Lafzullah

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — لقمان 31:1 – الأحزاب 33:73

المؤلف / المصدر: الشربيني (ت 977هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27787)

المحتويات
  1. لقمان 31:1
  2. لقمان 31:2
  3. لقمان 31:3
  4. لقمان 31:4
  5. لقمان 31:5
  6. لقمان 31:6
  7. لقمان 31:7
  8. لقمان 31:8
  9. لقمان 31:9
  10. لقمان 31:10
  11. لقمان 31:11
  12. لقمان 31:12
  13. لقمان 31:13
  14. لقمان 31:14
  15. لقمان 31:15
  16. لقمان 31:16
  17. لقمان 31:17
  18. لقمان 31:18
  19. لقمان 31:19
  20. لقمان 31:20
  21. لقمان 31:21
  22. لقمان 31:22
  23. لقمان 31:23
  24. لقمان 31:24
  25. لقمان 31:25
  26. لقمان 31:26
  27. لقمان 31:27
  28. لقمان 31:28
  29. لقمان 31:29
  30. لقمان 31:30
  31. لقمان 31:31
  32. لقمان 31:32
  33. لقمان 31:33
  34. لقمان 31:34
  35. السجدة 32:1
  36. السجدة 32:2
  37. السجدة 32:3
  38. السجدة 32:4
  39. السجدة 32:5
  40. السجدة 32:6
  41. السجدة 32:7
  42. السجدة 32:8
  43. السجدة 32:9
  44. السجدة 32:10
  45. السجدة 32:11
  46. السجدة 32:12
  47. السجدة 32:13
  48. السجدة 32:14
  49. السجدة 32:15
  50. السجدة 32:16
  51. السجدة 32:17
  52. السجدة 32:18
  53. السجدة 32:19
  54. السجدة 32:20
  55. السجدة 32:21
  56. السجدة 32:22
  57. السجدة 32:23
  58. السجدة 32:24
  59. السجدة 32:25
  60. السجدة 32:26
  61. السجدة 32:27
  62. السجدة 32:28
  63. السجدة 32:29
  64. السجدة 32:30
  65. الأحزاب 33:1
  66. الأحزاب 33:2
  67. الأحزاب 33:3
  68. الأحزاب 33:4
  69. الأحزاب 33:5
  70. الأحزاب 33:6
  71. الأحزاب 33:7
  72. الأحزاب 33:8
  73. الأحزاب 33:9
  74. الأحزاب 33:10
  75. الأحزاب 33:11
  76. الأحزاب 33:12
  77. الأحزاب 33:13
  78. الأحزاب 33:14
  79. الأحزاب 33:15
  80. الأحزاب 33:16
  81. الأحزاب 33:17
  82. الأحزاب 33:18
  83. الأحزاب 33:19
  84. الأحزاب 33:20
  85. الأحزاب 33:21
  86. الأحزاب 33:22
  87. الأحزاب 33:23
  88. الأحزاب 33:24
  89. الأحزاب 33:25
  90. الأحزاب 33:26
  91. الأحزاب 33:27
  92. الأحزاب 33:28
  93. الأحزاب 33:29
  94. الأحزاب 33:30
  95. الأحزاب 33:31
  96. الأحزاب 33:32
  97. الأحزاب 33:33
  98. الأحزاب 33:34
  99. الأحزاب 33:35
  100. الأحزاب 33:36
  101. الأحزاب 33:37
  102. الأحزاب 33:38
  103. الأحزاب 33:39
  104. الأحزاب 33:40
  105. الأحزاب 33:41
  106. الأحزاب 33:42
  107. الأحزاب 33:43
  108. الأحزاب 33:44
  109. الأحزاب 33:45
  110. الأحزاب 33:46
  111. الأحزاب 33:47
  112. الأحزاب 33:48
  113. الأحزاب 33:49
  114. الأحزاب 33:50
  115. الأحزاب 33:51
  116. الأحزاب 33:52
  117. الأحزاب 33:53
  118. الأحزاب 33:54
  119. الأحزاب 33:55
  120. الأحزاب 33:56
  121. الأحزاب 33:57
  122. الأحزاب 33:58
  123. الأحزاب 33:59
  124. الأحزاب 33:60
  125. الأحزاب 33:61
  126. الأحزاب 33:62
  127. الأحزاب 33:63
  128. الأحزاب 33:64
  129. الأحزاب 33:65
  130. الأحزاب 33:66
  131. الأحزاب 33:67
  132. الأحزاب 33:68
  133. الأحزاب 33:69
  134. الأحزاب 33:70
  135. الأحزاب 33:71
  136. الأحزاب 33:72
  137. الأحزاب 33:73

لقمان 31:1

قوله تعالى :﴿الم﴾ تقدّم الكلام عليه في أوّل سورة البقرة، وقيل : إنه أشار بذلك إلى أن الله الملك الأعلى أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام ولا يلحقه في ذلك نبي مدى الأيام فهو المبدأ وهو الختام. قوله تعالى :﴿الم﴾ تقدّم الكلام عليه في أوّل سورة البقرة، وقيل : إنه أشار بذلك إلى أن الله الملك الأعلى أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام ولا يلحقه في ذلك نبي مدى الأيام فهو المبدأ وهو الختام.

لقمان 31:2

*١ وإلى ذلك أومأ بتعبيره بأداة البعد في قوله تعالى :﴿تلك﴾ أي : الآيات التي هي من العلوّ والعظمة بمكان ﴿آيات الكتاب﴾ أي : الجامع لجميع أنواع الخير ﴿الحكيم﴾ بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقص شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء من كلامه الدال ذلك على تمام علم منزله وشمول عظمته وقدرته، والإضافة بمعنى من.

لقمان 31:3

وقوله تعالى :﴿هدى ورحمة﴾ بالرفع وهي قراءة حمزة خبر مبتدأ مضمر هي أو هو، وقرأ الباقون بالنصب على الحال من آيات والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. وقال تعالى ﴿للمحسنين﴾ إشارة إلى أنّ رحمة الله قريب من المحسنين فإنه تعالى قال في البقرة :﴿ذلك الكتاب﴾ ( البقرة : ٢ ) ولم يقل الحكيم وههنا قال : الحكيم ؛ لأنه لما زاد ذكر وصف في الكتاب زاد ذكراً من أحواله فقال ﴿هدى ورحمة﴾ وقال هناك ﴿هدى للمتقين﴾ ( البقرة : ٢ ) فقوله تعالى هدى في مقابلة قوله تعالى الكتاب، وقوله تعالى : ورحمة في مقابلة قوله تعالى : الحكيم، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى ﴿في عيشة راضية﴾ ( الحاقة : ٢١ ) أي : ذات رضا. وقوله تعالى هناك : للمتقين وقوله تعالى هنا للمحسنين لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئاً آخر قال للمتقين أي : يهدي به من يتقي الشرك والعناد، وههنا زاد قوله تعالى ورحمة فقال للمحسنين كما قال تعالى :﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ( يونس : ٢٦ ) فناسب زيادة قوله تعالى ورحمة ولأنّ المحسن يتقي وزيادة.

لقمان 31:4

ثم وصف المحسنين بقوله تعالى :﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ أي : يجعلونها كأنها قائمة بسبب إتقان جميع ما أمر به فيها وندب إليه، ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس مرّات إلا معظم له بالحج فعلاً أو قوّة ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي : كلها فدخل فيها الصوم ؛ لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه فعلاً أو قوّة. ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعاً لجميع أنواعه وحاملاً على سائر وجوه الإحسان قال تعالى ﴿وهم بالآخرة﴾ أي : التي تقدّم أنّ المجرمين عنها غافلون ﴿هم يوقنون﴾ أي : يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئاً ينافي الإيمان، ولا يغفل عنه طرفة عين، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى كأنه يراه، فآية البقرة بداية وهذه نهاية.

لقمان 31:5

ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد أن زمها بزمامها فقال :﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة ﴿على هدى﴾ أي : متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال ﴿من ربهم﴾ تذكيراً لهم بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفاً من الإعجاب ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي : الظافرون بكل مراد.

لقمان 31:6

لما بين سبحانه وتعالى حال من تحلى بهذا الحال فترقى إلى حلية أهل الكمال بين حال أضدادهم بقوله تعالى :﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ أي : ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام، فإن قيل : ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث ؟ أجيب : بأنّ معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله : جبة خزٍّ وباب ساجٍ، والمعنى : من يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث، والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث :«الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش » ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى مِنْ التبعيضية، كأنه قيل : ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو. قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدّث بها قريشاً ويقول : إنّ محمداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدّثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد : يعني شراء المغنيات والمغنين. ووجه الكلام على هذا التأويل : من يشتري ذات أو ذا لهو الحديث. وقيل : كان النضر يشتري المغنيات ولا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينة فيقول : أطعميه واسقيه وغنيه ويقول : هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، وعن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهنّ وأثمانهنّ حرام » وفي مثل هذا نزلت الآية وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم :«نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار » وقال مكحول : من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصل عليه إن الله تعالى ليقول ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية، وعن الحسن وغيره قالوا : لهو الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه ومعنى يشتري لهو الحديث يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وقال أبو الصهباء : سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال : هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يردّدها ثلاث مرّات. وقال إبراهيم النخعيّ : الغناء ينبت النفاق في القلب، قال وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف، وقال ابن جريج : لهو الحديث هو الطبل، وقال الضحاك : هو الشرك، وقال قتادة : هو كل لهو ولعب، وقيل : الغناء منفذة للمال مسخطة للرّب مفسدة للقلب ﴿ليضلّ عن سبيل الله﴾ أي : الطريق الواضح الموصل للملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال ضدّ ما كان عليه المحسنون من الهدى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء قبل الضاد من الضلالة بمعنى ليثبت على ضلاله، والباقون بضمها، ونكر قوله تعالى ﴿بغير علم﴾ ليفيد السلب العامّ لكل نوع من أنواع العلم أي : لأنه لا علم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها علماً يستحق إطلاق العلم عليه، فإن قيل : ما معنى قوله تعالى بغير علم ؟ أجيب : بأنه تعالى لما جعله مشترياً لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير علم بالتجارة بغير بصيرة بها حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. ونحوه قوله تعالى ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ ( البقرة : ١٦ ) أي : وما كانوا مهتدين بالتجارة وبصراء بها ﴿ويتخذها﴾ أي : السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل المطلق ﴿هزواً﴾ أي : مهزوّا بها، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بنصب الذال عطفاً على يضلّ، والباقون بالرفع على يشتري، وسكن حمزة زاي هزواً وضمها الباقون. ولما انفتح هذا الشقاء الدائم بينه بقوله تعالى :﴿أولئك﴾ أي : هؤلاء البعداء البغضاء ﴿لهم عذاب مهين﴾ لإهانتهم الحق باستثناء الباطل عليه.

لقمان 31:7

ولما كان الإنسان قد يكون غافلاً فإذا نبه انتبه نبه سبحانه وتعالى على أن هذا الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على ممرّ الزمان إلا مفاجأة لكل ما يرد عليه من البيان بقوله تعالى :﴿وإذا تتلى عليه آياتنا﴾ أي : تتجدّد عليه تلاوتها أي : تلاوة القرآن من كل تال كان ﴿ولى﴾ أي : بعد السماع مطلق التولية سواء كان على المجانبة أو مدبراً ﴿مستكبراً﴾ أي : طالباً للكبر موجداً له بالإعراض عن الطاعة ﴿كأن﴾ أي : كأنه لم ﴿يسمعها﴾ فهو لم يزل على حالة الكبر ﴿كأن في أذنيه وقراً﴾ أي : صمماً يستوي معه تكليم غيره له وسكوته. ( تنبيه ) : جملتا التشبيه حالان من ضمير ولى، أو الثانية بيان للأولى. وقرأ نافع بسكون الذال، والباقون بضمنها. ولما تسبب عن ذلك استحقاقه لما يزيل كبره وعظمته قال تعالى ﴿فبشره﴾ أي : أعلمه ﴿بعذاب أليم﴾ أي : مؤلم، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحارث كما مرّت الإشارة إليه.

لقمان 31:8

ولما بين تعالى حال المعرض عن سماع الآيات بين حال من يقبل على تلك الآيات بقوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا الإيمان ﴿وعملوا﴾ أي : تصديقاً له ﴿الصالحات لهم جنات﴾ أي : بساتين ﴿النعيم﴾ أي : نعيم جنات فعكس للمبالغة كما أنّ لهؤلاء العذاب المهين، ووحد العذاب وجمع الرحمة إشارة إلى أنّ الرحمة واسعة أكثر من الغضب.

لقمان 31:9

ولما كان ذلك قد لا يكون دائماً وكان السرور بشيء قد ينقطع قال تعالى :﴿خالدين فيها﴾ أي : دائماً، وقوله تعالى ﴿وعد الله﴾ أي : الذي لا شيء أجل منه مصدر مؤكد لنفسه ؛ لأنّ قوله تعالى جنات في معنى وعدهم الله تعالى ذلك وقوله تعالى ﴿حقاً﴾ مصدر مؤكد لغيره أي : لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى : وعد. الله ذلك وعداً. وتقدير الثانية : أحق ذلك حقاً فأكد نعيم الجنات ولم يؤكد العذاب المهين ﴿وهو العزيز﴾ أي : فلا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي : الذي لا يضع شيئاً إلا في محله.

لقمان 31:10

ولما ختم بصفتي العزة وهي غاية القدرة و الحكمة وهي ثمرة العلم دل عليهما بإتقان أفعاله بقوله تعالى :﴿خلق السماوات﴾ على علوّها وكبرها وضخامتها ﴿بغير عمد﴾ وقوله تعالى ﴿ترونها﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه راجع إلى السماوات إذ ليست بعمد أصلاً وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، الثاني : أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد مرئية، وعلى كلا الوجهين هي ثابتة لا تزول وليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار. تنبيه : أكثر المفسرين أنّ السماوات مبسوطة كصحف مستوية لقوله تعالى ﴿يوم نطوي السماء كطيّ السّجلّ للكتب﴾ ( الأنبياء : ١٠٤ ) وقال بعضهم : إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين والغزالي رحمه الله تعالى حيث قال : ونحن نوافقهم في ذلك فإنّ لهم عليّ دليلاً من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز، وإن كان في الباب خبر يؤّول بما يحتمله فضلاً عن أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحاً بل فيه ما يدل على الاستدارة كقوله تعالى ﴿كل في فلك يسبحون﴾ ( الأنبياء : ٣٣ ) والفلك اسم لشيء مستدير بل الواجب أنّ السماوات سواء كانت مستديرة أو صفيحة مستقيمة هي مخلوقة لله تعالى باختيار لا بإيجاب وطبع. ولما ذكر تعالى العمد المقلة ذكر الأوتاد المقرّة بقوله تعالى :﴿وألقى في الأرض﴾ أي : التي أنتم عليها جبالاً ﴿رواسي﴾ والعجب أنها من فوقها وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت تثبتها عن ﴿أن تميد﴾ أي : تتحرك ﴿بكم﴾ كما هو شأن ما على ظهر الماء ﴿وبث﴾ أي : فرّق ﴿فيها من كل دابة﴾. وقوله تعالى :﴿وأنزلنا﴾ أي : بما لنا من القوّة ﴿من السما ماء﴾ فيه التفات عن الغيبة. ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات وكان من آثار الحكمة التابعة للعلم دل عليه بقوله تعالى :﴿فأنبتنا﴾ أي : بما لنا من العلوّ في الحكمة ﴿فيها﴾ أي : الأرض بخلط الماء بترابها ﴿من كل زوج﴾ أي : صنف من النبات متشابه ﴿كريم﴾ بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور، وفي هذا دليل على عزته التي هي كمال القدرة.

لقمان 31:11

وحكمته التي هي كمال العلم مهد به قاعدة التوحيد وقرّرها بقوله تعالى :﴿هذا﴾ أي : الذي تشاهدونه كله ﴿خلق الله﴾ أي : الذي له جميع الكمال فلا كفء له، فإن ادعيتم ذلك ﴿فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ أي : غيره، بكتهم بأنّ هذه الأشياء العظيمة مما خلقه تعالى وأنشأه، فأروني ما خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة. تنبيه : ما استفهام إنكار مبتدأ و( ذا ) بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني معلق عن العمل، وما بعده سدّ مسدّ المفعولين، ثم أضرب عن تبكيتهم بقوله تعالى :﴿بل﴾ منبهاً على أنّ الجواب ليس لهم خلق هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى ﴿الظالمون﴾ أي : العريقون في الظلم تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم كونهم ﴿في ضلال﴾ عظيم جدّاً محيط بهم ﴿مبين﴾ أي : في غاية الوضوح وهو كونهم يضعون الأشياء في غير مواضعها لأنهم في مثل الظلام لا نور لهم لانحجاب شمس الأنوار عنهم بجبل الهوى فلا حكمة لهم.

لقمان 31:12

ثم إنه تعالى لما نفاها عنهم أثبتها لبعض أوليائه بقوله تعالى :﴿ولقد آتينا﴾ بما لنا من العظمة والحكمة ﴿لقمان﴾ وهو عبد من عبيدنا المطيعين لنا ﴿الحكمة﴾ وهو العلم المؤيد بالعمل أو العمل المحكم بالعلم، قال ابن قتيبة : لا يقال لشخص حكيم حتى يجتمع له الحكمة في القول والفعل. قال : ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيماً حتى يكون عاملاً بها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي العقل والفهم والفطنة، واختلف في نسبه وفي سبب حكمته فقيل : هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب عليه السلام أو ابن خالته، وقيل : كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال : ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل كان قاضياً في بني إسرائيل وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً. أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل أكان لقمان نبياً قال : لا لم يوح إليه وكان رجلاً حكيماً، وعن ابن عباس : لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود ورزقه الله تعالى العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتتمسكوا بوصيته، وقال ابن المسيب : كان أسود من سودان مصر خياطاً، وقال مجاهد : كان عبداً أسود غليظ الشفتين مشقق القدمين، وقيل كان نجاراً، وقيل كان راعياً، وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة حطب، وقال عكرمة والشعبي : كان نبياً، وقيل خير بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني أسود فقلبي أبيض، وعن عكرمة قال : كان لقمان أهون مملوك على سيده وأوّل ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج وأطال فيه الجلوس فنادى لقمان أنّ طول الجلوس على الحاجة يسيح منه الكبد ويكون منه الباسور ويصعد الحرّ إلى الرأس فخرج وكتب حكمته على الحش. قال : وسكر مولاه فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة فلما أفاق عرف ما وقع منه فدعا لقمان فقال لمثل هذا كنت أخبؤك قال اجمعهم فلما اجتمعوا قال على أي. شيء خاطرتموه. قالوا : على أن يشرب ماء هذه البحيرة. قال : فإن لها موادّاً فاحبسوا موادها عنه، قال : وكيف نستطيع أن نحبس موادها. قال : فكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظنّ، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله فمنّ عليه بالحكمة نودي بالخلافة قبل داود فقيل له يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس. قال لقمان : إن أجبرني ربي قبلت فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيرني اخترت العافية ولم أسأل البلاء فقالت الملائكة : يا لقمان لم ؟ قال : لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً فهو خير من أن يكون شريفاً ضائعاً، ومن تخير الدنيا على الآخرة. نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي داود بعده بالخلافة فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فوقع في الذي حكاه الله عنه فصفح الله تعالى عنه وتجاوز، وكان لقمان يؤازره أي : يساعده بعلمه وحكمته فقال داود طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة ». وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال :«خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة فاختار الحكمة فأتاه جبريل وهو نائم فذرّ عليه الحكمة فأصبح ينطق بها فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوّة وقد خيرك ربك ؛ فقال إنه لو أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوّة فكانت الحكمة أحب إليّ ». وروي أنه دخل على داود وهو يصنع الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت. فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود لحق ما سميت حكيماً، وروي أنّ مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب ثم أمره بمثل ذلك وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب فسأله عن ذلك فقال : هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا، وروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال ألست فلان الراعي فيم بلغت ما بلغت ؟ قال بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني، وعن ابن المسيب أنه قال لأسود : لا تحزن فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان كان أسود نوبياً ذا مشافر، وروي سادات السودان أربعة لقمان الحبشي والنجاشي وبلال ومهجع. وعن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت » وقال لقمان : لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس، وقال ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع، ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال الله تعالى ﴿أن اشكر لله﴾ أي : وقلنا له أن أشكر لله على ما أعطاك من الحكمة ﴿ومن يشكر﴾ أي : يجدّد الشكر ويتعاهده بنفسه كائناً من كان ﴿فإنما يشكر لنفسه﴾ أي : لأنّ ثواب شكره له ﴿ومن كفر﴾ أي : النعمة ﴿فإن الله غني﴾ عن الشكر وغيره ﴿حميد﴾ أي : له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلق.

لقمان 31:13

﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني﴾ تصغير إشفاق، وقرأ حفص بفتح الياء وسكنها ابن كثير، وكسرها الباقون ﴿لا تشرك بالله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿إن الشرك﴾ أي : بالله ﴿لظلم عظيم﴾ فرجع إليه وأسلم ثم قال له أيضاً : يا بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارة يأتيك الفرج من غير بضاعة، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإنّ الجنائز تذكر الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً من شبع فإنك إن تلقيه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار وأنت النائم على فراشك، يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة، يا بنيّ لا ترغب في ودّ الجاهل فترى أنك ترضى عمله، يا بنيّ اتق الله ولا تُري الناس أنك تخشى ليكرموك بذلك وقلبك فاجر، يا بني ما ندمت على الصمت قط فإنّ الكلام إذا كان من فضة كان السكوت من ذهب، يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك فإنّ الشرّ للشرّ خلف، يا بني إياك وشدّة الغضب فإنّ شدّة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم، يا بني عليك بمجالس العلماء واستمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل المطر فإن من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، يا بني لا ترسل رسولاً جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك فتورث بنيك حزناً طويلاً، يا بني يأتي على الناس زمان لا تقرّ فيه عين حليم، يا بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجلّ فاجلس معهم فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك غبياً يعلموك، وإن يطلع الله عز وجلّ عليهم برحمة تصبك معهم، يا بنيّ لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله تعالى فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك، وإن تكن غبياً يزيدوك غباوة وإن يطلع الله تعالى عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء، يا بني إنّ الدنيا أمر عميق وقد غرق فيها ناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله لعلك أن تنجو ولا أراك ناجياً، يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر، يا بني كن ممن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب مذمتهم فنفسه عنهم في غنى والناس منه في راحة، يا بُنَّي إنّ الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك، يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإنّ الله ليحي القلوب بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل السماء، يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم، يا بني إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تباعد، يا بني عود لسانك أن يقول : اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا ترد، يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل، يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته ا. ه. وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعني ومن طالعه بذلك، وسيأتي في كلام الله تعالى زيادة على ذلك واقتصرت على هذا القدر وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها لجعل منها مجلدات. فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال : وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفذ الخردل فقال : يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر فتفطر ابنه. فسبحان من يعز ويذل، ويغني ويفقر، ويشفي ويمرض، ويرفع من يشاء وإن كان عبداً فلا بدع أن يخص محمداً صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها.

لقمان 31:14

ولما ذكر سبحانه ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأوّل الذي لم يشركه في إيجاده أحد وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة أتبعه وصيته سبحانه للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني بالسببية في وجوده بقوله تعالى :﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ أي : أمرناه أن يبرهما ويطيعهما ويقوم بهما، ثم بين تعالى السبب في ذلك بقوله تعالى :﴿حملته أمه وهناً﴾ أي : حال كونها ذات وهن بحمله وبالغ في جعلها نفس الفعل دلالة على شدّة ذلك الضعف ﴿على وهن﴾ أي : ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف الولادة، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بعد ذلك بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئاً بقوله تعالى :﴿وفصاله﴾ أي : فطامه من الرضاعة بعد وضعه ﴿في عامين﴾ تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، فإن قيل وصى الله تعالى بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ ؟ أجيب : بأن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأب حمله خفيفاً لكونه من جملة جسده والأم حملته ثقيلاً آدمياً مودعاً فيها وبعد وضعه وتربيته ليلاً ونهاراً وبينهما ما لا يخفى من المشقة، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم : لمن قال له : من أبر ؟ :«أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك ثم أباك » وقوله تعالى ﴿أن اشكر لي﴾ لأني المنعم في الحقيقة ﴿ولوالديك﴾ أي : لكوني جعلتهما سبباً لوجودك والإحسان بتربيتك تفسير لوصينا أو عدة له، ثم علل الأمر بالشكر محذراً بقوله تعالى :﴿إليّ﴾ لا إلى غيري ﴿المصير﴾ فأحاسبك على شركك ومعاصيك، وعن القيام بحقوقهما، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين.

لقمان 31:15

ولما ذكر تعالى وصيته بهما وأكد حقهما أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان من قباحة الشرك بقوله تعالى :﴿وإن جاهداك﴾ أي : مع ما أمرتك به من طاعتهما ﴿على أن تشرك بي﴾ وقوله تعالى ﴿وما ليس لك به علم﴾ موافق للواقع لأنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم على شيء من الشرك بل العلوم كلها دالة على الوحدانية. ولما قرر ذلك على هذا المنوال البديع قال مسبباً عنه ﴿فلا تطعهما﴾ أي : في ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه بل خالفهما، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك، وربما أفهم ذلك الإعراض عنهما بالكلية فلهذا قال تعالى ﴿وصاحبهما في الدنيا﴾ أي : في أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دمت حياً بها ﴿معروفاً﴾ ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم والإحتمال وما تقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم. ولما كان ذلك قد يجرّ إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة نفي ذلك بقوله تعالى :﴿واتبع﴾ أي : بالغ في أن تتبع ﴿سبيل﴾ أي : دين وطريق ﴿من أناب﴾ أي : أقبل خاضعاً ﴿إليّ﴾ لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا يخرجك عن برهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له. تنبيه : في هذا حث على معرفة الرجال بالحق وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقاً لهما اتبع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اجتنب. وإذا كان مرجع أمورهم كلها إليه في الدنيا ففي الآخرة كذلك كما قال تعالى ﴿ثم إليّ﴾ أي : في الآخرة ﴿مرجعكم فأنبئكم﴾ أي : أفعل فعل من يبالغ في التعقيب والاختبار عقب ذلك وتبيينه لأنّ ذلك أنسب شيء للحكمة وتعقب كل شيء بحسب ما يليق به ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي : تجيدون عمله من صغير وكبير، وجليل وحقير، فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد، فأعد لذلك عدته، ولا تعمل عمل من ليس له مرجع يحاسب فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيداً لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال تعالى : وصينا بمثل ما وصى به وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يتبعا في الإشراك فما ظنكم بغيرهما ونزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثاً لم تطعم فيها شيئاً، ولذلك قيل من أناب إليّ هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه فإن سعداً أسلم بدعوة أبي بكر له.

لقمان 31:16

ثم إن ابن لقمان قال لأبيه : يا أبتِ إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله تعالى فقال :﴿يا بني﴾ مجيباً له مستعطفاً مصغراً له بالنسبة إلى حلم شيء من غضب الله تعالى ﴿إنها﴾ أي : الخطيئة ﴿إن تك﴾ وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء ﴿مثقال﴾ أي : وزن، ثم حقرها بقوله ﴿حبة﴾ وزاد في ذلك بقوله ﴿من خردل﴾ أي : إن تكن في الصغر كحبة الخردل، وقرأ نافع مثقال بالرفع على أنّ الهاء ضمير الخطيئة كما مر أو القصة وكان تامة، وتأنيثها الإضافة المثقال إلى الحبة كقول الأعشى : وتشرق بالقول الذي قد ذكرته؍ كما شرقت صدر القناة من الدم؍ والشرق الغصة، يقال شرق بريقه أي : غص، والشاهد في شرقت حيث إنه لإضافة الصدر إلى القناة، وصدرها ما فوق نصفها، ثم أثبت النون في قوله مبيناً عن صغرها ﴿فتكن﴾ إشارة إلى ثباتها في مكانها وليزداد شوق النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب معبراً عن أعظم الخفاء وأتم الأحوال ﴿في صخرة﴾ أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأخفاها. ولما أخفى وضيق أظهر ووسع ورفع وخفض ليكون أعظم لضياعها لحقارتها بقوله ﴿أو في السماوات﴾ أي : في أيّ مكان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد أو نصاً على إرادة كل منهما على حدته بقوله ﴿أو في الأرض﴾ أي : كذلك وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في غيرهما أو في أحدهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن رياح أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال إنها إن تك الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله تعالى، ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته، وقال بعض المفسرين : المراد بالصخرة : صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء، وقال الزمخشري : فيه إضمار تقديره إن تكن في صخرة أو في موضع آخر في السماوات أو في الأرض، وقيل : هذا من تقديم الخاص وتأخير العامّ وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل : خفاء الشيء يكون بطرق : منها : أن يكون في غاية الصغر، ومنها : أن يكون بعيداً، ومنها أن يكون في ظلمة، ومنها : أن يكون وراء حجاب فإذا امتنعت هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت لله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط بقوله إن تك مثقال حبة من خردل إشارة إلى الصغر، وقوله فتكن في صخرة إشارة إلى الحجاب وقوله أو في السماوات إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد، وقوله أو في الأرض إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله ﴿يأت بها الله﴾ أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأنّ من يظهر له شيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره، فقوله يأت بها الله أي : يظهرها للإشهاد يوم القيامة فيحاسب بها عاملها. ﴿إنّ الله﴾ أي : الملك العظيم ﴿لطيف﴾ أي : نافذ القدرة يتوصل علمه إلى كل خفي عالم بكنهه، وعن قتادة لطيف باستخراجها ﴿خبير﴾ أي : عالم ببواطن الأمور فيعلم مستقرها، روي في بعض الكتب أنّ هذه آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات. قال الحسن : معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها.

لقمان 31:17

ولما نبه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب أمره بما يدخره لذلك توسلاً إليه وتخشعاً لديه وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه بقوله :﴿يا بني﴾ مكرر للمناداة تنبيهاً على فرط النصيحة لفرط الشفقة ﴿أقم الصلاة﴾ أي : بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها تسبباً في نجاة نفسك وتصفية سرك فإن إقامتها وهو الإتيان بها على النحو المرضي مانعة من الخلل في العمل، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها الإقبال على من وحدته، فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثابتة للتوحيد وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيآتها اختلفت وترك ذكر الزكاة تنبيهاً على أنه من حكمته، والحكمة تخليه وتخلى ولده من الدنيا حتى ما يكفيهم لقوتهم. ولما أمره بتكميله في نفسه توفية لحق الحق عطف على ذلك تكميله لغيره بقوله ﴿وأمر بالمعروف﴾ أي : كل من تقدر على أمره تهذيباً لغيرك وشفقة على نفسك لتخليص أبناء جنسك ﴿وإنه﴾ أي : كل من قدرت على نهيه ﴿عن المنكر﴾ حباً لأخيك ما تحب لنفسك تحقيقاً لنصيحتك وتكميلاً لعبادتك، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى : ابدأ بنفسك فانهها عن غيها؍ فإن انتهت عنه فأنت حكيم؍ لأنه أمره أولاً بالمعروف وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، فإذا أمر نفسه ونهاها ناسب أن يأمر غيره وينهاه، وهذا وإن كان من قول لقمان إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به، فإن قيل كيف قدم في وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر أنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال : لا تشرك بالله ثم قال أقم الصلاة ؟ أجيب : بأنه كان يعلم أنّ ابنه معترف بوجود الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن المنكر الذي ترتب على هذا المعروف، وأمّا ابنه فأمره أمراً مطلقاً والمعروف يقدم على المنكر. ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر قال له ﴿واصبر﴾ صبراً عظيماً بحيث تكون مستعلياً ﴿على ما﴾ أي : الذي ﴿أصابك﴾ أي : في عبادتك وغيرها من الأمر بالمعروف وغيره سواء أكان بواسطة العباد أم لا كالمرض، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنهما ملاك الاستعانة قال تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ ( البقرة : ٤٥ ) وأخرج أحمد عن هشام ابن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة يعني حكمة لقمان عليه السلام لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطايا. وقال : مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة، وقال : مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون، وقال : مكتوب في الحكمة كما تزرعون تحصدون، وقال : مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك، وقيل للقمان : أي الناس شر ؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، ومن حكمته أنه قال : أقصر عن اللجاجة ولا أنطق فيما لا يعنيني ولا أكون مضحاكاً من غير عجب ولا مشاء لغير أرب، ومنها من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية، ومنها أنه كان يقول ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن : الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، وأخوك عند حاجتك إليه. ولما كان ما أحكمه لولده عظيم الجدوى وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال نبه بذلك بقوله على سبيل الاستئناف أو التعليل ﴿إن ذلك﴾ أي : الأمر العظيم الذي أوصيك به لاسيما الصبر على المصائب ﴿من عزم الأمور﴾ أي : معزوماتها تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر أي : الأمور المقطوع بها المفروضة، أو القاطعة الجازمة وبجزم فاعلها.

لقمان 31:18

ثم حذره عن الكبر معبراً عنه بلازمه لأن نفي الأعم نفي للأخص بقوله :﴿ولا تصعر خدّك﴾ أي : لا تمله متعمداً إمالته بإمالة العنق متكلفاً لها صرفاً عن الحالة القاصدة، قال أبو عبيدة : وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوى منه عنقه، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بغير ألف بعد الصاد وتشديد العين، والباقون بألف بعد الصاد وتخفيف العين، والرسم يحتملها فإنه رسم بغير ألف وهما لغتان لغة الحجاز التخفيف، وتميم التثقيل. ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود بقوله ﴿للناس﴾ بلام العلة أي : لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم وذلك لا يكون إلا تهاوناً بهم من الكبر بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشراً منبسطاً من غير كبر ولا عتو، وعن ابن عباس لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك، وقيل هو الرجل يكون بينك وبينه الشحنة فيلقاك فتعرض عنه، وقيل هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبراً، وقيل معناه : لا تحقر الفقير، ليكن الفقير والغني عندك سواء، ثم أتبع ذلك ما يلزمه بقوله ﴿ولا تمش﴾ وأشار بقوله ﴿في الأرض﴾ إلى أنّ أصله تراب وهو لا يقدر أن يعدوه وسيصير إليه وأوقع المصدر موقع الحال والعلة في قوله ﴿مرحاً﴾ أي : اختيالاً وتبختراً أي : لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر بطر متكبر فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي بل أمش هوناً فإن ذلك يفضي بك إلى التواضع فتصل إلى كل خير فترفق بك الأرض إذا صرت في بطنها ﴿إنّ الله﴾ أي : الذي له الكبرياء والعظمة ﴿لا يحب﴾ أي : يعذب ﴿كل مختال﴾ أي : مراء للناس في مشيه متبختر يرى له فضلاً على الناس ﴿فخور﴾ على الناس بنفسه يظن أن إسباغ النعم الدنيوية من محبة الله تعالى له وذلك من جهله، فإن الله يسبغ نعمه على الكافر الجاحد فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده فإن الكبر هو الذي تردى به سبحانه فمن نازعه فيه قصمه.

لقمان 31:19

ولما كان النهي عن ذلك أمراً بضدّه قال :﴿واقصد﴾ أي : اقتصد واسلك الطريق الوسطى ﴿في مشيك﴾ بين ذلك قواماً أي : ليكن مشيك قصداً لا تخيلاً ولا إسراعاً أي : بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار، قال صلى الله عليه وسلم :«سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن » وأمّا قول عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما : كان إذا مشى أسرع، فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، وقال عطاء : امش بالوقار والسكينة لقوله تعالى :( يمشون على الأرض هوناً ) وعن ابن مسعود : كانوا ينهون عن وثب اليهود ودبيب النصارى، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان، قاله الرازي في اللوامع، وهو المشي الهون الذي ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع، ولا بتكبر ﴿واغضض﴾ أي : انقص ﴿من صوتك﴾ لئلا يكون صوتك منكراً وتكون برفع الصوت فوق الحاجة كالأذان فهو مأمور به، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت قال القائل : جهير الكلام جهير العطاس؍ جهير الروى جهير النغم؍ وقال مقاتل : اخفض من صوتك، فإن قيل : لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي ؟ أجيب : بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ولأنّ المشي يؤذي آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب فإنّ الكلام ينتقل من السمع إلى القلب، ولا كذلك المشي. وأيضاً فلأن قبح القول أقبح من قبح الفعل وحسنه أحسن، لأنّ اللسان ترجمان القلب. ولما كان رفع الصوت فوق الحاجة منكر كما أن خفضه دونها تماوت وتكبر وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بمن فأفهم أنّ الطرفين مذمومان علل النهي عن الأوّل بقوله ﴿إن أنكر﴾ أي : أفظع وأبشع وأوحش ﴿الأصوات﴾ كلها المشتركة في المكاره برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام من لفظ التشبيه، وأخرجه مخرج الاستعارة تصوير الصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حماراً مبالغة في التهجين وتنبيهاً على أنه من الكراهة بمكان فقال ﴿لصوت الحمير﴾ أي : هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة فإنّ كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوّله زفير وآخره شهيق وهما فعل أهل النار، وأفرد الصوت ليكون نصاً على إرادة الجنس لئلا يظن أنّ الاجتماع شرط في ذلك، ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الشتم والذم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه بل يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به فيقولون الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عد في مساوئ الأداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من ذوي المروءة من العرب من لا يركب الحمار استنكافاً، وإن بلغت منه الرحلة، وإنما ركبه صلى الله عليه وسلم لمخالفته عادتهم وإظهاره التواضع من نفسه، وأمّا الرفع مع الحاجة فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع. فإن قيل كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حز المنشار بالمبرد ودق النحاس بالحديد أشد صوتاً ؟ أجيب : من وجهين : الأوّل : المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد السؤال، والثاني : أن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ولا ينكر صوته كما مرت الإشارة إليه، بخلاف صوت الحمير، قال موسى بن أعين : سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ قال : صياح كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار، وقال جعفر الصادق في ذلك : هي العطسة القبيحة المنكرة، وقال وهب : تكلم لقمان باثني عشر ألف كلمة من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم. قال خالد الربعي : كان لقمان عبداً ومن حكمته أنه دفع إليه مولاه شاة فقال له : اذبحها وائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه شاة أخرى فقال اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله مولاه فقال : ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقد مرت الإشارة إلى ذلك. ومن حكمته أنه قال لابنه : يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك إن ذلك خير لك، ثم قال لابنه : يا بني إن الله قد بعث نبياً هلم حتى نأتيه فنصدقه فخرج على حمار وابنه على حمار وتزودا، ثم سارا أياماً وليالي حتى لقيتهما مفازة فأخذا أهبتها لها فدخلا فسارا ما شاء الله تعالى حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطأ حماريهما فنزلا وجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هو بسواد ودخان فقال في نفسه : السواد الشجر والدخان العمران والناس، فبينما هما يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم ناتئ على الطريق فخر مغشياً عليه فوثب إليه لقمان وضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ثم نظر إليه لقمان فذرفت عيناه فقال : يا أبت أنت تبكي وأنت تقول هذا خير لي وقد نفد الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وإن أقمت معي متنا جميعاً، فقال : يا بني أمّا بكائي فرقة الوالدين، وأمّا ما قلت كيف يكون هذا خيراً فلعل ما صرف عنك، أعظم مما ابتليت به ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم ير ذلك الدخان والسواد وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بياض وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه ؛ ثم صاح به أنت لقمان قال نعم، قال أنت الحكيم، قال كذلك يقال : قال ما قال لك ابنك. قال : يا عبد الله من أنت ؟ أسمع كلامك ولا أرى وجهك، قال : أنا جبريل أمرني ربي بخسف هذه القرية ومن فيها فأخبرت أنكما تريدانها فدعوت ربي أن يحبسكما عني بما شاء فحبسكما بما ابتلى به ابنك ولولا ذلك لخسفت بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل عليه السلام بيده على قدم ابنه فاستوى قائماً ومسح بيده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما وحماريهما فرحل بهما كما يرحل الطير فإذا هما في الدار التي خرجا بعد أيام وليال منها. وعن عبد الله بن دينار أن لقمان قدم من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال : ما فعل أبي ؟ فقال : مات. قال : الحمد لله ملكت أمري، قال : ما فعلت أمي ؟ قال : ماتت، قال : ذهب همي. قال : ما فعلت امرأتي ؟ قال : ماتت، قال : جدد فراشي. قال : ما فعلت أختي ؟ قال : ماتت. قال : سترت عورتي، قال : ما فعل أخي ؟ قال : مات، قال : انقطع ظهري. وعن أبي قلابة قال : قيل للقمان أي الناس أصبر ؟ قال : صبر لا معه أذى، قيل : فأيّ الناس أعلم ؟ قال : من ازداد من علم الناس إلى علمه، قيل : فأي الناس خير ؟ قال : الغني، قيل الغني من المال ؟ قال : لا، ولكن الغني من التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس. وعن سفيان : قيل للقمان : أي الناس شر ؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً، وعن عبد الله بن زيد قال قال لقمان ألا إن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله تعالى له.

لقمان 31:20

ولما استدل سبحانه بقوله تعالى :﴿خلق السماوات بغير عمد﴾ على الوحدانية وبين بحكمة لقمان أنّ معرفة ذلك غير مختصة بالنبوّة استدل ثانياً على الوحدانية بالنعم بقوله تعالى :﴿ألم تروا﴾ أي : تعلموا علماً هو في ظهوره كالمشاهدة ﴿أن الله﴾ أي : الحائز لكل كمال ﴿سخر لكم﴾ أي : لأجلكم ﴿ما في السماوات﴾ من الإنارة والإظلام والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والبرد وغير ذلك من الإنعامات مما لا يحصى، كما قال ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره﴾ ( الأعراف، ٥٤ ) ﴿و﴾ سخر لكم ﴿ما في الأرض﴾ من البحار والثمار والآبار والأنهار والدواب والمعادن وغير ذلك مما لا يحصى ﴿وأسبغ﴾ أي : أوسع وأتم ﴿عليكم﴾ وقوله تعالى ﴿نعمه﴾ قرأه نافع وأبو عمرو وحفص بفتح العين وبعد الميم هاء مضمومة، والباقون بسكون العين وبعد الميم تاء مفتوحة منونة، ومعناها الجمع أيضاً كقوله تعالى ﴿وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ( إبراهيم : ٣٤ ). واختلف في قوله عز وجل ﴿ظاهرة وباطنة﴾ على أقوال : فقال عكرمة عن ابن عباس : النعمة الظاهرة : القرآن والإسلام، والباطنة : ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة، وقال الضحاك : الظاهرة حسن الصورة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة، وقال مقاتل : الظاهرة تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة ما ستر من الذنوب، وقال الربيع : الظاهرة الجوارح والباطنة القلب، وقال عطاء الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة، وقال مجاهد : الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة، وقال سهل بن عبد الله : الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته، وقيل الظاهرة تمام الرزق والباطنة تمام الخلق، وقيل الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفار، وقيل الظاهرة الإقرار باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب، وقيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك، ويروى في دعاء موسى عليه السلام : إلهي دلني على إخفاء نعمتك على عبادك، فقال : أخفى نعمتي عليهم النفس، ويروى أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس. ونزل في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله تعالى وفي صفاته :﴿ومن الناس﴾ أي : أهل مكة ﴿من يجادل﴾ أي : يحاجج فلا لهو أعظم من جداله ولا كبر مثل كبره ولا ضلال مثل ضلاله وأظهر زيادة التشنيع على هذا المجادل بقوله تعالى :﴿في الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ثم بين تعالى مجادلته أنها ﴿بغير علم﴾ أي : مستفاد من دليل بل بألفاظ في ركاكة معانيها لعدم إسنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العجم فكان بذلك حماراً تابعاً للهوى ﴿ولا هدى﴾ أي : من رسول عُهِد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات فوجب أخذ أقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها ﴿ولا كتاب﴾ أي : من الله تعالى، ثم وصفه بما هو لازم له بقوله تعالى :﴿منير﴾ أي : بين غاية البيان.

لقمان 31:21

بل إنما يجادل بالتقليد كما قال تعالى :﴿وإذا قيل﴾ أي : من أي : قائل كان ﴿لهم﴾ أي : المجادلين هذا الجدال ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ أي : الذي خلقكم وخلق آباءكم الأوّلين ﴿قالوا﴾ جحوداً لا نفعل ﴿بل نتبع﴾ وإن أتيتنا بكل دليل ﴿ما وجدنا عليه آباءنا﴾ لأنهم أثبت منا عقولاً وأقوم قيلاً وأهدى سبيلا، فهذه المجادلة في غاية القبح فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وبين كلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله تعالى وكلام الجهال ﴿أولو﴾ أي : أيتبعونهم ولو ﴿كان الشيطان﴾ أي : البعيد من الرحمة، المحترق باللعنة ﴿يدعوهم﴾ إلى الضلال فيوبقهم فيما يسخط الرحمان فيؤديهم لك ﴿إلى عذاب السعير﴾ وجواب لو محذوف مثل لا تتبعوه، والاستفهام للإنكار والتعجب، والمعنى أن الله تعالى يدعوهم إلى الثواب والشيطان يدعوهم إلى العذاب وهم مع هذا يتبعون الشيطان.

لقمان 31:22

ولما بين تعالى حال المشرك والمجادل في الله بين تعالى حال المسلم المستسلم لأمر الله تعالى بقوله تعالى :﴿ومن يسلم﴾ أي : في الحال والاستقبال ﴿وجهه﴾ أي : قصده وتوجهه وذاته كلها ﴿إلى الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال بأن فوض أمره إليه فلم يبق لنفسه أمر أصلاً فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿محسن﴾ أي : مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائماً في حال الشهود ﴿فقد استمسك﴾ أي : أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوّة في تأدية الأمور ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي : اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه ؛ لأنّ أوثق العرى جانب الله تعالى فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، وهذا من باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، فإن قيل كيف قال ههنا ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله﴾ فعداه بإلى، وقال في البقرة ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ ( البقرة : ١١٢ ) فعداه باللام ؟ أجيب : بأن أسلم يتعدّى تارة باللام، وتارة بإلى، كما يتعدّى أرسل تارة باللام وتارة بإلى قال تعالى ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ ( النساء، ٧٩ ) وقال تعالى ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً﴾ ( المزمل، ١٥ ) ﴿وإلى الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿عاقبة الأمور﴾ أي : مصير جميع الأشياء إليه، كما أنّ منه باديتها، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادية.

لقمان 31:23

ولما بين تعالى حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال تعالى :﴿ومن كفر﴾ أي : ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن لا قدرة أصلاً لأحدٍ سواه ولم يسلم وجهه إليه ﴿فلا يحزنك﴾ أي : يهمك ويوجعك ﴿كفره﴾ كائناً من كان، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة، وأفرد الضمير في كفره اعتباراً بلفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأوّل بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجاً عنه فالآية من الاحتباك، ذكر الحزن ثانياً دليلاً على حذف ضدّه أوّلاً، وذكر الاستمساك أوّلاً دليلاً على حذف ضدّه ثانياً ﴿إلينا﴾ أي : في الدارين ﴿مرجعهم فننبئهم﴾ أي : بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم ﴿بما عملوا﴾ أي : ونجازيهم عليه إن أردنا ﴿إن الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿عليم﴾ أي : محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿بذات الصدور﴾ أي : لا يخفى عليه سرّهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرّت صدورهم.

لقمان 31:24

﴿نمتعهم﴾ أي : نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا ﴿قليلاً﴾ أي : إلى انقضاء آجالهم فإن كل آت قريب، وإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل ﴿ثم نضطرّهم﴾ أي : نلجئهم ونردّهم في الآخرة ﴿إلى عذاب غليظ﴾ أي : شديد ثقيل لا ينقطع عنهم أصلاً ولا يجدون لهم منه محيصاً من جهة من جهاته فكأنه في شدّته وثقله جرم عظيم غليظ جدّاً إذا ترك على شيء لا يقدر على الخلاص منه.

لقمان 31:25

ثم إنه تعالى لما سلى قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿فلا يحزنك كفره﴾ أي : لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب وهو رجوعهم إلينا على أنه لا يتأخر إلى ذلك اليوم بل يتبين قبل يوم القيامة كما قال تعالى :﴿ولئن﴾ اللام لام قسم ﴿سألتهم من خلق السماوات﴾ أي : بأسرها ومن فيها ﴿والأرض﴾ كذلك وقوله تعالى ﴿ليقولنّ الله﴾ أي : المسمى بهذا الاسم حذف منه نون الرفع لتوالي والأمثال وواو الضمير لالتقاء الساكنين، فقد أقرّوا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته. ولما تبين بذلك صدقه صلى الله عليه وسلم وكذبهم قال الله تعالى مستأنفاً ﴿قل الحمد﴾ أي : الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي : الذي له الإحاطة الشاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره على ظهور الحجة عليهم بالتوحيد ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ أي : ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك.

لقمان 31:26

ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال استدلّ على ذلك بقوله تعالى :﴿لله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿ما في السماوات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ملكاً وخلقاً فلا يستحق العبادة فيهما غيره. ولما ثبت ذلك أنتج قطعاً قوله تعالى ﴿إن الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الغني﴾ مطلقاً لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه وليس محتاجاً إلى شيء أصلاً ﴿الحميد﴾ أي : المستحق لجميع المحامد لأنه المنعم على الإطلاق المحمود بكل لسان من ألسنة الأحوال والأقوال لأنه هو الذي أنطقها ومن قيد الخرس أطلقها.

لقمان 31:27

ولما قال تعالى ﴿لله ما في السماوات والأرض﴾ أوهم تناهي ملكه لانحصار ما في السماوات والأرض فيهما وحكم العقل الصريح بتناهيهما، بين تعالى أنه لأحد ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده بقوله تعالى :﴿ولو أن ما في الأرض﴾ أي : كلها، ودل على الاستغراق وتقضي كل فرد فرد من أفراد الجنس بقوله تعالى :﴿من شجرة﴾ حيث وحدها ﴿أقلام﴾ أي : والشجرة يمدّها من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات وأنّ ما في الأرض من البحر مداد لتلك الأقلام ﴿والبحر﴾ أي : والحال أنّ البحر ﴿يمده﴾ أي : يكون مداداً له وزيادة فيه ﴿من بعده﴾ أي : من ورائه ﴿سبعة أبحر﴾ تكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة ﴿ما نفدت كلمات الله﴾ وفنيت الأقلام والمداد، قال المفسرون : نزل بمكة قوله تعالى :﴿ويسألونك عن الروح﴾ ( الإسراء، ٨٥ ) الآية فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أحبار اليهود فقالوا يا محمد بلغنا أنك تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أفعنيتنا أم قومك فقال صلى الله عليه وسلم :«كلاًّ قد عنيت، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنّا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال صلى الله عليه وسلم : هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم، قالوا : يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية »، وقال قتادة إنّ المشركين قالوا : إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع فنزلت، فإن قيل كان مقتضى الكلام أن يقال : ولو أنّ الشجر أقلام والبحر مداد ؟ أجيب : بأنه أغنى عن ذكر المداد قوله تعالى يمدّه لأنه من مدّ الدواة وأمدّها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوءة مداداً فهي تصب فيه مدادها أبداً صباً لا ينقطع، والمعنى : ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد كقوله تعالى ﴿قل لو كان البحر مداد لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ ( الكهف : ١٠٩ ) لأنّ المحصور لا يفي بما ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى، ومن كبرياء لا يجارى ولا يضاهى. فإن قيل لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس ؟ أجيب : بأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً، فإن قيل الكلمات جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل كلم الله ؟ أجيب : بأنّ معناه أنّ كلماته لا تفي بها البحار فكيف بكلمه، وقرأ أبو عمرو : والبحر بنصب الراء وذلك من وجهين : أحدهما : العطف على اسم أن، أي : ولو أنّ البحر، ويمدّه الخبر، والثاني : النصب بفعل مضمر يفسره يمدّه والواو حينئذ للحال والجملة حالية، ولم يحتج إلى ضمير رابط بين الحال وصاحبها للاستغناء عنه بالواو، والتقدير : ولو أنّ الذي في الأرض حال كون البحر ممدوداً بكذا، وقرأ الباقون برفع الراء وذلك من وجهين : أيضاً أحدهما : العطف على أن وما في حيزها، والثاني : أنه مبتدأ، ويمدّه الخبر، والجملة حالية والرابط الواو. تنبيه : قوله تعالى سبعة، ليس لانحصارها في سبعة وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، وإنما خصصت السبعة بالذكر من بين الأعداد لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، ويدل على ذلك وجهان : الأوّل : أن المعلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان فالزمان منحصر في سبعة أيام والمكان منحصر في سبعة أقاليم، ولأنّ الكواكب السيارة سبعة والمنجمون ينسبون إليها أموراً فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :«المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء » الثاني : أن في السبعة معنى يخصها ولذلك كانت السماوات سبعاً والأرضون سبعاً وأبواب جهنم سبعاً وأبواب الجنة ثمانية، لأنها الحسنى وزيادة، فالزيادة هي الثامن ؛ لأن العرب عند الثامن يزيدون واو تقول القراء لها واو الثمانية وليس ذلك إلا للإستئناف لأنّ العدد تم بالسبعة، ثم بين نتيجة ذلك بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عزيز﴾ أي : كامل القدرة لا نهاية لمقدوراته ﴿حكيم﴾ أي : كامل العلم لا نهاية لمعلوماته. تنبيه : قد علم مما تقرّر أنّ الآية من الاحتباك ذكر الأقلام دليلاً على حذف مدادها وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلاً على حذفها في الأشجار.

لقمان 31:28

ولما ختم تعالى بهاتين الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء ذكر بعض آثارها في البعث بقوله تعالى :﴿ما خلقكم﴾ أي : كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة، وأعاد النافي نصاً على كل واحد من الخلق والبعث على حدته بقوله تعالى :﴿ولا بعثكم﴾ أي : كلكم ﴿إلا كنفس﴾ أي : كبعث نفس، وبين الأفراد تحقيقاً للمراد تأكيداً للسهولة بقوله تعالى :﴿واحدة﴾ فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة وقدرته مع كونها باقية بالغة فنسبة القليل والكثير إلى قدرته على حدّ سواء ؛ لأنه لا يشغله شأن، عن شأن، ثم دل على ذلك بقوله تعالى : مؤكداً ﴿إن الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿سميع﴾ أي : بالغ السمع يسمع كل مسموع ﴿بصير﴾ أي : بليغ البصر يبصر كل مبصر لا يشغله شيء عن شيء.

لقمان 31:29

ولما قرّر تعالى هذه الآية الخارقة دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرّتين بقوله تعالى :﴿ألم تر﴾ وهو محتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الأكثر وكأنه تعالى ترك الخطاب مع غيره ؛ لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة في الخطاب معهم ومن هو غيره من المؤمنين فهم تبع له، والوجه الثاني : المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحداً فيقول لجمع عظيم : يا مسكين إلى الله مصيرك فمن نصيرك ولماذا تقصيرك ﴿أنّ الله﴾ أي : بجلاله وعز كماله ﴿يولج﴾ أي : يدخل إدخالاً لا مرية فيه ﴿الليل في النهار﴾ فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه فإذا النهار قد عمّ الأرض كلها أسرع من اللمح ﴿ويولج النهار﴾ أي : يدخله كذلك ﴿في الليل﴾ فيخفى حتى لا يبقى له أثر فإذا الليل قد طبق الآفاق مشارقها ومغاربها في مثل الطرف فيميز سبحانه كلاً منهما من الآخر بعد اضمحلاله فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره ﴿وسخر الشمس﴾ آية للنهار يدخل الليل فيه ﴿والقمر﴾ أي : آية لليل كذلك ثم استأنف ما سخرا فيه بقوله تعالى :﴿كل﴾ أي : منهما ﴿يجري﴾ أي : في فلكه سائراً متمادياً وبالغاً ومنتهياً ﴿إلى أجل مسمى﴾ لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص هذا في الشهر مرّة وتلك في السنة مرّة، لا يقدر واحد منهما أن يتعدّى طوره ولا أن ينقض دوره ولا أن يغير سيره. تنبيه : قال تعالى يولج بصيغة المستقبل، وقال في الشمس والقمر وسخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ كما قال تعالى ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ ( يس : ٣٩ ) وقال ههنا إلى أجل، وفي الزمر لأجل ؛ لأن المعنيين لائقان بالحرفين فلا عليك في أيهما وقع. قال الأكثرون : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل : عامّ. ولما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أنّ ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى عليه بقوله تعالى :﴿وإنّ الله﴾ أي : بما له من صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ أي : في كل وقت على سبيل التجدّد ﴿خبير﴾ أي : لا يخفى عليه شيء منه ؛ لأنه الخالق له كله دقه وجله.

لقمان 31:30

ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العليا أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله تعالى : قال تعالى ﴿ذلك﴾ أي : المذكور ﴿بأنّ﴾ أي : بسبب أن ﴿الله﴾ أي : الذي لا عظيم سواه ﴿هو﴾ وحده ﴿الحق﴾ أي : بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته المستحق للعبادة ﴿وأنّ ما يدعون﴾ أي : هؤلاء المختوم على مداركهم وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله تعالى :﴿من دونه﴾ أي : غيره ﴿الباطل﴾ أي : العدم في حدّ ذاته لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص يدعون بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب وإن مقطوعة من ما في الرسم ﴿وأنّ الله﴾ أي : الملك الأعظم وحده ﴿هو العليّ﴾ على خلقه بالقهر فله الصفات العليا والأسماء الحسنى ﴿الكبير﴾ أي : العظيم في ذاته وصفاته.

لقمان 31:31

ولما قال تعالى ﴿ألم تر أنّ الله يولج الليل في النهار وسخر الشمس والقمر﴾ ذكر آية سماوية وأشار إلى السبب والمسبب ذكر بعده آية أرضية تدلّ على باهر قدرته وكمال نعمته وشمول إنعامه وأشار إلى السبب والمسبب بقوله تعالى :﴿ألم تر﴾ وفي المخاطب بذلك ما تقدّم ﴿أنّ الفلك﴾ أي : السفن كباراً وصغاراً ﴿تجري﴾ أي : بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البرّ ﴿في البحر﴾ أي : على وجه الماء ﴿بنعمة الله﴾ أي : بإنعام الملك الأعلى المحيط علماً وقدرة المحسن إليكم بتعليم صفتها حتى تهيأت لذلك على يد أبيكم نوح العبد الشكور عليه السلام، وقيل : نعمة الله هنا هي الريح التي تتحرك بأمر الله ﴿ليريكم من آياته﴾ أي : عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر الهائل البديع الرفيع ﴿لآيات﴾ أي : دلالات واضحات على ما له من صفات الكمال ﴿لكل صبار﴾ على المشاق فيبعث نفسه في التفكير في عدم غرقه وفي مسيره إلى البلاد الشاسعة والأقطار البعيدة، وفي كون سيره ذهاباً وإياباً تارة بريحين، وتارة بريح واحدة. وفي إنجاء أبيه نوح عليه السلام ومن أراد الله تعالى من خلقه بها وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض، وفي غير ذلك من شؤونه وأموره ﴿شكور﴾ أي : مبالغ في كل من الصبر والشكر لأنهما الإيمان، كما ورد : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان يعرفه في الشدّة إلا من طبعهم الله تعالى على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه، ولهذا قال تعالى ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ( سبأ : ١٣ ) وها أنا أسأل الله الحنان المنان من فضله أن يجعلني منهم ويفعل ذلك بأهلي وأحبابي فإنه كريم جواد.

لقمان 31:32

ولما ذكر تعالى أن في ذلك لآيات ذكر أنّ الكل معترفون غير أنّ البصير يدركه أوّلاً ومن في بصيرته ضعف لا يدركه أوّلاً كما قال تعالى :﴿وإذا غشيهم﴾ أي : علاهم وهم في الفلك حتى صار كالمغطي لهم ﴿موج﴾ أي : هذا الجنس وأفرده لشدّة اضطرابه وإتيانه شيئاً في أثر شيء متابعاً يركب بعضه بعضاً كأنه شيء واحد، وأصله من الحركة والازدحام واختلف في قوله تعالى ﴿كالظلل﴾ فقال مقاتل : كالجبال، وقال الكلبي : كالسحاب. والظلل جمع ظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، فإن قيل : كيف جعل الموج وهو واحد كالظلل وهو جمع ؟ أجيب : بأنّ الموج يأتي منه شيء بعد شيء فلما صاروا إلى هذه الحالة ﴿دعوا الله﴾ أي : مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله عالمين بجميع مضمون الآية السابقة من حقيته وعلوّه وكبريائه وبطلان ما يدعونه من دونه ﴿مخلصين له الدّين﴾ أي : الدعاء بأن ينجيهم لا يدعون شيئاً سواه بأنفسهم ولا قلوبهم لما اضطرّهم إلى ذلك ﴿فلما نجاهم﴾ أي : خلصهم من تلك الأهوال ﴿إلى البر﴾ نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين وانقسموا قسمين ﴿فمنهم﴾ أي : تسبب عن نعمة الإنجاء أنه كان منهم ﴿مقتصد﴾ أي : عدل موف في البرّ بما قد عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، بمعنى أنه ثبت على ذلك وهم قليل كما دل عليه التصريح بالتبعيض، قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب في عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف فقال عكرمة : لئن نجاني الله من هذه لأرجعنّ إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعنّ يدي في يده فسكنت الريح فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه، قال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر، قال الكلبي : مقتصد في القول أي : من الكفار لأنّ بعضهم كان أشدّ قولاً وأعلى في الافتراء من بعض ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلبات الحياء في التصريح بذلك وهو الأكثر كما دل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض. فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون﴾ ( العنكبوت : ٦٥ ) وقال هنا ﴿فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد﴾ ؟ أجيب : بأنه لما ذكر ههنا أمراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر، فذكر إشراكهم حيث لم يبق عندهم أثر وقوله تعالى ﴿وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار﴾ أي : غدّار فإنه نقض للعهد الفطري أي : لما كان في البحر والختر أشدّ الغدر ﴿كفور﴾ أي : للنعم في مقابله قوله تعالى إن في ذلك لآيات أي : يعترف بها الصبار الشكور، ويجحدها الختار الكفور، فالصبار في موازنة الختار لفظاً ومعنى، والكفور في موازنة الشكور كذلك أما لفظا فيهما فظاهر، وأمّا كون الختار في موازنة الصبار معنى فلأن الختار هو الغدّار الكثير الغدر أو شديد الغدر مثال مبالغة من الختر وهو أشدّ الغدر، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر ؛ لأنّ الصبور لا يعهده منه الإضرار فإنه يصبر ويفوّض الأمر إلى الله تعالى، وأما الغدّار ليعاهدك ولا يصبر على العهد فينقضه. وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى فظاهر.

لقمان 31:33

ولما ذكر تعالى الدلائل من أول السورة إلى هنا وعظ بالتقوى بقوله تعالى :﴿يا أيها الناس﴾ أي : عامّة. وقيل : أهل مكة ﴿اتقوا ربكم﴾ أي : الذي لا محسن إليكم غيره ﴿واخشوا﴾ أي : خافوا ﴿يوماً﴾ لا يشبه الأيام ولا يعدّ هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئاً بوجه ﴿لا يجزي﴾ أي : لا يقضي ولا يغني ﴿والد عن ولده﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي : لا يجزي فيه. وفي التعبير بالمضارع إشارة إلى أنّ الوالد لا تزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد ويتجدّد عنده العطف والرقة. والمفعول إما محذوف لأنه أشدّ في النفي وإما مدلول عليه بما في الشق الذي بعده. وقوله تعالى ﴿ولا مولود﴾ عطف على والد أو مبتدأ وخبره ﴿هو جاز عن والده﴾ أي : فيه ﴿شيئاً﴾ من الجزاء وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة ﴿إنّ وعد الله﴾ أي : الذي له معاقد العز والجلال ﴿حق﴾ أي : أنّ هذا اليوم الذي هذا شأنه هو كائن ؛ لأنّ الله تعالى وعد به ووعده حق، وقيل : إنّ وعد الله حق بأن لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً لأنه وعد بأن لا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق ﴿فلا تغرّنكم الحياة الدنيا﴾ بزخرفها ورونقها فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق ﴿ولا يغرّنكم بالله﴾ أي : الذي لا أعظم منه ولا مكافئ مع ولايته معكم ﴿الغرور﴾ أي : الكثير الغرور المبالغ فيه وهو الشيطان الذي لا أحقر منه لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ويلهيكم به من تعظيم قدرها وينسيكم كيدها وغدرها وتعبها وأذاها فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم فلا تعدّونه معاداً فلا تتخذون له زاد لما اقترن بغروره من حلم الله تعالى وإمهاله، قال سعيد بن جبير : الغرة بالله أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة.

لقمان 31:34

وروي أنّ الحارث بن عمرو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال متى قيام الساعة وإني قد ألقيت حباً في الأرض فمتى السماء تمطر، وحمل امرأتي أذكر أم أنثى وما أعمل غداً وأين أموت ؟ فنزل قوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال ﴿عنده﴾ أي : خاصة ﴿علم الساعة﴾ أي : وقت قيامها لا علم لغيره بذلك أصلاً ﴿وينزل الغيث﴾ أي : في أوانه المقدّر له والمحل المعين له في علمه، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ أي : من ذكر أو أنثى أحيّ أو ميت تامّ أو ناقص ﴿وما تدري نفس﴾ أي : من الأنفس البشرية وغيرها ﴿ماذا تكسب غداً﴾ أي : من خير أو شرّ وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه. ﴿وما تدري نفس بأي : أرض تموت﴾ أي : كما لا تدري في أي : وقت تموت ويعلمه الله تعالى، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : جاء رجل من أهل البادية فقال : يا رسول الله إنّ امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن عكرمة أنّ رجلاً يقال له الوارث من بني خازن جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب، وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد، وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غداً، وقد علمت بأيّ أرض ولدت فبأي أرض أموت ؟ فنزلت هذه الآية، وعن قتادة قال : خمس من الغيب استأثر الله بهنّ فلم يطلع عليهنّ ملكاً مقرّباً ولا نبياً مرسلاً : إنّ الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ولا في أي شهر أليلاً أم نهاراً، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل أليلاً أم نهاراً، ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم أسود، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً أخيراً أم شراً، وما تدري نفس بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في برّ أم سهل أم جبل. وعن أحمد وابن أبي شيبة موقوفاً على شهر بن حوشب أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل : من هذا ؟ فقال : ملك الموت، فقال : فكأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند، فأمر سليمان الريح فحلمته إلى بلاد الهند فوق سحابة فلما استقرّ فيها قبض روحه ملك الموت، عليه السلام ثم جاء إلى سليمان عليه السلام فسأله عن نظره إلى الرجل، فقال ملك الموت : كان دوام نظري إليه تعجباً منه إذا أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك، وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأي : أرض تموت إلا الله ». وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثكم بأشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة الرعاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها. وخمس من الغيب لا يعلمهنّ إلا الله، ثم تلا إنّ الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية، وعن أبي أمامة أنّ إعرابياً وقف على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر على ناقة له عشراء فقال : يا محمد ما في بطن ناقتي هذه ؟ فقال له رجل من الأنصار : دع عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلم إلي حتى أخبرك، وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :«إنّ الله يحب كل حيي كريم ويبغض كل قاس لئيم متفحش ثم أقبل على الأعرابي فقال خمس لا يعلمهنّ إلا الله إنّ الله عنده علم الساعة الآية » وعن سلمة بن الأكوع قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء إذ جاءه رجل على فرس فقال له من أنت :«قال أنا رسول الله قال : متى الساعة قال غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال : ما في بطن فرسي قال : غيب وما يعلم الغيب إلا الله قال : فمتى نمطر قال : غيب وما يعلم الغيب إلا الله » وعن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إنّ الله عنده علم الساعة الآية ». وعن ابن مسعود قال : أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس : إنّ الله عنده علم الساعة الآية، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم يعم على نبيكم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان : إنّ الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة، وعن ربعي قال : حدّثني رجل من بني عامر أنه قال : يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه ؟ فقال :«لقد علمني الله خيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية ». وعن بنت معوّذ قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتقولان : وفينا نبيّ يعلم ما في غد فقال :«أما هذا فلا تقولاه ما يعلم ما في غد إلا الله » وعن ابن عزة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تدري نفس بأي : أرض تموت »، وعن أبي مالك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم :«بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه جاءه جبريل في غير صورته يحسبه رجلاً من المسلمين فسلم فردّ، عليه السلام ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا رسول الله ما الإسلام ؟ قال : أن تسلم وجهك لله وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال نعم ثم قال : ما الإيمان قال أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والموت والحياة بعد الموت والجنة والنار والحساب والميزان والقدر خيره وشرّه، قال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال نعم ثم قال ما الإحسان قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك قال : فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت قال : نعم ثم قال فمتى الساعة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله : إنّ الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت ». ﴿إن الله﴾ أي : المختص بأوصاف الكمال ﴿عليم﴾ أي : شامل علمه للأمور كلها كلياتها وجزئياتها، فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه عن الغير في هذه الخمس ﴿خبير﴾ أي : يعلم خبايا الأمور وخفايا الصدور، كما يعلم ظواهرها وجلاياها كل عنده على حدّ سواء فهو الحكيم في ذاته وصفاته، ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده ؛ لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من الحكم باختلال هذا النظام على ما فيه من الأحكام فقد انطبق آخر السورة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة على أوّلها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه، لا سيما الإيقان بالآخرة كان حكيماً. فسبحان من هذا كلامه وتعالى كبرياؤه وعز مرامه. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقاً يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشراً بعدد من عمل المعروف ونهى عن المنكر » حديث موضوع.

السجدة 32:1

وتقدّم في البقرة وغيرها الكلام على ﴿ألم﴾ ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أنّ الله تعالى أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة رسالته ووحدانية من أرسله، وسرد سبحانه هذه الأحرف في أوائل أربع من هذه السور فزادت على الطواسين بواحدة إشارة إلى أنّ هذه المعاني في غاية الثبات لا انقطاع لها.

السجدة 32:2

ولما كان المقصود في التي قبلها إثبات الحكمة لمنزل هذا الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء أخبر سبحانه وتعالى عن هذا بأنه من عنده بقوله تعالى :﴿تنزيل الكتاب﴾ أي : الجامع لكل هدى على ما ترون من التدريج من السماء ﴿لا ريب﴾ أي : لا شك ﴿فيه﴾ لأنّ نافي الشك هو الإعجاز معه لا ينفك عنه فكل ما تقولونه مما يخالف ذلك تعنت أو جهل من غير ريب حال كونه ﴿من ربّ العالمين﴾ أي : الخالق لهم المدبر لمصالحهم فلا يجوز في عقل ولا يخطر في بال ولا يقع في وهم ولا يتصوّر في خيال أنه يصل شيء من كتابه تعالى إلى هذا النبي الكريم بغير أمره، ولا يتخيل أنّ شيئاً منه ليس بقول الله تعالى ثم لا يتخيل أنه من كلامه ولكنه أخذه من بعض أهل الكتاب ؛ لأنّ هذا لا يفعل مع بعض الملوك فكيف بملك الملوك فكيف بمن هو عالم بالسرّ والجهر، محيطٌ علمه بالخفي والجلي. تنبيه : في تنزيل الكتاب إعرابات مختلفة، وأظهرها ما جرى عليه الجلال المحلي من أنّ تنزيل الكتاب مبتدأ، ولا ريب فيه خبر أوّل ومن رب العالمين خبر ثان.

السجدة 32:3

وقوله تعالى :﴿أم يقولون﴾ أي : مع ذلك الذي لا يمتري فيه عاقل ﴿افتراه﴾ أي : تعمد كذبه، أم فيه هي المنقطعة والإضراب للانتقال لا للإبطال، وقيل الميم صلة، أي : أتقولون افتراه. وقوله تعالى ﴿بل هو الحق﴾ أي : الثابت ثباتاً لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله إضراب ثان، ولو قيل بأنه إضراب إبطاليّ لنفس افتراه وحده لكان صواباً، وعلى هذا يقال : كل ما في القرآن إضراب فهو إضراب انتقالي، إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطالياً لأنه إبطال لقولهم أي : ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحق. وفي كلام الزمخشري ما يرشد إلى هذا فإنه قال : والضمير في فيه راجع إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك أي : في كونه من رب العالمين. قال ابن عادل : ويشهد لوجاهته أم يقولون افتراه لأنّ قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين وكذلك قوله بل هو الحق من ربك وما فيه من تقرير أنه من عند الله، وهذا أسلوب صحيح محكم انتهى. وقوله تعالى ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك بإنزاله وإحكامه حال من الحق، والعامل فيه محذوف على القاعدة وهو العامل أيضاً في ﴿لتنذر﴾ ويجوز أن يكون العامل في لتنذر غيره، أي : أنزله لتنذر ﴿قوماً﴾ أي : ذوي قوّة وجلد ومنعة ﴿ما أتاهم من نذير﴾ أي : رسول في هذه الأزمان القريبة لقول ابن عباس أنّ المراد الفترة، ويؤيده إثبات الجار في قوله تعالى ﴿من قبلك﴾ ولما ذكر تعالى علة الإنزال أتبعه علة الإنذار بقوله تعالى :﴿لعلهم يهتدون﴾ أي : ليكون حالهم في مجاري العادات حال من تُرجى هدايته إلى كمال الشريعة، وأمّا التوحيد فلا عذر لأحد فيه مع إقامة الله تعالى من حجة العقل ومع ما أتقنه الرسل عليهم الصلاة والسلام آدم فمن بعده من أوضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا دلالاتهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أبيه :«أبي وأبوك في النار » وغير ذلك من الأدلة الدالة على أنّ من مات قبل دعوته على الشرك فهو في النار، لكن ذكر بعض العلماء أنّ من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنّ الله تعالى أحيا له أبويه وأسلما على يديه ولا بدع في ذلك، فإنّ الله تعالى أكرمه بأشياء لا تحصر.

السجدة 32:4

ولما ذكر تعالى : الرسالة وبين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل قال :﴿الله﴾ أي : الحاوي لجميع صفات الكمال وحده ﴿الذي خلق السماوات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ بأسرها ﴿وما بينهما﴾ من المنافع العينية والمعنوية ﴿في ستة أيام﴾ كما يأتي تفصيله في فصلت إن شاء الله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ وهو في اللغة سرير الملك استواء يليق به تعالى لم تعهدوا مثله وهو أنه تعالى أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه لا شريك له ولا نائب فيه ولا وزير كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا امتنعت ممالكهم وتباعدت أطرافها وتناءت أقطارها ﴿ما لكم من دونه﴾ لأن كل ما سواه دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي بقوله تعالى :﴿من ولي﴾ أي : يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به ﴿ولا شفيع﴾ يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذن. ﴿أفلا تتذكرون﴾ هذا فتؤمنون.

السجدة 32:5

ولما نفى أن يكون له وزيرٌ أو شريكٌ في الخلق ذكر كيف يفعل في هذا الملك العظيم الذي أبدعه فقال مستأنفاً مفسراً للمراد بالاستواء :﴿يدبر الأمر﴾ أي : كل أمر هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه، كما نظر في إقباله لأحكام فواتحه وعوازمه، لا يكل شيئاً منه إلى أحد من خلقه. قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن استواءه على العرش بمعنى إظهاره القدرة، والعرش مظهر التدبير لا مقر لمدبر. ولما كان المقصود للقرب إنما هو تدبير ما يمكن مشاهدتهم له من العالم قال تعالى مفرداً :﴿من السماء﴾ أي : فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر في إدبار ما يعمله ﴿إلى الأرض﴾ أي : غير متعرض إلى ما فوق ذلك، على أن السماء تشمل كل عال فيدخل جميع العالم العلوي، والأرض تشمل كل ما سفل فيشمل ذلك العالم السفلي. تنبيه : ههنا همزتان مكسورتان، فقالون وابن كثير يسهل الأولى كالياء مع المد والقصر، وورش وقنبل يسهل الثانية، ولهما إبدالهما من غير مدٍّ، وأسقط أبو عمرو الأولى مع المد والقصر والباقون بتحقيقهما. ولما كان الصعود أشق من النزول على ما جرت به العوائد فكان بذلك مستبعداً ؛ أشار إلى ذلك بقوله تعالى :﴿ثم يعرج﴾ أي : يصعد ﴿إليه﴾ أي : بصعود الملك إلى الله تعالى أي : إلى الموضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ ( الصافات : ٩٩ ) ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ ( النساء : ١٠٠ ) ونحو ذلك، أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول التدبير إلى السماء كأنه صاعد في معارج، وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم في أسرع من لمح البصر ﴿في يوم﴾ أي : من أيام الدنيا ﴿كان مقداره﴾ لو كان الصاعد واحداً منكم على ما تعهدون ﴿ألف سنة مما تعدون﴾ من سنيكم التي تعهدون، قال البقاعي : والذي دل على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ، أما اللفظ فالتعبير بكان مع انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك، وأما العرف فهو أن الإنسان المتمكن يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلاً، فإذا فرغه صعد إليه خادمه إلى أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل، فلا تكون نسبة ذلك من زمن بنائه إلا جزءا، أو لا يبعد هذا وهو خلق محتاج، فما ظنّك بمن خلق الخلق في ستة أيام ولو شاء لخلقهم في لمحة، وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء انتهى. فنزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو ما بين السماء والأرض فإن مسافته خمسمائة سنة، فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في خمسمائة سنة فهو مقدار ألف سنة كأنه تعالى يقول : لو سار أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة، والملائكة يقطعونه في يوم واحد، هذا في وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء، وأما قوله تعالى :﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ ( المعارج : ٤ ) فأراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل عليه السلام، فسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. قاله مجاهد والضحاك، وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال :«بين السماء والأرض خمسمائة عام ثم قال : أتدرون ما الذي فوقها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : سماء أخرى أتدرون كم بينها وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : خمسمائة عام حتى عد سبع سماوات ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : العرش ثم قال : أتدرون ما بينه وبين السماء السابعة ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام، ثم قال : ما هذه تحتكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أرض، أتدرون ما تحتها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أرض أخرى أتدرون كم بينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : مسيرة سبعمائة عام، حتى عد سبع أرضين ثم قال : وأيمُ الله لو دليتم بحبل لهبط على علم الله وقدرته » وروي :«مَثَلُ السماوات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وإن فضل الكرسي على السماوات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة ». وقوله تعالى :﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ ( البقرة : ٢٥٥ ) يدل على أن الكرسي محيط بالكل. وقيل : مقدار ألف سنة وخمسين ألف سنة كلها في القيامة، ومعناه حينئذ : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي : يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا في يوم كان مقداره ذلك، وذلك اليوم يتفاوت، فهو على الكافر كخمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك. بل جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كمثل صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا. وقيل : إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ؛ وذلك لأن من نفد أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، فقوله :﴿في يوم كان مقداره ألف سنة﴾ يعني : يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه ؟ وعلى هذا فلا فرق بين هذا وبين قوله :﴿مقداره خمسين ألف سنة﴾ لأن ذلك إذا كان إشارة إلى دوام نفاذ الأمر فسواء يعبر بألف سنة أو بخمسين ألف سنة لا يتفاوت، إلا أن المبالغة بالخمسين أكثر، وسيأتي بيان فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى.

السجدة 32:6

ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق، ثم عالم الأرواح والأمر بيّن أنه تعالى عالم بما كان وما يكون بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الإله الواحد القهار، ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي : ما غاب عن الخلق، ومنه الذي تقدمت مفاتيحه وما حضر وظهر فيدبر أمرهما ﴿العزيز﴾ أي : الغالب على أمره ﴿الرحيم﴾ على العباد في تدبيره، وفيه إيماء بأنه تعالى يراعي المصالح تفضلاً وإحساناً.

السجدة 32:7

ولما ذكر تعالى الدليل على الوحدانية من الآفاق بقوله تعالى :﴿خلق السماوات والأرض وما بينهما﴾ ذكر الدليل عليها من الأنفس بقوله تعالى :﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ قال ابن عباس : أتقنه وأحكمه، فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال تعالى :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ ( التين : ٤ ) وقال مقاتل : علم كيف يخلق كل شيء من قول القائل : فلان يحسن كذا إذا كان يتقنه، وقيل : خلق كل حيوان على صورة لم يخلق البعض على صورة البعض، وقيل : معناه أحسن إلى كل خلقه. وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام فعلاً ماضياً، والجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه، والباقون بسكونها على أنه بدل من كل شيء بدل اشتمال والضمير عائد على كل شيء. ولما كان الحيوان أشرف الأجناس وكان الإنسان أشرفه خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية بالأنفس كما قام بالآفاق. فقال دالاً على البعث :﴿وبدأ خلق الإنسان﴾ أي : آدم عليه السلام ﴿من طين﴾ قال الرازي : ويمكن أن يقال الطين ماء وتراب مجتمعان، فالآدمي أصله مني، والمني أصله غذاء، والأغذية إما حيوانية أو نباتية، والحيوانية ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو الطين.

السجدة 32:8

﴿ثم جعل نسله﴾ أي : ذريته ﴿من سلالة﴾ أي : نطفة سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان أي : تنفصل منه وتخرج من صلبه، ونحوه قولهم للولد : سليل، هذا على التفسير الأول ؛ لأن آدم كان من الطين ونسله من سلالة ﴿من ماء مهين﴾ أي : ضعيف، وعلى التفسير الثاني هو أن أصله من طين، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة هي ماء مهين وهو نطفة الرجل.

السجدة 32:9

وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله تعالى :﴿ثم سواه﴾ قومه بتصوير أعضائه وإبداع المعاني على ما ينبغي ﴿ونفخ فيه﴾ أي : آدم ﴿من روحه﴾ أي : جعله حياً حساساً بعد أن كان جماداً، وإضافة الروح إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، فيا له من شرف ما أعلاه، ففيه إشعار بأنه خلق عجيب وإن له شأناً له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية، قال البيضاوي : ولأجله أي : ولأجل كون أن له شأناً إلى آخره. روي :«من عرف نفسه فقد عرف ربه ». هذا الحديث لا أصل له، وبتقدير أن له أصلاً ليس معناه ما ذكر بل معناه : من عرف نفسه وتأمل في حقيقتها عرف أن له صانعاً موجداً له، وإليه أشار بقوله تعالى :﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ ( الذاريات : ٢١ ) ثم ذكر ما يترتب على نفخ الروح في الجسد مخاطباً للذرية بقوله تعالى :﴿وجعل لكم﴾ بعد أن كنتم نطفاً أمواتاً ﴿السمع﴾ أي : لتدركوا به ما يقال لكم ﴿والأبصار﴾ أي : لتدركوا بها الأشياء على ما هي عليه ﴿والأفئدة﴾ أي : القلوب المودعة غرائز العقول. فإن قيل : ما الحكمة في تقديم السمع على البصر والبصر على الأفئدة ؟ أجيب بأن الإنسان يسمع أولاً كلاماً فينظر إلى قائله ليعرفه ثم يتفكر بقلبه في ذلك الكلام ليفهم معناه، فإن قيل : ما الحكمة في ذكره المصدر في السمع وفي البصر والفؤاد الاسم، ولهذا جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع ؛ لأن المصدر لا يجمع ؟ أجيب : بأن السمع قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأُذن ولا اختيار لها فيه، وإن الصوت من أي جانب كان واصل إليه ولا قدرة للأُذن على تخصيص السمع بإدراك البعض دون البعض، وأما البصر فمحله العين ولها فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وكذلك الفؤاد محله الإدراك وله نوع اختيار يلتفت إلى ما يريد دون غيره. فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له، والعين كالأصل، وقوة الإبصار آلتها، والفؤاد كذلك، وقوة الفهم آلته، فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة، ولأن السمع قوة واحدة لها محل واحد، ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويثبتهما. فإن قيل : لم قدم السمع هنا وقدم القول في قوله تعالى في البقرة ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم﴾ ( البقرة : ٧ ) أجيب : بأنه تعالى عند الإعطاء ذكر الأدنى ثم ارتقى إلى الأعلى فكأنه قال : أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب، وعند السلب قال : ليس لهم قلب يدركون به ولا ما هو دونه وهو السمع الذي يسمعون به ممن له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها. ولما لم يبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال تعالى :﴿قليلاً ما تشكرون﴾ أي : تشكرون شكراً قليلاً، فما مزيدة مؤكدة للقلة.

السجدة 32:10

وقوله تعالى :﴿وقالوا﴾ معطوف على ما سبق منهم فإنهم قالوا : محمد ليس برسول، والإله ليس بواحد، والبعث ليس بممكن فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم، وختم بالتعجب من كفرهم وكان استبعادهم للبعث الذي هو الثابت الأصل من أعظم كفرهم وهو قولهم ﴿أئذا﴾ أي : انبعث إذا ﴿ضللنا﴾ أي : غبنا ﴿في الأرض﴾ أي : صرنا تراباً مخلوطاً بتراب الأرض لا نتميز منه، وأصله من ضل الماء في اللبن إذا أذهب فيه، وقولهم ﴿أئنا لفي خلق جديد﴾ أي : يجدد خلقنا استفهام إنكاري زيادة في الاستبعاد. فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرسالة من قبل وذكر دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه، وذكر الوحدانية، وذكر دليلها وهو خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من طين. ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ؟ أجيب : بأنه ذكر دليله أيضاً وهو أن خلقة الإنسان ابتداء دليل على قدرته على الإعادة، ولهذا استدل تعالى على إنكار الحشر بالخلق الأول ثم يعيده وهو أهون عليه وقوله تعالى :﴿الذي أنشأها أول مرة﴾ ( يس : ٧٩ ) وأيضاً ﴿خلق السماوات والأرض﴾ كما قال :﴿أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ ( يس : ٨٠ ) وقرأ نافع والكسائي ﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ أنا الأول : بالاستفهام والثاني : بالخبر، وقرأ ابن عامر الأول بالخبر الثاني بالاستفهام، والباقون بالاستفهام فيهما، ومذهب قالون وأبي عمرو في الاستفهام تسهيل الثانية وإدخال الألف بينها وبين همزة الاستفهام، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال وهشام يسهل الثانية ويحققها مع الإدخال، والباقون بتحقيقهما من غير إدخال. وقوله تعالى ﴿بل هم بلقاء ربهم كافرون﴾ أي : جاحدون إضراب عن الأول أي : ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً، بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة، حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب، أو يكون المعنى لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم بلقاء الله، فإنهم كرهوه فأنكروا المفضي إليه.

السجدة 32:11

ثم بين لهم ما يكون من الموت إلى العذاب بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : يا أفضل الخلق لهم ﴿يتوفاكم﴾ أي : يقبض أرواحكم ﴿ملك الموت الذي وكل بكم﴾ أي : بقبض أرواحكم وهو عزرائيل عليه السلام والتوفي : استيفاء العدد، معناه : أن يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت، روي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحةٍ لليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس الخلق من مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وأعوان من ملائكة العذاب. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب، وقال مجاهد : جعلت الأرض مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. وفي بعض الأخبار : أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه روح الإنسان، فإذا بلغ ثغرة نحره قبضه ملك الموت، وعن معاذ بن جبل أن لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب وهو يتصفح وجوه الناس فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنساناً قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال : الآن يزار بك عسكر الموت، فيصير ملقىً لا روح في شيء منه وهو على حاله كاملاً لا نقص في شيء منه يدعى الخلل بسببه. فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده تعالى صرّفه في ذلك فقام به كما ترونه مع أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب ؛ لأنه ربما يستدل بعض الحذق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه، فكيف يستبعد شيء من الأشياء على رب العالمين ومدبر الخلائق أجمعين. نسأل الله تعالى أن يقبضنا على التوحيد، وأن يستعملنا في طاعته ما أحيانا ويفعل ذلك بأهلنا وإحبائنا. ولما قام هذا البرهان القطعي على قدرته التامة علم أن التقدير : ثم يعيدكم خلقاً جديداً كما كنتم أول مرة فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره، وعطف عليه قوله تعالى ﴿ثم إلى ربكم﴾ أي : الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ﴿ترجعون﴾ أي : تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم.

السجدة 32:12

ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس شرع في بعض أحواله بقوله تعالى :﴿ولو ترى﴾ أي : تبصر ﴿إذ المجرمون﴾ أي : الكافرون ﴿ناكسوا رؤوسهم﴾ أي : مطأطؤها خوفاً وخجلاً وحزناً وذلاً ﴿عند ربهم﴾ المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم قائلين بغاية الذل والرقة ﴿ربنا﴾ أي : المحسن إلينا ﴿أبصرنا﴾ أي : ما كنا نكذب به ﴿وسمعنا﴾ منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه ﴿فارجعنا﴾ بما لك من هذه الصفة المقتضية للإحسان إلى الدنيا دار العمل ﴿نعمل صالحاً﴾ فيها ﴿إنا موقنون﴾ أي : ثابت لنا الآن الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك. فلا ينفعهم ذلك ولا يرجعون، وجواب لو محذوف تقديره : لرأيت أمراً فظيعاً، والمخاطب يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شفاء لصدره، فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاماً. وإذ على بابها من المضي لأن لو تصرف المضارع للمضي، وإنما جيء هنا ماضياً لتحقيق وقوعه نحو ﴿أتى أمر الله﴾ ( النحل : ١ ) وجعله أبو البقاء مما وقع فيه إذ موقع إذا ولا حاجة إليه.

السجدة 32:13

وقوله تعالى :﴿ولو شئنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿لآتينا كل نفس﴾ أي : مكلفة لأن الكلام فيها ﴿هداها﴾ فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها جواب عن قولهم ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا﴾ وذلك أن الله تعالى قال : إني لو أردت منكم الإيمان لهديتكم في الدنيا. ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت ولا شئت إيمانكم فلا أردكم، وهذا صريح في الدلالة على صحة مذهب أهل السنة حيث قالوا : إن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر ﴿ولكن﴾ لم أشأ ذلك لأنه ﴿حق القول مني﴾ وأنا من لا يخلف الميعاد ؛ لأن الإخلاف إما لعجزٍ أو نسيانٍ أو حاجةٍ ولا شيء من ذلك يليق بجنابي ولا يحل بساحتي، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسماً :﴿لأملأن جهنم﴾ أي : التي هي محل إهانتي ﴿من الجنة﴾ أي : الجن طائفة إبليس، وكأنه تعالى أنثهم تحقيراً لهم عند من يستعظم أمرهم وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم ﴿والناس أجمعين﴾ حيث قلت لإبليس :﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ( ص : ٨٥ ) فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختياراً، وغيبت العاقبة عنهم، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهراً والخلق في الحقيقة والمشيئة لي.

السجدة 32:14

ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص بهم عن عذابهم قال لهم الخزنة إذا دخلوا جهنم :﴿فذوقوا﴾ العذاب ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿نسيتم لقاء يومكم﴾ وحققه وبين ذلك بقوله تعالى :﴿هذا﴾ أي : بترككم الإيمان به ﴿إنا نسيناكم﴾ أي : عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي لكم فتركناكم في العذاب ﴿وذوقوا عذاب الخلد﴾ أي : المختص بأنه لا آخر له ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ أي : من الكفر والتكذيب وإنكار البعث.

السجدة 32:15

ولما ذكر تعالى علامة أهل الكفران ذكر علامة أهل الإيمان بقوله تعالى :﴿إنما يؤمن بآياتنا﴾ أي : الدالة على عظمتنا ﴿الذين إذا ذكروا بها﴾ أي : من أي : مذكر كان في أي : وقت كان ﴿خروا سجداً﴾ أي : بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد خضعاً لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم خضوعاً ثابتاً دائماً ﴿وسبحوا﴾ أي : أوقعوا التسبيح به عن كل شائبة نقص متلبسين ﴿بحمد ربهم﴾ أي : قالوا سبحان الله وبحمده. وقيل : صلوا بأمر ربهم. ولما تضمن هذا تواضعهم صرح به في قوله تعالى ﴿وهم لا يستكبرون﴾ أي : عن الإيمان والطاعة كما يفعل من يصير مستكبراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته في غير وقت الصلاة » وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل إبليس يبكي يقول : يا ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار » وهذه من عزائم سجود القرآن فتسن للقارئ والمستمع والسامع.

السجدة 32:16

ولما كان المتواضع ربما ينسب إلى الكسل نفى ذلك عنهم مبيناً لما تضمنته الآية السالفة من خوفهم بقوله تعالى :﴿تتجافى﴾ أي : ترتفع وتنبو ﴿جنوبهم عن المضاجع﴾ عبر به عن ترك النوم، قال ابن رواحة : نبيٌّ تجافى جنبه عن فراشه؍ إذا استثقلت بالمشركين المضاجع؍ والمضاجع : جمع المضجع وهو الموضع الذي يضجع عليه يعني الفراش وهم المتهجدون الذين يقيمون الصلاة. قال أنس :«نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم » وعن أنس أيضاً قال :«نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون صلاة المغرب إلى صلاة العشاء » قال عطاء : هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر في جماعة. وعنه صلى الله عليه وسلم :«من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة » وعن أنس كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء، وعنه أيضاً قال :«ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقداً قط قبل العشاء ولا متحدثاً بعدها » فإن هذه الآية نزلت في ذلك، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم » فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقه قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير. وعن مالك بن دينار قال : سألت أنساً عن هذه الآية فقال : كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى العشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم، وعن ابن أبي حازم قال : هي ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين، وعن معاذ ابن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ قال : قيام العبد من الليل، وعن معاذ بن جبل أيضاً قال :«كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه وهو يسير فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال : لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم قرأ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾ ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ فقلت : بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه فقال : كف عنك هذا فقلت : يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ». وعن كعب قال : إذا حشر الناس نادى مناد : هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع أين الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ثم يخرج عنق من نار فيقول : أمرت بثلاثٍ : بمن جَعَلَ مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتدٍ، لأَنَا أعرف بالرجل من الوالد بولده والمولود بوالده، ويؤمر بفقراء المسلمين إلى الجنة فيحبسون فيقولون : تحبسونا ما كان لنا أموال وما كنا أمراء، وعن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة للداء ». وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«عجب ربنا من رجلين : رجل ثار عن وطائه ولحافه بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقاً مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه من الانهزام وما عليه في الرجوع فرجع حتى هريق دمه » وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كان يقوم الليل حتى تنفطر قدماه فقلت : لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا أكون عبداً شكوراً » وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدّها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام ». وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ربيعة الخرشي قال : يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد فيكونون ما شاء الله أن يكونوا، ثم ينادي منادٍ : سيعلم أهل الجمع لمن يكون العز اليوم والكرم، ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً فيقومون وفيهم قلة، ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم يعود فينادي المنادي : سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون وهم أكثر من الأولين ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث ثم يعود فينادي المنادي : سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم، ليقم الحامدون على كل حال فيقومون وهم أكثر من الأولين، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿تتجافى في جنوبهم عن المضاجع﴾ يقول : تتجافى لذكر الله إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله. ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة بين أنه لها بقوله تعالى : مبيناً لحالهم ﴿يدعون﴾ أي : داعين ﴿ربهم﴾ الذي عوّدهم بإحسانه ثم علله بقوله تعالى :﴿خوفاً﴾ أي : من سخطه وعقابه، فإن أسباب الخوف من نقائصهم كثيرة سواء أعرفوا سبباً يوجب خوفاً أو لا لأنهم لا يأمنون مكر الله لأنه يفعل ما يشاء ﴿وطمعاً﴾ في رضاه الموجب لثوابه، وقال ابن عباس : خوفاً من النار وطمعاً في الجنة وعبر به دون الرجاء إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئاً بل يطلبون فضله بغير سبب وإن كانوا مجتهدين في طاعته. ولما كانت العبادة تقطع غالباً عن التوسع في الدنيا بما دعت نفس العابد إلى التمسك بما في يده خوفاً من نقص العبادة عند الحاجة، وصفهم الله تعالى بقوله تعالى :﴿ومما رزقناهم﴾ أي : بعظمتنا لا بحول منهم ولا قوة ﴿ينفقون﴾ من غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم فلا يبخلون بما عندهم اعتماداً على الخلاق الرزَّاق الذي ضمن الخلق فهم بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم.

السجدة 32:17

ولما ذكر تعالى جزاء المستكبرين ذكر جزاء المتواضعين بقوله عز من قائل :﴿فلا تعلم نفس﴾ أي : من جميع النفوس مقربة ولا غيرها ﴿ما أُخفي﴾ أي : خبئ ﴿لهم﴾ أي : لهؤلاء المذكورين من مفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم في الصلاة في جوف الليل وبالصدقة وبغير ذلك، وقرأ حمزة بسكون الياء والباقون بالفتح. ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال تعالى ﴿من قرة أعين﴾ أي : من شيء نفيس تقرّ به أعينهم لأجل ما أقلقوها عن قرارها بالنوم، ثم صرح بما أفهمته فاء السبب بقوله تعالى :﴿جزاء﴾ أي : أخفاها لهم لجزائهم ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كانوا يعملون﴾ أي : من الطاعات في دار الدنيا. روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتهم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾ الآية وعن ابن مسعود قال :«إنه لمكتوب في التوراة لقد أعد الله تعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنه لفي القرآن ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾. وعن ابن عمر قال : إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن : يا فلان ابن فلان ما أنت بمن خرجت من عندها بأولى بك منا فيقول : ومن أنتن ؟ فيقلن : نحن من اللاتي قال الله تعالى :﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ وعن عامر بن عبد الواحد قال : بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكان سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول له : قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول : من أنت فتقول : أنا مزيد، فيمكث معها سبعين سنة ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول : قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول : من أنت فتقول : أنا التي قال الله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾. وعن سعيد بن جبير قال : يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله تعالى :﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وعن كعب قال : سأصف لكم منزل رجل من أهل الجنة كان يطلب حلالاً ويأكل حلالاً حتى لقي الله تعالى على ذلك، فإنه يعطى يوم القيامة قصراً من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل، فيها سبعون ألف غرفة، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت كل بيت سقفه صفائح الذهب والفضة ليس بموصول، ولولا أن الله تعالى سخر النظر لذهب بصره من نوره غلظ الحائط خمس عشر ميلاً وطوله في السماء سبعون ميلاً، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل عليه في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت ولا يراهم من في هذا البيت، فإذا خرج من قصره سار في ملكه مثل عمر الدنيا يسير في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره ومن بين يديه ملائكة قد سخروا له وبين أزواجه ستر، وبين يديه ستر ووصاف ووصائف قد أفهموا ما يشتهي وما تشتهي أزواجه، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدّامه أبداً، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلى الأول، وقرة عين لا تنقطع أبداً، لا يدخل عليه فيه روعة أبداً. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«والذي نفسي بيده لو أن أحد أهل الجنة رجل أضاف آدم فمن دونه فوضع لهم طعاماً وشراباً حتى خرجوا من عنده لا ينقصه ذلك شيئاً مما أعطاه الله » وعن سهل بن سعد قال :«بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى ثم قال : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال :﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ الآيتين قال القرطبي : إنهم أخفوا عملاً وأخفى لهم ثواباً فقدموا على الله فقرت تلك الأعين، وعن أبي اليمان قال : الجنة مائة درجة أولها درجة فضة وأرضها فضة ومساكنها فضة وآنيتها فضة وترابها المسك، والثانية ذهب وأرضها ذهب ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك، والثالثة لؤلؤ وأرضها لؤلؤ ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ الآية. وعن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال : أي : رب، أي : أهل الجنة أدنى منزلة ؟ فقال : رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل فيقول كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا فيقول : نعم أي : رب قد رضيت فيقال له : فإن لك هذا وعشرة أمثاله معه فيقول : قد رضيت أي رب فيقال له : فإن لك هذا وما اشتهت نفسك ولذت عينك فقال موسى : أي : رب فأي أهل الجنة أرفع منزلة ؟ قال : إياها أردت وسأحدثك عنهم، إني غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال : ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾.

السجدة 32:18

ونزل في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه حين تنازعا فقال الوليد بن عقبة لعلي : اسكت فإنك صبي وأنا شيخ وأنا والله أبسط منك لساناً وأحد منك سناناً وأشجع جناناً وأملأ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي اسكت فإنك فاسق. ﴿أفمن كان مؤمناً﴾ أي : راسخاً في التصديق بجميع ما أخبرت به الرسل ﴿كمن كان فاسقاً﴾ أي : راسخاً في الفسق خارجاً عن دائرة الإذعان وقال تعالى ﴿لا يستوون﴾ ولم يقل تعالى لا يستويان ؛ لأنه لم يرد مؤمناً واحداً ولا فاسقاً واحداً بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلا يستوي جمع من هؤلاء بجميع من أولئك ولا فرد بفرد. قال قتادة : لا يستوون لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة.

السجدة 32:19

ولما نفى استواءهم أتبعه حال كلٍّ على سبيل التفصيل وبدأ بحال المؤمن بقوله تعالى :﴿أما الذي آمنوا وعملوا﴾ أي : تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي : الطاعات ﴿فلهم جنات المأوى﴾ أي : التي يأوي إليها المؤمنون فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة، وهي نوع من الجنات قال الله تعالى :﴿ولقد رآه نزلة أخرى ( ١٣ ) عند سدرة المنتهى ( ١٤ ) عندها جنة المأوى﴾ ( النجم : ١٣، ١٥ ) سميت بذلك لما روى عن ابن عباس قال : تأوي إليها أرواح الشهداء وقيل هي عن يمين العرش ﴿نزلاً﴾ أي : عداداً لهم أول قدومهم قال البقاعي : كما يهيأ للضيف على ما لاح أي : عند قدومه ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كانوا يعملون﴾ من الطاعات فإن أعمالهم من رحمة ربهم، وإذا كانت هذه الجناب نزلاً فما ظنك بما بعد ذلك هو لعمري ما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم :«ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » وهم كل لحظة في زيادة لأن قدرة الله تعالى لا نهاية لها، فإياك أن تخادع أو يغرنك ملحد.

السجدة 32:20

ثم ثنى بحال الكافر بقوله تعالى :﴿وأما الذين فسقوا﴾ أي : خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة ﴿فمأواهم النار﴾ أي : التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه ملجؤهم ومنزلهم أي : فالنار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين ﴿كلما أرادوا﴾ أي : وهم مجتمعون، فكيف إذا أراد بعضهم ﴿أن يخرجوا منها﴾ بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون نفوسهم من محيط الأدلة ومن دائرة الطاعات إلى ميدان المعاصي والزلات فيعالجون الخروج، فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها ﴿أعيدوا فيها﴾ فهو عبارة عن خلودهم فيها ﴿وقيل لهم﴾ أي : من أي : قائل وكل بهم ﴿ذوقوا عذاب النار﴾ إهانة لهم وزيادة في تغيظهم وقوله تعالى ﴿الذي كنتم به تكذبون﴾ صفة لعذاب، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة للنار قال : وذكر على معنى الجحيم والحريق.

السجدة 32:21

ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان قال تعالى :﴿ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى﴾ أي : عذاب الدنيا، قال الحسن : هو مصائب الدنيا وأسقامها وقال عكرمة : الجوع بمكة تسع سنين أكلوا فيها الجيف والعظام والكلاب، وقال ابن مسعود : هو القتل بالسيف يوم بدر ﴿دون العذاب الأكبر﴾ وهو عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة، فإن قيل : ما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر، والأدنى إنما هو في مقابلة الأقصى والأكبر إنما هو في مقابلة الأصغر. أجيب : بأنه حصل في عذاب الدنيا أمران : أحدهما : أنه قريب، والآخر : أنه قليل صغير، وحصل في عذاب الآخرة أيضاً أمران : أحدهما : أنه بعيد، والآخر : أنه عظيم كبير، لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح للتخويف، فإن العذاب الآجل وإن كان قليلاً فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلاً، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل. وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد ؛ لما ذكر. فقال في عذاب الدنيا : العذاب الأدنى ليحترز العاقل ولو قال تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأصغر ما كان ليحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلاً، وقال في عذاب الآخرة : الأكبر لذلك المعنى، ولو قال : من العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه من الكبر ﴿لعلهم يرجعون﴾ إلى الإيمان أي : من بقي منهم بعد بدر، فإن قيل : ما الحكمة في هذا الترجي وهو على الله تعالى محال، أجيب بوجهين : أحدهما : معناه لنذيقنهم إذاقة الراجي كقوله تعالى ﴿إنا نسيناكم﴾ يعني تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً كذلك هنا، والثاني : نذيقنهم العذاب، إذاقة يقول القائل : لعلهم يرجعون بسببه.

السجدة 32:22

﴿ومن﴾ أي : لا أحد ﴿أظلم ممن ذكر بآيات ربه﴾ أي : القرآن ﴿ثم أعرض عنها﴾ فلم يتفكر فيها، وثم لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكر بها عقلاً كما في بيت الحماسة : وما يكشف الغماء إلا ابن حرة؍ يرى غمرات الموت ثم يزورها؍ أي : لا يكشف الأمر العظيم إلا رجل كريم موصوف بما ذكر، والغماء بتشديد الميم والمد أي : في مدة اقتحام الحرب، والشاهد في قوله : ثم يزورها، إذ المعنى أنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها ﴿إنا من المجرمين﴾ أي : الكافرين ﴿منتقمون﴾ وعبر بصيغة العظمة تنبيهاً على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على مجرد العداد في الظالمين فكيف إذا كانوا أظلم الظالمين، والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطناً بالاستدراج بالنعم، وأما ظاهراً بإحلال النقم وفي الآخرة بدوام العذاب على ممر الآباد.

السجدة 32:23

ولما قرر الأصول الثلاثة وعاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله تعالى ﴿لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير﴾ ( القصص : ٤٦ ) بين أنه ليس بدعا من الرسل بقوله تعالى :﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ أي : الجامع للأحكام وهو التوراة فكان قبلك رسل مثلك، وذكر موسى عليه السلام لقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول من أنزل عليه كتاب من أنبياء بني إسرائيل بعد فترة كثيرة من الأنبياء بينه وبين يوسف عليهما السلام، ولم يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوءة موسى عليه السلام فذكر المجمع عليه ﴿فلا تكن في مريه﴾ واختلف في الهاء في قوله تعالى ﴿من لقائه﴾ على أقوال : أحدها : أنها عائدة على موسى عليه السلام والمصدر مضاف لمفعوله أي : من لقائك موسى ليلة الإسراء. وامتحن المبرد الزجاج في هذه المسألة فأجاب بما ذكر قال ابن عباس وغيره : المعنى فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً مربوعاً إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن النار والدجال في آيات آراهن الله إياه » وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو يصلي في قبره »، فإن قيل : قد صح في حديث المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة، فكيف الجمع بين هذين الحديثين. أجيب : بأنه يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر قبل صعوده إلى السماء وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، فلما صعد إلى السماء السادسة وجده هناك قد سبقه لما يريده الله تعالى وهو على كل شيء قدير. فإن قيل : كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت وقد سقط عنه التكليف وهو في الدار الآخرة وهي ليست دار عمل، وكذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الأنبياء وهم يحجون ؟ أجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أن الأنبياء أفضل من الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا كما صح في الحديث، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا لكنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار التي هي دار العمل إلى أن تفنى ويفضوا إلى دار الجزاء التي هي الجنة. الجواب الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم رأى حالهم التي كانوا عليها في حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب الثالث : أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع قال الله تعالى ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ( يونس : ١٠ ) وقال صلى الله عليه وسلم :«يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس » فالعبد يعبد ربه تعالى في الجنة أكثر ما كان يعبده في دار الدنيا، وكيف لا يكون ذلك وقد صار مثل حال الملائكة الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ ( الأنبياء : ٢٠ ). غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي مقتضى الطبع. ثانيها : أن الضمير يعود إلى الكتاب وحينئذ يجوز أن تكون الإضافة للفاعل أي : من لقاء الكتاب لموسى أو المفعول أي : من لقاء موسى الكتاب لأن اللقاء تصح نسبته إلى كل منهما ؛ لأن من لقيك فقد لقيته. قال السدي : المعنى فلا تكن في مرية من لقائه أي : تلقى موسى كتاب الله تعالى بالرضا والقبول. ثالثها : أنه يعود على الكتاب على حذف مضاف أي : من لقاء مثل كتاب موسى. رابعها : أنه عائد على ملك الموت عليه السلام لتقدم ذكره. خامسها : عوده على الرجوع المفهوم من قوله ﴿إلى ربكم ترجعون﴾ أي : لا تكن في مرية من لقاء الرجوع. سادسها : أنه يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من الابتلاء والامتحان قاله الحسن أي : لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه، واختار موسى عليه السلام الحكمة وهي أن أحداً من الأنبياء لم يؤذه من قومه إلا الذين لم يؤمنوا، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى عليه السلام فإن من لم يؤمن به آذاه كفرعون، ومن آمن به من بني إسرائيل آذاه أيضاً بالمخالفة، فطلبوا أشياء مثل رؤية الله جهرة، وكقولهم ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ ( المائدة : ٢٤ ) وأظهر هذه الأقوال أن الضمير إما لموسى وإما للكتاب، واختلف في الضمير أيضاً في قوله تعالى ﴿وجعلناه﴾ على قولين : أحدهما : يرجع إلى موسى أي : وجعلنا موسى ﴿هدى﴾ أي : هادياً ﴿لبني إسرائيل﴾ كما جعلناك هادياً لأمتك. والثاني : أنه يرجع إلى الكتاب أي : وجعلنا كتاب موسى هادياً كما جعلنا كتابك كذلك.

السجدة 32:24

﴿وجعلنا منهم﴾ أي : من أنبيائهم وأحبارهم ﴿أئمة يهدون﴾ أي : يرفعون البيان ويعملون على حسبه ﴿بأمرنا﴾ أي : بما نزلنا فيه من الأوامر، كذلك جعلنا من أمتك صحابة يهدون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة قبل الميم، ولهم أيضاً إبدالها ياء، وحققها الباقون ومد هشام بين الهمزتين بخلاف عنه، وقوله تعالى ﴿لما صبروا﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم أي : بسبب صبرهم على دينهم وعلى البلاء من عدوهم ولأجله، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم أي : حين صبرهم على ذلك، وإن كان الصبر أيضاً إنما هو بتوفيق الله تعالى ﴿وكانوا بآياتنا﴾ الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لما لها من العظمة ﴿يوقنون﴾ أي : لا يرتابون في شيء منها ولا يعملون فعل الشاك فيها بالإعراض.

السجدة 32:25

ولما أفهم قوله تعالى منهم أنه كان منهم من يضل عن أمر الله قال الله تعالى :﴿إن ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿يفصل بينهم﴾ أي : بين الهادين والمهديين والضالين والمضلين ﴿يوم القيامة﴾ بالقضاء الحق ﴿فيما كانوا فيه يختلفون﴾ أي : من أمر الدين لا يخفي عليه شيء منه وأما غير ما اختلفوا فيه، فالحكم فيه لهم أو عليهم، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو.

السجدة 32:26

ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد بقوله تعالى :﴿أولم يهد﴾ أي : يبين كما رواه البخاري عن ابن عباس ﴿لهم كم أهلكنا﴾ أي : كثرة من أهلكنا ﴿من قبلهم من القرون﴾ الماضين من المعرضين عن الآيات، ونجينا من آمن بها. وقوله تعالى ﴿يمشون﴾ حال من ضمير لهم ﴿في مساكنهم﴾ أي : في أسفارهم إلى الشام وغيرها كمساكن عاد وثمود وقوم لوط فيعتبروا ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم ﴿لآيات﴾ أي : دلالات على قدرتنا ﴿أفلا يسمعون﴾ سماع تدبر واتعاظ فيتعظوا بها.

السجدة 32:27

﴿أولم﴾ أي : أيقولون في إنكار البعث أئذا ضللنا في الأرض ولم ﴿يروا أنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿نسوق الماء﴾ أي : من السماء أو الأرض ﴿إلى الأرض الجرز﴾ أي : التي جرز نباتها أي : قطع باليبس والتهشم أو بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبات فيها، وفي البخاري عن ابن عباس أنها التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى ﴿فنخرج به﴾ من أعمال الأرض بذلك الماء ﴿زرعاً﴾ أي : نبتاً لا ساق له باختلاط الماء بالتراب، وقيل الجرز : اسم موضع باليمن ﴿تأكل منه أنعامهم﴾ أي : من حبه وورقه وتبنه وحشيشه ﴿وأنفسهم﴾ أي : من الحبوب والأقوات، وقدّم الأنعام لوقوع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ولأن الزرع غذاء للدواب لابد منه، وأما غذاء الإنسان فقد يصلح للحيوان فكان الحيوان يأكل الزرع، ثم الإنسان يأكل من الحيوان. فإن قيل : في سورة عيسى قدم ما للإنسان أولاً فما الحكمة ؟ أجيب : بأن السياق فيها لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال :﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ ( عبس : ٢٤ ) ثم قال :﴿فأنبتنا فيها حباً﴾ ( عبس : ٢٧ ) وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام فقدمه، وهذا السياق لمطلق إخراج الزرع، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام ولا يصلح للإنسان. ولما كانت هذه الآية مبصرة قال ﴿أفلا يبصرون﴾ هذا فيعلموا أنا نقدر على إعادتهم بخلاف الآية الماضية فإنها كانت مسموعة فقال :﴿أفلا يسمعون﴾.

السجدة 32:28

ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى :﴿ويقولون﴾ أي : مع هذا البيان الذي ليس معه خفاء ﴿متى هذا الفتح﴾ أي : يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم وقيل : هو يوم بدر، وعن مجاهد والحسن يوم فتح مكة ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لابد من وقوعه حتى نؤمن إذا رأيناه.

السجدة 32:29

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الجهلة ﴿يوم الفتح﴾ أي : الذي تستهزئون به وهو يوم القيامة ﴿لا ينفع الذين كفروا﴾ أي : غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها، سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف ﴿إيمانهم﴾ لأنه ليس إيماناً بالغيب ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي : يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منتظر ما، فإن قيل : قد سألوا عن وقت الفتح فكيف ينطبق هذا الكلام جواباً عن سؤالهم ؟ أجيب : بأنه كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالاً منهم على وجه التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما علم من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم : لا تستعجلوا بعد ولا تستهزؤا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم في إدارك العذاب فلم تنظروا. فإن قيل : فمن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر، أجيب : بأن المراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه حال إدراك الغرق.

السجدة 32:30

وقوله تعالى :﴿فأعرض عنهم﴾ أي : لا تبال بتكذيبهم ﴿وانتظر﴾ أي : إنزال العذاب بهم ﴿إنهم منتظرون﴾ أي : بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، كان ذلك قبل الأمر بقتالهم وقيل : انتظر عذابهم بيقينك إنهم منتظرونه بلفظهم استهزاء كما قالوا ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ ( الأعراف : ٧٠ ) وعن أبي هريرة قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل في الركعة الأولى، وهل أتى على الإنسان أي : في الركعة الثانية » وعن جابر قال :«كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ تبارك، وألم تنزيل، ويقول : هما يفضلان على كل سورة في القرآن بسبعين حسنة ومن قرأهما كتب له سبعون حسنة ورفع له سبعون درجة ». وعن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة ألم تنزيل أعطي من الأجر كمن أحيا ليلة القدر » وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عنه صلى الله عليه وسلم :«من قرأ ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام » قال شيخ شيخنا ابن حجر : لم أجده. والله تعالى أعلم بالصواب.

الأحزاب 33:1

ونزل في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي لما قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة وقل : إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي في قتلهم فقال إني قد أعطيتهم الأمان فقال عمر : أخرجوا في لعنة الله وغضبه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة. ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون من اليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ أي : دم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم : قم قائماً أي : اثبت قائماً فسقط بذلك ما يقال الأمر بالشيء لا يكون إلا عند اشتغال المأمور بغير المأمور به إذ لا يصح أن يقال للجالس : اجلس، وللساكت : اسكت، والنبي صلى الله عليه وسلم كان متقياً لأن الأمر بالمداومة يصح في ذلك فيقال للجالس : اجلس هنا حتى آتيك، ويقال للساكت : قد أحسنت فاسكت تسلم أي : دم على ما أنت عليه. وأيضاً من جهة العقل : أن الملك يتقي منه عادة على ثلاثة أوجه : بعضهم يخاف من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا، فكيف والأمور البدنية شاغلة، فالآدمي في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله، ولهذا أشار بقوله عليه الصلاة والسلام ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ﴾ ( الكهف : ١١٠ ) يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم، فأمر بتقوى توجب إدامة الحضور، وقال الضحاك : معناه اتق الله ولا تنقض الذي بينك وبينهم، وقيل : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. تنبيه : جعل الله تعالى نداء نبيه صلى الله عليه وسلم بالنبي والرسول في قوله تعالى ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ ﴿يا أيها النبي لم تحرّم﴾ ( التحريم : ١ ) ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك﴾ ( المائدة : ٦٧ ) وترك نداءه باسمه كما قال تعالى : يا آدم يا موسى يا عيسى يا داود كرامة وتشريفاً وتنويهاً بفضله، فإن قيل : إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في الأخبار في قوله تعالى ﴿محمد رسول الله﴾ ( الفتح : ٢٩ ) ﴿وما محمد إلا رسول﴾ ( آل عمران : ١٤٤ ) أجيب : بأن ذلك لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره بنحو ما ذكر في النداء ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ ( التوبة : ١٢٨ ) ﴿وقال الرسول يا رب﴾ ( الفرقان، ٣٠ ) ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ( الأحزاب : ٢١ ) ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ ( التوبة : ٦٢ ) ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ ( الأحزاب : ٦ ) ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي﴾ ( المائدة : ٨١ ) ﴿إن الله وملائكته يصلّون على النبي﴾ ( الأحزاب : ٥٦ ) وقرأ نافع النبئ بالهمزة والباقون بغير همز. ولما وجه إليه صلى الله عليه وسلم الأمر بخشية الولي الودود أتبعه النهي عن الالتفات لنحو العدو الحسود بقوله تعالى :﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك من الخالق فيه أمر وإن لاحَ لائح خوفٍ أو برق رجاء فجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله تعالى وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارة والمضادة. قال أبو حيان : سبب نزولها أنه روى :«أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود فتابعه ناس على النفاق وكل يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طريق المخادعة فنزلت تحذيراً لهم منهم وتنبيهاً على عداوتهم » انتهى وبهذا سقط ما قيل : لم خص الكافر والمنافق بالذكر ولأن ذكر غيرهما لا حاجة إليه لأنه لا يكون عنده إلا مطاعاً ولأن كل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم طاعته فهو كافر أو منافق ؛ لأن من يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر إيجاب معتقداً أنه لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي، الكافرين بالإمالة محضة، وورش بين بين والباقون بالفتح. ثم علل تعالى الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : بعظيم كماله ﴿كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي : شامل العلم ﴿حكيماً﴾ أي : بالغ الحكمة فهو تعالى لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه، وأحكم إصلاح الحال فيه.

الأحزاب 33:2

ولما كان ذلك مفهماً لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر، وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق قيده بقوله تعالى :﴿واتبع﴾ أي : بغاية جهدك ﴿ما يوحى﴾ أي : يلقى إلقاء خفياً كما يفعل المحب مع حبيبه ﴿إليك من ربك﴾ أي : المحسن إليك بصلاح جميع أمرك، وأتى موضع الضمير بالظاهر ليدل على الإحسان في التربية ليقوى على امتثال ما أمرت به الآية السالفة. ولما أمر باتباع الوحي رغبه فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن مكرهم خفي بقوله تعالى مذكراً بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى زيادة في التقوى على الامتثال مؤكداً للترغيب ﴿إن الله﴾ أي : بعظمته وكماله ﴿كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿بما تعملون﴾ أي : الفريقان من المكايد وإن دق ﴿خبيراً﴾ أي : فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم، وقرأ أبو عمرو ﴿بما يعملون خبيراً﴾ ﴿وبما يعملون بصيراً﴾ بالياء على الغيبة على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين والباقون بالتاء على الخطاب فيهما.

الأحزاب 33:3

ولما كان الآدمي موضع الحاجة قال تعالى :﴿وتوكل﴾ أي : دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها ﴿على الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة فإنه يكفيك في جميع أمورك ﴿وكفى بالله﴾ أي : الذي له الأمر كله على الإطلاق ﴿وكيلا﴾ أي : موكولاً إليه الأمور كلها فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى غيره ؛ لأنه ليس لك قلبان تصرف كل واحد منهما إلى واحد كما قال تعالى :﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾.

الأحزاب 33:4

﴿ما جعل الله﴾ أي : الذي له الحكمة البالغة والعظمة الباهرة ﴿لرجل﴾ أي : لأحد من بني آدم ولا غيره، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسماً وفهماً فيفهم غيره من باب أولى، وأشار إلى التأكيد بقوله تعالى :﴿من قلبين﴾ وأكد الحقيقة وقررها وجلاها وصورها بقوله تعالى :﴿في جوفه﴾ أي : ما جمع الله تعالى قلبين في جوف ؛ لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني أولاً، ومنبع القوى بأسرها ومدبر البدن بإذن الله تعالى وذلك يمنع التعدد ﴿وما جعل أزواجكم اللائي﴾ أباح لكم التمتع بهن ﴿تظاهرون منهن﴾ كما يقول الإنسان للواحدة منهن : أنت عليّ كظهر أمي ﴿أمهاتكم﴾ بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأبيد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها ﴿وما جعل أدعياءكم﴾ جمع دعيّ وهو من يدعي لغير أبيه ﴿أبناءكم﴾ حقيقة ليجعل لهم إرثكم ويحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء. والمعنى : أن الله سبحانه وتعالى كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين لأنه لا يخلو أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً عالماً ظاناً موقناً شاكاً في حالة واحدة لم ير أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أمّاً لرجل زوجاً له، لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح، والمرأة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان ولم ير أيضاً أن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل وابناً له ؛ لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل. وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيراً وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبوه وعمه : يا زيد أتختار العبودية على الربوبية قال : ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه أعتقه وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة قال المنافقون : تزوج امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية فيه، وكذا قوله تعالى :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ ( الأحزاب : ٤٠ ) وروي أن رجلاً كان يسمى أبا معمر جميل بن معمر الفهري وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمع، فقالت قريش : ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول : لي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم فلقيه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له : ما فعل الناس فقال له : بين مقتول وهارب فقال له : فما بالك إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك ؟ فقال : ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله »، وقولهم وضربه مثلاً في الظهار والتبني. وعن ابن عباس :«كان المنافقون يقولون : لمحمد قلبان فأكذبهم الله تعالى » وقيل سها في صلاته فقالت اليهود : له قلبان قلب مع أصحابه وقلب معكم، وعن الحسن نزلت في أن الواحد يقول : لي نفسان نفس تأمرني ونفس تنهاني، فإن قيل : ما وجه تعدية الظهار وأخواته بمن ؟ أجيب : بأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم : تظاهر منها، تباعد منها جهة الظهار، فلما تضمن معنى التباعد منها عدي بمن. فإن قيل : ما معنى قولهم : أنت علي كظهر أمي، أجيب : بأنهم أرادوا أن يقولوا : أنت عليّ حرام كبطن أمي فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج ؛ لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر : يجيء به أحدهم على عمود بطنه أراد على ظهره، ووجه آخر : وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرماً عندهم محظوراً، وكان أهل المدينة يقولون : إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله كظهر أمه، وهو منكر وزور وفيه كفارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة. وقرأ ابن عامر والكوفيون اللائي بالهمزة المكسورة والياء بعدها في الوصل، وسهل الياء كالهمزة ورش، والبزي وأبو عمرو مع المد والقصر، وعن أبي عمرو والبزي أيضاً إبدالها ياء ساكنة مع المد لا غير، وقالون وقنبل بالهمزة ولا ياء بعدها، وقرأ تظهرون عاصم بضم التاء، وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء مخففة، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والظاء مخففتين وألف بعد الظاء وفتح الهاء مخففة، وابن عامر كذلك إلا أنه يشدد الظاء، والباقون بفتح التاء والظاء والهاء مع تشديد الظاء والهاء ولا ألف بعد الظاء وقوله تعالى :﴿ذلكم﴾ إشارة إلى كل ما ذكر وإلى الأخير ﴿قولكم بأفواهكم﴾ أي : مجرد قول لسان من غير حقيقة كالهذيان ﴿والله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة وله جميع صفات الكمال ﴿يقول الحق﴾ أي : ماله حقيقة الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه فلا قدرة لأحد على نقضه، فإن أخبر عن شيء فهو كما قال :﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿يهدي السبيل﴾ أي : يرشد إلى سبيل الحق.

الأحزاب 33:5

ولما كان كأنه قيل فما تقول ؟ اهدنا إلى سبيل الحق قال تعالى :﴿ادعوهم﴾ أي : الأدعياء ﴿لآبائهم﴾ أي : الذين ولدوهم إن علموا ولذا قال زيد بن حارثة : قال صلى الله عليه وسلم :«من دعي إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام » وأخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، ثم علل تعالى ذلك بقوله تعالى :﴿هو﴾ أي : هذا الدعاء ﴿أقسط﴾ أي : أقرب إلى العدل من التبني، وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المُتَبَنَّى والإحسان إليه ﴿عند الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال، وعن ابن عمران زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد ابن محمد حتى نزل القرآن ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ الآية وقيل : كان الرجل في الجاهلة إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال : فلان ابن فلان، أما إذا جهلوا فهو ما ذكر بقوله تعالى :﴿فإن لم تعلموا آباءهم﴾ لجهل أصلي أو طارئ ﴿فإخوانكم﴾ أي : فهم إخوانكم ﴿في الدين﴾ إن كانوا دخلوا في دينكم أي : قولوا لهم إخواننا ﴿ومواليكم﴾ إن كانوا محررين أي : قولوا موالي فلان، وعن مقاتل إن لم تعلموا لهم أباً فانسبوهم إخوانكم في الدين أي : أن تقول : عبد الله وعبد الرحمان وعبيد الله وأشباههم من الأسماء، وأن يدعى إلى اسم مولاه وقيل : مواليكم أولياؤكم في الدين. ولما كان عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ، وساقه على وجه يعمم ما بعد النهي أيضاً بقوله تعالى :﴿وليس عليكم جناح﴾ أي : إثم وميل واعوجاج، وعبر بالظرف ليفيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثماً ولكن يعفي عنه فقال تعالى :﴿فيما أخطأتم به﴾ أي : من الدعاء بالنبوة والمظاهرة، أو في شيء قبل النهي أو بعده ودل قوله تعالى ﴿ولكن ما﴾ أي : الإثم فيما ﴿تعمدت قلوبكم﴾ على زوال الحرج أيضاً فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان، أو سبق اللسان، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يتعمد بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينته المتعمد. تنبيه : يجوز في ما هذه وجهان : أحدهما : أن تكون مجرورة المحل عطف على ما المجرورة قبلها بفي. والتقدير : ولكن الجناح فيما تعمدت كما مرت الإشارة إليه. والثاني : أنها مرفوعة المحل بالابتداء، والخبر محذوف. وتقديره : تؤاخذون به أو عليكم فيه الجناح ونحوه. ولما كان هذا الكرم خاصاً بما تقدم عمم سبحانه وتعالى بقوله ﴿وكان الله﴾ أزلاً وأبداً ﴿غفوراً﴾ أي : من صفته الستر البليغ على المذنب التائب ﴿رحيماً﴾ به.

الأحزاب 33:6

ولما نهى تعالى عن التبني وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وعمه كما مر علل تعالى النهي فيه بالخصوص بقوله تعالى : دالاً على أن الأمر أعظم من ذلك :﴿النبي﴾ أي : الذي ينبئه الله تعالى بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال ولا يزيد أن يشغله بولد ولا مال ﴿أولى بالمؤمنين﴾ أي : الراسخين في الإيمان فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية ﴿من أنفسهم﴾ فضلاً عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فأي مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه ». وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول :«أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك ديناً فإليّ، ومن ترك مالاً فهو لورثته » وعن أبي هريرة قال : كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل :«هل عليه دين ؟ » فإن قالوا : نعم قال :«هل ترك وفاء لدينه »، فإن قالوا : نعم صلى عليه وإن قالوا : لا قال :«صلوا على صاحبكم »، وإنما لم يصل عليه صلى الله عليه وسلم أولاً فيما إذا لم يترك وفاء لأن شفاعته صلى الله عليه وسلم لا ترد، وقد ورد إن نفس المؤمن محبوسة عن مقامها الكريم ما لم يوف دينه، وهو محمول على من قصر في وفائه في حال حياته، أما من لم يقصر لفقره مثلاً فلا، كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج في باب الرهن. وإنما كان صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرد بهم، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل أعظم بهذا السبب الرباني فأي : حاجة إلى السبب الجسماني ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي : المؤمنين أي : مثلهن في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن إكراماً له صلى الله عليه وسلم لافى حكم الخلوة والنظر والظهار والمسافرة والنفقة والميراث، وهو صلى الله عليه وسلم أب للرجال والنساء، وأما قوله تعالى :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ ( الأحزاب، ٤٠ ) فمعناه ليس أحد من رجالكم ولد صلبه وسيأتي ذلك ويحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى في محله. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بغلام وهو يقرأ في المصحف «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم » فقال : يا غلام حكتها فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق، ومعنى ذلك : أن هذا كان يقرأ أولاً، ونسخ لما روي عن عكرمة أنه قال : كان في الحرف الأول ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ وهو أبوهم، وعن الحسن قال في القراءة الأولى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وقوله تعالى :﴿وأولوا الأرحام﴾ أي : القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها ﴿بعضهم أولى﴾ بحق القرابة ﴿ببعض﴾ أي : في التوارث، ثم نسخ لما كان في صدر الإسلام فإنهم كانوا فيه يتوارثون بالحلف والنصر فيقول : ذمتي ذمتك ترثني وأرثك، ثم نسخ بالإسلام والهجرة، ثم نسخ بآية المواريث وبالآية التي في آخر الأنفال وأعادها تأكيداً، فإن آية المواريث مقدمة ترتيباً ونزولاً على آية الأنفال، وآية الأنفال على هذه كذلك وقوله تعالى :﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن ذلك في اللوح المحفوظ أو فيما أنزل وهو هذه الآيات المذكورة أو فيما فرض الله. ولما بين أنهم أولى لسبب القرابة بين المفضل عليه بقوله تعالى :﴿من﴾ أي : هم أولى بسبب القرابة من ﴿المؤمنين﴾ الأنصار من غير قرابة مرجحة ﴿والمهاجرين﴾ أي : ومن المهاجرين المؤمنين من غير قرابة كذلك وقوله تعالى :﴿إلا أن تفعلوا﴾ استثناء منقطع كما جرى عليه الجلال المحلي أي : لكن أن تفعلوا ﴿إلى أوليائكم معروفاً﴾ بوصية فجائز، ويجوز أن يكون استثناء من أعم العام كما قاله الزمخشري في معنى النفع والإحسان كما تقول : القريب أولى من الأجنبي إلا في الوصية، تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية، والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية لوراث وعدّى تفعلوا بإلى ؛ لأنه في معنى تسدوا. والمراد بالأولياء : المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين ﴿كان ذلك﴾ أي : ما ذكر من آيتي ﴿ادعوهم﴾ ﴿والنبي أولى﴾ وقيل : أول ما نسخ من الآيات الإرث بالإيمان والهجرة ثابتاً ﴿في الكتاب﴾ أي : اللوح المحفوظ والقرآن ﴿مسطوراً﴾ قال الأصبهاني : وقيل في التوراة قال البقاعي : لأن في التوراة إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية من الاحتباك، أثبت وصف الإيمان أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ووصف الهجرة ثانياً دليلاً على حذف النصرة أولاً.

الأحزاب 33:7

﴿وإذ﴾ أي : واذكر حين ﴿أخذنا﴾ بعظمتنا ﴿من النبيين ميثاقهم﴾ أي : عهودهم في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم في المنشط والمكره وفي تصديق بعضهم لبعض وفي اتباعك فيما أخبرنا به في قولنا :﴿لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتُؤمننّ به ولتنصرنّه﴾ ( آل عمران : ٨١ ) وقولهم أقررنا. ولما ذكر ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ذكر ما أخذ عليهم من العهد في التبليغ بقوله تعالى :﴿ومنك﴾ أي : في قولنا في هذه السورة ﴿اتق الله واتبع ما يوحى إليك﴾ ( الأحزاب : ١ ٢ ) وفي المائدة : ٦٧ ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ ( المائدة، ٦٧ ) فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل. ولما أتم المراد إجمالاً وعموماً وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئاً به لقوله صلى الله عليه وسلم :«كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث » بياناً بتشريفه، ولأنه المقصود بالذات أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ورتبهم على ترتيبهم في الزمان ؛ لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم بالتأسية بالمتقدمين والمتأخرين قال ﴿ومن نوح﴾ أول الرسل إلى المخالفين ﴿وإبراهيم﴾ أبي الأنبياء ﴿وموسى﴾ أول أصحاب الكتب من بني إسرائيل ﴿وعيسى بن مريم﴾ ختام أنبياء بني إسرائيل، ونسبه إلى أمه مناداة على من ضل فيه بدعوى الألوهية وبالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة. تنبيه : ذكر هذه الخمسة من عطف الخاص على العام كما علم مما تقرر، وقوله تعالى :﴿وأخذنا﴾ أي : بعظمتنا في ذلك ﴿منهم ميثاقاً غليظاً﴾ أي : شديداً بالوفاء بما حملوه وهو الميثاق الأول، وإنما كرر لزيادة وصفه بالغلظ وهو استعارة من وصف الأجرام، والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه، وقيل : الميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوه ثم أخذ الميثاق.

الأحزاب 33:8

﴿ليسأل﴾ أي : الله تعالى يوم القيامة ﴿الصادقين﴾ أي : الأنبياء الذين صدقوا عهدهم ﴿عن صدقهم﴾ أي : عما قالوه لقومهم تبكيتاً للكافرين بهم، وقيل : ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم ؛ لأن من قال للصادق : صدقت كان صادقاً في قوله، وقيل : ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم، وقيل : ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم وقوله تعالى :﴿وأعد للكافرين عذاباً أليماً﴾ أي : مؤلماً معطوف على أخذنا من النبيين ؛ لأن المعنى : أن الله تعالى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذاباً أليماً، ويجوز أن يعطف على ما دل عليه ليسأل الصادقين، كأنه قال : أثاب المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل : إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني والتقدير : ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما كذبوا به رسلهم وأعد لهم عذاباً أليماً.

الأحزاب 33:9

ثم حقق الله تعالى ما سبق لهم من الأمر بتقوى الله تعالى بحيث لا يبقى معه الخوف من أحد بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا﴾ ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم بقوله تعالى :﴿نعمة الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي لا كفء له ﴿عليكم﴾ أي : لتشكروه عليها بالنفوذ، لأمره وعبر بالنعمة ؛ لأنها المقصودة بالذات، والمراد إنعامه يوم الأحزاب وهو يوم الخندق، ثم ذكر وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها بقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿جاءتكم جنود﴾ أي : الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام ﴿فأرسلنا﴾ أي : تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم أرسلنا ﴿عليهم ريحاً﴾ وهي ريح الصبا قال عكرمة : قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب : انطلقي بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال : إن الحرة لا تسري بالليل فكانت الريح التي أرسلت لهم الصبا لما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال :«نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » لأن الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا زال حزنه ﴿وجنوداً﴾ أي : وأرسلنا جنوداً من الملائكة ﴿لم تروها﴾ وكانوا ألفاً ولم تقاتل يومئذ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها على بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول : يا بني فلان هلم إليَّ، وإذا اجتمعوا عنده قالوا : النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب ﴿وكان الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الجلال والجمال ﴿بما يعملون﴾ أي : الأحزاب من التحزب والتجمع والمكر وغير ذلك ﴿بصيراً﴾ أي : بالغ الإبصار والعلم. تنبيه : قال البخاري : قال موسى بن عقبة : كانت غزوة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة أربع، روى محمد بن إسحاق عن مشايخه قال : دخل حديث بعضهم في بعض أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش : يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا خير أم دينه ؟ قالوا : دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين قال الله تعالى فيهم :﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبت والطاغوت﴾ ( النساء : ٥١ ) إلى قوله تعالى :﴿وكفى بجهنم سعيراً﴾ ( النساء، ٥٥ ) فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار به على النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي رضي الله عنه وكان أول مشهد شهده سلمان رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حُرٌّ فقال : يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أكملوه وأحكموه، قال أنس رضي الله عنه :«خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجزع قال : اللهم إن العيش عيش الآخرة؍ فاغفر للأنصار والمهاجرة؍ فقالوا مجيبين له : نحن الذين بايعوا محمدا؍ على الجهاد ما بقينا أبدا؍ قال البراء : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرَّ بطنه وهو يقول : والله لولا الله ما اهتدينا؍ ولا تصدقنا ولا صلينا؍ فأنزلن سكينة علينا؍ وثبت الأقدام إن لاقينا؍ إن الأولى قد بغوا علينا؍ إذا أرادوا فتنة أبينا؍ ورفع بها صوت أبينا أبينا***. . . . . . . . . . . . . . . . . فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش في عشرة آلاف من الأحابيش، وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة، وأقبلت غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل من هوازن، وانضافت لهم اليهود من قريظة والنضير حتى نزلوا إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا إلى الآطام، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة.

الأحزاب 33:10

وكان بنو غطفان من أعلى الوادي من قبل المشرق، وقريش من أسفل الوادي من قبل المغرب كما قال تعالى :﴿إذ جاؤكم﴾ وهو بدل من إذ جاءتكم ﴿من فوقكم﴾ أي : من أعلى الوادي ﴿ومن أسفل منكم﴾ أي : من أسفل الوادي ﴿وإذ﴾ أي : واذكر حين ﴿زاغت الأبصار﴾ أي : مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل لهم من الغفلة الحاصلة من الرعب، وقوله تعالى :﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم كناية عن شدة الرعب والخفقان. قال البقاعي : ويجوز وهو الأقرب أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره أي : رئته. فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عمرو وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه فقالا : يا رسول الله أشيء أنزل الله تعالى به لابد لنا من عمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا، قال : لا والله بل لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وأعزنا الله تعالى بك نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال صلى الله عليه وسلم : أنت وذلك، فتناول سعد رضي الله تعالى عنه الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ثم قال : ليجهدوا علينا. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدوهم محاصرهم ولم يكن بينهم قتال إلا فوارس من قريش، عمرو بن عبد ودٍّ أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب، ومرداس أخو محارب بن فهر، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا : تهيؤوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكاناً من الخندق ضيقاً فضربوا خيولهم فاقتحمت فيه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج عليّ رضي الله تعالى عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودٍّ قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحداً، فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال له علي : يا عمرو إنك كنت تعاهد الله تعالى لا يدعوك رجل من قريش إلى خصلتين إلا أخذت منه إحداهما، قال له : أجل قال له علي : فإني أدعوك إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى الإسلام قال : لا حاجة لي بذلك قال : فإني أدعوك إلى البراز قال : ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. قال عليّ : ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فنقره أو ضرب وجهه، ثم أقبل على عليّ فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ، وخرجت خيله مهزومة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان أصابه سهم فمات بمكة، ونوفل بن عبد الله المخزومي وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال : يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه، فنزل إليه عليّ رضي الله تعالى عنه فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لنا في جسده وثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه. ولما نشأ عن هذا تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد بقوله تعالى :﴿وتظنون بالله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿الظنونا﴾ أي : أنواع الظن، فظن المخلصون الثُّبت القلوب أن الله تعالى منجز وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم، فخافوا الزلل، وروي أن المسلمين قالوا : بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :«قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا » وأما الضعاف القلوب والمنافقون فقالوا : ما حكى الله عنهم فيما سيأتي، وقرأ نافع وابن عامر الظنونا هنا والرسولا والسبيلا في آخر السورة بإثبات الألف في الثلاثة وقفاً ووصولاً، وأبو عمرو وحمزة بحذف الألف وقفاً ووصلا قال الزمخشري : وهو القياس والباقون بالألف في الوقف دون الوصل زادوها في الفاصلة كما زادوها في القافية قال : أقلي اللوم عاذل والعتابا؍ . . . . . . . . . . . . . . . .؍ ورسم الثلاثة بالألف.

الأحزاب 33:11

ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة قال تعالى :﴿هنالك﴾ أي : في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة ﴿ابتلي المؤمنون﴾ اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل ﴿زلزلوا﴾ أي : حركوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة وتطاير الأراجيف ﴿زلزلاً شديداً﴾ فثبتوا تثبيت الله تعالى لهم على عدوهم، وعن صفية قالت : مر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم من يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت قالت : فقلت يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بنا كما ترى بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت : فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئاً احتجزت ثم أخذت عموداً ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال : ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب » وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم. ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإنما الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى قريظة وكان لهم نديماً في الجاهلية فقال لهم : يا بني قريظة قد عرفتم وِدِّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا : صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم : إن قريشاً وغطفان جاؤوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشاً وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأو نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمداً صلى الله عليه وسلم حين تناجزوه. قالوا : لقد أشرت برأي ونصح، ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمداً، وقد بلغني أمر رأيته أن حقاً علي أن أبلغكم نصحاً لكم فاكتموا علي قالوا : نفعل قال : تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعثت إليكم اليهود يلتمسون رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا : نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم مثل ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس، وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا : إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز محمداً صلى الله عليه وسلم ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً صلى الله عليه وسلم فإنا نخشى إن ضرمتكم الحرب واشتدت عليكم أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد صلى الله عليه وسلم. فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان : تعلمن والله أن الذي حدثكم به نعيم ابن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن يكن غير ذلك استمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً، فأبوا عليهم. وخذل الله تعالى بينهم وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم قال : من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله تعالى الجنة ؟. قال حذيفة : فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله فأسكت القوم وما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويّاً من الليل ثم التفت إلينا فقال : ألا من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة ؟ فما قام رجل من شدة الخوف وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا حذيفة فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقلت : لبيك يا رسول الله وقمت حتى أتيته وإن جنبي يضطربان، فمسح رأسي ووجهي ثم قال : ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئاً حتى ترجع إليّ، ثم قال : اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فأخذت سهمي وشددت عليّ أسلابي، ثم انطلقت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في القوم وقد أرسل الله عليهم ريحاً، وجنود الله تعالى تفعل فيهم ما تفعل وأبو سفيان قاعد يصطلي فأخذت سهماً فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته فذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحدثن شيئاً حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله تعالى بهم لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء قام فقال : يا معشر قريش ليأخذن كل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت : من أنت قال : سبحان الله أما تعرفني أنا فلان فإذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، وبلغنا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم قال : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما أخبرته الخبر ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل قال : فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفء، فأدناني النبي صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى عليّ طرف ثوبه، وألصق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائماً حتى أصبحت فقال : قم يا نومان.

الأحزاب 33:12

ثم إن الله تعالى بيَّن حال غير الثابتين بقوله تعالى :﴿وإذ يقول المنافقون﴾ معتب بن قشير وقيل : عبد الله بن أبيّ وأصحابه ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ أي : ضعف اعتقاد ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ أي : باطلاً استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا، وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على الدين كله والتمكين في البلاد حتى حفر الخندق، فإنه قال : إنه أبصر بما برق له من ضوء صخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور كسرى من الحيرة من أرض فارس، وقصور الشام من أرض الروم، وإن تابعيه ليظهرون على ذلك كله، وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك بن جعشم سوار كسرى بن هرمز كما هو مذكور في دلائل النبوة للبيهقي، وكذبوا في شكهم ففاز المصدقون وخاب الذين هم في ريبهم يترددون.

الأحزاب 33:13

﴿وإذ قالت طائفة منهم﴾ أي : من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه ﴿يا أهل يثرب﴾ أي : المدينة وقال أبو عبيدة : يثرب اسم أرض ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية منها، وفي بعض الأخبار : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال : هي طابة كأنه كره تلك اللفظة فعدلوا عن هذا الاسم الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديماً مع نهيه عنه، واحتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف، وقال أهل اللغة : يثرب اسم المدينة وقيل : اسم البقعة التي فيها المدينة. وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو العلمية والتأنيث، وأما يثرب بالمثناة وفتح الراء فموضع آخر باليمن قال الشاعر : وعدت وكان الخلف منك سجية؍ مواعيد عرقوب أخاه بيثرب؍ وقال آخر : وقد وعدتك موعداً لو وفت به؍ مواعيد عرقوب أخاه بيثرب؍ وقرأ ﴿لا مقام﴾ حفص بضم الميم أي : لا إقامة ﴿لكم﴾ في مكان القتال ومصارعة الأبطال، والباقون بفتحها أي : لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه ﴿فارجعوا﴾ إلى منازلكم عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : عن القتال إلى منازلكم. ولما بين تعالى هؤلاء الذين هتكوا الستر وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر أتبعهم آخرين تستروا ببعض الستر متمسكين بأذيال النفاق خوفاً من أهوال الشقاق بقوله تعالى :﴿ويستأذن﴾ أي : يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت والكون مع النساء ﴿فريق منهم﴾ أي : طائفة شأنها الفرقة ﴿النبي﴾ في الرجوع، وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق والخلق وما له من جلالة الشمائل وكرم الخصائل، وهم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿يقولون﴾ أي : في كل قليل مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين قولهم ﴿إن بيوتنا﴾ أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم من المنافقين ﴿عورة﴾ أي : غير حصينة بها خلل كبير يمكن كل من أراد من الأحزاب أن يدخلها يدخلها منه، وقيل قصيرة الجدران فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين وذباً عن الأهلين، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بالكسر، ثم أكذبهم الله تعالى بقوله تعالى :﴿وما﴾ أي : والحال أنها ما ﴿هي بعورة﴾ في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه ولا يريدون بذهابهم حمايتها ﴿إن﴾ أي : ما ﴿يريدون﴾ باستئذانهم ﴿إلا فراراً﴾ من القتال.

الأحزاب 33:14

ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم، فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زوراً بين تعالى ذلك بقوله تعالى :﴿ولو دخلت﴾ أي : بيوتهم أو المدينة، وأنث الفعل نصاً على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وأتى بأداة الاستعلاء بقوله تعالى :﴿عليهم﴾ إشارة إلى أنه دخول غلبة ﴿من أقطارها﴾ أي : جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب، وحذف الفاعل للإيماء بأن دخول هؤلاء الأحزاب ودخول غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه ﴿ثم سئلوا﴾ من أي سائل كان ﴿الفتنة﴾ أي : الشرك ومقاتلة المسلمين وقرأ ﴿لأتوها﴾ نافع وابن كثير بقصر الهمزة لجاؤها أو فعلوها، والباقون بالمد أي : لأعطوها إجابة لسؤال من سألهم ﴿وما تلبثوا بها﴾ أي : ما احتبسوا عن الفتنة ﴿إلا يسيراً﴾ أي : لأسرعوا إلى الإجابة للشرك طيبة بها نفوسهم، فعلم بذلك أنهم لا يقصدون إلا الفرار لا حفظ البيوت من المضار، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال الحسن : المراد بالفتنة الخروج من البيوت سمى بذلك لأن الإنسان لا يخرجه من بيته إلا الموت أو ما هو يقاربه، فكأنه فتنة، وعلى هذا يكون الضمير في بها راجعاً للبيوت أو المدينة أي : ما لبثوا بالبيوت أو بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا يسيراً حتى هلكوا.

الأحزاب 33:15

﴿ولقد كانوا﴾ أي : هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار ﴿عاهدوا الله﴾ الذي لا أَجلَّ منه ﴿من قبل﴾ أي : من قبل غزوة الخندق ﴿لا يولون الأدبار﴾ أي : لا ينهزمون، وقال يزيد بن رومان : هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله تعالى أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة : هم أناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر فرأوا ما أعطى الله تعالى أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا : لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله تعالى إليهم ذلك، وقال مقاتل والكلبي : هم سبعون رجلاً بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا : اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا : وإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله قال : لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة قالوا : قد فعلنا، فذلك عهدهم، قال البغوي : وهذا القول، ليس بمرضي لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين نفراً ليس فيهم شاك ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله تعالى أن يقاتلوا ولا يفروا فنقضوا العهد. انتهى. ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال تعالى :﴿وكان عهد الله﴾ المحيط بصفات الكمال ﴿مسئولا﴾ أي : عن الوفاء به.

الأحزاب 33:16

﴿قل﴾ أي : لهم وأكد لظنهم نفع الفرار ﴿لن ينفعكم الفرار﴾ في تأخير آجالكم في وقت من الأوقات الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه ﴿إن فررتم من الموت أو القتل﴾ أي : الذي كتب لكم لأن الأجل إن كان قد حضر لم يتأخر بالفرار، وإلا لم يقصره الثبات كما كان عليّ رضي الله تعالى عنه يقول : دهم الأمر وتوقد الجمر واشتد من الحرب الحر أي : يومي من الموت أفر يوم لا يقدر، أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي جعله محيطاً بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلاً ﴿وإذا﴾ أي : إن فررتم ﴿لا تمتعون﴾ في الدنيا بعد فراركم ﴿إلا قليلاً﴾ أي : مدة آجالكم وهي قليل فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.

الأحزاب 33:17

ولما كان ربما يقولون بل ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم ومن ثبت فاصطلم، أمره الله تعالى بالجواب عن هذا بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم منكراً عليهم ﴿من ذا الذي يعصمكم﴾ أي : يجيركم ويمنعكم ﴿من الله﴾ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في حال الفرار وقبله وبعده ﴿إن أراد بكم سوءاً﴾ أي : هلاكاً أو هزيمة فيرد ذلك عنكم ﴿أو﴾ يصيبكم بسوء إن ﴿أراد﴾ أي : الله ﴿بكم رحمة﴾ أي : خيراً أسماه بها لأنه أثرها، والمعنى : هل احترزتم في جميع أعماركم عن سوء أراده فنفعكم الاحتراز أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه، فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئاً من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه، ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك ذكر السوء أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً. وذكر الرحمة ثانياً دليلاً على حذف ضدها أولاً. وهذا بيان لقوله تعالى :﴿لن ينفعكم الفرار﴾ وقوله تعالى :﴿ولا يجدون لهم﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿من دون الله﴾ أي : غيره ﴿ولياً﴾ أي : يواليهم فينفعهم بنوع نفع ﴿ولا نصيراً﴾ أي : ينصرهم من أمره فيرد ما أراده بهم من السوء عنهم تقرير لقوله تعالى :﴿من ذا الذي يعصمكم﴾ من الله الآية.

الأحزاب 33:18

ولما أخبرهم تعالى بما علم مما أوقعوه من أسرارهم وأمره صلى الله عليه وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام عمله بمن يخون منهم بقوله تعالى :﴿قد يعلم الله﴾ الذي له إحاطة الجلال والجمال ﴿المعوقين منكم﴾ أي : المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون ﴿والقائلين لإخوانهم﴾ أي : ساكني المدينة ﴿هلم﴾ أي : ائتوا وأقبلوا ﴿إلينا﴾ موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيها القتال ويواظب فيها على صالح الأعمال قال قتادة : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون لإخوانهم ما محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتقمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك، وقال مقاتل : نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين وقالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحداً، فأنا أشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا فهلم إلينا، فأقبل عبد الله بن أُبيّ وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا : ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً. تنبيه : هلم اسم صوت سمي به فعل متعد مثل احضر وقرب، وأهل الحجاز يسوّون فيه بين الواحد والجماعة، وبلغتهم جاء القرآن العزيز، وأما بنو تميم فتقول : هلم يا رجل هلما يا رجلان هلموا يا رجال ﴿ولا﴾ أي : والحال أنهم لا ﴿يأتون البأس﴾ أي : الحرب أو مكانها ﴿إلا قليلاً﴾ أي : للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنه لواذاً وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذاً.

الأحزاب 33:19

﴿أشحة﴾ أي : يفعلون ما تقدم، والحال أن كلاً منهم شحيح ﴿عليكم﴾ أي : بحصول نفع منهم أو من غيرهم نفس أو مال. تنبيه : أشحة جمع شحيح وهو جمع لا يقاس، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو : خليل وأخلاء، وضنين وأضناء، وقد سمع أشحاء وهو القياس والشح البخل، وصفهم الله تعالى بالبخل ثم بالجبن. قوله تعالى ﴿فإذا جاء الخوف﴾ أي : بمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها ﴿رأيتهم﴾ أي : أيها المخاطب. وقوله تعالى :﴿ينظرون﴾ في محل حال من مفعول رأيتهم لأن الرؤية بصرية، وبيَّن بعدهم حساً ومعنى بحرف الغاية بقوله تعالى :﴿إليك﴾ أي : حال كونهم ﴿تدور﴾ فهي إما حال ثانية، وإما حال من ينظرون يميناً وشمالاً بإدارة الطرف ﴿أعينهم﴾ أي : زائغاً رعباً ثم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح بقوله تعالى :﴿كالذي﴾ أي : كدوران عين الذي ﴿يغشى عليه﴾ مبتدأ غشيانه ﴿من الموت﴾ أي : من معالجة سكراته خوفاً ولواذاً بك، وذلك لأن قرب الموت وغشية أسبابه تذهب عقله وتشخص بصره فلا يطرف ﴿فإذا ذهب الخوف﴾ وحيزت الغنائم ﴿سلقوكم﴾ أي : تناولوكم تناولاً صعباً بأنواع الأذى ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور، وأصل السلق البسط بقهر اليد أو اللسان، ومنه سلق امرأته أي : بسطها وجامعها قال القائل : فقد هُيّء لنا المضجع؍ فإن شئت سلقناك؍ وإن شئت على أربع ***. . . . . . . . . . . . . . . . . والسليقة : الطبيعة المباينة، والسليق : المطمئن من الأرض ﴿بألسنة حداد﴾ ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة وغيرها. يقال للخطيب الذرب اللسان الفصيح : مسلق، وقال ابن عباس سلقوكم أي : عضهوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة وقال قتادة : بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، ويقولون أعطونا فإنا شهدنا معكم القتال ولستم بأحق بالغنيمة منا، ثم بين المراد بقوله تعالى :﴿أشحة﴾ أي : شحاً مستعلياً ﴿على الخير﴾ أي : المال الذي عندهم وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم. ولما وصفهم تعالى بهذه الصفات الدنيئة أخبر تعالى أن أساسها الذي نشأت عنه عدم الوثوق بالله تعالى لعدم الإيمان فقال :﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿لم يؤمنوا﴾ أي : لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم ﴿فأحبط الله﴾ أي : بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله ﴿أعمالهم﴾ التي كانوا يأتونها مع المسلمين أي : فأظهر بطلانها، وإذا لم تثبت لهم الأعمال فتبطل، وقال قتادة : أبطل الله تعالى جهادهم ﴿وكان ذلك﴾ أي : الإحباط ﴿على الله﴾ بما له من صفات العظمة ﴿يسيراً﴾ أي : هيناً لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه.

الأحزاب 33:20

وقوله تعالى :﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً أي : هم من الخوف بحيث أنهم لا يصدقون أن الأحزاب قد ذهبوا عنهم، ويجوز أن يكون حالاً من أحد الضمائر المتقدمة إذا صح المعنى بذلك ولو بعد العامل. قاله أبو البقاء. والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغطفان واليهود ولم يتفرقوا عن قتالهم من غاية الجبن عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله تعالى ﴿ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً﴾ ( الأحزاب : ٢٠ ) وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بالكسر ﴿وإن يأت الأحزاب﴾ بعدما ذهبوا كرة أخرى ﴿يودوا﴾ أي : يتمنوا ﴿لو أنهم بادون في الأعراب﴾ أي : كائنون في البادية بين الأعراب الذين هم عندهم في محل نقص وممن تكره مخالطته، ثم ذكر حال فاعل بادون بقوله تعالى :﴿يسألون﴾ كل وقت ﴿عن أنبائكم﴾ أي : أخباركم العظيمة مع الكفار وما آل إليه أمركم جرياً على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجهاً، كأنهم مهتمون بكم يظهرون بذلك تحرقاً على غيبتهم عن هذه الحرب ﴿ولو﴾ أي : والحال أنهم لو ﴿كانوا﴾ هؤلاء المنافقون ﴿فيكم﴾ هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال ﴿ما قاتلوا﴾ معكم ﴿إلا قليلاً﴾ نفاقاً كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى.

الأحزاب 33:21

ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة أقبل عليهم إقبالاً يدلهم على تناهي الغضب بقوله تعالى : مؤكداً محققاً لأجل إنكارهم :﴿لقد كان لكم﴾ أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم ﴿في رسول الله﴾ الذي جلاله من جلاله وكماله من كماله ﴿أسوة﴾ أي : قدوة ﴿حسنة﴾ أي : صالحة وهو المؤتسى به أي : المقتدى به، كما تقول في البيضة : عشرون منَّاً حديداً أي : هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد، أو أن فيه خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد إذ كسر رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك واستسنوا بسنته. تنبيه : الأسوة اسم وضع موضع المصدر وهو الائتساء، فالأسوة من الائتساء كالقدوة من الاقتداء وائتسى فلان بفلان أي : اقتدى به، وقرأ عاصم بضم الهمزة والباقون بكسرها وهما لغتان : كالعُدوة والعِدوة، والقُدوة والقِدوة وقوله تعالى :﴿لمن كان﴾ أي : كوناً كائنه جبلة له ﴿يرجو الله﴾ أي : في جبلته أنه يجدد الرجاء مشمراً للذي لا عظيم في الحقيقة سواه، فيؤمل إسعاده ويخشى إبعاده. تخصيص بعد التعميم للمؤمنين أي : أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله. قال ابن عباس : يرجو ثواب الله، وقال مقاتل : يخشى الله ﴿واليوم الآخر﴾ أي : يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال ﴿وذكر الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال وقيده بقوله تعالى :﴿كثيراً﴾ تحقيقاً لما ذكر في معنى الرجاء الذي به الفلاح أو أن المراد به الدائم في حال السراء والضراء.

الأحزاب 33:22

ولما بين تعالى حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب بقوله تعالى : ﴿ولما رأى المؤمنون﴾ أي : الكاملون في الإيمان ﴿الأحزاب﴾ أي : الذين أدهشت رؤيتهم القلوب ﴿قالوا﴾ أي : مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأهوال ﴿هذا﴾ أي : الذي نراه من الهول ﴿ما وعدنا الله﴾ أي : الذي له الأمر كله من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان ﴿ورسوله﴾ المبلغ بنحو قوله تعالى :﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ ( البقرة : ٢١٤ ) ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ ( آل عمران : ١٤٢ ) ﴿أحسب الناس أن يُتركوا﴾ ( العنكبوت : ٢ ) وأمثال ذلك. ثم قالوا في مقابلة قول المنافقين : ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ﴿وصدق الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ أي : الذي كماله من كماله أي : ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء كما رأينا، وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. قال بعض المفسرين : ولو أعيدا مضمرين لجمع بين الباري تعالى واسم رسوله صلى الله عليه وسلم فكان يقال : وصدقا، وقد رد صلى الله عليه وسلم على من جمعهما بقوله : من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه بقوله : بئس خطيب القوم أنت. قل : ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله تعالى. وقيل : إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما، واستشكل بعضهم الأول بقوله :«حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما » فقد جمع بينهما في ضمير واحد ؟ وأجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم أعرف بقدر الله تعالى منا فليس لنا أن نقول كما يقول وقد يقال : إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك فالله جل وعلا أولى، وحينئذ فالقائل بأنه إنما رد عليه لأنه وقف على يعصهما أولى. ولما كان هذا قولاً يمكن أن يكون لسانياً فقط كقول المنافقين أكده لظن المنافقين ذلك بقوله تعالى : شاهداً لهم ﴿وما زادهم﴾ أي : ما رأوه من أمرهم أو الرعب ﴿إلا إيماناً﴾ بالله ورسوله ﴿وتسليماً﴾ بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر.

الأحزاب 33:23

ثم وصف الله تعالى بعض المؤمنين بقوله تعالى :﴿من المؤمنين﴾ أي : المذكورين سابقاً وغيرهم ﴿رجال﴾ أي : في غاية العظمة عندنا ثم وصفهم بقوله تعالى :﴿صدقوا ما عاهدوا الله﴾ المحيط علماً وقدرة ﴿عليه﴾ أي : أقاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ أي : نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. والنحب : النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان وقيل : النحب الموت أيضاً. قال قتادة : قضى نحبه أي : أجله. وقيل : قضى نحبه أي : بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب نحب فلان في سيره يومه وليلته أي : اجتهد، وقيل قضى نحبه قتل يوم بدر أو يوم أُحد. روي أن أنساً قال :«غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم واستقبله سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو إلى أين فقال : واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك : فوجدنا في جسده بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم فوجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس : كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ». ﴿ومنهم﴾ أي : الصادقين ﴿من ينتظر﴾ أي : السعادة كعثمان وطلحة ﴿وما بدلوا﴾ أي : العهد ولا غيروه ﴿تبديلاً﴾ أي : شيئاً من التبديل. روي أن ممن لم يقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وفعل ما لم يفعله غيره لزم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه وذبَّ عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه قال إسماعيل بن قيس : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وعن معاوية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :«طلحة ممن قضى نحبه »، وعن طلحة لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ :﴿رجال صدقوا وما عاهدوا الله عليه﴾ الآية كلها فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله من هؤلاء فقال :«أيها السائل هذا منهم »، وعنه أيضاً : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو ؟ كانوا لا يجترؤن على مسألته يهابونه ويوقرونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني طلع من باب المسجد فقال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال الأعرابي : أنا فقال :«هذا ممن قضى نحبه »، وهذا يقوي القول بأن المراد بالنحب بذل الجهد في الوفاء بالعهد، وعن خباب بن الأرت قال : هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه منها، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه منها فقال صلى الله عليه وسلم :«ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر » قال : ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها أينعت أي : أدركت ونضجت له ثمرتها ويهديها أي : يجنيها، وهذا كناية عما فتح الله تعالى لهم من الدنيا وعن زيد بن ثابت قال :«لما نسخنا المصحف من المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين من المؤمنين ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ فألحقتها في سورتها في المصحف ».

الأحزاب 33:24

﴿ليجزي الله﴾ أي : الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهوراً تاماً ﴿الصادقين﴾ أي : في الوفاء بالعهد وادعاء أنهم آمنوا به ﴿بصدقهم﴾ أي : فيعلي أمرهم وينعمهم في الآخرة فالصدق سبب وإن كان فضلاً منه لأنه الموفق له. تنبيه : في لام ليجزي وجهان : أحدهما : أنها لام العلة، والثاني : أنها لام الصيرورة وفيما تتعلق به أوجه : إما بصدقوا، وإما بما زادهم، وإما بما بدلوا، وعلى هذا جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوا بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما ﴿ويعذب المنافقين﴾ أي : الذين أخفوا الكفر وأظهروا الإسلام في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال ﴿إن شاء﴾ بأن يميتهم على نفاقهم ﴿أو يتوب عليهم﴾ إن شاء بأن يهديهم إلى التوبة فيتوبوا فالكل بإرادته. تنبيه : جواب إن شاء مقدر، وكذا مفعول شاء أي : إن شاء تعذيبهم عذبهم، وقرأ قالون والبزي وأبو عمر بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل ورش وقنبل الثانية وأبدلاها أيضاً حرف مد وحققها الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق. ولما كانت توبة المنافقين مستبعدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم قال معللاً ذلك كله على وجه التأكيد :﴿إن الله﴾ أي : بما له من الجلال والجمال ﴿كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿غفوراً﴾ لمن تاب ﴿رحيماً﴾ بهم.

الأحزاب 33:25

ثم بين تعالى بعض ما جزاهم الله تعالى بصدقهم بقوله تعالى :﴿ورد الله﴾ أي : بما له من صفات الكمال ﴿الذين كفروا﴾ وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين حال كونهم ﴿بغيظهم﴾ أي : متغيظين لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا، بل تفرقوا عن غير طائل حال كونهم ﴿لم ينالوا خيراً﴾ لا من الدين ولا من الدنيا بل ذلاً وندامة فهو حال ثانية، أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة ﴿وكفى الله﴾ أي : الذي له العزة والكبرياء ﴿المؤمنين القتال﴾ بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم، منهم نعيم بن مسعود لما تقدم من الحيلة التي فعلها. قال سعيد بن المسيب : لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم :«اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد »، فبينما هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمنه الفريقان جميعاً فخذل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله تعالى :﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ ﴿وكان الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال أزلاً وأبداً ﴿قوياً﴾ على إحداث ما يريد ﴿عزيزاً﴾ غالباً على كل شيء.

الأحزاب 33:26

ولما أتم الله حال الأحزاب أتبعه حال من عاونوهم بقوله تعالى :﴿وأنزل الذين ظاهروهم﴾ أي : عاونوا الأحزاب ﴿من أهل الكتاب﴾ وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير ﴿من صياصيهم﴾ أي : حصونهم متعلق بأنزل، ومن لابتداء الغاية والصياصي جمع صيصية وهي الحصون والقلاع والمعاقل، ويقال : لكل ما يمتنع به ويتحصن فيه صيصية، ومنه قيل لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك صيصية، عن سعيد بن جبير قال : كان يوم الخندق بالمدينة فجاء أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش، ومن تبعه من كنانة وعيينة بن حصن، ومن تبعه من غطفان وطليحة، ومن تبعه من بني أسد وبنو الأعور، ومن تبعهم من بين سليم وقريظة، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم :﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾. وكانت غزوة بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وعن موسى بن عقبة أنها في سنة أربع قال العلماء بالسير : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح في الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا السلاح فلما كان الظهر أتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس والسرج فقال : ما هذا يا جبريل قال : من متابعة قريش فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال : يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله تعالى يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله دقهم دق البيض على الصفا وإنهم لك طعمة فأذن في الناس أن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرها الناس. فسار عليّ حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال : يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخباث قال : أظنك سمعت فيَّ منهم أذى قال : نعم يا رسول الله قال : لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصنهم قال : يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولاً، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه قبل أن يصل إلى بني قريظة قال : هل مر بكم أحد قالوا : مر بنا دحية بن خليفة على بغلة شهباء عليها قطيفة من ديباج قال صلى الله عليه وسلم :«ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب ». ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة » فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله تعالى بذلك، ولا عنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد : يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما نزل، وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم قالوا : وما هي قال : نبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دياركم وأبنائكم وأموالكم ونسائكم. قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره، قال : فإذا أبيتم هذا فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا أحداً ولا شيئاً نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لتحدث النساء والأبناء قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم، قال : فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا، فانزلوا لعلنا أن نصيب منهم غرة قالوا : نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا فتركهم. قال علماء السير : وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنزلون على حكمي ؟ فأبوا وكانوا قد طلبوا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس يستشيرونه في أمرهم، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم فقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم وأشار بيده إلى حلقه يعني أنه يقتلكم قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماي حتى قد عرفت أني خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال : لا أبرح من مكاني حتى يتوب الله تعالى علي مما صنعت، وعاهد الله تعالى لا يطأ بني قريظة أبداً ولا يراني الله تعالى في بلد خنت فيه الله ورسوله. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال : أما لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنزلون على حكم سعد بن معاذ فرضوا به فقال سعد : حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال :«لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة »، ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً وقدمهم فضرب أعناقهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير ﴿وقذف﴾ أي : الله تعالى ﴿في قلوبهم الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي كما قال الله تعالى :﴿فريقاً تقتلون﴾ وهم الرجال يقال : كانوا ستمائة ﴿وتأسرون فريقاً﴾ وهم النساء والذراري يقال : كانوا سبعمائة وخمسين، ويقال : تسعمائة. فإن قيل : ما فائدة تقديم المفعول في الأول حيث قال تعالى :﴿فريقاً تقتلون﴾ وتأخيره في الثاني حيث قال :﴿وتأسرون فريقاً﴾ أجيب : بأن الرازي قال : ما من شيء من القرآن إلا وله فائدة، منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر، والذي يظهر من هذا والله أعلم ؛ أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب، والرجال كانوا مشهورين، وكان القتل وارداً عليهم، وكان الأسراء هم النساء والذراري ولم يكونوا مشهورين، والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما اشتهر على الفعل القائم به، ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي انتهى. وقرأ ابن عامر والكسائي الرعب بضم العين والباقون بسكونها.

الأحزاب 33:27

ولما ذكر الناطق بقسميه ذكر الصامت بقوله تعالى :﴿وأورثكم أرضهم﴾ من الحدائق والمزارع ﴿وديارهم﴾ أي : حصونهم لأنه يحامى عليها ما لا يحامى على غيرها ﴿وأموالهم﴾ من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم :«للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم »، كما للراجل ممن ليس له فرس سهم. وأخرج منها الخمس وكانت الخيل ستة وثلاثين فرساً، وكان هذا أول فيء وضع فيه السهمان، وجرى على سننه في المغازي واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن قريظة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت : يا رسول الله تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها، وكانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه من أمرها، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال : إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال : يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال : إنكم في منازلكم وقال عمر : إنا نخمس كما خمست يوم بدر، قال : لا إنما جعلت هذه طعمة لي دون الناس قال : رضينا بما صنع الله ورسوله. وأنزل الله تعالى توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقالت : مم تضحك يا رسول الله أضحك الله تعالى سنك فقال : تيب على أبي لبابة فقالت : ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال : بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله تعالى عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه فقال : لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجاً إلى الصبح أطلقه، ومات سعد بن معاذ بعد انقضاء غزوة بني قريظة. قالت عائشة : فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي، قالت : وكانوا كما قال الله تعالى ﴿رحماء بينهم﴾ ( الفتح : ٢٩ ) واختلف في تفسير قوله تعالى ﴿وأرضاً﴾ أي : وأورثكم أرضاً ﴿لم تطؤها﴾ فعن مقاتل أنها خيبر وعليه أكثر المفسرين، وعن الحسن فارس والروم، وعن قتادة كما تحدث أنها مكة، وعن عكرمة كل أرض تفتح إلى القيامة، ومن بدع التفسير أنه أراد نساءهم انتهى. ولما كان ذلك أمراً باهراً سهله بقوله تعالى :﴿وكان الله﴾ أي : أزلاً وأبداً بما له من صفات الكمال ﴿على كل شيء﴾ هذا وغيره ﴿قديراً﴾ أي : شامل القدرة، روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :«لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده ».

الأحزاب 33:28

ولما أرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما يتعلق بجانب التعظيم لله تعالى بقوله تعالى :﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة فقال :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ أي : نسائك ﴿إن كنتن﴾ أي : كوناً راسخاً ﴿تردن﴾ أي : اختياراً على ﴿الحياة﴾ ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم، ويذكر من له عقل بالآخرة بقوله تعالى :﴿الدنيا﴾ أي : ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة ﴿وزينتها﴾ أي : المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه لأنها قاطعة عنه ﴿فتعالين﴾ أصله أن الآمر يكون أعلى من المأمور فيدعوه أن يرفع نفسه إليه، ثم كثر حتى صار معناه أقبل وهو هنا كناية عن الأخبار والإرادة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره ﴿أمتعكن﴾ أي : بما أحسن به إليكن من متعة الطلاق، وهي واجبة لزوجة لم يجب لها نصف مهر فقط بأن وجب لها جميع المهر، أو كانت مفوضة لم توطأ ولم يفرض لها شيء صحيح. أما في الأولى : فلأن المهر في مقابلة منفعة بضعها، وقد استوفاها الزوج فتجب للإيحاش المتعة، وأما في الثانية : فلأن المفوضة لم يحصل لها شيء، فيجب لها متعة للإيحاش، بخلاف من وجب لها النصف فلا متعة لها لأنه لم يستوف منفعة بضعها فيكفي نصف مهرها للإيحاش. هذا إذا كان الفراق لا بسببها، وسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهماً أو ما قيمته ذلك، وأن لا تبلغ نصف المهر، فإن تراضيا على شيء فذاك، وإلا قدرها قاض باجتهاده بقدر حالهما من يساره وإعساره ونسبها وصفاتها قال تعالى ﴿ومتّعوهن على الموسع قدره وعلى المُقتر قدره﴾ ( البقرة : ٢٣٦ ) ﴿وأسرّحكن﴾ أي : من حبالة عصمتي ﴿سراحاً جميلاً﴾ أي : طلاقاً من غير مضارة ولا نوع حطة ولا مقاهرة.

الأحزاب 33:29

﴿وإن كنتن﴾ أي : بما لكن من الجبلة ﴿تردن الله﴾ أي : الآمر بالإعراض عن الدنيا ﴿ورسوله﴾ أي : المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها، المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين، لا يدع منه شيئاً لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله تعالى ﴿والدار الآخرة﴾ أي : التي هي الحيوان بما لها من البقاء والعلو والارتقاء ﴿فإن الله﴾ بما له من جميع صفات الكمال ﴿أعد﴾ أي : في الدنيا والآخرة ﴿للمحسنات منكن﴾ أي : اللاتي يفعلن ذلك ﴿أجراً عظيماً﴾ تستحقر دونه الدنيا وزينتها، ومن للبيان لأنهن كلهن محسنات. قال المفسرون : سبب نزول هذه الآية : أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه من عرض الدنيا شيئاً، وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآلى أن لا يقربهن شهراً ولم يخرج إلى أصحابه فقالوا : ما شأنه وكانوا يقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقال عمر : لأعلمن لكم شأنه قال : فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أطلقتهن قال : لا فقلت : يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال : نعم إن شئت. فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه » ونزل قوله تعالى :﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ( النساء : ٨٣ ) فكنت أنا الذي استنبط ذلك الأمر، وأنزل الله تعالى آية التخيير وكان تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، وأربع من غير القريشيات : زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. فلما نزلت آية التخيير عرض عليهن رضي الله تعالى عنهن ذلك، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رأس المحسنات إذ ذاك، وكانت أحب أهله فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعنها على ذلك قال قتادة : فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ ( الأحزاب : ٥٢ ). وعن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر ثم استأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً قال : فقال لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال :«هن حولي كما ترى يسألنني النفقة »، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول : لا تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين يوماً، ثم نزلت هذه الآية ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ ( الأحزاب : ٢٨ ) حتى بلغ ﴿للمحسنات منكن أجراً عظيماً﴾ ( الأحزاب : ٢٩ ). قال : فبدأ بعائشة فقال : يا عائشة إني أعرض عليك أمراً لا أحب أن تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت : وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت قال : لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم يبعثني معنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً. قوله «واجماً » أي : مهتماً والواجم : الذي أسكته الهم، وعلته الكآبة وقيل : الوجوم الحزن، وقوله : فوجأت عنقها أي : دققته، وقوله : لم يبعثني معنتاً العنت : المشقة والصعوبة، وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً، قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة قالت : فلما مضت تسع وعشرون أعدهن دخل عليّ فقلت : يا رسول الله إنه مضى تسع وعشرون أعدهن فقال :«إن الشهر تسع وعشرون ». تنبيه : اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويضاً للطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أو لا، ذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم : إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى :﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾ ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة : لا تعجلي حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب آخرون : إلى أنه كان تفويض طلاق، ولو اخترن أنفسهن كان طلاقاً. واختلف العلماء في حكم التخيير : فقال عمر وابن مسعود وابن عباس : إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي، إلا أن عند أصحاب الرأي : أنه يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها. وعند الآخرين : رجعية. وقال زيد بن ثابت : إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة، وإن اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن ورواية عن مالك، وروي عن علي : أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فطلقة بائنة، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء. وعن مسروق قال : ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو ألفاً بعد أن تختارني. قال الرازي : وهنا مسائل : منها هل كان هذا التخيير واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، والجواب : أن التخيير كان قولاً واجباً من غير شك لأنه إبلاغ لرسالة لأن الله تعالى لما قال له : قل لهن صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا، والظاهر أنه للوجوب. ومنها : أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا : إنها لا تبين إلا بإبانة النبي صلى الله عليه وسلم فهل كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق أم لا، الظاهر نظرا إلى منصب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجب لأن الخلف في الوعد من النبي صلى الله عليه وسلم غير جائز، بخلاف أحدنا فإنه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد. ومنها : أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا، الظاهر أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا. ومنها : أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها أم لا، الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول صلى الله عليه وسلم على معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يباشره أصلاً، لا بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب انتهى.

الأحزاب 33:30

ولما خيرهن واخترن الله ورسوله هددهن الله للتوقي عما يسوء النبي صلى الله عليه وسلم وأوعدهن بتضعيف العذاب بقوله :﴿يا نساء النبي﴾ أي : المختارات له لما بينه وبين الله تعالى مما يظهر شرفه ﴿من يأت منكن بفاحشة﴾ أي : سيئة من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق واختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، وقال ابن عباس : المراد هنا بالفاحشة : النشوز وسوء الخلق وقيل : هو كقوله تعالى :﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ( الزمر : ٦٠ ) وقرأ ابن كثير وشعبة ﴿مبينة﴾ بفتح الياء التحتية أي : ظاهر فحشها، والباقون بكسرها أي : واضحة ظاهرة في نفسها ﴿يضاعف لها العذاب﴾ أي : بسبب ذلك ﴿ضعفين﴾ أي : ضعفي عذاب غيرهن أي : مثيله وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن وأقبح لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشد منه للعاصي الجاهل لأن المعصية من العالم أقبح، ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لم يعاتب به غيرهم، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية وألف بعد الضاد وتخفيف العين مفتوحة، العذاب بالرفع، وابن كثير وابن عامر بالنون، ولا ألف بعد الضاد وتشديد العين مكسورة، العذاب بالنصب، وأبو عمرو بالياء وتشديد العين مفتوحة العذاب بالرفع. وقوله تعالى :﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾ فيه إيذان بأن كونهن نساء للنبي صلى الله عليه وسلم ليس بمغن عنهن شيئاً، وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب، فكان داعياً إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه.

الأحزاب 33:31

ولما بين تعالى زيادة عقابهن أتبعه زيادة ثوابهن بقوله تعالى :﴿ومن يقنت﴾ أي : يطع ﴿منكن لله﴾ الذي هو أهل لأن لا يلتفت إلى غيره ﴿ورسوله﴾ الذي لا ينطق عن الهوى فلا تخالفه فيما أمر به ولا تختار عيشاً غير عيشه ﴿وتعمل﴾ أي : مع ذلك بجوارحها ﴿صالحاً﴾ أي : في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه فلا تقتصر على عمل القلب ﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ أي : مثلي ثواب غيرهن من النساء. قال مقاتل : مكان كل حسنة عشرين حسنة فمرة على الطاعة، ومرة لطلبهن رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة. تنبيه : قوله تعالى :﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ في مقابلة قوله تعالى ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ وفيه لطيفة وهي أنه عند إيتاء الأجر ذكر المؤتي وهو الله تعالى، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب بل قال : يضاعف، وهذا إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية في يعمل، ويؤتها حملاً على لفظ من وهو الأصل، والباقون بالتاء الفوقية في يعمل على معنى من، والنون في نؤتها على أن فيه ضمير اسم الله تعالى ﴿وأعتدنا﴾ أي : هيأنا بما لنا من العظمة ﴿لها﴾ أي : بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المزيد للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله تعالى مع ما في ذلك من توفير الحظ في الآخرة ﴿رزقاً كريماً﴾ أي : في الدنيا والآخرة زيادة على أجرها. أما في الدنيا : فلأن ما يرزقهن منه يوفقن لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، ولا يخشى من أجله نوع عقاب. وأما في الآخرة : فلا يوصف ولا يحد، ولا نكد فيه أصلاً، ولا كدّ، وهذا ما جرى عليه البقاعي وهو أولى مما جرى عليه كثير من المفسرين من الاقتصار على رزق الجنة، وعلله الرازي بقوله : ووصف رزقاً بكونه كريماً مع أن الكريم لا يكون وصفاً إلا للرازق، وذلك إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، فإن التاجر يسترزق من السوقة، والعاملون والصناع من المستعملين، والملوك من الرعية والرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه إنما هو مسخر للغير يكتسبه ويرسله إلى الأعيان، وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق. انتهى.

الأحزاب 33:32

ولما ذكر تعالى أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلا أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء قال تعالى :﴿يا نساء النبي لستن كأحد﴾ قال البغوي : ولم يقل كواحدة لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، والمعنى : لستن كجماعة واحدة ﴿من﴾ جماعات ﴿النساء﴾ إذا تقصيت جماعة النساء واحدة واحدة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله تعالى :﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم﴾ ( النساء : ١٥٢ ) يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين وقوله تعالى :﴿لا نفرّق بين أحد من رسله﴾ ( البقرة : ٢٨٥ ) وقوله تعالى :﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ ( الحاقة : ٤٧ ) والحمل على الأفراد بأن يقال : ليست كل واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء صحيح بل أولى ليلزم تفضيل الجماعة، بخلاف الحمل على الجمع، وعن ابن عباس معنى لستن كأحد من النساء : يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي. ولما كان المعنى بل أنتن أعلى النساء ذكر شرط ذلك بقوله تعالى :﴿إن اتقيتن﴾ الله تعالى أي : جعلتن بينكن وبين غضب الله تعالى وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم وقاية، ثم سبب عن هذا النهي قوله تعالى :﴿فلا تخضعن﴾ أي : إذا تكلمتن بحضرة أجنبي ﴿بالقول﴾ أي : بأن يكون ليناً عذباً رخماً، والخضوع التطامن والتواضع واللين، ثم سبب عن الخضوع قوله تعالى :﴿فيطمع﴾ أي : في الخيانة ﴿الذي في قلبه مرض﴾ أي : فساد وريبة من فسق ونفاق أو نحو ذلك، وعن زيد بن علي قال : المرض مرضان : مرض زنا، ومرض نفاق، وعن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى :﴿فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ قال : الفجور والزنا قال : وهل تعرف العرب ذلك قال : نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول : حافظ للفرج راض بالتقى؍ ليس ممن قلبه فيه مرض؍ والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة ؛ لأن اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، وأريد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم التكلف للإتيان بهذه، بل المرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع. ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخاوة الصوت أمرهن بضده بقوله تعالى :﴿وقلن قولاً معروفاً﴾ أي : يعرف أنه بعيد عن محلِّ الطمع من ذكر الله وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع.

الأحزاب 33:33

ولما أمرهن بالقول وقدمه لعمومه أتبعه الفعل بقوله تعالى :﴿وقرن﴾ أي : اسكن وامكثن دائماً ﴿في بيوتكن﴾ فمن كسر القاف وهم غير نافع وعاصم جعل الماضي قرر بفتح العين، ومن فتحه وهو نافع وعاصم فهو عنده قرر بكسرها وهما لغتان. قال البغوي : وقيل وهو الأصح : أنه أمر من الوقار كقوله : من الوعد عدن، ومن الوصل صلن أي : كن أهل وقار وسكون من قوله : وقر فلان يقر وقوراً إذا سكن واطمأن انتهى. ومن فتح القاف فخم الراء، ومن كسرها رقق الراء، وعن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك فقالت : قد حجبت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت، قال فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت بجنازتها. واختلف في معنى التبرج في قوله تعالى :﴿ولا تبرجن﴾ فقال مجاهد وقتادة : هو التكسر والتغنج، وقال ابن جريج : هو التبختر وقيل : هو إبراز الزينة وإبراز المحاسن للرجال، وقرأ البزي بتشديد التاء في الوصل والباقون بالتخفيف، واختلف أيضاً في معنى قوله تعالى :﴿تبرج الجاهلية الأولى﴾ فقال الشعبي : هي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقال أبو العالية : هي زمن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، كانت المرأة تتخذ قميصاً من الدر غير مخيط الجانبين فيرى خلفها منه، وقال الكلبي : كان ذلك في زمن نمروذ الجبار، كانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس عليهما السلام، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحاً، وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً، وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجالاً من أهل السهل وأجر نفسه منهم فكان يخدمهم، واتخذ شيئاً مثل الذي يزمر به الرعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فأتوه وهم يستمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة فيتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال لهن، وأن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهنّ فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنحوا إليهم فنزلوا معهم، وظهرت الفاحشة بينهم فذلك قوله تعالى ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾. وقال قتادة : ما قبل الإسلام وقيل : الجاهلية الأولى ما ذكرنا، والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان وقيل : الجاهلية الأولى ما كانوا عليه قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام، ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر كما في الصحيحين :«إن فيك جاهلية كفر وإسلام » وقول البيضاوي عن أبي الدرداء، قال ابن حجر : لم أجده عن أبي الدرداء وقيل : قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى كقوله تعالى ﴿وأنه أهلك عاداً الأولى﴾ ( النجم : ٥٠ ) ولم تكن لها أخرى. ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب أرشدهن إلى التحلية بالرغائب بقوله تعالى :﴿وأقمن الصلاة﴾ أي : فرضاً ونفلاً صلة لما بينكن وبين الخالق ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ ( العنكبوت : ٤٥ ) ﴿وآتين الزكاة﴾ إحساناً إلى الخلائق وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقاً عن القوت فضلاً عن الزكاة. ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما تمم وجمع في قوله تعالى :﴿وأطعن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ أي : الذي لا ينطق عن الهوى فيما أمرا به ونهيا عنه ﴿إنما يريد الله﴾ أي : الذي هو ذو الجلال والإكرام بما أمركن به ونهاكن عنه من الإعراض عن الزينة وما يتبعها والإقبال عليه ﴿ليذهب﴾ أي : لأجل أن يذهب ﴿عنكم الرجس﴾ أي : الإثم الذي نهى الله تعالى عنه النساء. قاله مقاتل، وقال ابن عباس : يعني عمل الشيطان وما ليس فيه رضا الرحمان. وقال قتادة : يعني السوء وقال مجاهد : الرجس الشك وقوله تعالى :﴿أهل البيت﴾ في ناصبه أوجه : أحدها : النداء أي : يا أهل البيت، أو المدح أي : أمدح أهل البيت، أو الاختصاص أي : أخص أهل البيت كما قال صلى الله عليه وسلم :«نحن معاشر الأنبياء لا نورث » والاختصاص في المخاطب أقل منه في المتكلم، وسمع : منك الله نرجو الفضل، والأكثر إنما هو في المتكلم كقولها : نحن بنات طارق نمشي على النمارق ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقولهم : نحن بني ضبة أصحاب الجمل؍ الموت أحلى عندنا من العسل؍ وقولهم : نحن العرب أقرى الناس للضيف ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واختلف في أهل البيت والأولى فيهم ما قال البقاعي : إنهم كل من يكون من إلزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء والأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص وألزم كان بالإرادة أحق وأجدر، ويؤيده قول البيضاوي، وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضي الله تعالى عنهم ؛ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجلس فجاءت فاطمة فأدخلها فيه، ثم جاء علي فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما فيه، ثم قال :﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف. وعن ابن عباس أنهم نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته وتلا قوله تعالى :﴿واذكرن ما يُتلى في بيوتكن من آيات الله﴾ ( الأحزاب : ٣٤ ) وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت :«في بيتي أنزل ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ قالت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال : هؤلاء أهل بيتي فقلت : يا رسول الله ما أنا من أهل البيت ؟ فقال بلى إن شاء الله » وقال زيد بن أرقم : أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال الرازي : والأولى أن يقال لهم أولاده وأزواجه والحسن والحسين، وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ولملازمته له. ولما استعار للمعصية الرجس استعار للطاعة الطهر ترغيباً لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة في الطاعة وتنفيراً لهم عن المعصية بقوله تعالى :﴿ويطهركم﴾ أي : يفعل في طهركم الصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظماً بالمصدر بقوله تعالى :﴿تطهيراً﴾ وعن ابن عباس قال : شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات.

الأحزاب 33:34

ثم بين تعالى ما أنعم الله به عليهن من أن بيوتهن مهابط الوحي بقوله تعالى :﴿واذكرن﴾ أي : في أنفسكن ذكراً دائماً، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم ﴿ما يتلى﴾ أي : يتابع ويوالى ذكره ﴿في بيوتكن﴾ أي : بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم الذي خيركن. وقوله تعالى :﴿من آيات الله﴾ أي : القرآن بيان للموصول فيتعلق بأعني، ويجوز أن يكون حالاً إما من الموصول، وإما من عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضاً، واختلف في قوله تعالى :﴿والحكمة﴾ فقال قتادة : يعني السنة، وقال مقاتل : أحكام القرآن ومواعظه ﴿إن الله﴾ أي : الذي له جميع العظمة ﴿كان﴾ أي : ولم يزل ﴿لطيفاً﴾ أي : يوصل إلى المقاصد بلطائف الأضداد ﴿خبيراً﴾ أي : بجميع خلقه يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى عليه خافية، فيعلم من يصلح لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن لا، وما يصلح الناس ديناً ودنيا، وما لا يصلحهم. والطرق الموصلة لكل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس. من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ولقد صدق الله تعالى وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر، فأفاض بها من رزقه الواسع. ولما توفى نبيه صلى الله عليه وسلم ليحميه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار، الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من كنوز تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يكيلون المال كيلاً، وزاد الأمر حتى دوّن عمر رضي الله تعالى عنه الدواوين. وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولاً لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي صلى الله عليه وسلم والبعد منه، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة. ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس، حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال : تركتهم يسألون الله تعالى أن يزيد في عمرك من أعمارهم، قال عمر : إنما هو حقهم، وأنا أسعى بأدائه إليهم وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من مات غاشاً لرعيته لم يَرَ ريح الجنة » فكان فرضه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً لكل واحدة، وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة خمسة وعشرين ألفاً لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما تأخذه صواحباتها. وروي عن برزة بنت رافع قالت : لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما أدخل إليها قالت : غفر الله لعمر، غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني قالوا : هذا كله لك قالت : سبحان الله ثم قالت : صبوه واطرحوا عليه ثوباً، ثم قالت لي : أدخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب قالت برزة بنت رافع : نظر الله لك يا أم المؤمنين والله لقد كان لنا في هذا المال حق قالت : فلكم ما تحت الثوب قالت : فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهماً، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت : اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا فماتت، قال البقاعي : ذكر ذلك البلاذري في كتاب «فتوح البلاد » انتهى.

الأحزاب 33:35

وعن مقاتل قال : قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسيبة بنت كعب الأنصارية للنبي صلى الله عليه وسلم :«ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه نخشى أن لا يكون فيهن خير » فأنزل الله تعالى :﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ أي : الداخلين في الإسلام المنقادين لحكم الله في القول والعمل. ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط أتبعه المحقق له، وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان فقال عاطفاً له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن الجامعين لهذه الأوصاف في كل وصف منها :﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ أي : المصدقين بما يجب أن يصدق به. ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصاً قال :﴿والقانتين والقانتات﴾ أي : المخلصين في إيمانهم وإسلامهم المداومين على الطاعة. ولما كان القنوت قد يطلق على الإخلاص المقتضي للمداومة، وقد يطلق على مطلق الطاعة قال :﴿والصادقين والصادقات﴾ أي : في ذلك كله من قول وعمل. ولما كان الصدق وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه قد لا يكون دائماً قال مشيراً إلى أن ما لا يكون دائماً لا يكون صدقاً في الواقع :﴿والصابرين والصابرات﴾ أي : على الطاعات وعن المعاصي. ولما كان الصبر قد يكون سجية دل على صرفه إلى الله بقوله تعالى :﴿والخاشعين والخاشعات﴾ أي : المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. ولما كان الخشوع والخضوع والإخبات والسكون لا يصح مع توفير المال، فإنه سكون إليه قال معلماً : إنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ بما وجب في أموالهم وبما استحب سراً وعلانية تصديقاً لخشوعهم. ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار أتبعه ما يعين عليه بقوله تعالى :﴿والصائمين والصائمات﴾ أي : فرضاً ونفلاً للإيثار بالقوت وغير ذلك. ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها قال تعالى :﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ أي : عما لا يحل لهم. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه، والتقدير : والحافظاتها، وكذلك والذاكرات، وحسن الحذف رؤوس الفواصل. ولما كان حفظ الفرج وسائر الأعمال لا يكاد يوجد إلا بالذكر، وهو الذي يكون عند المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحببة للفناء قال تعالى :﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ أي : بقلوبهم وألسنتهم في كل حالة. ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم، وقال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«سبق المفردون قالوا : وما المفردون قال :«الذاكرون الله تعالى كثيراً والذاكرات » قال عطاء بن أبي رباح : من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله تعالى :﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ ومن أقر بأن الله تعالى ربه، ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسوله ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله تعالى :﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ ومن أطاع الله تعالى في الفرض، والرسول صلى الله عليه وسلم في السنة فهو داخل في قوله تعالى :﴿والقانتين والقانتات﴾ ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله تعالى :﴿والصادقين والصادقات﴾ ومن صبر على الطاعات وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله تعالى :﴿والصابرين والصابرات﴾. ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله تعالى :﴿والخاشعين والخاشعات﴾ ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى :﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ ومن صام في كل شهر أيام البيض : الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله تعالى :﴿والصائمين والصائمات﴾ ومن حفظ فرجه عن الحرام فهو داخل في قوله تعالى :﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى :﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ ﴿أعد الله﴾ أي : الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا يعاظمه شيء ﴿لهم مغفرة﴾ أي : لما اقترفوه من الصغائر لأنها مكفرات بفعل الطاعات، والآية عامة وفضل الله تعالى واسع. ولما ذكر تعالى الفضل بالتجاوز أتبعه الفضل بالكرم والرحمة بقوله تعالى :﴿وأجراً عظيما﴾ أي : على طاعتهم، والآية وعد لهن ولأمثالهن بالإثابة على الطاعة والتدرع بهذه الخصال، وروي أن سبب نزول هذه الآية :«أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن : يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به ؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة ! فأنزل الله تعالى هذه الآية ». روي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : هل نزل فينا شيء من القرآن قلن : لا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :«يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار قال : ومم ذاك. قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال » فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقيل : لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل قال نساء المسلمين : فما نزل فينا شيء فنزلت. تنبيه : عطف الإناث على الذكور لاختلاف جنسهما، والعطف فيه ضروري لاختلافهما ذاتاً، وعطف الزوجين وهو مجموع المؤمنين والمؤمنات على الزوجين، وهو مجموع المسلمين والمسلمات لتغاير وصفيهما. وليس العطف فيه بضروري بخلافه في الأول ؛ لأن اختلاف الجنس أشد من اختلاف الصفة، وفائدة العطف عند تغاير الأوصاف الدلالة على أن أعداد المعد من المغفرة والأجر العظيم أي : تهيئته للمذكورين للجمع بين هذه الصفات، فصار المعنى : أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات العشر أعد الله تعالى لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

الأحزاب 33:36

وقوله تعالى :﴿وما كان﴾ أي : وما صح ﴿لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً﴾ أي : إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى لتعظيم أمره، والإشعار بأنه قضاء الله تعالى. نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم :«لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب على مولاه زيد بن حارثة، وكان اشترى زيداً في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت : أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة، وكذلك كره أخوها ذلك. رواه الدارقطني بسند ضعيف، وقيل : في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد ﴿أن تكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ أي : أن يختاروا من أمرهم شيئاً، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لاختيار الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم تنبيه : الخيرة : مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس، وجمع الضمير في قوله تعالى :﴿لهم﴾ وفي قوله تعالى :﴿من أمرهم﴾ لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث إنها في سياق النفي، ويجوز أن يكون الضمير في من أمرهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وجمع للتعظيم كما جرى عليه البيضاوي، وقرأ أن يكون الكوفيون وهشام بالياء التحتية والباقون بالفوقية، ولأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، ومن عصاه فقد عصى الله تعالى كما قال تعالى :﴿ومن يعص الله﴾ أي : الذي لا أمر لأحد معه ﴿ورسوله﴾ أي : الذي معصيته معصية الله تعالى لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم. وقوله تعالى :﴿فقد ضل﴾ قرأه قالون وابن كثير وعاصم بالإظهار، والباقون بالإدغام وزاد ذلك بقوله تعالى :﴿ضلالاً مبيناً﴾ أي : فقد أخطأ خطأ ظاهراً لا خفاء فيه، فالواجب على كل أحد أن يكون معه صلى الله عليه وسلم في كل ما يختاره، وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلقاً بقول الشاعر : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي؍ متأخر عنه ولا متقدم؍ وأهنتني فأهنت نفسي عامداً؍ ما من يهون عليك ممن يكرم؍ فلما نزلت هذه الآية رضيت زينب بذلك وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيداً، فدخل بها، وساق إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير وستين درهماً، وخماراً ودرعاً وإزاراً وملحفة، وخمسين مداً من الطعام، وثلاثين صاعاً من تمر. ومكثت عنده حيناً.

الأحزاب 33:37

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال : سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له ففطن زيد، فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أريد أن أفارق صاحبتي قال : مالك أربك منها شيء ؟ قال : لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعاظم عليّ لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك زوجك يعني زينب بنت جحش واتق الله في أمرها فأنزل الله تعالى :﴿وإذ تقول للذي أنعم الله﴾ أي : الملك الذي له كل الكمال ﴿عليه﴾ وتولى نبيه عليه الصلاة والسلام إياه، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام. ثم بين تعالى منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿وأنعمت عليه﴾ أي : بالعتق والتبني حيث استشارك في فراق زوجته التي أخبرك الله تعالى أنه يفارقها وتصير زوجتك ﴿أمسك عليك زوجك﴾ أي : زينب رضي الله عنها ﴿واتق الله﴾ الذي له جميع العظمة في جميع أمرك ﴿وتخفي﴾ أي : والحال أنك تخفي أي : تقول قولاً مخفياً ﴿ما في نفسك﴾ أي : ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد ﴿ما الله مبديه﴾ أي : مظهره بحمل زيد على تطليقها، وإن أمرته بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهذا دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد ؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه ؛ لأنه لا يبدل قوله، وقول ابن عباس كان في قلبه حبها بعيد، وكذا قول قتادة : ودّ لو أنه لو طلقها زيد، وكذا قول غيرهما : كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها. ولما ذكر تعالى إخفاءه ذلك ذكر علته بقوله تعالى : عاطفاً على تخفي ﴿وتخشى الناس﴾ أي : من أن تخبر بما أخبر الله تعالى به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لاسيما اليهود والمنافقون، وقال ابن عباس والحسن : تستحييهم، وقيل : تخاف لأئمة الناس أن يقولوا : أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها ﴿والله﴾ أي : والحال أن الذي لا شيء أعظم منه ﴿أحق أن تخشاه﴾ أي : وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئاً أخبرك به حتى يأتيك فيه أمر. قال عمر وابن مسعود وعائشة : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه، وروي عن مسروق قال : قالت عائشة :«لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾. ويؤيد ما مر ما روى سفيان بن عيينة عن علي عن زيد بن جدعان قال : سألني علي ابن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله تعالى :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ قال : قلت يقول لما جاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله إني أريد أن أطلقها فقال له :﴿أمسك عليه زوجك﴾ فقال علي بن الحسين : ليس كذلك ؛ لأن الله تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيداً سيطلقها، فلما جاء زيد وقال : إني أريد أن أطلقها قال له :﴿أمسك عليك زوجك﴾ فعاتبه الله تعالى وقال :«لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك » وهذا هو اللائق والأليق بحال الأنبياء عليهم السلام، وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى :﴿فلما قضى زيد منها وطرأ﴾ أي : حاجة من زواجها والدخول بها، وذلك بانقضاء عدتها منه ؛ لأن به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته وإلا راجعها ﴿زوجناكها﴾ أي : ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفاً لك ولها بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس. ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها ستكون زوجة له. وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد : إن التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي. قال البغوي : وهذا هو الأولى والأليق وإن كان الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء عليهم السلام ؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم ؛ لأن الود وميل النفس من طبع البشر، وقوله :﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله :﴿والله أحق أن تخشاه﴾ لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه الصلاة والسلام قال :«أنا أخشاكم لله وأتقاكم له » ولكن المعنى : الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخشى أحداً معه، فأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً. ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء انتهى. وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال :«لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد : اذهب فاذكرها علي قال : فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت : يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن قال : ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن : يا رسول الله كيف وجدت أهلك ؟ قال : فما أدري، أنا أخبرته أن القوم خرجوا أو أخبرني قال : فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ». وعن أنس رضي الله عنه قال :«ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة » وفي رواية :«أكثر وأفضل ما أولم على زينب » قال ثابت : فما أولم قال : أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه قال أنس رضي الله عنه :«كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات » وقال الشعبي :«كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن : جدي وجدك واحد، وأنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام » وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان قال :«جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد يقال له : زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول : أين زيد ؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فضلاً، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقالت : ليس هو ههنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن بسبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد : ألا قلت له أن يدخل قالت : قد عرضت ذلك عليه فأبى قال : فسمعت شيئاً منه قالت : سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول : سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿أمسك عليك زوجك﴾ فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره فيقول :﴿أمسك عليك زوجك﴾ ففارقها زيد واعتزلها وانقضت عدتها، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة إذ أخذته غشية، فسري عنه وهو يبتسم ويقول : من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وقرأ ﴿وإذ تقول للذي﴾ الآية قالت عائشة : فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت : هي تفخر علينا بهذا ». ولما ذكر تعالى التزويج على ما له من العظمة ذكر علته بقوله تعالى :﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ أي : ضيق وإثم ﴿في أزواج أدعيائهم﴾ أي : الذين تبنوهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة ﴿إذا قضوا منهن وطرا﴾ أي : حاجة بالدخول بهن، ثم الطلاق وانقضاء العدة. فائدة : لا مقطوعة في الرسم من ﴿لكي﴾. تنبيه : الأدعياء : جمع دعي وهو المتبنى أي : زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبنى، بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحل للأب ﴿وكان أمر الله﴾ من الحكم بتزويجها وإن كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله تعالى به كراهية لسوء المقالة واستحياء من ذلك، وكذا كل أمر يريده سبحانه ﴿مفعولاً﴾ أي : قضاء الله تعالى ماضياً وحكمه نافذاً في كل ما أراده لا معقب لحكمه.

الأحزاب 33:38

﴿ما كان على النبي﴾ أي : الذي منزلته من الله تعالى الاطلاع على ألا يطلع عليه غيره من الخلق ﴿من حرج فيما فرض﴾ أي : قدر ﴿الله﴾ بما له من صفات الكمال وأوجبه ﴿له﴾ لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقاً حرج في ذلك فكيف برأس المؤمنين ؟ وقوله تعالى ﴿سنة الله﴾ منصوب بنزع الخافض أي : كسنة الله ﴿في الذين خلوا من قبل﴾ من الأنبياء عليهم السلام أنه لا حرج عليهم فيما أباح لهم، قال الكلبي ومقاتل : أراد داود عليه السلام حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها، فكذلك جمع بين محمد وبين زينب. وقيل : أراد بالسنة النكاح فإنه من سنة الأنبياء عليهم السلام، فكان من كان من الأنبياء عليهم السلام هذا سنتهم، فقد كان لسليمان بن داود عليهما السلام ألف امرأة، وكان لداود مائة امرأة ﴿وكان أمر الله﴾ أي : قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره ﴿قدراً﴾ وأكده بقوله تعالى :﴿مقدوراً﴾ أي : لا خلف فيه ولابد من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه فيه.

الأحزاب 33:39

وقوله تعالى :﴿الذين﴾ نعت للذين قبله ﴿يبلغون﴾ أي : إلى أممهم ﴿رسالات الله﴾ أي : الملك الأعظم، سواء كانت في نكاح أم غيره ﴿ويخشونه﴾ أي : فيخبرون بكل ما أخبرهم به ﴿ولا يخشون أحداً﴾ قل أو جلَّ ﴿إلا الله﴾ فلا يخشون قالة الناس فيما أحل الله لهم ﴿وكفى بالله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿حسيباً﴾ أي : حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم.

الأحزاب 33:40

ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابناً وكانوا قد قالوا : لما تزوج زينب كما رواه الترمذي عن عائشة تزوج حليلة ابنه قال تعالى :﴿ما كان﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿محمد﴾ أي : على كثرة نسائه وأولاده ﴿أبا أحد من رجالكم﴾ لا مجازاً بالتبني ولا حقيقة بالولادة، فثبت بذلك أنه يحرم عليه زوجة الابن، ولم يقل تعالى من بنيكم ؛ لأنه لم يكن له في ذلك الوقت سنة خمس، وما داناها ابن ذكر لعلمه تعالى أنه سيولد له ابنه إبراهيم عليه السلام مع ما كان له قبله من البنين الطاهر والطيب والقاسم، وأنه لم يبلغ أحد منهم الحلم عليهم السلام. قال البيضاوي : ولو بلغوا لكانوا رجاله لا رجالهم. انتهى. وهذا إنما يأتي على أن المراد التبني. وقال البغوي : والصحيح أنه أراد بأحد من رجالكم : الذين لم يلدهم. انتهى. ومع هذا الأول أوجه كما جرى عليه البقاعي. ثم لما نفى تعالى أبوته عنهم قال :﴿ولكن﴾ كان في علم الله غيباً وشهادة ﴿رسول الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده ﴿وخاتم النبيين﴾ أي : آخرهم الذي ختمهم لأن رسالته عامة ومعها إعجاز القرآن فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، وذلك مفض لئلا يبلغ له ولد إذ لو بلغ له ولد، لاق بمنصبه أن يكون نبياً إكراماً له ؛ لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظمهم شرفاً، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها وأعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلاً لكان نبياً بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله تعالى أن لا يكون بعده نبي إكراماً له. روى أحمد وابن ماجة عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم عليه السلام :«لو عاش لكان صديقاً نبياً » وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب. وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى :«لو قضي أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده » وقال ابن عباس رضي الله عنه : يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون من بعده نبياً. وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه : لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولداً ذكراً يصير رجلاً. وقيل : من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم، إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره، والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي مطلقاً بشرع جديد ولا يتجدد بعده مطلقاً استنباء، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتماً على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده، ولأن فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله. وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام، فلم يبق بعد ذلك مرام :«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » وأما تجديد ما وهى مما أحدث بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله عز وجل ؛ لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئاً منه، فمهما حصل ذهول عن ذلك قرره من يريد الله تعالى من العلماء فيعود الاستبصار، كما روي في بعض الآثار :«علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » وأما إتيان عيسى عليه السلام بعد تجديد الهدى لجميع ما وهى من أركان المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة يأجوج ومأجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي، وما أحسن قول حسان بن ثابت في مرثية لإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم : مضى ابنك محمود العواقب لم يشب؍ بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل؍ رأى أنه إن عاش ساواك في العلا؍ فآثر أن تبقى وحيداً بلا مثل؍ وقال الغزالي في آخر كتابه الاقتصاد : إن الأمة فهمت من هذا اللفظ ومن قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه أفهم عدم نبي بعده أبداً، وعدم رسول بعده أبداً، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص. وقال : إن من أوله بتخصيص النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه من أنواع الهذيان لا يمنع الحكم بتكفيره ؛ لأنه مكذب لهذا النص الذي أجمعت الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص انتهى. وقد بان بهذا أن إتيان عيسى عليه السلام غير قادح في هذا النص، فإنه من أمته صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته، وهو قد كان نبياً قبله لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحاً في الختم. وهو مثبت لشرف نبينا صلى الله عليه وسلم إذ لولاه لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا وله صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي مقررة لشريعة موسى عليه السلام مجددة لها، فكان المقرر لشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم المتبع لملته من كان ناسخاً لشريعة موسى صلى الله عليه وسلم، وقرأ عاصم بفتح التاء والباقون بكسرها، فالفتح : اسم للآلة التي يختم بها كالطابع والقالب لما يطبع به ويقلب فيه، والكسر على أنه اسم فاعل. وقال بعضهم : هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه ختم النبيين فهو خاتمهم ﴿وكان الله﴾ أي : الذي له كل صفة كمال أزلاً وأبداً ﴿بكل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء. قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس : في سؤال القبر واختصاصه صلى الله عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية علماً وصفه برهان على ختمه، إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ ( يونس، ١٠ ) وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحكم بنيانه، ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون بسواها، فكنت أنا موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل » وقال عليه الصلاة والسلام :«إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الله تعالى الناس على قدمي، وأنا العاقب » والعاقب الذي ليس بعده نبي.

الأحزاب 33:41

ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه وتعالى من إحاطة العلم مستلزماً للإحاطة بأوصاف الكمال قال تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اذكروا الله﴾ الذي هو أعظم من كل شيء تصديقاً لدعواكم ذلك ﴿ذكراً كثيراً﴾ قال ابن عباس : لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوباً على عقله. وأمرهم به في الأحوال فقال تعالى :﴿فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم﴾ ( النساء : ١٠٣ ) وقال تعالى :﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ أي : بالليل والنهار والبر والبحر والصحة والسقم في السر والعلانية، وقال مجاهد : الذكر الكثير : أن لا ينساه أبداً، فيعم ذلك سائر الأوقات وسائر ما هو أهله من التقديس والتهليل والتمجيد.

الأحزاب 33:42

﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ أي : أول النهار وآخره خصوصاً، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات ؛ لكونهما مشهودين. كإفراد التسبيح من جملة الإذكار لأنه العمدة فيها، وقال البغوي : وسبحوه أي : صلوا له بكرة أي : صلاة الصبح، وأصيلا يعني صلاة العصر. وقال الكلبي : وأصيلا يعني صلاة الظهر والعصر والعشاءين وقال مجاهد : معناه قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن إخوانه، وقيل : المراد من قوله تعالى :﴿ذكراً كثيراً﴾ هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث.

الأحزاب 33:43

وعن أنس لما نزل قوله تعالى :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ ( الأحزاب : ٥٦ ) وقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ما أنزل الله تعالى عليك خيراً إلا أشركنا فيه أنزل الله تعالى :﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ أي : يرحمكم ﴿وملائكته﴾ أي : يستغفرون لكم، فالصلاة من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة استغفار للمؤمنين، فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين على الذكر والتسبيح. قال السدي : قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : أيصلي ربنا ؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى الله تعالى إليه قل لهم : إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كل شيء، وقيل : الصلاة من الله : هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل : الثناء عليه. واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم، وهو سبب للرحمة من حيث إنهم مجابو الدعوة، فقد اشتركت الصلاتان، واللفظ المشترك يجوز استعماله في معنييه معاً، وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال الرازي : وينسب هذا القول للشافعي رحمه الله تعالى وهو غير بعيد، وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له، والمراد : هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية. ولما كان فعل الملائكة منسوباً إليه قال تعالى :﴿ليخرجكم﴾ أي : ليديم إخراجه إياكم بذلك ﴿من الظلمات﴾ أي : الكفر والمعصية ﴿إلى النور﴾ إلى الإيمان والطاعة، أو ليخرجكم من الجهل الموجب للضلال إلى العلم المثمر للهدى ﴿وكان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿بالمؤمنين﴾ أي : الذين صار الإيمان وصفاً لهم ﴿رحيماً﴾ أي : بليغ الرحمة بتوفيقهم حيث اعتنى بصلاح أمرهم واستعمل في ذلك ملائكته المقربين فحملهم ذلك على الإخلاص في الطاعات فرفع لهم الدرجات في روضات الجنات.

الأحزاب 33:44

﴿تحيتهم﴾ أي : المؤمنين ﴿يوم يلقونه﴾ أي : يرون الله تعالى ﴿سلام﴾ أي : يسلم الله تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراء بن عازب قال :﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ يعني يلقون ملك الموت فلا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه، وعن ابن مسعود قال : إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام، وقيل : تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم ﴿وأعد﴾ أي : والحال أنه أعد ﴿لهم﴾ أي : بعد السلامة الدائمة ﴿أجراً كريماً﴾ هو الجنة، وتقدم ذكر الكريم في الرزق، فإن قيل : الإعداد إنما يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز، فحيث يلقاه يؤتيه ما يرضى به وزيادة، فما معنى الإعداد من قبل ؟ أجيب : بأن الإعداد للإكرام لا للحاجة. قال البيضاوي : ولعل اختلاف النظم لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم.

الأحزاب 33:45

﴿يا أيها النبي﴾ أي : الذي نخبره بما لا يطلع عليه غيره ﴿إنا أرسلناك﴾ أي : بعظمتنا إلى سائر خلقنا ﴿شاهداً﴾ أي : عليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالتهم، وشاهداً للرسل بالتبليغ، وهو حال مقدرة أو مقارنة لقرب الزمان ﴿ومبشراً﴾ أي : لمن آمن بالجنة ﴿ونذيراً﴾ أي : لمن كذب بالنار.

الأحزاب 33:46

﴿وداعياً إلى الله﴾ أي : إلى توحيده وطاعته، وقوله تعالى :﴿بإذنه﴾ حال أي : متلبساً بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن ؛ لأنه مستفاد من أرسلناك ﴿وسراجاً﴾ أي : مثله في الاهتداء به يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم للمبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الإبصار ﴿منيراً﴾ أي : نيراً على من اتبعه فيصير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام. وعبر به دون الشمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج ؛ لأن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة، إذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك إن غاب النبي صلى الله عليه وسلم كان كل صحابي سراجاً يؤخذ منه نور الهداية كما قال صلى الله عليه وسلم :«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ». قال ابن عادل : وفي هذا الخبر لطيفة : وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم، لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور يستفاد منه، فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤخذ إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو جعلهم كالسرج والنبي صلى الله عليه وسلم كان سراجاً كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار وليس كذلك، فإن مع نص النبي صلى الله عليه وسلم لا يعمل بقول الصحابي، بل يؤخذ النور من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله سراجاً. تنبيه : جوز الفراء أن يكون الأصل وتالياً سراجاً، ويعني بالسراج : القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي الذات واحدة ؛ لأن التالي هو المرسل.

الأحزاب 33:47

وقوله تعالى :﴿وبشر المؤمنين﴾ عطف على محذوف، مثل فراقب أحوال أمتك. ولم يقل أنذر المعرضين إشارة للكرم. وقوله تعالى :﴿بأن لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ كقوله تعالى ﴿والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ ( الأحزاب : ٣٥ ) والعظيم والكبير متقاربان.

الأحزاب 33:48

ولما أمره سبحانه وتعالى بما يسر نهاه عما يضر بقوله تعالى :﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ أي : لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلت إليك من الإنذار وغيره كراهة لشيء من مقالهم وأفعالهم في أمر زينب وغيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحاً بما اقتضاه ما قبله ﴿ودع﴾ أي : اترك على حالة حسنة لك وأمر جميل بك ﴿أذاهم﴾ فلا تحسب له حساباً أصلاً، واصبر عليه فإن الله تعالى دافع عنك لأنك داع بإذنه ﴿وتوكل على الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿وكفى بالله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة ﴿وكيلاً﴾ أي : حافظاً. قال البغوي : وهذا منسوخ بآية القتال.

الأحزاب 33:49

ولما بدأ الله تعالى بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر ما يتعلق بجانب الله تعالى بقوله تعالى :﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وثنى بما يتعلق بجانب من هو تحت يده من أزواجه الشريفات بقوله تعالى : بعده :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ وثلث بما يتعلق بذكر العامة بقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً﴾ وكان تعالى كلما ذكر لنبيه مكرمة وعلمه أدباً ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فلذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بجانب الله تعالى فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾ أي : عقدتم على الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضى لغاية الرغبة فيهن، وأتم الوصلة بينكم وبينهن ثم كما ثلث في تأديب النبي صلى الله عليه وسلم بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بهم فقال بعد هذا :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ ( الأحزاب : ٥٣ ) ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً﴾ ( الأحزاب : ٥٦ ) فإن قيل : إذا كان هذا إرشاداً بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى :﴿ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ أي : تجامعوهن، أطلق المس على الجماع ؛ لأنه طريق له كما سمى الخمر إثماً ؛ لأنها سببه ؟ أجيب : بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها. وبيانه : أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد، ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة :﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ ( النساء : ٢١ ) فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء، أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما، وهذا كقوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف﴾ ( الإسراء : ٢٣ ) ولو قال : لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو الشتم لهما، فأما إذا قال :﴿لا تقل لهما أف﴾ لعلم منه معان كثيرة فكذلك ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة، ومن لم تطلق بعد، ومن ولدت عنده منه، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم. ولما كانت العدة حقاً للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق الله تعالى قال تعالى :﴿فما لكم عليهن من عدة﴾ أي : أياماً يتربصن فيها بأنفسهن ﴿تعتدونها﴾ أي : تحصونها وتستوفونها بالإقراء وغيرها، فتعتدونها صفة لعدة، وتعتدونها إما من العدد، وإما من الاعتداد، أو تحسبونها أو تستوفون عددها من قولك : عد الدراهم فاعتدها أي : استوفى عددها نحو : كلته فاكتال ووزنته فاتزن، فإن قيل : ما الفائدة في الاتيان بثم وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك ؟ أجيب : بأن ذلك إزاحة لما قد يتوهم أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابة كما يؤثر في النسب فيؤثر في العدة، وظاهره يقتضي عدم وجود العدة بمجرد الخلوة، وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيراً لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح ؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي للتراخي حتى لو قال لأجنبية : إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق. وهو قول علي وابن مسعود وجابر ومعاذ وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وبه قال أهل العلم : منهم الشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهما. وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي : وقال ربيعة ومالك والأوزاعي : إن عيّن امرأة يقع وإن عمم فلا يقع. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كذبوا على ابن مسعود رضي الله عنه، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول : إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى :﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن. وروى عطاء عن جابر : لا طلاق قبل النكاح وقوله تعالى :﴿فمتعوهن﴾ أي : أعطوهن ما يستمتعن به محله كما قال ابن عباس رضي الله عنه : إذا لم يكن سمى لها صداقاً وإلا فلها نصف الصداق ولا متعة لها، وقال قتادة : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿فنصف ما فرضتم﴾ ( البقرة : ٢٣٧ ) أي : فلا متعة لها مع وجوب نصف الفرض. واختلف في المتعة هل هي واجبة، أو مندوبة ؟ وهي عندنا : واجبة بشروط وقد تقدم، والكلام عليها عند قوله تعالى :﴿فتعالين أمتعكن﴾ وعند بعض الأئمة أنها مندوبة، وقال بعضهم : هي مندوبة عند استحقاقها نصف المهر، واجبة عند عدمه، وذهب بعضهم إلى أنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية ﴿وسرحوهن سراحاً جميلاً﴾ أي : خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار، وليس لكم عليهن عدة، وقيل : السراح الجميل أن لا يطالب بما دفعه إليها بأن يخلي لها جميع المهر.

الأحزاب 33:50

وقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ أي : مهورهن ؛ لأن المهر أجر على البضع بيان لإيثار الأفضل له لا لتوقف الحل عليه، وليفيد إحلال المملوكة بكونها مسببة بقوله تعالى :﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿عليك﴾ مثل صفية بنت حيي النضيرية، وريحانة القرظية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، مما كن في أيدي الكفار، وتقييد الأقارب بكونهن مهاجرات معه في قوله تعالى ﴿وبنات عمك﴾ أي : الشقيق وغيره ﴿وبنات عماتك﴾ أي : نساء قريش. ولما بدأ بالعمومة لشرفها أتبعها قوله تعالى :﴿وبنات خالك﴾ جارياً في الإفراد والجمع على ذلك النحو ﴿وبنات خالاتك﴾ من نساء بني زهرة، وقال البقاعي : ويمكن في ذلك احتباك عجيب وهو بنات عمك، وبنات أعمامك، وبنات عماتك، وبنات عمتك، وبنات خالك، وبنات أخوالك، وبنات خالتك انتهى. وقوله تعالى :﴿اللاتي هاجرن معك﴾ يحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة. ويعضده ما روى الترمذي والحاكم عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم :«فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ الآية فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء أي : الأسراء الذين أطلقوا من الأسر، وخلى سبيلهم » قال ابن عادل : ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل انتهى. ثم إن الله تعالى ذكر ما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿وامرأة﴾ أي : حرة ﴿مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي﴾ أي : الذي أعلينا قدره بما خصصناه به ﴿أن يستنكحها﴾ أي : يوجد نكاحه لها بجعلها من منكوحاته فتصير له بمجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود، وخرج بالمؤمنة الكتابية فلا تحل له ؛ لأنها تكره صحبته، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ولقوله تعالى :﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ( الأحزاب : ٦ ) ولا يجوز أن تكون المشركة أم المؤمنين، ولخبر :«سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني » رواه الحاكم وصحح إسناده، وأما التسري بالكتابية فلا يحرم عليه، قال الماوردي : لأنه صلى الله عليه وسلم تسرى بريحانة وكانت يهودية من بني قريظة، واستشكل بهذا تعليلهم السابق بأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، وأجيب : بأن القصد بالنكاح أصالة التوالد فاحتيط له، وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة المشركة أم المؤمنين بخلاف الملك فيها، وخرج بالحرة الرقيقة وإن كانت مؤمنة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت وهو معصوم، وبفقدان مهر حرة، ونكاحه غني عن المهر ابتداءً وانتهاءً، وبرِقِّ الولد ومنصبه صلى الله عليه وسلم منزه عنه. تنبيه : في نصب امرأة وجهان : أحدهما : أنه عطف على مفعول أحللنا أي : وأحللنا لك امرأة موصوفة بهذين الشرطين. قال أبو البقاء : وقد رد هذا قوم وقالوا : أحللنا ماض، وإن وهبت وهو صفة المرأة مستقبل، فأحللنا في موضع جوابه، وجواب الشرط لا يكون ماضياً في المعنى، قال : وهذا ليس بصحيح لأن معنى الإحلال ههنا : الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك كما تقول : أبحت لك أن تكلم فلاناً إن سلم عليك. والثاني : أنه نصب بمقدر تقديره ونحل لك امرأة، وفي قول الله تعالى :﴿إن وهبت﴾ إن أراد اعتراض الشرط على الشرط، والثاني : هو قيد في الأول ولذلك تعربه حالاً ؛ لأن الحال قيد، ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود، فلو قال لزوجته : إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بُدَّ أن يتقدم الركوب على الأكل وهذا لتحقيق الحالية والتقييد كما ذكر، إذ لو لم يتقدم لخلا جزء من الأكل غير مقيد بركوب، فلهذا اشترط تقدم الثاني، ولكن يشترط أن لا يكون ثم قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقوله لامرأة : إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر لا يتصور هنا تقدم الطلاق على التزوج، قال بعض المفسرين : وقد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية وذلك أن الشرط الثاني ههنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يمكن عقلاً، وذلك أن المفسرين فسروا قوله تعالى :﴿إن أراد﴾ بمعنى قبل الهبة لأن بالقبول منه صلى الله عليه وسلم يتم نكاحه وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة ؛ إذ القبول متأخر، فإن العصمة كانت في تأخر إرادته عن هبتها. ولما جاء أبو حيان إلى هنا جعل الشرط الثاني مقدماً على الأول على القاعدة العامة، ولم يستشكل شيئاً مما ذكر. قال ذلك البعض. وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به ولم يظهر عنه جواب إلا ما قدمته من أنه ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلته آنفاً. ولما كان ربما فهم أن غير النبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في هذا المعنى قال الله منبهاً للخصوصية :﴿خالصة لك﴾ وزاد المعنى بياناً بقوله تعالى :﴿من دون المؤمنين﴾ أي : من الأنبياء وغيرهم. تنبيهات : الأول في إعراب خالصة وفيه أوجه : أحدها : أنه منصوب على الحال من فاعل وهبت أي : حالة كونها خالصة لك دون غيرك. ثانيها : أنه نعت مصدرٍ مقدّر أي : هبة خالصة فنصبه بوهبت. ثالثها : أنه حال من امرأة ؛ لأنها وصفت فتخصصت، وهو بمعنى الأول، وإليه ذهب الزجاج، وقيل غير ذلك. والمعنى : أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق. التنبيه الثاني : في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة وفيه خلاف : فقال سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء : لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وبه قال مالك وربيعة والشافعي. ومعنى الآية : أن إباحة الوطء بالهبة وحصول التزويج بلفظها من خواصه صلى الله عليه وسلم وقال النخعي وأبو حنيفة وأهل الكوفة : ينعقد بلفظ الهبة والتمليك. وأن معنى الآية : أن تلك المرأة صارت خالصة لك زوجة من أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبداً بالتزويج، وأجيب : بأن هذا التخصيص بالواهبة لا فائدة فيه، فإن أزواجه صلى الله عليه وسلم كلهن خالصات له، وما مر فللتخصيص فائدة. التنبيه الثالث : في التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم هل كانت عنده امرأة منهن ؟ فقال عبد الله بن عباس ومجاهد : لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وقوله تعالى ﴿وهبت نفسها﴾ على طريق الشرط والجزاء، وقال غيرهما : بل كانت موهوبة وهو ظاهر الآية، واختلفوا فيها : فقال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة الهلالية يقال لها : أم المساكين، وقال قتادة : هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة بن الزبير : هي خولة بنت حكيم من بني سليم. التنبيه الرابع : في ذكر شيء من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت منها أشياء كثيرة ينشرح الصدر بها في شرح التنبيه فلا أطيل بذكرها هنا، ولكن أذكر منها طرفاً يسيراً تبركاً ببركة صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن ذكرها مستحب. قال النووي في روضته : ولا يبعد القول بوجوبها لئلا يرى الجاهل بعض الخصائص في الخبر الصحيح فيعمل به أخذاً بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف وهي أربعة أنواع : أحدها الواجبات وهي أشياء كثيرة : منها الضحى، والوتر، والأضحية، وفي الحديث ما يدل على أن الواجب أقل الضحى، وقياسه أن الوتر كذلك. ومنها السواك لكل صلاة، والمشاورة لذوي الأحلام في الأمر، وتخيير نسائه بين مفارقته طلباً للدنيا واختياره طلباً للآخرة، ولا يشترط الجواب له منهن فوراً، فلو اختارته واحدة لم يحرم عليه طلاقها أو كرهته توقفت الفرقة على الطلاق، وليس قولها : اخترت نفسي بطلاق كما مرت الإشارة إليه، وله تزوجها بعد الفراق. النوع الثاني : المحرمات : وهي أشياء كثيرة منها الزكاة والصدقة وتعلم الخط والشعر ومد العين إلى متاع الدنيا. وخائنة الأعين وهي : الإيماء بما يظهر خلافه دون الخديعة في الحرب، وإمساك من كرهت نكاحه. ومنها نكاح كتابية لا للتسري بها كما مر، ولا يحرم عليه أكل الثوم ونحوه ولا الأكل متكئاً. النوع الثالث : التخفيفات والمباحات : وهي كثيرة جداً منها : تزويج من شاء من النساء لمن شاء ولو لنفسه بغير إذن من المرأة ووليها متولياً للطرفين، وزوجه الله تعالى، وأبيح له الوصال ونصفي المغنم. ويحكم ويشهد لولده ولو لنفسه، وأبيح له نكاح تسع، وقد تزوج صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ومات عن تسع، قال الأئمة : وكثرة الزوجات في حقه صلى الله عليه وسلم للتوسعة في تبليغ الأحكام عنه الواقعة سراً مما لا يطلع عليه الرجال، ونقل محاسنه الباطنة فإنه صلى الله عليه وسلم، تكمل له الظاهر والباطن، وحرم عليه الزيادة عليهن، ثم نسخ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وينعقد نكاحه محرماً وبلفظ الهبة إيجاباً لا قبولاً، بل يجب لفظ النكاح أو التزويج لظاهر قوله تعالى :﴿إن أراد النبي أن يستنكحها﴾ ولا مهر للواهبة له وإن دخل بها، وتجب إجابته على امرأة رغب فيها، ويجب على زوجها طلاقها لينكحها. النوع الرابع : الفضائل : وهي كثيرة لا تدخل تحت الحصر منها : تحريم منكوحاته على غيره سواء كن موطوآت أم لا، مطلقات باختيارهن أم لا، وتحريم سراريه وهن إماؤه الموطوآت بخلاف غير الموطوآت، وتقدم أن نساءه أمهات المؤمنين لا المؤمنات بخلافه صلى الله عليه وسلم فإنه أبو الرجال والنساء، وتقدم الكلام على قوله تعالى :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ ( الأحزاب : ٤٠ ) وإن ثوابهن وعقابهن مضاعف. ومنها أنه يحرم سؤالهن إلا من وراء حجاب، وأفضلهن خديجة ثم عائشة، وأفضل نساء العالمين مريم بنت عمران إذ قيل بنبوتها، ثم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خديجة، ثم عائشة، ثم آسية امرأة فرعون، وأما خبر الطبراني : خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه : بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. ومنها : أنه أول النبيين خلقاً وأفضل الخلق على الإطلاق، وخص بتقديم نبوته فكان نبياً وآدم منجدل في طينته، وبتقديم أخذ الميثاق عليه، وبأنه أول من قال : بلى وقت ﴿ألست بربكم﴾ وبخلق آدم وجميع المخلوقات من أجله، وبكتابة اسمه الشريف على العرش والسماوات والجنات وسائر ما في الملكوت، وبشق صدره الشريف، وبجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه، وبحراسة السماء من استراق السمع والرمي بالشهب، وبإحياء أبويه حتى آمنا به، وبأنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة، وأول شافع وأول مشفع، وأكرم بالشفاعات الخمس يوم القيامة : أولها : العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعون إليه بعد الأنبياء. الثانية : في إدخال خلق الجنة بغير حساب جعلنا الله وأحبابنا منهم. الثالثة : في ناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها. الرابعة : في ناس دخلوا النار فيخرجون منها. الخامسة : في رفع درجات ناس في الجنة وكلها ثبتت بالأخبار، وخص منها بالعظمى ودخول خلق من أمته الجنة بغير حساب وهي الثانية. قال النووي في روضته : ويجوز

الأحزاب 33:51

ولما ذكر تعالى ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن وكان صلى الله عليه وسلم أعدل الناس فيهما وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهن ويعتذر مع ذلك عن ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله :«اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك » خفف عنه سبحانه وتعالى بقوله :﴿ترجي﴾ أي : تؤخر وتترك مصاحبتها ﴿من تشاء منهن وتؤوي﴾ أي : تضم ﴿إليك من تشاء﴾ وتضاجعها، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بياء ساكنة بعد الجيم من الإرجاء أي : تؤخرها مع أفعال تكون بها راجية لعطفك، والباقون بهمزة مضمومة وهو مطلق التأخير ﴿ومن ابتغيت﴾ أي : طلبت ﴿ممن عزلت﴾ أي : من القسمة ﴿فلا جناج عليك﴾ أي : في وطئها وضمها إليك. تنبيه : اختلف المفسرون في معنى هذه الآية : فأشهر الأقوال أنها في القسم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت واجبة عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة في النفقة فهجرهن النبي صلى الله عليه وسلم شهراً حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله عز وجل أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، وأن لا ينكحن أبداً، وعلى أن يؤوي إليه من يشاء ويرجي من يشاء فيرضين، قسم لهن أو لم يقسم قسم، لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط، وذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع. والرجل وإن لم يكن نبياً فالزوجة في ملك نكاحه، والنكاح عليها رق، فكيف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة إليه، فإذا هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات. واختلفوا هل أخرج أحداً منهن عن القسم ؟ فقال بعضهم : لم يخرج أحداً منهن عن القسم بل :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك يسوي بينهن في القسم، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة » وقيل : أخرج بعضهن. روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال : لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن يا رسول الله : اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا فنزلت هذه الآية فأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن، وآوى إليه بعضهن، فكان ممن أوى : عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، وكان يقسم بينهن سواء، وأرجأ منهن خمساً : أم حبيبة وميمونة وسودة وصفية وجويرية، فكان لا يقسم لهن ما شاء، وقال مجاهد :﴿ترجي من تشاء منهن﴾ أي : تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد، وقال ابن عباس : تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. وقال الحسن : تترك نكاح من شئت من نساء أمتك. قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها، وروى هشام عن أبيه قال :«كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت : يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك » ﴿ذلك﴾ أي : التفويض إلى مشيئتك ﴿أدنى﴾ أي : أقرب ﴿أن﴾ أي : إلى أن ﴿تقر أعينهن﴾ أي : بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد ؛ لأن من كان كذلك كانت عينه قارة، ومن كان مهموماً كانت عينه كثيرة التقلب، هذا إذا كان من القرار بمعنى السكون. ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد الحر ؛ لأن المسرور تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فذلك يقال للصديق : أقر الله تعالى عينك. وللعدو : سخن الله عينك ﴿ولا يحزن﴾ أي : بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك ﴿ويرضين﴾ لعلمهن أن ذلك من الله تعالى ﴿بما أتيتهن﴾ أي : من الأجور ونحوها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها. ثم أكد ذلك بقوله تعالى :﴿كلهن﴾ أي : ليس منهن واحدة لا هي كذلك ؛ لأن حكم كلهن فيه سواء، إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن نفوسهن، وزاد ذلك تأكيداً لما لذلك من الغرابة بقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : بما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يعلم ما في قلوبكم﴾ أي : الخلائق كلهم، فلا يدع أن يعلم ما في قلوب هؤلاء ﴿وكان الله﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي : بكل شيء من يطيعه ومن يعصيه ﴿حليماً﴾ لا يعاجل من عصاه بل يديم إحسانه إليه في الدنيا، فيجب أن يتقى لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه وحلمه مقتضٍ للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديدٌ، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، ويرفع قدره ويعلي ذكره. وروى البخاري في التفسير عن معاذ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من تشاء﴾ الآية قلت لها : ما كنت تقولين ؟ قالت : كنت أقول له : إن كان ذاك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً ».

الأحزاب 33:52

ولما أمره الله تعالى بالتخيير وخيرهن واخترن الله ورسوله زاد الله تعالى سرورهن بقوله تعالى :﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ أي : بعد من معك من هؤلاء التسع اللاتي اخترنك شكراً من الله لهن ؛ لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله فحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن بقوله تعالى :﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي : هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله تعالى :﴿من﴾ أي : شيئاً من ﴿أزواج﴾ أي : بأن تطلقهن أي : هؤلاء المعينات أو بعضهن وتأخذ بدلها من غيرهن ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ أي : النساء المغايرات لمن معك. قال ابن عباس : يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنُهي عن ذلك، وقرأ أبو عمرو لا تحل لك بالتاء الفوقية والباقون بالياء التحتية، وشدد البزي التاء من أن تبذل. تنبيه : في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة، واحتج لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة وقد خطب امرأة :«انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أن تدوم المودة والإلفة » رواه الحاكم وصححه. وقوله تعالى :﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ استثناء من النساء ؛ لأنه يتناول الأزواج والإماء أي : فتحل لك، وقد ملك بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات، واختلفوا هل أبيح له النساء من بعد ؟ قالت عائشة :«ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء » أي : فنسخ ذلك، وأبيح له أن ينكح أكثر منهن بآية ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾، فإن قيل : هذه الآية متقدمة وشرط الناسخ أن يكون متأخراً ؟ أجيب : بأنها مؤخرة في النزول مقدمة في التلاوة، وهذا أصح الأقوال. وقال أنس : مات على التحريم، وقال عكرمة والضحاك : معنى الآية لا تحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها، وقيل لأبي بن كعب : لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له أن يتزوج فقال : وما يمنعه من ذلك ! قيل : قوله تعالى :﴿لا تحل لك النساء من بعد﴾ قال : إنما أحل الله تعالى له ضرباً من النساء فقال :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ ( الأحزاب : ٥٠ ) ثم قال ﴿لا تحل لك النساء من بعد﴾ قال أبو صالح : أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة، والخال والخالة إن شاء ثلثمائة وقال مجاهد : معناه لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول : ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى. وقال ابن زيد في قوله تعالى :﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يقول الرجل للرجل : بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله تعالى :﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ يعني : تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلا ما ملكت يمينك فلا بأس أن تبادل بجاريتك من شئت، فأما الحرائر فلا. روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن ومعه عائشة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :«يا عيينة أين الاستئذان قال : يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر مذ أدركت، ثم قال : من هذه الحميرة إلى جنبك فقال : هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد حرم ذلك، فلما خرج قالت عائشة : من هذا يا رسول الله ؟ قال : هذا أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه ». ولما أمر تعالى في هذه الآيات بأشياء ونهى عن أشياء، وحد حدوداً حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل بقوله تعالى :﴿وكان الله﴾ أي : الذي لا شيء أعظم منه وهو المحيط بجميع صفات الكمال ﴿على كل شيء رقيباً﴾ أي : حافظاً عالماً بكل شيء قادراً عليه فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم وهذا من أشد الأشياء وعيداً.

الأحزاب 33:53

ولما ذكر حالة النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته في قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً﴾ ( الأحزاب : ٤٥ ) ذكر حالهم معه من الاحترام له صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ أي : الذي تأتيه الأنباء من علام الغيوب مما فيه رفعته في حال من الأحوال أصلاً ﴿إلا﴾ في حال ﴿أن يؤذن لكم﴾ أي : ممن له الإذن في بيوته صلى الله عليه وسلم منه، أو ممن يأذن له في الدخول بالدعاء ﴿إلى طعام﴾ أي : أكله حال كونكم ﴿غير ناظرين﴾ أي : منتظرين ﴿إناه﴾ أي : نضجه وهو مصدر أنى يأني، وقرأ هشام وحمزة والكسائي بالإمالة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقاً وكان يراد تقييده قال تعالى :﴿ولكن إذا دعيتم﴾ أي : ممن له الدعوة ﴿فادخلوا﴾ أي : لأجل ما دعاكم له ثم تسبب عنه قوله تعالى :﴿فإذا طعمتم﴾ أي : أكلتم طعاماً أو شربتم شراباً ﴿فانتشروا﴾ أي : اذهبوا حيث شئتم في الحال ولا تمكثوا بعد الأكل أو الشرب لا مستريحين لقرار الطعام ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ أي : طالبين الأنس لأجله. فائدة : قال الحسن : حسبك بالثقلاء أن الله لم يتجوز في أمورهم، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : حسبك بالثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم. ثم علل ذلك بقوله تعالى : مصوباً الخطاب إلى جميعهم معظماً له بأداة البعد ﴿إن ذلكم﴾ أي : الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ ﴿كان يؤذي النبي﴾ أي : الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكون سبب شرفكم وعلوكم في الدارين، فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه، ثم تسبب عن ذلك المانع له من مواجهتهم له بما يزيد أذاه بقوله تعالى :﴿فيستحيي منكم﴾ أي : بأن يأمركم بالانصراف ﴿والله﴾ أي : الذي له جميع الأمر ﴿لا يستحيي من الحق﴾ أي : لا يفعل فعل المستحيي فيؤدّيه ذلك إلى ترك الأمر به. تنبيه : قال أكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب حين بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما روى ابن شهاب قال : أخبرني أنس بن مالك :«أنه كان ابن عشر سنين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال : فكانت أمهاتي توطنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروساً فدعا القوم وأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت معه حتى إذا بلغ حجرة عائشة فظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه الستر ونزلت آية الحجاب، وقال أبو عثمان : واسمه الجعد عن أنس قال : فدخل يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله تعالى ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾. وروي عن ابن عباس :«أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم فنزلت الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية. وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس قال :«بعثتني أم سليم برطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا، وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش قال : فمر بنساء من نسائه وعندهن رجال يتحدثون فهنينه وهناه الناس فقالوا : الحمد لله أقر بعينك يا رسول الله فمضى حتى أتى عائشة فإذا عندها رجال قال : فكره ذلك، وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه قال : فأتيت أم سليم فأخبرتها فقال أبو طلحة : لئن كان كما قال ابنك ليحدثن أمر قال : فلما كان من العشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا﴾ الآية. وروى البخاري وغيره عنه قال :«كان النبي صلى الله عليه وسلم عروساً بزينب فقالت لي أم سليم : لو أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية فقلت لها : افعلي فعمدت إلى تمر وأقط وسمن فاتخذت حيسة في برمة وأرسلت بها معي إليه فقال لي : ضعها ثم أمرني فقال : ادع لي رجالاً سماهم، وادع لي من لقيت ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاص بأهله » وفي رواية الترمذي أن الراوي قال : قلت لأنس : كم كانوا قال : زهاء ثلثمائة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله تعالى، ثم يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول لهم : اذكروا اسم الله تعالى وليأكل كل رجل مما يليه حتى تصدّعوا كلهم عنها، قال الترمذي : فقال لي : يا أنس ارفع فرفعت فما أدري حين وضعت كانت أكثر أو حين رفعت فخرج معي من خرج وبقي قوم يتحدثون فنزلت. ولما كان البيت يطلق على المرأة لملازمتها له عادة أعاد الضمير عليه مراداً به النساء استخداماً فقال تعالى :﴿وإذا سألتموهن﴾ أي : الأزواج ﴿متاعاً﴾ أي : شيئاً من آلات البيت ﴿فاسألوهن﴾ أي : ذلك المتاع كائنين وكائنات ﴿من وراء حجاب﴾ أي : ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين ولا همزة بعدها والباقون بسكون السين وهمزة مفتوحة بعدها ﴿ذلكم﴾ أي : الأمر العالي الرتبة ﴿أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ أي : من وسواس الشيطان والريب لأن العين وزيرة القلب فإذا لم تر العين لم يشته القلب، فأما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر. روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة :«أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله عز وجل الحجاب »، وعن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاثة قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ( البقرة : ١٢٥ ) وقلت : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال : وبلغني ما آذين رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه قال : فدخلت عليهن فجعلت أستقررهن واحدة واحدة فقلت والله لتنتهن أو ليبدله الله تعالى أزواجاً خيراً منكن، حتى أتيت على زينب فقالت : يا عمر أما كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت قال : فخرجت فأنزل الله تعالى ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدّله أزواجاً خيراً منكن﴾ ( التحريم : ٥ ) الآية. ولما بين تعالى للمؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على ملاطفة نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿وما كان﴾ أي : وما صح وما استقام ﴿لكم﴾ في حال من الأحوال ﴿أن تؤذوا رسول الله﴾ فله إليكم من الإحسان ما يستوجب به منكم غاية الإكرام والإجلال فضلاً عن الكف عن الأذى فلا تؤذوه بالدخول إلى شيء من بيوته بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك. ولما كان قد قصر صلى الله عليه وسلم عليهن أحل له غيرهن وقصرهن الله عليه بقوله تعالى :﴿ولا أن تنكحوا﴾ أي : فيما يستقبل من الزمان ﴿أزواجه من بعده﴾ أي : فراقه بموت أو طلاق سواء أدخل بها أم لا ﴿أبداً﴾ زيادة لشرفه وإظهاراً لمزيته، ولأنهن أمهات المؤمنين ولأنهن أزواجه في الجنة، ولأن المرأة في الجنة مع آخر أزواجها كما قاله ابن القشيري، روي أن هذه الآية نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان : هو طلحة بن عبيد الله فأخبر الله تعالى أن ذلك محرم، وقال :﴿إن ذلكم﴾ أي : الإيذاء بالنكاح وغيره ﴿كان عند الله﴾ أي : القادر على كل شيء ﴿عظيماً﴾ أي : ذنباً عظيماً. فإن قيل : روى معمر عن الزهري أن العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت رجلاً وولدت له. أجيب : بأن ذلك كان قبل تحريم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وقيل : لا تحرم غير الموطوءة لما روي أن أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر فهم برجمهما، فأخبر بأنه صلى الله عليه وسلم فارقها قبل أن يمسها فترك من غير نكير، فأما إماؤه صلى الله عليه وسلم فيحرم منهن الموطوءات على غيره إكراماً له بخلاف غير الموطوءات وقيل : لا تحرم الموطوءات أيضاً.

الأحزاب 33:54

ونزل فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم :﴿إن تبدوا﴾ أي : بألسنتكم وغيرها ﴿شيئاً﴾ أي : من ذلك أو غيره ﴿أو تخفوه﴾ في صدوركم ﴿فإن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿كان﴾ أي : أزلاً وأبداً به هكذا كان الأصل، ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال ﴿بكل شيء﴾ أي : من ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ فهو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه فيجازي عليه من ثواب وعقاب، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد.

الأحزاب 33:55

ولما نزلت آية الحجاب قال : الآباء والأبناء والأقارب ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب فنزل قوله تعالى :﴿لا جناح﴾ أي : لا إثم ﴿عليهن في آبائهن﴾ دخولاً وخلوة من غير حجاب سواء كان الأب من النسب أو من الرضاع ﴿ولا أبنائهن﴾ أي : من البطن أو الرضاعة ﴿ولا إخوانهن﴾ لأن عارهنّ عارهم فلا فرق أن يكونوا من النسب أو الرضاع ﴿ولا أبناء إخوانهن﴾ فإنهن بمنزلة آبائهم ﴿ولا أبناء أخواتهن﴾ فإنهن بمنزلة أمهاتهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في الوصل وحققها الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق ﴿ولا نسائهن﴾ أي : المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة، وأما الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال لكن رجح النووي أنه يجوز أن تنظر منها ما يبدو عند المهنة ﴿ولا ما ملكت أيمانهن﴾ من العبيد لأنهم لما لهنّ عليهم من السلطان يبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم. تنبيه : قدم تعالى الآباء ؛ لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر وكيف وهم قد رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر، وإنما الكلام في بني الإخوة حيث قدّمهم الله تعالى على بني الأخوات، لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم، ففي بني الأخوات مفسدة ما، وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك في بني الإخوة. فإن قيل : لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال فلم يقل : ولا أعمامهن ولا أخوالهن. أجيب عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات ؛ لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم، وكذلك الحال في أمر الخالة. وثانيهما : أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم، وكذلك الحال في ابن الخال. وذكر ملك اليمين بعد هذا كله لأن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة وقوله تعالى ﴿واتقين﴾ عطف على محذوف أي : امتثلن ما أمرتن به واتقين ﴿الله﴾ أي : الذي لا شيء أعظم منه فلا تقربن شيئاً مما يكرهه وإنما أمرهن لأن الريبة من جهة النساء أكثر لأنه لا يكاد الرجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها ومخايل أشكالها. ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضراً مطلعاً قال :﴿إن الله﴾ أي : العظيم الشأن ﴿كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء﴾ من أفعالكن وغيرها ﴿شهيداً﴾ أي : لا يغيب عنه شيء وإن دق فهو مطلع عليكن حال الخلوة فلا تخفى عليه خافية.

الأحزاب 33:56

ولما أمر تعالى بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراماً له كمل بيان حرمته بقوله تعالى :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس : أراد أن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن عباس أيضاً : يصلون يبركون والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار وقال أبو العالية : صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء. تنبيه : بيان كمال حرمته في ذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله تعالى :﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ وحالة تكون في ملأ، والملأ إما الملأ الأعلى، وإما الملأ الأدنى أما احترامه في الملأ الأعلى، فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في الملأ الأدنى فقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ أي : ادعو له بالرحمة ﴿وسلموا تسليماً﴾ أي : حيوه بتحية الإسلام وأظهروا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به، ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم. روى عبد الرحمان بن أبي ليلى لقيني كعب بن عجرة فقال : ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : بلى فأهدها لي قال : قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال :«قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد » وروى أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد » وروى ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة »، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً » وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقلنا : إنا لنرى البشرى في وجهك فقال :«جاءني جبريل فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً » وروى عامر بن ربيعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :«من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي، فليقلل العبد من ذلك أو ليكثر »، وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات » وروى عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام ». تنبيه : دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الأمر للوجوب قالوا : وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب في التشهد آخر الصلاة أي : بعده وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله، ولحديث كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال :«قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره » وقيل : تجب كلما ذكر، واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية لقول جابر :«إن النبي صلى الله عليه وسلم رقى المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال : آمين، ثم رقى الثانية فقال : آمين ثم رقى الثالثة فقال : آمين فقالوا : يا رسول الله سمعناك تقول : آمين ثلاث مرات فقال : لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال : شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له فقلت : آمين، ثم قال : شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت : آمين، ثم قال : شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل عليك فقلت : آمين »، وفي رواية رقى المنبر فقال : آمين آمين آمين قيل : يا رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال : قال لي جبريل : رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما لم يدخلاه الجنة فقلت : آمين، ثم قال رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له فقلت : آمين، ثم قال : رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت : آمين »، وكذلك قوله :﴿وسلموا﴾ أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد سلام عليك أيها النبي إلخ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد ولم يذكره في الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله تعالى :﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وأقل الصلاة عليه اللهم صل على محمد، وأكملها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما. فائدة : كل الأنبياء من بعد إبراهيم عليه السلام من ولده إسحاق إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه من نسل إسماعيل، ولم يكن من نسله نبي غيره وخص إبراهيم عليه السلام بالذكر لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لنبي غيره فقال الله تعالى :﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ ( هود : ٧٣ ). فإن قيل : إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا ؟ أجيب : بأن الصلاة عليه ليست لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله تعالى عليه وإنما هو إظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً »، وفي رواية أخرى : وملائكته سبعين، وتجوز الصلاة على غيره تبعاً له وتكره استقلالاً لأنه في العرف صار شعاراً لذكر الرسل ولذلك كره أن يقال لمحمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً.

الأحزاب 33:57

ولما أمر الله تعالى باحترام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن إيذاء نفسه وإيذاء رسوله بقوله تعالى :﴿إن الذين يؤذون الله﴾ أي : الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله ﴿ورسوله﴾ أي : الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله تعالى ما لا يقدرون على القيام بشكره ﴿لعنهم الله﴾ أي : أبعدهم وأبغضهم ﴿في الدنيا﴾ بالحمل على ما يوجب السخط ﴿والآخرة﴾ بإدخال دار الإهانة كما قال تعالى :﴿وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾ ( الأحزاب : ٥٧ ) أي : ذا إهانة، وهو النار ومعنى يؤذون الله يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر، ذلك، حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه. قال ابن عباس : هم اليهود والنصارى والمشركون، فأما اليهود فقالوا : عزير ابن الله، وقالوا : يد الله مغلولة وقالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما النصارى فقالوا : المسيح ابن الله وثالث ثلاثة، وأما المشركون فقالوا : الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد »، وعن أبي هريرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار » معنى الحديث : أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبوا الدهر ويذموه عند النوازل لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال تعالى : أنا الدهر أي : الذي أحل بهم النوازل وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه للدهر في زعمكم وقيل : معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل : هم أصحاب التصاوير، وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فيخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة »، ويحتمل أن يكون ذلك على حذف مضاف أي : أولياء الله كقوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾ ( يوسف، ٨٢ ) قال صلى الله عليه وسلم :«قال الله تعالى : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب » وقال :«من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » ومعنى الأذى : هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد قال بعضهم : أتي بالجلالة تعظيماً والمراد : يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى :﴿إنما يبايعون الله﴾ ( الفتح : ١٠ ) وأما إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس : إنه شج في وجهه، وكسرت رباعيته وقيل : ساحر شاعر مجنون.

الأحزاب 33:58

ولما كان من أعظم أذاه أذى من تابعه، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا على الحق قال تعالى مقيداً للكلام :﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ أي : الراسخين في صفة الإيمان ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ أي : بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم ﴿فقد احتملوا﴾ أي : كلفوا أنفسهم أن حملوا ﴿بهتاناً﴾ أي : كذباً وفجوراً زائداً على الحد موجباً للجزاء في الدنيا والآخرة ﴿وإثماً مبيناً﴾ أي : ذنباً ظاهراً جداً موجباً للعقاب في الآخرة. تنبيه : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل : نزلت في شأن عائشة وقال الضحاك والكلبي : نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طريق المدينة يبتغون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحداً، يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة، فشكوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ الآية.

الأحزاب 33:59

ثم نهى الحرائر أن يشتبهن بالإماء بقوله تعالى :﴿يا أيها النبي﴾ ذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة ﴿قل لأزواجك﴾ بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح ﴿وبناتك﴾ ثنى بهن لما لهن من الوصلة، ولهن من القسمين من الشرف وآخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن ﴿ونساء المؤمنين يدنين﴾ أي : يقربن ﴿عليهن﴾ أي : على وجوههن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئاً منها مكشوفاً ﴿من جلابيبهن﴾ ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظناً أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب والقميص وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة : ما ستر اللباس، والخمار : وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي : الجلباب الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني، قال الخليل : كل ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة : أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر. ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الستر ﴿أدنى﴾ أي : أقرب من تركه في ﴿أن يعرفن﴾ أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء ﴿فلا﴾ أي : فتسبب عن معرفتهن أن لا ﴿يؤذين﴾ ممن يتعرضن للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل : ويمكن أن يقال : المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي : في الصلاة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن انتهى. ولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبيه بالإماء فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى :﴿وكان الله﴾ أي : الذي له الكمال المطلق أزلاً وأبداً ﴿غفوراً﴾ أي : لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء للذنوب عيناً وأثراً ﴿رحيماً﴾ بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه قال البغوي : قال أنس : مرت بعمر جارية مقنعة فعلاها بالدرة وقال : يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألقي القناع ويظهر أن عمر إنما فعل ذلك خوفاً من أن تلتبس الإماء بالحرائر فلا يعرف الحرائر فيعود الأمر كما كان.

الأحزاب 33:60

ولما كان المأذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم حذرهم بقوله تعالى مؤكداً دفعاً لظنهم دوام الحلم عليهم :﴿لئن لم ينته﴾ عن الأذى ﴿المنافقون﴾ أي : الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ﴿والذي في قلوبهم مرض﴾ أي : غل مقرب من النفاق حامل على المعاصي ﴿والمرجفون في المدينة﴾ المؤمنين أي : بالكذب وذلك أن ناساً منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذيعون في الناس أنهم قد قتلوا أو هزموا ويقولون : قد أتاكم العدو ونحو ذلك، وأصل الرجفة : التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة ﴿لنغرينك بهم﴾ أي : لنسلطنك عليهم بالقتل والجلاء، أو بما يضطرهم إلى طلب الجلاء وقوله تعالى :﴿ثم لا يجاورونك﴾ أي : يساكنونك ﴿فيها﴾ أي : المدينة عطف على لنغرينك وثم للدلالة على أن الجلاء ومفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم ﴿إلا قليلاً﴾ أي : زماناً أو جواراً قليلاً، ثم يخرجون منها وقيل : نسلطك عليهم حتى تقتلهم وتخلى منهم المدينة.

الأحزاب 33:61

وقوله تعالى :﴿ملعونين﴾ أي : مبعودين عن الرحمة حال من فاعل يجاورونك قاله ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء ﴿أينما ثقفوا﴾ أي : وجدوا ﴿أخذوا وقتلوا﴾ ثم أكده بالمصدر بغضاً فيهم وإرهاباً لهم بقوله تعالى :﴿تقتيلاً﴾ أي : الحكم فيهم هذا على وجه الأمر به.

الأحزاب 33:62

وقوله تعالى :﴿سنة الله﴾ أي : المحيط بجميع العظمة مصدر مؤكد أي : سن الله ذلك ﴿في الذين خلوا من قبل﴾ أي : في الأمم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا ﴿ولن تجد لسنة الله﴾ أي : طريقة الملك الأعظم ﴿تبديلاً﴾ أي : ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ.

الأحزاب 33:63

ولما بين تعالى حالهم في الدنيا أنهم ملعونون ومهانون ويقتلون أراد أن يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها بقوله :﴿يسألك﴾ يا أشرف الخلق ﴿الناس﴾ أي : المشركون استهزاء منهم وتعنتاً وامتحاناً ﴿عن الساعة﴾ أي متى تكون في أي : وقت ﴿قل﴾ أي : لهم في جوابهم ﴿إنما علمها عند الله﴾ الذي أحاط علمه بجميع الأشياء ﴿وما يدريك﴾ أي : أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها أنت لا تعرفه ﴿لعل الساعة﴾ أي : التي لا ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب ﴿تكون﴾ أي : توجد وتحدث على وجه مهوّل عجيب ﴿قريباً﴾ أي : في زمن قريب قال البقاعي : ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما هو عن تعيين وقتها قال البخاري في الصحيح : إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة، وإذا جعلته ظرفاً أو بدلاً ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الاثنين والجمع للذكر والأنثى.

الأحزاب 33:64

ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿لعن﴾ أي : أبعد إبعاداً عظيماً من رحمته ﴿الكافرين﴾ أي : الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة من أمرها ﴿وأعد﴾ أي : أوجد وهيأ ﴿لهم﴾ من الآن ﴿سعيراً﴾ أي : ناراً شديدة الاضطرام والتوقد لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته.

الأحزاب 33:65

﴿خالدين﴾ أي : مقدّراً خلودهم ﴿فيها﴾ أي : السعير وأعاد عليها الضمير مؤنثاً لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم وقوله تعالى :﴿أبداً﴾ بيان لإرادة الحقيقة لئلا يتوهم بالخلود المكث الطويل ﴿لا يجدون ولياً﴾ أي : يتولى أمراً مما يصيبهم بشفاعة أو غيرها ﴿ولا نصيراً﴾ ينصرهم.

الأحزاب 33:66

وقوله تعالى :﴿يوم﴾ معمول لخالدين أي : مقدراً خلودهم فيها على تلك الحال يوم ﴿تقلب﴾ أي : تقلباً كثيراً ﴿وجوههم في النار﴾ أي : ظهراً لبطن كاللحم يشوى بالنار حالة كونهم ﴿يقولون﴾ وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل متمنين بقولهم :﴿يا ليتنا أطعنا﴾ أي : في الدنيا ﴿الله﴾ أي : الذي لا أمر لأحد معه لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدّر أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني. ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع أعادوا العامل بقولهم ﴿وأطعنا الرسول﴾ أي : الذي بلغنا عنه حتى لا نبتلي بهذا العذاب. تنبيه : تقدم الكلام على القراءة في ﴿الرسولا﴾ و﴿السبيلا﴾ أول السورة عند ﴿الظنونا﴾.

الأحزاب 33:67

﴿وقالوا﴾ : أي : الأتباع منهم لما لم ينفعهم شيء متبرئين بالدعاء على من أضلهم بما لا يبرئ عليلاً ولا يشفي غليلاً ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضور زيادة في التوثيق بإظهار أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا﴾ يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر، وقرأ ابن عامر بألف بعد الدال وكسر التاء على جمع الجمع للدلالة على الكثرة والباقون بغير ألف بعد الدال وفتح التاء على أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء ﴿فأضلونا﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنهم أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة ﴿السبيلا﴾ أي : طريق الهدى فأحالوا ذلك على غيرهم كما هي عادة المخطئ من الإحالة على غيره مما لا ينفعه.

الأحزاب 33:68

ثم كأنه قيل : فما تريدون لهم فقالوا : مبالغين في الرقة للاستعطاف بإعادة الرب. ﴿ربنا﴾ أي : المحسن إلينا ﴿آتهم ضعفين من العذاب﴾ أي : مثلي عذابنا لأنهم ضلوا وأضلوا ﴿والعنهم لعناً كبيراً﴾ أي : اطردهم عن محالّ الرحمة طرداً متناهياً، وقرأ عاصم بالباء الموحدة أي : لعناً هو أشد اللعن وأعظمه والباقون بالثاء المثلثة أي : كثير العدد.

الأحزاب 33:69

ولما بين تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من الإيذاء بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : صدقوا بما يتلى عليهم ﴿لا تكونوا﴾ بإيذائكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر زينب وغيره كوناً هو كالطبع لكم ﴿كالذين آذوا موسى﴾ من قومه بني إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم حين قسم قسماً فتكلم فيه بعضهم فقال :«لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ». واختلفوا فيما أوذي به موسى، فروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا : ما تستر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا » كما قال تعالى :﴿فبرأه﴾ أي : فتسبب عن أذاهم أن برأه ﴿الله﴾ الذي له صفات الجلال والكمال ﴿مما قالوا﴾ فخلا يوماً وحده ليغتسل فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ففر الحجر بثوبه فجمح موسى عليه السلام وأخذ عصاه وطلب الحجر فجعل يقول : ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر به، وطفق بالحجر يضربه بعصاه فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً »، والأدرة : عظم الخصية لنفخة فيها وقوله : فجمح أي : أسرع وقوله ندباً هو بفتح النون والدال وأصله : أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به الضرب بالحجر، وقال قوم : إيذاؤهم إياه لما مات هارون في التيه ادّعوا على موسى أنه قتله فأمر الله الملائكة عليهم السلام حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا، وقال أبو العالية : هو أن قارون استأجر مومسة أي : زانية لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها الله تعالى وبرأ موسى من ذلك، وكان ذلك سبب الخسف بقارون ومن معه وقال عبد الله بن مسعود : لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلاناً كذا لناس من العرب، وآثرهم في القسمة فقال رجل : هذه قسمة والله ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله فقلت : والله لأخبرن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال :«فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله » ثم قال :«يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر » والصرف بكسر الصاد : صبغ أحمر يصبغ به الأديم. ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال تعالى :﴿وكان﴾ أي : موسى عليه السلام كوناً راسخاً ﴿عند الله﴾ أي : الذي لا يذل من والاه ﴿وجيهاً﴾ أي : معظماً رفيع القدر ذا وجاهة يقال وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا كان ذا جاه وقدر قال ابن عباس كان عظيماً عند الله تعالى لا يسأله شيئاً إلا أعطاه وقال الحسن كان مجاب الدعوة وقيل كان محبباً مقبولاً.

الأحزاب 33:70

ولما نهاهم عن الأذى أمرهم بالنفع ليصيروا ذوي وجاهة عنده مكرر للنداء استعطافاً وإظهاراً للاهتمام بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : ادعوا ذلك ﴿اتقوا الله﴾ أي : صدقوا دعواكم بمخافة من له جميع العظمة فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا له جميع ما أودعكم من الأمانة ﴿وقولوا﴾ في حق النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زينب وغيرها، وفي حق بناته ونسائه وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك ﴿قولاً سديداً﴾ قال ابن عباس : صواباً وقال قتادة : عدلاً وقال الحسن : صدقاً وقال عكرمة : هو قول لا إله إلا الله. وقيل : مستقيماً.

الأحزاب 33:71

﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ قال ابن عباس : يتقبل حسناتكم وقال مقاتل : يزكي أعمالكم ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ أي : يمحها عيناً وأثراً فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿ومن يطع الله﴾ أي : الذي لا أعظم منه ﴿ورسوله﴾ أي : الذي عظمته من عظمته في الأوامر النواهي ﴿فقد فاز﴾ وأكد ذلك بقوله تعالى :﴿فوزاً عظيماً﴾ أي : ظفر بجميع مراداته يعيش في الدنيا حميداً وفي الآخرة سعيداً.

الأحزاب 33:72

ولما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي صلى الله عليه وسلم بأحسن الآداب بين أن التكليف الذي وجهه الله تعالى إلى الإنسان أمر عظيم بقوله تعالى :﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ واختلف في هذه الأمانة المعروضة فقال ابن عباس : أراد بالأمانة الطاعة من الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده عرضها ﴿على السماوات والأرض والجبال﴾ على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم وقال ابن مسعود : الأمانة أداء الصلوات، وإيتاء الزكوات، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله الودائع وقال مجاهد : الأمانة الفرائض وحدود الدين. وقال أبو العالية : ما أمروا به ونهوا عنه وقال زيد بن أسلم : هو الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه، وقال : هذه أمانتي استودعتكها، فالفرج أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال بعضهم : هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف أن الله تعالى عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن : وما فيها ؟ فقال : إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ﴿فأبين﴾ على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها ﴿أن يحملنها﴾ أي : قلن : لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً ﴿وأشفقن منها﴾ أي : وقلن ذلك خوفاً وخشية وتعظيماً لله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييراً لا إلزاماً ولو ألزمن لم يمتنعن من حملها فالجمادات كلها خاضعة لله عز وجل مطيعة ساجدة له كما قال تعالى للسماوات والأرض :﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ ( فصلت : ١١ ) وقال في الحجارة :﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ ( البقرة : ٧٤ ) وقال تعالى :﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال﴾ ( الحج : ١٨ ) الآية وقال بعض أهل العلم : ركّب الله فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم : المراد بالعرض على السماوات والأرض هو العرض على أهل السماوات والأرض عرضها على من فيهما من الملائكة كقوله تعالى :﴿واسأل القرية﴾ ( يوسف : ٨٢ ) أي : أهلها وقيل : المراد المقابلة أي : قابلنا الأمانة مع السماوات والأرض والجبال فرجحت الأمانة قال البغوي : والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء. تنبيه : قوله تعالى :﴿فأبين﴾ أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع تكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السماوات على المذكر وهو الجبال. فإن قيل : ما الفرق بين إبائهن وإباء إبليس في قوله تعالى :﴿أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ( الحجر : ٣١ ) أجيب : بأن الإباء هناك كان استكباراً، لأن السجود كان فرضاً وههنا استصغاراً لأن الأمانة كانت عرضاً. وإنما امتنعن خوفاً كما قال تعالى :﴿وأشفقن منها﴾ أي : خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب ﴿وحملها الإنسان﴾ أي : آدم قال الله تعالى لآدم : إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها قال : يا رب وما فيها قال : إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت فتحملها آدم عليه السلام وقال : بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى : أما إذا تحملت فسأعينك أجعل لبصرك حجاباً فإذا خشيت أن تنظر لما لا يحل فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك لحيين وغلقاً فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك ستراً فإذا خشيت فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال : مثلت الأمانة بصخرة ملقاة ودعيت السماوات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها وقالوا : لا نطيق حملها وجاء آدم عليه السلام من غير أن يدعى وحرك الصخرة وقال : لو أمرت بحملها لحملتها فقلن : احمل فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال : والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له : احمل فحملها إلى حقويه وقال والله لو أردت أن أزداد لازددت فقلن له احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه فأراد أن يضعها فقال له الله تعالى : مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ قال ابن عباس : ظلوماً لنفسه جهولاً بأمر الله تعالى وما احتمل من الأمانة وقال الكلبي : ظلوماً حين عصى ربه جهولاً لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة وقال مقاتل : ظلوماً لنفسه جهولاً بعاقبة ما تحمل، وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله تعالى :﴿وحملها الإنسان﴾ قولاً آخر فقالوا : إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السماوات والأرض والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام بالفرائض، والأمانة في حق السماوات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقن له وقوله تعالى :﴿فأبين أن يحملنها﴾ أي : أبين الأمانة يقال : فلان حمل الأمانة أي : أثم فيها بالخيانة قال تعالى :﴿وليحملن أثقالهم﴾ ( العنكبوت : ١٣ ). ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ حكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال : وحملها الإنسان يعني الكافر والمنافق حملا الأمانة أي : خانا فيها، والأول قول السلف وهو الأولى وقيل : المراد بالأمانة العقل والتكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وتحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمناً على القوتين حافظاً لهما عن التعدي، ومجازوة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما، وعن أبي هريرة قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم فجاء أعرابي فقال :«متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم : بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال : أين السائل عن الساعة قال : ها أنا يا رسول الله قال : إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة » وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ».

الأحزاب 33:73

وقوله تعالى :﴿ليعذب الله﴾ أي : الملك الأعظم متعلق بعرضنا المترتب عليه حمل الإنسان ﴿المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ أي : المضيعين الأمانة. تنبيه : لم يعد اسمه تعالى فلم يقل : ويعذب الله المشركين وأعاده في قوله تعالى ﴿ويتوب الله﴾ أي : بما له من العظمة ﴿على المؤمنين والمؤمنات﴾ أي : المؤدين للأمانة، ولو قال تعالى : ويتوب على المؤمنين والمؤمنات كان المعنى حاصلاً، ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف. ولما ذكر تعالى في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر تعالى من أوصافه وصفين بقوله تعالى :﴿وكان الله﴾ أي : على ما له من الكبرياء والعظمة ﴿غفوراً﴾ للمؤمنين حيث عفا عن فرطاتهم ﴿رحيماً﴾ بهم حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم مكرماً لهم بأنواع الكرم. وما رواه البيضاوي من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر » حديث موضوع رواه الثعلبي.