السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشعراء 26:1 – النمل 27:93
المحتويات
- الشعراء 26:1
- الشعراء 26:2
- الشعراء 26:3
- الشعراء 26:4
- الشعراء 26:5
- الشعراء 26:6
- الشعراء 26:7
- الشعراء 26:8
- الشعراء 26:9
- الشعراء 26:10
- الشعراء 26:11
- الشعراء 26:12
- الشعراء 26:13
- الشعراء 26:14
- الشعراء 26:15
- الشعراء 26:16
- الشعراء 26:17
- الشعراء 26:18
- الشعراء 26:19
- الشعراء 26:20
- الشعراء 26:21
- الشعراء 26:22
- الشعراء 26:23
- الشعراء 26:24
- الشعراء 26:25
- الشعراء 26:26
- الشعراء 26:27
- الشعراء 26:28
- الشعراء 26:29
- الشعراء 26:30
- الشعراء 26:31
- الشعراء 26:32
- الشعراء 26:33
- الشعراء 26:34
- الشعراء 26:35
- الشعراء 26:36
- الشعراء 26:37
- الشعراء 26:38
- الشعراء 26:39
- الشعراء 26:40
- الشعراء 26:41
- الشعراء 26:42
- الشعراء 26:43
- الشعراء 26:44
- الشعراء 26:45
- الشعراء 26:46
- الشعراء 26:47
- الشعراء 26:48
- الشعراء 26:49
- الشعراء 26:50
- الشعراء 26:51
- الشعراء 26:52
- الشعراء 26:53
- الشعراء 26:54
- الشعراء 26:55
- الشعراء 26:56
- الشعراء 26:57
- الشعراء 26:58
- الشعراء 26:59
- الشعراء 26:60
- الشعراء 26:61
- الشعراء 26:62
- الشعراء 26:63
- الشعراء 26:64
- الشعراء 26:65
- الشعراء 26:66
- الشعراء 26:67
- الشعراء 26:68
- الشعراء 26:69
- الشعراء 26:70
- الشعراء 26:71
- الشعراء 26:72
- الشعراء 26:73
- الشعراء 26:74
- الشعراء 26:75
- الشعراء 26:76
- الشعراء 26:77
- الشعراء 26:78
- الشعراء 26:79
- الشعراء 26:80
- الشعراء 26:81
- الشعراء 26:82
- الشعراء 26:83
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:85
- الشعراء 26:86
- الشعراء 26:87
- الشعراء 26:88
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:92
- الشعراء 26:93
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:95
- الشعراء 26:96
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:98
- الشعراء 26:99
- الشعراء 26:100
- الشعراء 26:101
- الشعراء 26:102
- الشعراء 26:103
- الشعراء 26:104
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:107
- الشعراء 26:108
- الشعراء 26:109
- الشعراء 26:110
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:112
- الشعراء 26:113
- الشعراء 26:114
- الشعراء 26:115
- الشعراء 26:116
- الشعراء 26:117
- الشعراء 26:118
- الشعراء 26:119
- الشعراء 26:120
- الشعراء 26:121
- الشعراء 26:122
- الشعراء 26:123
- الشعراء 26:124
- الشعراء 26:125
- الشعراء 26:126
- الشعراء 26:127
- الشعراء 26:128
- الشعراء 26:129
- الشعراء 26:130
- الشعراء 26:131
- الشعراء 26:132
- الشعراء 26:133
- الشعراء 26:134
- الشعراء 26:135
- الشعراء 26:136
- الشعراء 26:137
- الشعراء 26:138
- الشعراء 26:139
- الشعراء 26:140
- الشعراء 26:141
- الشعراء 26:142
- الشعراء 26:143
- الشعراء 26:144
- الشعراء 26:145
- الشعراء 26:146
- الشعراء 26:147
- الشعراء 26:148
- الشعراء 26:149
- الشعراء 26:150
- الشعراء 26:151
- الشعراء 26:152
- الشعراء 26:153
- الشعراء 26:154
- الشعراء 26:155
- الشعراء 26:156
- الشعراء 26:157
- الشعراء 26:158
- الشعراء 26:159
- الشعراء 26:160
- الشعراء 26:161
- الشعراء 26:162
- الشعراء 26:163
- الشعراء 26:164
- الشعراء 26:165
- الشعراء 26:166
- الشعراء 26:167
- الشعراء 26:168
- الشعراء 26:169
- الشعراء 26:170
- الشعراء 26:171
- الشعراء 26:172
- الشعراء 26:173
- الشعراء 26:174
- الشعراء 26:175
- الشعراء 26:176
- الشعراء 26:177
- الشعراء 26:178
- الشعراء 26:179
- الشعراء 26:180
- الشعراء 26:181
- الشعراء 26:182
- الشعراء 26:183
- الشعراء 26:184
- الشعراء 26:185
- الشعراء 26:186
- الشعراء 26:187
- الشعراء 26:188
- الشعراء 26:189
- الشعراء 26:190
- الشعراء 26:191
- الشعراء 26:192
- الشعراء 26:193
- الشعراء 26:194
- الشعراء 26:195
- الشعراء 26:196
- الشعراء 26:197
- الشعراء 26:198
- الشعراء 26:199
- الشعراء 26:200
- الشعراء 26:201
- الشعراء 26:202
- الشعراء 26:203
- الشعراء 26:204
- الشعراء 26:205
- الشعراء 26:206
- الشعراء 26:207
- الشعراء 26:208
- الشعراء 26:209
- الشعراء 26:210
- الشعراء 26:211
- الشعراء 26:212
- الشعراء 26:213
- الشعراء 26:214
- الشعراء 26:215
- الشعراء 26:216
- الشعراء 26:217
- الشعراء 26:218
- الشعراء 26:219
- الشعراء 26:220
- الشعراء 26:221
- الشعراء 26:222
- الشعراء 26:223
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- الشعراء 26:226
- الشعراء 26:227
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
الشعراء 26:1
﴿طسم﴾ قال ابن عباس : عجزت العلماء عن علم تفسيرها، وفي رواية عنه : أنه قسم وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن وقال مجاهد اسم السورة، وقال محمد بن كعب القرظي : أقسم بطوله وسناه وملكه، ولهذا الاختلاف قال الجلال المحلي : الله أعلم بمراده بذلك، وقد قدمنا الكلام على أوائل السور في أول سورة البقرة وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بإمالة الطاء، والباقون بالفتح، وأظهر حمزة النون من سين عن الميم، وأدغمها الباقون وهي في مصحف عبد الله بن مسعود ط س م مقطوعة من بعضها.
الشعراء 26:2
﴿تلك﴾ أي : هذه الآيات العالية المرام الحائزة أعلى مراتب التمام المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات ألسنتكم ﴿آيات الكتاب﴾ أي : القرآن الجامع لكل فرقان ﴿المبين﴾ أي : الظاهر إعجازه المظهر الحق من الباطل.
الشعراء 26:3
ولما كان عنده صلى الله عليه وسلم من مزيد الشفقة وعظيم الرحمة على قومه قال تعالى تسلية له :﴿لعلك باخع﴾ أي : هالك ﴿نفسك﴾ غماً وأسفاً من أجل ﴿ألا يكونوا﴾ أي : قومك ﴿مؤمنين﴾ أي : راسخين في الإيمان أي : لا تبالغ في الحزن والأسف فإن هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ ولو شئنا لهديناهم طوعاً أو كرهاً. والبخع : أن يبلغ بالذبح البخاع بالخاء والباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذابح. ولعل : للإشفاق أي : أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إيمان قومك فصبره وعزاه وعرفه أن حزنه وغمه لا ينفع كما أن وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع.
الشعراء 26:4
ثم إنه تعالى أعلمه بأن كل ما هم فيه إنما هو بإرادته بقوله تعالى :﴿إن نشأ ننزل عليهم﴾ وعبر بالمضارع فيهما إعلاماً بدوام القدرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون الثانية وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، ثم قال تعالى محققاً للمراد ﴿من السماء﴾ أي : التي جعلنا فيها بروجاً للمنافع، وأشار إلى تمام القدرة بتوحيدها بقوله تعالى :﴿آية﴾ أي : قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه.
تنبيه : هنا همزتان مختلفتان، أبدل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية المفتوحة بعد المكسورة ياء خالصة، وحققها الباقون. ثم أشار تعالى إلى تحقق هذه الآية بالتعبير بالماضي في قوله تعالى عطفاً على ننزل لأنه في معنى أنزلنا ﴿فظلت﴾ أي : عقب الإنزال من غير مهلة ﴿أعناقهم﴾ أي : التي هي موضع الصلابة وعنها تنشأ حركات الكبر والإعراض ﴿لها خاضعين﴾ أي : منقادين.
تنبيه : خاضعين : خبر عن أعناقهم، واستشكل جمعه جمع سلامة لأنه مختص بالعقلاء ؟ وأجيب عنه بأوجه : أحدها : أن المراد بالأعناق رؤساءهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال لهم الرؤوس والنواصي والصدور، قال القائل :
في محفل من رؤوس الناس مشهود ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانيها : أنه على حذف مضاف أي : فظل أصحاب الأعناق ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل الحذف المخبر عنه مراعاة للمحذوف.
ثالثها : أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله :
كما شرقت صدر القناة من الدم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رابعها : قال الزمخشري : أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله كقولهم : ذهبت أهل اليمامة كأن الأهل غير مذكور، ونوزع في التنظير لأنّ أهل ليس مقحماً البتة لأنه المقصود بالحكم.
خامسها : أنها عوملت معاملة العقلاء، كقوله تعالى :﴿ساجدين﴾ ( يوسف، ٤ ) ﴿وطائعين﴾ ( فصلت، ١١ ) في يوسف والسجدة، وقيل إنما قال تعالى :﴿خاضعين﴾ لموافقة رؤوس الآي لتكون على نسق واحد.
الشعراء 26:5
﴿وما يأتيهم﴾ أي : الكفار ﴿من ذكر﴾ أي : موعظة أو طائفة من القرآن يذكروننا به فيكون سبب ذكرهم وشرفهم ﴿من الرحمان﴾ أي : الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم ﴿مُحدث﴾ أي : بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به وأشار تعالى إلى دوام كبرهم بقوله تعالى :﴿إلا كانوا عنه معرضين﴾ أي : إعراضاً هو صفة لهم لازمة.
الشعراء 26:6
ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال تعالى. ﴿فقد﴾ أي : فتسبب عن هذا الفعل منهم أنه قد ﴿كذبوا﴾ أي : بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمناً في قوله تعالى :﴿فسيأتيهم﴾ أي : إذا مسهم عذاب الله تعالى يوم بدر ويوم القيامة ﴿أنباء﴾ أي : عظيم أخبار وعواقب ﴿ما﴾ أي : العذاب الذي ﴿كانوا به يستهزؤن﴾ أي : يهزؤون من أنه كان حقاً أو باطلاً وكان حقيقاً بأن يصدق ويعظم أمره أو يكذب فيستخف أمره.
الشعراء 26:7
ثم قال تعالى : معجباً منهم :﴿أو لم يروا إلى الأرض﴾ أي : على سعتها واختلاف نواحيها، ونبه على كثرة ما صنع من جميع الأصناف بقوله تعالى :﴿كم أنبتنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات فيها ﴿من كل زوج﴾ أي : صنف متشاكل بعضه لبعض فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه ﴿كريم﴾ أي : كثير المنافع محمود العواقب وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى وهو ضدّ اللئيم، وههنا يحتمل معنيين أحدهما : النبات على نوعين : نافع وضار فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار، والثاني : أن يعم جميع النبات نافعه وضاره ويصفهما جميعاً بالكرم وينبه على أنه تعالى ما أنبت شيأً إلا فيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلاً إلا لحكمة بالغةٍ وإن غفل عنها الغافلون ولم يتصل إلى معرفتها العاقلون.
الشعراء 26:8
ولما كان ذلك باهراً للعقل منبهاً له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه وبديع اختياره، وصل به قوله تعالى :﴿إنّ في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم ﴿لآية﴾ أي : دلالة على كمال قدرته تعالى، فإن قيل : حين ذكر الأزواج دل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال إنّ في ذلك لآية ؟ وهلا قال لآيات ؟ أجيب بوجهين : أحدهما : أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال : إنّ في ذلك الإنبات لآية، ثانيهما : أن يراد أنّ في كل واحد من تلك الأزواج لآية ﴿و﴾ الحال أنه ﴿ما كان أكثرهم﴾ أي : البشر ﴿مؤمنين﴾ في علم الله تعالى وقضائه فلذلك لا ينفعهم مثل هذه الآيات العظام، وقال سيبويه : كان زائدة.
الشعراء 26:9
﴿وإن﴾ أي : والحال أنّ ﴿ربك﴾ أي : الذي أحسن إليك بالإرسال وسخر لك قلوب الأصفياء وزوى عنك اللد والأشقياء ﴿لهو العزيز﴾ أي : ذو العزة ينتقم من الكافرين ﴿الرحيم﴾ يرحم المؤمنين.
الشعراء 26:10
ولما كان مع ما ذكر في ذكر القصص تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب وكان موسى عليه السلام قد اختص بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى بمثلها أحد قبله، بدأ بذكره فقال تعالى :﴿وإذ﴾ أي : واذكر إذ ﴿نادى ربك﴾ أي : المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به في هذه الدار، ثم ذكر المنادى بقوله تعالى :﴿موسى﴾ أي : حين رأى الشجرة والنار، واختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام أهو الكلام القديم أو صوت من الأصوات ؟.
قال أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه : هو الكلام القديم فكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دال على أنها معلومة ومرئية في الآخرة من غير كيف ولا جهة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع أنه مسموع.
وقال الماتريدي : هو من جنس الحروف والأصوات، وأما المعتزلة : فقد اتفقوا على أن ذلك النداء كان بحروف وأصوات علم به موسى من قبل الله تعالى فصار معجزاً علم به موسى أن الله تعالى مخاطباً له فلم يحتج مع ذلك لواسطة، ثم ذكر تعالى ما له النداء بقوله تعالى :﴿أن﴾ أي : بأن ﴿أئت القوم﴾ أي : الذين فيهم قوة وأيًّ قوة ﴿الظالمين﴾ رسولاً، ووصفهم بالظلم لكفرهم، واستعبادهم بني إسرائيل وذبح أولادهم.
الشعراء 26:11
وقوله تعالى :﴿قوم فرعون﴾ أي : معه بدل أو عطف بيان للقوم الظالمين، وقوله تعالى :﴿ألا يتقون﴾ استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار تعجباً من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم لم يقبل.
الشعراء 26:12
﴿قال رب﴾ أي : أيها الرفيق بي ﴿إني أخاف أن يكذبون﴾ أي : فلا يترتب على إتياني إليهم أثر فاجعل لي قبولاً ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون.
الشعراء 26:13
﴿ويضيق صدري﴾ من تكذيبهم لي ﴿ولا ينطلق لساني﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه بواسطة تلك الجمرة التي لذعته في الطفولة ﴿فأرسل﴾ أي : فتسبب عن ذلك الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر طلب الإرسال ﴿إلى هارون﴾ أخي ليكون لي عضداً على ما أمضي له من الرسالة، فيحتمل أن تكون تلك العقدة باقية عند الرسالة، وأن تكون قد زالت عند الدعوة، ولكن لا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال، وهارون كان بتلك الصفة فأراد أن يقرن به، ويدل عليه قوله تعالى :﴿وأخي هارون هو أفصح مني لساناً﴾ ( القصص : ٣٤ ) ومعنى فأرسل إلى هارون : أرسل إليه جبريل واجعله نبياً وأزرني به واشدد به عضدي، وهذا الكلام مختصر وقد بسطه في غير هذا الموضع وقد أحسن في الاختصار حيث قال :﴿فأرسل إلى هارون﴾ فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء، ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى :﴿فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمّرناهم تدميراً﴾ ( الفرقان، ٣٦ ) حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها وهما الإنذار والتدمير، ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم.
فإن قيل : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره ربه بأمر فلا يقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله تعالى عليم بحاله ؟ أجيب : بأنه قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته فمهد قبل التماسه عذراً فيما التمسه ثم التمس بعد ذلك، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل فيه، وكفى بطلب العون دليلاً على التقبل لا على التعلل.
الشعراء 26:14
ثم زاد في الاعتذار في طلب العون خوفاً من أن يقتل قبل تبليغ الرسالة بقوله :﴿ولهم علي ذنب﴾ أي : تبعه ذنب فحذف المضاف، أو سمى باسمه كما يسمى جزاء السيئة سيئة وهو قتله القبطي وسماه ذنباً على زعمهم، وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع. ﴿فأخاف﴾ بسبب ذلك ﴿أن يقتلون﴾ أي : يقتلونني به.
الشعراء 26:15
﴿قال﴾ الله تعالى ﴿كلا﴾ أي : ارتدع عن هذا الكلام فإنه لا يكون شيءُ، مما خفت لا قتل ولا غيره، وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام عليه من الصدق من البراهين المقوية لصاحبها الشارحة لصدره العلية لأمره عدّ عدماً، وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك.
﴿فاذهبا﴾ أي : أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتك به مؤيدين ﴿بآياتنا﴾ الدالة على صدقكما.
تنبيه :﴿فاذهبا﴾ عطف على ما دلّ عليه حرف الردع من الفعل كأنه قيل : ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك بآياتنا ﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿معكم مستمعون﴾ أي : سامعون لأنه تعالى لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية، ومنه قوله تعالى :﴿قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً﴾ ( الجن، ١ )
ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه : أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :«من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه البرم » وهو الكحل المذاب ويروى : البيرم وهو بزيادة الياء، فإن قيل : لم قال معكم بلفظ الجمع وهما اثنان ؟ أجيب : بأنه تعالى أجراهما مجرى الجمع تعظيماً لهما، أو معكما ومع بني إسرائيل يسمع ما يجيبكم فرعون.
الشعراء 26:16
﴿فأتيا﴾ أي : فتسبب عن ذهاب ما ذكرت بالحراسة والحفظة أني أقول لكما ائتيا ﴿فرعون﴾ نفسه وإن عظمت مملكته وجلت جنوده ﴿فقولا﴾ أي : ساعة وصولكما له ولمن عنده ﴿إنا رسول رب العالمين﴾ أي : المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم مصالحهم، فإن قيل : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله تعالى :﴿إنا رسولا ربك﴾ ؟ ( طه، ٤٧ ) أجيب : بأن الرسول يكون بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وأما ههنا فهو إما لأنه مصدر بمعنى الرسالة والمصدر يوحد ومن مجيء رسول بمعنى الرسالة قوله :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم؍ بسرّ ولا أرسلتهم برسول؍
أي : برسالة، والواشون الساعون بالكذب عند ظالم وما فهت بمعنى ما تكلمت، وإما لأنهما ذوا شريعة واحدة فنزلا منزلة رسول، وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما فصارا كالشيئين المتلازمين كالعينين واليدين، وقال أبو عبيدة : يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع تقول العرب هذا رسولي ووكيلي وهذان رسولي ووكيلي وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال تعالى :﴿وهم لكم عدوّ﴾ ( الكهف : ٥٠ ).
الشعراء 26:17
ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبراً بأداة التفسير، لأنّ الرسول فيه بمعنى الرسالة التي تتضمن القول :﴿أن﴾ أي : بأن ﴿أرسل﴾ أي : خل وأطلق، وأعاد الضمير على معنى رسول فقال ﴿معنا بني إسرائيل﴾ أي : قومنا الذين استعبدتهم ظلماً ولا سبيل لك عليهم نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله تعالى بها على ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسلام، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفاً، ويروى أن موسى رجع مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصاه ومكتل معلق في رأس العصا وفيه زاده فدخل داره نفسه وأخبر هارون بأن الله تعالى أرسلني إلى فرعون وأرسل إليك حتى ندعو فرعون إلى الله تعالى، فخرجت أمهما وصاحت، وقالت إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع بقولها وذهبا إلى باب فرعون ليلاً ودقا الباب ففزع البوابون وقالوا من بالباب، وروي أن البواب اطلع عليهما وقال من بالباب ومن أنتما ؟ فقال موسى أنا رسول رب العالمين فذهب البواب إلى فرعون وقال إن مجنوناً بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون ائذن له لعلنا نضحك منه، وقيل : لم يؤذن لهما إلى سنة فدخلا عليه وأديا رسالة الله عز وجل فعرف فرعون موسى لأنه نشأ في بيته.
الشعراء 26:18
فلما عرفه ﴿قال﴾ له منكراً عليه ﴿ألم نربك﴾ حذف، فأتيا فرعون فقالا له ذلك لأنه معلوم لا يشتبه وهذا النوع من الاختصار كثير في القرآن ﴿فينا﴾ أي : في منازلنا ﴿وليداً﴾ أي : صغيراً قريباً من الولادة بعد فطامه ﴿ولبثت فينا﴾ أي : في عزنا باعتبار انقطاعك إلينا وتعززك بنا ﴿من عمرك سنين﴾ ثلاثين سنة فما لنا عليك من الحق ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا، وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدّة مقامه عنده بأنها كانت نكدة لأنه وقع فيما كان يخافه وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال، وكان موسى يلبس من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان يسمى ابنه، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء، والباقون بالإدغام.
الشعراء 26:19
ولما ذكره ما يحمله على الحياء منه ذكره ذنباً يخاف من عاقبته فقال مهولاً له بالكناية ﴿وفعلت فعلتك﴾ أي : من قتل القبطي، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيراً إلى أنه عامله بالحلم تخجيلاً له فقال ﴿التي فعلت وأنت﴾ أي : والحال أنك ﴿من الكافرين﴾ قال الحسن والسدي من الكافرين بإلهك ومعناه : على ديننا هذا الذي تعيبه، وقال أكثر المفسرين أي : الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد يقول ربيناك فكافأتنا أن قتلت منا نفساً وكفرت بنعمتنا وهذا رواية العوفي عن ابن عباس : وقال إنّ فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية.
الشعراء 26:20
﴿قال﴾ له موسى مجيباً على طريقة النشر المشوش واثقاً بوعد الله تعالى بالسلامة ﴿فعلتها إذاً﴾ أي : إذ قتلته ﴿وأنا من الضالين﴾ أي : من الجاهلين بأنّ ذلك يؤدّي إلى قتله، أو المخطئين كمن يقتل خطأً من غير تعمد للقتل. قال ابن جرير : والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال. وقيل : لا أعرف ذنباً فأنا واثق من كل جهة حتى يوجهني ربي إلى ما شاء.
الشعراء 26:21
﴿ففررت﴾ أي : فتسبب عن فعلها أني فررت ﴿منكم﴾ أي : منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم إياك عليّ ﴿لما خفتكم﴾ على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأً وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مع كونه كافراً مهدر الدم ﴿فوهب لي ربي﴾ الذي أحسن إليّ بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة عليّ مما أحدثتم من الظلم ﴿حكماً﴾ أي : علماً وفهماً، وقيل نبوّة ﴿وجعلني من المرسلين﴾ أي : فاجهد الآن جهدك فإني لا أخافك لقتل ولا غيره.
الشعراء 26:22
ولما اجتمع في كلام فرعون منّ وتعيير، بدأه بجوابه عن التعيير ولأنه الأخير فكان أقرب ولأنه أهم، وهو معنى ما تقدم من أنه على طريقة النشر المشوش بأن يبدأ بالأخير قبل الأوّل، ولهذا كرّ على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله موبخاً له مبكتاً منكراً عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالاً في القول وإحساناً في الخطاب وأبى أن تسمى نعمته إلا نقمة بقوله :﴿وتلك﴾ أي : التربية الشنيعة العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها ﴿نعمة تمنها عليّ أن عبدت﴾ أي : تعبيدك وتذليلك قومي ﴿بني إسرائيل﴾ أي : جعلتهم عبيداً ظلماً وعدواناً وهم أبناء الأنبياء ولسلفهم يوسف عليه السلام عليكم من المنة بإحياء نفوسكم أولاً وعتق رقابكم ثانياً، ما لا تقدرون له على جزاء أصلاً ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد فأمرت بقتل أبناءهم فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك، ولو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليمّ فكيف تمن عليّ بذلك ؟ وقيل : معناه إنك تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في تربيته. وقال الحسن : إنك استعبدت بني إسرائيل فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل : إنّ الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا منة لك عليّ لأنّ التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم وهذا ما يعد إنعاماً.
فإن قيل : لم جمع الضمير في منكم وخفتكم مع إفراده في تمنها وعبدت ؟ أجيب : بأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، كما مرّت الإشارة إليه بدليل قوله تعالى :﴿إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ ( القصص : ٢٠ ) وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد.
الشعراء 26:23
ولما قال له بوابه إنّ ههنا من يزعم أنه رسول رب العالمين وأدخله عليه ﴿قال﴾ له ﴿فرعون﴾ عند دخوله حائداً عن جوابه منكراً لخالقه على سبيل التجاهل كما أنكر هؤلاء الرحمان متجاهلين وهم أعرف الناس بغالب أفعاله كما كان فرعون يعرف لقول موسى عليه الصلاة والسلام ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ ( الإسراء : ١٠٢ ) ﴿وما ربّ العالمين﴾ أي : الذي زعمتما أنكما رسوله وإنما أتى بما دون من لأنها يسأل بها عن طلب الماهية كقولك ما العنقاء.
الشعراء 26:24
ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته عدل موسى عليه السلام إلى جواب ممكن فأجاب بصفاته تعالى، كما قال تعالى إخباراً عنه :﴿قال رب﴾ أي : خالق ومبدع ومدبر ﴿السماوات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ وإن تباعدت أجرامها بعضها من بعض ﴿وما بينهما﴾ أي : بين السماوات والأرض فأعاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين وخصه بهذه الصفات لأنها أظهر خواصه وآثاره وفيه إبطال لدعواه أنه إله، ومعنى قوله ﴿إن كنتم موقنين﴾ أي : إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدّي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب و إلا لم ينفع، أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وإنارة دليله.
الشعراء 26:25
ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق ﴿قال﴾ فرعون ﴿لمن حوله﴾ من أشراف قومه، قال ابن عباس : وكانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة وكانت للملوك خاصة ﴿ألا تستمعون﴾ جوابه الذي لم يطابق السؤال، سألته عن حقيقته وهو يجيبني بالفاعلية. ولما كان يمكن أن يعتقد أن السماوات والأرضين واجبة لذاتها فهي غنية عن الخالق.
الشعراء 26:26
﴿قال﴾ لهم موسى زيادة في البيان ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السماوات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لهم ولآبائهم، إذ لا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم لأنّ المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته واستحال وجوده إلا بالمؤثر فكان التعريف بهذا الأثر أظهر ولكن فرعون لم يكتف بذلك.
الشعراء 26:27
ولهذا ﴿قال إنّ رسولكم﴾ على طريق التهكم إشارة إلى أنّ الرسول ينبغي أن يكون أعقل الناس ثم زاد الأمر بقوله :﴿الذي أرسل إليكم﴾ أي : وأنتم أعقل الناس ﴿لمجنون﴾ لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فكيف يصلح للرسالة من الملوك ؟
الشعراء 26:28
فلما قال ذلك عدل موسى عليه السلام إلى طريق ثالث أوضح من الثاني بأن ﴿قال رب المشرق والمغرب﴾ أي : الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما ﴿وما بينهما﴾ من المخلوقات لأنّ التدبير المستمرّ على هذا الوجه العجيب لا يتمّ إلا بتدبير مدبر قادر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكر موسى عليه الصلاة السلام بقوله :﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ فأجابه نمروذ ﴿أنا أحيي وأميت﴾ ( البقرة : ٢٥٨ ) فقال ﴿فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبُهت الذي كفر﴾ ( البقرة : ٢٥٨ ) وهو الذي ذكره موسى عليه السلام بقوله :﴿رب المشرق والمغرب﴾ وأما قوله :﴿إن كنتم تعقلون﴾ فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لك، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته لك.
الشعراء 26:29
فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق وعدل إلى التخويف بأن ﴿قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ أي : واحداً ممن هم في سجني على ما تعلم من حالي في اقتداري ومن سجوني وفظاعتها، ومن حال من فيها من شدّة الحصر والغلظ في الحجر. قال الكلبي : كان سجنه أشدّ من القتل لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق وحده لا يسمع ولا يبصر فيها شيئاً، وقرأ ابن كثير وحفص وعاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام
الشعراء 26:30
ثم ذكر موسى عليه السلام كلاماً مجملاً ليعلق فرعون قلبه به فيعدل عن وعيده، بأن ﴿قال﴾ مدافعاً بالتي هي أحسن إرخاء للعنان لإزادة البيان معنىً لا يبقى معه عذر ولا نسيان، لأنّ من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف والرجوع إلى الحق والاعتراف ﴿أولو﴾ أي : أتسجنني ولو ﴿جئتك بشيءٍ مبين﴾ أي : هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بشيء بدليلين يدلان على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله.
الشعراء 26:31
فعند ذلك ﴿قال﴾ طمعاً في أن يجد موضعاً للتكذيب أو التلبيس ﴿فأت به﴾ أي : تسبب عن قولك هذا أني أقول ائت بذلك الشيء ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي : فيما ادعيت من الرسالة.
تنبيه : الواو في أولو جئتك واو الحال وليتها الهمزة بعد حذف الفعل كما علم من التقرير، فإن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأوّل وهو قوله أولو جئتك بشيء مبين أي : بآية بينة والمعجز لا يدل على ذلك كدلالة سائر ما تقدم ؟ أجيب : بأنه يدل بما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه ما تقدم.
الشعراء 26:32
﴿فألقى﴾ أي : فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى موسى ﴿عصاه﴾ التي تقدم في غير سورة أنّ الله تعالى أراه إياها ولم يصرّح باسمه اكتفاء بضميره لأنه غير ملتبس ﴿فإذا هي ثعبان﴾ أي : حية في غاية الكبر ﴿مبين﴾ أي : ظاهر ثعبانيته، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت إلى السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون أسألك بالذي أرسلك إلا ما أخذتها فأخذها فعادت عصا، فإن قيل : كيف قال هنا ﴿ثعبان مبين﴾ وفي آية أخرى ﴿فإذا هي حية تسعى﴾ ( طه : ٢٠ )
وفي آية ثالثة ﴿كأنها جان﴾ ( النمل : ١٠ ) والجان مائل إلى الصغر والثعبان إلى الكبر ؟ أجيب : بأن الحية اسم الجنس ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى :﴿والجانّ خلقناه من قبل من نار السموم﴾ ( الحجر : ٢٧ ) ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجان ثم عظمت فصارت ثعباناً.
الشعراء 26:33
ثم إنّ موسى عليه السلام لما أراه آية العصا قال فرعون هل غيرها قال : نعم ﴿ونزع يده﴾ أي : التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون، وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجزوا عن إبرائها نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه ﴿فإذا هي﴾ بعد النزع ﴿بيضاء للناظرين﴾ يضيء الوادي من شدّة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر ويسدّ الأفق.
الشعراء 26:34
فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً أوّلها أن ﴿قال للملأ حوله﴾ لما وضح له الأمر يمّوه على عقولهم : خوفاً من إيمانهم ﴿إنّ هذا لساحر عليم﴾ أي : شديد المعرفة بالسحر، حوله : حال من الملأ ومفعول القول، قوله :﴿إن هذا لساحر عليم﴾.
الشعراء 26:35
ولما أوقعهم بما جبلهم به أحماهم لأنفسهم فقال ملغياً لجلباب الإلهية لما قهره من سلطان المعجزة ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم﴾ أي : هذه التي هي قوامكم ﴿بسحره﴾ أي : بسبب ما أتى به، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد، ثم قال لقومه الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم، ما دل على أنه حارت قواه فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه لما استولى عليه من الدهش والحيرة حتى جعل نفسه مأموراً بعد أن كان يدعي كونه آمراً بل إلهاً قادراً ﴿فماذا تأمرون﴾ أي : في مدافعته عما يريد بنا.
الشعراء 26:36
﴿قالوا﴾ أي : الملأ الذين كانوا حوله ﴿أرجه وأخاه﴾ أي : أخر أمرهما ومناظرتهما إلى اجتماع السحرة، ولم يأمر بقتلهما ولا بما يقاربه، فسبحان من يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه. وقرأ قالون بغير همز واختلاس كسرة الهاء، وورش والكسائي بغير همز وإشباع حركة كسرة الهاء، وابن كثير وهشام بالهمزة الساكنة وصلة الهاء مضمومة، وأبو عمرو بالهمزة وضم الهاء مقصورة، وابن ذكوان بالهمزة وكسر الهاء مقصورة، وعاصم وحمزة بغير همز وإسكان الهاء ﴿وابعث في المدائن حاشرين﴾ أي : رجالاً يحشرون السحرة، وأصل الحشر : الجمع بكره، وقيل : إنّ فرعون أراد قتل موسى فقالوا له لا تفعل فإنك إن تقتله دخلت الناس شبهة في أمره، ولكن أخره واجمع له سحرة ليقاوموه ولا يثبت له عليك حجة.
الشعراء 26:37
وعارضوا قوله ﴿إنّ هذا الساحر عليم﴾ بقولهم :﴿يأتوك بكل سحار﴾ أي : بليغ في السحر، فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغة المبالغة ليطمأنوا من نفسه ويسكنوا من بعض قلقه ﴿عليم﴾ أي : متناه في العلم به بعدما تناهى في السحرية، وعبر بالبناء للمفعول في قوله.
الشعراء 26:38
﴿فجمع السحرة﴾ إشارة إلى عظمة ملكه، أي : بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة ﴿لميقات يوم معلوم﴾ أي : في زمانه ومكانه وهو ضحى يوم الزينة كما مرّ في طه، وعن ابن عباس : وافق يوم السبت من أول يوم من سنتهم وهو يوم النيروز.
الشعراء 26:39
﴿وقيل﴾ أي : يقول من يقبل لكونه عن فرعون ﴿للناس﴾ أي : عامّة وقوله ﴿هل أنتم مجتمعون﴾ فيه استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم واستحثاثهم كما يقول الرجل لغلامه هل أنت منطلق إذا أراد أن يحرك منه ويحثه على الانطلاق، كأنما يخيل له أنّ الناس قد انطلقوا وهو واقف، ومنه قول تأبط شراً، اسم شاعر :
هل أنت باعث دينار لحاجتنا؍ أو عبد رب أخا عون بن مخراق؍
أي : هل أنت حاث على إرسال دينار أو عبد رب، اسمي رجلين، والثاني منصوب على محل الأوّل، وأخا عون منادى أو عطف بيان له، وعليه اقتصر الكشاف.
الشعراء 26:40
﴿لعلنا نتبع السحرة﴾ أي : في دينهم ﴿إن كانوا هم الغالبين﴾ أي : لموسى في دينه ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي أن لا يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى، وقيل : أرادوا بالسحرة موسى وهارون وقالوا ذلك على طريق الاستهزاء.
الشعراء 26:41
وعبر بالفاء في قوله :﴿فلما جاء السحرة﴾ أي : الذين كانوا في جميع بلاد مصر إيذاناً بسرعة حشرهم لضخامة ملكه ووفور عظمته ﴿قالوا لفرعون﴾ مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد ومجاز القصد ﴿آئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين﴾ موسى، وأتوا بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفاً له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له.
الشعراء 26:42
﴿قال﴾ مجيباً إلى ما سألوا ﴿نعم﴾ لكم ذلك، وقرأ الكسائي بكسر العين، والباقون بالفتح وزادهم بما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكداً بقوله ﴿وإنكم إذاً﴾ أي : إذا غلبتم ﴿لمن المقربين﴾ أي : عندي، وزاد إذاً هنا زيادة في التأكيد.
الشعراء 26:43
ولما قال لهم فرعون ذلك قالوا لموسى ﴿إمّا أن تلقي وإمّا أن نكون نحن الملقين﴾ ( الأعراف، ١١٥ ). ﴿قال لهم موسى﴾ أي : مريداً لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقاءهم ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ فإن قيل : كيف أمرهم بفعل السحر ؟ أجيب : بأنه لم يرد بذلك أمرهم بالسحر والتمويه بل الأذن بتقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلاً به إلى إظهار الحق.
الشعراء 26:44
﴿فألقوا﴾ أي : فتسبب عن قول موسى عليه السلام وتعقبه أن ألقوا ﴿حبالهم وعصيّهم﴾ أي : التي أعدّوها للسحر ﴿وقالوا﴾ مقسمين ﴿بعزة فرعون﴾ وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته كقولك والله والرحمان ورب العرش وعزة الله وقدرة الله وجلال الله وعظمة الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون » ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسبت لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف، ثم إنهم أكدوا يمينهم بأنواع من التوكيد بقولهم :﴿إنا لنحن﴾ أي : خاصة لا نستثني ﴿الغالبون﴾ وذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.
الشعراء 26:45
﴿فألقى﴾ أي : فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى ﴿موسى عصاه﴾ التي جعلت آية له وتسبب عن إلقائه قوله تعالى :﴿فإذا هي تلقف﴾ أي : تبتلع في الحال بسرعة وهمة ﴿ما يأفكون﴾ أي : ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ويزوّرونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى بالتمويه على الناظرين أو إفكهم، سمى تلك الأشياء إفكاً مبالغة، وقرأ حفص بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف، وشدّد البزي التاء في الوصل وخففها الباقون.
الشعراء 26:46
﴿فأُلقي السحرة﴾ أي : عقب فعلها من غير تلبث ﴿ساجدين﴾ أي : فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقياً ألقاهم من قوة إسراعهم علماً منهم بأنّ هذا من عند الله فأمسوا أتقياء بررة بعدما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة كفرة.
روي أنهم قالوا إن يك ما جاء به موسى سحراً فلن نغلب وإن يك من عند الله فلن يخفى علينا، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به علموا أنه من عند الله فآمنوا. وعن عكرمة أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاآت فسلك به طريقة المشاكلة، وفيه أيضاً : مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحاً، فإن قيل : فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به ؟.
أجيب : بأنه الله تعالى بما خوّلهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة، قال الزمخشري : ولك أن لا تقدر فاعلاً لأنّ ألقوا بمعنى خرّوا وسقطوا.
الشعراء 26:47
ولما كان كأنه قيل : هذا فعلهم فما كان قولهم : قيل :﴿قالوا آمنا برب العالمين﴾ أي : الذي دعا إليه موسى عليه السلام أول ما تكلم.
الشعراء 26:48
وقولهم :﴿رب موسى وهارون﴾ عطف بيان لرب العالمين، لأنّ فرعون كان يدعي الربوبية وأرادوا أن يعذلوه، ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا إليه موسى وهارون عليهما السلام.
الشعراء 26:49
ولما آمن السحرة بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه : إنّ هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى عليه السلام فيسلكون طريقهم، فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه :
أحدها : أن ﴿قال آمنتم له﴾ أي : لموسى ﴿قبل أن آذن﴾ أي : أنا ﴿لكم﴾ فمسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه.
تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان، قرأ الجميع بإبدال الثانية ألفاً، وحقق الثانية حمزة والكسائي وشعبة، وسهلها الباقون غير حفص فإنه أسقط الأولى والثانية عنده هي المبدوء بها.
ثانيها : قوله ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ وهذا تصريح بما رمز به أولاً وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى وإلا ففي قوة السحر أن تفعلوا مثل ما يفعل.
ثالثها : قوله ﴿فلسوف تعلمون﴾ وهو وعيد وتهديد شديد.
رابعها : قوله :﴿لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾ أي : يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى ﴿ولأصلبنكم أجمعين﴾ وهذا الوعيد من أعظم الإهلاكات.
الشعراء 26:50
ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين : الأول : قولهم :﴿قالوا لا ضير﴾ أي : لا ضرر علينا وخبر لا محذوف تقديره في ذلك ﴿إنا﴾ أي : بفعلك ذلك فينا إن قدّرك الله تعالى عليه ﴿إلى ربنا﴾ الذي أحسن إلينا بالهداية بعد موتنا بأي وجه كان ﴿منقلبون﴾ أي : راجعون في الآخرة.
الشعراء 26:51
الثاني : قولهم :﴿إنا نطمع﴾ أي : نرجو ﴿أن يغفر﴾ أي : يستر ستراً بليغاً ﴿لنا ربنا خطايانا﴾ أي : التي قدمناها على كثرتها ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم :﴿أن كنا﴾ أي : كونا هو لنا كالجبلة ﴿أول المؤمنين﴾ أي : من أهل هذا المشهد أو من رعية فرعون أو من أهل زمانهم.
الشعراء 26:52
ولما ظهر من أمر فرعون ما شاهدوه وخيف أن يقع منه ببني إسرائيل وهم الذين آمنوا وكانوا في قوم موسى عليه السلام ما يؤدّي إلى الاستئصال أمره الله تعالى أن يسري بهم كما قال تعالى :﴿وأوحينا﴾ أي : بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود ﴿إلى موسى أن أسر﴾ ليلاً ﴿بعبادي﴾ وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوّاً وفساداً، وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون ووصل الهمزة بعدها من سرى، وقرأ الباقون بسكون النون وقطع الهمزة بعدها، ثم علل أمره له بالسير في الليل بقوله تعالى :﴿إنكم متبعون﴾ أي : لا تظنّ أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر بحري، والمراد : يوافقهم عند البحر، ولم يكتم إتباعهم عن موسى لعدم تأثره به، والمعنى : أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدّموا ويتبعوكم حتى يدخلوا مدخلكم ويسلكوا مسلككم من طريق البحر فأطبقه عليهم.
روي : أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى أن أجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها أبوابكم فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتاً على بابه دم وآمرهم بقتل أبكار القبط واختبزوا خبزاً فطيراً فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، وروي أنّ قوم موسى قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيداً ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر.
الشعراء 26:53
فلما سمع فرعون ذلك جمع قومه وتبعهم كما قال تعالى :﴿فأرسل فرعون﴾ أي : لما أصبح وعلم بهم ﴿في المدائن حاشرين﴾ أي : رجالاً يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكاً لهممهم.
الشعراء 26:54
﴿إن هؤلاء﴾ إشارة بأداة القرب تحقيراً لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا لما بهم من العجز وبآل فرعون من القوّة فليسوا بحيث يخاف قوتهم ﴿لشرذمة﴾ أي : طائفة وقطعة من الناس ﴿قليلون﴾ أي : بالنسبة إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى فذكرهم أولاً بالاسم الدال على القلة بالشرذمة وهي الطائفة القليلة، ومنها قولهم : ثوب شرذم للذي بلي وتقطع قطعاً، ثم جعلهم قليلاً بالوصف ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً واختار جمع السلامة الذي هو للقلة مع أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً وسماهم بشرذمة قليلين وذلك بالنسبة لما أرسله خلفهم، فإنّ الذي أرسله فرعون في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور ومع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم وكان مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وعن ابن عباس خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث فلذلك استقل قوم موسى، قال الزمخشري ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والقماءة ولا يريد قلة العدد، والمعنى : أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع عليهم غلبتهم وعلوّهم ولكنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا، كما قال تعالى عنهم.
الشعراء 26:55
﴿وإنهم لنا لغائظون﴾ أي : بما فجعونا به من أنفسهم وبما استعاروه من الزينة من الأواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة فلا رحمة في قلوبهم بجمعهم.
الشعراء 26:56
﴿وإنا لجميعٌ حذرون﴾ أي : من عادتنا الحذر والتيقظ واستعمال الحزم في الأمور فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه، وقرأ ابن ذكوان والكوفيون بألف بعد الحاء، والباقون بغير ألف، قال أبو عبيدة والزجاج : هما بمعنى واحد يقال رجل حذر وحذور وحاذر بمعنى، وقيل بل بينهما فرق فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف.
قيل : الأول للتجدّد لأنه اسم فاعل، والثاني : للثبات لأنه صفة مشبهة وقيل : الحاذر المتبلج الذي له شوكة السلاح وهو أيضاً من الحذر لأنّ ذلك إنما يفعل حذراً، يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر وأنه يجزئه أربعة أجزاء : أحدها : لوزرائه وكتابه وجنده والثاني : لحفر الأنهار وعمل الجسور والثالث : له ولولده والرابع : يفرّق في المدن، فإن لحقهم ظلم أو ظمأ أو اشتجار أو فساد غلة أو موت عوامل قوّاهم به، ويروى أنه قصده قوم فقالوا نحتاج إلى أن نحفر خليجاً لنعمر ضياعنا فأذن في ذلك واستعمل عليهم عاملاً فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال فسأل عن مبلغ ما أنفقوه في خليجهم فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال : اطرحوها عليهم فإنّ الملك إذا استغنى بمال الرعية يعني رعيته افتقر، وإن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا.
الشعراء 26:57
ولما كان التقدير فأطاعوا أمره ونفروا على كل صعب وذلوا، عطف عليه قوله تعالى بما آل إليه أمرهم ﴿فأخرجناهم﴾ أي : فرعون وجنوده بما لنا من القدرة من مصر ليلحقوا بموسى وقومه إخراجاً حثيثاً مما لا يسمع أحد بالخروج منه ﴿من جنات﴾ أي : بساتين كانت على جانبي النيل يحق لها أن تذكر ﴿وعيون﴾ أي : أنهار جارية في الدور من النيل، وقيل : عيون تخرج من الأرض لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر.
الشعراء 26:58
﴿وكنوز﴾ أي : أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوز لأنها لم يعط حق الله منها وما لم يعط حق الله تعالى منه فهو كنز وإن كان ظاهراً، قيل : كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق في عنق كل فرس طوق من ذهب ﴿ومقام﴾ من المنازل ﴿كريم﴾ أي : مجلس حسن للأمراء والوزراء بحقه اتباعهم، وعن الضحاك : المنابر وقيل : السرر في الحجال، وذكر بعضهم أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب.
الشعراء 26:59
﴿كذلك﴾ أي : أخرجنا كما وصفنا ﴿وأورثناها﴾ أي : تلك النعم السنية بمجرّد خروجهم بالقوّة وبعد إغراق فرعون وجنوده بالفعل ﴿بني إسرائيل﴾ أي : جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعاً يمنعهم منها بعد أن كانوا مستعبدين بين أيدي أربابها، واستشكل إرثهم لها بالفعل لقوله تعالى في الدخان ﴿قوماً آخرين﴾ ( الدخان، ٢٨ ) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في ذلك المحل. بل قيل : إنّ بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ذلك.
الشعراء 26:60
ولما وصف تعالى الإخراج وصف أثره بقوله تعالى : مرتباً عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوّة :﴿فأتبعوهم﴾ أي : جعلوا أنفسهم تابعة لهم ﴿مشرقين﴾ أي : داخلين في وقت شروق الشمس بطلوعها صبيحة الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن ذلك على حكم العادة في أقل من عشرة أيام فإنه تعجز الملوك عن مثله، واستمرّوا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم.
الشعراء 26:61
﴿فلما تراءى الجمعان﴾ أي : رأى كل منهما الآخر ﴿قال أصحاب موسى﴾ ضعفاً وعجزاً استصحاباً لما كانوا فيه عندهم من الذل، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل وذلك محقق لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم بأصحاب دون بني إسرائيل ؛ لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم ﴿إنا لمدركون﴾ أي : يدركنا فرعون وقومه وقد صرنا بين سدّين العدّو وراءنا والبحر أمامنا ولا طاقة لنا بذلك.
الشعراء 26:62
﴿قال﴾ أي : موسى عليه السلام وثوقاً بوعد الله تعالى ﴿كلا﴾ أي : لا يدركونكم أصلاً، ثم علل ذلك تسكيناً لهم بقوله ﴿إن معي ربي﴾ أي : بنصره فكأنهم قالوا وما عساه يفعل وقد وصلونا قال ﴿سيهدين﴾ أي : يدلني على طريق النجاة، روي : أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى عليه السلام فقال أين تذهب فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون قال : أمرت بالبحر ولعلي أؤمر بما أصنع.
الشعراء 26:63
﴿فأوحينا﴾ أي : فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا ونوّه باسم الكليم جزاء له على ثقته به سبحانه وتعالى، فقال تعالى :﴿إلى موسى﴾ وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله تعالى :﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ أي : الذي أمامكم وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرّفة وما والاها، وقيل : النيل، فضربه ﴿فانفلق﴾ بسبب ضربه لما ضربه امتثالاً لأمر ربه وصار اثني عشر فرقاً على عدد أسباطهم ﴿فكان كل فرق﴾ أي : جزء وقسم عظيم منه ﴿كالطود﴾ أي : الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان ﴿العظيم﴾ المتطاول في السماء الثابت في قعره لا يتزلزل لأنّ الماء كان منبسطاً في أرض البحر فلما انفلق وانكشف فيه الطريق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء بين تلك الأجزاء مسالك سلكوها لم يبتل منها سرج الراكب.
قال الزجاج : لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج كالجبال، فقال يوشع : يا كليم الله يا ابن امرأة عمران قد غشينا فرعون والبحر أمامنا، فقال موسى : ههنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر دابته الماء، وقال الذي يكتم إيمانه : يا كليم الله أين أمرت قال : ههنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء، وصنع القوم مثل ذلك فلم يقدروا فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه، فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق فإنّ الرجل على فرسه لم يبتلّ سرجه ولا لبده.
روي : أنّ موسى قال عند ذلك يا من كان قبل كل شيء والمكوّن لكل شيء والكائن بعد كل شيء، وهذا معجز عظيم من وجوه : أحدهما : أن تفرّق ذلك الماء معجز وثانيها : أنّ اجتماع ذلك الماء فوق كل فرق منه حتى صار كالجبل معجز أيضاً، وثالثها : أنه ثبت في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي تكامل معه عدد بني إسرائيل وهذا معجز ثالث، ورابعها : أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر بعضهم إلى بعض وهذا معجز رابع، وخامسها : أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب آل فرعون فطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص موسى عليه السلام وهذا معجز خامس.
فائدة : لكل من جميع القراء في الراء من فرق الترقيق والتفخيم. ولما كان التقدير : وأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق عطف عليه.
الشعراء 26:64
﴿وأزلفنا﴾ أي : قربنا بعظمتنا ﴿ثم﴾ أي : هناك ﴿الآخرين﴾ أي : فرعون وقومه حتى سلكوا مسالكهم وقال أبو عبيدة : وأزلفنا أخلفنا، ومنه ليلة المزدلفة أي : ليلة الجمع، عن عطاء بن السائب : أنّ جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل ويقول ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل القبط ويقول رويدكم ليلحق آخركم أولكم.
الشعراء 26:65
﴿وأنجينا موسى ومن معه﴾ وهم من تبعوه من قومه وغيرهم ﴿أجمعين﴾ أي : لم نقدّر على أحد منهم الهلاك بل أخرجناهم من البحر على هيئته المذكورة.
الشعراء 26:66
﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ أي : فرعون وقومه أجمعين بانطباق البحر عليهم لما تم دخولهم البحر وخروج بني إسرائيل منه، ويقال هذا البحر بحر القلزم، وقيل : هو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
الشعراء 26:67
﴿إنّ في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة موسى وفرعون وما فيها من العظات ﴿لآية﴾ أي : علامة عظيمة دالة على قدرة الله تعالى لأنّ أحداً من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته وكون وقوعه مصلحة في الدين والدنيا أو على صدق موسى لكونه معجزة له وعلى التحذير عن مخالفة أمر الله تعالى ورسوله عليه السلام، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه قد يغتم بتكذيب قومه معه ظهور المعجزات عليه فنبه الله تعالى بهذا الذكر على أنّ له أسوة بموسى وغيره ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي : أهل مصر الذين شاهدوها والذين وعظوا بسماعها ﴿مؤمنين﴾ أي : متصفين بالإيمان الثابت، أما القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليه السلام، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم متزلزلاً يتعنت كل قليل ويقول ويفعل ما هو كفر حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى عليه السلام ومن بعده، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلهاً كالأصنام التي مرّوا عليها، وأمّا غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف وأمرهم مشاهد مكشوف فقد سألوه بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وطلبوا رؤية الله جهرة.
الشعراء 26:68
﴿وإن ربك﴾ أي : المحسن إليك بإعلاء أمرك واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك ﴿لهو العزيز﴾ أي : القادر على الانتقام من كل فاجر ﴿الرحيم﴾ بعباده لأنه تعالى أفاض عليهم نعمه وكان قادراً على أن يهلكهم، فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله.
الشعراء 26:69
ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من قصة موسى عليه السلام ليعرف محمداً صلى الله عليه وسلم أن تلك المحن التي أصابته كانت حاصلة لموسى، أتبعه دلالة على رحمته وزيادة في تسلية نبيه قصة إبراهيم عليه السلام وهي القصة الثانية بقوله تعالى :﴿واتل﴾ أي : اقرأ قراءة متتابعة يا أشرف الخلق ﴿عليهم﴾ أي : كفار مكة وقوله تعالى :﴿نبأ﴾ أي : خبر ﴿إبراهيم﴾ قراءة نافع وابن كثر وأبو عمرو في الوصل بتسهيل الهمزة الثانية، وحققها الباقون، وفي الابتداء بالثانية الجميع يحققون ويبدل منه.
الشعراء 26:70
﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لأبيه وقومه﴾ منبهاً لهم على ضلالهم لا مستعلماً لأنه كان عالماً بحقيقة حالهم ولكنه سألهم بقوله :﴿ما﴾ أي : أي شيء ﴿تعبدون﴾ أي : تواطئون على عبادته ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول للتاجر ما مالك وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول الرقيق جمال وليس بمال.
الشعراء 26:71
﴿قالوا﴾ في جوابه ﴿نعبد أصناماً﴾، فإن قيل : قوله عليه السلام ما تبعدون سؤال عن المعبود فحسب، فكان القياس أن يقولوا أصناماً كقوله تعالى :﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ ( البقرة : ٢١٩ ) وكذا قوله تعالى :﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ ( سبأ : ٢٣ )
وكقوله تعالى :﴿ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً﴾ ؟ ( النحل : ٣٠ ) أجيب : بأنّ هؤلاء قد أجابوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين فاشتملت على جواب إبراهيم عليه السلام وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار، ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم : نعبد ﴿فنظل لها عاكفين﴾ ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده، ومثاله أن تقول لبعض الشطار ما تلبس في بلادك فيقول : ألبس البرد الأتحمي فأجر ذيله بين جواري الحيّ، وإنما قالوا نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، يقال ظلّ يفعل كذا إذا فعل بالنهار، والعكوف : الإقامة على الشيء.
الشعراء 26:72
ثم إن إبراهيم عليه السلام ﴿قال﴾ منبهاً على فساد مذهبهم ﴿هل يسمعونكم﴾ أي : يسمعون دعاءكم أو يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿تدعون﴾ عليه، فعلى الأول : هي متعدّية لواحد اتفاقاً، وعلى الثاني : هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني وهو قول الفارسيّ، وعند غيره الجملة المقدرة حال، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام.
الشعراء 26:73
﴿أو ينفعونكم﴾ إن عبدتموهم ﴿أو يضرّون﴾ أي : يضرونكم إن لم تعبدوهم.
الشعراء 26:74
ولما أقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام عليهم هذه الحجة الباهرة وهو أنّ الذي يعبدونه لا يسمع دعاءهم حتى يعرف مقصودهم ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرّ فكيف يعبد ما هذه صفته ولم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا التقليد. ﴿قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك﴾ أي : مثل فعلنا هذا الفعل العالي الشأن ولو لم يكن عند من نعبدهم شيء من ذلك، ثم صوّر إحالة آبائهم في نفوسهم تعظيماً لأمرهم بقولهم :﴿يفعلون﴾ أي : فنحن نفعل كما فعلوا فإنهم حقيقيون منا بأن لا نخالفهم مع سبقهم لنا إلى الوجود فهم أرصن منا عقولاً وأعظم تجربة فلولا أنهم رأوا ذلك حسناً ما واظبوا عليه، وهذا تقليد محض خال عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها.
الشعراء 26:75
ثم إنّ إبراهيم عليه السلام ﴿قال﴾ معرضاً عن جواب كلامهم لما رآه ساقطاً لا يرتضيه عاقل ﴿أفرأيتم﴾ أي : تسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم أرأيتم، أي : إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظراً شافياً ﴿ما كنتم تعبدون﴾ أي : مواظبين على عبادتهم.
الشعراء 26:76
﴿أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ أي : الذين هم أقدم ما يكون فإنّ التقدم والأولية لا يكون برهاناً على الصحة، والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم.
الشعراء 26:77
﴿فإنهم عدوّ لي﴾ أي : أعداء لي، وإنما وحده على إرادة الجنس ويجيء العدوّ والصديق في معنى الواحد والجماعة، قال القائل :
وقوم على ذوي مثرة؍ أراهم عدوّاً وكانوا صديقاً؍
ومنه قوله تعالى :﴿وهم لكم عدوّ﴾ ( الكهف : ٥٠ ) تشبهاً بالمصادر كالحنين والصهيل، وقيل : هو من المقلوب أراد أني عدوّ لهم فإنّ من عاديته فقد عاداك، وقرأ نافع أفرايتم بتسهيل الهمزة التي هي عين الكلمة، ولورش أيضاً إبدالها ألفاً، وأسقطها الكسائي، وحققها الباقون.
فإن قيل : لم قال فإنهم عدوّ لي ولم يقل فإنها عدوّ لكم ؟ أجيب : بأنه عليه السلام صور المسألة في نفسه بمعنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ فاجتنبتها وأراهم أنها نصيحة نصح بها نفسه فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون ذلك أدعى إلى القبول وأبعث إلى الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة ولأنه دخل في باب من التعريض وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح لأنه يتأمل فيه فربما قاده التأمّل إلى التقبل، ومنه ما يحكى عن الشافعيّ رضي الله عنه أن رجلاً واجهه بشيء فقال : لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب، وسمع رجل ناساً يتحدثون في الحجر فقال : ما هو ببيتي ولا ببيتكم، وقوله ﴿إلا رب العالمين﴾ أي : مدبر هذه الأكوان كلها يصح أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى أنهم عدوّ لي لا أعبدهم لكن رب العالمين فإني أعبده، وأن يكون متصلاً على أن الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله تعالى فكأنه قال إلا رب العالمين فإنه ليس بعدوّي بل هو ولي ومعبودي.
الشعراء 26:78
ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضدّ الأقصى من كل ما عليه أصنامهم بقوله :﴿الذي خلقني﴾ أي : أوجدني على هيئة التقدير والتصوير ﴿فهو﴾ أي : فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره ﴿يهدين﴾ أي : إلى الرشاد ولا يعلم باطن المخلوق ويقدر على التصرف فيه غير خالقه ولا يكون خالقه إلا سميعاً بصيراً ضاراً نافعاً له الكمال كله وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارعة لتجددها وتكرّرها، لأنه تعالى لما أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه وإلا فمن هداه إلى أن يتغذى بالدم في البطن امتصاصاً ؟ ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه ؟ ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك ديناً ودنياً.
الشعراء 26:79
﴿والذي﴾ أي :﴿هو﴾ لا غيره ﴿يطعمني ويسقين﴾ أي : يرزقني ويغذيني بالطعام والشراب ولو أراد أعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلاً ولا شرباً، ونبه بذكر الطعام والشراب على ما عداهما.
تنبيه : يجوز في والذي يطعمني ويسقين أن يكون مبتدأ وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه وكذا الذي بعده، ويجوز أن تكون أوصافاً للذي خلقني ودخول الواو جائز كقوله :
إلى الملك القرم وابن الهمام؍ وليث الكتيبة في المزدحم؍
وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة باقتضاء الحكم.
الشعراء 26:80
﴿وإذا مرضت﴾ أي : باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينهما من التنافر الطبيعي ﴿فهو﴾ أي : وحده ﴿يشفين﴾ أي : بسبب تعديل المزاج بتعديل الأخلاط وقسرها عن الاجتماع لا بطبيب ولا غيره.
فإن قيل : لم أضاف المرض إلى نفسه مع أنّ المرض والشفاء من الله تعالى ؟ أجيب : بأنه قال ذلك استعمالاً لحسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام ﴿فأردت أن أعيبها﴾ ( الكهف : ٧٩ ) وقال ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما﴾ ( الكهف، ٨٢ )، وأجاب الرازي بأنّ أكثر أسباب المرض محدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم، وبأنّ الشفاء محبوب وهو من أصول النعم والمرض مكروه وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام تعديد النعم ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى الله تعالى ولا ينتقض ذلك بإسناد الإماتة إليه كما سيأتي، فإنّ الموت ليس بضرّ لأنّ شرط كونه ضرّاً وقوع الإحساس به وحال الموت لا يحصل الإحساس به إنما الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض، ولأنّ الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصها عنها عين السعادة بخلاف المرض.
الشعراء 26:81
﴿والذي يميتني﴾ يقبض روحي في الدنيا ليخلصني من آفاتها ﴿ثم يحيين﴾ للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض، ولهذا التراخي بين الموت والإحياء أتى بثم هنا لأنّ الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة.
الشعراء 26:82
ولما ذكر البعث ذكر ما يترتب عليه بقوله :﴿والذي أطمع﴾ هضماً لنفسه وإطراحاً لأعماله ﴿أن يغفر﴾ أي : يمحو أو يستر ﴿لي خطيئتي﴾ أي : تقصيري عن أن أقدره حق قدره ﴿يوم الدين﴾ أي : الجزاء.
روي أنّ عائشة قالت : قلت : يا رسول الله إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه ؟ قال :«لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال.
فإن قيل : لم قال والذي أطمع والطمع عبارة عن الظنّ والرجاء وهو عليه السلام كان قاطعاً بذلك ؟.
أجيب : بأنّ في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد شيء، فإنه يحسن منه تعالى كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله.
فإن قيل : لم أسند لنفسه الخطيئة مع أنّ الأنبياء معصومون ؟ أجيب : بأنّ مجاهداً قال هي قوله : إني سقيم وقوله : بل فعله كبيرهم هذا وقوله : لسارة هي أختي، ورد بأن هذه معاريض كلام وتخيلات للكفرة وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار، والأولى في الجواب أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم لأنفسهم، ويدل عليه قوله : أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة، وفيه تعليم لأممهم وليكون لطفاً لهم باجتنابهم المعاصي والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط منهم، فإن قيل : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما المغفرة في الدنيا ؟ أجيب : بأنّ أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم.
الشعراء 26:83
ولما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثناء عليه ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته بقوله :﴿رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿هب لي حكماً﴾ أي : عملاً متقناً بالعلم، وقال ابن عباس : معرفة حدود الله وأحكامه، وقال الكلبيّ : النبوّة لأنّ النبيّ ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله، ثم بين أنّ الاعتماد إنما هو على محض الكرم فإن من نوقش الحساب عذب بقوله ﴿وألحقني بالصالحين﴾ أي : الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة وهم الأنبياء والمرسلون، وقد أجابه الله تعالى حيث قال ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ ( البقرة : ١٣٠ ) وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات، فإن قيل : لم لم يقتصر إبراهيم عليه السلام على الثناء ولا سيما يروى عنه أنه قال حسبي من سؤالي علمه بحالي ؟.
أجيب : بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى الحق لأنه قال فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ثم ذكر الثناء ثم ذكر الدعاء لما أنّ الشارع لا بد له من تعليم الشرع فأمّا حين خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعليم الشرع اقتصر على قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي.
تنبيه : الإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع بينه وبينهم في المنزلة والدرجة في الجنة.
الشعراء 26:84
ثم إنه عليه السلام طلب زيادة في الآخرة بقوله :﴿واجعل لي لسان صدق﴾ أي : ذكراً جميلاً وقبولاً عاماً وثناءً حسناً بما أظهرت من خصال الخير ﴿في الآخرين﴾ أي : من الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين لأكون للمتقين إماماً، فيكون لي مثل أجورهم، فإنّ من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، قال ابن عباس : أعطاه الله تعالى بقوله :﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ( الصافات : ٧٨ )
أنّ أهل الإيمان يتولونه ويثنون عليه وقد جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيا الله تعالى بهم ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبيّ الأميّ صلى الله عليه وسلم من قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره.
الشعراء 26:85
ولما طلب عليه السلام سعادة الدنيا وكان لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة طلبها بقوله :﴿واجعلني﴾ أي : مع ذلك كله بفضلك ورحمتك ﴿من ورثة جنة النعيم﴾ لأنّ فيها النظر إلى وجه الله الكريم وهو السعادة الكبرى، شبهها بالأرض الذي يحصل بغير اكتساب إشارة إلى أنها لا تنال إلا بمنه وكرمه لا بشيء من ذلك.
الشعراء 26:86
ولما دعا لنفسه ثنى بأحق الخلق ببره بقوله :﴿واغفر لأبي﴾ بالهداية والتوفيق إلى الإيمان لأنّ المغفرة مشروطة بالإيمان وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط، فقوله :﴿واغفر لأبي﴾ كأنه دعاء له بالإيمان، وقيل : إنّ أباه وعده بالإسلام لقوله تعالى :﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ ( التوبة : ١١٤ )
فدعا له قبل أن يتبين له أنه عدوّ لله كما سبق في سورة التوبة، وقيل : إنّ أباه قال له : إنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً وتقيةً وخوفاً فدعا له لاعتقاده أنّ الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، ولذلك قال في دعائه ﴿إنه كان من الضالين﴾ فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضالّ لما قال ذلك، وقيل : إن الاستغفار للكفار لم يكن ممنوعاً إذ ذاك.
الشعراء 26:87
﴿ولا تخزني﴾ أي : تفضحني ﴿يوم يبعثون﴾ أي : العباد، فإن قيل : كان قوله :﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾ كافياً عن هذا وأيضاً قال تعالى :﴿إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين﴾ ( النحل : ٢٧ ) فما كان نصيب الكفار فقط كيف يخافه المعصوم ؟ أجيب : بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكذا درجات الأبرار خزي المقرّبين وخزي كل واحد بما يليق به.
الشعراء 26:88
ولما نبه عليه السلام على أنّ المقصود هو الآخرة صرح بالتنزيه في الدنيا بقوله :
﴿يوم لا ينفع﴾ أي : أحداً ﴿مال﴾ أي : يفتدى به أو يبذله لشافع أو ناصر وقاهر ﴿ولا بنون﴾ ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم.
الشعراء 26:89
وفي استثناء قوله :﴿إلا من﴾ أوجه : أحدها : أنه منقطع وجرى عليه الجلال المحلي أي : لكن من ﴿أتى الله بقلب سليم﴾ فإنه ينفعه ذلك، الثاني : أنه مفعول به لقوله تعالى : لا ينفع أي : لا ينفع المال والبنون إلا هذا الشخص فإنه ينفعه ماله المصروف في وجوه البرّ وبنوه الصلحاء لأنه علمهم وأحسن إليهم، الثالث : أنه بدل من المفعول المحذوف ومستثنى منه إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحداً من الناس إلا من كانت هذه صفته.
واختلف في القلب السليم على أوجه : قال الرازي أصحها : أنّ المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة، الثاني : أنه الخالص من الشرك والنفاق وهو قلب المؤمن وجرى على هذا الجلال المحلي وأكثر المفسرين، فإنّ الذنوب قل أن يسلم منها أحد، وهذا معنى قول سعيد بن المسيب. السليم : هو الصحيح وهو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض، قال تعالى :﴿في قلوبهم مرض﴾ ( البقرة : ١٠ ) الثالث : أنه الذي سلم وسلّم وأسلم وسالم واستسلم، الرابع : أنه هو اللديغ أي : القلق المنزعج من خشية الله، لكن قال الزمخشريّ : أنّ القولين الأخيرين من بدع التفاسير.
الشعراء 26:90
وقوله تعالى :﴿وأزلفت الجنة﴾ حال من واو يبعثون، ومعنى أزلفت قربت أي : قربت الجنة ﴿للمتقين﴾ فتكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها زيادة إلى شرفهم.
الشعراء 26:91
﴿وبرّزت الجحيم﴾ أي : كشفت وظهرت النار الشديدة ﴿للغاوين﴾ أي : الكافرين فيرونها مكشوفة ويحشرون على أنهم المسوقون إليها زيادة في هوانهم.
تنبيه : في اختلاف الفعلين بترجيح لجانب الوعد على الوعيد حيث قال في حق المتقين وأزلفت أي : قربت وفي حق الغاوين وبرّزت أي : أظهرت ولا يلزم من الظهور القرب.
الشعراء 26:92
﴿وقيل لهم﴾ تبكيتاً وتنديماً وتوبيخاً، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد تحقيراً لهم، ولأنّ المراد نفس القول لا كونه من معين ﴿أينما﴾ أي : أين الذي ﴿كنتم تعبدون﴾ في الدنيا.
الشعراء 26:93
ثم حقر معبوداتهم بقوله تعالى :﴿من دون﴾ أي : من أدنى رتبة من رتب ﴿الله﴾ أي : الملك الذي لا كفء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شرّ هذا اليوم ﴿هل ينصرونكم﴾ بدفع العذاب عنكم ﴿أو ينتصرون﴾ بدفعه عن أنفسهم.
الشعراء 26:94
﴿فكبكبوا﴾ أي : فتسبب عن عجزهم أن ألقوا ﴿فيها﴾ أي : في مهواة الجحيم ﴿هم﴾ أي : الأصنام وما شابهها من الشياطين ونحوهم ﴿والغاوون﴾ أي : الذين ضلوا بهم، والكبكبة : تكرار الكب لتكرير معناه كأنّ من ألقى في النار ينكب مرّة بعد أخرى حتى يستقرّ في قعرها، وقال الزجاج : طرح بعضهم فوق بعض، وقال القتيبي : ألقوا على رؤوسهم.
الشعراء 26:95
﴿وجنود إبليس﴾ وهم اتباعه ومن أطاعه من الإنس والجنّ، وقيل ذريته ﴿أجمعون﴾ ولما لم يتمكنوا من قول في جواب استفهامهم قبل إلقائهم.
الشعراء 26:96
﴿قالوا﴾ أي : العبدة ﴿وهم فيها﴾ أي : الجحيم ﴿يختصمون﴾ أي : مع المعبودات.
الشعراء 26:97
وقولهم :﴿تالله﴾ أي : الذي له جميع الكمال ﴿إن كنا لفي ضلال مبين﴾ أي : ظاهر جدّاً لمن كان له قلب سليم معمول قولهم وما بينهما، وهو وهم فيها يختصمون جملةً حاليةً معترضةً بين القول ومعموله وقيل : إنّ الأصنام تنطق وتخاصم العبدة.
الشعراء 26:98
ويؤيده الخطاب في قولهم :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿نسويكم برب العالمين﴾ في استحقاق العبادة.
تنبيه : إذ منصوب إما بمبين أو بمحذوف أي : ضللنا في وقت تسويتنا لكم بالله في العبادة.
الشعراء 26:99
﴿وما أضلنا﴾ أي : ذلك الضلال المبين عن الطريق البين ﴿إلا المجرمون﴾ أي : الأولون الذين اقتدينا بهم من رؤسائنا وكبرائنا كما في آية أخرى ﴿ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلاً﴾ ( الأحزاب : ٦٧ ) وعن ابن جريج : إبليس وابن آدم الأوّل وهو قابيل وهو أوّل من سنّ القتل وأنواع المعاصي.
الشعراء 26:100
﴿فما﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنه ما ﴿لنا﴾ اليوم وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجار فقالوا ﴿من شافعين﴾ يكونون سبباً لإدخالنا الجنة كالمؤمنين تشفع لهم الملائكة والنبيون.
الشعراء 26:101
﴿ولا صديق حميم﴾ أي : قريب يشفع لنا يقول ذلك الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق : هو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك مع موافقة الدين، وعن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إنّ الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله تعالى أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم » قال الحسن : استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإنّ لهم شفاعة يوم القيامة، فإن قيل : لم جمع الشافع ووحد الصديق ؟ أجيب : بأنّ الشفعاء كثيرون في العادة رحمة له وحسبة وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك، قال الزمخشري : فأعز من بيض الأنوق انتهى. قال الجوهريّ : الأنوق على فعول طير وهو الرخمة وفي المثل أعز من بيض الأنوق لأنها محرزة فلا يكاد يظفر بها لأنّ أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة، وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى له : أي : لا يوجد.
الشعراء 26:102
ولما وقعوا في هذا الهلاك وانتفى عنهم الخلاص تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا :﴿فلو أن لنّا كرّة﴾ أي : رجعة إلى الدنيا ﴿فنكون من المؤمنين﴾ أي : الذين صار الإيمان لهم وصفاً لازماً فأزلفت لهم الجنة.
تنبيه : انظر ما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أوّلاً عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع وعلى تقليدهم آباؤهم الأقدمين فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلاً عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وجل فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله تعالى وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
الشعراء 26:103
﴿إن في ذلك﴾ أي : المذكور من قصة إبراهيم وقومه ﴿لآية﴾ أي : عظة على بطلان الباطل وحقوق الحق ﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي : الذين شهدوا منهم هذا الأمر العظيم الذي سمعوه عنه ﴿مؤمنين﴾ أي : بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة وفي ذلك أعظم تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم.
الشعراء 26:104
﴿وإن ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك ﴿لهو العزيز﴾ أي : القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه ﴿الرحيم﴾ أي : الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم ودفع النقم وإرسال الرسل ونصب الشرائع لكي يؤمنوا أو أحد من ذرّيتهم.
الشعراء 26:105
ولما أتم سبحانه وتعالى قصة الأب الأعظم الأقرب إبراهيم عليه السلام أتبعها بقصة الأب الثاني وهو نوح عليه السلام وهي القصة الثالثة مقدمها لها على غيرها لما له من القدم في الزمان إعلاماً بأنّ البلاء قديم ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنعمة اللتين هما أثراً الغرة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم ثم تعميم النعمة مع كونهم جميع أهل الأرض فقال :﴿كذبت قوم نوح﴾ وهم أهل الأرض كلها من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرّق اللغات ﴿المرسلين﴾ أي : بتكذيبهم نوحاً عليه السلام لأنه أقام الدليل على نبوته بالمعجزة ومن كذب بالمعجزة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي أقدامها في الدلائل على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري عن ذلك فقال : من كذب واحداً من الرسل فقد كذب الكل لأنّ الأخير جاء بما جاء به الأوّل.
تنبيه : القوم يؤنث باعتبار معناه ولذا يصغر على قويمة، ويذكر باعتبار لفظه وتذكيره أشهر، واختير التأنيث ههنا للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال وإلى أنهم مع عتوّهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه وتعالى أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم هباءً منثوراً وكذا من بعدهم ولأجل التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة.
الشعراء 26:106
﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي : في النسب لا في الدين ﴿نوح﴾ وذكر الأخوة زيادة في تسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشار تعالى إلى حسن أدب نوح عليه السلام مع قومه واستجلابهم برفقه ولينه بقوله لهم ﴿ألا تتقون﴾ الله بأن تجعلوا بينكم وبينه وبين الحفظة وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره.
الشعراء 26:107
ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله :﴿إني لكم﴾ أي : مع كوني أخاكم يسرّني ما يسرّكم ويسوءني ما يسوءكم ﴿رسول﴾ أي : من عند خالقكم فلا مندوحة لي عما أمرت به ﴿أمين﴾ أي : مشهور بالأمانة بينكم لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم لي.
الشعراء 26:108
ثم تسبب عن ذلك الرفق الجزم بالأمر فقال :﴿فاتقوا الله﴾ أي : أوجدوا الخوف والحذر والتحرز الذي اختص بالجلال والجمال لتحوزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة ﴿وأطيعون﴾ فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته.
الشعراء 26:109
ثم نفى عن نفسه التهمة بعد أن أثبت أمانته بقوله :﴿وما أسألكم عليه﴾ أي : على هذا الحال الذي أتيتكم به وأشار إلى الإغراق في النفي بقوله ﴿من أجر﴾ لتظنوا أني جعلت الدعاء سبباً لذلك، ثم أكد النفي بقوله ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أجري﴾ أي : ثوابي في دعائي لكم ﴿إلا على رب العالمين﴾ أي : الذي دبر جميع الخلائق ورباهم، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص بفتح الياء في أجري في المواضع الخمسة في هذه السورة، والباقون بالسكون.
الشعراء 26:110
ولما انتفت التهمة تسبب عن انتفائها إعادة ما قدمه إعلاماً بالاهتمام به زيادة في الشفقة عليهم فقال :﴿فاتقوا الله﴾ أي : الذي حاز جميع صفات العظمة ﴿وأطيعون﴾.
الشعراء 26:111
ولما أقام الدليل على نصحه وأمانته ﴿قالوا﴾ أي : قومه منكرين عليه ومنكرين لاتباعه استناداً إلى الكبر الذي ينشأ عنه بطر الحق وغمص الناس أي : احتقارهم ﴿أنؤمن لك﴾ أي : لأجل قولك هذا وما أوتيته من أوصافك ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿اتبعك الأرذلون﴾ أي : فيكون إيماننا بك سبباً لاستوائنا معهم، والرذالة : الخسة والذلة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، قيل : كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة، والصناعة لا تزري بالديانة، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زالت أتباع الأنبياء كذلك حتى كانت من سماتهم وأماراتهم، ألا ترى إلى هرقل حيث سأل أبا سفيان عن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ضعفاء الناس وأراذلهم قال : مازالت أتباع الأنبياء كذلك، وعن ابن عباس هم القافة، وعن عكرمة الحاكة والأساكفة، وعن مقاتل السفلة.
الشعراء 26:112
ولما كانت هذه الشبهة في غاية الركاكة لأنّ نوحاً بعث إلى جميع قومه فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها أجابهم بقوله :﴿قال وما﴾ أي : أي شيء ﴿علمي بما كانوا يعملون﴾ قبل أن يتبعوني أي : مالي وللبحث عن سرائرهم، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة كما حكى الله عنهم في قوله :﴿الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾ ( هود : ٢٧ ).
الشعراء 26:113
ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله :﴿إن﴾ أي : ما ﴿حسابهم﴾ أي : في الماضي والآتي ﴿إلا على ربي﴾ أي : المحسن إليّ فهو محاسبهم ومجازيهم، وأمّا أنا فلست بمحاسب ولا مجاز ﴿لو تشعرون﴾ أي : لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم ما هو دائر على أمور الدنيا فقط ولا نظر له إلى يوم الحساب، فإنّ الغنى غنى الدين والنسب نسب التقوى.
الشعراء 26:114
ولما أوهم قولهم هذا استدعاء طرد هؤلاء الذين آمنوا معه وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه أجابهم بقوله عليه السلام :﴿وما﴾ أي : ولست ﴿أنا بطارد المؤمنين﴾ أي : الذين صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من اتباع شهواتكم.
الشعراء 26:115
ثم علل ذلك بقوله :﴿إن أنا إلا نذير﴾ أي : محذر لا وكيل فاتش على البواطن ولامتنعت عن الاتباع ﴿مبين﴾ أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبساً، وقرأ قالون بمدّ أنا في الوصل بخلاف عنه، والباقون بالقصر.
الشعراء 26:116
ولما أجابهم بهذا الجواب وقد أيسوا مما راموه لم يكن منهم إلا التهديد بأن ﴿قالوا لئن لم تنته﴾ ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب بقولهم :﴿يا نوح﴾ عما تقوله ﴿لتكونن من المرجومين﴾ قال مقاتل والكلبي : من المقتولين بالحجارة، وقال الضحاك : من المشتومين فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم.
الشعراء 26:117
فلذلك ﴿قال﴾ شاكياً إلى الله ما هو أعلم به منه توطئة للدّعاء عليهم ومعرضاً عن تهديدهم له صبراً واحتساباً لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿إنّ قومي كذبون﴾ أي : فيما جئت به فليس الغرض من هذا إخبار الله بالتكذيب لعلمه بأنه عالم الغيب والشهادة ولكنه أراد لا أدعوك عليهم لما آذوني وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوك في وحيك ورسالتك.
الشعراء 26:118
﴿فافتح﴾ أي : احكم ﴿بيني وبينهم فتحاً﴾ أي : حكماً يكون لي فيه فرج وبه من المضيق مخرج فأهلك المبطلين ﴿ونجّني ومن معي﴾ أي : في الدين ﴿من المؤمنين﴾ مما تعذب به الكافرين.
الشعراء 26:119
ثم لما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف أظهره في مظهر العظمة بقوله تعالى :﴿فأنجيناه ومن معه﴾ أي : الذين اتبعوه في الدين على ضعفهم وقلتهم ﴿في الفلك﴾ أي : السفينة وجمعه فُلك قال الله تعالى :﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ ( فاطر : ١٢ ) قالوا حد بوزن قفل والجمع بوزن أسد، وقال تعالى ﴿المشحون﴾ أي : الموقور المملوء من الناس والطير والحيوان لأنّ سلامة المملوء جداً أغرب.
الشعراء 26:120
ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد فقال تعالى :﴿ثم أغرقنا بعد﴾ أي : بعد إنجاء نوح ومن معه ﴿الباقين﴾ أي : من بقي على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوّتهم وكثرتهم.
الشعراء 26:121
﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك ﴿لأية﴾ أي : عظة لمن شاهد ذلك أو سمع به ﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي : العالمين بذلك ﴿مؤمنين﴾ وقد كان ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان بمحض الدليل أن يبادروا بالإيمان حين رأوا أوائل العذاب.
الشعراء 26:122
﴿وإن ربك﴾ المحسن إليك بإرسالك وتكثير أتباعك وتعظيم أشياعك ﴿لهو العزيز﴾ أي : القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة وإهلاكهم في أوّل أوقات المعصية ﴿الرحيم﴾ أي : الذي يخص من شاء من عباده بخالص وداده.
الشعراء 26:123
ولما فرغ من ذكر قصة نوح عليه السلام شرع في قصة هود عليه السلام وهي القصة الرابعة فقال تعالى :﴿كذبت عاد﴾ أي : تلك القبيلة التي مكن الله تعالى لها في الأرض بعد قوم نوح ﴿المرسلين﴾ بالإعراض عن معجزة هود عليه السلام.
الشعراء 26:124
ثم سلى محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي : في النسب لا في الدين ﴿هود﴾ بصيغة العرض تأدباً معهم وتلطفاً بهم ﴿ألا تتقون﴾ أي : يكون منكم تقوى لربكم الذي خلقكم فتعبدونه ولا تشركون به ما لا يضرّكم ولا ينفعكم.
الشعراء 26:125
ثم علل ذلك بقوله :﴿إني لكم رسول﴾ أي : فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك ﴿أمين﴾ أي : لا أكتم عنكم شيئاً مما أمرت به ولا أخالف شيئاً منه.
الشعراء 26:126
﴿فاتقوا﴾ أي : فتسبب عن ذلك أن أقول لكم اتقوا ﴿الله﴾ أي : الذي هو أعظم من كل شيء ﴿وأطيعون﴾ أي : في كل ما آمركم به من طاعة الله وترك معاصيه ومخالفته.
الشعراء 26:127
ثم نفى عن نفسه التهمة في دعائه لهم بقوله :﴿وما﴾ أي : والحال أني ما ﴿أسألكم عليه﴾ أي : دعائي لكم ﴿من أجر﴾ فتتهموني به وإنما أنا رسول داع ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أجري﴾ أي : ثوابي ﴿إلا على رب العالمين﴾ فهو الذي يثيب العبد على عمله.
الشعراء 26:128
ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان أتبعه إنكار بعض ما هم عليه لأنّ حالهم حال الناسي لذلك الطوفان الذي أهلك الحيوان وأهدم البنيان بقوله لهم :﴿أتبنون بكل ريع﴾ جمع ريعة وهو في اللغة المكان المرتفع، ومنه قولهم : كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، وقال ابن عباس : الريع كل شرف، وقال مجاهد : هو الفج بين الجبلين، وقال الضحاك : هو كل طريق ﴿آية﴾ أي : علامة على شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها لكفى بعض ذلك ولكنكم ﴿تعبثون﴾ بمن يمرّ في الطريق إلى هود عليه السلام وتسخرون منه، والجملة حال من ضمير تبنون، وقيل : كانوا يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عن ذلك ونسبوا إلى العبث، وقال سعيد بن جبير : هي بروج الحمام لأنهم كانوا يلعبون بالحمام.
الشعراء 26:129
ثم ذكرهم بزوال الدنيا بقوله :﴿وتتخذون مصانع﴾ قال مجاهد : قصوراً مشيدة، وقال الكلبي هي الحصون، وقال قتادة : هي مأخذ الماء يعني الحياض واحدها مصنعة. ولما كان هذا الفعل حال الراجي للخلود قال لهم ﴿لعلكم﴾ أي : كأنكم ﴿تخلدون﴾ فيها فلا تموتون.
الشعراء 26:130
ثم بين لهم أفعالهم الخبيثة بقوله :﴿وإذا بطشتم﴾ أي : أردتم البطش بأحد بضرب أو قتل ﴿بطشتم جبارين﴾ أي : من غير رأفة، قال البغويّ : والجبار : الذي يضرب ويقتل على الغضب.
تنبيه : إنما قدّرنا الإرادة لئلا يتحد الشرط والجزاء، وجبارين حال.
الشعراء 26:131
ولما خوّفهم هود عليه السلام بهذا الإنكار وهو أنّ اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب الدنيا واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء والجبارية تدل على حب التفرد بالعلوّ وهي ممتنعة الحصول للعبد وخوّفهم بهذا الإنكار عقاب الجبار تسبب عن ذلك قوله :﴿فاتقوا الله﴾ أي : الذي له صفات الجلال والإكرام ﴿وأطيعون﴾ زيادة في دعائهم إلى الآخرة وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالشرف والتجبر.
الشعراء 26:132
ثم وصل هذا الوعظ بما يؤكد القبول بأن نبههم على نعم الله تعالى عليهم بقوله :﴿واتقوا الذي أمدّكم﴾ أي : جعل لكم مدداً وهو اتباع الشيء ما يقوّيه على الانتظام ﴿بما تعلمون﴾ أي : ليس فيه نوع خفاء حتى تغفلوا عن تقييده بالشكر.
الشعراء 26:133
ثم فصل ذلك المجمل بقوله :﴿أمدّكم بأنعام﴾ تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون ﴿وبنين﴾ يعينونكم على ما تريدون عند العجز.
الشعراء 26:134
﴿وجنات﴾ أي : بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها ﴿وعيون﴾ أي : أنهار تشربون منها وتسقون أنعامكم وبساتينكم.
الشعراء 26:135
ثم خوّفهم بقوله :﴿إني أخاف عليكم﴾ قال ابن عباس : إن عصيتموني أي : فإنكم قومي يسوءني ما يسوءكم ﴿عذاب يوم عظيم﴾ في الدنيا والآخرة فإنه كما قدر على الإنعام فهو قادر على الانتقام وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب. ولما بالغ عليه السلام في وعظهم وتنبيههم على نعم الله تعالى حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال :﴿أمدّكم بما تعلمون﴾ ثم عدّدها عليهم وعرّفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه النعمة قادر على الانتقام منكم ولم يقدّر الله تعالى هدايتهم.
الشعراء 26:136
﴿قالوا﴾ له راضين بما هم عليه ﴿سواء علينا أوعظت﴾ أي : خوفت وحذرت ﴿أم لم تكن من الواعظين﴾ فإنا لا نرعوي عما نحن فيه، فإن قيل : لو قيل أوعظت أم لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد ؟ أجيب : بأنّ ذلك لتواخي القوافي، أو لأنّ المعنى ليس واحداً بل بينهما فرق لأنّ المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلاً من أهله ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ.
الشعراء 26:137
وقرأ قوله تعالى :﴿أن﴾ أي : ما ﴿هذا﴾ أي : الذي جئتنا به ﴿إلا خلق الأولين﴾ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الخاء واللام أي : ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين في حياة ناس وموت آخرين وعافية قوم وبلاء آخرين، وقرأ الباقون بضم الخاء وسكون اللام أي : ما هذا إلا كذب الأولين.
الشعراء 26:138
﴿وما نحن بمعذبين﴾ أي : على ما نحن عليه لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبلاغة وبراعة.
الشعراء 26:139
لما تضمن هذا التكذيب تسبب عنه قوله تعالى :﴿فكذبوه﴾ ثم تسبب عن تكذيبهم قوله تعالى :﴿فأهلكناهم﴾ أي : في الدنيا بريح صرصر، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة الحاقة ﴿إن في ذلك﴾ أي : الإهلاك في كل قرن للمكذبين والإنجاء للمصدقين ﴿لآية﴾ أي : عظيمة لمن بعدهم على أنه تعالى فاعل ذلك وحده وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذلّ وأنه على أعدائه ومن كان عليه لا يعز ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي : أكثر من كان بعدهم ﴿مؤمنين﴾ أي : فلا تحزن أنت يا أشرف الرسل على من أعرض عن الإيمان.
الشعراء 26:140
﴿وإن ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم ﴿لهو العزيز﴾ في انتقامه ممن عصاه ﴿الرحيم﴾ في إنعامه وإكرامه وإحسانه مع عصيانه وكفرانه وإرسال المرسلين وتأييدهم بالآيات المعجزة.
الشعراء 26:141
ثم أتبع قصة هود عليه السلام قصة صالح عليه السلام وهي القصة الخامسة بقوله تعالى :﴿كذبت ثمود﴾ وهم أهل الحجر ﴿المرسلين﴾ وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار المثناة عند المثلثة، والباقون بالإدغام.
الشعراء 26:142
وأشار تعالى إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي : في النسب لا في الدين ﴿صالح﴾ بصيغة العرض تأدباً معهم وتلطفاً بهم كقول من تقدم قبله ﴿ألا تتقون﴾ الله.
الشعراء 26:143
ثم علل ذلك بقوله :﴿إني لكم رسول﴾ من رب العالمين فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك ﴿أمين﴾ في جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكم الذي لا أحد أرحم منه بكم.
الشعراء 26:144
ثم تسبب عن قوله :﴿إني لكم رسول﴾ قوله :﴿فاتقوا الله﴾ أي : الذي له الغنى المطلق ﴿وأطيعون﴾ فيما أتيت به من عند الله.
الشعراء 26:145
ثم نفى عنه ما فديتموهم ممن لا عقل له بقوله :﴿وما أسألكم عليه﴾ أي : ما جئتكم به، وأغرق في النفي بقوله ﴿من أجر﴾ ثم زاد في تأكيد هذا النفي بقوله :﴿إن﴾ أي : ما ﴿أجري﴾ على أحد ﴿إلا على رب العالمين﴾ فهو المتفضل المنعم على خلقه.
الشعراء 26:146
ثم شرع ينكر عليهم أكل خيره وعبادة غيره بقوله :﴿أتتركون﴾ أي : من أيدى النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى ﴿في ما ههنا﴾ أي : في بلادكم هذه من النعم حالة كونكم ﴿آمنين﴾ لا تخافون وأنتم تبارزون الملك القهار بالعظائم.
فائدة : تكتب ﴿في ما ههنا﴾ " في " مقطوعة عن " ما ".
الشعراء 26:147
ثم فسر ما أجمله بقوله :﴿في جنات﴾ أي : بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها ﴿وعيون﴾ تسقيها مع مالها من البهجة وغير ذلك من المنافع.
فإن قيل : لم قال ونخل بعد قوله :﴿في جنات﴾ والجنة تتناول النخل أول شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخيل كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير :
تسقى جنة سحقاً؍ . . . . . . . . . . . . . .؍
وسحقاً : جمع سحوق، ولا يوصف به إلا النخل ؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على انفراده عنها بفضله عليها، الثاني : أن يريد بالجنات غيرها من الشجر لأنّ اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل.
الشعراء 26:148
﴿وزروع﴾ أي : من سائر الأنواع ﴿ونخل طلعها﴾ أي : ما يطلع منها من الثمر ﴿هضيم﴾ قال ابن عباس : هو اللطيف، ومنه قوله : كشح هضيم، وقيل : هو الجواد الكريم من قولهم : يد هضوم إذا كانت تجود بما لديها، وقال أهل المعاني هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر، والطلع : عنقود الثمر قبل خروجه من الكمّ، وقال الزمخشري : الطلع هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو والقنو هو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه.
فإن قيل : لم قال ونخل بعد قوله :﴿في جنات﴾ والجنة تتناول النخل أول شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخيل كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير :
تسقى جنة سحقاً؍ . . . . . . . . . . . . . .؍
وسحقاً : جمع سحوق، ولا يوصف به إلا النخل ؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على انفراده عنها بفضله عليها، الثاني : أن يريد بالجنات غيرها من الشجر لأنّ اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل.
الشعراء 26:149
ولما ذكر ما أنعم الله تعالى به عليهم أتبعه أفعالهم الخبيثة بقوله :﴿وتنحتون﴾ أي : والحال أنكم تنحتون إظهاراً للقدرة ﴿من الجبال﴾ وقرأ ﴿بيوتاً﴾ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء، والباقون بكسرها، وقرأ ﴿فرهين﴾ ابن عامر والكوفيون بألف بعد الفاء، أي : حاذقين، وقرأ الباقون بغير ألف، أي : بطرين لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك.
الشعراء 26:150
﴿فاتقوا﴾ أي : فتسبب عن ذلك. أني أقول لكم اتقوا ﴿الله﴾ الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره واجتناب زواجره ﴿وأطيعون﴾ أي : في كل ما أمرتكم به عنه فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم.
الشعراء 26:151
﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين﴾ أي : المجاوزين للحدود، وقال ابن عباس : المشركين، وقال مقاتل : هم التسعة الذين عقروا الناقة.
تنبيه : استعير الطاعة التي هي انقياد للآمر لامتثال الأمر، أو جعل الأمر مطاعاً على المجاز الحكمي والمراد الآمر، ومنه قولهم : لك على أمرة مطاعة وقوله تعالى :﴿وأطيعوا أمري﴾ ( طه : ٩٠ ).
الشعراء 26:152
ثم وصف المسرفين بما بين سرفهم بقوله :﴿الذين يفسدون في الأرض﴾ بالمعاصي ﴿ولا يصلحون﴾ أي : ولا يطيعون الله في أمرهم به، فإن قيل : فما فائدة ولا يصلحون بعد قوله : يفسدون ؟ أجيب : بأنّ في ذلك دلالة على خلوص فسادهم فليس فيه شيء من الصلاح كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطاً ببعض الصلاح.
الشعراء 26:153
ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ قال مجاهد وقتادة : من المسحورين المخدوعين، أي : ممن سحر مرة بعد مرة، أي : حتى غلب على عقله، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أي : من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ولست بملك.
وعلى هذا يكون قولهم :﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ تأكيداً له، قيل المسحور : هو المخلوق بلغة بجيلة أي : فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة
الشعراء 26:154
وعلى هذا يكون قولهم :﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ تأكيداً له، قيل المسحور : هو المخلوق بلغة بجيلة أي : فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة ﴿فأت بآية﴾ أي : علامة تدل على صدقك ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي : الراسخين في الصدق فقال لهم صالح : ما تريدون ؟ قالوا نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقباً فأخذ صالح يتفكر فقال له جبريل : صلّ ركعتين وسل ربك الناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقباً مثلها في العظم، وعن أبي موسى رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعاً.
الشعراء 26:155
فلما رآها ﴿قال﴾ لهم صالح ﴿هذه ناقة﴾ أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ﴿لها شرب﴾ أي : نصيب من الماء في يوم معلوم ﴿ولكم شرب يوم﴾ أي : نصيب من الماء في يوم ﴿معلوم﴾ لا زحام بينكم وبينها، وعن قتادة : إذا كان يوم شربها شربت ماءهم ولا تشرب في يومهم ماء.
الشعراء 26:156
﴿ولا تمسوها بسوء﴾ كضرب وعقر، ثم خوّفهم بما تسبب عن عصيانهم بقوله :﴿فيأخذكم﴾ أي : يهلككم ﴿عذاب يوم عظيم﴾ بسبب ما حل فيه من العذاب فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظيم.
الشعراء 26:157
وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله :﴿فعقروها﴾ أي : فقتلوها بضرب ساقها بالسيف وأسند العقر إلى كلهم لأنّ عاقرها إنما عقر برضاهم فكأنهم فعلوا ذلك ﴿فأصبحوا﴾ أي : فتسبب عن عقرهم لها أنهم أصبحوا حين رأوا مخايل العذاب ﴿نادمين﴾ على عقرها من حيث إنه يفضي إلى العقاب والهلاك لا من حيث إنه معصية الله ورسوله وليس على وجه التوبة، أو كان ذاك عند رؤية البأس فلم ينفعهم.
الشعراء 26:158
﴿فأخذهم العذاب﴾ أي : العذاب الموعود على عقرها ﴿إن في ذلك﴾ أي : ما تقدم في هذه القصة من الغرائب ﴿لآية﴾ أي : دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن الله ﴿وما﴾ أي : والحال أنه مع ذلك ما ﴿كان أكثرهم مؤمنين﴾ بل استمرّوا على ما هم عليه.
الشعراء 26:159
﴿وإنّ ربك﴾ أي : المحسن إليك بأحسن الأخلاق ﴿لهو العزيز﴾ أي : فلا يخرج شيء عن قبضته وإرادته ﴿الرحيم﴾ أي : في كونه لم يهلك أحداً حتى يرسل إليهم رسولاً يبين لهم ما يرتضيه الله تعالى وما يسخطه.
الشعراء 26:160
ثم أتبع قصة صالح عليه السلام قصة لوط عليه السلام وهي القصة السادسة فقال :﴿كذبت﴾ أي : كتكذيب من تقدم كأنهم تواصوا به ﴿قوم لوط المرسلين﴾ لأنّ من كذب رسولاً كما مضى فقد كذب الكل.
الشعراء 26:161
ثم بين إسراعهم في الضلال بقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي : في البلد لا في الدين ولا في النسب لأنه ابن أخي إبراهيم عليهما السلام وهما من بلاد الشرق من أرض بابل، وكأنه عبر بالأخوة لاختياره لمجاورتهم ومناسبتهم بمصاهرتهم وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة وسنين عديدة وإتيانه بالأولاد من نساءهم مع موافقته لهم في أنه قروي ثم بينه بقوله تعالى :﴿لوط﴾ بصيغة العرض كغيره ممن تقدم ﴿ألا تتقون﴾ الله فتجعلون بينكم وبين سخطه وقاية.
الشعراء 26:162
ثم علل ذلك بقوله :﴿إني لكم﴾ أي : خاصة ﴿رسول﴾ فلا تسعني المخالفة ﴿أمين﴾ لا غش عندي ولا خيانة.
الشعراء 26:163
ثم تسبب عن ذلك قوله :﴿فاتقوا الله﴾ أي : الملك العظيم فإنه قادر على ما يريد فلا تعصوه ﴿وأطيعون﴾ أي : لأنّ طاعتي سبب نجاتكم لأني لا آمركم إلا بما يرضيه ولا أنهاكم إلا عما يغضبه.
الشعراء 26:164
ثم نفى عن نفسه ما يتوهم كما تقدم لغيره بقوله :﴿وما أسألكم عليه﴾ أي : الدعاء إلى الله تعالى ﴿من أجر﴾ أي : فتتهموني بسببه ﴿إن أجري إلى على رب العالمين﴾ أي : المحسن إليكم بإيجادكم ثم بتربيتكم.
الشعراء 26:165
ثم وبخهم ووعظهم بقوله :﴿أتأتون الذكران﴾ وقوله ﴿من العالمين﴾ يحتمل عوده إلى الآتي، أي : أنتم من جملة العالمين مخصوصون بهذه الصفة وهي إتيان الذكور ولم يفعل هذا الفعل غيركم من الناكحين من الخلق، ويحتمل عوده إلى المأتي : أي : أنتم اخترتم الذكران من العالمين كالإناث منهم وعلى هذا يحتمل أن يراد الذكران من الآدميين ومن غيرهم توغلاً في الشرّ وتجاهراً بالتهتك، قال البقاعي : وإن يراد الآدميون وجرى عليه البغوي وأكثر المفسرين أي : تريدون الذكران من أولاد آدم مع كثرة الإناث وغلبتهنّ.
الشعراء 26:166
﴿وتذرون﴾ أي : تتركون لهذا الغرض ﴿ما خلق لكم﴾ أي : للنكاح ﴿ربكم﴾ أي : المحسن إليكم وقوله ﴿من أزواجكم﴾ يصلح أن يكون تبييناً أي : وهن الإناث وأن يكون للتبعيض ويكون المخلوق لذلك هو القبل، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم، ثم كأنهم قالوا نحن لم نترك نساءنا أصلاً ورأساً وإن كانوا قد فهموا أنّ مراده تركهن حال الفعل في الذكور، فقال مضرباً عن مقالهم لما أرادوا به حيدة عن الحق وتمادياً في الفجور ﴿بل أنتم قوم عادون﴾ أي : متجاوزون عن حدّ الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل والحيوانات أي : مفرطون في المعاصي، وهذا من جملة ذلك، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان بارتكابكم هذه الجريمة.
الشعراء 26:167
ولما اتضح الحق عندهم وعرفوا أن لا وجه لهم في ذلك وانقطعت حجتهم ﴿قالوا﴾ مقسمين ﴿لئن لم تنته﴾ وسموه باسمه جفاء وغلظة بقولهم :﴿يا لوط﴾ أي : عن مثل إنكارك هذا علينا ﴿لتكونن من المخرجين﴾ أي : ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع من تعنيف واحتباس أملاك كما هو حال الظلمة إذا أجلوا بعض من يغضبون عليه وكما كان يفعل بعض أهل مكة بمن يريد المهاجرة، وفي هذا إشارة إلى أنه غريب عندهم وأنّ عادتهم المستمّرة نفي من اعترض عليهم.
الشعراء 26:168
﴿قال﴾ مجيباً لهم ﴿إني﴾ مؤكداً لمضمون ما يأتي به ﴿لعملكم من القالين﴾ أي : المبغضين غاية البغض لا أقف عن الإنكار عليه بالإبعاد.
تنبيه : قوله من القالين : أبلغ من أن يقول إني لعملكم قالٍ كما تقول فلان من العلماء فيكون أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم، والقلي : البغض الشديد كأنّ البغض يقلي الفؤاد والكبد والقالي المبغض كما قال القائل :
ووالله ما فارقتكم قالياً لكم؍ ولكن ما يقضى عليّ يكون؍
الشعراء 26:169
ثم إنه عليه السلام دعا إلى الله تعالى بقوله :﴿رب نجني وأهلي﴾ وقوله :﴿مما يعملون﴾ يحتمل أن يريد من عقوبة عملهم، قال الزمخشري : وهو الظاهر، ويحتمل أن يريد بالتنجية العصمة.
الشعراء 26:170
ثم إنّ الله تعالى قبل دعاءه كما قال تعالى :﴿فنجيناه وأهله﴾ مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين استخفافهم له ولم نؤخره عنهم إلى حين خروجهم إلا لأجله، وأكد بقوله تعالى :﴿أجمعين﴾ إشارة إلى أنه نجى أهل بيته ومن تبعه على دينه.
الشعراء 26:171
ثم استثنى تعالى من أهل بيته قوله تعالى :﴿إلا عجوزاً﴾ وهي امرأته كائنة ﴿في﴾ حكم ﴿الغابرين﴾ أي : الماكثين الذين تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل لكونها لم تتابعه في الدين ولم تخرج معه وكانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم، وقيل : أنها خرجت فأصابها حجر في الطريق فأهلكها.
فإن قيل : كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة فكيف استثنيت الكافرة منهم ؟ أجيب : بأنّ الاستثناء إنما وقع من أهل بيته كما مرّت الإشارة إليه وفي هذا الاسم لها معهم شركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان، فإن قيل : في الغابرين صفة لها كأنه قيل إلا عجوزاً في الغابرين غابرة ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم ؟ أجيب : بأنّ معناه إلا عجوزاً مقدّراً غبورها، أو في حكمهم كما مرت الإشارة إليه.
الشعراء 26:172
﴿ثم دمرنا﴾ أي : أهلكنا ﴿الآخرين﴾ أي : المؤخرين عن اتباع لوط وفي التعبير بلفظ الآخرين إشارة إلى تأخرهم من كل وجه.
الشعراء 26:173
ثم لما كان المراد بقوله تعالى : دمرنا حكمنا بتدميرهم عطف عليه قوله :﴿وأمطرنا عليهم مطراً﴾ قال وهب بن منبه : الكبريت والنار، وقال قتادة : أمطر الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكتهم ﴿فساء مطر المنذرين﴾ اللام فيه للجنس حتى يصح وقوع المضاف إلى المنذرين فاعل ساء وذلك لأنّ فاعل فعل الذمّ أو المدح يجب أن يكون معرفاً بلام الجنس، أو مضافاً إلى المعرف بلام الجنس ليحصل الإبهام المقصود ثم التفصيل ولا يأتي ذلك في لام العهد، والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم.
الشعراء 26:174
﴿إن في ذلك﴾ أي : إنجاء لوط ومن معه وإهلاك هؤلاء الكفار الفجار ﴿لآية﴾ أي : دلالة عظيمة على ما يصدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم.
ولما كان من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن بعدهم قد علموا أخبارهم وضموا إلى تلك الأخبار نظر الديار والتوسم في الآثار، قال تعجباً من حالهم في ضلالهم ﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم مؤمنين﴾ بما وقع لهؤلاء.
الشعراء 26:175
﴿وإن ربك﴾ وحده ﴿لهو العزيز﴾ أي : في بطشه لأعدائه ﴿الرحيم﴾ في لطفه بأوليائه.
الشعراء 26:176
ثم أتبع قصة لوط عليه السلام بقصة شعيب عليه السلام وهي القصة السابعة قال تعالى :﴿كذب أصحاب الأيكة﴾ أي : الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير الملتف ﴿المرسلين﴾ لتكذيبهم شعيباً عليه السلام فيما أتى به من المعجزة المساوية في خرق العادة وعجز المتحدين بها عن مقاومتها لبقية المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر لَيكة بلام مفتوحة من غير ألف وصل وياء ساكنة ولا همزة قبلها وفتح تاء التأنيث، والباقون بإسكان اللام وقبلها وصل وبعد اللام همزة مفتوحة بعدها ياء ساكنة وخفض تاء التأنيث، قال أبو عبيدة : وجدنا في بعض التفاسير الفرق بين ليكة والأيكة فقيل : ليكة هو اسم للقرية التي كانوا فيها، والأيكة : البلاد كلها فصار الفرق بينهما شبيهاً لما بين مكة وبكة.
الشعراء 26:177
ثم بين تعالى وقت تكذيبهم بقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لهم شعيب﴾ برفق ولطف ﴿ألا تتقون﴾ الله الذي تفضل عليكم بنعمه ولم يقل أخوهم شعيب لأنه لم يكن من أهل الأيكة في النسب لأنهم كانوا أهل بدو وكان عليه السلام قروياً، لأنّ الله تعالى لم يرسل نبياً إلا من أهل القرى تشريفاً لهم، لأنّ البركة والحكمة في الاجتماع، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرب بعد الهجرة وقال :«من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة ولما ذكر مدين قال أخاهم شعيباً لأنه كان منهم وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وأصحاب الأيكة.
الشعراء 26:178
ثم أكد ما قاله بقوله :﴿إني﴾ وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله ﴿لكم رسول﴾ أي : من عند الله فهو أمرني أن أقول لكم ذلك ﴿أمين﴾ أي : لا خيانة عندي ولا غش فلذلك أبلغ جميع ما أرسلت به.
الشعراء 26:179
ولذلك تسبب عنه قوله :﴿فاتقوا الله﴾ أي : المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها ﴿وأطيعون﴾ لما ثبت من نصحي لكم.
الشعراء 26:180
ثم ذكر ما ذكر من تقدّمه من الأنبياء من نفي ما يتوهم أنّ لهم رغبة في أجرة على دعائهم فقال :﴿وما أسألكم عليه﴾ أي : دعائي لكم إلى الإيمان بالله تعالى ﴿من أجر﴾ ثم زاد في البراءة من الطمع في أحد من الخلق بقوله ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أجري إلا على رب العالمين﴾ أي : المحسن إلى الخلائق كلهم فأنا لا أرجو أحداً سواه.
الشعراء 26:181
ثم نصحهم بقوله :﴿أوفوا الكيل﴾ أي : أتموه إتماماً لا شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم ﴿ولا تكونوا من المخسرين﴾ أي : الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن كما قال تعالى :﴿ويل للمطففين ( ١ ) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ ( المطففين : ١، ٢ ) أي : الكيل ﴿وإذا كالوهم﴾ ( المطففين : ٢ ) أي : كالوا لهم ﴿أو وزنوهم﴾ أي : وزنوا لهم ﴿يخسرون﴾ ( المطففين : ٣ ) ينقصون الكيل أو الوزن.
الشعراء 26:182
﴿وزنوا﴾ أي : لأنفسكم ولغيركم ﴿بالقسطاس﴾ أي : الميزان الأقوم وأكد معناه بقوله ﴿المستقيم﴾ وقيل : هو بالرومية العدل، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف، والباقون بالضمّ.
تنبيه : الكيل على ثلاثة أضرب : واف، وطفيف، وزائد، فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله تعالى :﴿أوفوا الكيل﴾ ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله تعالى :﴿ولا تكونوا من المخسرين﴾.
الشعراء 26:183
ولم يذكر الزائد لأنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه، والوزن في ذلك كالكيل، ولهذا عمم في النهي عن النقص بقوله :﴿ولا تبخسوا﴾ أي : تنقصوا ﴿الناس أشياءهم﴾ أي : في كيل أو وزن أو غير ذلك، ثم أتبع ذلك بما هو أعم بقوله ﴿ولا تعثوا﴾ أي : لا تتصرفوا ﴿في الأرض﴾ من غير تأمل حال كونكم ﴿مفسدين﴾ أي : في المال أو غير ذلك كقطع الطريق والقتل.
الشعراء 26:184
ثم خوفهم بعد أن وعظهم ونهاهم عن الفساد من سطوة الجبار ما حل بمن هو أعظم منهم بقوله :﴿واتقوا الذي خلقكم﴾ أي : من نطفة فإعدامكم أهون شيء عليه وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله ﴿والجبلة﴾ أي : الجماعة والأمم ﴿الأولين﴾ الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود الذين بلغت بهم الشدة حتى قالوا من أشدّ منا قوّة، وقد أخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر.
الشعراء 26:185
ثم إنهم أجابوه بالقدح في الرسالة أولاً وباستصغار الوعيد ثانياً : بأن ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ أي : الذين كرّر سحرهم مرّة بعد أخرى حتى اختلفوا فصار كلامهم على غير نظام، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه السلام أي : فأنت بعيد عن الصلاحية للرسالة.
الشعراء 26:186
ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر لها مطلقاً ولو كان أعقل الناس بقولهم :﴿وما أنت إلا بشر مثلنا﴾ أي : فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك وأتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين مناقضين منافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه، ولهذا قالوا ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾ أي : في دعواك.
تنبيه : مذهب البصريين أنّ ﴿إن﴾ هذه هي المخففة من الثقيلة، أي : وإنا نظنك، والذي يقتضيه السياق ترجيح مذهب الكوفيين هنا في أنّ ﴿إن﴾ نافية، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في وما أنت المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظنّ يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظنّ به.
الشعراء 26:187
ثم إنّ شعيباً عليه السلام كان توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا :﴿فأسقط علينا كسفا﴾ أي : قطعاً ﴿من السماء﴾ أي : السحاب أو الحقيقة ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي : العريقين في الصدق المشهورين فيما بين أهله لنصدّقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب.
تنبيه : انظر إلى حسن نظر شعيب عليه السلام كيف هدّدهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشدّ منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسلهم، وقرأ حفص بفتح السين، والباقون بالسكون وهنا همزتان مكسورتان فقالون والبزي يسهل الهمزة الأولى من المدّ والقصر، وأسقطها أبو عمرو مع المدّ، والباقون بتحقيق الأولى.
الشعراء 26:188
﴿قال﴾ لهم شعيب في جوابهم ﴿ربي أعلم بما تعلمون﴾ فيجازيكم به فإن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وأمّا أنا فليس عليّ إلا البلاغ، وأنا مأمور به فلم أخوّفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم فطلبكم ذلك مني مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب.
الشعراء 26:189
﴿فكذبوه﴾ أي : استمرّوا على تكذيبه ﴿فأخذهم﴾ أي : فتسبب عن تكذيبهم أن أخذهم ﴿عذاب يوم الظلة﴾ وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، روي أنّ الله تعالى حبس عنهم الريح سبعاً وتسلط عليهم الرمض : وهو شدّة الحرّ مع سكون الريح فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا، وروي أن شعيباً بعث إلى أمّتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، فأهلكت مدين بصيحة جبريل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة ﴿إنه كان عذاب يوم عظيم﴾ وقدمنا أن تعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب.
الشعراء 26:190
﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكلّ رسول ومن أطاعه والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر بحيث لا يشذ من الفريقين إنسان قاصٍ ولا دان ﴿لآية﴾ أي : دلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوه من البشائر والنذائر، بأن الله تعالى يهلك من عصاه وينجي من والاه لأنه الفاعل المختار لما يريد ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي : أكثر قومك كما كان من قبلهم ﴿مؤمنين﴾ مع أنك قد أتيت قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة وأغزرهم عقلاً وأعلاهم همة وأبعدهم عن كل ذي دنس.
الشعراء 26:191
﴿وإنّ ربك﴾ أي : المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك ويوضح برهانك ﴿لهو العزيز﴾ فلا يعجزه أحد ﴿الرحيم﴾ بالإمهال لكي يؤمنوا أو أحد من ذرّيتهم : وهذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديداً للمكذبين له.
فإن قيل : كيف كرّر في هذا السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرّر ؟.
أجيب : بأنّ كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق على أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وأن تختم بما ختمت به، ولأنّ في التكرير تقريراً للمعاني في الأنفس وتثبيتاً لها في الصدور، ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا بترديد ما يراد حفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من النسيان، ولأنّ هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق وقلوب غلف عن تدبره فكوثرت بالوعظ والتذكير وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذناً أو يشق ذهناً أو يصقل عقلاً طال عهده بالصقل، أو يجلو فهماً قد غطى عليه تراكم الصدا وفي ذلك دلالة على أنّ البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرّب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه، وأنّ الأنبياء متفقون على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع، مبرؤون عن المطامع الدينية والأغراض الدنيوية.
الشعراء 26:192
ولما ذكر الله تعالى قصص الأنبياء عليهم السلام أتبعه بما يدلّ على نبوّته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿وإنه﴾ أي : الذكر الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون ﴿لتنزيل رب العالمين﴾ أي : الذي ربّاهم بشمول علمه وعظيم قدرته بما يعجز عن أقل شيء منه غيره.
الشعراء 26:193
﴿نزل به﴾ أي : نجوماً على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل البركات، وعبر عن جبريل عليه السلام بقوله ﴿الروح﴾ دلالة على أنه مادّة خير، وأنّ الأرواح تحيا بما ينزله من الهدى وقال تعالى ﴿الأمين﴾ إشارة إلى كونه عليه السلام معصوماً من كل دنس فلا يمكن منه خيانة.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص بتخفيف الزاي، والروح الأمين برفعهما والباقون بتشديد الزاي والروح الأمين بنصبهما.
الشعراء 26:194
﴿على قلبك﴾ يا أشرف الرسل ففي هذا تقرير لحقية تلك القصص، وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنّ الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحياً من الله تعالى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص بتخفيف الزاي، والروح الأمين برفعهما والباقون بتشديد الزاي والروح الأمين بنصبهما.
فإن قيل : قال على قلبك وهو إنما نزل عليه ؟ أجيب : بأنه ذكر ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ والمرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير ولأنّ القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأمّا سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدلّ على ذلك الكتاب والسنة والمعقول فمن الكتاب قوله تعالى :﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ واستحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب قال الله تعالى :﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ ( البقرة : ٢٢٥ ) ومن السنة قوله : صلى الله عليه وسلم :«ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » ومن المعقول أنّ القلب إذا غشي عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل به الشعور وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات وإذا فرح القلب أو حزن تغير حال الأعضاء عند ذلك، ولأنّ المعاني الروحانية إنما تنزل أوّلاً على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش منه لوح المخيلة.
ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير قال تعالى معللاً للجملة التي قبله ﴿لتكون من المنذرين﴾ أي : المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان وفعل ما نهى عنه من المعاصي.
الشعراء 26:195
وقوله تعالى :﴿بلسان عربي﴾ يجوز أن يتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة : هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربي لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجميّ لتجافوا عنه أصلاً ولقالوا ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، قال ابن عباس : بلسان قرشيّ ليفهموا ما فيه.
ولما كان في العربيّ ما قد يشكل على بعض العرب قال تعالى :﴿مبين﴾ أي : بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبساً عند من تدبره على ما يتعارفه العرب في مخاطباتها من سائر لغاتها بحقائقها ومجازاتها على اتساع إرادتها وتباعد مراميها في محاوراتها وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها ومن يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير.
الشعراء 26:196
ولما كان الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس وتطمئن به القلوب قال تعالى :﴿وإنه﴾ أي : هذا القرآن أصوله وكثيراً من قصصه وأمّهات فروعه ﴿لفي زبر﴾ أي : كتب ﴿الأولين﴾ كالتوراة والإنجيل وقيل : وإنه أي : محمداً ونعته لفي كتب الأوّلين.
الشعراء 26:197
﴿أو لم يكن لهم﴾ أي : لكفار مكة ذلك ﴿آية﴾ أي : على صحة القرآن أو نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية ورفع آية على أنها الاسم والخبر لهم، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها الاسم والخبر لهم، والباقون بالياء التحتية ونصب آية على أنها خبر وقوله تعالى ﴿أن يعلمه﴾ أي : هذا الذي يأتي به نبينا من عندنا هو اسمها ﴿علماء بني إسرائيل﴾ أي : يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم، والمعنى أو لم يكن لهؤلاء المنكرين، علم بني إسرائيل علامة ودلالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنّ العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم كعبد الله بن سلام وابن يامين وثعلبة وأسد وأسيد، قال الله تعالى :﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ ( القصص : ٥٣ ). قال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنّ هذا لزمانه وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته فكان ذلك آية على صدقه.
فائدة : خط في المصحف علماء بواو قبل الألف على لغة من يميل الألف إلى الواو، وعلى هذه اللغة كتبت الصلاة والزكاة والربا.
الشعراء 26:198
قال الله تعالى :﴿ولو نزلناه﴾ أي : القرآن على ما هو عليه من الحكمة والإعجاز ﴿على بعض الأعجمين﴾ أي : على رجل ليس بعربيّ اللسان أو بلغة العجم.
تنبيه : الأعجمين جمع أعجميّ بياء النسب على التخفيف بحذفها من الجمع ولكونه جمع أعجميّ جمع جمع سلامة لأنه حينئذ ليس من باب أفعل فعلاء بخلاف ما لو كان جمع أعجم فإنّ مؤنثه عجماء بوزن أفعل فعلاء وهو عند البصريين لا يجمع هذا الجمع إلا لضرورة كقوله :
حلائل أسودين وأحمرين ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن عطية : جمع أعجم، يقال الأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربيّ النسب يقال له أعجم وذلك يقال للحيوانات، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «جرح العجماء جبار » وأسند الطبريّ عن عبد الله بن مطيع أنه كان واقفاً بعرفة وتحته جمل فقال جملي هذا أعجم ولو أنه أنزل عليهم ما كانوا يؤمنون.
الشعراء 26:199
﴿فقرأه عليهم﴾ أي : كفار مكة ﴿ما كانوا به مؤمنين﴾ لفرط عنادهم واستكبارهم أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم، وقالوا ما نفقه قولك وجعلوه عذراً بجحودهم، ونظيره ﴿ولو جعلنا قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته﴾ ( فصلت، ٤٤ ).
الشعراء 26:200
ولما كان ذلك محل تعجب وكأنه ربما ظنّ له أنّ الأمر على خلاف حقيقته قرّر مضمونه وحققه بقوله تعالى :﴿كذلك﴾ أي : مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجم ﴿سلكناه﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد : أدخلنا الشرك والتكذيب ﴿في قلوب المجرمين﴾ أي : كفار مكة بقراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنّ الكل بقضاء الله تعالى وقدره، وقيل : الضمير في سلكناه عائد إلى القرآن، قال ابن عادل : وهو الظاهر أي : سلكناه في قلوب المجرمين كما سلكناه في قلوب المؤمنين ومع ذلك لم ينجع فيهم.
الشعراء 26:201
وفي جملة ﴿لا يؤمنون به﴾ وجهان : أحدهما : الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبله، والثاني : أنها حال من الضمير في سلكناه أي : سلكناه غير مؤمن به أي : من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام وجعل على قلوبهم من الطبع والختام ﴿حتى يروا العذاب الأليم﴾ أي : الملجئ للإيمان فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان.
الشعراء 26:202
ولما كان إتيان الشرّ فجأة أشدّ، قال تعالى :﴿فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ بإتيانه.
فإن قيل : ما معنى التعقيب في فيأتيهم بغتة فيقولوا ؟ أجيب : بأنه ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى يكون رؤيتهم للعذاب عما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة عما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة، مثال ذلك : أن تقول لمن تعظه : إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنه لا يقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقب مقت الصالحين وإنما قصدك إلى ترتيب شدّة الأمر على المسيء، فإنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين عما هو أشدّ من مقتهم وهو مقت الله، ونرى ثم تقع في هذا الأسلوب فيجمل موقعها.
الشعراء 26:203
﴿فيقولوا﴾ أي : تأسفاً واستسلاماً وتلهفاً في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه ﴿هل نحن منظرون﴾ أي : مفسوح لنا في آجالنا فنسمع ونطيع.
فإن قيل : ما معنى التعقيب في فيأتيهم بغتة فيقولوا ؟ أجيب : بأنه ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى يكون رؤيتهم للعذاب عما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة عما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة، مثال ذلك : أن تقول لمن تعظه : إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنه لا يقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقب مقت الصالحين وإنما قصدك إلى ترتيب شدّة الأمر على المسيء، فإنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين عما هو أشدّ من مقتهم وهو مقت الله، ونرى ثم تقع في هذا الأسلوب فيجمل موقعها.
الشعراء 26:204
ولما أوعدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب قال الله تعالى :﴿أفبعذابنا﴾ أي : وقد تبين لهم كيف أخذه للأمم الماضية والقرون الخالية والأقوام العاتية ﴿يستعجلون﴾ أي : بقولهم : أمطر علينا حجارة أسقط علينا كسفاً من السماء ونحو ذلك.
الشعراء 26:205
﴿أفرأيت﴾ أي : هب أنّ الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني ﴿إن متعناهم﴾ أي : في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة ﴿سنين﴾.
الشعراء 26:206
﴿ثم جاءهم﴾ أي بعد تلك السنين المتطاولة والدهور المتواصلة ﴿ما كانوا يودعون﴾ من العذاب.
الشعراء 26:207
﴿ما﴾ أي : أيّ شيء ﴿أغنى عنهم﴾ أي : فيما أخذهم من العذاب ﴿ما كانوا يمتعون﴾ برفع العذاب أو تخفيفه، أي : لم يغن عنهم طول التمتع شيئاً ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط، وعن ميمون بن مهران : أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزد على تلاوة هذه الآية، فقال له ميمون لقد وعظت فأبلغت.
الشعراء 26:208
﴿وما أهلكنا من قرية﴾ أي : من القرى السالفة بعذاب الاستئصال ﴿إلا لها منذرون﴾ أي : رسولهم ومن تبعه من أمّته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبلهم.
تنبيه : الواو في قوله :﴿وما كنا﴾ واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى :﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ ؟ ( الحجر : ٤ ) أجيب : بأنّ الأصل عزل الواو لأنّ الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى :﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾ ( الكهف : ٢٢ ).
الشعراء 26:209
ثم علل الإنذار بقوله تعالى :﴿ذكرى﴾ أي : تنبيهاً عظيماً على ما فيه النجاة، أو جعل المنذرين نفس الذكرى، كما قال تعالى ﴿قد أنزلنا إليكم ذكراً ( ١٠ ) رسولاً﴾ ( الطلاق : ١٠ - ١١ ) وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه ﴿وما كنا ظالمين﴾ أي : في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا وعبدوا غيرنا بعد الإعذار إليهم ومتابعة الحجج ومواصلة الوعيد.
تنبيه : الواو في قوله :﴿وما كنا﴾ واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى :﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ ؟ ( الحجر : ٤ ) أجيب : بأنّ الأصل عزل الواو لأنّ الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى :﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾ ( الكهف : ٢٢ ).
الشعراء 26:210
ولما كان الكفرة يقولون إنّ محمداً كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به الشياطين، أكذبهم الله سبحانه وتعالى بقوله :﴿وما تنزلت به الشياطين﴾ أي : ليكون سحراً أو كهانةً أو شعراً أو أضغاث أحلام كما يقولون.
الشعراء 26:211
﴿وما ينبغي﴾ أي : وما يصح ﴿لهم﴾ أن يتنزلوا به ﴿وما يستطيعون﴾ أي : التنزّل به وإن اشتدّت معاجلتهم على تقدير : أن يكون لهم قابلية لذلك.
الشعراء 26:212
ثم علل هذا بقوله تعالى :﴿إنهم عن السمع﴾ أي : لكلام الملائكة ﴿لمعزولون﴾ أي : محجوبون بالشهب.
الشعراء 26:213
ولما كان القرآن داعياً إلى الله تعالى ناهياً عن عبادة غيره تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فلا تدع مع الله﴾ أي : الحائز لكمال الصفات ﴿إلهاً آخر فتكون﴾ أي : فيتسبب عن ذلك أن تكون ﴿من المعذبين﴾ من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله، وهذا خطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد غيره لأنه معصوم من ذلك، قال ابن عباس : يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق لديّ وأعزهم عليّ ولئن اتخذت إلهاً غيري لعذبتك فيكون الوعيد أزجر له ويكون هو أقبل.
الشعراء 26:214
روى محمد بن إسحاق بسنده عن عليّ رضي الله عنه أنه قال لما نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عليّ إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لي صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عساً من لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم إليه وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت به فلما وضعته تناول صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصفحة، ثم قال كلوا بسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدّمت لجميعهم، ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعاً وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بادره أبو لهب فقال سحركم محمد صاحبكم فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا عليّ إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن أكملهم فأعد لنا الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم، ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقدمته ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعاً، فقلت وأنا أحدثهم سناً : أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه قال فأخذ برقبتي ثم قال : إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعليّ وتطيع.
وعن ابن عباس : لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فجعل ينادي : يا بني فهر يا بني عديّ لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي قالوا : نعم ما جرّبنا عليك إلا الصدق قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب تباً لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام فنزلت ﴿تبّت﴾ أي : خسرت ﴿يدا أبي لهب وتب ( ١ ) ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ ( المسد : ١ ٢ ) وفي رواية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا ؟ فاجتمعوا إليه فقال : أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدّقي » إلى آخر ما مرّ.
وعن أبي هريرة قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله هذه الآية فقال يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً ويا فاطمة بنت محمد سلي ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً ».
وروى أبو يعلى عن الزبير بن العوام :«أنّ قريشاً جاءته فحذرهم وأنذرهم فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وعيسى في إحياء الموتى ونحو ذلك وأن يسير الجبال ويفجر الأنهار ويجعل الصخرة ذهباً فأوحى الله تعالى إليه وهم عنده فلما سري عنه أخبرهم أن أعطي ما سألوه ولكنه إن أراهم فكفروا عوجلوا، فاختار صلى الله عليه وسلم الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة فلما كانت النذارة إنما هي للمشركين، أمر بضدّها لأضدادهم » بقوله تعالى :﴿واخفض جناحك﴾.
الشعراء 26:215
فلما كانت النذارة إنما هي للمشركين، أمر بضدّها لأضدادهم » بقوله تعالى :
﴿واخفض جناحك﴾ أي : لن غاية اللين وذلك لأنّ الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع جناحيه، وإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما فجعل ذلك مثلاً في التواضع، ومنه قول بعضهم :
وأنت الشهير بخفض الجناح؍ فلا تك في رفعه أجدلا؍
ينهاه عن التكبر بعد التواضع ﴿لمن اتبعك من المؤمنين﴾ أي : سواء كانوا من الأقربين أم من الأبعدين، فإن قيل : المتبعون للرسول هم المؤمنون ؟.
أجيب : بوجهين : أحدهما : أن تسميتهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، الثاني : أن يريد بالمؤمنين المصدّقين بألسنتهم وهم صنفان : صنف صدّق واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وصنف : ما وجد منه إلا التصديق فقط، أما أن يكونوا منافقين أو فاسقين والفاسق والمنافق لا يخفض لهما الجناح فمن على هذا للتبعيض، وإن أريد عموم الإتباع فهي للتبيين.
الشعراء 26:216
واختلف في الواو في قوله تعالى :﴿فإن عصوك﴾ على أوجه : أحدها : أنها ضمير الكفار، أي : فإن عصاك الكفار في أمرك لهم بالتوحيد، الثاني : أنها ضمير العشيرة، وهذا أقرب كما جرى عليه السلف والجلال المحلي، الثالث : أنها ضمير المؤمنين أي : فإن عصاك المؤمنون في فروع الإسلام وبعض الأحكام بعد تصديقك والإيمان برسالتك، وهذا كما قال ابن عادل : في غاية البعد ﴿فقل﴾ أي : تاركاً لما كنت تعاملهم من اللين ﴿إني بريء﴾ أي : منفصل غاية الانفصال ﴿مما تعملون﴾ أي : من العصيان الذي أنذر منه القرآن.
الشعراء 26:217
﴿وتوكل﴾ أي : فوّض في عصمتك ونجاتك وجميع أمورك ﴿على العزيز﴾ أي : القادر على الدفع عنك والانتقام منهم ﴿الرحيم﴾ أي : الذي نصرك عليهم برحمته، وقرأ نافع وابن عامر فتوكل بالفاء على الإبدال من جواب الشرط، والباقون بالواو.
الشعراء 26:218
ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف المقتضى لجميع أوصاف الكمال بقوله تعالى :﴿الذي يراك﴾ أي : بصراً وعلماً ﴿حين تقوم﴾ من نومك إلى التهجد، وقال مجاهد : أي : يراك أينما كنت، وقال أكثر المفسرين كما قال البغويّ حين تقوم إلى الصلاة أي : من نوم أو غيره.
الشعراء 26:219
﴿و﴾ يرى ﴿تقلبك﴾ في الصلاة قائماً وراكعاً وساجداً ﴿في الساجدين﴾ قال عكرمة عن ابن عباس أي : في المصلين، وقال مقاتل : مع المصلين في الجماعة يقول يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة، وقال مجاهد : يرى تقلب بصرك في المصلين فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر أمامه.
وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«هل تدرون قبلتي ههنا فولله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري »، وقال عطاء عن ابن عباس : أراد وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأمة، وقيل : تردّدك في تصفح الأحوال المتهجدين من أصحابك لتطلع عليهم من حيث لا يشعرون، وتستبطن سرائرهم وكيف يعبدون الله وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت الزنابير.
الشعراء 26:220
﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿السميع﴾ أي : لجميع أقوالكم ﴿العليم﴾ أي : بجميع ما تسرونه وتعلنونه من أعمالكم وشمول العلم يستلزم تمام القدرة فصار كأنه قال : إنه السميع البصير العليم القدير تثبيتاً للمتوكل عليه.
الشعراء 26:221
ولما بين سبحانه وتعالى أنّ القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين، أكد ذلك بأن بيّن أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم لا يصح أن ينزلوا عليه من وجهين ذكرهما بقوله تعالى :﴿هل أنبئكم﴾ أي : أخبركم خبراً جلياً نافعاً في الدين عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمان وإخوان الشيطان ﴿على من تنزّل﴾ وتتردّد ﴿الشياطين﴾ حين تسترق السمع.
الشعراء 26:222
ولما كان كأنه قيل : نعم أشار إلى أحد الوجهين بقوله تعالى :﴿تنزل﴾ على سبيل التدريج والتردّد ﴿على كل أفّاك﴾ أي : كذاب ﴿أثيم﴾ أي : فاجر مثل مسيلمة الكذاب وغيره من الكهنة.
الشعراء 26:223
أشار إلى ثاني الوجهين بقوله تعالى :﴿يلقون السمع﴾ أي : الآفكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها، كما جاء في الحديث :«الكلمة يخطفها الجنيّ فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة »، ولا كذلك محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها، ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين، ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ الأعلى قبل أن يرجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحونه إلى أوليائهم أو يلقون الشيء المسموع إلى الكهنة ﴿وأكثرهم﴾ أي : الفريقين ﴿كاذبون﴾ أما الشياطين فإنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، وأمّا الآفكون : فإنهم يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم.
فإن قيل : كيف قال وأكثرهم كاذبون بعدما حكم عليهم أنّ كل واحد منهم أفاك ؟ أجيب : بأنّ الأفاكين هم الذين يكثرون الكذب لأنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب فأراد أنّ هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجنيّ وأكثرهم مفتر عليه. ولما قال الكفار لم لا يجوز أن يقال الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء.
الشعراء 26:224
ثم إنه تعالى فرق بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين الكهنة، وذكر ما يدلّ على الفرق بينه وبين الشعراء بقوله تعالى :﴿والشعراء يتّبعهم الغاوون﴾ أي : الضالون المائلون عن سنن الأقوم إلى كل فساد يجرّ إلى الهلاك وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك بل هم الساجدون الباكون الزاهدون رضي الله تعالى عنهم، وقرأ نافع بسكون التاء الفوقية وفتح الباء الموحدة، والباقون بتشديد الفوقية وكسر الموحدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيه : قال المفسرون : أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر مقاتل أسماءهم فقال : منهم عبد الله بن الزبعري السهميّ وهبيرة بن أبي وهب المخزوميّ وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحيّ وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا : نحن نقول كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين هجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم قولهم : فذلك قوله تعالى :﴿يتبعهم الغاوون﴾ وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين، وقال قتادة : هم الشياطين.
الشعراء 26:225
ولما قرّر حال أتباعهم، علم منه أنهم هم أغوى منهم لتهّتكهم في شهوة اللقلقة باللسان حتى حسن لهم الزور والبهتان، دلّ على ذلك بقوله تعالى :﴿ألم تر﴾ أي : تعلم ﴿أنهم﴾ أي : الشعراء ومثل حالهم بقوله تعالى :﴿في كل واد﴾ من أودية القول من المدح والهجو والتشبب والرثاء والمجون وغير ذلك ﴿يهيمون﴾ أي : يسيرون سير البهائم حائرين وعن طريق الحق حائدين كيفما جرّهم القول أنجرّوا من القدح في الأنساب والتشبب بالحرم والهجو ومدح من لا يستحق المدح ونحو ذلك.
الشعراء 26:226
ولذلك قال تعالى :﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ أي : لأنهم لا يقصدونه وإنما ألجأهم إليه الفنّ الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها، وقيل : إنهم يمدحون الجود والكرم ويحثون عليه ولا يفعلونه ويذمّون البخل ويصرّون عليه ويهجون الناس بأدنى شيء صدر منهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيه : قال المفسرون : أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر مقاتل أسماءهم فقال : منهم عبد الله بن الزبعري السهميّ وهبيرة بن أبي وهب المخزوميّ وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحيّ وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا : نحن نقول كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين هجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم قولهم : فذلك قوله تعالى :﴿يتبعهم الغاوون﴾ وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين، وقال قتادة : هم الشياطين.
تنبيه : قال المفسرون : أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر مقاتل أسماءهم فقال : منهم عبد الله بن الزبعري السهميّ وهبيرة بن أبي وهب المخزوميّ وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحيّ وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا : نحن نقول كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين هجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم قولهم : فذلك قوله تعالى :﴿يتبعهم الغاوون﴾ وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين، وقال قتادة : هم الشياطين. تنبيه : قال المفسرون : أراد شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر مقاتل أسماءهم فقال : منهم عبد الله بن الزبعري السهميّ وهبيرة بن أبي وهب المخزوميّ وشافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحيّ وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل وقالوا : نحن نقول كما قال محمد وقالوا الشعر واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين هجوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم قولهم : فذلك قوله تعالى :﴿يتبعهم الغاوون﴾ وهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين، وقال قتادة : هم الشياطين.
الشعراء 26:227
ثم. إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف، استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجتنبون شعر الجاهلية ويهجون الكفار وينافحون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، منهم : حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، فقال تعالى :﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي : بالله ورسوله ﴿وعملوا﴾ أي : تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي : التي شرعها الله تعالى ورسوله ﴿وذكروا الله﴾ مستحضرين ما له من الكمال ﴿كثيراً﴾ أي : لم يشغلهم الشعر عن الذكر، روي أنّ كعب بن مالك قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم :«إنّ الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل » وعن أنس رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم :«دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله؍ اليوم نضربكم على تنزيله؍
ضرباً يزيل الهمام عن مقيله؍ ويذهب الخليل عن خليله؍
فقال له عمر : يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول شعراً فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«خل عنه يا عمر فهي أسرع فيهم من نضح النبل » وعن البراء أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم قريظة لحسان :«أهج المشركين فإنّ جبريل معك » وعن عائشة رضي الله عنها قالت أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«اهجوا قريشاً فإنه أشدّ عليهم من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال اهجهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فقال حسان قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد ثم أدلع لسانه فجعل يحرّكه فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لا تعجل فإنّ أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإنّ لي فيهم نسباً حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله لقد أخلص لي نسبك والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما يسلّ الشعر من العجين، قالت عائشة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان : إنّ روح القدس لا يزال يؤيدّك ما نافحت عن الله ورسوله قالت وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«هجاهم حسان فشفى وأشفى » قال حسان :
هجوت محمداً فأجبت عنه؍ وعند الله في ذاك الجزاء؍
هجوت محمداً برّاً حنيفاً؍ رسول الله شيمته الوفاء؍
فإنّ أبي ووالدتي وعرضي؍ لعرض محمد منكم وفاء؍
فمن يهجو رسول الله منكم؍ ويمدحه وينصره سواء؍
وجبريل رسول الله فينا؍ وروح القدس ليس له كفاء؍
وورد في مدح الشعر عن أبيّ بن كعب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ من الشعر حكمة » وعن ابن عباس قال : جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً فقال :«هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء ؟ قال : نعم قال هيه، فأنشده بيتاً فقال هيه حتى أنشده مائة بيت » وعن جابر بن سمرة قال :«جالست رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون شيئاً من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم » وعن عائشة : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح، وعن : الشعبيّ كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان عليّ أشعر الثلاثة، وعن ابن عباس : أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ واستنشده القصيدة التي أوّلها :
أمن آل نُعْمٍ أنت غاد مبكر؍ غداة غد أم رائح فمهجر؍
فأنشد ابن ربيعة القصيدة إلى آخرها وهي قريبة من سبعين بيتاً، ثم إنّ ابن عباس أعاد القصيدة جميعاً وكان حفظها بمرّة واحدة.
ثم بين سبحانه وتعالى ما حمل المؤمنين على الشعر وهو انتصارهم من المشركين بقوله تعالى :﴿وانتصروا﴾ أي : بهجوهم الكفار ﴿من بعدما ظلموا﴾ بهجو الكفار لهم لأنهم بدؤوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين وغيرهم من الكفار بقوله تعالى :﴿وسيعلم الذين ظلموا﴾ بالشرك وهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿أي : منقلب﴾ أي : مرجع ﴿ينقلبون﴾ أي : يرجعون بعد الموت، قال ابن عباس : إلى جهنم والسعير، وفي هذا تهديد شديد لما في ﴿سيعلم﴾ من الوعيد البليغ، ﴿وفي الذين ظلموا﴾ من الإطلاق والتعميم وفي ﴿أيّ منقلب ينقلبون﴾ من الإبهام والتهويل، وقد تلا أبو بكر لعمر رضي الله عنهما حين عهد إليه هذه الآية.
اللهمّ اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها، وروى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأوّل وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي تذكر فيها البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة » وعن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ الله أعطاني السبع مكان التوراة وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهنّ نبيّ قبلي »، وما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ من أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدّق بمحمد صلى الله عليه وسلم » حديث موضوع.
النمل 27:1
﴿طس﴾ قال ابن عباس : هو اسم من أسماء الله عز وجلّ، وقد سبق الكلام في حروف الهجاء عليه، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة، بإمالة الطاء، والباقون بالفتح.
﴿تلك﴾ أي : هذه الآيات العالية المقام البعيدة المرام البديعة النظام ﴿آيات القرآن﴾ أي : الكامل في قرآنيته الجامع للأصول الناشر للفروع الذي لا خلل فيه ولا فصم ولا صدع ولا وصم ﴿وكتاب مبين﴾ أي : مظهر الحق من الباطل، فإن قيل : كيف صح أن يشار لاثنين أحدهما مؤنث والآخر مذكر باسم الإشارة المؤنث ولو قلت تلك هند وزيد لم يجز ؟.
أجيب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ المراد بالكتاب هو الآيات لأنّ الكتاب عبارة عن الآيات المجموعة فلما كانا شيئاً واحدا صحت الإشارة إليهما بإشارة الواحد المؤنث، الثاني : أنه على حذف مضاف أي : وآيات كتاب مبين، الثالث : أنه لما ولي المؤنث ما تصح الإشارة به إليه اكتفى به وحسن، ولو ولي المذكر لم يحسن، ألا ترى أنك تقول جاءتني هند وزيد ولو أخرت هند لم يجز تأنيث الفعل، وقرأ ابن كثير بالنقل وصلاً وابتداءً وحمزة في الوقف لا غير، والباقون بغير نقل.
النمل 27:2
وقوله تعالى :﴿هدى وبشرى﴾ يجوز أن يكونا منصوبين على المصدر بفعل مقدّر من لفظهما، أي : يهدي هدىً ويبشر بشرى، وأن يكونا في موضع الحال من آيات والعامل فيهما ما في تلك من معنى الإشارة، وأن يكونا خبراً بعد خبر، وأن يكونا خبري مبتدأ مضمر، أي : هو هدى من الضلالة وبشرى ﴿للمؤمنين﴾ أي : المصدّقين به بالجنة كقوله تعالى :﴿فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً﴾ ( النساء : ١٧٥ ) ولهذا خص به المؤمنين، وقيل المراد بالهدى الدلالة، وإنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى، والبشرى إنما تكون للمؤمنين، أو لأنهم تمسكوا به كقوله تعالى :﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ ( النازعات : ٤٥ ) أو لأنه يزيد في هداهم كقوله تعالى :﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ ( مريم : ٧٦ ).
النمل 27:3
ولما كان وصف الإيمان خفياً وصفهم بما يصدّقه من الأمور الظاهرة بقوله تعالى :﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ أي : بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت والطهارات والشروط والأركان والخشوع والمراقبة والإحسان إصلاحاً لما بينهم وبين الخالق ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي : إحساناً فيما بينهم وبين الخلائق ﴿وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ أي : يوجدون الإيقان حق الإيجاد بالاستدلال ويجدّدونه في كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة والإحجام عن المعصية، وأعيد " هم " لما فصل بينه وبين الخبر.
النمل 27:4
ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها ذكره بقوله تعالى :﴿إن الذين لا يؤمنون﴾ أي : لا يوجدون الإيمان ولا يجددونه ﴿بالآخرة زينا﴾ أي : بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها ﴿لهم أعمالهم﴾ أي : القبيحة بتركيب الشهوة حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها، والإسناد إليه حقيقيّ عند أهل السنة لأنه الموجد الحقيقيّ، وإلى الشيطان مجاز سببيّ، وعند المعتزلة بالعكس، قال الزمخشريّ في تفسيره : إنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة وإسناده إلى الله عز وجل مجاز ﴿فهم﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنهم ﴿يعمهون﴾ أي : يتحيرون ويتردّدون في أودية الضلال ويتمادون في ذلك، فهم كل لحظة في خبط جديد بعمل غير سديد.
النمل 27:5
﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿الذين لهم﴾ أي : خاصة ﴿سوء العذاب﴾ أي : أشدّه في الدنيا بالخوف والقتل ﴿وهم في الآخرة هم الأخسرون﴾ أي : أشدّ الناس خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.
النمل 27:6
ولما وصف تعالى القرآن بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران، ذكر حال المنزل عليه وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم مخاطباً له بقوله تعالى :﴿وإنك﴾ أي : وأنت يا أشرف الخلق وأعلمهم وأعظمهم وأحكمهم ﴿لتلقى القرآن﴾ أي : لتؤتاه وتلقنه أي : يلقى عليك بشدّة ﴿من لدن﴾ أي : من عند ﴿حكيم﴾ أي : بالغ الحكمة فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان ﴿عليم﴾ أي : عظيم العلم واسعه تامّه شامله، والجمع بينهما مع أنّ العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأنّ علوم القرآن منها : ما هو كالعقائد والشرائع، ومنها : ما ليس كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات.
النمل 27:7
ثم شرع في بيان تلك العلوم بقوله تعالى :﴿إذ قال موسى﴾ أي : اذكر قصته حين قال ﴿لأهله﴾ أي : زوجته بنت شعيب عليه السلام عند مسيره من مدين إلى مصر وهي القصة الأولى من قصص هذه السورة، قال الزمخشريّ : روي أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله : امكثوا، وكانا يسيران ليلاً وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد، وفي مثل هذا الحال يقوى الناس بمشاهدة نار من بعد، لما يرجى فيها من زوال الحيرة وأمن الطريق ومن الانتفاع بالنار للإصطلاء، فلذلك بشرها فقال :﴿إني آنست﴾ أي : أبصرت إبصار حصل لي به الأنس وأزال عني الوحشة ﴿ناراً سآتيكم منها بخبر﴾ أي : عن حال الطريق وكان قد أضلها، وعبر بلفظ الجمع كما في قوله :﴿امكثوا﴾ فإن قيل : كيف جاء بسين التسويف ؟ أجيب : بأنّ ذلك عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ الإتيان أو كانت المسافة بعيدة، فإن قيل : قال هنا ﴿سآتيكم منها بخبر﴾ وفي السورة الآتية :﴿لعلي آتيكم منها بخبر﴾ ( القصص : ٢٩ ) وهما كالمتدافعين لأنّ أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ أجيب : بأنّ الراجي قد يقول إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الحقيقة.
﴿أو آتيكم بشهاب قبس﴾ أي : شعلة نار في رأس فتيلة أو عود، قال البغويّ : وليس في الطرف الآخر نار، وقال بعضهم الشهاب شيء ذو نور مثل العمود والعرب تسمى كل شيء أبيض ذي نور شهاباً، والقبس : القطعة من النار، وقرأ الكوفيون بشهابٍ بالتنوين على أنّ القبس بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس، والباقون بإضافة الشهاب إليه لأنه يكون قبساً وغير قبس فهو من إضافة النوع إلى جنسه، نحو ثوب خز إذ الشهاب شعلة من النار والقبس قطعة منها يكون في عود أو غيره كما مرّ.
فإن قيل : لم جاء بأو دون الواو ؟ أجيب : بأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعاً لم يعدم واحدة منهما، إمّا هداية الطريق وإمّا اقتباس النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعاً وهما العزان عز الدنيا وعز الآخرة، ثم إنه عليه السلام علل إتيانه بذلك إفهاماً لأنها ليلة باردة بقوله :﴿لعلكم تصطلون﴾ أي : لتكونوا في حال من يرجى أن يستدفئ بذلك من البرد، والطاء بدل من تاء الافتعال، من صلى بالنار بكسر اللام وفتحها.
النمل 27:8
﴿فلما جاءها﴾ أي : تلك التي ظنها ناراً ﴿نودي﴾ من قبل الله تعالى ﴿أن بورك﴾ أن هي المفسرة لأنّ النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له : بورك، أو المصدرية أي : بأن بورك، وقوله تعالى :﴿من في النار﴾ أي : موسى ﴿ومن حولها﴾ أي : الملائكة هو نائب الفاعل لبورك، والأصل بارك الله من في النار ومن حولها، وهذا تحية من الله عز وجلّ لموسى بالبركة.
ومذهب أكثر المفسرين أنّ المراد بالنار النور ذكر بلفظ النار لأنّ موسى حسبه ناراً، أو من في النار هم الملائكة، وذلك أنّ النور الذي رآه موسى عليه السلام كان فيه الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتقديس ومن حولها هو موسى لأنه كان بالقرب منها ولم يكن فيها، وقال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث :«حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه » الحديث.
تنبيه : بارك يتعدّى بنفسه وبحرف الجرّ يقال باركك الله وبارك عليك وبارك فيك وبارك لك، وقال الشاعر :
فبوركت مولوداً وبوركت ناشئاً؍ وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب؍
قال الزمخشريّ : والظاهر أنه عامّ في كل من في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وحواليهما من أرض الشأم، ولقد جعل الله تعالى أرض الشأم الموسومة بالبركات لكثرتها مبعث الأنبياء، وكفاتهم أحياء وأمواتاً، ومهبط الوحي عليهم، وخصوصاً تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وقوله تعالى ﴿وسبحان الله رب العالمين﴾ من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهاً، وللعجب من عظمة الله في ذلك الأمر فإنه أتاه النداء، كما ورد من جميع الجهات فسمعه بجميع الحواس، أو تعجب من موسى لما دعاه من عظمته.
النمل 27:9
ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحاً، قال تعالى تمهيداً لما أراد سبحانه إظهاره على يد موسى عليه السلام من المعجزات الباهرات :﴿يا موسى إنه﴾ أي : الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه، وجملة ﴿أنا الله﴾ أي : البالغ في العظمة ما تقصر عنه الأوهام، مفسرة له، أو المتكلم، وأنا خبر، والله بيان له، ثم وصف تعالى نفسه بوصفين يدلان على ما يفعله مع موسى عليه السلام : أحدهما :﴿العزيز﴾ أي : الذي يصل إلى سائر ما يريد ولا يرده عن مراده راد، والثاني :﴿الحكيم﴾ أي : الذي يفعل كل ما يفعله بحكمة وتدبير.
فإن قيل : هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى، فكيف علم موسى أنه من الله تعالى ؟ أجيب : بأنه سمع الكلام المنزه عن شائبة كلام المخلوقين لأنّ النداء أتاه من جميع الجهات وسمعه بجميع الحواس كما مر، فعلم بالضرورة أنه صفة الله سبحانه وتعالى.
النمل 27:10
ثم أرى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام آية تدلّ على قدرته ليعلم علم شهود وهي قوله تعالى :﴿وألق عصاك﴾ فألقاها كما مرّ فصارت في الحال، كما آذنت به الفاء حية عظيمة جدّاً، ومع كونها في غاية العظم هي في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند محاولتها ما تريد ﴿فلما رآها تهتز﴾ أي : تضطرب في تحرّكها مع كونها في غاية الكبر ﴿كأنها جان﴾ أي : حية صغيرة في خفتها وسرعتها فلا ينافي ذلك كبر جثتها ﴿ولى﴾ أي : موسى عليه السلام ثم إنّ التولية مشتركة بين معان، فلذا بين المراد منها بقوله تعالى :﴿مدبراً﴾ أي : التفت هارباً منها مسرعاً جدّاً لقوله تعالى :﴿ولم يعقب﴾ أي : لم يرجع على عقبه ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليه.
تنبيه : قال الزمخشري : وألق عصاك معطوف على بورك لأنّ المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي، والمعنى قيل : له : بورك من في النار، وقيل له : ألق عصاك انتهى. وإنما احتاج إلى تقدير وقيل له ألق لتكون جمله خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها لأنه يرى في العطف تناسب الجمل المتعاطفة، والصحيح كما قاله أبو حيان : أنه لا يشترط ذلك. ولما تشوّفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة أجيب : بأنه قيل له ﴿يا موسى لا تخف﴾ أي : منها ولا من غيرها ثقة بي، ثم علل هذا النهي بقوله تعالى : مبشراً بالأمن والرسالة ﴿إني لا يخاف لديّ﴾ أي : عندي ﴿المرسلون﴾ أي : من حية وغيرها لأنهم معصومون من الظلم لا يخاف من الملك العدل إلا ظالم.
النمل 27:11
وقوله تعالى :﴿إلا من ظلم﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع، لأنّ المرسلين معصومون من المعاصي وهذا هو الصحيح، والمعنى لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف إلا من تاب كما قال تعالى :﴿ثم بدّل﴾ أي : بتوبته ﴿حسناً بعد سوء﴾ وهو الظلم الذي كان عمله أي : جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه السلام ﴿فإني﴾ أرحمه بسبب أني ﴿غفور﴾ أي : من شأني أن أمحو الذنوب محواً يزيل جميع آثارها ﴿رحيم﴾ أي : أعامله معاملة الراحم البليغ الرحمة، والثاني : أنه استثناء متصل.
وللمفسرين فيه عبارات : قال الحسن : إنّ موسى ظلم بقتل القبطي ثم تاب فقال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وقال غيره : إنّ ذلك محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل، وقال بعض النحويين : إلا ههنا بمعنى ولا، أي : لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى :﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا﴾ ( البقرة : ١٥٠ ) أي : ولا الذين ظلموا.
النمل 27:12
ثم أراه الله تعالى بعد هذه الآية آية أخرى ذكرها بقوله تعالى :﴿وأدخل يدك في جيبك﴾ أي : فتحة ثوبك وهو ما قطع منه ليحيط بعنقك، وكان عليه مدرعة صوف لا كم لها وقيل : الجيب القميص لأنه يجاب أي : يقطع ﴿تخرج بيضاء﴾ أي : بياضاً عظيماً نيراً جداً له شعاع كشعاع الشمس، وكانت الآية الأولى مما في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني، وهذه في يده نفسها بقلب عرضها التي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني، ثم نفى عنها أن يكون ذلك بسبب آفة بقوله تعالى :﴿من غير سوء﴾ أي : برص ولا غيره من الآفات، وقوله تعالى ﴿في تسع آيات﴾ كلام مستأنف، وحرف الجرّ فيه متعلق بمحذوف، والمعنى : اذهب في تسع آيات ﴿إلى فرعون وقومه﴾ كقول القائل :
فقلت إلى الطعام فقال منهم؍ فريق تحسد الإنس الطعاما؍
ويجوز أن يكون بمعنى وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات وعدادهنّ.
ولقائل أن يقول كانت الآيات إحدى عشرة آية : ثنتان منها العصا واليد، والتسع الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم، وقيل : في بمعنى من أي : من تسع آيات فتكون العصا واليد من التسع، ثم علل إرساله إليهم بالخوارق بقوله تعالى :﴿إنهم كانوا قوماً فاسقين﴾ أي : خارجين عن طاعتنا.
النمل 27:13
﴿فلما جاءتهم آياتنا﴾ أي : على يد موسى عليه السلام ﴿مبصرة﴾ أي : بينة واضحة هادية إلى الطريق الأقوم ﴿قالوا هذا سحر﴾ أي : خيال لا حقيقة له ﴿مبين﴾ أي : واضح في أنه خيال.
النمل 27:14
﴿وجحدوا بها﴾ أي : أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأنّ الجحود الإنكار مع العلم ﴿واستيقنتها أنفسهم﴾ أي : علموا أنها من عند الله تعالى وتخلل علمها صميم قلوبهم، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس، ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها بقوله تعالى :﴿ظلماً وعلواً﴾ أي : شركاء وتكبراً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى ﴿فانظر﴾ يا أشرف الخلق ﴿كيف كان عاقبة المفسدين﴾ وهو الإغراق في الدنيا بأيسر سعي وأيسر أمر، فلم يبق منهم عين تطرف ولم يرجع منهم مخبر على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم، والإحراق في الآخرة بالنار المؤبدة.
النمل 27:15
القصة الثانية قصة داود وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولقد آتينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿داود وسليمان﴾ ابنه وهما من أتباع موسى عليهم السلام وبعده بأزمان متطاولة ﴿علماً﴾ أي : جزأ من العلم عظيماً من منطق الطير والدواب وتسبيح الجبال وغير ذلك لم نؤته لأحد من قبلهما ولما كان التقدير فعملا بمقتضاه، عطف عليه قوله :﴿وقالا﴾ شكراً عليه ودلالة على شرف العلم وتنبيهاً لأهله على التواضع ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿الذي فضلنا﴾ أي : بما آتانا من النبوّة والكتاب وتسخير الشياطين والجنّ والإنس وغير ذلك ﴿على كثير من عباده المؤمنين﴾ أي : ممن لم يؤت علماً أو مثل علمهما، وفي ذلك تحريض للعالم أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه كثير، فلا يتكبر ولا يفتخر ويشكر الله تعالى، وينفع به المسلمين كما نفعه الله تعالى به.
النمل 27:16
ثم إنه تعالى أشار إلى فضل سليمان بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه بقوله تعالى :﴿وورث سليمان داود﴾ أباه عليهما السلام دون سائر أولاده وكان لداود تسعة عشر ابناً فأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين، قال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، وكان سليمان شاكراً لنعم الله تعالى ﴿وقال﴾ تحدّثاً بنعمة ربه ومنبهاً على ما شرّفه الله تعالى به ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير ﴿يا أيها الناس علمنا﴾ أي : أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ﴿منطق الطير﴾ أي : فهم ما يريده كل طائر إذا صوّت، فسمى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس.
روي عن كعب الأحبار أنه قال : صاح ورشان عند سليمان عليه السلام فقال أتدرون ما يقول : قالوا : لا قال : إنه يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة فقال : أتدرون ما تقول قالوا : لا قال : فإنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس فقال أتدرون ما يقول : قالوا : لا قال : فإنه يقول : كما تدين تدان، وصاح هدهد فقال أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا قال : فإنه يقول : من لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا قال فإنه يقول : استغفروا الله يا مذنبين، وصاح طيطوى فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا قال فإنه يقول : كل حيّ ميت وكل جديد بال، وصاح خطاف فقال : أتدرون ما يقول قالوا : لا قال فإنه يقول : قدّموا خيراً تجدوه، وهدرت حمامة فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا : لا، قال فإنها تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري فقال : أتدرون ما يقول قالوا : لا، قال : فإنه يقول سبحان ربي الأعلى، قال والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول من سكت سلم، والببغاء تقول ويل لمن الدنيا همه والضفدع يقول سبحان رب القدّوس، ويقول أيضاً سبحان ربي المذكور بكلّ لسان، والباز يقول سبحان ربي وبحمده، وعن مكحول قال : صاح دراج عند سليمان فقال أتدرون ما يقول هذا ؟ قالوا : لا قال : فإنه يقول : الرحمان على العرش استوى.
وروي عن فرقد السبحيّ قال مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء : وهو بالفتح والمدّ التراب، وقال أبو عبيد : هو الدروس، وفي حديث صفوان :«إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفاً وشربت عليه فعلى الدنيا العفاء »، وروي أنّ جماعة من اليهود قالوا لابن عباس إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمناً وصدّقنا، قال : اسألوا تفقهاً ولا تسألوا تعنتاً، قالوا : أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره والديك في صعيقه والضفدع في نعيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله وما يقول الزرزور والدرّاج، قال نعم أمّا القنبر فيقول : اللهمّ العن مبغضي محمد وآل محمد، وأمّا الديك فيقول : اذكروا الله يا غافلين، وأمّا الضفدع فيقول : سبحان المعبود في لجج البحار، وأمّا الحمار فيقول : اللهمّ العن العشار، وأمّا الفرس فيقول : إذا التقى الصفان سبوح قدّوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فيقول : اللهمّ إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق، وأمّا الدراج فيقول : الرحمان على العرش استوى قال : فأسلم اليهود وحسن إسلامهم.
ويروى عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسين بن عليّ قال : إذا صاح النسر قال : ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال : في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال : إلهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطاف قرأ : الحمد لله رب العالمين ويمدّ ولا الضالين كما يمدّ القارئ.
وقول سليمان عليه السلام ﴿وأوتينا من كل شيء﴾ أي : تؤتاه الأنبياء والملوك، قال ابن عباس من أمر الدنيا والآخرة، وقال مقاتل : يعني النبوّة والملك وتسخير الجنّ والإنس والرياح ﴿إن هذا﴾ أي : الذي أوتيناه ﴿لهو الفضل المبين﴾ أي : البين في نفسه لكلّ من ينظره الموضح لعلوّ قدر صاحبه، روي أنّ سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك أربعين سنة وستة أشهر جميع أهل الدنيا من الجنّ والأنس والدواب والطير والسباع وأعطى مع ذلك منطق الطير، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة، فقوله :﴿إنّ هذا لهو الفضل المبين﴾ تقرير لقوله ﴿الحمد لله الذي فضلنا﴾ والمقصود منه الشكر والحمد، كما قال صلى الله عليه وسلم :«أنا سيد ولد آدم ولا فخر »، فإن قيل : كيف قال علمنا وأوتينا وهو كلام المتكبر ؟ أجيب بوجهين : الأوّل : أنه يريد نفسه وأباه كما مرّ، الثاني : أنّ هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً.
النمل 27:17
ولما كان هذا مجرّد خبر أتبعه ما يصدّقه بقوله تعالى :﴿وحشر﴾ أي : جمع جمعاً حتماً بقهر وسطوة وإكراه بأيسر أمر ﴿لسليمان جنوده﴾ ثم بين ذلك بقوله تعالى :﴿من الجنّ﴾ وبدأ بهم لعسر جمعهم ثم ثنى بقوله تعالى :﴿والإنس﴾ لشرفهم ثم أتبع من يعقل بما لا يعقل بقوله ﴿والطير﴾ فقدّم القسم الأول لشرفه وذلك كان في مسير له في بعض الغزوات ﴿فهم﴾ أي : فتسبب عن مسيره بذلك أنهم ﴿يوزعون﴾ أي : يكفون بحبس أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ليتلاحقوا فيكون ذلك أجدر بالهيبة وأعون على النصرة وأقرب إلى السلامة، قال قتادة : كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أوّلها على آخرها لئلا يتقدّموا في المسير، قال والوازع : الحابس وهو النقيب، وقال مقاتل : يوزعون أي : يساقون، وقال السدّيّ : يوقفون، وقيل : يجمعون، وأصل الوزع الكف والمنع.
قال محمد بن كعب القرظيّ : كان معسكر سليمان عليه السلام مئة فرسخ خمسة وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، وقيل : نسجت له الجنّ بساطاً من ذهب وحرير فرسخاً في فرسخ وكان يوضع كرسيه وسطه فيقعد وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فتقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة والناس حولهم والجنّ والشياطين حول الناس والوحش حولهم وتظلهم الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة يعني : حرّة وسبعمائة سرّية، فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به مسيرة شهر، وأوحي إليه وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في في ملكك أن لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح فأخبرتك به، فيحكى أنه مرّ بحراث فقال لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال : إني مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود واستمرّ سائراً بمن معه.
النمل 27:18
﴿حتى إذا أتوا﴾ أي : أشرفوا ﴿على وادي النمل﴾ روي عن كعب الأحبار أنه قال : كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع كل قدر عشرة من الإبل يطبخ الطباخون ويخبز الخبازون واتخذ ميادين للدّواب فتجري بين يديه وهو بين السماء والأرض والريح تهوي بهم فسار من اصطخر يريد اليمن، فمرّ بمدينة النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال سليمان هذه دار هجرة نبيّ يخرج في آخر الزمان طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه. ولما وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناماً تعبد من دون الله فلما جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله تعالى إلى البيت ما يبكيك ؟
فقال : يا رب أبكاني أنّ هذا نبيّ من أنبياءك وقوم من أوليائك مرّوا علي فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله تعالى إليه لا تبك فإني سوف أملؤك وجوهاً سجداً وأنزل فيك قرآناً جديداً وأبعث منك نبي آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ وأجعل فيك عماراً من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يزفون إليك زفيف النسور إلى وكرها ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها وحنين الحمامة إلى بيضها وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين، ثم مرّ سليمان حتى مرّ بوادي السدير من الطائف فأتى على وادي النمل هكذا قال كعب إنه واد بالطائف.
قال البقاعي : وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف عندهم إلى الآن بهذا الاسم، وقال قتادة ومقاتل : هو واد بالشأم وجرى عليه البيضاوي، وقيل : واد كانت تسكنه الجنّ وأولئك النمل مراكبهم، وقال نوف الحميري : كان نمل ذلك الوادي مثل الذباب، وقيل : كان كالبخاتي، وقال البغويّ والمشهور : أنه النمل الصغير.
فائدة : وقف الكسائي على وادي بالياء، والباقون بغير ياء، فإن قيل : لم عدى أتوا بعلى ؟ أجيب : بأنه يتوجه على معنيين : أحدهما : أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء، والثاني : أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم، أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهوى لا يخاف حطمهم.
ولما كانوا في أمر مهول منظره وقربوا من ذلك الوادي ﴿قالت نملة﴾ قال الشعبيّ : كانت تلك النملة ذات جناحين، وقيل : كانت نملة عرجاء فنادت ﴿يا أيها النمل ادخلوا﴾ أي : قبل وصول ما أرى من الجيش ﴿مساكنكم﴾ ثم عللت أمرها فقالت :﴿لا يحطمنكم﴾ أي : يكسرنكم ويهشمنكم، أي : لا تبرزوا فيحطمكم فهو نهي لهم عن البروز في صورة نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى أميراً عن شيء كان لغيره أشدّ نهياً ﴿سليمان وجنوده﴾ أي : لأنهم لكثرتهم إذا صاروا في هذا الوادي استعلوا عليه فضيقوه فلم يدعوا فيه موضع شبر خالياً ﴿وهم﴾ أي : سليمان وجنوده ﴿لا يشعرون﴾ أي : بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير، وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع نبيّ فهم رحماء، وإنما خاطبتهم خطاب من يعقل لأنها لما جعلت قائلة والنمل مقولاً له كما يكون في أولي العقل أجرت خطابهم، والنمل : اسم جنس معروف واحده نملة، ويقال نملة ونمل بضم النون وسكون الميم، ونملة ونمل بضمهما.
وعن قتادة : أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوني عما شئتم، وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى حاضراً وهو غلام حديث، فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى ؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة : كانت أنثى، فقيل له من أين عرفت ؟ فقال من كتاب الله، وهو قوله : قالت نملة ولو كانت ذكراً لقال قال نملة، قال الزمخشريّ : وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي انتهى.
وردّ هذا أبو حيان فقال : ولحاق التاء في قالت لا يدلّ على أنّ النملة مؤنثة بل يصح أن يقال في الذكر قالت نملة لأن النمل وإن كان بالتاء هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث وما كان كذلك كاليمامة والقملة مما بينه في الجمع وبين واحده تاء التأنيث من الحيوان، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث، ولا يدلّ كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على كونه ذكراً وأنثى لأنّ التاء دخلت فيه للفرق لا للدّلالة على التأنيث له الحقيقي، بل دالة على الواحد من هذا الجنس، قال وكان قتادة بصيراً بالعربية، وكونه أفحم يدل على معرفته باللسان إذا علم أنّ النملة يخبر عنها إخبار المؤنث وإن كانت تطلق على الأنثى والذكر إذ لا يتميز فيه أحد هذين، ولحاق العلامة لا يدل، فلا يعلم التذكير والتأنيث إلا بوحي من الله ا. ه.
وقال الطيبي : العجب من أبي حنيفة إن ثبت ذلك عنه لأنّ النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر والأنثى وأطال الكلام في ذلك.
فإن قيل : كيف يتصّور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض ؟ أجيب : بأنّ من جنوده ركباناً ومنهم مشاة على الأرض تطوى لهم، أو أنّ ذلك كان قبل تسخير الريح لسليمان، ويروى أنّ سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم، فقد روي أنه سمع كلامها من ثلاثة أميال، وقيل : كان اسمها طاخية.
فائدة : قال أهل المعاني في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة : نادت ونبهت وسمت وأمرت ونصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وأعذرت، ووجهه : نادت يا، نبهت : ها، سمت : النمل، أمرت : ادخلوا، نصت : مساكنكم، حذرت : لا يحطمنكم، خصت : سليمان، عمت : وجنوده، أشارت : وهم، أعذرت : لا يشعرون.
النمل 27:19
ولما كان هذا أمر معجباً لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني تسبب عنه قوله :﴿فتبسم ضاحكاً من قولها﴾ أي : لما أوتيته من الفصاحة والبيان وسروراً بما وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذي أحداً وهم يعلمون، وبما آتاه الله من سمعه كلام النملة وإحاطته بمعناه.
تنبيه : ضاحكاً : حال مؤكدة لأنها مفهومة من تبسم، وقيل : هي حال مقدّرة فإنّ التبسم ابتداء الضحك، وقيل : التبسم قد يكون للغضب، ومنه تبسم تبسم الغضبان، فضاحكاً : مبيناً له، قال عنترة :
لما رآني قد قصدت أريده؍ أبدى نواجذه لغير تبسم؍
وقال الزجاج : أكثر ضحك الأنبياء التبسم، وقوله : ضاحكاً أي : متبسماً، وعن عائشة رضي الله عنها قالت :«ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم »، وعن عبد الله بن الحارث بن جبير قال :«ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم »، وقيل : كان أوّله التبسم، وآخره الضحك، ثم حمد الله تعالى على هذه النعمة وسأل ربه توفيق شكره لما تذكر ما أولاه ربه سبحانه وتعالى بحسن تربيته من فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك ﴿وقال رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿أوزعني﴾ أي : ألهمني ﴿أن أشكر نعمتك﴾ وقيل معناه لغة : اجعلني أزع شكر نعمتك أي : أكفه وأمنعه حتى لا يفلت مني فلا أزال شاكراً، وأزع بفتح الزاي أصله : أوزع فحذفت واوه كما في أدع. ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به حققه بقوله ﴿التي أنعمت عليّ﴾ وأفهم قوله :﴿وعلى والديّ﴾ أن أمّه كانت أيضاً تعرف منطق الطير وإنما أدرج ذكر والديه لأنّ النعمة على الولد نعمة على الوالدين خصوصاً النعمة الراجعة إلى الدين فإنه إذا كان تقياً نفعهما بدعائه وشفاعته ودعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له وقالوا رضي الله عنك وعن والديك.
تنبيه : الشكر لغة : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الشاكر أو غيره سواء كان ذكراً باللسان أم اعتقاداً أو محبة بالجنان أم عملاً وخدمة بالأركان، كما قال القائل :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة؍ يدي ولساني والضمير المحجبا؍
وعرفاً : صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله، وهذا لمن حفته العناية الربانية نسأل الله الكريم الفتاح أن يحفنا ومن يلوذ بنا بعنايته.
روي عن داود عليه السلام أنه قال : يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة أخرى منك أحتاج عليها إلى شكر آخر ؟ فأوحى الله تعالى إليه يا داود إذا علمت أنّ ما بك من نعمة فمني فقد شكرتني. والشكر ثلاثة أشياء : الأول : معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة، فرب جاهل تحسن إليه وتنعم عليه وهو لا يدري، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر، الثاني : قبول النعمة بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة، فإنّ ذلك شاهد بقبولها حقيقة، الثالث : الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه، فإنّ اليد العليا خير من اليد السفلى.
ولما علم من كلامه أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب عليه من العمل بحسب ما يقدر عليه، وكان ذلك العمل مما يجوز أن يكون زين لذلك العبد كونه حسناً وهو ليس كذلك قال عليه السلام : مشيراً إلى هذا المعنى ﴿وأن أعمل صالحاً﴾ أي : في نفس الأمر، وقيده بقوله ﴿ترضاه﴾ لأنّ العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل :
إذا كان المحب قليل حظ؍ فما حسناته إلا ذنوب؍
وقوله ﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ يدل على أنّ دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق العبد، والمعنى : أدخلني في جملتهم وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس : يريد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين، فإن قيل : درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين والأولياء فما السبب في أنّ الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين وقد تمنى يوسف عليه السلام بقوله ﴿فاطر السماوات والأرض أنت وليّ في الدنيا والآخرة توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ ( يوسف : ١٠١ ) وقال إبراهيم :﴿هب لي حكماً وألحقني بالصالحين﴾ ( الشعراء، ٨٣ ).
أجيب : بأنّ الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله تعالى ولا يفعل معصية ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية.
النمل 27:20
ثم إنّ سليمان عليه السلام لما وصل إلى المنزل الذي قصده تفقد أحوال جنوده كما تقتضيه العناية بأمور الملك. ﴿وتفقد الطير﴾ أي : طلبها وبحث عنها، والتفقد طلب ما فقد، ومعنى الآية طلب ما فقد من الطير ﴿فقال ما لي لا أرى الهدهد﴾ أي : أهو حاضر ﴿أم كان من الغائبين﴾ أم منقطعة، كأنه لما لم يره ظنّ أنه حاضر ولم يره لساتر أو غيره، فقال مالي لا أراه، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول : أهو غائب ؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له، وهذا يدل على أنه تفقد جماعة من الجند وتحقق غيبتهم وشك في غيبته.
وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء : أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب من الجنّ والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ عسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم وكان ينحر في كل يوم مدة مقامه بمكة خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة وقال لمن حضر من أشراف قومه أنّ هذا المكان يخرج منه نبيّ عربي صفته كذا وكذا يعطى النصر على جميع ما يأواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا فبأي : دين يدين يا نبيّ الله ؟ قال بدين الحنيفية : فطوبى لمن أدركه وآمن به، قالوا كم بيننا وبين خروجه يا نبيّ الله ؟ قال : مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل، فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج منها صباحاً وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء تزهو خضرتها فأحبّ النزول ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد : إنّ سليمان قد اشتغل بالنزول فأرتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها فنظر يميناً وشمالاً فرأى بستاناً لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان يعفور واسم هدهد اليمن عنفير، فقال عنفير هدهد اليمن ليعفور سليمان من أين أقبلت وإلى أين تريد ؟ قال أقبلت من الشأم مع صاحبي سليمان بن داود فقال ومن سليمان ؟ قال ملك الإنس والجنّ والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت ؟ قال أنا من هذه البلاد، قال ومن ملكها ؟ قال امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم ملكاً عظيماً ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت اليمن كله وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها، قال أخاف أن يفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال الهدهد اليماني إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وغاب إلى وقت العصر، وكان نزول سليمان على غير ماء، قال ابن عباس : وكان الهدهد دليل سليمان على الماء، وكان يعرف الماء ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة ويعرف بعده وقربه فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق : انظر ما تقول : إن الصبيّ منا يصنع الفخ ويحثوا عليه التراب فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه ؟ فقال له ابن عباس ويحك إن القدر إذا جاء حال بين البصر، وفي رواية إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر، قال القائل :
هي المقادير فدعني والقدر؍ إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر؍
إذا أراد الله أمراً بامرئ؍ وكان ذا عقل وسمع وبصر؍
يعبر الجهل فيعمى قلبه؍ وسمعه وعقله ثم البصر؍
حتى إذا أنفذ فيه حكمه؍ ردّ عليه عقله ليعتبر؍
لا تقل لما جرى كيف جرى؍ كل شيء بقضاء وقدر؍
النمل 27:21
فلما دخل على سليمان وقت الصلاة سأل الإنس والجنّ والشياطين عن الماء فلم يعلموه، فتفقد الهدهد فلم يجده فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فقال أصلح الله الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته مكاناً، فغضب سليمان عند ذلك وقال :﴿لأعذبنه﴾ أي : بسبب غيبته فيما لم آذن فيه ﴿عذاباً شديداً﴾ أي : مع بقاء روحه ردعاً لأمثاله ﴿أو لأذبحنه﴾ أي : بقطع حلقومه أي : تأديباً لغيره ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ أي : بحجة واضحة.
واختلفوا في تعذيبه الذي أوعده به على أقوال : قال البغوي : أظهرها أنّ عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطاً لا يمتنع من النمل والذباب ولا من هوام الأرض انتهى، وقيل : تعذيبه أن يؤذيه بما لا يحتمله ليعتبر به أبناء جنسه، وقيل : كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه، وقيل : أن يطلى بالقطران ويشمس، وقيل : أن يلقى للنمل تأكله، وقيل : إيداعه القفص، وقيل : التفريق بينه وبين ألفه، وقيل : لألزمنه صحبة الأضداد.
قال الزمخشريّ : وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد، وقيل : لألزمنه خدمة أقرانه، ثم دعا العقاب سيد الطير فقال له : عليّ بالهدهد الساعة فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فالتفت يميناً وشمالاً فإذا بالهدهد مقبلاً من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده فلما رأى الهدهد ذلك علم أنّ العقاب يقصده بسوء، فناشده فقال بحق الله الذي قواك وأقدرك عليّ إلا ما رحمتني ولم تتعرّض لي بسوء، فولى عنه العقاب وقال له ويلك ثكلتك أمّك إنّ نبيّ الله قد حلف أن يعذبك أو ليذبحنك، قال فما استثنى، قال : بلى، قال أو ليأتيني بسلطان مبين، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال، فقال الهدهد وما استثنى نبي الله عليه السلام ؟ قالوا : بلى، قال أو ليأتيني بسلطان مبين، قال فنجوت إذاً، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان، وكان قاعداً على كرسيه، فقال العقاب قد أتيتك به يا نبيّ الله.
النمل 27:22
﴿فمكث﴾ أي : الهدهد، وقوله تعالى :﴿غير بعيد﴾ صفة للمصدر، أي : مكثاً غير بعيد، فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعاً لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه، وقال له أين كنت ؟ لأعذبنك عذاباً شديداً فقال له الهدهد : يا نبيّ الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله فقال ما الذي أبطأك عني ﴿فقال أحطت﴾ أي : علماً ﴿بما لم تحط به﴾ أي : أنت مع اتساع علمك وامتداد ملكك، ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوّة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في علمه، وتنبيهاً له على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه ويكون لطفاً في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء والإحاطة بالشيء علماً أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه معلوم، قالوا : وفيه دليل على بطلان قول الروافضة أنّ الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه، وقيل : الضمير في مكث لسليمان، وقيل : غير بعيد صفة للزمان أي : زماناً غير بعيد، وقرأ عاصم بفتح الكاف، والباقون بضمها، وهما لغتان إلا أنّ الفتح أشهر، ﴿وجئتك﴾ أي : الآن ﴿من سبأ بنبأ﴾ أي : خبر عظيم ﴿يقين﴾ أي : محقق، وقرأ أبو عمرو والبزيّ سبأ بفتح الهمزة من غير تنوين، جعلاه اسماً للقبيلة أو البقعة فمنعاه من الصرف للعلمية والتأنيث، والباقون بالجر والتنوين جعلوه اسماً للحيّ أو المكان، قال البغوي : وجاء في الحديث أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال :«رجلاً كان له عشرة من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة ».
النمل 27:23
فقال سليمان وما ذاك قال :﴿إني وجدت امرأة تملكهم﴾ وهي بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكاً عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكاً هو آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف ليس أحد منكم كفؤاً لي، وأبى أن يتزوج منهم فزوجوه بامرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
قال البغوي : وجاء في الحديث «أنّ أحد أبوي بلقيس كان جنياً فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك، فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، وملكوا عليهم رجلاً وافترقوا فرقتين كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن، ثم إنّ الرجل الذي ملكوه أساء السير في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهنّ، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها، وقال : ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا إياسي منك، فقالت لا أرغب عنك أنت كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني منهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا لا نراها تفعل ذلك، فقال لهم إنها قد ابتدأتني وأنا أحبّ أن تسمعوا قولها، فجاؤها فذكروا لها قالت نعم أحببت الولد فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من حشمها، فلما جاءته أسقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلاً ورأسه منصوب على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت حيلة مكر وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا أنت بهذا الملك أحق من غيرك فملكوها ».
وعن الحسن عن أبي بكرة قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ أهل فارس قد ملكوا عليهم امرأة قال :«لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة » وقوله ﴿وأوتيت﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على تملكهم، وجاز عطف الماضي على المضارع لأنّ المضارع بمعناه، أي : ملكتهم، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من مرفوع تملكهم، وقد معها مضمرة عند من يرى ذلك، وقوله ﴿من كل شيء﴾ عام مخصوص بالعقل لأنها لم تؤت ما أوتيه سليمان، فالمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة ﴿ولها عرش﴾ أي : سرير ﴿عظيم﴾ أي : ضخم لم أجد لأحد مثله طوله ثمانون ذراعاً وعرضه أربعون ذراعاً وارتفاعه ثلاثون ذراعاً، مضروب من الذهب والفضة مكلل بالدرّ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرّد، وقوائمه من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرّد عليه سبعة أبواب على كل باب بيت مغلق.
فإن قيل : كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان ؟ وأيضاً كيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الرحمان في الوصف بالعظم ؟ أجيب عن الأوّل : بأنه يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان واستعظم لها ذلك العرش، ويجوز أن لا يكون لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء يكون في العظم أبلغ مما لغيره من أبناء جنسه من الملوك، ووصف عرش الرحمان بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض.
فإن قيل : كيف خفي على سليمان تلك المملكة العظيمة مع أنّ الإنس والجنّ كانوا في طاعته فإنه عليه السلام كان ملك الدنيا كلها مع أنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى أخفى عنه ذلك لمصلحة رآها كما أخفى مكان يوسف على يعقوب.
النمل 27:24
ولما كان الهدهد في خدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله تعالى فحصل له من النورانية ما هاله، قال مستأنفاً :﴿وجدتها وقومها﴾ أي : كلهم على ضلال كبير وذلك أنهم ﴿يسجدون للشمس﴾ مبتدئين ذلك ﴿من دون الله﴾ أي : من أدنى رتبة للملك الأعظم الذي لا مثل له ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ أي : هذه القبيحة حتى صاروا يظنونها حسنة، ثم تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق فلهذا قال ﴿فصدّهم عن السبيل﴾ أي : الذي لا سبيل إلى الله غيره، وهو الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، ثم تسبب عن ذلك ضلالهم فلهذا قال ﴿فهم﴾ أي : بحيث ﴿لا يهتدون﴾ أي : لا يوجد لهم هدى بل هم في ضلال صرف وعمى محض.
النمل 27:25
﴿ألا يسجدوا لله﴾ أي : أن يسجدوا له، فزيدت لا وأدغم فيها نون أن، كما في قوله تعالى :﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ ( الحديد : ٢٩ ) والجملة في موضع مفعول يهتدون بإسقاط إلى، هذا إذا قرئ بالتشديد وهي قراءة غير الكسائي، وأمّا الكسائي : فقرأ بتخفيف ألا فألا فيها تنبيه واستفتاح وما بعدها حرف نداء ومناداه محذوف كما حذفه من قال :
ألايا اسلمي يا دار ميّ على البلى؍ ولا زال منهلاً بجرعائك القطر؍
ويقف الكسائي على ألا، وعلى يا، وعلى اسجدوا، وإذا ابتدأ اسجدوا ابتدأ بالضم، ثم وصف الله تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من الاتصاف بكمال القدرة والعلم حثاً على السجود له وردّاً على من يسجد لغيره سبحانه وتعالى بقوله :﴿الذي يخرج الخبء﴾ وهو مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات وغيرهما وخصه بقوله :﴿في السماوات والأرض﴾ لأنّ ذلك منتهى مشاهدتنا فننظر ما يكون فيهما بعد أن لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وما يشرق من الكواكب ويغرب إلى غير ذلك من الرياح والحرّ والبرد وما لا يحصيه إلا الله تعالى ﴿ويعلم ما تخفون﴾ في قلوبهم ﴿وما تعلنون﴾ بألسنتهم، وقرأ الكسائي وحفص بالتاء الفوقية فيهما، والباقون بالتحتية، فالخطاب ظاهر على قراءة الكسائي لأنّ ما قبله أمرهم بالسجود وخاطبهم به، والغيبة على قراءة الباقين غير ظاهرة لتقدّم الضمائر الغائبة في قوله ﴿أعمالهم﴾ ﴿فصدهم﴾ و﴿فهم﴾ وأمّا قراءة حفص فتأويلها أنه خرج إلى خطاب الحاضرين بعد أن أتم قصة أهل سبأ، ويجوز أن تكون إلتفاتاً على أنه نزل الغائب منزلة الحاضر فخطابه ملتفتاً إليه.
النمل 27:26
وقوله :﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ أي : الذي هو أوّل الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها، يحتمل أن يكون من كلام الهدهد استدراكاً لما وصف عرش بلقيس بالعظم، وأن يكون من كلام الله تعالى ردّاً عليه في وصفه عرشها بالعظم فبين العظمتين بون عظيم، فإن قيل : من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه ؟
أجيب : بأنه لا يبعد أن يلهمه الله تعالى ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها، خصوصاً في زمن نبي سخرت له الطيور وعلم منطقها وجعل ذلك معجزة له، وهذه آية سجدة واختلف في محلها، هل هو هذه الآية أو عند قوله قبلها وما يعلنون ؟ الجمهور على الأوّل.
النمل 27:27
ولما فرغ الهدهد من كلامه :﴿قال﴾ له سليمان ﴿سننظر﴾ أي : نختبر ما قلته ﴿أصدقت﴾ فيه فنعذرك ﴿أم كنت من الكاذبين﴾ أي : معروفاً بالانخراط في سلكهم فإنه لا يجترئ على الكذب عندي إلا من كان غريقاً في الكذب فهو أبلغ من أم كذبت، وأيضاً لمحافظة الفواصل.
النمل 27:28
ثم شرع فيما يختبره به فكتب له كتاباً على الفور في غاية الوجازة قصداً للإسراع في إزالة المنكر على تقدير صدق الهدهد بحسب الاستطاعة، ودل على إسراعه في كتابته بقوله جواباً له :﴿اذهب بكتابي هذا﴾ فكأنه كان مهيأ عنده فدفعه إليه وأمره بالإسراع، فطار كأنه البرق ولهذا أشار بالفاء في قوله :﴿فألقه إليهم﴾ أي : الذين ذكرت أنهم يعبدون الشمس وذلك للاهتمام بأمر الدين، وقرأ أبو عمرو وشعبة وخلاد بخلاف عنه فألقه بسكون الهاء، واختلس الكسرة قالون وهشام بخلاف عنه، والباقون بإشباع الكسرة. ﴿ثم﴾ قال له إذا ألقيته إليهم ﴿تولّ﴾ أي : تنحّ ﴿عنهم﴾ إلى مكان تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك ﴿فانظر ماذا يرجعون﴾ أي : يردّون من الجواب، وقال ابن زيد في الآية تقديم وتأخير، مجازها اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم توّل عنهم أي : انصرف إليّ، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى إلى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام.
قال قتادة : فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، وقيل نقرها فانتبهت فزعة، وقال مقاتل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة، والناس ينظرون إليه حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها، وقال وهب بن منبه وابن زيد : كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد إلى الكوّة فسدها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم بها، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر إليها، فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأنّ ملك سليمان كان في خاتمه وعرفت أنّ الذي أرسل الكتاب أعظم ملكاً منها، وقرأت الكتاب وتأخر الهدهد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد ألف مقاتل، وعن ابن عباس قال : كان مع بلقيس مائة ألف، قيل مع كل قيل مائة ألف، والقيل : الملك دون الملك الأعظم، وقال قتادة ومقاتل : كان أهل مشورتها ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل رجل منهم على عشرة آلاف.
النمل 27:29
فلما جاؤوا أخذوا مجالسهم ﴿قالت﴾ لهم بلقيس ﴿يا أيها الملأ﴾ وهم أشراف الناس وكبراؤهم ﴿إني ألقي إليّ﴾ أي : بإلقاء ملق على وجه غريب ﴿كتاب﴾ أي : صحيفة مكتوب فيها كلام وخبر جامع، قال الزمخشريّ : وكانت كتب الأنبياء جملاً لا يطنبون ولا يكثرون. ولما حوى هذا الكتاب من الشرف أمراً باهراً لم يعهد مثله وصفته بقولها ﴿كريم﴾ وقال عطاء والضحاك : سمته كريماً لأنه كان مختوماً روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«كرامة الكتاب ختمه »، «وكان عليه السلام يكتب إلى العجم فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم فاصطنع له خاتماً »، وعن ابن المقنع : من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخف به، وقال مقاتل : كريم أي : حسن، وعن ابن عباس : أي : شريف لشرف صاحبه، وقيل : سمته كريماً لأنه كان مصدراً ب ﴿بسم الله الرحمان الرحيم﴾.
النمل 27:30
ثم بينت ممن الكتاب فقالت :﴿إنه من سليمان﴾ ثم بينت المكتوب فيه فقالت ﴿وإنه بسم الله الرحمان الرحيم﴾.
النمل 27:31
﴿ألا تعلو عليّ﴾ قال ابن عباس : لا تتكبروا عليّ، وقيل لا تتعظموا ولا تترفعوا عليّ، أي : لا تمتنعوا عن الإجابة فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر ﴿وائتوني مسلمين﴾ أي : منقادين خاضعين فهو من الاستسلام، أو مؤمنين فهو من الإسلام، فإن قيل : لم قدم سليمان اسمه على البسملة ؟ أجيب : بأنه لم يقع منه ذلك بل ابتدأ الكتاب بالبسملة وإنما كتب اسمه عنواناً بعد ختمه لأنّ بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود، ولذلك قالت :﴿إنه بسم الله الرحمان الرحيم﴾ أي : إنّ الكتاب، فالتقديم واقع في حكاية الحال، واعلم أن قوله :﴿بسم الله الرحمان الرحيم﴾ مشتمل على إثبات الصانع وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً قال الطيبي : وقال القاضي : هذا كلام في غاية الوجازة مع إثبات كمال الصانع وإثبات كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الإله وصفاته صريحاً أو التزاماً، والنهي عن الترفع الذي هو أمّ الرذائل، والأمر بالإسلام الذي هو جامع لأمّهات الفضائل.
النمل 27:32
ولما سكتوا عن الجواب ﴿قالت﴾ لهم ﴿يا أيها الملأ﴾ ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها ﴿أفتوني﴾ أي : تكرّموا عليّ بالإنابة عما أفعله ﴿في أمري﴾ هذا الذي أجيب به هذا الكتاب جعلت الشورى فتوى توسعاً، لأنّ الفتوى الجواب في الحادثة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة واواً، والباقون بتحقيقها وفي الابتداء الجميع بالتحقيق.
ثم عللت أمرها لهم بقولها ﴿ما كنت قاطعة أمراً﴾ أي : فاعلته وفاصلته غير متردّدة فيه ﴿حتى تشهدون﴾ أفادت بذلك أن شأنها دائماً مشاورتهم في كل جليل وحقير فكيف بهذا الأمر الخطير، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم ودلالة على غزارة عقلها وحسن أدبها.
النمل 27:33
ثم إنهم أجابوها عن ذلك بأن ﴿قالوا﴾ مائلين إلى الحرب ﴿نحن أولو قوّة﴾ أي : بالمال والرجال ﴿وأولو﴾ أي : أصحاب ﴿بأس﴾ عزم في الحرب ﴿شديد والأمر﴾ أي : في كل من المصادمة والمسالمة راجع وموكول ﴿إليك فانظري﴾ أي : بسبب أنه لا نزاع معك ﴿ماذا تأمرين﴾ فإنا نطيعك ونتبع أمرك.
النمل 27:34
ولما علمت أن من سخّر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده ﴿قالت﴾ جواباً لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب والحرب سجال لا يدري عاقبتها ﴿إن الملوك﴾ أي : مطلقاً فكيف بهذا النافذ الأمر، العظيم القدر ﴿إذا دخلوا﴾ عنوة بالقهر ﴿قرية أفسدوها﴾ أي : بالنهب والتخريب ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ أي : أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر، ثم أكدت هذا المعنى بقولها ﴿وكذلك﴾ أي : ومثل هذا الفعل العظيم الشأن ﴿يفعلون﴾ أي : هو خلق لهم مستمرّ في جميعهم فكيف بمن تطيعه الوحوش والطيور وغيرهما.
تنبيه : هذه الجملة من كلامها وهو كما قال ابن عادل الظاهر، ولهذا جبلت عليه فتكون منصوبة بالقول، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تصديقاً لها فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب، وهي معترضة بين قولها.
النمل 27:35
ولما بينت ما في المصادمة من الخطر أتبعته بما عزمت عليه من المسالمة بقولها :﴿وإني مرسلة إليهم﴾ أي : إلى سليمان وقومه ﴿بهدية﴾ وهي العطية على طريق الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة كيسة قد سيست وساست فقالت للملأ من قومها إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي فاختبره بها أملك هو أم نبي ؟ فإن يكن ملكاً قبل الهدية وانصرف، وإن يكن نبياً لم يقبل الهدية ولم يرضها منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قولها ﴿فناظرة بم﴾ أي : أيّ شيء ﴿يرجع المرسلون﴾ فأهدت إليه وصفاً ووصائف، قال ابن عباس : ألبستهم لباساً واحداً كي لا يعرف ذكراً من أنثى، وقال مجاهد ألبست الجواري لباس الغلمان وألبست الغلمان لباس الجواري، واختلف في عددهم : فقال ابن عباس : مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال مجاهد ومقاتل : مائة غلام ومائتا جارية، وقال قتادة : أرسلت إليه بلبنات من ذهب في حرير وديباج، وقال ثابت البناني : أهدت إليه صفائح الذهب في أوعية الديباج، وقيل : كانت أربع لبنات من ذهب، وقال وهب وغيره : عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري لباس الغلمان الأقبية والمناطق وألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب وفي آذانهم أقراطاً وشنوفاً مرصعات بأنواع الجواهر وغواشيها من الديباج الملونة وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة من فضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت المرتفع وأرسلت المسك والعنبر وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجذعة لعلها مثقوبة معوّجة الثقب ودعت رجلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معهم كتاباً بنسخة الهدية.
وقالت : إن كنت نبياً فميز بين الوصف والوصائف، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقباً مستوياً، وأدخل خيطاً في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جنّ، وأمرت بلقيس الغلمان : إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرجل انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشاً لطيفاً فاعلم أنه نبيّ مرسل، فتفهم قوله ورد الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان فأخبره الخبر كله فأمر سليمان عليه السلام الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميادين حائطاً شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال أيّ الدواب أحسن مما رأيتم في البر والبحر قالوا يا نبيّ الله إنا رأينا دوابّ في مجر كذا وكذا منقطة مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص، قال عليّ بها الساعة، فأتوا بها فقال شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة وألقوا لها علوفتها فيها، ثم قال للجنّ عليّ بأولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسي على يمينه ومثلها على يساره وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفاً فراسخ وأمر الإنس فاصطفوا صفوفاً فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت أنفسهم ورموا ما معهم من الهدايا، وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعاً على قدر موضع اللبنات التي معهم فلما رأى الرسل موضع اللبنات خالياً وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك الموضع الخالي فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب ففزعوا، فقالت لهم الشياطين جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس من الجنّ والإنس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظراً حسناً بوجه طلق وقال : ما وراءكم ؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه وقال أين الحقة ؟ فأتى بها فحركها وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما في الحقة فقال : إنّ فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوّجة الثقب، فقال الرسول صدقت فاثقب الدرّة وأدخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان عليه السلام من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ثم الجنّ فلم يكن عندهم علم بذلك ثم سأل الشياطين فقالوا أرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت تصير رزقي في الشجرة فقال لك ذلك، وروي أنها جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب وخرجت من الجانب الآخر، ثم قال من لهذه الخرزة بسلكها بالخيط فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان سلي حاجتك قالت : تجعل رزقي في الفواكه قال لك ذلك، ثم ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام يأخذ من الآنية بيديه ويضرب بهما وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها، والغلام على ظاهر الساعد وكانت الجارية تصبّ الماء صباً، وكان الغلام يحدر الماء على ساعده حدراً، فميز بينهم بذلك.
النمل 27:36
ثم ردّ سليمان الهدية كما قال تعالى :﴿فلما جاء﴾ أي : الرسول الذي بعثته، والمراد به الجنس، قال أبو حيان وهو يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث ﴿سليمان﴾ ورفع إليه ذلك ﴿قال﴾ أي : سليمان عليه السلام للرّسول ولمن في خدمته استصغاراً لما معه ﴿أتمدّونني﴾ أي : أنت ومن معك ومن أرسلك ﴿بمال﴾ وإنما قصدي لكم لأجل الدين تحقيراً لأمر الدنيا وإعلاماً بأنه لا التفات له نحوها بوجه ولا يرضيه شيء دون طاعة الله تعالى، وقرأ نافع وأبو عمرو : بإثبات الياء وصلاً لا وقفاً، وابن كثير : بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، وحمزة بإدغام النون الأولى في الثانية وإثبات الياء وصلاً ووقفاً، ثم تسبب عن ذلك قوله استصغاراً لما معهم ﴿فما آتاني الله﴾ أي : الملك الأعظم من الحكمة والنبوّة والملك، وهو الذي يغني مطيعه عن كل شيء سواه فمهما سأله أعطاه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص : بفتح الياء في الوصل، ولقالون وأبي عمرو وحفص أيضاً إثباتها وقفاً، والباقون بحذف الياء وقفاً ووصلاً، وأمالها حمزة والكسائي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين ﴿خير﴾ أي : أفضل ﴿مما آتاكم﴾ أي : من الملك الذي لا دين ولا نبوّة فيه ﴿بل أنتم﴾ أي : بجهلكم بالدين ﴿بهديتكم﴾ أي : بإهداء بعضكم إلى بعض ﴿تفرحون﴾ وأمّا أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأنّ الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحداً، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوّة.
النمل 27:37
ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد ﴿ارجع﴾ أي : بهديتهم وجمع في قوله ﴿إليهم﴾ إكراماً لنفسه وصيانة لاسمها عن التصريح بضميرها وتعظيماً لكل من يهتم بأمرها ويطيعها ﴿فلنأتينهم بجنود لا قبل﴾ أي : لا طاقة ﴿لهم بها﴾ أي : بمقابلتها ﴿ولنخرجنهم منها﴾ أي : من أرضهم وبلادهم وهي سبأ ﴿أذلة وهم صاغرون﴾ أي : ذليلون لا يملكون شيئاً من المنعة.
فإن قيل : فلنأتينهم ولنخرجنهم قسم فلا بدّ أن يقع ؟ أجيب : بأنه معلق على شرط محذوف لفهم المعنى، أي : إن لم يأتوني مسلمين، قال وهب وغيره من أهل الكتب، لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان قالت لهم قد عرفت والله ما هذا بملك وما لنا به من طاقة فبعثت إلى سليمان أني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعلته داخل سبعة أبواب داخل قصرها وقصرها داخل سبعة قصور وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرّاساً يحفظونه، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ بما وكلتك وبسرير ملكي لا يخلص إليه أحد حتى آتيك، ثم أمرت منادياً ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم بالرحيل وتجهزت للمسير فارتحلت في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يد كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس : كان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوماً فجلس على سرير ملكه فرأى رهجاً قريباً منه، فقال ما هذا ؟ قالوا بلقيس وقد نزلت منا على مسيرة فرسخ.
النمل 27:38
فأقبل سليمان حينئذ على جنوده بأن ﴿قال﴾ لهم ﴿يا أيها الملأ﴾ أي : الأشراف ﴿أيكم﴾ وفي الهمزتين ما تقدم ﴿يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾ أي : مؤمنين، وقال ابن عباس : واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها فقال أكثرهم : لأنّ سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها، وقيل : ليريها قدرة الله تعالى ببعض ما خصه به من العجائب الدالة على عظيم القدرة وصدقه في دعوى النبوّة في معجزة يأتي بها في عرشها، وقال قتادة : لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد بالعظم فأحبّ أن يراه، وقال ابن زيد : يريد أن يأمر بتنكيره وتغييره فيختبر بذلك عقلها.
النمل 27:39
﴿قال عفريت من الجن﴾ وهو المارد القوي، قال وهب : اسمه كودي، وقيل : ذكوان، وقال ابن عباس العفريت الداهي، وقال الضحاك : هو الخبيث، وقال الربيع : الغليظ، وقال الفراء : القويّ الشديد، قيل : إنّ الشياطين أقوى من الجنّ وأنّ المردة أقوى من الشياطين وأنّ العفريت أقوى منهما، قال بعض المفسرين العفريت من الرجال الخبيث المتكبر، وقيل : هو صخر الجني وكان بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، وقوله تعالى ﴿أنا آتيك به﴾ قرأه في الموضعين نافع بإثبات الألف من أنا وصلاً ووقفاً، والباقون وصلاً لا وقفاً، ثم بيّن سرعة إسراعه بقوله ﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾ أي : الذي تجلس فيه للقضاء، قال ابن عباس : كان له غداة كل يوم مجلس يقضي فيه إلى نصف النهار، ثم أوثق الأمر وأكده بقوله ﴿وإني عليه﴾ أي : على الإتيان به سالماً ﴿لقويّ﴾ أي : على حمله لا يحصل عجزي عنه ﴿أمين﴾ أي : على ما فيه من الجواهر وغيرها.
النمل 27:40
قال سليمان عليه السلام أريد أسرع من ذلك ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب﴾ المنزل وهو علم الوحي والشرائع، وقيل : كتاب سليمان، وقيل : اللوح المحفوظ، والذي عنده علم من الكتاب جبريل، قال البقاعي ولعله التوراة والزبور انتهى، وفي ذلك إشارة إلى أنّ من خدم كتاب الله حق الخدمة كان الله تعالى معه، كما ورد في شرعنا «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويديه التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها »، أي : أنه يفعل له ما يشاء.
واختلفوا في تعيينه : فقال أكثر المفسرين : هو آصف بن برخيا كاتب سليمان، وقيل اسمه أسطوم وكان صديقاً عالماً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى، وقيل ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، وعن ابن لهيعة بلغني أنه الخضر عليه السلام ﴿أنا آتيك به﴾ ثم بين فضله على العفريت بقوله ﴿قبل أن يرتدّ﴾ أي : يرجع ﴿إليك طرفك﴾ أي : بصرك إذا طرفت أجفانك فأرسلته إلى منتهاه، ثم رددته فالطرف : تحريكك أجفانك إذا نظرت فوضع في موضع النظر. ولما كان الناظر موصوفاً بإرسال الطرف في نحو قوله :
وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً؍ لقلبك يوماً أتعبتك المناظر؍
وصف برد الطرف ووصف الطرف بالارتداد، روي أن آصف قال لسليمان مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك، فمدّ سليمان عينيه فنظر نحو اليمين ودعا آصف فبعث الله تعالى الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يجدّون جداً حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان، وقال الكلبي : خرّ آصف ساجداً ودعا باسم الله الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان بقدرة الله تعالى، وقيل : كانت المسافة شهرين، وقال سعيد بن جبير : يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك، وقال قتادة : قبل أن يأتيك الشخص من مدّ البصر، وقال مجاهد : يعني : إدامة النظر حتى يرد البصر خاسئاً، قال الزمخشري : ويجوز أن يكون هذا مثلاً لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة وفي ردّ طرف والتفت ترني وما أشبه ذلك تريد السرعة انتهى.
واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف : فقال مجاهد ومقاتل : بياذا الجلال والإكرام، وقال الكلبي : يا حيّ يا قيوم، وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وروي عن الزهريّ قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، وعن الحسن يا الله يا رحمن، وقال محمد بن المنكدر إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله تعالى علماً وفهماً أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك قال سليمان هات قال أنت النبيّ ابن النبيّ وليس أحد أوجه عند الله منك فإن دعوت الله كان عندك فقال صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
قال الرازي وهذا القول أقرب واستدل لذلك بوجوه منها : أنّ سليمان كان أعرف بالكتاب من غيره لأنه هو النبي فكان صرف اللفظ إليه أولى، ومنها : أنّ إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق، ومنها : أنه قال هذا من فضل ربي فظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان.
﴿فلما رآه﴾ أي : رأى سليمان العرش ﴿مستقرّاً عنده﴾ أي : حاصلاً بين يديه ﴿قال﴾ شاكراً لربه لما آتاه الله تعالى من هذه الخوارق ﴿هذا﴾ أي : الإتيان المحقق ﴿من فضل ربي﴾ أي : المحسن إليّ لا بعمل أستحق به شيئاً فإنه أحسن إليّ بإخراجي من العدم ونظر إليّ بتوفيقي للعمل فكل عمل نعمة يستوجب عليّ بها الشكر، ولذلك قال ﴿ليبلوني﴾ أي : ليختبرني ﴿أأشكر﴾ فاعترف بكونه فضلاً ﴿أم أكفر﴾ بظني أني أوتيته باستحقاق.
تنبيه : ههنا همزتان مفتوحتان فنافع يسهل الهمزة الثانية، وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام، ولم يدخل ورش وابن كثير، ولورش أيضاً إبدالها ألفا، والباقون بالتحقيق وعدم الإدخال، ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله ﴿ومن شكر﴾ أي : أوقع الشكر لربه ﴿فإنما يشكر لنفسه﴾ فإن نفعه لها وهو أن يستوجب تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وجلب للنعمة المفقودة ﴿ومن كفر﴾ أي : بالنعمة ﴿فإنّ ربي﴾ أي : المحسن إليّ بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر ﴿غني﴾ عن شكره لا يضرّه تركه شيئاً ﴿كريم﴾ أي : بإدرار الإنعام عليه فلا يقطعه عنه بسبب عدم شكره.
النمل 27:41
ولما حصل العرش عنده ﴿قال﴾ عليه السلام ﴿نكروا﴾ أي : غيروا ﴿لها عرشها﴾ أي : سريرها إلى حالة تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل : هو أن يزاد فيه وينقص، وروي أنه جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر اختباراً لعقلها، كما اختبرتنا بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك.
وإليه أشار بقوله ﴿ننظر أتهتدي﴾ أي : إلى معرفته فيكون ذلك سبباً لهدايتها في الدين ﴿أم تكون من الذين﴾ شأنهم أنهم ﴿لا يهتدون﴾ بل هم في غاية الغباوة ولا يتجدّد لهم اهتداء، وقال وهب ومحمد بن كعب : إنما حمل سليمان على ذلك، أنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي له أسرار الجنّ لأنّ أمها كانت جنية وإذا ولدت له ولداً لا ينفكون عن تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأساؤوا الثناء عليها ليزهدوه فيها، فقالوا : إنّ في عقلها شيئاً وإنّ رجليها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين، فأراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح.
النمل 27:42
ثم أشار إلى سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله :﴿فلما جاءت﴾ وكانت قد وضعت عرشها في بيت خلف سبعة أبواب ووكلت به حراساً أشدّاء ﴿قيل﴾ لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره ﴿أهكذا عرشك﴾ أي : مثل هذا عرشك ﴿قالت كأنه هو﴾ قال مقاتل : عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، وقال عكرمة : كانت حكيمة لم تقل نعم خوفاً من أن تكذب ولم تقل لا خوفاً من التكذيب فقالت كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر، وقيل : اشتبه عليها أمر العرش لأنها خلفته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فقيل لها فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب.
وقوله تعالى :﴿وأوتينا العلم من قبلها﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه من كلام بلقيس فالضمير في قبلها راجع للمعجزة والحالة الدال عليها السياق، والمعنى : وأوتينا العلم بنبوّة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة، وذلك لما رأت قبل ذلك من أمر الهدهد ورد الهدية والرسل من قبلها من قبل الآية في العرش ﴿وكنا مسلمين﴾ أي : منقادين طائعين لأمر سليمان، والثاني : أنه من كلام سليمان وأتباعه فالضمير في قبلها عائد على بلقيس فكان سليمان وقومه قالوا : إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة وقد رزقت الإسلام، ثم عطفوا على ذلك قولهم ﴿وأوتينا العلم﴾ يعني بالله تعالى وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة في مثل علمها وغرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزيد التقديم في الإسلام قاله مجاهد، وقيل : معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله تعالى.
النمل 27:43
واختلف في فاعل قوله عز وجل :﴿وصدّها ما كانت تعبد من دون الله﴾ على ثلاثة أوجه : أحدها : ضمير البارئ تعالى، الثاني ضمير سليمان عليه السلام، أي : منعها ما كانت تعبد من دون الله وهو الشمس، وعلى هذا فما كانت تعبد منصوب على إسقاط الخافض، أي : وصدّها الله تعالى أو سليمان عما كانت تعبد من دون الله قاله الزمخشريّ مجوزاً له، قال أبو حيان وفيه نظر من حيث إنّ حذف الجار ضرورة كقوله :
تمرّون الديار فلم تعوجوا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدم آيات كثيرة من هذا النوع، والثالث : أنّ الفاعل هو ما كانت أي : صدّها ما كانت تعبد عن الإسلام أي : صدّها عبادة الشمس عن التوحيد وقوله تعالى :﴿إنها كانت من قوم كافرين﴾ استئناف أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف العبادة ولم تعرف إلا عبادة الشمس.
النمل 27:44
ولما تم ذلك فكأنه قيل : هل كان بعد ذلك اختبار فقيل نعم ﴿قيل لها﴾ أي : قائل من جنود سليمان عليه السلام فلم يمكنها المخالفة ﴿ادخلي الصرح﴾ وهو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء جار فيه سمك اصطنعه سليمان. ولما قالت له الشياطين إنّ رجليها كحافر الحمار وهي شعراء الساقين، فأراد أن ينظر إلى ساقيها من غير أن يسألها كشفهما، وقيل الصرح صحن الدار أجرى تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكف عليه الطير والجنّ والإنس، وقيل : اتخذ صحناً من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء ﴿فلما رأته حسبته لجة﴾ وهي معظم الماء ﴿وكشفت عن ساقيها﴾ لتخوضه فنظر إليها سليمان فرآها أحسن الناس ساقاً وقدماً إلا أنها كانت شعراء الساقين.
فلما رأى سليمان ذلك صرف نظره عنها، وناداها بأن ﴿قال﴾ لها ﴿إنه﴾ أي : هذا الذي ظننته ماء ﴿صرح ممرد﴾ أي : مملس ومنه الأمرد لملاسة وجهه من الشعر ﴿من﴾ أي : كائن من ﴿قوارير﴾ أي : زجاج وليس بماء، ثم إنّ سليمان دعاها إلى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت بأن ﴿قالت رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿إني ظلمت نفسي﴾ أي : بما كنت فيه من العمى بعبادة غيرك عن عبادتك ﴿وأسلمت مع سليمان لله﴾ أي : مقرّة له بالألوهية والربوبية على سبيل الوحدانية، ثم رجعت إشارة للعجز عن معرفة الذات حق المعرفة إلى الأفعال التي هي بحر المعرفة فقالت ﴿رب العالمين﴾ فعممت بعد أن خصت إشارة إلى الترقي من حضيض دركات العمى إلى أوج درجات الهدى، وقيل : إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة قالت في نفسها إنّ سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا، فقولها ظلمت نفسي أي : بذلك الظنّ.
واختلفوا في أمرها بعد إسلامها هل تزّوجها سليمان عليه السلام ؟ فالذي عليه أكثر المفسرين فيما رأيت أنه تزوّج بها وكره ما رأى من شعر ساقيها فسأل الإنس ما يذهب هذا فقالوا الموس فقالت المرأة لا تمسني حديدة قط، فسأل الجنّ فقالوا لا ندري، فسأل الشياطين فقالوا إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا النورة والحمام فكانت النورة والحمامات من يومئذ، فلما تزوّجها سليمان أحبها حباً شديداً وأقرّها على ملكها وأمر الجنّ فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها وارتفاعاً وحسناً، قال الطيبي سلحين ومؤمنة باليمن وغمدان قال في النهاية هم بضم الغين وسكون الميم البناء العظيم، وكان يزورها في الشهر مرّة ويقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له وقيل : إنها لما أسلمت قال لها سليمان اختاري رجلاً من قومك أن أزوجك له قالت ومثلي يا نبيّ الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان، قال نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله، فقالت إن كان ولا بدّ فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوّجه بها ثم ردّها إلى اليمن وسلطن زوجها ذا تبع على اليمن وأمر زوبعة أمير جنّ اليمن أن يطيعه فبنى له المصانع ولم يزل أميراً حتى مات سليمان عليه السلام، فلما أن حال الحول وتبينت الجنّ موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجنّ إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان، وقيل : إنّ الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاثة عشر سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة فسبحان من يدوم ملكه وبقاؤه.
النمل 27:45
ولما أتم سبحانه وتعالى قصة سليمان وداود عليهما السلام ذكر قصة صالح عليه السلام وهي القصة الثالثة بقوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿إلى ثمود أخاهم﴾ أي : من القبيلة ﴿صالحاً﴾ ثم ذكر المقصود من الرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن بقوله :﴿أن اعبدوا الله﴾ أي : الملك الأعظم وحده ولا تشركوا به شيئاً، ثم تعجب منهم بما أشارت إليه الفاء وإذا المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى الاجتماع بقوله :﴿فإذا هم﴾ أي : ثمود ﴿فريقان﴾ وبين بقوله تعالى :﴿يختصمون﴾ أنهم فرقة افتراق بكفر وإيمان لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان، ففريق صدق صالحاً واتبعه وفريق استمرّ على شركه وكذبه وكل فريق يقول أنا على الحق وخصمي على الباطل.
النمل 27:46
ثم استعطف صالح عليه السلام على المكذبين بأن ﴿قال﴾ لهم ﴿يا قوم لم تستعجلون﴾ أي : تطلبون العجلة بالإتيان ﴿بالسيئة﴾ أي : التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر ﴿قبل﴾ الحالة ﴿الحسنة﴾ من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم، والاستعجال : طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت المضروب، واستعجالهم لذلك بالإصرار على سببه وقولهم استهزاءً ﴿ائتنا بما تعدنا﴾ وكانوا يقولون إنّ العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه تبنا حينئذ واستغفرنا، فحينئذ يقبل الله تعالى توبتنا ويدفع العذاب عنا.
فخاطبهم صالح عليه السلام على حسب عقولهم واعتقادهم فقال :﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿تستغفرون الله﴾ أي : تطلبون غفرانه قبل نزول العذاب، فإنّ استعجال الخير أولى من استعجال الشرّ ﴿لعلكم ترحمون﴾ تنبيهاً لهم على الخطأ فيما قالوه فإنّ العذاب إذا نزل بهم لا تقبل توبتهم.
تنبيه : وصف العذاب بأنه سيئة مجازاً إمّا لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، وأمّا وصف الرحمة بأنها حسنة فقيل حقيقة وقيل مجاز.
النمل 27:47
ثم إنّ صالحاً عليه السلام لما قرّر لهم هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد بأن ﴿قالوا﴾ فظاظة وغلظة ﴿اطّيرنا﴾ أي : تشاءمنا ﴿بك وبمن معك﴾ أي : وبمن آمن بك، وذلك أن الله تعالى قد أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا، فقالوا حل بنا هذا الضرر والشدّة من شؤمك وشؤم أصحابك، قال الزمخشري : كان الرجل يخرج مسافراً فيمرّ بطائر فيزجره فإن مرّ سانحاً تيمن وإن مرّ بارحاً تشائم، قال الجوهريّ : السنيح والسانح ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائر وغيرهما وبرح الظبي بروحاً إذا ولاك مياسره يمرّ من ميامنك إلى مياسرك والعرب تتطير بالبارح وتتفائل بالسانح، فلما نسبوا الخير والشرّ إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله تعالى وقسمته. تنبيه : أصل اطيرنا تطيرنا أدغمت التاء في الطاء واجتلبت همزة وصل.
ثم أجابهم صالح عليه السلام بأن ﴿قال﴾ لهم ﴿طائركم﴾ أي : ما يصيبكم من خير وشرّ ﴿عند الله﴾ أي : الملك الأعظم المحيط بكل شيء علماً وقدرة وهو قضاؤه وقدره وليس شيء منه بيد غيره، وسمي طائراً لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم، وقال ابن عباس : الشؤم أتاكم من عند الله تعالى بكفركم، وقيل : طائركم عملكم عند الله سمي طائراً لسرعة صعوده إلى السماء، ومنه قوله تعالى :﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ ( الإسراء : ١٣ ) ﴿بل أنتم قوم تفتنون﴾ قال ابن عباس : تختبرون بالخير والشرّ كقوله تعالى :﴿ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة﴾ ( الأنبياء : ٣٥ ) وقال محمد بن كعب : تعذبون، وقيل : يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم بالتطير.
النمل 27:48
لما أخبر الله تعالى عن عامة هذا الفريق بالشرّ نبه على بعض شرّهم بقوله تعالى :
﴿وكان في المدينة﴾ أي : مدينة ثمود وهي الحجر ﴿تسعة رهط﴾ أي : رجال وإنما جاز تمييزاً لتسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة فكأنه قيل تسعة أنفس أو رجال كما قدّرته، والفرق بين الرهط والنفر أنّ الرهط من الثلاثة إلى العشرة أو من السبعة إلى العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة.
وأسماؤهم عن وهب : الهذيل بن عبد رب غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قدار بن سالف وهم الذي سعوا في عقر الناقة وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من أبناء أشرافهم ورأسهم قدار بن سالف وهو الذي تولى عقر الناقة، وقوله :﴿يفسدون في الأرض﴾ إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه وقوله :﴿ولا يصلحون﴾ يحتمل أن يكون مؤكداً للأوّل ويحتمل أن لا يكون وهو الأولى، لأنّ بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح فنفى عنهم ذلك فليس شأنهم إلا الفساد المحض الذي لا يخالطه شيء من الصلاح.
النمل 27:49
ولما اقتضى السياق السؤال عن بعض حالهم أجاب بقوله :﴿قالوا تقاسموا﴾ أي : قال بعضهم لبعض احلفوا ﴿بالله﴾ أي : الملك العظيم ﴿لنبيتنه﴾ أي : صالحاً ﴿وأهله﴾ أي : من آمن به لنهلكنّ الجميع ليلاً، فإنّ البيات مباغتة العدوّ ليلاً.
تنبيه : محل تقاسموا جزم على الأمر، ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً، وحينئذ يجوز أن يكون مفسراً لقالوا كأنه قيل : ما قالوا : فقيل تقاسموا، ويجوز أن يكون حالاً على إضمار قدر أي : قالوا ذلك متقاسمين وإليه ذهب الزمخشريّ.
﴿ثم لنقولنّ﴾ أي : بعد إهلاك صالح ومن معه ﴿لوليه﴾ أي : المطالب بدمه إن بقي منهم أحد ﴿ما شهدنا﴾ أي : ما حضرنا ﴿مهلك﴾ أي : إهلاك ﴿أهله﴾ أي : أهل ذلك الولي فضلاً عن أن نكون باشرنا أو أهل صالح عليه السلام فضلاً عن أن نكون شهدنا مهلكه أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكه، وقرأ حمزة والكسائي بعد اللام من لنبيتنه بتاء فوقية مضمومة وبعد الياء التحتية بتاء فوقية مضمومة وبعد اللام من ليقولنّ بتاء فوقية مفتوحة وضمّ اللام بعد الواو، والباقون بعد اللام من لنقولنّ بنون مفتوحة ونصب اللام من لنقولنّ، وقرأ عاصم مهلك بفتح الميم، والباقون بضمها، وكسر اللام حفص، وفتحها الباقون.
ولما صمموا على هذا الأمر وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف بقولهم ﴿وإنا لصادقون﴾ أي : في قولنا ما شهدنا مهلك أهله ذلك، فإن قيل : كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه ؟ أجيب : على التفسير الثاني بأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين، ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا أحدهما، كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما، وفي هذا دليل قاطع على أنّ الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم إلا أنهم قصدوا قتل نبيّ الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سوّوا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون فيها عن الكذب.
النمل 27:50
ولما كان منهم عمل من لم يظنّ أنّ الله عالم به قال تعالى محذراً أمثالهم عن أمثال ذلك :﴿ومكروا مكراً﴾ وهو ما أخفوه من تدبيرهم الفتك بصالح وأهله ﴿ومكرنا مكراً﴾ أي : جازيناهم على مكرهم بتعجيل العقوبة ﴿وهم لا يشعرون﴾ أي : لا يتجدّد لهم شعور بما قدّرناه عليهم، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، وقيل : إنّ الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرّز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم.
النمل 27:51
﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم﴾ في ذلك ﴿أنا دمرناهم﴾ أي : أهلكناهم ﴿وقومهم أجمعين﴾ روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاثة فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فبعث الله تعالى صخرة من أهضب جبالهم فبادروا إلى الشعب فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل الله تعالى بهم وبقومهم، وعذب الله تعالى كلاً منهم في مكانه بصيحة جبريل عليه السلام ورمتهم الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم.
وقال ابن عباس : أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم، وقال مقاتل : نزلوا في سفح الجبل ينتظر بعضهم بعضاً ليأتوا دار صالح فحمى عليهم الجبل فأهلكهم وأهلك الله تعالى قومهم بالصيحة.
النمل 27:52
﴿فتلك بيوتهم﴾ أي : ثمود كلهم ﴿خاوية﴾ أي : خالية من خوى البطن إذا خلا أو ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط.
تنبيه : خاوية منصوب على الحال، والعامل فيها معنى اسم الإشارة، وقرأ الكوفيون أنا دمرناهم بفتح الهمزة إما على حذف حرف الجرّ، أي : لأنا دمرناهم وإمّا أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي : هي أنا دمرناهم أي : العاقبة تدميرنا إياهم، وقيل غير ذلك، والباقون بكسر الهمزة على الاستئناف وهو تفسير للعاقبة، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتهم بضم الباء الموحدة، وكسرها الباقون، ولما ذكر تعالى هلاكهم اتبعه بقوله تعالى :﴿بما ظلموا﴾ أي : بسبب ظلمهم وهو عبادتهم من لا يستحق العبادة وتركهم من يستحقها، ثم زاد في التهويل بقوله تعالى :﴿إن في ذلك﴾ أي : هذا الأمر الباهر للعقول الذي فعل بثمود ﴿لآية﴾ أي : عبرة عظيمة ولكنها ﴿لقوم يعلمون﴾ قدرتنا فيتعظون أما من لا علم عنده فقد نادى على نفسه في عداد البهائم.
النمل 27:53
ولما ذكر تعالى الذين أهلكهم أتبعه بذكر الذين نجاهم فقال :﴿وأنجينا﴾ أي : بعظمتنا وقدرتنا ﴿الذين آمنوا﴾ وهم الفريق الذين كانوا مع صالح كلهم ﴿وكانوا يتقون﴾ أي : متصفين بالتقوى أيضاً فكأنهم مجبولون عليه فيجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية من الأعمال الصالحة.
النمل 27:54
ولما ذكر تعالى قصة صالح عليه السلام أتبعها قصة لوط عليه السلام وهي القصة الرابعة بقوله تعالى :﴿ولوطاً﴾ وهو إما منصوب عطفاً على صالح، أي : وأرسلنا لوطاً، وإما عطفاً على الذين آمنوا أي : وأنجينا لوطاً، وإما باذكر مضمرة ويبدل منه على هذا.
﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لقومه﴾ أي : الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما السلام وصاهرهم وكانوا يأتون الأحداث منكراً موبخاً ﴿أتأتون الفاحشة﴾ أي : الفعلة المتناهية في الفحش ﴿وأنتم تبصرون﴾ من بصر القلب، أي : تعلمون فحشها واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح، أو يبصرها بعضكم من بعض لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معلنين لا يستتر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة وانهماكاً في المعصية، قال الزمخشري وكان أبا نواس بنى على مذهبهم قوله :
وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى؍ فلا خير في اللذات من دونها ستر؍
أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم، فإن قيل : إذا فسر تبصرون بالعلم وبعده بل أنتم قوم تجهلون فكيف يكونون علماء جهلاء ؟.
أجيب : بأنهم يفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمهم بذلك أو يجهلون العاقبة، أو أنّ المراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.
النمل 27:55
ثم عين ما أبهمه بقوله :﴿أئنكم لتأتون﴾ وقال ﴿الرجال﴾ إشارة إلى أنّ فعلتهم هذه مما يعني الوصف ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدّق ذو عقل أنّ أحداً يفعلها، ثم علل ذلك بقوله ﴿شهوة﴾ إنزالاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا إعفاف، وقال ﴿من دون النساء﴾ إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك، وقوله :﴿بل أنتم قوم تجهلون﴾ تقدّم في جواب تبصرون تفسيره، فإن قيل : تجهلون صفة لقوم والموصوف لفظه لفظ الغائب فهلا طابقت الصفة الموصوف ؟ أجيب : بأنه قد اجتمعت الغيبة والمخاطبة فغلبت المخاطبة لأنها أقوى وأرسخ أصلاً من الغيبة، وقرأ أئنكم نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية المكسورة كالياء، وحققها الباقون، وأدخل بينهما قالون وأبو عمرو ألفاً، وهشام بخلاف عنه.
النمل 27:56
لما بين تعالى بجهلهم بين أنهم أجابوا بما لا يصلح أن يكون جواباً بقوله تعالى :﴿فما كان جواب قومه﴾ أي : لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة ولا شبهة في دفعه ﴿إلا أن قالوا﴾ عدولاً إلى المغلابة وتمادياً في الخبث ﴿أخرجوا آل لوط﴾ أي : أهله وقولوا ﴿من قريتكم﴾ مناً عليه بإسكانه عندهم، وعللوا ذلك بقولهم ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ أي : يتنزهون عن القاذورات كلها فينكرون هذا العمل القذر ويغيظنا إنكارهم، وعن ابن عباس : هو استهزاء أي : قالوه تهكماً بهم.
النمل 27:57
ولما وصولوا في الخبث إلى هذا الحدّ سبب سبحانه وتعالى عن قولهم وفعلهم قوله تعالى :﴿فأنجيناه وأهله﴾ أي : كلهم من أن يصلوا إليهم بأذى ويلحقهم من عذابنا ﴿إلا امرأته قدرناها﴾ أي : قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا ﴿من الغابرين﴾ أي : الباقين في العذاب، وقرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد.
النمل 27:58
﴿وأمطرنا عليهم مطراً﴾ هو حجارة السجيل، أي : أهلكتهم ولذلك تسبب عنه قوله ﴿فساء﴾ أي : فبئس ﴿مطر المنذرين﴾ بالعذاب مطرهم.
النمل 27:59
ولما أتم سبحانه وتعالى هذه القصص الدالة على كمال قدرته وعظيم شأنه وما خص به رسله من الآيات والانتصار من البعداء أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحمده على هلاك الأمم الخالية بقوله :﴿قل﴾ يا أفضل الخلق. ﴿الحمد﴾ أي : الوصف بالإحاطة بصفات الكمال ﴿لله﴾ على إهلاك هؤلاء البعداء البغضاء، وأن يسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك بقوله تعالى :﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ أي : اصطفاهم، واختلف فيهم فقال مقاتل : هم الأنبياء والمرسلون بدليل قوله تعالى :﴿وسلام على المرسلين﴾ ( الصافات، ١٨١ ) وقال ابن عباس في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين.
تنبيه : سلام مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه دعاء.
ولما بين أنه تعالى أهلكهم ولم تغن عنهم آلهتهم من الله شيئاً قال تعالى :﴿آلله﴾ أي : الذي له الجلال والإكرام ﴿خير﴾ أي : لعباده الذين اصطفاهم وأنجاهم ﴿أم ما يشركون﴾ أي : الكفار من الآلهة خير لعبادها فإنهم لا يغنون عنهم شيئا. ً
تنبيه : لكل من القراء السبعة في هاتين الهمزتين وجهان : الأوّل : تحقيق همزة الاستفهام وإبدال همزة الوصل ألفاً مع المدّ، والثاني : تحقيق همزة الاستفهام أيضاً وتسهيل همزة الوصل مع القصر، وقرأ أبو عمرو وعاصم يشركون بالياء التحتية بالغيبة حملاً على ما قبله من قوله تعالى :﴿وأمطرنا عليهم مطراً﴾ وما بعده من قوله تعالى :﴿بل أكثرهم﴾ والباقون بالتاء الفوقية على الخطاب، وهو التفات للكفار، بعد خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا تبكيت للمشركين بحالهم لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاً على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة، فقيل لهم هذا الكلام تنبيهاً لهم على نهاية ضلالهم وجهلهم وتهكماً بهم وتسفيهاً لرأيهم إذ من المعلوم أنه لا خير فيما أشركوه رأساً حتى يوازنون بينه وبين من هو مبتدأ كل خير.
وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال :«بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ».
النمل 27:60
ثم عدد سبحانه وتعالى أنواعاً من الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله : الأوّل منها قوله تعالى :﴿أم من خلق السماوات والأرض﴾ أي : التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع، فإن قيل : ما الفرق بين أم وأم في ﴿أم ما يشركون﴾ و﴿أم من خلق السماوات﴾ ؟ أجيب : بأنّ تلك متصلة لأنّ المعنى أيهما خير، وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة، لما قال الله خير أم الآلهة قال بل أم من خلق السماوات والأرض خير تقريراً لهم بأنّ من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء ﴿وأنزل لكم﴾ أي : لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره ﴿من السماء ماء﴾ هو للأرض كالماء الدافق للأرحام ﴿فأنبتنا به حدائق﴾ جمع حديقة وهي البستان، وقيل : القطعة من الأرض ذات الماء.
قال الراغب : سميت بذلك تشبهاً بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها، وقال غيره : سميت بذلك لإحداق الجدران بها قاله ابن عادل، وليس بشيء لأنه يطلق عليها ذلك مع عدم الجدران ﴿ذات بهجة﴾ أي : بهاء وحسن ورونق وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها وتباين طعومها وأشكالها ومقاديرها وألوانها. ولما أثبت الإنبات له نفاه عن غيره بقوله تعالى :﴿ما كان﴾ أي : ما صح وما تصوّر بوجه من الوجوه ﴿لكم﴾ وأنتم أحياء فضلاً عن شركائكم الذين هم أموات بل موات ﴿أن تنبتوا شجرها﴾ أي : شجر تلك الحدائق ﴿أإله مع الله﴾ أعانه على ذلك، أي : ليس معه إله ﴿بل هم﴾ أي : في ادعائهم معه سبحانه شريكاً ﴿قوم يعدلون﴾ أي : عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره، وقيل : يعدلون عن هذا الحق الظاهر، ونظير هذه الآية أوّل سورة الأنعام.
النمل 27:61
الثاني : منها قوله تعالى :﴿أم من جعل الأرض قراراً﴾ وهو بدل من ﴿أم من خلق السماوات﴾ وحكمه حكمه، ومعنى قراراً ألا تميد بأهلها، وكان القياس يقتضي أن تكون هادئة أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء، ولكن الله تعالى أبدى بعضها من الماء بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها ﴿وجعل خلالها﴾ أي : وسطها ﴿أنهاراً﴾ أي : جارية على حالة واحدة فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب لتغيرت مجاري المياه.
ثم ذكر تعالى سبب القرار بقوله تعالى :﴿وجعل لها رواسي﴾ أي : جبالاً أثبت بها الأرض على ميزان دَبَّرهُ سبحانه وتعالى في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب.
ولما كان بعض مياه الأرض عذباً وبعضها ملحاً مع القرب جدّاً، بيّن الله تعالى أن أحدهما لم يختلط بالآخر بقوله تعالى :﴿وجعل بين البحرين﴾ أي : العذب والملح ﴿حاجزاً﴾ من قدرته يمنع أحدهما أن يختلط بالآخر ﴿أإله مع الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة معين له على ذلك ﴿بل أكثرهم﴾ أي : الذين ينتفعون بهذه المنافع ﴿لا يعلمون﴾ توحيد ربهم بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح.
تنبيه : في قراءة أإله مثل أئنكم.
النمل 27:62
الثالث : منها قوله تعالى :﴿أم من يجيب المضطرّ﴾ أي : المكروب وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرّع إلى الله تعالى ﴿إذا دعاه﴾ وقت اضطراره، وعن ابن عباس : هو المجهود، وعن السدي هو الذي لا حول له ولا قوة. فإن قيل : هذا يعم كل مضطرّ وكم مضطرّ يدعو فلا يجاب ؟ أجيب : بأنّ اللام فيه للجنس لا للاستغراق ولا يلزم منه إجابة كل مضطرّ، وقوله تعالى :﴿ويكشف السوء﴾ كالتفسير للاستجابة وأنه لا يقدر أحد على كشف ما وقع له من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة إلا القادر الذي لا يعجزه شيء والقاهر الذي لا ينازع، والإضافة في قوله تعالى :﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ بمعنى في أي يخلف بعضكم بعضاً لا يزال يجدّد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة ﴿أإله مع الله﴾ أي : الملك الذي لا كفؤ له ثم استأنف التبكيت تفظيعاً له ومواجهاً به بقوله تعالى :﴿قليلاً ما تذكرون﴾ أي : تتعظون وقرأ أبو عمرو وهشام بالياء، التحتية على الغيبة، والباقون بالخطاب وفيه ادغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل.
النمل 27:63
الرابع منها : قوله تعالى :﴿أم من يهديكم﴾ أي : يرشدكم إلى مقاصدكم ﴿في ظلمات البر﴾ أي : بالنجوم والجبال والرياح ﴿والبحر﴾ بالنجوم والرياح ﴿ومن يرسل الرياح﴾ أي : التي هي دلائل السير ﴿بُشراً﴾ أي : تنشر السحاب وتجمعها ﴿بين يدي رحمته﴾ أي : التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع : التي من تجاه الكعبة الصبا، ومن ورائها الدبور، ومن جهة يمينها الجنوب، ومن شمالها الشمال ولكل منها طبع فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب على أهلها جعلنا الله ووالدينا ومشايخنا وأصحابنا ومن انتفع بشيء من هذا التفسير ودعا لنا بالمغفرة منهم، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير الريح بالإفراد، والباقون بالجمع، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو نشراً بضم النون والشين وابن عامر بضم النون وسكون الشين، وحمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين وعاصم بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين. ولما انكشف بما مضى من الآيات ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات واتضحت الأدلة، ولم يبق لأحد في شيء من ذلك علة، كرّر سبحانه وتعالى الإنكار في قوله تعالى ﴿أإله مع الله﴾ أي : الذي كمل علمه ﴿تعالى الله﴾ أي : الفاعل القادر المختار ﴿عما يشركون﴾ به غيره، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة.
النمل 27:64
الخامس : منها قوله تعالى :﴿أم من يبدأ الخلق﴾ أي : كلهم في الأرحام من نطفة ما علمتم منهم وما لم تعلموا ﴿ثم يعيده﴾ أي : بعد الموت لأنّ الإعادة أهون، فإن قيل : كيف قيل : لهم ثم يعيده ؟ أجيب : بأنهم كانوا مقرين بالابتداء ودلالته على الإعادة ظاهرة قوية لأنّ الإعادة أهون عليه من الابتداء، فلما كان الكلام مقروناً بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لا عذر لهم في إنكار الإعادة لقيام البراهين عليها. ولما كان الإمطار والإنبات من أدلّ ما يكون على الإعادة قال مشيراً إليهما على وجه عمّ جميع ما مضى.
﴿ومن يرزقكم من السماء﴾ أي : بالمطر والحرّ والبرد وغيرها مما له سبب في التكوين أو التلوين ﴿والأرض﴾ أي : بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى : وعبر عنها بالرزق لأنّ به تمام النعمة ﴿أإله مع الله﴾ أي : الذي له صفات الجلال والإكرام. ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة ودلائل قاطعة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إعراضاً عنهم بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء المدّعين للعقول ﴿هاتوا برهانكم﴾ أي : حجتكم على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى أو على إثبات شيء منه لغيره ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : في أنكم على حق في أنّ مع الله تعالى غيره، وأضاف تعالى البرهان إليهم تهكماً بهم وتنبيهاً على أنهم أبعدوا في الضلال وأغرقوا في المحال.
النمل 27:65
ثم إنهم سألوه عن وقت قيام الساعة فنزل. ﴿قل﴾ أي : لهم ﴿لا يعلم من في السماوات والأرض﴾ من الملائكة والناس ﴿الغيب﴾ أي : ما غاب عنهم وقوله تعالى :﴿إلا الله﴾ استثناء منقطع أي : لكن الله يعلمه. ولما كان الله تعالى منزهاً عن أن يحويه مكان جعل الاستثناء هنا منقطعاً، فإن قيل : من حق المنقطع النصب ؟.
أجيب : بأنه رفع بدلاً على لغة بني تميم يقولون ما في الدار أحد إلا حمار يريدون ما فيها إلا حمار كأن أحداً لم يذكر، ومنه قولهم : ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا أخوانه، فإن قيل : ما الداعي إلى المذهب التميمي على الحجازي ؟ أجيب : بأنه دعت إليه حاجة سرية حيث أخرج المستثنى مخرج قوله إلا اليعافير بعد قوله ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس ليؤل المعنى إلى قولك إن كان الله ممن في السماوات والأرض فهم يعلمون الغيب بمعنى أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أنّ معنى ما في البيت أن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، إنباء عن خلوها عن الأنيس.
ويصح أن يكون متصلاً والظرفية في حقه تعالى مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز كما قال به إمامنا الشافعيّ رضي الله تعالى عنه، وإن منعه بعضهم، ومن ذلك قول المتكلمين : الله تعالى في كل مكان على معنى أنّ علمه في الأماكن كلها فكأن ذاته فيها، وعلى هذا فيرتفع على البدل والصفة، والرفع أفصح من النصب لأنه منفي، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول :﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ وعن بعضهم أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن أحد من عبيده مكره، وقوله تعالى :﴿وما يشعرون﴾ صفة لأهل السماوات والأرض نفي أن يكون لهم علم بالغيب، وإن اجتمعوا وتعاونوا ﴿أيان﴾ أي : أيّ وقت ﴿يبعثون﴾ أي : ينشرون.
النمل 27:66
وقوله تعالى :﴿بل﴾ بمعنى هل ﴿أدارك﴾ أي : بلغ وتناهى ﴿علمهم في الآخرة﴾ أي : بها حتى سألوا عن وقت مجيئها، ليس الأمر كذلك ﴿بل هم في شك﴾ أي : ريب ﴿منها﴾ كمن تحير في الأمر لا يجد عليه دليلاً ﴿بل هم منها عمون﴾ لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم، وهذا وإن اختص بالمشركين بمن في السماوات والأرض، نسب إلى جميعهم كما يسند فعل البعض إلى الكل.
فإن قيل : هذه الاضرابات الثلاثة ما معناها ؟ أجيب : بأنها لتنزيل أحوالهم وصفهم أوّلاً بأنّهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أنّ القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه لا يخطر بباله حقاً ولا باطلاً ولا يفكر في عاقبة وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه فلذلك عدّاه بمن دون عن لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون، ووصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكماً.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير بقطع الهمزة مفتوحة وسكون اللام قبلها وسكون الدال بعدها، والباقون بكسر اللام وإسقاط الهمزة بعدها وتشديد الدال وبعدها ألف بمعنى تتابع حتى استحكم أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك.
النمل 27:67
وقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا﴾ أي : نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم ﴿لمخرجون﴾ كالنبات، والعامل في إذا محذوف يدل عليه لمخرجون تقديره نبعث ونخرج، لأنّ بين يدي عمل اسم المفعول فيه عقبات وهي همزة الاستفهام وإنا ولام الابتداء وواحدة منها كافية فكيف إذا اجتمعت، والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على إذا وأنا جميعاً إنكار على إنكار وجحود عقب جحود ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه، والضمير في إنا لهم ولآبائهم لأنّ كونهم تراباً قد تناولهم وآباؤهم.
تنبيه : آباؤنا عطف على اسم كان وقام الفصل بالخبر مقام الفصل بالتوكيد.
وقرأ نافع بالخبر في إذا وبالاستفهام في أئنا، وابن عامر والكسائي بالاستفهام في الأوّل والخبر في الثاني وزادا فيه نوناً ثانية، وباقي القراء بالاستفهام في الأوّل والثاني وهم على مذاهبهم من التسهيل والتحقيق والمدّ والقصر، فمذهب قالون وأبي عمرو التسهيل في الهمزة الثانية، وإدخال ألف بينها وبين همزة الاستفهام، ومذهب ورش وابن كثير التسهيل وعدم الإدخال ومذهب هشام الإدخال وعدمه مع التحقيق، ومذهب الباقين التحقيق وعدم الإدخال.
النمل 27:68
ثم أقام الكفار الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلاً لاستبعادهم :﴿لقد وعدنا هذا﴾ أي : الإخراج من القبور كما كنا أوّل مرّة ﴿نحن وآباؤنا من قبل﴾ أي : قبل محمد فقد مرّت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء فذلك دليل على أنه لا حقيقة له، فكأنه قيل : فما فائدة المراد به فقالوا ﴿إن﴾ أي : ما ﴿هذا إلا أساطير الأوّلين﴾ أي : أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها ولا حقيقة لها.
تنبيه : أساطير الأوّلين : جمع أسطورة بالضم أي : ما سطر من الكذب، فإن قيل : لم قدم في هذه الآية هذا، على نحن وآباؤنا، وفي آية أخرى قدم نحن وآباؤنا، على هذا ؟ أجيب : بأنّ التقديم دليل على أنّ المقدّم هو الغرض المقصود بالذكر وأنّ الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين دل على أنّ إيجاد البعث هو الذي تعمد بالكلام وفي الأخرى على أنّ إيجاد المبعوث بذلك الصدد.
النمل 27:69
ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم بما في صورة التهديد بقوله تعالى :﴿قل سيروا في الأرض﴾ أي : أيها العمي الجاهلون ﴿فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين﴾ بإنكارهم وهي هلاكهم بالعذاب فإنكم إن نظرتم وتأمّلتم أخبارهم حق التأمّل أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم كما هلكوا، وأراد بالمجرمين الكافرين، فإن قيل : فلم لم يقل عاقبة الكافرين ؟ أجيب : بأنّ هذا يحصل به التخويف لكل العصاة.
النمل 27:70
ثم إنّ الله تعالى صبر نبيه صلى الله عليه وسلم على ما يناله من جلافتهم وعماهم عن السبيل الذي هدى إليه الدليل بقوله تعالى :﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي : في عدم إيمانهم فإنما عليك البلاغ ﴿ولا تكن في ضيق مما يمكرون﴾ أي : لا تهتم بمكرهم عليك فأنا ناصرك عليهم وجاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح.
تنبيه : الضيق الحرج يقال ضاق الشيء ضيقاً وضيقاً بالفتح والكسر، ولهذا قرأ ابن كثير بكسر الضاد، والباقون بالفتح.
النمل 27:71
ولما أشار تعالى إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجهاً أشار تعالى إلى أنهم في التكذيب بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشدّ مبالغة بقوله تعالى :﴿ويقولون﴾ بالمضارع المؤذن بالتجدّد كل حين والاستمرار ﴿متى هذا الوعد﴾ أي : العذاب والبعث والمجازاة الموعود بها وسموه وعداً إظهاراً لمجيئه تهكماً به ﴿إن كنتم﴾ أي : أنت ومن تبعك ﴿صادقين﴾ فيه.
النمل 27:72
ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى :﴿قل﴾ لهم ﴿عسى أن يكون ردف لكم﴾ أي : تبعكم وردفكم ولحقكم، فاللام مزيدة على هذا للتأكيد كالباء في قوله ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ ( البقرة، ١٩٥ ) ويصح أن يكون تضمن ردف معنى فعل فتعدى باللام نحو دنا وقرب وأردف وبهذا فسره ابن عباس، وقد عدّي بمن في قول القائل :
فلما ردفنا من عمير وصحبه؍ تولوا سراعاً والمنية تعنق؍
يعني دنونا من عمير ﴿بعض الذي تستعجلون﴾ أي : فحصل لهم القتل ببدر وباقي العذاب يأتي بعد الموت.
تنبيه : عسى ولعلّ وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها، وإنما يطلقون إظهاراً لوقارهم وإشعاراً بأنّ الرمز منهم كالتصريح من غيرهم وعليه جرى وعد الله ووعيد.
النمل 27:73
ولما كان التقدير فإنّ ربك لا يعجل على هذا العاصي بالانتقام مع تمام قدرته عطف عليه :﴿وإن ربك﴾ أي : المحسن إليك بالحلم على أمّتك ﴿لذو فضل﴾ أي : تفضل وإنعام ﴿على الناس﴾ أي : كافة ﴿ولكن أكثرهم لا يشكرون﴾ أي : لا يعرفون حق النعمة له ولا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم العذاب، قال ابن عادل : وهذه الآية تبطل قول من قال لا نعمة لله على كافر.
النمل 27:74
﴿وإن ربك﴾ أي : والحال أنه ﴿ليعلم ما تكنّ﴾ أي : تضمر وتسرّ وتخفي ﴿صدورهم﴾ أي : الناس كلهم فضلاً عن قومك ﴿وما يعلنون﴾ أي : يظهرون من عداوتك وغيرها فيجازيهم على ذلك.
النمل 27:75
﴿وما من غائبة في السماء والأرض﴾ أي : في أيّ موضع كان منهما، وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد.
تنبيه : في هذه التاء قولان : أحدهما : أنها للمبالغة كراوية وعلاّمة في قولهم ويل للشاعر من راوية السوء، كأنه تعالى قال وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى، والثاني : أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية، قال الزمخشريّ : ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات ﴿إلا في كتاب﴾ هو اللوح المحفوظ كتب فيه ذلك قبل إيجاده لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره ﴿مبين﴾ أي : ظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة.
النمل 27:76
ولما تمم تعالى الكلام في إثبات المبدأ والمعاد ذكر بعده ما يتعلق بالنبوّة بقوله تعالى :﴿إنّ هذا القرآن﴾ أي : الآتي به هذا النبيّ الأميّ الذي لم يعرف قبله علماً ولا خالط عالماً ﴿يقص على بني إسرائيل﴾ أي : الموجودين في زمان نبينا صلى الله عليه وسلم ﴿أكثر الذي هم فيه يختلفون﴾ أي : من أمر الدين وإن بالغوا في كتمه كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أنّ حدّه الرجم، وقصة عزيز والمسيح، وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مما في توراتهم فصح بحقيقته على لسان من لم يلمّ بعلم قط نبوّته صلى الله عليه وسلم لأنّ ذلك لا يكون إلا من عند الله.
النمل 27:77
ثم وصف تعالى فضل هذا القرآن بقوله تعالى :﴿وإنه لهدى﴾ أي : من الضلالة لما فيه من الدلائل على التوحيد والحشر والنشر والنبوّة وشرح صفات الله تعالى ﴿ورحمة﴾ أي : نعمة وإكرام ﴿للمؤمنين﴾ أي : الذين طبعهم على الإيمان فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في آذانهم وعمى في قلوبهم.
النمل 27:78
ولما ذكر تعالى دليل فضله أتبعه دليل عدله بقوله تعالى :﴿إن ربك﴾ أي : المحسن إليك بما لم يصل إليه أحد ﴿يقضي بينهم﴾ أي : بين جميع المختلفين ﴿بحكمه﴾ أي : الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه، فإن قيل : القضاء والحكم شيء واحد فقوله تعالى :﴿يقضي بينهم بحكمه﴾ أي : بما يحكم به كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه ؟ أجيب : بأنّ معنى قوله تعالى :﴿بحكمه﴾ أي : بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً أو أراد بحكمته ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه هو ﴿العزيز﴾ أي : فلا يردّ له أمر ﴿العليم﴾ فلا يخفى عليه سرّ ولا جهر.
النمل 27:79
فلما ثبت له تعالى العلم والحكمة والعظمة والقدرة تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فتوكل على الله﴾ أي : ثق به لتدع الأمور كلها إليه وتستريح من تحمل المشاق وثوقاً بنصره، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنك على الحق المبين﴾ أي : البين في نفسه الموضح لغيره فصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله تعالى ونصره.
النمل 27:80
وقوله تعالى :﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ تعليل آخر للأمر بالتوكل من حيث إنه يقطع طمعه من معاضدتهم، وإنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم كما شبهوا بالصم في قوله تعالى :﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ أي : معرضين، فإن قيل : ما معنى قوله تعالى :﴿ولوا مدبرين﴾ أجيب : بأنه تأكيد لحال الأصم لأنه إذا تباعد عن محل الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته، وقرأ ابن كثير ولا يسمع بالياء التحتية المفتوحة وفتح الميم الصم برفع الميم، والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم الصم بالنصب، وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو الهمزة الثانية من الدعاء إذاً كالياء مع تحقيق الأولى، والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المدّ.
النمل 27:81
ثم قطع طمعه في إيمانهم بقوله تعالى :﴿وما أنت بهادي العمي﴾ أي : في أبصارهم وبصائرهم مزيلاً لهم وناقلاً ومبعداً ﴿عن ضلالتهم﴾ أي : عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزلوا عنها أصلاً فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الحيّ القيوم، وقرأ حمزة تهدي بتاء فوقيه وسكون الهاء والعمي بنصب الياء، والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء بعدها ألف والعمي بكسر الياء.
ولما كان هذا ربما أوقف عن دعائهم رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله تعالى :﴿إن﴾ أي : ما ﴿تسمع﴾ أي : سماع انتفاع على وجه الكمال في كل حال ﴿إلا من يؤمن﴾ أي : من علمنا أنه يصدّق ﴿بآياتنا﴾ بأن جعلنا فيه قابلية السمع، ثم تسبب عنه قوله دليلاً على إيمانه ﴿فهم مسلمون﴾ أي : مخلصون في غاية الطواعية لك كما في قوله تعالى :﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ ( البقرة : ١١٢ ) أي : جعله سالماً خالصاً.
النمل 27:82
ثم ذكر تعالى ما يوعدون مما تقدّم استعجالهم له استهزاء بقوله تعالى :﴿وإذا وقع القول عليهم﴾ أي : مضمون القول وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب، ووقوعه حصوله، أو أطلق المصدر على المفعول أي : المقول ﴿أخرجنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿لهم﴾ حين مشارفة العذاب والساعة وظهور أشراطها حين لا تنفع التوبة ﴿دابة من الأرض﴾ وهي الجساسة جاء في الحديث :«إن طولها ستون ذراعاً لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب » وروي :«أنّ لها أربع قوائم وزغباً وهو شعر أصفر على ريش الفرخ وريشاً وجناحين ».
وعن ابن جريج في وصفها فقال : رأسها رأس الثور، وعينها عين الخنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وخفها خف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً بذراع آدم عليه السلام، وروي أنها لا تخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء أي : يبلغ السحاب، وعن أبي هريرة فيها من كل لون وما بين قرنيها فرسخ للرّاكب، وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.
وعن علي رضي الله تعالى عنه : أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها، وروي أنه صلى الله عليه وسلم سئل من أين تخرج الدابة فقال :«من أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن » حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم : يقفون نظاراً، وقيل تخرج من الصفا. ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال ﴿تكلمهم﴾ أي : بالعربية كما قاله مقاتل بكلام يفهمونه بلسان طلق ذلق فتقول ﴿أنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ أي : أنّ الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأنّ خروجها من الآيات، وتقول ألا لعنة الله على الظالمين، وعن السدي : تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.
وعن ابن عمر : تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك، وروي أنها تخرج من أجياد، روي بينما عيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه أو تترك وجهه كأنه كوكب دريّ وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسودّ لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر، وروي فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتخطم أنف الكافر بالخاتم ثم تقول لهم يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.
وعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«بادروا بالأعمال ستاً طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة وخاصة أحدكم وأمر العامة » وقال صلى الله عليه وسلم «إنّ أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها ».
وقال صلى الله عليه وسلم «للدّابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجاً بأقصى اليمن فيفشو ذكرها في البادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم تكمن زماناً طويلاً ثم تخرج خرجة أخرى قريباً من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم بينا الناس يوماً في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله عز وجلّ يعني المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو، قال الراوي ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وثبتت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب حتى أنّ الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه فيتجاور الناس في ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال ويعرف الكافر من المؤمن فيقال للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر ».
وعن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال ليست بدابة لها ذنب ولكن لها لحية يشير إلى أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة، وعن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم وقال إنّ الدابة لتسمع قرع عصاي هذه، وعن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :«بئس الشعب شعب أجياد مرّتين أو ثلاثاً قيل ولم ذاك يا رسول الله قال تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين » وقال وهب : وجهها وجه الرجل وسائر خلقها خلق الطير فتخبر من يراها أنّ أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون، وقرأ الكوفيون بفتح الهمزة من أنّ على تقدير الباء أي : بأنّ الناس الخ، والباقون بكسرها على الاستئناف.
النمل 27:83
﴿ويوم نحشر﴾ أي : الناس على وجه الإكراه، قال أبو حيان الحشر الجمع على عنف ﴿من كل أمّة﴾ أي : قرن ﴿فوجاً﴾ أي : جماعة ﴿ممن يكذب بآياتنا﴾ أي : وهم رؤساؤهم المتبوعون ﴿فهم يوزعون﴾ أي : يجمعون يرد آخرهم إلى أوّلهم وأطرافهم على أوساطهم ليتلاحقوا ولا يشذ منهم أحد ولا يزالون كذلك.
النمل 27:84
﴿حتى إذا جاؤوا﴾ إلى مكان الحساب ﴿قال﴾ أي : الله تعالى لهم ﴿أكذبتم﴾ أي : أنبيائي ﴿بآياتي﴾ التي جاؤوا بها ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿لم تحيطوا بها﴾ أي : من جهة تكذيبكم ﴿علماً﴾ أي : من غير فكر ولا نظر يؤدّي إلى الإحاطة بما في معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه وما يليق بها بدليل الأمر به فيه، وأم في قوله تعالى :﴿أم ماذا﴾ منقطعة وتقدّم حكمها، وماذا يجوز أن يكون برمته استفهاماً منصوباً بتعلمون الواقع خبراً عن كنتم، وأن تكون ما استفهامية مبتدأ وذا موصول خبره والصلة ﴿كنتم تعلمون﴾. وعائده محذوف أي : أي شيء الذي كنتم تعملونه.
النمل 27:85
﴿ووقع القول﴾ أي : وجب العذاب الموعود ﴿عليهم بما ظلموا﴾ أي : بسبب ما وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب وما ينشأ عنه من الضلال في الأقوال والأفعال ﴿فهم لا ينطقون﴾ قال قتادة : كيف ينطقون ولا حجة لهم نظير قوله تعالى :﴿هذا يوم لا ينطقون ( ٣٥ ) ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ ( المرسلات : ٣٥، ٣٦ ) وقيل : لا ينطقون لأن أفواههم مختومة.
النمل 27:86
ثم إنه تعالى لما خوّفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد والحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال :﴿ألم يروا﴾ مما يدلهم على قدرتنا على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به ﴿أنا جعلنا﴾ أي : بعظمتنا الدالة على نفوذ مرادنا وفعلنا بالاختيار ﴿الليل﴾ أي : مظلماً ﴿ليسكنوا فيه﴾ عن الانتشار ﴿والنهار مبصراً﴾ أي : يبصر فيه ليتصرفوا فيه ويبتغوا من فضل الله فحذف من الأوّل ما ثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول إذ التقدير جعلنا الليل مظلماً كما مرّ ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ليتصرفوا فيه كما مرّ فحذف مظلماً لدلالة مبصراً وليتصرفوا لدلالة لتسكنوا فيه وقوله تعالى :﴿مبصراً﴾ كقوله تعالى :﴿آية النهار مبصرة﴾ ( الإسراء : ١٢ ) وتقدم الكلام على ذلك في الإسراء.
قال الزمخشري : فإن قلت ما للتقابل لم يراع في قوله تعالى ليسكنوا ومبصراً حيث كان أحدهما علة والآخر حالاً ؟ قلت : هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف لأنّ معنى مبصراً ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب، وأجاب غيره بأنّ السكون في الليل هو المقصود ولأنه وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية ﴿إن في ذلك﴾ أي : هذا المذكور ﴿لآيات﴾ أي : دلالات بينة على التوحيد والبعث والنبوّة وغير ذلك وخص المؤمنين بقوله تعالى :﴿لقوم يؤمنون﴾ لأنهم المنتفعون به وإن كانت الأدلة للكل كقوله تعالى :﴿هدى للمتقين﴾ ( البقرة : ٢ ).
النمل 27:87
ولما ذكر تعالى هذا الحشر الخاص والدليل على مطلق الحشر ذكر الحشر العام بقوله تعالى :﴿ويوم ينفخ﴾ أي : بأيسر أمر ﴿في الصور﴾ أي : القرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام ﴿ففزع﴾ أي : فصعق كما قال تعالى في آية أخرى :﴿فصعق﴾ ( الزمر، ٦٨ ) ﴿من في السماوات ومن في الأرض﴾ أي : كلهم فماتوا والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا، وقيل : ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين، فإن قيل : لم قال الله تعالى ففزع ولم يقل فيفزع ؟ أجيب : بأنّ في ذلك نكتة وهي الإشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة واقع على أهل السماوات والأرض لأنّ الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعاً به، والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿إلاّ من شاء الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة وعزة وعظمة أن لا يفزع.
روي أنه صلى الله عليه وسلم «سأل جبريل عنهم فقال هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول العرش » وعن ابن عباس هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم، وعن مقاتل : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام، ويروى أنّ الله تعالى يقول لملك الموت خذ نفس إسرافيل ثم يقول الله تعالى من بقي يا ملك الموت فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول الله تعالى خذ نفس ميكائيل ثم يقول الله تعالى من بقي يا ملك الموت فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل وملك الموت فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني قال يا جبريل لا بدّ من موتك فيقع ساجداً يخفق بجناحيه، فيروى أنّ فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم، ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش ثم روح إسرافيل ثم روح ملك الموت، وعن الضحاك هم رضوان والحور ومالك والزبانية عليهم السلام وقيل : عقارب النار وحياتها ﴿وكل﴾ أي : من فزع ومن لم يفزع ﴿أتوه﴾ أي : بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها وفي ذلك دليل على تمام قدرته تعالى في كونه أقامهم بما به أماتهم ﴿داخرين﴾ أي : صاغرين.
وقرأ حفص وحمزة بقصر الهمزة وفتح التاء على أنه فعل ماض ومفعوله الهاء فالتعبير به لتحقق وقوعه، والباقون بمد الهمزة وضم التاء على أنه اسم فاعل مضاف للهاء وهذا حمل على معنى كل وهي مضافة تقديراً أي : وكلهم.
النمل 27:88
ولما ذكر تعالى دخورهم أتبعه بدخور ما هو أعظم منهم بقوله تعالى :﴿وترى الجبال﴾ أي : تبصرها وقت النفخة والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم لكونه أنفذ الناس بصراً وأنورهم بصيرة أو لكل أحد ﴿تحسبها﴾ أي : تظنها ﴿جامدة﴾ أي : قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرّك لأنّ الأجرام الكبار إذا تحرّكت في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها ﴿وهي تمرّ﴾ أي : تسير حتى تقع على الأرض فتسوى بها مبثوثة ثم تصير كالعهن ثم تصير هباءً منثوراً، وأشار تعالى إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثاً بقوله تعالى :﴿مرّ السحاب﴾ أي : مرّاً سريعاً لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا أطبق الجوّ لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإلا لم تنكشف الشمس بلا لبس وكذلك كبير الجرم أو كثير العدد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه ولكثرته البصر والناظر الحاذق يظنه واقفاً.
وقرأ تحسبها بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفتحها الباقون وقوله تعالى ﴿صنع الله﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله، أي : صنع الله ذلك صنعاً، ثم زاد في التعظيم بقوله دالاً على تمام الإحكام في ذلك الصنع ﴿الذي أتقن﴾ أي : أحكم ﴿كل شيء﴾ صنعه ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن والنظام الأمكن أنتج قطعاً قوله تعالى :﴿إنه﴾ أي : الذي أتقن هذه الأمور ﴿خبير بما يفعلون﴾ أي : عالم بظواهر الأحوال وبواطنها ليجازيهم عليها.
النمل 27:89
كما قال تعالى :﴿من جاء بالحسنة﴾ أي : الكاملة وهي الإيمان، وعن ابن عباس الحسنة كلمة الشهادة ﴿فله خير﴾ أي : أفضل ﴿منها﴾ مضاعفاً أقلّ ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل له خير : حاصل من جهتها وهو الجنة وفسر الجلال المحلي الحسنة بلا إله إلا الله، وقال في ﴿فله﴾ خير منها، أي : بسببها فليس للتفضيل إذ لا فعل خير منها وهذا يناسب القول الثاني ﴿وهم﴾ أي : الجاؤون بها ﴿من فزع يومئذ﴾ أي : يومئذ إذ وقعت هذه الأحوال العظيمة ﴿آمنون﴾ أي : حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر.
وقرأ يفعلون ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء التحتية على الغيبة، والباقون بالفوقية على الخطاب، وقرأ وهم من فزع يومئذ آمنون الكوفيون بتنوين العين، والباقون بغير تنوين وهم أعمّ فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وأمّا قراءة التنوين فتحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العذاب، وأمّا ما يلحق الإنسان من الرعب ومشاهدته فلا ينفك منه أحد، ومن فزع شديد مفرط الشدّة لا يكتنهه الوصف وهو خوف النار، وقرأ نافع والكوفيون : بفتح الميم من يومئذ والباقون بكسرها فإن قيل : أليس قال تعالى في أوّل الآية ﴿ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ ( النمل، ٨٧ ) فكيف نفى الفزع ههنا ؟ أجيب : بأنّ الفزع الأوّل لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع أو هول يفجأ إلا ما استثنى وإن كان المحسن آمناً من لحاق الضرر، وأما الثاني فهو الخوف من العذاب.
النمل 27:90
﴿ومن جاء بالسيئة﴾ أي : التي لا سيئة مثلها وهي الشرك لقوله تعالى ﴿فكبت﴾ أي : بأيسر أمر ﴿وجوههم في النار﴾ بأن وليتها مع أنه ورد في الصحيح أنّ مواضع السجود التي أشرفها الوجه لا سبيل للنار عليها والوجه أشرف ما في الإنسان فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان، والمكبوب عليه منكوس ويقال له تبكيتاً ﴿هل﴾ أي : ما ﴿تجزون إلا﴾ جزاء ﴿ما كنتم تعملون﴾ أي : من الشرك والمعاصي.
تنبيه : جعل مقابلة الحسنة بالثواب والسيآت بالعقاب من جملة أحكامه للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة إنه عليم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه، وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغاً واحداً ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق والادعاء.
النمل 27:91
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه :﴿إنما أمرت﴾ أي : بأمر من لا يردّ له أمر ﴿أن أعبد﴾ أي : بجميع ما آمركم به ﴿رب﴾ أي : موجد ومدبر ﴿هذه البلدة﴾ أي : مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من رآها ثم تؤمن أهل السعادة أخصه بذلك لا أعبد شيئاً مما تعبدونه ﴿الذي حرّمها﴾ أي : جعلها الله تعالى حرماً آمناً لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلي خلاها ولما خصص مكة بهذه الإضافة تشريفاً لها وتعظيماً لشأنها قال احترازاً عما قد يتوهم ﴿وله كل شيء﴾ أي : من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقاً وملكاً.
ولما كانوا ربما قالوا نحن نعبده بعبادة من نرجوه يقرّبنا إليه زلفى، عين له الدين الذي تكون به العبادة بقوله :﴿وأمرت﴾ أي : مع الأمر بالعبادة له وحده ﴿أن أكون﴾ أي : كوناً هو في غاية الرسوخ ﴿من المسلمين﴾ أي : المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتمّ انقياد ثابتاً على ذلك غاية الثبات.
النمل 27:92
﴿وأن﴾ أي : وأمرت أن ﴿أتلو القرآن﴾ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان، أو أن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئاً فشيئاً ﴿فمن اهتدى﴾ أي : باتباع هذا القرآن الداعي إلى الجنان ﴿فإنما يهتدي لنفسه﴾ أي : لأجلها لأنّ ثواب هدايته له ﴿ومن ضلّ﴾ أي : عن الإيمان الذي هو الطريق المستقيم ﴿فقل﴾ أي : له كما تقول لغيره ﴿إنما أنا من المنذرين﴾ أي : المخوّفين له عواقب صنعه فلا عليّ من وبال ضلاله شيء إذ ما على الرسول إلا البلاغ وقد بلغت.
النمل 27:93
﴿وقل﴾ أي : إنذاراً لهم وترغيباً وترجئة وترهيباً ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي : الذي له العظمة كلها على نعمة النبوّة وعلى ما علمني ووفقني للعمل به ﴿سيريكم آياته﴾ القاهرة في الدنيا كوقعة بدر وخروج دابة الأرض وفي الآخرة بالعذاب الأليم ﴿فتعرفونها﴾ أي : فتعرفون أنها آيات الله ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. ﴿وما ربك﴾ أي : المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه الأمور العظيمة والأحوال الجسيمة. ﴿بغافل عما تعملون﴾ أي : فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم، وقرأ نافع وابن عامر وحفص : بالتاء على الخطاب لأنّ المعنى عما تعمل أنت وأتباعك من الطاعة وهم من المعصية، والباقون بالياء على الغيبة وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري :«من أنّ من قرأ طس كان له من الأجر عشرة حسنات بعدد من صدق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله » حديث موضوع.