السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — القصص 28:1 – الروم 30:60
المحتويات
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
- العنكبوت 29:68
- العنكبوت 29:69
- الروم 30:1
- الروم 30:2
- الروم 30:3
- الروم 30:4
- الروم 30:5
- الروم 30:6
- الروم 30:7
- الروم 30:8
- الروم 30:9
- الروم 30:10
- الروم 30:11
- الروم 30:12
- الروم 30:13
- الروم 30:14
- الروم 30:15
- الروم 30:16
- الروم 30:17
- الروم 30:18
- الروم 30:19
- الروم 30:20
- الروم 30:21
- الروم 30:22
- الروم 30:23
- الروم 30:24
- الروم 30:25
- الروم 30:26
- الروم 30:27
- الروم 30:28
- الروم 30:29
- الروم 30:30
- الروم 30:31
- الروم 30:32
- الروم 30:33
- الروم 30:34
- الروم 30:35
- الروم 30:36
- الروم 30:37
- الروم 30:38
- الروم 30:39
- الروم 30:40
- الروم 30:41
- الروم 30:42
- الروم 30:43
- الروم 30:44
- الروم 30:45
- الروم 30:46
- الروم 30:47
- الروم 30:48
- الروم 30:49
- الروم 30:50
- الروم 30:51
- الروم 30:52
- الروم 30:53
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:57
- الروم 30:58
- الروم 30:59
- الروم 30:60
القصص 28:1
﴿بسم الله﴾ الذي اختص بالكبرياء والعظمة ﴿الرحمان﴾ الذي عمّ بنعمه أهل الإيمان والكفران ﴿الرحيم﴾ الذي خص بنعمه بعد البعث أهل الإيمان.
﴿طسم﴾ تقدّم الكلام على أوائل السور أوّل البقرة.
القصص 28:2
﴿تلك﴾ أي : هذه الآيات العالية الشأن ﴿آيات الكتاب﴾ أي : المنزل على قلبك الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية والإضافة بمعنى من ﴿المبين﴾ أي : المظهر الحق من الباطل.
القصص 28:3
﴿نتلو﴾ أي : نقص قصاً متتابعاً متوالياً بعضه في إثر بعض ﴿عليك﴾ بواسطة جبريل عليه السلام ﴿من نبأ﴾ أي : خبر ﴿موسى وفرعون بالحق﴾ أي : بالصدق الذي يطابقه الواقع.
تنبيه : يجوز أن يكون مفعول نتلو محذوفاً دلت عليه صفته وهي من نبأ موسى، تقديره نتلو عليك شيئاً من نبأ موسى، ويجوز أن تكون من مزيدة على رأي الأخفش أي : نتلو عليك نبأ موسى، وبالحق يجوز أن يكون حالاً من فاعل نتلو ومن مفعوله أي : نتلو عليك بعض خبرهما ملتبسين أو ملتبساً بالحق، ثم نبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولي الإذعان بقوله تعالى :﴿لقوم يؤمنون﴾ فغيرهم لا ينتفع بذلك.
القصص 28:4
ولما كان كأنه قيل ما المقصود من هذا ؟ قال :﴿إنّ فرعون﴾ ملك مصر الذي ادّعى الإلهية ﴿علا﴾ أي : بادعاء الإلهية وتجبره على عباد الله وقهره لهم ﴿في الأرض﴾ أي : أرض مصر وإطلاقها يدل على تعظيمها وأنها كجميع الأرض لاشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها ﴿وجعل﴾ أي : بما جعلنا له من نفوذ الكلمة ﴿أهلها﴾ أي : أهل الأرض المرادة ﴿شيعاً﴾ أي : فرقاً تتبع كل فرقة شيئاً يتبعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يكون عتيقه، أو أصنافاً في استخدامه يسخر صنفاً في بناء، وصنفاً في حفر، وصنفاً في حرث، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة والبغضاء وهم بنو إسرائيل والقبط.
وقوله تعالى ﴿يستضعف طائفة منهم﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه أن يكون حالاً من فاعل جعل أي : جعلهم كذلك حالة كونه مستضعفاً طائفة منهم، وأن يكون صفة لشيعاً وأن يكون استئنافاً بياناً لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً وهم بنو إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم وهو يوسف عليه السلام وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده ومع ذلك كافؤوه في أولاده وأولاد إخوته بأن استعبدوهم ثم ما كفاهم ذلك حتى ساؤهم على يدي العنيد سوء العذاب، قال البقاعي : وهذا حال الغرباء بينهم قديماً وحديثاً ثم بين الاستضعاف بقوله تعالى ﴿يذبح أبناءهم﴾ أي : عند الولادة وكَّل بذلك أناساً ينظرون كلما ولدت امرأة ذكراً ذبحوه وسبب ذلك أن كاهناً قال له سيولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم، وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة وكان ذلك من غاية حمق فرعون فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل ﴿ويستحيي نساءهم﴾ أي : يريد حياة الإناث فلا يذبحهنّ، وقال السدي : إنّ فرعون رأى في منامه ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقيل له : يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يديه فأمر بقتل الذكور، وقيل : إنّ الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون ذلك فأمر بذبح بني إسرائيل.
﴿إنه﴾ أي : فرعون ﴿كان من المفسدين﴾ فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد، قال وهب : ذبح فرعون في طلب موسى سبعين ألفاً من بني إسرائيل.
القصص 28:5
وقوله تعالى :﴿ونريد أن نمن﴾ عطف على قوله :﴿إنّ فرعون علا في الأرض﴾ لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى وفرعون وقصصاً له، ونريد حكاية حال ماضية أي : نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديراً أن نمن به ﴿على الذين استضعفوا﴾ أي : حصل استضعافهم وأهانهم بهذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم ﴿في الأرض﴾ أي : أرض مصر فذلوا وأهينوا، ونريهم في أنفسهم وأعدائهم فوق ما يحبون وفوق ما يأملون ﴿ونجعلهم أئمة﴾ أي : مقدّمين في الدين والدنيا علماء يدعون إلى الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون، وقال مجاهد : دعاة إلى الخير، وقال قتادة : ولاة وملوكاً، لقوله تعالى :﴿وجعلكم ملوكاً﴾ ( المائدة : ٢٠ ) وقيل : يقتدى بهم في الخير ﴿ونجعلهم﴾ أي : بعظمتنا وقدرتنا ﴿الوارثين﴾ أي : لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط يخلفونهم في مساكنهم.
القصص 28:6
﴿ونمكن﴾ أي : نوقع التمكين ﴿لهم في الأرض﴾ أي : كلها لاسيما أرض مصر والشام بإهلاك أعدائهم وتأبيد ملكهم وتأييدهم بكلمة الله، ثم بالأنبياء من بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بحيث يسلطهم بسببهم على من سواهم بما يؤيدهم به من الملائكة ويظهر لهم من الخوارق ﴿ونري﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿فرعون﴾ أي : الذي كان هذا الاستضعاف منه ﴿وهامان﴾ وزيره ﴿وجنودهما﴾ أي : الذين كانا يتوصلان بهم إلى ما يريد أنه من الفساد فيقوى كل منهم بالآخر في الأرض فعلوا وطغوا، وقوله تعالى ﴿منهم﴾ أي : المستضعفين متعلق بنري أو بنريد لا بيحذرون، لأنّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله ﴿ما كانوا يحذرون﴾ أي : من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.
وقرأ حمزة والكسائي : ويري بالياء مفتوحة وفتح الراء مع الإمالة وسكون الياء بعد الراء ورفع فرعون وهامان وجنودهما مضارع رأى مسند إلى فرعون وما عطف عليه فلذلك رفعوا، وقرأ الباقون : بالنون مضمومة وكسر الراء وفتح الياء بعدها ونصب الأسماء الثلاثة مضارع أرى فلذلك نصب فرعون وما عطف عليه مفعولاً أوّل وما كانوا هو الثاني.
القصص 28:7
ثم ذكر تعالى أوّل نعمة منّ بها على الذين استضعفوا بقوله تعالى :﴿وأوحينا﴾ أي : وحي إلهام أو منام ﴿إلى أمّ موسى﴾ لا وحي نبوّة، قال قتادة : قذفنا في قلبها واسمها يوحا وهي بنت لاوي بن يعقوب، وهذا هو الذي أمضينا في قضائنا أن يُسمى بهذا الاسم وأن يكون هلاك فرعون وزوال ملكه على يده بعد أن ولدته وخافت أن يذبحه الذابحون ﴿أن أرضعيه﴾ ما كنت آمنة عليه ولم يشعر بولادته غير أخته، قيل أرضعته ثمانية أشهر، وقيل : أربعة أشهر، وقيل : ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرّك، وقد روي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من برديّ مطليّ من داخله بالقار ﴿فإذا خفت عليه﴾ أي : منهم أن يصيح فيسمع فيذبح ﴿فألقيه﴾ أي : بعد أن تضعيه في شيء يقيه من الماء ﴿في اليمّ﴾ وهو البحر ولكن أراد هنا النيل ﴿ولا تخافي﴾ أي : لا يتجدد لك خوف أصلاً من أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع ﴿ولا تحزني﴾ أي : ولا يوجد لك حزن لوقوع فراقه، فإن قيل ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر ؟ أجيب : بأنّ الخوف الأوّل هو الخوف عليه من القتل لأنه كان إذا صاح خافت عليه أن يسمع الجيران صوته فينمُّوا عليه، وأما الثاني، فالخوف من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في بعض العيون المبعوثة من قبل فرعون في تطلب الولدان وغير ذلك من المخاوف، فإن قيل ما الفرق بين الخوف والحزن ؟.
أجيب : بأنّ الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع، وهو فراقه والأخطار به فنيهت عنهما جميعاً وأومنت بالوحي لها ووعدت ما يسليها ويطمئن قلبها ويملؤها غبطة وسروراً.
وهو ردّه إليها كما قال تعالى :﴿إنا رادّوه إليك﴾ فأزال مقتضى الخوف والحزن ثم زادها بشرى وأيّ بشرى بقوله تعالى :﴿وجاعلوه من المرسلين﴾ أي : الذين هم خلاصة المخلوقين، وروى عطاء والضحاك عن ابن عباس قال :«إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر فسلط الله عليهم القبط فأضعفوهم إلى أن أنجاهم الله تعالى على يد نبيه وكليمه ».
قال ابن عباس : إنّ أم موسى لما تقاربت ولادتها وكانت قابلة من القوابل التي وكلهنّ فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى فلما ضربها الطلق أرسلت إليها فقالت قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي اليوم قال فعالجت قبالها فلما أن وقع موسى عليه السلام بالأرض هالها نور بين عيني موسى فارتعش كل مفصل منها ودخل حب موسى قلبها، ثم قالت لها يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن ورائي قتل مولودك ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدوّنا فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على أمّ موسى فقالت أخته : يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو مسجور وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع قال فدخلوا فإذا التنور مسجور وأمّ موسى لم يتغير لها لون فقالوا ما أدخل عليك القابلة فقالت هي مصافية لي دخلت عليّ زائرة فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى فأين الصبي قالت لا أدري فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى النار عليه برداً وسلاماً فاحتملته.
قال : ثم إنّ أمّ موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها فقذف الله تعالى في نفسها أن تتخذ له تابوتاً صغيراً فقال لها النجار : ما تصنعين بهذا التابوت قالت : ابن لي أخبؤه في هذا التابوت وكرهت الكذب قال ولم تقل أخشى عليه كيد فرعون فلما اشترت التابوت وحملته انطلقت، انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر موسى عليه السلام فلما همّ بالكلام أمسك الله تعالى لسانه فلم يطق الكلام وجعل يشير بيديه فلم يدر ما يقول فلما أعياهم أمره قال كبيرهم اضربوه فضربوه وأخرجوه فلما أتى النجار إلى موضعه ردّ الله تعالى لسانه فتكلم فانطلق أيضاً يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله تعالى لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئاً فضربوه وأخرجوه فوقع في واد يهوي فيه فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه يحفظه حيثما كان فعرف الله تعالى منه الصدق فردّ عليه لسانه وبصره فخرّ لله ساجداً فقال يا رب دلني على هذا العبد الصالح فدل عليه فخرج من الوادي وآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله عز وجل.
وقال وهب بن منبه : لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها عن جميع الناس فلم يطلع على حبلها أحد من خلق الله وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمنّ به على بني إسرائيل فلما كانت السنة التي يذبح فيها بعث فرعون القوابل وتقدّم إليهنّ وفتشن تفتيشاً لم يفتش قبل ذلك وحملت أمّ موسى فلم تكبر بطنها ولم يتغير لونها ولم يظهر لبنها وكانت القوابل لا يتعرّضن لها فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم فلما خافت عليه عملت له تابوتاً مطبقاً ثم ألقته في البحر ليلاً.
القصص 28:8
﴿فالتقطه﴾ بالتابوت صبيحة الليل ﴿آل﴾ أي : أعوان ﴿فرعون﴾ فوضعوه بين يديه، قال ابن عباس وغيره : كان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد غيرها وكانت من أكرم الناس عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون وكان بها برص شديد وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا له أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس له على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح الماء على وجوههنّ إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج فقال فرعون إنّ هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجر فائتوني به فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نوراً لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده وإذا نور بين عينيه وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصه لبناً فألقى الله تعالى لموسى المحبة في قلب آسية وأحبه فرعون وعطف عليه وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت فقبلته وضمته إلى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون أيها الملك إنا نظنّ أنّ ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقاً منك فاقتله فهمّ فرعون بقتله فقالت آسية قرّة عين لي ولك واستوهبت موسى من فرعون وكانت لا تلد فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه.
وفي حديث قال رسول صلى الله عليه وسلم :«لو قال يومئذ هو قرّة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها » قال الزمخشري : وهذا على سبيل الفرض والتقدير أي : لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها ولأسلم كما أسلمت هذا إن صح الحديث تأويله والله أعلم بصحته انتهى، ثم قال لآسية ما تسميه قالت سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء وسى هو الشجر فذلك قوله تعالى :﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً﴾ أي : يطول خوفهم منه بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق وقتل رجالهم ﴿وحزنا﴾ أي : بزوال ملكهم لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك الله تعالى بها من يشاء منهم ويستعبد نساءهم ثم يظفر بهم حتى يهلكهم الله تعالى بالغرق على يده إهلاك نفس واحدة فيعم الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله. تنبيه : في هذه اللام الوجهان المشهوران أحدهما : أنها للعلة المجازية دون الحقيقية لأنهم لم يكن داعيهم إلا الالتقاط أن يكون لهم عدوّاً وحزناً ولكن المحبة والتبني غير أنّ ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء والتأدّب الذي هو ثمرة الضرب ليتأدّب، وتحريره أنّ هذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما استعير الأسد لمن يشبه الأسد، والثاني : أنها للعاقبة والصيرورة لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوّاً وحزنا ولكن صار عاقبة أمره إلى ذلك.
وقرأ حمزة والكسائي : بضمّ الحاء وسكون الزاي، والباقون بفتحهما وهما لغتان بمعنى واحد كالعدم والعدم، ثم بين تعالى أنّ هذا الفعل لا يفعله إلا أحمق مقهور أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب بقوله تعالى :﴿إنّ فرعون وهامان﴾ وزيره ﴿وجنودهما﴾ أي : كلهم على طبع واحد ﴿كانوا خاطئين﴾ أي : في كل شيء فلا بدع منهم أن قتلوا ألوفاً لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بما ربى عدوّهم على أيديهم.
القصص 28:9
وقال وهب : لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحه فوجد فيه موسى فلما نظر إليه قال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء عليهم السلام وكانت أماً للمساكين ترحمهم وتتصدّق عليهم وهي المذكورة في قوله تعالى :﴿وقالت امرأة فرعون﴾ أي : له وهي قاعدة لجنبه هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه السنة فدعه ﴿قرّة عين لي﴾ أي : به ﴿ولك﴾ أي : يا فرعون لأنهما لما رأياه أخرج من التابوت أحباه، وروي أنها قالت إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل. ولما أثبتت له أنه ممن تقرّ به العيون قالت ﴿لا تقتلوه﴾ أي : لا أنت بنفسك ولا أحد ممن تأمره بذلك، ثم عللت ذلك واستأنفت بقولها ﴿عسى أن ينفعنا﴾ ولو كان له أبوان معروفان فإنّ فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما رأت من النور بين عينيه وارتضاعه من إبهامه لبناً وبرئه البرصاء بريقه ﴿أو نتخذه ولداً﴾ أي : إذا كان لم يعرف له أبوان فيكون نفعه أكثر فإنه أهل لأن تتشرّف به الملوك.
تنبيه : التاء في قرّة عين مجرورة، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء وهي خبر مبتدأ مضمر أي : هو قرّة عين، والعامّة من القراء والمفسرين وأهل العلم على ذلك.
ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس أنه وقف على لا، أي : هو قرّة عين لي فقط ولك لا أي : ليس هو لك قرّة عين ثم يبتدئ بقوله تقتلوه، وقال ابن عادل : وهذا لا ينبغي أن يصح عنه وكيف يبقى تقتلوه من غير نون رفع ولا مقتض لحذفها فلذلك قال الفراء : هو لحن.
وقوله تعالى ﴿وهم لا يشعرون﴾ جملة حالية من كلام الله تعالى أي : لا شعور لهم أصلاً لأنّ من لا يكون له علم إلا باكتساب فكيف إذا كان مطبوعاً على قلبه وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه أمرهم معه من الأمور الهائلة المؤدّية إلى هلاك المفسدين، وقيل : إنّ ذلك من كلام امرأة فرعون كأنها لما رأت ملأه أشاروا بقتله قالت له افعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا التقطناه.
القصص 28:10
قال الكلبي ولما أخبر الله تعالى عن حال من لقيه أخبر عن حال من فارقه بقوله تعالى :﴿وأصبح﴾ أي : عقب الليلة التي حصل فيها فراقه ﴿فؤاد أمّ موسى﴾ أي : قلبها الذي زاد احتراقه شوقاً وخوفاً وحزناً وهذا يدل على أنها ألقته ليلاً، واختلف في معنى قوله ﴿فارغاً﴾ فقال أكثر المفسرين : خالياً من كل همّ إلا من همّ موسى عليه السلام، وقال الحسن : أي : ناسياً للوحي الذي أوحاه الله تعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين فجاءها الشيطان وقال : كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيتيه في البحر وأغرقتيه.
وقال الزمخشري : أي : صفراً من العقل والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش ونحوه قوله تعالى :﴿وأفئدتهم هواء﴾ ( إبراهيم : ٤٣ ) أي : جوف لا عقول فيها وذلك أنّ القلوب مراكز العقول ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ ( الحج : ٤٦ ).
وقوله تعالى :﴿إن﴾ هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : إنها ﴿كادت﴾ أي : قاربت ﴿لتبدي﴾ أي : يقع منها الإظهار لكل ما كان من أمره مصرّحة ﴿به﴾ أي : بأمر موسى عليه السلام من أنه ولدها، وقال عكرمة : عن ابن عباس كادت تقول وا إبناه، وقال مقاتل لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها، وقال الكلبي : كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب موسى بن فرعون فشق عليها فكادت تقول هو ابني، وقيل إنّ الهاء عائدة إلى الوحي أي : كادت لتبدي بالوحي الذي أوحى الله تعالى إليها أن يردّه عليها وجواب. ﴿لولا أن ربطنا﴾ محذوف أي : لا بدت به كقوله تعالى :﴿وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ ( يوسف : ٢٤ ) والمعنى لولا أن ربطنا ﴿على قلبها﴾ بالعصمة والصبر والتثبت وقوله تعالى ﴿لتكون من المؤمنين﴾ متعلق بربطنا أي : من المصدقين بوعد الله تعالى وهو قوله تعالى :﴿إنا رادوه إليك﴾.
القصص 28:11
ثم أخبر تعالى عن فعلها في تعرّف خبره بعد أن أخبر عن كتمها بقوله تعالى :﴿وقالت﴾ أي : أمّه ﴿لأخته﴾ أي : بعد أن أصبحت على تلك الحالة قد خفي عليها أمره ﴿قصيه﴾ أي : اتبعي أثره وتشممي خبره براً وبحراً ففعلت ﴿فبصرت﴾ أي : أبصرت ﴿به عن جنب﴾ أي : مكان بعيد اختلاساً ﴿وهم لا يشعرون﴾ جملة حالية ومتعلق الشعور محذوف أي : أنها أخته وأنها ترقبه بل هم في غاية الغفلة التي هي في غاية البعد عن رتبة الإلهية أو أنها تقصه، أو أنه سيكون لهم عدوّاً وحزناً.
القصص 28:12
ثم ذكر تعالى أخذ الأسباب في ردّه بقوله تعالى :﴿وحرّمنا﴾ أي : منعنا بعظمتنا ﴿عليه المراضع﴾ جمع مرضعة وهي من تكتري للإرضاع من الأجانب أي : حكمنا بمنعه من الارتضاع منهنّ فاستعير التحريم للمنع لأنه منع فيه رحمة، قال الرازي في اللوامع : تحريم منع لا تحريم شرع ﴿من قبل﴾ أي : من قبل أن تأمر أمّه أخته بما أمرتها به، أو قبل قصها أثره أو قبل ولادته في حكمنا وقضائنا وهو أنه تعالى غير طبعه عن لبن سائر النساء فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهنّ طعماً ينفر عنه طبعه أو وضع في لبن أمّه لذة تعوّد بها فكان يكره لبن غيرها، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه أنه لا يقبل ثدي امرأة وفي القصة أنّ موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثدياً ويصيح فقالوا لها هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها، قال ابن عباس : أنّ امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة فكلما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها، فدنت أخته منه بعد نظرها له ﴿فقالت﴾ لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه ﴿هل﴾ لكم حاجة في أني ﴿أدلكم على أهل بيت﴾ ولم تقل على امرأة لتوسع دائرة النظر ﴿يكفلونه لكم﴾ أي : يأخذونه ويتولونه ويقومون بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم ثم أبعدت التهمة عن نفسها فقالت هي امرأة قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيراً ترضعه ثم زادتهم رغبة بقولها ﴿وهم له ناصحون﴾ أي : ثابت نصحهم له لا يغشونه نوعاً من الغش، قال البغوي : والنصح ضدّ الغش وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، قال السدي : لما قالت ذلك أخذوها وقالوا قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه وقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون فتخلصت منهم بذلك.
قال ابن عادل : وهذا يسمى عند أهل البيان الكلام الموجه، ومثله لما سئل بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحبّ علياً دون غيره وبعضهم يحبّ أبا بكر وبعضهم عمر وبعضهم عثمان رضي الله تعالى عنهم، فقيل له أيهم أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من كانت ابنته تحته، وقيل : لما تفرسوا أنها عرفته قالت إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به وقيل إنها : لما قالت ذلك قالوا لها من ؟ فقالت أمي قالوا ولأمك ابن قالت نعم هارون وكان ولد في سنة لا يقتل فيها قالوا صدقت فائتينا بها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه رياً فقالوا أقيمي عندنا فقالت لا أقدر على فراق بيتي إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي به وأظهرت الزهد فيه نفياً للتهمة فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها فذلك قوله تعالى :﴿فرددناه إلى أمّه﴾.
القصص 28:13
﴿فرددناه إلى أمّه﴾ ثم علله بقوله تعالى :﴿كي تقرّ عينها﴾ أي : تبرد وتستقرّ، وأصل قرّة العين من القرّ وهو البرد أي : بردت ونامت بخلاف سخنت عينه يقال أقرّ الله تعالى عينك من الفرح وأسخنها من الحزن فلهذا قالوا دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارّة هذا قول الأصمعي، قال أبو تمام :
فأما عيون العاشقين فأسخنت؍ وأما عيون الشامتين فقرت؍
وقال أبو العباس : ليس كما قال الأصمعيّ بل كل دمع حارّ فمعنى أقرّ الله تعالى عينك صادفت سروراً فنامت وذهب سهرها وصادفت ما يرضيك أي : بلغك الله أقصى أملك حتى تقرّ عينك من النظر إلى غيره استغناء ورضا بما في يديك ﴿ولا﴾ أي : وكي لا ﴿تحزن﴾ أي : بفراقه ﴿ولتعلم﴾ أي : علماً هو عين اليقين كما كانت عالمة به علم اليقين وعلم شهادة كما كانت عالمة به علم غيب ﴿أن وعد الله﴾ أي : الأمر الذي وعدها به الذي له الكمال كله في حفظه وإرساله ﴿حق﴾ أي : هو في غاية الثبات في مطابقة الواقع ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي : أكثر آل فرعون وغيرهم ﴿لا يعلمون﴾ أنّ وعد الله حق فيرتابون فيه أولا يعلمون أنّ الله وعدها ردّه إليها، قال الضحاك : لما قبل ثديها قال هامان إنك لأمه قالت : لا قال : فما له قبل ثديك من بين النسوة قالت أيها الملك إني امرأة طيبة الريح حلوة اللبن فما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي قالوا صدقت فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجوهر وأجرى عليها أجرها.
قال السدي : وكانوا يدفعون إليها كل يوم ديناراً، فإن قيل : كيف حل لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها منه ؟ أجيب : بأنها ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع ولكنه مال حربي كانت تأخذه على الاستباحة فمكث عندها إلى أن فطمته واستمرّ عند فرعون يأكل من مأكوله ويشرب من مائه ويلبس من ملبوسه إلى أن كمل كما قال تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء ﴿ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ ( الشعراء : ١٨ ).
القصص 28:14
﴿ولما بلغ أشدّه﴾ وهو ثلاثون سنة أو وثلاث كما قال مجاهد : وغيره ﴿واستوى﴾ أي : بلغ أربعين سنة كما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل : اعتدل في السنّ وتم استحكامه بانتهاء شبابه وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين سنة إلى اثنتين وأربعين ﴿آتيناه﴾ أي : ابتداء من غير اكتساب أصلاً، خرقاً للعادة أسوة إخوانه من الأنبياء ﴿حكماً﴾ أي : عملاً محكماً بالعلم ﴿وعلماً﴾ أي : فقهاً في الدين تهيئة لنبوّته وإرصاداً لرسالته، وقيل : المراد بالعلم علم التوراة والحكم السنة، قال الزمخشري : وحكمة الأنبياء سنتهم قال الله تعالى ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة﴾ ( الأحزاب، ٣٤ )، وقيل : معناه آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.
قال البقاعي : واختار الله تعالى هذا السن للإرسال ليكون من جملة الخوارق لأنّ به يكون ابتداء الانتكاس الذي قال الله تعالى فيه :﴿ومن نعمّره﴾ ( يس : ٦٨ ) أي : إلى إكمال سنّ الشباب ﴿ننكّسه في الخلق﴾ ( يس : ٦٨ ) أي : نوقفه فلا يزداد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة شيء أو لا يوجد فيه غريزة لم تكن موجودة أصلاً عشر سنين ثم يأخذ في النقصان هذه عادة الله في جميع بني آدم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم في حدّ الوقوف يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب بل غريزة يغرزها الله تعالى فيهم حينئذ ويؤتون من قوّة الأبدان أيضاً بمقدار ذلك ففي انتكاس غيرهم يكون نموهم وكذا من ألحقه الله تعالى بهم من صالحي أتباعهم كما قال تعالى :﴿وكذلك﴾ أي : مثل هذا الجزاء العظيم ﴿نجزي المحسنين﴾ أي : كلهم على إحسانهم.
القصص 28:15
ولما أخبر تعالى بتهيئته للنبوّة أخبر بما هو سبب لهجرته وكأنها سنة بعد إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى :﴿ودخل﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿المدينة﴾ قال السدي : هي مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل : كانت قرية تدعى جابين على رأس فرسخين من مصر، وقيل : مدينة عين شمس، وقيل : غير ذلك ﴿على حين غفلة من أهلها﴾ وهو وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة، وقال محمد بن كعب القرظي : دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقيل : يوم عيد لهم وهم مشتغلون فيه بلهوهم، وقيل : لما شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل واختلف في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت.
قال السدي : وذلك أن موسى كان يسمى ابن فرعون فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ملابسه فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له إن فرعون قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض منف فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحد.
وقال ابن إسحاق : كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون برأيه فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه فخالفهم في دينهم فأخافوه فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً، وقال ابن زيد : ولما علا موسى فرعون بالعصا في صغره فأراد فرعون قتله فقالت امرأته هو صغير فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشدّه ﴿فوجد فيها﴾ أي : المدينة ﴿رجلين يقتتلان﴾ أي : يفعلان مقدّمات القتل مع الملازمة من الضرب والخنق وهما إسرائيلي وقبطيّ، ولهذا قال تعالى مجيباً لمن كان يسأل عنهما وهو ينظر إليهما ﴿هذا من شيعته﴾ أي : من بني إسرائيل ﴿وهذا من عدوه﴾ أي : من القبط، قال مقاتل : كانا كافرين إلا أن أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل لقول موسى عليه السلام ﴿إنك لغويّ مبين﴾ والمشهور أن الإسرائيلي كان مسلماً قيل إنه السامريّ والقبطي طباخ فرعون فكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ، وقال سعيد بن جبير : عن ابن عباس لما بلغ موسى أشدّه لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع وكان بنو إسرائيل عزُّوا لمكان موسى لكونه ربيب الملك مع أن مرضعته منهم لا يظنون أن سبب ذلك إلا الإرضاع ﴿فاستغاثه﴾ أي : طلب منه ﴿الذي من شيعته﴾ أن يغيثه ﴿على الذي من عدوّه﴾ فغضب موسى عليه السلام واشتدّ غضبه وقال للفرعوني خل سبيله فقال : إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك فنازعه فقال الفرعوني لقد هممت أن أحمله عليك وكان موسى عليه السلام قد أوتي بسطة في الخلق وشدّة في القوّة والبطش ﴿فوكزه موسى﴾ أي : دفعه بجمع كفه، والفرق بين الوكز واللكز : أنّ الأوّل : بجمع الكف والثاني : بأطراف الأصابع، وقيل : بالعكس، وقيل اللكز في الصدر والوكز في الظهر ﴿فقضى﴾ أي : فأوقع القضاء الذي هو القضاء على الحقيقة وهو الموت الذي لا ينجو منه مخلوق ﴿عليه﴾ فقتله وفرغ منه، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه وخفي هذا على الناس لما هم فيه من الغفلة فلم يشعر به أحد فندم موسى عليه السلام عليه ولم يكن قصده القتل فدفنه في الرمل.
﴿قال هذا﴾ أي : قتله ﴿من عمل الشيطان﴾ أي : لأني لم أومر به على الخصوص ولم يكن من قصدي وإن كان المقتول كافراً حربياً، ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر منه بقوله ﴿إنه عدوّ﴾ فينبغي الحذر منه ﴿مضلّ﴾ لا يقود إلى خير أصلاً ﴿مبين﴾ أي : عداوته وإضلاله في غاية البيان ما في شيء منهما خفاء.
القصص 28:16
ولما لم يكن في قتله إلا الندم لعدم إذن خاص ﴿قال رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿إني ظلمت نفسي﴾ أي : بالإقدام على ما لم تأمرني به بالخصوص وإن كان مباحاً ﴿فاغفر لي﴾ أي : امحُ هذه الهفوة عينها وأثرها ﴿لي﴾ أي : لأجلي لا تؤاخذني ﴿فغفر﴾ أي : أوقع المحو لذلك كما سأل إكراماً ﴿له إنه هو﴾ أي : وحده ﴿الغفور﴾ أي : البالغ في صفة الستر لكل من يريد ﴿الرحيم﴾ أي : العظيم الرحمة بالإحسان بالتوفيق إلى الأفعال المرضية لمقام الإلهية ولأجل أن هذه صفته ردّه إلى فرعون وقومه حين أرسله إليهم فلم يقدروا على مؤاخذته بذلك بقصاص ولا غيره بعد أن نجا منهم قبل إرساله على غير قياس.
القصص 28:17
ثم شكر ربه على هذه النعمة التي أنعم بها عليه بأن ﴿قال رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿بما أنعمت عليّ﴾ أي : بسبب إنعامك عليّ بالمغفرة ﴿فلن أكون﴾ أي : إن عصمتني ﴿ظهيراً﴾ أي : عوناً وعشيراً وخليطاً ﴿للمجرمين﴾ قال ابن عباس : للكافرين وهو إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكسيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤل مظاهرته إلى الجرم والإثم كما في مظاهرة الإسرائيلي المؤدّية إلى القتل الذي لم يؤمر به وهذا نحو قوله تعالى :﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ( هود : ١١٣ ) وعن عطاء أن رجلاً قال له إنّ أخي يضرب بقلمه ولا يعدو رزقه قال فمن الرأس يعني من يكتب له قال خالد بن عبد الله القسري قال فأين قول موسى وتلا هذه الآية.
وفي الحديث :«ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً فيجمعون في تابوت من حديد فيرمي بهم في جهنم » وقول ابن عباس يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى عليه السلام كان كافراً وهو قول مقاتل : وقال قتادة : أني لا أعين بعدها على خطيئة، وقيل : بما أنعمت عليّ من القوة فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك وأهل طاعتك والإيمان بك، قال ابن عباس : لم يستثن أي : لم يقل فلن أكون إن شاء الله تعالى فابتلي به في اليوم الثاني كما قال تعالى :﴿فأصبح في المدينة خائفاً﴾.
القصص 28:18
﴿فأصبح في المدينة﴾ أي : التي قتل القتيل فيها ﴿خائفاً﴾ أي : بسبب قتله له ﴿يترقب﴾ أي : ينتظر ما يناله من جهة القتيل، قال البغويّ : والترقب انتظار المكروه، وقال الكلبيّ : ينتظر متى يؤخذ به ﴿فإذا﴾ أي : ففجأه ﴿الذي استنصره﴾ أي : طلب نصرته من شيعته ﴿بالأمس﴾ أي : اليوم الذي يلي يوم الاستصراخ ﴿يستصرخه﴾ أي : يطلب أن يزيل ما يصرخ بسببه من الضر من قبطيّ آخر كان يظلمه، فكأنه قيل : فما قال له موسى بعدما أوقعه فيما يكره فقيل ﴿قال له﴾ أي : لهذا المستصرخ ﴿موسى إنك لغويّ﴾ أي : صاحب ضلال بالغ ﴿مبين﴾ أي : واضح الضلال غير خفيه لكون ما وقع بالأمس لم يكفك عن الخصومة لمن لا تطيقه وإن كنت مظلوماً ثم دنا منهما لينصره.
القصص 28:19
﴿فلما أن أراد﴾ أي : شاء فإن مزيدة ﴿أن يبطش﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿بالذي هو عدوّ لهما﴾ أي : لموسى والإسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما ولأنّ القبط كانوا أعداء بني إسرائيل بأن يأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه ﴿قال﴾ أي : الإسرائيلي الغويّ لأجل ما رأى من غضبه وتكليمه له ظاناً أنه يريد البطش به ﴿يا موسى﴾ ناصاً عليه باسمه ﴿أتريد أن تقتلني﴾ أي : اليوم وأنا من شيعتك ﴿كما قتلت نفساً بالأمس﴾ أي : من شيعة أعدائنا والذي يدل على أن الإسرائيلي هو الذي قال له هذا الكلام السياق، وعليه الأكثرون، لأنه لم يعلم بقتل القبطي غير الإسرائيلي، وقيل : إنما قال موسى للفرعوني ﴿إنك لغويّ مبين﴾ بظلمك ويناسبه قوله ﴿إن﴾ أي : ما ﴿تريد إلا أن تكون جباراً﴾ أي : قاهراً عالياً فلا يليق ذلك إلا بقول الكافر، أو أن الإسرائيلي لما ظن قتله قال ذلك، وقد قيل في الإسرائيلي أنه كان كافراً، قال أبو حيان وشأن الجبار أن يقتل بغير حق ﴿في الأرض﴾ أي : التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد ﴿وما تريد﴾ أي : تتخذ ذلك إرادة ﴿أن تكون﴾ أي : كوناً هو لك كالجبلة ﴿من المصلحين﴾ أي : الغريقين في الصلاح فإنّ الصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة فلما سمع القبطيّ هذا ترك الإسرائيلي وكان القبط لما قتل ذلك القبطي ظنوا في بني إسرائيل فأغروا فرعون بهم وقالوا إنّ بني إسرائيل قتلوا منا رجلاً فخذ لنا بحقنا فقال ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا يستقيم له أن يقضي بغير بينة ولا تثبت فلما قال هذا الغوي هذه المقالة علم القبطي أن موسى عليه السلام هو الذي قتل الفرعوني فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون بقتل موسى.
قال ابن عباس : فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم.
القصص 28:20
﴿وجاء رجل﴾ أي : ممن يحب موسى عليه السلام واختلف في اسمه فقيل حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل شمعون وقيل شمعان، وكان ابن عمّ فرعون ﴿من أقصى المدينة﴾ أي : أبعدها مكاناً ﴿يسعى﴾ أي : يسرع في مشيه فأخذ طريقاً قريباً حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقاً آخر، فكأنه قيل فما قال الرجل له ؟ فقيل :
﴿قال﴾ منادياً لموسى تعطفاً وإزالة للبس ﴿يا موسى إنّ الملأ﴾ أي : أشراف القبط الذين في أيديهم الحلّ والعقد لأنّ لهم القدرة على الأمر والنهي ﴿يأتمرون بك﴾ أي : يتشاورون في شأنك ﴿ليقتلوك﴾ حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى أن كلاً منهم يأمر الآخر ويأتمر بأمره لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم ﴿فاخرج﴾ أي : من هذه المدينة ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرقه من احتمال عدم القتل لكونه عزيزاً عند الملك ﴿إني لك من الناصحين﴾ أي : العريقين في نصحك.
القصص 28:21
﴿فخرج﴾ أي : موسى عليه السلام مبادراً ﴿منها﴾ أي : المدينة لما علم صدق قوله مما تحققه من القرائن حال كونه ﴿خائفاً﴾ على نفسه من آل فرعون ﴿يترقب﴾ أي : يكثر الإلتفات بإدارة رقبته في الجهات ينظر هل يتبعه أحد ثم دعا الله تعالى بأن ﴿قال رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ بالنجاة وغير ذلك من وجوه البر ﴿نجني﴾ أي : خلصني ﴿من القوم الظالمين﴾ أي : الذين يضعون الأمور في غير مواضعها فيقتلون من لا يستحق القتل مع قوتهم فاستجاب الله تعالى دعاءه فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو مدين فكان ذلك سبب نجاته، وذلك أنّ الذين انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا يسلك الطريق الأكبر جرياً على عادة الخائفين الهاربين، وفي القصة أن فرعون لما بعث في طلبه قال اركبوا ثنيات الطريق فانبثوا فيما ظنوه يميناً وشمالاً ففاتهم.
القصص 28:22
﴿ولما توجه﴾ أي : أقبل بوجهه قاصداً ﴿تلقاء﴾ أي : الطريق الذي يلاقي سالكه أرض ﴿مدين﴾ قال ابن عباس : خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى ومشى من غير معرفة فهداه الله تعالى إلى مدين، وقيل : وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى، وقيل جاءه جبريل عليه السلام وعلمه الطريق، قال ابن اسحق : خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ﴿قال عسى﴾ أي : جدير وحقيق ﴿ربي﴾ أي : المحسن إليّ ﴿أن يهديني سواء﴾ أي : أعدل ووسط ﴿السبيل﴾ أي : الطريق الذي يطلعني الله تعالى عليها من غير اعوجاج وقال ذلك قبل أن يعرف الطريق إليها، قيل : فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به إلى مدين، قال المفسرون : خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل حتى ترى خضرته في بطنه وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه، قال ابن عباس : وهو أوّل ابتلاء من الله تعالى لموسى عليه السلام.
القصص 28:23
﴿ولما ورد﴾ أي : وصل ﴿ماء مدين﴾ وهو بئر كان يسقي منها الرعاة مواشيهم ﴿وجد عليه﴾ أي : الماء ﴿أمّة﴾ أي : جماعة كثيرة ﴿من الناس﴾ مختلفين ﴿يسقون﴾ أي : مواشيهم ﴿ووجد من دونهم﴾ أي : في مكان سواهم أسفل من مكانهم ﴿امرأتين﴾ عبر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنهما ﴿تذودان﴾ أي : تحبسان وتمنعان أغنامهما إذا فزعت من العطش إلى الماء حتى يفرغ الناس ويخلو لهما البئر، وقال الحسن : تكفان الغنم لئلا تختلط بغنم الناس، وقال قتادة : تكفان الناس عن أغنامهما، وقيل : لئلا يختلطن بالرجال، وقيل كانتا تذودان عن وجوههما نظر الناظرين لتسترهما، وقيل غير ذلك فكأنه قيل فما قال موسى لهما قيل ﴿قال﴾ لهما رحمة لهما ﴿ما خطبكما﴾ أي : ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع
الناس ﴿قالتا لا نسقي﴾ أي : مواشينا وحذف للعلم به ﴿حتى يصدر﴾ أي : ينصرف ويرجع ﴿الرعاء﴾ أي : عن الماء خوف الزحام فنسقي، وقرأ أبو عمرو وابن عامر : بفتح الياء وضم الدال، والباقون : بضم الياء وكسر الدال مضارع أصدر يعدى بالهمزة.
تنبيه : المفعول محذوف أي : يصدرون مواشيهم والرعاء جمع راع مثل تاجر وتجار، أي : نحن امرأتان لا يليق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض ﴿وأبونا شيخ كبير﴾ أي : لا يستطيع لكبره أن يسقى فاضطررنا إلى ما ترى.
تنبيه : اختلف في أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن : أبوهما هو شعيب النبيّ عليه السلام وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوّج بابنته، وقال وهب وسعيد بن جبير : هو يثرون ابن أخي شعيب وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم، وقيل : رجل ممن آمن بشعيب قالوا فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق : أنّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين، ويروى أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر، وقيل : أربعون، وقيل : مائة فجاء موسى ورفع الحجر وحده وسقى غنم المرأتين ويقال : إنه سألهم دلوا من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا اسق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا فيه بالبركة فروى منه جميع الغنم، فإن قيل كيف ساغ لنبيّ الله تعالى شعيب أن يرضى لابنتيه الرعي بالماشية ؟.
أجيب : بأن الناس اختلفوا فيه هل هو شعيب أو غيره، وإذا قلنا أنه هو كما عليه الأكثر فليس ذلك بمحظور فلا يأباه الدين، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة وعادتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر لاسيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة.
القصص 28:24
﴿فسقى﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿لهما﴾ والمفعول محذوف أي : غنمهما لما علم ضرورتهما انتهازاً لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف مع ما به من النصب والجوع وسقوط خف القدم ولكنه رحمهما وأغاثهما وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوّة قلبه وقوّة ساعده وما آتاه الله تعالى من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلِّة ﴿ثم تولى﴾ أي : انصرف جاعلاً ظهره يلي ما كان يليه وجهه ﴿إلى الظل﴾ أي : ظل سمرة فجلس في ظلها ليقيل ويستريح مقبلاً على الخالق بعدما قضى من نصيحة الخلائق وهو جائع، قال الضحاك : لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض ﴿فقال رب إني﴾ وأكد الافتقار بالالصاق باللام دون إلى بقوله ﴿لما أنزلت إليّ من خير﴾ قليل أو كثير غث أو سمين ﴿فقير﴾ أي : محتاج سائل.
تنبيه :﴿لما أنزلت﴾ متعلق بفقير قال الزمخشري عدَّى فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين وليس في الشكوى إلى الغنى المطلق نقص، قال ابن عباس سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه، وقال الباقر : لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : لقد قال موسى ذلك وهو أكرم خلقه عليه وإنه كان قد بلغ به من الضر أن اخضرّ بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه الشريف بظهره وإنما قال ذلك في نفسه مع ربه وهو اللائق به، وقيل رفع به صوته لاستماع المرأتين وطلب الطعام وهذا لا يليق بموسى عليه السلام فانظر إلى هذا النبيّ عليه السلام وهو خلاصة ذلك الزمان ليكون لك في ذلك أسوة وتجعله إماماً وقدوة وتقول ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الحياة الدنيا صوناً لهم منها وإكراماً من ربهم عنها رفعة لدرجاتهم واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك وفي القصة ترغيب في الخير وحث على المعاونة على البرّ وبعث على بذل المعروف مع الجهد.
القصص 28:25
فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما ما أعجلكما قالتا : وجدنا رجلاً صالحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي ﴿فجاءته إحداهما﴾ ممتثلة أمر أبيها وقوله ﴿تمشي﴾ حال، وقوله ﴿على استحياء﴾ حال أخرى، أي : مستحيية إما من جاءته وإما من تمشي قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءته مستترة وضعت كمّ درعها على وجهها استحياء ثم استأنف الإخبار بما تشوّف إليه السامع بقوله تعالى :﴿قالت﴾ وأكدت إعلاماً بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه ﴿إن أبي﴾ وصورت حاله بالمضارع بقولها ﴿يدعوك ليجزيك﴾ أي : يعطيك مكافأة لك لأن المكافأة من شيم الكرام ﴿أجر ما سقيت لنا﴾ أي : مواشينا، قال ابن إسحاق : اسم الكبرى صفوراً والصغرى لبنى، وقيل ليا، وقال غيره : صفرا وصفيرا، وقال الضحاك : صافورا، وقال الأكثرون : التي جاءت لموسى الكبرى، وقال الكلبيّ هي الصغرى، قال الرازي وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل.
فإن قيل : في الآية إشكالات إحداها : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية فإن ذلك يورث التهمة العظيمة وقال صلى الله عليه وسلم :«اتقوا مواضع التهم »، وثانيها : أنه سقى أغنامهما تقرّبا إلى الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه وذلك غير جائز في الشريعة، وثالثها : أنه عرف فقرهما وفقر أبيهما وأنه عليه السلام كان في نهاية القوّة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفاني الفقير والمرأة الفقيرة، ورابعها : كيف يليق بالنبيّ شعيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً ؟.
أجيب عن الأوّل : بأن الخبر يعمل فيه بقول المرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حرّاً كان أو عبداً ذكرا كان أو أنثى وهي ما كانت مخبرة إلا عن أبيها وأما المشي مع المرأة بعد الاحتياط والتورّع فلا بأس به، وعن الثاني : بأن المرأة لما قالت ذلك لموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلباً للأجرة بل للتبرّك بذلك الشيخ الكبير، لما روي أنه لما دخل على شعيب عليه السلام إذا هو بالعشاء مهيئاً فقال اجلس يا شاب فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال شعيب ولم ذلك ألست بجائع قال بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ بالمعروف ثمناً، فقال له شعيب لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادت آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى عليه السلام فأكل، وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق يحمله ففعل ذلك اضطراراً وهو الجواب عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات، وعن الرابع : بأن شعيباً عليه السلام كان يعلم طهارة ابنته وبرائتها إما بوحي أو بغيره فكان يأمن عليها قال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه : فقام يمشي والجارية أمامه فهبت الريح فوصفت ردفها فكره موسى عليه السلام أن يرى ذلك منها فقال لها امشي خلفي أو قال موسى أني من عنصر إبراهيم فكوني خلفي حتى لا يرفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحلّ، وفي رواية كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحصا لأن صوت المرأة عورة.
فإن قيل : لِمْ خشى موسى عليه السلام أن يكون ذلك أجرة له على عمله ولم يكره مع الخضر عليه السلام ذلك حين قال لو شئت لتخذت عليه أجراً ؟ أجيب : بأن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء فغير مكروه ﴿فلما جاءه﴾ أي : موسى شعيباً ﴿وقص﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿عليه﴾ أي : شعيب عليه السلام ﴿القصص﴾ أي : حدّثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم لعباد الله تعالى.
( تنبيه ) : القصص مصدر كالعلل سمى به المقصوص، قال الضحاك : قال : له من أنت يا عبد الله، قال : أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه. ثم إن شعيباً عليه السلام أمنه بأن :﴿قال﴾ له ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ أي : فإن فرعون لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل : إن المفسرين قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى ركب في ألف ألف وستمائة ألف والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام ؟ أجيب : بأن هذا ليس بمحال وإن كان نادراً ولما أمنه واطمأن.
القصص 28:26
﴿قالت إحداهما﴾ أي : المرأتين وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها ﴿يا أبت استأجره﴾ أي : اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا ﴿إن خير مَنْ استأجرت القويّ الأمين﴾ أي : خير من استعملت من قوي على العمل لشيء من الأشياء وأداء الأمانة، قال أبو حيان : وقولها قول حكيم جامع لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوّته وأمانته، وإنما جعل خير من استأجرت اسماً والقويّ الأمين خبراً مع أن العكس أولى لأنّ العناية هي سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبراً اسماً، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وعن ابن عباس : أن شعيباً اختطفته الغيرة فقال وما علمك بقوّته وأمانته فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وإنه صوّب أي : خفض رأسه حين بلغته رسالة أبيها إليه وأمرها بالمشي خلفه، وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله ﴿عسى أن ينفعنا﴾ وأبو بكر في عمر.
القصص 28:27
ولما أعلمته ابنته بذلك ﴿قال﴾ لموسى عليه السلام عند ذلك ﴿إني أريد﴾ يا موسى والتأكيد لأن الغريب قلما يرغب فيه أوّل ما يقدم لاسيما من الرؤساء أتم الرغبة ﴿أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ أي : الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأمّلهما فينظر من يقع اختياره عليه منهما ليعقد له عليها، قال أكثر المفسرين إنه زوجه الصغرى منهما وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورا على خلاف تقدّم في اسمها، وقوله ﴿هاتين﴾ فيه دليل على أنه كان له غيرهما وقوله ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ إما من أجرته إذا كنت له أجيراً كقولك أبوته إذا كنت له أباً، وثماني حجج ظرفه، أي : ترعى غنمي ثماني حجج، وإما من أجرته كذا إذا أثبته إياه قاله الفراء أي : تجعل ثوابي من تزويجها أي : تجعل أجري على ذلك وثوابي ثماني حجج، تقول العرب أجرك الله يأجرك أي : أثابك، ومنه تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أجركم الله ورحمكم » وثماني حجج مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج، فإن قيل : كيف صح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز ؟ أجيب : بأن ذلك لم يكن عقداً ولكن مواعدة ومواصفة أمر قد عزم عليه، ولو كان عقداً لقال أنكحتك ولم يقل : إني أريد أن أنكحك، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك، والحجج، السنون وإحدها حجة ﴿فإن أتممت عشراً﴾ أي : عشر سنين وقوله ﴿فمن عندك﴾ يجوز أن يكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره فهي من عندك، أو نصب أي : فقد زدتها من عندك أو تفضلت بها من عندك، وليس ذلك بواجب عليك.
تنبيه : هذا اللفظ يدل على أن العقد وقع على أقلّ الأجلين والزيادة كالتبرّع فالعقد وقع على معين، ودلت الآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال وعلى أن عقد النكاح لا يفسد بالشروط التي لا يوجبها العقد إن كان وقع شرط هذه الزيادة في العقد. ولما ذكر له ذلك أراد أن يعلمه أن الأمر بعد الشرط بينهما على المسامحة فقال ﴿وما أريد أن أشق عليك﴾ أي : أدخل عليك مشقة بمناقشة ومراعاة أوقات ولا في إتمام عشر ولا غير ذلك، ثم أكد معنى المساهلة بقوله ﴿ستجدني﴾ وفتح الياء نافع عند الوصل، والباقون بسكونها، ثم استثنى على قاعدة : أنبياء الله وأوليائه في المراقبة على سبيل التبرك بقوله ﴿إن شاء الله﴾ أي : الذي له جميع الأمر ﴿من الصالحين﴾ قال عمر : أي : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت، أي : وكل ما تريد من كل خير، وقيل : أراد الصلاح على العموم، فإن قيل : كيف ينعقد العقد بهذا الشرط ولو قلت أنت طالق إن شاء الله لم تطلق ؟ أجيب : بأن هذا إنما يختلف بالشرائع أو أن ذلك ذكر للتبرك.
القصص 28:28
﴿قال﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿ذلك﴾ أي : الذي ذكرته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه ﴿بيني وبينك﴾ أي : قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك.
تنبيه : ذلك مبتدأ، والظرف خبره، وأضيفت بين لمفرد لتكرّرها، وعطفت بالواو، ولو قلت : المال لزيد فعمرو لم يجز، والأصل ذلك بيننا كما مرّ ففرق بالعطف، ثم فسر ذلك بقوله ﴿أيما﴾ أي : أيّ ﴿الأجلين﴾ فما : زائدة ﴿قضيت﴾ أي : فرغت أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان ﴿فلا عدوان﴾ أي : اعتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد ﴿عليّ﴾ في طلب أكثر منه لأنه كما لا تجب الزيادة على العشر لا تجب الزيادة على الثمان.
فإن قيل : تصوّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصر وهو المطالبة بتتمة العشر فما معنى تعليق العدوان بهما جميعاً ؟ أجيب : بأنّ معناه كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدواناً لا شك فيه فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان أراد بذلك تقرير أمر الخيار وأنه ثابت مستقرّ وأنّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأمّا التتمة فموكلة إلى رأيي إن شئت أتيت بها وإلا لم أجبر عليها، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة أخلاقه بمطلق العدوان ﴿والله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿على ما نقول﴾ أي : كله في هذا الوقت وغيره ﴿وكيل﴾ قال ابن عباس ومقاتل : شهيد فيما بيني وبينك، وقيل : حفيظ، وعن سعيد بن جبير قال : سألني يهودي من أهل الحيرة أيّ الأجلين قضى موسى ؟ فقلت : لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال : قضى أكثرهما.
وروي عن أبي ذرّ مرفوعاً إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل : خيرهما، وإذا سئلت فأي المرأتين تزوّج فقل الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت يا أبت استأجره فتزوّج صغراهما وقضى أوفاهما، وقال وهب : أنكحه الكبرى، وروي عن شدّاد بن أوس مرفوعاً بكى شعيب عليه السلام حتى عمي فردّ الله تعالى عليه بصره ثم بكى حتى عمي فردّ الله تعالى عليه بصره ثم بكى حتى عمي فردّ الله تعالى عليه بصره وقال له : ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار ؟ قال لا يا ربّ ولكن شوقاً إلى لقائك فأوحى الله تعالى إليه إن يكن ذلك فهنيأ لك يا شعيب لذلك أخدمتك موسى كليمي. ولما تم العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه.
واختلفوا في تلك العصا ؟ فقال عكرمة : خرج بها آدم من الجنة فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً فدفعها إليه، وقال آخرون كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء وكان لا يأخذها غير نبيّ إلا أكلته فصارت من آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عنده فأعطاها موسى، وقال السدي : كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت فأخذت العصا فأتت بها فلما رآها شعيب قال لها ردّي هذه العصا وأتيه بغيرها فدخلت فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي حتى فعلت ذلك ثلاث مرّات فأعطاها موسى فأخذها موسى معه، ثم إنّ الشيخ ندم فقال : كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يردّ العصا فأبى موسى أن يعطيه وقال : هي عصاي فرضيا أن يجعلا بينهما أوّل رجل يلقاهما فلقيهما ملك في صورة رجل فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ فلم يطقها فأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ.
وروي أنّ شعيباً عليه السلام كان عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فضنّ أي : بخل بها فقال غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرّات فعلم أنّ له شأناً.
وعن الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً، وعن الكلبي الشجرة التي منها نودي موسى شجرة العوسج ومنها كانت عصاه. ولما أصبح قال له شعيب إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها كثيراً إلا أنّ فيها تنيناً أخشاه عليك فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية فلما أبصرها دامية والتنين مقتولاً ارتاح لذلك. ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أنّ لموسى والعصا شأناً.
القصص 28:29
﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ أي : أتمه وفرغ منه وزوّجه ابنته، قال مجاهد مكث بعد ذلك عند صهره عشراً أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّ شعيباً عليه السلام أراد أن يجازي موسى على رعيته إكراماً له وصلة لابنته فقال له إني وهبت لك من الجداء التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله عز وجلّ إلى موسى وامرأته فوفى له بشرطه وسلم الأغنام إليه، ثم إنّ موسى استأذنه في العود إلى مصر فأذن له فخرج ﴿وسار بأهله﴾ أي : امرأته راجعاً إلى أقاربه بمصر ﴿آنس﴾ أي : أبصر من بعيد ﴿من جانب الطور﴾ اسم جبل ﴿ناراً﴾ آنسته رؤيتها وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق حينئذ ﴿قال لأهله امكثوا﴾ أي : ههنا، وقرأ حمزة في الوصل بضم الهاء قبل همزة الوصل، وعبر موسى عليه السلام بضمير الذكور فلعل كان معه بنون فغلبهم على امرأته، وقد ذكرت غير ذلك في السورة التي قبل هذه، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لاستبعاد أن يكون في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد ناراً ﴿إني آنست ناراً﴾ فتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، كأنه قيل فماذا تعلم بها فقال معبراً بالترجي لأنه أليق بالتواضع ﴿لعلى آتيكم منها﴾ أي : من عندها ﴿بخبر﴾ أي : عن الطريق لأنه كان قد أخطأها ﴿أو جذوة﴾ أي : قطعة وشعلة ﴿من النار﴾ وقال قتادة ومقاتل : هو العود الذي احترق بعضه.
تنبيه : من النار صفة لجذوة ولا يجوز تعلقها بآتيكم كما تعلق به منها لأنّ هذه النار هي النار المذكورة، والعرب إذا قدمت نكرة وأرادت إعادتها أعادتها مضمرة أو معرفة بأل العهدية وقد جمع الأمرين هنا، وقرأ عاصم بفتح الجيم وحمزة بضمها، والباقون بالكسر وكلها لغات وجمعها جذى. ثم استأنف قوله ﴿لعلكم تصطلون﴾ أي : لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتعطفوا عليها للتدفؤ، وهذا دليل على أنّ الوقت كان شتاء.
القصص 28:30
﴿فلما أتاها﴾ أي : النار، وبنى ﴿نودي﴾ للمفعول لأنّ آخر الكلام يدلّ دلالة واضحة على أنّ المنادي هو الله تعالى ولما كان نداؤه تعالى لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب ومع ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد شرف بوصف من الأوصاف إمّا بأن يكون أوّل السماع منه أو غيره ذلك أو يكون باعتبار موسى عليه السلام قال ﴿من شاطئ الواد﴾ فمِنْ : لابتداء الغاية، وقوله تعالى ﴿الأيمن﴾ صفة للشاطئ أو للوادي، والأيمن من اليمن وهو البركة أو من اليمين المعادل لليسار من العضوين ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى أي : الذي يلي يمينك دون يسارك، والشاطئ ضفة الوادي والنهر أي : حافته وطرفه وكذا الشط والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطئ أشطأ قاله الراغب وشاطأ فلاناً ماشيته سار بها على الشاطئ، وقوله تعالى ﴿في البقعة المباركة﴾ متعلق بنودي أو بمحذوف على أنه حال من الشاطئ ومعنى المباركة جعلها الله تعالى مباركة لأنّ الله تعالى كلم موسى عليه السلام هناك وبعثه نبياً، وقال عطاء : يريد المقدسة وقوله تعالى :﴿من الشجرة﴾ بدل من شاطئ الوادي بإعادة الجار بدل اشتمال لأنّ الشجرة كانت ثابتة على الشاطئ، قال البقاعي : ولعلّ الشجرة كانت كبيرة فلما وصل إليها دخل النور من طرفها إلى وسطها فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع وهو فيها الكلام من الله تعالى حقيقة وهو المتكلم سبحانه وتعالى لا الشجرة.
قال القشيري : وحصل الإجماع على أنه عليه السلام سمع تلك الليلة كلام الله تعالى ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة وقال التفتازانيّ في شرح المقاصد إنّ اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزليّ بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة بلاكمّ ولا كيف.
واختلف في الشجرة ما هي ؟ فقال ابن مسعود : كانت سمرة خضراء، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة، وقال وهب : من العليق، وعن ابن عباس أنها العناب، ثم ذكر المنادى به بقوله تعالى :﴿أن يا موسى﴾ فأَنْ هي مفسرة لا مخففة ﴿إنّي أنا الله﴾ أي : المستجمع للأسماء الحسنى والصفات العليا، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها الباقون ثم وصف نفسه سبحانه تعالى بقوله ﴿رب العالمين﴾ أي : خالق الخلائق أجمعين ومربيهم، قال البيضاوي : هذا وإن خالف ما في طه والنمل في اللفظ فهو طبقه في المقصود انتهى، وقال ابن عادل : واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل ﴿نودي أن بورك من في النار ومن حولها﴾ ( النمل : ٨ ) وقال ههنا ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾ وقال في سورة طه ﴿إني أنا ربك﴾ ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه تعالى حكى في كل سورة ما اشتمل عليه ذلك النداء.
القصص 28:31
ثم إنّ الله تعالى أمره أن يلقي عصاه ليريه آية بقوله تعالى :﴿وأن ألق عصاك﴾ أي : لأريك فيها آية فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة وهي مع عظمها في غاية الخفة ﴿فلما رآها﴾ أي : العصا ﴿تهتز﴾ أي : تتحرّك كأنها في سرعتها وخفتها ﴿جانّ﴾ أي : حية صغيرة ﴿ولى مدبراً﴾ خوفاً منها ولم يلتفت إلى جهتها وهو معنى قوله تعالى ﴿ولم يعقب﴾ أي : موسى عليه السلام وذلك كناية عن شدّة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفاً من الإدراك في الطلب فقيل له ﴿يا موسى أقبل﴾ أي : التفت وتقدّم إليها ﴿ولا تخف﴾ ثم أكد له الأمر لما الآدميُّ مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله تعالى :﴿إنك من الآمنين﴾ أي : العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين فإنه لا يخاف لديّ المرسلون.
القصص 28:32
ثم زاد طمأنينة بقوله تعالى :﴿اسلك﴾ أي : ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة ﴿يدك في جيبك﴾ أي : القطع الذي في ثوبك وهو الذي يخرج منه الرأس أو هو الكم كما يدخل السلك وهو الخيط الذي ينظم فيه الدرّ ﴿تخرج بيضاء﴾ بياضاً عظيماً يكون له شأن خارق للعادات ﴿من غير سوء﴾ أي : عيب من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته أو غيره فخرجت ولها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر.
تنبيه : قد ذكر هذا المعنى بثلاث عبارات إحداها هذه وثانيتها :﴿واضمم يدك إلى جناحك﴾ ( طه : ٢٢ ) وثالثتها :﴿وأدخل يدك في جيبك﴾ ( النمل، ١٢ ).
﴿واضمم إليك جناحك﴾ أي : يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس، أو بإدخالهما في الجيب فيكون تكريراً لغرضٍ آخر وهو أن يكون ذلك في وجه العدو أظهر جراءة ومبدأ لظهور معجزة ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا حية استعارة من حال الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه، ومنه ما يحكي عن عمر بن عبد العزيز : أن كاتباً له كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر : خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي.
ومعنى قوله تعالى ﴿من الرهب﴾ من أجل الرهب أي : إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك تجلداً وضبطاً لنفسك، جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه، قال الفراء : أراد بالجناح العصا ومعناه اضمم إليك عصاك، قال البغويّ : وقيل الرهب الكمّ بلغة حمير، قال الأصمعي : سمعت بعض الأعراب يقول أعطني ما في رهبك أي : في كمك ومعناه اضمم إليك يدك وأخرجها من الكمّ لأنه تناول العصا ويده في كمه انتهى، قال الزمخشريّ معترضاً هذا القول : ومن بدع التفاسير أن الرهب الكمّ بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني ما في رهبك وليت شعري كيف صحته في اللغة وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترضى عربيتهم ثم ليت شعري كيف وقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمين لها انتهى.
ويحتمل أن يكون لها كمّ قصير فمن نفى نظر إلى قصره ومن أثبت نظر إلى أصله وحينئذٍ لا تعارض، وفي البغوي عن ابن عباس : إن الله تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره ليذهب عنه الروع وما ناله من الخوف عند معاينة الحية وقال : وما من خائف بعد موسى عليه السلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه، وقال مجاهد : وكل من فزع فضمّ جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الراء والهاء وحفص بفتح الراء وسكون الهاء، والباقون بضمّ الراء وسكون الهاء، والكل لغات.
ولما تم كونه آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال الله تعالى :﴿فذانك﴾ أي : العصا واليد البيضاء، وشدد ابن كثير وأبو عمرو النون، وخففها الباقون ﴿برهانان﴾ أي : سلطانان وحجتان قاهرتان مرسلان ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره ﴿إلى فرعون وملإيه﴾ أي : وأنت مرسل بهما إليهم كلما أردت ذلك وجدته لا أنهما يكونان لك هنا في هذه الحضرة فقط، فإن قيل لم سميت الحجة برهاناً ؟ أجيب : بأنّ ذلك لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير العين واللام معاً والدليل على زيادة النون قولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السليط وهو الزيت لإنارتها.
ثم علل الإرسال إليهم على وجه إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله :﴿إنهم كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿قوماً﴾ أي : أقوياء ﴿فاسقين﴾ أي : خارجين عن الطاعة فكانوا أحقاء أن يرسل إليهم.
القصص 28:33
ولما قال تعالى :﴿فذانك برهانان﴾ إلى آخره تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه فعند ذلك طلب من يعينه بأن ﴿قال رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿إني قتلت منهم نفّساً﴾ هو القبطي السابق وأنت تعلم أني ما خرجت إلا هارباً منهم لأجلها ﴿فأخاف﴾ إن بدأتهم بمثل ذلك ﴿أن يقتلون﴾ به لوحدتي وغربتي وثقل لساني في إقامة الحجج فأخاف أن يفوت المقصود بقتلي ولا يحمي من ذلك إلا أنت وإنّ لساني فيه عقدة.
القصص 28:34
﴿وأخي هارون هو أفصح مني لساناً﴾ أي : من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون، وقيل كانت من أصل الخلقة والفصاحةُ لغةً الخلوص ومنه فصح اللبن خلص من رغوته وفصح الرجل جادت لغته، وأفصح تكلم بالعربية ﴿فأرسله﴾ أي : بسبب ذلك ﴿معي رِدْءَاً﴾ أي : معيناً من ردأت فلاناً بكذا أي : جعلته له قوّة وعاضداً وردأت الحائط إذا دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن يسقط، وقرأ نافع بنقل حركة الهمزة إلى الدال وحذف الهمزة، والباقون بسكون الدال وتنوين الهمزة بعدها. ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه نبه على ذلك بإجابة السؤال بقوله ﴿يصدّقني﴾ أي : بأن يخلص بفصاحته ما قلته ويبينه ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحاً فيكون مع تصديقه لي بنفسه سبباً في تصديق غيره لي.
وقرأ عاصم وحمزة بضم القاف على الاستئناف أو الصفة لردءاً والباقون بالسكون جواباً للأمر، قال الرازي : ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوب الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد، وفائدة الفصاحة إنما تظهر في ذلك لا في مجرّد قوله صدقت، قال السدي : نبيان وآيتان أقوى من نبي واحد وآية واحدة وهذا ظاهر من جهة العادة وأما من جهة الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين، ثم علل سؤاله هذا بقوله ﴿إني أخاف أن يكذبون﴾ أي : فرعون وقومه ولساني لا يطاوعني عند المحاجة.
القصص 28:35
﴿قال﴾ الله تعالى له مجيباً لسؤاله ﴿سنشدّ عضدك﴾ أي : أمرك ﴿بأخيك﴾ أي : سنقويك ونعينك به ﴿ونجعل لكما سلطاناً﴾ أي : ظهوراً عظيماً وغلبة لهم بالحجج والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف ﴿فلا﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا ﴿يصلون إليكما﴾ بنوع من أنواع الغلبة ﴿بآياتنا﴾ أي : نجعل ذلك بسبب ما يظهر على أيديكما من الآيات العظيمة بنسبتها إلينا ولذلك كانت النتيجة ﴿أنتما ومن اتبعكما﴾ من قومكما وغيرهم ﴿الغالبون﴾ أي : لا غيركم وهذا يدل على أنّ فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين أنفسهم في الله تعالى وليس في القرآن ما يدل على أنه فعل بهم ما أوعدهم به.
قال البقاعي : وكأنه حذف أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون وجنوده بدليل ما كرّر من ذكرهم وقد كشفت العاقبة عن أنّ السحرة ليسوا من جنوده بل من حزب الله تعالى وجنده، ومع ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها. اه ولما كان التقدير فأتاهم كما أمره الله تعالى وعاضده أخوه كما أخبر الله تعالى ودعاهم إلى الله تعالى وأظهرا ما أمرا به من الآيات بنى عليه مبيناً بالفاء سرعة امتثاله.
القصص 28:36
﴿فلما جاءهم﴾ أي : فرعون وقومه ولما كانت رسالة هارون عليه السلام إنما هي تأييد لموسى عليه السلام أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي بقوله تعالى :﴿موسى بآياتنا﴾ أي : التي أمرناه بها الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق العادة حال كونها ﴿بينات﴾ أي : في غاية الوضوح ﴿قالوا﴾ أي : فرعون وقومه ﴿ما هذا﴾ أي : الذي أظهرته من الآيات ﴿إلا سحر مفترى﴾ أي : مختلق لا أنه معجزة من عند الله ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم ﴿وما سمعنا﴾ أي : ما حدّثنا ﴿بهذا﴾ أي : الذي تدعونا إليه وتقوله من الرسالة عن الله تعالى ﴿في آبائنا﴾ وأشاروا إلى البدعة التي أضلت كثيراً من الخلق وهي تحكيم عوائد التقليد لاسيما عند تقادمها على القواطع في قولهم ﴿الأولين﴾ وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك على أيام يوسف عليه السلام.
وما بالعهد من قدم ***. . . . . . . . . . . . . . . .
﴿فقد قال لهم الذي آمن﴾ يا قوم أني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب إلى قوله ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات﴾ ( البقرة، ٩٢ )
القصص 28:37
﴿و﴾ لما كذبوه وهم الكاذبون ﴿قال﴾ لهم ﴿موسى ربي﴾ أي : المحسن إليّ ﴿أعلم﴾ أي : عالم ﴿بمن جاء بالهدى﴾ أي : الذي أذن الله تعالى فيه وهو حق في نفسه ﴿من عنده﴾ فيعلم أني محق وأنتم مبطلون، وقرأ ابن كثير بغير واوٍ قبل القاف لأنه قاله جواباً لمقالهم، والباقون بالواو لأنّ المراد حكاية القولين ليوازن الناظر بينهما ليميز صحيحهما من فاسدهما ﴿ومن تكون له﴾ أي : لكونه منصوراً مؤيداً ﴿عاقبة الدار﴾ أي : الراحة والسكن والاستقرار، فإن قيل : العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسميا عاقبة الدار لأنّ الدنيا إما أن تكون خاتمتها بخير أو بشر فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمها بالشرّ ؟.
أجيب : بأنّ الله تعالى قد وضع الدنيا مجازاً إلى الآخرة وأراد بعباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير، وما خلقهم إلا لأجله ليبلغوا خاتمة الخير وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تخويف الفجار، وقرأ حمزة والكسائيّ بالياء على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، ثم علل ذلك بما أجرى الله تعالى به عادته فقال معلماً بأنّ المخذول هو الكاذب إشارة إلى أنه الغالب لكون الله تعالى معه مؤكداً لما استقرّ في الأنفس من أنّ القويّ لا يغلبه الضعيف ﴿إنه لا يفلح﴾ أي : لا يظفر ولا يفوز ﴿الظالمون﴾ أي : الكافرون الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل.
القصص 28:38
﴿وقال فرعون﴾ جواباً لهذا الترغيب والترهيب ﴿يا أيها الملأ﴾ أي : الأشراف معظماً لهم استجلاباً لقلوبهم ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ فتضمن كلامه نفي إلهية غيره وإثبات إلهية نفسه فكأنه قال : ما لكم من إله إلا أنا كما قال الله تعالى :﴿قل أتنبّئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾ ( يونس : ١٨ ) أي : بما ليس فيهنّ وذلك أنّ العلم تابع للموجود لا يتعلق به إلا على ما هو عليه فإذا كان الشيء معدوماً لم يتعلق به موجود فمن ثم كان انتفاء العلم بوجوده انتفاء لوجوده، فعبر عن انتفاء وجوده بانتفاء العلم بوجوده، ويجوز أن يكون على ظاهره وأنّ إلهاً غير معلوم عنده ولكنه مظنون بدليل قوله ﴿وأني لأظنه من الكاذبين﴾ وإذا ظنه كاذباً في إثباته إلهاً غيره ولم يعلمه كاذباً فقد ظنّ أنّ في الوجود إلهاً غيره ولو لم يكن المخذول ظاناً ظناً كاليقين بل عالماً بصحة قول موسى لقول موسى له :﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ ( الإسراء، ١٠٢ ) ثم تسبب عن جهله قوله لوزيره معلماً له صنعة الآجر لأنه أوّل من عمله، قال عمر رضي الله تعالى عنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر ما علمت أنّ أحداً بنى بالآجر غير فرعون ﴿فأوقد لي﴾ وأضاف الإيقاد إليه إعلاماً بأنه لا بدّ منه ﴿يا هامان﴾ وهو وزيره ﴿على الطين﴾ أي : المتخذ لبناً ليصير آجراً، ثم تسبب عن الإيقاد قوله ﴿فاجعل لي﴾ أي : منه ﴿صرحاً﴾ أي : قصراً عالياً، وقيل : منارة، وقال الزجاج : هو كل بناء متسع مرتفع ﴿لعلي أطلع﴾ أي : أتكلف الطلوع ﴿إلى إله موسى﴾ أي : الذي يدعو إليه فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهماً لهم أنه مما يمكن الوصول إليه وهو قاطع بخلاف ذلك ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت.
قال أهل السير : لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان أحد من الخلق أراد الله تعالى أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه فأمر بنشابه فضرب بها نحو السماء فردّت إليه وهي ملطخة دماً فقال : قد قتلت إله موسى وكان فرعون يصعد على البراذين فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقع منها قطعة على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلا هلك ثم زادهم شكاً بقوله مؤكداً لأجل رفع ما استقرّ في الأنفس من صدق موسى عليه السلام ﴿وإني لأظنه﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿من الكاذبين﴾ أي : دأبه ذلك وفرعون هو الذي قد لبس وكذب ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة نفسه العريقة في العدوان.
القصص 28:39
﴿واستكبر﴾ أي : أوجد الكبر بغاية الرغبة فيه ﴿هو﴾ بقوله هذا الذي صدّهم به عن السبيل ﴿وجنوده﴾ بإعراضهم لشدّة رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع للباطل ﴿في الأرض﴾ أي : أرض مصر قال البقاعي : ولعله عرّفها إشارة إلى أنه لو قدر على ذلك في غيرها فعل ﴿بغير الحق﴾ أي : بغير استحقاق قال البقاعي : والتعبير بالتعريف يدل على أنّ التعظيم بنوع من الحق ليس بكبر وإن كانت صورته كذلك وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله قال صلى الله عليه وسلم فيما حكاه عن ربه :«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار » ﴿وظنوا﴾ أي : فرعون وجنوده ظناً بنوا عليه اعتقادهم في أصل الدين الذي لا يكون إلا بقاطع ﴿أنهم إلينا﴾ أي : إلى حكمنا خاصة الذي يظهر عند انقطاع الأسباب ﴿لا يرجعون﴾ بالنشور، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم والباقون بضمّ الياء وفتح الجيم.
القصص 28:40
ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال تعالى :﴿فأخذناه وجنوده﴾ كلهم أخذ قهر ونقمة وذلك علينا هيِّن وأشار تعالى إلى احتقارهم بقوله تعالى :﴿فنبذناهم﴾ أي : طرحناهم ﴿في اليم﴾ أي : البحر المالح فغرقوا فكانوا على كثرتهم وقوّتهم كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد الدرء من يده في البحر ونحو ذلك قوله تعالى :﴿وجعلنا فيها رواسي شامخات﴾ ( المرسلات، ٢٧ ) وقوله تعالى ﴿وحمّلت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ ( الحاقة : ١٤ ).
ولما تسبب عن هذه الآيات من العلوم ما لا تحيط به الفهوم قال تعالى :﴿فانظر﴾ أي : أيها المعتبر بالآيات الناظر فيها نظر اعتبار ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي : آخر أمر ﴿الظالمين﴾ حيث صاروا إلى الهلاك فحذِّر قومك عن مثلها وفي هذا إشارة إلى أنّ كل ظالم تكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق ورابطه ﴿حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ ( يونس، ١٠٩ ).
القصص 28:41
ولما كان :«من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » قال الله تعالى :﴿وجعلناهم﴾ أي : في الدنيا ﴿أئمة﴾ أي : قدوة للضلال بالحمل على الإضلال، وقيل بالتسمية كقوله تعالى ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثاً﴾ ( الزخرف : ١٩ ) أو بمنع الألطاف الصارفة عنه ﴿يدعون﴾ أي : يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم فضل بضلالهم ﴿إلى النار﴾ أي : إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، وأمّا أئمة الحق فإنما يدعون إلى موجبات الجنة من فعل الطاعات والنهي عن المنكرات : جعلنا الله تعالى وأحبابنا معهم بمحمد وآله. ولما كان الغالب من حال الأئمة النصرة وقد أخبر عن خذلانهم في الدنيا قال تعالى :﴿ويوم القيامة﴾ أي : الذي هو يوم التغابن ﴿لا ينصرون﴾ أي : لا يكون لهم نوع نصرة تدفع العذاب عنهم.
القصص 28:42
﴿وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة﴾ أي : طرداً عن الرحمة ودعاء عليهم بذلك من كل من سمع خبرهم بلسانه إن خالفهم أو بفعله الذي يكون عليهم مثل وزره إن وافقهم، وإنما قال الله تعالى :﴿الدنيا﴾ ولم يقل الحياة، قال البقاعي : لأنّ السياق لتحقير أمرهم ودناءة شأنهم.
﴿ويوم القيامة هم﴾ أي : خاصة ومن شاكلهم ﴿من المقبوحين﴾ أي : المبعدين أيضاً المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال والشناعة في الأقوال والأفعال والأحوال من القبح الذي هو ضد الحسن من قولهم : قبح الله العدو أبعده عن كل خير، وقال أبو عبيدة : من المهلكين، قال البقاعي : فيا ليت شعري أي صراحة بعد هذا في أنّ فرعون عدوّ الله في الآخرة كما كان عدوّ الله في الدنيا فلعنة الله على من يقول إنه مات مؤمناً وأنه لا صراحة في القرآن بأنه من أهل النار وعلى من يشك في كفره بعدما ارتكبه من جلي أمره انتهى، وقد قدّمت الكلام في سورة يونس على قول فرعون ﴿وأنا من المسلمين﴾ ( يونس : ٩٠ ).
القصص 28:43
ثم إنه تعالى أخبر عن أساس إمامة بني إسرائيل مقسماً عليه مع الافتتاح بحرف التوقع بقوله :﴿ولقد آتينا﴾ أي : بما لنا من الجلال والكمال ﴿موسى الكتاب﴾ أي : التوراة الجامعة للهدى والخير في الدارين، قال أبو حيان : وهو أوّل كتاب نزلت فيه الفرائض والأحكام.
﴿من بعدما أهلكنا القرون الأولى﴾ أي : من قوم نوح إلى قوم فرعون وقوله تعالى ﴿بصائر للناس﴾ حال من الكتاب جمع بصيرة وهي نور القلب أي : أنوار القلوب فيبصر بها الحقائق ويميز بين الحق والباطل كما أنّ البصر نور العين الذي تبصر به ﴿وهدى﴾ أي : للعامل بها إلى كل خير ﴿ورحمة﴾ أي : نعمة هنيئة شريفة لأنها قائدة إليهما. ولما ذكر حالها ذكر حالهم بعد إنزالها بقوله تعالى :﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي : ليكون حالهم حال من يرجى تذكره.
القصص 28:44
ثم إنّ الله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿وما كنت﴾ أي : يا أفضل الخلق ﴿بجانب الغربي﴾ قال قتادة : بجانب الجبل الغربي، وقال الكلبي : بجانب الوادي الغربي أي : الوادي من الطور الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار وهو ما يلي البحر من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرّفة من ناحية مصر فناداه فيه العزيز الجبار وهو ذو طوى ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قضينا﴾ أي : أوحينا ﴿إلى موسى الأمر﴾ أي : أمر الرسالة إلى فرعون وقومه وما يريد أن يفعل من ذلك في أوّله وأثنائه وآخره مجملاً فكان كل ما أخبرنا به مطابقاً تفصيله لإجماله ﴿وما كنت﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿من الشاهدين﴾ لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه لموسى عليه السلام حتى تخبر به كله على هذا الوجه الذي آتيناك به في هذه الأساليب المعجزة.
القصص 28:45
ولا شك أنّ معرفتك لذلك من قبيل الأخبار عن المغيَّبات التي لا تعرف إلا بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله تعالى :﴿ولكنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أنشأنا﴾ بعدما أهلكنا أهل ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة وهم السبعون المختارون للميقات أو بالإخبار كلهم ﴿قروناً﴾ أي : أمما كثيرة بعد موسى عليه السلام ﴿فتطاول﴾ أي : بمروره وعلوه ﴿عليهم العمر﴾ أي : ولكنا أوحينا إليك أنا أنشأنا قروناً مختلفة بعد موسى عليه السلام فتطاولت عليهم المدد فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي فحذف المستدرك وهو أوحينا وأقام سببه وهو الإنشاء مقامه على عادة الله تعالى في اختصاراته فهذا الاستدراك شبيه بالاستداركين بعده، فإن قيل : ما الفائدة في إعادة قوله تعالى :﴿وما كنت من الشاهدين﴾ بعد قوله :﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ لأنه ثبت بذلك أنه لم يكن شاهداً لأنّ الشاهد لا بدّ أن يكون حاضراً ؟ أجيب : بأنّ ابن عباس قال : التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت ما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.
وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضمّ الهاء والميم، وحمزة في الوقف بضمّ الهاء وسكون الميم، والباقون في الوصل بكسر الهاء وضمّ الميم. ولما نفى العلم عن ذلك بطريق الشهود نفي سبب العلم بذلك بقوله تعالى :﴿وما كنت ثاوياً﴾ أي : مقيماً إقامة طويلة مع الملازمة بمدين ﴿في أهل مدين﴾ أي : قوم شعيب عليه السلام كمقام موسى وشعيب فيهم ﴿تتلوا﴾ أي : تقرأ ﴿عليهم﴾ تعلماً منهم ﴿آياتنا﴾ العظيمة التي منها قصتهما لتكون ممن يهتم بأمور الوحي ويتعرّف دقيق أخباره فيكون خبرهم وخبر موسى عليه السلام معك ﴿ولكنا كنا مرسلين﴾ إياك رسولاً وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار تتلوها عليهم ولولا ذلك ما علمتها ولم تخبرهم بها.
القصص 28:46
﴿وما كنت بجانب الطور﴾ أي : بناحية الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿نادينا﴾ أي : أوقعنا النداء لموسى عليه السلام فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا أو من قبله، ومن المشهور أنك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله لأنك ما خالطت أحداً ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه السلام ولا أحداً حملها ممن حملها عنه ولكن كان ذلك إليك منا، وهو معنى قوله تعالى ﴿ولكن﴾ أي : أنزلنا ما أردنا وأرسلناك به ﴿رحمة من ربك﴾ لك خصوصاً وللخلق عموماً.
وقيل : إذ نادينا موسى خذ الكتاب بقوّة، وقال وهب : قال موسى يا رب أرني محمداً قال : إنك لن تصل إلى ذلك وإن شئت ناديت أمّته وأسمعتك صوتهم قال : بلى يا رب فقال الله تعالى : يا أمّة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم، وقال أبو زرعة : نادى يا أمّة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وروي عن ابن عباس ورفعه بعضهم : قال الله تعالى يا أمّة محمد فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات لبيك اللهمّ لبيك إن الحمد لله والنعمة لك والملك لا شريك لك، قال الله تعالى يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي وعفوي عقابي قد أعطيتكم قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم من قبل أن تستغفروني من جاء يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً عبدي ورسولي دخل الجنة وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر.
تنبيه : قال البيضاوي : لعل المراد به أي : بقوله تعالى :﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ ( القصص : ٤٦ ) وقت ما أعطاه التوراة وبالأول أي : قوله تعالى :﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا﴾ حيث استنبأناه لأنهما المذكوران في القصة وقوله تعالى ﴿لتنذر﴾ أي : لتحذر تحذيراً كثيراً ﴿قوماً﴾ أي : أهل قوّة ونجدة ليس بهم عائق عن أعمال الخير العظيمة إلا الإعراض عنك، وهم العرب ومن في ذلك الزمان من الخلق يتعلق بالفعل المحذوف ﴿ما أتاهم﴾ وعمم النفي بزيادة الجار في قوله تعالى :﴿من نذير﴾ وزيادة الجار في قوله تعالى ﴿من قبلك﴾ يدل على الزمن القريب وهو زمن الفترة بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام وهو خمسمائة وخمسون سنة ونحو هذا قوله تعالى :﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ ( يس : ٦ ) وقيل : ليس المراد زمن الفترة بل ما بينه وبين إسماعيل عليهما السلام على أنّ دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حولهم ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي : يتعظون.
القصص 28:47
﴿ولولا أن تصيبهم﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿مصيبة﴾ أي : عظيمة ﴿بما قدّمت أيديهم﴾ أي : من المعاصي التي قضينا بأنها مما لا يعفى عنها ﴿فيقولوا ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا ﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿أرسلت إلينا﴾ أي : على وجه التشريف لنا لنكون على علم بأنا ممن يعتني الملك الأعلى به ﴿رسولاً﴾ وأجاب التحضيض الذي شبهوه بالأمر ليكون كل منهما باعثاً على الفعل بقوله تعالى :﴿فنتّبع﴾ أي : فيتسبب عن إرسال رسولك أن نتبع ﴿آياتك ونكون﴾ أي : كوناً هو في غاية الرسوخ ﴿من المؤمنين﴾ أي : المصدقين لك في كل ما أتى به عنك رسولك.
تنبيه ( لولا ) الأولى : امتناعية وجوابها محذوف تقديره كما قال الزجاج ما أرسلنا إليهم رسولاً يعني أنّ الحامل على إرسال الرسل إزاحة عللهم بهذا القول فهو كقوله تعالى :﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ ( النساء : ١٦٥ ) والثانية : تحضيضية ونتبع جوابها كما مرّ فلذلك أضمر أن، فإن قيل : كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه ؟.
أجيب : بأنّ القول هو المقصود بأن يكون سبباً للإرسال ولكنّ العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب للإرسال بواسطة القول فأدخلت عليها ( لولا ) وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية ويؤول معناه إلى قولك ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم وقد عاينوا ما ألجؤا به إلى العلم اليقيني ببطلان دينهم لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً بل إنما يقولون إذا نالهم العقاب، وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم عز وجل وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم ما لا يخفي وهو كقوله تعالى :﴿ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ ( الأنعام : ٢٨ ).
القصص 28:48
ولما كان التقدير ولكنا أرسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه بنى عليه ﴿فلما جاءهم﴾ أي : أهل مكة ﴿الحق﴾ أي : الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما يقاس عليهما وهو في نفسه جدير بأن يقبل لكونه في الذروة العليا من الثبات فكيف وهو ﴿من عندنا﴾ على ما لنا من العظمة وهو على لسانك وأنت أعظم الخلق ﴿قالوا﴾ أي : أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتا وكفراً به ﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿أوتي﴾ أي : هذا الآتي بما يزعم أنه الحق من الآيات ﴿مثل ما أوتي موسى﴾ من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما من كون الكتاب أنزل عليه جملة واحدة قال الله تعالى :﴿أو لم يكفروا﴾ أي : العرب ومن بلغته الدعوة من بني إسرائيل ومن كان مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى ﴿بما أوتي موسى﴾ عليه السلام من قبل أي : من قبل مجيء الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ولما كان كأنه قد قيل ما كان كفرهم به قيل ﴿قالوا﴾ أي : فرعون وقومه ومن كفر من بني إسرائيل ﴿ساحران﴾ أي : موسى وأخوه عليهما السلام ﴿تظاهرا﴾ أي : أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزاً فغلبا جميع السحرة وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين على قراءة الكوفيين بكسر السين وسكون الحاء، وقرأ الباقون بفتح السين وكسر الحاء وألف بينهما.
تنبيه : يجوز أن يكون الضمير لمحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، قال البقاعي : وهو أقرب وذلك لأنه روي أن قريشاً جاءت إلى اليهود فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أنّ نعته في كتابهم فقالوا هذه المقالة فيكون الكلام استئنافاً لجواب من كأنه قال : ما كان كفرهم بهما ؟ فقيل قالوا أي : العرب : الرجلان ساحران أو الكتابان ساحران ظاهر أحدهما الآخر مع علم كل ذي لب أنّ هذا القول زيف لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر لكان سحر فرعون أعجز إعجازاً لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارضة ما أظهر موسى عليه السلام من آياته كالعصا، وأمّا محمد صلى الله عليه وسلم فقد دعا أهل الأرض من الجنّ والأنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً فعجزوا عن آخرهم.
ولما تضمن قولهم ذلك الكفر صرّحوا به ﴿وقالوا﴾ أي : كفار قريش ﴿إنا بكل﴾ أي : من الساحرين أو السحرين اللذين تظاهرا بهما وهما ما أتيا به من عند الله ﴿كافرون﴾ جراءة على الله تعالى وتكبراً على الحق.
القصص 28:49
ثم قال الله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم إلزاماً إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه السلام ﴿فأتوا بكتاب من عند الله﴾ أي : الملك العلي الأعلى ﴿هو﴾ أي : الذي تأتون به ﴿أهدى منهما﴾ أي : من الكتابين وقوله ﴿أتبعه﴾ أي : وأتركهما جواب الأمر وهو فأتوا ﴿إن كنتم﴾ أي : أيها الكفار ﴿صادقين﴾ أي : في أنا ساحران فأتوا بما ألزمتكم به، قال البيضاوي : وهذا من الشروط التي يراد بها الإلزام والتبكيت ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم.
القصص 28:50
﴿فإن لم يستجيبوا لك﴾ أي : دعاءك إلى الكتاب الأهدى فحذف المفعول للعلم به ولأن فعل الاستجابة يتعدّى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي فإذا عدي إليه حذف الدعاء غالباً كقول القائل :
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندا؍ فلم يستجبه عند ذاك مجيب؍
وداعٍ ( أي : ورب داع ).
الشاهد في يستجبه حيث عدّاه إلى الداعي وحذف الدعاء والتقدير فلم يستجب دعاءه ﴿فاعلم﴾ أنت ﴿أنما يتبعون﴾ أي : بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفر والتكذيب ﴿أهواءَهم﴾ أي : دائماً وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ضالون غير مهتدين بل هم أضلّ الناس وذلك معنى قوله تعالى :﴿ومن أضلّ ممن اتبع﴾ أي : بغاية جهده ﴿هواه﴾ أي : لا أحد أضل منه فهو استفهام بمعنى النفي وقوله تعالى :﴿بغير هدى من الله﴾ في موضع الحال للتوكيد والتقييد فإن هوى النفس قد يوافق الهدى ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي : وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهواءهم.
القصص 28:51
﴿ولقد وصلنا﴾ قال ابن عباس : بيّنا، وقال الفراء : أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً ﴿لهم﴾ أي : خاصة فكان تخصيصهم بذلك منّة عظيمة يجب عليهم شكرها ﴿القول﴾ أي : القرآن، قال مقاتل : بيَّنا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم وقال ابن زيد : وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي : ليكون حالهم حال من يرجى لهم أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق.
القصص 28:52
ثم كأنه قيل هل تذكر منهم أحد ؟ قيل نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقاً تذكروا وذلك معنى قوله تعالى :﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله﴾ أي : قبل القرآن أو قبل محمد صلى الله عليه وسلم ﴿هم به﴾ أي : بما تقدّم ﴿يؤمنون﴾ أيضاً : نزل في جماعة أسلموا من اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال مقاتل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن جبير هم أربعون رجلاً قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا له يا نبيّ الله إنّ لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فنزل فيهم ذلك إلى قوله تعالى :﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وعن ابن عباس : نزلت في ثمانين من أهل الكتاب أربعون من نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام.
القصص 28:53
ثم وصفهم الله تعالى بقوله تعالى :﴿وإذا يتلى﴾ أي : تتجدّد تلاوة القرآن ﴿عليهم قالوا﴾ أي : مبادرين لذلك ﴿آمنا به﴾ ثم عللوا ذلك بقولهم ﴿إنه الحق﴾ أي : الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل مع كونه ﴿من ربنا﴾ أي : المحسن إلينا ثم عللوا مبادرتهم بقولهم ﴿إنا كنا من قبله﴾ أي : القرآن ﴿مسلمين﴾ أي : منقادين غاية الانقياد مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبيّ حق.
القصص 28:54
﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿يؤتون أجرهم مرّتين﴾ أي : لإيمانهم به غيباً وشهادة أي : بالكتاب الأوّل ثم بالكتاب الثاني ﴿بما صبروا﴾ أي : بسبب صبرهم على دينهم، وقال مجاهد : نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأؤذوا، وعن أبي بردة عن أبي موسى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوّجها، ورجل كان من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله تعالى ونصح لسيده » ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوي قال تعالى عاطفاً على يؤمنون مشيراً إلى تجديد هذه الأفعال كل حين ﴿ويدرؤن﴾ أي : يدفعون ﴿بالحسنة﴾ من الأقوال والأفعال ﴿السيئة﴾ أي : فيمحونها بها، وقال ابن عباس : يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، وقال مقاتل : يدفعون بها ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين أي : بالصفح والعفو. ﴿ومما رزقناهم﴾ أي : بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوّة قليلاً كان أو كثيراً ﴿ينفقون﴾ أي : يتصدّقون معتمدين في الخلف على الذي رزقه.
القصص 28:55
ولما ذكر الله أنّ السماح بما تضنّ النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان أتبعه أنّ خزن ما تبذله الأنفس من فضول الأقوال من علامات العرفان بقوله تعالى :﴿وإذا سمعوا اللغو﴾ أي : ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب وتعيير ونحوه ﴿أعرضوا عنه﴾ تكرّماً عن الخنا، وقيل اللغو : القبيح من القول ؛ وذلك أنّ المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون لهم تباً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم ﴿وقالوا﴾ وعظاً وتسميعاً لقائله ﴿لنا﴾ خاصة ﴿أعمالنا﴾ لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون ﴿ولكم﴾ أي : خاصة ﴿أعمالكم﴾ لا نطالب بشيء منها فنحن لا نشتغل بالرد عليكم ﴿سلام عليكم﴾ متاركة لهم وتوديعاً ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه، لا سلام تحية وإكرام، ونظير ذلك ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ ( الفرقان، ٦٣ ) ثم أكد ذلك تعالى بقوله تعالى : حاكياً عنهم ﴿لا نبتغي﴾ أي : لا نكلف أنفسنا أن نطلب ﴿الجاهلين﴾ أي : لا نريد شيئاً من أموالهم وأقوالهم أو غير ذلك من خلالهم، وقيل لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه قيل نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأنّ ترك المسافهة مندوب إليه وإن كان القتال واجباً.
القصص 28:56
ونزل في حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمان عمه أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ أي : نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه. روى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ؛ فقال :« أي عمّ ؛ قل لا إله إلا الله ؛ كلمة أحاجّ لك بها عند الله ». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ! فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعرضها ويصدانه بتلك الكلمة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عن ذلك ». فأنزل الله تعالى :﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ ( التوبة : ١١٣ ). وأنزل الله تعالى في أبي طالب ؛ فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ الآية.
وفي مسلم عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمره بالتوحيد ؛ فقال له : لولا أن تعيرني قريش - تقول إنما حمله على ذلك الجزع - لأقررت بها عينك. فأنزل الله تعالى الآية. وروي أنّ أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني هاشم ؛ أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا ؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«يا عمّ ؛ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك ! ». قال : فما تريد يا ابن أخي ؟ قال :« أريد منك كلمة واحدة ؛ فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا ؛ تقول لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله ». قال : يا ابن أخي ؛ قد علمت أنك صادق ؛ ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت. ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة وسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدّة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ : عبد المطلب وعبد مناف. فإن قيل قال الله تعالى في هذه الآية :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، وقال تعالى في آية أخرى :﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ ( الشورى : ٥٢ )، أجيب : بأنه لا تنافي بينهما ؛ فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة، والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدور ؛ وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب ؛ كما قال تعالى :﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ ( الأنعام : ١٢٢ ). ﴿وهو أعلم﴾ أي : عالم ﴿بالمهتدين﴾ أي : الذين قد هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم سواء كانوا من أهل الكتاب أم من العرب أقارب كانوا أم أباعد.
القصص 28:57
ثم حكى الله تعالى عن كفار قريش شبهة تتعلق بأحوال الدنيا بقوله تعالى :﴿وقالوا إن نتبع الهدى﴾ أي : الإسلام فنوحد الله تعالى من غير إشراك ﴿معك﴾ وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس ﴿نتخطف﴾ أي : من أيّ خاطف أرادنا لأنا نصير قليلاً في كثير من غير نصير ﴿من أرضنا﴾ كما تتخطف العصافير لمخالفة كافة العرب لنا وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوّتهم فيسرعوا إلينا فيتخطفونا، أي : يتقصدون خطفنا واحداً واحداً فإنه لا طاقة لنا على إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض.
قال المبرد : والخطف الانتزاع بسرعة نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكنا إن اتبعناك على دينك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة رأس خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة، ثم ردّ الله تعالى عليهم هذه الشبهة وألقمهم الحجر بقوله تعالى :﴿أو لم نمكن﴾ أي : غاية التمكين ﴿لهم﴾ أي : في أوطانهم ومحلّ سكناهم بما لنا من القدرة ﴿حرماً آمنا﴾ أي : ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها حتى إن سيل الحلّ لا يدخل الحرم بل إذا وصل إليه عدل عنه، وروي أنّ مكة كانت في الجاهلية لا يعرضها ظلم ولا بغي ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يتعرّض له بسوء، وروى الأزرقي في تاريخ مكة عن حويطب بن عبد العزى قال : كان في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت يده فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشلّ.
وعن ابن عباس قال : أخذ رجل ذود ابن عمّ له فأصابه في الحرم فقال : ذودي فقال اللص : كذبت قال فاحلف فحلف عند المقام فقام ربّ الذود بين الركن والمقام باسطاً يديه يدعو فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح بمكة مالي ولفلان رب الذود فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الذود ودفعه إلى المظلوم فخرج به وبقي الآخر حتى وقع من جبل فتردّى فأكلته السباع.
وعن ابن جريج : أنّ غير قريش من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ثياباً فجاءت امرأة لها جمال فطافت عريانة فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها فخرجا من المسجد هاربين فزعين على وجوههما لما أصابهما من العقوبة فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا فعادا ودعوا وأخلصا النية فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية.
وعن عبد العزيز بن رواد أنّ قوماً انتهوا إلى ذي طوى فإذا ظبي قد دنا منهم فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه : ويحك أرسله فجعل يضحك وأبى أن يرسله فبعر الظبي وبال ثم أرسله فناموا في القائلة ثم انتبهوا فإذا بحية متطوّقة على بطن الرجل الذي أخذ الظبي فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحدث مثل ما كان من الظبي.
وعن مجاهد قال : دخل قوم مكة تجاراً من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام فرمى رجل منهم ظبية من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها ليأتدموا بها فبينما قدرهم على النار يغلي لحمه إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعاً ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم.
وعن أيوب بن موسى أنّ امرأة في الجاهلية كان معها ابن عمّ لها صغير فقالت له : يا بني إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد فإن جاءك ظالم بعدي فإنّ لله بمكة بيتاً سيمنعك فجاءه رجل فاسترقه فلما رأى الغلام البيت عرفه بالصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت فجاءه سيده فمدّ يده إليه ليأخذه فيبست يده فمدّ الأخرى فيبست فاستفتى فأفتي أن ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة ففعل فأطلقت يداه وترك الغلام وخلى سبيله.
وعن أبي ربيع بن سالم الكلاعي أنّ رجلاً من كنانة بن هذيل ظلم ابن عمّ له فخوّفه بالدعاء في الحرم فقال هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في الدعاء في الحرم فجاء في الحرم في الشهر الحرام فقال اللهمّ إني أدعوك جاهداً مضطرّاً على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق فما زال ينتفخ حتى انشق.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل رجلاً من بني سليم عن ذهاب بصره فقال يا أمير المؤمنين كنا بني ضبعاء عشرة وكان لنا ابن عمّ فكنا نظلمه فكان يذكرنا الله والرحم فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه ويقول :
لا همّ أدعوك دعاء جاهداً؍ اقتل بني ضبعاء إلا واحداً؍
ثم اضرب الرجل ودعه قاعداً؍ أعمى إذا قيد يعيي القائداً؍
قال فمات أخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد وبقيت أنا فعميت ورماني الله عز وجل في رجلي فليس يلائمني قائد فقال عمر رضى الله تعالى عنه جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها ليرجع الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة فلما جاء الدين صار التوعد للساعة ويستجيب الله تعالى لمن يشاء فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين وإنما أكثرت من هذه الحكايات ليكون الداخل للحرم على حذر فإنّ الله تعالى حماه ومكَّن أهله في الحرم الذي أمنَّه بحرمة البيت وأمن قطانه بحرمته وكانت العرب في الجاهلية حولهم يتغاورون ويتناجدون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون وبحرمة البيت هم قارّون بواد غير ذي زرع والثمرات والأرزاق تجبى إليهم كما قال تعالى :﴿يجبى﴾ أي : يجمع ويحمل ﴿إليه﴾ أي : خاصة دون غيره من جزيرة العرب ﴿ثمرات كل شيء﴾ من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والنبق، والباردة كالعنب والتفاح والرمّان والخوخ، فإذا خولهم الله تعالى ما خوّلهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام فكيف يستقيم أن يعرّضهم للخوف والتخطف ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز.
تنبيه : معنى الكلية هنا الكثرة كقوله تعالى :﴿وأوتيت من كل شيء﴾ ( النمل : ٢٣ )
ولكن في تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال ما لم يخطر لأحد منهم في بال، وقرأ نافع بالتاء الفوقية، والباقون بالياء التحتية، وأمال حمزة والكسائي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، ثم إنه تعالى بين أنّ الرزق من عنده بقوله تعالى :﴿رزقاً من لدنا﴾ أي : فلا صنع لأحد فيه بل هو محض تفضل.
تنبيه : انتصاب رزقاً على المصدر من معنى يجبى أو الحال من ثمرات لتخصيصها بالإضافة كما تنصب عن النكرة المخصصة وإن جعلته اسماً للمرزوق انتصب على الحال من ثمرات ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي : أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له ﴿لا يعلمون﴾ أي : ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بل هم جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا، وقيل : إنه متعلق بقوله تعالى :﴿من لدنا﴾ أي : قليل منهم يتدبرون فيعلمون أنّ ذلك رزق من عند الله إذ لو علموا لما خافوا غيره.
القصص 28:58
ثم بين تعالى أنّ الأمر بالعكس فإنهم أحقِّاء بأن يخافوا من بأس الله تعالى على ما هم عليه بقوله تعالى :﴿وكم أهلكنا من قرية﴾ أي : من أهل قرية وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله تعالى :﴿بطرت معيشتها﴾ أي : وقع منها البطر في زمن عيشها الرخيّ الواسع فكان حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم، ومعنى بطرهم لها قال عطاء : أنهم أكلوا رزق الله وعبدوا غيره، وقيل : البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه.
تنبيه : انتصاب معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كما في قوله تعالى :﴿واختار موسى قومه﴾ ( الأعراف : ١٥٥ ) أو بتقدير حذف ظرف الزمان وأصله بطرت أيام معيشتها، وإما بتضمين بطرت معنى كفرت أو خسرت، أو على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول به وهو قريب من سفه نفسه ﴿فتلك مساكنهم﴾ خاوية ﴿لم تسكن من بعدهم﴾ بعد أن طال ما تعالوا فيها ونمَّقوها وزخرفوها وزفوا فيها الأبكار وفرحوا بالأعمال الكبار ﴿إلا﴾ سكوناً ﴿قليلاً﴾ قال ابن عباس : لم يسكنها إلا المسافرون ومارّوا الطريق يوماً أو ساعة من ليل أو نهار ثم تصير يباباً موحشة كالقفار بعد أن كانت متمنعة الفناء ببيض الصفاح وسمر القنا، قال الزمخشري : ويحتمل أنّ شؤم معاصي المهلكين بقي في أثره ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً ﴿وكنا﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿نحن﴾ لا غيرنا ﴿الوارثين﴾ منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرّف تصرّفهم في ديارهم وسائر متصرّفاتهم قال القائل :
تتخلف الآثار عن أصحابها؍ حيناً ويدركها الفناء فتتبع؍
القصص 28:59
﴿وما كان ربك﴾ أي : المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس ﴿مهلك القرى﴾ أي : هذا الجنس كله بجرم وإن عظم ﴿حتى يبعث في أمّها﴾ أي : أعظمها وأشرفها ﴿رسولاً﴾ لأنّ غيرها تبع لها ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه السلام من الناصرة وبعث إلى بيت المقدس ﴿يتلوا عليهم﴾ أي : أهل القرى كلهم ﴿آياتنا﴾ الدالة على ما ينبغي لنا من الحكمة وبما لها من الإعجاز على نفوذ الكلمة وباهر العظمة إلزاماً للحجة وقطعاً للمعذرة لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً، ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء من أم القرى كلها وهي مكة البلد الحرام ﴿وما كنا مهلكي القرى﴾ أي : كلها بعد الإرسال ﴿إلا وأهلها ظالمون﴾ أي : عريقون في الظلم بالعصيان بترك ثمرات الإيمان وتكذيب الرسل.
القصص 28:60
﴿وما أوتيتم من شيء﴾ أي : من أسباب الدنيا ﴿فمتاع﴾ أي : فهو متاع ﴿الحياة الدنيا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم وليس يعود نفعه إلى غيرها فهو آيل إلى فساد وإن طال زمن التمتع به ﴿وزينتها﴾ أي : فهو زينة الحياة الدنيا التي هي كلها فضلاً عن زينتها إلى فناء فليست هي ولا شيء بأزلي ولا أبدي ﴿وما عند الله﴾ أي : الملك الأعلى وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿خير﴾ على تقدير مشاركة ما في الدنيا له فالخيرية في ظنكم لأنّ الذي عنده أطيب وأكثر وأشهى وأزهى ﴿و﴾ هو مع ذلك كله ﴿أبقى﴾ لأنه وإن شارك متاع الدنيا في أنه لم يكن أزلياً فهو أبدي وهذا جواب عن شبههم فإنهم قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أنّ ذلك خطأ عظيم لأنّ ما عند الله خير وأبقى من وجهين : الأوّل : أنّ المنافع هناك أعظم، والثاني : أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل المضار فيها أكثر، وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومن قابل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً فظهر بهذا أنّ منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة فلا جرم نبه على ذلك بقوله تعالى :﴿أفلا يعقلون﴾ أنّ الباقي خير من الفاني فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير فمن لم يرجِّح منافع الآخرة على منافع الدنيا فإنه يكون خارجاً عن حدّ العقل، قال ابن عادل ورحم الله الشافعيّ حيث قال : من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى لأنّ أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة، فكأنه رحمه الله تعالى إنما أخذه من هذه الآية انتهى، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة لاشتماله على الالتفات للإعراض به عن خطابهم، والباقون بالتاء على الخطاب جرياً على ما تقدّم.
القصص 28:61
﴿أفمن وعدناه﴾ على عظمتنا في الغنى والقدرة والصدق ﴿وعداً حسناً﴾ لا شيء أحسن منه في موافقته للأمنية وبقائه وهو الجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود ولذلك سمى الله تعالى الجنة بالحسنى ﴿فهو لاقيه﴾ أي : مدركه لامتناع الخلف في وعده ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية ﴿كمن متعناه متاع الحياة الدنيا﴾ أي : الذي هو مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب للتحسر على الانقطاع، وعن ابن عباس أن الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف : المؤمن والمنافق والكافر فالمؤمن يتزوّد والمنافق يتزين والكافر يتمتع ﴿ثم هو﴾ مع ذلك كله ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو يوم التغابن من خسر فيه لم يربح أصلاً ﴿من المحضرين﴾ أي : المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه، قال قتادة يحضره المؤمن والكافر، قال مجاهد : نزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، وقال محمد بن كعب نزلت في حمزة وعلي وفي أبي جهل، وقال السدّي : نزلت في عمار والوليد بن المغيرة.
تنبيه : ثم لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع في الزمان أو الرتبة، وقرأ ثم هو قالون والكسائي بسكون الهاء، والباقون بالضم.
القصص 28:62
﴿ويوم﴾ أي : واذكر يوم ﴿يناديهم﴾ أي : ينادي الله هؤلاء الذين يضلون الناس ويصدّون عن سبيل الله ﴿فيقول﴾ أي : الله تعالى ﴿أين شركائي﴾ من الأوثان وغيرهم ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله تعالى :﴿الذين كنتم﴾ أي : كوناً عريقين فيه ﴿تزعمون﴾ أنها تشفع ليدفعوا عنكم وعن أنفسهم فيخلصكم من هذا الذي نزل بكم.
تنبيه : تزعمون مفعولاه محذوفان أي : تزعمونهم شركائي.
القصص 28:63
﴿قال الذي حق﴾ أي : ثبت ووجب ﴿عليهم القول﴾ أي : بدخول النار وهم رؤوس الضلالة وهو قوله تعالى :﴿لأملأن جهنم من الجِنّة والناس أجمعين﴾ ( هود، ١١٩ ) وغيره من آيات الوعيد وقولهم ﴿ربنا هؤلاء﴾ إشارة للإتباع ﴿الذين أغوينا﴾ أي : أوقعنا الإغواء وهو الإضلال بهم صفته والعائد حذف وقولهم ﴿أغويناهم﴾ أي : فغووا باختيارهم ﴿كما غوينا﴾ أي : نحن فهؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى الموصول محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا لا أنّ فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء، أو دعونا إلى الغي وسوّلوه لنا فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأنّ إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً لا قسراً وإلجاء فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا لهم داعياً إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وبما بعث إليهم من الرسل وأنزل إليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر وداعياً إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله تعالى عن الشيطان :﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ ( إبراهيم، ٢٢ ).
تنبيه : اعترض أبو علي على الزمخشريّ في هذا الإعراب بأن الخبر ليس فيه زيادة فائدة على ما في صفته، فإن قلت قد وصل الخبر بقوله كما غوينا وفيه زيادة قلت الزيادة بالظرف لا تصيِّره أصلاً في الجملة لأنّ الظروف فضلات، ثم إنه أعرب هو هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا خبره وأغويناهم مستأنف، وأجاب أبو البقاء وغيره بأن الظروف قد تلزم كقولك زيد عمرو قائم في داره ثم أشاروا بقولهم ﴿تبرأنا إليك﴾ أي : من أمورهم إلى أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم فهو تقرير للجملة الأولى ولهذا خلت عن العاطف وعلى تقدير إغوائنا لهم ﴿ما كانوا إيانا﴾ أي : خاصة ﴿يعبدون﴾ بل كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه نوع دعاء إليه وحث عليه فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على من كان سبباً في ذلك، وقيل ما مصدرية متصلة بتبرأنا أي : تبرأنا من عبادتهم إيانا.
القصص 28:64
ولما لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عدّ عدماً لأنه لا طائل تحته أشير إلى الإعراض عنه لأنه لا يستحق جواباً كما قيل رب قول جوابه السكوت، بقوله تعالى :﴿وقيل﴾ أي : ثانياً للأتباع تهكماً بهم وإظهاراً لعجزهم الملزوم لتحيرهم وعظم تأسفهم وذكر ذلك بصيغة المجهول للاستهانة بهم وأنهم من الذل والصغار بحيث يجيبون كل آمر كائناً من كان ﴿ادعوا﴾ أي : كلكم ﴿شركاءكم﴾ أي : الذين ادعيتم جهلاً شركتهم ليدفعوا عنكم العذاب ﴿فدعوهم﴾ تعللاً بما لا يغني وتمسكاً بما يتحقق أنه لا يجدي لفرط الغلبة واستيلاء الحيرة والدهشة ﴿فلم يستجيبوا لهم﴾ أي : لم يجيبوهم لعجزهم عن الإجابة والنصرة، قال ابن عادل : والأقرب أنّ هذا على سبيل التقريع لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم ﴿ورأوا﴾ أي : هم ﴿العذاب﴾ عالمين بأنه مواقعهم لا مانع له عنهم فكان الحال حينئذ مقتضياً لأن يقال من كل من يهواهم ﴿لو أنهم كانوا يهتدون﴾ أي : تحصل منهم هداية ساعة من الدهر تأسفاً على أمرهم وتمنياً لخلاصهم ولو أن ذلك كان في طاقتهم وجواب لو محذوف أي : لنجوا من العذاب ولما رأوه أصلاً، قال الضحاك ومقاتل : يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة.
القصص 28:65
﴿ويوم يناديهم﴾ أي : الله تعالى وهم بحيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر قد برزوا لله جميعاً من كان منهم عاصياً ومن كان منهم مطيعاً في صعيد واحد قد أخذنا بأنفاسهم الزحام وتراكب الأقدام على الأقدام وألجمهم العرق وعمهم الغرق ﴿فيقول ماذا﴾ أي : أوضحوا وعينوا جوابكم الذي ﴿أجبتم المرسلين﴾ إليكم.
تنبيه : ويوم معطوف على الأوّل فإنه تعالى يسأل عن إشراكهم به ثم تكذيبهم الأنبياء.
القصص 28:66
ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج لم يكن لهم جواب إلا السكوت وهو المراد بقوله تعالى :﴿فعميت﴾ أي : خفيت وأظلمت ﴿عليهم الأنباء﴾ أي : الأخبار المنجية ﴿يومئذ﴾ التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر.
تنبيه : الأصل فعموا عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يفيض ويرد عليه من خارج وإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره وإذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك اليوم يفوِّضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضلال فلهذا قال تعالى :﴿فهم لا يتساءلون﴾ أي : لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب لفرط الدهشة أو للعلم بأنه مثله هذا حال من أصر على كفره.
القصص 28:67
﴿فأما من تاب﴾ عنه وقوله تعالى :﴿وآمن﴾ تصريح بما علم التزاماً فإن الكفر والإيمان ضدّان لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر وقوله تعالى :﴿وعمل صالحاً﴾ لأجل أن يكون مصدقاً لدعواه باللسان ﴿فعسى﴾ إذا فعل ذلك ﴿أن يكون من المفلحين﴾ عند الله وعسى تحقيق على عادة الكرام، أو ترجّ من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح.
القصص 28:68
ولما كان كأنه قيل ما لأهل القسم الأوّل لا يتوخون النجاة من ضيق ذلك البلاء إلى رحب هذا الرجاء وكان الجواب ربك منعهم من ذلك، وما له لم يقطع لهذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأوّل بالشقاء كان الجواب ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ لا موجب عليه ولا مانع له ﴿ما كان لهم الخيرة﴾ أي : أن يفعلوا يفعل لهم كل ما يختارونه.
تنبيه : الخيرة بمعنى التخير كالطيرة بمعنى التطير، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأساً، قال البيضاوي والأمر كذلك عند التحقيق فإن اختيار العبيد مخلوق منوط بدواع لا اختيار لهم فيها، وقال الرازي في اللوامع : وفيه دليل على أنّ العبد في اختياره غير مختار فلهذا أهل الرضا حطوا الرحال بين يدي ربهم وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا وإن أصابهم سهام المصائب العظام صابروا وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا وإن أذلهم رضوا وسلموا فلا يرضيهم إلا ما يرضيه ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه، قال القائل :
وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي؍ متأخر عنه ولا متقدّم؍
أجد الملامة في هواك لذيذة؍ حباً لذكرك فليلمني اللوّم؍
وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً؍ ما من يهون عليك ممن يكرم؍
وقيل : ما موصولة مفعول ليختار والراجع محذوف، والمعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة أي : الخير والصلاح ﴿سبحان الله﴾ تنزيهاً له أن يزاحمه أحد أو ينازع اختياره ﴿وتعالى﴾ أي : علا علواً لا تبلغ العقول توجيه كنه مداه ﴿عما يشركون﴾ أي : عن إشراكهم أو مشاركة ما يشاركونه به.
القصص 28:69
ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم قال تعالى :﴿وربك﴾ أي : المحسن إليك المتولي أمر تربيتك ﴿يعلم ما تكنّ﴾ أي : تخفي وتستر ﴿صدورهم﴾ من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى عليه السلام، أو لا يؤمنون ومن كون ما أظهر من أظهر الإيمان بلسانه خالصاً أو مشوباً، ومن كونهم يخفون عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وما يعلنون﴾ أي : يظهرون من ذلك كل ذلك لديه سواء فلا يكون لهم مراد إلا يخلقه، فإن قيل : هلا اكتفى بقوله تعالى :﴿ما تكنّ صدورهم﴾ عن قوله :﴿وما يعلنون﴾ أجيب : بأنّ علم الخفي لا يستلزم علم الجليّ إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك.
القصص 28:70
ولما كان علمه تعالى بذلك إنما هو لكونه إلهاً واحداً فرداً صمداً وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه قال تعالى :﴿وهو الله﴾ أي : المستأثر بالإلهية الذي لا سميّ له الذي لا يحيط الواصفون بكنه عظمته، ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله تعالى :﴿لا إله إلا هو﴾ وهذا تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات منزهاً عن النقائص والآفات، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿له﴾ أي : وحده ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿في الأولى والآخرة﴾ لأنه المولي للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا، فإن قيل : الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة ؟ أجيب : بأنهم يحمدونه بقولهم ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ ( فاطر : ٣٤ ) ﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ ( الزمر : ٧٤ ) ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ ( يونس : ١٠ ) والتوحيد هناك على وجه اللذة لا الكلفة، وفي الحديث «يلهمون التسبيح والتقديس » ﴿وله الحكم﴾ أي : القضاء النافذ في كل شيء وقال ابن عباس : حكم لأهل الطاعة بالمغفرة ولأهل المعصية بالشقاء ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي : بأيسر أمر يوم النفخ في الصور لبعثرة ما في القبور، بالبعث والنشور مع أنكم الآن راجعون في جميع أحكامكم إليه، ومقصورون عليه إن شاء أمضاها وإن أراد ردّها ولواها ففي الآية غاية التقوية لقلوب المطيعين ونهاية الزجر والردع للمتمردين.
القصص 28:71
ثم بين سبحانه وتعالى بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواه بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : يا أفضل الخلق لأهل مكة ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني ﴿إن جعل الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿عليكم الليل﴾ أي : الذي به اعتدال حرّ النهار ﴿سرمداً﴾ أي : دائماً ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا نهار معه ﴿من إله غير الله﴾ أي : العظيم الشأن الذي لا كفء له ﴿يأتيكم بضياء﴾ أي : بنهار تطلبون فيه المعيشة ﴿أفلا تسمعون﴾ أي : ما يقال لكم سماع إصغاء وتدبر.
القصص 28:72
﴿قل أرأيتم إن جعل الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿عليكم النهار﴾ أي : الذي توازن حرارته برطوبة الليل فيتمّ بها صلاح النبات وغير ذلك من جميع المقدّرات ﴿سرمداً﴾ أي : دائماً ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا ليل فيه ﴿من إله غير الله﴾ أي : الجليل الذي ليس له مثل ﴿يأتيكم بليل﴾ أي : ينشأ منه ظلام ﴿تسكنون فيه﴾ استراحة عن متاعب الأشغال، فإن قيل هلا قيل بنهار تتصرفون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه ؟ أجيب : بأنه تعالى ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأنّ المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعايش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثمّ قرن بالضياء ﴿أفلا تسمعون﴾ لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر من ذلك منافعه ووصف فوائده وقرن بالليل ﴿أفلا تبصرون﴾ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون، قال البقاعي : فالآية من الاحتباك ذكر الضياء أولاً دليلاً على حذف الظلام ثانياً والليل والسكون ثانياً دليلاً على حذف النهار والانتشار أوّلاً.
القصص 28:73
ولما كان التقدير ومن رحمته جعل لكم السمع والأبصار لتتدبروا آياته وتبصروا في مصنوعاته عطف عليه ﴿ومن رحمته﴾ أي : التي وسعت كل شيء لا من غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض ﴿جعل لكم الليل والنهار﴾ آيتين عظيمتين دبر فيها وبهما جميع مصالحكم فجعل آية الليل ﴿لتسكنوا فيه﴾ فلا تسعوا فيه لمعاشكم ﴿و﴾ جعل آية النهار مبصرة ﴿لتبتغوا من فضله﴾ بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم، قال البقاعي : فالآية من الاحتباك ذكر أوّلاً السكون دليلاً على حذف السعي في المعاش ثانياً وذكر الابتغاء من فضله ثانياً دليلاً على حذف عدم السعي في المعاش أوّلاً ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي : وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر لما يتجدد لكم من تقلبهما من النعم المتوالية التي لا يحصرها إلا خالقها، وأما الآخرة فلما كانت غير مبنية على الأسباب وكانت الجنة لا تعب فيها بوجه كان لا حاجة فيها لليل.
القصص 28:74
﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك به كما أنه لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده، اللهمّ فكما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في الناجين من وعيدك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يا أرحم الراحمين، ويحتمل أن يكون الأوّل لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تَشَهِّ وهوى، أو أنه ذكر الثاني كما قال الجلال المحلي ليبنى عليه.
القصص 28:75
﴿ونزعنا﴾ أي : أخرجنا وأفردنا بقوّة وسطوة ﴿من كل أمة شهيداً﴾ أي : وهو رسولهم يشهد عليهم بما قالوه ﴿فقلنا﴾ أي : فتسبب عن ذلك أن قلنا للأمم ﴿هاتوا برهانكم﴾ أي : دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه وعوّلتم في شرككم عليه كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئاً على غير أساس ﴿فعلموا﴾ أي : بسبب هذا السؤال لمَّا اضطروا ولم يجدوا لهم سنداً ﴿أن الحق﴾ في الإلهية ﴿لله﴾ أي : الملك الذي له الأمر كله لا يشاركه فيه أحد ﴿وضل عنهم﴾ أي : غاب غيبة الضائع ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي : يقولونه قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة للغلط فيه.
القصص 28:76
﴿إن قارون﴾ ويسمى في التوراة تورح ﴿كان من قوم موسى﴾ قال أكثر المفسرين كان ابن عمه لأنّ قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى بن عمران بن قاهث بن لاوي وقال ابن إسحاق كان قارون عم موسى فكان أخا عمران وهما ابنا يصهر ولم يكن في بني إسرائيل ؟ اقرأ للتوراة من قارون ولكنه نافق كما نافق السامريّ وكان يسمى النور لحسن صورته.
وعن ابن عباس : كان ابن خالته ﴿فبغى عليهم﴾ أي : تجاوز الحدّ في احتقارهم بما خوّلناه فيه، قيل كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة : بغى عليهم بكثرة المال ولم يرع لهم حق الإيمان بل استخف بالفقراء.
وقال الضحاك : بغى عليهم بالشرك، وقال شهر بن حوشب زاد في طول ثيابه شبراً، روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء »، وقال القفال : طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده، وقال ابن عباس تكبر عليهم وتجبر، وقال الكلبيّ حسد هارون عليه السلام على الحبورة.
روي أهل الأخبار : أن قارون كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأجملهم وأغناهم وكان حسن الصوت فبغى وطغى وكان أوّل طغيانه وعصيانه أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة في كل طرف خيطاً أخضر كلون السماء يذكرون إذا نظروا إليها السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي فقال موسى : عليه السلام يا رب افلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراً فإنّ بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال الله تعالى : يا موسى إنّ الصغير من أمري ليس بصغير فإن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فدعاهم موسى عليه السلام وقال : إنّ الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطاً خضراً كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به واستكبر قارون ولم يفعل وقال إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم وكان هذا بدء عصيانه وبغيه. ولما قطع الله تعالى لبني إسرائيل البحر وأغرق فرعون جعل الحبورة لهارون عليه الصلاة والسلام فحصلت له النبوّة والحبورة وكان له القربان والذبح وكان لموسى عليه السلام الرسالة فوجد قارون لذلك في نفسه وقال يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء لا أصبر أنا على هذا فقال موسى : عليه السلام والله ما صنعت ذلك لهارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون : والله لا أصدقك حتى تريني بيانه فجمع موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل وأمرهم أن يجيء كل رجل منهم بعصا فجاؤوا بها فحزمها وألقاها موسى عليه السلام في قبة له كان يعبد الله تعالى فيها وكان ذلك بأمر الله تعالى ودعا موسى عليه السلام أن يريهم بيان ذلك فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون عليه السلام وقد اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال موسى عليه السلام لقارون : ألا ترى ما صنع لهارون ؟ عليه السلام فقال : والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر فاعتزل قارون ومعه ناس كثير، وولي هارون عليه السلام الحبورة وهي رياسة الذبح والقربان وكانت بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون عليه السلام فيضعها في المذبح وتنزل نار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل فكان لا يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :«أن قارون كان من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى » ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر سببه الحقيقي بقوله تعالى :﴿وأتيناه من الكنوز﴾ أي : الأموال المدفونة المذخورة فضلاً عن الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منها لما عساه يعرض من المهمات ﴿ما﴾ أي : الذي أوتي شيء كثير لا يدخل تحت حصر حتى ﴿إنّ مفاتحه﴾ أي : مفاتح الأغلاق التي هو مدفون فيها وراء أبوابها ﴿لتنوء﴾ أي : تميل بجهد ومشقة بثقلها ﴿بالعصبة﴾ أي : الجماعة الكثيرة التي تعصب أي : يقوي بعضهم بعضاً ﴿أولى﴾ أي : أصحاب ﴿القوّة﴾ أي : تميلهم من أثقالها إياهم. تنبيه : في المبالغة بالتعبير بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما لم يؤته أحد ممن هو في عداده وكل ذلك مما تستبعده العقول فلذلك وقع التأكيد.
واختلفوا في عدد العصبة : فقال مجاهد ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال الضحاك عن ابن عباس ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقال قتادة : ما بين العشرة إلى الأربعين، وقيل أربعون رجلاً، وقيل سبعون وروي عن ابن عباس قال : كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلاً، أقوى ما يكون من الرجال.
وقال جرير عن منصور عن خيثمة قال : وجدت في الإنجيل أن مفاتح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد فيها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز، ويقال : كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما أثقلت عليه جعلت من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلاً، وفي الباء في بالعصبة : وجهان أنها للتعدية كالهمزة ولا قلب في الكلام والمعنى لتنئ المفاتح العصبة الأقوياء كما تقول أجأته وجئت به وأذهبته وذهبت به، والثاني : قال أبو عبيدة : إن في الكلام قلباً والأصل لتنوء العصبة بالمفاتح أي : لتنهض بها كقولهم عرضت الناقة على الحوض.
ولما ذكر الله تعالى بغيه ذكر وقته بقوله تعالى :﴿إذا قال له قومه﴾ أي : من بني إسرائيل ﴿لا تفرح﴾ أي : بكثرة المال فرح بطر فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه وذلك يدل على نسيان الآخرة وعلى غاية الجهل وقلة التأمل بالعواقب، قال ابن عباس : كان فرحه ذلك شركاً لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله عز وجل ﴿إنّ الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي : لا يعامل معاملة المحب ﴿الفرحين﴾ أي : البطرين الأشرين الراسخين في الفرح بما يفني الذين لا يشكرون الله تعالى بما أعطاهم فإن فرحهم يدل على سقوط الهمم كما قال تعالى :﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ ( الحديد، ٢٣ ) وقال القائل في ذلك :
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال آخر :
أشدّ الغم عندي في سرور؍ تيقن عنه صاحبه انتقالا؍
فلا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن، فأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب لم تحدّثه نفسه بالفرح.
القصص 28:77
﴿وابتغ﴾ أي : اطلب طلباً تحمد نفسك فيه ﴿فيما آتاك الله﴾ أي : الملك الذي الأمر كله بيده من الغنى والثروة ﴿الدار الآخرة﴾ بأن تقوم بشكر الله فيما أنعم الله عليك وتنفقه في رضا الله تعالى فيجازيك بالجنة ﴿ولا تنس﴾ أي : ولا تترك ﴿نصيبك من الدنيا﴾ قال مجاهد : لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب لأنّ حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة، وقال السدّيّ : بالصدقة وصلة الرحم.
وقال عليّ رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه لا تنسى صحتك وقوّتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار »، وعن ميمون الأزدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه «اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك »، وقال الحسن : أمر أن يقدّم الفضل ويمسك ما يغنيه، وقال منصور بن زادان : قوتك وقوت أهلك ﴿وأحسن﴾ أي : أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج والإنفاق في جميع الطاعات ويدخل في ذلك الإعانة بالجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر ﴿كما أحسن الله﴾ الجامع لصفات الكمال ﴿إليك﴾ بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع الله عليك ﴿ولا تبغ﴾ أي : ولا ترد إرادة ما، ﴿الفساد في الأرض﴾ بتقتير ولا تبذير ولا تكبر على عباد الله تعالى ولا تحقير، ثم أتبع ذلك علته مؤكداً لأنّ أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب فقيل ﴿إن الله﴾ أي : العالم بكل شيء القدير على كل شيء ﴿لا يحب المفسدين﴾ أي : لا يعاملهم معاملة من يحبه، وقيل إن القائل له هذا موسى عليه السلام، وقيل مؤمنو قومه.
القصص 28:78
وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما فيه مزيد لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه كفر النعمة بأن ﴿قال﴾ أي : قارون في الجواب ﴿إنما أوتيته﴾ أي : هذا المال ﴿على علم﴾ حاصل ﴿عندي﴾ فإنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة أي : فرآني له أهلاً ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره، وقيل هو علم الكيمياء، وقال سعيد بن المسيب : كان موسى يعلم الكيمياء فعلَّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلَّم كالب بن يوفنا ثلثه وعلَّم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان ذلك سبب أمواله، وقيل على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب، ثم أجاب الله تعالى : عن كلامه بقوله تعالى :﴿أو لم يعلم أنّ الله﴾ أي : بما له من صفات الجلال والعظمة والكمال ﴿قد أهلك﴾ وقوله تعالى :﴿من قبله من القرون﴾ فيه تنبيه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان وبعده وقوله تعالى :﴿من هو أشدّ منه قوة﴾ أي : في البدن والمعاني من العلم وغيره والأنصار والخدم ﴿وأكثر جمعاً﴾ في المال والرجال آخرهم فرعون الذي شاهده في ملكه وحقق أمره يوم هلكه فيه تعجيب وتوبيخ على اغتراره بقوّته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأ في التوراة وكان أعلمهم بها وسمعه من حفاظ التواريخ واختلف في معنى قوله عز وجل :﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ فقال قتادة : يدخلون النار بغير سؤال ولا حساب، وقال مجاهد لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم وقال الحسن : لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال توبيخ وتقريع، وقيل : المراد أنّ الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة إلى السؤال، فإن قيل : كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين ( ٩٢ ) عما كانوا يعملون﴾ ( الحجر : ٩٢ ٩٣ ) أجيب : بحمل ذلك على وقتين، وقال أبو مسلم : السؤال قد يكون للمحاسبة وقد يكون للتوبيخ والتقريع وقد يكون للاستعتاب، قال ابن عادل : وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى :﴿ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون﴾ ( النحل، ٨٤ ) ﴿هذا يوم لا ينطقون ( ٣٥ ) ولا يُؤذن لهم فيعتذرون﴾ ( المرسلات : ٣٥، ٣٦ ).
القصص 28:79
﴿فخرج﴾ أي : فتسبب عن تجبره واغتراره بماله أن خرج ﴿على قومه﴾ أي : الذين نصحوه في الاقتصاد في شأنه والإكثار في الجود على إخوانه وقوله تعالى :﴿في زينته﴾ فيه دليل على أنه خرج بأظهر زينته وأكملها وليس في القرآن إلا هذا القدر.
والناس ذكروا وجوهاً مختلفة : فقال إبراهيم النخعي : أنه خرج هو وقومه في ثياب حمر وصفر، وقال ابن زيد : في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات وقال مقاتل : خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهنّ الحلي والثياب الحمر على البغال ولما كان كأنه قبل ماذا قال قومه له ؟ قيل :﴿قال الذين يريدون الحياة الدنيا﴾ منهم لسفول هممهم وقصور نظرهم على الفاني لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من باب الحسد الذي هو تمنى زوال نعمة المحسود ﴿يا ليت لنا﴾ أي : نتمنى تمنياً عظيماً أن نؤتى من أيّ مؤت كان وعلى أيّ وصف كان ﴿مثل ما أوتي قارون﴾ أي : من هذه الزينة وما تسبب عنه من العلم حتى لا نزال أصحاب أموال، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن ثم من يريد ينكر عليهم ﴿إنه لذو حظ﴾ أي : نصيب وبخت من الدنيا ﴿عظيم﴾ بما أوتيه من العلم الذي كان سبباً له إلى جمع هذا المال وهؤلاء الراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا.
القصص 28:80
ودل على جهلهم وفضل العلم الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إلى اتباعه قوله تعالى :﴿وقال الذين أوتوا العلم﴾ وهم أهل الدين قال ابن عباس : رضي الله تعالى عنهما يعني الأحبار من بني إسرائيل، وقال مقاتل : أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة فقالوا للذين تمنوا ﴿ويلكم﴾ ويل : أصله الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما يضر، وهو منصوب بمحذوف أي : ألزمكم الله ويلكم ﴿ثواب الله﴾ أي : الجليل العظيم ﴿خير﴾ أي : من هذا الحطام الذي أوتيه قارون في الدنيا بل من الدنيا وما فيها ومن فاته الخير حل به الويل، ثم بينوا مستحقه تعظيماً له وترغيباً للسامع في حاله بقولهم ﴿لمن آمن وعمل﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿صالحاً﴾ ثم بين تعالى عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله تعالى :﴿ولا يلقاها﴾ أي : هذه النصيحة التي قالها أهل العلم وهي الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله أو الجنة المثاب بها ﴿إلا الصابرون﴾ أي : على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرّمات وعلى الرضا بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار الذين صار الصبر لهم خلقاً.
القصص 28:81
ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب أشار إلى ذلك بقوله سبحانه وتعالى :﴿فخسفنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿به وبداره الأرض﴾ روي أنه كان يؤذي موسى عليه الصلاة والسلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه كل وقت ولا يزيد إلا عتواً وتجبراً ومعاداة لموسى حتى بنى داراً وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويضاحكونه.
قال ابن عباس : نزلت الزكاة على موسى عليه السلام فأتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار بدينار، وعن كل ألف درهم بدرهم، وعن كل ألف شاة بشاة، فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال لهم : إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا : أنت كبيرنا فأمرنا بما شئت قال : آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلاً حتى تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فدعاها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل : طشتاً من ذهب، وقيل : قال لها : إني أمونك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غداً إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد وكان يوم عيد لهم قام موسى عليه السلام خطيباً فقال : من سرق قطعناه ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصناً رجمناه فقال له قارون : ولو كنت أنت قال : ولو كنت أنا قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال : ادعها فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال : لها موسى يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء فعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت فتداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت في نفسها أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله فقالت : لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلاً على أن أرميك بنفسي فخرّ موسى ساجداً يبكي ويقول : اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله تعالى إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى عليه السلام : يا بني إسرائيل إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلبث مكانه ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان ثم قال موسى : يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم، وفي رواية كان على فراشه وسريره فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وصاحباه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى
ويناشده قارون بالله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين مرّة وموسى في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدّة غضبه ثم قال : يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض فأوحى الله تعالى إليه ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم ترحمه وعزتي وجلالي لو دعاني مرة واحدة لأجبته، وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعاً لأحد، قال قتادة : خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة قال : وأصبح بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم إن موسى إنما دعا على قارون ليستبدّ بداره وكنوزه فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وبأمواله، فإياكم يا أمة هذا النبيّ أن تردوا ما أتاكم به من الرحمة فتهلكوا، وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن قارون كان من أقارب موسى عليه السلام فإن الأنبياء عليهم السلام كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدا فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴿فما﴾ فتسبب عنه أنه ما ﴿كان له﴾ أي : لقارون، وأكد النفي لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون بزيادة الجار في قوله تعالى :﴿من فئة﴾ أي : أعوان وأصل الفئة الجماعة من الطير كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعتها إلى المكان الذي ذهبت منه ﴿ينصرونه من دون الله﴾ أي : غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك ﴿وما كان من المنتصرين﴾ أي : الممتنعين منه من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه منه فامتنع.
القصص 28:82
ولما خسف به واستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات ذكر حالهم بقوله :﴿وأصبح﴾ أي : وصار ولكنه ذكره لمقابلة المساء ﴿الذين تمنوا﴾ أي : أرادوا إرادة عظيمة بغاية الشفقة أن يكونوا ﴿مكانه﴾ أي : تكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم ﴿بالأمس﴾ أي : الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه فالأمس قد يذكر ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة ﴿يقولون ويكأنّ الله يبسط﴾ أي : يوسع ﴿الرزق لمن يشاء من عباده﴾ بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه ﴿ويقدر﴾ أي : يضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء منه وفتنة و«وي » اسم فعل بمعنى أعجب أي : أتى والكاف بمعنى اللام، وهذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف.
واختلف القراء في الوقف فالكسائي وقف على الياء قبل الكاف، ووقف أبو عمرو على الكاف، ووقف الباقون على النون وعلى الهاء، وحمزة يسهل الهمزة في الوقف على أصله، وأما الوصل فلا خلاف فيه بينهم ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله اتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضاً أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم ﴿لولا أن منّ الله﴾ أي : تفضل الملك الأعظم ﴿علينا﴾ بجوده ولم يعطنا ما تمنيناه من الكنوز على مثل حاله ﴿لخسف بنا﴾ مثل ما خسف به ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ لنعمة الله تعالى كقارون والمكذبين لرسله وبما وعد لهم من ثواب الآخرة.
القصص 28:83
وقوله تعالى :﴿تلك الدار الآخرة﴾ إشارة تعظيم وتفخيم لشأنها أي : تلك الدار التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، وتلك مبتدأ والدار صفته والخبر ﴿نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض﴾ بالبغي ﴿ولا فساداً﴾ بعمل المعاصي فلم يعلق تعالى الوعد بترك العلو والفساد ولكن بترك، إرادتهما وميل القلوب إليهما كما قال تعالى :﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ( هود، ١١٣ ) فعلق الوعيد بالركون، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها، وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا، وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يرددها حتى قبض، قال الزمخشري : ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقاً بقوله تعالى :﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ وبقوله تعالى :﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ فيقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قوله تعالى ﴿والعاقبة﴾ أي : المحمودة ﴿للمتقين﴾ أي : عقاب الله تعالى بعمل طاعته كما تدبره علي والفضيل وعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم.
القصص 28:84
ولما بيَّن تعالى أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علواً في الأرض ولا فساداً بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل فقال تعالى :﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾ من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ وهي ما نهى الله تعالى عنه ومنه إخافة المؤمنين ﴿فلا يجزى﴾ أي : من أيّ جاز وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من بقوله تعالى :﴿الذين عملوا السيئآت﴾ تصويراً لحالهم وتقبيحاً لهم وتنفيراً من عملها ﴿إلا﴾ جزاء ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي : مثله وهذا من فضل الله العظيم وكرمه الواسع أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بأكثر منها كما مرّ، فإن قيل قال تعالى :﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ ( الإسراء : ٧ ) كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة فما السبب في ذلك ؟.
أجيب : بأن هذا المقام مقام ترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى، فإن قيل : كيف أنه تعالى لا يجزي السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد ؟ أجيب : بأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
القصص 28:85
﴿إن الذي فرض﴾ أي : أنزل ﴿عليك القرآن﴾ قاله أكثر المفسرين، وقال عطاء : أوجب عليك العمل بالقرآن، وقال أبو عليّ : فرض عليك أحكامه وفرائضه ﴿لرادّك إلى معاد﴾ أي : معاد ليس لغيرك من البشر وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه وتنكير المعاد لذلك، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني إلى الموت، وقال الزهري وعكرمة : إلى يوم القيامة، وقيل إلى الجنة.
وروى العوفي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يعني إلى مكة وهو قول مجاهد، وقال القتيبي : معاد الرجل بلده ينصرف ثم يعود إلى بلده وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجراً إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن ورجع إلى الطريق ونزل الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها فأتاه جبريل عليه السلام فقال : اشتقت إلى بلدك ومولدك قال : نعم قال : فإنّ الله تعالى يقول :﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد﴾ قال الرازي : وهذا أقرب لأنّ ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل له العود إليه وذلك لا يليق إلا بمكة وإن كان سائر الوجوه محتملاً لكن ذلك أقرب، قال أهل التحقيق : وهذا آخر مما يدل على نبوته لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزاً ونزل جواباً لقول كفار مكة إنك لفي ضلال مبين ﴿قل﴾ أي : للمشركين ﴿ربي أعلم من جاء بالهدى﴾ وما يستحقه من الثواب في المعاد يعني نفسه ﴿ومن هو في ضلال مبين﴾ يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم فهو الجائي بالهدى وهم في الضلال.
تنبيه : من جاء منصوب بمضمر أي : يعلم أو بأعلم إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله.
القصص 28:86
﴿وما كنت ترجو﴾ أي : في سالف الدهر بحال من الأحوال ﴿أن يلقى﴾ أي : ينزل على وجه لم تقدر على رده ﴿إليك الكتاب﴾ أي : يوحى إليك القرآن، قال البيضاوي أي : سيردك إلى معاد كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه وهو ظاهر على أن المراد بالمعاد مكة وقوله تعالى :﴿إلا رحمة﴾ استثناء منقطع أي : لكن ألقى إليك الكتاب رحمة ﴿من ربك﴾ أي : فأعطاك القرآن، وقيل : متصل قال الزمخشري : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة فيكون استثناء من الأحوال أو من المفعول له ﴿فلا تكونن ظهيراً﴾ أي : معيناً ﴿للكافرين﴾ على دينهم الذي دعوك إليه، قال مقاتل : وذلك حين دعي إلى دين آبائه، فذكره الله تعالى نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
القصص 28:87
﴿ولا يصدنك عن آيات الله﴾ أي : قراءتها والعمل بها ﴿بعد إذ أنزلت إليك﴾ أي : لا ترجع إليهم في ذلك ﴿وادع﴾ أي : أوجد الدعاء ﴿إلى ربك﴾ أي : إلى عبادته وتوحيده ﴿ولا تكونن من المشكرين﴾ أي : بإعانتهم، ولم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه بخلافه في يصدنك فإنه حذف منه نون الرفع إذ أصله يصدوننك حذفت نون الرفع للجازم ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين.
القصص 28:88
﴿ولا تدع﴾ أي : تعبد ﴿مع الله﴾ أي : الجامع لجميع صفات الكمال ﴿إلهاً آخر﴾ فإن قيل : هذا وما قبله لا يقع منه صلى الله عليه وسلم فما فائدة ذلك النهي ؟ أجيب : بأنه ذكر للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم أو أن الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره كما في قوله تعالى :﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ( الزمر : ٦٥ )
ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿لا إله إلا هو﴾ أي : لا نافع ولا ضار ولا معطى ولا مانع إلا هو كقوله تعالى :﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً﴾ ( المزمل : ٩ ) فلا يجوز اتخاذ إله سواه، ثم علل وحدانيته بقوله تعالى :﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ أي : ذاته فإنّ الوجه يعبر به عن الذات، قال أبو العالية : إلا ما أريد به وجهه، وقيل : إلا ملكه، واختلفوا في قوله تعالى :﴿هالك﴾ فمن الناس من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعاً به بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن كانت أجزاؤه باقية فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه بل خروجه عن كونه منتفعاً به، ومنهم من قال : معنى كونه هالكاً كونه قابلاً للهلاك في ذاته فإن كل ما عداه تعالى ممكن الوجود قابل للعدم فكان قابلاً للهلاك فأطلق عليه اسم الهالك نظراً إلى هذا الوجه وعلى هذا يحمل قول النسفي في بحر الكلام سبعة لا تفنى : العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار بأهلهما من ملائكة العذاب والحور العين والأرواح ﴿له الحكم﴾ أي : القضاء النافذ في الخلق ﴿وإليه﴾ وحده ﴿ترجعون﴾ أي : في جميع أحوالكم في الدنيا وبالنشور من القبور للجزاء في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشريّ من قوله صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدّق بموسى وكذب ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقاً »، حديث موضوع.
العنكبوت 29:1
وقوله تعالى :﴿ألم﴾ سبق القول فيه في أوّل البقرة، ووقوع الاستفهام بعده دليل على استقلاله بنفسه فيكون اسماً للسورة، أو للقرآن، أو لله، أو أنه سرا استأثر بعلمه الله تعالى، أو استقلالِه بما يضمر معه بتقديره مبتدأ أو خبراً وغيره مما مرّ أوّل سورة البقرة، وقيل في ألم أشار بالألف الدال على القائم إلا على المحيط، ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه تعالى أرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
العنكبوت 29:2
ولما قال تعالى في آخر السورة المتقدّمة ﴿وادع إلى ربك﴾ ( القصص : ٨٧ ) وكان في الدعاء إليه الحراب والضراب والطعان لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد فشق على البعض ذلك فقال تعالى :﴿أحسب الناس﴾ أي : كافةً ﴿أن يتركوا﴾ أي : أظنوا أنهم يتركون بغير اختبار وابتلاء في وقت ما بوجه من الوجوه.
تنبيه : أن يتركوا سدّ مسدّ مفعولي حسب عند الجمهور ﴿أن﴾ أي : بأن ﴿يقولوا﴾ أي : بقولهم ﴿آمنا وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿لا يفتنون﴾ أي : يختبرون بما تتميز به حقية إيمانهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإنّ مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية : فقال الشعبي : نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام ثم هاجروا فتبعهم الكفار فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام كانوا يعذبون بمكة.
وقال ابن جريج : نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله عز وجل.
وقال مقاتل : نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر كان أوّل قتيل قتل من المسلمين يوم بدر فقال صلى الله عليه وسلم :«سيد الشهداء مهجع وهو أوّل من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة » فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي وذلك أنّ الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله تعالى هذه الآية
العنكبوت 29:3
ثم عزاهم فقال :﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾. أي : من الأنبياء والمؤمنين فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب فذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه ﴿فليعلمنّ الله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿الذين صدقوا﴾ في إيمانهم علم مشاهدة للخلق وإلا فالله تعالى لا يخفى عليه خافية ﴿وليعلمن الكاذبين﴾ فيه أي : فيظهر الله الصادقين من الكاذبين في الإيمان.
( فائدة ) لبعض المحبين :
للهوى آية ( أي علامة ) بها يعرف الصا؍ دق في عشقه من الكذاب؍
سهر الليل دائماً ونحول ال؍ جسم والموت في رضا الأحباب؍
العنكبوت 29:4
﴿أم حسب﴾ أي : ظن ﴿الذين يعلمون السيئات﴾ أي : الشرك والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح ﴿أن يسبقونا﴾ أي : يفوتونا فلا ننتقم منهم، وهذا ساد مسدّ مفعولي حسب. وأم منقطعة والإضراب فيها لأنّ هذا الحساب أبطل من الأوّل لأنّ صاحب ذلك يقدر أن لا يمتحن لإيمانه وصاحب هذا يظن أن لا يجازى بمساويه، ولهذا عقبه بقوله تعالى :﴿ساء ما يحكمون﴾ أي : بئس الذي يحكمونه، أو حكماً يحكمونه، حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم.
العنكبوت 29:5
ولما بين بقوله :﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ أن العبد لا يترك في الدنيا سدى، وبين في قوله تعالى :﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ أن من ترك ما كلف به يعذب عذاباً بين أن من يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله بقوله تعالى :﴿من كان يرجو لقاء الله﴾ أي : الملك الأعلى، قال ابن عباس ومقاتل : من كان يخشى البعث والحساب والرجاء بمعنى الخوف، وقال سعيد بن جبير : من كان يطمع في ثواب الله ﴿فإن أجل الله﴾ أي : الوقت المضروب للقائه ﴿لآت﴾ أي : لجاءٍ لا محالة فإنه لا يجوز عليه إخلاف الوعد، فإن قيل : كيف وقع فإن أجل الله لآت جواباً للشرط ؟ أجيب : بأنه إذا كان وقت اللقاء آتياً كان اللقاء آتياً لا محالة كما تقول من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة، وقال مقاتل يعني : يوم القيامة لكائن ومعنى الآية أن من يخشى الله تعالى ويأمله فليستعد له وليعمل لذلك اليوم كما قال تعالى :﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾ ( الكهف : ١١٠ ) ﴿وهو السميع﴾ أي : لما قالوه ﴿العليم﴾ يعلم من صدق فيما قال ومن كذب فيثيب ويعاقب على حسب علمه، قال الرازي : وههنا لطيفة وهي أنّ للعبد أموراً هي أصناف حسناته عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع وإنما يعلم، وعمل لسانه وهو يسمع، وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله تعالى لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيه ما لا عين رأت ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب بشر كما وصف في الخبر في وصف الجنة اه.
( تنبيه ) : لم يذكر الله تعالى من الصفات غير هذين الصفتين كالعزيز والحكيم وذلك لأنه سبق القول في قوله ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناً﴾ وسبق الفعل بقوله تعالى :﴿وهم لا يفتنون﴾ وبقوله تعالى :﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾ وبقوله تعالى :﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ ولا شك أن القول يدرك بالسمع، والعمل منه ما يدرك بالبصر ومنه ما لا يدرك به كما علم مما مرّ والعلم يشملها.
العنكبوت 29:6
ولما بين تعالى أنّ التكليف حسن واقع وإن عليه وعداً وإيعاد ليس لهما دافع بين أن طلب الله تعالى ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه بقوله تعالى :﴿ومن جاهد﴾ أي : بذل جهده في جهاد حرب أو نفس حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة ﴿فإنما يجاهد لنفسه﴾ لأنّ منفعة جهاده له لا لله تعالى فإنه غني مطلق كما قال تعالى :﴿إن الله﴾ أي : المتصرّف في عباده بما شاء ﴿لغنيّ عن العالمين﴾ أي : الأنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم ومثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى :﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾ ( فصلت : ٤٦ ) وقوله تعالى :﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ ( الإسراء : ٧ )
فينبغي للعبد أن يكثر من العمل الصالح ويخلصه لأنّ من عمل فعلاً يطلب به ملكاً ويعلم أنّ الملك يراه يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن عمله لنفسه لا لأحد يكثر منه، نسأل الله الكريم الفتاح أن يوفقنا للعمل الصالح وأن يفعل ذلك بأهلينا وذريتنا ومحبينا بمحمد وآله.
ولما بين تعالى حال المسيء مجملاً بقوله تعالى :﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا﴾ إشارة إلى التعذيب مجملاً، وذكر حال المحسن بقوله تعالى :﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه﴾ وكان التقدير فالذين جاهدوا والذين عملوا السيئات لنجزينهم أجمعين.
العنكبوت 29:7
ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء عطف عليه قوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي : في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم وفي ذلك إشارة إلى أن رحمته تعالى أتم من غضبه وفضله أتم من عدله وأشار بقوله تعالى :﴿لنكفرنّ عنهم سيئاتهم﴾ إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد من أن يزل عن الطاعة لأنه مجبول على النقص :«فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم تؤت الكبائر، والجمعة، إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان » ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم المختار، فالصغائر تكفر بعمل الصالحات، وأما الكبائر فتكفر بالتوبة.
ولما بشرهم بالعفو عن العقاب أتم البشرى بالامتنان بالثواب فقال عاطفاً على ما تقديره ولنثبتنّ لهم حسناتهم ﴿ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ أي : أحسن جزاء ما عملوه وهو الصالحات، وأحسن نصب بنزع الخافض وهو الباء.
العنكبوت 29:8
ولما كان من جملة العمل الصالح الإحسان إلى الوالدين ذكر ذلك بقوله تعالى :﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ أي : وإن عليا ﴿حسناً﴾ أي : برّاً بهما وعطفاً عليهما أي : وصيناه بإيتاء والديه حسناً أو بإيلاء والديه حسناً لأنهما سبب وجود الولد وسبب بقائه بالتربية المعتادة والله تعالى سبب له في الحقيقة بالإرادة وسبب بقائه بالإعادة للسعادة فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه، فيطيعهما ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى كما قال : تعالى :﴿وإن جاهداك لتشرك بي﴾ وقوله تعالى ﴿ما ليس لك به علم﴾ أي : لا علم لك بإلهيته موافق للواقع فلا مفهوم له أو أنه إذا كان لا يجوز أن يتبع فيما لا يعلم صحته فبالأولى أن لا يتبع فيما يعلم بطلانه ﴿فلا تطعهما﴾ في ذلك كما جاء في الحديث :«لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى » ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إليّ مرجعكم﴾ أي : من آمن منكم ومن كفر ومن برّ والديه ومن عق، ثم تسبب عنه قوله تعالى :﴿فأنبئكم بما كنتم تعلمون﴾ أي : أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس :«روي أنها لما سمعت بإسلامه قالت له : يا سعد بلغني أنك قد صبأت فوالله لا يظلني سقف بيت من الضِّح وهو بكسر الضاد المعجمة وبحاء مهملة الشمس والريح، وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد وكان أحب أولادها إليها فأبى سعد ولبثت ثلاثة أيام لا تنتقل من الضح ولا تأكل ولا تشرب فلم يطعها سعد بل قال : والله لو كانت مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم جاء سعد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآية وهي التي في لقمان والتي في الأحقاف فأمره صلى الله عليه وسلم «أنْ يداريها ويترضاها بالإحسان ».
وروي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مترافقين حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمّه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم بن حنظلة فنزلا بعياش وقالا له : إنّ من دين محمد صلة الأرحام وبرّ الوالدين وقد تركت أمك لا تأكل ولا تشرب ولا تأوي بيتاً حتى تراك وهي أشد حباً لك منا فاستشار عمر فقال : هما يخدعانك ولك عليّ أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر فقال عمر : أمّا إذا عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهما ريب فارجع فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل : إن ناقتي قد كلت فاحملني معك قال : نعم فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدّاه وأوثقاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة وذهبا به إلى أمه فقالت : لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد فنزلت رضي تعالى الله عنه وأرضاه ونفعنا به في الدنيا والآخرة.
العنكبوت 29:9
ولما كان التقدير فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين ولكنه طواه لدلالة السياق عليه عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿الصالحات لندخلهم في الصالحين﴾ أي : الأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم، أو ندخلهم وهم الجنة، والصلاح منتهى درجات المؤمنين ومنتهى أنبياء الله والمرسلين.
العنكبوت 29:10
ولما بين سبحانه وتعالى المؤمن بقوله تعالى :﴿فليعلمنّ الله الذين صدقوا﴾ وبين الكافر بقوله تعالى :﴿وليعلمنّ الكاذبين﴾ بين أنه بقي قسم ثالث مذبذب بقوله تعالى :﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله﴾ بأن عذبهم الكفرة على الإيمان ﴿جعل فتنة الناس﴾ أي : له بما يصيبه من أذيتهم في منعه عن الإيمان إلى الكفر ﴿كعذاب الله﴾ أي : في الصرف عن الكفر إلى الإيمان ﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿جاء نصر﴾ أي : للمؤمنين ﴿من ربك﴾ أي : بفتح وغنيمة ﴿ليقولنّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين ﴿إنا كنا معكم﴾ في الإيمان فأشركونا في الغنيمة وأما عند الشدّة فيجبنون كما قال الشاعر :
وما أكثر الأصحاب حين تعدهم؍ ولكنهم في النائبات قليل؍
قال الله تعالى :﴿أو ليس الله بأعلم﴾ أي : بعالم ﴿بما في صدور﴾ أي : قلوب ﴿العالمين﴾ من الإيمان والنفاق.
العنكبوت 29:11
﴿وليعلمنّ الله الذين آمنوا﴾ أي : بقلوبهم ﴿وليعلمنّ المنافقين﴾ فيجازي الفريقين، واللام في الفعلين لام قسم.
العنكبوت 29:12
ولما بين الفرق الثلاثة وأحوالهم ذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : ظاهراً وباطناً ﴿للذين آمنوا﴾ أي : ظاهراً وباطناً لم تتحملون الأذى والذل ؟ ﴿اتبعوا سبيلنا﴾ أي : الذي نسلكه في ديننا تدفعوا عن أنفسكم ذلك، فقالوا : نخاف من عذاب الله تعالى على خطيئة اتباعكم فقالوا لهم اتبعونا ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ إن كان ذلك خطيئة أو إن كان بعث ومؤاخذة، قال الجلال المحلي : والأمر بمعنى الخبر وهو أولى من قول البيضاوي : وإنما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع والوعد بتخفيف الأوزار عنهم إن كان تشجيعاً للمؤمنين على الاتباع وبهذا الاعتبار رد عليهم وكذبهم بقوله ﴿وما هم﴾ أي : الكفار ﴿بحاملين من خطاياهم﴾ أي : المؤمنين ﴿من شيء إنهم لكاذبون﴾ في ذلك، قال الزمخشري : وترى في المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك فيقول لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم افعل هذا وإثمه في عنقي وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم ؟ !.
ومنه ما يحكي أن أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه فلما قضاها قال يا أمير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى قال : وما هي ؟ قال شفاعتك يوم القيامة فقال : له عمرو بن عبيد رحمه الله إياك وهؤلاء فإنهم قطاع الطريق في المأمن، فإن قيل كيف سماهم الله تعالى كاذبين وإنما ضمنوا شيئاً علم الله تعالى أنهم لا يقدرون على الوفاء به وضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به، لا يسمى كاذباً لا حين ضمن ولا حين عجز لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى شبه حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنهم، ويجوز أن يراد أنهم كاذبون لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف.
تنبيه : من الأولى : للتبيين، والثانية : مزيدة، والتقدير : وما هم بحاملين شيئاً من خطاياهم.
العنكبوت 29:13
فإن قيل قال الله تعالى :﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء﴾ ثم قال الله تعالى :﴿وليحملنّ﴾ أي : الكفرة ﴿أثقالهم﴾ أي : أثقال ما اقترفته أنفسهم ﴿وأثقالاً مع أثقالهم﴾ أي : أثقالاً بقولهم للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا وبإضلالهم مقلديهم فكيف الجمع بينهما ؟ أجيب : بأن قول القائل حمل فلان عن فلان يريد أن حمل فلان خف فإن لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئاً فقوله تعالى :﴿وما هم بحاملين من خطاياهم﴾ يعني : لا يرفعون عنهم خطيئة بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزاراً بسبب إضلالهم كقوله صلى الله عليه وسلم :«من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء » وقال تعالى في آية أخرى :﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ ( النحل، ٢٥ ) من غير أن ينقص من أوزار من تبعهم شيء ﴿وليسألن يوم القيامة﴾ أي : سؤال توبيخ وتقريع ﴿عما كانوا يفترون﴾ أي : يختلقون من الأكاذيب والأباطيل، واللام في الفعلين لام قسم وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع.
العنكبوت 29:14
ولما كان السياق للبلاء والامتحان والصبر على الهوان ذكر من الرسل الكرام عليهم السلام من طال صبره على البلاء ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد بقوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا نوحاً﴾ أي : أوّل رسل الله إلى المخالفين من العباد وهو معنى ﴿إلى قومه﴾ وعمره أربعون سنة فإنّ الكفر كان قد عمّ أهل الأرض وكان عليه السلام أطول الأنبياء ابتلاء بهم، ولذلك قال الله تعالى مسبباً عن ذلك ومتعقباً :﴿فلبث فيهم﴾ أي : بعد الرسالة ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ يدعوهم إلى توحيد الله تعالى فكذبوه ﴿فأخذهم الطوفان﴾ أي : الماء الكثير فغرقوا ﴿وهم ظالمون﴾ قال ابن عباس مشركون، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيت لهم وتهديد لقريش، قال ابن عباس : كان عمر نوح عليه السلام ألفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين سنة ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا.
وروي عن ابن عباس أنه بعث وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فإن كان هذا محفوظاً عن ابن عباس فيضاف إلى لبثه في قومه وهو تسعمائة وخمسون سنة فيكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة، وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والأزرقي حديثاً مرسلاً «أنّ قبره بالمسجد الحرام »، وقيل ببلدة البقاع يعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد بني بسبب ذلك.
وعن وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة، والآية تدلّ على خلاف قول الأطباء العمر الإنساني لا يزيد على مائة وعشرين سنة ويسمونه العمر الطبيعي، قال الرازي : ونحن نقول ليس طبيعياً بل هو عطاء إلهي وأمّا العمر الطبيعي فلا يدوم عنده ولا نجده فضلاً عن مائة أو أكثر، فإن قيل : هلا قال تسعمائة سنة وخمسين ولم جاء التمييز أولاً بالسنة وثانياً بالعام ؟ أجيب : عن الأوّل بأن ما أورده الله تعالى أحكم لأنه لو قيل كما ذكر لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك وكأنه قال تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أنّ ذلك أخصر وأعذب لفظاً وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره، وعن الثاني : بأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض نتيجة المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك، والطوفان لغة : ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام أو نحو ذلك قال العجاج :
وعمّ طوفان الظلام الأثأبا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العنكبوت 29:15
﴿فأنجيناه﴾ أي : نوحاً عليه السلام ﴿وأصحاب السفينة﴾ أي : الذين كانوا فيها من الغرق، وكانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم، وعن محمد بن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمسة نسوة، وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم » ﴿وجعلناها﴾ أي : السفينة أو الحادثة والقصة ﴿آية﴾ أي : عبرة وعلامة على قدرة الله تعالى وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي ﴿للعالمين﴾ أي : لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فإنه لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض بطولها والعرض وإغراق جميع ما عليها من حيوانٍ إنسانٍ وغيره.
العنكبوت 29:16
ولما ذكر تعالى قصة نوح وكان بلاء إبراهيم عليه السلام عظيماً في قذفه في النار وإخراجه من بلاده اتبعه به بقوله تعالى :﴿وإبراهيم﴾ وهو منصوب إما باذكر ويكون ﴿إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه﴾ أي : خافوا عقابه بدل اشتمال لأنّ الأحيان تشمل ما فيها، وإمّا معطوفاً على نوحاً، وإذ ظرف لأرسلنا أي : أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغاً صلح فيه لأنْ يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى ﴿ذلكم﴾ أي : الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم ﴿خير لكم﴾ أي : من كل شيء ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي : في عداد من يتجدّد له علم فينظر في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل.
العنكبوت 29:17
ولما أمرهم بما تقدّم ونفى العلم عمن جهل خيريته دل عليه بقوله :﴿إنما تعبدون من دون الله﴾ أي : غيره ﴿أوثاناً﴾ أي : أصناماً لا تستحق العبادة لأنها حجارة منحوتة لا شرف لها ﴿وتخلقون﴾ أي : تصوّرون بأيديكم ﴿إفكاً﴾ أي : شيئاً مصروفاً عن وجهه فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ومربوب وأنتم تسمونه رباً، أو تقولون كذباً في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله، ثم إنّ الله تعالى نفى عنها النفع بقوله تعالى :﴿إن الذين تعبدون﴾ ضلالاً وعدولاً عن الحق الواضح ﴿من دون﴾ أي : غير ﴿الله﴾ الذي له الملك كله ﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ أي : شيئاً من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم فتسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فابتغوا﴾ أي : اطلبوا ﴿عند الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿الرزق﴾ أي : كله فإنه لا شيء منه إلا وهو بيده، فإن قيل : لم نكرة الرزق في قوله تعالى :﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ ؟ وعرفه في قوله تعالى :﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾ أجيب : بأنه نكرة في معرض النفي أي : لا رزق عندهم أصلاً وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي : كل رزق عنده فاطلبوه منه، وأيضاً الرزق من الله معروف لقوله تعالى :﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ( هود، ٦ ) والرزق من الأوثان غير معلوم فنكره لعدم حصول العلم به ﴿واعبدوه﴾ أي : عبادة يقبلها وهي ما كانت خالصة من الشرك ﴿واشكروا﴾ أي : أوقعوا الشكر ﴿له﴾ خاصة على ما أفاض عليكم من النعم، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إليه﴾ وحده ﴿ترجعون﴾ أي : معنى في الدنيا والآخرة فإنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحساً بالنشر والحشر بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي.
العنكبوت 29:18
ولما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال :﴿وإن تكذبوا﴾ أي : وإن تكذبوني ﴿فقد﴾ أي : فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه قد ﴿كذّب أمم﴾ أي : في الأزمان الكائنة ﴿من قبلكم﴾ أي : من قبلي من الرسل فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع للرّسول، وهلاك العاصي له، ولم يضرّ ذلك الرسول شيئاً وما أضروا به إلا أنفسهم ﴿وما على الرسول﴾ أن يقهركم على التصديق بل ما عليه ﴿إلا البلاغ المبين﴾ الموضح مع ظهوره في نفسه بلا مرية بحيث لا يبقى فيه شك بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية.
تنبيه : في المخاطب بهذه الآية والآيات بعدها إلى قوله تعالى :﴿فما كان جواب قومه﴾ وجهان الأوّل : أنه قوم إبراهيم عليه السلام لأنّ القصة له فكأنّ إبراهيم عليه السلام قال لقومه : إن تكذبوني فقد كذب أمم من قبلكم، وإنما أتيت بما عليّ من التبليغ فإنّ الرسول ليس عليه إلا التبليغ والبيان، فإن قيل : إنّ إبراهيم عليه السلام لم يسبقه إلا قوم نوح وهم أمّة واحدة ؟ أجيب : بأن قبل قوم نوح أيضاً كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم، وأيضاً فإنّ نوحاً عليه السلام عاش أكثر من ألف سنة وكان القرن يموت وتجيء أولاده والآباء يوصون الأبناء بالامتناع من الاتباع فكفى بقوم نوح أمما ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه وأعقابهم على التكذيب.
الثاني : أنّ الآية مع قوم محمد صلى الله عليه وسلم لأنّ هذه القصص أكثرها المقصود منه تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفاً من التعذيب فقال في أثناء حكاياتهم : يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام هلكوا فإن كذبتم فإني أخاف عليكم أن يقع بكم ما وقع بغيركم، وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي والبقاعي.
وهذه الآية تدل كما قال ابن عادل : على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنّ الرسول إذا بلغ شيئاً ولم يبينه فلم يأت بالبلاغ المبين.
العنكبوت 29:19
﴿أو لم يروا﴾ أي : ينظروا ﴿كيف يبدئ الله﴾ أي : الذي له كل كمال ﴿الخلق﴾ أي : يخلقهم الله تعالى ابتداء نطفة ثم مضغة ثم علقة ﴿ثم﴾ هو لا غيره ﴿يعيده﴾ أي : الخلق كما كان ﴿إنّ ذلك﴾ أي : المذكور من الخلق الأوّل والثاني ﴿على الله﴾ أي : الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص ﴿يسير﴾ فكيف ينكرون الثاني ؟، فإن قيل : متى رأى الإنسان بدء الخلق حتى يقال أو لم يروا كيف يبدأ الله الخلق ؟.
أجيب : بأنّ المراد بالرؤية العلم الواضح الذي هو كالرؤية فالعاقل يعلم أنّ البدء من الله تعالى لأنّ الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أوّل فهو من الله تعالى، فإن قيل علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق ولم يقل أو لم يروا أنّ الله خلق أو بدأ الخلق والكيفية غير معلومة ؟ أجيب : بأنّ هذا القدر من الكيفية معلوم وهو أنه خلقه ولم يكُ شيئاً مذكوراً وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة، فإن قيل : لمَ أبرز اسمه تعالى في أن ذلك على الله يسير ولم يقل إن ذلك عليه كما قال : ثم يعيده من غير إبراز ؟.
أجيب : بأنه مع إقامة البرهان على أنه يسير أكده بإظهار اسمه فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكون ذلك يسيراً فإن الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه أنه الحيّ القادر بقدرة كاملة لا يعجزه شيء، محيط بذرات كل نافذ الإرادة يقطع بجواز الإعادة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف تروا بالتاء على الخطاب على تقدير القول، والباقون بالياء على الغيْبة.
العنكبوت 29:20
ولما ساق تعالى هذا الدليل الذي حاجَّ به الخليل قومه قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الذين تعبدوا بما تقلدوا بمذاهب آبائهم ﴿سيروا﴾ إن لم تقتدوا بأبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتتأمّلوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع ﴿في الأرض﴾ إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم ﴿فانظروا﴾ أي : نظر اعتبار ﴿كيف بدأ﴾ ربكم الذي خلقكم ورزقكم ﴿الخلق﴾ من الحيوان والنبات والزروع والأشجار وغير ذلك مما تضمنته الجبال والسهول ﴿ثم الله﴾ أي : الحائز لجميع صفات الكمال ﴿ينشئ النشأة الآخرة﴾ بعد النشأة الأولى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وألف بعد الشين ممدودة قبل الهمزة، والباقون بسكون الشين والهمزة بعد الشين، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة، فإن قيل : أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء فقال كيف يبدأ الله. وأضمره عند الإعادة وههنا أضمره عند البدء وأبرزه عند الإعادة فقال ثم الله ينشئ ؟ أجيب : بأنه في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله تعالى بفعل حتى يسند إليه البدء فقال : كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده اكتفاء بالأولى، وفي الثانية : كان ذكر البدء مسنداً إلى الله تعالى فاكتفى به ولم يبرزه، وأمّا إظهاره عند الإنشاء ثانياً فقال ثم الله ينشئ مع أنه كان يكفي أن يقول ثم ينشئ النشأة الآخرة فلحكمة بالغة وهي أنه مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه حتى يفهم به صفات كماله ونعوت جلاله فيقطع بجواز الإعادة فقال : ثم الله مظهراً ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته فيعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته.
فإن قيل : قال في الأولى ﴿أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق﴾ بلفظ المستقبل وههنا قال :﴿فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ بلفظ الماضي فما الحكمة ؟ أجيب : بأن الدليل الأوّل هو الدليل النفسي الموجب للعلم وهو موجب للعلم ببدء الخلق، وأمّا الدليل الثاني : فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق فانظروا إلى الأشياء المخلوقة فيحصل لكم العلم بأنّ الله بدأ خلقاً، ويحصل من هذا القدر العلم بأنه ينشئ كما بدأ ذلك.
فإن قيل قال في هذه الآية :﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ وقال في الأولى :﴿إن ذلك على الله يسير﴾ فما فائدته ؟ أجيب بأنّ فيه فائدتين الأولى أن الدليل الأوّل هو الدليل : النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التامّ ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إليه يحصل العلم التامّ لأنه بالنظر إلى نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده منه فيتم علمه بأنّ كل شيء من الله تعالى فقال عند تمام الدليل :﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ وقال عند الدليل الواحد إنّ ذلك وهو الإعادة على الله يسير، الثانية : أنّ العلم الأوّل أتم وإن كان الثاني أعمّ وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً له بدليل قولك لمن يحمل مائة رطل إنه قادر عليه، فإذا سألت عن حمله عشرة أرطال تقول ذلك سهل يسير عليه فتقول : كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التامّ بأنّ هذه الأمور عند الله سهلة يسيرة فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور ونفس كونه مقدوراً كافٍ في إمكان الإعادة.
العنكبوت 29:21
ولما تم الدليل على الإعادة أنتج لا محالة أنه :﴿يعذب﴾ أي : بعدله ﴿من يشاء﴾ تعذيبه أي : منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة ﴿ويرحم﴾ أي : بفضله ورحمته ﴿من يشاء﴾ رحمته فلا يمسه سوء، فإن قيل : لم قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أنّ رحمته سابقة كما قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى :«سبقت رحمتي غضبي » ؟ أجيب : بأنّ السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، فذكر الرحمة وقع تبعاً لئلا يكون العذاب مذكوراً وحده وهذا تحقيق قوله :«رحمتي سبقت غضبي » ﴿وإليه﴾ وحده ﴿تقلبون﴾ أي : تردون بعد موتكم بأيسر سعي.
العنكبوت 29:22
﴿وما أنتم بمعجزين﴾ ربكم عن إدراككم ﴿في الأرض﴾ كيف انقلبتم في ظاهرها وباطنها واختلف في معنى قوله تعالى :﴿ولا في السماء﴾ لأنّ الخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء فقال الفراء معناه : ولا مَنْ في السماء بمعجز إن عصى كقول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه :
فمن يهجو رسول الله منكم؍ ويمدحه وينصره سواء؍
أراد ومن يمدحه وينصره فأضمر ( من ) يريد أنه لا يعجز أهل الأرض من في الأرض ولا أهل السماء من في السماء فالمعنى أنّ من في السماء عطف بتقدير إن يعصى وقال الفراء : وهذا من غوامض العربية، وقال قُطْرب : وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها كقول القائل : ما يفوتني فلان هنا ولا في البصرة أي : ولا في البصرة لو كان بها وكقوله تعالى :﴿إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض﴾ ( الرحمان : ٣٣ ) أي : على تقدير إن تكونوا فيها.
وقال ابن عادل : وأبعد من ذلك من قدر موصولين محذوفين، أي : وما أنتم بمعجزين مَنْ في الأرض من الجنّ والأنس ولا مَنْ في السماء من الملائكة فكيف تعجزون خالقهما، وعلى قول الجمهور يكون المفعول محذوفاً أي : وما أنتم بمعجزين أي : فائتين ما يريد الله تعالى، وقال البقاعي : ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمروذ وبنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لاسيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم عليه السلام من قبلها ومن بعدها. ولما أخبرهم بأنهم مقدور عليهم وكان ربما يتوهم أن غيرهم ينصرهم صرح بنفيه في قوله تعالى ﴿ومالكم﴾ أي : أجمعين وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله تعالى :﴿من دون الله﴾ أي : غيره وأكد النفي بإثبات الجار بقوله ﴿من ولي﴾ أي : قريب يحميكم لأجل القرابة ﴿ولا نصير﴾ ينصركم من عذابه.
العنكبوت 29:23
ولما بين الأصلين التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان هدد كل من خالفه على سبيل التفصيل بقوله تعالى :﴿والذين كفروا﴾ أي : ستروا ما أظهرت لهم أنوار العقول ﴿بآيات الله﴾ أي : بسبب دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها ﴿ولقائه﴾ بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل عليه ﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿يئسوا﴾ أي : متحققين يأسهم من الآن بل من الأزل لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوماً ولا قال قائل منهم : ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴿من رحمتي﴾ أي : من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم ﴿وأولئك لهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم بالغ ألمه، فإن قيل هلا اكتفى بقوله تعالى :﴿أولئك﴾ مرة واحدة ؟ أجيب : بأن ذلك كرّر تفخيماً للأمر فاليأس وصف لهم لأنّ المؤمن دائماً يكون راجياً خائفاً، وأمّا الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف.
وعن قتادة : أن الله تعالى ذمّ قوماً هانوا عليه فقال :﴿أولئك يئسوا من رحمتي﴾ وقال ﴿لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ ( يوسف : ٨٧ ) فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله ولا من رحمته وأن لا يأمن عذابه وعقابه، فصفة المؤمن أن يكون راجياً لله خائفاً.
العنكبوت 29:24
ثم إنّ الله تعالى أخبر عن فظاظة قوم إبراهيم وتكبرهم بقوله تعالى :﴿فما كان جواب قومه﴾ لما أمرهم بالتوحيد وتقوى الله تعالى ﴿إلا أن قالوا﴾ أي : قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين ﴿اقتلوه أو حرّقوه﴾ بالنار، فإن قيل : كيف سمى قولهم اقتلوه أو حرّقوه جواباً مع أنه ليس بجواب ؟ أجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنه خرج مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف مع أن السيف ليس بجواب وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل بالسيف، وثانيهما : أن الله تعالى أراد بيان صلابتهم وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلاً، وذلك أن من لا يجيب غيره وسكت لا يعلم أنه يقدر على الجواب أم لا لجواز أن يكون سكوته عن الجواب لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجواب فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه، ثم إنهم استقرّ رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطباً إلى أن ملئوا ما بين الجبال وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال وقذفوه فيها بالمنجنيق ﴿فأنجاه الله﴾ بما له من كمال العظمة ﴿من النار﴾ أي : من إحراقها وأذاها ونفعته بأن أحرقت وثاقه ﴿إن في ذلك﴾ أي : ما ذكر من أمره وما اشتملت عليه قصته من الحكم ﴿لآيات﴾ أي : براهين قاطعة على جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني لكون النار لم تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما مرّ عليها من طائر وإخمادها مع عظمتها في زمان يسير وإنشاء روض مكانها، وروي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم عليه السلام بالنار وذلك لذهاب حرقها ﴿لقوم يؤمنون﴾ أي : يصدقون بتوحيد الله وقدرته لأنهم المنتفعون بالفحص عنها والتأمّل فيها.
العنكبوت 29:25
﴿وقال﴾ أي : إبراهيم عليه السلام غير هائب لتهديدهم بقتل أو غيره ﴿إنما اتخذتم﴾ أي : أخذتم باصطناع وتكلف وأشار إلى عظمة الله وعلوّ شأنه ﴿من دون الله﴾ الذي كل شيء تحت قهره ﴿أوثاناً﴾ أي : أصناماً تبعدونها وما مصدرية ﴿مودّة بينكم﴾ أي : تواددتم على محبتها ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالاجتماع عندها والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرّة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جدّاً لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي زينت للناس على ما فيها من الإلباس وعظيم البأس، وقرأ نافع وابن عامر وشعبة مودّة بالنصب والتنوين وبينكم بنصب النون فنصب مودّة على أنه مفعول له أي : لأجل مودّة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي برفع مودّة من غير تنوين وكسر النون على أنّ مودّة خبر مبتدأ محذوف أي : هي مودّة، والباقون بنصب مودّة من غير تنوين وكسر النون وهذا أيضاً كإعراب المنوّنة. ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضر أتبع ذلك ما يعقبه من الضرّ البالغ معبراً بأداة البعد بقوله :﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض﴾ فينكر كل منكم محاسن أخيه ويتبرأ منه وتلعن الأتباع القادة وتلعن القادة الأتباع كما قال تعالى :﴿ويلعن بعضكم بعضاً﴾ وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها ضرر لا نفع لها وتقرّون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم ﴿ومأواكم﴾ أي : جميعاً أنتم والأوثان ﴿النار وما لكم من ناصرين﴾ يحمونكم منها.
العنكبوت 29:26
ثم بين تعالى أوّل من آمن بإبراهيم بقوله تعالى :﴿فآمن له﴾ أي : لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات ﴿لوط﴾ وكان ابن أخيه هاران وهو أوّل من صدّقه من الرجال ﴿وقال﴾ أي : إبراهيم عليه السلام لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها ﴿إني مهاجر﴾ أي : خارج من أرضي وعشيرتي على وجه يهمّ فمنتقل ومنحاز ﴿إلى ربي﴾ أي : إلى أرض ليس فيها أنيس ولا عشير ولا من ترجى نصرته ولا من تنفع مودّته فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدّسة فكانت هجرتان، ومن ثم قالوا لكل نبيّ هجرة ولإبراهيم عليه السلام هجرتان، وهو أوّل من هاجر في الله وكان معه في هجرته لوط وامرأته سارة، قال مقاتل وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة.
فإن قيل : لمَ لَمْ يقل : إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أنّ المهاجرة توهم الجهة ؟ أجيب : بأنّ هذا القول ليس في الإخلاص كقوله إلى ربي لأنّ الملك إذا صدر منه أمر برواح الأخيار ثم إن واحداً منهم سار إلى ذلك الموضع لغرض نفسه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن ليس مخلصاً لوجهه فلذا قال مهاجر إلى ربي يعني يوجهني إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلباً للجهة وإنما هو طلب لله، ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل ودّه من ذوي رحمه وأنسابه بقوله :﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿العزيز﴾ أي : فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه ﴿الحكيم﴾ فهو إذا أعز أحداً منعته حكمته من التعرّض له بالإذلال بفعل أو مقال.
العنكبوت 29:27
ولما كان التقدير فأعززناه بما ظنّ بنا عطف عليه قوله :﴿ووهبنا له﴾ أي : بعظيم قدرتنا شكراً على هجرته ﴿إسحاق﴾ من زوجته سارة رضي الله تعالى عنها التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس في كبرها ﴿ويعقوب﴾ من ولده إسحاق عليهما السلام فإن قيل لِمَ لَمْ يذكر إسماعيل عليه السلام وذكر إسحاق وعقبه ؟ أجيب : بأن هذه السورة لما كان السياق فيها للامتحان وكان إبراهيم عليه السلام قد ابتلي في إسماعيل بفراقه مع أمّه ووضعهما في مضيعة من الأرض لا أنيس فيها لم يذكره تصريحاً في سياق الامتنان وأفرد إسحاق لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك ولأن الامتنان به لكون أمّه عجوزاً عقيماً أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر إسماعيل تلويحاً في قوله تعالى ﴿وجعلنا﴾ أي : بعزتنا وحكمتنا ﴿في ذرّيته﴾ من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما السلام ﴿النبوّة﴾ فلم يكن بعده نبيّ أجنبي عنه بل جميع الأنبياء من ذرّية إسحاق إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه من ذرّية إسماعيل قاله بعض العلماء، فإن قيل إن الله تعالى جعل في ذرّيته النبوة أجابة لدعائه والوالد يسوّي بين أولاده فكيف صارت النبوّة في ولد إسحاق عليه السلام أكثر ؟.
أجيب : بأنّ الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى يوم القيامة قسمين والناس أجمعين فالقسم الأوّل من الزمان : بعث الله تعالى فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤوا تترى واحداً بعد واحد مجتمعين في عصر واحد كلهم من ذرّية إسحاق عليه السلام، ثم في القسم الثاني : من الزمان : أخرج من ذرّية ولده إسماعيل عليه السلام واحداً اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة ولا يبعد أن تبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل ذلك المقدار ﴿والكتاب﴾ فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، فإن قيل : لم أفرد الكتاب مع أنها أربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ؟ أجيب : بأنه أفرده ليدلّ مع تناوله جنسية الكتب الأربعة أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها أو كان راجعاً إليها ولو جمع لم يفد هذا المعنى ﴿وآتيناه أجره﴾ على هجرته ﴿في الدنيا﴾ بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق ورغد العيش وكثرة الولد والحزم في الشيخوخة وكثرة النسل، والثناء الحسن والمحبة من جميع الخلق وغير ذلك.
قال الرازي : وفي الآية لطيفة وهي أنّ الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم عليه السلام في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذييه بالنار كان وحيداً فريداً فبدل الله تعالى وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته.
ولما كان أوّلاً بعث إلى قومه وأقاربه الأقربين ضالين مضلين من جملتهم آزر بدل الله تعالى أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذرّيته الذين جعلت فيهم النبوّة والكتاب، وكان أولاً لا جاه له ولا مال وهما غاية المذلة الدنيوية آتاه الله تعالى من المال والجاه حتى كان له من المواشي ما علم الله تعالى عدده حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق الذهب وأما الجاه فصار بحيث تقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة فصار معروفاً بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً حتى قال قائلهم سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم وهذا الكلام لا يقال إلا للمجهول عند الناس.
﴿وإنه في الآخرة﴾ أي : التي هي الدار ومحلّ الاستقرار ﴿لمن الصالحين﴾ أي : الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة، قال ابن عباس : مثل آدم ونوح.
العنكبوت 29:28
وفي إعراب قوله تعالى :﴿ولوطاً﴾ ما تقدّم في إعراب نصب إبراهيم ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قال لقومه﴾ أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه حين فارق عمه الخليل إبراهيم عليهما السلام منكراً ما رأى من حالهم وقبيح فعالهم مؤكداً له ﴿أئنكم لتأتون الفاحشة﴾ وهي أدبار الرجال المجاوزة للحدّ في القبح فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها ثم علل كونها فاحشة استئنافاً بقوله :﴿ما سبقكم بها﴾ وهي حالة مبينة لعظيم جراءتهم على المنكر أي : غير مسبوقين به وأغرق في النفي بقوله :﴿من أحد﴾ وزاد بقوله :﴿من العالمين﴾ أي : كلهم من الأنس والجنّ أي : فضلاً عن خصوص الناس.
العنكبوت 29:29
ثم كرّر الإنكار تأكيداً التجاوز قبحها الذي ينكرونه بقوله :﴿أئنكم لتأتون الرجال﴾ إتيان الشهوة وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر بقوله ﴿وتقطعون السبيل﴾ أي : طريق المارّة بالقتل وأخذ المال بفعلكم الفاحشة بمن يمرّ بكم فترك الناس الممرّ بكم أو تقطعون سبيل النساء بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ أي : تفعلون في متحدّثكم فعل الفاحشة بعضكم ببعض وهو مما تنكره الشرائع والمروءآت والعقول وأنتم لا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى من غير أن يستحي بعضكم من بعض، قال ابن عباس : المنكر هو الحذف بالحصا والرمي بالبنادق والفرقعة ومضع العلك والسواك بين الناس وحلّ الأزار والسباب والتضارط في مجالسهم والفحش والمزاح، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كانوا يتحابقون، وقيل : السخرية بمن يمرّ بهم، وقيل المجاهرة في ناديهم بذلك العمل وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء «من خرق جلباب الحياء فلا غيبة له » ولا يقال للمجلس نادياً إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسمّ نادياً، وعن مكحول في أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحلّ الإزار والصفير والحذف واللوطية، ودلّ على عنادهم بقوله تعالى مسبباً عن هذه الفضائح بالنهي عن تلك القبائح ﴿فما كان جواب قومه﴾ أي : الذين فيهم قوّة ونجدة بحيث يخشى شرّهم ويتقى أذاهم لما أنكر عليهم ما أنكر ﴿إلا أن قالوا﴾ عناداً وجهلاً واستهزاءً ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجراءة ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي : في استقباح ذلك وأنّ العذاب نازل بفاعليه، فإن قيل : قال قوم إبراهيم عليه السلام اقتلوه أو حرّقوه وقال قوم لوط :﴿ائتنا بعذاب الله إنّ كنت من الصادقين﴾ وما هدّدوه مع أنّ إبراهيم كان أعظم من لوط فإنّ لوطاً كان من قومه ؟ أجيب : بأنّ إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم ويعدّد صفات نقصهم بقوله لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يغني والسب في الدين صعب فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرّم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم كلام إبراهيم فقالوا له : إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه فإن كنت صادقاً فائتنا بالعذاب. فإن قيل : إنّ الله تعالى قال في موضع آخر :﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم﴾ ( النمل، ٥٦ ) وقال هنا :﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله﴾ فكيف الجمع ؟ أجيب : بأنّ لوطاً كان ثابتاً على الإرشاد مكرّراً على النهي والوعيد فقالوا أولاً : ائتنا. ثم لما كثر ذلك منه ولم يسكت عنهم قالوا : أخرجوا.
العنكبوت 29:30
ولما أيس منهم طلب النصرة من الله بأن ﴿قال﴾ أي : لوط عليه السلام معرضاً عنهم مقبلاً بكليته على المحسن إليه ﴿رب﴾ أي : أيها المحسن إليّ ﴿انصرني على القوم﴾ أي : الذين فيهم من القوّة ما لا طاقة لي بهم معه ﴿المفسدين﴾ أي : العاصين بإتيان الرجال ووصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب وإشعاراً بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب.
العنكبوت 29:31
ولما دعا لوط على قومه بقوله رب إلى آخره استجاب الله تعالى دعاءه وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين كما قال تعالى :﴿ولما جاءت﴾ وأسقط أن لأنه لم يتصل القول بأوّل المجيء بل كان قبله السلام والضيافة وعظم الرسل بقوله تعالى :﴿رسلنا﴾ أي : من الملائكة تعظيماً لهم في أنفسهم ﴿إبراهيم بالبشرى﴾ أي : بإسحاق ولداً له ويعقوب ولداً لإسحاق عليهما السلام.
﴿قالوا﴾ أي : الرسل عليهم السلام لإبراهيم عليه السلام بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ أي : قرية سدوم، والإضافة لفظية لأنّ المعنى على الاستقبال، ثم عللوا ذلك بقولهم :﴿إنّ أهلها كانوا ظالمين﴾ أي : عريقين في هذا الوصف فلا حيلة في رجوعهم عنه، فإن قيل : قال تعالى في قوم نوح :﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ ( العنكبوت، ١٤ ) ففي ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ولم يقل فأخذهم وكانوا ظالمين وهنا قال :﴿إنّ أهلها كانوا ظالمين﴾ ولم يقل وهم ظالمون ؟ أجيب : بأنه لا فرق في الموضعين في كونهما مهلكين وهم مصرون على الظلم لكن هناك الإخبار من الله تعالى عن الماضي حيث قال فأخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون وههنا الإخبار من الملائكة عن المستقبل حيث قالوا :﴿إنا مهلكوا﴾ فذكروا ما أمروا به فإنّ الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، وهم كانوا ظالمين في وقت الأمر وكونهم يبقون كذلك لا علم لهم به.
العنكبوت 29:32
ولما قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام ذلك ﴿قال﴾ لهم مؤكداً تنبيهاً على حالة ابن أخيه ﴿إنّ فيها لوطاً﴾ ولم يقل عليه السلام إن منهم لوطاً لأنه نزيل عندهم فلذا جاء بالتصريح بالسؤال عنه ﴿قالوا﴾ أي : الرسل عليهم السلام له :﴿نحن أعلم﴾ منك ﴿بمن فيها﴾ أي : من لوط وغيره ﴿لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ أي : الباقين في العذاب وهم الفجرة لتعم وجهها معهم الغبرة، وقرأ حمزة والكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم بعدها، والباقون بفتح النون وتشديد الجيم بعدها.
العنكبوت 29:33
﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطاً﴾ أي : المعظمون بنا ﴿سيء﴾ أي : حصلت له المساءة والغم ﴿بهم﴾ أي : بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء لما رأى من حسن أشكالهم وهو يظنّ أنهم من الناس لأنهم جاؤوا من عند إبراهيم عليه السلام إليه على صورة البشر، روي أنهم كانوا يجلسون مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصاً فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به، قيل : إنه كان يأخذه معه وينكحه ويغرّمه ثلاثة دراهم ولهم قاض بذلك، ولهذا يقال : أجور من قاضي سدوم.
﴿وضاق﴾ أي : بأعمال الحيلة في الدفع عنهم ﴿بهم ذرعاً﴾ أي : ذرعه أي : طاقته والأصل في ذلك أنّ من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها يضرب مثلاً في العجز والقدرة. ولما رأوه على هذه الحالة خففوا عليه ﴿قالوا﴾ له ﴿لا تخف﴾ إنا رسل ربك لإهلاكهم ﴿ولا تحزن﴾ أي : على تمكنهم منا أو على أحد ممن يهلك فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليه بسببه فإنهم وصلوا في الخبث إلى حدّ لا مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد :﴿إنا منجوك﴾ أي : مبالغون في إنجائك وقولهم :﴿وأهلك﴾ منصوب على محل الكاف ﴿إلا امرأتك كانت من الغابرين﴾ فإن قيل : القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها ذلك فكيف كانت من الغابرين معهم ؟.
أجيب : بأنّ الدال على الشرّ كفاعله كما أنّ الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم فبالدلالة صارت كأحدهم، فإن قيل ما مناسبة قولهم إنا منجوك لقولهم لا تخف ولا تحزن فإنّ خوفه ما كان على نفسه ؟ أجيب : بأنّ لوطاً لما ضاق عليهم وحزن لأجلهم قالوا له : لا تخف أي : علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة، ثم قالوا له : يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا إنا منجوك وأهلك، وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم.
العنكبوت 29:34
ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية قالوا له :﴿إنا منزلون﴾ أي : لا محالة ﴿على أهل هذه القرية رجزاً﴾ أي : عذاباً ﴿من السماء﴾ فهو عظيم وقعه، شديد صدعه، واختلف في ذلك الرجز فقيل : حجارة وقيل : نار، وقيل : خسف، وعلى هذا يكون المراد أنّ الأمر بالخسف والقضاء به من السماء، وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي.
تنبيه : كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم عليه السلام فقدموا البشارة على إنزال العذاب ثم قالوا إنا منجوك ثم قالوا إنا منزلون ولم يعللوا التنجية فلم يقولوا إنا منجوك لأنك نبيّ أو عابد وعللوا الإهلاك فقالوا :﴿بما كانوا يفسقون﴾ أي : يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء كقولهم هناك إنّ أهلها كانوا ظالمين.
العنكبوت 29:35
ولما كان التقدير ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم فتركناها كأن لم يسكنها أحد عطف عليه قوله تعالى :﴿ولقد تركنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿منها﴾ أي : من تلك القرى ﴿آية﴾ أي : علامة على قدرتنا على كل ما نريد ﴿بينة﴾ أي : ظاهرة، قال ابن عباس : منازلهم الخربة، وقال قتادة هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله تعالى حتى أدركها أوائل هذه الأمة، وقال مجاهد هو ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.
فائدة : اتفق القراء على إدغام الدال في التاء.
تنبيه : في هذه الآية إشارة إلى غفلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع الانخلاع من الهوى وإنما يكون ذلك ﴿لقوم يعقلون﴾ أي : يتدبرون فعد من لم يستبصر بذلك غير عاقل.
تنبيه : ههنا أسئلة :( الأوّل ) كيف جعل الآية في نوح وإبراهيم عليهما السلام بالنجاة فقال :﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية﴾ ( العنكبوت، ١٥ ) وقال :﴿فأنجاه الله من النار إنّ في ذلك لآيات﴾ ( العنكبوت، ٢٤ ) وجعل ههنا الهلاك آية، ( الثاني ) : ما الحكمة في قوله تعالى في السفينة ﴿جعلناها آية﴾ ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة، ( الثالث ) : ما الحكمة في قوله تعالى هناك ﴿للعالمين﴾ وقال ههنا :﴿لقوم يعقلون﴾ ؟ أجيب عن الأوّل : بأنّ الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأنّ في ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر إلهي عجيب وما به النجاة وهو السفينة كان باقياً والغرق لم يبق له بعده أثر محسوس في البلاد فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة لوط لم تكن بأمر يبقى في أثره للحس، والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل الآية الأمر الباقي ههنا البلاد وهناك السفينة.
وههنا لطيفة : وهي أنّ الله تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وآخر آيات الهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة، وعن الثاني بأنّ الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر، وأمّا الآية ههنا الخسف وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وبزمان دون زمان فهي بينة لا يمكن الجاهل أن يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك فيقال له فلو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كانت تحصل لهم النجاة ولو سلط الله تعالى عليهم الريح العاصفة كيف تكون أحوالهم، وعن الثالث بأنّ السفينة موجودة معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون بها حالة نوح وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة منه ولا يثق أحد بمجرّد السفينة بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرّعاً إلى الله تعالى طالباً للنجاة، وأمّا أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من مر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أنّ ذلك من الله تعالى وإراداته بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان.
العنكبوت 29:36
ولما كان شعيب عليه السلام أيضاً قد ابتلي بتكذيب قومه اتبع قصته بقصة لوط بقوله تعالى :﴿وإلى مدين﴾ أي : ولقد أرسلنا أو بعثنا إلى مدين ﴿أخاهم﴾ أي : من النسب والبلد ﴿شعيباً﴾ ومدين قيل : اسم رجل في الأصل وجهل وله ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما، وقيل : اسم ماء نسب القوم إليه فاشتهر في القوم، قال الرازي : والأوّل كأنه أصح لأنّ الله تعالى أضاف الماء إلى مدين بقوله تعالى :﴿ولما ورد ماء مدين﴾ ( القصص : ٢٣ ) ولو كان اسماً للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية والأصل في الإضافة التغاير والحقيقة، فإن قيل : قال تعالى في نوح :﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ ( المؤمنون : ٢٣ ) فقدم نوحاً في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه، وكذلك في إبراهيم ولوط وههنا ذكر القوم أولاً وأضاف إليهم أخاهم شعيباً، فما الحكمة في ذلك ؟.
أجيب : بأنّ الأصل في الجميع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأنّ الرسل لا تبعث إلى غير معينين وإنما تبعث الرسل إلى قوم محتاجين إلى الرسل فيرسل الله تعالى إليهم من يختاره، غير أنّ قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاصة ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها فعرفوا بنبيهم عليه السلام فقيل قوم نوح وقوم لوط فأمّا قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله قال تعالى :﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ ﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً﴾ ﴿فقال﴾ أي : فتسبب عن إرساله وبعثه أن قال :﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي : الملك الأعلى وحده ولا تشركوا به شيئاً فإنّ العبادة التي فيها شرك ظاهر أو خفي عدم لأنّ الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصاً.
فإن قيل : لم يذكر عن لوط عليه السلام أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك ؟ أجيب : بأنّ لوطاً كان من قوم إبراهيم وفي زمانه وكان إبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يحتج لوط إلى ذكره وإنما ذكر ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها وإن كان هو أبداً يأمر بالتوحيد إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد، وأمّا شعيب فكان بعد انقراض ذلك الزمن وذلك القوم فكان هو أصلاً في التوحيد فبدأ به.
ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال :﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ أي : وافعلوا ما ترجون به العاقبة فأقيم المسبب مقام السبب، أو أمروا بالرجاء والمراد اشتراط ما يسوّغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط، وقيل : هو من الرجاء بمعنى الخوف ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ حال كونكم ﴿مفسدين﴾ أي : متعمدين الفساد.
العنكبوت 29:37
ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم تسبب عنه وتعقبه إهلاكهم تحقيقاً لأنّ أهل السيئات لا يسبقوننا قال تعالى :﴿فكذبوه﴾ في ذلك، فإن قيل ما حكاه الله تعالى عن شعيب أمر ونهي والأمر لا يكذب ولا يصدق فإنّ من قال لغيره : اعبد الله لا يقال له كذبت ؟ أجيب : بأنّ شعيباً كان يقول الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرّم فلا تقربوه، وهذه فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبر به ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ أي : الزلزلة الشديدة، وعن الضحاك صيحة جبريل لأنّ القلوب رجفت بها ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي : في بلدهم أو دورهم فاكتفى بالواحد ولم يجمع لأمن اللبس ﴿جاثمين﴾ أي : باركين على الركب ميتين فإن قيل : قال تعالى في الأعراف وههنا : فأخذتهم الرجفة وقال في هود : فأخذتهم الصيحة والحكاية واحدة ؟ أجيب : بأنه لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة لأنّ جبريل لما صاح تزلزلت الأرض من صيحته فرجفت قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب.
فإن قيل ما الحكمة في أنه تعالى إذا قال فأخذتهم الصيحة قال في ديارهم وحيث قال فأخذتهم الرجفة قال في دارهم ؟ أجيب : بأنّ المراد من الدار هو الديار والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن اللبس كما مرّ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة وهي أنّ الرجفة هائلة في نفسها فلم تحتج إلى تهويلها، وأمّا الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أخذت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع حتى تعلم هيئتها، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كلامه فلم تحتج إلى معظم لأمرها.
العنكبوت 29:38
ولما كان معنى ختام قصة مدين فأهلكناهم عطف على ذلك المعنى قوله تعالى :﴿وعاداً﴾ أي : وأهلكنا أيضاً عاداً ﴿وثموداً﴾ مع ما كانوا فيه من العتو والتكبر والعلوّ لأنّ من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضاً في الخير والشرّ على نسق والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقاً عن طبق، وقرأ حمزة وحفص في الوصل وثمود بغير تنوين على تأويل القبيلة وفي الوقف بسكون الدال، والباقون بالتنوين وفي الوقف بالألف ﴿وقد تبين لكم﴾ أي : ما حل بهم من مساكنهم أي : ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدّة الأجسام وسفه الأحلام وعلوّ الاهتمام وتقرب الأذهان وعظم الشأن عند مروركم بتلك المساكن ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام فصرفوا في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا فأملوا بعيداً وبنوا مشيداً ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً من أمر الله ﴿وزين لهم الشيطان﴾ البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة بقوّة احتياله ومحبوب ضلاله ومحاله ﴿أعمالهم﴾ أي : الفاسدة من الكفر والمعاصي فأقبلوا بكليتهم عليها ﴿فصدّهم﴾ أي : فتسبب عن ذلك صدّهم ﴿عن السبيل﴾ أي : منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو لكونه يوصل إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك. ولما كان ذلك ربما ظنّ لفرط غباوتهم قال :﴿وكانوا مستبصرين﴾ أي : معدودين بين الناس من البصراء العقلاء.
العنكبوت 29:39
ولما كان فرعون ومن ذكر معه من العتوّ بمكان لا يخفى لما أوتوا من القوّة بالأموال والرجال قال :﴿وقارون﴾ أي : وأهلكنا قارون وقومه لأنّ وقوعه في أسباب الهلاك أعجب لكونه من بني إسرائيل ولأنه ابتلي بالمال والعلم فكان ذلك سبب إعجابه فتكبر على موسى وهارون عليهما السلام فكان ذلك سبب هلاكه ﴿وفرعون وهامان﴾ وزيره الذي أوقد له على الطين فباع سعادته ليكونه ذنباً لغيره ﴿ولقد جاءهم﴾ من قبل ﴿موسى بالبينات﴾ أي : بالحجج الظاهرات التي لم تدع لبساً ﴿فاستكبروا﴾ أي : طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك ﴿في الأرض﴾ بعد مجيء موسى عليه السلام إليهم أكثر مما كانوا قبله ﴿وما كانوا سابقين﴾ أي : فائتين بل أدركهم أمر الله، مِنْ سبق طالبه إذا فاته.
العنكبوت 29:40
﴿فكلاً﴾ أي : فتسبب عن تكذيبهم أنّ كلاً ﴿أخذنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿بذنبه﴾ أي : أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً﴾ أي : ريحاً عاصفاً فيها حصباء كقوم لوط وعاد ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ أي : التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود ﴿ومنهم من خسفنا به الأرض﴾ أي : غيبناه فيها كقارون وجماعته ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وقومه وعذاب قوم صالح المعدّ في الإغراق والمعدّ في الخسف فتارة يهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط أو من الأرض كعاد ﴿وما كان الله﴾ أي : الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا له ﴿ليظلمهم﴾ أي : فيعذبهم بغير ذنب ﴿ولكن كانوا أنفسهم﴾ لا غيرها ﴿يظلمون﴾ بارتكاب المعاصي ولم يقبلوا النصح مع هجرهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم،
العنكبوت 29:41
ولما بين تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلاً وعذب من كذب آجلاً ولم ينفعه معبوده مثل تعالى اتخاذه ذلك معبوداً باتخاذ العنكبوت بيتاً فقال :﴿مثل الذين اتخذوا﴾ أي : تكلفوا أن اتخذوا ﴿من دون الله﴾ أي : الذي لا كفء له فرضوا بالدون الذي لا ينفع ولا يضرّ عوضاً عمن لا تكيفه الأوهام والظنون ﴿أولياء﴾ ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها في الضعف والوهن.
﴿كمثل العنكبوت﴾ أي : الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال ﴿اتخذت بيتاً﴾ أي : تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى ويحميها البلاء كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم ليقوهم ويحفظوهم بزعمهم فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره وتعبها الشديد في شأنه في غاية الوهن ﴿وإن﴾ أي : والحال إن ﴿أوهن البيوت﴾ أي : أضعفها ﴿لبيت العنكبوت﴾ لا يدفع عنها حرّاً ولا بردا كذلك الأصنام لا تنفع عابديها ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أي : لو كانوا يعلمون أنّ هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن، وأيضاً أنه إذا صح تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت فقد تبين أنّ دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون أي : لو كان لهم نوع مّا من العلم لانتفعوا به ولعلموا أنّ هذا مثلهم فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثلهم، ولقائل أن يقول مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل يبني بيتاً بآجر وجص أو ينحته من صخر وكان أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت كذلك الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان، فإن قيل : لم مثل تعالى باتخاذ العنكبوت ولم يمثل بنسجها ؟ أجيب : بأنّ نسجها فيه فائدة لولاه لما حصلت وهو اصطياد الذباب به من غير أن يفوتها ما هو أعظم منه واتخاذهم الأوثان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ولكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت. تنبيه : نون العنكبوت أصلية والواو والتاء مزيدتان بدليل جمعة على عناكب وتصغيره عنيكب ويذكر ويؤنث فمن التأنيث قوله تعالى ﴿اتخذت﴾ ومن التذكير قول القائل :
على هطالهم منهم بيوت؍ كأن العنكبوت هو ابتناها؍
وهذا مطرد في أسماء الأجناس تذكر وتؤنث، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص البيوت بضم الباء، والباقون بكسرها.
العنكبوت 29:42
ولما كان ضرب المثل بالشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء قال الله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿يعلم ما﴾ أي : الذي ﴿يدعون﴾ أي : يعبدون ﴿من دونه﴾ أي : غيره ﴿من شيء﴾ أي : سواء كان صنماً أم إنسياً أم جنياً ﴿وهو العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه، وقرأ أبو عمرو وعاصم يدعون بالياء التحتية، والباقون بالفوقية.
العنكبوت 29:43
ولما ذكر مثلهم وما تتوقف صحته عليه كان كأنه قيل : على وجه التعظيم : هذا المثل مثلهم فعطف عليه قوله تعالى إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيماً لها وتنبيهاً على جليل قدرها وعلوّ شأنها :﴿وتلك الأمثال﴾ أي : العالية عن أن تنال بنوع احتيال، ثم استأنف قوله تعالى ﴿نضربها﴾ أي : بما لنا من العظمة بياناً ﴿للناس﴾ أي : تصويراً للمعاني المعقولات بصور المحسوسات لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات كلها هي طرق إلى إفهام المعاني المحتجبة في الأستار تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها، روي أنّ الكفار قالوا كيف يضرب خالق الأرض والسماوات الأمثال بالهوام والحشرات كالذباب والبعوض والعنكبوت ؟ فقال الله تعالى مجهلاً لهم :﴿وما يعقلها﴾ أي : حق تعقلها فينتفع بها ﴿إلا العالمون﴾ أي : الذين هيئوا للعلم وجعل طبعاً لهم بما بث في قلوبهم من أنواره وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها، روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :«العالم الذي عقل عن الله وعمل بطاعته واجتنب سخطه » قال البغويّ : والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأوّل يريد أمثال القرآن التي يشبه بها أحوال كفار هذه الأمّة بأحوال كفار الأمم المتقدّمة.
العنكبوت 29:44
ولما قدّم تعالى أنه لا معجز له سبحانه ولا ناصر لمن خذله استدل على ذلك بقوله تعالى :﴿خلق الله﴾ أي : الذي لا يدانى في عظمته ﴿السماوات والأرض بالحق﴾ أي : الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، أو بسبب أنه محق غير قاصد به باطلاً فإنّ المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الجود والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله تعالى :﴿إنّ في ذلك لآية﴾ أي : دلالة ظاهرة على قدرته تعالى ﴿للمؤمنين﴾ وأُختص المؤمنون بذلك لأنهم المنتفعون به.
العنكبوت 29:45
ثم خاطب تعالى رأس أهل الإيمان بقوله تعالى :﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب﴾ أي : القرآن الجامع لكل خير لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولما أرشد تعالى إلى مفتاح العلم دلّ على قانون العمل بقوله تعالى :﴿وأقم الصلاة﴾ أي : التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنّ الصلاة تنهى﴾ أي : توجد النهي وتجدّده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها ﴿عن الفحشاء﴾ أي : عن الخصال التي بلغ قبحها ﴿والمنكر﴾ وهو ما لا يعرف في الشرع، فإن قيل : كم من مصلّ يرتكب الفحشاء ؟ أجيب : بأنّ المراد الصلاة التي هي الصلاة عند الله تعالى المستحق بها الثواب بأن يدخل فيها مقدّماً للتوبة النصوح متقياً لقوله تعالى :﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ ( المائدة، ٢٧ ) ويصليها خاشعاً بالقلب والجوارح، فقد روي عن حاتم : كأنّ رجليّ على الصراط والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت من فوقي وأصلي بين الخوف والرجاء، ثم يحوطها بعد أن يصليها ولا يحبطها فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال ابن مسعود وابن عباس : إن الصلاة تنهى وتزجر عن معاصي الله عز وجل فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله تعالى إلا بعداً، وقال الحسن وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه، وقيل من كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوماً ما، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال :«إن صلاته لتردعه ».
وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال : إنّ صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب، وقال ابن عوف : معنى الآية إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها، وعلى كل حال فإنّ المراعي للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها، وأيضاً فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها كما تقول : إن زيداً ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع المناكر وإنما تريد أن هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم، وقيل : المراد بالصلاة القرآن كما قال تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ ( الإسراء : ١١٠ ) أي : بقراءتك وأراد به من يقرأ القرآن في الصلاة فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر، روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلاً يقرأ القرآن الليل كله ويصبح سارقاً قال :«ستنهاه قراءته ».
ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله أتبع ذلك بقوله تعالى :﴿ولذكر الله أكبر﴾ أي : لأنّ ذكر المستحق لكل صفات كمال أكبر من كل شيء فذكر الله تعالى أفضل الطاعات، قال صلى الله عليه وسلم :«ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا : وما ذاك يا رسول الله قال : ذكر الله » وسئل صلى الله عليه وسلم أي : العبادة أفضل عند الله درجة يوم القيامة قال :«الذاكرون الله كثيراً، قالوا يا رسول الله ومن الغازين في سبيل الله فقال : لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكر الله كثيراً أفضل منه درجة ».
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على جبل في طريق مكة يقال له جمدان فقال :«سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيراً والذاكرات » أو والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات وسماها بذكر الله كما قال تعالى :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ ( الجمعة : ٩ ) وإنما قال ولذكر الله أكبر ليستقلّ بالتعليل كأنه قال والصلاة أكبر لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس : ولذكر الله تعالى إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، وقال عطاء : ولذكر الله أكبر من أن يتقى معه معصية.
﴿والله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿يعلم﴾ أي : في كل وقت ﴿ما تصنعون﴾ من الخير والشرّ فيجازيكم على ذلك.
العنكبوت 29:46
ولما بين تعالى طريقة إرشاد المشركين بين طريقة إرشاد أهل الكتاب بقوله تعالى :﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب﴾ أي : اليهود والنصارى ظناً منكم أنّ الجدال ينفع أو يزيد في اليقين أو يردّ واحداً عن ضلال مبين ﴿إلا بالتي﴾ أي : بالمجادلة التي ﴿هي أحسن﴾ كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم والدعاء إلى الله تعالى بآياته والتنبيه على حججه كما قال تعالى :﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ ( المؤمنون، ٩٦ ) ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية فجادلوهم بالسيف إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، وقيل : إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا يد الله مغلولة، وعن قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ( التوبة : ٢٩ ) ولا مجادلة أشدّ من السيف.
ولما بين تعالى عن موجب الخلاف أمر بالاستعطاف بقوله تعالى :﴿وقولوا﴾ أي : لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم ﴿آمنا بالذي أنزل إلينا﴾ أي : من هذا الكتاب المعجز ﴿وأنزل إليكم﴾ من كتبكم أي : لأنه في أصله حق وإن كان قد نسخ، منه ما نسخ وإن حدثوكم بشيء منه وليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، لما روى أبو داوود أنه صلى الله عليه وسلم قال :«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن قالوا باطلاً لم تصدقوهم وإن قالوا حقاً لم تكذبوهم » أي : فإن هذا أدعى إلى الإنصاف وأنفى للخلاف.
ولما لم يكن هذا جامعاً للفريقين أتبعه بما يجمعه بقوله تعالى :﴿وإلهنا وإلهكم واحد﴾ أي : لا إله لنا غيره، وإن ادّعى بعضكم عزيراً والمسيح ﴿ونحن له﴾ خاصة ﴿مسلمون﴾ أي : خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة ولا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفاً لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
العنكبوت 29:47
﴿وكذلك﴾ أي : ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم من التوراة وغيرها ﴿أنزلنا إليك الكتاب﴾ أي : القرآن مصدّقاً لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله تعالى ﴿فالذين آتيناهم الكتاب﴾ أي : التوراة كعبد الله بن سلام وغيره ﴿يؤمنون به﴾ أي : بالقرآن ﴿ومن هؤلاء﴾ أي : أهل مكة أو ممن في عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين ﴿من يؤمن به﴾ وهم مؤمنو أهل مكة وأهل الكتابين ﴿وما يجحد﴾ أي : ينكر، قال قتادة : والجحود : إنما يكون بعد المعرفة ﴿بآياتنا﴾ أي : التي جاوزت أقصى غايات العظمة حتى أنها استحقت الإضافة إلينا ﴿إلا الكافرون﴾ أي : اليهود ظهر لهم أنّ القرآن حق والجائي به محق وجحدوا ذلك وهذا تنفير لهم عما هم عليه يعني أنكم آمنتم بكل شيء وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة وبإنكارها تلحقون بهم وتعطلون مزاياكم فإنّ الجاحد بآية يصير كافراً.
العنكبوت 29:48
﴿وما﴾ أي : وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما ﴿كنت تتلو﴾ أي : تقرأ أصلاً ﴿من قبله﴾ أي : هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، وأكد استغراق الكتب بقوله تعالى :﴿من كتاب﴾ أصلاً ﴿ولا تخطه﴾ أي : تجدّد وتلازم خطه وصور الخط، وأكده بقوله :﴿بيمينك﴾ فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك ؟ أجيب : بأنه ذكر اليمين التي هي أقوى الجارحتين وهي التي يزاول بها الخط زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه كان أشّد لإثباتك أنه تولى كتبه فكذلك النفي، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة القوية التي ينشأ عنها ملكه فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل ولذلك قال تعالى :﴿إذاً﴾ أي : لو كنت ممن يخط ويقرأ ﴿لارتاب﴾ أي : شك ﴿المبطلون﴾ أي : اليهود فيك وقالوا : الذي في التوراة أنه أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأوّلين وكتبه بيده.
فإن قيل : لم سماهم مبطلين ولو لم يكن أمياً وقالوا ليس بالذي نجده في كتبنا لكانوا صادقين محقين ولكان أهل مكة أيضاً على حق في قولهم لعله تعلمه أو كتبه بيده فإنه رجل كاتب قارئ ؟ أجيب : بأنه سماهم مبطلين لأنهم كفروا به وهو أمي بعيد من الريب فكأنه قال : هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أمياً لارتابوا أشدّ الريب فحينئذٍ ليس بقارئ ولا كاتب فلا وجه لارتيابهم، وأيضاً سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم وما جاؤوا به لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارئ كاتب فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى على أنّ المنزل إليهم معجز وهذا المنزل معجز فإذاً هم مبطلون حيث لم يؤمنوا وهو أمي ومبطلون حيث لم يؤمنوا وهو غير أمي.
العنكبوت 29:49
ولما كان التقدير ولكنه لا ريب لهم أصلاً ولا شبهة لقولهم أنه باطل قال تعالى :﴿بل هو﴾ أي : القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل تقدير ﴿آيات﴾ أي : دلالات ﴿بينات﴾ أي : واضحات جدّاً في الدلالة على صدقك ﴿في صدور الذين أوتوا العلم﴾ أي : المؤمنين يحفظونه فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم، وقال ابن عباس وقتادة : بل هو يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب لأنهم يجدونه بنعته ووصفه في كتبهم ﴿وما يجحد﴾ وكان الأصل به ولكنه أشار إلى عظمته بقوله تعالى :﴿بآياتنا﴾ أي : ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجهله أحد ﴿إلا الظالمون﴾ أي : المتوغلون في الظلم المكابرون.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى ههنا ﴿إلا الظالمون﴾ ومن قبل قال ﴿إلا الكافرون﴾ ؟ أجيب : بأن ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ثم إنّ العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها وما أوتي البشر من العلم إلا قليلاً ولكن الحكمة هنا أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها بإنكار محمد صلى الله عليه وسلم فتكونوا كافرين فلفظ الكافر هناك أبلغ فمنعهم عن ذلك استنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم : إن جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أوّل الأمر بالمشركين حكماً وتلتحقون عند جحد هذه الآيات بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين أي : مشركين كما قال تعالى :﴿إنّ الشرك لظلم عظيم﴾ ( لقمان : ١٣ ) فهذا اللفظ ههنا أبلغ.
العنكبوت 29:50
ولما كان التقدير جحدوها بما لهم من الرسوخ في الظلم ولم يعدوها آيات فضلاً عن كونها بينات عطف عليه قوله تعالى :﴿وقالوا﴾ موهمين مكراً إظهاراً للنصفة بأدنى ما يدل على الصدق ﴿لولا﴾ أي : هلا ﴿أنزل عليه﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم على أيّ وجه كان من وجوه الإنزال ﴿آية﴾ تكون بحيث تدل قطعاً على صدق الآتي بها ﴿من ربه﴾ أي : الذي يدعي إحسانه إليه كما أنزل على الأنبياء قبله كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى عليهم السلام ليستدل بها على صدق مقاله وصحة ما يدعيه من حاله، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص آيات بالجمع لأنّ بعده ﴿قل إنما الآيات﴾ بالجمع إجماعاً، والباقون آية بالإفراد لأنّ غالب ما جاء في القرآن كذلك.
ولما كان هذا إنكاراً للشمس بعد شروقها ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات بعد حقوقها أشار إليه بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء ﴿إنما الآيات عند الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ينزل أيتها شاء فلا يقدر على إنزال شيء منها غيره فإنما الإله هو لا سواه ولو شاء أن ينزل ما يقترحونه لفعل ﴿وإنما أنا نذير مبين﴾ أي : فليس من شأني إلا الإنذار وإبانته بما أعطيته من الآيات وليس لي أن أقترح عليه الآيات فأقول أنزل علي آية كذا دون آية كذا على أنّ المقصود من الآيات الدلالة على الصدق وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ولم يذكر البشارة لأنه ليس من أسلوبها.
العنكبوت 29:51
وقوله تعالى :﴿أولم يكفهم﴾ جواب لقولهم لولا أنزل عليه آيات من ربه أي : إن كانوا طائعين للحق غير متيقنين آية مغنية عن كل آية ﴿أنا أنزلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿عليك الكتاب﴾ أي : القرآن الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقاً لك ﴿يتلى عليهم﴾ أي : تتجدّد متابعة قراءته عليهم شيئاً بعد شيء في كل مكان وفي كل زمان من كل مقال مصدقاً لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات الدالة على صدقك فأعظم به آية باقية لا تزول ولا تضمحل إذ كل آية سواه منقضية ماضية وتكون في مكان دون مكان، فالقرآن أتم من كل معجزة لوجوه :
الأوّل : أنّ تلك المعجزات وجدت وما دامت فإن قلب العصا ثعبان وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر فلو أنكره واحد لم يمكن إثباتها معه بدون الكتاب، وأما القرآن فهو باق لو أنكره واحد فيقال ائت بآية من مثله.
الثاني : أنّ قلب، العصا ثعباناً كان في آن واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، وههنا لطيفة : وهي أنّ آيات نبينا صلى الله عليه وسلم كانت أشياء لا تختص بمكان دون مكان لأنّ من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض لأنّ الخسوف إذا وقع عمّ وذلك لأنّ نبوّته كانت عامّة لا تختص بقطر دون قطر، وغاض بحر ساوة في قطر وسقط إيوان كسرى في قطر، وانهدمت الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمراً عامّا، الثالث : أنّ غير هذه المعجزة يقول الكافر المعاند هذا سحر وعمل يد والقرآن لا يمكن هذا القول فيه، وقال أبو العباس المرسي : خشع بعض الصحابة من سماع بعض اليهود يقرأ التوراة فعوتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن وهم إنما تخشعوا من التوراة وهي كلام الله تعالى فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء.
ولما كان هذا القرآن أعظم من كل آية يقترحونها قال تعالى :﴿إن في ذلك﴾ أي : إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال ﴿لرحمة﴾ أي : نعمة عظيمة في كل لحظة وتطهيراً لخبث النفوس في كل لمحة ﴿وذكرى﴾ أي : عظيمة مستمرّاً تذكرها. ولما عمّ بالقول خص من حيث النفع فقال ﴿لقوم يؤمنون﴾ لأنهم المنتفعون بذلك.
العنكبوت 29:52
ولما كان من المعلوم أنهم يقولون : نحن لا نصدق أنّ هذا الكتاب من عند الله فضلاً عن أن نكتفي به قال تعالى :﴿قل﴾ أي : جواباً لما قد يقولونه من نحو هذا ﴿كفى بالله﴾ أي : الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات ﴿بيني وبينكم شهيداً﴾ أني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ونصحتكم وأنذرتكم وأنهم قابلوني بالجحد والتكذيب وقد صدقني بالمعجزات، وروي أنّ كعب بن الأشرف وغيره قالوا يا محمد من يشهد لك أنك رسول الله فنزلت، ثم وصف الشهيد وعلل كفايته بقوله :﴿يعلم ما في السماوات﴾ أي : كلها ﴿والأرض﴾ أي : كذلك لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما تنسبونه إليه من التقوّل عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي يشهد لي به عجزكم عنه فهو شاهدي، والله في الحقيقة هو الشاهد لي فيه بالثناء عليّ والشهادة لي بالصدق لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه.
ولما بين تعالى الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى الكامل الشامل لهما والإنكار العامّ فقال :﴿والذين آمنوا بالباطل﴾ أي : وهو ما يعبد من دون الله ﴿وكفروا بالله﴾ أي : الذي يجب الإيمان به والشكر له لأنّ له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم ﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿هم الخاسرون﴾ أي : العريقون في الخسارة فإنهم خسروا أنفسهم أبد الآبدين، فإن قيل : قوله ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ يقتضي الحصر في من آمن بالباطل وكفر بالله فمن يأتي بأحدهما دون الآخر لا يكون كذلك ؟ أجيب : بأنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأنّ المؤمن بما سوى الله تعالى مشرك لأنه جعل غير الله مثله وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله تعالى كذلك ومن كفر بالله تعالى وأنكره فيكون قائلاً بأنّ العالم واجب الوجود إله فيكون قائلاً بأنّ غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به.
فإن قيل : إذا كان الإيمان بما سواه كفراً به فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي في قول القائل قم ولا تقعد وأقرب مني ولا تبعد ؟ أجيب : بأنّ فيه فائدة غيرها وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأوّل كقول القائل : أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أنّ القول بالباطل قبيح.
العنكبوت 29:53
ولما أنذرهم صلى الله عليه وسلم وأوعد بالعذاب إن لم يؤمنوا أخبر الله تعالى عنهم بقوله تعالى :﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ نزلت في النضر بن الحارث حين قال : فأمطر علينا حجارة من السماء إن كنت من الصادقين ويجعلون تأخيره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب ﴿ولولا أجل مسمى﴾ قد ضرب لوقت عذابهم فلا تقدّم فيه ولا تأخر ﴿لجاءهم العذاب﴾ وقت استعجالهم لأنّ القدرة تامّة والعلم محيط ﴿وليأتينهم بغتة﴾ أي : فجأة في الدنيا كوقعة بدر أو الآخرة عند نزول الموت بهم ﴿وهم لا يشعرون﴾ بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه.
العنكبوت 29:54
ثم زاد في التعجب من جهلهم بقوله تعالى مبدلاً :﴿يستعجلونك بالعذاب﴾ أي : يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزاً ولو كان في غير وقته الأليق به ولو علموا ما هم صائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلاً عن أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه ﴿وإنّ جهنم﴾ التي هي من عذاب الآخرة ﴿لمحيطة بالكافرين﴾ أي : ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب أو هي كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم، وأتى بالظاهر موضع المضمر تنبيهاً على ما استحقوا به عذابها وتعميماً لكل من اتصف به.
العنكبوت 29:55
ثم ذكر تعالى كيفية إحاطة جهنم بقوله عز وجل :﴿يوم يغشاهم العذاب﴾ أي : يلحقهم ويلصق بهم ﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ فعلم بذلك إحاطته من جميع الجوانب، فإن قيل : لم خص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدّام ؟ أجيب : بأنّ المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإنّ من يدخلها تكون الشعلة قدّامه وخلفه ويمينه ويساره، وأمّا النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة بل تنطفئ الشعلة التي تحت القدم ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفئ بالدوس موضع القدم.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى :﴿من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ ولم يقل من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم ومن تحتهم بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم يذكره عند ذكر فوق ؟ أجيب : بأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرأس أم من موضع آخر عجب لأنّ طبع النار الصعود إلى فوق فلهذا لم يخصه بالرؤوس، وأمّا بقاء النار تحت القدم فهو عجب وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطفئ بالدوس، وأمّا فوق فعلى الإطلاق وقوله تعالى ﴿ونقول﴾ قرأ نافع والكوفيون بالياء أي : الموكل بالعذاب من ملائكته بأمره، والباقون بالنون أي : نأمر بالعذاب.
ولما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ﴿ذوقوا ما كنتم تعملون﴾ جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق اسم المسبب على السبب فإن عملهم كان سبباً لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال.
العنكبوت 29:56
ولما ذكر تعالى حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتدّ عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من العبادة قال تعالى :﴿يا عبادي الذين آمنوا﴾ فشرفهم بالإضافة إليه ﴿إن أرضي واسعة﴾ أي : في الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق إن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم، قال مقاتل والكلبي : نزلت في ضعفاء مسلمي مكة يقول الله تعالى : إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها فإنّ أرض المدينة واسعة آمنة وقال مجاهد : إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا وفيها، وقال سعيد بن جبير : إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة، وكذا يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة ولكن صارت البلدان في زماننا كلها متساوية فلا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
وقرأ بفتح الياء ابن عامر، والباقون بتسكينها، وقيل نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا : نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة فأنزل الله تعالى هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج، وقال مطرف بن عبد الله : أرضي واسعة يعني رزقي لكم واسع فاخرجوا، روى الثعلبي عن الحسن البصري مرسلاً :«من فرّ بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبراً استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما ».
تنبيه : قوله تعالى :﴿يا عبادي﴾ لا يدخل فيه الكافر لوجوه : الأوّل : قوله تعالى :﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ ( الحجر : ٤٢ ) والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يدخل في قوله تعالى يا عبادي. الثاني : قوله تعالى :﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ ( الزمر : ٥٣ ) الثالث : أنّ العباد مأخوذ من العبادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل في قوله تعالى ﴿يا عبادي﴾ وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه، الرابع : الإضافة بين الله تعالى والعبد يقول العبد إلهي ويقول الله عبدي، فإن قيل : إذا كان عباده لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله ﴿الذين آمنوا﴾ مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال : يا أيها المكلفون المؤمنون، يا أيها الرجال العقلاء تمييزاً بين الكافر والجاهل ؟ أجيب : بأنّ الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرّد بيان أنّ فيه الوصف كما يقال : الأنبياء المكرمون، والملائكة المطهرون، مع أن كل نبيّ مكرم، وكل ملك مطهر، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة، ومثله قولنا، الله العظيم فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون ولما كانت الإقامة بمكة قبل الفتح موِدّية إلى الفتنة قال تعالى :﴿فإياي﴾ أي : خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها ﴿فاعبدون﴾ أي : وحدون وإن كان بالهجرة وكانت هجرة الأهل والأوطان شديدة، فإن قيل : قوله تعالى :﴿يا عبادي﴾ يفهم منه كونهم عابدين فما الفائدة في الأمر بالعبادة ؟ أجيب : بأنّ فيه فائدتين أحداهما : المداومة أي : يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، الثانية : الإخلاص أي : يا من تعبدني أخلص العمل لي ولا تعبد غيري، فإن قيل ما معنى الفاء في فاعبدون ؟ أجيب : بأن الفاء جواب شرط محذوف لأنّ المعنى إنّ أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرضي فأخلصوها في غيرها.
العنكبوت 29:57
ولما أمر الله تعالى عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام بها حتى يتطلبوا لها أوفق البلاد وإن بعدت وشق عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان خوّفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة بقوله تعالى :﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ أي : كل نفس مفارقة ما ألفته حتى بدناً طالما لبسته وأنسها وأنسته فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة من الأجل شيئاً وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئاً فإذا قدّر الإنسان أنه ميت سهلت عليه الهجرة فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت، وقد ورد «أكثروا من ذكر هادم اللذات أي : الموت فإنه ما ذكر في قليل أي : من العمل إلا كثره ولا ذكر في كثير أي : من أمل الدنيا إلا قلله ».
ولما هوّن أمر الهجرة حذر من رضي في دينه بنقص شيء من الأشياء حثاً على الاستعداد بغاية الجهد في التزّود للمعاد بقوله تعالى :﴿ثم إلينا ترجعون﴾ على أيسر وجه فنجازي كلاً منكم بما عمل، وقرأ أبو بكر بالياء التحتية، والباقون بالتاء الفوقية.
العنكبوت 29:58
﴿والذين آمنوا وعملوا﴾ أي : تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات لنبؤنّهم﴾ أي : لننزلنهم ﴿من الجنة غرفاً﴾ أي : بيوتاً عالية، قال البقاعي : تحتها قاعات واسعة، وقرأ حمزة والكسائي بعد النون بثاء مثلثة ساكنة وبعدها واو مكسورة وبعد الواو ياء مفتوحة أي : لنثوينهم أي : لنقيمنهم من الثواء وهو الإقامة يقال : ثوى الرجل إذا أقام فيكون انتصاب غرفاً لإجرائه مجرى لننزلنهم، أو بنزع الخافض اتساعاً أي : في غرف أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم كقوله :﴿لأقعدنّ لهم صراطك﴾ ( الأعراف : ١٦ )، والباقون بعد النون بباء موحدة وبعدها واو مشدّدة وبعد الواو همزة مفتوحة وعلى هذه القراءة فانتصابها على أنها مفعول ثان لأنّ بوّأ يتعدّى لاثنين، قال الله تعالى :﴿تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ ( آل عمران : ١٢١ ) ويتعدّى باللام قال تعالى :﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم﴾ ( الحج : ٢٦ ).
ولما كانت العلالي لا تروق إلا بالرياض قال تعالى :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ ومن المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار إلا أن يكون فيه بساتين كبار وزروع ورياض وأزهار فيشرفون عليها من تلك العلالي.
ولما كانت بحالة لا نكر فيها يوجب هجرة في لحظة ما كنى عنه بقوله تعالى :﴿خالدين فيها﴾ أي : لا يبغون عنها حولاً، ثم عظم أمرها وشرف قدرها بقوله تعالى :﴿نعم أجر العاملين﴾ أي : هذا الأجر وهذا في مقابلة قوله تعالى للكافر :﴿ذوقوا ما كنتم تعملون﴾ ( العنكبوت : ٥٥ ).
العنكبوت 29:59
ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة بقوله تعالى :﴿الذين صبروا﴾ أي : أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرّت عندهم فكانت سجية لهم فأوقفوها على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها فإنّ الإنسان قل أن ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه، ثم رغب في الاستراحة بالتفويض إليه بقوله تعالى :﴿وعلى ربهم﴾ أي : المحسن إليهم وحده لا على أهل ولا وطن ﴿يتوكلون﴾ أي : يوجدون التوكل إيجاداً مستمرّاً لتجديد كل مهم يعرض لهم.
العنكبوت 29:60
ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة لا مال ولا أهل قال عاطفاً على ما تقديره فكأين من متوكل عليه كفاه ولم يحوجه إلى أحد سواه فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طلباً لرضاه. ﴿وكأيّن من دابة﴾ أي : كثير من الدواب العاقلة وغيرها ﴿لا تحمل﴾ أي : لا تطيق أن تحمل ﴿رزقها﴾ أي : لا تدخر شيئاً لساعة أخرى لأنها قد لا تدرك نفع ذلك وقد تدركه وتتوكل، وعن الحسن : لا تدخر إنما تصبح فيرزقها الله تعالى، وعن ابن عيينة : ليس شيئاً يخبأ إلا الإنسان والنملة والفارة، وعن بعضهم قال : رأيت البلبل يدخر في حنية، ويقال للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها أو لا تجده أو لا تطيق حمله لضعفها، ثم كأنه قيل فمن يرزقها فقيل ﴿الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة المتصف بكل كمال ﴿يرزقها﴾ على ضعفها وهي لا تدخر ﴿وإياكم﴾ مع قوتكم وادخاركم واجتهادكم لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وعدم ادخارها، وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم فإنه هو المسبب وحده فإنّ الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون فصار الإدخار وعدمه غير معتدّ به ولا منظوراً إليه، وقرأ ابن كثير بعد الكاف بألف وبعد الألف همزة مكسورة، والباقون بعد الكاف همزة مفتوحة وبعدها ياء مشدّدة، ووقف أبو عمرو على الياء، ووقف الباقون على النون، وحمزة في الوقف يسهل الهمزة على أصله.
تنبيه : كأين كلمة مركبة من كاف التشبيه وأي : التي تستعمل استعمال من وما ركبتا وجعل المركب بمعنى كم ثم لم تكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب وغير المركب لأنّ كأي تستعمل غير مركبة كما يقول القائل : رأيت رجلاً كأيّ رجل يكون وحينئذٍ لا يكون كأي : مركباً فإذا كان كأيّ ههنا مركباً كتب بالنون للتمييز ﴿وهو السميع﴾ لأقوالكم نخشى الفقر والضيعة ﴿العليم﴾ بما في ضمائركم.
واختلف في سبب نزول هذه الآية فعن ابن عمر أنه قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً من حوائط الأنصار : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقط الرطب بيده ويأكل فقال : كل يا ابن عمر قلت : لا أشتهيه يا رسول الله قال : لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة لم أطعم طعاماً ولم أجده فقلت : يا رسول الله إن الله المستعان فقال : يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافاً مضاعفة ولكني أجوع يوماً وأشبع يوماً فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين فنزلت ﴿وكأين من دابة﴾ ( العنكبوت : ٦٠ ).
وروى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : للمؤمنين الذين كانوا بمكة وآذاهم المشركون «هاجروا إلى المدينة » فقالوا : كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال فمن يطعمنا ويسقينا فنزلت وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم «كان لا يدخر شيئاً » وقال صلى الله عليه وسلم :«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً » وقال صلى الله عليه وسلم :«أيها الناس ليس شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، وإنّ الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته ».
العنكبوت 29:61
﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿سألتهم﴾ أي : كفار مكة وغيرهم ﴿من خلق السماوات والأرض﴾ وسوّاهما على هذا النظام العظيم ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ لإصلاح الأقوات ومعرفة الأوقات وغير ذلك من المنافع ﴿ليقولنّ الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال لما تقرّر في نظرهم من ذلك وتلقوه من آبائهم موافقة للحق في نفس الأمر ﴿فأنى﴾ أي : فكيف ومن أيّ وجه ﴿يؤفكون﴾ أي : يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك، فإن قيل : ذكر في السماوات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر التسخير ؟ أجيب : بأنّ مجرد خلق السماوات والأرض آية ظاهرة بخلاف خلق الشمس والقمر فإنهما لو كانا في موضع واحد لا يتحرّكان ما حصل الليل والنهار ولا الصيف ولا الشتاء فإذاً الحكمة الظاهرة في تحريكهما وتسخيرهما.
العنكبوت 29:62
ولما كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند من لم يتأمّل حق التأمّل فيقول : ما بال الخلق متفاوتين في الرزق قال تعالى :﴿الله﴾ أي : بما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يبسط الرزق﴾ بقدرته التامّة امتحاناً ﴿لِمنْ يشاء من عباده﴾ على حسب ما يعلم من بواطنهم ﴿ويقدر﴾ أي : يضيق ﴿له﴾ بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاء فظهر من ذلك قدرته وحكمته وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم فما ظنك بملك الملوك العالم علماً لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك كما قال تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿بكل شيء﴾ أي : من المرزوقين ومن الأرزاق وكيف يمنع أو يساق وغير ذلك ﴿عليم﴾ يعلم مقادير الحاجات والأرزاق فهو على ذلك كله قدير يعلم ما يصلح العباد من ذلك وما يفسدهم ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض الأقوياء إغناء فقير وإفقار غني فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال.
العنكبوت 29:63
ولما قال الله تعالى :﴿الله يبسط الرزق﴾ ذكر اعترافهم بذلك بقوله تعالى :﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿سألتهم من نزل من السماء ماءً﴾ بعد أن كان مضبوطاً في جهة العلو ﴿فأحيا به الأرض﴾ الغبراء وأشار بإثبات الجار إلى قرب الإنبات من زمان الممات فقال :﴿من بعد موتها﴾ فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن لها شيء من ذلك ﴿ليقولنّ الله﴾ معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك فلما ثبت أنه الخالق بدءً وإعادة كما يشاهد في كل زمان قال منبهاً على عظمة صفاته اللازم من إثباتها صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿قل﴾ يا أفضل الخلق متعجباً منهم في جمودهم كيف يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون ؟ ! ﴿الحمد لله﴾ الذي لا سميّ له وليس لغيره إحاطة من الأشياء فلزمتهم الحجة بما أقروا به من إحاطته وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم ﴿بل أكثرهم لا يعقلون﴾ فيناقضون حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به غيره مما هم معترفون بأنه خلقه فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به، ومنهم من آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي يلزمه سائر الفروع، ومنهم من كان دون ذلك فكان نفي العقل عنه مقيداً بالكمال.
العنكبوت 29:64
ولما تبين بهذه الآيات أنّ الدنيا مبنية على الفناء والزوال والتقلع والارتحال وصح أن السرور بها في غير موضعه فلذلك قال مشيراً بعد سلب العقل عنهم إلى أنهم فيها كالبهائم يتهارجون :﴿وما هذه الحياة الدنيا﴾ فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى هذا الاعتراف فهذا الاسم كاف في الإلزام بالاعتراف بالأخرى ﴿إلا لهو﴾ وهو الاستمتاع بلذات الدنيا ﴿ولعب﴾ وهو العبث وسميت بهما لأنها فانية، وقيل : اللهو الإعراض عن الحق، واللعب : الإقبال على الباطل، فإن قيل : قد قال تعالى في الأنعام :﴿وما الحياة الدنيا﴾ ( آل عمران، ١٨٥ ) ولم يقل ﴿وما هذه الحياة﴾ وقال ههنا :﴿وما هذه الحياة﴾ فما فائدته أجيب بأن المذكور من قبل ههنا أمر الدنيا فأحيا به الأرض من بعد موتها فقال هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال ﴿يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ ( الأنعام : ٣١ ) فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال تعالى :﴿وما الحياة الدنيا﴾، فإن قيل : ما الحكمة في تقديمه هناك اللعب على اللهو وههنا أخر اللعب عن اللهو ؟ أجيب : بأنه لما كان المذكور من قبل هناك الآخرة وإظهارهم للحسرة ففي ذلك الوعد يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخذ الأبعد، وههنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها والاستغراق فيها، اللهمّ إلا لمانع يمنع من الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق فيها أو لعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلاً وكان الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو.
ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت أخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة غيرها بقوله تعالى :﴿وإن الدار الآخرة لهي﴾ أي : خاصة ﴿الحيوان﴾ أي : الحياة التامّة الباقية، فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى هناك ﴿ولدار الآخرة خير﴾ وقال ههنا :﴿وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ ؟ أجيب : بأنه لما كان الحاصل هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى وازع قوي فقال : الآخرة خير.
ولما كان الحال هنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع قوي فقال لا حياة إلا حياة الآخرة، والحيوان مصدر حيي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واواً وبه سمي ما فيه حياة حيواناً وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها ههنا.
ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كليهما فنزلوا كل واحدة منهما غير منزلتها فعدوا الدنيا وجوداً دائماً على هذه الحالة وعدوا الآخرة عدماً لا وجود لها بوجه قال تعالى :﴿لو كانوا يعلمون﴾ أي : لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة فيها عارضة سريعة الزوال، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى في الأنعام :﴿أفلا يعقلون﴾ وقال ههنا :﴿لو كانوا يعلمون﴾ ؟ أجيب : بأن المثبت هناك كون الآخرة خيراً ولأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت هنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع.
العنكبوت 29:65
﴿فإذا﴾ أي : فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم أنهم إذا ﴿ركبوا﴾ البحر ﴿في الفلك﴾ أي : السفن ﴿دعوا الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿مخلصين﴾ بالتوحيد ﴿له الدين﴾ معرضين عن الشركاء بالقلب واللسان حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو ﴿فلما نجاهم﴾ أي : الله سبحانه وتعالى موصلاً لهم ﴿إلى البرّ إذا هم﴾ أي : حين الوصول إلى البرّ ﴿يشركون﴾ كما كانوا فهذا إخبار عنهم بأنهم عند الشدائد مقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده فإذا زالت عادوا إلى كفرهم.
قال عكرمة : كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدّ عليهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا رب، وقال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء انتهى، فعلم أن الاشتغال بالدنيا هو الصادّ عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى المستقيمة ولهذا تجد الفقراء أقرب إلى كل خير.
العنكبوت 29:66
وفي اللام في قوله تعالى :﴿ليكفروا بما آتيناهم﴾ وجهان : أظهرهما أن اللام فيه لام كي أي : يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلاً وهم يتحاشون عن مثل ذلك، والثاني : كونها للأمر ﴿وليتمتعوا﴾ باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادّهم عليها، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالكسر وهي محتملة للوجهين المتقدّمين، والباقون بالسكون وهي ظاهرة في الأمر فإن كانت اللام الأولى للأمر فقد عطف أمراً على مثله، فإن قيل كونها للأمر مشكل إذ كيف يأمر الله تعالى بالكفر وهو متوعد عليه ؟ أجيب : بأن ذلك على سبيل التهديد كقوله تعالى :﴿اعملوا ما شئتم﴾ ( فصلت : ٤٠ ) وإن كانت للعلة فقد عطف كلاماً على كلام فيكون المعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة ﴿فسوف يعلمون﴾ يومئذٍ ما يحلّ بهم من العقاب.
العنكبوت 29:67
ولما كان الإنسان يكون في البحر على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لاسيما إذا كان بيته في بلد حصين فلما ذكر الله المشركين عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله ذكرهم حالهم عند الأمر العظيم بقوله تعالى :﴿أولم يروا﴾ أي : أهل مكة بعيون بصائرهم ﴿أنا جعلنا﴾ بعظمتنا لهم ﴿حرماً﴾ وقال ﴿آمناً﴾ لأنه لا خوف على من دخله، فلما أمن كل من دخله كان كأنه هو نفسه الآمن وهو حرم مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم وهي حصينة بحصن الله وآمنة موجبة للتوحيد والإخلاص لأنكم في أخوف ما أنتم دعوتم الله وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل الإخلاص فما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير وهذه النعمة العظيمة التي حصلتم وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله فكيف تكفرون بها ؟ والأصنام التي قلتم في حال الخوف أنها لا أمن لها كيف آمنتم بها في حال الأمن ﴿و﴾ الحال أنه ﴿يتخطف الناس من حولهم﴾ أي : من حول من فيه من كل جهة قتلا وسبياً مع قلة من بمكة وكثرة من حولهم فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفاً ومن حوله آمناً أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد ﴿أفبالباطل﴾ من الشياطين والأديان وغيرهما ﴿يؤمنون﴾ والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه ﴿وبنعمة الله﴾ التي أحدثها لهم من الإنجاء وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يكفرون﴾ حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاة وغيرها شركهم بعبادة غيره.
العنكبوت 29:68
﴿ومن أظلم﴾ أي : أشدّ وضعاً للأشياء في غير مواضعها ﴿ممن افترى﴾ أي : تعمد ﴿على الله كذباً﴾ أي : أيّ كذب كان من الشرك وغيره كما كانوا يقولون ﴿إذا فعلوا فاحشة وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ ﴿أو كذب بالحق﴾ أي : النبيّ صلى الله عليه وسلم أو القرآن المعجز المبين على لسان هذا الرسول الأمين الذي ما أخبر خبراً إلا طابقه الواقع ﴿لما﴾ أي : حين ﴿جاءه﴾ من غير إمهال إلى أن ينظر ويتأمل بل سارع إلى التكذيب أوّل ما سمعه وقوله تعالى :﴿أليس في جهنم مثوىً للكافرين﴾ استفهام تقرير لمثواهم كقوله :
ألستم خير من ركب المطايا؍ وأندى العالمين بطون راح؍
قال بعضهم : ولو كان استفهاماً ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل، وحقيقته أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي فرجع إلى معنى التقرير، والمعنى أما لهذا الكافر المكذب مثوى في جهنم حتى اجترأ مثل هذه الجراءة ؟.
العنكبوت 29:69
﴿والذين جاهدوا﴾ أي : أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دلّ عليه بالمفاعلة ﴿فينا﴾ أي : بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدّة والرخاء ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن وشدائد المحن مستحضرين لعظمتنا ﴿لنهدينهم﴾ مما نجعل لهم من النور الذي لا يضل من صحبه هداية تليق بعظمتنا ﴿سبلنا﴾ أي : طريق السير إلينا وهي الطريق المستقيمة والطريق المستقيمة هي التي توصل إلى رضا الله عز وجل، قال سفيان بن عيينة : إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور فإنّ الله تعالى قال ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ وقال الحسن : الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن عياض : والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به، وقال سهل بن عبد الله : والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا، وقال أبو سليمان الداراني : والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا، وعن بعضهم : من عمل بما يعلم وفق لما لم يعلم، وقيل : إن الذي نرى من جهلنا بما لم نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم، وقيل : المجاهدة هي الصبر على الطاعة، وقرأ أبو عمرو بسكون الباء الموحدة، والباقون بضمها ﴿وإن الله﴾ أي : بعظمته وجلاله وكبريائه ﴿لمع المحسنين﴾ أي : المؤمنين بالنصرة والمعونة في دنياهم والمغفرة والثواب في عقباهم، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشريّ من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين » فهو حديث موضوع، ورواه ابن عادل عن أبي أمامة عن أبي بن كعب.
الروم 30:1
وقوله تعالى :﴿الم﴾ تقدّم الكلام على ذلك في أوّل سورة البقرة، وقال البقاعي : لما ختم سبحانه وتعالى التي قبلها بأنه مع المحسنين قال :﴿ألم﴾ مشيراً بألف القيام والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل جبريل عليه الصلاة والسلام الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم السلام إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق يوحي إليه وحياً معلماً بالشاهد والغائب فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلاً على صحة رسالته وكمال علم مرسله وشمول قدرته ووجوب وحدانيته.
الروم 30:2
﴿غلبت الروم﴾ وهم أهل كتاب، غلبتهم فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان.
الروم 30:3
﴿في أدنى الأرض﴾ أي : أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة، التقى فيها الجيشان والبادي بالغزو الفرس ﴿وهم﴾ أي : الروم ﴿من بعد غلبهم﴾ أضيف المصدر إلى المفعول أي : غلبة فارس إياهم ﴿سيغلبون﴾ فارس.
الروم 30:4
﴿في بضع سنين﴾ وهو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر، فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأوّل وغلبت الروم فارس، وسبب نزول هذه الآية على ما ذكره المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يودّون أن تغلب فارس لأن أهل فارس كانوا مجوساً أميين، والمسلمون يودّون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليه رجلاً يقال له شهريار، وبعث قيصر جيشاً واستعمل عليه رجلاً يدعى بخنس، فالتقى مع شهريار بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم، وبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكره أن تظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح كفار مكة وقالوا للمسلمين : إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم ولنظهرن عليكم فنزلت هذه الآية. فخرج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى الكفار فقال : فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فوالله لتظهرنّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال له أبيّ بن خلف الجمحي : كذبت يا أبا فضيل فقال أبو بكر : أنت أكذب يا عدوّ الله فقال : اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه والمناحبة المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما فإن ظهرت الروم على فارس غرمتَ وإن ظهرت فارس غرمتُ وجعلا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ومادّه في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أبياً فقال : لعلك ندمت قال : لا فتعال أزايدك في الخطر وأمادّك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين. وقيل : إلى سبع سنين قال : قد فعلت، فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه وقال : إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلاً فكفله له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أُحد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال : والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلاً فأعطاه كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبيّ بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل كان يوم بدر فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصدّق به، وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة النبوّة وأنّ القرآن من عند الله لأنه أنبأ عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
فإن قيل : كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار ؟ أجيب : بأن قتادة رحمه الله تعالى قال : كان ذلك قبل تحريم القمار، وقال الزمخشري : ومذهب أبي حنيفة ومحمد أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر رضي الله عنه بينه وبين أبي بن خلف. ولما كان تغلب ملك على ملك من الأمور الهائلة وكان الإخبار به قبل كونه أهول ذكر علة ذلك بقوله تعالى :﴿لله﴾ أي : وحده ﴿الأمر من قبل﴾ أي : قبل جولة فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس ﴿ومن بعد﴾ أي : بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم، .
ولما أخبر تعالى بهذه المعجزة أخبر بمعجزة أخرى بقوله تعالى :﴿ويومئذ﴾ أي : تغلب الروم على فارس ﴿يفرح المؤمنون﴾ أي : العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
الروم 30:5
﴿بنصر الله﴾ أي : الذي لا رادّ لأمره للروم على فارس، وقد فرحوا بذلك وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل عليه السلام بذلك فيه مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه، قال السدي : فرح النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك، وعن أبي سعيد الخدري : وافق ذلك يوم بدر وفي هذا اليوم نصر المؤمنون. ﴿ينصرُ من يشاء﴾ من ضعيف وقوي لأنه لا مانع له ولا يسأل عما يفعل، فالغلبة لا تدل على الحق بل الله قد يزيد ثواب المؤمن فيبتليه ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم المعاد ﴿وهو العزيز﴾ فلا يعز من عادى ولا يذل من والى، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بالضم.
ولما كان السياق لبشارة المؤمنين قال ﴿الرحيم﴾ فيخصهم بالأعمال الزكية والأخلاق المرضية.
الروم 30:6
﴿وعد الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال، مصدر مؤكد ناصبه مضمر أي : وعدهم الله ذلك وعداً بظهور الروم على فارس ﴿لا يخلف الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿وعده﴾ به، وهذا مقرّر لمعنى هذا المصدر، ويجوز أن يكون قوله تعالى :﴿لا يخلف الله وعده﴾ حالاً من المصدر فيكون كالمصدر الموصوف فهو مبين للنوع كأنه قيل : وعد الله وعداً غير مخلف ﴿ولكن أكثر الناس﴾ لجهلهم وعدم تفكرهم ﴿لا يعلمون﴾ ذلك.
الروم 30:7
وقوله تعالى :﴿يعلمون﴾ بدل من قوله تعالى ﴿لا يعلمون﴾ وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه ليعلمه أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يجاوز الدنيا ﴿ظاهراً من الحياة الدنيا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهراً وباطناً : فظاهرها : ما يعرفه الجهال من أمر معايشهم كيف يكسبون ويتجرون ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون وكيف يبنون ويعرشون، قال الحسن : إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه وهو لا يخطئ، وهو لا يحسن يصلي. وأمثال هذا العلم كثير وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيماً فهو عند الله حقير فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه بأنواع من الخداع، وأما علم باطنها : وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزوّد منها بالطاعة فهو ممدوح، وفي تنكير الظاهر إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها ﴿وهم﴾ أي : هؤلاء الموصوفون خاصة ﴿عن الآخرة﴾ أي : التي هي المقصودة بالذات، وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام ﴿هم غافلون﴾ أي : في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا تخطر في خواطرهم.
تنبيه : هم الثانية يجوز أن تكون مبتدأً، وغافلون خبره، والجملة خبر هم الأولى، وأن تكون تكريراً للأولى، ﴿وغافلون﴾ خبراً للأولى، وأية كانت فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرّها ومعلمها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع.
الروم 30:8
﴿أولم يتفكروا﴾ أي : يجتهدوا في إعمال الفكر، وقوله تعالى ﴿في أنفسهم﴾ يحتمل أن يكون ظرفاً كأنه قيل : أَوَلَمْ يحدثوا الفكر في أنفسهم أي : في قلوبهم الفارغة من التفكر، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك : اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك. وأن يكون صلة أي : أو لم يتفكروا في أحوالها خصوصاً فيعلموا أن من كان منهم قادراً كاملاً لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص فكيف بالإله الحق. ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى والقدر، وبين أحوالهم في الطول والقصر، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر، ومات أكثرهم مظلوماً قبل القصاص والظفر، لا بدّ في حكمته البالغة من جمعه العدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو شكر أو كفر. ففي ذلك دلالة على وحدانية الله تعالى وعلى الحشر، ثم ذكر تعالى نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم. وعلى التقدير الأوّل يكون المتفكر فيه ﴿ما خلق الله﴾ أي : بعز جلاله وعلوه في كماله ﴿السماوات والأرض﴾ على ما هما عليه من النظام المحكم والقانون المتقن، قال البقاعي : وإفراد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعدّدها بخلاف السماء ا. ه وقد يردّ هذا بقوله تعالى :﴿خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ﴾ ( الطلاق : ١٢ ) ﴿وما بينهما﴾ من المعاني التي بها كمال منافعهما ﴿إلا﴾ خلقاً متلبساً ﴿بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأ الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منهما للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد أن كان هشيماً قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقاً لأمر البعث، وإذا ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار وسير الكواكب الصغار والكبار، وإمطار الأمطار وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار رآه مطابقاً لكل ما يخطر بالبال.
ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد قال تعالى ﴿وأجل﴾ لا بد أن ينتهي إليه ﴿مسمى﴾ أي : في العلم من الأزل، لذلك يفنى عند انتهائه وبعده البعث. ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر أكد قوله تعالى ﴿وإن كثيراً من الناس﴾ مع ذلك على وضوحه ﴿بلقاء ربهم﴾ أي : الذي ملأهم إحساناً برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب ﴿لكافرون﴾ أي : لا يؤمنون بالبعث بعد الموت.
فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى ههنا ﴿وإن كثيراً من الناس﴾ وقال من قبل ﴿ولكن أكثر الناس﴾ ؟ أجيب : بأن فائدته أنه من قبل لم يذكر دليلاً على الأصلين وههنا قد ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة، ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل. فبعد الدليل لابد أن يؤمن من ذلك جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل : و﴿إن كثيراً﴾ وقال قبله :﴿ولكن أكثر الناس﴾ لأنه بعد الدليل لا يمكن الذهول عنه وهو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته.
الروم 30:9
فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمثالهم وحكاية أشكالهم فقال :﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ أي : سير اعتبار، وقوله تعالى ﴿فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم تقريراً لسيرهم في أقطار الأرض، ونظرهم إلى آثار المدمرين كعاد وثمود ﴿كانوا أشدّ منهم﴾ أي : العرب ﴿قوّة﴾ أي : في أبدانهم وعقولهم ﴿وأثاروا الأرض﴾ أي : حرثوها وقلبوها للزرع والغرس والمعادن والمياه وغير ذلك ﴿وعمروها﴾ أي : أولئك السالفون ﴿أكثر مما عمروها﴾ أي : هؤلاء الذين أرسلت إليهم بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن بلاد العرب إنما هي في جبال سود، وفياف غبر، فما هو إلا تهكم بهم وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها ﴿وجاءتهم رسلهم بالبينات﴾ أي : بالحجج الظاهرات مثل ما أتاكم به رسولنا من وعودنا الصادقة وأمورنا الخارقة كأمر الإسراء وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار :«بأن العير تقدِم في يوم كذا يقدُمها جمل صفته كذا وغرائره كذا فظهر كذلك » وما آمنتم به كما لم يؤمن من كان أشدّ منكم قوّة ﴿فما﴾ أي : تسبب أنه ما ﴿كان الله﴾ أي : على ما لهم من أوصاف الكمال مريداً ﴿ليظلمهم﴾ بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالماً بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات ﴿ولكن كانوا﴾ بغاية جهدهم ﴿أنفسهم﴾ أي : خاصة ﴿يظلمون﴾ أي : يجدّدون الظلم لها بإيقاع الضر موقع مجلب النفع.
الروم 30:10
﴿ثم كان عاقبة﴾ أي : آخر أمر ﴿الذين أساؤوا﴾ وقوله تعالى ﴿السوأى﴾ تأنيث الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى : أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم إن عاقبتهم السوأى، إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، أي : العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي جهنم التي أعدت للكافرين. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عاقبة بالرفع على أنها اسم كان والسوأى خبرها، والباقون بالنصب على أنها خبر كان. وقيل : السوأى اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، وإساءتهم ﴿أن﴾ أي : بأن ﴿كذبوا بآيات الله﴾ أي : القرآن. وقيل : تفسير السوأى ما بعده وهو قوله تعالى ﴿أن كذبوا﴾ أي : ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب، حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا بآيات الله ﴿وكانوا بها﴾ مع كونها أبعد شيء عن الهزء ﴿يستهزئون﴾ أي : يستمرون على ذلك بتحديده في كل حين.
الروم 30:11
ولما كان حاصل ما مضى أنه تعالى قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء صرح بذلك في قوله تعالى :﴿الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿يبدأ الخلق﴾ أي : بدأ منه ما رأيتم وهو يجدد في كل وقت ما يريد من ذلك كما تشاهدون ﴿ثم يعيده﴾ أي : خلقهم بعد موتهم أحياء، ولم يقل يعيدهم لرده إلى الخلق ﴿ثم إليه ترجعون﴾ للجزاء فيجزيهم بأعمالهم، وقرأ أبو عمرو وشعبة بالياء على الغيبة على النسق الماضي والباقون بالتاء على الخطاب أي : إليه ترجعون معنى في أموركم كلها في الدنيا وإن كنتم لقصور النظر تنسبونها للأسباب، وحساً بعد قيام الساعة، وهي أبلغ من القراءة الأولى ؛ لأنها أنص على المقصود.
الروم 30:12
ولما ذكر الرجوع أتبعه ببعض أحواله بقوله تعالى :﴿ويوم تقوم الساعة﴾ سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة الخلائق على ما هم فيه من العظماء والكبراء والرؤساء ﴿يبلس المجرمون﴾ أي : يسكت المشركون لانقطاع حجتهم، فالإبلاس أن يبقى يائساً ساكتاً متحيراً. يقال : ناظرته فأبلس. ومنه الناقة المبلاس أي : التي لا ترغو، وقال مجاهد : مفتضحون، وقال قتادة : المعنى : ييأس المشركون من كل خير.
الروم 30:13
ولما كان الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره نفي ذلك بقوله تعالى محققاً له بجعله ماضياً :﴿ولم يكن﴾ ومعناه لا يكون ﴿لهم من شركائهم﴾ أي : ممن أشركوهم بالله وهم الأصنام ﴿شفعاء﴾ ينقذونهم مما هم فيه ليتبين لهم غلطهم وجهلهم المفرط في قولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ولما ذكر تعالى حال الشفعاء معهم ذكر حالهم مع الشفعاء بقوله تعالى :﴿وكانوا بشركائهم﴾ أي : خاصة ﴿كافرين﴾ أي : متبرئين منهم بأنهم ليسوا بآلهة، وقيل : كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وكتب شفعاء في المصحف بواو قبل الألف كما كتب علماء بني إسرائيل، وكذلك كتب السوأى بألف قبل الياء إثباتاً للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
الروم 30:14
﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي : ويا له من يوم، وزاد في تهويله بقوله تعالى :﴿يومئذٍ يتفرّقون﴾ أي : المؤمنون الذين يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا اجتماع بعدها.
الروم 30:15
هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين كما قال عز من قائل :﴿فأمّا الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان بأنفسهم ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لإقرارهم ﴿الصالحات فهم﴾ أي : خاصة ﴿في روضة﴾ وهي أرض عظيمة جداً منبسطة واسعة ذات ماء غدق ونبات معجب بهيج. هذا أصلها في اللغة، قال الطبري : ولا نجد أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض اه والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه. والروضة عند العرب : كل أرض ذات نبات وماء. ومن أمثالهم : أحسن من بيضة في روضة، يريدون بيضة النعامة ﴿يحبرون﴾ قال أبو بكر بن عياش : التيجان على رؤوسهم، وقال أبو عبيدة : يسرون أي : على سبيل التجدد كل وقت سروراً تشرق له الوجوه وتبسم الأفواه وتزهر العيون فيظهر حسنها وبهجتها، فتظهر النعمة بظهور آثارها على أسهل الوجوه وأيسرها، وقال ابن عباس : يكرمون، وقال قتادة : ينعمون، وقال الأوزاعي عن يحيى ابن كثير : يحبرون هو السماع في الجنة، وقال الأوزاعي : إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، وقال : ليس أحد من خلق الله أحسن صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم وفي آخر القوم أعرابيّ قال يا رسول الله هل في الجنة من سماع ؟ قال :«نعم يا أعرابي إنّ في الجنة نهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة » قال الدارمي : فسألت أبا الدرداء بم يتغنين قال : بالتسبيح وروي «أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش فتقع في تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طرباً ».
الروم 30:16
﴿وأما الذين كفروا﴾ أي : غطوا ما كشفته أنوار العقول ﴿وكذبوا﴾ عناداً ﴿بآياتنا﴾ التي لا أصدق منها ولا أضوأ من أنوارها بما لها من عظمتنا وهو القرآن ﴿ولقاء الآخرة﴾ أي : بالبعث وغيره ﴿فأولئك﴾ أي : البغضاء البعداء ﴿في العذاب﴾ الكامل لا غيره ﴿محضرون﴾ أي : مدخلون لا يغيبون عنه.
الروم 30:17
﴿فسبحان الله﴾ أي : سبحوا الله تعالى بمعنى صلوا ﴿حين تمسون﴾ أي : حين تدخلون في المساء وفيه صلاتان : المغرب والعشاء ﴿وحين تصبحون﴾ أي : تدخلون في الصباح وفيه صلاة الصبح. وقوله تعالى.
الروم 30:18
وقوله تعالى :﴿وله الحمد في السماوات والأرض﴾ اعتراض ومعناه : يحمده أهلهما. وقوله تعالى ﴿وعشياً﴾ عطف على حين وفيه صلاة العصر ﴿وحين تظهرون﴾ أي : تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر، قال نافع بن الأزرق لابن عباس : هل تجد الصلوات الخمس في مواقيتها في القرآن ؟ فقرأ هاتين الآيتين وقال : جمعت الآيتان الصلوات الخمس ومواقيتها، وإنما خص هذه الأوقات مع أن أفضل الأعمال أدومها ؛ لأنّ الإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لأنه محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب وغير ذلك، فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات وأمره بها في أوّل النهار ووسطه وآخره وفي أوّل الليل ووسطه فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ساعتين، وكذلك باقي الركعات وهن سبع عشرة مع ركعتي الفجر، فإذا صلى الإنسان الصلوات الخمس في أوقاتها فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل والنهار، بقي عليه سبع ساعات من جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم، والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف جميع أوقاته بالتسبيح في العبادة، أو بمعنى : نزهوه من السوء بالثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعم الله تعالى الظاهرة.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر » وعنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :«من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال وزاد عليه » وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :«كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم » وعن جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها أنه خرج ذات غداة من عندها وكان اسمها برّة فحوّله رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماها جويرية فكره أن يقال خرج من عند برّة، فخرج وهي في مسجدها أي : مصلاها، فرجع بعد ما تعالى النهار فقال :«مازلت في مجلسك هذا منذ خرجت بعد قالت نعم فقال لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزن بكلماتك لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ».
وعن سعد بن أبي وقاص قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«أيعجز أحدكم أن يكتسب في كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكتسب كل يوم ألف حسنة قال : يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة » وفي غير رواية مسلم ويحط بغير ألف.
الروم 30:19
ولما كان الإنسان عند الإصباح يخرج من سنة النوم إلى سنة الوجود وهي اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة إلى النوم أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة بقوله تعالى :﴿يخرج الحيّ﴾ كالإنسان والطائر ﴿من الميت﴾ كالنطفة والبيضة ﴿ويخرج الميت﴾ كالبيضة والنطفة ﴿من الحيّ﴾ على عكس ذلك، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس، وقيل : يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن ﴿ويحيي الأرض﴾ أي : بالمطر وإخراج النبات ﴿بعد موتها﴾ أي : يبسها ﴿وكذلك﴾ أي : ومثل هذا الإخراج ﴿تخرجون﴾ بأيسر أمر من الأرض بعد تفرّق أجسامكم فيها أحياء للبعث والحساب، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي الميت بكسر الياء المشددة، والباقون بالسكون، وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بفتح التاء قبل الخاء وضم الراء على البناء للفاعل، والباقون بضمّ التاء وفتح الراء على البناء للمفعول.
الروم 30:20
﴿ومن آياته﴾ أي : ومن جملة علامات توحيده وكمال قدرته ﴿أن خلقكم﴾ أي : أصلكم وهو آدم عليه السلام ﴿من تراب﴾ لم يكن له أصلاً اتصاف ما بحياة، أو أنه خلقكم من نطفة، والنطفة من الغذاء، والغداء إنما يتولد من الماء والتراب ﴿ثم﴾ أي : بعد إخراجكم منه ﴿إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ في الأرض كقوله تعالى ﴿وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء﴾ ( النساء : ١ ).
تنبيه : الترتيب والمهلة ههنا ظاهران، فإنهم يصيرون بشراً بعد أطوار كثيرة، وتنتشرون حال. وإذا هي الفجائية إلا أنّ الفجائية أكثر ما تقع بعد الفاء ؛ لأنها تقتضي التعقيب. ووجه وقوعها مع ثم بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة أي : بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في موضع آخر من كونها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً مجرداً ثم عظماً مكسواً لحماً فاجأ البشرية والانتشار.
الروم 30:21
﴿ومن آياته﴾ أي : على ذلك ﴿أن خلق لكم﴾ أي : لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد وفي تقديم الجار وهو قوله تعالى ﴿من أنفسكم﴾ أي : جنسكم بعد إيجادها من ذات أبيكم آدم عليه السلام ﴿أزواجا﴾ إناثاً هن شفع لكم دلالة ظاهرة على حرمة التزّوج من غير الجنس كالجن، قال البقاعي : والتعبير بالنفس أظهر في كونها من بدن الرجل أي : فخلق حواء من ضلع آدم ﴿لتسكنوا﴾ مائلين ﴿إليها﴾ بالشهوة والألفة من قولهم : سكن إليه إذا مال وانقطع واطمأن إليه، ولم يجعلها من غير جنسكم لئلا تنفروا منها، قال ابن عادل : والصحيح أنّ المراد من جنسكم كما قال تعالى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ ( التوبة : ١٢٨ ) ويدل عليه قوله تعالى ﴿لتسكنوا إليها﴾ يعني أنّ الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر أي : لا تثبت نفسه معه ولا يميل قلبه إليه. ولما كان المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الإلفة قال تعالى ﴿وجعل﴾ أي : صير بسبب الخلق على هذه الصفة ﴿بينكم مودة﴾ أي : معنى من المعاني يوجب أن لا يحب أحد من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه ﴿ورحمة﴾ أي : معنى يحمل كُلاّ على أن يجتهد للآخر في جلب الخير ودفع الضر، وقيل : المودّة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد تمسكاً بقوله تعالى :﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ ( مريم، ٢ ) وقوله تعالى :﴿ورحمة منا﴾ ( مريم، ٢١ ) ﴿إن في ذلك﴾ أي : الذي تقدم من خلق الأزواج على الحال المذكور وما يتبعه من المنافع ﴿لآيات﴾ أي : دلالات واضحات على قدرة فاعله وحكمته ﴿لقوم يتفكرون﴾ أي : يستعملون أفكارهم على القوانين المحرّرة ويجتهدون في ذلك فيعلمون ما في ذلك من الحكم.
الروم 30:22
ولما بين تعالى دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق بقوله تعالى :﴿ومن آياته﴾ أي : الدالة على ذلك ﴿خلق السماوات﴾ على علوها وإحكامها ﴿والأرض﴾ على اتساعها وإتقانها، وقدّم السماء على الأرض لأنّ السماء كالذكر لها. ولما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بقوله تعالى :﴿واختلاف ألسنتكم﴾ أي : لغاتكم من العربية والعجمية وغيرهما، ونغماتكم وهيآتها، فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة ولا شدّة ولا رخاوة ولا لكنة ولا فصاحة ولا غير ذلك من صفات النطق وأشكاله وأنتم من نفس واحدة ﴿و﴾ اختلاف ﴿ألوانكم﴾ من أبيض وأسود وأشقر وأسمر وغير ذلك من اختلاف الألوان وأنتم بنو رجل واحد وهو آدم عليه السلام، والحكمة في ذلك : أنّ الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره والعدو من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه، وليقبل على الصديق قبل أن يفوته الإقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور، وقد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات، وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو والصديق فلا يقع التمييز بين كل واحد بشكله وحليته وصورته، ولو اتفقت الصور والأصوات وتشاكلت وكانت ضرباً واحداً لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت مصالح كثيرة وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية فيروك الخطأ في التمييز بينهما، فسبحان من خلق الخلق على ما أراد وكيف أراد، وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد وتفرعوا من أصل فذ وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله تعالى مختلفون متفاوتون. ولما كان هذا مع كونه في غاية الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره قال ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه ﴿لآيات﴾ أي : دلالات واضحات جداً على وحدانيته تعالى ﴿للعالمين﴾ أي : ذوي العقول والعلم لا يختص به صنف منهم دون صنف من جنّ ولا أنس ولا غيرهم، فهذا هو حكمة قوله تعالى هنا للعالمين وفيما تقدّم بقوله تعالى :﴿لقوم يتفكرون﴾، ( يونس : ٢٤ ) وقرأ حفص وحده بكسر اللام.
الروم 30:23
ولما ذكر تعالى بعض العرضيات اللازمة وهو الاختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم بالليل والحركة في النهار طلباً للرزق كما قال تعالى :﴿ومن آياته﴾ الدالة على القدرة والعلم ﴿منامكم﴾ أي : نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعاً ﴿بالليل والنهار﴾ قيلولة ﴿وابتغاؤكم من فضله﴾ أي : منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما فإن كثيراً ما يكسب الإنسان بالليل، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار خلف، وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين وهما الواوان إشعاراً بأنّ كلاًّ من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة، ويؤيده آيات أخر كقوله تعالى ﴿وجعلنا الليل لباساً ( ١٠ ) وجعلنا النهار معاشاً﴾ ( النبأ : ١٠ ١١ ) وقوله تعالى :﴿وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ ( الإسراء : ١٢ ) ويكون التقدير هكذا : ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من فضله. وأخر الابتغاء وقرنه في اللفظ بالفضل إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من كسبه وبحذقه بل من فضل ربه. ولهذا قرن الابتغاء بالفضل في كثير من المواضع منها قوله تعالى ﴿فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ ( الجمعة : ١٠ ) وقوله تعالى ﴿ولتبتغوا من فضله﴾.
تنبيه : قدم الله تعالى المنام بالليل على الابتغاء بالنهار في الذكر لأنّ الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة، فلا يبتغي إلا محتاج في الحال أو خائف من المآل ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم العلي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء بعد المفارقة في التحصيل ﴿لآيات﴾ عديدة على القدرة والعلم لا سيما البعث ﴿لقوم يسمعون﴾ أي : من الدعاة والنصاح سماع تفهم واستبصار فإنّ الحكمة فيه ظاهرة.
تنبيه : قال هنا ﴿آيات لقوم يسمعون﴾ وقال تعالى من قبل ﴿لقوم يتفكرون﴾ وقال تعالى ﴿للعالمين﴾ لأنّ المنام بالليل والابتغاء يظن الجاهل أو الغافل أنهما مما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله تعالى، فلم يقل آيات للعالمين، ولأن الأمرين الأولين وهما اختلاف الألسنة والألوان من اللوازم، والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة، فالنظر إليهما لا يدوم لزوالهما في بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان فإنهما يدومان بدوام الإنسان فجعلهما آيات عليه، وأما قوله تعالى ﴿لقوم يتفكرون﴾ فإن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر. ومنها ما يكفي فيه مجرّد الفكرة، ومنها ما يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد، ومنها ما يحتاج بعض الناس في تفهمه إلى أمثال حسية كالأشكال الهندسية لأنّ خلق الأزواج لا يقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكرة، فإذا تفكر علم كون ذلك الخلق آية، وأمّا المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد وقد يحتاج إلى مرشد معين لفكره فقال ﴿لقوم يسمعون﴾ ويجعلون بالهم من كلام المرشد.
الروم 30:24
ولما ذكر تعالى العرضيات اللازمة للأنفس والمفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق بقوله تعالى :﴿ومن آياته﴾ الدالة على عظيم قدرته ﴿يريكم البرق﴾ أي : إراءتكم له على هيئآت وكيفيات طال ما شاهدتموها تارة تأتي بما يضر وتارة بما يسر كما قال تعالى ﴿خوفاً﴾ أي : للإخافة من الصواعق المحرقة ﴿وطمعاً﴾ أي : وللإطماع في المياه العذبة ﴿وينزل من السماء ماء﴾ أي : الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿فيحيي به﴾ أي : بذلك الماء خاصة لأنّ أكثر الأرض لا يسقى بغيره ﴿الأرض﴾ أي : بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان ﴿بعد موتها﴾ أي : يبسها ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم العالي القدر ﴿لآيات﴾ لاسيما على القدرة على البعث ﴿لقوم يعقلون﴾ أي : يتدبرون فيستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكوّنها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع.
تنبيه : كما قدّم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء، وكما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة، وهي أنّ البرق إذا لاح فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له، والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء، أو زرع يسوي مجاري الماء وأيضاً أهل البوادي لا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب.
واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمقيمين في البلاد فهي ظاهرة للبادين، فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ وفيما تقدم ﴿لقوم يتفكرون﴾ ؟ أجيب : بأنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمراً عادياً مطرداً قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أنّ ذلك بالطبيعة لأنّ المطرد أقوى إلى الطبيعة من المختلف، والبرق والمطر ليس أمراً مطرداً غير مختلف بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة، وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قوياً وتارة يكون ضعيفاً، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هو آية لمن كان له عقل وإن لم يتفكر تفكراً تاماً.
الروم 30:25
ثم ذكر تعالى من لوازم السماء والأرض قيامهما بقوله تعالى :﴿ومن آياته﴾ أي : على تمام القدرة وكمال الحكمة ﴿أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ قال ابن مسعود، قامتا على غير عمد بأمره أي : بإرادته، فإنّ الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء في علوها يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد وهذا من اللوازم، فإنّ الأرض لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه، وإنما أفرد السماء والأرض لأنّ السماء الأولى والأرض الأولى لا تقبل النزاع ؛ لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ بالكل لأنه جنس.
تنبيه : ذكر تعالى من كل باب أمرين أما من الأنفس فقوله تعالى ﴿خلقكم﴾ ﴿وخلق لكم﴾ واستدل بخلق الزوجين، ومن الآفاق السماء والأرض فقال تعالى ﴿خلق السماوات والأرض﴾ ( الروم : ٢٢ ) ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارض الآفاق البرق والأمطار، ومن لوازمهما قيام السماء والأرض ؛ لأنّ الواحد يكفي للإقرار بالحق والثاني يفيد الاستقرار، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين، فإنّ قول أحدهما يفيد الظنّ وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السلام ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ( البقرة : ٢٦٠ ). فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى هنا ﴿ومن آياته أن تقوم﴾ ( الروم : ٢٥ ) وقال تعالى قبله ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ ( الروم : ٢٤ ) ولم يقل أن يريكم ليصير كالمصدر بأن ؟ أجيب : بأنّ القيام لما كان غير معتبر أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل ولم يذكر معه الحروف المصدرية، فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ذكر ست دلائل وذكر في أربع منها ﴿إنّ في ذلك لآيات﴾ ولم يذكر في الأوّل وهو قوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب﴾ ولا في الآخر وهو قوله ﴿من آياته أن تقوم السماء والأرض﴾ ( الروم : ٢٥ ) ؟ أجيب : عن ذلك : أما عن الأوّل فلأنّ قوله بعده ﴿ومن آياته أن خلق لكم﴾ ( الروم : ٢١ ) أيضاً دليل الأنفس فخلق الأنفس، وخلق الأزواج من باب واحد على ما تقدّم من أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير والتوكيد، فلما قال في الثانية إنّ في ذلك لآيات كان عائداً إليهما، وأمّا في قيام السماء والأرض فلأنه ذكر في الآيات السماوية أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون وذلك لظهورها، فلما كان في أوّل الأمر ظاهراً ففي آخر الأمر بعد سرد الأدلة يكون أظهر فلم يميز أحداً في ذلك عن الآخر، ثم إنه تعالى لما ذكر الدليل على القدرة والتوحيد ذكر مدلوله وهو قدرته على الإعادة بقوله تعالى :﴿ثم إذا دعاكم﴾ وأشار إلى هوان ذلك القول عنده بقوله عز وجل ﴿دعوة﴾ أي : واحدة ﴿من الأرض﴾ بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور فيها فيقول : أيها الموتى اخرجوا ﴿إذا أنتم تخرجون﴾ أي : منها أحياء بعد اضمحلالكم بالموت والبلا فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال تعالى ﴿ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ ( الزمر : ٦٨ ) فإن قيل : بم يتعلق من الأرض بالفعل أم بالمصدر ؟ أجيب : بهيهات إذا جاء نهر الله وهو الفعل بطل نهر معقل وهو المصدر، وثم إما لتراخي زمانه أو لعظم ما فيه. فإن قيل : ما الفرق بين إذا وإذا ؟ أجيب : بأنّ الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط، ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى.
تنبيه : قال ههنا : إذا أنتم تخرجون وقال تعالى في خلق الإنسان أوّلاً ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، لأنّ هناك يكون خلق وتقدير وتدريج حتى يصير التراب قابلاً للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر، وأمّا في الإعادة فلا يكون تدريج وتراخ بل يكون بدء خروج فلم يقل ههنا ثم.
الروم 30:26
ولما ذكر تعالى الآيات التي تدلّ على القدرة على الحشر الذي هو الأصل الآخر والوحدانية التي هي الأصل الأوّل أشار إليهما بقوله تعالى :﴿وله من في السماوات والأرض﴾ ملكاً وخلقاً ﴿كل له قانتون﴾ قال ابن عباس : كل له مطيعون في الحياة والفناء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة، وقال الكلبي : هذا خاص بمن كان منهم مطيعاً، ونفس السماوات والأرضين له وملكه فكل له منقادون، فلا شريك له أصلاً.
الروم 30:27
ثم ذكر المدلول الآخر بقوله تعالى :﴿وهو الذي يبدأ الخلق﴾ أي : على سبيل التجديد كما تشاهدون، وأشار إلى تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال ﴿ثم يعيده﴾ أي : بعد الموت للبعث. وفي قوله تعالى ﴿وهو أهون عليه﴾ قولان أحدهما : أنها للتفضيل على بابها، وعلى هذا يقال : كيف يتصوّر التفضيل والإعادة والبداءة بالنسبة إلى الله تعالى على حدّ سواء ؟ وفي ذلك أجوبة أحدها : إنّ ذلك بالنسبة إلى اعتقاد البشر باعتبار المشاهدة من أنّ إعادة الشيء أهون من اختراعه لاحتياج الابتداء إلى إعمال فكر غالباً وإن كان هذا منتفياً عن الباري سبحانه وتعالى، فخوطبوا بحسب ما ألفوه. ثانيها : أنّ الضمير في عليه ليس عائداً على الله تعالى إنما يعود على الخلق أي : والعود أهون على الخلق أي : أسرع ؛ لأنّ البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن صارت إنساناً، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات فكأنه قيل : وهو أقصر عليه وأيسر وأقل انتقالاً، والمعنى : يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم يعني : أن يقوموا نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً إلى أن يصيروا رجالاً ونساء، وهي رواية الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس. ثالثها : أنّ الضمير في عليه يعود على المخلوق بمعنى : والإعادة أهون على المخلوق أي : إعادته شيئاً بعدما أنشأه، هذا في عرف المخلوقين فكيف ينكرون ذلك في جانب الله تعالى والثاني : أنّ أهون ليس للتفضيل بل هي صيغة بمعنى هين كقولهم : الله أكبر أي : كبير، وهي رواية العوفيّ عن ابن عباس، وقد يجيء أفعل بمعنى الفاعل كقول الفرزدق :
إنّ الذي سمك السماء بنى لنا؍ بيتاً دعائمه أعز وأطول؍
أي : عزيزة طويلة وعود الضمير على الباري تعالى أولى ليوافق الضمير في قوله تعالى ﴿وله المثل﴾ أي : الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامّة والحكمة الشاملة. قال ابن عباس : هو أنه ليس كمثله شيء، وقال قتادة : هو أنه لا إله إلا هو، قال البيضاوي : ومن فسره بلا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية ﴿الأعلى﴾ أي : الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه.
ولما كان الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع مشاهدة قال ﴿في السماوات والأرض﴾ أي : اللتين خلقهما ولم يستعصيا عليه فكيف يستعصي عليه شيء فيهما ﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿العزيز﴾ أي : الذي إذا أراد شيئاً كان له في غاية الانقياد كائناً ما كان ﴿الحكيم﴾ أي : الذي إذا أراد شيئاً أتقنه فلم يقدر غيره إلى التوصل إلى بعض شيء منه، ولا تتمّ حكمة هذا الكون على هذه الصورة إلا بالبعث بل هي الحكمة العظمى ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير.
الروم 30:28
ولما أبان من هذا أنه تعالى المنفرد بالملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله تعالى :﴿ضرب﴾ أي : جعل ﴿لكم﴾ بحكمته أيها المشركون في أمر الأصنام وبيان الإبطال من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير ﴿مثلاً﴾ مبتدأ ﴿من أنفسكم﴾ التي هي أقرب الأشياء إليكم، ثم بين المثل بقوله تعالى :﴿هل لكم﴾ أي : يا من عبدوا مع الله غيره ﴿مما﴾ أي : من بعض ما ﴿ملكت أيمانكم﴾ أي : من العبيد والإماء الذين هم بشر مثلكم وعمم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة الجار بقوله تعالى :﴿من شركاء﴾ أي : في حالة من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا لله شركاء ﴿في ما رزقناكم﴾ من الأموال وغيرها مع ضعف ملككم فيه فائدة ﴿في﴾ مقطوعة عن ﴿ما﴾ ﴿فأنتم﴾ أي : يا معاشر الأحرار والعبيد ﴿فيه﴾ أي : الشيء الذي وقعت فيه الشركة ﴿سواء﴾ فيكون أنتم وهم شركاء يتصرّفون فيه كتصرّفكم مع أنهم بشر مثلكم. فإن قيل : أيُّ : فرق بين مِنْ الأولى والثانية والثالثة في قوله تعالى من أنفسكم ؟ أجيب : بأن الأولى : للابتداء كأنه قال : أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي من أنفسكم ولم يبعد، والثانية : للتبعيض، والثالثة : مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي، ثم بين المساواة بقوله تعالى :﴿تخافونهم﴾ أي : معاشر السادة في التصرّف في ذلك الشيء المشترك ﴿كخيفتكم أنفسكم﴾ أي : كما تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم في الحرية والعظمة أن تتصرّفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه، وظهر أنّ حالكم في عبيدكم مثل له فيما أشركتموهم به موضح لبطلانه، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن تستوي عبيدكم معكم في الملك فكيف ترضونه لخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوّونها به وهي من أضعف خلقه أفلا تستحيون ﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا التفصيل العالي ﴿نفصل الآيات﴾ أي : نبينها، فإنّ التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها ﴿لقوم يعقلون﴾ أي : يتدبرون هذه الدلائل بعقولهم، والأمر لا يخفى بعد ذلك إلا على من لا عقل له.
الروم 30:29
﴿بل اتبع الذين ظلموا﴾ أي : أشركوا فإنهم وضعوا الشيء في غير موضعه. فعل الماشي في الظلام ﴿أهواءهم﴾ وهي ما تميل إليه نفوسهم ﴿بغير علم﴾ أي : جاهلين لا يكفهم، شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه، ثم بين تعالى أنّ ذلك بإرادته بقوله تعالى :﴿فمن يهدي من أضل الله﴾ أي : الذي له الأمر كله أي : لا يقدر أحد على هدايته ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أي : مانعين يمنعونهم من عذاب الله لا من الأصنام ولا من غيرها.
الروم 30:30
ولما تحرّرت الأدلة وانتصبت الأعلام أقبل تعالى على خلاصة خلقه إيذاناً بأنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره بقوله سبحانه :﴿فأقم وجهك﴾ أي : قصدك كله ﴿للدين﴾ أي : أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير، وقال غيره : سدّد عملك، والوجه ما يتوجه إليه، وقيل : أقبل بكلك على الدين، عبر بالوجه عن الذات كقوله تعالى ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ ( القصص : ٨٨ ) أي : ذاته بصفاته. وقوله تعالى ﴿حنيفاً﴾ حال من فاعل أقم أو مفعوله أو من الدين، ومعنى حنيفاً أي : مائلاً إليه مستقيماً عليه ومل عن كل شيء لا يكون في قلبك شيء آخر، وهذا قريب من معنى قوله تعالى ﴿ولا تكوننّ من المشركين﴾ ( الأنعام، ١٤ ) وقوله تعالى ﴿فطرت الله﴾ أي : خلقته منصوب على الإغراء أو المصدر بما دلّ عليه ما بعدها وهي بتاء مجرورة، وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، ثم أكد ذلك بقوله تعالى :﴿التي فطر الناس﴾ قال ابن عباس : خلق الناس ﴿عليها﴾ وهو دينه وهو التوحيد. قال صلى الله عليه وسلم :«ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » فقوله على الفطرة على العهد الذي أخذه عليهم بقوله تعالى :﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ ( الأعراف : ١٧٢ ) وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها، وإن عبد غيره قال الله تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ الله﴾ ( لقمان : ٢٥ ) وقال ﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ ( الزمر : ٣ ) ولكن لا عبرة بالإيمان الفطريّ في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان الشرعيّ المأمور به، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين، وقيل : الآية مخصوصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم الله تعالى على الإسلام، روي عن عبد الله بن المبارك قال : معنى الحديث : أن كل مولود يولد على فطرته أي : على خلقته التي جبل عليها في علم الله من السعادة والشقاء، وكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن علامات الشقاوة أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين فيحملانه لشقائه على اعتقاده دينهما، وقيل : معنى الحديث : أنّ كل مولود يولد في مبدأ الفطرة على الخلقة أي : الجبلة السليمة والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرّ على لزومها ؛ لأنّ هذا الدين موجود حُسنه في العقول وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من النشوء والتقليد، فمن يسلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. ذكر هذه المعاني أبو سليمان الخطابي في كتابه.
ولما كانت سلامة الفطرة أمراً مستمرّاً قال تعالى :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي لا كفء له فلا يقدر أحد أن يغيره، فمن حمل الفطرة على الدين قال معناه : لا تبديل لدين الله، فهو خبر بمعنى النهي أي : لا تبدّلوا دين الله. قاله مجاهد وإبراهيم. والمعنى : الزموا فطرة الله أي : دين الله واتبعوه ولا تبدّلوا التوحيد بالشرك، ومن حملها على الخلقة قال : معناه لا تبديل لخلق الله أي : ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة، فلا يصير السعيد شقياً ولا الشقي سعيداً، وقال عكرمة : معناه تحريم إخصاء البهائم أي : في غير المأكول وفي المأكول الكبير، أمّا المأكول الصغير فإنه يجوز، ويلحق بالخصي المحرّم كل تغيير محرّم كالوشم ﴿ذلك﴾ أي : الشأن العظيم ﴿الدين القيم﴾ أي : المستقيم الذي لا عوج فيه توحيد الله تعالى ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ أن ذلك هو الدين المستقيم لعدم تدبرهم.
الروم 30:31
وقوله تعالى :﴿منيبين﴾ أي : راجعين ﴿إليه﴾ تعالى فيما أمر به ونهى عنه حال من فاعل أقم، قال الزمخشريّ : فإن قلت : لم وحدّ الخطاب أوّلاً ثم جمع ؟ قلت : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّلاً، وخطاب الرسول خطاب لأمّته مع ما فيه من التعظيم للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص ﴿واتقوه﴾ أي : خافوه فإنكم وإن عبدتموه فلا تأمنوا أن تزيغوا عن سبيله ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي : داوموا عليها وعلى أدائها في أوقاتها ﴿ولا تكونوا من المشركين﴾ أي : لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم بمواددةٍ أو معاشرةٍ أو عملٍ تشابهونهم فيه، فإنه من تشبه بقوم فهو منهم، وهو عامّ في كل مشرك سواء كان بعبادة صنمٍ أو نارٍ أو غير ذلك.
الروم 30:32
وقوله تعالى ﴿من الذين﴾ بدل من المشركين بإعادة الجار ﴿فرّقوا دينهم﴾ أي : الذي هو الفطرة الأولى، فعبد كل قوم منهم شيئاً ودانوا ديناً غير دين مَن سواهم وهو معنى ﴿وكانوا شيعاً﴾ أي : فرقاً متخالفين كل واحدة منهم تتشايع من دان بدينها على من خالفهم حتى كفّر بعضهم بعضاً واستباحوا الدماء والأموال، فعلم قطعاً أنهم كلهم ليسوا على الحق، وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الفاء وتخفيف الراء، والباقون بغير ألف وتشديد الراء، فعلى القراءة الأولى فارقوا أي : تركوا دينهم الذي أمروا به.
ولما كان هذا أمر يتعجب من وقوعه زاده عجباً بقوله تعالى : استئنافاً ﴿كل حزب﴾ أي : منهم ﴿بما لديهم﴾ أي : عندهم ﴿فرحون﴾ أي : مسرورون ظناً منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم.
الروم 30:33
ولما بين تعالى التوحيد بالدليل وبالمثل بين أنّ لهم حالة يعترفون بها وإن كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدّة بقوله تعالى :
ولما بين تعالى التوحيد بالدليل وبالمثل بين أنّ لهم حالة يعترفون بها وإن كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدّة بقوله تعالى :﴿وإذا مس الناس ضرّ﴾ أي : قحط وشدّة ﴿دعوا ربهم﴾ أي : الذي لم يشركه في الإحسان إليهم أحد ﴿منيبين﴾ أي : راجعين من جميع ضلالاتهم ﴿إليه﴾ أي : دون غيره علماً منهم بأنه لا فرج لهم عند شيء غيره، قال الرازي : في اللوامع في أواخر العنكبوت : وهذا دليل على أنّ معرفة الرب في فطرة كل إنسان وأنهم إن غفلوا في السرّاء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضرّاء ﴿ثم إذا أذاقهم منه رحمة﴾ أي : خلاصاً من ذلك الضرّ ﴿إذا فريق منهم بربهم﴾ أي : المحسن إليهم دائماً المجدّد لهم هذا الإحسان من هذا الضر ﴿يشركون﴾ أي : فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، فإذا الفجائية وقعت جواب الشرط ؛ لأنها كالفاء في أنها للتعقيب، ولا تقع أوّل كلام، وقد تجامعها الفاء زائدة، فإن قيل : ما الحكمة في قوله ههنا إذا فريق منهم وقال في العنكبوت ﴿فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون﴾ ( العنكبوت : ٦٥ ) ولم يقل فريق ؟ أجيب : بأنّ المذكور هناك غير معين وهو ما يكون من هول البحر، والمتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذي لا يشرك منهم بعد الخلاص فرقة منهم فهم في غاية القلة، فلم يجعل المشركين فريقاً لقلة مَنْ خرج من الشرك، وأمّا المذكور ههنا الضرّ مطلقاً فيتناول ضرّ البحر والأمراض والأهوال، والمتخلص من أنواع الضرّ خلق كثير بل جميع الناس قد يكونون قد وقعوا في ضرّ ما فتخلصوا منه، والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من جميع الأنواع إذا جمع فهم خلق عظيم وهو جميع المسلمين، فإنهم تخلصوا من ضرّ ولم يبقوا مشركين، وأمّا المسلمون فلم يتخلصوا من ضرّ البحر بأجمعهم، فلما كان الناجي من الضرّ المؤمن جمعاً كثيراً سُمّي الباقي فريقاً.
الروم 30:34
وقوله تعالى :﴿ليكفروا بما آتيناهم﴾ يجوز أن تكون اللام فيه لام كي وأن تكون لام الأمر، ومعناه التهديد كقوله تعالى ﴿اعملوا ما شئتم﴾ ( فصلت، ٤٠ ) ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد بقوله تعالى :﴿فتمتعوا فسوف تعلمون﴾ عاقبة تمتعكم في الآخرة وفي هذا التفات من الغيبة.
الروم 30:35
﴿أم أنزلنا عليهم سلطاناً﴾ أي : دليلاً واضحاً قاهراً أو ذا سلطان أي : ملك معه برهان، فقوله تعالى ﴿فهو يتكلم﴾ على الأوّل كلاماً مجازياً وعلى الثاني كلاماً حقيقياً، وعلى كلا الحالين هو جواب للاستفهام الذي تضمنته أم المنقطعة ﴿بما﴾ أي : بصحة ما ﴿كانوا به يشركون﴾ أي : فيأمرهم بالإشراك بحيث لا يجدوا بداً من متابعته لتزول عنهم الملامة، وهذا الاستفهام بمعنى الإنكار أي : ما أنزلنا بما يقولون سلطاناً، قال ابن عباس : حجة وعذراً، وقال قتادة : كتاباً يتكلم بما كانوا به يشركون أي : ينطق بشركهم.
الروم 30:36
ولما بين تعالى حال المشرك الظاهر شركه بيّن تعالى حال المشرك الذي دونه وهو مَنْ تكون عبادته للدنيا بقوله تعالى :﴿وإذا﴾ معبراً بأداء التحقيق إشارة إلى أنّ الرحمة أكثر من النقمة، وأسند الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال ﴿أذقنا الناس رحمة﴾ أي : نعمة من خصب وكثرة مطر وغنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا ﴿فرحوا بها﴾ أي : فرح بطر مطمئنين من زوالها ناسين شكر من أنعم بها، ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك. فإن قيل : الفرح بالرحمة مأمور به قال تعالى :﴿بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ( يونس، ٥٨ ) وههنا ذمّهم على الفرح بالرحمة ؟ أجيب : بأنه هناك فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله وههنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم إذا كان من الله تعالى ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي : شدّة من جدب وقلة مطر وفقر ونحوه ﴿بما قدّمت أيديهم﴾ من السيئات ﴿إذا هم يقنطون﴾ أي : ييأسون من رحمة الله وهذا خلاف وصف المؤمنين فإنهم يشكرونه عند النعمة ويرجونه عند الشدّة، وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون بعد القاف، والباقون بالفتح.
الروم 30:37
﴿أو لم يروا﴾ أي : يعلموا ﴿أن الله يبسط الرزق﴾ أي : يوسعه ﴿لمن يشاء﴾ امتحاناً ﴿ويقدر﴾ أي : يضيق لمن يشاء ابتلاء، وهذا شأنه دائماً مع الشخص الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة ومع الأشخاص ولو في الوقت الواحد، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا، ولو اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا بل كان حالهم الصبر في البلاء، والشكر في الرخاء، والإقلاع عن السيئة التي نزل بسببها القضاء.
ولما لم تغن عن أحد منهم في استجلاب الرزق قوّته وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة حيله، ولا ضرّه ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته وكان ذلك أمراً عظيماً ومنزعاً مع شدّة ظهوره وجلالته خفياً دقيقاً قال بعضهم :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه؍ وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا؍
أشار سبحانه إلى عظمته بقوله مؤكداً لأنّ عملهم في شدّة اهتمامهم بالسعي في الدنيا عمل مَنْ يظنّ أنّ تحصيله إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص والتقتير على آخر، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرّر المشاهد للزوال في النفس والغير واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ذلك من أسرار آلائه ﴿لآيات﴾ أي : دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى وتمام العلم وكمال القدرة وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن ﴿لقوم﴾ أي : ذوي همم وكفاية القيام بما يحق لهم أن يقوموا به ﴿يؤمنون﴾ أي : يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة بإدامة التأمّل والإمعان والتفكر والاعتماد في الرزق على من قال ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدّكر﴾ ( القمر : ١٧ )
أي : من طالب علم فيعان عليه، فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفاً من زوالها إذا أراد القادر ذلك، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلاً من الرازق ؛ لأنّ أفضل العبادة انتظار الفرج بل همهم بما عليهم من وظائف العبادة واجبها ومندوبها، ومعرضون عما سوى ذلك قد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه وهو القدير العليم.
الروم 30:38
ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأنّ الاكتراث بها لا يزيدها، والتهاون بها لا ينقصها قال تعالى مخاطباً لأعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره :﴿فآت﴾ يا خير الخلق ﴿ذا القربى﴾ أي : القرابة ﴿حقه﴾ أي : من البرّ والصلة ؛ لأنه أحق الناس بالبر وصلة الرحم جوداً وكرماً ﴿والمسكين﴾ سواء كان ذا قرابة أم لا ﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر كذلك من الصدقة، وأمّة النبيّ صلى الله عليه وسلم تبع له في ذلك.
تنبيه : عدم ذكر بقية الأصناف يدلّ على أنّ ذلك في صدقة التطوّع، ودخل الفقير من باب أولى لأنه أسوأ حالاً من المسكين، فإن قيل : كيف تعلق قوله تعالى ﴿فآت ذا القربى حقه﴾ بما قبله حتى جيء بالفاء ؟ أجيب : بأنه لما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدّمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وقد احتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب، وعند الشافعي رضي الله عنه لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين. قاس سائر القرابة على ابن العمّ ؛ لأنه لا ولادة بينهم.
ولما أمر بالإيثار رغب فيه بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الإيثار العالي الرتبة ﴿خير للذين يريدون وجه الله﴾ أي : ذاته أو جهته وجانبه أي : يقصدون بمعروفهم إياه خالصاً لوجهه كقوله تعالى ﴿إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى﴾ ( الليل، ٢٠ ) أي : يقصدون جهة التقرّب إلى الله تعالى لا جهة أخرى، والمعنيان متقاربان ولكن الطريقة مختلفة ﴿وأولئك﴾ أي : العالو الرتبة لغناهم عن كل فان ﴿هم المفلحون﴾ أي : الفائزون الذين لا يشوب فلاحهم شيء، وأمّا غيرهم فخائب : أمّا من لم ينفق فواضح.
الروم 30:39
وأما من أنفق على وجه الرياء فقد خسر ماله وأبقى عليه وباله كما قال تعالى :﴿وما آتيتم من ربا﴾ أي : مال على وجه الربا المحرّم بزيادة في المعاملة أو المكروه بعطية يتوقع بها مزيد مكافأة، وكان هذا مما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ ( المدثر : ٦ ) أي : لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيته تشريفاً له، وكره لعامّة الناس فسمي باسم المطلوب من الزيادة في المعاملة فالربا ربوان : فالحرام : كل قرض يؤخذ فيه أكثر منه أو يجرّ منفعة، والذي ليس بحرام أن يستدعي بهديته أو بهبته أكثر منها، وقرأ ابن كثير بقصر الهمزة بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا، والباقون بمدّها ﴿ليربو﴾ أي : يزيد ويكثر ذلك ﴿في أموال الناس﴾ أي : يحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفاً لها فهو كناية عن أنّ الزيادة التي يأخذها المرابي من أموالهم لا يملكها أصلاً، وقرأ نافع بتاء الخطاب بعد اللام مضمومة وسكون الواو، والباقون بالياء التحتية مفتوحة وفتح الواو ﴿فلا يربو﴾ أي : يزكوا وينموا فلا ثواب فيه ﴿عند الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وصفات الكمال، وكل ما لا يربو عند الله فهو ممحوق لا وجود له فمآله إلى فناء وإن كثر ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ ( البقرة : ٢٧٦ ) ولما ذكر ما زيادته نقص أتبعه ما نقصه زيادة بقوله ﴿وما آتيتم﴾ أي : أعطيتم ﴿من زكاة﴾ أي : صدقة، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة أي : تطهرون بها أموالكم من الشبه، وأبدانكم من موادّ الخبث، وأخلاقكم من الغلّ والدنس.
ولما كان الإخلاص عزيزاً أشار إلى عظمته بتكريره بقوله عز وجل ﴿تريدون﴾ أي : بها ﴿وجه الله﴾ أي : عظمة الملك الأعلى، فيعرفون من حقه ما يتلاشى عندهم كل ما سواه فيخلصون له ﴿فأولئك هم المضعفون﴾ أي : ذوو الإضعاف الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك بالحفظ والبركة، وفي الآخرة بكثرة الثواب عند الله من عشر أمثال إلى ما لا حصر له. ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوّة واليسار
الروم 30:40
ولما وضح بهذا أنه لا زيادة إلا فيما يزيده الله ولا تخير إلا فيما يختاره الله بين تعالى ذلك بطريق لا أوضح منه بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : بعظيم جلاله لا غيره ﴿الذي خلقكم﴾ أي : أوجدكم على ما أنتم عليه من التقدير لا تملكون شيئاً ﴿ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم﴾ أي : ممن أشركتم بالله ﴿من يفعل من ذلكم﴾ مشيراً إلى علوّ رتبته بأداة البعد وخطاب الكل.
ولما كان الاستفهام الإنكاريّ التوبيخي في معنى النفي قال مؤكداً له مستغرقاً لكل ما يمكن منه ولو قلّ جدّاً :﴿من شيء﴾ أي : يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه. ولما لزمهم قطعاً أن يقولوا : لا وعزتك ما لهم ولا لأحد منهم فعل شيء من ذلك، قال تعالى معرضاً عنهم منزهاً لنفسه الشريفة :﴿سبحانه﴾ أي : تنزه تنزهاً لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجاً إلى شريك ﴿وتعالى﴾ أي : علوّاً لا تصل إليه العقول ﴿عما يشركون﴾ في أن يفعلوا شيئاً من ذلك.
تنبيه : يجوز في خبر الجلالة الكريمة وجهان : أظهرهما : أنه الموصول بعدها، والثاني : أنه الجملة من قوله تعالى ﴿هل من شركائكم﴾ والموصول صفة والراجع من ذلكم لأنه بمعنى من أفعاله، ومن الأولى والثانية يفيدان شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم النفي، فكل منهما مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء، وقرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب، والباقون بالياء التحتية.
الروم 30:41
ولما بين لهم تعالى من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا فلم يفعلوا أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على قبيح ما ارتكبوا استعظاماً للتوبة بقوله تعالى :﴿ظهر الفساد﴾ أي : النقص في جميع ما ينفع الخلق ﴿في البر﴾ بالقحط والخوف وقلة المطر ونحو ذلك ﴿والبحر﴾ بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه. وقلة المطر كما تؤثر في البرّ تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الأصداف من اللؤلؤ، وذلك لأنّ الصدف إذا جاء المطر يرتفع على وجه الماء وينفتح فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤاً وقالوا : إذا انقطع القطر عميت دوابّ البحر، وقيل : المراد بالبرّ البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة : العرب تسمي المطر بحراً تقول : أجدب البرّ وانقطعت مادّة البحر، ثم بين سببه بقوله تعالى :﴿بما كسبت أيدي الناس﴾ أي : بسبب شؤم ذنوبهم ومعاصيهم كقوله تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ ( الشورى : ٣٠ ) قال ابن عباس : الفساد في البرّ قتل أحد بني آدم أخاه، وفي البحر غصب الملك الجبار السفينة، قال الضحاك : كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذباً، وكان لا يقصد الأسد البقر والغنم، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرّت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحاً زعاقاً، وقصد الحيوانات بعضها بعضا، وقال قتادة : هذا قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم امتلأت الأرض ظلماً، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس، وقيل : أراد بالناس كفار مكة.
ولما ذكر تعالى علية البدائية ثنى بعلية الجزائية بقوله تعالى :﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾ كرماً وحلماً ويعفو عن كثير إمّا أصلاً ورأساً، وإمّا عن المعاجلة به، ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا أو الآخرة، وقرأ قنبل بالنون بعد اللام، والباقون بالياء التحتية، ثم ثلث بالعلة الغائية بقوله تعالى :﴿لعلهم يرجعون﴾ أي : عما هم عليه.
الروم 30:42
ولما بين تعالى حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم ضلال أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم بقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الذين لا همّ لهم سوى الدنيا ﴿سيروا في الأرض﴾ فإنّ سيركم الماضي لكونه لم تصحبه عبرة عدمٌ ﴿فانظروا﴾ نظرَ اعتبار ﴿كيف كان عاقبة الذين من قبل﴾ أي : من قبل أيامكم لتروا منازلهم ومساكنهم خالية فتعلموا أنّ الله تعالى أذاقهم وبال أمرهم وأوقعهم في حفائر مكرهم ﴿كان أكثرهم مشركين﴾ أي : فلذلك أهلكناهم ولم تغن عنهم كثرتهم وأنجينا المؤمنين وما ضرّتهم قلتهم.
الروم 30:43
ولما نهى الله تعالى الكفار عما هم عليه أمر المؤمنين بما هم عليه وخاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به أشرف الأنبياء بقوله تعالى :﴿فأقم وجهك للدين القيم﴾ أي : المستقيم وهو دين الإسلام ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ أي : عظيم ﴿لا مردّ له﴾ أي : لا يقدر أن يرده أحد. وقوله تعالى ﴿من الله﴾ يجوز أن يتعلق بيأتي أو بمحذوف يدل عليه المصدر أي : لا يردّه من الله أحد. والمراد به يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله، وغيره عاجز عن رده فلا بد من وقوعه ﴿يومئذ﴾ أي : إذ يأتي ﴿يصدّعون﴾ أي : يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.
الروم 30:44
ثم أشار إلى التفرّق بقوله تعالى :﴿من كفر﴾ أي : منهم ﴿فعليه كفره﴾ أي : وبال كفره ﴿ومن عمل صالحاً﴾ أي : بالإيمان وما يترتب عليه ﴿فلأنفسهم يمهدون﴾ أي : يوطئون منازلهم في القبور وفي الجنة بل وفي الدنيا فإن الله تعالى يعزهم بعز طاعته.
تنبيه : أظهر قوله تعالى صالحاً ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على من كفر وبشارة بأنّ أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلاً ؛ لأنّ الله تعالى هو مولاهم فهو مزكيهم. وأفرد الشرط وجمع الجزاء في قوله تعالى ﴿فلأنفسهم يمهدون﴾ ( الروم : ٤٤ ) إشارة إلى أنّ الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته، وفيه ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد، وبأنه ينفع نفسه وغيره لأنّ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وأقل ما ينفع والديه وشيخه في ذلك العمل.
الروم 30:45
وقوله تعالى :﴿ليجزي﴾ أي : الله سبحانه وتعالى الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانه لأنه مع المحسنين، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم بقوله تعالى :﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي : تصديقاً لإيمانهم ﴿من فضله﴾ علة ليمهدون أو ليصدعون، والاقتصار على جزاء الموصوفين للإشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء عن فحوى قوله تعالى ﴿إنه لا يحب الكافرين﴾ فإن فيه إثبات البغض لهم فيعذبهم، والمحبة للمؤمنين فيثيبهم، وتأكيدُ اختصاص الصلاح المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل لهم، وقوله تعالى ﴿من فضله﴾ دال على أنّ الإثابة بمحض الفضل.
الروم 30:46
ولما ذكر تعالى ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لأن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضاً ويذكر لأضداده سبباً لئلا يتوهم به الظلم قال تعالى :﴿ومن آياته﴾ أي : دلالاته الواضحة ﴿أن يرسل الرياح مبشرات﴾ أي : بالمطر كما قال تعالى ﴿بشراً بين يدي رحمته﴾ ( الأعراف : ٥٧ ) أي : قبل المطر، وقيل : مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح بالإفراد على إرادة الجنس، والباقون بالجمع وهي الجنوب والشمال والصبا ؛ لأنها رياح الرحمة، وأمّا الدبور فريح العذاب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :«اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » وقوله تعالى ﴿وليذيقكم﴾ أي : بها. ﴿من رحمته﴾ أي : من نعمته من المياه العذبة والأشجار الرطبة وصحة الأبدان وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها، معطوف على مبشرات على المعنى كأنه قيل : ليبشركم وليذيقكم، أو على علة محذوفة دل عليها مبشرات، أو على يرسل بإضمار فعل معلل دل عليه أي : وليذيقكم أرسلها ﴿ولتجري الفلك﴾ أي : السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها، وإنما زاد ﴿بأمره﴾ لأن الريح قد تهب ولا تكون موافقة فلا بدّ من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما عصفت وأغرقتها ﴿ولتبتغوا﴾ أي : تطلبوا ﴿من فضله﴾ من رزقه بالتجارة في البحر ﴿ولعلكم﴾ أي : ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من أنكم ﴿تشكرون﴾ على ما أنعم عليكم من نعمه ودفع عنكم من نقمه.
تنبيه : قال تعالى في ظهر الفساد ﴿ليذيقهم بعض الذي عملوا﴾ ( الروم : ٤١ ) وقال ههنا ﴿وليذيقكم من رحمته﴾ فخاطبهم ههنا تشريفاً ولأنّ رحمته قريب من المحسنين وحينئذ فالمحسن قريب فيخاطب، والمسيء بعيد فلم يخاطب، وقال هناك ﴿بعض الذي عملوا﴾ فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته فقال تعالى :﴿من رحمته﴾ لأنّ الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضاً فلا يقول : أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول : هذا لك مني، وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي. وأيضاً فلو قال : أرسلت لسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، وأما إذا قال : من رحمته كان غاية البشارة، وأيضاً فلو قال : بما فعلتم لكان ذلك موهماً لنقصان ثوابهم في الآخرة، وأما في حق الكفار فإذا قال : بما فعلتم أنبأ عن نقصان عقابهم وهو كذلك وقال هناك ﴿لعلهم يرجعون﴾ وقال هنا :﴿ولعلكم تشكرون﴾ فالواو إشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم.
الروم 30:47
وعطف على النعم قوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : بما لنا من القوة. وقال تعالى ﴿من قبلك رسلاً﴾ تنبيهاً على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه وقال ﴿إلى قومهم﴾ إعلاماً بأنّ أمر الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد ﴿فجاؤهم بالبينات﴾ فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين ﴿فانتقمنا﴾ أي : فكانت معاداة المسلمين للمجرمين فينا سبباً ؛ لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة ﴿من الذين أجرموا﴾ أي : أهلكنا الذين كذبوهم لإجرامهم وهو قطع ما أمرناهم بوصله. ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به قدمه تعجيلاً للسرور وتطييباً للنفوس فقال تعالى ﴿وكان﴾ أي : على سبيل الثبات والدوام ﴿حقاً علينا﴾ أي : مما أوجبناه بوعدنا الذي لا خلف فيه ﴿نصر المؤمنين﴾ أي : العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة، ولم يزل هذا دأبنا في كل ملة على مدى الدهر فليعتدّ هؤلاء لمثل هذا وليأخذوا لمثل ذلك أهبة لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء، روى الترمذي وحسنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا قوله تعالى ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾ قال البقاعي : فالآية من الاحتباك أي : وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء يكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كلٍ على ما حذف من الآخر، فحذف أوّلاً الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه، وثانياً الإنعام لدلالة الانتقام عليه.
الروم 30:48
ثم نبه تعالى على كمال قدرته فهو الناصر للمؤمنين بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : وحده ﴿الذي يرسل﴾ مرة بعد أخرى ﴿الرياح﴾ مضطربة هائجة بعد أن كانت ساكنة ﴿فتثير سحاباً﴾ أي : تزعجه وتنشره ﴿فيبسطه﴾ بعد اجتماعه ﴿في السماء﴾ أي : جهة العلو ﴿كيف يشاء﴾ في أيّ ناحية شاء قليلاً تارة كمسير ساعة وكثيراً أخرى كمسير أيام على حسب إرادته واختياره لا مدخل فيه لطبيعة ولا غيرها ﴿ويجعله﴾ إذا أراد ﴿كسفاً﴾ أي : قطعاً غير متصل بعضها ببعض اتصالاً يمنع نزول الماء، وقرأ ابن عامر بسكون السين بخلاف عن هشام، والباقون بفتحها ﴿فترى﴾ بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسامّ وفروج يا من هو من أهل الرؤية، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه ﴿الودق﴾ أي : المطر ﴿يخرج من خلاله﴾ أي : السحاب الذي هو اسم جنس في حالتي الاتصال والانفصال ﴿فإذا أصاب﴾ أي : الله ﴿به﴾ أي : بالودق ﴿من﴾ أي : أرض من ﴿يشاء﴾ ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد شيء أصلاً بقوله تعالى :﴿من عباده﴾ أي : الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم جديرون بملازمة شكره والخضوع لأمره ﴿إذا هم يستبشرون﴾ أي : يظهر عليهم البشر وهو السرور الذي تشرق له البشرة حال الإصابة ظهوراً بالغاً عظيماً بما يرجونه مما يحدث عنه من الأثر النافع من الخصب والرطوبة واللين.
الروم 30:49
ثم بين تعالى عجزهم بقوله تعالى :﴿وإن﴾ أي : والحال أنهم ﴿كانوا﴾ في الزمن الماضي ﴿من قبل أن ينزل عليهم﴾ أي : المطر، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي. وقوله تعالى ﴿من قبله﴾ من باب التكرير والتأكيد كقوله تعالى ﴿فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها﴾ ( الحشر : ١٧ ) ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول بعدما استحكم بأسهم. وقوله تعالى ﴿لمبلسين﴾ إشارة إلى أنه تمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم بذلك، وقبل الأولى ترجع إلى المطر والثانية إلى إنشاء السحاب فلا تأكيد.
الروم 30:50
﴿فانظر إلى آثار رحمة الله﴾ والرحمة : هي الغيث وأثرها هو النبات، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بألف بعد الثاء المثلثة، والباقون بغير ألف ورسمت رحمة هذه مجرورة، فوقف ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء ﴿كيف يحيى﴾ أي : الله ﴿الأرض﴾ بإخراج النبات ﴿بعد موتها﴾ أي : يبسها ﴿إن ذلك﴾ أي : القادر العظيم الشأن الذي قدر على إحياء الأرض ﴿لمحيي الموتى﴾ كلها من الحيوانات والنباتات أي : ما زال قادراً على ذلك كما قال تعالى ﴿وهو على كل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿قدير﴾ لأنّ نسبة القدرة منه سبحانه وتعالى إلى كل ممكن على حد سواء.
الروم 30:51
ولما بين أنهم عند توقف الخير يكونون آيسين وعند ظهوره يكونون مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضاً لا يدومون عليها بقوله تعالى :﴿ولئن أرسلنا﴾ أي : بعد وجود هذا الأثر الحسن ﴿ريحاً﴾ عقيماً ﴿فرأوه﴾ أي : الأثر لأنّ الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات أو الزرع لدلالة السياق عليه ﴿مصفراً﴾ قد بدل وأخذ في التلف من شدّة يبس الريح إمّا بالحرّ أو البرد، وقيل : رأوا السحاب لأنه إذا كان مصفراً لم يمطر، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب.
تنبيه : اللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط. وقوله تعالى ﴿لظلوا﴾ أي : لصاروا ﴿من بعده﴾ أي : اصفراره ﴿يكفرون﴾ أي : بيأسهم من روح الله، جواب سدّ مسدّ الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال.
تنبيه : سمى النافعة رياحاً والضارّة ريحاً لوجوه : أحدها : أنّ النافعة كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها لأن في كل يوم وليلة تهب نفحات من الرياح النافعة ولا تهب الريح الضارّة في أعوام بل الضارّة لا تهب في الدهور. ثانيها : أنّ النافعة لا تكون إلا رياحاً وأما الضارة فنفخة واحدة تقبل كريح السموم. ثالثها : جاء في الحديث أنّ ريحاً هبت فقال عليه الصلاة والسلام :«اللهمّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » إشارة إلى قوله تعالى ﴿فأرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ ( الذاريات : ٤١ ) وقوله تعالى ﴿ريحاً صرصراً﴾ إلى قوله ﴿تنزع الناس﴾ ( القمر : ٢٠ ).
الروم 30:52
ولما علم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وجوه الأدلة ووعد وأوعد لم يزدهم دعاؤه إلا فرارا وكفراً وإرصاداً قال تعالى :﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ أي : ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم فلا نظر ولا سمع، أو موتى القلوب إسماعاً ينفعهم لأنه مما اختص به الله تعالى، وهؤلاء مثل الأموات ؛ لأنّ الله تعالى قد ختم على مشاعرهم ﴿ولا تسمع الصم﴾ أي : الذين لا سماع لهم ﴿الدعاء﴾ إذا دعوتهم.
ولما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان مقبلاً بحاسة بصره قال تعالى ﴿إذا ولوا﴾ وذكر الفعل ولم يقل ولت إشارة إلى قوّة التولي لئلا يظنّ أنه أطلق على المجانبة مثلاً ولهذا قال تعالى ﴿مدبرين﴾ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية في الوصل، والباقون بالتحقيق وإذا. وقف حمزة وهشام على الدعاء وأبدلا الهمزة ألفاً مع المدّة والتوسط والقصر.
الروم 30:53
﴿وما أنت بهادي العمي﴾ أي : بموجد لهم هداية ﴿عن ضلالتهم﴾ إذا ضلوا عن الطريق، وقرأ حمزة بتاء الخطاب مفتوحة وسكون الهاء والعمي بنصب الياء، والباقون بالباء الموحدة مكسورة وفتح الهاء والعمي بالخفض.
تنبيه : قد جعل الله تعالى الكافر بهذه الصفات وهو أنه شبهه أولاً بالميت، وإرشاد الميت محال والمحال أبعد من الممكن، ثم بالأصم وإرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب، ثم بالأعمى وإرشاد الأعمى أيضاً صعب فإنك إذا قلت له مثلاً : الطريق عن يمينك فإنه يدور إلى يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يتحير عن قريب، فإرشاد الأصم أصعب. ولهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأنّ غايته الإفهام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة فإنّ المعدوم والغائب لا إشارة إليه، فبدأ أولاً بالميت لأنه أعلى ثم بالأدون منه وهو الأصم، وقيده بقوله تعالى :﴿إذا ولوا مدبرين﴾ ليكون أدخل في الامتناع لأنّ الأصم، وإن كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة فإذا ولى لا يكون نظره إلى المشير، فامتنع إفهامه بالإشارة أيضاً ثم بأدنى منه وهو الأعمى لما مرّ. ثم قال تعالى ﴿إن﴾ أي : ما ﴿تسمع﴾ أي : سماع إفهام وقبول ﴿إلا من يؤمن بآياتنا﴾ أي : القرآن فأثبت للمؤمن استماع الآيات فلزم أن يكون المؤمن حياً سميعاً بصيراً لأن المؤمن ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ويفعل ما يجب عليه ﴿فهم مسلمون﴾ أي : مطيعون كما قال تعالى عنهم ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾ ( البقرة : ٢٨٥ ).
الروم 30:54
ولما أعاد تعالى دليل الآفاق بقوله تعالى :﴿الله الذي يرسل الرياح﴾ أعاد دليلاً من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿الذي خلقكم من ضعف﴾ أي : ماء ذي ضعف لقوله تعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ ( المرسلات، ٢٠ ) ﴿ثم جعل من بعد ضعف﴾ آخر وهو ضعف الطفولية ﴿قوة﴾ أي : قوّة الشباب ﴿ثم جعل من بعد قوّة ضعفاً﴾ أي : ضعف الكبر ﴿وشيبة﴾ أي : شيب الهرم وهي بياض في الشعر يحصل أوّله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين وهو أوّل سنّ الاكتهال، والأخذُ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين وهو أوّل سنّ الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عن حفص بفتح الضاد في الثلاثة وهو لغة تميم، والباقون بالضم وهو لغة قريش.
ولما كانت هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها وكان من الناس من يطعن في السن وهو قويّ وأنتج ذلك كله لابدّ أن يكون التصرف بالاختيار مع شمول العلم وتمام القدرة قال تعالى ﴿يخلق ما يشاء﴾ أي : من هذا وغيره ﴿وهو العليم﴾ بتدبير خلقه ﴿القدير﴾ على ما يشاء.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا ﴿وهو العليم القدير﴾ وقوله تعالى من قبل ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ والعزة إشارة إلى كمال القدرة والحكمة إشارة إلى كمال العلم فقدم القدرة هناك على العلم ؟ أجيب : بأنّ المذكور هناك الإعادة بقوله تعالى :﴿وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ ( الروم : ٢٧ ) لأنّ الإعادة بقوله تعالى : كن فيكون، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر. ثم إنّ قوله تعالى ﴿وهو العليم القدير﴾ فيه تبشير وإنذار ؛ لأنه إذا كان عالماً بأحوال الخلق يكون عالماً بأحوال المخلوق فإن عملوا خيراً علمه، وإن عملوا شرّاً علمه، ثم إذا كان قادراً وعلم الخير أثاب وإذا علم الشرّ عاقب.
ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللذين هما بالقدرة والعلم قدم العلم، وأمّا الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال :﴿وهو العزيز الحكيم﴾.
الروم 30:55
ولما ثبتت قدرته تعالى على البعث وغيره عطف على قوله أول السورة ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون﴾ :﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي : القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، أو إعلاماً بتيسيرها على الله تعالى، وصارت علماً عليها بالغلبة كالكوكب للزهرة ﴿يقسم﴾ أي : يحلف ﴿المجرمون﴾ أي : الكافرون. وقوله تعالى ﴿ما لبثوا﴾ جواب قوله تعالى يقسم وهو على المعنى إذ لو حكي قولهم بعينه لقيل ما لبثنا أي : في الدنيا ﴿غير ساعة﴾ استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا في الآخرة، وقال مقاتل والكلبي : ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال تعالى ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ ( النازعات : ٤٦ ) وكما قال تعالى ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ ( الأحقاف : ٣٥ )
وقيل : فيما بين فناء الدنيا والبعث. وفي حديث رواه الشيخان :«ما بين النفختين أربعون » وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام ﴿كذلك﴾ أي : مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها ﴿كانوا﴾ في الدنيا كوناً هو كالجبلة لهم ﴿يؤفكون﴾ أي : يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال مقاتل والكلبي : كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث، والمعنى : أنّ الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه.
الروم 30:56
ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى :﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان﴾ وهم الملائكة والأنبياء والمؤمنين ﴿لقد لبثتم في كتاب الله﴾ أي : فيما كتب الله لكم في سابق علمه وقضائه، أو في اللوح المحفوظ، أو فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون في كتاب الله متعلق بلبثتم، وقال مقاتل وقتادة : فيه تقديم وتأخيره معناه : وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم ﴿إلى يوم البعث﴾ و( في ) ترد بمعنى ( الباء ) فردّوا ما قال هؤلاء الكفار وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم ﴿فهذا يوم البعث﴾ الذي أنكرتموه، وقراء نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة عند التاء المثناة، والباقون بالإدغام.
تنبيه : سبب اختلاف الفريقين أنّ الموعود بوعد إذا ضرب له أجل إن علم أنّ مصيره إلى النار وهو الكافر يستقل مدّة اللبث ويختار تأخير الحشر والإبقاء في القبر، وإن علم أنّ مصيره إلى الجنة وهو المؤمن فيستكثر المدة ولا يريد تأخيرها فيختلف الفريقان، وفي هذه الفاء قولان : أظهرهما : أنها عاطفة هذه الجملة على لبثتم، وقال الزمخشريّ : هي جواب شرط مقدّر أي : إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث أي : فقد تبين بطلان ما قلتم.
ولما كان التقدير قد أتى فقد تبين أنه كما كنا به عالمين فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله تعالى ﴿ولكنكم كنتم﴾ أي : كوناً هو كالجبلة لكم في إنكاركم له ﴿لا تعلمون﴾ أي : ليس لكم علم أصلاً لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه والتوصل إليه بأسبابه فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك التكذيب اليوم.
الروم 30:57
ولما كانت الآيات دالة على أنّ هذه الدار دار عمل وأنّ الآخرة دار جزاء وأنّ البرزخ حائل بينهما فلا يكون في واحدة منهما ما للأخرى، تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فيومئذ﴾ أي : إذ يقع ذلك ويقول الذين أوتوا العلم تلك المقالة ﴿لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ في إنكارهم له ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أي : لا يطلب منهم الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى كما دعوا إليه في الدنيا، من قولهم : استعتبني فلان فأعتبته أي : استرضاني فأرضيته، وقرأ الكوفيون لا ينفع بالياء التحتية لأنّ المعذرة بمعنى العذر ولأنّ تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما، والباقون بالتاء الفوقية.
الروم 30:58
ثم أشار تعالى إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وأنه لم يبق من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم تقصير بقوله تعالى :﴿ولقد ضربنا﴾ أي : جعلنا ﴿للناس في هذا القرآن﴾ أي : في هذه السورة وغيرها ﴿من كل مثل﴾ أي : معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال، فإن طلبوا شيئاً آخر غير ذلك فهو عناد محض ؛ لأنّ من كذب دليلاً حقاً لا يصعب عليه تكذيب الدلائل بل لا يجوز للمستدل أن يشرع في دليل آخر بعد ذكره دليلاً جيداً مستقيماً ظاهراً لا إشكال عليه وعانده الخصم وهذا من العالم فكيف بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذكروا أنواعاً من الدلائل ؟ أجيب : بأنهم سردوها سرداً ثم قرروا فرداً فرداً كمن يقول : الدليل عليه من وجوه الأوّل : كذا، والثاني : كذا، والثالث : كذا، وفي مثل هذا عدم الالتفات إلى عناد المعاند ؛ لأنه يريد تضييع الوقت كي لا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ما وعد من الدليل فتنحط درجته، وإلى هذا أشار بقوله تعالى :﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿جئتهم﴾ يا أفضل الخلق ﴿بآية﴾ مثل العصا واليد لموسى عليه السلام ﴿ليقولنّ الذين كفروا﴾ منهم ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أنتم إلا مبطلون﴾ أي : أصحاب أباطيل، فإن قيل : لم وحد في قوله تعالى ﴿جئتهم﴾ وجمع في قوله تعالى ﴿إن أنتم﴾ ؟ أجيب : بأنّ ذلك لنكتة وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال :﴿ولئن جئتهم بآية﴾ ( الروم، ٥٨ ) أي : جاءت بها الرسل فقال الكفار : ما أنتم أيها المدّعون الرسالة كلكم إلا كذا. وقال الجلال المحلي : إن أنتم أي : محمد وأصحابه، وأمّا الذين آمنوا فيقولون نحن بهذه الآية مؤمنون.
الروم 30:59
﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الطبع العظيم ﴿يطبع الله﴾ أي : الذي له العظمة والكمال ﴿على قلوب الذين لا يعلمون﴾ توحيد الله، فإن قيل : من لا يعلم شيئاً أي : فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه ؟ أجيب : بأنّ معناه أنّ من لا يعلم الآن فقد طبع على قلبه من قبل.
الروم 30:60
ثم إنه تعالى سلّى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿فاصبر﴾ أي : على إنذارهم مع هذا الجفاء والردّ بالباطل والأذى فإنّ الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا ﴿إنّ وعد الله﴾ أي : الذي له الكمال كله بنصرك وإظهار دينك على الدين كله وفي كل ما وعد به ﴿حق﴾ أي : ثابت جدّاً يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان وتأتي به مطايا الحدثان.
ولما كان التقدير فلا تعجل عطف عليه قوله تعالى ﴿ولا يستخفنك﴾ أي : يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفاً من عواقب تأخيره وتنفيرك عن التبليغ ﴿الذين لا يوقنون﴾ أي : أذى الذين لا يصدقون بوعدنا من البعث والحشر وغير ذلك تصديقاً ثابتاً في القلب بل هم إما شاكون وأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف، أو مكذبون فهم بالغون في العداوة والتكذيب حتى أنهم لا يصدّقون في وعد الله بنصر الروم على فارس كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أنّ ذلك لا يكون. فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهاره عن قرب علموا كذبهم عياناً، وعلموا إن كان لهم علم أنّ الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهم صاغرون ويحشرون وهم داخرون.
﴿وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون﴾ ( الشعراء، ٢٢٧ ) فقد انعطف آخر السورة على أوّلها واتصل به اتصال القريب بالقريب. وها أنا أسأل الله تعالى القريب المجيب أن يغفر ذنوب من كتب هذا وهو محمد الشربيني الخطيب ويفعل ذلك بوالديه وأولاده ومشايخه وكل محب له وحبيب، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك يسبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما صنع في يومه وليلته » حديث موضوع رواه الثعلبيّ في تفسيره والله تعالى أعلم بالصواب.