشمل العبيد والإماء.
قال بعض المفسرين : هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال والنساء ؛ لأن التذكير يغلب على التأنيث قال الرازي : والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي ؛ لأن النساء في باب العورة أشد حالاً من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف، وقال ابن عباس : هي في الرجال والنساء أي : البالغين أو من قاربوا البلوغ يستأذنون على كل حال في الليل والنهار للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم، واختلف العلماء في هذا الأمر فقيل : للندب، وقيل : للوجوب، واستظهر ﴿والذين﴾ أي : وليستأذنكم الذين ظهروا على عورات النساء، ولكنهم ﴿لم يبلغوا الحلم﴾ وقيده بقوله تعالى :﴿منكم﴾ ليخرج الكفار والأرقاء، وعبر عن البلوغ بالاحتلام ؛ لأنه أقوى دلائله ﴿ثلاث مرات﴾ في اليوم والليلة، وقيل : ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم المرّة الأولى من الأوقات الثلاث ﴿من قبل صلاة الفجر﴾ ؛ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم ﴿و﴾ المرّة الثانية ﴿حين تضعون ثيابكم﴾ أي : التي للخروج بين الناس ﴿من الظهيرة﴾ أي : شدة الحرّ، وهو انتصاف النهار ﴿و﴾ المرّة الثالثة ﴿من بعد صلاة العشاء﴾ ؛ لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة والاتصال بثياب النوم، وخص هذه الأوقات ؛ لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب والالتحاف باللحاف، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه ؛ لأنه غير منضبط، ثم علل بقوله تعالى :﴿ثلاث عورات﴾ أي : اختلالات في التستر والتحفظ ﴿لكم﴾ ؛ لأنها من ساعات وضع الثياب والخلوة ؛ قال البيضاوي : وأصل العورة الخلل، ومنها اعورَّ المكان، ورجل أعور إذا بدا فيه خلل انتهى.
وسميت هذه الأوقات عورات ؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فربما تبدو عورته، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي في الوصل ثلاث بالنصب بتقدير أوقات منصوباً بدل من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، والباقون بالرفع على أنها خبر مبتدأ مقدر بعده مضاف، وقام المضاف إليه مقامه أي : هي أوقات، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده، ثم بين سبحانه وتعالى حكم ما عدا ذلك بقوله تعالى مستأنفاً ﴿ليس عليكم﴾ أي : في ترك الأمر ﴿ولا عليهم﴾ أي : المماليك والصبيان في ترك الاستئذان ﴿جناح﴾ أي : إثم وأصله الميل في الدخول عليكم في جميع الساعات ﴿بعدهن﴾ أي : بعد هذه الأوقات الثلاثة إذا هجموا عليكم، ثم علل الإباحة في غيرها مخرجاً لغيرهم بقوله تعالى :﴿طوّافون عليكم﴾ أي : لعمل ما تحتاجون في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام ﴿بعضكم﴾ طوّاف ﴿على بعض﴾ لعمل يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج.
فإن قيل : بما رفع ﴿بعضكم على بعض﴾ ؟ أجيب : بأنه رفع بالابتداء وخبره على بعض أي : طوّاف على بعض، وحذف ؛ لأنّ طوافون يدل عليه، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمراً لتلك الدلالة ﴿كذلك﴾ أي : كما بين ما ذكر ﴿يبين الله﴾ أي : بما له من إحاطة العلم والقدرة ﴿لكم﴾ أيتها الأمة ﴿الآيات﴾ في الأحكام وغيرها بعلمه وحكمته ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة العامة بكل شيء ﴿عليم﴾ بكل شيء ﴿حكيم﴾ فيما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ، واختلف في ذلك فقال الزمخشري : عن ابن عباس أنه قال : آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الأذن، وإني لآمر جاريتي أي : زوجتي أن تستأذن علي، وسأله عطاء : أستأذن على أختي ؟ قال : نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية، وعنه ثلاث آيات جحدهنّ الناس ؛ الإذن كله، وقوله تعالى :﴿إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم﴾ [ الحجرات، ١٣ ] فقال الناس : أعظمكم بيتاً، وقوله :﴿وإذا حضر القسمة﴾ [ النساء، ٨ ]، وعن ابن مسعود : عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم، وعن الشعبي : ليست منسوخة، فقيل له : إن الناس لا يعملون بها، فقال : الله المستعان، وعن سعيد بن جبير : إن الناس يقولون : هي منسوخة والله ما هي منسوخة، ولكن الناس تهاونوا بها، وقال قوم : هي منسوخة. روى البغوي عن ابن عباس أنه قال : لم يكن للقوم ستر، ولا حجاب فكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور، فلعل الرواية اختلفت عن ابن عباس.
النور 24:59
ولما بيّن تعالى حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خبر أتبعه حكم البالغين من الأحرار بقوله تعالى :﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ أي : إذا بلغ أطفالكم الأحرار بلوغ السن الذي يكون فيه إنزال المني سواء رأى منياً أم لا، واختلف في ذلك السن، فقال عامة العلماء : هو خمس عشرة سنة، أي : قمرية تحديدية لا فرق في ذلك بين الذكر وغيره، وقال أبو حنيفة : هو ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة سنة في الجارية، وعن علي رضي الله عنه : أنه تعتبر القامة وتقدر بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله :
ما زال مذ عقدت يداه إزاره؍ وسما فأدرك خمسة الأشبار؍
واعتبر غيره الإنبات أي : للعانة، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سأل عن غلام له فقال : هل اخضر إزاره، أي : نبت شعر عانته ؟ فأسند الاخضرار إلى الإزار على المجاز، ولأنه مما اشتمل عليه الإزار، ونبات العانة الخشن عندنا علامة على بلوغ ولد الكافر فقط أما إذا رأى المني في وقت إمكانه وهو استكمال تسع سنين قمرية فإنا نحكم ببلوغه سواء كان ذكراً أم أنثى مسلماً أم كافراً، وأما الخنثى فلا بدّ أن يمني من فرجيه أو يحيض بالفرج، ويمني من الذكر ﴿فليستأذنوا﴾ أي : على غيرهم في جميع الأوقات ﴿كما استأذن الذين من قبلهم﴾ أي : من الأحرار الكبار الذين جعلوا قسيماً للمماليك، فلا يدخل في ذلك الأرقاء، فلا يستدل بذلك على أن العبد البالغ يستأذن على سيدته، وقيل : المراد الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ﴿كذلك﴾ أي : كما بين لكم ما ذكر ﴿يبين الله﴾ أي : الذي له الإحاطة والقدرة ﴿لكم﴾أيتها الأمة ﴿آياته﴾ أي : دلالاته ﴿والله﴾ أي : الذي يعلم السر وأخفى ﴿عليم﴾ أي : بأحوال خلقه ﴿حكيم﴾ أي : فيما دبر لهم، قال سعيد بن المسيب : يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك، وسئل حذيفة : أيستأذن الرجل على والدته ؟ فقال : نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره، وعن أنس قال : لما كانت صبيحة يوم احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أني قد احتلمت، فقال :«لا تدخل على النساء فما أتى علي يوم كان أشد منه ».
النور 24:60
ولما ذكر تعالى إقبال الشباب في تعيين حكم الحجاب أتبعه الحكم عند إدبار الشباب في اتقاء الظاهر من الشباب بقوله تعالى :﴿والقواعد من النساء﴾ أي : اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر، فلا يلدن ولا يحضن، واحدتهن قاعد بلا هاء، وقيل : قعدن عن الأزواج وهو معنى قوله :﴿اللاتي لا يرجون نكاحاً﴾ أي : لا يردن الرجال لكبرهن، قال ابن منبه : سميت المرأة قاعداً إذا كبرت ؛ لأنها تكثر القعود، وقال ربيعة : هن العجز اللواتي إذا رآهن الرجل استقذرهن، فأما من كان فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية ﴿فليس عليهن جناح﴾ أي : حرج في ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ أي : الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال كالجلباب والرداء والقناع فوق الخمار، أما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي : من غير أن يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن، ثم إن الزينة الخفية في قوله تعالى :﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ [ النور، ٣٠ ] أو غير قاصدات بالوضع التبرج، والتبرج هو أن تظهر المرأة محاسن ما ينبغي لها أن تستره، ولما ذكر الله تعالى الجائز عقبه بالمستحب بعثاً منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها بقوله تعالى :﴿وأن يستعففن﴾ أي : فلا يلقين الرداء أو الجلباب ﴿خير لهن﴾ من الإلقاء كقوله تعالى :﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [ البقرة، ٢٣٧ ]، ﴿وأن تصدقوا﴾ لأنه أبعد عن التهمة ﴿والله﴾ أي : الذي جلت عظمته ﴿سميع﴾ لقولكم ﴿عليم﴾ بما في قلوبكم.
النور 24:61
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿ليس على الأعمى حرج﴾ أي : في مؤاكلة غيره ﴿ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ كذلك، فقال ابن عباس لما أنزل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [ النساء، ٢٩ ] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمني والعمى والعرج، وقالوا : الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي من الطعام حقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلى هذا تكون على بمعنى في ؛ أي : ليس في الأعمى أي : ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج.
وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما : كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ؛ لأن الناس يستقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، وعن عكرمة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، وكان هؤلاء يقولون : الأعمى ربما أكل أكثر، وربما سبقت يده إلى ما سبقت عين آكليه إليه، وهو لا يشعر، والأعرج ربما أخذ في مجلسه مكان اثنين فيضيق على جليسه، و المريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو نحو ذلك فنزلت، وقال مجاهد : نزلت الآية ترخيصاً لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون محل الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيت أبيه وبيت أمه، وبعض من سمى الله تعالى في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من هذا الطعام ويقولون : ذهب بنا إلى بيت غيره فنزلت الآية.
وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا غزوا غلقوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون : لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله تعالى هذه الآية رخصة لهم، وقال الحسن : نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال : تم الكلام عند قوله تعالى :﴿ولا على المريض حرج﴾، وقوله تعالى :﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا في بيوتكم﴾ كلام مستأنف منقطع عما قبله فإن قيل : أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعاماً في بيته ؟ أجيب : بأن المراد من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيه بيوت الأولاد ؛ لأن بيت ولده كبيته ؛ قال صلى الله عليه وسلم «أنت ومالك لأبيك »، وقال صلى الله عليه وسلم «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه »، وقيل لما نزل قوله تعالى :﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [ النساء، ٢٩ ] قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله تعالى :﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم ﴿أو بيوت آبائكم﴾ أي : وإن بعدت أنسابهم قال البقاعي : ولعله جمع لذلك فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم ﴿أو بيوت أمهاتكم﴾ كذلك وقدم الأب ؛ لأنه أجل وهو حاكم بيته دائماً والمال له ﴿أو بيوت إخوانكم﴾ أي : من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ؛ لأنهم منكم، وهم أولياء بيوتهم ﴿أو بيوت أخواتكم﴾، فإنهن بعدهم من أولي البيت، فإن كن مزوجات فلا بد من إذن الزوج ﴿أو بيوت أعمامكم﴾ فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أم لأم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط، فإنه أحق بالاسم ﴿أو بيوت عماتكم﴾ فإنهن بعد الأعمام لضعفهن ؛ ولأنهن ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج ﴿أو بيوت أخوالكم﴾ لأنهم شقائق أمهاتكم ﴿أو بيوت خالاتكم﴾ أخرهن لما ذكر في العمات ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ قال ابن عباس : عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر، وملك المفاتح كونها في يده وحفظه، وقال الضحاك : يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم ؛ لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتح الخزائن بقوله تعالى :﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ [ الأنعام، ٥٩ ] ويجوز أن تكون الذي يفتح به، وقال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، وقال السدي : الرجل يولي طعام غيره ويقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه، وقيل : أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم، وقال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما ادخرتم وملكتم ﴿أو صديقكم﴾ أي : أو بيوت أصدقائكم، والصديق هو الذي صدق في المودة ويكون واحداً وجمعاً، وكذا الخليط والقطين والعدو قال ابن عباس : نزلت في الحرث بن عمرو خرج غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال : تحرجت أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية. يحكى عن الحسن أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص ولطائف الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال : هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها، فأخبرته أعتقها سروراً بذلك، وعن جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى في الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ.
وعن ابن عباس : الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا :﴿فمالنا من شافعين ١٠٠ ولا صديق حميم﴾ [ الشعراء، ١٠١ ]، والمعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ظاهرة الحال، فإن ذلك يقوم مقام الإذن الصريح، ولذلك خصص هؤلاء فإنهم يعتادون التبسط بينهم وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه، فإن قيل : إذا كان ذلك لا بد فيه من العلم بالرضا فحينئذٍ لا فرق بينهم وبين غيرهم ؟ أجيب : بأن هؤلاء يكفي فيهم أدنى قرينة بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم لا بد فيه من صريح الإذن أو قرينة قوية، هذا ما ظهر لي ولم أرَ من تعرض لذلك، وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والأكل من طعامه بغير إذنه لهذه الآية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع ؛ لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم.
فإن قيل : فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه ؟ أجيب : بأن من سرق من ماله لا يكون صديقاً له، وقيل : إن هذا كان أول الإسلام ثم نسخ فلا دليل له فيه، وقرأ بيوتكم وبيوت وبيوتاً ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بالكسر، وقرأ حمزة والكسائي أمهاتكم في الوصول بكسر الهمزة، والباقون بالضم، وكسر الميم حمزة، وفتحها الباقون.
ولما ذكر تعالى معدن الأكل ذكر حاله بقوله تعالى :﴿ليس عليكم جناح﴾ أي : إثم ﴿أن تأكلوا جميعاً﴾ أي : مجتمعين ﴿أو أشتاتاً﴾ أي : متفرقين، واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال الأكثرون : نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، وقال عطاء عن ابن عباس : كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته، فيدعوه إلى طعامه، فيقول : والله إني لأجنح أي : أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية، وقال عكرمة وأبو صالح : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاؤوا مجتمعين أو أشتاتاً متفرقين، وقال الكلبي : كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً وحده، وكذلك الزمن والمريض، فبين الله تعالى لهم أن ذلك غير واجب، وقيل : تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض.
تنبيه :﴿جميعاً﴾ حال من فاعل تأكلوا، وأشتاتاً عطف عليه وهو جمع شتت، وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت، روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا نأكل ولا نشبع، قال :«فلعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه »، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«كلوا جميعاً ولا تفرقوا واذكروا اسم الله فإن البركة مع الجماعة ».
ولما بين تعالى مواطن الأكل وكيفيته ذكر الحال التي عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها بقوله تعالى :﴿فإذا دخلتم﴾ أي : بسبب ذلك أو غيره ﴿بيوتاً﴾ أي : من هذه البيوت ﴿فسلموا على أنفسكم﴾أي : على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة، جعل أنفس المؤمنين كالنفس الواحدة كقوله تعالى :﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [ النساء، ٢٩ ]
وقال ابن عباس : إذا لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، حدثنا أن الملائكة ترد عليه ﴿تحية من عند الله﴾ أي : ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ﴿مباركة﴾ أي : لأنه يرجى بها زيادة الخير والثواب ﴿طيبة﴾ أي : تطيب بها نفس المستمع، والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب ؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله تعالى زيادة الخير وطيب الرزق، وعن أنس قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وقيل : تسع سنين، فما قال لي لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا قال لي لشيء تركته : لم تركته ؟ وكنت واقفاً على رأسه أصب الماء على يديه، فرفع رأسه فقال :«ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها » قلت : بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال :«متى لقيت من أمتي أحداً فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلِّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين ».
تنبيه : تحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا، فهو من باب قعدت جلوساً فكأنه قال : فحيوا تحية، وقال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة، فليقل : السلام على من اتبع الهدى، وكرر قوله تعالى :﴿كذلك يبين الله﴾ أي : الذي أحاط علمه بكل شيء ﴿لكم الآيات﴾ ثالثاً لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به، وفصل الأولين بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه، فقال تعالى :﴿لعلكم تعقلون﴾ أي : عن الله أمره ونهيه وأدبه.
النور 24:62
ولما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان قال تعالى :﴿إنما المؤمنون﴾ أي : الكاملون في الإيمان ﴿الذين آمنوا بالله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿ورسوله﴾ أي : ظاهراً وباطناً ﴿وإذا كانوا معه﴾ أي : الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿على أمر جامع﴾ أي : يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة أو من الإسناد المجازي ؛ لأنه لما كان سبباً في جمعهم نسب الفعل إليه مجازاً ﴿لم يذهبوا﴾ أي : يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له لعذر لهم ﴿حتى يستأذنوه﴾ قال الكلبي : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين، ويعيبهم فينظر المنافقون يميناً وشمالاً فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد لبثوا وصلوا خوفاً، فنزلت هذه الآية، فكان المؤمن بعد نزولها لا يخرج لحاجة حتى يستأذن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن، قال مجاهد : إن إذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال أهل العلم : كذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، فإن حدث سبب يمنعه عن المقام كأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة أو يجنب الرجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان، ولما كان اعتبار الإذن كالمصدق لصحة كمال الإيمان، والمميز للمخلص فيه أعاده مؤكداً على أسلوب أبلغ بقوله تعالى :﴿إن الذين يستأذنونك﴾ أي : تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿الذين يؤمنون بالله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿ورسوله﴾ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك، ولما نص على الاستئذان تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما يفعل إذ ذاك بقوله تعالى :﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم﴾ وهو ما تشتد الحاجة إليه، ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ بالانصراف أي : إن شئت فأذن، وإن شئت فلا تأذن، ففي ذلك تفويض الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل به على أن بعض الأحكام مفوّض إلى رأيه.
قال الضحاك ومقاتل : المراد عمر بن الخطاب وذلك «أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له وقال :" انطلق فوالله ما أنت بمنافق " يريد أن يسمع المنافقون ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا : ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل »، قال ابن عباس :«إن عمر استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم قال : يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك »، ولما كان في الاستئذان ولو لعذر قصور ؛ لأن فيه تقديماً لأمر الدنيا على أمر الدين أمره الله تعالى بأن يستغفر لهم بقوله تعالى :﴿واستغفر لهم الله﴾ أي : الذي له الأمر كله بعد الإذن ليكون ذلك شاملاً لمن صحت دعواه وغيره، ثم علل ذلك ترغيباً في الاستغفار وتطييباً لقلوب أهل الأوزار بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي لا يخفى عليه شيء ﴿غفور﴾ أي : لفرطات العباد ﴿رحيم﴾ أي : بالتستر عليهم.
النور 24:63
ولما أظهرت هذه السورة بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها من شرف الرسول ما أبهر العقول صرح بتفخيم شأنه وتعظيم مقامه بقوله تعالى :﴿لا تجعلوا﴾ أي : يا أيها الذين آمنوا ﴿دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ قال سعيد بن جبير وجماعة : معناه : لا تنادوه باسمه فتقولوا : يا محمد، ولا بكنيته فتقولوا : يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير، فقولوا : يا رسول الله يا نبي الله، وعلى هذا يكون المصدر مضافاً لمفعوله، وقال المبرد والقفال : لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض، فتتباطؤون عنه كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر بل يجب عليكم المبادرة لأمره، ويؤيده قوله تعالى :﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [ النور، ٦٣ ]، وعلى هذا يكون المصدر مضافاً للفاعل، وقال ابن عباس : احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، وروي عنه أيضاً : لا ترفعوا أصواتكم في دعائه، وهو المراد من قوله :﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله﴾ [ الحجرات، ٣ ]، وقول المبرد كما قال ابن عادل : أقرب إلى نظم الآية.
ولما كان بعضهم يظهر الموافقة ويبطن المخالفة حذر من ذلك بقوله تعالى :﴿قد يعلم الله﴾ أي : الذي لا تخفى عليه خافية ﴿الذين يتسللون منكم﴾ أي : ينسلون قليلاً قليلاً ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء، ونظير تسلل تدرج وتدخل، وقوله تعالى :﴿لواذاً﴾ حال أي : ملاوذين، واللواذ والملاوذة التستر يقال : لاذ فلان بكذا إذا استتر به، وقال ابن عباس : أي : يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة لا سيما في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار، وقد للتحقيق وتسبب عن علمه تعالى قوله تعالى :﴿فليحذر﴾ أي : يوقع الحذر ﴿الذين يخالفون عن أمره﴾ أي : يعرضون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصرفون عنه بغير إذنه، وقال أبو بكر الرازي : الضمير في أمره لله ؛ لأنه يليه، وقال الجلال المحلي : أي : الله ورسوله وكلٌ صحيح، فإن مخالفة أمر أحدهما مخالفة أمر الآخر ﴿أن﴾ أي : لئلا ﴿تصيبهم فتنة﴾ قال مجاهد : بلاء في الدنيا، وعن ابن عباس : فتنة قتل، وعن عطاء : زلازل وأهوال، وعن جعفر بن محمد : يسلط الله عليهم سلطاناً جائراً ﴿أو يصيبهم عذاب أليم﴾ أي : وجيع في الآخرة.
تنبيه : الآية تدل على أن الأمر للوجوب ؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
النور 24:64
ولما أقام تعالى الأدلة على أنه نور السماوات والأرض وختم بالتحذير لكل مخالف أنتج ذلك أن له كل شيء فقال تعالى :﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً، فإن قيل : ما فائدة ذكر عبيداً بعد ملكاً ؟ أجيب : عنه إنما ذكر لئلا يتوهم أن ما لما لا يعقل فقط، ولما كانت أحوالهم من جملة ما هو له، وإنها بخلقه قال تعالى :﴿قد يعلم ما أنتم﴾ أي : أيها المكلفون ﴿عليه﴾ أي : من الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق، وإنما أكد علمه بقد لتأكيد الوعيد، وذلك أنَّ قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قول بعضهم :
فإن تمس مهجور الفناء فربما؍ أقام به بعد الوفود وفود؍
ونحوه يقول زهير :
أخي ثقة لا تهلك الخمر؍ ماله ولكنه قد يهلك المال نائله؍
والمعنى : أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به تعالى فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها ؟ وقوله تعالى :﴿ويوم﴾ أي : ويعلم يوم ﴿يرجعون إليه﴾ فيه التفات عن الخطاب أي : متى تكون، أو ويوم يرجع المنافقون إليه للجزاء ﴿فينبئهم﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنه يخبرهم ﴿بما عملوا﴾ أي : من الخير والشر فيجازيهم عليه ﴿والله﴾ أي : الذي لا تخفى عليه خافية ﴿بكل شيء﴾ أي : من أعمالهم وغيرها ﴿عليم﴾.
الفرقان 25:1
﴿تبارك﴾ قال الزجاج : تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته، ومنه تبارك الله، وفيه معنيان : تزايد خيره وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وعن ابن عباس كأن معناه جاءنا بكل بركة وخير، وقال الضحاك : تبارك تعاظم، ولا يستعمل إلا لله تعالى ولا يتصرف فيه، ثم وصف ذاته الشريفة بما يدل على ذلك بقوله تعالى :﴿الذي نزل الفرقان﴾ أي : القرآن، والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل ولأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقاً مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال ؛ ألا ترى قوله تعالى :﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ )الإسراء، ١٠٦ ) ﴿على عبده﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف، وفي عود ضمير ﴿ليكون﴾ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه يعود على الذي نزل أي : ليكون الذي نزل الفرقان نذيراً.
الثاني : أنه يعود على الفرقان أي : ليكون الفرقان نذيراً، وأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله تعالى :﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ ( الإسراء، ٩ ) ؛ قال ابن عادل : وهو بعيد ؛ لأن المنذر والنذير في صفات الفاعل المخوف ووصف القرآن به مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى.
الثالث : أنه يعود على عبده أي : ليكون عبده محمد صلى الله عليه وسلم ﴿للعالمين نذيراً﴾ أي : وبشيراً، وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه والضمير يعود على أقرب مذكور، وللعالمين متعلق بنذيراً، وإنما قدّم لأجل الفواصل، ونذيراً بمعنى منذر أي : مخوف ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى :﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ ( القمر، ١٦ ).
تنبيه : المراد بالعالمين قال البقاعي : أي : المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة اه. ولكن في إرساله للملائكة خلاف بين العلماء، فقد نقل الجلال المحلي في شرحه على «جمع الجوامع » الإجماع على أنه لم يرسل إليهم، وغيره صرح بأنه أرسل إليهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
فإن قيل : قوله تعالى : تبارك يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور عقبه لا بد وأن يكون مبيناً لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق ذكره بهذا الموضع ؟ أجيب : بأن الإنذار يجري مجرى تأديب الوالد كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الوالد أكثر كان رجوع الخلق إلى الله تعالى أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتة.
الفرقان 25:2
وقوله تعالى :﴿الذي له ملك السماوات والأرض﴾ إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه وتعالى حال حدوثها، وأنه تعالى هو المتصرف فيها كيف يشاء، فلا إنكار أن يرسل رسولاً إلى كل من فيها.
تنبيه : يجوز في الذي الرفع نعتاً للذي الأول أو بياناً أو بدلاً، أو خبراً لمبتدأ محذوف والنصب على المدح، وما بعده يدل على أنه من تمام الصلة، فليس أجنبياً فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعاً له ﴿ولم يتخذ ولداً﴾ أي : هو الفرد أبداً ولا يصح أن يكون غيره تعالى معبوداً ووارثاً للملك عنه، وهذا رد على النصارى، ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ أي : هو المنفرد بالألوهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل من سواه تعالى ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه، وفيه ردّ على الوثنية القائلين بعبادة النجوم والأوثان، ولما نفى تعالى الشريك، فكأن قائلاً يقول : هاهنا أقوام يعترفون بنفي الشريك والشركاء والأنداد ومع ذلك يقولون : يخلق أفعال أنفسهم، فرد الله تعالى عليهم بقوله :﴿وخلق كل شيء﴾ أي : من شأنه أن يخلق ومنه أفعال العباد، والخلق هنا بمعنى الإحداث أي : أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية ﴿فقدره تقديراً﴾ أي : هيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة، وسمي إحداث الله خلقاً ؛ لأنه لا يحدث شيئاً لحكمة إلا على وجه التقدير من غير تفاوت.
فإذا قيل : خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدره تقديراً في إيجاده، ولم يوجده متفاوتاً، ولو حمل خلق كل شيء على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام : وقدر كل شيء فقدره، فلم يصر له كبير فائدة، وقيل : فجعل له غاية ومنتهى ومعناه : فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.
الفرقان 25:3
واختلف في عود الضمير في قوله تعالى :﴿واتخذوا من دونه﴾ أي : الله تعالى أي : غيره ﴿آلهة﴾ على ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه يعود على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين.
ثانيها : أنه يعود على من ادعى لله شريكاً وولداً لدلالة قوله تعالى :﴿ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك﴾.
ثالثها : أنه يعود على المنذرين لدلالة نذيراً عليهم، ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب من يعبد غيره من وجوه منها : أنها ليست خالقة للأشياء بقوله تعالى :﴿لا يخلقون شيئاً﴾ والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد، ومنها : أنها مخلوقة بقوله تعالى :﴿وهم يخلقون﴾ والمخلوق محتاج والإله يجب أن يكون غنياً، وغلب العقلاء على غيرهم ؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة، وغيرهم كالكواكب والأصنام التي ينحتونها ويصورونها، ومنها : أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً بقوله تعالى :﴿ولا يملكون﴾ أي : لا يستطيعون ﴿لأنفسهم ضراً﴾ أي : دفعه ﴿ولا نفعاً﴾ أي : جلبه ومن كان كذلك، فليس بإله، ومنها : أنها لا تقدر على موت ولا حياة ولا نشور بقوله تعالى :﴿ولا يملكون موتاً ولا حياة﴾ أي : إماتة لأحد وإحياء لأحد ﴿ولا نشوراً﴾ أي : بعثاً للأموات، فيجب أن يكون المعبود قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية.
تنبيه : احتج أهل السنة بقوله تعالى :﴿لا يخلقون شيئاً﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً، ولما تكلم تعالى أولاً على التوحيد، وثانياً في الرد على عبدة غيره تكلم، ثالثاً في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
الفرقان 25:4
الشبهة الأولى : قوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : مظهرو الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه ﴿إن﴾ أي : ما ﴿هذا﴾ أي : القرآن ﴿إلا إفك﴾ أي : كذب مصروف عن وجهه ﴿افتراه﴾ اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وأعانه عليه﴾ أي : القرآن ﴿قوم آخرون﴾ أي : من غير قومه، وهم اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته، وقيل : عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي كانوا بمكة من أهل الكتاب فزعم المشركون أن محمداً يأخذ منهم فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى :﴿فقد جاؤوا﴾ أي : قائلوا هذه المقالة ﴿ظلماً﴾ وهو جعل الكلام المعجز إفكاً مختلقاً متلقفاً من اليهود، وجعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب ﴿وزوراً﴾ أي : بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال، والباقون بالإدغام.
تنبيه : جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته، وظلماً مفعول به، وقيل : إنه على إسقاط الخافض أي : جاؤوا بظلم.
الفرقان 25:5
الشبهة الثانية : قوله تعالى :﴿وقالوا أساطير الأولين﴾ أي : ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم كأحدوثة، أو أسطار ﴿اكتتبها﴾ أي : تطلب كتابتها له من ذلك القوم وأخذها، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره الأولون الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب ﴿فهي﴾ أي : فتسبب عن تكلفه ذلك أنها ﴿تملى عليه﴾ أي : تقرأ عليه ليحفظها ﴿بكرة﴾ قبل أن تنتشر الناس ﴿وأصيلا﴾ أي : عشياً حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائماً ليتكلف حفظها بالانتساخ ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب، أو ليكتب وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله وفيهم الكتّاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهم أكثر منه مالاً وأعظم أعواناً ولا يقدرون على شيء منه، فإن قيل : كيف ؟ قيل : اكتتبها فهي تملى عليه، وإنما يقال : أمليت عليه فهو يكتبها ؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : أراد اكتتابها وطلبه، فهي تملى عليه، الثاني : أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي : تلقى عليه من كتاب ليحفظها ؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب، وقرأ ﴿فهي﴾ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها.
الفرقان 25:6
ثم أمره الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : دالاً على بطلان ما قالوه ومهدداً لهم ﴿أنزله الذي يعلم السر﴾ أي : الغيب ﴿في السماوات والأرض﴾ ؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخباراً عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار، فكيف تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور ؟ وكذلك باطن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما يبهتونه، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه.
فإن قيل : كيف يطابق هذا قوله تعالى :﴿إنه كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿غفوراً رحيماً﴾ ؟ أجيب : بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه ؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم ؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل.
الفرقان 25:7
الشبهة الثالثة : قوله تعالى :﴿وقالوا ما لهذا الرسول﴾ أي : ما لهذا الذي يزعم الرسالة، وفيه استهانة وتهكم وتصغير لشأنه، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا : ما لهذا الزاعم أنه رسول، ونحوه قول فرعون :﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ ( الشعراء، ٢٧ )، أي : إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا ﴿يأكل الطعام﴾ أي : كما نأكله ﴿ويمشي﴾ أي : ويتردد ﴿في الأسواق﴾ لطلب المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون : أنه يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والشرب والتعيش، وكذلك كانوا يقولون له : لست أنت بملك ؛ لأنك تأكل الطعام، والملك لا يأكل، ولأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق، وما قالوه فاسد ؛ لأن أكله الطعام لكونه آدمياً ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفته في التوراة، ولم يكن صخاباً في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك حتى يسانده في الإنذار والتخويف، فقالوا :﴿لولا﴾ أي : هلا ﴿أنزل إليه ملك﴾ أي : يصدقه ويشهد له ﴿فيكون معه نذيراً﴾ أي : داعياً.
الفرقان 25:8
ثم نزلوا أيضاً إلى أنه لم يكن مرفوداً بملك، فليكن مرفوداً بكنز، فقالوا :﴿أو يلقى إليه كنز﴾ أي : ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلاً له بستان، فقالوا :﴿أو تكون له جنة﴾ أي : بستان ﴿يأكل منها﴾ أي : إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان كالمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي بالنون أن نأكل نحن منها فيكون له مزية علينا بها، والباقون بالياء وقوله تعالى :﴿وقال الظالمون﴾ وضع فيه الظاهر موضع المضمر إذ الأصل وقالوا تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا ﴿إن﴾ أي : ما ﴿تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ أي : مخدوعاً مغلوباً على عقله، وقيل : مصروفاً عن الحق.
الفرقان 25:9
ولما أنهى تعالى ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم التفت سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له بقوله تعالى :﴿انظر﴾ أي : يا أفضل الخلق ﴿كيف ضربوا لك الأمثال﴾ أي : بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر ﴿فضلوا﴾ أي : بذلك عن جميع طرق الهدى ﴿فلا يستطيعون﴾ أي : في الحال ولا في المآل بسبب الضلال ﴿سبيلاً﴾ أي : سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة وفيافي مهلكة.
الفرقان 25:10
ولما أثبت أنهم لا علم لهم ولا قدرة ولا يمن ولا بركة أثبت لنفسه سبحانه وتعالى ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء بقوله تعالى :﴿تبارك﴾ أي : ثبت ثباتاً مقترناً باليمن والبركة لا ثبات إلا هو ﴿الذي إن شاء﴾ فإنه لا مكره له ﴿جعل لك﴾ أي : في الدنيا ﴿خيراً من ذلك﴾ أي : من الذي قالوه على طريق التهكم من الكنز والبستان، وقوله تعالى :﴿جنات﴾ بدل من خيراً، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني، ثم وصفها بقوله تعالى :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي : تكون أرضها عيوناً نابعة أي : في أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا تزال رياً تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجهُ في استمرارها إلى سقي ﴿ويجعل لك قصوراً﴾ أيضاً وهي جمع قصر، وهو المسكن الرفيع، قال المفسرون : القصور هي البيوت المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً، ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر، فيكون مسكناً ومنتزهاً، ويجوز أن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة، وقال مجاهد : إن شاء جعل جنات في الآخرة وقصوراً في الدنيا، ولم يشأ الله سبحانه وتعالى ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض عليه سبحانه وتعالى ما شاء في ذلك في الدنيا فأباه.
روي أنه عليه الصلاة والسلام قال :«عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت : لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً _ أو قال : ثلاثاً أو نحو هذا _ فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك »، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهباً جاءني ملك فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل عليه السلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت : نبياً عبداً، قالت : وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول : آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ».
وعن ابن عباس قال :«بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام معه، فقال جبريل عليه السلام : هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك، فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطه أحداً قبلك، ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم :«بل يجمعها لي في الآخرة » فنزل ﴿تبارك الذي إن شاء﴾ الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مستأنف، والثاني : أنه معطوف على جواب الشرط ؛ لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله :
وإن أتاه خليل يوم مسألة؍ يقول لا غائب مالي ولا حرم؍
والباقون بالجزم، ويجوز في ﴿يجعل لك﴾ إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع.
الفرقان 25:11
ثم أضرب سبحانه وتعالى عن كلامهم في حق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿بل﴾ أي : لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به ؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذباً بل ﴿كذبوا بالساعة﴾ أي : القيامة، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي، وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً، فلا يتكلفون النظر والفكر، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل ﴿وأعتدنا﴾ أي : والحال أنا اعتدنا أي : هيأنا بما لنا من العظمة ﴿لمن كذب﴾ من هؤلاء وغيرهم ﴿بالساعة سعيراً﴾ أي : ناراً شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم، وعن الحسن : أن السعير اسم من أسماء جهنم.
الفرقان 25:12
تنبيه : احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى :﴿أُعدّت للمتقين﴾ ( آل عمران، ١٣٣ ) وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية :﴿إذا رأتهم من مكان بعيد﴾ وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه، وقال الكلبي والسدي : من مسيرة عام، وقيل : من مسيرة مائة سنة، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من كذب علي متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً، قالوا : وهل لها من عينين ؟ قال : نعم، ألم تسمع قوله تعالى : إذا رأتهم من مكان بعيد ».
وقال البيضاوي : تبعاً للزمخشري : إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة والسلام :«لا تراءى ناراهما » أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز. انتهى، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها في قوله تعالى :﴿سمعوا لها تغيظاً﴾ أي : غلياناً كالغضبان إذ غلى صدره من الغضب ﴿وزفيراً﴾ أي : صوتاً شديداً إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة زافرة، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله : هذا. وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر، وقال الجلال المحلي : وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى. قال عبد الله بن عمر : تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه، وقيل : إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً عل الكفار للانتقام منهم، فنسب إليها على حذف مضاف.
الفرقان 25:13
﴿وإذا ألقوا﴾ أي : طرحوا طرح إهانة ﴿منها﴾ أي : النار ﴿مكاناً﴾ ثم وصفه تعالى بقوله تعالى :﴿ضيقاً﴾ زيادة في فظاعتها، قال ابن عباس : يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ﴿مقرنين﴾ أي : مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم من الأغلال، وقد قيل : الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله تعالى الجنة بأن عرضها السماوات والأرض، وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا، ولقد جمع الله تعالى على أهل النار أنواع الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصاً كما مر عن ابن عباس : أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهو منقول أيضاً عن ابن عمر، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال :«والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة في أرجلهم ».
تنبيه :﴿مكاناً﴾ منصوب على الظرف، ومنها في محل نصب على الحال من مكاناً ؛ لأنه في الأصل صفة له، ومقرنين حال من مفعول ﴿ألقوا﴾، وقرأ ابن كثير ضيقاً بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة ﴿دعوا هنالك﴾ أي : في ذلك المكان البغيض البعيد عن الرفق ﴿ثبوراً﴾ قال ابن عباس : ويلاً، وقال الضحاك : هلاكاً، فيقولون : واثبوراه هذا حينك وزمانك ؛ لأنه لا منادم لهم غيره، وليس يحضر أحدً منهم سواه، قال البغوي : وفي الحديث «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه وهو يقول : يا ثبوراه وهم ينادون : يا ثبورهم حتى يقفوا على النار ».
الفرقان 25:14
فيقال لهم :﴿لا تدعوا اليوم﴾ أي : أيها الكفار ﴿ثبوراً واحداً﴾ ؛ لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب العذاب والهلاك ﴿وادعوا ثبوراً كثيراً﴾ أي : هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، أو ادعوا أدعية كثيرة، وقال الكلبي : نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه.
الفرقان 25:15
ولما وصف تعالى : العقاب المعدّ للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿أذلك﴾ أي : المذكور من الوعيد وصفة النار ﴿خير أم جنة الخلد﴾ أي : الإقامة الدائمة ﴿التي وعد المتقون﴾ أي : وعدها الله تعالى لهم، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف.
فإن قيل : كيف يقال : العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول القائل : السكر أحلى أم الصبر ؟ أجيب : بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر، فضربه ويقول له : هذا خير أم ذلك ؟ قال أبو مسلم : جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى :﴿لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً﴾ ( الإنسان، ٩ ) فإن قيل : الجنة اسم لدار الخلد، فأي فائدة في قوله تعالى :﴿جنة الخلد﴾ ؟ أجيب : بأنّ الإضافة قد تكون للبيتين، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله تعالى :﴿هو الله الخالق البارئ﴾ ( الحشر، ٢٤ ) وهذا من هذا البيان أو للتمييز عن جنات الدنيا، ثم حقق تعالى أمرها تأكيداً للبشارة بقوله :﴿كانت لهم جزاء﴾ أي : ثواباً على أعمالهم بفضل الله تعالى وكرمه ﴿ومصيراً﴾ أي : مرجعاً.
فإن قيل : إن الجنة ستصير للمتقين جزاءً ومصيراً لكنها بعدما صارت كذلك فلم قال تعالى :﴿كانت﴾ ؟ أجيب : من وجهين : الأول : أن ما وعده الله تعالى فهو في تحققه كالواقع، الثاني : أنه كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم، فإن قيل : لم جمع تعالى بين الجزاء والمصير ؟ أجيب : بأن ذلك كقوله تعالى :﴿نعم الثواب وحسُنت مرتفقاً﴾ ( الكهف، ٣١ )، فمدح الثواب ومكانه، كما قال تعالى :﴿بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ ( الكهف، ٢٩ ) فذم العذاب ومكانه ؛ لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة، وإلا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء.
تنبيه : المتقي يشمل من اتقى الكفر وإن لم يتق المعاصي وإن كان غيره أكمل.
الفرقان 25:16
ثم ذكر تعالى تنعمهم فيها بعد أن ذكر نعيمهم بقوله تعالى :﴿لهم فيها﴾ أي : الجنة ﴿ما يشاؤون﴾ من كل ما تشتهيه أنفسهم كما قال تعالى :﴿ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم﴾ ( فصلت، ٣١ ) ﴿وفيها ما تشتهي الأنفس﴾ ( الزخرف، ٧١ ) فإن قيل : أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم فإن أعطاها لهم لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها لهم قدح ذلك في قوله تعالى :﴿لهم فيها ما يشاؤون﴾ ؟ أجيب : بأن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم، وقوله تعالى :﴿خالدين﴾ منصوب على الحال إما من فاعل يشاؤون، وإما من فاعل لهم لوقوعه خبراً، والعائد على ما محذوف أي : لهم فيها الذي يشاؤونه حال كونهم خالدين وقوله تعالى :﴿كان على ربك﴾ أي : وعدهم ما ذكر ﴿وعداً﴾ يدل على أن الجنة جعلت لهم بحكم الوعد والتفضل لا بحكم الاستحقاق، وقوله تعالى :﴿مسؤولاً﴾ أي : مطلوباً، اختلف في السائل، فالأكثر على أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا :﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ ( آل عمران، ١٩٤ ).
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«ما منكم من يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا : إذاً نكثر ؟ قال : الله تعالى أكثر »، وروي :«أنه يدعى بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول : عبدي فيقول : نعم يا رب فيقول : إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني ؟ أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لما نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لما نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً ؟ قال : نعم يا رب فيقول : إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها ؟ فيقول : نعم يا رب، فيقول : إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجل له في الدنيا وإما أن يكون ادخر له في الآخرة فيقول المؤمن في هذا المقام : يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه »، وروي :«لا تعجلوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد »، وروي :«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة » وروي :«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : دعوت فلم يستجب لي »، وروي :«لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : يا رسول الله ما الإستعجال قال : يقول : قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر » أي : يمل عند ذلك ويدع الدعاء، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة.
وقال محمد بن كعب القرظي : الطلب من الملائكة للمؤمنين سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ وقيل : إن المكلفين سألوها بلسان الحال ؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي :
في النفس حاجات وفيك فطانة؍ سكوتي كلام عندها وخطاب؍
الفرقان 25:17
ولما ذكر تعالى حالهم في نفسهم أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه بقوله تعالى :
﴿ويوم﴾ أي : واذكر لهم يوم ﴿نحشرهم﴾ أي : المشركين، وقرأ ابن كثير وحفص بالياء، والباقون بالنون، واختلف في المراد بقوله تعالى :﴿وما يعبدون من دون الله﴾ أي : غيره فقال الأكثرون : من الملائكة والجن والمسيح وعزير وغيرهم، وقال عكرمة والضحاك والكلبي : من الأصنام، فقيل لهم : كيف يخاطب الله تعالى الجماد بقوله تعالى :﴿فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء﴾ أي : أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم ﴿أم هم ضلوا السبيل﴾ أي : طريق الحق بأنفسهم، فأجابوا بوجهين :
أحدهما : أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها.
ثانيهما : أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال كما ذكره بعضهم في تسبيح الجماد وكلام الأيدي والأرجل، ويجوز أن يكون السؤال عاماً لهم جميعاً، فإن قيل : كيف صح استعمال ما في العقلاء ؟ أجيب : على الأول : بأنه أريد به الوصف كأنه قيل : ومعبوديهم ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد : ما زيد تعني أطويل أم قصير، فقيه أم طبيب ؟، وقال تعالى :﴿والسماء وما بناها﴾ ( الشمس، ٥ ) ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ ( الكافرون، ٣ )، وأما على القول الثاني : فواضح، وأما على القول الثالث : فغلب غير العاقل لغلبة عباده أو تحقيراً، فإن قيل : ما فائدة هذا السؤال مع أن الله تعالى كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه ؟ أجيب : بأن هذا سؤال تقريع للمشركين كما قال لعيسى عليه السلام :﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ ( المائدة، ١١٦ )، وقرأ ابن عامر فنقول بالنون، والباقون بالياء، وقرأ أأنتم نافع وابن كثير بتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين همزة الاستفهام، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية ولا ألف بينهما وبين الأولى ولورش وجه آخر وهو إبدال الثانية ألفاً، وهشام بتسهيل الثانية وتحقيقها مع الإدخال، والباقون بتحقيقهما، وقرأ هؤلاء أم هم نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة من أم ياء خالصة، والباقون بتحقيقها.
الفرقان 25:18
﴿قالوا سبحانك﴾ أي : تنزيهاً لك عما لا يليق بك، أو تعجباً مما قيل لهم ؛ لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الضلال الذي هو مختص بإبليس وجنوده، أو جمادات وهي لا تقدر على شيء، أو إشعاراً بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده ؟ ﴿ما كان ينبغي﴾ أي : يستقيم ﴿لنا أن نتخذ﴾ أي : نتكلف أن نأخذ باختيارنا بغير إرادة منك ﴿من دونك﴾ أي : غيرك ﴿من أولياء﴾ للعصمة أو لعدم القدرة، فكيف يستقيم لنا أن نأمر بعبادتنا ؟ فإن قيل : ما فائدة أنتم وهم، وهلا قيل : أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل ؟ أجيب : بأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده ؛ لأنه لولا وجوده ؛ لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.
تنبيه : من أولياء مفعول أول، ومن زائدة لتأكيد النفي، وما قبله المفعول الثاني، ولما تضمن كلامهم أنا لم نضللهم ولم نحملهم على الضلال حسن الاستدراك بقولهم :﴿ولكن متعتهم وآباءهم﴾ وهو أن ذكروا سببه أي : أنعمت عليهم وعلى آبائهم من قبلهم بأنواع النعم والصحة وطول العمر في الدنيا، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية ﴿حتى نسوا الذكر﴾أي : تركوا الإيمان بالقرآن، وقيل : تركوا ذكرك وغفلوا عنه ﴿وكانوا﴾ أي : في علمك بما قضيت عليهم في الأزل ﴿قوماً بوراً﴾ أي : هلكى، وهو مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ.
الفرقان 25:19
وقوله :﴿فقد كذبوكم﴾ فيه التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول، والمعنى : فقد كذب المعبودون العابدين ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿تقولون﴾ أي : أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة، وأنهم يشفعون لكم وأنهم أضلوكم، ولما تسبب عن تخليهم عن عبدتهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر قال تعالى :﴿فما يستطيعون﴾ أي : المعبودون ﴿صرفاً﴾ أي : لشيء من الأشياء عن أحد من الناس لا أنتم ولا غيركم من عذاب ولا غيره بوجه حيلة ولا شفاعة ولا معاداة ﴿ولا نصراً﴾ أي : منعاً لكم من الله تعالى إن أراد بكم سوءاً، وهذا نحو قوله تعالى :﴿فلا يملكون كشف الضّر عنكم ولا تحويلا﴾ ( الإسراء، ٥٦ )، وقرأ حفص بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة ﴿ومن يظلم﴾ أي : بالشرك ﴿منكم﴾ أي : أيها المكلفون ﴿نذقه﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عذاباً كبيراً﴾ أي : شديداً في الدنيا بالقتل أو الأسر أو ضرب الجزية، وفي الآخرة بنار جهنم.
الفرقان 25:20
روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم :﴿ما لهذا الرسول﴾ إلى آخرها أنزل الله تعالى :﴿وما أرسلنا قبلك﴾ أي : يا أشرف الخلق أحداً ﴿من المرسلين إلا﴾ وحالهم ﴿أنهم ليأكلون الطعام﴾ كما تأكل ويأكل غيرك من الآدمين ﴿ويمشون في الأسواق﴾ كما تفعل فهذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله وهم يعلمون ذلك بالسماع من أخبارهم، وهذا تأكيد من الله تعالى ؛ لأنهم لا يكذبونه صلى الله عليه وسلم وقيل : معنى الآية وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قد قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال تعالى في موضع آخر :﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ ( فصلت، ٤٣ ) ﴿وجعلنا﴾ أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة ﴿بعضكم﴾ أي : أيها الناس ﴿لبعض فتنة﴾ أي : بلية والمعنى : أنه تعالى ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم والعدواة لهم وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف، وجعل الغني فتنة للفقير والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع، يقول الثاني من كل مالي لا أكون كالأول ؟ وقال ابن عباس : جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم فتتبعوا الهدى أم لا، وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاصي بن وائل والنضر بن الحرث، وذلك أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعماراً وبلالاً وصهيباً وعامر بن فهيرة ومن دونهم قد أسلموا قبلهم، فقالوا : أنسلم ونكون مثل هؤلاء ؟ وقيل : جعلناك فتنة لهم ؛ لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا، فتكون ممزوجة بالدنيا، وإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي وقوله تعالى :﴿أتصبرون﴾ أي : على ما تسمعون مما ابتليتم، به استفهام بمعنى الأمر أي : اصبروا ﴿وكان ربك﴾ أي : المحسن إليك إحساناً لم يحسنه إلى أحد سواك لا سيما بجعلك نبياً عبداً ﴿بصيراً﴾ أي : بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان لم يفده ذلك علماً لم يكن عنده، ولكن يعلم ذلك شهادة كما يعلم علم الغيب، ولتقوم عليهم بذلك الحجة فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم، فإن صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين.
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إذا نظر أحدكم من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم »، وروي :«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم حذر أن تزدروا نعمة الله عليكم ».
الفرقان 25:21
الشبهة الرابعة : لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى :﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا﴾ أي : لا يخافون البعث، قال الفراء : الرجاء بمعنى الخوف لغة تهامة، ومنه قوله تعالى :﴿ما لكم لا ترجون لله وقاراً﴾ ( نوح، ١٣ ) أي : لا تخافون لله عظمة ﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿أنزل﴾ أي : على أي وجه كان من أي منزل كان ﴿علينا الملائكة﴾ كما نزلت عليه فيما يزعم وكانوا رسلاً إلينا، أو فتخبرنا بصدقه ﴿أو نرى ربنا﴾ بما له علينا من الإحسان، وبما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة ؛ قال الله ردّاً عليهم :﴿لقد استكبروا﴾ أي : تعظموا ﴿في﴾ شأن ﴿أنفسهم﴾ أي : أظهروا الاستكبار عن الحق، وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه كما قال تعالى :﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ ( غافر، ٥٦ ) ﴿وعتوا﴾ أي : تجاوزوا الحد في الظلم ﴿عتواً كبيراً﴾ أي : بالغاً أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات الظاهرة، فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم محذوف، وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ تعجب، ألا ترى أن المعنى ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم ؟
الفرقان 25:22
ثم بين تعالى لهم حالهم عند بعض ما طلبوا بقوله تعالى :﴿يوم يرون الملائكة﴾ أي : يوم القيامة، وقال ابن عباس : عند الموت ﴿لا بشرى﴾ أي : من البشر أصلاً ﴿يومئذٍ﴾ وقوله تعالى :﴿للمجرمين﴾ أي : الكافرين إما ظاهر في موضع ضمير، وإما ؛ لأنه عام فقد تناولهم بعمومه بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة.
تنبيه : في نصب يوم أوجه : أحدها : أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله تعالى :﴿لا بشرى﴾ أي : يمنعون البشرى يوم يرون، الثاني : باذكر فيكون مفعولاً به. الثالث : بيعذبون مقدراً ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين : أحدهما : أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله، والثاني : أنها منفية ب " لا "، وما بعد " لا " لا يعمل فيما قبلها. وقوله :﴿ويقولون﴾ أي : في ذلك الوقت ﴿حجراً محجوراً﴾ عطف على المدلول ويقول الكفرة لهم حينئذٍ : هذه الكلمة استعاذة وطلباً من الله تعالى أن يمنع لقاء الملائكة عنهم مع أنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم ؛ لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو والشدة النازلة أو نحو ذلك : حجراً محجوراً يضعونها موضع الاستعاذة، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قال سيبويه : يقول الرجل للرجل : تفعل كذا وكذا فيقول : حجراً، وهي من حجره إذا منعه ؛ لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه عنه فلا يلحقه، وكأن المعنى : أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً، وقال ابن عباس : تقول الملائكة : حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال : لا إله إلا الله، وقيل : إذا خرج الكفار من قبورهم تقول الملائكة لهم : حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى.
الفرقان 25:23
ولما كان المريد لإبطال شيء لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر تعالى بقوله :﴿وقدمنا﴾ أي : وعمدنا بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أم في الآخرة ﴿إلى ما عملوا من عمل﴾ أي : من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونحو ذلك ﴿فجعلناه﴾ لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان ﴿هباءً﴾ وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من كوّة مما يشبه الغبار ﴿منثوراً﴾ أي : مفرقاً أي : مثله في عدم النفع إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا، فتكون النار مستقرهم ومقيلهم.
الفرقان 25:24
ولهذا بين حال أضدادهم وهم المؤمنون بقوله تعالى :﴿أصحاب الجنة يومئذٍ﴾ أي : يوم إذ يرون الملائكة ﴿خير مستقراً﴾ من الكفار ﴿وأحسن مقيلاً﴾ منهم، والمستقر : المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين يتجالسون ويتحادثون، والمقيل : المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب، روي : أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ؛ قال ابن مسعود : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وقال ابن عباس في هذه الآية : الحساب في ذلك اليوم في أوله، وقال : يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس.
تنبيه : في أفعل قولان : أحدهما : أنها على بابها من التفضيل، والمعنى : أن المؤمنين خير في الآخرة مستقراً من مستقر الكفار، وأحسن مقيلاً من مقيلهم ولو فرض أن يكون لهم ذلك أو على أنهم خير في الآخرة منهم في الدنيا.
والثاني : أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة ومن ذلك المعنى قوله تعالى :﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شُغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون﴾ ( يس، ٥٥-٥٦ ) ذكروا في تفسير الشغل افتضاض الأبكار، وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم الحور مقيلاً مع أنه لا نوم في الجنة على طريق التشبيه.
الفرقان 25:25
ثم عطف تعالى على قوله تعالى يوم يرون قوله تعالى :﴿ويوم تشقّق السماء﴾ أي : كل سماء ﴿بالغمام﴾ أي : كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وهو غيم أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم.
تنبيه : في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها سببية، أي : بسبب الغمام يعني سبب طلوعه منها، ونحوه ﴿السماء منفطر به﴾ ( المزمل، ١٨ ) كأنه الذي تتشقق به السماء، الثاني : أنها للحال أي : ملتبسة بالغمام، الثالث : أنها بمعنى عن أي : عن الغمام كقوله تعالى :﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً﴾ ( ق، ٤٤ ) والباء وعن يتعاقبان تقول : رميت عن القوس، وبالقوس، وقرأ أبو عمرو والكوفيون بتخفيف الشين، والباقون بتشديدها، ثم أشار تعالى إلى جهل من طلب نزول الملائكة دفعة واحدة بقوله تعالى :﴿ونزل الملائكة﴾ أي : بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه بأمر من الأمور وغيره من الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد. ﴿تنزيلاً﴾ أي في أيديهم صحائف الأعمال ؛ قال ابن عباس : تتشقق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل سماء الدنيا وأهل الأرض جناً وإنساً، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يدورون على السماء التي قبلها، ثم تنزل الكروبيون ثم حملة العرش.
فإن قيل : ثبت أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف تسع الأرض هؤلاء ؟ أجاب بعض المفسرين : بأن الملائكة تكون في الغمام والغمام يكون مقر الملائكة، ويجوز أن الله تعالى يوسع الأرض حتى تسع الجميع، وقرأ ابن كثير بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة وتخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب الملائكة، والباقون بنون واحدة والزاي مشددة ونصب اللام ورفع الملائكة.
الفرقان 25:26
ثم بين تعالى أن ذلك اليوم لا يقضي فيه غيره بقوله تعالى :﴿الملك يومئذٍ﴾ أي : إذ تشقق السماء بالغمام، ثم وصف الملك بقوله تعالى :﴿الحق﴾ أي : الثابت ثباتاً لا يمكن زواله، ثم أخبر عنه بقوله تعالى :﴿للرحمن﴾ أي : العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه، لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، فإن قيل : مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله تعالى :﴿يومئذٍ﴾ ؟ أجيب : بأن في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام ﴿وكان﴾ أي : ذلك اليوم الذي تظهر فيه الملائكة الذي طلب الكفار رؤيتهم له ﴿يوماً على الكافرين عسيراً﴾ أي : شديد العسر والاستعار.
تنبيه : هذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيرا جاء في الحديث «أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ».
الفرقان 25:27
وقوله تعالى :﴿ويوم يعض الظالم﴾ أي : المشرك لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال، معمول لمحذوف أو معطوف على يوم تشقق، وأل في الظالم تحتمل العهد والجنس لكن قال ابن عباس : أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً ودعا إليه جهراً جيرانه وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ودعا الناس ودعا النبي صلى الله عليه وسلم فلما قرب الطعام قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله »، فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فأكل صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقاً لأبيّ بن خلف، فلما أتى أبيّ بن خلف قال له : يا عقبة صبأت ؟ فقال : لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، والشهادة ليست في نفسي، فقال : ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلا أن تأتيه وتبصق في وجهه وتطأ قفاه وتلطم وجهه وعينه، فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك عقبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف » فقتل عقبة يوم بدر صبراً أمر علياً رضي الله عنه فقتله، وقيل : قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري، وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد طعنه في المبارزة فرجع إلى مكة ومات.
قال الضحاك : لما بصق عقبة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم عاد بصاقه في وجهه فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى مات، وقال الشعبي : كان عقبة خليل أمية، فأسلم عقبة فقال أمية : وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً، فكفر وارتد، فأنزل الله تعالى :﴿ويوم يعض الظالم﴾ أي : عقبة ﴿على يديه﴾ قال الضحاك : يأكل يديه إلى المرفق، ثم تنبت ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت، وقال المحققون : هذه اللفظة للتحسر والغم يقال : عض أنامله وعض على يديه وهو لا يشعر حال كونه مع هذا الفعل ﴿يقول﴾ : أي : يجدد في كل لحظة قوله :﴿يا ليتني اتخذت﴾ أي : أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا ﴿مع الرسول﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم ﴿سبيلاً﴾ أي : طريقاً إلى الهدى.
الفرقان 25:28
ولما تأسف على مجانبة الرسول ندم على مصادقة غيره بقوله :﴿يا ويلتي﴾ أي : يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره ؛ لأنه ليس يحضرني سواه ﴿ليتني لم أتخذ فلاناً﴾ أي : أبياً ﴿خليلاً﴾ أي : صديقاً أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم عليه لا محالة فجعله كناية عنه، وقرأ أبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وأظهر الدال عند التاء ابن كثير وحفص، وأدغمها الباقون.
الفرقان 25:29
ثم استأنف قوله : الذي يتوقع كل سامع أن يقوله :﴿لقد﴾ أي : والله لقد ﴿أضلني عن الذكر﴾ أي : عمّى علي طريق القرآن الذي لا ذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها ﴿بعد إذ جاءني﴾ ولم يكن لي منه مانع يردني عن الإيمان به، وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال، والباقون بالإدغام وقوله تعالى :﴿وكان الشيطان﴾ إشارة إلى خليله سماه شيطاناً ؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان، أو إلى كل من كان سبباً للضلال من عتاة الجن والإنس ﴿للإنسان خذولاً﴾ أي : شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكون لا ينصره ولو أراد ما استطاع بل هو في شر من ذلك ؛ لأن عليه إثمه في نفسه، ومثل إثم من أضله.
تنبيه : حكم هذه الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة » وقال صلى الله عليه وسلم :«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » وقال صلى الله عليه وسلم «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ».
الفرقان 25:30
ولما ذكر تعالى أقوال الكفار ذكر قول رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى :﴿وقال الرسول يا رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان. وعبر بأداة البعد هضماً لنفسه، ومبالغة في التضرع ﴿إن قومي﴾ أي : قريشاً الذين لهم قوة ومنعة ﴿اتخذوا هذا القرآن﴾ أي : المقتضي للإجماع عليه والمبادرة إليه ﴿مهجوراً﴾ أي : متروكاً بعيداً لم يؤمنوا به ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه.
تنبيه : أشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجاً كثيراً لما يرون من حسن نظمه، ويذوقون من لذيذ معانيه ورائق أساليبه، ولطيف عجائبه وبديع غرائبه.
وأكثر المفسرين على أن هذا القول١ وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو مسلم : بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ ( النساء، ٤١ ) الآية، والأول أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:لأن قوله تعالى :﴿وكذلك﴾ أي : كما جعلنا لك عدواً من مشركي قومك ﴿جعلنا لكل نبي﴾ من الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم ﴿عدواً من المجرمين﴾ أي : من المشركين تسلية له صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يقول له : فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع القول منه.
وأكثر المفسرين على أن هذا القول١ وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو مسلم : بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ ( النساء، ٤١ ) الآية، والأول أولى.
الفرقان 25:31
وأكثر المفسرين على أن هذا القول١ وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو مسلم : بل المراد أنه يقوله في الآخرة كقوله تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ ( النساء، ٤١ ) الآية، والأول أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:لأن قوله تعالى :﴿وكذلك﴾ أي : كما جعلنا لك عدواً من مشركي قومك ﴿جعلنا لكل نبي﴾ من الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم ﴿عدواً من المجرمين﴾ أي : من المشركين تسلية له صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يقول له : فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع القول منه.
﴿وكفى بربك﴾ أي : المحسن إليك ﴿هادياً﴾ أي : يهدي بك من قضى بسعادته ﴿ونصيراً﴾ أي : ينصرك على من حكم بشقاوته.
تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر ؛ لأن قوله تعالى :﴿لكل نبي عدواً﴾ يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى وتلك العداوة كفر، فإن قيل : قوله تعالى :﴿يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾ كقول نوح عليه السلام :﴿رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارا ً ( ٥ ) فلم يزدهم دعائي إلا فراراً﴾ ( نوح : ٥، ٦ ) فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب، فكذلك ما هنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله تعالى بالرحمة في قوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ ( الأنبياء، ١٠٧ ) ؟ أجيب : بأن نوحاً عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا لم يدعُ عليهم، بل انتظر فلما قال تعالى :﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً﴾ كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فافترقا. لأن قوله تعالى :﴿وكذلك﴾ أي : كما جعلنا لك عدواً من مشركي قومك ﴿جعلنا لكل نبي﴾ من الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم ﴿عدواً من المجرمين﴾ أي : من المشركين تسلية له صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يقول له : فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع القول منه. لأن قوله تعالى :﴿وكذلك﴾ أي : كما جعلنا لك عدواً من مشركي قومك ﴿جعلنا لكل نبي﴾ من الأنبياء قبلك رفعة لدرجاتهم ﴿عدواً من المجرمين﴾ أي : من المشركين تسلية له صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يقول له : فاصبر كما صبروا، ولا يكون ذلك إلا إذا وقع القول منه.
الفرقان 25:32
الشبهة الخامسة : لمنكري النبوة ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : الذين غطوا عداوة وحسداً ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام الله تعالى لإعجازه لهم مفرقاً فضلاً عن كونه مجتمعاً ﴿لولا﴾ أي : هلا ﴿نزل عليه القرآن﴾ أي :" أنزل " بمعنى " نزّل " ك " خبّر " بمعنى " أخبر " لئلا يناقض قولهم ﴿جملة﴾ وأكدوا بقولهم ﴿واحدة﴾ أي : من أوله إلى آخره كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود لتحقق أنه من عند الله تعالى، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه الذي يرتبه قليلاً قليلاً، وهذا الاعتراض في غاية السقوط ؛ لأن الإعجاز لا يتخلف بنزوله جملة أو متفرقاً مع أن للتفريق فوائد منها :
ما أشار إليه بقوله تعالى :﴿كذلك﴾ أي : أنزلناه شيئاً فشيئاً على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه ﴿لنثبت﴾ أي : نقوي ﴿به فؤادك﴾ أي : قلبك فتعيه وتحفظه ؛ لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً فشيئاً وجزءاً عقب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لتعيا بحفظه والرسول صلى الله عليه وسلم فارقت حاله حال داود وموسى عليهم السلام وعيسى حيث كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة، وقيل : في ثلاث وعشرين سنة، وأيضاً فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين ؛ ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقاً.
فإن قيل : ذا في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدم هو إنزاله جملة، فكيف فسر كذلك بأنزلناه مفرقاً ؟ أجيب : بأن الإشارة إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة، والدليل على فساد هذا الاعتراض أيضاً أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدوا بسورة واحدة من أقصر السور فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المجاذبة، ثم قالوا : هلا نزل جملة واحدة ؟ كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته، وقوله تعالى :﴿ورتلناه ترتيلاً﴾ معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك كأنه قال تعالى : كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلاً، ومعنى ترتيله قال ابن عباس : بيناه بياناً، والترتيل : التبيين في تؤدة وتثبت، وقال السدي : فصلناه تفصيلاً، وقال مجاهد : بعضه في إثر بعض، وقال الحسن : تفريقاً آية بعد آية ووقعة عقب وقعة، ويجوز أن يكون المعنى : وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله تعالى :﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ ( المزمل، ٤ ) أي : اقرأه بترتل وتثبت.
ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة قراءته : لا كسردكم هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها، وقيل : هو أن ننزله مع كونه متفرقاً على تمكث وتمهل في مدة متباعدة، وهي عشرون سنة، ولم نفرقه في مدة متقاربة.
الفرقان 25:33
ولما كان التقدير قد بطل ما أتوا به من هذا الاعتراض عطف عليه :﴿ولا يأتونك﴾ أي : يا أشرف الخلق أي : المشركون ﴿بمثل﴾ أي : باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظاً ومعنى ﴿إلا جئناك﴾ في جوابه ﴿بالحق﴾ أي : الذي لا محيد عنه، فيزهق ما أتوا به لبطلانه، فسمى ما يوردون من الشبه مثلاً، وسمى ما يدفع به الشبه حقاً ﴿وأحسن﴾ أي : من مثلهم ﴿تفسيراً﴾ أي : بياناً وتفصيلاً، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه، فقالوا : تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل : معناه كذا وكذا، أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون : هلا كانت هذه صفتك وحالك ؟ نحو أن يقرن بك ملك ينذر معك أو يلقي إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة واحدة إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته.
الفرقان 25:34
ثم بين تعالى : حال هؤلاء المعاندين في الآخرة بقوله تعالى :﴿الذين﴾ أي : هم الذين ﴿يحشرون﴾ أي : يجمعون قهراً ماشين مقلوبين ﴿على وجوههم﴾ مسحوبين ﴿إلى جهنم﴾ أي : كما أنهم لم ينظروا في الدنيا بعين الإنصاف فإن الآخرة مرآة الدنيا مهما عمل هنا رآه هناك كما أن الدنيا مزرعة الآخرة مهما عمل فيها جنى ثمره هناك. روى البخاري أن رجلاً قال :«يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال : الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة »، وروى البيهقي :«يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف على الدواب، وصنف على الوجوه، وصنف على الأقدام »، ولما وصف الله تعالى المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف استأنف الإخبار عنهم بقوله تعالى :﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿شر﴾ أي : شر الخلق ﴿مكاناً﴾ هو جهنم ﴿وأضل سبيلاً﴾ أي : أخطأ طريقاً من غيرهم وهو كفرهم.
الفرقان 25:35
ولما قال تعالى ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين﴾، وذكر ذلك في معرض التسلية له صلى الله عليه وسلم ذكر قصص جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم زيادة في تسليته.
القصة الأولى : قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولقد آتينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ أي : التوراة ﴿وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً﴾ أي : معيناً، فإن قيل : كونه وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً له في النبوّة والرسالة ؟ أجيب : بأنه لا منافاة بين النبوّة والرسالة والوزارة قد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء متعددون، ويؤمرون بأن يؤازر بعضهم بعضاً.
الفرقان 25:36
تنبيه : هارون بدل أو بيان أو منصوب على القطع ووزيراً مفعول ثان، وقيل : حال والمفعول الثاني معه ويدل على رسالة هارون عليه السلام قوله تعالى :﴿فقلنا اذهبا إلى القوم﴾ أي : الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط فرعون وقومه ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ فذهبا إليهم بالرسالة فكذبوهما ﴿فدمرناهم تدميراً﴾ أي : أهلكناهم إهلاكاً أي : فأنت يا محمد لست أوّل من كُذّب من الرسل فلك أسوة بمن قبلك، فإن قيل : الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقب بعثة موسى وهارون إليهم بل بعده بمدة مديدة ؟ أجيب : بأن فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بإهلاكهم لا على الوقوع أو على أنه على إرادة اختصار القصة فاقتصر على حاشيتيها أي : أولها وآخرها لأنهما المقصودان من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
تنبيه : قوله تعالى : كذبوا بآياتنا إن حملنا تكذيب الآيات على الآيات الإلهية فهو ظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوّة فاللفظ، وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل.
الفرقان 25:37
القصة الثانية : قصة نوح عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وقوم﴾ أي : ودمرنا قوم ﴿نوح لما كذبوا الرسل﴾ كأنهم كذبوا نوحاً ومن قبله من الرسل صريحاً أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع بالقوة، لأن المعجزات هي البرهان على صدقهم وهي متساوية الإقدام في كونها خوارق لا يقدر على معارضتها فالتكذيب بشيء منها تكذيب للجميع أولم يروا بعثة الرسل أصلاً كالبراهمة وهم قوم يمنعون بعثة الرسل نسبوا إلى رجل يقال له برهام قد مهد لهم ذلك وقرره في عقولهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر، ثم بين تعالى تدميرهم بقوله تعالى :﴿أغرقناهم﴾ قال الكلبي : أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً ﴿وجعلناهم﴾ أي : قوم نوح في ذلك ﴿للناس آية﴾ أي : لمن بعدهم عبرة ليعتبر كل من سلك طريقهم ﴿وأعتدنا﴾ أي : هيأنا في الآخرة ﴿للظالمين﴾ أي : للكافرين، وكان الأصل لهم ولكنه تعالى أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً سوى ما يحل بهم في الدنيا.
الفرقان 25:38
القصة الثالثة : قصة هود عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وعاداً﴾ أي : ودمرنا عاداً قوم هود بالريح. القصة الرابعة : قصة صالح عليه السلام المذكورة في قوله :﴿وثموداً﴾ أي : ودمرنا ثموداً قوم صالح بالصيحة. القصة الخامسة المذكورة في قوله تعالى :﴿وأصحاب الرس﴾ أي : البئر التي هي غير مطوية أي : مبنية قال ابن جرير : والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر أي : ودمرناهم بالخسف.
واختلف في نبيهم، فقيل : شعيب وقيل غيره، كانوا قعوداً حولها فانهارت بهم وبمنازلهم فهلكوا جميعاً، وقال الكلبي : الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله تعالى وفلج بفتح الفاء واللام والجيم قرية عظيمة بناحية اليمن من مساكن عاد وبسكون اللام وادٍ قريب من البصرة، وقيل : الرس الأخدود، وقيل : بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، وقيل : أصحاب حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له : تخ، قيل : هو بتاء فوقية، فخاء معجمة أو مهملة، وبياء تحتية وجيم وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
﴿وقروناً﴾ أي : ودمرنا قروناً ﴿بين ذلك﴾ أي : الأمر العظيم المذكور وهو بين كل أمتين من هذه الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة، ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة ثم يقول : فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود، ثم قال الله تعالى :﴿كثيراً﴾ وناهيك بما يقول فيه سبحانه وتعالى أنه كثير وأسند البغوي في تفسير أمة وسطاً في البقرة عن أبي سعيد الخدري قال :«قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة العصر فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال : إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله عز وجل ».
الفرقان 25:39
ثم إنه تعالى قال تسلية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتأسية وبياناً لشريعته بالعفو عن أمته :﴿وكلاً﴾ أي : من هذه الأمم ﴿ضربنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿له الأمثال﴾ حتى وضح له السبيل وقام من غير شبهة الدليل ﴿وكلاً تبرنا تتبيراً﴾ أي : أهلكنا إهلاكاً، وقال الأخفش : كسرنا تكسيراً، وقال الزجاج : كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته.
الفرقان 25:40
﴿ولقد أتوا﴾ أي : هؤلاء المكذبون من قومك ﴿على القرية التي أمطرت﴾ أي : وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ولذا قال تعالى :﴿مطر السوء﴾ مصدر ساء وهي قرى قوم لوط، قال البغوي : كانت خمس قرى، فأهلك الله تعالى أربعاً منها لعملهم الفاحشة، وبختنصر واحدة منهم وهي صغر وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث فإن قيل : لم عبر تعالى بالقرية وهي قرى ؟ أجيب : بأنه تعالى قال ذلك تحقيراً لشأنها في جنب قدرته تعالى وإهانة لمن يريد عذابه. ولانهماكهم على الفاحشة جميعهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد وقوله تعالى :﴿أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون﴾ أي : لا يخافون ﴿نشوراً﴾ أي : بعثاً بعد الموت ؛ لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة واستمروا عليه قرناً بعد قرن حتى تمكن منهم ذلك تمكيناً لا ينفع معه الاعتبار إلا من شاء الله.
الفرقان 25:41
﴿وإذا رأوك﴾ أي : مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك ولو لم تأتهم بمعجزة فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول ﴿إن﴾ أي : ما ﴿يتخذونك إلا هزواً﴾ أي : مهزوء بك وعبر تعالى بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك يقولون :﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ أي : في دعواه محتقرين له أن تأتيه الرسالة.
الفرقان 25:42
وقولهم :﴿إنْ﴾ مخففة من الثقيلة أي : إنه ﴿كاد ليضلنا﴾ أي : يصرفنا ﴿عن آلهتنا﴾ أي : عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يورد مما سبق إلى الذهن أنها حجج ومعجزات ﴿لولا أن صبرنا﴾ أي : بما لنا من الاجتماع والتعاضد ﴿عليها﴾ أي : على التمسك بعبادتها قال الله تعالى :﴿وسوف يعلمون﴾ أي : في حال لا ينفعهم فيه العمل ولا العلم وإن طالت مدة الإمهال في التمكين ﴿حين يرون العذاب﴾ عياناً في الآخرة ﴿من أضل سبيلاً﴾ أي : أخطأ طريقاً أهم أم المؤمنون.
الفرقان 25:43
ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على رجوعهم ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم سلاه تعالى بقوله تعالى متعجباً من حالهم :﴿أرأيت﴾ أي : أخبرني ﴿من اتخذ إلهه هواه﴾ أي : أطاعه وبنى عليه دينه، لا سمع حجة ولا نظر دليلاً فإن قيل : لم أخر هواه والأصل قولك : اتخذ الهوى إلهاً ؟ أجيب : بأنه ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية كما تقول : علمت منطلقاً زايداً لفضل عنايتك بالمنطلق، ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله تعالى تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله تعالى :﴿أفأنت تكون عليه وكيلاً﴾ أي : حافظاً تحفظه من اتباع هواه لا قدرة لك على ذلك.
الفرقان 25:44
﴿أم تحسب أن أكثرهم﴾ أي : هؤلاء المدعوّين ﴿يسمعون﴾ أي : سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم ﴿أو يعقلون﴾ أي : كالبهائم ما يرون، وإن لم يكن لهم سمع حتى تطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر فإن قيل : إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث إليهم الرسول، فإن من شرط التكليف العقل ؟ أجيب : بأنه ليس المراد أنهم لا يعقلون شيئاً بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم : إنما أنت أعمى وأصم فإن قيل : لم خص الأكثر بذلك دون الكل ؟ أجيب : بأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق فكابر استكباراً وخوفاً على الرياسة.
ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي استأنف ما أفهمه بقوله تعالى :﴿إن﴾ أي : ما ﴿هم إلا كالأنعام﴾ أي : في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات ﴿بل هم أضل﴾ أي : منها ﴿سبيلاً﴾ لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي.
الفرقان 25:45
ولما بين تعالى جهل المعرضين عن دلائل التوحيد وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل على وجود الصانع. أولها : الاستدلال بالنظر إلى حال الظل مخاطباً رأس المخلصين الناظرين هذا النظر حثاً لأهل وده على مثل ذلك بقوله تعالى :﴿ألم ترَ﴾ أي : تنظر ﴿إلى ربك﴾ أي : إلى صنعه وقدرته ﴿كيف مد الظل﴾ وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بجعله ممدوداً ؛ لأنه ظل لا شمس معه، كما قال تعالى في ظل الجنة :﴿وظل ممدود﴾ ( الواقعة، ٣٠ ) إذ لم يكن معه شمس وإن كان بينهما فرق وهو الليل لأن ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس عما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه وضرب فسطاطه كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم وغفلة طباعهم نفوذ أسماعهم ﴿ولو شاء لجعله﴾ أي : الظل ﴿ساكناً﴾ أي : دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس لاصقاً بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجر غير منبسط فلم ينتفع به أحد، سمى انبساط الظل وامتداده تحركاً منه وعدم ذلك سكوناً لكنه تعالى لم يشأ بل جعله متحركاً كما يسوق الشمس له، وقال أبو عبيدة : الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال سمي فيئاً ؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب ﴿ثم جعلنا الشمس عليه﴾ أي : الظل ﴿دليلاً﴾ أي : أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتاً في مكان أو زائلاً ومتسعاً أو متقلصاً فلو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.
الفرقان 25:46
﴿ثم قبضناه﴾ أي : الظل ﴿إلينا﴾ أي : إلى الجهة التي أردنا لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها، والقبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت قبض الله الظل ﴿قبضاً يسيراً﴾ أي : على مهل، وفي هذا القبض اليسير شيئاً بعد شيء من المنافع ما لم يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعاً، وقيل : المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الظلال، وقوله تعالى : يسيراً كقوله تعالى :﴿حشر علينا يسير﴾ ( ق، ٤٤ ) فإن قيل : ثم في هذين الموضعين كيف موقعها ؟ أجيب : بأن موقعها بيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت.
الفرقان 25:47
ولما تضمنت هذه الآية الليل والنهار وهو النوع الثاني قال تعالى مصرحاً بهما :
﴿وهو﴾ أي : ربك المحسن إليك وحده ﴿الذي جعل﴾ دليلاً على الحق وإظهاراً للنعمة على الخلق ﴿لكم الليل﴾ أي : الذي تكامل به مد الظل ﴿لباساً﴾ أي : ساتراً للأشياء، شبه ظلامه باللباس في ستره ﴿والنوم سباتاً﴾ أي : راحة للأبدان بقطع المشاغل، وهو عبارة عن كونه موتاً أصغر طاوياً لما كان من الإحساس قاطعاً لما كان من الشعور والتقلب فيه دلائل لأهل البصائر، قال البغوي وغيره : وأصل السبت القطع، وفي جعله تعالى لذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ولا يحصى، وكذا في قوله تعالى :﴿وجعل﴾ أي : وحده ﴿النهار نشوراً﴾ أي : منشوراً فيه لابتغاء الرزق وغيره، وفي ذلك إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذجان للموت والنشور. يحكى أن لقمان قال لابنه : يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
الفرقان 25:48
ثم ذكر النوع الثالث بقوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الذي أرسل الرياح﴾ وقرأه ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس وقرأه الباقون بالجمع لكونها تارة صبا وتارة دبوراً وتارة شمالاً وتارة جنوباً وغير ذلك، ويسن الدعاء عند هبوب الريح ويكره سبها لخبر «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها » رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، وقوله تعالى :﴿نشراً﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي : ناشرات للسحاب، وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف، وقرأه عاصم بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به ﴿بين يدي رحمته﴾ أي : قدام المطر، ولما كان الماء مسبباً عما تحمله الريح من السحاب أتبعه به بقوله تعالى :﴿وأنزلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿من السماء﴾ أي : من السحاب أو الجرم المعهود ﴿ماء﴾ ثم أبدل منه بياناً للنعمة به، فقال تعالى :﴿طهوراً﴾ أي : طاهراً في نفسه مطهراً لغيره كما قال تعالى في آية أخرى :﴿ليطهّركم به﴾ ( الأنفال، ١١ )، فهو اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به، وكالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما يفطر به. قال صلى الله عليه وسلم في البحر :«هو الطهور ماؤه الحل ميتته » أراد به المطهر فالماء المطهر ؛ لأنه يطهر الإنسان من الحدث والخبث.
وذهب بعض الأئمة إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوّز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة مثل الخل، وردّ بأنه لو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها، وذهب بعض منهم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، حتى جوّز الوضوء بالماء الذي يتوضأ به مرة بعد مرة وردَّ بأن فعولاً يأتي اسماً للآلة كسحور لما يتسحر به كما مر فيجوز أن يكون طهور كذلك، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعاً بين الأدلة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يجمعوا الماء في أسفارهم القليلة الماء، بل عدلوا عنه إلى التيمم ثبوت ذلك لجنس الماء أو في المحل الذي كان يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه.
الفرقان 25:49
﴿لنحيي به﴾ أي : بالماء ﴿بلدة ميتاً﴾ أي : بالنبات وذكر ميتاً باعتبار المكان ﴿ونسقيه﴾ أي : بالماء وهو من أسقاه مزيد سقاه وهما لغتان قال ابن القطاع : سقيتك شراباً وأسقيتك، والله تعالى أسقى عباده وأرضه ﴿مما خلقنا أنعاماً﴾ أي : إبلاً وبقراً وغنماً ﴿وأناسي كثيراً﴾ جمع إنسان وأصله أناسين فأبدلت النون ياء وأدغمت فيها الياء أو جمع أنسي وقدم تعالى النبات ؛ لأن به حياة الأنعام، والأنعام على الإنسان ؛ لأن بها كمال حياته فإن قيل : لما خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان ؟ أجيب : بأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام ولأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم.
فإن قيل : لما نكر الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة ؟ أجيب : بأن جل الناس منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء فبهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم، وهم كثير منهم لا يعيشون إلا بما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه، وكذلك قوله تعالى :﴿لنحيي به بلدة ميتاً﴾ ( الفرقان، ٤٩ ) يريد به بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء،
الفرقان 25:50
واختلف في عود الهاء في قوله تعالى :﴿ولقد صرفناه بينهم﴾ على ثلاثة أوجه :
أولها : قال الجمهور : إنها ترجع إلى المطر أي : صرفنا نزول الماء من وابل وطل وغير ذلك مرة ببلد ومرة ببلدة أخرى، قال ابن عباس : ما عام بأمطر من عام آخر، ولكن الله تعالى يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية وهذا كما روي مرفوعاً «ما من ساعة من ليل أو نهار إلا والسماء تمطر فيها فيصرفه الله تعالى حيث يشاء »، وروي عن ابن مسعود يرفعه قال :«ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن الله تعالى قسم هذه الأرزاق فجعلها في السماء في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار »، وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر مقداره في كل عام لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد.
ثانيها : قال أبو مسلم : الضمير راجع إلى المطر والسحاب والظلال، وسائر ما ذكره الله من الأدلة.
ثالثها : صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر ﴿ليذكروا﴾ أي : ليتفكروا ويعملوا كمال القدرة وحق النعمة، ويقوموا بشكره.
تنبيه : أصل يذكروا يتذكروا أدغمت التاء في الذال وقرأ حمزة والكسائي بسكون الذال ورفع الكاف مخففة، والباقون بفتح الذال والكاف مشددتين ﴿فأبى﴾ أي : لم يرد ﴿أكثر الناس﴾ أي : بعبادتهم ﴿إلا كفوراً﴾ أي : جحوداً للنعمة وقلة الاكتراث بها وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا وهو بفتح النون وهمزة آخره وقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة المطر إلى الأنواء فيكره أن يقول ذلك لإيهامه أن النوء فاعل المطر حقيقة، فإن اعتقد أنه الفاعل له حقيقة كفر، روى زيد بن خالد الجهني قال :«صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : قال أصبح من عبادي من هو مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب، وأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب »، وأفاد تعليق الحكم بالباء أنه لو قال : مطرنا في نوء كذا لم يكره، ونقل الشافعي عن بعض الصحابة أنه كان يقول عند المطر : مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ :﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ ( فاطر، ٢ ).
الفرقان 25:51
﴿ولو شئنا لبعثنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة ﴿في كل قرية نذيراً﴾ أي : رسولاً ينذرهم من البشر أو الملائكة أو غيرهم كما قسمنا المطر عليها وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به، وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل.
الفرقان 25:52
﴿فلا تطع الكافرين﴾ فيما قصدوا من التنفير عن الدعاء بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة أو من القلق من صادع الإنذار ويخيلون لك أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك وقابل ذلك بالتشدد والتصبر ﴿وجاهدهم﴾ أي : بالدعاء ﴿به﴾ أي : القرآن الذي تقدم التحدث عنه في قوله تعالى :﴿ولقد صرفناه﴾، أو بترك طاعتهم المدلول عليه بقوله تعالى :﴿فلا تطع﴾ أو بالسيف والأقرب الأول ؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان ﴿جهاداً كبيراً﴾ أي : جامعاً لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة ؛ لأن في ذلك إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيقوى أمرك ويعظم خطبك وتضعف شوكتهم وتنكسر سورتهم، فإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف.
الفرقان 25:53
ثم ذكر النوع الرابع بقوله تعالى :﴿وهو الذي مرج البحرين﴾ أي : الماءين الواسعين الكبيرين بأن خلاهما متجاورين متلاصقين، وهو بقدرته تعالى يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿هذا عذب﴾ أي : حلو سائغ ﴿فرات﴾ أي : شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض، وما كان في بطنها ﴿وهذا ملح﴾ أي : شديد الملوحة ﴿أجاج﴾ أي : مر محرق بملوحته ومرارته لا يصلح لسقي ولا شرب.
تنبيه : أشار تعالى بأداة القرب في الموضعين تنبيهاً على وجود الوصفين مع شدة المقاربة لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب جداً منه خرج الماء عذباً ﴿وجعل﴾ أي : الله تعالى ﴿بينهما برزخاً﴾ أي : حاجزاً من قدرته مانعاً من اختلاطهما، ثم إنه تعالى أتم تقرير النعمة في منعهما من الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ تشبيهاً لكل منهما بالمتعوذ بقوله تعالى :﴿وحجراً محجوراً﴾ فكأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له ذلك كما قال تعالى :﴿لا يبغيان﴾ ( الرحمان، ٢٠ ). أي : لا يبغي أحدهما على صاحبه بالملوحة أو العذوبة، فانتقاء البغي كالتعوذ ههنا، ثم جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه وهو من أحسن الإستعارات وأشهدها على البلاغة فإن قيل : لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله تعالى هنا ؟ أجيب : بأن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون ومن البحر الأجاج البحار الكبار.
الفرقان 25:54
ثم ذكر النوع الخامس بقوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الذي خلق من الماء﴾ أي : المني من الرجل والمرأة ﴿بشراً﴾ أي : إنساناً ﴿فجعله﴾ أي : بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة والتدوير في أدوار التربية ﴿نسباً﴾ أي : ذكراً ينسب إليه ﴿وصهراً﴾ أي : أنثى يصاهر بها فيقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين عذباً وملحاً ونحو هذا قوله تعالى :﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ ( القيامة، ٣٩ )، وقيل : النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا يوجبها، قال البغوي : وقيل وهو الصحيح : النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد ذكر الله تعالى أنه حرم للنسب سبعاً في قوله تعالى في النساء :﴿حُرّمت عليكم أمهاتكم﴾ ( النساء، ٢٣ ) ﴿وكان ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك ﴿قديراً﴾ حيث خلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفة وطبائع متباعدة، وجعله قسمين ذكراً وأنثى، وربما يخلق من نطفة واحدة نوعين ذكراً وأنثى فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله مر الأخلاق كثير الشقاق غريقاً في النفاق.
الفرقان 25:55
ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم، فقال تعالى :﴿ويعبدون﴾ أي : هؤلاء الكفرة ﴿من دون الله﴾ أي : مما يعلمون أنه في الرتبة دون الله المستجمع لصفات الكمال والعظمة بحيث أنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده ﴿ما لا ينفعهم﴾ بوجه من الوجوه إن عبدوه في إزالة كربة ﴿ولا يضرهم﴾ في إزالة نعمة من نعم الله تعالى عليهم إن تركوه ﴿وكان الكافر﴾ أي : مع علمه بضعفه وعجزه ﴿على ربه﴾ أي : المحسن إليه لا غيره ﴿ظهيراً﴾ أي : معيناً للشيطان من الإنس والجن على أولياء الله تعالى، روي أنها نزلت في أبي جهل ويجوز أن يراد بالظهير الجماعة كقوله تعالى :﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ ( التحريم، ٤ )، كما جاء الصديق والخليط وعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، فإن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله قال تعالى :﴿وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ﴾ ( الأعراف، ٢٠٢ ) وهذا أولى لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق لظاهر قوله تعالى :﴿ويعبدون من دون الله﴾، وقيل : معناه وكان الذي يفعل هذا الفعل وهو عبادة ما لا ينفع ولا يضر على ربه هيناً مهيناً من قولهم ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه وهو نحو قوله تعالى :﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ ( آل عمران، ٧٧ ).
الفرقان 25:56
ولما كان التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم فالزم ما نأمرك به ولا يزد همك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً عطف عليه قوله تعالى :﴿وما أرسلناك﴾ يا أشرف الخلق بما لنا من العظمة ﴿إلا مبشراً﴾ بالثواب على الإيمان والطاعة ﴿ونذيراً﴾ أي : مخوفاً بالعقاب على الكفر والمعصية.
الفرقان 25:57
ثم كأنه قيل : فماذا أقول لهم إذا طعنوا في الرسالة ؟ فقال تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم يا أكرم الخلق حقيقة وأعدلهم طريقة محتجاً عليهم بإزالة ما يكون موضعاً للتهمة ﴿ما أسألكم عليه﴾ أي : على تبليغ ما أرسلت به ﴿من أجر﴾ فتتهموني أني أدعوكم لأجله إذ لا غرض لي إلا نفعكم، ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى مستثنياً ؛ لأن الاستثناء معيار العموم ﴿إلا من﴾ أي : إلا أجر من ﴿شاء أن يتخذ﴾ أي : يكلف نفسه ويخالف هواه، ويجعل له ﴿إلى ربه سبيلاً﴾ فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره لا نفع لي من جهتكم إلا هذا فإن سميتم هذا أجراً فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحداً شيئاً من دنياه فأفاد فائدتين ؛ الأولى : أنه لا طمع له أصلاً في شيء ينقصهم، والثانية : إظهار الشفقة البالغة حيث لم يقصد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثواباً لنفسه، وقيل : الاستثناء منقطع أي : لكن من يشاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل، وجرى على هذا الجلال المحلي، وقال ابن عادل : في الأول نظر ؛ لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير ؟ انتهى. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر وسهّل ورش وقنبل الثانية، ولهما أيضاً إبدالها ألفاً والباقون بتحقيق الهمزتين.
الفرقان 25:58
ولما بين تعالى أن الكفار يتظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً أمره أن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وجلب جميع المنافع بقوله تعالى :﴿وتوكل﴾ أي : أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم من عنادهم ﴿على الحي الذي لا يموت﴾ فلا ضياع لمن توكل عليه، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ﴿وسبّح﴾ متلبساً ﴿بحمده﴾ أي : نزهه عن كل نقص مثبتاً له كل كمال، وقيل : صلِّ له شكراً على نعمه، وقيل : قل سبحان الله والحمد لله وحده وعلى هذا اقتصر الجلال المحلى ﴿وكفى به بذنوب عباده﴾ أي : ما ظهر منها وما بطن وكل ما سواه عبد ﴿خبيراً﴾ أي : عالماً مطلقاً فلا يخفى عليه خافية شيء منها، وإن دق فلا عليك إن آمنوا أو كفروا، وهذه الكلمة يراد بها المبالغة يقال : كفى بالعلم كمالاً وكفى بالأدب مالاً وهو معنى حسبك أي : لا تحتاج معه إلى غيره، لأنه تعالى خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم، وهذا وعيد شديد.
الفرقان 25:59
ولما أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوكل عليه وصف تعالى نفسه بأمور منها أنه حي لا يموت، ومنها أنه عالم بجميع المعلومات، ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله تعالى :﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ على عظمهما ﴿وما بينهما﴾ من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ألا يعلم من خلق وقوله تعالى :﴿في ستة أيام﴾ أي : من أيام الدنيا تعجيب للغبي الجاهل وتدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله تعالى في دعوتهم، فإن قيل : الأيام عبارة عن حركة الشمس في السماوات، فقبل السماوات لا أيام فكيف قال تعالى : في ستة أيام ؟ أجيب : بأنه تعالى خلقها في مدة مقدارها هذه الأيام، فإن قيل : يلزم على هذا قدم الزمان وهو ممنوع ؟ أجيب : بأن الله تعالى خلق هذه المدة أولاً ثم خلق السماوات والأرض فيها بمقدار ستة أيام فلا يلزم من ذلك قدم الزمان، وقيل : في ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة وهو بعيد ؛ لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول.
فإن قيل : لما قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار ؟ أجيب : بأنه يجب على المكلف أن يقطع الطمع عن مثل هذا فإنه بحر لا ساحل له من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية والشهور باثني عشر والسماوات بالسبع وعدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات والحدود والكفارات، فالإقرار بأن كل ما قاله الله حق هو الدين والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله تعالى على ذلك في قوله عز وجل :﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً﴾ ( المدثر : ٣١ ) ثم قال الله تعالى :﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ ( المدثر، ٣١ ) وهذا جواب أيضاً عن أنه لم لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك، وعن سعيد بن جبير : إنما خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها في لحظة واحدة، تعليماً لخلقه الرفق والتثبت، وقيل : اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين، وعن مجاهد أول الأيام يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ولما كان تدبير هذا الملك أمراً باهراً أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى :﴿ثم استوى على العرش﴾ أي : شرع في التدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده، ولا يجوز أن يفسر بالاستقرار، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب وكل ذلك على الله محال، فإن قيل : يلزم من ذلك أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات، وقال الله تعالى :﴿وكان عرشه على الماء﴾ ( هود، ٧ ) ؟ أجيب : بأن كلمة ثم ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السماوات وهو في اللغة سرير الملك وفي رفع قوله تعالى ﴿الرحمان﴾ أوجه ؛ أحدها : أنه خبر الذي خلق أو خبر مبتدأ مضمر أي : هو الرحمان ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش، ثم يبتدئ الرحمان أي : هو الرحمان الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلاً من الضمير في استوى، وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي.
واختلف في معنى الفاء في قوله تعالى :﴿فاسأل به﴾ على قولين ؛ أحدهما : أنها على بابها وهي متعلقة بالسؤال، والمراد بقوله :﴿خبيراً﴾ أي : عالماً يخبرك بحقيقته هو الله تعالى، ويكون من التجريد كقوله : رأيت به أسداً والمعنى : فاسأل الله الخبير بالأشياء قال الزمخشري : أو فاسأل بسؤاله خبيراً كقولك : رأيت به أسداً أي : برؤيته انتهى. فقال الكلبي : فقوله به يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو الله تعالى، لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، والثاني : أن تكون الباء بمعنى عن إما مطلقاً وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية، وكقول علقمة بن عبيدة :
فإن تسألوني بالنساء فإنني؍ خبير بأدواء النساء طبيب؍
والضمير في به لله وخبيراً من صفات الملك وهو جبريل عليه السلام، فعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم، وقال ابن جرير : الباء في به صلة والمعنى : فاسأله خبيراً، وخبيراً نصب على الحال وقيل : به يجري مجرى القسم كقوله تعالى :﴿واتقوا الله الذي تساءلون به﴾ ( النساء : ١ )، وقيل : فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى تعرف من ينكره ومن ثم كانوا يقولون : ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، وكان يقال له : رحمن اليمامة، وقيل : فاسأل بسبب سؤالك إياه خبيراً عن هذه الأمور وكل أمر تريده فيخبرك بحقيقة أمره ابتداءً وحالاً ومآلاً، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إلا وهو عالم بهم فسيعلي كعبك عليهم ويحسن لك العاقبة، وقرأ ابن كثير والكسائي بالنقل، وكذا يقرأ حمزة في الوقف، والباقون بسكون السين وفتح الهمزة.
الفرقان 25:60
ولما ذكر تعالى إحسانه إليهم وإنعامه عليهم ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم بقوله :﴿وإذا قيل لهم﴾ : أي : من أي قائل قال لهؤلاء الذين يتقلبون في نعمه :﴿اسجدوا﴾ أي : اخضعوا بالصلاة وغيرها ﴿للرحمن﴾ أي : الذي لا نعمة لكم إلا منه ﴿قالوا وما الرحمان﴾ متجاهلين في معرفته فضلاً عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل، وقال ابن عربي : إنما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم بالصفة دون الموصوف، ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه بقولهم :﴿أنسجد لما تأمرنا﴾ فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره، والإنكار على الداعي إليه أيضاً بأداة ما لا يعقل ﴿وزادهم﴾ أي : هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكراً للنعمة وطمعاً في الزيادة ﴿نفوراً﴾ أي : عن الإيمان والسجود.
تنبيه : هذه السجدة من عزائم سجود التلاوة يسن للقارئ والمستمع والسامع أن يسجد عند قراءتها أو سماعها، وقرأ وإذا قيل لهم هشام والكسائي بالإشمام وضم القاف مع سكون الياء والباقون بكسر القاف، وقرأ لما يأمرنا حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالتاء الفوقية، وأبدل ورش والسوسي الهمزة وقفاً ووصلاً وحمزة وقفاً لا وصلاً.
الفرقان 25:61
ولما حكى تعالى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن قال عز من قائل :﴿تبارك﴾ أي : ثبت ثباتاً لا نظير له ﴿الذي جعل في السماء﴾ التي تقدم أنه اخترعها، واختلف في معنى قوله :﴿بروجاً﴾ فقال الزجاج ومجاهد وقتادة : هي النجوم الكبار سميت بروجاً لظهورها، وقال عطية العوفي : هي القصور فيها الحرس كما قال تعالى :﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ ( النساء، ٧٨ ) وقال عطاء عن ابن عباس : هي الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة وهي : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربعة فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
﴿وجعل فيها﴾ أي : السماء وقيل : البروج ﴿سراجاً﴾ أي : شمساً وقرأ حمزة والكسائي بضم السين والراء على الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك من حيث أنه أعظم من ألوف من السرج فهو قائم مقام الوصف كما في الذي بعده كما سيأتي وقيل : المراد بالجمع الشمس والكواكب الكبار، والباقون بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على التوحيد ﴿وقمراً منيراً﴾ أي : مضيئاً بالليل.
الفرقان 25:62
ولما ذكر تعالى هاتين الآيتين ذكر ما هما آيتاه بقوله تعالى :﴿وهو الذي جعل الليل﴾ أي : الذي آيته القمر ﴿والنهار﴾ أي : الذي آيته الشمس ﴿خلفة﴾ أي : ذوي حالة معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك بضد ما له من الأوصاف، وقال ابن عباس والحسن : يعني خلفاً وعوضاً يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال شقيق : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : فاتتني الصلاة الليلة قال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة ﴿لمن أراد أن يذّكّر﴾ أي : يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد، وقرأ حمزة بسكون الذال وضم الكاف مخففة من ذكر بمعنى تذكر والباقون بفتح الكاف والذال مشددتين.
﴿أو أراد شكوراً﴾ أي : شكر نعمة ربه عليه من الإتيان بكل منهما بعد الآخر لاجتناء ثمراته ولو جعل أحدهما دائماً لفاتت مصالح الآخر ولحصلت السآمة والملل منه والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير، وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب.
الفرقان 25:63
ولما ذكر الله تعالى عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزباً ولم يضفهم إلى اسم من أسمائه إيذاناً بإهانتهم لهوانهم عنده أشار إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه قوله تعالى :
﴿وعباد الرحمان﴾ فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان الخلق كلهم عباده وأضافهم إلى وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيراً لهم، ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بصفات كثيرة ؛ الصفة الأولى : قوله تعالى :﴿الذين يمشون﴾ وقال تعالى :﴿على الأرض﴾ تذكيراً بما يصيرون إليه وحثاً على السعي في معالي الأخلاق ﴿هوناً﴾ أي : هينين أو مشياً هيناً مصدر وصف به مبالغة والهون الرفق واللين، ومنه الحديث :«أحبب حبيبك هوناً ما »، وقوله :«المؤمنون هينون »، والمثل : إذا عز أخوك فهن، والمعنى إذا عاسر فياسر، والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع ووقار لا يضربون لوقارهم بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق لقوله تعالى :﴿ويمشون في الأسواق﴾ ( الفرقان، ٣٠ ).
تنبيه : عباد مرفوع بالإبتداء وفي خبره وجهان ؛ أحدها : الجملة الأخيرة في آخر السورة أولئك يجزون وبه بدأ الزمخشري والذين يمشون وما بعده صفات للمبتدأ، والثاني : أن الخبر الذين يمشون. الصفة الثانية ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ أي : بما يكرهون ﴿قالوا سلاماً﴾ أي : تسلماً منكم لا نجاهلكم ومتاركة لا خير بيننا ولا شر أي : فنسلم منكم تسلماً فأقيم السلام مقام التسلم وقيل : قالوا : سداداً من القول أي : يسلمون فيه من الإثم والإيذاء وليس المراد التحية ؛ لأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على المشركين، وعن أبي العالية : نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بآية القتال ولا غيرها ؛ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة أسلم للعرض والورع، وأطلق الخطاب إعلاماً بأن أكثر خصال الجاهل وهو الذي يخالف العلم والحكمة الجهل وهو السفه وقلة الأدب من قوله :
ألا لا يجهلن أحد علينا؍ فنجهل فوق جهل الجاهلينا؍
الفرقان 25:64
ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق ذكر ما بينهم وبينه وهي الصفة الثالثة بقوله تعالى :﴿والذين يبيتون﴾ من البيتوتة قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل : بات وإن لم ينم كما يقال : بات فلان قلقاً والمعنى يبيتون ﴿لربهم﴾ أي : المحسن إليهم ﴿سجّداً﴾ على وجوههم في الصلاة وقدّمه لأنه أنهى الخضوع، وأخر عنه قوله تعالى :﴿وقياماً﴾ أي : على أقدامهم وإن كان تطويل القيام أفضل للروي، وتخصيص البيتوتة ؛ لأن العبادة في الليل أشق وأبعد من الرياء، قال الزمخشري : والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره، وقيل : من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً، وقال ابن عباس : من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً، وقيل : هما الركعتان لركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلى عشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة كان كقيام ليلة ».
الفرقان 25:65
ولما ذكر تعالى تهذيبهم للخلق والخالق وصفهم الله تعالى أنهم مع ذلك خائفون وجلون وهي الصفة الرابعة بقوله تعالى :﴿والذين يقولون ربنا﴾ أي : المحسن إلينا ﴿اصرف عنا عذاب جهنم﴾ قال ابن عباس : يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول، ثم علل سؤالهم بقوله تعالى :﴿إن عذابها كان﴾ أي : كوناً جبلت عليه ﴿غراماً﴾ أي : هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً لا ينفك عنه كما قال :
إن يعاقب يكن غراماً وإن يع؍ ط جزيلاً فإنه لا يبالي؍
ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه فهم يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم.
الفرقان 25:66
ولما ثبت لهم هذا الوصف أنتج قوله تعالى :﴿إنها ساءت﴾ أي : تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء وهي في معنى بئست في جميع المذام ﴿مستقراً﴾ أي : موضع استقرار ﴿ومقاماً﴾ أي : موضع إقامة.
تنبيه : ساءت في حكم بئست كما مر ففيها ضمير مبهم يفسره مستقراً، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبراً لها، ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت ففيها ضمير اسم إن ومستقراً حال أو تمييز والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين أو مترادفين وأن يكونا من كلام الله تعالى وحكاية لقولهم.
الفرقان 25:67
ولما ذكر تعالى أفعالهم وأقوالهم أتبع ذلك بذكر إنفاقهم وهو الصفة الخامسة بقوله تعالى :﴿والذين إذا أنفقوا﴾ أي : للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب أو مباح ﴿لم يسرفوا﴾ أي : لم يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير فيضيعوا الأموال في غير حقها ﴿ولم يقتروا﴾ أي : لم يضيقوا فيضيعوا الحقوق ﴿وكان﴾ أي : إنفاقهم ﴿بين ذلك﴾ أي : الإسراف والإقتار ﴿قواماً﴾ أي : وسطاً.
تنبيه : اسم كان ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله تعالى : أنفقوا وخبرها قواماً، وبين ذلك معمول له، وقيل : غير ذلك وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهاً ؛ أحدها : قال الرازي وهو الأقوى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقتير، وبمثله أمر صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ ( الإسراء، ٢٩ ) إذ يقال : ما عال من اقتصد، وسأل رجل بعض العلماء ما البناء الذي لا سرف فيه قال : ما سترك من الشمس وأكنك من المطر، قال : فما الطعام الذي لا سرف فيه ؟ قال : ما سد الجوعة، قال : فما اللباس الذي لا سرف فيه ؟ قال : ما ستر عورتك وأدفأك من البرد، ثانيها : وهو قول ابن عباس : الإسراف النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، وقال مجاهد : لو أنفق أحد مثل جبل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى لم يكن سرفاً، ولو أنفق صاعاً في معصية الله تعالى كان سرفاً، وقال الحسن : لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي وأنشدوا :
ذهاب المال في حمد وخير؍ ذهاب لا يقال له ذهاب؍
وسمع رجل رجلاً يقول : لا خير في الإسراف، فقال : لا إسراف في الخير، وعن عمر بن عبد العزيز أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن إليه فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام كثير حسن فقال ابن لعبد الملك إنما هو كلام أعده لهذا المقام، فسكت عبد الملك، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله، فقال : النفقة بين الشيئين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه : يا بني هذا أيضاً مما أعده، وثالثها السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا وإن كان من حلال ؛ لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فكانت الصحابة لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويقيهم من الحر والبرد، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله، وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم التحتية وكسر الفوقية من أقتر، وابن كثير وأبو عمر بفتح التحتية وكسر الفوقية من أقتر، وابن كثير وأبو عمر بفتح التحتية وكسر الفوقية والكوفيون بفتح التحتية وضم الفوقية.
الفرقان 25:68
ولما ذكر تعالى ما تحلوا به من أصول الطاعات أتبعه بذكر ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر وهو الصفة السادسة بقوله تعالى :﴿والذين لا يدعون﴾ أي : رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل ﴿مع الله﴾ أي : الذي اختص بصفات الكمال ﴿إلهاً آخر﴾ أي : دعاءً جلياً بالعبادة ولا خفياً بالرياء، ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها أتبعه نفي قتل غيرهم بقوله سبحانه :﴿ولا يقتلون النفس﴾ رحمة للخلق وطاعة للخالق ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له بين المراد بقوله تعالى :﴿التي حرم الله﴾ أي : منع من قتلها ﴿إلا بالحق﴾ أي : بأن تعمل بما يبيح قتلها، ولما ذكر القتل الجلي أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد بقوله تعالى :﴿ولا يزنون﴾ أي : رحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم مع رحمته لنفسه على أن الزنا أيضاً جار إلى القتل والفتن وفيه التسبب إلى إيجاد نفس بالباطل كما أن القتل سبب إلى إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم وفي رواية أكبر عند الله ؟ قال :«أن تدعو لله نداً وهو خلقك قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك » فأنزل الله تصديق ذلك، ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ الآية.
وقد استشكل تصديق هذه الآية للخبر من حيث إن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص، والتقييد بكونه أكبر والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم ؟ وأجيب : بدفع الإشكال بأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه ؛ الأول : الاعتراض من بين المبتدأ الذي هو وعباد الرحمان وما عطف عليه والخبر الذي هو ﴿أولئك يجزون الغرفة﴾ على إحدى الروايتين بذكر هذه الثلاثة خاصة وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام، الثاني : الإشارة بأداة البعد في قوله تعالى :﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي : هذا الفعل العظيم القبيح مع قرب المذكورات فدل على أن البعد من رتبتها فهو إشارة إلى جميع ما تقدم ؛ لأنه بمعنى ما ذكر، فلذلك وحده وأدغم لام يفعل في الذال أبو الحارث والباقون بالإظهار، الثالث : التعبير باللقي مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله :﴿يلق أثاماً﴾ دون يأثم ويلق إثماً أي : جزاء إثمه.
الفرقان 25:69
الرابع : التقييد بالمضاعفة في قوله تعالى مستأنفاً :﴿يضاعف﴾ بأسهل أمر ﴿له العذاب﴾ جزاء ما أتبع نفسه هواها، الخامس : التهويل بقوله تعالى :﴿يوم القيامة﴾ الذي هو أهول من غيره بما لا يقاس، السادس : الإخبار بالخلود الذي أقل درجاته أن يكون مكثاً طويلاً بقوله تعالى :﴿ويخلد فيه﴾ وقرأ يضاعف ويخلد ابن عامر وشعبة برفع الفاء والدال، والباقون بجزمهما وأسقط الألف من يضاعف مع تشديد العين ابن كثير وابن عامر فالجزم على أنهما بدلان من يلق بدل اشتمال، والرفع على الاستئناف، السابع : التصريح بقوله تعالى :﴿مهاناً﴾ فلما أعظم الأمر من هذه الأوجه علم أن كلاً من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيراً كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم ؛ لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً فثبت بهذا أنها كبائر وإن قتل الولد والزنا بحليلة الجار أكبر ما ذكر فوجد تصديق الآية للخبر.
وقرأ حفص مع ابن كثير بصلة الهاء بالياء من فيه قبل مهاناً، فإن قيل : ذكر أن من صفات عباد الرحمان صفات حسنة فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى ؟ أجيب : بأن الموصوف بتلك الصفات السابقة قد يكون متمسكاً بالشرك تديناً وبقتل الموؤدة تديناً وبالزنا تديناً فبين تعالى أن المراد لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمان حتى يجتنب تلك الكبائر، وأجاب الحسن بأن المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال تعالى : وعباد الرحمان الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون ولا يقتلون وأنتم تقتلون الموؤدة ولا يزنون وأنتم تزنون.
الفرقان 25:70
ولما أتم تعالى : تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه ترغيب الأبرار إلى العزيز الغفار بقوله تعالى :﴿إلا من تاب﴾ أي : رجع عن كل شيء كان فيه من هذه النقائص ﴿وآمن﴾ أي : أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان وأكد رجوعه بقوله تعالى :﴿وعمل عملاً صالحاً﴾ أي : مؤسساً على أساس الإيمان، فإن قيل : العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح يستغني عنه ؟ أجيب : بأنهما أفردا بالذكر لعلو شأنهما.
تنبيه : اختلف في هذا الاستثناء على وجهين ؛ أحدهما : أنه استثناء متصل وهو ما دل عليه كلام الجمهور لأنه من الجنس، والثاني : أنه منقطع ورجحه أبو حيان معللاً بأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب، فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فلا يضاعف له العذاب، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف بخلافه في المنقطع، فإن التقدير لكن من تاب إلى آخره، فلا يلقى عذاباً البتة، ووجه كلام الجمهور بأن ما ذكر ليس بلازم إذ المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ذكر إلا أن يتوب وأما إصابة أصل العذاب وعدمه فلا تعرض في الآية له، ثم زاد تعالى في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطاً للجزاء بالشرط دليلاً على أنه سببه، فقال تعالى :﴿فأولئك﴾ أي : العالو المنزلة ﴿يبدل الله﴾ أي : الذي له العظمة والكبرياء ﴿سيئاتهم حسنات﴾ قال ابن عباس ومجاهد : هذا التبديل في الدنيا فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا إحصاناً وعفة، فكأنه تعالى يبشرهم بتوفيقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب.
وقال الزجاج : إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب مع التوبة حسنة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات، وقال سعيد بن المسيب ومكحول : إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية وهذا هو ظاهر الآية ويدل له ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال له اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فيعرض عليه صغارها، فيقال له : عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول : نعم فلا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له : إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول : يا رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا، قال أبو هريرة : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه » ﴿وكان الله﴾ أي : الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق أزلاً وأبداً ﴿غفوراً﴾ أي : ستور الذنوب كل من تاب بهذا الشرط ﴿رحيماً﴾ به بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة.
روى البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك ولما نزل صدرها قال أهل مكة : قد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش فأنزل الله ﴿إلا من تاب﴾ إلى ﴿رحيما﴾ً. روى البخاري في التفسير أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية ونزل ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ ( الزمر، ٥٣ ) :
الفرقان 25:71
﴿ومن تاب﴾ أي : عن ذنوبه غير ما ذكر ﴿وعمل﴾ تصديقاً لادعائه التوبة ﴿صالحاً﴾ ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفاً ورغب سبحانه في ذلك بقوله تعالى معلماً أنه يصل إلى الله ﴿فإنه يتوب﴾ أي : يرجع واصلاً ﴿إلى الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال فهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ﴿متاباً﴾ أي : رجوعاً مرضياً عند الله بأن يرغبه الله تعالى في الأعمال الصالحة فلا يزال كل يوم في زيادة بنيته وعمله فيخف عليه ما كان ثقيلاً ويتيسر عليه ما كان عسيراً، ويسهل عليه ما كان صعباً كما مرّ في أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها بأن يوفقه للخير فلا يسمع إلا ما يرضيه وهكذا.
الفرقان 25:72
ولما وصف سبحانه وتعالى عباده بأنهم تحلوا بأصول الفضائل وتخلوا عن أمهات الرذائل ورغب في التوبة ؛ لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص مدحهم بصفة أخرى وهي الصفة المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين لا يشهدون﴾ أي : لا يحضرون ﴿الزور﴾ أي : القول المنحرف عن الصدق كذباً كان أو مقارباً له فضلاً عن أن يتفوهوا به للخبر فلا يسمعوا أو يقروا عليه في مواعظ عيسى بن مريم عليه السلام إياكم ومجالسة الخطائين ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعن قتادة مجالس الباطل وعن ابن الحنفية اللهو والغناء، وعن مجاهد أعياد المشركين، ثم عطف عليه بما هو أعم منه بقوله تعالى :﴿وإذا مروا باللغو﴾ أي : الذي ينبغي أن يطرح من الكلام القبيح وغيره ﴿مروا كراماً﴾ أي : آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر إن تعلق بهم أمر أو نهي إشارة أو عبارة على حسب ما يرون نافعاً، فإن لم يتعلق بهم ذلك كانوا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه لقوله تعالى :﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ ( القصص، ٥٥ )، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما ما يستهجن التصريح به، وعن الحسن لم تشقهم المعاصي، وقيل : إذا سمعوا من الكفار الأذى أعرضوا عنه.
الفرقان 25:73
ثم ذكر الصفة الثامنة بقوله تعالى :﴿والذين إذا ذكروا﴾ أي : ذكرهم غيرهم كائناً من كان لأنهم يعرفون الحق بنفسه لا بقائله ﴿بآيات ربهم﴾ أي : الذي وفقهم ليذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة ﴿لم يخرّوا﴾ أي : لم يسقطوا ﴿عليها صماً﴾ أي : غير واعين لها ﴿وعمياناً﴾ أي : غير متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر كأبيّ جهل والأخنس ابن شريق بل خروا سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال وهي : صماً وعمياناً دون الفعل وهو الخرور، فالمراد نفي القيد دون المقيد كما تقول : لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.
الفرقان 25:74
الصفة التاسعة المذكورة في قوله تعالى :﴿والذين يقولون﴾ أي : علماً منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا﴾ اللاتي قرنتهن بنا كما فعلت بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم فمدحت أزواجه في كلامك القديم، وجعلت مدحهن يتلى على تعاقب الأزمان والسنين ﴿وذرياتنا قرة أعين﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك ولا شيء أسر للمؤمن من أن يرى حبيبه يطيع الله تعالى، وعن محمد بن كعب ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله، وعن ابن عباس هو الولد إذا رآه يكتب الفقه وخصوا الأزواج والذرية بذلك ؛ لأن الأقربين أولى بالمعروف.
تنبيه : من في قوله تعالى ﴿من أزواجنا﴾ يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب لنا قرة أعين، ثم بينت القرة وفسرت بقوله :﴿من أزواجنا وذرياتنا﴾، ومعناه أن اجعلهم لهم قرة أعين وهو من قولهم رأيت منك أسداً أي : أنت أسد، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وإصلاح وأتوا بجمع القلة في أعين ؛ لأن المتقين الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها قليلون في جنب العاصين، وقيل : سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم ووحد القرّة لأنها مصدر، وأصلها من البرد لأن العرب تتأذى من الحر وتتروح إلى البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة العين عند الحزن ويقال : دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار، وقال الأزهري : معنى قرة العين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه عن النظر إلى غيره، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بألف بعد الياء على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد ﴿واجعلنا للمتقين إماماً﴾ أي : أئمة يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كقوله تعالى :﴿ثم يخرجكم طفلاً﴾ ( غافر، ٦٧ )
أو أرادوا واجعل كل واحد منا أو أرادوا جمع آم كصائم وصيام أو أرادوا اجعلنا إماماً واحداً لاتحادنا واتفاق كلمتنا، وعن بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها، وقال الحسن : نقتدي بالمتقين ويقتدي المتقون بنا، وقيل : هذا من المقلوب، أي : واجعل المتقين لنا إماماً واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد، وقيل : نزلت هذه الآية في العشرة المبشرين بالجنة، .
الفرقان 25:75
ولما بين تعالى صفات المتقين المخلصين بين بعده إحسانه إليهم بقوله تعالى :
﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة العظيمة العظيمو المنزلة ﴿يجزون﴾ أي : فضلاً من الله تعالى على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية والأحوال الصافية ﴿الغرفة﴾ أي : الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصاراً على الواحد الدال على الجنس والدليل على ذلك قوله تعالى :﴿وهم في الغُرفات آمنون﴾ ( سبأ، ٣٧ )، وقيل : هي من أسماء الجنة، ولما كانت القرب في غاية التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن رغب فيها بأن جعلها سبباً لهذا الجزاء بقوله تعالى :﴿بما صبروا﴾ أي : أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وغير ذلك من معالي خلالهم.
ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة. قال تعالى ﴿ويلقون فيها﴾ أي : الغرفة ﴿تحية﴾ أي : دعاء الحياة من بعضهم لبعض ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ولا يمترى في إخبارهم، لأنهم عن الله تعالى ينطقون وذلك على وجه الإعظام والإكرام مكان ما أهانهم عباد الشيطان وقيل : ملكاً وقيل : بقاءً دائماً ﴿وسلاماً﴾ أي : من الله والملائكة وغيرهم وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب : اللهم وفقنا لطاعتك واجعلنا من أهل رحمتك وارزقنا مما رزقتهم في دار رضوانك يا أرحم الراحمين، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من لقي كما قال تعالى :﴿فسوف يلقون غيّاً﴾ ( مريم، ٥٩ )، والباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف أي : يجعلهم الله تعالى لاقين بأيسر أمر كما قال تعالى ﴿ولقّاهم نضرة وسروراً﴾ ( الإنسان، ١١ ).
الفرقان 25:76
﴿خالدين فيها﴾ أي : الغرفة لا يموتون ولا يخرجون مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا ودلَّ على علو أمرها وعظيم قدرها بإبراز مدحها في مظهر التعجب بقوله تعالى :﴿حسنت﴾ أي : ما أحسنها ﴿مستقراً﴾ أي : موضع استقرار ﴿ومقاماً﴾ أي : موضع إقامة وهذا مقابل ساءت ومثله في الإعراب.
الفرقان 25:77
ولما شرح سبحانه وتعالى صفات المتقين وأثنى عليهم من أجلها وشرح ثوابهم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لكفار مكة ﴿ما يعبأ﴾ أي : ما يصنع ﴿بكم﴾ أيها الكافرون من عبأت الجيش أو لا يعتد بكم ﴿ربي﴾ أي : المحسن إليّ وإليكم برحمانيته المخصص لي بالإحسان برحيميته وإنما خص بالإضافة لاعترافه دونهم ﴿لولا دعاؤكم﴾ أي : عبادتكم وما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر كأنه قيل : وأي عبء يعبأ بكم لولا عبادتكم وطاعتكم إياه كما قال تعالى :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ( الذاريات، ٥٦ )
﴿فقد كذبتم﴾ بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد، وقال قوم : ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة وما يفعل بعذابكم لولا شرككم كما قال تعالى :﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ ( النساء، ١٤٧ ) لولا دعاؤكم أي : نداؤكم في الشدائد كما قال تعالى :﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ ( العنكبوت، ٦٥ )، وقوله تعالى :﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ ( الأنعام، ٤٢ ) ويجوز أن تكون ما نافية وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿فسوف﴾ أي : فتسبب عن تكذيبهم أن يجازيكم على ذلك ولكنه مع قدرته واختياره وقوته لا يعاجلكم بل ﴿يكون﴾ جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال ﴿لزاماً﴾ أي : لازماً يحيق بكم لا محالة، فاعتدوا وتهيؤوا لذلك اليوم فكل آت قريب وكل بعيد عنكم قريب عنده، وعن مجاهد : هو القتل يوم بدر وإنه لوزم بين القتلى لزاماً قتل منهم تسعون وأسر منهم سبعون، وعن ابن مسعود : خمس قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن «من قرأ سورة الفرقان لقي الله وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير حساب » حديث موضوع والله أعلم.
١ - أي المذكور في الآية ٣٠