السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — سبأ 34:1 – يس 36:83
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
سبأ 34:1
ولما ختم السورة التي قبل هذه بصفتي المغفرة والرحمة بدأ هذه بقوله :﴿الحمد لله﴾ أي : ذي الجلال والجمال على هذه النعمة.
فائدة : السور المفتتحة بالحمد خمس : سورتان في النصف الأول وهما الأنعام والكهف، وسورتان في النصف الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة، والخامسة هي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الثاني الأخير، والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولاً برحمته، وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان : الإبداء، والإعادة، وفي كل حالة له تعالى نعمتان : نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، فقال في النصف الأول :﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ ( الأنعام : ١ ) إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد، ويدل عليه قوله تعالى :﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ ( الأنعام : ٢ ) فأشار إلى الإيجاد الأول، وقال في السورة الثانية :﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً﴾ ( الكهف : ١ ) فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع تنقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل والنفاق وقال ههنا :﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ ملكاً وخلقاً إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى ﴿وله﴾ أي : وحده ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بالكمال ﴿في الآخرة﴾ أي : ظاهر الكل من يجمعه الحشر وله كل ما فيها لا يدعي أحد ذلك في شيء منه ظاهراً ولا باطناً وقال في سورة الملائكة :﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض﴾ ( فاطر : ١ ) إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى :﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ ( فاطر : ١ ) أي : يوم القيامة يرسلهم الله تعالى مسلمين على المسلمين كما قال تعالى :﴿وتتلقاهم الملائكة﴾ ( الأنبياء : ١٠٣ ) وقال تعالى عنهم :﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ ( الزمر : ٧٣ ) وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله تعالى :﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ( الفاتحة : ٢ ) إلى النعمة العاجلة، وأشار بقوله تعالى :﴿مالك يوم الدين﴾ ( الفاتحة : ٤ ) إلى النعمة الآجلة فرتب الافتتاح والاختتام عليهما.
فإن قيل : قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلم ذكر الله تعالى السماوات والأرض ؟ أجيب : بأن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله تعالى النعم المرئية وهي ما في السماوات وما في الأرض.
ثم قال :﴿وله الحمد في الآخرة﴾ ليقابل نعم الآخرة بنعم الدنيا، ويعلم فضلها بدوامها وقيل : الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى :﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ ( فاطر : ٣٤ ) ﴿والحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ ( الزمر : ٧٤ ) وتقدم الكلام على الحمد لغة واصطلاحاً، والشكر كذلك في أول الفاتحة فتح الله علينا بكل خير وفعل ذلك بأحبابنا.
ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال تعالى :﴿وهو الحكيم﴾ أي : الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور على وجه الصواب متصلاً بالعمل على وفقه ﴿الخبير﴾ أي : البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالاً ومآلاً.
سبأ 34:2
ثم بين كمال خبره بقوله تعالى :﴿يعلم ما يلج﴾ أي : يدخل ﴿في الأرض﴾ أي : هذا الجنس من المياه والأموال والأموات وغيرها ﴿وما يخرج منها﴾ من المياه والمعادن والنبات وغيرها ﴿وما ينزل من السماء﴾ أي : من هذا الجنس من قرآن وملائكة وماء وحرارة وبرودة وغير ذلك ﴿وما يعرج فيها﴾ من الكلام الطيب قال تعالى :﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ ( فاطر : ١٠ ) والملائكة والأعمال الصالحة قال تعالى ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ ( فاطر : ١٠ ).
تنبيه : قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء لأن الحبة تبذر أولاً ثم تسقى ثانياً وقال تعالى ﴿ما يعرج فيها﴾ ولم يقل ما يعرج إليها إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة لأن كلمة إلى للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السماوات فقال ﴿وما يعرج فيها﴾ ليفهم نفوذه فيها وصعوده وتمكنه فيها، ولهذا قال في الكلم الطيب ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ لأن الله تعالى هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه وحده مع كثرة نعمه المقيمة للأبدان ﴿الرحيم﴾ أي : المنعم بإنزال الكتب وإرسال الرسل لإقامة الأديان وغير ذلك ﴿الغفور﴾ أي : المحاء للذنوب للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائقة للحصر.
تنبيه : قدم تعالى صفة الرحمة على صفة الغفور ليعلم أن رحمته سبقت غضبه.
سبأ 34:3
ثم بين تعالى أن هذه النعمة التي يستحق الله تعالى بها الحمد وهي نعمة الآخرة أنكرها قوم فقال :﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة ﴿لا تأتينا الساعة﴾ أي : أنكروا مجيئها أو استظهارها استهزاء بالوعد به، وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿قل﴾ أي : لهم ﴿بلى﴾ رد لكلامهم وإيثار لما نفوه ﴿وربي﴾ أي : المحسن إلي بما عمني به معكم وبما خصني من تنبيئي وإرسالي إليكم إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو ﴿لتأتينكم﴾ أي : الساعة لتظهر فيها ظهوراً تاماً الحكمة بالعدل والفصل وغير ذلك من عجائب الحكم والفضل وقوله تعالى ﴿عالم الغيب﴾ قرأه نافع وابن عامر برفع الميم على هو عالم الغيب، أو مبتدأ وخبره ما بعده، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم بجره نعتاً لربي وقرأ حمزة والكسائي بعد العين بلام ألف مشددة وخفض الميم ﴿لا يعزب﴾ أي : لا يغيب ﴿عنه مثقال﴾ أي : وزن ﴿ذرة﴾ أي : من ذات ولا معنى، والذرة : النملة الحمراء الصغيرة جداً صارت مثلاً في أقل القليل فهي كناية عنه، وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بضمها.
وقوله تعالى ﴿في السماوات ولا في الأرض﴾ فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح فالأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله تعالى ﴿في السماوات﴾ إشارة إلى علمه بالأرواح وما فيها من الملائكة وغيرهم. وقوله تعالى ﴿ولا في الأرض﴾ إشارة إلى علمه بالأجسام وما في الأرض من غيرها، فإذا علم الأرواح والأجسام قدر على جمعهما فلا استبعاد في الإعادة. وقوله تعالى :﴿ولا أصغر﴾ أي : ولا يكون شيء أصغر ﴿من ذلك﴾ أي : المثقال ﴿ولا أكبر﴾ أي : منه ﴿إلا في كتاب مبين﴾ أي : بين هو اللوح المحفوظ جملة مؤكدة لنفي العزوب.
فإن قيل : فأي حاجة إلى ذكر الأكبر فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر ؟ أجيب : بأنه تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغار لكونها محل النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال : الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر أيضاً مكتوب.
سبأ 34:4
ثم بين علة ذلك كله بقوله :﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي : وإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان فلا يدعه بغير جزاء، ثم بين جزاءهم بقوله تعالى :﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿لهم مغفرة﴾ أي : لزلاتهم وهفواتهم لأن الإنسان المبني على النقصان لا يقدر أن يقدر العظيم السلطان حق قدره ﴿ورزق كريم﴾ أي : جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي لا كدر فيه وهو رزق الجنة.
تنبيه : ذكر تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمرين : الإيمان، والعمل الصالح، وذكر لهم أمرين : المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له لقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ( النساء : ٤٨ ) وقوله صلى الله عليه وسلم :«يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ومن في قلبه وزن ذرة من إيمان »، والرزق الكريم على العمل الصالح وهذا مناسب، فإن من عمل لسيد كريم عملاً فعند فراغه لا بد وأن ينعم عليه وقوله تعالى ﴿كريم﴾ بمعنى : ذي كرم أو مكرم أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي غالباً.
فإن قيل : ما الحكمة في تمييزه الرزق بأنه كريم ولم يصف المغفرة ؟ أجيب : بأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم والحميم، ومنه الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها.
سبأ 34:5
ولما بين تعالى حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين في ذلك اليوم بقوله سبحانه :﴿والذين سعوا﴾ أي : فعلوا فعل الساعي ﴿في آياتنا﴾ أي : القرآن بالإبطال وتزهيد الناس فيها وقوله تعالى :﴿معجزين﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف بعد العين وتشديد الجيم أي : مبطئين عن الإيمان من أراده، والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم وكذا في آخر السورة أي : مسابقين كي يفوتونا ﴿أولئك﴾ الحقيرون عن أن يبلغوا مراداً بمعاجزتهم ﴿لهم عذاب﴾ وأي عذاب ﴿من رجز﴾ أي : سيئ العذاب ﴿أليم﴾ أي : مؤلم وقرأ ابن كثيرة وحفص أليم بالرفع على أنه صفة لعذاب، والباقون بالجر على أنه صفة لرجز قال الرازي : قال هناك لهم رزق كريم ولم يقل بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم، وقال ههنا ﴿لهم عذاب من رجز أليم﴾ بلفظة صالحة للتبعيض وذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب.
سبأ 34:6
وقوله :﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ أي : الذي قذفه الله تعالى في قلوبهم سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو أهل الكتاب وقيل : مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل : الصحابة ومن شايعهم فيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على ليجزي أي : وليعلم الذين أوتوا العلم. والثاني : أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك ﴿الذي أنزل إليك من ربك﴾ أي : المحسن إليك بإنزاله ﴿هو الحق﴾ أي : أنه من عند الله تعالى.
تنبيه : الذي أنزل هو المفعول الأول، وهو ضمير فصل والحق : مفعول ثان لأن الرؤية علمية.
وقوله تعالى ﴿ويهدي إلى صراط﴾ أي : طريق ﴿العزيز الحميد﴾ في فاعله وجهان أظهرهما أنه ضمير الذي أنزل وهو القرآن. والثاني : ضمير اسم الله تعالى وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة، العزيز : يفيد التخويف والانتقام من المكذب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق.
سبأ 34:7
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : قال بعضهم على وجه التعجب لبعض ﴿هل ندلكم على رجل﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ينبئكم﴾ أي : يخبركم إخباراً لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نفعله أنكم ﴿إذا مزقتم﴾ أي : قطعتم وفرقتم بعد موتكم. وقوله تعالى ﴿كل ممزق﴾ يحتمل أن يكون اسم مفعول أي : كل تمزيق فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، ويحتمل أن يكون ظرف مكان بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم الرياح والسيول كل مذهب ﴿إنكم لفي خلق جديد﴾ أي : تنشؤون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً.
سبأ 34:8
والهمزة في قوله :﴿أفترى﴾ أي : تعمد ﴿على الله﴾ أي : الذي لا أعلم منه ﴿كذباً﴾ أي : بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل صحيح القصد همزة استفهام فالقراء الجميع يحققونها، واستغنى بها عن همزة الوصل فإنها تحذف لأجلها فلذلك تثبت هذه الهمزة ابتداء ووصلاً، قال البغوي : هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك نصبت ﴿أم به جنة﴾ أي : جنون يحكى به ذلك، واستدل الجاحظ بهذه الآية على أن الكلام ثلاثة أقسام : صدق وكذب، ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة منه على القسم الثالث أن قولهم ﴿أم به جنة﴾ لا جائز أن يكون كذباً لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره، ولا جائز أن يكون صدقاً لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه : بأن المعنى أم لم يفتر ولكن عبر هذا بقولهم ﴿أم به جنة﴾ لأن المجنون لا افتراء له.
تنبيه : قوله ﴿أفترى﴾ يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين أولاً أي : من كلام القائلين ﴿هل ندلكم﴾ ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل ﴿هل ندلكم﴾ كأن القائل لما قال له ﴿هل ندلكم على رجل﴾ قال له : هل افترى على الله كذباً إن كان يعتقد خلافه أم به جنة أي : جنون إن كان لا يعتقد خلافه.
ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى ﴿بل الذين لا يؤمنون﴾ أي : لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر ﴿بالآخرة﴾ أي : المشتملة على البعث والعذاب ﴿في العذاب﴾ أي : في الآخرة ﴿والضلال البعيد﴾ أي : عن الصواب في الدنيا، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى ﴿بل الذين كفروا﴾ في العذاب في مقابلة قولهم ﴿أفترى على الله كذباً﴾ وقوله تعالى ﴿والضلال البعيد﴾ في مقابلة قولهم ﴿أم به جنة﴾ وكلاهما مناسب، أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به للإسناد المجازي لأن من يسمي المهدي ضالاً يكون أضل، والنبي صلى الله عليه وسلم هادي كل مهتد.
سبأ 34:9
ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازياً على السيئات والحسنات، ذكر دليلاً آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى :﴿أفلم يروا﴾ أي : ينظروا ﴿إلى ما بين أيديهم﴾ أي : أمامهم ﴿وما خلفهم﴾ وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى ﴿من السماء والأرض﴾ دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية، ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ ( يس، ٨١ ) وأما دليل التهديد فقوله تعالى ﴿إن نشأ﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿نخسف بهم الأرض﴾ أي : كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره ﴿أو نسقط عليهم كسفاً﴾ أي : قطعاً ﴿من السماء﴾ فنهلكهم بها، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها.
تنبيه : في قوله تعالى ﴿أفلم يروا﴾ الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف، وقوله ﴿من السماء﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالاً فيتعلق به أيضاً قيل : وثم حال محذوفة تقديره : أفلم يروا إلى كذا مقهوراً تحت قدرتنا أو محيطاً بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي ﴿إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط﴾ بالياء في الثلاثة كقوله تعالى ﴿افترى على الله كذباً﴾ ( الأنعام : ٢١ ) والباقون بالنون، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون ﴿إن في ذلك﴾ أي : فيما ترون من السماء والأرض ﴿لآية﴾ أي : علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث ﴿لكل عبد﴾ أي : متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه ﴿منيب﴾ أي : فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه.
سبأ 34:10
ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود عليه السلام كما قال ربه ﴿فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب﴾ ( ص : ٢٤ ) ذكره بقوله تعالى :﴿ولقد آتينا﴾ أي : أعطينا إعطاء عظيماً دالاً على نهاية المكنة بما لنا من العظمة ﴿داود منا فضلاً﴾ أي : النبوة والكتاب، أو الملك أو جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به، وهذا الأخير أولى.
تنبيه : قوله تعالى ﴿منا﴾ فيه إشارة إلى بيان فضل داود عليه السلام لأن قوله تعالى ﴿ولقد آتينا داود منا فضلاً﴾ مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتى الملك زيداً خلعة فإذا قال القائل : أتاه منه خلعه يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى ﴿يبشّرهم ربهم برحمة منه ورضوان﴾ ( التوبة : ٢١ ) فإن رحمة الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد، لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى ﴿يا جبال﴾ محكي بقول مضمر ثم إن شئت قدرته مصدراً، ويكون بدلاً من فضل على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلاً قولنا يا جبال، وإن شئت قدرته فعلاً وحينئذ لك وجهان : إن شئت جعلته بدلاً من آتينا معناه آتينا قلنا : يا جبال، وإن شئت جعلته مستأنفاً ﴿أوبي﴾ أي : رجّعي ﴿معه﴾ بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو الترجيع وقيل : التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني : أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً كأنه يقول : أوبي النهار كله بالتسبيح معه وقال وهب : نوحي معه وقيل : سيري معه وقوله تعالى ﴿والطير﴾ منصوب بإجماع القراء السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه : أحدها : أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديراً لأن كل منادى في موضع نصب. الثاني : أنه عطف على فضلاً قاله الكسائي، ولابد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلاً وتسبيح الطير. الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل أي : وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو.
تنبيه : لم يكن الموافق له في التأويب منحصراً في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، ثم من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون : كان داود عليه الصلاة والسلام إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل : كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقيل : كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له. وقال وهب بن منبه : كان يقول للجبال سبحي، وللطير أجيبي، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بين تلك بصوته الحسن فلا يرى الناس منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه، وذلك كما :«كان الحصى يسبح في كف نبينا صلى الله عليه وسلم وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما » وكما :«كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل »، وكما :«كان الحجر يسلم عليه وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه »، و«حنين الجذع مشهور »، وكما :«كان الضب يشهد له » و«الجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه » ونحو ذلك، وكما :«جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة لها ».
ولما ذكر تعالى طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله تعالى منها، ذكر سبحانه وتعالى ما أنشأه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء بقوله تعالى :﴿وألنا له الحديد﴾ أي : الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة، وذلك في قدرة الله تعالى يسير، وكان سبب ذلك ما روي في الأخبار أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ما تقول في داود، وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيراً، فقيض الله تعالى له ملكاً في صورة آدمي فلما رآه داود تقدم إليه على عادته يسأله فقال الملك : نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ذلك وقال : ما هي يا عبد الله ؟ فقال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال : فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال يتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وإنه أول من اتخذها يقال : إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين ويقال : إنه كان يعمل كل يوم درعاً يبيعه بستة آلاف درهم، فينفق منها ألفين على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل، وإنما اختار الله تعالى له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره ويحفظ الآدمي المكرم عند الله تعالى من القتل، فالزرّاد خير من القواس والسياف وغيرهما، لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح ربما يستعمل في قتل النفس المحرمة بخلاف الدرع قال صلى الله عليه وسلم :«كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده ».
سبأ 34:11
ثم ذكر سبحانه وتعالى علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله تعالى بقوله عز من قائل :﴿أن اعمل سابغات﴾ أي : دروعاً طوالاً واسعات يجرها لابسها على الأرض، وذكر الصفة يعلم منها الموصوف، واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى ﴿وقدر في السرد﴾ أي : نسج الدروع يقال لصانعه : الزراد والسراد فقيل : قدر المسامير في حلق الدروع أي : لا تجعل المسامير غلاظاً فتكسر الحلق ولا دقاقاً فتتقلقل فيها ويقال : السرد المسمار في الحلقة يقال : درع مسرودة أي : مسمورة الحلق ﴿وقدر في السرد﴾ اجعله على القصد وقدر الحاجة وقيل : اجعل كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلاً ينفذ منها سهم، ولتكن في ثخنها بحيث لا يقطعها سيف، ولا تثقل على الدرع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، والظاهر كما قال البقاعي أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ولا كان للإلانة كبير فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير وقال الرازي : يحتمل أن يقال : السرد هو عمل الزرد وقوله تعالى ﴿وقدر في السرد﴾ أي : أنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشتغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى ﴿واعملوا صالحاً﴾ أي : لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، وأما الكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله تعالى :﴿إني بما تعملون بصير﴾ أي : مبصر فأجازيكم به يريد بهذا داود وآله.
تنبيه : كما ألان الله تعالى لداود عليه السلام الحديد ألان لنبينا صلى الله عليه وسلم في الخندق تلك الكدية وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم، فضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيباً أهيل لا ترد فأساً، وتلك الصخرة التي أخبره سلمان عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في كل ضربة ثلثاً منها، وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة وأضاءت للصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بين لابتي المدينة بحيث كانت في النهار، كأنها مصباح في جوف بيت مظلم فسألوه عن ذلك، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبريل عليه السلام أنها ستفتح على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، وأخبر بفتحها عليهم فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك تصلب الخشب له عليه السلام حتى صار سيفاً قوىّ المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجوناً فصار في يده سيفاً قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العرجون ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل، وهو عنده وعن الواقدي :«أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيباً كان في يده من عراجين رطاب فقال : اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل » وإلحام داود للحديد ليس بأعجب من :«إلحام النبي صلى الله عليه وسلم ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أبو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها » كما نقله البيهقي
وغيره ومعجزاته صلى الله عليه وسلم لا تنحصر، وإنما أذكر بعضها تبركاً بذكره صلى الله عليه وسلم وأسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرته ويفعل ذلك بأهلينا ومحبينا.
سبأ 34:12
ولما أتم الله تعالى المراد من آيات داود عليه السلام، أتبعها بعض آيات ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام لمشاركته في الإنابة بقوله تعالى :﴿ولسليمان﴾ أي : عوضاً عن الخيل التي عقرها لله تعالى ﴿الريح﴾ قرأ شعبة الريح بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف والباقون بالنصب بإضمار فعل أي : وسخرنا ﴿غدوها﴾ أي : سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال ﴿شهر﴾ أي : تحمله وتذهب به وبجميع عسكره من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر ﴿ورواحها﴾ أي : من الزوال إلى الغروب ﴿شهر﴾ أي : مسيرته فكانت تسير به في يوم واحد مسيرته شهرين قال الحسن : كان يغدو من دمشق فيقبل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وهذا كما سخر الله تعالى الريح لنبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، فكانت تهد خيامهم وتضرب وجوههم بالتراب والحجارة، وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله تعالى بها، وكما حملت شخصين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما بجبل طيىء، وتحمل من أراد الله تعالى من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله تعالى، مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى.
ولما ذكر تعالى الريح أتبعها ما هو من أسباب تكوينه بقوله تعالى :﴿وأسلنا﴾ أي : أذبنا بما لنا من العظمة ﴿له عين القطر﴾ أي : النحاس حتى صار كأنه عين ماء فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان ﴿ومن الجن﴾ أي : الذي سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم عطف على الريح أي : وسخرنا له من الجن ﴿من يعمل بين يديه﴾ أي : قد أمكنه الله تعالى منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره ﴿بإذن﴾ أي : بأمر ﴿ربه﴾ أي : بتمكين المحسن إليه ﴿ومن يزغ﴾ أي : يمل ﴿منهم عن أمرنا﴾ أي : عن أمره الذي هو من أمرنا ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ أي : النار أي : في الآخرة وقيل : في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة يحرقه، وهذا كما أمكن نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك العفريت فخنقه وهم بربطه حتى تلعب به صبيان المدينة، ثم تركه تأدباً مع أخيه سليمان عليه السلام فيما سأل الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي يدور عليها إقامة الدين فأغناه الله تعالى فيها عن الجن بالملائكة الكرام عليهم السلام وسلط جمعاً من صحابته على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه :«لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان »، ومنهم أبي بن كعب قبض على شخص منهم كان يسرق من تمره وقال : لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني، ومنهم معاذ بن جبل لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقة المسلمين فأتاه شيطان يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل، فضبطه والتفت يداه عليه وقال له : يا عدو الله فشكا له الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين، وأنهم كانت لهم المدينة فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها، وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود، ومنهم بريدة، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر قاتل الشيطان فصرعه عمار وأدمى أنف الشيطان بحجر ذكر ذلك البيهقي في الدلائل، وأما عين القطر فهي مما تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :«أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبياً عبداً أجوع يوماً وأشبع يوماً » الحديث، فشمل ذلك اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، وروى الترمذي وقال : حسن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت : لا يا رب ولكن أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وشكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك » وللطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس :«أن إسرافيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض وقال : إن الله أمرني أن أعرض عليك أن تسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة، فإن شئت نبياً مالكاً وإن شئت نبياً عبداً فأومأ إليَّ جبريل عليه السلام أن تواضع فقال : نبياً عبداً » ورواه ابن حبان في صحيحه مختصراً من حديث أبي هريرة، وله في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس » وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض » هذا ما يتعلق بالأرض، وقد زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السماوات، وتارة بحبس المطر، وتارة بإرساله إلى غير ذلك مما قد أكرمه الله تعالى به مما لا يحيط به إلا الله عز وجل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه، وحشرنا ومحبينا معهم في دار كرامته.
سبأ 34:13
ولما أخبر تعالى أنه سخر لسليمان الجن ذكر حالهم في أعمالهم بقوله تعالى :﴿يعملون له﴾ أي في أي : وقت شاء ﴿ما يشاء﴾ أي : عمله ﴿من محاريب﴾ أي : أبنية مرتفعة غير مساجد يصعد إليها بدرج، سميت بذلك لأنها يذب عنها ويحارب عليها ومساجد، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بيت المقدس ابتدأه داود عليه السلام ورفعه قامة رجل فأوحى الله تعالى إليه أني لم أقض ذلك على يديك، ولكن ابن لك اسمه سليمان عليه السلام اقضي تمامه على يديه فلما توفاه الله تعالى استخلف سليمان عليه السلام فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحه له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضاً، وأنزل على كل ربض سبطاً من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطاً، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقاً يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقاً يقتلعون الجواهر من الحجارة من أماكنها، وفرقاً يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحاً، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلئ، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر الثمينة، وفصص سقفه وحيطانه باللآلئ والياقوت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر فلما فرغ منه جمع أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله تعالى، وأن كل شيء فيه خالص لله تعالى واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً لله تعالى، روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك » قالوا : فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر إلى دار ملكه من أرض العراق، وبنى الشياطين باليمن لسليمان حصوناً كثيرة عجيبة من الصخر ﴿وتماثيل﴾ جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء أي : كانوا يعملون له تماثيل أي : صوراً من نحاس وزجاج ورخام ونحو ذلك.
فإن قيل : كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير ؟ أجيب : بأن هذا مما يجوز أن تختلف فيه الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي العالية لم يكن اتخاذ التصاوير إذ ذاك محرماً، ويجوز أن تكون غير صور الحيوان كصور الأشجار ونحوها، لأن التمثال كل ما صوره على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان، أو بصور محذوفة الرؤوس، روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين في أعلاه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وقيل : كانوا يتخذون صور الأنبياء والملائكة والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل : إن هذا كان أول الأمر، فلما تقادم الزمن قال لهم إبليس : إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوا الأصنام ولم تكن التصاوير ممنوعة في شريعتهم كما أن عيسى عليه السلام كان يتخذ صوراً من الطين فينفخ فيها فتكون طيراً.
﴿وجفان﴾ أي : قصاع وصحاف يؤكل فيها، واحدتها جفنة ﴿كالجوابي﴾ جمع جابية وهي الحوض الكبير يجبى إليه الماء أي : يجتمع يقال : كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها، وقرأ ورش وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الباء الموحدة في الوصل دون الوقف، وابن كثير بإثباتها وقفاً ووصلاً، والباقون بالحذف وقفاً ووصلاً.
ولما ذكر القصاع على وجه يتعجب منه ذكر ما يطبخ فيه طعام تلك الجفان بقوله تعالى :﴿وقدور راسيات﴾ أي : ثابتات ثباتاً عظيماً لأنها لكبرها كالجبال لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن، ولا يبدلن ولا يعطلن وكان يصعد عليها بالسلالم وكانت باليمن.
ولما ذكر المساكن وما يتبعها أتبعها الأمر بالعمل بقوله تعالى :﴿اعملوا﴾ أي : وقلنا لهم اعملوا أي : تمتعوا واعملوا على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل بقوله تعالى :﴿آل داود﴾ وقوله تعالى ﴿شكراً﴾ يجوز فيه أوجه : أحدها : أنه مفعول به أي : اعملوا الطاعة سميت الصلاة ونحوها شكراً لسدها مسده. ثانيها : أنه مصدر من معنى اعملوا كأنه قال : اشكروا شكراً بعملكم، أو اعملوا عمل شكر. ثالثهما : أنه مفعول من أجله أي : لأجل الشكر، واقتصر على هذا البقاعي. رابعها : أنه مصدر واقع موقع الحال أي : شاكرين. خامسها : أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره : واشكروا شكراً. سادسها : أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره عملاً شكراً أي : ذا شكر.
تنبيه : كما قال تعالى عقب قوله سبحانه ﴿أن اعمل سابغات﴾ :﴿اعملوا صالحاً﴾ قال عقب ما تعمله الجن له ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكراً، وقوله تعالى ﴿وقليل﴾ خبر مقدم وقوله تعالى ﴿من عبادي﴾ صفة له وقوله تعالى ﴿الشكور﴾ مبتدأ والمعنى : أن العامل بطاعتي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه ويديه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله تعالى به عليه فيما يرضيه قليل، ومع ذلك لا يوفي حقه لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكراً آخر لا إلى نهاية، ولذلك قيل : الشكور من يرى عجزه عن الشكر، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال الاضطرار وقيل : المراد من آل داود عليه السلام هو داود نفسه وقيل : داود وسليمان وأهل بيتهما عليهما السلام قال جعفر بن سليمان : سمعت ثابتاً يقول : كان داود عليه السلام نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تك تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود عليه السلام قائم يصلي، وقال صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة :«أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه » وقال في صوم التطوع :«أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً » وروي عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول : اللهم اجعلني من القليل فقال عمر : ما هذا الدعاء فقال : إني سمعت الله يقول ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر : كل الناس أعلم من عمر.
سبأ 34:14
ولما كان الموت مكتوباً على كل أحد قال تعالى :﴿فلما قضينا﴾ وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء بقوله تعالى :﴿عليه﴾ أي : سليمان عليه السلام ﴿الموت﴾ قال أهل العلم : كان سليمان يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى فسألها ما اسمك فتقول : كذا وكذا فيقول : لأي شيء خلقت فتقول : لكذا وكذا فيؤمر بها فتقلع فإن كانت تنبت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت لدواء كتب ذلك حتى نبتت الخروبة فقال لها : ما أنت قالت : الخروبة قال : لأي شيء نبت قالت : لخراب مسجدك قال عليه السلام : ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال : اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموهون على الناس أنهم يعلمون الغيب وقال لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني فقال : أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض الله روحه وهو متكئ عليها، وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه فكانت الجن تعمل الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها في حياته، وينظرون إلى سليمان عليه السلام فيرونه قائماً متكئاً على عصاه فيحسبونه حياً فلا ينكرون خروجه إلى الناس لطول صلاته، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولاً كاملاً حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتاً فعلموا بموته حينئذ كما قال تعالى ﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض﴾ أي : الأرضة لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم ﴿تأكل منسأته﴾ قال البخاري : يعني عصاه فالمنسأة العصا اسم آلة من نسأه أخره كالمكسحة والمكنسة من نسأت الغنم أي : زجرتها وسقتها، ومنه نسأ الله في أجله أي : أخره وقرأ نافع وأبو عمرو بعد السين بألف وابن ذكوان بعد السين بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مفتوحة بعد السين فإذا وقف حمزة سهل الهمزة وقيل لم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق فمر به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع فنظر فإذا سليمان قد خر ميتاً ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة ﴿فلما خر﴾ أي : سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه ﴿تبينت الجن﴾ أي : علمت علماً بيناً لا يقدرون معه على تدبيج وتلبيس وانفضح أمرهم وظهر ظهوراً تاماً ﴿أن﴾ أي : أنهم ﴿لو كانوا﴾ أي : الجن ﴿يعلمون الغيب﴾ أي : علمه ﴿ما لبثوا﴾ أي : أقاموا حولاً ﴿في العذاب المهين﴾ من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه، ويجوز أن تكون أن تعليلية ويكون التقدير : تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب لأنهم إلخ، وسبب علمهم مدة كونه ميتاً قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوماً وليلة مقداراً، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة قال ابن عباس : فشكر الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب.
تنبيه : قد تقدم أن كل شيء أثبت لمن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام من الخوارق ثبت له مثله وأعظم منه إما له نفسه أو لأحد من أمته، وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من حفظه بعد موته سنة لا يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، قال القشيري في رسالته في باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا، وقال أبو عمران الإصطخري : رأيت أبا تراب في البادية قائماً ميتاً لا يمسكه شيء انتهى.
فائدة : روي أن سليمان عليه السلام كان عمره ثلاثاً وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتم فوصى به إلى سليمان عليه السلام فأمر الشياطين بإتمامه.
ولما بقي من عمله سنة سأل الله تعالى أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه، وليبطل دعواهم علم الغيب، وروي أن إفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا منه ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعد يدنو منه.
سبأ 34:15
ولما بين تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان عليهما السلام، بين حال الكافرين لأنعمه بحكاية أهل سبأ فقال تعالى :﴿لقد كان لسبأ﴾ أي : القبيلة المشهور روى أبو سبرة النخعي عن أبي قرة بن مسيك القطيعي قال : قال رجل : يا رسول الله أخبرني عن سبأ أكان رجلاً أو امرأة أو أرضاً قال :«كان رجلاً من العرب وله عشرة من الولد تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار وحمير فقال رجل : وما أنمار قال : الذين منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان وسبأ يجمع هذه القبائل كلها » والجمهور على أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية وعدنانية، فالقحطانية : شعبان سبأ وحضرموت، والعدنانية : شعبان : ربيعة ومضر، وأما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم نسبها إلى قحطان، وبعضهم إلى عدنان، قيل : إن قحطان أول من قيل له أنعم صباحاً وأبيت اللعن، قال بعضهم : وجميع العرب منسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم وليس بصحيح، فإن إسماعيل عليه السلام نشأ بين جرهم بمكة وكانوا عرباً، والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل عليه السلام منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأهم وجرهم والعماليق يقال : إن أهماً كان ملكاً ويقال : إنه أول من سقف البيوت بالخشب المنشور، وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر وبنوه قبيلة يقال لها وبار هلكوا بالرمل أساله الله عليهم فأهلكهم وطم مناهلهم وفي ذلك يقول بعض الشعراء :
وكر دهر على وبار؍ فهلكت عنوة وبار؍
واسم سبأ : عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وسمي سبأ قيل : لأنه أول من سبأ في العرب قاله السهيلي، ويقال : إنه أول من تتوج، وذكر بعضهم أنه كان مسلماً وله شعر يشير فيه بوجود النبي صلى الله عليه وسلم وقال في سليمان عليه السلام :
سيملك بعدنا ملك عظيم؍ نبي لا يرخص في الحرام؍
ويملك بعده منهم ملوك؍ يدينوه القياد بكل دامي؍
ويملك بعدهم منا ملوك؍ يصير الملك فينا بانقسام؍
ويملك بعد قحطان نبي؍ تقي مخبت خير الأنام؍
يسمى أحمداً يا ليت أني؍ أعمر بعد مبعثه بعام؍
فأعضده وأحبوه بنصري؍ بكل مدجج وبكل رامي؍
متى يظهر فيكونوا ناصريه؍ ومن يلقاه يبلغه سلامي؍
وقرأ البزي وأبو عمرو بعد الموحدة بهمزة مفتوحة من غير تنوين لأنه صار اسم قبيلة، وقنبل بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مكسورة منونة، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً ولهما أيضاً الروم مع التسهيل وقرأ ﴿في مساكنهم﴾ أي : التي هي في غاية الكثرة حمزة وحفص بسكون السين وفتح الكاف ولا ألف بينهما إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد، وقرأ الكسائي كذلك إلا أنه يكسر الكاف والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملائمة لهم واللين، وكانت بأرض مأرب من بلاد اليمن قال حمزة الكرماني : قال ابن عباس : على ثلاثة فراسخ من صنعاء ﴿آية﴾ أي : علامة ظاهرة على قدرتنا، ثم فسر الآية بقوله تعالى :﴿جنتان عن يمين وشمال﴾ أي : عن يمين الوادي وشماله قد أحاطت الجنتان بذلك الوادي وقيل : عن يمين من أتاهما وبشماله.
فإن قيل : كيف عظم الله تعالى جنتي أهل سبأ وجعلهما آية ورب قرية من قرى العراق يحتف بها من الجنات ما شئت ؟ أجيب : بأنه لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم، وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال تعالى ﴿جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب﴾ ( الكهف : ٣٢ ) فكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثماراً حتى كانت المرأة تضع على رأسها مكتلاً فتطوف به بين الأشجار فيمتلئ المكتل من جميع أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئاً بيدها مما يتساقط فيه من الثمر.
وقوله تعالى ﴿كلوا من رزق ربكم﴾ أي : المحسن إليكم الذي أخرج لكم منهما ما تشتهون ﴿واشكروا له﴾ أي : خصوه بالشكر بالعمل في كل ما يرضيه ليديم لكم النعمة حكاية لما قال لهم نبيهم، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله ﴿بلدة طيبة﴾ أي : حسنة التربة ليس بها سباخ، حسنة الهواء سليمة من الهوام ليس فيها بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية يمر الغريب بها وفي ثيابه القمل فيموت من طيب هوائها، وأشار إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره بقوله تعالى :﴿ورب غفور﴾ أي : لذنب من شكره وتقصيره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب قال البقاعي : وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء قال : وفي بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جداً في مقدار دربلي بلاد الشام، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع المصطكي وليس له نوى أصلاً انتهى.
سبأ 34:16
ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر دل على ذلك بقوله تعالى :﴿فأعرضوا﴾ أي : عن الشكر فكفروا قال وهب : أرسل الله تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعم الله تعالى عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا : ما نعرف لله تعالى علينا من نعمة فقولوا لربكم : فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع.
ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم بينه بقوله تعالى :﴿فأرسلنا عليهم سيل العرم﴾ جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته أي : سيل واديهم فأغرق جنتيهم وأموالهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما ووهب وغيرهما : كان ذلك السد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المسناة بلغة حمير، فسدت ما بين الجبلين وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض وبنت منه دونها بركة ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجاً على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله تعالى عليهم جرذاً يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فأغرق الماء جنتيهم وأموالهم، وخرب أرضهم قال وهب : وكانوا فيما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله تعالى بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون ذلك فلما جاء السيل وجد خللاً فدخل فيه حتى اقتلع السد وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ومزقوا كل مزق حتى صاروا مثلاً عند العرب يقولون : صار بنو فلان أيدي سبأ وتفرقوا أيادي سبأ أي : تفرقوا وتبددوا قيل : والأوس والخزرج منهم قال البقاعي : وكان ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم.
تنبيه : في العرم أقوال غير ما ذكر أحدها : أنه من باب إضافة الموصوف لصفته في الأصل إذ الأصل السيل العرم، والعرم : الشديد، وأصله من العرامة وهي الشراسة والصعوبة. الثاني : أنه من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه تقديره : فأرسلنا عليهم سيل المطر العرم أي : الشديد الكثير. الثالث : أن العرم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه قال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق وقيل : كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء. الرابع : أنه اسم للجرذ وهو الفأر، وقيل : هو الخلد وإنما أضيف إليه لأنه تسبب عنه كما مر ﴿وبدلناهم بجنتيهم﴾ أي : جعلنا لهم بدلهما ﴿جنتين﴾ هما في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم ولذلك فسرهما بقوله تعالى إعلاماً بأن إطلاق الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم ﴿ذواتى أكل خمط﴾ أي : ثمر بشع، والخمط الأراك وثمره يقال له : البرير هذا قول أكثر المفسرين وقال المبرد والزجاج : كل نبت قد أخذ طعماً من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط وقال ابن الأعرابي : الخمط ثمر شجر يقال له : فسوة الضبع على صورة الخشخاش لا ينتفع به، وعن أبي عبيدة كل شجر ذي شوك، وقرأ أبو عمرو أكل بغير تنوين، والباقون بالتنوين وسكن الكاف نافع وابن كثير وضمها الباقون قال البغوي : فمن جعل الخمط اسماً للمأكول فالتنوين في أكل أحسن، ومن جعله أصلاً وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول العرب في بستان فلان : أعناب كرم وأعناب كرم فتصف الأعناب بالكرم لأنها منه.
وقوله تعالى ﴿وأثل﴾ أي : وذواتي أثل ﴿وشيء من سدر قليل﴾ معطوفان على أكل لا على خمط فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له وقيل : هو شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً وقيل : هو نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمر إلا في بعض الأوقات يكون عليه شيء كالعفص أخضر في طعمه وطبعه، والسدر : شجر معروف وهو شجر النبق وينتفع بورقه لغسل اليد ويغرس في البساتين ولم يكن هذا من ذاك بل كان سدراً برياً لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء، ولهذا قال بعضهم : السدر سدران : سدر له ثمرة غضة لا تؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغسال وهو الضال، وسدر له ثمرة تؤكل وهي النبق ويغسل بورقه والمراد في الآية الأول، وقال قتادة : كان شجرهم خير الشجر فغيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم.
تنبيه : قد نبهت في شرح المنهاج على أن الباء في الإبدال والتبديل والتبدل والاستبدال هل تدخل على المتروك أو على المأخوذ ؟ عند قول المنهاج ولو أبدل ضاداً بظاء.
سبأ 34:17
﴿ذلك﴾ أي : الجزء العظيم بالتبديل ﴿جزيناهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿بما كفروا﴾ أي : غطوا الدليل الواضح وهو ما جاء به الرسل، إذ روي أنه بعث إليهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم وقيل بكفرانهم النعمة ﴿وهل يجازى﴾ أي : مثل هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب ﴿إلا الكفور﴾ أي : إلا البليغ في الكفر، وقال مجاهد : يجازى أي : يعاقب ويقال في العقوبة : يجازي، وفي المثوبة : يجزي قال الفراء : المؤمن يجزى ولا يجازى أي : يجزي الثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته وقال بعضهم : المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله تعالى ﴿ذلك جزيناهم﴾ يدل على أن يجزي في النقمة أيضاً قال ابن عادل : ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون ما بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدئ بالنعم، وقيل : المؤمن تكفر سيئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما يفعله من السوء، وليس لقائل أن يقول : لم قيل وهل يجازى إلا الكفور على اختصاص الكفر بالجزاء والجزاء عام للمؤمن والكافر ؟ لأنه لم يرد الجزاء العام إنما أراد الخاص، وهو العقاب بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه، ألا ترى أنك لو قلت : جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلى الكافر والمؤمن لم يصح ولم يعد كلاماً فتبين أنما يتخيل من السؤال مضمحل، وإن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون مضمومة وكسر الزاي الكفور بالنصب والباقون بالياء المضمومة ونصب الزاي الكفور بالرفع.
سبأ 34:18
ولما تم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة أتبعه مواضع السكان بقوله تعالى :﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿بينهم﴾ أي : بين سبأ وهم بالمين ﴿وبين القرى التي باركنا فيها﴾ أي : بالتوسعة على أهلها بالماء والشجر، وغيرهما وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة ﴿قرى ظاهرة﴾ أي : متواصلة من اليمن إلى الشام ﴿وقدرنا فيها السير﴾ أي : بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء من سبأ إلى الشام.
وقيل : كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام فلا يحملون شيئاً مما جرت به عوائد السفار فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار، وقال قتادة : كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، فكان ما بين اليمن والشام كذلك، فهي حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان بلسان القال أو الحال ﴿سيروا﴾ ودل على تقاربها جداً قوله تعالى :﴿فيها﴾ ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أيّ وقت أريد مقدماً لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله تعالى :﴿ليالي﴾ وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله تعالى :﴿وأياماً﴾ أي : في أيّ وقت شئتم وإلى عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل مسلم بقوله ﴿آمنين﴾ أي : لا تخافون في ليل أو نهار وإن طالت مدة سفركم فيها، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن فلا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً.
وقيل : تسيرون فيها إن شئتم ليالي، وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلاً لعدم علم العدو بسيرهم، وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة.
سبأ 34:19
ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من الألطاف دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سبباً للضجر والملال بقوله تعالى :
﴿فقالوا﴾ أي : على وجه الدعاء ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ أي : إلى الشام أي : اجعلها مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل، وتزوّد الأزواد والماء فبطروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل لما طلبوا الثوم والبصل فأجابهم الله تعالى بتخريب القرى المتوسطة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بتشديد العين ولا ألف قبلها فعل طلب، والباقون بألف قبل العين وتخفيف العين، وقرئ بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطاً في الترفه وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه ﴿وظلموا﴾ حيث عدوا النعمة نقمة والإحسان إساءة ﴿أنفسهم﴾ بالكفر ﴿فجعلناهم﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أحاديث﴾ أي : عبرة لمن بعدهم يتحدث الناس بهم تعجباً وضرب مثل فيقولون : ذهبوا أيدي سبأ وتفرقوا أيادي سبأ قال كثير :
أيادي سبا يا عزُّ ما كنت بعدكم؍ فلم يحل للعينين بعدك منظر؍
﴿ومزقناهم كل ممزق﴾ أي : فرقناهم في كل جهة من البلاد كل التفريق قال الشعبي : لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا بالشام، ومرّ الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومرّ خزيمة إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر وهو جد الأوس والخزرج ﴿إن في ذلك﴾ أي : المذكور ﴿لآيات﴾ أي : عبراً ودلالات بينة جداً على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلقهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات والخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها، دليلٌ على أن الإنسان ما دام حياً فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية لأنه لما طبع عليه من القلق كثيراً ما يرى النعم نقماً، واللذة ألماً، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة بقوله تعالى :﴿لكل صبار﴾ على طاعة الله وعن معصيته ﴿شكور﴾ لنعمه قال مقاتل : يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء شكور على النعماء قال مطرف : هو المؤمن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلى صبر.
سبأ 34:20
وقرأ قوله تعالى :﴿ولقد صدّق عليهم إبليس﴾ أي : الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده، أو الإبلاس وهو اليأس من كل خير ليكون ذلك أبلغ في التبكيت والتوبيخ ﴿ظنه﴾ قرأه الكوفيون بتشديد الدال بعد الصاد أي : ظن فيهم ظناً حيث قال :﴿فبعزتك لأغوينّهم أجمعين ( ٨٢ ) إلا عبادك﴾ ( ص : ٨٢ ) ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ ( الأعراف، ١٧ ) فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه، والباقون بالتخفيف أي : صدّق عليهم في ظنه بهم أي : على أهل سبأ كما قاله أكثر المفسرين حين رأى انهماكهم في الشهوات أو الناس كلهم كما قاله مجاهد أي : حين رأى أباهم آدم ضعيف العزم، أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب أو سمع من الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ ( البقرة : ٣٠ ) فقال : لأضلنهم ولأغوينهم، أو الكفار ومنهم سبأ كما قاله الجلال المحلي ﴿فاتبعوه﴾ أي : بغاية الجهد بميل الطبع وقوله ﴿إلا فريقاً من المؤمنين﴾ استثناء متصل على قول مجاهد ومنقطع على قول غيره، وقال السدي عن ابن عباس رضي الله عنه : يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو إلا فريقاً من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون قال ابن قتيبة : إن إبليس لعنه الله تعالى لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى وقال ﴿لأغوينّهم﴾ ( الحجر : ٣٩ ) و﴿لأضلنّهم﴾ ( النساء : ١١٩ ) لم يكن مستيقناً وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم، وإنما قاله ظناً، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.
سبأ 34:21
ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمراً بنفسه نفاه بقوله تعالى :﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿كان﴾ أصلاً ﴿له عليهم﴾ أي : الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأغرق فيما هو الحق من النفي بقوله تعالى :﴿من سلطان﴾ أي : تسلط قاهر بشيء من الأشياء بوجه من الوجوه، لأنه مثلهم في كونه عبداً عاجزاً مقهوراً ذليلاً خائفاً مدحوراً قال القشيري : هو مسلط ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه والمعنى : أن الأمر لله وحده ﴿إلا﴾ أي : لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا، وملكناه قيادهم بقهرنا، وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال :﴿لنعلم﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿من يؤمن﴾ أي : يوجد الإيمان لله ﴿بالآخرة﴾ أي : ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تمييزه تعلقاً تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقاً به في عالم الغيب ﴿ممن هو منها﴾ أي : الآخرة ﴿في شك﴾ فهو لا يجدد لها إيماناً أصلاً لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار إلا موضع لكن إشارة إلى أنه مكنه تمكيناً تاماً صار به كمن له سلطان حقيقي.
تنبيه : قال الرازي : إن علم الله تعالى من الأزل إلى الأبد محيط لكل معلوم، وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالماً لا يتغير، ولكن يتغير تعلق علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله تعالى في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجوداً بذلك العلم وإذا عدم علمه معدوماً، كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا قابلها عمرو تظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها، وإنما التغيير في الخارجيات، وكذا هنا قوله ﴿إلا لنعلم﴾ أي : ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر، والإيمان من المؤمن، وكان علم الله تعالى أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو وقال البغوي : المعنى إلا لنميز المؤمن من الكافر، وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلوماً عنده بالغيب وقوله تعالى ﴿وربك﴾ أي : المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك واجتنابه عن أمتك ﴿على كل شيء﴾ من المكلفين وغيرهم ﴿حفيظ﴾ أي : حافظ أتم حفظ تحقيق ذلك أن الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز.
سبأ 34:22
ولما بين تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى، عاد إلى خطابهم فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : يا أعلم الخلق بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا من لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة ﴿ادعوا الذين زعمتم﴾ أي : أنهم آلهة كما تدعون الله تعالى لاسيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي زعم وهما ضميرهم وآلهة تنبيهاً على استهجان ذلك واستبشاعه وليس المذكور في الآية مفعول زعم ولا قائماً مقام المفعول لفساد المعنى، وبين حقارتهم بقوله تعالى :﴿من دون الله﴾ أي : الذي حاز جميع، العظمة والمعنى : ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صحت دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعاراً بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال :﴿لا يملكون مثقال ذرة﴾ من خير أو شر ﴿في السماوات ولا في الأرض﴾ أي : في أمر ما، وذكرهما للعموم العرفي، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضية كالأصنام، أو لأن الأسباب القريبة للخير والشر سماوية وأرضية، والجملة استئناف لبيان حالهم.
ولما كان هذا ظاهراً في نفي الملك الخاص عن ثبوت المشاركة نفى المشاركة أيضاً بقوله تعالى مؤكداً تكذيباً لهم فيما يدعونه ﴿وما لهم﴾ أي : الآلهة ﴿فيهما﴾ أي : في السماوات والأرض ولا في غيرهما، ولا في فيما فيهما، وأغرق في النفي بقوله تعالى :﴿من شرك﴾ أي : شركة لا خلقاً ولا ملكاً ﴿وماله﴾ أي : الله ﴿منهم﴾ وأكد النفي بإثبات الجار فقال ﴿من ظهير﴾ أي : معين على شيء مما يريده من تدبير أمرهما وغيرهما فكيف يصح مع هذا العجز أن يدعوا كما يدعى، ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد.
سبأ 34:23
ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة وكان المقصود منها أثرها لا عينها نفاه بقوله تعالى :﴿ولا تنفع الشفاعة عنده﴾ أي : فلا تنفعهم شفاعة كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله ﴿إلا لمن أذن له﴾ أي : وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة، أو أكثر في أن يشفع في غيره وفي أن يشفع فيه غيره، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة والباقون بفتحها وقوله تعالى :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم انتظاراً للإذن وتوقعاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن، وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملئ من الزمان وطول من التربص، ومثل هذه الحال دل عليها قوله عز من قائل ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطاباً ( ٣٧ ) يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صواباً﴾ ( النبأ : ٣٧ ٣٨ )
كأنه قيل : يتوقعون ويتربصون ملياً فزعين ذاهلين حتى إذا فزع عن قلوبهم أي : كشف الفزع عن قلوبهم أي : كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن ﴿قالوا﴾ أي : قال بعضهم لبعض ﴿ماذا قال ربكم﴾ أي : في الشفاعة ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن بذلك قلوبهم ﴿قالوا﴾ قال : القول ﴿الحق﴾ أي : الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابق الواقع فلا يكون شيء يخالفه وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى منهم وهم المؤمنون ﴿وهو العلي الكبير﴾ أي : ذو العلو فلا رتبة إلا دون رتبته، والكبرياء فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا قضى الله الأمر في السماء صفقت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا :﴿ماذا قال ربكم﴾ قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء » وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا أراد الله أن يوحي بالأمر وتكلم بالوحي أخذت السماء رجفة، أو قال : رعدة شديدة خوفاً من الله تعالى فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل عليه السلام على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل : فيقول جبريل عليه السلام ﴿قال الحق وهو العلي الكبير﴾ فيقولون كلهم مثل ما يقول جبريل عليه السلام، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله تعالى » وقال مقاتل والكلبي والسدي : كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة وخمسين سنة وقيل : ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحياً، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم كلم جبريل عليه السلام بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمداً صلى الله عليه وسلم عند أهل السماوات من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفاً من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ يعني الوحي ﴿وهو العلي الكبير﴾ وقال الحسن وابن زيد : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة عليهم السلام : ماذا قال ربكم في الدعاء قالوا : الحق فأقروا به حيث لم ينفعهم الإقرار.
سبأ 34:24
ولما سلب تعالى عن شركائهم أن يملكوا شيئاً من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، وأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقررهم بما يلزم منه ذلك بقوله تعالى :﴿قل من يرزقكم من السماوات﴾ أي : بالمطر ﴿والأرض﴾ أي : بالنبات، وأفرد الأرض لأنهم لا يعلمون غيرها، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى :﴿قل الله﴾ أي : إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت : إن رازقكم الله وذلك للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته ؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض﴾ ( يونس : ٣١ ) ﴿أمّن يملك السمع والأبصار﴾ ( يونس : ٣١ ) حتى قال :﴿فسيقولون الله﴾ ( يونس : ٣١ ) ثم قال تعالى :﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ ( يونس : ٣٢ ) فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة يتلعثمون عناداً وفراراً وحذراً من إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل ﴿قل من رب السماوات والأرض قل الله أفتّخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً﴾ ( الرعد : ١٦ )
وأمر بأن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه ﴿وإنا أو إياكم﴾ أي : أحد الفريقين من الذين يوحدون الرازق من السماوات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة ﴿لعلى هدى﴾ أي : في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ﴿أو في ضلال﴾ عن الحق ﴿مبين﴾ أي : بين في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال، وهذا ليس على طريق الشك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك أنه على هدى ويقين، وأن الكفار على ضلال مبين وإنما هذا الكلام جار على ما تخاطب به العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير، ويسميه أهل البيان الاستدراج، وهو أن يذكر لمخاطبه أمراً يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يصغي إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ ونظيره قولهم : أخزى الله الكاذب مني ومنك، ومثله قول حسان رضي الله تعالى عنه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا سفيان :
أتهجوه ولست له بكفء؍ فشركما لخيركما الفداء؍
فإن أبي ووالدتي وعرضي؍ لعرض محمد منكم وقاء؍
مع العلم لكل أحد أنه صلى الله عليه وسلم خير خلق الله كلهم.
تنبيه : ذكر تعالى في الهدى كلمة على، وفي الضلال كلمة في، لأن المهتدي كأنه مرتفع مطلع فذكر بكلمة التعالي فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فأتى بكلمة في فكأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه قال البغوي : وقال بعضهم : أو بمعنى الواو والألف فيه صلة كأنه يقول : وإنا وإياكم لعلى هدى وفي ضلال مبين يعني : نحن على الهدى وأنتم في الضلال.
سبأ 34:25
﴿قل﴾ أي : لهم ﴿لا تسألون﴾ أي : من سائل ما ﴿عما أجرمنا﴾ أي : لا تؤاخذون به ﴿ولا نسأل﴾ أي : في وقت من الأوقات من سائل ما ﴿عما تعملون﴾ أي : من الكفر والتكذيب وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في التواضع حيث أسندوا الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين، وقيل : المراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام.
سبأ 34:26
﴿قل﴾ أي : لهم ﴿يجمع بيننا ربنا﴾ أي : يوم القيامة ﴿ثم يفتح﴾ أي : يحكم ﴿بيننا بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه وهو العدل والفضل من غير ظلم ولا ميل، فيدخل المحقين الجنة والمبطلين النار ﴿وهو الفتاح﴾ أي : الحاكم الفاصل في القضايا المغلقة البليغ الفتح لما انغلق فلا يقدر أحد على فتحه ﴿العليم﴾ أي : البليغ العلم بكل دقيق وجليل فلا تخفى عليه خافية.
سبأ 34:27
﴿قل﴾ أي : لهم ﴿أروني﴾ أي : أعلموني ﴿الذين ألحقتم به﴾ أي : بالله ﴿شركاء﴾ أي : في العبادة هل يخلقون وهل يرزقون وقوله تعالى :﴿كلا﴾ أي : لا يخلقون ولا يرزقون ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة كما قال إبراهيم عليه السلام ﴿أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله﴾ ( الأنبياء : ٦٧ ) بعدما حجهم وقد نبه على تفاحش غلطهم بقوله تعالى :﴿بل هو الله العزيز﴾ أي : الغالب على أمره الذي لا مثل له وكل شيء يحتاج إليه ﴿الحكيم﴾ أي : المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك، وأنتم ترون ما ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك.
تنبيه : في هذا الضمير وهو «هو » قولان : أحدهما : أنه عائد إلى الله تعالى أي : ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو الله والعزيز الحكيم صفتان. والثاني : أنه ضمير الأمر والشأن والله مبتدأ، والعزيز الحكيم خبر إن والجملة خبر هو.
فإن قيل : ما معنى قوله ﴿أروني﴾ وكان يراهم ويعرفهم أجيب : بأنه أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى وأن يقاس على أعينهم فيه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به.
سبأ 34:28
ولما بين تعالى مسألة التوحيد شرع في الرسالة بقوله سبحانه وتعالى :﴿وما أرسلناك﴾ أي : بعظمتنا ﴿إلا كافة للناس﴾ أي : إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام، وقول البيضاوي : ولا يجوز جعلها حالاً من الناس أي : لأن تقديم حال المجرور عليه كتقديم المجرور على الجار رده أبو حيان بقوله : هذا ما ذهب إليه الجمهور وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه وهو الصحيح انتهى. وهذا هو الذي ينبغي اعتماده ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :«كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » ومن أمثلة أبي علي : زيد خير ما يكون خير منك والتقدير : زيد خير منك خير ما يكون وأنشد :
إذا المرء أعيته المطالب ناشئاً؍ فمطلبها كهلاً عليه شديد؍
أي : فمطلبها عليه كهلاً وأنشد أيضاً :
تسليت طراً عنكم بعد بينكم؍ بذكراكم حتى كأنكم عندي؍
أي : عنكم طراً، وقيل : أنه حال من كاف أرسلناك والمعنى : إلا جامعاً للناس في الإبلاغ والكافة بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة كهي في علامة ورواية قاله الزجاج.
وقيل : إن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره : إلا إرسالة كافة قال الزمخشري : إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم قال أبو حيان : أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضاً استعمالها صفة لموصوف محذوف قال البقاعي : وأما الجن فحالهم مشهور أي : أنه أرسل إليهم، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور انتهى.
وهذا هو اللائق بعموم رسالته وإن خالف في ذلك الجلال المحلي في «شرحه على جمع الجوامع »، وفي عموم رسالته صلى الله عليه وسلم فضيلة على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلئن كان داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال له والطير وإلانة الحديد وسليمان عليه السلام بما ذكر له، فقد فضل محمد صلى الله عليه وسلم نبينا بإرساله إلى الناس كافة، والحصا سبح في كفه، والجبال أمرت بالسير معه ذهباً وفضة، والحمرة شكت إليه أخذ فراخها أو بيضها، والضب شهد له بالرسالة والجمل شكا إليه وسجد له، والأشجار أطاعته والأحجار سلمت عليه وائتمرت بأمره وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر، وإنما ذكرت ذلك تبركاً بذكره صلى الله عليه وسلم وأنا أسأل الله تعالى أن يشفع في وفي والدي وجميع أحبابي وبقية المسلمين أجمعين.
ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار وكان في ذكرها رد لقولهم في الكذب والجنون قال تعالى ﴿بشيراً﴾ أي : مبشراً للمؤمنين بالجنة ﴿ونذيراً﴾ أي : منذراً للكافرين بالعذاب ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي : كفار مكة ﴿لا يعلمون﴾ فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
سبأ 34:29
ولما سلب عنهم العلم اتبعه دليله كقوله تعالى معبراً بصيغة المضارع الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد :﴿ويقولون﴾ من فرط جهلهم بعاقبة ما يوعدونه ﴿متى هذا الوعد﴾ أي : البشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعداً زيادة في الاستهزاء.
ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول وأبعد عن الرد من قول الواحد أشار إلى زيادة جهلهم بقوله تعالى :﴿إن كنتم﴾ أي : أيها النبي وأتباعه ﴿صادقين﴾ أي : متمكنين في الصدق.
سبأ 34:30
﴿قل لكم﴾ أي : أيها الجاحدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات أو لا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات ﴿ميعاد يوم﴾ أي : لا يحتمل القول وصف عظمه لما يأتي فيه لكم من العقاب سواء كان يوم الموت كما قاله الضحاك أو البعث كما قاله أكثر المفسرين ﴿لا تستأخرون﴾ أي : لا يوجب تأخركم ﴿عنه ساعة﴾ لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم ولذلك قال :﴿ولا تستقدمون﴾ أي : لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك.
فإن قيل : كيف انطبق هذا جواباً عن سؤالهم ؟ أجيب : بأنهم ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتاً لا استرشاداً فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقاً لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون بيوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخراً عنه ولا تقدماً عليه.
سبأ 34:31
﴿وقال الذين كفروا﴾ مؤكدين قطعاً للأطماع عن دعائهم ﴿لن نؤمن﴾ أي : نصدق أبداً وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه وسلم بالإشارة فقالوا :﴿بهذا القرآن﴾ أي : وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المتضمنة لبقية الكتب ﴿ولا بالذي بين يديه﴾ أي : قبله من الكتب التوراة والإنجيل وغيرهما بل نحن قانعون بما وجدنا عليه آباءنا، وذلك لما روي أن كفار مكة سألوا بعض أهل الكتاب فأخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدمه من كتب الله في الكفر بها فكفروا بها جميعاً.
وقيل : الذي بين يديه يوم القيامة، والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله، وأن يكون ما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة.
ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أو للمخاطب :﴿ولو﴾ أي : والحال أنك لو ﴿ترى﴾ أي : يوجد منك رؤية لحالهم ﴿إذا الظالمون﴾ أي : الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر من غير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه ﴿موقوفون﴾ أي : بعد البعث بأيدي جنوده أو غيرها بأيسر أمر منه ﴿عند ربهم﴾ أي : في موضع المحاسبة ﴿يرجع بعضهم﴾ أي : على وجه الخصام عداوة كان سببها مواددة في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله تعالى ﴿إلى بعض القول﴾ أي : بالملامة والمباكتة والمخاصمة.
تنبيه : مفعول ترى وجواب لو محذوفان للفهم أي : لو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم راجعاً بعضهم إلى بعض القول لرأيت حالاً فظيعة وأمراً منكراً ويرجع حال من ضمير موقوفون، والقول مفعول يرجع، لأنه يتعدى قال تعالى :﴿فإن رجعك الله﴾ ( التوبة : ٨٣ ) وقوله تعالى ﴿يقول الذين استضعفوا﴾ أي : وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحال على سبيل اللوم ﴿للذين استكبروا﴾ أي : أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون ﴿لولا أنتم﴾ أي : لولا ضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان ﴿لكنا مؤمنين﴾ أي : باتباع الرسول تفسير لقوله تعالى :﴿يرجع﴾ فلا محل له قال ابن عادل : وأنتم بعد لولا مبتدأ على أصح المذاهب وهذا هو الأفصح أعني وقوع ضمائر الرفع بعد لولا أي : وغيره فصيح خلافاً للمبرد حيث جعل خلاف هذا لحناً، وأنه لم يرد إلا في قول زياد : وكم موطن لولاي والأقيس جعل الياء ضمير نصب أو جر قام مقام ضمير الرفع وسيبويه جعله ضمير جر.
سبأ 34:32
ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة ذكر الجواب عنها بقوله تعالى :﴿قال الذين استكبروا﴾ على طريق الاستئناف ﴿للذين استضعفوا﴾ رداً عليهم وإنكاراً لقولهم إنهم هم الذين صدوهم ﴿أنحن﴾ خاصة ﴿صددناكم﴾ أي : منعناكم ﴿عن الهدى بعد إذ جاءكم﴾ أي : على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لم نفعل ذلك ؛ لأن المانع ينبغي أن يكون أرجح من المقتضى حتى يعمل عمله، والذي جاء به الرسل هو الهدى والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئاً يوجب الامتناع من قبول ما جاؤوا به فلم يصح تعلقكم بالمانع، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم، والباقون بالإدغام وأمال الألف بعد الجيم حمزة وابن ذكوان وفتحها الباقون، وكذا الإظهار والإدغام في ﴿إذ تأمروننا﴾ ( سبأ : ٣٢ ) وإذا وقف حمزة على ﴿جاءكم﴾ سهل الهمزة مع المد والقصر، وله أيضاً إبدالها ألفاً مع المد والقصر ﴿بل كنتم﴾ أي : جبلة وخلقاً ﴿مجرمين﴾ أي : كافرين لاختياركم لأقوالنا وتسويلنا.
فإن قيل : إذ وإذا من الظروف الملازمة للظرفية فلم وقعت إذ مضافاً إليها ؟
أجيب : بأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان كما أضيف إلى الجمل في قولك : جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذٍ ويومئذٍ.
سبأ 34:33
ولما أنكر المستكبرون بقولهم :﴿أنحن صددناكم﴾ أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين واثبتوا بقولهم ﴿بل كنتم مجرمين﴾ أن ذلك بكسبهم واختيارهم كر عليهم المستضعفون كما قال تعالى :﴿وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا﴾ رداً لإنكارهم صدهم ﴿بل﴾ أي : الصاد لنا ﴿مكر الليل والنهار﴾ أي : الواقع فيهما من مكركم فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم كأنهم قالوا : ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم بنا ليلاً ونهاراً ﴿إذ تأمروننا أن نكفر بالله﴾ أي : الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل ﴿ونجعل له أنداداً﴾ أي : شركاء نعبدهم من دونه، فإن قيل : لم قيل ﴿قال الذين استكبروا﴾ بغير عطف وقيل ﴿وقال الذي استضعفوا﴾ أجيب : بأن الذين استضعفوا مر أولاً كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريق الاستئناف ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول.
تنبيه : يجوز رفع مكر من ثلاثة أوجه :
أحدها : الفاعلية تقديره بل صدنا مكركم في هذين الوقتين كما مر.
الثاني : أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي : مكر الليل صدنا.
الثالث : العكس أي : سبب كفرنا مكركم وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم ليل ماكر والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام كقول الشاعر :
ونمت وما ليل المطي بنائم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيكون مصدراً مضافاً لمرفوعه، وأما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مصدراً مضافاً لمفعوله قال ابن عادل : وهذا أحسن من قول من قال : إن الإضافة بمعنى في أي : مكر في الليل لأن ذلك لم يثبت في محل النزاع وقيل مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى ﴿فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ ( الحديد : ١٦ ).
تنبيه : قوله تعالى أولاً يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول ﴿الذين استضعفوا﴾ بلفظ المستقبل، وقوله تعالى في الآيتين الأخيرتين ﴿وقال الذين استكبروا﴾ ﴿وقال الذين استضعفوا﴾ بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم يقع، أشار به إلى أن ذلك لا بد من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع كقوله تعالى :﴿إنك ميّت وإنهم ميّتون﴾ ( الزمر : ٣٠ ) وأما الاستقبال فعلى الأصل ﴿وأسروا﴾ أي : الفريقان ﴿الندامة﴾ من المستكبرين والمستضعفين وهم الظالمون في قوله تعالى ﴿إذا الظالمون موقوفون﴾ ( سبأ : ٣١ ) يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين ﴿لما﴾ أي : حين ﴿رأوا العذاب﴾ أي : حين رؤية العذاب أخفاها كل عن رفيقه مخافة التعبير.
وقيل : معنى الإسرار والإظهار وهو من الأضداد أي : أظهروا الندامة قال ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله تعالى بقولهم ﴿أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً﴾ ( السجدة : ١٢ ) وأجيبوا : بأن لا مرد لكم فأسروا ذلك القول وقوله تعالى ﴿وجعلنا الأغلال﴾ أي : الجوامع التي تغل اليد إلى العنق ﴿في أعناق الذين كفروا﴾ يعم الأتباع والمتبوعين جميعاً، وكان الأصل في أعناقهم ولكن جاء بالظاهر تنويهاً بذمهم وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهذه إشارة إلى كيفية عذابهم ﴿هل يجزون﴾ أي : بهذه الأغلال ﴿إلا ما﴾ أي : إلا جزاء ما ﴿كانوا يعملون﴾ أي : على سبيل التجديد والاستمرار.
سبأ 34:34
ولما كان في هذا تسلية أخروية للنبي صلى الله عليه وسلم أتبعه التسلية الدنيوية بقوله تعالى :﴿وما أرسلنا﴾ أي : بعظمتنا ﴿في قرية﴾ وأكد النفي بقوله تعالى :﴿من نذير إلا قال مترفوها﴾ رؤساؤها الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان ولذلك قالوا لرسلهم :﴿إنا بما أرسلتم به﴾ أي : أيها المنذرون ﴿كافرون﴾ أي : وإذا قال المتنعمون ذلك تبعهم المستضعفون.
سبأ 34:35
﴿وقالوا﴾ أي : المترفون أيضاً متفاخرين ﴿نحن أكثر أموالاً وأولاداً﴾ أي : في هذه الدنيا ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك، فاعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم فعلى قياسهم ذلك قالوا :﴿وما نحن بمعذبين﴾ أي : إن الله تعالى قد أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة.
سبأ 34:36
ثم إن الله سبحانه وتعالى بين خطاهم بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿إن ربي﴾ أي : المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية ﴿يبسط الرزق﴾ أي : يوسعه في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها ﴿لمن يشاء﴾ امتحاناً ﴿ويقدر﴾ أي : يضيقه على من يشاء ابتلاء بدليل مقابلته بيبسط وهذا هو الطباق البديعي، فالرزق في الدنيا لا تدل سعته على رضا الله تعالى ولا ضيقه على سخطه فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما عكس وربما وسع عليهما وضيق عليهما، وكم من موسر شقي وكم من معسر تقي ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي : كفار مكة ﴿لا يعلمون﴾ أي : ليس لهم علم فيتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلمون أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيداً في عقباه ولا كل مضيق عليه في دنياه شقياً.
سبأ 34:37
ثم بين تعالى فساد استدلالهم بقوله سبحانه وتعالى :﴿وما أموالكم﴾ أي : أيها الخلق الذي أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي تصريحاً بإبطال كل على حياله فقال ﴿ولا أولادكم﴾ كذلك ﴿بالتي﴾ أي : بالأموال والأولاد التي ﴿تقرّبكم عندنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿زلفى﴾ أي : درجة علية وقربة مكينة.
تنبيه : قوله تعالى :﴿بالتي تقرّبكم﴾ صفة للأموال والأولاد كما تقرر لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة وقال الفراء والزجاج : أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا : والتقدير : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم ولا حاجة إلى هذا، ونقل عن الفراء ما تقدم من أن التي صفة للأموال والأولاد معاً وهو الصحيح، وجعل الزمخشري «التي » صفة لموصوف محذوف قال : ويجوز أن تكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله تعالى زلفى وحدها أي : ليست أموالكم ولا أولادكم بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب قال أبو حيان : ولا حاجة إلى هذا الموصوف انتهى. وزلفى : مصدر من معنى الأول إذ التقدير : تقربكم قربى وقال الأخفش : زلفى اسم مصدر كأنه قال : بالتي تقربكم عندنا تقريباً وأمالها حمزة والكسائي محضة وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح وقوله تعالى :﴿إلا من آمن وعمل صالحاً﴾ أي : تصديقاً لإيمانه على ذلك الأساس استثناء من مفعول تقربكم أي : الأموال والأولاد لا تقرب أحد إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح، أو من أموالكم وأولادكم على حذف المضاف إلى إلا أموال وأولاد من آمن وعمل صالحاً ﴿فأولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿لهم جزاء الضعف﴾ أي : أن يأخذوا جزاءهم مضاعفاً في نفسه من عشرة أمثاله إلى ما لا نهاية له ﴿بما عملوا﴾ فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان، ثم زاد وقال تعالى ﴿وهم في الغرفات﴾ أي : العلالي المبنية فوق البيوت في الجنات زيادة على ذلك ﴿آمنون﴾ أي : ثابت أمانهم دائماً لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلاً، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم، وقرأ حمزة بسكون الراء ولا ألف بعد الفاء على التوحيد على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه، وقد أجمع على التوحيد في قوله تعالى :﴿يجزون الغرفة﴾ ( الفرقان : ٧٥ ) ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس، والباقون بضم الراء وألف بعد الفاء على الجمع جمع سلامة، وقد أجمع على الجمع في قوله تعالى ﴿لنبوّئنهم من الجنة غُرفاً﴾ ( العنكبوت : ٥٨ ).
سبأ 34:38
ثم بين حال المسيء وهو من يبعده ماله وولده من الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى :﴿والذين يسعون﴾ أي : يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم ﴿في﴾ إبطال ﴿آياتنا﴾ أي : حجتنا على ما لها من عظمة الانتساب إلينا ﴿معجزين﴾ أي : طالبين تعجيزها أي : تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مرادهم بها بما يلقون من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد ﴿أولئك﴾ أي : هؤلاء البعداء البغضاء ﴿في العذاب﴾ أي : المزيل للعذوبة ﴿محضرون﴾ أي : يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله.
سبأ 34:39
﴿قل﴾ أي : يا أشرف الخلق لجميع الخلق ومنهم هؤلاء ﴿إن ربي﴾ أي : المحسن إلي بهذا البيان وغيره ﴿يبسط الرزق﴾ أي : يوسعه ﴿لمن يشاء﴾ متى شاء ﴿من عباده﴾ امتحاناً ﴿ويقدر﴾ أي : يضيقه ﴿له﴾ بعد البسط ابتلاء قال البيضاوي : فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في شخصين فلا تكرار.
ولما بين بهذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب السلامة من النار دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله تعالى :﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ أي : فهو يعوضه لا معوض سواه إما عاجلاً بالمال، أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما آجلاً بالثواب الذي كل خلف دونه، وعن سعيد بن جبير ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، وعن الكلبي ما تصدقتم من صدقة أو أنفقتم في خير من نفقة فهو يخلفه على المنفق، إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وعن مجاهد من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقر ولا يتأول ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه﴾ ( سبأ : ٣٩ )
فإن هذا في الآخرة ومعنى الآية : وما كان من خلف فهو منه فدل ذلك على أنه مختص بالإخلاف لأنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«قال الله تبارك وتعالى أنفق ينفق عليك » ولمسلم :«يا ابن آدم أنفق أنفق عليك » وعن أبي هريرة أيضاً : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً » وعنه أيضاً : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما نقصت أحد صدقة من مال وما زاد الله رجلاً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل » وعن عبد الحميد بن الحسن الهلالي قال : أنبأنا محمد بن المكندر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كل معروف صدقة » «وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة » «وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة » قلت : ما معنى وقى به عرضه قال : ما أعطى الشاعر وذا اللسان المتقي، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامناً إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية الله عز وجل قوله : قلت ما معنى مقول عبد الحميد لمحمد بن المكندر ﴿وهو خير الرازقين﴾ فإن قيل : قوله تعالى خير الرازقين ينبئ عن كثرة الرازقين ولا رازق إلا الله تعالى أجيب : بأن الله تعالى هو خير الرازقين الذين يغذونهم هذا الغذاء ممن يقيمهم الله تعالى فيضيفون الرزق إليهم، لأن كل من يرزق غيره من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله فهو واسطة لا يقدر إلا على ما قدره الله، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم ويرزق من يطيعه ومن يعصيه ولا يضيق رزقه بأحد ولا يشغله فيه أحد عن أحد وعن بعضهم الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فيجد فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي، وقرأ أبو عمر وقالون والكسائي فهو يخلفه بسكون الهاء والباقون بالضم.
سبأ 34:40
ولما بين تعالى أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كحال من تقدمه من الأنبياء وحال قومه كحال من تقدم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم وأولادهم، بين ما يكون عاقبة حالهم بقوله تعالى :﴿ويوم يحشرهم﴾ أي : نجمعهم جمعاً بكره بعد البعث وعم التابع والمتبوع بقوله تعالى :﴿جميعاً﴾ فلم نغادر منهم أحداً، وقرأ حفص يحشرهم ثم يقول بالياء والباقون بالنون.
ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال تعالى :﴿ثم نقول للملائكة﴾ أي : توبيخاً للكافرين وإقناطاً مما يرجون منهم من الشفاعة ﴿أهؤلاء﴾ أي : الضالون وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصاً بقوله تعالى :﴿إياكم﴾ أي : خاصة ﴿كانوا يعبدون﴾ فهذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار وارد على المثل السائر : إياك أعني واسمعي يا جارة ونحوه قوله عز وجل :﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ ( المائدة : ١١٦ ).
سبأ 34:41
وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين براء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا فيكون تقريعهم أشد وتعييرهم أبلغ وخجلهم أعظم ولذلك :﴿قالوا﴾ أي : الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعاً بين يدي البراءة خوفاً ﴿سبحانك﴾ أي : تنزهك تنزيهاً يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد ﴿أنت ولينا﴾ أي : معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره ﴿من دونهم﴾ أي : ليس بيننا وبينهم ولاية بل عداوة، وكذا كان من تقرب إلى شخص بمعصية الله تعالى فإنه يقسى الله تعالى قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه.
ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم ﴿بل كانوا يعبدون الجن﴾ أي : إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن المخوفة، ومن هذا :«تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة ».
وقيل : صورت الشياطين لهم صور قوم من الجن وقالوا : هذه صور الجن فاعبدوها ثم استأنفوا قولهم ﴿أكثرهم﴾ أي : الإنس ﴿بهم﴾ أي : الجن ﴿مؤمنون﴾ أي : راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم.
وقيل : الضمير الأول للمشركين والأكثر : بمعنى الكل وقيل : منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن غيرهم وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات.
سبأ 34:42
ولما بطلت تمسكاتهم وانقطعت تعلقاتهم تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عن تنديمهم بقوله تعالى : بلسان العظمة :﴿فاليوم﴾ أي : يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر ﴿لا يملك﴾ أي : شيئاً من الملك ﴿بعضكم لبعض﴾ أي : من المقربين والمبعدين ﴿نفعاً ولا ضراً﴾ بل تنقطع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه.
فإن قيل : قوله تعالى نفعاً مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضر مع أنهم لو كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك ؟ أجيب : بأن العبادة لما كانت تقع لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبار ويخدم مخافة شره بين أنه ليس فيهم ذلك الوجه الذي تحسن لأجله عبادتهم وقوله تعالى :﴿ونقول﴾ أي : في ذلك الحال من غير إمهال ﴿للذين ظلموا﴾ أي : بوضع العبادة في غير موضعها عند إدخالهم النار ﴿ذوقوا عذاب النار التي كنتم﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿بها تكذبون﴾ عطف على لا يملك فبين المقصود من تمهيده، فإن قيل : قوله ههنا التي كنتم بها صفة للنار وفي السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار، وجعل المكذب في السجدة العذاب وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته أجيب : بأنهم كانوا متلبسين بالعذاب مترددين فيه بدليل قوله تعالى :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ ( السجدة : ٢٠ )
فوصف لهم ما لابسوه وهنا لم يلابسوه بعد لأنه عقب حشرهم وسؤالهم فهو أول ما رأوا النار فقيل لهم ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾.
سبأ 34:43
﴿وإذا تتلى عليهم﴾ أي : في وقت من الأوقات من أي تال كان ﴿آياتنا﴾ أي : من القرآن حال كونها ﴿بينات﴾ أي : واضحات بلسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿قالوا ما هذا﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿إلا رجل﴾ أي : مع كونه واحداً هو مثل واحد من رجالكم وتزيدون أنتم عليه بالكثرة ﴿يريد أن يصدكم﴾ بهذا الذي يتلوه ﴿عما كان يعبد آباؤكم﴾ من الأصنام أي : لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعاً فعارضوا البرهان بالتقليد ﴿وقالوا ما هذا﴾ أي : القرآن وقيل : القول بالوحدانية ﴿إلا إفك﴾ أي : كذب مصروف عن وجهه ﴿مفتري﴾ بإضافته إلى الله تعالى كقوله تعالى في حقهم ﴿أئفكاً آلهة دون الله تريدون﴾ ( الصافات : ٨٦ ) وكقولهم للرسول ﴿أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا﴾ ( الأحقاف : ٢٢ ) ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما دلت عليه العقول من جهة القرآن ﴿للحق﴾ أي : الهدى الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقيقة فيه ﴿لما جاءهم﴾ من غير نظر ولا تأمل ﴿أن﴾ أي : ما ﴿هذا﴾ أي : الثابت الذي لا شيء أثبت منه ﴿إلا سحر﴾ أي : خيال لا حقيقة له ﴿مبين﴾ أي : ظاهر قال ابن عادل : وهذا إنكار للتوحيد وكان مختصاً بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقاً عليه بين المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى :﴿وقال الذين كفروا﴾ على العموم انتهى. ولم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية والعلق الشهوانية قال الطفيل بن عمرو الدوسي ذو النور :«لقد أكثروا علي في أمره صلى الله عليه وسلم حتى حشوت في أذني ماء الكرفس خوفاً من أن يخلص إلي شيء من كلامهم فيفتنني، ثم أراد الله تعالى لي الخير فقلت واثكل أمي إني والله للبيب عاقل شاعر ولي معرفة بغث الكلام من سمينه فما لي لا أسمع منه فإن كان حقاً تبعته، وإن كان باطلاً كنت منه على بصيرة أو كما قال قال : فقصدت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : أعرض على ما جئت به فلما عرضه علي قلت : بأبي وأمي ما سمعت قولاً قط هو أحسن منه ولا أمراً أعدل منه فما توقفت في أن أسلمت ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم في أن يدعو له الله تعالى أن يعطيه آية يعينه بها على قومه، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته فخشي أن يظنوا أنها مثلة فدعا الله تعالى بتحويله فتحول في طرف سوطه فأعانه الله تعالى على قومه فأسلموا ».
تنبيه : في تكرير الفعل وهو قال : والتصريح بذكر الكفرة وما في لا من الذين والحق من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في لما من المفاجأة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم للقول وتعجيب بليغ منه.
سبأ 34:44
ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع بين ذلك بقوله تعالى :﴿وما﴾ أي : قالوا ذلك والحال أنا ما ﴿آتيناهم﴾ أي : هؤلاء العرب ﴿من كتب﴾ أصلاً لأنهم لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وأتى بصيغة الجمع مع تأكيد النفي قبل كتابك الجامع ﴿يدرسونها﴾ أي : يجددون دراستها كل حين فيها دليل على صحة الإشراك ﴿وما أرسلنا﴾ أي : إرسالاً لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة ﴿إليهم﴾ أي : خاصة بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم بأعيانهم فهم مقصودون بالذات لا أنهم داخلون في عموم أو مقصودون من باب الأمر بالمعروف وفي جميع الزمان الذي ﴿قبلك﴾ أي : قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ﴿من نذير﴾ أي : ليكون عندهم قول منه يدعوهم إلى الإشراك أو ينذرهم على تركه وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم.
سبأ 34:45
ثم هددهم بقوله تعالى :﴿وكذب الذين من قبلهم﴾ أي : من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء من التكذيب، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر ﴿وما بلغوا﴾ أي : هؤلاء ﴿معشار ما آتيناهم﴾ أي : عشراً صغيراً مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل ﴿فكذبوا﴾ أي : بسبب ما طبعوا عليه من العناد ﴿رسلي﴾ إليهم ﴿فكيف كان نكير﴾ أي : إنكاري على المكذبين لرسلي بالعقوبة والإهلاك أي : هو واقع موقعه فليحذر هؤلاء من مثله ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير أي : فعلوا التكذيب كثيراً فكان سبباً لتكذيب الرسل والثاني : للتكذيب أو الأول : مطلق والثاني : مقيد ولذلك عطف عليه.
سبأ 34:46
﴿قل إنما أعظكم﴾ أي : أرشدكم وأنصح لكم ﴿بواحدة﴾ أي : بخصلة واحدة هي ﴿أن تقوموا﴾ أي : توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد ﴿لله﴾ أي : الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم ﴿مثنى﴾ أي : اثنين اثنين قال البقاعي : وقدمه إشارة إلى أن أغلب الناس ناقص العقل ﴿وفرادى﴾ أي : واحداً واحداً من وثق بنفسه في رصانة عقله وإصابة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره وأعون على خلوص فكره، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إذا نسي ويقومه إذا زاغ، ولم يذكر غيرهما من الأقسام لأن الازدحام يشوش الخواطر ويخلط القول.
ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيماً جديراً بأن يهتم له هذا الاهتمام أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى :﴿ثم تتفكروا﴾ أي : في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيته ﴿ما بصاحبكم﴾ أي : رسولكم الذي أرسل إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿من جِنة﴾ أي : جنون يحمله على ذلك ﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : المحدث عنه بعينه ﴿إلا نذير﴾ أي : خالص إنذاره ﴿لكم بين يدي﴾ أي : قبل حلول ﴿عذاب شديد﴾ أي : في الآخرة إن عصيتموه، روى البخاري عن ابن عباس أنه قال :«صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا : بلى قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تباً لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله تعالى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ ( المسد : ١ ).
سبأ 34:47
ولما انتفى عنه بهذا ما تخيلوا به بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم يا أشرف الخلق ﴿ما﴾ أي : مهما ﴿سألتكم من أجر﴾ أي : على دعائي لكم من الإنذار والتبليغ ﴿فهو لكم﴾ أي : لا أريد منه شيئاً وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله تعالى أجراً أصلاً بوجه من الوجوه فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلاً ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله تعالى الذي له الأمر كله ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أجري﴾ أي : ثوابي ﴿إلا على الله﴾ أي : الذي لا أعظم منه فلا ينبغي لذي همة أن يطلب شيئاً إلا من عنده ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿على كل شيء شهيد﴾ أي : حفيظ مهيمن بليغ العلم بأحوالي فيعلم صدقي وخلوص نيتي، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أجرى في الوصل بفتح الياء، والباقون بالسكون.
سبأ 34:48
﴿قل﴾ أي : لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر ﴿إن ربي﴾ أي : المحسن إليّ بأنواع الإحسان ﴿يقذف بالحق﴾ أي : يلقيه إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل إلى أقطار الآفاق فيكون وعداً بإظهار الإسلام وإفشائه ﴿علام الغيوب﴾ أي : ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض.
تنبيه : في رفع علام أوجه : أظهرها : أنه خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ مضمر، أو بدل من الضمير في يقذف وقال الزمخشري : رفع محمول على محل أن واسمها أو على المستكن في يقذف يعني بقوله محمول على محل إن واسمها النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند بعضهم، ويريد بالحمل على الضمير في يقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك انفرد به الكسائي، وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم.
سبأ 34:49
﴿قل﴾ لهؤلاء ﴿جاء الحق﴾ أي : الإسلام وقيل : القرآن وقيل : كل ما ظهر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : المراد من جاء الحق أي : ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر وأكد تكذيباً لهم في ظنهم أنهم يغلبون بقوله تعالى :﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿يبدئ الباطل﴾ أي : الذي أنتم عليه من الكفر ﴿وما يعيد﴾ أي : ذهب فلم تبق منه بقية مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد مثلاً في الهلاك ومنه قول عبيد :
أقفر من أهله عبيد؍ أصبح لا يبدي ولا يعيد؍
والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾ ( الإسراء : ٨١ ) وعن ابن مسعود :«دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود ويقول ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ ( الإسراء : ٨١ ) ﴿قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ ( سبأ : ٤٩ ) وقيل : الباطل إبليس أي : ما ينشئ خلقاً ولا يعيده، والمنشئ والباعث هو الله تعالى، وعن الحسن لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي : لا ينفعهم في الدنيا والآخرة وقال الزجاج : أي : شيء ينشئه إبليس ويعيده فجعله للاستفهام وقيل : للشيطان الباطل لأنه صاحب الباطل، ولأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك وحينئذ يكون غير منصرف وإن جعلته من شطن كان منصرفاً.
سبأ 34:50
ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عناداً أنت ضال ليس بك جنون ولا كذب، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن الجمعة قال تعالى :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الإنصاف وتعليم الأدب ﴿إن ضللت﴾ أي : عن الطريق على سبيل الفرض ﴿فإنما أضل على نفسي﴾ أي : إثم إضلالي عليها ﴿وإن اهتديت فبما﴾ أي : فاهتدائي إنما هو بما ﴿يوحي إلي ربي﴾ أي : المحسن إلي من القرآن والحكمة لا بغيره فلا يكون فيه ضلال لأنه لاحظ للنفس فيه أصلاً، فإن قيل : أين التقابل بين قوله تعالى :﴿فإنما أضل على نفسي﴾ وقوله تعالى :﴿فبما يوحي إلى ربي﴾ وإنما كان يقال : فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فإنما اهتدى لها كقوله تعالى ﴿من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ ( فصلت : ٤٦ ) وقوله تعالى :﴿فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾ ( الزمر : ٤١ ) أو يقال فإنما أضل نفسي أجيب : بأنهما متقابلان من جهة المعنى لأن النفس كل ما عليها فهو بسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها مما ينفعها فبهداية ربه وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلاله محله وسداد طريقه كان غيره أولى به، وفتح الياء من ربي عند الوصل نافع وأبو عمرو الباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المد، ثم علل الضلال والهداية بقوله تعالى :﴿إنه﴾ أي : ربي ﴿سميع﴾ أي : لكل ما يقال ﴿قريب﴾ أي : يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله وإن أخفاه.
سبأ 34:51
ولما أبطل تعالى شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه عطف على ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ ﴿ولو ترى﴾ أي : تبصر يا أشرف الخلق ﴿إذ فزعوا﴾ أي : عند الموت أو البعث أو يوم بدر، وجواب لو محذوف نحو : لرأيت أمراً عظيماً ﴿فلا﴾ أي : فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا ﴿فوت﴾ أي : لهم منا لأنهم في قبضتنا، ثم حقر أمرهم بالبناء للمفعول بقوله تعالى :﴿وأخذوا﴾ أي : عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء أكان قبل الموت أم بعده ﴿من مكان قريب﴾ أي : القبور أو من الموقف إلى النار، أو من صحراء بدر إلى القليب وقال الكلبي : من تحت أقدامهم، وقيل : أخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها وحيثما كانوا فهم من الله تعالى قريب لا يفوتونه، والعطف على فزعوا أو لا فوت.
سبأ 34:52
﴿وقالوا﴾ أي : عند الأخذ ومعاينة الثواب والعقاب ﴿آمنا به﴾ أي : القرآن الذي قالوا : إنه أفك مفترى أو محمد صلى الله عليه وسلم الذي قالوا : إنه ساحر ﴿وأنى﴾ أي : وكيف ومن أين ﴿لهم التناوش﴾ أي : تناول الإيمان تناولاً سهلاً ﴿من مكان بعيد﴾ أي : عن محله إذ هم في الآخرة ومحله في الدنيا، ولا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل وهذا تمثيل لحالهم في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا بحال من أراد أن يتناول شيئاً من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولاً سهلاً لا تعب فيه، فإن قيل : كيف قال تعالى :﴿من مكان بعيد﴾ وقد قال تعالى في كثير من المواضع أن الآخرة من الدنيا قريب، وسمى الله تعالى الساعة قريبة فقال ﴿اقتربت الساعة﴾ ( القمر : ١ ) ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ ( الأنبياء : ١ )
﴿لعل الساعة قريب﴾ ( الشورى : ١٧ ) أجيب : بأن الماضي كالأمس الدابر وهو من أبعد ما يكون إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنون فإنه آت فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي بعد الألف بهمزة مضمومة والباقون بعد الألف بواو مضمومة فمعناه على هذا : كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد كان قريباً في الدنيا فضيعوه، وأما من همز فقيل معناه هذا أيضاً.
وقيل : التناؤش بالهمز من التنؤش الذي هو حركة في إبطاء يقال : جاء منئشاً أي : مبطئاً متأخراً والمعنى : من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه قال ابن عباس : يسألون الرد فيقال : وأنى لهم الرد إلى الدنيا من مكان بعيد أي : من الآخرة إلى الدنيا وأمال أنى محضة حمزة والكسائي، وأبو عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح.
سبأ 34:53
﴿وقد﴾ أي : كيف لهم ذلك والحال أنهم قد ﴿كفروا به﴾ أي : بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو البعث ﴿من قبل﴾ أي : في دار العمل ﴿و﴾ الحال أنهم حال كفرهم ﴿يقذفون﴾ أي : يرمون ﴿بالغيب﴾ ويتكلمون بما يظهر لهم في الرسول صلى الله عليه وسلم من المطاعن وهو قولهم : ساحر وشاعر وكاهن، وفي القرآن سحر شعر كهانة وقال قتادة : يعني يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار ﴿من مكان بعيد﴾ أي : ما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة وهذا تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئاً ولا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه.
سبأ 34:54
﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ أي : من نفع الإيمان يومئذ والنجاة من النار والفوز بالجنة، أو من الرد إلى الدنيا كما حكى عنهم ﴿فارجعنا نعمل صالحاً﴾ ( السجدة، ١٢ )، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم الحاء وهو المسمى بالإشمام والباقون بكسرها ﴿كما فعل﴾ أي : بأيسر وجه ﴿بأشياعهم﴾ أي : أشباهم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم ﴿من قبل﴾ أي : قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم بل كان كلما كذب أمة رسولها أخذناها فإذا أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا فلم يقبل منهم ذلك ولا نفعهم شيئاً لا بالكف عن إهلاكهم ولا لإدراكهم شيئاً من الخير بعد إهلاكهم ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ ( ق : ٣٧ )
ثم علل عدم الوصول إلى قصدهم بقوله تعالى : مؤكداً لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم ﴿إنهم كانوا﴾ أي : في دار القبول ﴿في شك﴾ أي : في جميع ما تخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء والبعث وغير ذلك ﴿مريب﴾ أي : موقع في الريبة فهو بليغ في بابه كما يقال : عجب عجيب أو هو واقع في الريب كما يقال : شعر شاعر أي : ذو شعر فهو اسم فاعل من أراب أي : أتى بالريب أو دخل فيه أي : أوقعته في الريب، ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز قال الزمخشري : إلا أن بينهما فرقاً وهو أن المريب من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون مريباً من الأعيان إلى المعني، ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر انتهى، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلا كان له يوم القيامة رفيقاً ومصافحاً » حديث موضوع.
فاطر 35:1
ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني، وكان الحمد يكون بالمنع والإعدام كما يكون بالإعطاء والإنعام قال تعالى ما هو نتيجة ذلك :
﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال إعداماً وإيجاداً ﴿لله﴾ أي : وحده.
ولما كان الإيجاد من العدم أدل دليل على ذلك قال تعالى دالاً على استحقاقه للمحامد ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ أي : خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق قاله ابن عباس، أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض، وعن مجاهد عن ابن عباس ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي : ابتدأتها.
تنبيه : إن جعلت إضافة فاطر محضة كان نعتاً، وإن جعلتها غير محضة كان بدلاً وهو قليل من حيث إنه مشتق.
ولما كانت الملائكة عليهم السلام مثل الخافقين في أن كلا منهم مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر أخبر عنهم بعدما أخبر عما طريقه المشاهدة بقوله تعالى :﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ أي : وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون رسالته بالوحي والإلهام والرؤية الصادقة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه ﴿أولي﴾ أي : أصحاب ﴿أجنحة﴾ يهيئهم لما يراد منهم، ثم وصفها بقوله تعالى :﴿مثنى﴾ أي : جناحين لكل واحد من صنف منهم ﴿وثلاث﴾ أي : ثلاثة ثلاثة لصنف آخر منهم ﴿ورباع﴾ أي : أربعة أربعة لصنف آخر منهم، فهم متفاوتون بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون ويسرعون بها نحو ما وكلهم الله تعالى عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به، وإنما لم تصرف هذه الصفات لتكرر العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد من صيغ إلى صيغ آخر كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة.
﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ أي : يزيد في خلق الأجنحة وفي غيره ما تقتضيه مشيئته، والأصل : الجناحان ؛ لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل وذلك أقوى للطيران وأعون عليه، فإن قيل : قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه فما صورة الثلاثة ؟ أجيب : بأن الثالث لعله يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدّهما بقوة. أو لعله لغير الطيران، قال الزمخشري : فقد مرّ بي في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله تعالى، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله تعالى انتهى.
وروى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«رأيت جبريل عند سدرة المنتهى وله ستمائة جناح ينثر من رأسه الدر والياقوت »، وروي أنه عليه السلام :«سأل جبريل أن يتراءى في صورته فقال : إنك لن تطيق ذلك فقال : إني أحب أن تفعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه السلام مسنده، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال : سبحان الله ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا فقال جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل عليه السلام له اثنا عشر ألف جناح جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله تعالى حتى يعود مثل الوصع، وهو العصفور الصغير ».
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ وهو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن، وقيل : هو الخط الحسن، وعن قتادة : الملاحة في العينين، والآية كما قال الزمخشري : مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش، ومتانة في العقل وجزالة في الرأي وجراءة في القلب وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم وحسن تأنٍّ في مزاولة الأمور وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف.
ثم علَّل تعالى ذلك كله بقوله مؤكداً لأجل إنكارهم البعث ﴿إن الله﴾ أي : الجامع لجميع أوصاف الكمال ﴿على كل شيء قدير﴾ وتخصيص بعض الأشياء دون بعض إنما هو من جهة الإرادة.
قال أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه، وأنه الأهل للحمد والمستحق إذ الكل خلقه وملكه، وتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه وتجردت هذه للتعريف بالاختراع والخلق.
فاطر 35:2
ولما وصف سبحانه نفسه المقدسة بالقدرة الكاملة دلَّ على ذلك بما يشاهده كل أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه، وقال مستأنفاً أو معللاً مستنتجاً :﴿ما﴾ أي : مهما فهي شرطية ﴿يفتح الله﴾ أي : الذي لا يكافئه شيء ﴿للناس﴾ لأن كل ما في الوجود لأجلهم ﴿من رحمة﴾ أي : من الأرزاق الحسية والمعنوية، من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر قلّت أو كثرت فيرسلها ﴿فلا ممسك لها﴾ أي : الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه إذا حصل له خير لا يعدمه من يود أنه لم يحصل، ولو قدر على إزالته لأزاله ولا يقدر على تأثير ما فيه ﴿وما يمسك فلا مرسل له﴾ يطلقه، واختلاف الضميرين، لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة، والثاني مطلق يتناولها والغضب وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه.
ولما كان ربما ادعى أحد فجوراً حال إمساك الرحمة أو النعمة أنه هو الممسك قال تعالى ﴿من بعده﴾ أي : إمساكه وإرساله ﴿وهو﴾ أي : هو فاعل ذلك، والحال أنه هو وحده ﴿العزيز﴾ أي : القادر على الإمساك والإرسال الغالب على كل شيء، ولا غالب له ﴿الحكيم﴾ أي : الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراده على قوانين الحكمة فلا يستطاع نقض شيء منه.
فاطر 35:3
ولما بيَّن بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده أمر بذكر نعمته بالاعتراف أنها منه، فإن الذكر يعود إلى الشكر وهو قيد الموجود وصيد المعدوم المفقود قال :
﴿يا أيها الناس﴾ أي : الجميع ؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله تعالى، وعن ابن عباس يريد يا أهل مكة ﴿اذكروا﴾ بالقلب واللسان ﴿نعمة الله﴾ أي : الذي لا منعم في الحقيقة سواه ﴿عليكم﴾ أي : في دفع ما دفع عنكم من المحن وصنع ما صنع لكم من المنن لتشكروه ولا تكفروه.
تنبيه :﴿نعمة﴾ هنا مجرورة في الرسم وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء.
ولما أمر بذكر نعمته أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته بقوله تعالى منبهاً لمن غفل موبخاً لمن جحد ورادًّا على أهل القدر الذين يدعون أنهم يخلقون أفعالهم ومنبهاً على نعمة الإيجاد الأول ﴿هل من خالق﴾ أي : للنعم وغيرها ﴿غير الله﴾ أي : فليس لغيره في ذلك مدخل يستحق أن يشرك به، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء نعتاً لخالق على اللفظ ومن خالق مبتدأ مزاد فيه من، والباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر المبتدأ، والثاني : أنه صفة لخالق على الموضع والخبر إما محذوف وإما يرزقكم. والثالث : أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية ؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام.
ولما كان جواب الاستفهام قطعاً لا بل هو الخالق وحده قال منبهاً على نعمة الإبقاء الأول بقوله تعالى :﴿يرزقكم﴾ أي : وحده فنعمة الله تعالى مع كثرتها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء.
ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال ﴿من السماء﴾ أي : بالمطر وغيره ﴿والأرض﴾ أي : بالنبات وغيره.
ولما بين تعالى أنه الرازق وحده قال ﴿لا إله إلا هو فأنىَّ تُؤفكون﴾ أي : من أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق وتشركون المنحوت بمن له الملكوت.
فاطر 35:4
ولما بين تعالى الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى :﴿وإن يكذّبوك﴾ أي : يا أشرف الخلق في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب وغير ذلك ﴿فقد كذبت رسل من قبلك﴾ في ذلك، فإن قيل : فما وجه صحة جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يعقب الشرط وهذا سابق له ؟ أجيب : بأن معناه وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك فوضع ﴿فقد كذبت رسل من قبلك﴾ موضع «فتأس » استغناء بالسبب عن المسبب أعني بالتكذيب عن التأسي، فإن قيل : ما معنى التنكير في رسل ؟ أجيب : بأن معناه فقد كذبت رسل أي : رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك، وهذا أسلى له وأحث على المصابرة.
قال القشيري : وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق أبداً منهم في مقاساة الأذية، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعنتين.
ثم بين من حيث الإجمال أن المكذِّب في العذاب، وأن المكذَّب له الثواب بقوله تعالى :﴿وإلى الله﴾ أي : وحده ؛ لأن له الأمور كلها ﴿ترجع الأمور﴾ أي : في الآخرة فيجازيكم وإياهم على الصبر والتكذيب.
فاطر 35:5
ثم بين تعالى الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى :﴿يا أيها الناس﴾ ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله تعالى ﴿إن وعد الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال بكل ما وعد به من البعث وغيره ﴿حق﴾ أي : ثابت لا خلف فيه، وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب ويعرض عن الأحساب و الأنساب ﴿فلا تغرّنّكم﴾ أي : بأنواع الخداع من اللهو والزينة ﴿الحياة الدنيا﴾ فإنه لا يليق بذي همة علية اتباع الدنيء والرضا بالدون الزائل عن العالي الدائم ﴿ولا يغرنكم بالله﴾ أي : الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير المتعال ﴿الغرور﴾ أي : الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو.
فاطر 35:6
ولذلك استأنف قوله تعالى مظهراً في موضع الإضمار :﴿إن الشيطان﴾ أي : المحترق بالغضب البعيد عن الخبر ﴿لكم﴾ أي : خاصة ﴿عدو﴾ فهو في غاية الفراغ لأذاكم بتصويب مكايده كلها إليكم، وبما سبق له مع أبيكم آدم عليه السلام بما وصل أذاه إليكم، وأيضاً من عادى أباك فقد عاداك فاجتهدوا في الهرب منه ولا توالوه كما قال تعالى ﴿فاتخذوه﴾ أي : بغاية جهدكم ﴿عدواً﴾ أي : في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجدنَّ منكم إلا ما يدل على معاداته ومناصبته في سركم وجهركم. قال القشيري : ولا تقوى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب، فإنه لا يغفل عن عداوتك فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة.
ثم علل عداوته بقوله ﴿إنما يدعو حزبه﴾ أي : الذين يوسوس لهم فيعرضهم لاتباعه والإعراض عن الله تعالى ﴿ليكونوا﴾ باتباعه كوناً راسخاً ﴿من أصحاب السعير﴾ وهذا غرضه لا غرض له سواه ولكنه يجتهد في تعمية ذلك عنهم بأن يقرر في نفوسهم جانب الرجاء وينسيهم جانب الخوف، ويريهم أن التوبة في أيديهم ويسّوف لهم بها بالفسحة في الأمل والإبعاد في الأجل للإفساد في العمل، والرحمان إنما يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم كما قال تعالى ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ ( يونس : ٢٥ ).
فاطر 35:7
ثم بين تعالى ما حال حزب الشيطان بقوله تعالى :﴿الذين كفروا لهم عذاب شديد﴾ أي : في الدنيا بفوات ما يأملونه مع تفرقة قلوبهم وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلههم حجراً، وفي الآخرة بالسعير التي دعاهم إلى صحبتها، ثم بين حزبه تعالى بقوله سبحانه ﴿والذين آمنوا وعملوا﴾ أي : تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ من صلاة وزكاة وصوم وغير ذلك من المأمورات ﴿لهم مغفرة﴾ أي : ستر لذنوبهم في الدنيا ولولا ذلك لافتضحوا، وفي الآخرة بحيث لا عتاب ولا عقاب ولولا ذلك لهلكوا ﴿أجر كبير﴾ هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، فالمغفرة في مقابلة الإيمان فلا يؤبد مؤمن في النار، والأجر الكبير في مقابلة العمل الصالح.
فاطر 35:8
ونزل كما قال ابن عباس في أبي جهل ومشركي العرب :﴿أفمن زين له سوء عمله﴾ أي : قبحه الذي من شأنه أن يسوء صاحبه حالاً أو مآلاً بأن غلب وهمه وهواه على عقله ﴿فرآه﴾ أي : السيء بسبب التزيين ﴿حسناً﴾ أي : عملاً صالحاً ﴿فإن﴾ أي : السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه أن ﴿الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿يضل من يشاء﴾ فلا يرى شيئاً على ما هو به فيقدم على الهلاك البيِّن وهو يراه عين النجاة ﴿ويهدي من يشاء﴾ فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل إلا حسناً.
تنبيه : من موصول مبتدأ وما بعده صلته، والخبر محذوف، واختلف في تقديره فقدره الكسائي : تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة قوله تعالى تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم حيث حزن على إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجة قاهرة ﴿فلا تذهب نفسك عليهم﴾ أي : المزيّن لهم ﴿حسرات﴾ أي : لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر، وقدره الزجاج وأضله الله كمن هداه، وقدره غيرهما كمن لم يزين له، وهو أحسن لموافقته لفظاً ومعنى، ونظيره ﴿أفمن كان على بيّنة من ربه﴾ ( هود : ١٧ ) أي : كمن هو أعمى ﴿أفمن يعلم إنما أُنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ ( الرعد : ١٩ ) وقال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في أصحاب الأهواء والبدع قال قتادة : منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكتاب فليسوا منهم ؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر ﴿إن الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بما يصنعون﴾ فيجازيهم عليه.
فاطر 35:9
ثم عاد تعالى إلى البيان بقوله سبحانه :﴿والله﴾ أي : الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها ﴿الذي أرسل الرياح﴾ أي : أوجدها من العدم فهبوبها دليل على الفاعل المختار، لأن الهواء قد يسكن وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين وقد يتحرك إلى الشمال، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب وقد لا ينشئ فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر مؤثر مقدر وقوله تعالى ﴿فتثير سحاباً﴾ عطف على أرسل ؛ لأن أرسل بمعنى المستقبل فلذلك عطف عليه وأتى بأرسل لتحقيق وقوعه وب «تثير » لتصور الحال واستحضار الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة كقوله تعالى ﴿أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ ( الحج : ٦٣ )
ولما أسند فعل الإرسال إليه تعالى وما يفعله يكون بقوله تعالى :﴿كن﴾ فلا يبقى في العدم لا زماناً ولا جزءاً من الزمان فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة تكوينه فكأنه كان، ولأنه فرغ عن كل شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة.
ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهي تؤلف في زمان فقال ﴿تثير﴾ أي : على هيئتها، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتوحيد، والباقون بالجمع وقوله تعالى ﴿فسقناه﴾ فيه التفاف عن الغيبة ﴿إلى بلد ميت﴾ أي : لا نبات بها، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء، والباقون بالتخفيف ﴿فأحيينا به﴾ أي : بالمطر النازل منه، وذِكْر السحاب كذكر المطر حيث أقيم مقامه أو بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطراً ﴿الأرض﴾ بالنبات والكلأ ﴿بعد موتها﴾ أي : يَبَسِها.
تنبيه : العدول في :«سقنا » و«أحيينا » من الغيبة في قوله تعالى ﴿والله الذي أرسل الرياح﴾ إلى ما هو أدخل في الاختصاص وهو التكلم فيهما لما فيهما من مزيد الصنع، والكاف في قوله تعالى ﴿كذلك﴾ في محل رفع أي : مثل إحياء الموات ﴿النشور﴾ للأموات وجه الشبه من وجوه : أولها : أن الأرض الميتة قبلت الحياة كذلك الأعضاء تقبل الحياة. ثانيها : كما أن الريح يجمع السحاب المقطع كذلك تجمع الأعضاء المتفرقة. ثالثها : كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت كذلك نسوق الروح إلى الجسد الميت.
فإن قيل : ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد ؟ أجيب : بأنه تعالى لما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض وذكر من الأمور السماوية الأرواح وإرسالها بقوله تعالى :﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ ( فاطر : ١ ) ذكر من الأمور الأرضية الرياح، وروي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم :«كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال : هل مررت بواد أهلك محلاً ثم مررت به يهتز ؟ فقال : نعم فقال : فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه » وقيل : يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق.
ولما كان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال تعالى ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزّاً﴾ ( مريم : ٨١ ) والذين آمنوا بألسنتهم غير مواطئة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال تعالى ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً﴾ ( النساء : ١٣٩ ).
فاطر 35:10
بين تعالى أن لا عزة إلا لله بقوله سبحانه :﴿من كان﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿يريد العزة﴾ أي : الشرف والمنعة ﴿فلله العزة جميعاً﴾ أي : في الدنيا والآخرة، والمعنى : فليطلبها عند الله، فوضع قوله تعالى ﴿فلله العزة جميعاً﴾ موضعه استغناء به عنه لدلالته عليه، لأن الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه، ونظيره قوله : من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، يريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه، وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله تعالى ومعناه : الدعاء إلى الطاعة من له العزة أي : فليطلب العزة من عند الله بطاعته، كما يقال من كان يريد المال فالمال لفلان أي : فليطلبه من عنده.
ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله تعالى :﴿إليه﴾ أي : لا إلى غيره ﴿يصعد الكلم الطيب﴾ قال المفسرون : هو قول لا إله إلا الله، وقيل : هو قول الرجل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وعن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم حديثاً أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل :«ما من عبد مسلم يقول : خمس كلمات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين » ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله تعالى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ وقيل : الكلم الطيب ذكر الله، وعن قتادة إليه يصعد الكلم الطيب أي : يقبل الله الكلم الطيب، وقيل : الكلم الطيب يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن، وعن الحاكم موقوفاً وعن الثعلبي مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم قال :«هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمان فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل ».
﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ أي : يقبله فصعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز عن قبوله تعالى إياهما، أو صعود الكتبة بصحفهما، أو المستكن في يرفعه لله تعالى، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة وقال سفيان بن عيينة : العمل الصالح هو الخالص يعني الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال لقوله تعالى ﴿فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ ( الكهف : ١١٠ ) فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء.
تنبيه : صعود الكلم الطيب والعمل الصالح مجاز عن قبوله تعالى إياهما، أو صعود الكتبة بصحفهما والمستكن في ﴿يرفعه﴾ لله تعالى، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة أو للكلم، فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد أو للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه، قال الرازي في «اللوامع » :«العلم لا يتم إلا بالعمل كما قيل : العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل » انتهى. وقد قيل :
لا ترض من رجل حلاوة قوله؍ حتى يصدق ما يقول فعاله؍
فإذا وزنت مقاله بفعاله؍ فتوازنا فإخاء ذاك جماله؍
وقال الحسن : الكلم الطيب ذكر الله تعالى، والعمل الصالح أداء فرائضه فمن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه ردّ كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، فمن قال حسناً وعمل غير صالح ردّ الله تعالى عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه الله.
ولما بيّن ما يحصل العزة من عليّ الهمة بين ما يكسب المذلة ويوجب النقمة من رديء الهمة بقوله تعالى :﴿والذين يمكرون﴾ أي : يعملون على وجه المكر أي : الستر، المكرات :﴿السيئات﴾ أي : مكرات قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث : حبسه وقتله وإجلاؤه، كما قال تعالى ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك﴾ الآية ( الأنفال : ٣٠ ). وقال الكلبي : معناه يعملون السيئات وقال مقاتل : يعني الشرك، وقال مجاهد : هم أصحاب الرياء ﴿لهم عذاب شديد﴾ أي : لا توبة دونه بما يمكرون ﴿ومَكْر أولئك﴾ أي : البعداء من الفلاح ﴿هو﴾ أي : وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ينفذه ويعلي أمره ﴿يبور﴾ أي : يفسد ولا ينفذ إذ الأمور مقدرة فلا تتغير بسبب مكرهم. كما دل عليه بقوله تعالى :﴿والله خلقكم من تراب﴾
فاطر 35:11
﴿والله خلقكم من تراب﴾ أي : بتكوين أبيكم آدم منه فمزجه مزجاً لا يمكن لغيره تمييزه، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلاً ورأساً، وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿ث﴾ أي : بعد ذلك في الزمان والرتبة خلقكم ﴿من نطفة﴾ أي : جعلها أصلاً ثانياً من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجاً منه ﴿ثم﴾ بعد أن أنهى التدبير زماناً ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار ﴿جعلكم أزواجاً﴾ أي : بين ذكور وإناث دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار، وعن قتادة : زوج بعضكم بعضاً.
تنبيه : يصح أن يقال كما قال ابن عادل : خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم عليه السلام وكلهم من تراب ومن نطفة ؛ لأن كلهم من نطفة، والنطفة من غذاء، والغذاء ينتهي بالآخرة إلى الماء والتراب فهم من تراب صار نطفة.
ولما بين تعالى بقوله سبحانه :﴿خلقكم من تراب﴾ كمال قدرته بين بقوله سبحانه ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع﴾ أي : حملاً ﴿إلا﴾ أي : مصحوباً ﴿بعلمه﴾ أي : في وقته ونوعه وشكله وغير ذلك من شأنه مختصاً بذلك كله حتى عن أمّه التي هي أقرب إليه فلا يكون إلا بقدرته فما شاء أتمه وما شاء أخرجه كمال علمه.
ثم بين نفوذ إرادته بقوله تعالى :﴿وما يعمر من معمر﴾ أي : وما يمد في عمره من مصغره إلى كبر، وإنما سماه معمراً بما هو صائر إليه فمعناه : وما يعمر من أحد، وفي عود ضمير قوله تعالى ﴿ولا ينقص من عمره﴾ قولان : أحدهما : أنه يعود على معمر آخر ؛ لأن المراد بقوله تعالى :﴿من معمر﴾ الجنس فهو يعود عليه لفظاً لا معنى ؛ لأنه بعد أن فرض كونه معمراً استحال أن ينقص من عمره نفسه كما يقال : لفلان عندي درهم ونصفه أي : نصف درهم آخر.
والثاني : أنه يعود على المعمر نفسه لفظاً ومعنى، والمعنى : أنه إذا ذهب من عمره حول أحصى وكتب ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص، وإليه ذهب ابن عباس وابن جبير وأبو مالك ومنه قول الشاعر :
حياتك أنفاس تعد فكلما؍ مضى نفس منك انتقصت به جزءا؍
وقال الزمخشري : هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس المستفيض يقولون : لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق قال : وفيه تأويل آخر وهو : أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته : أن يكتب في اللوح : إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون فقد نقص عن عمره الذي هو الغاية وهو الستون، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :«إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار ».
وعن كعب أنه قال حين طعن عمر رضي الله تعالى عنه : لو أن عمر دعا الله لأخر في أجله فقيل لكعب : أليس قد قال الله تعالى ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ( الأعراف : ٣٤ ) فقال : هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية وقد استفاض على الألسنة : أطال الله تعالى بقاءك، وفسح في مدتك وما أشبهه.
وعن سعيد بن جبير : يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى يأتي على آخره، وعن قتادة المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، والكتاب في قوله تعالى ﴿إلا في كتاب﴾ أي : مكتوب فيه عمر فلان كذا وكذا، وعمر فلان كذا إن عمل كذا وعمره كذا إن لم يعمل كذا هو اللوح المحفوظ قاله ابن عباس، قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بكتاب الله علم الله تعالى أو صحيفة الإنسان.
ولما كان ذلك أمراً لا يحيط به العد ولا يحصره الحد فكان في عداد ما ينكره الجهلة قال تعالى مؤكداً لسهولته ﴿إن ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من كتب الآجال كلها وتقديرها ﴿على الله﴾ أي : الذي له جميع العزة ﴿يسير﴾ أي : هين.
فاطر 35:12
وقوله تعالى :﴿وما يستوي البحران هذا عذب﴾ أي : طيب حلو لذيذ ملائم طبعه ﴿فرات﴾ أي : بالغ العذوبة ﴿سائغ شرابه﴾ أي : شربه مريء سهل انحداره لما له من اللذة والملايمة للطبع ﴿وهذا ملح أجاج﴾ أي : جمع إلى الملوحة المرارة فلا يسوغ شرابه بل لو شرب لآلم الحلق وأجج في البطن ما هو كالنار ضرب مثلاً للمؤمن والكافر، وقوله تعالى :﴿ومن كل﴾ أي : الملح والعذب ﴿تأكلون﴾ أي : من السمك المنّوع إلى أنواع تفوت الحصر ﴿لحماً طرياً﴾ أي : شهي المطعم ﴿وتستخرجون﴾ أي : من الملح دون العذب ﴿حلية تلبسونها﴾ أي : نساؤكم من الجواهر الدر والمرجان وغيرهما، ذكر استطراداً في صفة البحرين وما فيهما من النعم وتمام التمثيل، والمعنى : كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو مقصود بالذات من الماء فإنه خالط أحدهما ما أفسده، وغيره عن كمال فطرته فلا يتساوى المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصة العظمى وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر.
وقيل : تخرج الحلية منهما كما هو ظاهر قوله تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ ( الرحمان : ٢٢ ) قال البغوي : لأنه قد يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك انتهى.
فائدة : عاب المبرد وغيره قول الشافعي رضي الله تعالى عنه : كل ماء من بحر عذب أو مالح فالتطهر به جائز وقالوا : إنه لحن وإنما يقال : ملح كما قال تعالى ﴿وهذا ملح أجاج﴾ وهم مخطئون في ذلك كما قيل :
وكم من عائب قولاً صحيحاً؍ وآفته من الفهم السقيم؍
ولكن تأخذ الآذان منه؍ على قدر القريحة والفهوم؍
قال النووي : وأجاب أصحابنا بأجوبة : أصحها أن فيه أربع لغات : ملح ومالح ومليح وملاح بضم الميم وتخفيف اللام قال عمر بن أبي ربيعة :
ولو تفلت في البحر والبحر مالح؍ لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا؍
وقال آخر :
وللرزق أسباب تروح وتغتدي؍ وإني منها غير غاد ورائح؍
قنعت بثوب العدم من حلة الغنى؍ ومن بارد عذب زلال بمالح؍
وقال محمد بن حازم :
تلونت ألواناً علي كثيرة؍ وخالط عذباً من إخائك مالح؍
وقال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة بنت الزبير :
ولو وردت ماء وكانت قبيله؍ مليحاً شربنا ماءه بارداً عذباً؍
وقال الخطابي : يقال : ماء ملاح كما يقال : أجاج وزعاق وزلال قال : وإنما نزل الشافعي من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح وحسماً للإشكال والالتباس ؛ لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب فيظن أن الطهارة به جائزة.
وثاني الأجوبة : أن الشافعي إمام في اللغة فقوله فيها حجة.
وثالثها : أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ولم يذكرها بل من كلام المزني وهذا ليس بشيء، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني وعنه مندوحة.
وقولهم : لم يذكرها الشافعي غير صحيح وقد أنكره البيهقي وقال : بل سمى الشافعي البحر مالحاً في كتابين «أمالي الحج » و«المناسك الكبير ».
فائدة أخرى : وهي أن ابن عمر قال في البحر : التيمم أحب إلينا منه وقال : بحركم هذا نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنوار، ولكن روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من لم يطهره البحر فلا طهره الله » ويؤول كلام ابن عمر بأنه سيصير يوم القيامة ناراً أو بأنه مهلكة يهلك كما تهلك النار، ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عمَّ الخطاب.
ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمراً غريباً لكنه صار لشدة ألفه لا يقوم بأنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر خص بالخطاب فقال :﴿وترى الفلك﴾ أي : السفن سمى فلكاً لدورانه وسفينة لقشره الماء، وقدم الظرف في قوله تعالى :﴿فيه﴾ لأنه أشد دلالة على ذلك ﴿مواخر﴾ أي : جواري مستدبرة الريح شاقة للماء بجريها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة يقال : مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب : بنات مخر ؛ لأنها تمخر الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر ؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره ثم علق بالمخر معللاً قوله تعالى ﴿لتبتغوا﴾ أي : تطلبوا طلباً شديداً ﴿من فضله﴾ أي : الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها، ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ولم يجر به ذكر في الآية ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي : وليكون حالكم بهذه الدالة على عظيم قدرة الله تعالى ولطفه حال من يرجى شكره.
تنبيه : حرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل ؟ كأنما قيل : لتبتغوا ولتشكروا.
فاطر 35:13
ولما ذكر تعالى اختلاف الذوات الدالة على بديع صنعه أتبعه اختلاف الأزمنة الدالة على بديع قدرته بقوله تعالى :﴿يولج﴾ أي : يدخل الله ﴿الليل في النهار﴾ فيصير الظلام ضياء.
ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفاً فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة نبه عليه بإعادة الفعل بقوله تعالى :﴿ويولج النهار في الليل﴾ فيصير ما كان ضياء ظلاماً، وتارة يكون التوالج بقصر هذا وطول هذا فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار.
ولما ذكر الليل والنهار ذكر ما ينشأ عنهما بقوله تعالى :﴿وسخر الشمس والقمر﴾ ثم استأنف قوله تعالى ﴿كل﴾ أي : منهما ﴿يجري﴾ أي : في فلكه ﴿لأجل﴾ أي : لأجْلِ أجَلٍ ﴿مسمى﴾ مضروب له لا يقدر أن يتعداه، فإذا جاء ذلك الأجل غرب هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم فيختل هذا النظام بإذن الملك العلاَّم، وتقوم الناس ليوم الزحام وتكون الأمور العظام.
ولما ذكر سبحانه أنه الفاعل المختار القادر على ما يريد بما يشاهده كل أحد في نفسه وفي غيره وختم بما تكرر مشاهدته في كل يوم مرتين أنتج ذلك قطعاً قوله تعالى معظماً بأداة البعد وميم الجمع ﴿ذلكم﴾ أي : العالي المقدار الذي فعل هذه الأفعال كلها ﴿الله﴾ الذي له صفة كل كمال، ثم نبههم على أنه لا مدبر لهم سواه بخبر آخر بقوله تعالى :﴿ربكم﴾ أي : الموجد لكم من العدم المربّي بجميع النعم لا رب لكم سواه، ثم استأنف قوله تعالى :﴿له﴾ أي : وحده ﴿الملك﴾ أي : كله وهو مالك كل شيء ﴿والذين تدعون﴾ أي : تعبدون ﴿من دونه﴾ أي : غيره وهم الأصنام وغيرها وكل شيء دونه ﴿ما يملكون﴾ في حال من الأحوال وأعرق في النفي بقوله تعالى :﴿من قطمير﴾ وهو كما روي عن ابن عباس : لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها، كناية عن أدنى الأشياء فكيف بما فوقه ؟ فليس لهم شيء من الملك، والآية من الاحتباك ذكر الملك أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والملك ثانياً دليلاً على حذفه أولاً.
وقيل : القطمير هو القمع وقيل : ما بين القمع والنواة، ففي النواة على الأول أربعة أشياء يضرب بها المثل : في القلة الفتيل : وهو ما في شق النواة، والقطمير : وهو اللفافة والنقير : وهو ما في ظهر النواة والرقروق : وهو ما بين القمع والنواة.
فاطر 35:14
ثم بين ذلك بقوله تعالى :﴿إن تدعوهم﴾ أي : المعبودات من دونه دعاء عبادة أو استعانة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ أي : لأنهم جماد ﴿ولو سمعوا﴾ أي : على سبيل الفرض والتقدير ﴿ما استجابوا لكم﴾ أي : لعدم قدرتهم على الانتفاع.
ولما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة ووجود الضرر منهم في الآخرة بقوله سبحانه ﴿ويوم القيامة﴾ أي : حين ينطقهم الله تعالى ﴿يكفرون بشرككم﴾ أي : بإشراككم فينكرونه ويتبرؤن منه بقولهم ﴿ما كنتم إيّانا تعبدون﴾ ( يونس : ٢٨ ) كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في آية أخرى ﴿ولا ينبئك﴾ أي : يخبرك أي : السامع بالأمر مخبر هو ﴿مثل خبير﴾ أي : عالم به أي : أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به ؛ لأنه لا يمكن الطعن في شيء مما أخبر به بخلاف غيره والمعنى : أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق ؛ لأني خبير بما أخبرت به.
فاطر 35:15
ولما اختص تعالى بالملك ونفى عن شركائهم النفع أنتج ذلك قوله تعالى :﴿يا أيها الناس﴾ أي : كافة ﴿أنتم﴾ أي : خاصة ﴿الفقراء﴾ وقوله سبحانه ﴿إلى الله﴾ إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه، وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقر إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره.
فإن قيل : لم عرف الفقراء ؟ أجيب : بأنه قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم ؛ لأن الفقر يتبع الضعف وكلما كان الفقير أضعف كان أحقر، وقد شهد الله تعالى على الإنسان بالضعف في قوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ ( النساء : ٢٨ ) وقال تعالى ﴿الله الذي خلقكم من ضعف﴾ ( الروم : ٥٤ ) ولو نكر لكان المعنى : أنتم بعض الفقراء.
قال القشيري : والفقر على ضربين : فقر خلقة، وفقر صفة فالأول عام، فكل حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبدئه وينشئه، وفي ثانيه ليديمه ويبقيه، وأما فقر الصفة : فهو التجرد وفقر العوام التجرد عن المال، وفقر الخواص التجرد عن الإعلال فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلومات.
ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم فقال :﴿والله هو الغني﴾ أي : المستغني على الإطلاق فلا يحتاج إلى أحد ولا إلى عبادة أحد من خلقه، وإنما أمرهم بالعبادة لإشفاقه تعالى عليهم ففي هذا رد على المشركين حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لعله محتاج إلى عبادتنا حتى أمرنا بها أمراً بالغاً وهددنا على تركها مبالغاً، فإن قيل : قد قابل الفقر بالغنى فما فائدة قوله تعالى ﴿الحميد﴾ أي : المحمود في صنعه بخلقه ؟ أجيب : بأنه لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني منعماً جواداً، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم المستحق بإنعامه أن يحمدوه.
فاطر 35:16
وقوله تعالى :﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي : جميعاً بيان لغنائه وفيه بلاغة كاملة ؛ لأن قوله تعالى ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي : ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه : إن شاء فلان هدم داره، وإنما يقال : لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله تعالى :﴿ويأت بخلق جديد﴾ أي : إن كان يتوهم متوهم أن بهذا الملك كماله وعظمته فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا وأجمل، وعن ابن عباس : يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً.
فاطر 35:17
﴿وما ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان ﴿على الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال خاصة ﴿بعزيز﴾ أي : بممتنع ولا شاق وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد، فإن قيل : استعمل تعالى العزيز تارة في القائم بنفسه فقال تعالى في حق نفسه ﴿وكان الله قوياً عزيزاً﴾ ( الأحزاب : ٢٥ ) وقال في هذه السورة ﴿عزيز غفور﴾ ( فاطر : ٢٨ ) واستعمله تارة في القائم بغيره فقال تعالى ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ وقال تعالى ﴿عزيز عليه ما عنتّم﴾ ( التوبة : ١٢٨ ) فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ؟ أجيب : بأن العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال : هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله تعالى ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ أي : ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هيّن على الله تعالى وقوله سبحانه ﴿عزيز عليه ما عنتّم﴾ أي : يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب.
فاطر 35:18
وقوله تعالى :﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فيه حذف الموصوف للعلم به أي : ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، فإن قيل : كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى ﴿وليحملُنّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ ؟ ( العنكبوت : ١٣ ) أجيب : بأن تلك الآية في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم. ﴿وإن تدع﴾ أي : نفس ﴿مثقلة﴾ أي : بالوزر ﴿إلى حملها﴾ أي : من الوزر أحداً ليحمل بعضه ﴿لا يحمل﴾ أي : من حامل ما ﴿منه شيء﴾ أي : لا طواعية ولا كرهاً بل لكل امرئ شأن يغنيه ﴿ولو كان﴾ ذلك الداعي أو المدعو للحمل ﴿ذا قربى﴾ لمن دعاه.
فإن قيل : ما الفرق بين معنى قوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ومعنى قوله تعالى ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء﴾ ؟ أجيب : بأن الأول : في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني : في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار لَوْ دَعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث، وإن كان الداعي أو المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس : يلقى الأب أو الأم ابنه فيقول : يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي.
تنبيه : أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه.
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل ﴿إنما تنذر﴾ أي : إنذاراً يفيد الرجوع عن الغي ﴿الذين يخشون ربهم﴾ أي : المحسن إليهم فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال، ولما كان أولى الناس عقلاً وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى ﴿بالغيب﴾ وهو حال من الفاعل أي : يخشونه غائبين بين عنه أو من المفعول أي : غائباً عنهم.
ولما كانت الصلاة جامعة للخضوع الظاهر والباطن فكانت أشرف العبادات وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص قال تعالى معبراً بالماضي ؛ لأن مواقيت الصلاة مضبوطة ﴿وأقاموا﴾ أي : دليلاً على خشيتهم ﴿الصلاة﴾ في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن ﴿ومن تزكى﴾ أي : تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي ﴿فإنما يتزكى لنفسه﴾ إذ نفعه لها ﴿وإلى الله﴾ أي : الذي لا إله غيره ﴿المصير﴾ أي : المرجع كما كان منه المبدأ فيجازي كلاً على فعله.
فاطر 35:19
ثم لما بين تعالى الهدى والضلالة وهدى الله تعالى المؤمن ولم يهد الكافر ضرب لهما مثلاً بقوله تعالى :﴿وما يستوي الأعمى﴾ أي : عن الهدى ﴿والبصير﴾ بالهدى أي : المؤمن والكافر وقيل : الجاهل والعالم، وقيل : هما مثلاً للصنم ولله تعالى.
فاطر 35:20
﴿ولا الظلمات﴾ أي : الكفر ﴿ولا النور﴾ أي : الإيمان، أو ولا الباطل ولا الحق.
فاطر 35:21
﴿ولا الظل﴾ أي : الجنة ﴿ولا الحرور﴾ أي : النار، أو ولا الثواب ولا العقاب.
تنبيه : قال ابن عباس : الحرور الريح الحارة بالليل، والسموم بالنهار وقيل : الحرور تكون بالنهار مع الشمس، وقيل : السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار.
فاطر 35:22
وقوله تعالى ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ تمثيل آخر للمؤمن والكافر أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وقيل : للعلماء وللجهال.
تنبيه : زيادة لا في الثلاثة لتأكيد نفي الاستواء، وجاء ترتيب هذه المنفيات على أحسن الوجوه، فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للمؤمن والكافر عقب بما كل منهما فيه، والكافر في ظلمة والمؤمن في نور ؛ لأن البصير وإن كان حديد البصر لابد له من ضوء يبصر فيه، وقدم الأعمى ؛ لأن البصير فاصلة فحسن تأخيره، ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما فيه فلذلك قدمت الظلمة على النور، ولأن النور فاصلة، ثم ذكر ما لكل منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور وأخر الحرور لأجل الفاصلة كما مر، وقولنا : لأجل الفاصلة أولى من قول بعضهم لأجل السجع ؛ لأن القرآن ينبو عن ذلك، وقد منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع.
وإنما كرر الفعل في قوله تعالى ﴿وما يستوي الأحياء﴾ مبالغة في ذلك ؛ لأن المنافاة بين الحياة والموت أتمّ من المنافاة المتقدمة، وقدم الأحياء لشرف الحياة ولم يعد لا تأكيداً في قوله تعالى ﴿الأعمى والبصير﴾ وكرّرها في غيره ؛ لأن منافاة ما بعده أتم، فإن الشخص الواحد قد يكون بصيراً ثم يصير أعمى فلا منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظل والحرور، والظلمات والنور، فإنها منافية أبداً لا يجتمع اثنان منها في محل، فالمنافاة بين الظل والحرور وبين الظلمة والنور دائمة.
فإن قيل : الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر فإن الجسم قد يكون متصفاً بالحياة ثم يتصف بالموت، أجيب : بأن المنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ؛ لأن الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ولا كذلك الحي والميت، فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ؛ لأنه قابل الجنس بالجنس، وقد يوجد في أفراد العميان من يساوي بعض أفراد البصراء كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيراً بليداً فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأفراد.
وجمع الظلمات ؛ لأنها عبارة عن الكفر والضلال وطرقهما كثيرة متشعبة ووحد النور ؛ لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد، فالتفاوت بين كل فرد من أفراد الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى : الظلمات كلها لا يوجد فيها ما يساوي هذا الواحد.
ثم نبه سبحانه بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : القادر على المفاوتة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة من صفات الكمال ﴿يسمع من يشاء﴾ على أن الخشية والقسوة إنما هما بيده تعالى، وإن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه فيتعظ ويجيب ﴿وما أنت﴾ أي : بنفسك من غير إقدار الله تعالى لك ﴿بمسمع﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿من في القبور﴾ أي : الحسية أو المعنوية إسماعاً ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ ( فاطر : ٨ ).
فاطر 35:23
﴿إن﴾ أي : ما ﴿أنت إلا نذير﴾ أي : تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ولست بوكيل تقهرهم على الإيمان.
فاطر 35:24
ثم بين تعالى أنه ليس نذيراً من تلقاء نفسه إنما هو بإذن الله تعالى وإرساله بقوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أرسلناك﴾ أي : إلى هذه الأمة ﴿بالحق﴾ أي : الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع، فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيه من الدلائل علم مطابقة الواقع لما يأمر به.
تنبيه : يجوز في قوله تعالى :﴿بالحق﴾ أوجه : أحدها : أنه حال من الفاعل أي : أرسلناك محقين، أو من المفعول أي : محقاً، أو نعت لمصدر محذوف أي : إرسالاً متلبساً بالحق ويجوز أن يكون صلة لقوله تعالى ﴿بشيراً﴾ أي : لمن أطاع ﴿ونذيراً﴾ أي : لمن عصى ﴿وإن﴾ أي : وما ﴿من أمة إلا خلا﴾ أي : سلف ﴿فيها نذير﴾ أي : نبي ينذرها.
تنبيه : الأمة : الجماعة الكثيرة قال تعالى ﴿وجد عليه أمّة من الناس يسقون﴾ ( القصص : ٢٣ ) ويقال لكل أهل عصر أمة، والمراد ههنا أهل العصر، فإن قيل : كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخل فيها نذير، أجيب : بأن آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فإن قيل : كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما ؟ أجيب : بأنه لما كانت النذارة مشفوعة من البشارة لا محالة دلّ ذكرها على ذكرها، لاسيما وقد اشتملت الآية على ذكرهما، أو لأن الإنذار هو المقصود والأهم من البعثة.
فاطر 35:25
﴿وإن يكذبوك﴾ أي : أهل مكة ﴿فقد كذب الذين من قبلهم﴾ أي : ما أتتهم به رسلهم عن الله تعالى ﴿جاءتهم﴾ أي : الأمم الخالية ﴿رسلهم بالبينات﴾ أي : الآيات الواضحات والدلالة على صحة الرسالة من المعجزات وغيرها ﴿وبالزبر﴾ أي : الأمور المكتوبة كصحف إبراهيم عليه السلام ﴿وبالكتاب﴾ أي : جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل ﴿المنير﴾ أي : الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر، كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كانت طريقتك أوضح وأظهر، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث علم أن غيره كان مثله في تكذيبه وكان محتملاً لأذى القوم.
تنبيه : لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب.
فاطر 35:26
ولما سلاه الله تعالى هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم الماضية بقوله تعالى :﴿ثم أخذت﴾ أي : بأنواع الأخذ ﴿الذين كفروا﴾ أي : ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام عليهم ودعائهم لهم ﴿فكيف كان نكير﴾ أي : إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك أي : هو واقع موقعه.
تنبيه : أثبت ورش الياء بعد الراء في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً.
فاطر 35:27
ولما ذكر تعالى الدلائل ولم ينتفعوا قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم بقوله تعالى :
﴿ألم تر﴾ أي : تعلم أي : أيها المخاطب ﴿أن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿أنزل من السماء ماء﴾ كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر يقول لغيره : اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر ما ذكره للأول، ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يصلح للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة، وأيضاً فلا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول بل يأتي بما يقاربه ؛ لئلا يسمع الأول كلام الآخر فيترك التفكر فيما كان وقوله تعالى ﴿فأخرجنا﴾ أي : بما لنا من القدرة والعظمة ﴿به﴾ أي : بالماء ﴿ثمرات﴾ أي : متعددة الأنواع، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان ذلك ؛ لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء وقوله تعالى :﴿مختلفاً﴾ نعت لثمرات وقوله تعالى :﴿ألوانها﴾ فاعل به، ولولا ذلك لأنث مختلفاً، ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل جاز تذكيره، ولو أنث فقيل : مختلفة كما تقول : اختلفت ألوانها لجاز أي : مختلفة الأجناس من الرمان والتفاح والعنب وغيرها مما لا يحصر أو الهيئات من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نوراً لشخص وعمى لآخر.
ولما ذكر تعالى تنوع ما من الماء وقدمه ؛ لأنه الأصل في التكوين أتبعه التكوين من التراب الذي هو أيضاً شيء واحد بقوله تعالى ذاكراً ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التكوين :﴿ومن الجبال جدد﴾ قال الجلال المحلّي رحمه الله تعالى : جمع جدة : طريق في الجبل وغيره وقال الزمخشري : الجدد الخطوط والطرائق، وقال أبو الفضل : الجدة ما تخالف من الطرائق لون ما يليها، ومنه جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ﴿بيض وحمر﴾ وصفر وقوله تعالى ﴿مختلف﴾ صفة لجدد وقوله تعالى ﴿ألوانها﴾ فاعل به كما مر في نظيره، ويحتمل معنيين : أحدهما : أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرب أبيض أشد من أبيض وأحمر أشد من أحمر فنفس البياض مختلف وكذا الحمرة، فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب المشكك. والثاني : أن الجدد كلها على لونين بياض وحمرة والبياض والحمرة وإن كانا لونين إلا أنهما جمعا باعتبار محلهما.
وقوله تعالى ﴿وغرابيب سود﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه معطوف على حمر عطف ذي لون على ذي لون. ثانيها : أنه معطوف على بيض. ثالثها : واقتصر عليه الجلال المحلي أنه معطوف على جدد أي : صخور شديدة السواد قال الجلال المحلي : يقال كثيراً : أسود غربيب، وقليلاً غربيب أسود، وقال البغوي : أي : سود غرابيب على التقديم والتأخير يقال : أسود غربيب أي : شديد السواد تشبيهاً بلون الغراب أي : طرائق سود، وعن عكرمة : هن الجبال الطوال السود، وقال الزمخشري : الغربيب تأكيد للأسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد كقولك : أصفر فاقع، ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده مفسراً لما أضمر كقوله النابغة الجعدي :
والمؤمن العائذات الطير تمسحها؍ ركبان مكة بين الغيل والسَنَد؍
هما موضعان والمؤمن : اسم الله وهو مجرور بالقسم والعائذات : منصوب بالمؤمن والمراد بها : الحمام لما عاذت بمكة والتجأت إليها حرم التعرض لها، والطير منصوب بالبدل أو بعطف البيان، ووجه الاستدلال بذلك : أن الطير دال على المحذوف وهو مفعول لمؤمن والعائذات الطير، قال أبو حيان : وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد، ومن النحويين من منعه وهو اختيار ابن مالك، ورد عليه بأن هذا ليس هو التأكيد المختلف في حذف مؤكده ؛ لأن هذا من باب الصفة والموصوف ومعنى تسميه الزمخشري له توكيداً من حيث إنه لا يفيد معنى زائداً وإنما يفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون، والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول توكيداً فقالوا : وقد يجيء لمجرد التوكيد نحو قوله تعالى ﴿نفخة واحدة﴾ ( الحاقة : ١٣ ) و﴿إلهين اثنين﴾ ( النحل : ٥١ ) والتوكيد المختلف في حذف مؤكده، إنما هو في باب التوكيد الصناعي، ومذهب سيبويه جوازه، وقال ابن عادل : والأولى فيه أن يسمى توكيداً لفظياً إذ الأصل سود غرابيب سود.
فاطر 35:28
ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى أمر آخر بعيد من الماء وأتبعه التراب الصرف ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال :﴿ومن الناس والدواب﴾ ولما كانت الدابة في الأصل اسماً لما دبَّ على الأرض ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال :﴿والأنعام﴾ ليعم الكل صريحاً ﴿مختلف ألوانه﴾ أي : ألوان ذلك البعض الذي أفهمته من ﴿كذلك﴾ أي : مثل الثمار والأراضي منه ما هو ذو لون ومنه ما هو ذو لونين أو أكثر.
ولما قال تعالى ﴿ألم تر﴾ بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعه وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه وعلى صفاته من أنه فاعل بالاختيار فهو يفعل ما يشاء قال تعالى :﴿إنما يخشى الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿من عباده العلماء﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني، فالخشية بقدرة معرفة المخشي، والعالم يعلم الله فيخافه ويرجوه، وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى :﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ( الحجرات : ١٣ ) بين تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل، فمن ازداد منه علماً ازداد منه خشية وخوفاً، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته أقل، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام :«إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية » وقال صلى الله عليه وسلم :«لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ».
وقال مسروق : كفى بالمرء علماً أن يخشى، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله، وقال رجل للشعبي : أفتني أيها العالم فقال له : العالم من خشي الله تعالى، قال السهروردي في الباب الثالث من معارفه : فينتفي العلم عمن لا يخشى الله تعالى كما إذا قال إنما يدخل الدار بغدادي فينتفي دخول غير البغدادي الدار، وقيل : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى أثرت فيه، فإن قيل : هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا الكلام أو أخر ؟ أجيب : بأنه يختلف فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى إن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، فإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله تعالى ﴿ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ ( الأحزاب : ٣٩ ) وهما معنيان مختلفان.
تنبيه : رسم العلماء بالواو وقوله تعالى ﴿إن الله﴾ أي : المحيط بالجلال والإكرام ﴿عزيز﴾ أي : غالب على جميع أمره ﴿غفور﴾ أي : لذنوب من أراد من عباده تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصرّ على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى.
فاطر 35:29
ولما بين سبحانه العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه بقوله تعالى :﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ أي : يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم، وعن مطرف : هي آية القراء، وعن الكلبي : يأخذون بما فيه، وقيل : يعلمون ما فيه ويعملون به، وعن السدي : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عطاء : هم المؤمنون ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي : أداموها ﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ من زكاة وغيرها ﴿سراً وعلانية﴾ قيل : السر في المسنون والعلانية في المفروض.
تنبيه : أشار تعالى بقوله سبحانه وتعالى ﴿يتلون كتاب الله﴾ إلى الذكر وبقوله تعالى :﴿وأقاموا الصلاة﴾ إلى العمل البدني وبقوله تعالى :﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ إلى العمل المالي، وفي هاتين الآيتين الشريفتين حكمة بالغة وهي أن قوله تعالى ﴿إنما يخشى الله﴾ إشارة إلى عمل القلب وقوله تعالى ﴿الذين يتلون﴾ إشارة إلى عمل اللسان وقوله ﴿وأقاموا الصلاة﴾ إشارة إلى عمل الجوارح ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله تعالى وقوله تعالى ﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ بمعنى الشفقة على خلقه وقوله تعالى ﴿سراً وعلانية﴾ حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سراً فذاك وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء.
ولما أحل تعالى هؤلاء بالمحل الأعلى بين حالهم بقوله تعالى :﴿يرجون﴾ أي : في الدنيا والآخرة ﴿تجارة﴾ أي : بما عملوا ﴿لن تبور﴾ أي : تكسد وتهلك بل هي باقية ؛ لأنها رفعت إلى من لا تضيع إليه الودائع وهي رائجة رابحة لكونه تعالى تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق.
فاطر 35:30
﴿ليوفيهم أجورهم﴾ أي : جزاء أعمالهم بالثواب ﴿ويزيدهم من فضله﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه : يعني سوى الثواب ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ويحتمل أن يزيدهم النظر إليه تعالى كما جاء في تفسير الزيادة وهذا هو النعمة العظمى ﴿إنه غفور شكور﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه : يغفر الذنب العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم، وقيل : غفور عند إعطاء الأجر شكور عند إعطاء الزيادة.
تنبيه : في خبر إن من قوله ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ وجهان : أحدهما : أنه الجملة من قوله تعالى : يرجون تجارة أي : إن التالين يرجون، ولن تبور صفة تجارة، وليوفيهم متعلق ب يرجون أو تبور، أو بمحذوف أي : فعلوا ذلك ليوفيهم، وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. والثاني : أن الخبر إنه غفور شكور جوز هذا الزمخشري على حذف العائد أي : غفور لهم وعلى هذا فيرجون حال من أنفقوا أي : أنفقوا ذلك راجين.
فاطر 35:31
ولما بين تعالى الأصل الأول وهو وجود الله تعالى الواحد بالدلائل في قوله تعالى ﴿الله الذي يرسل الرياح﴾ وقوله تعالى ﴿والله خلقكم﴾ وقوله تعالى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء﴾ ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى :﴿والذي أوحينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿إليك من الكتاب﴾ أي : الجامع خيري الدارين.
تنبيه :«من الكتاب » يجوز أن تكون من للبيان كما يقال : أرسل إلى فلان من الثياب جملة، وأن تكون للجنس، وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال : جاءني كتاب من الأمير، وعلى كل فالكتاب يمكن أن يراد به اللوح المحفوظ يعني : الذي أوحينا من اللوح المحفوظ ﴿هو الحق﴾ أي : الكامل في الثبات ومطابقة الواقع، ويمكن أن يراد به القرآن وهو ما اقتصر عليه الجلال المحلي يعني : الإرشاد والتبيين اللذين أوحينا إليك من القرآن، ويمكن أن تكون من للتبعيض وهو فصل أو مبتدأ وقوله تعالى ﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ أي : لما تقدمه من الكتب حال مؤكدة ؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق وهذا تقرير لكونه وحياً ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن قارئاً كاتباً وأتى ببيان ما في كتاب الله لا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى، فإن قيل : لم يجعل ما تقدم مصدقاً للقرآن ؟ أجيب : بأن القرآن كونه معجزة يكفي تصديقه بأنه وحي وأما ما تقدم فلا بد فيه من معجزة تصدقه.
تنبيه : قوله تعالى ﴿هو الحق﴾ آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين : أحدهما : أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور ؛ لأن الخبر في الأكثر يكون نكرة. الثاني : أن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا : زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً ولا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر معلوماً فتكون الأخبار للنسبة فتعرف باللام كقولنا : إن زيداً العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهوراً.
﴿إن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿بعباده لخبير﴾ أي : عالم أدق العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم ﴿بصير﴾ أي : بظواهر أمورهم وبواطنها أي : فهو يسكن الخشية والعلم في القلوب على قدر ما أوتوا من الكتاب في علمه، فأنت أحقهم بالكمال ؛ لأنك أخشاهم وأتقاهم فلذلك آتيناك هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية.
فاطر 35:32
وقوله تعالى :﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ في معناه وجهان : أحدهما : إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي : حكمنا بتوريثه أو قال تعالى ﴿أورثنا﴾ وهو يريد نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد : أورثنا أعطينا ؛ لأن الميراث إعطاء واقتصر على هذا الجلال المحلي، وقيل : أورثنا أخرنا ومنه الميراث ؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه : أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له.
تنبيه : أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن، وقيل : إن المراد جنس الكتاب ﴿الذين اصطفينا﴾ أي : اخترنا ﴿من عبادنا﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد بالعباد أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي : من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله تعالى أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله أي : لأن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله تعالى، ثم قسمهم بقوله تعالى :﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ أي : في التقصير بالعمل به ﴿ومنهم مقتصد﴾ أي : يعمل به في أغلب الأوقات ﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل.
روى أسامة بن زيد في هذه الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كلهم من هذه الأمة ». وروى أبو عثمان النهدي قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له » وروى أبو الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ الآية ( فاطر : ٣٤ ) قال : أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة، ثم قرأ قوله تعالى ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ الآية.
وقال عقبة بن صهبان : سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية فقالت : يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا، وقال مجاهد والحسن : فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصد هم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي والظالم الكافر نعمة الله تعالى غير الجاحد لها ؛ لأنه تعالى حكم للثلاثة بدخول الجنة.
وقيل : الظالم هو الراجح السيئات، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته، والسابق هو الذي رجحت حسناته، وقيل : الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير من ظاهره، وقيل : الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد : هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد.
وقيل : الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم، وقيل : الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل به، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العالم العامل، وقيل : الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.
وقال جعفر الصادق : بدأ بالظالم إخباراً بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وإن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنّى بالمقتصد ؛ لأنه بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة، وقال أبو بكر الوراق : رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس ؛ لأن أحوال العبد ثلاثة : معصية وغفلة، ثم توبة، ثم قربة، فإذا عصى دخل في حياز الظالمين، فإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين، وقيل غير ذلك والله أعلم.
ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى :﴿بإذن الله﴾ أي : بتمكين من له القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال والكمال وتسهيله وتيسيره، لئلا يأمن أحد مكره تعالى، قال الرازي في «اللوامع » : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى ﴿ذلك﴾ أي : إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء ﴿هو الفضل الكبير﴾.
فاطر 35:33
ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوالهم بين جزاءهم ومالهم بقوله تعالى مستأنفاً جواباً لمن سأل عن ذلك :﴿جنات عدن﴾ أي : إقامة بلا رحيل ؛ لأنه لا سبب للترحيل عنها وقوله تعالى ﴿يدخلونها﴾ أي : الثلاثة أصناف، خبر جنات عدن ومن دخلها لم يخرج منها ؛ لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج منها، وقرأ أبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء.
ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال تعالى ﴿يحلون فيها﴾ أي : يلبسون على سبيل التزين والتحلي ﴿من أساور﴾ أي : بعض أساور ﴿من ذهب﴾ فمن الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين وقوله تعالى ﴿ولؤلؤ﴾ عطف على ذهب أي : من ذهب مرصع باللؤلؤ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ، وقرأ عاصم ونافع بالنصب عطفاً على محل من أساور، والباقون بالجر.
تنبيه : أساور جمع أسورة وهي جمع سوار، وذكر الأساور من بين سائر الحلي في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿وحلّوا أساور من فضة﴾ ( الإنسان : ٢١ ) يدل على كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال ؛ لأن كثرة الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور على الفراغ من الأعمال، ولما كانت هذه الزينة لا تليق إلا على اللباس الفاخر قال تعالى ﴿ولباسهم فيها حرير﴾.
فاطر 35:34
﴿وقالوا﴾ أي : ويقولون عند دخولهم، وعبر عنه بالماضي تحقيقاً له ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : حزن النار، وقال قتادة : حزن الموت وقال مقاتل : لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم، وقال عكرمة : حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات، وقال القاسم : حزن زوال النعم وخوف العاقبة، وقيل : حزن أهوال القيامة، وقال الكلبي : ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير : الحزن في الدنيا، وقيل : همّ المعيشة، وقال الزجاج : أذهب الله تعالى عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو معاد أي : وهذا أولى الكل قال عليه الصلاة والسلام :«ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون :«الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ».
ثم قالوا ﴿إن ربنا﴾ أي : المحسن إلينا مع إساءتنا ﴿لغفور﴾ أي : محّاء للذنوب عيناً وأثراً للصنفين الأولين ولغيرهما من المذنبين ﴿شكور﴾ للصنف الثالث ولغيره من المطيعين.
تنبيه : ذكر الله تعالى عن هذه الثلاثة ثلاثة أمور كلها تفيد الكرامة، الأول : قولهم ﴿الحمد لله﴾ فإن الحامد يثاب. الثاني : قولهم ﴿ربنا﴾ فإن الله تعالى إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادي ما لم يكن يطلب ما لا يجوز. الثالث : قولهم ﴿غفور شكور﴾ والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم في الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة.
فاطر 35:35
وقولهم :﴿الذي أحلنا دار المقامة﴾ أي : الإقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل منها إلى منزلة القبور، ومن القبور إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق إلى دار البقاء، إما إلى الجنة، وإما إلى النار أجارنا الله تعالى ومحبينا منها. وقولهم ﴿من فضله﴾ أي : بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت مناً منه تعالى إذ لا واجب عليه، متعلق بأحلنا، ومن إما للعلة، وإما لابتداء الغاية.
وقولهم ﴿لا يمسنا فيها﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ حال من مفعول أحلنا الأول أو الثاني، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما، وإن كان الحال من الأول أظهر، والنصب التعب والمشقة، واللغوب الفتور الناشئ عنه، وعلى هذا فيقال : إذا انتفى السبب انتفى المسبب، فإذا قيل : لم آكل فيعلم التغاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانياً فلم أشبع بخلاف العكس، ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل والآية الكريمة على ما تقرر من نفي السبب ثم نفي المسبب فما فائدته ؟ أجيب : بأن النصب هو تعب البدن واللغوب هو تعب النفس، وقيل : اللغوب الوجع وحينئذ فالسؤال زائل، وأجاب الرازي بجواب قال ابن عادل : ليس بذاك فتركته.
فاطر 35:36
ولما بين تعالى ما هم فيه من النعمة في دار السرور التي قال فيها القائل :
علياء لا تنزل الأحزان ساحتها؍ لو مسها حجر مسته سراء؍
بين ما لأعدائهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من تكبرهم عليهم وفخارهم بقوله تعالى :﴿والذين كفروا﴾ أي : ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات ﴿لهم نار جهنم﴾ أي : بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليه ﴿لا يقضي﴾ أي : يحكم ﴿عليهم﴾ أي : بموت ثان ﴿فيموتوا﴾ أي : فيتسبب عن القضاء موتهم فيستريحوا كقوله تعالى ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ ( الزخرف : ٧٧ ) أي : بالموت فنستريح بل العذاب دائم.
تنبيه : نصب فيموتوا بإضمار أن.
ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال تعالى :﴿ولا يخفف عنهم﴾ وأعرق في النفي بقوله تعالى :﴿من عذابها﴾ أي : جهنم.
تنبيه : في الآية الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجاً فاسداً لا يحس به المعذب فقال : عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم.
الثانية : وصف العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ ( الزخرف : ٧٧ )
أي : بالموت.
الثالثة، ذكر في المعذبين الأشقياء أنه لا ينقضي عذابهم ولم يقل تعالى : نزيدهم عذاباً وفي المثابين قال تعالى ﴿ويزيدهم من فضله﴾ ( النور : ٣٨ ) وقوله تعالى ﴿كذلك﴾ إما مرفوع المحل أي : الأمر كذلك وإما منصوبه أي : مثل ذلك الجزاء العظيم ﴿نجزي كل كفور﴾ أي : كافر بالله تعالى وبرسوله، وقرأ أبو عمرو بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع كل، والباقون بنون مفتوحة وكسر الزاي ونصب كل.
فاطر 35:37
﴿وهم﴾ أي : فعل ذلك بهم والحال أنهم ﴿يصطرخون فيها﴾ أي : يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح من البكاء والتوجع يقولون ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا ﴿أخرجنا﴾ أي : من النار ﴿نعمل صالحاً﴾ ثم فسروه وبينوه بقولهم ﴿غير الذي كنا نعمل﴾ في الدنيا، فإن قيل : هلا اكتفى بقولهم ﴿نعمل صالحاً﴾ كما اكتفى به في قولهم ﴿فارجعنا نعمل صالحاً﴾ ( السجدة : ١٢ ) وما فائدة زيادة ﴿غير الذي كنا نعمل﴾ على أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً آخر غير الصالح الذي عملوه ؟ أجيب : بأن فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي، ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى ﴿وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً﴾ ( الكهف : ١٠٤ )
فقالوا : أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً :﴿أو لم نعمركم﴾ أي : نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ.
﴿ما﴾ أي : زماناً ﴿يتذكر فيه من تذكر﴾ قال عطاء وقتادة والكلبي : ثماني عشرة سنة وقال الحسن : أربعون سنة وقال ابن عباس : ستون سنة، وروي ذلك عن علي، وروى البزار أنه صلى الله عليه وسلم قال :«العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة » وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من عمرّه الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر » وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال :«أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين » وأقلهم من يجوز ذلك.
وقوله تعالى :﴿وجاءكم النذير﴾ عطف على ﴿أو لم نعمركم﴾ لأنه في معنى قد عمرناكم كقوله ﴿ألم نربّك﴾ ( الشعراء : ١٨ ) ثم قال ﴿ولبثت﴾ وقال تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ( الشرح : ١ ) ثم قال تعالى ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ ( الشرح : ٢ ) إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا، واختلف في النذير فقال الأكثرون : هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع : هو الشيب، والمعنى : أو لم نعمركم حتى شبتم ويقال : الشيب نذير الموت، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها : استعدي فقد قرب الموت.
ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى :﴿فذوقوا﴾ أي : ما أعددناه لكم من العذاب دائماً أبداً ﴿فما للظالمين﴾ أي : الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها ﴿من نصير﴾ أي : في وقت الحاجة حتى يرفع العذاب عنهم قال البقاعي وهذا عام في كل ظالم.
فاطر 35:38
ولما كان تعالى عالماً بكل ما نفى وما أثبت قال تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عالم غيب السماوات والأرض﴾ لا تخفى عليه خافية فلا يخفى عليه تعالى أحوالهم وقوله تعالى ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ تعليل له ؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور قبل أن يعلمها أربابها حتى تكون غيباً محضاً كان أعلم بغيره، ويعلم أنكم لو مدّت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبداً ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وإنه لا مطمع في صلاحكم.
فاطر 35:39
ولما كان من أنشأ شيئاً كان أعلم به قال تعالى :﴿هو﴾ أي : وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم ﴿الذي جعلكم﴾ أيها الناس ﴿خلائف في الأرض﴾ أي : يخلف بعضكم بعضاً، وقيل : جعلكم أمة واحدة خلفت من قبلها ورأت فيمن قبلها ما ينبغي أن يعتبر به، وقال القشيري : أهل كل عصر خليفة عمن تقدّمهم فمن قوم هم لسلفهم جمال ومن قوم هم أرذال وأسافل.
تنبيه : خلائف جمع خليفة وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائماً به والخلفاء : جمع خليفة قاله الأصبهاني ﴿فمن كفر فعليه كفره﴾ أي : وبال كفره ﴿ولا﴾ أي : والحال أنه لا ﴿يزيد الكافرين﴾ أي : المغطين للحق ﴿كفرهم﴾ أي : الذي هم ملتبسون به ظانون أنه يسعدهم وهم راسخون فيه غير منتقلين عنه ﴿عند ربهم﴾ أي : المحسن إليهم ﴿إلا مقتاً﴾ أي : غضباً ؛ لأن الكافر السابق كان ممقوتاً ﴿ولا يزيد الكافرين﴾ أي : العريقين في صفة التغطية للحق ﴿كفرهم إلا خساراً﴾ أي : للآخرة ؛ لأن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله تعالى ربح، ومن اشترى به سخط الله تعالى خسر.
فاطر 35:40
ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى الله عليه وسلم بما يضطرهم إلى الاعتراف بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني ﴿شركاءكم﴾ أضافهم إليهم ؛ لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئاً من شركته ؛ لأنهم ما نقصوه شيئاً من ملكه وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالسوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه، ثم بين المراد من عدّهم لهم شركاء بقوله تعالى :﴿الذين تدعون﴾ أي : تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي : غيره وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء الله تعالى ﴿أروني﴾ أي : أخبروني ﴿ماذا﴾ أي : الذي أو أي شيء ﴿خلقوا من الأرض﴾ أي : لتصح لكم دعوى الشركة فيهم وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وإنكم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا ﴿أم لهم شرك﴾ أي : شركة مع الله تعالى وإن قلت ﴿في السماوات﴾ أي : أروني ماذا خلقوا لكم من السماوات فالآية من الاحتباك حذف أولاً الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانياً عليه، وحذف الأمر بالإراءة ثانياً له لدلالة مثله أولاً عليه.
﴿أم آتيناهم كتاباً﴾ ينطق على أنا اتخذنا شركاء ﴿فهم﴾ الأحسن في هذا الضمير أن يعود على الشركاء لتناسق الضمائر، وقيل : يعود على المشركين قاله مقاتل فيكون التفاتاً من خطاب إلى غيبة ﴿على بينة﴾ أي : حجة ﴿منه﴾ بأن لهم معي شركة، ولما كان التقدير لا شيء لهم من ذلك قال تعالى منبهاً على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم ﴿بل إن﴾ أي : ما ﴿يعد الظالمون﴾ أي : الواضعون الأشياء في غير موضعها ﴿بعضهم بعضاً﴾ أي : الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله تعالى زلفى، وأنها تشفع وتضر وتنفع ﴿إلا غروراً﴾ أي : باطلاً.
فاطر 35:41
ولما بين تعالى حقارة الأصنام بين عظمته سبحانه بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿يمسك السماوات﴾ أي : على كبرها وعلوها ﴿والأرض﴾ أي : على سعتها وبعدها عن التماسك على ما تشاهدون، وقوله تعالى ﴿أن تزولا﴾ أي : برجة عظيمة وزلزلة كبيرة يجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي : كراهة أن تزولا، وقيل : لئلا تزولا، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على إسقاط الخافض أي : يمنعهما من أن تزولا، ويجوز أن يكون بدل اشتمال أي : يمنع زوالهما ؛ لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته، فإن ادعيتم عناداً أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق الله تعالى.
ولما كان في هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان أتبعه ما هو أبين منه بقوله تعالى : معبراً بأداة الإمكان ﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿زالتا﴾ أي : بزلزلة خراب أو غير ذلك ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أمسكهما من أحد من بعده﴾ جواب القسم الموطأ له بلام القسم وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم، ولذلك كان فعل الشرط ماضياً، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري : والجملة سدت مسد الجوابين فيه تجوز، فالمراد بسدهما مسدهما أنها تدل عليهما لا أنها قائمة مقامهما إذ يلزم أن تكون معمولة وغير معمولة ؛ لأنها باعتبار جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وباعتبار جواب الشرط لها محل، ومن في ﴿من أحد﴾ مزيدة لتأكيد الاستغراق وفي ﴿من بعده﴾ لابتداء الغاية، والمعنى : أحد سواه أو من بعد الزوال ﴿إنه كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿حليماً﴾ إذ أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدّا هدّاً كما قال تعالى ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّاً﴾ ( مريم : ٩٠ ) لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرصة ﴿غفوراً﴾ أي : محاء لذنوب من رجع إليه وأقبل بالاعتراف عليه فلا يعاقبه ولا يعاتبه.
فاطر 35:42
ولما بلغ كفار مكة أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم :﴿وأقسموا﴾ أي : كفار مكة ﴿بالله﴾ أي : الذي لا يقسم بغيره ﴿جهد أيمانهم﴾ أي : غاية اجتهادهم فيها ﴿لئن جاءهم نذير﴾ أي : رسول ﴿ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾ أي : اليهود والنصارى وغيرهم أي : آية واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضها بعضاً ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ( البقرة : ١١٣ ) ﴿فلما جاءهم نذير﴾ أي : على ما شرطوا وزيادة وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم نفساً وأشرفهم نسباً وأكرمهم خلقاً ﴿ما زادهم﴾ أي : مجيئه شيئاً مما هم عليه من الأحوال ﴿إلا نفوراً﴾ أي : تباعداً عن الهدى ؛ لأنه كان سبباً في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها، فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق.
فاطر 35:43
ثم علل نفورهم بقوله تعالى :﴿استكباراً﴾ أي : طلباً لإيجاد الكبر لأنفسهم ﴿في الأرض﴾ أي : التي من شأنها السفول والتواضع والخمول فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح، ويجوز أن يكون استكباراً بدلاً من نفوراً وأن يكون حالاً أي : حال كونهم مستكبرين قاله الأخفش.
وقوله تعالى ﴿ومكر السيء﴾ فيه وجهان : أظهرهما : أنه عطف على استكباراً، والثاني : أنه عطف على نفوراً وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ الأصل والمكر السيء، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي : العمل السيء أي : الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإطفاء نور الله عز وجل، وقال الكلبي : هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقرأ حمزة في الوصل بهمزة ساكنة أي : بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر واتقانه وإخفائه جهدهم، والباقون بهمزة مكسورة، وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء وأدغم الياء الأولى في الياء الثانية، ووقف الباقون بهمزة ساكنة ﴿ولا﴾ أي : والحال أنه لا ﴿يحيق﴾ أي : يحيط إحاطة لازمة خسارة ﴿المكر السيء﴾ أي : الذي هو عريق في السوء ﴿إلا بأهله﴾ أي : وإن أذى غير أهله لكنه لا يحيط بذلك الغير، فإن قيل : كثيراً ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك، أجيب : بأجوبة : أحدها : أن المكر في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم حيث قتلوا يوم بدر وغيره.
ثانيها : أنه عام وهو الأصح، ويدل له قول الزهري : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله تعالى يقول : وقرأ هذه الآية، ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً يقول الله تعالى ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾ ( يونس : ٢٣ ) ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثاً قال الله تعالى ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ ( الفتح : ١٠ ).
ثالثها : أن الأعمال بعواقبها ومن مكر بغيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى ﴿فهل ينظرون﴾ أي : ينتظرون ﴿إلا سنة الأولين﴾ أي : سنة الله تعالى فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم، والمعنى : فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار.
ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق بقوله تعالى :﴿فلن تجد﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿لسنة الله﴾ أي : طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين ﴿تبديلاً﴾ أي : من أحد يأتي بسنة غيرها تكون بدلاً لها ؛ لأنه تعالى لا مكافئ له ﴿ولن تجد لسنة الله﴾ أي : الذي لا أمر لأحد معه ﴿تحويلا﴾ أي : من حالة إلى أخف منها ؛ لأنه لا مرد لقضائه.
فائدة : ترسم سنت لسنت الثلاثة بالتاء المجرورة كما رأيت، ووقف أبو عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء على أصله.
فاطر 35:44
ولما ذكر الله تعالى الأولين وسنتهم في إهلاكهم نبههم بتذكير حال الأولين بقوله تعالى :﴿أولم يسيروا﴾ أي : فيما مضى من الزمان ﴿في الأرض﴾ أي : التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق ﴿فينظروا﴾ أي : فيتسبب عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوماً من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى شيئاً تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عليه ما جرى من مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي : آخر أمر ﴿الذين من قبلهم﴾ أي : على أي حالة كان آخر أمرهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل عليهم السلام فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون آثارهم، وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم، وكانوا أطول منهم أعماراً وأشد اقتداراً ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد صلى الله عليه وسلم.
وأنتم يا أهل مكة كفرتم بمحمد ومن قبله عليهم السلام ﴿وكانوا﴾ أي : أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا، والحال أنهم كانوا ﴿أشد منهم﴾ أي : من هؤلاء ﴿قوة وما كان الله﴾ أي : الذي له جميع العظمة وأكد الاستغراق في النفي بقوله تعالى :﴿ليعجزه﴾ أي : مريداً لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى، وأبلغ في التأكيد بقوله تعالى :﴿من شيء﴾ أي : قل أو جل وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله تعالى :﴿في السماوات﴾ أي : جهة العلو، وأكد بقوله عز وجل ﴿ولا في الأرض﴾ أي : جهة السفل ﴿إنه كان﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي : بالأشياء كلها حقيرها وجليلها ﴿قديراً﴾ أي : كامل القدرة أي : فلا يريد شيئاً إلا كان ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء، كقولهم :﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ ( الأنفال : ٣٢ ) على أن التقدير ولو عاملكم الله تعالى معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم عطف عليه قوله تعالى إظهاراً للحكم مع العلم.
فاطر 35:45
﴿ولو يؤاخذ الله﴾ أي : بما له من صفات العلو ﴿الناس﴾ أي : المكلفين ﴿بما كسبوا﴾ أي : من المعاصي ﴿ما ترك على ظهرها﴾ أي : الأرض ﴿من دابة﴾ أي : نسمة تدب عليها كما كان في زمن نوح عليه السلام أهلك الله تعالى ما على ظهر الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح.
فإن قيل : إذا كان الله تعالى يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب ؟ أجيب : بأن المطر إنعام من الله في حق العباد، وإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فيموت جميع الحيوانات، وبأن خلقة الحيوانات نعمة والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم والدواب أقرب النعم ؛ لأن المفرد أولاً ثم المركب، والمركب إما أن يكون معدناً وإما أن يكون نامياً، والنامي إما أن يكون حيواناً أو نباتاً، والحيوان إما إنسان أو غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان.
فإن قيل : كيف يقال لما علته الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابله الوجه فهو كالمتضاد ؟ أجيب : بأن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر، وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من باب والبطن والباطن من باب فوجه الأرض ظهر ؛ لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن.
﴿ولكن﴾ لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش بل يحلم عنهم فهو ﴿يؤخرهم﴾ أي : في الحياة الدنيا ثم في البرزخ ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي : سماه في الأزل لانقضاء أعمارهم ثم يبعثهم من قبورهم وهو تعالى لا يبدل القول لديه لما له من صفات الكمال ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ أي : الفناء الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجاد الإبقائي بعث كلاً منهم فجازاه بعمله ﴿فإن الله﴾ أي : الذي له الصفات العليا ﴿كان﴾ ولم يزل ﴿بعباده﴾ الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد واحد منهم بجميع ذواتهم وأحوالهم ﴿بصيراً﴾ أي : بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب ومن يستحق الثواب، قال ابن عباس : يريد أهل طاعته وأهل معصيته، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب الجنة أن ادخل من أي الأبواب شئت » حديث موضوع.
يس 36:1
وقوله تعالى :﴿يس﴾ ك ﴿ألم﴾ في المعنى والإعراب وقال ابن عباس : يس قسم، وروي عن شعبة أن معناه يا إنسان بلغة طيِّىء على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل : م الله في أيمن الله، وقال أكثر المفسرين : يعني محمداً صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسعيد بن جبير وجماعة وقال أبو العالية : يا رجل وقال أبو بكر الوراق : يا سيد البشر.
قال ابن عادل في ذكر هذه الحروف أوائل السور : أمور تدل على أنها غير خالية من الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها والذي يدل على أنها فيها حكمة هو أن الله عز وجل ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفاً نصف ثمانية وعشرين حرفاً هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا : الهمزة ألف متحركة، ثم إن الله تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال، والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرة في الوسط من الراء إلى الغين، وذكر من القسم الأول حرفين الألف والحاء، وترك سبعة وترك من القسم الأخير حرفين هما الألف واللام، وذكر سبعة ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحداً لم يذكره وهو الخاء، ولم يذكر من القسم الأخير من حروف الشفة إلا واحداً لم يتركه وهو الميم والعشر الأوسط ذكر منه حرفاً وترك حرفاً فترك الزاي وذكر الراء، وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين، وليس لها أمر يقع اتفاقاً بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة لكنها غير معلومة.
وهب أن واحداً يدعي فيه شيئاً فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن و ق و ص، وبعضها بحرفين كسورة حم ويس وطس وطه، وبعضها بثلاثة أحرف كألم وطسم والر، وبعضها بأربعة أحرف كسورة المر والمص، وبعضها بخمسة أحرف كسورة حم عسق وكهعيص.
وهب أن قائلاً يقول : إن هذه إشارة بأن الكلام إما حرف وإما فعل وإما اسم، والحرف كثيراً ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الإلصاق وغيرها، وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وإن للشرط وغيرها، والفعل والاسم والحرف جاءت ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألوا بالواو، وعلا يعلو في الفعل والاسم، والفعل جاء على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة كعجل ومسجد وجردحل.
فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض بأكثر فلا يعلم ما السر إلا الله تعالى، ومن أعلمه الله تعالى به.
وإذا علم هذا فالعبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية، وكل واحد منها قسمان : قسم عقل معناه وحقيقته، وقسم لم يعلم، أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل فمنها ما لم يعلم دليله عقلاً، وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد سمعاً كالصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن كالبرق الخاطف، والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر، وكيفية الجنة والنار، فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع، ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله تعالى وصدق الرسل، وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات.
والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة فلا يكون الإتيان إلا لمحض الفائدة بخلاف ما لم تعلم الفائدة، فربما تأتي الفائدة وإن لم يؤمر كما لو قال السيد لعبده : انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها، ولو قال : انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمر.
وإذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهي فإذا قال : حم طس يس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالاً لما أمر به، انتهى كلام ابن عادل بحروفه وهو كلام دقيق، وقرأ يس بإمالة الياء شعبة وحمزة والكسائي، والباقون بالفتح، وأظهر النون من يس عند واو.
يس 36:2
﴿والقرآن﴾ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة، وأدغم الباقون، وهي واو القسم أو العطف إن جعل يس مقسماً به، ثم وصف القرآن بقوله تعالى :﴿الحكيم﴾ أي : المحكم بعظيم النظم وبديع المعاني.
يس 36:3
وقوله تعالى :﴿إنك لمن المرسلين﴾ أي : الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم فصاروا بما وهبهم الله من القوة النورانية وبما تخلقوا به من أوامره ونواهيه كالملائكة الذين تقدم ذكرهم في السورة الماضية إنهم رسله جواب القسم وهو رد على الكفار حيث قالوا : لست مرسلاً، فإن قيل : المطلب يثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقسام ؟ أجيب : بأوجه : أولها : أن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة، وكانوا يقولون إن الأيمان الفاجرة توجب خراب العالم، وصحح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله :«اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع » ثم إنهم كانوا يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه من آلهتهم وهي الكواكب عذاب، والنبي صلى الله عليه وسلم يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأناً وأمنع مكاناً فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب.
ثانيها : أن المناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب : إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة وعجزت أنا على القدح فيه، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر ؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول فلا يجد أمراً إلا اليمين، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أقام البراهين وقالت الكفرة ﴿ما هذا إلا رجل يريد أن يصدّكم عما كان يعبد آباؤكم﴾ ( سبأ : ٤٣ ) ﴿وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين﴾ ( سبأ : ٤٣ ) فالتمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل.
ثالثها : أن هذا ليس بمجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين ؛ لأن القرآن معجزة، ودليل كونه مرسلاً هو المعجزة والقرآن كذلك، فإن قيل : لِمَ لم يذكر في صورة الدليل وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين ؟ أجيب : بأن الدليل إذا ذكر في صورة اليمين، واليمين لا يقع ولاسيما من العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه فلصورة اليمين يقبل عليه السامع لكونه دليلاً شافياً يسر به الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب.
يس 36:4
وقوله تعالى :﴿على صراط﴾ أي : طريق واسع واضح ﴿مستقيم﴾ أي : هو التوحيد والاستقامة في الأمر، يجوز أن يكون متعلقاً بالمرسلين تقول : أرسلت عليه كذا قال تعالى ﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل﴾ ( الفيل : ٣ ) وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في ﴿لمن المرسلين﴾ لوقوعه خبراً، وأن يكون حالاً من المرسلين، وأن يكون خبراً ثانياً لإنك. وقرأ قنبل «سراط » بالسين عوضاً عن الصاد، وخلف بالإشمام وهو بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد الخالصة.
يس 36:5
ولما كان كأنه قيل : ما هذا الذي أرسل به ؟ كان كأنه قيل جواباً : هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو :﴿تنزيل﴾ أو حال كونه تنزيل ﴿العزيز﴾ أي : المتصف بجميع صفات الجلال ﴿الرحيم﴾ أي : الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم فهو الواحد المنفرد في ملكه، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي تنزيل بالنصب على الحال كما مر، أو بإضمار أعني، والباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر كما مر.
يس 36:6
ولما ذكر تعالى المرسِل وهو الله تعالى، والمرسل وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمرسل به وهو القرآن ذكر المرسل لهم بقوله تعالى :﴿لتنذر قوماً﴾ أي : ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة ﴿ما أنذر﴾ أي : لم تنذر أصلاً ﴿آباؤهم﴾ أي : لم ينذروا في زمن الفترة ﴿فهم﴾ أي : بسبب زمان الفترة ﴿غافلون﴾ أي : عن الإيمان والرشد.
يس 36:7
وقوله تعالى :﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ فيه وجوه : أشهرها : أن المراد بالقول هو قوله تعالى :﴿لقد حق القول مني لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ثانيها : أن معناه لقد سبق في علمه تعالى أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي : وجب وثبت بحيث لا يبدل بغيره كما قال تعالى ﴿ما يبدّل القول لدي﴾ ( ق : ٢٩ ) ثالثها : المراد لقد حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل من التوحيد وغيره ﴿فهم﴾ أي : بسبب ذلك ﴿لا يؤمنون﴾ أي : بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكباراً في الأرض ومكر السيء.
يس 36:8
ونزل في أبي جهل وصاحبه :﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً﴾ أي : بأن تضم إليها الأيدي ؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلى ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده إلى عنقه، فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال رجل من بني مخزوم : أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له : ما صنعت ؟ فقال : ما رأيته ولقد سمعت كلاماً وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال تعالى ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ وتقدم أن المراد به البرهان وقال بعد ذلك : بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه، ومنع من إرسال الحجر وهو مضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلاً، وقال أهل المعاني : هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلاً لذلك فهو تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أيديهم.
وقال الفراء : معناه حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ ( الإسراء : ٢٩ ) معناه : ولا تمسكها عن النفقة، ومناسبة هذا لما تقدم أن قوله تعالى ﴿فهم لا يؤمنون﴾ يدخل فيه أنهم لا يصلون لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ( البقرة : ١٤٣ ) أي : صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه قال : لا يصلون ولا يزكون، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿فهي إلى الأذقان﴾ على وجهين : أشهرهما : أنه عائد على الأغلال ؛ لأنها هي المحدث عنها، ومعنى هذا الترتيب بالفاء أن الغل لغلظه وعرضه يصل إلى الذقن ؛ لأنه يلبس العنق جميعه، قال الزمخشري : والمعنى أنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه.
ثانيهما : أن الضمير يعود إلى الأيدي، وإليه ذهب الطبري وعليه جرى الجلال المحلي ؛ لأن الغل لا يكون إلا في العنق واليدين، ودل على الأيدي وإن لم تذكر الملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغل. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها والأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين ﴿فهم مقمحون﴾ أي : رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفتة إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطؤون رؤوسهم له، والإقماح رفع الرأس إلى فوق كالإقناع وهو من قمح البعير رأسه إذا رفعها بعد الشرب إما لبرودة الماء، وإما لكراهة طعمه.
يس 36:9
ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال تعالى :﴿وجعلنا﴾ أي : بعظمتنا ﴿من بين أيديهم﴾ أي : الوجه الذي يمكنهم عمله ﴿سدّاً﴾ فلا يسلكون طريق الاهتداء.
ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال تعالى ﴿ومن خلفهم﴾ أي : الوجه الذي هو خفي عنهم ﴿سدّاً﴾ فلا يرجعون إلى الهداية فصارت كل جهة يلتفتون إليها منسدة فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق، ولا الخلوص إليه، فلذلك قال تعالى ﴿فأغشيناهم﴾ أي : جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة ﴿فهم﴾ أي : بسبب ذلك ﴿لا يبصرون﴾ أي : لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم بصر ظاهر ولا بصيرة باطنة، وأيضاً الإنسان مبدؤه من الله تعالى ومصيره إليه فعمى الكافرين بأن لا يبصروا ما بين أيديهم من المصير إلى الله تعالى، وما خلفهم من الدخول في الوجود بخلق الله تعالى كمن أحاط بهم سد فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل، وأيضاً فإن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع، فإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامته هلك.
فإن قيل : ذكر السد من بين الأيدي ومن الخلف ولم يذكره من اليمين والشمال فما الحكمة في ذلك ؟ أجيب : بأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم، فيجعل الله تعالى السد هناك فيمنعه من السلوك فكيفما توجه الكافر يجعل الله تعالى بين يديه سداً، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سداً بفتح السين في الموضعين وهو لغة فيه، والباقون بالضم.
يس 36:10
ولما منعوا بذلك حس البصر أخبر عن حس السمع بقوله تعالى :﴿وسواء عليهم﴾ أي : مستو ومعتدل غاية الاعتدال ﴿أأنذرتهم﴾ أي : بما أخبرناك به من الزواجر المانعة للكفر ﴿أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ؛ لأنهم ممن علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وقد سبق أيضاً في البقرة تفسيره والكلام على الهمزتين.
يس 36:11
ثم بين الله تعالى الأقل الناجي ؛ لأنه المقصود بالذات بقوله تعالى :﴿إنما تنذر﴾ أي : إنذاراً ينفع المنذر فتتأثر عنه النجاة ﴿من اتبع الذكر﴾ أي : القرآن بالتأمل فيه والعمل به ﴿وخشي الرحمان﴾ أي : خاف عقابه ﴿بالغيب﴾ أي : قبل موته ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه تعالى كما هو رحمن رحيم منتقم جبار ﴿فبشّره﴾ أي : بسبب خشيته بالغيب ﴿بمغفرة﴾ أي : لذنوبه وإن عظمت وتكررت.
ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال تعالى ﴿وأجر كريم﴾ أي : هو الجنة فإنها دار لا كدر فيها بوجه، والمقصود منها هو النظر لوجهه الكريم، اللهم متعنا ومحبينا بالنظر إلى وجهك الكريم.
يس 36:12
ولما ذكر تعالى خشية الرحمان بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى بقوله تعالى :
﴿إنا نحن﴾ أي : بما لنا من العظمة التي لا تضاهى ﴿نحيي الموتى﴾ أي : كلهم حسّاً بالبعث، ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلمة الجهل ﴿ونكتب﴾ أي : جملة عند نفخ الروح وشيئاً فشيئاً بعده فلا يتعدى التفصيل شيئاً في ذلك الإجمال ﴿ما قدموا﴾ أي : وأخروا من جميع أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من صالح وغيره فاكتفى بأحدهما لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ ( النحل : ٨١ ) أي : والبرد.
وقيل المعنى : ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة كقوله تعالى ﴿بما قدّمت أيديهم﴾ ( الجمعة : ٧ ) أي : بما قدموا في الوجود وأوجدوه، وقيل : نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وقوله تعالى ﴿وآثارهم﴾ فيه وجوه : أحدها : وهو مبني على التفسير الأخير، وهو كتب النيات المراد بالآثار : الأعمال.
ثانيها : ما سنوا من سنة حسنة وسيئة، فالحسنة كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والسيئة كالظلامات المستمرة التي وضعتها الظلمة والكتب المضلة قال صلى الله عليه وسلم :«من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً ».
ثالثها : خطاهم إلى المساجد لما روى أبو سعيد الخدري قال : شكت بنو سلمة بعد منازلهم عن المسجد فأنزل الله تعالى ﴿ونكتب ما قدّموا وآثارهم﴾ فقال صلى الله عليه وسلم :«إن الله يكتب خطواتكم ومشيكم ويثيبكم عليها » وقال صلى الله عليه وسلم :«أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم مشياً والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام »، فإن قيل : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال تعالى ﴿نحيي الموتى ونكتب﴾ ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم ؟ أجيب : بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء ؛ لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة لا يبقى لها أثر أصلاً، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء ؛ لأنه تعالى قال :﴿إنا نحن﴾ وذلك يفيد العظمة والجبروت، والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم.
ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ذلك بقوله تعالى :﴿وكل شيء﴾ من أمور الدنيا والآخرة ﴿أحصيناه﴾ أي : قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظاً وكتبناه ﴿في إمام﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿مبين﴾ أي : لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص ؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى ﴿وكل شيء فعلوه في الزُّبر ( ٥٢ ) وكل صغير وكبير مُستطَر﴾ ( القمر : ٥٢ ٥٣ ) يعني ليس ما في الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى ﴿نكتب ما قدموا﴾ بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه، قيل : إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى ﴿ونكتب﴾ ؛ لأن من يكتب شيئاً في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى ﴿علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ ( طه : ٥٢ ).
يس 36:13
وقوله سبحانه وتعالى :﴿واضرب﴾ بمعنى واجعل ﴿لهم﴾ وقوله تعالى ﴿مثلاً﴾ مفعول أول، وقوله تعالى :﴿أصحاب﴾ مفعول ثان والأصل : واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب ﴿القرية﴾ فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ ( يوسف : ٨٢ ) قال الزمخشري : وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى : اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون : المراد بالقرية أنطاكية وقوله تعالى ﴿إذ جاءها﴾ إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي : إذ جاء أهلها ﴿المرسلون﴾ أي : رسل عيسى عليه السلام.
يس 36:14
وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى :﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ لأنه فعل رسوله عليه السلام ﴿وإذ أرسلنا﴾ إلخ بدل من إذ الأولى، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى، فتكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله تعالى :﴿إذ أرسلنا﴾ ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل وكيل للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، وينعزل إذا عزله الموكل الأول.
تنبيه : في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام بإذن الله تعالى، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما أمر الله تعالى، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، وأما عيسى عليه السلام فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى عليه السلام حجة ثابتة، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل، وحمزة والكسائي بضمهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها، والجميع في الوقف بسكون الميم. ﴿فكذبوهما﴾ أي : مع ما لهما من الآيات ؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولاً إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير واسطة، أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون له آية فكانت نوراً في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه.
ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ذلك قوله تعالى ﴿فعززنا﴾ أي : قوينا ﴿بثالث﴾ يقال : عزز المطر الأرض أي : قواها ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة، وتعزز لحم الناقة أي : صلب وقوي والمفعول محذوف أي : فقويناهما بثالث، أو فغلبناهما بثالث ؛ لأن المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين بالبرهان قال وهب : اسم المرسلين يحيى ويونس، واسم الثالث شمعون، وقال كعب : الرسولان صادق ومصدوق والثالث : سلوم، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى، والباقون بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف. ﴿فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنين فلما قربا من المدينة رأيا حبيباً النجار يرعى غنماً فسلما عليه فقال : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى عليه السلام يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمان فقال : أمعكما آية ؟ قالا : نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال : إن لي ابناً مريضاً منذ سنين قالا : فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحاً ففشا الخبر في المدينة وآمن حبيب النجار، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيراً من المرضى وكان لهم ملك اسمه أنطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى عليه السلام قال : وفيما جئتما ؟ قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال : أولنا إله دون آلهتنا ؟ قالا : نعم من أوجدك وآلهتك فقال : قوما حتى أنظر في أمركما وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه السلام رأس الحواريين شمعون الصفار على أثرها لينصرهما، فدخل البلد متنكراً وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم : أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعوا إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك قال : فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون : من أرسلكما إلى هاهنا ؟ قالا : الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال لهما شمعون : فصفاه وأوجزا قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال لهما شمعون : وما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك : أرأيت إن سألت إلهك يصنع مثل هذا حتى يكون لك الشرف ولآلهتك ؟ فقال الملك : ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيراً ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، ثم قال الملك لهما : إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا : إلهنا قادر على كل شيء فقال الملك : إن هنا ميتاً مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائباً فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سراً، فقام الميت وقال : إني دخلت سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله تعالى، ثم قال : فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسناً يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك : ومن الثلاثة ؟ قال : شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك لما علم، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن قوم وكفر آخرون، فمن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا.
وقيل : أن ابنة الملك كانت قد توفيت ودفنت فقال شمعون للملك : اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك فطلب الملك منهما ذلك فقاما وصليا ودعوا الله تعالى وشمعون معهما في السر فأحيا الله تعالى المرأة، ثم انشق القبر عنها فخرجت وقالت : أسلموا فإنهما صادقان قالت : ولا أظنكم تسلمون ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا تراباً على رأسها فعادت إلى قبرها كما كانت، وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب : بل كفر واجتمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة بالأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين.
يس 36:15
﴿قالوا﴾ أي : أهل القرية للرسل ﴿ما أنتم﴾ أي : وإن زاد عددكم ﴿إلا بشر مثلنا﴾ لا مزية لكم علينا فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلاً دوننا، فجعلوا كونهم بشراً مثلهم دليلاً على عدم الإرسال، وهذا عام في المشركين قالوا في حق محمد صلى الله عليه وسلم :﴿أأُنزل عليه الذّكر من بيننا﴾ ( ص : ٨ ) وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، فرد الله عليهم بقوله سبحانه ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ ( الأنعام : ١٢٤ )
وبقوله تعالى :﴿الله يجتبي إليه من يشاء﴾ ( الشورى : ١٣ ) إلى غير ذلك.
تنبيه : رفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا ثم قالوا ﴿وما أنزل الرحمان﴾ أي : العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته يقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأغرقوا في النفي بقولهم ﴿من شيء﴾ أي : وحي ورسالة ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أنتم إلا تكذبون﴾ أي : في دعوى رسالة حالاً ومآلاً.
يس 36:16
﴿قالوا﴾ أي : الرسل ﴿ربنا﴾ أي : الذي أحسن إلينا ﴿يعلم﴾ أي : ولهذا يظهر على أيدينا الآيات ﴿إنا إليكم لمرسلون﴾ استشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري مجرى القسم، وزادوا اللام المؤكدة ؛ لأنه جواب عن إنكارهم.
يس 36:17
﴿وما علينا﴾ أي : وجوباً من قبل من أرسلنا ﴿إلا البلاغ المبين﴾ أي : المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الميت وغيرهما.
يس 36:18
فما كان جوابهم بعد هذا إلا أن :﴿قالوا إنا تطيرنا﴾ أي : تشاءمنا ﴿بكم﴾ وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا : أصابنا هذا بشؤمكم ولاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له ونفرتهم عنه قالوا :﴿لئن لم تنتهوا﴾ أي : عن مقالتكم هذه ﴿لنرجمنكم﴾ أي : لنقتلنكم قال قتادة : بالحجارة، وقيل : لنشتمنكم وقيل : لنقتلنكم شر قتلة ﴿وليمسنكم منا﴾ أي : لا من غيرنا ﴿عذاب أليم﴾ كأنهم قالوا : لا نكتفي برجمكم بحجر وحجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم، أو يكون المراد وليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب أليم أي : مؤلم، وإن قلنا : الرجم : الشتم فكأنهم قالوا : ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحسي، وإذا فسرنا أليم بمعنى مؤلم ففعيل بمعنى مفعل قليل، ويحتمل أن يقال : هو من باب قوله تعالى ﴿عيشة راضية﴾ ( الحاقة : ٢١ ) أي : ذات رضا أي : عذاب ذو ألم فيكون فعيلاً بمعنى فاعل وهو كثير.
يس 36:19
ثم أجابهم المرسلون بأن :﴿قالوا طائركم﴾ أي : شؤمكم الذي أحل بكم البلاء ﴿معكم﴾ وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم وكفركم فأصابكم الشؤم من قبلكم، وقال ابن عباس والضحاك : حظكم من الخير والشر، والهمزة في قوله تعالى ﴿أئن ذكرتم﴾ أي : وعظتم وخوفتم همزة استفهام وجواب الشرط محذوف أي : تطيرتم وكفرتم فهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الثانية، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفاً، وورش وابن كثير بغير إدخال، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال.
ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سبباً للتطير بوجه أضربوا عنه بقولهم ﴿بل﴾ أي : ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير بسبب التطير بل ﴿أنتم قوم﴾ أي : غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون ﴿مسرفون﴾ أي : عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك.
يس 36:20
ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله تعالى، فلا هادي لمن يضل ولا مضل لمن هدى فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إذا أراد وكان بعد الدار ملزوماً في الغالب لبعد النسب قدّم مكان المجيء على فاعله بياناً لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى. فقال تعالى :﴿وجاء من أقصى﴾ أي : أبعد بخلاف ما مر في القصص ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية وقال ﴿المدينة﴾ لأنها أدل على الكبر المستلزم بعد الأطراف وجمع الأخلاط ولما بين الفاعل بقوله تعالى :﴿رجل﴾ بين اهتمامه بالنهي عن المكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله تعالى :﴿يسعى﴾ أي : يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصاً على نصيحة قومه.
تنبيه : في تنكير الرجل مع أنه كان معلوماً معروفاً عند الله تعالى فيه فائدتان، الأولى : أن يكون تعظيماً لشأنه أي : رجل كامل في الرجولية، الثانية : أن يكون مفيداً ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال : إنهم تواطؤوا، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام، وقال السدي : كان قصاراً، وقال وهب : كان يعمل الحرير وكان سقيماً قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب في المدينة، وكان مؤمناً وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله تعالى ورأى فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته وقوله :﴿يسعى﴾ تبصير للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جهدهم في النصح.
ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه بينه بقوله تعالى :﴿قال﴾ واستعطفهم بقوله تعالى :﴿يا قوم﴾ وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله ﴿اتبعوا المرسلين﴾ أي : في عبادة الله تعالى وحده، فجمع بين إظهار دينه وإظهار النصيحة فقوله ﴿اتبعوا﴾ النصيحة وقوله ﴿المرسلين﴾ إظهار إيمانه، وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان ؛ لأنه كان ساعياً في النصيحة، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله ﴿يسعى﴾ دل على إرادته النصح.
فإن قيل : ما الفرق بين مؤمن آل فرعون حيث قال :﴿اتّبعون أهدكم﴾ ( غافر : ٣٨ )
وهذا قال :﴿اتبعوا المرسلين﴾ ؟ أجيب : بأن هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال : اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مراراً فقال : اتبعوني في الإيمان بموسى وهرون عليهما السلام، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ولم يكن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يعلمون اتباعه لهم.
يس 36:21
ولما قال لهم : اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال :
﴿اتبعوا من لا يسألكم أجراً﴾ أي : أجرة ؛ لأن الخلق في الدنيا سالكون طريق الاستقامة، والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه وعدم الاستماع من الدليل لا يحسن إلا عند أحد أمرين : إما لطلب الدليل الأجرة، وإما : لعدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة ﴿وهم مهتدون﴾ عالمون بالطريق المستقيم الموصلة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين أليسوا بمهتدين ؟ فاتبعوهم.
يس 36:22
وقوله تعالى :﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني﴾ أصله : وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عنه ليكون الكلام أسرع قبولاً حيث أراد لهم ما أراد لنفسه والمراد : تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال ﴿وإليه ترجعون﴾ دون وإليه أرجع مبالغة في التهديد وفي العدول عن مخاصمة القوم إلى حال نفسه مبالغة في الحكمة، وهي أنه لو قال : ما لكم لا تعبدون الذي فطركم لم يكن في البيان مثل قوله : ما لي ؛ لأنه لما قال : ما لي فأحد لا يخفى عليه حال نفسه، علم كل واحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد ؛ لأنه أعلم بحال نفسه وقوله ﴿الذي فطرني﴾ أشار به إلى وجود المقتضى فإن قوله :﴿ما لي﴾ إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى فقوله ﴿الذي فطرني﴾ دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعم بالإيمان، والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته، وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم المقتضي، لأن المقتضي لظهوره كان مستغنياً عن البيان فلا أقل من تقديم ما هو أولى بالبيان للحاجة إليه، واختار من الآيات فطرة نفسه ؛ لأن خالق عمرو يجب على زيد عبادته ؛ لأن من خلق عمراً لا يكون إلا كامل القدرة واجب الوجود فهو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف، لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر إيجاباً.
تنبيه : أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم ؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق، روي أنه لما قال ﴿اتبعوا المرسلين﴾ أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له : أفأنت تتبعهم ؟ فقال ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني﴾ أي : أي : شيء يمنعني أن أعبد خالقي وإليه ترجعون، تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم ومعنى فطرني : خلقني اختراعاً ابتداء، وقيل : خلقني على الفطرة كما قال تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ ( الروم : ٣٠ ).
يس 36:23
ثم عاد إلى السياق الأول فقال :﴿أأتخذ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار أي : لا أتخذ وبين علو رتبته تعالى بقوله ﴿من دونه﴾ أي : سواه مع دنو المنزلة وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال ﴿آلهة﴾ وفي ذلك لطيفة وهي : أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن من دونه لا تجوز عبادته ؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله ﴿أأتخذ﴾ إشارة إلى أن غيره ليس بإله ؛ لأن المتخذ لا يكون إلهاً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل فيهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام وورش وابن كثير بغير إدخال ألف، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال وإذا وقف حمزة فله تسهيل الثانية والتحقيق ؛ لأنه متوسط بزائد وله أيضاً إبدالها ألفاً.
ثم بين عجز تلك الآلهة بقوله ﴿إن يردن الرحمان﴾ أي : العام النعمة على كل المخلوقين العابد والمعبود ﴿بضر﴾ أي : سوء ومكروه ﴿لا تغن عني شفاعتهم شيئاً﴾ أي : لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد ﴿ولا ينقذون﴾ أي : بالنصر والمظاهرة من ذلك المكروه أو من العذاب لو عذبني الله تعالى إن فعلت ذلك.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا :﴿إن يردن الرحمان﴾ بصيغة المضارع وقال في الزمر :﴿إن أرادني الله﴾ ( الزمر : ٣٨ ) بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمان وذكر المريد هناك باسم الله ؟ أجيب : بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلاً ؛ لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله ﴿أأتخذ﴾ وقوله ﴿ما لي لا أعبد﴾ والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله ﴿أفرأيتم﴾ ( الزمر : ٣٨ ).
تنبيه : إن يردن شرط جوابه لا تغن عني إلخ والجملة الشرطية في محل النصب صفة لآلهة.
فائدة : أثبت ورش الياء بعد النون في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً.
يس 36:24
﴿إني إذاً﴾ أي : إن عبدت غير الله تعالى ﴿لفي ضلال مبين﴾ أي : خطأ ظاهر، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء، وسكنها الباقون وهم على مذاهبهم في المد.
يس 36:25
ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه بقوله :
﴿إني آمنت﴾ أي : أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، واختلف في المخاطب بقوله ﴿بربكم﴾ على أوجه أحدها : أنه خاطب المرسلين قال المفسرون : أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال ﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ أي : اسمعوا قولي واشهدوا لي، وثانيها : هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال ﴿آمنت بربكم فاسمعون﴾ وثالثها : بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كقول الواعظ : يا مسكين ما أكثر أملك يريد : كل سامع يسمعه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم، وقال السدي : كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه وقال الحسن : خرقوا خرقاً في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية مشهور رضي الله تعالى عنه.
تنبيه : في قوله ﴿فاسمعون﴾ فوائد : منها : أنه كلام متفكر حيث قال : اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر، ومنها : أن ينبه القوم ويقول : إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك، فإن قيل : إنه قال من قبل ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني﴾ وقال ههنا :﴿آمنت بربكم﴾ ولم يقل : آمنت بربي ؟ أجيب : بأنا إن قلنا : الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر ؛ لأنه لما قال ﴿آمنت بربكم﴾ ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال ﴿بربكم﴾ وإن قلنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان التوحيد ؛ لأنه لما قال ﴿أعبد الذي فطرني﴾ ثم قال ﴿آمنت بربكم﴾ فهم أنه يقول : ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال : آمنت بربي فيقول الكافر : وأنا أيضاً آمنت بربي.
فائدة : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم :«أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه بالسهام فقتلوه ».
يس 36:26
ثم إنه سبحانه وتعالى بين حال هذا الذي قال ﴿آمنت بربكم﴾ بعد ذلك بقوله تعالى إيجازاً في البيات لأهل الإيمان :﴿قيل﴾ أي : قيل له بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول ؛ لأن المقصود المقول لا قائله والمقول له معلوم ﴿ادخل الجنة﴾ لأنه شهيد والشهداء يسرحون في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت، وقيل : لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى الجنة، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف وهو المسمى بالإشمام، والباقون بالكسر.
يس 36:27
ولما أفضى به إلى الجنة ﴿قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي﴾ أي : بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة يسيرة بعد طول عمري في الكفر ﴿وجعلني من المكرمين﴾ أي : الذين أعطاهم الدرجات العلا فنصح لقومه حياً وميتاً بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله.
تنبيه : في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار والحلم عن أهل الجهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسناً، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله تعالى عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم في بئر معونة كما رواه البخاري في المغازي عن أنس :«بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا » وفي غزوة أُحد. كما في السيرة وغيرها : لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تبارك وتعالى : فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ ( آل عمران : ١٦٩ )، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من حتم بموته على الكفر ولم ينقص ما قضى له من الأجل، فالله سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم لتظهر قدرته وحكمته.
يس 36:28
﴿وما أنزلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿على قومه﴾ أي : حبيب ﴿من بعده﴾ أي : من بعد إهلاكه أو رفعه ﴿من جند من السماء﴾ لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافياً في استئصالهم، فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى ﴿من بعده﴾ وهو تعالى لم ينزل عليهم من قبله ؟ أجيب : بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك بقوله تعالى :﴿وما كنا منزلين﴾ أي : ما كان ذلك من سنتنا وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير.
يس 36:29
﴿إن﴾ أي : ما ﴿كانت﴾ أي : الواقعة التي عذبوا بها ﴿إلا صيحة﴾ صاحها بهم جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم، وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى :﴿واحدة﴾ أي : لحقارة أمرهم عندنا، ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله تعالى :﴿فإذا هم خامدون﴾ أي : ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت بهم حركة يوماً من الدهر، شبهوا بالنار رمزاً إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد :
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه؍ يصير رماداً بعد إذ هو ساطع؍
وقال المعري :
وكالنار الحياة فمن رماد؍ أواخرها وأولها دخان؍
قال المفسرون : أخذ جبريل عليه السلام بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فماتوا.
يس 36:30
﴿يا حسرة على العباد﴾ أي : هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها مجاز أي : هذا أوانك فاحضري، ثم بين تعالى سبب الحسرة والندامة بقوله تعالى :﴿ما يأتيهم من رسول﴾ أي رسول كان في أي وقت كان ﴿إلا كانوا به﴾ أي : بذلك الرسول ﴿يستهزءون﴾ والمستهزئ بالناصحين المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر عليه، وقيل : يقول الله تعالى يوم القيامة :﴿يا حسرة على العباد﴾ حين لم يؤمنوا بالرسل.
يس 36:31
ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين :﴿ألم يروا﴾ أي : أهل مكة القائلين للنبي صلى الله عليه وسلم لست مرسلاً، والاستفهام للتقرير أي : اعلموا وقوله تعالى :﴿كم﴾ خبرية بمعنى كثيراً وهو مفعول لأهلكنا تقديره : كثيراً من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ليروا عن العمل ذهاباً بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى : أما ﴿أهلكنا قبلهم﴾ كثيراً ﴿من القرون﴾ أي : الأمم، قال البغوي : والقرن أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ﴿أنهم﴾ أي : المهلكين ﴿إليهم﴾ أي : إلى أهل مكة ﴿لا يرجعون﴾ أي : لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون، وقيل : لا يرجعون أي : الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي : أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم، قال ابن عادل : والأول أشهر نقلاً. والثاني : أظهر عقلاً.
يس 36:32
وقوله تعالى :﴿وإن﴾ نافية أو مخففة وقوله تعالى :﴿كل﴾ أي : كل الخلائق مبتدأ وقرأ ﴿لما﴾ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا، والباقون بالتخفيف واللام فارقة وما مزيدة وقوله تعالى :﴿جميع﴾ أي : مجموعون خبر أول ﴿لدنيا﴾ أي : عندنا في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى :﴿محضرون﴾ أي : للحساب خبر ثان وما أحسن قول القائل :
ولو أنا إذا متنا تركنا؍ لكان الموت راحة كل حيّ؍
ولكنا إذا متنا بعثنا؍ ونسأل بعدها عن كل شيء؍
يس 36:33
ولما قال :﴿وإن كل لما جميع﴾ كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى :﴿وآية﴾ أي : علامة عظيمة ﴿لهم﴾ أي : على قدرتنا على البعث وإيجادنا له ﴿الأرض﴾ أي : هذا الجنس الذي هم منه، ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله تعالى :
﴿الميتة﴾ التي لا روح لها ؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفنى أو لم يكن بها شيء أصلاً، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى :
﴿أحييناها﴾ أي : باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله، فإن قيل : الأرض آية مطلقاً فلم خصها بهم حيث قال تعالى :﴿وآية لهم﴾ ؟ أجيب : بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي صلى الله عليه وسلم وعباد الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم.
تنبيه : آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية ؛ لأنها علامة والأرض مبتدأ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال : وقيل فذكر الوجه الأول.
ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال :﴿وأخرجنا منها حباً﴾ أي : جنس الحب كالحنطة والشعير والأرز، ثم بين عموم نفعه بقوله :﴿فمنه﴾ أي : بسبب هذا الإخراج ﴿يأكلون﴾ أي : من ذلك الحب فهو حب حقيقة تعلمون ذلك علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين لا تقدرون تدعون أن ذلك خيال سحري بوجه من الوجوه، وفي هذه الآية وأمثالها حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله تعالى وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ القشيري في تفسيره وعيب على من أهمل ذلك :
يا من تصدر في دست الإمامة في؍ مسائل الفقه إملاء وتدريسا؍
غفلت عن حجج التوحيد تحكمها؍ شيدت فرعاً وما مهدت تأسيسا؍
يس 36:34
ولما ذكر الزرع وهو ما لا ساق له أتبعه بذكر ما له ساق بقوله :﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ أي : الأرض ﴿جنات﴾ أي : بساتين ﴿من نخيل وأعناب﴾ ذكر هذين النوعين لكثرة نفعهما وقدم النخل ؛ لأنه نفع كله خشبه وسعفه وليفه وخوصه وعراجينه وثمره طلعاً وبسراً ورطباً وتمراً وفيه زينة دائماً لكونه لا يسقط ورقه.
ولما كانت الجنان لا تصلح إلا بالماء قال تعالى :﴿وفجرنا﴾ أي : فتحنا سيحاً عظيماً ﴿فيها﴾ أي : الأرض ﴿من العيون﴾ شيئاً فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو العيون، ومن مزيدة عند الأخفش، قال البقاعي : والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء فكل موضع منها صالح لأن يتفجر منه الماء ولكن الله تعالى يمنعه من بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس فيها شيء غالب على الأرض، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض ليكون موضعاً للسكن ولو شاء لفجر الأرض كلها عيوناً كما فعل بقوم نوح فأغرق أهل الأرض كلهم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين، والباقون بالكسر.
يس 36:35
ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء أشار إلى ذلك بقوله تعالى :﴿ليأكلوا من ثمره﴾ أي : ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل : الضمير يعود على الأعناب ؛ لأنها أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى لتقديم شيئين وهما الأعناب والنخيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل : الضمير لله على طريق الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم وهي لغة فيه أو جمع ثمار، والباقون بفتحهما.
وقوله تعالى :﴿وما عملته أيديهم﴾ عطف على الثمر والمراد : ما يتخذ منه كالعصير والدبس ﴿ما﴾موصولة ومن الذي عملته أيديهم ويؤيد هذا قراءة حمزة والكسائي وشعبة بحذف الهاء من عملته، ﴿وما﴾نافية على قراءة الباقين بإثباتها أي : وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها، وقيل : أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد مخلوق مثل دجلة والفرات والنيل.
ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله تعالى :﴿أفلا يشكرون﴾ أي : اشكروا فهو أمر بصيغة الاستفهام أي : ادأبوا دائماً في إيقاع الشكر والدوام على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم.
يس 36:36
ولما أمرهم الله تعالى بالشكر وشكر الله تعالى بالعبادة، وهم تركوها وعبدوا غيره وأشركوا قال تعالى :﴿سبحان الذي خلق الأزواج﴾ أي : الأصناف والأنواع ﴿كلها﴾ أي : وغيره لم يخلق شيئاً ثم بين ذلك بقوله تعالى :﴿مما تنبت الأرض﴾ دخل فيه كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها ﴿ومن أنفسهم﴾ من الذكور والإناث وقوله تعالى :﴿ومما لا يعلمون﴾ يدخل فيه ما في أقطار السماوات وتخوم الأرضين من المخلوقات العجيبة الغريبة.
يس 36:37
ولما استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلي، استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي بقوله تعالى :﴿وآية لهم الليل﴾ أي : على إعادة الشيء بعد فنائه ﴿نسلخ﴾ أي : نفصل ﴿منه النهار﴾ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة ؛ لأن المكان لا يستغني عنه الجواهر، والزمان لا يستغني عنه الأعراض ؛ لأن كل عرض فهو في زمان.
تنبيه : نسلخ استعارة تبعية مصرحة، شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر ﴿فإذا هم﴾ أي : بعد إزالة ما للنهار الذي سلخناه من الليل ﴿مظلمون﴾ أي : داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساتراً له كما يستر الجلد الشاة، قال الماوردي : وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتماً إلى أن التقدير : والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالباً عليه فإذا هم مبصرون.
يس 36:38
ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئاً بآية النهار بقوله تعالى :﴿والشمس﴾ أي : التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها ﴿تجري لمستقر لها﴾ أي : لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، وقيل : مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل : إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه، وقيل : مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«مستقرها تحت العرش » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس :«تدري أين تذهب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ ».
ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الأمر الباهر للعقول وزاد في عظمه بصيغة التفعيل بقوله تعالى :﴿تقدير العزيز﴾ أي : الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة وهو غالب على كل شيء ﴿العليم﴾ أي : المحيط علماً بكل شيء الذي يدبر الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوماً نوع خلل، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي : ذلك المستقر تقدير العزيز العليم.
يس 36:39
ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى :﴿والقمر قدرناه﴾ أي : من حيث سيره ﴿منازل﴾ ثمانية وعشرين منزلاً في ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً وليلة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوماً، وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس عليه السلام، فإذا صار القمر في آخر منازله دق فذلك قوله تعالى ﴿حتى عاد﴾ أي : بعد أن كان بدراً عظيماً ﴿كالعرجون﴾ من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة رقيقاً منحنياً ثم وصفه بقوله تعالى :﴿القديم﴾ فإنه إذا عتق يبس وتقوس واصفر فيشبه القمر في رقته وصفرته في رأي العين في آخر المنازل، قال القشيري : إن القمر يبعد عن الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدراً ثم يدنو، فكلما ازداد من الشمس دنواً ازداد في نفسه نقصاناً إلى أن يتلاشى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والقمر برفع الراء، والباقون بالنصب والرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال، والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله تعالى :﴿والشمس تجري﴾ فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عجزها نصبت لتعطف فعلية على مثلها.
يس 36:40
ولما قرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها فلا يغلب ما هو آيته آية الآخر بل إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ذاك وإذا جاء ذاك ذهب هذا قال تعالى :﴿لا الشمس﴾ التي هي آية النهار ﴿ينبغي﴾ أي : يسهل ﴿لها﴾ أي : ما دام هذا الكون موجوداً على هذا الترتيب ﴿أن تدرك القمر﴾ أي : تجتمع معه في الليل فما النهار سابق الليل ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ أي : فلا يأتي أحدهما قبل انقضاء الآخر، فالآية من الاحتباك ؛ لأنه نفى أولاً إدراك الشمس لقوتها القمر ففيه دليل على ما حذف من الثاني من نفي إدراك الشمس للقمر أي : فيغلبها وإن كان يوجد في النهار لكن من غير سلطنة فيه، بخلاف الشمس فإنها لا تكون في الليل أصلاً ونفى ثانياً سبق الليل النهار وفيه دليل على حذف سبق النهار الليل أولاً كما قدرته. ﴿وكل﴾ أي : من الشمس والقمر ﴿في فلك﴾ محيط به وهو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة ؛ لأن أهل اللغة على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها، وفلكة الخيمة هي : الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة.
فإن قيل : فعلى هذا تكون السماء مستديرة وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى ﴿والسقف المرفوع﴾، ( الطور : ٥ ) أجاب الرازي : بأنه ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه والسقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك على جبال.
ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ووسطه وآخره مستوياً، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية، ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى :﴿يسبحون﴾ وقال المنجمون : قوله تعالى ﴿يسبحون﴾ يدل على أنها أحياء ؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال الرازي : إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به ؛ لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام ﴿ألا تأكلون ( ٩١ ) ما لكم لا تنطقون﴾ ( الصافات : ٩١ ٩٢ ).
يس 36:41
ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حد له حدوداً في السباحة في وجه الفلك ذكر ما هيأ به من الفلك للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى :﴿وآية لهم﴾ أي : على قدرتنا التامة ﴿أنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي : آباءهم الأصول، قال البغوي : واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى ﴿في الفلك﴾ للتعريف أي : فلك نوح عليه الصلاة والسلام وهو مذكور في قوله تعالى ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ ( هود : ٣٧ ) وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى :﴿المشحون﴾ أي : الموقر المملوء حيواناً وناساً وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضاً ومع ذلك فسلمها الله تعالى، وأيضاً الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول : الخفيف لا يرسب ؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال ﴿الفلك المشحون﴾ أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله.
وقال أكثر المفسرين : إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد : إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ ( الزخرف : ١٢ ) وقوله تعالى ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ ( فاطر : ١٢ ) وقوله تعالى ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ ( العنكبوت : ٦٥ ) إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان المراد : سفينة نوح عليه السلام ففيه وجوه.
الأول : أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي : لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر ؛ لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي : لم يكن الحمل حملاً لهم وإنما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقاً لا قيمة له وفيه جواهر قيل : إنه لم يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه.
ثانيها : أن المراد بالذرية الجنس أي : حملنا أجناسهم ؛ لأن ذلك الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الذراري أي : النساء لأن المرأة، وإن كانت صنفاً غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال : ذرارينا أي : أمثالنا.
ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى ﴿وآية لهم الليل﴾ للعباد وكذا ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال : وآية للعبادة أنا حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً معينين كقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ ( النساء : ٢٩ ) ﴿ويُذيق بعضكم بأس بعض﴾ و ( الأنعام : ٦٥ ) لذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم : هم قتلوا أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى ﴿وآية لهم﴾ أي : آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد : جنس الفلك قال ابن عادل : وهو الأظهر ؛ لأن سفينة نوح عليه السلام لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد.
وقوله تعالى في سفينة نوح عليه السلام ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾ ( العنكبوت : ١٥ )
أي : بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى ﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ ( لقمان : ٣١ )، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ ﴿وآية لهم الليل﴾ ولم يقل : وآية لهم الفلك ؟ أجيب : بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب ؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله.
فإن قيل : قال تعالى ﴿وحملناكم في البر والبحر﴾ ( الإسراء : ٧٠ ) ولم يقل : ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. أجيب : بأنه تعالى لما قال ﴿في البر والبحر﴾ عم الخلق جميعاً ؛ لأن ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال : إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على الجمع، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد.
يس 36:42
واختلف في تفسير قوله تعالى :﴿وخلقنا لهم من مثله﴾ أي : من مثل الفلك ﴿ما يركبون﴾ فقال ابن عباس : يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل : أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح عليه السلام على هيأتها، وقال قتادة والضحاك وغيرهما : أراد به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار.
يس 36:43
﴿وإن نشأ﴾ أي : لأجل ما لنا من القوة الشاملة والقدرة التامة ﴿نغرقهم﴾ أي : مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس كالماء الذي حملنا آباءهم ﴿فلا صريخ لهم﴾ أي : مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم : أتاهم الصريخ ﴿ولا هم﴾ أي : بأنفسهم من غير صريخ ﴿ينقذون﴾ أي : يكون لهم إنقاذ أي : خلاص لأنفسهم أو غيرها.
يس 36:44
﴿إلا رحمة﴾ أي : فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة ﴿منا﴾ أي : لهم لا وجوباً علينا ولا لمنفعة تعود منهم إلينا ﴿ومتاعاً﴾ أي : وتمتيعنا إياهم بلذاتهم
﴿إلى حين﴾ أي : إلى انقضاء آجالهم.
يس 36:45
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي : من أي : قائل كان ﴿اتقوا ما بين أيديكم﴾ أي : من عذاب الدنيا كغيركم ﴿وما خلفكم﴾ من عذاب الآخرة ﴿لعلكم ترحمون﴾ : تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ما بين أيديكم﴾ يعني : الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني : الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، وقال قتادة ومقاتل :﴿ما بين أيديكم﴾ : وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم﴿وما خلفكم﴾ : عذاب الآخرة.
تنبيهان : أحدهما :﴿إلا رحمة﴾ منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ وقيل : مستثنى منقطع وقيل : على المصدر بفعل مقدر وقيل : على إسقاط الخافض أي : إلا برحمة والفاء في قوله تعالى ﴿فلا صريخ لهم﴾ رابطة لهذه الجملة بما قبلها، فالضمير في لهم عائد على المغرقين.
ثانيهما : جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ وعلى هذا فلفظ كانوا زائد.
يس 36:46
﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾ أي : المحسن إليهم ﴿إلا كانوا﴾ أي : مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه ﴿عنها معرضين﴾ أي : دائماً إعراضهم.
يس 36:47
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي : من أي : قائل كان ﴿أنفقوا﴾ أي : على من لا شيء له شكراً لله على ما أعطاكم قال صلى الله عليه وسلم :«هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم » «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء ».
وبين تعالى أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه بقوله تعالى :﴿مما رزقكم الله﴾ أي : مما أعطاكم الله الذي له جميع صفات الكمال ﴿قال الذين كفروا﴾ أي : ستروا وغطوا ما دلهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات ﴿للذين آمنوا﴾ أي : استهزاء بهم ﴿أنطعم من لو يشاء الله﴾ أي : الذي له جميع العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده ﴿أطعمه﴾ وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة : أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله سبحانه وتعالى، وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأموالهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ لكنا ننظره لا يشاء ذلك، فإنه لم يطعمهم مما ترى من فقرهم فنحن أيضاً لا نشاء ذلك موافقة لمراد الله تعالى فيه فتركوا لتأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض إرادة الله المنهي عن الجري معها والاستسلام لها، وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون : لا نعطي من حرمه الله تعالى وهذا الذي يزعمونه باطل ؛ لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا عن الفقير لا بخلاً وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني، فلا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمه في خلقه وما كفاهم حتى قالوا لمن أرشدهم إلى الخير ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أنتم إلا في ضلال﴾ أي : محيط بكم ﴿مبين﴾ أي : في غاية الظهور وما دروا أن الضلال إنما هو لهم.
فإن قيل : قولهم ﴿من لو يشاء الله أطعمه﴾ : كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذم ؟ أجيب : بأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله تعالى أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله تعالى وكلاهما فاسد فبين ذلك تعالى بقوله سبحانه ﴿مما رزقكم الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء ؛ لأن من كان له مع الغير مال وله في خزانته مال مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من في يده مال في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه.
فإن قيل : ما الحكمة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا : أننفق على من لو يشاء الله رزقه ؛ لأنهم أمروا بالإنفاق فكان جوابهم أن يقولوا : أننفق فلم قالوا : أنطعم ؟ أجيب : بأن هذا بيان غاية مخالفتهم ؛ لأنهم إنما أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وهذا كقول القائل لغيره : أعط زيداً ديناراً فيقول : لا أعطيه درهماً مع أن المطابق هو أن يقول : لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك هنا.
تنبيه : إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنّهم أن كلام المؤمنين متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال، قال الرازي : ووجه ذلك أنهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ وهذا إشارة إلى أن الله تعالى إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل، وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام، فكيف تأمروننا به ؟ ووجه آخر : وهو أنهم قالوا : إن أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله تعالى وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال، واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي الإطلاع على المقصود الذي لأجله أمر به، مثاله : إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال للعبد : أحضر المركوب فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لتسبب إلى أن يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره فالأدب في الطاعة : هو امتثال الأمر لا تتبع المراد، فالله سبحانه إذا قال ﴿أنفقوا مما رزقكم الله﴾ لا يجوز أن يقال لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه ؟ وقد تقدم ما له بهذا تعلق.
يس 36:48
﴿ويقولون﴾ أي : عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم ﴿متى هذا﴾ وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعداً فقالوا ﴿الوعد﴾ أي : البعث الذي تهددوننا به تارة تلويحاً وتارة تصريحاً عجلوه لنا ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه.
يس 36:49
قال الله تعالى :﴿ما ينظرون﴾ أي : ينتظرون ﴿إلا صيحة﴾ وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله عز وجل ﴿واحدة﴾ وهي نفخة إسرافيل عليه السلام الأولى المميتة ﴿تأخذهم﴾ وقوله تعالى ﴿وهم يخصمون﴾ قرأه حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم والمعنى : يخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد، ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنهم باختلاس فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل في القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنافع وابن كثير وهشام نقلوا فتحها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنبيهاً على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسروا أولهما فهذه أربع قراءات.
يس 36:50
ولما كانت هذه هي النفخة المميتة تسبب عنها قوله تعالى :﴿فلا يستطيعون توصية﴾ أي : يوجدون الوصية في شيء من الأشياء ﴿ولا إلى أهلهم﴾ أي : فضلاً عن غيرهم ﴿يرجعون﴾ أي : فيروا حالهم بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجؤه الصيحة وربما أفهم التعبير بإلى أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها، وفي الحديث :«لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها ».
يس 36:51
ولما دل ذلك على الموت قطعاً عقبه بالبعث بقوله تعالى :﴿ونفخ في الصور﴾ أي : القرن النفخة الثانية للبعث وبين النفختين أربعون سنة. ولما كان هذا النفخ سبباً لقيامهم عنده من غير تخلف عبر تعالى بما يدل على التعقب والتسبب والفجأة بقوله تعالى :﴿فإذا هم﴾ أي : حين النفخ ﴿من الأجداث﴾ أي : القبور واحدها جدث المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ. فإن قيل : كيف يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال ؟ أجيب : بأن الله تعالى يجمع أجزاء كل ميت في الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه ﴿إلى ربهم﴾ أي : إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية ﴿ينسلون﴾ أي : يسرعون المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى.
فإن قيل : المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلاً ويؤخر أخرى والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم ؟ أجيب : بأنهم ينسلون من غير اختيارهم. فإن قيل : قال في آية أخرى ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ ( الزمر : ٦٨ ) وقال ههنا ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ والقيام غير النسلان وقوله تعالى في الموضعين ﴿إذا هم﴾ يقتضي أن يكونا معاً ؟ أجيب : بأن القيام لا ينافي المشي السريع ؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وبأن ذلك لسرعة الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل :
مكر مفر مقبل مدبر معاً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واعلم أن النفختين يورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرام يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد النفخة الثانية.
يس 36:52
ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله تعالى :﴿قالوا﴾ أي : الذين هم من أهل الويل ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ويلنا﴾ أي : هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾. قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة : إنما يقولون هذا ؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل.
وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ مرقداً هيناً بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر فقالوا : من بعثنا من مرقدنا، فإن قيل : ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا بقولهم يا ويلنا ؟ أجيب : بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل عليهم الصلاة والسلام فقالوا : يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياماً فنبهنا ؟ كما إذا كان الإنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم يرى رجلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول : أهذا ذاك أم لا ؟ ويدل على هذا قولهم ﴿من مرقدنا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياماً فتنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا، وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من مرقدنا إشارة إلى متوهمهم احتمال الانتباه.
وقولهم ﴿هذا﴾ إشارة إلى البعث ﴿ما﴾ أي : الذي ﴿وعد﴾ أي : به ﴿الرحمان﴾ أي : العام الرحمة الذي رحمته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ويجازي كلاً بعمله من غير حيف وقد رحمنا بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إلينا بذلك وطالما أنذرونا حلوله وحذرونا صعوبته وطوله ﴿وصدق﴾ أي : في أمره ﴿المرسلون﴾ أي : الذين أتونا بوعد الله تعالى ووعيده.
تنبيه : في إعراب هذا وجهان : أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقف تاماً على قوله تعالى ﴿من مرقدنا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى أو من قول الملائكة أو من قول المؤمنين، الثاني : أنها من كلام الكفار فتكون في محل نصب بالقول الثاني من الوجهين الأولين هذا صفة لمرقدنا وما وعد منقطع عما قبله، ثم في ( ما ) وجهان أحدهما : أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي : الذي وعده الرحمان وصدق المرسلون فيه حق عليكم وإليه ذهب الزجَّاج والزمخشري، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : في هذا الذي وعد الرحمان.
يس 36:53
﴿إن﴾ أي : ما ﴿كانت﴾ أي : النفخة التي وقع الإحياء بها ﴿إلا صيحة واحدة﴾ أي : كما كانت صيحة الإماتة واحدة ﴿فإذا هم﴾ أي : فجأة من غير توقف أصلاً ﴿جميع﴾ أي : على حالة الاجتماع لم يتأخر منهم أحد ﴿لدينا﴾ أي : عندنا ﴿محضرون﴾.
يس 36:54
ثم بين تعالى ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى :﴿فاليوم لا تظلم نفس﴾ أي : أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة ﴿شيئاً﴾ أي : لا يقع لها ظلم ما من أحد ما في شيء ما ﴿ولا تجزون﴾ أي : على عمل من الأعمال شيئاً من الجزاء من أحد ﴿إلا ما كنتم تعملون﴾ ديدناً لكم بما ركز في جبلاتكم.
يس 36:55
ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى :﴿إن أصحاب الجنة﴾ أي : الذين لا حظ للنار فيهم ﴿اليوم﴾ أي : يوم البعث وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ونحوها من الكرامات عند دخول أهل النار النار، وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله ﴿في شغل﴾ أي : عظيم جداً لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات.
وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم الغين، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل بقوله ﴿فاكهون﴾ أي : متلذذون في النعمة، واختلف في هذا الشغل فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : في افتضاض الإبكار، وقال وكيع بن الجراح رضي الله عنهما : في السماع، وقال الكلبي : في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم، وقال ابن كيسان : في زيارة بعضهم بعضاً، وقيل : في ضيافة الله تعالى فاكهون، وقيل : في شغل عن هول اليوم يأخذون ما آتاهم الله تعالى من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب.
وقوله تعالى ﴿فاكهون﴾ متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال : في شغل جاز أن يقال : هم في شغل أعظم من التفكر في اليوم وأهواله فإن من تصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع في ماله يقول : أنا مشغول عن هذا بأهم منه فقال : فاكهون أي : شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : فاكهون : فرحون.
يس 36:56
ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال تعالى :﴿هم﴾ أي : بظواهرهم وبواطنهم ﴿وأزواجهم﴾ أي : أشكالهم الذين لهم في غاية الملاءمة كما كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون ويصفون أقدامهم في خدمتنا وهم يبكون من خشيتنا، وفي هذا إشارة إلى عدم الوحشة ﴿في ظلال﴾ أي : يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد فلا تصيبهم الشمس كما كانوا يشوون أكبادهم في دار العمل بحر الصيام والصبر في مرضاتنا على الآلام ويعرون أيديهم وقلوبهم من الأموال ببذل الصدقات في سبيلنا على ممر الليالي وكر الأيام.
تنبيه : ظلال جمع ظل كشعاب أو ظله كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي بضم الظاء ولا ألف بين اللامين وهم مبتدأ وخبره في ظلال كما قاله أبو البقاء.
ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر قال تعالى ﴿على الأرائك﴾ أي : السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجال قال ثعلب لا تكون أريكة حتى تكون عليها حجلة وقال ابن جرير الأرائك الحجال فيها السرر وروى أبو عبيدة في ( الفضائل ) عن الحسن قال : كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجل من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها السرير وهذا جزاء لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون أبصارهم ويضعون نفوسهم لأجلنا ﴿متكئون﴾ كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب الأحوال، والاتكاء الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه أو الجلوس مع التمكن على هيئة المتربع وفي هذا إشارة إلى الفراغ.
يس 36:57
وقوله تعالى :﴿لهم﴾ أي : خاصة بهم ﴿فيها فاكهة﴾ أي : لا تنقطع أبداً ولا مانع لهم من تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة إشارة إلى أن لا جوع هناك ؛ لأن التفكه لا يكون لدفع الجوع ﴿ولهم ما يدعون﴾ أي : يتمنون.
تنبيه : في ما هذه ثلاثة أوجه : موصولة اسمية نكرة موصوفه، والعائد على هذين محذوف مصدرية، ويدعون مضارع ادعى افتعل من دعا يدعو أشرب معنى التمني، وقال الزجاج : هو من الدعاء أي : ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت غلامي فيكون الافتعال بمعنى : الفعل كالاحتمال بمعنى : الحمل والارتحال بمعنى : الرحل، وقيل : افتعل بمعنى : تفاعل أي : ما يتداعونه كقولهم : ارتموا وتراموا بمعنى واحد.
يس 36:58
ثم فسر الذي يدعونه أي : يطلبونه بغاية الاشتياق إليه واستأنف الإخبار عنه بقوله تعالى :﴿سلام﴾ أي : عظيم جداً عليكم يا أهل الجنة والسلام يجمع جميع النعم ثم بين هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله ﴿قولاً من رب﴾ أي : دائم الإحسان ﴿رحيم﴾ أي : عظيم الإكرام بما ترضاه الإلهية كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذّة الرؤية مع التقوية على الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه.
روى جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم »، وقيل : تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله تعالى ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ( ٢٣ ) سلام عليكم﴾ ( الرعد : ٢٣ ٢٤ ) أي : يقولون : سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل : يعطيهم السلامة الأبدية.
يس 36:59
ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى :﴿وامتازوا﴾ أي : ويقال للمجرمين امتازوا أي : انفردوا ﴿اليوم أيها المجرمون﴾ عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك : لكل كافر في النار بيت يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى، وقيل : إن قوله تعالى ﴿وامتازوا﴾ أمر تكوين فحين يقول ﴿امتازوا اليوم﴾ فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ ( الرحمان : ٤١ ).
يس 36:60
ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال تعالى موبخاً لهم :﴿ألم أعهد إليكم﴾ أي : أوصيكم إيصاء عظيماً بما نصبت من الأدلة ومنحت من العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان الطريق الموصل إلى النجاة.
ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلباً وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله تعالى :﴿يا بني آدم﴾ أي : على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام، واختلف في معنى : هذا العهد على وجوه أقواها : ألم أوص إليكم كما مر، وقيل : آمركم، وقيل : غير ذلك، واختلفوا في هذا العهد أيضاً على أوجه :
أظهرها : أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر، وقيل : هو العهد الذي كان مع آدم في قوله تعالى ﴿ولقد عهدنا إلى آدم﴾ ( طه : ١١٥ ) وقيل : هو الذي كان مع ذريته عليه السلام حين أخرجهم وقال ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ ( الأعراف : ١٧٢ ) ﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ أي : البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم والطاعة قد تطلق على العبادة.
ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى :﴿إنه لكم﴾ والتأكيد ؛ لأن أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته ﴿عدو مبين﴾ أي : ظاهر العداوة جداً من جهة عداوته لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ينغص الدنيا من التخالف والخصام، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكداراً وأدناساً ؟ فكيف إذا كان شاغلاً عن الباقي ؟ فكيف إذا كان عائقاً عن المولى ؟ فكيف إذا كان مغضباً له حاجباً عنه ؟ فإن قيل : إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزنا، والشرب، ونحو ذلك، ويكره ما يسخطه من المجاهدة، والعبادة ونحو ذلك ؟ أجيب : بأنه يستعين عليه بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله تعالى، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سبباً لفساد حاله، ويدعوه بها إلى مسالك المهالك، وكذا يستعين بغضبه الذي خلقه الله تعالى فيه لدفع المفاسد ويجعله سبباً لوباله وفساد أحواله، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضار، وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد في مرضه ومن معدته فاسدة لا تهضم القليل من الغداء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه.
يس 36:61
ولما منع من عبادة الشيطان أمر بعبادة الرحمان بقوله عاطفاً على أن لا :﴿وأن اعبدوني﴾ أي : وحدوني وأطيعوني ﴿هذا﴾ أي : الأمر بعبادتي ﴿صراط﴾ أي : طريق ﴿مستقيم﴾ أي : بليغ الاستقامة وعبادة الشيطان طريق ضيق معوج غاية الضيق والعوج، وقرأ قنبل بالسين وخلف بالإشمام أي : بين الصاد والزاي والباقون بالصاد.
يس 36:62
ثم ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى :﴿ولقد أضل منكم﴾ أي : عن الطريق الواضح السوي بما سلطه به من الوسوسة ﴿جبلاً﴾ أي : أمماً كباراً عظاماً ما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد، ومع ذلك كان يلعب بهم كما تلعب الصبيان بالكرة، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيداً وأحقر أمراً، وقرأ نافع وعاصم بكسر الجيم و الباء الموحدة وتشديد اللام مع التنوين، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم الجيم وسكون الموحدة، والباقون بضم الجيم والموحدة وكلها لغات ومعناها : الخلق والجماعة أي : خلقاً ﴿كثيراً﴾ ثم زاد في التوبيخ والإنكار بقوله تعالى :﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾ أي : عداوته وإضلاله، وما حل بهم من العذاب فتؤمنوا.
يس 36:63
ويقال لهم في الآخرة :﴿هذه جهنم﴾ أي : التي تستقبلكم بالعبوسة، والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين ﴿التي كنتم توعدون﴾ أي : إن لم ترجعوا عن غيّكم.
يس 36:64
﴿اصلوها﴾ أي : قاسوا حرها وتوقدها وهول أمر ذلك اليوم فإن ذكره على حد ما مضى بقوله تعالى :﴿اليوم﴾ ليكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة وشتان ما بين الشغلين ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كنتم تكفرون﴾ أي : تسترون ما هو ظاهر جداً بعقولكم من آياتي في دار الدنيا.
تنبيه : في هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه أحدها : قوله تعالى ﴿اصلوها﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ ( الدخان : ٤٩ ) ثانيها : قوله تعالى ﴿اليوم﴾ يعني : العذاب حاضر ولذاتهم قد مضت وبقي اليوم العذاب. ثالثها : قوله تعالى ﴿بما كنتم تفكرون﴾ فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما قيل :
أليس بكاف لذي همة؍ حياء المسيئ من المحسن؍
يس 36:65
ولما كان كأنه قيل هل يحكم في ذلك اليوم بعلمه، أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا في العمل بالبينة ؟ نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولاً :﴿اليوم﴾ على النسق الماضي في مظهر العظمة ؛ لأنه أليق بالتهويل ﴿نختم﴾ أي : بما لنا من عظيم القدرة ﴿على أفواههم﴾ أي : الكفار لاجترائهم على الكذب كقوله سبحانه ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ ( الأنعام : ٢٣ ) ﴿وتكلمنا أيديهم﴾ أي : بما عملوا إقراراً هو أعظم شهادة ﴿وتشهد أرجلهم﴾ أي : عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار ﴿بما كانوا﴾ أي : في الدنيا بجبلاتهم ﴿يكسبون﴾ فكل عضو ينطق بما صدر عنه، فالآية من الاحتباك أثبت الكلام للأيدي أولاً : لأنها كانت مباشرة دليلاً على حذفه من حيز الأرجل ثانياً : وأثبت الشهادة للأرجل ثانياً ؛ لأنها كانت حاضرة دليلاً على حذفها من حيز الأيدي أولاً.
وتقريبه : أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة، وفي كيفية هذا الختم وجهان أقواهما أن الله تعالى يسكت ألسنتهم، وينطلق جوارحهم فتشهد عليهم، وإن ذلك في قدرة الله تعالى يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فإن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فجاز تحريك غيره بمثلها والله سبحانه قادر على كل الممكنات.
والوجه الآخر : أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم، وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذراً فيعتذرون، ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمر بحيث لا يسمع منه الإنكار كقول القائل : الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن.
والصحيح الأول لما روى أبو هريرة :«أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا : لا يا رسول الله قال : فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا : لا يا رسول الله قال : والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤيتهما قال : فيلقى العبد فيقول : ألم أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تتزايد وتترافع قال : بلى يا رب قال : فظننت أنك ملاقي فيقول : لا يا رب فيقول اليوم أنساك كما نسيتني إلى أن قال : ثم يلقى الثالث فيقول : ما أنت فيقول : أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ثم قال : فيقال له : أفلا نبعث عليك شاهدنا قال : فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه، فيقال لفخذه : انطقي قال : فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، قال : وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه ».
ولما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال :«كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال : هل تدرون مم أضحك قال : قلنا : الله ورسوله أعلم قال : من مخاطبة العبد ربه قال : يقول العبد : يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول : بلى فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني فيقول تعالى ﴿كفى بنفسك اليوم عليك﴾ ( الإسراء : ١٤ ) وبالكرام الكاتبين شهوداً فيختم على فيه ويقول لأركانه : انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول : بُعداً لَكُنَّ أو سحقاً فعنكن كنت أناضل » وقال صلى الله عليه وسلم :«أول ما يسأل من أحدكم فخذه وكفه ».
تنبيه : ههنا سؤالات : الأول : ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال ﴿نختم﴾ وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل، الثاني : ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل، الثالث : أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم، والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتهم ؟
أجيب : عن الأول : بأنه لو قال : نختم على أفواههم وننطِق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً وقهراً والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال ﴿وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ أي : بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم.
وأجيب عن الثاني : بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى ﴿وما عملته أيديهم﴾ أي : ما عملوه وقال تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ( البقرة : ١٩٥ ) أي : ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن.
وأجيب عن الثالث : بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب إليها عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقال : ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني وأن اليد كذلك ؛ لأن معناه أن المكلف يزني بها لا أنها هي تزني، وأيضاً فإنا نقول : في رد شهادتها قبول شهادتها ؛ لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لابد أن يكون مذنباً في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا، وهذا كمن قال لفاسق : إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر فقال الفاسق : كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد ؛ لأنه إن صدق في قوله : كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني : كذبت في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه.
يس 36:66
ثم بين سبحانه وتعالى أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر بقوله تعالى :﴿ولو نشاء﴾ وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ في التهديد ﴿لطمسنا على أعينهم﴾ أي : الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى الطمس كقوله تعالى ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ ( البقرة : ٢٠ )
يقول : إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى ﴿فاستبقوا الصراط﴾ أي : ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا ﴿فأنى﴾ أي : فكيف ﴿يبصرون﴾ الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي : لو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عمياً يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول الحسن والسدي، وقال ابن عباس ومقاتل : معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم.
يس 36:67
ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى :﴿ولو نشاء﴾ أي : مسخهم ﴿لمسخناهم﴾ أي : حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير.
ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه في شيء من ذلك قال تعالى ﴿على مكانتهم﴾ أي : المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منهم شاغلاً له بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه، وقرأ شعبة بألف بعد النون على الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد ﴿فما استطاعوا﴾ أي : بأنفسهم بنوع معالجة ﴿مضيا﴾ أي : إلى جهة من الجهات ثم عطف على جملة الشرط قوله تعالى ﴿ولا يرجعون﴾ أي : يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من أنها خيال وسحر قيل : لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع.
يس 36:68
﴿ومن نعمره﴾ أي : نطل عمره إطالة كثيرة ﴿ننكسه﴾ قرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من نكسه مبالغة، والباقون بفتح النون الأولى وسكون الثانية وتخفيف الكاف مضمومة من نكسه وهي محتملة للمبالغة وعدمها ومعنى ننكسه :﴿في الخلق﴾ أي : خلقه نرده إلى أرذل العمر يشبه الصبي في الخلق، وقيل : ننكسه في الخلق أي : ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بعد زيادتها ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنتين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلا تزيد فيه غريزة ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء هذا في البدن، وأما في المعارف فتارة وتارة وهذا أيضاً في غير الأنبياء عليهم السلام، أما هم فلا ينقص شيء من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي غير مكترث وأن الصحابة رضي الله عنهم يجهدون أنفسهم فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته الهوينا و«أنه صلى الله عليه وسلم صارع ركانة » الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقاً من نفسه أنه يصرع من صارعه فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا يتمسك في يده حتى خرج يقول : إن هذا لعجب يا محمد تصرعني »، وحتى :«أنه دار على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد » إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس.
ولم يحك عن نبي من الأنبياء عليهم السلام ممن عاش منهم ألفاً وممن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة :«أن ملك الموت عليه السلام أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما جاءه صَكّهُ ففقأ عينه فقال لربه : أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال : أي : رب ثم ماذا ؟ قال : الموت قال : فالآن » وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة ﴿أفلا يعقلون﴾ أي : أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وقرأ نافع وابن ذكوان بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.
يس 36:69
ولما منح الله تعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم غرائز من الفضائل مما عجز عنها الأولون والآخرون، وأتى بقرآن أعجز الإنس والجن، وعلوم وبركات فاقت القوى ليس بشعر خلافاً لما رموه به بغياً وكذباً وعدواناً قال تعالى :﴿وما علمناه﴾ أي : نحن ﴿الشعر﴾ فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم، ورويِّ مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ تكلفاً إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم ﴿وما أنا من المتكلّفين﴾ ( ص : ٨٦ ) لأن ذلك، وإن كنتم أنتم تعدونه فخراً لا يليق بجنابنا ؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة بما ألهمنا إياه، ثم ألقاه إليه جبريل عليه السلام مما أمرناه به من جوامع الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلاً :«ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم ».
ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جداً عن سجايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحاً وهجواً فيكون أكثره كذباً إلى غير ذلك.
قال تعالى ﴿وما ينبغي له﴾ أي : وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما أختبرتم من طبعه نحواً من أربعين سنة ؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون مداحاً أو عياباً أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له، كما جعلناه أمياً لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً روى الحسن :«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت :
كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهياً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال أبو بكر رضي الله عنه : إنما قال الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال عمر رضي الله عنه : أشهد أنك رسول الله يقول الله عز وجل ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ وعن ابن شريح قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت :«كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت : وربما قال :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وفي رواية قالت : كان الشعر أبغض الحديث إليه قالت : ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بين قيس طرفة العبدي :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً؍ ويأتيك بالأخبار من لم تزود؍
فجعل يقول : ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر : ليس هكذا يا رسول الله فقال :«إني لست بشاعر ولا ينبغي لي » وقيل : معناه ما كان متأتياً له، وأما قوله صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم والبخاري :
«أنا النبي لا كذبْ؍ أنا ابن عبد المطلب »؍
وقوله كما رواه الشيخان أيضاً :
«هل أنت إلا إصبع دميت؍ وفي سبيل الله ما لقيت »؍
فاتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعراً، هذا وقد روى أنه حرك الباءين في قوله : أنا النبي لا كذب وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية من قوله هل أنت إلا إصبع إلخ.
وقيل : الضمير للقرآن أي : وما يصح أن يكون القرآن شعراً، فإن قيل : لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من جملتها السحر والكهانة ولم يقل : وما علمناه السحر وما علمناه الكهانة ؟ أجيب : بأن الكهانة إنما كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب وتكون كما يقول وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكليم الجذع والحجر وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم لكنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن كما قال تعالى ﴿إن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ ( البقرة : ٢٣ ) إلى غير ذلك ولم يقل : إن كنتم في شك من رسالتي فأخبروا بالغيوب أو أشبعوا الخلق الكثير بالشيء اليسير. فلما كان تحديه صلى الله عليه وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم.
وما نفى أن يكون ما أتى به من جنس الشعر قال تعالى :﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : هذا الذي آتاكم به ﴿إلا ذكر﴾ أي : شرف وموعظة ﴿وقرآن﴾ أي : جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والنظر إلى وجه الله العظيم ﴿مبين﴾ أي : ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ( ٨٦ ) إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ ( ص : ٨٦ ) كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جداً.
يس 36:70
إنما ذكر للأذكياء جداً وقوله تعالى :﴿لينذر﴾ ضميره للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل له قراءة نافع وابن عامر بالتاء الفوقية على الخطاب وقيل : للقرآن ويدل له قراءة الباقين بالياء التحتية على الغيبة، واختلف في قوله تعالى ﴿من كان حياً﴾ على قولين : أحدهما : أن المراد به المؤمن ؛ لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى ﴿أوَ من كان ميتاً فأحييناه﴾ ( الأنعام : ١٢٢ ).
والثاني : المراد به العاقل فهماً فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت ﴿ويحق﴾ أي : يجب ويثبت ﴿القول﴾ أي : العذاب ﴿على الكافرين﴾ أي : العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، ويمكن أن تكون هذه الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولاً لما دل عليه من ضده ثانياً، وحذف الموت ثانياً لما دل عليه من ضده أولاً، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلاماً بكثرة الأشقياء.
يس 36:71
﴿أوَ لم يروا﴾ أي : يعلموا علماً هو كالرؤية، والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف ﴿أنا خلقنا لهم﴾ أي : في جملة الناس ﴿مما عملت أيدينا﴾ أي : مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث، كما يقول القائل : عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد ﴿أنعاماً﴾ على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها، وإنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده، لأن الأنعام أكثر أموال العرب والنفع بها أعم ﴿فهم لها مالكون﴾ أي : خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم :
أصبحت لا أملك السلاح ولا؍ أملك رأس البعير إن نفرا؍
والذئب أخشاه إن مررت به؍ وحدي وأخشى الرياح والمطرا؍
والشاهد في قوله : ولا أملك رأس البعير أي : لا أضبطه والمعنى : لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما قال تعالى :﴿وذللناها لهم﴾.
يس 36:72
﴿وذللناها لهم﴾ أي : يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف، فمن قدر على تذليل الأشياء الصعبة جداً لغيره قادر على تطويع الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى ﴿فمنها ركوبهم﴾ أي : ما يركبون وهي الإبل ؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ﴿ومنها يأكلون﴾ أي : ما يأكلون لحمه.
يس 36:73
ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ذلك كثيرة قال تعالى :﴿ولهم فيها منافع﴾ أي : من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ذلك ﴿ومشارب﴾ أي : من ألبانها جمع مشرب بالفتح، وخص الشرب من عموم المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى :﴿أفلا يشكرون﴾ أي : المنعم عليهم بها فيؤمنون.
يس 36:74
ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخاً لهم :﴿واتخذوا من دون﴾ أي : غير ﴿الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال والعظمة ﴿آلهة﴾ أي : أصناماً يعبدونها بعدما رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها ﴿لعلهم ينصرون﴾ أي : رجاء أن ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس كما قال تعالى :﴿لا يستطيعون﴾.
يس 36:75
﴿لا يستطيعون﴾ أي : الآلهة المتخذة ﴿نصرهم﴾ أي : العابدين ﴿وهم﴾ أي : العابدون ﴿لهم﴾ أي : للآلهة ﴿جند محضرون﴾ أي : الكفار جند الأصنام فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل : هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ ( الأنبياء : ٩٨ ) وقوله تعالى :﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون ( ٢٢ ) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ ( الصافات : ٢٢ ٢٣ ).
يس 36:76
ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا والآخرة ذكر ما يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿فلا يحزنك قولهم﴾ أي : في تكذيبك كقولهم :﴿لست مُرسلاً﴾ ( الرعد : ٤٣ ) ﴿إنا نعلم ما﴾ أي كل ما ﴿يسرون﴾ أي : في ضمائرهم من التكذيب وغيره ﴿وما يعلنون﴾ أي : يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم عليه.
يس 36:77
ولما ذكر تعالى دليلاً على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى :﴿أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً﴾ ذكر دليلاً من الأنفس أبين من الأول بقوله تعالى :﴿أولم ير﴾ أي : يعلم ﴿الإنسان﴾ علماً هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر ﴿أنا خلقناه﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿من نطفة﴾ أي : شيء حقير يسير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام ﴿فإذا هو﴾ أي : فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه ﴿خصيم﴾ أي : بليغ الخصومة ﴿مبين﴾ أي : في غاية البيان عما يريده حتى إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك :
أعلمه الرماية كل يوم؍ فلما اشتد ساعده رماني؍
وكم علمته علم القوافي؍ فلما قال قافية هجاني؍
وفي هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه تقبيح بليغ لإنكاره، حيث تعجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بيناً ومنافاته لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفاً مكرماً بالعقوق والتكذيب.
يس 36:78
﴿وضرب﴾ أي : هذا الإنسان ﴿لنا﴾ أي : على ما يعلم من عظمتنا ﴿مثلاً﴾ أي : أمراً عجيباً وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، روي :«أن أبي بن خلف الجمحي وهو الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بأحد مبارزة، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بال يفتته بيده فقال : أترى الله يحيي هذا بعدما رم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : نعم ويبعثك ويدخلك النار » فنزلت. وقيل : هو العاصي بن وائل قاله الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول﴿ونسي﴾ أي : هذا الذي تصدى على مهانة أصله لمخاصمة الجبار ﴿خلقه﴾ أي : بدء أمره من المني وهو أغرب من مثله، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول وأن يكون بمعنى الترك، ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بأن ﴿قال﴾ أي : على طريق الإنكار ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ أي : صارت تراباً تمرّ مع الرياح ورميم قال البيضاوي : بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسماً بالغلبة ولذلك لم يؤنث، أو اسم مفعول من رممته، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء ا. ه. قال البغوي : ولم يقل : رميمة ؛ لأنه معدول عن فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله تعالى ﴿وما كانت أمك بغيًّا﴾ ( مريم : ٢٨ ) أسقط الهاء ؛ لأنها مصروفة عن باغية.
تنبيه : هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر ؛ لأن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون ﴿أءِذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد﴾ ( السجدة : ١٠ ) ﴿أءذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون﴾ ( المؤمنون : ٨٢ ) ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ قالوا : ذلك على طريق الاستبعاد فأبطل الله تعلى استبعادهم بقوله تعالى :﴿ونسي خلقه﴾ أي : نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحقوا الإكرام، فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة مذرة لم تكن محلاً للحياة أصلاً، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه واختاروا العظم بالذكر ؛ لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب الاستبعاد من البلاء والتفتت.
والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال :﴿وضرب لنا مثلاً﴾ أي : جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، ومنهم من ذكر شبهة وإن كان في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين :
الأول : أنه بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف الحكم على العدم بالوجود ؟
يس 36:79
فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بأن قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿يحييها﴾ أي : بعد أن أنشأها أول مرة ﴿الذي أنشأها﴾ أي : من العدم ثم أحياها ﴿أول مرة﴾ فكما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده إن لم يبق شيئاً مذكوراً.
الوجه الثاني : أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضها في أبدان السباع وبعضها في حواصل الطيور وبعضها في جدران الربوع كيف تجتمع.
وأبعد من هذا لو أكل إنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيدت أجزاء الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تنخلق منها أعضاؤه وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك، فإذا أكل إنسان إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله ﴿وهو بكل خلق﴾ أي : مخلوق ﴿عليم﴾ أي : يجمع الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحه وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البقاع المتبددة بحكمته وقدرته.
يس 36:80
ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم بقوله تعالى :
﴿الذي جعل لكم﴾ أي : في جملة الناس ﴿من الشجر الأخضر﴾ أي : الذي تشاهدون فيه الماء ﴿ناراً﴾ قال ابن عباس : هما شجرتان يقال لإحداهما : المرخ والأخرى : العفار، الأول : بفتح الميم والخاء المعجمة شجر سريع الوري أي : القدح، والثاني : بفتح المهملة وفاء وراء بعد ألف الزند فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما أخضران يقطران الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى وتقول العرب : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء : في كل شجر نار إلا العناب ﴿فإذا أنتم﴾ أي : فتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنه ﴿منه﴾ أي : من الشجر الموصوف بالخضرة ﴿توقدون﴾ أي : توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى وهذا أدل على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب فلا الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب.
يس 36:81
ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى :﴿أوَليس الذي خلق﴾ أي : أوجد من العدم ﴿السماوات والأرض﴾ أي : على كبرهما وعظم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع، وأثبت الجار تحقيقاً للأمر وتأكيداً للتقرير فقال تعالى ﴿بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ أي : مثل هؤلاء الأناسي في الصغر أي : يعيدهم بأعيانهم، وقيل : الضمير يعود على السماوات والأرض لتضمنهم من يعقل والأول أظهر ؛ لأنهم المخاطبون وقوله تعالى ﴿بلى﴾ جواب ليس وإن دخل عليها الاستفهام المصير لها إيجاباً أي : هو قادر على ذلك أجاب نفسه تعالى ﴿وهو﴾ مع ذلك أي : مع كونه عالماً بالخلق ﴿الخلاق﴾ أي : الكثير الخلق ﴿العليم﴾ أي : البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب.
يس 36:82
ولما تقرر ذلك أنتج قوله تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم القدرة على البعث :﴿إنما أمره﴾ أي : شأنه ووصفه ﴿إذا أراد شيئاً﴾ أي : خلق شيء من جوهر أو عرض أي شيء كان ﴿أن يقول له كن﴾ أي : أن يريده ﴿فيكون﴾ أي : يحدث وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعاً لمادة الشبهة وهو قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، وقرأ ابن عامر والكسائي بنصب النون عطفاً على يقول، والباقون بالرفع أي : فهو يكون.
يس 36:83
ولما كان ذلك تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال :﴿فسبحان﴾ أي : تنزه عن كل شائبة نقص تنزهاً لا يبلغ أفهامكم كنهه وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال ﴿الذي بيده﴾ أي : قدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره ﴿ملكوت كل شيء﴾ أي : ملكه التام وملكه ظاهراً وباطناً.
ولما كان التقدير فمنه تبدؤون عطف عليه قوله تعالى ﴿وإليه﴾ أي : لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي : معنى في جميع أموركم وحسّاً بالبعث لينصف بينكم فيدخل بعضاً النار وبعضاً الجنة، وعن ابن عباس : كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا به لهذه الآية.
وما رواه البيضاوي عنه صلى الله عليه وسلم :«إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس »، و«أيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون قبض روحه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه »، و «أيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان » حديث موضوع.
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة يس في ليلة أصبح مغفوراً له » وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات ». وعن يحيى بن أبي كثير قال : بلغنا أن من قرأ يس حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح.