السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الصافات 37:1 – الزمر 39:75
المحتويات
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:69
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:89
- الصافات 37:90
- الصافات 37:91
- الصافات 37:92
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:14
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:51
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:54
- ص 38:55
- ص 38:56
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:66
- ص 38:67
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:71
- ص 38:72
- ص 38:73
- ص 38:74
- ص 38:75
- ص 38:76
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:79
- ص 38:80
- ص 38:81
- ص 38:82
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:87
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:12
- الزمر 39:13
- الزمر 39:14
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:25
- الزمر 39:26
- الزمر 39:27
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:34
- الزمر 39:35
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:38
- الزمر 39:39
- الزمر 39:40
- الزمر 39:41
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:47
- الزمر 39:48
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:52
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:58
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:65
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:71
- الزمر 39:72
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
الصافات 37:1
واختلف في تفسير قوله تعالى :﴿والصافات صفا﴾ أي : وهو ترتيب الجمع على خط، فقال ابن عباس والحسن وقتادة : هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة، وعن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا تصفون كصفوف الملائكة عند ربهم » قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟ قال :«يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف ». وقيل : هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد، وقيل : هي الطير تصف أجنحتها في الهواء لقوله تعالى :﴿والطير صافات﴾ ( النور : ٤١ ).
الصافات 37:2
واختلف أيضاً في قوله تعالى :﴿فالزاجرات زجراً﴾ فأكثر المفسرين على أنها الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة : هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبيح.
الصافات 37:3
واختلف أيضاً في قوله تعالى :﴿فالتاليات ذكراً﴾ فالأكثر أيضاً، أنهم الملائكة عليهم السلام يتلون ذكر الله تعالى، وقيل : هم جماعة قراء القرآن.
فإن قيل : قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة ؛ لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة عليهم السلام مبرؤون من هذه الصفة. أجيب بوجهين :
الأول : أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال : جماعة صافة ثم تجمع على صافات.
والثاني : أنهم مبرؤون من التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة.
تنبيه : اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين :
أحدهما : أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله تعالى، ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، ففي ذلك إضمار تقديره ورب الصافات ورب الزاجرات ورب التاليات، ومما يؤيد هذا أنه تعالى صرح به في قوله تعالى :﴿والسماء وما بناها ( ٥ ) والأرض وما طحاها ( ٦ ) ونفس وما سوّاها﴾ ( الشمس : ٥ ٧ ).
والثاني : وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل، وأما النهي عن الحلف بغير الله تعالى فهو نهي للمخلوق عن ذلك، وأما قوله تعالى :﴿وما بناها﴾ فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء ولو كان المراد بالقسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد، وهو لا يجوز، وأيضاً لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء، التنبيه على شرف ذواتها.
وقال البيضاوي : أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية على مراتب باعتبارها تفيض عليهم أنوار الهيبة منتظرين لأمر الله، الزاجرين، للأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور فيها، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخبر، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين لآيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأوليائه أو بطواف الأجرام المترتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس يسبحون الليل والنهار لا يفترون، أو بنفوس العلماء الصادقين في العبارات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه، أو بنفوس الغزاة الصادقين في الجهاد الزاجرين للخيل والعدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو، وقال الزمخشري : الفاء في، فالزاجرات والتاليات إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله :
يا لهف زيابة للحرث؍ الصابح فالغانم فالآيب؍
أي : الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها كقوله :«رحم الله المحلقين فالمقصرين »، والبيضاوي ذكر هذا حديثاً قال شيخنا القاضي زكريا : لم أره بهذا اللفظ ا. ه، لكنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس، وقرأ أبو عمرو وحمزة بالإدغام فيما ذكر، والباقون بالإظهار ؛ وجواب القسم.
الصافات 37:4
﴿إن إلهكم﴾ أي : الذي اتخذتم من دونه آلهة ﴿لواحد﴾ إذ لو لم يكن واحداً لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم، فإن قيل : ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين :
الأول : أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو الكافر، فالأول باطل ؛ لأن المؤمن مقرّ به من غير حلف.
والثاني : باطل أيضاً ؛ لأن الكافر لا يقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير، الثاني : أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق، فقال :﴿والذاريات ذرواً﴾ ( الذاريات : ١ ) إلى قوله ﴿إنما توعدون لصادق ( ٥ ) وإن الدين لواقع﴾ ( الذاريات : ٥ - ٦ ) وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء ؟ أجيب : عن ذلك بأوجه :
أولها : أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيداً لما تقدم لاسيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب.
ثانيها : أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل : إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة.
ثالثها : أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى :﴿إن إلهكم لواحد﴾ ( الصافات : ٤ ) عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد وهو قوله تعالى :﴿رب السماوات والأرض﴾.
الصافات 37:5
﴿رب﴾ أي : موجد ومالك ومدبر ﴿السماوات﴾ أي : الأجرام العالية ﴿والأرض﴾ أي : الأجرام السافلة ﴿وما بينهما﴾ أي : من الفضاء المشحون بما يعجز عن عده القوي، وذلك ؛ لأنه تعالى بين في قوله تعالى :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ( الأنبياء : ٢٢ ) أن انتظام أحوال السماوات والأرض يدل على أن الإله واحد فههنا لما قال ﴿إن إلهكم لواحد﴾ أردفه بقوله ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ كأنه قيل : بينا أن النظر في انتظام هذا العالم يدل على أن الإله واحد فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد.
تنبيه : علم من قوله تعالى ﴿وما بينهما﴾ أنه تعالى خالق لأعمال العباد ؛ لأن أعمالهم موجودة فيما بين السماء والأرض وهذه الآية دلت على أن كل ما حصل بين السماء والأرض، فالله ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله تعالى، فإن قيل : الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السماء والأرض ؛ لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلاً في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك ؟ أجيب : بأنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي أيضاً حاصلة بين السماوات والأرض ﴿ورب المشارق﴾ أي : والمغارب وجمعها باعتبار جميع السنة فإن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق وثلاثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل.
وقيل : كل موضع أشرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب كأنه أراد جميع ما أشرقت عليه الشمس.
وقيل : المراد بالمشارق مشارق الكواكب ومغاربها ؛ لأن لكل كوكب مشرقاً ومغرباً، فإن قيل : إن الله تعالى قال في موضع ﴿رب المشرق والمغرب﴾ ( الشعراء : ٢٨ ) وقال في موضع آخر ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ ( الرحمان : ١٧ ) فما الجمع بين هذه المواضع ؟ أجيب : بأن المراد بقوله ﴿رب المشرق والمغرب﴾ الجهة فالمشرق جهة والمغرب جهة وبقوله تعالى :﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ مشرقا الشتاء والصيف ومغربا الشتاء والصيف وأما موضع الجمع فقد مر. فإن قيل : لم اكتفى بذكر المشارق ؟ أجيب : بوجهين.
الأول : أنه اكتفى به كقوله تعالى ﴿تقيكم الحرَّ﴾ ( النحل : ٨١ ).
والثاني : أن الشروق أقوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً منه فذكر المشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم خليل الرحمان عليه السلام بقوله ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾ ( البقرة : ٢٥٨ ).
الصافات 37:6
﴿إنا زينا﴾ أي : بعظمتنا التي لا تدانى ﴿السماء﴾ ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال تعالى ﴿الدنيا﴾ أي : التي هي أدنى السماوات إليكم ﴿بزينة الكواكب﴾ أي : بضوئها كما قاله ابن عباس أو بها، وقرأ عاصم وحمزة بزينة بالتنوين، والباقون بغير تنوين والإضافة للبيان كقراءة تنوين بزينة المبينة بالكواكب ونصب الياء الموحدة من الكواكب شعبة، وكسرها الباقون.
فإن قيل : قد ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات الستة المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله تعالى ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ ؟ أجيب : بأن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إن نظروا إلى السماء الدنيا فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى ﴿إنا زينا السماء بزينة الكواكب﴾.
الصافات 37:7
وقوله تعالى :﴿وحفظاً﴾ منصوب بفعل مقدر أي : حفظناها بالشهب أو معطوف على زينة باعتبار المعنى، كأنه قال : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظاً ﴿من كل شيطان﴾ أي : بعيد عن الخير محترق ﴿مارد﴾ أي : عات خارج عن الطاعة.
الصافات 37:8
ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته استأنف قوله تعالى :﴿لا يسمعون﴾ أي : الشياطين المفهومون من كل شيطان ﴿إلى الملأ الأعلى﴾ أي : الملائكة أو أشرافهم في السماء، وعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه وتهويلاً لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بفتح السين وتشديدها وتشديد الميم من التسمع وهو طلب السماع، وقرأ الباقون بسكون السين وتخفيف الميم ﴿ويقذفون﴾ أي : الشياطين يرمون بالشهب ﴿من كل جانب﴾ أي : من آفاق السماء.
الصافات 37:9
وقوله تعالى :﴿دحوراً﴾ مصدر دحره أي : طرده وأبعده وهو مفعول له، وقيل : هو جمع داحر نحو قاعد وقعود فيكون حالاً بنفسه من غير تأويل، وقيل : غير ذلك ﴿ولهم﴾ أي : في الآخرة ﴿عذاب﴾ غير هذا ﴿واصب﴾ أي : دائم، وقال مقاتل : أي : دائم في الدنيا إلى النفخة الأولى.
الصافات 37:10
وقوله تعالى :﴿إلا من خطف﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه مرفوع المحل بدلاً من ضمير لا يسمعون وهو أحسن ؛ لأنه غير موجب. والثاني : أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى : أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف، وقوله تعالى :﴿الخطفة﴾ مصدر معرف بأل الجنسية أو المعرفة ومعنى اختطف اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة ﴿فأتبعه﴾ أي : لحقه ﴿شهاب﴾ أي : كوكب ﴿ثاقب﴾ أي : مضيء قوي لا يخطئه يقتله أو يحرقه أو يثقبه أو يخبله.
تنبيه : ههنا سؤالات :
أولها : أن هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا ؟ والأول : باطل ؛ لأنها تبطل وتضمحل فلو كانت تلك الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير البتة، وأيضاً فجعلها رجوماً للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء الدنيا فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض، وإن كانت هذه الشهب جنساً آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضاً مشكل ؛ لأنه تعالى قال في سورة الملك ﴿ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشيطاين﴾ ( الملك : ٥ ) فالضمير في قوله ﴿وجعلناها﴾ عائد على المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي المرجوم بها بأعيانها.
ثانيها : كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الفعل من عاقل ؟ فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة ؟.
ثالثها : دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ترى الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه، وإذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعها : الشيطان مخلوق من النار كما حكى عن قول إبليس لعنه الله تعالى ﴿خلقتني من نار﴾ ( الأعراف : ١٢ ) وقال تعالى ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ ( الحجر : ٢٧ ) ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السماوات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار ؟.
أجيب عن الأول : بأن هذه الشهب غير تلك الكواكب الثابتة وأما قوله تعالى ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين﴾ ( الملك : ٥ ) فنقول : كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين إلى حيث يعلمون وبها يزول الإشكال.
وعن الثاني : بأن هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب ندرتها بين الشياطين وأجاب أبو علي الجبائي : بأن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى موضع الملائكة ومواضعها مختلفة، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب، فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن سلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، وفي جواب أبي علي نظر : إذ ليس في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد.
وعن الثالث : بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لكن بقلة، ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بكثرة فصارت بسبب الكثرة معجزة.
وعن الرابع : بأن الشياطين ليسوا من نار خالصة وعلى التنزل بأنهم من النيران الخالصة إلا أنها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالاً منهم فلا جرم صار الأقوى مبطلاً للأضعف، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفئ ؟ فكذلك ههنا.
الصافات 37:11
ولما كان المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوات وإثبات القضاء والقدر افتتح الله سبحانه هذه السورة بإثبات ما يدل على الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته، وهو خالق السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق والمغارب، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن من قدر على ما هو أشق وأصعب وجب أن يقدر على ما هو دونه، وهو قوله تعالى :﴿فاستفتهم﴾ أي : سل كفار مكة أن يفتوك بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث وأصله من الفتوة وهي الكرم ﴿أهم أشد﴾ أي : أقوى وأشق وأصعب ﴿خلقاً﴾ أي : من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها ﴿أم من خلقنا﴾ أي : من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب.
تنبيه : في الإتيان بمن تغليب للعقلاء وهو استفهام بمعنى التقرير أي : هذه الأشياء أشد خلقاً كقوله تعالى ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ ( غافر : ٥٧ )
وقوله تعالى ﴿أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها﴾ ( النازعات : ٢٧ ) وقيل : معنى أم من خلقنا أي : من الأمم الماضية ؛ لأن لفظ من يذكر لمن يعقل ؛ والمعنى : أن هؤلاء الأمم ليسوا بأحكم خلقاً من غيرهم من الأمم الخالية وقد أهلكناهم بذنوبهم فمن الذي يؤمن هؤلاء من العذاب ﴿إنا خلقناهم﴾ أي : أصلهم آدم بعظمتنا ﴿من طين﴾ أي : تراب رخو مهين ﴿لازب﴾ أي : شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وخمر بحيث يعلق باليد وقال مجاهد والضحاك : منتن فهو مخلوق من غير أب ولا أم.
الصافات 37:12
وقرأ حمزة والكسائي :﴿بل عجبت﴾ بضم التاء والباقون بفتحها، أما بالضم فبإسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو كالتعجب من الآدميين كما قال تعالى ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ ( التوبة : ٧٩ ) وقال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ ( التوبة : ٦٧ )
فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما في الحديث :«عجب ربكم من شاب ليست له صبوة » وفي حديث آخر :«عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم » قوله إلكم الإلّ أشد القنوط.
وقيل : هو رفع الصوت بالبكا، وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال : إن الله تعالى لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله صلى الله عليه وسلم فلما عجب رسوله قال تعالى ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾ ( الرعد : ٥ ) أي : هو كما تقوله، وأما الفتح فعلى أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : عجبت من تكذيبهم إياك.
﴿ويسخرون﴾ أي : وهم يسخرون من تعجبك قال قتادة : عجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل ومن ضلال بني آدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من سمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ﴿بل عجبت ويسخرون﴾.
الصافات 37:13
﴿وإذا ذُكّروا﴾ أي : وعظوا بالقرآن ﴿لا يذكرون﴾ أي : لا يتعظون.
الصافات 37:14
﴿وإذا رأوا آية﴾ قال ابن عباس وقتادة : يعني انشقاق القمر ﴿يستسخرون﴾ أي : يستهزئون بها وقيل : يستدعي بعضهم من بعض السخرية.
الصافات 37:15
﴿وقالوا إن﴾ أي : ما ﴿هذا إلا سحر مبين﴾ أي : ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته.
الصافات 37:16
ثم خصّوا البعث بالإنكار إعلاماً بأنه أعظم مقصود بالنسبة إلى السحر فقالوا مظهرين له في مظهر الإنكار :﴿أءذا متنا﴾ وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا ﴿وكنا﴾ أي : كوناً في غاية التمكن ﴿تراباً﴾ وقدموه ؛ لأنه أدل على مرادهم ؛ لأنه أبعد عن الحياة ﴿وعظاماً﴾ كأنهم جعلوا كل واحد من الموت أو الكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة والمختلطة بهما مانعاً من البعث، وهذا بعد اعترافهم بأن ابتداء خلقهم كان من التراب، ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ به كما سيأتي بيانه زيادة في الإنكار فقالوا ﴿أئنا لمبعوثون﴾.
الصافات 37:17
وقولهم ﴿أو آباؤنا الأولون﴾ عطف على محل إن واسمها أو على الضمير في مبعوثون فإنه مفصول عنه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم، وهذا بيان للسبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط بالأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم، فهذا الإنسان كيف يعقل عوده بعينه حياً ؟
الصافات 37:18
ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿نعم﴾ أي : تبعثون على كل تقدير قدرتموه ﴿وأنتم داخرون﴾ أي : مكرهون عليه صاغرون ذليلون وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب ؛ لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه أمر ممكن وإذا ثبت الجواز القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار المخبر الصادق، فلما قامت المعجزة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كان واجب الصدق فكان مجرد قوله ﴿نعم﴾ دليلاً قاطعاً على الوقوع، وقرأ ﴿متنا﴾ بضم الميم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة، وكسرها الباقون.
وأما ﴿أءذا﴾ و﴿أئنا﴾ فقرأ نافع والكسائي بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني وابن عامر بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما وسهل الهمزة الثانية في الاستفهام نافع وابن كثير وأبو عمرو وحقق الباقون، وأدخل في الاستفهام الفاء بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال، وقرأ قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو على أنها أو العاطفة المقتضية للشك، والباقون بفتحها على أنها همزة الاستفهام دخلت على واو العطف، وقرأ الكسائي ﴿نعم﴾ بكسر العين وهو لغة فيه.
الصافات 37:19
وقوله تعالى :﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ جواب شرط مقدر أي : إذا كان كذلك فإنما البعثة زجرة أي : صيحة واحدة هي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها، وأمرها في الإعادة كأمرها بكن في الابتداء ولذلك رتب عليها ﴿فإذا هم ينظرون﴾ أي : أحياء في الحال من غير مهلة ينظر بعضهم بعضاً، وقيل : ينظرون ما يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به، ولا فرق بين من صار كله تراباً ومن لم يتغير أصلاً ومن هو بين ذلك، قال البقاعي : ولعله خص بالذكر ؛ لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :«إذا قبض الروح تبعه البصر » وأما السمع فقد يكون لغير الحي ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الكفار من قتلى بدر :«ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » قال : وشاهدت أنا في بلاد العرب المجاورة لنابلس شجرة لها شوك يقال لها : الغبيرا متى قيل عندها : هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة أخذ ورقها في الحال في الذبول فإنه سبحانه أعلم ما سبب ذلك.
تنبيه : لا أثر للصيحة في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هو الله تعالى كما قال تعالى ﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ ( الملك : ٢ ) روي أن الله تعالى يأمر الملك إسرافيل فينادي : أيها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى.
الصافات 37:20
﴿وقالوا﴾ أي : كل من جمعه البعث من الكفرة بعد القيام من القبور معلنين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل ﴿يا ويلنا﴾ أي : هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه وقال الزجّاج : الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة وتقول لهم الملائكة :﴿هذا يوم الدين﴾ أي : الحساب والجزاء.
الصافات 37:21
﴿هذا يوم الفصل﴾ أي : بين الخلائق ﴿الذي كنتم به تكذبون﴾ وقيل : هو أيضاً من كلام بعضهم لبعض.
الصافات 37:22
وقوله تعالى :﴿احشروا﴾ أي : اجمعوا بكره وصغار ﴿الذين ظلموا﴾ أي : ظلموا أنفسهم بالشرك أمر من الله تعالى للملائكة عليهم السلام، وقيل : أمر من بعضهم لبعض أي : احشروا الظلمة من مقامهم إلى الموقف، وقيل : منه إلى جهنم ﴿وأزواجهم﴾ أي : وأشباههم عابدوا الصنم مع عبدة الصنم وعابدو الكواكب مع عبدتها كقوله تعالى ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ ( الواقعة : ٧ ) أي : أشكالاً وأشباهاً، وقال الحسن : وأزواجهم المشركات، وقال الضحاك ومقاتل : قرناؤهم من الشياطين وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي أي : يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة.
الصافات 37:23
﴿وما كانوا يعبدون من دون الله﴾ أي : غيره في الدنيا من الأوثان والطواغيت زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، ومثل الأوثان الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بعبادة الله تعالى الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال، وقال مقاتل : يعني إبليس وجنوده واحتج بقوله تعالى :﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ ( يس : ٦٠ )
﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ قال ابن عباس : دلوهم إلى طريق النار، وقال ابن كيسان : قدموهم، قال البغوي : والعرب تسمي السائق هادياً، قال الواحدي : هذا وهم ؛ لأنه يقال : هدى إذا تقدم ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحوش ولا يقال : هدى بمعنى قدم.
الصافات 37:24
﴿وقفوهم﴾ أي : احبسوهم قال البغوي : قال المفسرون : لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط فقيل لهم : قفوهم ﴿إنهم مسؤولون﴾ قال ابن عباس : عن جميع أقوالهم وأفعالهم، وروي عنه عن لا إله إلا الله، وقيل : تسألهم خزنة جهنم عليهم السلام ﴿ألم يأتكم نذير﴾ ( الملك : ٨ ) أي : رسل منكم جاؤكم بالبينات ﴿قالوا بلى ولكن حقّت كلمة العذاب على الكافرين﴾ ( الزمر : ٧١ )، وروي عن أبي برزة الأسلمي قال :«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعلمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه ». وفي رواية و«عن شبابه فيم أبلاه »، وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به وإن دعا رجل رجلاً ثم قرأ ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾.
الصافات 37:25
ويقال لهم توبيخاً :﴿ما لكم﴾ أي : أي شيء حاصل لكم شغلكم وألهاكم حال كونكم ﴿لا تناصرون﴾ قال ابن عباس : لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر : نحن جميع منتصر، فقيل لهم يوم القيامة ما لكم لا تناصرون، وقيل : يقال للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب.
الصافات 37:26
ويقال عنهم :﴿بل هم اليوم مستسلمون﴾ قال ابن عباس : خاضعون وقال الحسن : منقادون يقال : استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، والمعنى : هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم في دفع تلك المضار.
الصافات 37:27
ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ربما كان يظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد تكذيبهم فقال عاطفاً على قوله تعالى :﴿وقالوا يا ويلنا﴾ ( الصافات : ٢٠ ) ﴿وأقبل بعضهم﴾ أي : الذين ظلموا ﴿على بعض﴾ أي : بعد إيقافهم لتوبيخهم وعبر عن خصامهم تهكماً بقوله تعالى :﴿يتساءلون﴾ أي : يتلاومون ويتخاصمون.
الصافات 37:28
﴿قالوا﴾ أي : الأتباع منهم للمتبوعين ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ قال الضحاك : أي : من قبل الدين فتضلوننا عنه، وقال مجاهد : عن الصراط الحق واليمين عبارة الدين الحق كما أخبر الله تعالى عن إبليس لعنه الله تعالى ﴿ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ( الأعراف : ١٧ ) فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات، لأن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر، قال ابن عادل : لا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ويتفاءلون بالجانب الأيسر و«كان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في شأنه كله »، وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين، ووعد الله تعالى المؤمن أن يعطيه الكتاب باليمين، وقيل : إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم، وقيل : عن اليمين عن القوة والقدرة كقوله تعالى :﴿لأخذنا منه باليمين﴾ ( الحاقة : ٤٥ ).
الصافات 37:29
﴿قالوا﴾ أي : المتبوعون لهم ﴿بل لم تكونوا مؤمنين﴾ أي : وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا وإنما الكفر من قبلكم.
الصافات 37:30
﴿وما كان لنا عليكم من سلطان﴾ أي : قوة وقدرة حتى نقهركم ونجبركم على متابعتنا ﴿بل كنتم قوماً طاغين﴾ أي : ضالين مثلنا.
الصافات 37:31
﴿فحق﴾ أي : وجب ﴿علينا﴾ جميعاً ﴿قول ربنا﴾ أي : كلمة العذاب وهو قوله تعالى ﴿لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ( هود : ١١٩ ) ﴿إنا﴾ أي : جميعاً ﴿لذائقون﴾ أي : العذاب بذلك القول.
الصافات 37:32
ونشأ عنه قولهم :﴿فأغويناكم﴾ أي : فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه ﴿إنا كنا غاوين﴾ أي : ضالين فأحببتم أن تكونوا مثلنا، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية بإغواء غاوٍ فمن أغوى الأول.
الصافات 37:33
قال الله تعالى :﴿فإنهم﴾ أي : المتبوعين والأتباع ﴿يومئذ﴾ أي : يوم القيامة ﴿في العذاب مشتركون﴾ أي : كما كانوا مشتركين في الغواية.
الصافات 37:34
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة والقدرة ﴿كذلك﴾ أي : كما نفعل بهؤلاء ﴿نفعل بالمجرمين﴾ غير هؤلاء أي : نعذبهم التابع منهم والمتبوع.
الصافات 37:35
ثم وصفهم الله تعالى بقوله :﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ أي : يتكبرون عن كلمة التوحيد أو عمن يدعوهم إليها.
الصافات 37:36
﴿ويقولون أئنا﴾ في الهمزتين ما مر ﴿لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم.
الصافات 37:37
ثم إن الله تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله تعالى :﴿بل جاء بالحق﴾ أي : الدين الحق ﴿وصدق المرسلين﴾ أي : صدقهم في مجيئهم بالتوحيد فأتى بما أتى به المرسلون من قبله.
الصافات 37:38
ثم التفت من الغيبة إلى الحضور فقال تعالى :﴿إنكم لذائقو العذاب الأليم﴾.
الصافات 37:39
ثم كأنه قيل : كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي الغني عن الضر والنفع أن يعذب عباده ؟ فأجاب بقوله تعالى :﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ أي : جزاء عملكم.
الصافات 37:40
وقوله تعالى :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ أي : المؤمنين استثناء منقطع، وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام بعد الخاء أي : إن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله، والباقون بالكسر أي : إنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى.
الصافات 37:41
وقوله :﴿أولئك لهم﴾ أي : في الجنة ﴿رزق معلوم﴾ أي : بكرة وعشياً بيان لحالهم وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة أو عشية، وقيل : معلوم الصفة أي : مخصوص بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر، وقيل معناه : أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع، وقيل : معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله تعالى.
الصافات 37:42
وقوله :﴿فواكه﴾ يجوز أن يكون بدلاً من رزق، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : ذلك الرزق فواكه وفي الفواكه جمع فاكهة قولان :
أحدهما : أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه ؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد فكل ما يأكلونه فعلى سبيل التلذذ.
والثاني : أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى أي : لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان المأكول للغذاء أولى بالحضور.
﴿وهم مكرمون﴾ أي : في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال لا كما عليه رزق الدنيا.
الصافات 37:43
ولما ذكر مأكلهم ذكر مسكنهم بقوله تعالى :﴿في جنات النعيم﴾ أي : في جنات ليس فيها إلا النعيم وهو متعلق بمكرمون أو خبر ثان لأولئك أو حال من المستكن في مكرمون.
الصافات 37:44
وقوله تعالى :﴿على سرر متقابلين﴾ أي : لا يرى بعضهم قفا بعض حال، ويجوز أن يتعلق على سرر بمتقابلين.
الصافات 37:45
ولما ذكر سبحانه وتعالى المأكل والمسكن ذكر بعد ذلك صفة المشرب بقوله تعالى :﴿يطاف عليهم﴾ أي : على كل منهم ﴿بكأس﴾ أي : بإناء فيه خمر فهو اسم للإناء بشرابه فلا يكون كأساً حتى يكون فيه شراب وإلا فهو إناء، وقيل : المراد بالكأس : الخمر كقول الشاعر :
وكأس شربت على لذة؍ وأخرى تداويت منها بها؍
أي : رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها، والكأس مؤنثة كما قاله الجوهري، وقوله تعالى ﴿من معين﴾ أي : من شراب معين أو من نهر معين مأخوذ من عين الماء أي : يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي عيناً لظهوره يقال : عان الماء إذا ظهر جاريا. ً
الصافات 37:46
وقوله تعالى :﴿بيضاء﴾ أي : أشد بياضاً من اللبن قاله الحسن صفة لكأس، وقال أبو حيان : صفة لكأس أو للخمر، واعترض بأن الخمر لم يذكر، وأجيب عنه : بأن الكأس إنما سميت كأساً إذا كان فيها الخمر وقوله تعالى ﴿لذة﴾ صفة أيضاً وصفه بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال : فلان جود وكرم إذا كان المراد المبالغة، وقال الزجاج : أو على حذف المضاف أي : ذات لذة وقوله تعالى ﴿للشاربين﴾ أي : بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب، صفة للذة، وقال الليث : اللذة واللذيذة يجريان مجرى واحد في النعت يقال : شراب لذ ولذيذ.
الصافات 37:47
وقوله تعالى :﴿لا فيها غول﴾ صفة أيضاً، واختلف في الغول فقال الشعبي أي : لا تغتال عقولهم فتذهب بها وقال الكلبي : معناه الإثم أي : لا إثم فيها، وقال قتادة : وجع البطن، وقال الحسن : صداع، وقال أهل المعاني الغول : فساد يلحق في خفاء يقال : اغتاله اغتيالاً إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل منها أنواع الفساد منها السكر وذهاب العقل ووجع البطن والصداع والقيء والبول ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة ﴿ولا هم عنها ينزفون﴾ أي : يسكرون، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف الشارب إذا نزف عقله من السكر، والباقون بفتحها من نزف الشارب نزيفاً إذا ذهب عقله أفرده بالذكر وعطفه على ما يعمه ؛ لأنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه.
الصافات 37:48
ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة منكوحهم بقوله تعالى :﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾ أي : حابسات الأعين غاضات الجفون قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن وقوله تعالى ﴿عين﴾ جمع عيناء وهي الواسعة العين والذكر أعين قال الزجاج : كبار الأعين حسانها يقال : رجل أعين وامرأة عيناء ورجال ونساء عين.
الصافات 37:49
﴿كأنهن﴾ أي : في اللون ﴿بيض﴾ للنعام ﴿مكنون﴾ أي : مستور بريشه لا يصل إليه غبار ولونه وهو البياض في صفرة. يقال : هذا أحسن ألوان النساء تكون المرأة مشربة بصفرة قال ذو الرمة في ذلك :
بيضاء في ترح صفراء في غنج؍ كأنها فضة قد مسها ذهب؍
قال المبرد : والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضها وحسن لونها ببيضة النعامة، وقال بعضهم : إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا بعض الشعراء فقال :
تناسبت الأعضاء فيها فلا ترى؍ بهن اختلافاً بل أتين على قدر؍
ويجمع البيض على بيوض قال الشاعر :
بتيهاء قفر والمطي كأنها؍ قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها؍
الصافات 37:50
﴿فأقبل بعضهم﴾ أي : بعض أهل الجنة ﴿على بعض يتساءلون﴾ معطوف على يطاف عليهم أي : يشربون فيتحادثون على الشراب قال القائل :
وما بقيت من اللذات إلا؍ محادثة الكرام على المدام؍
وأتى بقوله تعالى :﴿فأقبل﴾ ماضياً لتحقق وقوعه كقوله تعالى ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ ( الأعراف : ٤٤ ) وقوله تعالى ﴿يتساءلون﴾ حال من فاعل أقبل وتساؤلهم عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا.
الصافات 37:51
ولما ذكر تعالى أن أهل الجنة يتساءلون عند اجتماعهم على الشراب ويتحدثون كان من جملة كلماتهم أنهم يتذكرون ما كان حصل لهم في الدنيا مما يوجب الوقوع في عذاب الله تعالى ثم إنهم تخلصوا منه وهو ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله :﴿قال قائل منهم﴾ أي : من أهل الجنة في الجنة في مكالمتهم ﴿إني كان لي قرين﴾ أي : في الدنيا ينكر البعث.
الصافات 37:52
﴿يقول أءِنّك لمن المصدّقين﴾ أي : كان يوبخني على التصديق بالبعث.
الصافات 37:53
ويقول تعجباً ﴿أءذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أءنا لمدينون﴾ أي : مجزيون ومحاسبون من الدين بمعنى الجزاء وهذا استفهام إنكار.
تنبيه : اختلف في ذلك القرين فقال مجاهد : كان شيطاناً، وقيل : كان من الإنس، وقال مقاتل : كانا أخوين، وقيل : كانا شريكين حصل لهما ثمانية آلاف دينار فتقاسماها واشترى أحدهما داراً بألف دينار فأراها صاحبه، وقال : كيف ترى حسنها ؟ فقال : ما أحسنها ثم خرج فتصدق بألف دينار وقال : اللهم إن صاحبي قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك داراً من دور الجنة، ثم إن صاحبه تزوج امرأة حسناء بألف دينار، فتصدق صاحبه بألف دينار لأجل أن يزوجه الله تعالى من الحور العين، ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار، فتصدق هذا بألفي دينار ثم إن الله تعالى أعطاه ما طلبه في الجنة، وقيل : كان أحدهما كافراً اسمه ينطواوس والآخر مؤمن اسمه يهودا وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين﴾ ( الكهف : ٣٢ ).
الصافات 37:54
﴿قال﴾ أي : ذلك القائل لإخوته ﴿هل أنتم مطّلعون﴾ أي : معي إلى النار لننظر حاله فيقولون : لا.
الصافات 37:55
﴿فاطّلع﴾ ذلك القائل من بعض كوى الجنة قال ابن عباس رضي الله عنهما : أن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿فرآه﴾ أي : رأى قرينه ﴿في سواء الجحيم﴾ أي : وسط النار وإنما يسمى وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه.
الصافات 37:56
﴿قال﴾ له توبيخاً مقسماً بقوله ﴿تالله إن كدت﴾ أي : قاربت وإن مخففة من الثقيلة ﴿لتردين﴾ أي : لتهلكني بإغوائك إياي بإنكار البعث والقيامة.
الصافات 37:57
﴿ولولا نعمة ربي﴾ أي : إنعامه علي بالإيمان والهداية والعصمة ﴿لكنت من المحضرين﴾ معك في النار.
تنبيه : أثبت الياء بعد النون في ﴿لتردين﴾ ورش، والباقون بالتخفيف.
الصافات 37:58
ولما تم الكلام مع قرينه الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة وقال :﴿أفما نحن بميتين﴾ وهذا عطف على محذوف أي : أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين أي : ممن شأنه الموت، وقال بعضهم : إن أهل الجنة لا يعلمون في أول دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح يقول أهل الجنة للملائكة : أفما نحن بميتين ؟ فتقول الملائكة : لا فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون، وعلى هذا فالكلام حصل قبل ذبح الموت، وقيل : إن الذي تكاملت سعادته إذا عظم تعجبه بها يقول ذلك على جهة التحديث بالنعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، وقيل : يقوله المؤمن لقرينه توبيخاً له بما كان ينكره.
الصافات 37:59
وقوله :﴿إلا موتتنا الأولى﴾ منصوب على المصدر والعامل فيه الوصف قبله ويكون استثناء مفرغاً، وقيل : هو استثناء منقطع أي : لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا وهي متناوله لما في القبر بعد الإحياء للسؤال وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ ( الدخان : ٥٦ ) ﴿وما نحن بمعذبين﴾ هو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب.
الصافات 37:60
﴿إن هذا﴾ أي : الذي ذكر لأهل الجنة ﴿لهو الفوز العظيم﴾ هو قول أهل الجنة عند فراغهم من هذه المحادثات.
الصافات 37:61
وقوله تعالى :﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ قيل : إنه من بقية كلامهم، وقيل : إنه ابتداء كلام من الله تعالى أي : لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الإنصرام.
الصافات 37:62
ولما ذكر تعالى ثواب أهل الجنة ووصفها وذكر مآكل أهل الجنة ومشاربهم وقال ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ أتبعه بقوله تعالى :﴿أذلك﴾ أي : المذكور لأهل الجنة ﴿خير نزلاً﴾ وهو ما يعد للنازل من ضيف أو غيره ﴿أم شجرة الزقوم﴾ أي : المعدة لأهل النار نزلاً، وانتصاب نزلاً على التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل ولهم ما وراء ذلك مما تقصر عنه الأفهام، وكذا الزقوم لأهل النار وهي : اسم شجرة صغيرة الورق زفرة مرة تكون بتهامة ثم سميت به : الشجرة الموصوفة، وإذا عرف هذا فالحاصل من الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم والكافرون اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم قيل لهم ذلك توبيخاً لهم على اختيارهم.
الصافات 37:63
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة والقدرة البالغة ﴿جعلناها فتنة﴾ أي : محنة وعذاباً ﴿للظالمين﴾ أي : الكافرين قال الكلبي : في الآخرة وابتلاء في الدنيا لما سمعوا بأنها في النار قالوا : كيف ذلك والنار تحرق الشجر ولم يعلموا أن من قدر على خلق يعيش في النار ويتلذذ بها فهو أقدر على خلقه الشجر في النار وحفظه من الإحراق.
ولما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعرى : أكثر الله في بيوتكم الزقوم فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد الزقوم، ثم أدخلهم أبو جهل بيته وقال لجاريته : زقمينا فأتته بزبد وتمر وقال : تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد، وهذا عناد منه وكذب فإنه من العرب العرباء وهم إنما يطلقونه على شجرة مسمومة يخرج لها لبن متى مس جسم أحد تورم فمات، والتزقم البلع الشديد للأشياء الكريهة وأما الزبد بالرطب فيسمى : ألوقة قاله ابن الكلبي وأنشد :
وإني لمن سالمتهم لألوقة؍ وإني لمن عاديتهم سم أسودِ؍
الصافات 37:64
ثم إن الله تعالى وصف هذه الشجرة بصفتين : الأولى : قوله تعالى :﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم﴾ قال الحسن : أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
الصافات 37:65
الصفة الثانية قوله تعالى :﴿طلعها﴾ أي : ثمرها قال الزمخشري : الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية قال ابن قتيبة : سمي طلعاً لطلوعه كل سنة فكذلك قيل : طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ثم وصف ذلك الطلع بقوله تعالى :﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أنه حقيقة وأن رؤوس الشياطين شجرة معينة بناحية اليمن وتسمى : الأستن قال النابغة :
تحيد عن أستن سود أسافله؍ مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما؍
وهو شجر منكر الصورة مر، تسميه العرب بذلك تشبيهاً برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلاً يشبه به، وقيل : الشياطين صنف من الحيات لهن أعراف قال الراجز :
عنجرد تحلف حين أحلف؍ كمثل شيطان الحماط أعرف؍
وقيل : شجرة يقال لها : الصوم ومنه قول ساعدة بن جؤية :
موكل بسروف الصوم يرقبها؍ من المعارف محفوظ الحشا ورم؍
فعلى هذا خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة.
والثاني : أنه من باب النخيل والتمثيل، وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يكن يراه، والشياطين وإن كانوا موجودين غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات التخيلية وذلك كقول امرئ القيس :
أيقتلني والمشرفي مضاجعي؍ ومسنونة زرق كأنياب أغوال؍
ولم ير أنيابها بل ليست موجودة البتة.
قال الرازي : وهذا هو الصحيح وذلك أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة عليهم السلام كمال الفضل في الصورة والسيرة فكما حسن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة في قول النسوة ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ ( يوسف : ٣١ ) فكذلك حسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة. ويؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئاً شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة قالوا : إنه شيطان وإذا رأوا شيئاً حسناً قالوا : إنه ملك من الملائكة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم الشياطين بأعيانهم.
الصافات 37:66
﴿فإنهم﴾ أي : الكفار ﴿لآكلون منها﴾ أي : من الشجرة أو من طلعها ﴿فمالئون منها البطون﴾ والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه، فإن قيل : كيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها ؟ أجيب : بأن المضطر ربما استروح من الضرر بما يقاربه في الضرر فإذا جوعهم الله تعالى الجوع الشديد فزعوا إلى إزالة ذلك الجوع بتناول هذا الشيء، أو يقال : إن الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة لعذابهم.
الصافات 37:67
ولما ذكر الله تعالى طعامهم بتلك الشناعة والكراهية وصف شرابهم بما هو أشنع منه بقوله تعالى :﴿ثم إن لهم عليها﴾ أي : بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش ﴿لشوباً من حميم﴾ أي : ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوباً، وعطف بثم لأحد معنيين : إما لأنه يؤخر ما يظنونه يرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك أتى بثم المقتضية للتراخي، وإما لأن العادة تقتضي تراخي الشرب عن الأكل فعمل على ذلك المنوال، وأما ملء البطن فيعقب الأكل فلذلك عطف على ما قبله بالفاء قال الزجاج : الشراب اسم عام في كل ما خلط بغيره والشوب الخلط والمزج ومنه شاب اللبن يشوبه أي : خلطه ومزجه.
الصافات 37:68
﴿ثم إن مرجعهم﴾ أي : مصيرهم ﴿لإلى الجحيم﴾ قال مقاتل : أي : بعد أكل الزقوم وشرب الحميم وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم وذلك بأن يكون الحميم في موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب كما ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ ( الرحمان : ٤٤ ).
الصافات 37:69
وقوله تعالى :﴿إنهم ألفوا﴾ أي : وجدوا ﴿آباءهم ضالين﴾.
الصافات 37:70
﴿فهم على آثارهم يهرعون﴾ تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد. قال الفراء : الإهراع الإسراع يقال : هرع وأهرع إذا استحث والمعنى : أنهم يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث.
الصافات 37:71
ثم إنه تعالى ذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يسليه في كفرهم وتكذيبهم بقوله سبحانه :﴿ولقد ضل قبلهم﴾ أي : قبل قومك ﴿أكثر الأولين﴾ أي : من الأمم الماضية.
الصافات 37:72
﴿ولقد أرسلنا فيهم منذرين﴾ أي : أنبياء أنذروهم من العواقب فبين تعالى أن إرساله الرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف فوجب أن يكون له صلى الله عليه وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ويستمر على الدعاء إلى الله تعالى وإن تمردوا فليس عليه إلا البلاغ، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال، والباقون بالإدغام.
الصافات 37:73
ثم قال تعالى :﴿فانظر كيف كان عاقبة المنذرين﴾ أي : الكافرين كان عاقبتهم العذاب وهذا خطاب وإن كان ظاهره مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه خطاب الكفار ؛ لأنهم سمعوا بالأخبار ما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من أنواع العذاب فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوفه يحتمل أن يكون زاجراً لهم عن كفرهم.
الصافات 37:74
وقوله تعالى :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ استثناء من المنذرين استثناء منقطع ؛ لأنه وعيد وهم لا يدخلون في هذا الوعيد، وقيل : استثناء من قوله تعالى ﴿ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين﴾ والمراد بالمخلصين : الموحدون نجوا من العذاب وتقدمت القراءة في المخلصين.
الصافات 37:75
ثم شرع تعالى في تفصيل القصص بعد إجمالها بقوله تعالى :﴿ولقد نادانا نوح﴾ أي : نادى ربه أن ينجيه مع من نجي من الغرق بقوله :﴿رب إني مغلوب فانتصر﴾ ( القمر : ١٠ ) فأجاب الله تعالى دعاءه وقوله تعالى ﴿فلنعم المجيبون﴾ جواب قسم مقدر أي : فوالله ومثله : لعمري لنعم السيدان وجدتما، والمخصوص بالمدح محذوف أي : نحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه.
الصافات 37:76
﴿ونجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ أي : من الغرق وأذى قومه وهذه الإجابة كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه أولها : أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال :﴿ولقد نادانا نوح﴾ فالقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم.
وثانيها : أنه تعالى أعاد صيغة الجمع فقال تعالى ﴿فلنعم المجيبون﴾ وفي ذلك أيضاً ما يدل على تعظيم تلك النعمة لاسيما وقد وصف الله تعالى تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة.
وثالثها : أن الفاء في قوله تعالى ﴿فلنعم المجيبون﴾ تدل على أن حصول تلك الإجابة مرتب على ذلك النداء وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة.
الصافات 37:77
وقوله تعالى :﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ يفيد الحصر، وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته قد فنوا فالناس كلهم من نسله عليه السلام قال ابن عباس رضي الله عنه : ذريته بنوه الثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخزرج ويأجوج ومأجوج وما هنالك قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم.
الصافات 37:78
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ أي : أبقينا له ثناء حسناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، وقيل : أن نصلي عليه إلى يوم القيامة.
الصافات 37:79
وقوله تعالى :﴿سلام على نوح﴾ مبتدأ وخبر وفيه أوجه أحدها : أنه مفسر لتركنا، والثاني : أنه مفسر لمفعوله أي : تركنا عليه ثناء وهو هذا الكلام، وقيل : ثم قول مقدر أي : فقلنا سلام وقيل : ضمن تركنا معنى قلنا، وقيل : سلط تركنا على ما بعده ﴿في العالمين﴾ متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين جميعاً.
الصافات 37:80
وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ تعليل لما فعل بنوح عليه السلام من التكرمة بأنه مجازاة له أي : إنما خصصناه بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن ترقية ذكره الحسن في ألسنة العالمين لأجل كونه محسنا. ً
الصافات 37:81
وقوله تعالى :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره.
الصافات 37:82
﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ كفار قومه.
الصافات 37:83
القصة الثانية : قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وإن من شيعته﴾ أي : ممن شايعه في الإيمان وأصول الشريعة ﴿لإبراهيم﴾ ولا يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالباً، وقال الكلبي : الضمير يعود على محمد صلى الله عليه وسلم أي : وإن من شيعة محمد صلى الله عليه وسلم لإبراهيم عليه الصلاة السلام والشيعة قد تطلق على المتقدم كقول القائل :
ومالي إلا آل أحمد شيعة؍ وما لي إلا مذهب الحق مذهب »؍
فجعل آل أحمد وهم متقدمون عليه وهو تابع لهم شيعة له قاله الفراء، والمعروف أن الشيعة تكون في المتأخر قالوا : كان بين نوح وإبراهيم نبيان هود وصالح، وروى الزمخشري : أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.
الصافات 37:84
وفي العامل في قوله تعالى :﴿إذ جاء ربه﴾ وجهان أحدهما : اذكر مقدراً وهو المعروف، والثاني : قال الزمخشري : ما في معنى الشيعة من معنى المشايعة يعني : وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه ورد هذا أبو حيان قال : لأن فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وهو لإبراهيم ؛ لأنه أجنبي من شيعته ومن إذ، واختلف في قوله عز وجل ﴿بقلب سليم﴾ فقال مقاتل والكلبي : المعنى أنه سليم من الشرك ؛ لأنه أنكر على قومه الشرك، وقال الأصوليون : معناه أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل معصية.
الصافات 37:85
وقوله تعالى :﴿إذا قال لأبيه وقومه﴾ بدل من إذ الأولى أو ظرف لسليم أو لجاء وقوله تعالى لهم :﴿ماذا﴾ أي : ما الذي ﴿تعبدون﴾ استفهام توبيخ تهجين لتلك الطريقة تقبيحها.
الصافات 37:86
وفي قوله :﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون﴾ أوجه من الإعراب أحدها : أنه مفعول من أجله أي : أتريدون آلهة دون الله إفكاً فآلهة مفعول به ودون ظرف لتريدون وقدمت معمولات الفعل اهتماماً بها وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول من أجله على المفعول به اهتماماً به ؛ لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل وبهذا الوجه بدأ الزمخشري، الثاني : أن يكون مفعولاً به بتريدون ويكون آلهة بدلاً منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها واقتصر على هذا ابن عطية، الثالث : أنه حال من فاعل تريدون أي : أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك، وإليه نحا الزمخشري، واعترضه أبو حيان بأن جعل المصدر حالاً لا يطرد إلا مع نحو أما علماً فعالم، والإفك أسوأ الكذب.
الصافات 37:87
﴿فما ظنكم﴾ أي : أتظنون ﴿برب العالمين﴾ أنه جوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في العبودية أو تظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في العبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء، أو فما ظنكم برب العالمين إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يترككم بلا عذاب لا، وكانوا نجامين فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه وقالوا للسيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام : اخرج.
الصافات 37:88
﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ إيهاماً لهم أنه يعتمد عليها فيتبعوه.
الصافات 37:89
﴿فقال إني سقيم﴾ أي : عليل وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياً في بيت الأصنام فيقدر على كسرها. فإن قيل : النظر في علم النجوم غير جائز فكيف قدم إبراهيم عليه السلام عليه وأيضاً لم يكن سقيماً فكيف أخبرهم بخلاف حاله ؟ أجيب عن ذلك : بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام ؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم ؛ لأن قوله ﴿إني سقيم﴾ على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم، وعلى تقدير تسليم ذلك أجيب بأوجه :
أحدها : أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال ﴿إني سقيم﴾ فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقاً فيما قال ؛ لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت.
ثانيها أنهم كانوا أصحاب النجوم أي : يعلمونها ويقضون بها على أمورهم، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي : في علم النجوم كما تقول : نظر فلان في الفقه أي : في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في عملهم وعرف منه ما يعرفونه حتى إذا قال لهم ﴿إني سقيم﴾ سكنوا إلى قوله، وأما قوله ﴿إني سقيم﴾ فمعناه سأسقم كقوله تعالى ﴿إنك ميّت﴾ ( الزمر : ٣٠ ) أي : ستموت.
ثالثها : أن نظره في النجوم هو قوله تعالى ﴿فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً﴾ إلخ الآيات ( الأنعام : ٧٦ ) فكان نظره ليتعرف هذه الكواكب هل هي قديمة أو حادثة وقوله ﴿إني سقيم﴾ أي : سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل بلوغه.
رابعها : قال ابن زيد : كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال ﴿إني سقيم﴾ أي : هذا السقم واقع لا محالة.
خامسها : أن قوله ﴿إني سقيم﴾ أي : مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿فلعلك باخع نفسك﴾ ( الكهف : ٦ ).
سادسها : قال الرازي : قال بعضهم : ذلك القول من إبراهيم عليه السلام كذبة وأوردوا فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » قلت : ولبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل ؛ إذ فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم عليه السلام فقال ذلك الرجل : فكيف نحكم بكذب الراوي العدل ؟ فقلت له : لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبة الكذب إلى الراوي أولى، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ أي : نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال : إنها منجمة أي : مفرقة ومنه نجوم المكاتب والمعنى : أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله :﴿إني سقيم﴾ والمراد : أنه لا بد من أن يصير سقيماً كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر إنك مسافر.
الصافات 37:90
ولما قال :﴿إني سقيم﴾ تولوا عنه كما قال تعالى :﴿فتولوا عنه﴾ أي : إلى عيدهم ﴿مدبرين﴾ أي : هاربين مخافة العدوى وتركوه وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم.
الصافات 37:91
﴿فراغ﴾ أي : مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته بمكان ولا يقال : راغ حتى يكون صاحبه مخفياً لذهابه ومجيئه ﴿إلى آلهتهم﴾ وعندها الطعام ﴿فقال﴾ استهزاء بها ﴿ألا تأكلون﴾ أي : الطعام الذي كان بين أيديهم فلم ينطقوا.
الصافات 37:92
فقال استهزاء بها أيضاً :﴿ما لكم لا تنطقون﴾ فلم تجب.
الصافات 37:93
﴿فراغ عليهم﴾ أي : مال عليهم مستخفياً وقوله تعالى ﴿ضرباً﴾ مصدر واقع موقع الحال أي : فراغ عليهم ضارباً أو مصدر لفعل، وذلك الفعل حال تقديره فراغ يضرب ضرباً وقوله تعالى :﴿باليمين﴾ متعلق بضرباً إن لم نجعله مؤكداً وإلا فبعامله، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر، وأن يراد بها القوة واقتصر عليه الجلال المحلي فالباء على هذا للحال أي : متلبساً بالقوة وأن يراد بها الحلف وفاء بقوله ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ ( الأنبياء : ٥٧ ) والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم، وأتى بضمير العقلاء في قوله تعالى :﴿عليهم ضرباً﴾ على ظن عبدتها أنها كالعقلاء ثم إنه عليه السلام كسرها فبلغ قومه من ورائه ذلك.
الصافات 37:94
﴿فأقبلوا إليه﴾ أي : إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة ﴿يزفون﴾ أي : يسرعون المشي، وقرأ حمزة بضم الياء على البناء للمفعول من أزفه أي : يحملون على الزفيف، والباقون بفتحها من زف يزف فقالوا : نحن نعبدها وأنت تكسرها.
الصافات 37:95
﴿قال﴾ لهم توبيخاً ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ أي : من الحجارة وغيرها أصناماً.
الصافات 37:96
﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ أي : نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده.
تنبيه : دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية وهو أن فعل العبد مخلوق لله عز وجل وهو الحق وذلك ؛ لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله تعالى ﴿وما تعملون﴾ معناه وعملكم وعلى هذا فيصير معنى الآية : والله خلقكم وخلق عملكم.
الصافات 37:97
ولما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء لئلا يظهر للعامة عجزهم بأن :﴿قالوا ابنوا له بنياناً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : بنوا حائطاً من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملؤوه ناراً فطرحوه فيها وذلك هو قوله تعالى ﴿فألقوه في الجحيم﴾ وهي النار العظيمة قال الزجاج : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم.
الصافات 37:98
﴿فأرادوا به كيداً﴾ أي : شراً بإلقائه في النار لتهلكه ﴿فجعلناهم الأسفلين﴾ أي : المقهورين الأذلين بإبطال كيدهم وجعلنا ذلك برهاناً نيراً على علو شأنه حيث جعلنا النار عليه برداً وسلاماً وخرج منها سالماً.
الصافات 37:99
﴿وقال إني ذاهب إلى ربي﴾ أي : إلى حيث أمرني ربي ونظيره قوله تعالى ﴿وقال إني مهاجر إلى ربي﴾ ( العنكبوت : ٢٦ ) أي : مهاجر إليه من دار الكفر ﴿سيهدين﴾ أي : إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي وهو الشام، وإنما بتّ القول لسبق وعده ولفرط توكله أو للبناء على عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث قال ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ ( القصص : ٢٢ ) فلذلك ذكر بصيغة التوقع.
الصافات 37:100
ولما وصل إلى الأرض المقدسة قال :﴿رب هب لي من الصالحين﴾ أي : هب لي ولداً صالحاً يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة ؛ لأن لفظ هب غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى ﴿ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبياً﴾ ( مريم : ٥٣ ).
الصافات 37:101
قال الله تعالى :﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ أي : ذي حلم كثير في كبره غلام في صغره، ففيه بشارة بأنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سن يوصف بالحلم وأي حلم أعظم من أنه عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال :﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ ( الصافات : ١٠٢ ) وقيل : ما وصف الله تعالى نبياً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وحالتهما المذكورة تشهد عليه.
الصافات 37:102
﴿فلما بلغ معه السعي﴾ أي : أن يسعى معه قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة : بلغ معه السعي أي المشي معه إلى الجبل وقال مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما شب حتى بلغ سعيه بسعي إبراهيم والمعنى : بلغ أن يتصرف معه وأن يعينه في عمله، وقال الكلبي : يعني العمل لله تعالى وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة، وقيل : سبع سنين.
تنبيه : معه متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلاً قال : مع من بلغ السعي ؟ فقيل : مع أبيه ولا يجوز تعلقه ببلغ ؛ لأنه يقتضي بلوغهما معاً حد السعي ولا يجوز تعلقه بالسعي ؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه.
وقوله تعالى ﴿قال يا بني إني أرى﴾ أي : رأيت ﴿في المنام أني أذبحك﴾ يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره، وقيل : إنه رأى في ليلة التروية في منامه كأن قائلاً يقول له : إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله أم من الشيطان ؟ فمن ثم سمى يوم التروية فلما أمسى رأى أيضاً مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر، وهذا قول أكثر المفسرين، وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة وعلى هذا فتقدير اللفظ : أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.
تنبيه : اختلف في الذبيح فقيل : هو اسحاق عليه السلام وبه قال : عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم، وقيل : إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم وغيرهم وهو الأظهر كما قاله البيضاوي ؛ لأنه الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام ولقوله صلى الله عليه وسلم :«أنا ابن الذبيحين ». وقال له أعرابي : يا ابن الذبيحين فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال : إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر إن سهل الله أمرها ليذبحن أحد ولده فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له : افد ابنك بمائة من الإبل ولذلك سنت الإبل مائة والذبيح الثاني إسماعيل، ونقل الأصمعي أنه قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال : يا أصمعي أين عقلك ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.
وقد وصف الله تعالى إسماعيل عليه السلام بالصبر دون إسحاق عليه السلام في قوله تعالى ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ ( الأنبياء : ٨٥ ) وهو صبره على الذبح ووصفه أيضاً بصدق الوعد فقال :﴿إنه كان صادق الوعد﴾ ( مريم : ٥٤ )
لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فقال ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ ( الصافات : ١٠٢ ) وقال تعالى :﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ( هود : ٧١ ) فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له ؟ هذا يناقض البشارة المتقدمة.
وقال الإمام أحمد بن حنبل : الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه السلام وعليه جمهور العلماء من الخلف والسلف قال ابن عباس : وزعمت اليهود أنه اسحاق عليه السلام وكذبت اليهود وما روي أنه صلى الله عليه وسلم :«سئل أي النسب أشرف ؟ فقال : يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله » فالصحيح أنه قال : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم والزوائد من الراوي، وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقال محمد بن إسحاق : كان إبراهيم عليه السلام إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى بلغ إسماعيل معه السعي أمر في المنام أن يذبحه قال مقاتل : رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات فلما تيقن ذلك قال لابنه ﴿فانظر ماذا ترى﴾ من الرأي : فشاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به قال ابن اسحاق وغيره ولما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه : يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب شعب ثبير أخبره بما أمر. ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ أي : ما أمرت به ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ أي : على ذلك، وقرأ ﴿يا بني﴾ حفص بفتح الياء، والباقون بالكسر، وقرأ ﴿إني أرى﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وقرأ ﴿ماذا ترى﴾ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء، والباقون بفتحهما والحكمة في مشاورته في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله تعالى فيكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحد العظيم والصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا.
وقرأ يا أبت ابن عامر في الوصل بفتح التاء، وكسرها الباقون والتاء عوض عن ياء الإضافة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابن عامر، ووقف الباقون بالتاء والرسم بالتاء وفتح ياء ستجدني في الوصل نافع، وسكنها الباقون.
الصافات 37:103
﴿فلما أسلما﴾ أي : انقادا وخضعا لأمر الله، وقال قتادة : أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه ﴿وتلّه للجبين﴾ أي : صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة، والجبهة بين الجبينين وشذ جمعه على أجبن، وقياسه في القلة أجبنة كأرغفة وفي الكثرة جبن وجبنان كرغيف ورغف ورغفان، وقيل : إنه لما أراد ذبحه قال : يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب فينقص أجري، واكفف عني ثيابي حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء وتراه أمي فتحزن حزناً طويلاً، واشحذ شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فقال له إبراهيم : نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تجل شيئاً ثم أنه شحذها مرتين أو ثلاثاً بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئاً، قال السدي : ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس على حلقه قال : فقال الابن عند ذلك يا أبت كبني على وجهي لجبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رحمة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ووضع السكين على قفاه فانقلبت السكين.
الصافات 37:104
﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا﴾ أي : بالعزم والإتيان بالمقدمات ما أمكنك.
تنبيه : في جواب لما ثلاثة أوجه أظهرها : أنه محذوف، أي : نادته الملائكة عليهم السلام أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم بعد الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه.
ونقل ابن عطية أن التقدير : فلما أسلما سلما وتله للجبين ويعزى هذا لسيبويه وشيخه الخليل.
الثاني : أنه وتله للجبين والواو زائدة، وهو قول الكوفيين والأخفش، الثالث : أنه وناديناه والواو زائدة أيضاً واقتصر على هذا الجلال المحلي، وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار : أن إبراهيم عليه السلام لما رأى ذبح ولده قال الشيطان : لئن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا لم أفتن أحداً منهم أبداً فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام وقال : هل تدرين أين يذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت : ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال : والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت : كلا هو أرحم به وأشد حباً له من ذلك، قال : إنه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت : فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن إن يطيع ربه، فخرج من عندها الشيطان، ثم أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له : يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك ؟ قال : نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال : والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال : ولم ؟ قال : زعم أن ربه أمره، قال : فليفعل ما أمره به ربه فسمع وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم فقال له : أين تريد أيها الشيخ ؟ قال : أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال : والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا، فعرفه إبراهيم فقال : إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئاً كما أراد الله عز وجل.
وروى أبو الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنه : أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. فإن قيل : لم قال تعالى :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وكان قد رأى الذبح ولم يذبح ؟ أجيب : بأنه جعله مصدقاً لأنه قد أتى بما أمكنه والمطلوب استسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعلا وقيل : كان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم وقد فعل في اليقظة ما رآه في النوم، ولذلك قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ قال المحققون : السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذه التكاليف الشاقة الشديدة وظهر منه كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، والمعنى : إنا كما عفونا عن ذبح ولدك كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل : جزاء الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.
الصافات 37:105
﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا﴾ أي : بالعزم والإتيان بالمقدمات ما أمكنك.
تنبيه : في جواب لما ثلاثة أوجه أظهرها : أنه محذوف، أي : نادته الملائكة عليهم السلام أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم بعد الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه.
ونقل ابن عطية أن التقدير : فلما أسلما سلما وتله للجبين ويعزى هذا لسيبويه وشيخه الخليل.
الثاني : أنه وتله للجبين والواو زائدة، وهو قول الكوفيين والأخفش، الثالث : أنه وناديناه والواو زائدة أيضاً واقتصر على هذا الجلال المحلي، وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار : أن إبراهيم عليه السلام لما رأى ذبح ولده قال الشيطان : لئن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا لم أفتن أحداً منهم أبداً فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام وقال : هل تدرين أين يذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت : ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال : والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت : كلا هو أرحم به وأشد حباً له من ذلك، قال : إنه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت : فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن إن يطيع ربه، فخرج من عندها الشيطان، ثم أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له : يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك ؟ قال : نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال : والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال : ولم ؟ قال : زعم أن ربه أمره، قال : فليفعل ما أمره به ربه فسمع وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم فقال له : أين تريد أيها الشيخ ؟ قال : أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال : والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا، فعرفه إبراهيم فقال : إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئاً كما أراد الله عز وجل.
وروى أبو الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنه : أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. فإن قيل : لم قال تعالى :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وكان قد رأى الذبح ولم يذبح ؟ أجيب : بأنه جعله مصدقاً لأنه قد أتى بما أمكنه والمطلوب استسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعلا وقيل : كان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم وقد فعل في اليقظة ما رآه في النوم، ولذلك قال :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ قال المحققون : السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذه التكاليف الشاقة الشديدة وظهر منه كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى :﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، والمعنى : إنا كما عفونا عن ذبح ولدك كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل : جزاء الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.
الصافات 37:106
﴿إن هذا﴾ أي : الذبح المأمور به ﴿لهو البلاء المبين﴾ أي : الاختبار الظاهر الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم، والمحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها.
الصافات 37:107
وقال مقاتل : البلاء ههنا النعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش كما قال تعالى :﴿وفديناه﴾ أي : المأمور بذبحه وهو إسماعيل وهو الأظهر، وقيل : إسحاق ﴿بذبح عظيم﴾ أي : عظيم الجثة سمين أو عظيم القدر ؛ لأن الله تعالى فدى به نبياً ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، وهو كبش أتى به جبريل عليه السلام من الجنة وهو الذي قربه هابيل، فقال لإبراهيم : هذا فدا ولدك فاذبحه دونه، فكبر إبراهيم وكبر ولده، وكبر جبريل وكبر الكبش وأخذ إبراهيم الكبش، وأتى به المنحر من منى فذبحه، قال البغوي : قال أكثر المفسرين : كان ذلك الذبح كبشاً رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل : كان وعلاً أهبط عليه من ثبير، وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة.
تنبيه : الذبح مصدر ويطلق على ما يذبح وهو المراد في هذه الآية.
الصافات 37:108
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ثناء حسناً.
الصافات 37:109
وقوله تعالى :﴿سلام﴾ أي : منا ﴿على إبراهيم﴾ سبق بيانه في قصة نوح عليهما السلام.
الصافات 37:110
﴿كذلك﴾ أي : كما جزيناك ﴿نجزي المحسنين﴾ لأنفسهم.
الصافات 37:111
وقوله تعالى :﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره.
الصافات 37:112
وقوله تعالى :﴿وبشرناه بإسحاق﴾ فيه دليل على أن الذبيح غيره، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، وقوله تعالى ﴿نبياً﴾ حال مقدرة أي : يوجد مقدراً نبوته، وقوله تعالى :﴿من الصالحين﴾ يجوز أن يكون صفة لنبياً وأن يكون حالاً من الضمير في نبياً فتكون حالاً متداخلة، ويجوز أن تكون حالاً ثانية ومن فسر الذبيح بإسحاق عليه السلام جعل المقصود من البشارة نبوته، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل.
الصافات 37:113
﴿وباركنا عليه﴾ أي : على إبراهيم عليه السلام بتكثير ذريته ﴿وعلى إسحاق﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب عليهم السلام فجميع الأنبياء بعده من صلبه إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه من ذرية إسماعيل عليه السلام وفيه إشارة إلى أنه مفرد علم فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿ومن ذريتهما محسن﴾ أي : مؤمن طائع ﴿وظالم﴾ أي : كافر وفاسق ﴿لنفسه مبين﴾ أي : ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب ولا غير ذلك والله أعلم.
الصافات 37:114
القصة الثالثة : قصة موسى وهارون عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولقد مننّا على موسى وهرون﴾ أي : أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية.
الصافات 37:115
﴿ونجيناهما وقومهما﴾ أي : بني إسرائيل ﴿من الكرب﴾ أي : الغم ﴿العظيم﴾ أي : الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وقيل : من الغرق.
الصافات 37:116
والضمير في قوله تعالى :﴿ونصرناهم﴾ يعود على موسى وهارون وقومهما، وقيل : على الإثنين بلفظ الجمع تعظيماً كقوله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ ( الطلاق : ١ ) وقول الشاعر :
فإن شئت حرمت النساء سواكم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿فكانوا هم الغالبين﴾ أي : على فرعون وقومه في كل الأحوال، أما في أول الأمر فبظهور الحجة، وأما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة.
تنبيه : يجوز في هم أن يكون تأكيداً، وأن يكون بدلاً، وأن يكون فصلاً وهو الأظهر.
الصافات 37:117
﴿وآتيناهما الكتاب المستبين﴾ أي : المستنير البليغ البيان المشتمل على جميع العلوم المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا وهو التوراة كما قال تعالى :﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ ( المائدة : ٤٤ ).
الصافات 37:118
﴿وهديناهما الصراط المستقيم﴾ أي : دللناهما على الطريق الموصل إلى الحق والصواب عقلاً وسمعاً.
الصافات 37:119
﴿وتركنا﴾ أي : أبقينا ﴿عليهما﴾ ثناء حسناً ﴿في الآخرين﴾.
الصافات 37:120
﴿سلام﴾ أي : منا ﴿على موسى وهارون﴾.
الصافات 37:121
﴿إنا كذلك﴾ أي : كما جزيناهما ﴿نجزي المحسنين﴾.
الصافات 37:122
وقوله تعالى :﴿إنهما من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره وأصالة أمره.
الصافات 37:123
القصة الرابعة قصة إلياس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ روي عن ابن مسعود أنه قال : إلياس هو إدريس، وهو قول عكرمة وقال أكثر المفسرين : إنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قال ابن عباس : وهو ابن عم اليسع عليهما السلام، وقال محمد بن إسحاق : هو إلياس بن بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران عليهما السلام.
تنبيه : أذكر فيه شيئاً من قصته عليه السلام قال علماء السير والأخبار : لما قبض الله تعالى حزقيل النبي عليه السلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله عز وجل، فبعث الله تعالى إليهم إلياس نبياً وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى عليه السلام بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون عليه السلام لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل وأحل سبطاً منها ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم إلياس، فبعثه الله تعالى إليهم نبياً وعليهم يومئذ ملك اسمه لاجب وكان أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان لهم صنم طوله عشرون ذراعاً وله أربعة وجوه وكان يسمى : ببعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن أي : خادم، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك، وكان إلياس يدعوهم إلى عبادة الله وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به وصدقه، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة تسمى : بإزميل جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تبرز للناس فتقضي بينهم وكانت قتالة للأنبياء، ويقال : إنها هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام، وكان له كاتب رجل مؤمن حليم يكتم إيمانه وكان قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتلهم إذا بعث كل واحد منهم سوى الذين قتلتهم وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال وكانت معمرة يقال : إنها ولدت سبعين ولداً، وكان لاجب هذا جار رجل صالح يقال له : مزدكي، وكان له جنينة يعيش منها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان عليها يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي ويحسن إليه، وامرأته إزميل تحسده لأجل تلك الجنينة وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها وتحتال أن تقتله، والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلاً، ثم أنه اتفق خروج الملك إلى مكان بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته إزميل ذلك فجمعت جمعاً من الناس وأمرتهم أنهم يشهدون على مزدكي أنه سب زوجها لاجب فأجابوها إليه وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت مزدكي وقالت له : بلغني أنك شتمت الملك فأنكر فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر فقال لها : ما أصبت ولا أبداً نفلح بعده فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوء الجوار قالت : إنما غضبت لك وحكمت بحكمك فقال لها : أوما كان يسعه حلمك فتحفظين جواره ؟ قالت : قد كان ما كان فبعث الله إلياس إلى لاجب الملك، وأمره الله أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب عليهم لوليه حين قتلوه ظلماً وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ويردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني : لاجب وامرأته في جوف الجنينة، ثم يضعهما جثتين ملقيين فيها حتى تتفرق عظامهما من لحومهما ولا يتمتعان بها إلا قليلاً، فجاء إلياس فأخبر الملك بما أوحى الله في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه، وقال : يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلاً، وهم بتعذيبه وقتله، فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هارباً، ورجع الملك إلى عبادة بعل وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه، ويقال : أنه بقي سبع سنين شريداً خائفاً يأوي الشعوب والكهوف، يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا العيون عليه والله تعالى يستره منهم، فلما طال الأمر على إلياس وطال عصيان قومه وضاق
بذلك ذرعاً أوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين : يا إلياس ما هذا الخوف الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي ؟ فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال : تميتني فتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه : يا الياس ما هذا اليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها ؟ وإنما قوامهما وصلاحهما بك وأشباهك وإن كنتم قليلاً ولكن سلني فأعطك، قال إلياس : إن لم تمتني فاعطني ثأري من بني إسرائيل، قال الله تعالى : وأي : شيء تريد أن أعطيك ؟ قال : تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشئ سحابة عليهم إلا بدعوتي ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي فإنهم لا يذكرهم إلا ذلك، قال الله تعالى : يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، قال : ست سنين، قال : أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال : فخمس سنين، قال : أنا أرحم بخلقي من ذلك، ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك، قال : فبأي شيء أعيش ؟ قال : أسخر لك جنساً من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف ومن الأرض التي لم تقحط، قال إلياس : قد رضيت، فأمسك الله تعالى عنهم المطر حتى هلكت الماشية والهوام والشجر وجهد الناس جهداً عظيماً، وإلياس على حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان وقد عرف ذلك قومه.
قال ابن عباس : أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال لها : هل عندكم طعام ؟ قالت : نعم شيء من دقيق وزيت قليل فدعا بهما ودعا فيه بالبركة حتى ملأ خوابيها دقيقاً وخوابيها زيتاً، فلما رأوا ذلك عندها، قالوا لها : من أين لك هذا ؟ قالت : مر بي رجل من حاله كذا وكذا ثم وصفته بصفته فعرفوه وقالوا : ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم ثم إنه أوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له : اليسع بن أخطوب به مرض فآوته وأخفت أمره فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه وكان يذهب حيثما ذهب، وكان إلياس قد كبر سنه واليسع غلام شاب ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس أنك قد أهلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعص من البهائم والطير والهوام بحبس المطر، فقال إلياس : يا رب دعني أنا الذي أكون أدعو لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم أن يرجعوا عما هم عليه من عبادة غيرك، فقيل له : نعم، فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال : إنكم قد هلكتم جوعاً وجهداً وقد هلكت البهائم والهوام والشجر بخطاياكم وإنكم على باطل، فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوتم الله سبحانه وتعالى، ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا : أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ثم قالوا لإلياس : إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم وحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم المطر لم ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له : انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر به أقبل فرس من نار، وقيل : لونه كلون النار حتى وقف بين يديه فوثب عليه إلياس وانطلق به الفرس وناداه اليسع : يا إلياس ما تأمرني ؟ فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر عهده به ورفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلط الله تعالى على لاجب الملك وقومه عدواً لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى أرهقهم فقتل لاجب وامرأته إزميل في بستان مزدكي فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما، ونبأ الله تعالى اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع.
روى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : إلياس والخضر يصومان رمضان ببيت المقدس ويوافيان موسم الحج في كل عام، وقيل : إن إلياس موكل بالفيافي والخضر موكل بالبحار فذلك قوله تعالى ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾.
الصافات 37:124
﴿إذ﴾ أي : اذكر يا أفضل الخلق إذ ﴿قال لقومه ألا تتقون﴾ أي : ألا تخافون الله.
الصافات 37:125
ولما خوفهم على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك التخويف بقوله تعالى :﴿أتدعون بعلاً﴾ اسم لصنم لهم من ذهب وبه سميت البلد أيضاً مضافاً إلى بك أي : أتعبدونه أو تطلبون الخير منه، وقيل : البعل الرب بلغة اليمن سمع ابن عباس رجلاً منهم ينشد ضالة فقال آخر : أنا بعلها فقال : الله أكبر وتلا الآية، ويقال : من بعل هذه الدار أي : من ربها، وسمي الزوج بعلاً لهذا المعنى قال الله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردّهن﴾ ( البقرة : ٢٢٨ ) وقالت امرأة إبراهيم ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ ( هود، ٨٢ ) والمعنى : أتدعون بعض البعول ﴿وتذرون﴾ أي : وتتركون ﴿أحسن الخالقين﴾ فلا تعبدونه، وقرأ ابن ذكوان بهمزة الوصل من إلياس في الوصل فإن ابتدأ بها ابتدأ بفتحها، والباقون بهمزة مكسورة وصلاً وابتداء.
الصافات 37:126
وقوله تعالى :﴿الله ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بنصب الهاء من الاسم الكريم ونصب الباء الموحدة من ربكم ورب وذلك إما على المدح أو البدل أو البيان إن قلنا إن إضافة أفعل إضافة محضة، والباقون بالرفع في الثلاثة وذلك إما على خبر مبتدأ مضمر أي : هو الله وعلى أن الجلالة مبتدأ وما بعده الخبر.
الصافات 37:127
﴿فكذّبوه فإنهم لمحضرون﴾ أي : في العذاب وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة أو لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفاً.
الصافات 37:128
وقوله تعالى :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ أي : المؤمنين مستثنى من فاعل فكذبوه، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه، فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا مستثنين من ضمير لمحضرون لفساد المعنى ؛ لأنه يلزم أن يكونوا مندرجين فيمن كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين وهو بين الفساد لا يقال : هو مستثنى منه استثناء منقطعاً ؛ لأنه يصير المعنى : لكن عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يحضروا، ولا حاجة إلى هذا إذ به يفسد نظم الكلام وتقدم الكلام على قراءة المخلصين في أول السورة.
الصافات 37:129
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ثناء حسناً.
الصافات 37:130
﴿سلام﴾ أي : منا، وقوله تعالى :﴿على إل ياسين﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح الهمزة ممدودة وكسر اللام وقطعها عن الياء كما رسمت أي : أهله والمراد به إلياس، والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام وهي مقطوعة عن الياء قيل : هو إلياس المتقدم، وقيل : هو ومن آمن معه فجمعوا معه تغليباً كقولهم للمهلب وقومه : المهلبون، وقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو غيره من كتب الله تعالى، قال البيضاوي : والكل لا يناسب نظم سائر القصص.
الصافات 37:131
وقوله تعالى :﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ أي : كما جزيناه.
الصافات 37:132
﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ إذ الظاهر أن الضمير لإلياس.
الصافات 37:133
القصة الخامسة قصة لوط عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وإن لوطاً لمن المرسلين﴾.
الصافات 37:134
﴿إذ﴾ أي : واذكر إذ ﴿نجّيناه وأهله أجمعين﴾.
الصافات 37:135
﴿إلا عجوزاً في الغابرين﴾ أي : الباقين في العذاب.
الصافات 37:136
﴿ثم دمرنا﴾ أي : أهلكنا ﴿الآخرين﴾ أي : كفار قومه.
الصافات 37:137
﴿وإنكم﴾ يا أهل مكة ﴿لتمرّون عليهم مصبحين﴾ أي : على منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه.
الصافات 37:138
وقوله تعالى :﴿وبالليل﴾ عطف على الحال قبلها أي : ملتبسين بالليل والمعنى : أن أولئك القوم كانوا يسافرون إلى الشام، والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في أول الليل وفي أول النهار فلهذا السبب عبر الله تعالى عن هذين الوقتين ثم قال تعالى :﴿أفلا تعقلون﴾ أي : أليس فيكم عقل يا أهل مكة فتنظروا ما حل بهم فتعتبروا ؟
الصافات 37:139
القصة السادسة : وهي آخر القصص، قصة يونس عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾.
الصافات 37:140
وقوله تعالى :﴿إذ أبق﴾ ظرف للمرسلين أي : هو من المرسلين حتى في هذه الحالة وأبق أي : هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه. ﴿إلى الفلك المشحون﴾ أي : السفينة المملوءة، قال ابن عباس رضي الله عنهما ووهب : كان يونس وعد قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج كالمنشوز منهم فقصد البحر فركب السفينة، فقال الملاحون : ههنا عبد آبق من سيده فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال يونس : أنا الآبق فزج نفسه في البحر.
وروي في القصة : أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء مركب وأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر، وجاء ذئب فأخذ ابنه الأصغر فبقي فريداً، فجاءت مركب أخرى فركبها وقعد ناحية من القوم، فلما جرت السفينة في البحر ركدت فقال الملاحون : إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل وقوف السفينة كما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر فأقرعوا فمن خرجت القرعة على سهمه نغرقه فإن تغريق واحد خير من غرق الكل فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فذلك قوله تعالى :﴿فساهَم﴾ أي : قارع أهل السفينة ﴿فكان من المدحضين﴾ أي : المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر.
الصافات 37:141
وقوله تعالى :﴿إذ أبق﴾ ظرف للمرسلين أي : هو من المرسلين حتى في هذه الحالة وأبق أي : هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه. ﴿إلى الفلك المشحون﴾ أي : السفينة المملوءة، قال ابن عباس رضي الله عنهما ووهب : كان يونس وعد قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج كالمنشوز منهم فقصد البحر فركب السفينة، فقال الملاحون : ههنا عبد آبق من سيده فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال يونس : أنا الآبق فزج نفسه في البحر.
وروي في القصة : أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء مركب وأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر، وجاء ذئب فأخذ ابنه الأصغر فبقي فريداً، فجاءت مركب أخرى فركبها وقعد ناحية من القوم، فلما جرت السفينة في البحر ركدت فقال الملاحون : إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل وقوف السفينة كما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر فأقرعوا فمن خرجت القرعة على سهمه نغرقه فإن تغريق واحد خير من غرق الكل فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فذلك قوله تعالى :﴿فساهَم﴾ أي : قارع أهل السفينة ﴿فكان من المدحضين﴾ أي : المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر.
الصافات 37:142
﴿فالتقمه﴾ ابتلعه ﴿الحوت وهو مليم﴾ أي : آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه وقيل : مليم نفسه.
الصافات 37:143
﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ أي : الذاكرين قبل ذلك وكان عليه السلام كثير الذكر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من المصلين، وقال وهب : من العابدين، وقال الحسن : ما كان له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً، قال الضحاك : شكر الله تعالى له طاعته القديمة، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، فإن يونس كان عبداً صالحاً ذاكراً لله تعالى فلما وقع في الشدة في بطن الحوت شكر الله تعالى له ذلك، وقال سعيد بن جبير : يعني قوله :﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ ( الأنبياء : ٨٧ ).
الصافات 37:144
﴿للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ أي : صار بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة وهو حي أو ميت وفي ذلك حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده في الضراء.
الصافات 37:145
﴿فنبذناه﴾ : أي : ألقيناه من بطن الحوت فأضاف النبذ إلى نفسه سبحانه مع أن النبذ إنما حصل بفعل الحوت فهو يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. ﴿بالعراء﴾ : أي بوجه الأرض، وقال السدي : بالساحل، والعراء الأرض الخالية من الشجر والنبات، روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح الله تعالى حتى انتهى إلى الأرض فلفظه.
تنبيه : اختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت فقال الحسن : لم يلبث إلا قليلاً ثم أخرج من بطن الحوت، وقال بعضهم : التقمه بكرة ولفظه عشية، وقال مقاتل بن حبان : ثلاثة أيام، وقال عطاء : سبعة أيام، وقال الضحاك : عشرين يوماً، وقيل : شهراً، وقيل : أربعين يوماً، قال الرازي : ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير ؟ وروى أبو بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«سبح يونس في بطن الحوت فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا : ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة فقال تعالى : ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه كل يوم وليلة عمل صالح، قال : نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه بالساحل ».
وروي أن يونس عليه السلام لما ابتلعه الحوت ابتلع الحوت حوت آخر أكبر منه فلما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله تعالى ساجداً وقال : يا رب اتخذت لي مسجداً لم يعبدك أحد في مثله.
﴿وهو سقيم﴾ : أي عليل كالفرخ الممعوط.
الصافات 37:146
﴿وأنبتنا عليه﴾ أي : له وقيل : عنده ﴿شجرة من يقطين﴾ قال المبرد والزجاج : اليقطين كل ما لم يكن له ساق من عود كالقثاء والقرع والبطيخ والحنظل وهو قول الحسن ومقاتل، قال البغوي : المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين، وروى الفراء أنه قيل عند ابن عباس : هو ورق القرع فقال : ومن جعل القرع من بين الشجر يقطيناً كل ورقة انشقت وشربت فهو يقطين.
فإن قيل : الشجر ما له ساق واليقطين مما لا ساق له كما قال تعالى :﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ ( الرحمان : ٦ )، أجيب : بأن الله تعالى جعل لها ساقاً على خلاف العادة في القرع معجزة له عليه السلام ولو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به قال مقاتل بن حبان : كان يونس عليه السلام يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة وعشياً حتى اشتد لحمه ونبت شعره.
وروي أن يونس عليه السلام كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، وكان قد أوحى الله تعالى إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له : يبعث إلى بني إسرائيل نبياً، فاختار من بني إسرائيل يونس عليه السلام لقوته وأمانته فقال يونس : الله أمرك بهذا ؟ قال : لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً أميناً وأنت كذلك، فقال يونس : في بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لم تبعثه ؟ فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم فوجد سفينة مشحونة فحملوه فيها فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على الغرق فقال الملاحون : إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه فقال التجار : قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرجت عليه نغرقه في البحر فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل، فخرج من بينهم يونس فقال : يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كسائه ورمى بنفسه فالتقمه الحوت، وأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تكسر منه عظماً ولا تقطع منه وصلاً، ثم إن الحوت خرج إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم إلى دجلة وصعد به ورماه في أرض نصيبين بالعراء وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، ثم إن الأرضة أكلتها، فحزن يونس لذلك حزناً شديداً، فقال : يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت فقال : يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهم فانطلق إليهم، فانطلق إليهم.
الصافات 37:147
﴿وأرسلناه﴾ : أي : بعد ذلك كقبله إلى قومه بنينوى من أرض الموصل، ﴿إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ : قال ابن عباس : إن أو بمعنى الواو، وقال مقاتل والكلبي : بمعنى بل، وقال الزجاج : على الأصل بالنسبة للمخاطبين. واختلفوا في مبلغ الزيادة، فقال ابن عباس ومقاتل : كانوا عشرين ألفاً، ورواه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن : بضعاً وثلاثين ألفاً، وقال سعيد بن جبير : تسعين ألفاً.
الصافات 37:148
﴿فآمنوا﴾ أي : الذين أرسل إليهم عند معاينة العذاب الموعودين به، ﴿فمتعناهم﴾ أي : أبقيناهم بما لهم، ﴿إلى حين﴾ أي : إلى انقضاء آجالهم.
الصافات 37:149
قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فاستفتهم﴾ أي : استخبر كفار مكة توبيخاً لهم ﴿ألربك البنات ولهم البنون﴾، قال الزمخشري : معطوف على مثله في أول السورة، قال أبو حيان : وإذا كانوا قد عدوا الفصل بجملة نحو : كل لحماً واضرب زيداً وخبزاً من أقبح التراكيب فكيف بجمل كثيرة وقصص متباينة ؟ فأجيب عنه : بأن الفصل وإن كثر بين الجمل المتعاطفة مغتفر وأما المثال الذي ذكره فمن قبيل المفردات. ألا ترى كيف عطف خبزاً على لحماً ؟ وأيضاً الفاصل ليس بأجنبي، كما أشار إليه البيضاوي بقوله : أمر رسوله أولاً باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث وساق الكلام في تقريره جاراً لما يلائمه من القصص موصولاً بعضها ببعض، ثم أمره صلى الله عليه وسلم باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم : الملائكة بنات الله وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر من التجسيم وتجويز البنات على الله تعالى، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام المتكونة الفاسدة وتفضيل أنفسهم الخسيسة عليه سبحانه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكاره ذلك وإبطاله في كتابه العزيز مراراً وجعله مما تكاد السماوات ينفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، والإنكار ههنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما.
ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا : إن قريشاً وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا : الملائكة بنات الله، وهذا الكلام يشتمل على أمرين أحدهما : إثبات البنات لله تعالى وذلك باطل ؛ لأن العرب كانوا يستنكفون من البنات والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق ؟ والثاني : إثبات أن الملائكة إناث وهذا أيضاً باطل ؛ لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر، أما الحس فمفقود ؛ لأنهم لم يشاهدوا كيف خلق الله تعالى الملائكة وهو المراد من قوله تعالى :﴿أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون﴾.
الصافات 37:150
﴿أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون﴾ : وإنما خص علم المشاهدة ؛ لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يثبتونه كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وأما الخبر فمفقود أيضاً ؛ لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل. وهذا هو المراد من قوله تعالى :﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ أي : فيما زعموا.
الصافات 37:151
﴿أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون﴾ : وإنما خص علم المشاهدة ؛ لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يثبتونه كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وأما الخبر فمفقود أيضاً ؛ لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل. وهذا هو المراد من قوله تعالى :﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ أي : فيما زعموا.
الصافات 37:153
قوله تعالى :﴿أصطفى البنات على البنين﴾ : استفهام إنكار واستبعاد، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء.
فائدة : همزة أصطفى همزة قطع مفتوحة مقطوعة وصلاً وابتداء.
الصافات 37:154
﴿ما لكم كيف تحكمون﴾ : هذا الحكم الفاسد.
الصافات 37:155
﴿أفلا تذكّرون﴾ أي : أنه تعالى منزه عن ذلك، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد.
وأما النظر فمفقود من وجهين ؛ الأول : أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب ؛ لأنه تعالى أكمل الموجودات، والأكمل له اصطفاء الأبناء على البنات يعني : أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولهم باطلاً، الثاني : أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم وإذا لم يجدوا دليلاً ظهر بطلان مذهبهم. وهذا هو المراد بقوله تعالى :﴿أم لكم سلطان مبين﴾. أي : حجة واضحة أن لله ولداً.
الصافات 37:156
﴿أفلا تذكّرون﴾ أي : أنه تعالى منزه عن ذلك، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد.
وأما النظر فمفقود من وجهين ؛ الأول : أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب ؛ لأنه تعالى أكمل الموجودات، والأكمل له اصطفاء الأبناء على البنات يعني : أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولهم باطلاً، الثاني : أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم وإذا لم يجدوا دليلاً ظهر بطلان مذهبهم. وهذا هو المراد بقوله تعالى :﴿أم لكم سلطان مبين﴾. أي : حجة واضحة أن لله ولداً.
الصافات 37:157
﴿فأتوا بكتابكم﴾ أي : التوراة فأروني ذلك فيه، ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : في قولكم هذا.
الصافات 37:158
﴿وجعلوا بينه وبين الجِنة نسباً﴾ : قال مجاهد وقتادة : أراد بالجنة الملائكة عليهم السلام سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار، وقال ابن عباس : حي من الملائكة يقال لهم : الجن منهم إبليس لعنه الله، وقيل : هم خزان الجنة، قال الرازي : وهذا القول عندي مشكل ؛ لأنه تعالى أبطل قولهم : الملائكة بنات الله، ثم عطف عليه قوله تعالى :﴿وجعلوا﴾ إلخ والعطف يقتضي المغايرة، فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما تقدم، وقال مجاهد : قال كفار قريش : الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه منكراً عليهم : فمن أمهاتهم ؟ قالوا : سروات الجن، وهذا أيضاً بعيد ؛ لأن المصاهرة لا تسمى نسباً، قال الرازي : وقد روينا في تفسير قوله تعالى :﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ ( الأنعام : ١٠٠ ) أن قوماً من الزنادقة يقولون : إن الله تعالى وإبليس أخوان فالله تعالى هو الحر الكريم وإبليس هو الأخ الشرير، فالمراد من ذلك هو هذا المذهب وهو مذهب المجوس، قال : وهذا القول عندي هو أقرب الأقاويل في الرد عليه بهذه الآية ﴿ولقد علمت الجنة أنهم﴾ أي : أهل هذا القول ﴿لمحضرون﴾ أي : إلى النار ومعذبون، وقيل : المراد ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون العذاب، فعلى الأول الضمير عائد إلى القائل، وعلى الثاني عائد إلى نفس الجنة.
الصافات 37:159
ثم إنه تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب، فقال تعالى :﴿سبحان الله عما يصفون﴾ بأن لله تعالى ولداً ونسباً.
الصافات 37:160
وقوله تعالى :﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ أي : المؤمنين استثناء منقطع أي : لكن عباد الله المخلصين ينزهون الله تعالى عما يصف هؤلاء. الثالث : أنه ضمير محضرون أي : لكن عباد الله تعالى ناجون وعلى هذا فتكون جملة التسبيح معترضة وظاهر كلام أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناء متصلاً ؛ لأنه قال : مستثنى من جعلوا أو محضرون، ويجوز أن يكون منفصلاً، فظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو فيهما متصل لا منفصل وليس ببعيد كأنه قيل : وجعل الناس، ثم استثنى منهم هؤلاء وكل من لم يجعل بين الله وبين الجنة نسباً فهو عند الله مخلص من الشرك.
الصافات 37:161
وقوله تعالى :﴿فإنكم﴾ أي : يا أهل مكة ﴿وما تعبدون﴾ أي : من الأصنام.
الصافات 37:162
عود إلى خطابهم ؛ لأنه لما ذكر الدلائل الدالة على فساد مذاهب الكفار أتبعه بما ينبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على إضلال أحد إلا إذا كان قد سبق حكم الله تعالى في حقه بالعذاب والوقوع في النار، كما قال تعالى :﴿ما أنتم عليه﴾ أي : على معبودكم، وعليه متعلق بقوله :﴿بفاتنين﴾ أي : بمضلين أحداً من الناس.
الصافات 37:163
﴿إلا من هو صال الجحيم﴾ أي : إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة.
تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ووسوسته وإنما المؤثر هو الله حيث قضاه وقدره.
الصافات 37:164
ثم إن جبريل عليه السلام أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار بقوله :﴿وما منا﴾ أي : معشر الملائكة ملك ﴿إلا له مقام معلوم﴾ في السماوات يعبد الله تعالى فيه لا يتجاوزه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح، وروى أبو ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«أطت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً » قيل : الأطيط أصوات الأقتاب وقيل : أصوات الإبل وحسها، ومعنى الحديث : ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة عليهم السلام وإن لم يكن ثم أطيط، وقال السدي : إلا له مقام معلوم في القرب والمشاهدة.
الصافات 37:165
﴿وإنا لنحن الصافون﴾ أي : أقدامنا في الصلاة، وقال الكلبي : صفوف الملائكة في السماء كصفوف الناس في الأرض.
الصافات 37:166
﴿وإنا لنحن المسبحون﴾ أي : المنزهون الله تعالى عما لا يليق به، وقيل : هذا حكاية كلام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والمعنى : وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله تعالى في القيامة وإنا لنحن الصافون في الصلاة والمنزهون له تعالى عن السوء.
الصافات 37:167
ثم إنه تعالى أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال :﴿وإن كانوا﴾ أي : كفار مكة، وإن مخففة من الثقيلة.
الصافات 37:168
﴿ليقولون لو أن عندنا ذكراً﴾ أي : كتاباً ﴿من الأولين﴾ أي : من كتب الأمم الماضين.
الصافات 37:169
﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ أي : لأخلصنا العبادة له وما كذبنا ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والمهيمن عليها وهو القرآن العظيم.
الصافات 37:170
﴿فكفروا به فسوف يعلمون﴾ عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم.
الصافات 37:171
ولما هددهم بذلك أردفه بما يقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿ولقد سبقت كلمتنا﴾ أي : بالنصر ﴿لعبادنا المرسلين﴾ وهي قوله تعالى ﴿لأغلبن أنا ورسلي﴾ ( المجادلة : ٢١ ) أو هي قوله تعالى :﴿إنهم لهم المنصورون﴾.
الصافات 37:172
ولما هددهم بذلك أردفه بما يقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿ولقد سبقت كلمتنا﴾ أي : بالنصر ﴿لعبادنا المرسلين﴾ وهي قوله تعالى ﴿لأغلبن أنا ورسلي﴾ ( المجادلة : ٢١ ) أو هي قوله تعالى :﴿إنهم لهم المنصورون﴾.
الصافات 37:173
﴿وإن جندنا﴾ أي : المؤمنين ﴿لهم الغالبون﴾ أي : الكفار، والنصرة والغلبة قد تكون بالحجة وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام والثبات، فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب في الآخرة، فالحكم في ذلك للأغلب في الدنيا فلا ينافي ذلك قتل بعض الأنبياء عليهم السلام وهزم كثير من المؤمنين، وإنما سمى ذلك كلمة وهي كلمات لانتظامها في معنى واحد.
الصافات 37:174
﴿فتول عنهم﴾ أي : أعرض عن كفار مكة، واختلف في قوله تعالى :﴿حتى حين﴾ فقال ابن عباس : يعني الموت، وقال مجاهد : يوم بدر، وقال السدي : حتى يأمرك الله تعالى بالقتال، وقيل : إلى أن يأتيهم عذاب الله، وقيل : إلى فتح مكة، وقال مقاتل بن حيان : نسختها آية القتال.
الصافات 37:175
﴿وأبصرهم﴾ أي : إذا نزل بهم العذاب من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة، ﴿فسوف يبصرون﴾ أي : ما قضيناه لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة وسوف للوعيد لا للتبعيد.
الصافات 37:176
ولما قيل لهم ذلك قالوا استهزاء : متى نزول العذاب ؟ فقال تعالى تهديداً لهم :﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ أي : إن ذلك الاستعجال جهل ؛ لأن لكل شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر.
الصافات 37:177
﴿فإذا نزل﴾ أي : العذاب ﴿بساحتهم﴾ قال مقاتل : بحضرتهم، وقيل : بفنائهم، قال الفراء : العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فشبه العذاب بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة ﴿فساء﴾ أي : فبئس صباحاً ﴿صباح المنذرين﴾ أي : الكافرين الذين أنذروا بالعذاب، وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه :«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلاً وكان إذا جاء قوماً بليل لم يغر حتى يصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوه قالوا : محمد والله محمد والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاث مرات ».
الصافات 37:179
﴿وأبصر فسوف يبصرون﴾ : فيه وجهان أحدهما : أن في هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال يوم القيامة على هذا فالتكرار زائل، والثاني : أنها مكررة للمبالغة في التهديد والتهويل.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله أولاً :﴿وأبصرهم﴾ وههنا قال :﴿وأبصر﴾ بغير ضمير ؟ أجيب : بأنه حذف مفعول أبصر الثاني إما اختصاراً لدلالة الأول عليه وإما اقتصاراً تفنناً في البلاغة.
الصافات 37:180
ثم إنه تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية فقال تعالى :
﴿سبحان ربك رب العزة﴾ أي : الغلبة والقوة وفي قوله تعالى :﴿رب﴾ إشارة إلى كمال الحكمة والرحمة، وفي قوله تعالى ﴿العزة﴾ إشارة إلى كمال القدرة وأنه القادر على جميع الحوادث ؛ لأن الألف واللام في قوله تعالى :﴿العزة﴾ تفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكاً له سبحانه لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله سبحانه وتعالى :﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ أي : أن له ولداً كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات.
الصافات 37:181
وقوله تعالى :﴿وسلام على المرسلين﴾ أي : المبلغين من الله تعالى التوحيد والشرائع تعميم للرسل بعد تخصيص بعضهم.
الصافات 37:182
﴿والحمد لله رب العالمين﴾ أي : على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام وعلى ما أفاض عليهم ومن اتبعهم من النعمة وحسن العاقبة، ولذلك أخره عن التسليم والغرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يغفلوا عنه لما روى البغوي عن علي رضي الله عنه أنه قال : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين إلخ. وأما ما رواه البيضاوي عن النبي صلى الله عليه وسلم :«أن من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمناً بالمرسلين » فموضوع.
ص 38:1
واختلف في تفسير قوله تعالى :﴿ص﴾ فقيل : قسم وقيل : هو اسم للسورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور وقال محمد بن كعب القرظي : مفتاح اسمه الصمد وصادق الوعد، وقال الضحاك : معناه صدق الله، وروي عن ابن عباس : صدق محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضته. ﴿والقرآن﴾ أي : الجامع مع البيان لكل خير ﴿ذي الذكر﴾ أي : الموعظة والتذكير وقال ابن عباس : ذي البيان، وقال الضحاك : ذي الشرف ودليله قوله تعالى :﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ ( الزخرف : ٤٤ )، فإن قيل : هذا قسم فأين المقسم عليه ؟ أجيب : بأنه محذوف تقديره : ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة.
ص 38:2
وقوله تعالى :﴿بل الذين كفروا﴾ أي : من أهل مكة إضراب انتقال من قصة إلى أخرى ﴿في عزة﴾ أي : حمية وتكبر عن الإيمان ﴿وشقاق﴾ أي : خلاف وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما، وقيل : جواب القسم قد تقدم وهو قوله تعالى :﴿ص﴾ أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمد الصادق وقال الفراء :﴿ص﴾ معناها وجب وحق فهو جواب قوله :﴿والقرآن﴾ كما تقول : نزل والله، وقال الأخفش : قوله تعالى :﴿إن كل إلا كذب الرسل﴾ وقال السدي : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار، قال البغوي : وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقال مجاهد : في عزة متعازين.
ص 38:3
﴿كم﴾ أي : كثيراً ﴿أهلكنا من قبلهم﴾ وأكد كثرتهم بقوله تعالى :﴿من قرن﴾ أي : من أمة من الأمم الماضية كانوا في شقاق مثل شقاقهم.
تنبيه : كم مفعول أهلكنا، ومن قرن تمييز، ومن قبلهم لابتداء الغاية ﴿فنادوا﴾ أي : استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة وقيل : نادوا بالإيمان والتوبة ﴿ولاَت﴾ أي : وليس الحين ﴿حين مناص﴾ أي : منجى وفرار، قال ابن عباس : كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض : مناص أي : اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا : مناص، فأنزل الله تعالى ذلك، والمناص مصدر ناص ينوص إذا تقدم، ولات بمعنى : ليس بلغة أهل اليمن، وقال النحويون : هي لا زيدت فيها التاء كقولهم : رب وربت، وثم وثمت، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا : لات كما قالوا : ثمت ولا تعمل إلا في الأزمان خاصة نحو لات حين ولات أوان كقول الشاعر :
طلبوا صلحنا ولات أوان؍ فأجبنا أن ليس حين بقاء؍
والأكثر حينئذ حذف مرفوعها فتقديره ولات الحين حين مناص، وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع كقول القائل :
من صد عن نيرانها؍ فأنا ابن قيس لا براحْ؍
أي : لا براح لي.
ص 38:4
ولما حكى تعالى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة بقوله تعالى :﴿وعجبوا﴾ أي : الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه :﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾ ﴿أن﴾ أي : لأجل أن ﴿جاءهم منذر﴾ هو النبي صلى الله عليه وسلم وفي قوله تعالى :﴿منهم﴾ وجهان أحدهما : أنهم قالوا أن محمداً مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنية والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي. والثاني : أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد والترغيب في الآخرة ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون من قوله :﴿وقال الكافرون﴾ وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشارة إلى أنهم يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ومعاندون لا غافلون وإيذاناً بشدة غضبه عليهم وذماً لهم على قولهم :﴿هذا﴾ أي : النذير ﴿ساحر﴾ أي : فيما يظهره معجزة ﴿كذاب﴾ أي : فيما يقول على الله تبارك وتعالى.
ص 38:5
﴿أجعل﴾ أي : صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه ﴿الآلهة﴾ أي : التي نعبدها ﴿إلهاً واحداً﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد ﴿إن هذا﴾ أي : القول بالوحدانية ﴿لشيء عجاب﴾ أي : بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا ونشاهده من أن الواحد لا يفي عمله وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقال البغوي : العجب والعجاب واحد كقولهم : رجل كريم وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض وعراض، وسبب قولهم ذلك أنه روى أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش : وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلاً أكبرهم سناً الوليد بن المغيرة اذهبوا إلى أبي طالب، فأتوا إليه وقالوا له : أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إليه فحضر فقال له : يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا تسألونني ؟ فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، قال : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ؟ فقال أبو جهل : لله أبوك نعطيكها وعشر أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقاموا » فقالوا ذلك.
ص 38:6
﴿وانطلق الملأ منهم﴾ أي : أشراف قريش من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله ﴿أن امشوا﴾ أي : يقول بعضهم لبعض امشوا أي : اذهبوا ﴿واصبروا﴾ أي : اثبتوا ﴿على آلهتكم﴾ أي : على عبادتها، قال الزمخشري : ويجوز أنهم قالوا : امشوا أي : أكثروا واجتمعوا، من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها، ومنه الماشية للتفاؤل.
فائدة : الجميع يكسرون النون في الوصل من أن امشوا والهمزة في الابتداء من امشوا.
ولما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة بمكانه قال المشركون ﴿إن هذا﴾ أي : الذي نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ﴿لشيء يراد﴾ أي : بنا فلا مرد له أو أن الصبر على عبادة الآلهة لشيء يراد وهو أهل للإرادة فهو أهل أن لا ننفك عنه، وقيل : هذا المذكور من التوحيد لشيء يراد منا وقيل : إن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم.
ص 38:7
﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي : الذي يقوله محمد من التوحيد، ﴿في الملة الآخرة﴾ قال ابن عباس : يعنون في النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون : ثالث ثلاثة، وقال مجاهد : يعنون ملة قريش دينهم الذي هم عليه ﴿إن﴾ أي : ما ﴿هذا﴾ أي : الذي يقوله :﴿إلا اختلاق﴾ : افتعال وكذب.
ص 38:8
﴿أأُنزل عليه﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم ﴿الذكر﴾ أي : القرآن ﴿من بيننا﴾ وليس بأكبرنا ولا أشرفنا وهذا استفهام على سبيل الإنكار لاختصاصه عليه الصلاة والسلام بالوحي وهو مثلهم، وفي ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالواو، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو بخلاف عن ورش وابن كثير بغير إدخال، وعن هشام فيها ثلاثة أوجه : تحقيق الهمزتين، وإدخال ألف بينهما، وتحقيقهما من غير إدخال ألف بينهما، قال الله تبارك وتعالى :﴿بل هم في شك﴾ أي : تردد محيط بهم مبتدأ لهم ﴿من ذكري﴾ أي : وحيي وما أنزلت لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل الذي لو نظروا فيه لزال هذا الشك عنهم ﴿بل﴾ أي : ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن كان قولهم قول من هو في شك ﴿لما يذوقوا عذاب﴾ أي : الذي أعددته للمكذبين ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ.
ص 38:9
﴿أم﴾ أي : بل ﴿عندهم خزائن﴾ أي : مفاتيح ﴿رحمة﴾ أي : نعمة ﴿ربك﴾ وهي النبوة يعطونها من شاؤوا، ونظيره قوله تعالى ﴿أهم يقسمون رحمة ربك﴾ ( الزخرف : ٣٢ ) : أي : نبوة ربك ﴿العزيز﴾ أي : الغالب الذي لا يغلبه أحد، ﴿الوهاب﴾ : الذي له أن يهب كل ما يشاء من النبوة أو غيرها لمن يشاء من خلقه.
ص 38:10
ولما كانت خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال تعالى :﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ ( الحجر : ٢١ ) ومن جملته السماوت والأرض وما بينهما وهم عاجزون عن هذا القسم قال الله تعالى :﴿أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾ أي : ليس لهم ذلك فلأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله تعالى أولى، وقوله تعالى :﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ جواب شرط محذوف أي : إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يريدونه وهذا غاية التهكم بهم والتعجيز أو التوبيخ، قال مجاهد : أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سبب واستدل حكماء الإسلام بقوله تعالى :﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله تعالى فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات : أسباباً وهذا يدل على ذلك.
ص 38:11
وقوله تعالى :﴿جُندٌ ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾ خبر مبتدأ مضمر أي : هم قريش جند من الكفار المتحزبين على الرسل عليهم السلام، مهزوم : مكسور عما قريب، فمن أين لهم تدبير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية، فلا تكترث بما تقوله قريش، قال قتادة : أخبر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فقال تعالى :﴿سيهزم الجمع ويولّون الدبر﴾ ( القمر : ٤٥ ) فجاء تأويلها يوم بدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم، وقيل : يوم الخندق، قال الرازي : والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون مهزومين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون مهزومين في مكة وما ذاك إلا في يوم الفتح.
تنبيه : في ما وجهان، أحدهما : أنها مزيدة، والثاني : أنها لجند على سبيل التعظيم للمهزومين وللتحقير، فإن ما الصفة تستعمل لهذين المعنيين، وقد تقدم الكلام عليها في أوائل البقرة، وهنالك صفة لجند وكذلك مهزوم ومن الأحزاب.
ص 38:12
ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم معزياً له عليه السلام :﴿كذبت﴾ أي : مثل تكذيبهم ﴿قبلهم قوم نوحٍ﴾ أنث قوم باعتبار المعنى واستمروا على عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم ولم يسمحوا بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح عليه السلام ﴿وعادٌ﴾ سماهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من المكنة بالملك واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح العقيم ورأوها تحمل الإبل فيما بين السماء والأرض وهم لا يذعنون لما دعاهم إليه هود عليه السلام ﴿وفرعونُ ذو الأوتاد﴾ كانت له أوتاد يعذب الناس عليها وكان إذا غضب على أحد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد يشد كل يد وكل رجل منه إلى سارية وتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت، وقال مجاهد : كان يمد الرجل مستلقياً بين أربعة أوتاد على الأرض يشد رجليه ويديه ورأسه على الأرض بالأوتاد، قال السدي : كان يشد الرجل بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات، وقال ابن عباس : ذو البناء المحكم، وقيل : ذو الملك الشديد الثابت، وقال العتبي : تقول العرب : هم في عز ثابت الأوتاد يريدون أنه دائم شديد قال الأسود بن يعقوب :
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة؍ في ظل ملك ثابت الأوتاد؍
وقال الضحاك : ذو القوة والبطش، وقال عطية : ذو الجموع والجنود الكثيرة لأنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء، والأوتاد جمع وتد وفيه لغات وتد بفتح الواو وكسر التاء وهو الفصحى، ووتد بفتحتين، وودّ بإدغام التاء في الدال.
ص 38:13
﴿وثمود﴾ واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ثم حمرتها ثم سوادها ولم يكن في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم ﴿وقوم لوط﴾ أي : الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في عزتهم وفي شقاقهم حتى ضربوا بالعشاء وطمس الأعين ولم يقدروا على الوصول إلى ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط عليه السلام ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم ﴿وأصحاب الأيكة﴾ أي : الغيضة، وهم قوم شعيب عليه الصلاة والسلام ﴿أولئك الأحزاب﴾ أي : المتحزبون على الرسل عليهم السلام الذين خص الجند المهزوم منهم، وقيل : المعنى أولئك الأحزاب مبالغة في وصفهم بالقوة كما يقال : فلان هو الرجل أي : أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين إذا نزل عليهم العذاب، وفي الآية زجر وتخويف للسامعين.
ص 38:14
﴿إن﴾ أي : ما ﴿كل﴾ أي : من الأحزاب ﴿إلا كذب الرسل﴾ أي : لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد ﴿فحق عقاب﴾ أي : فوجب عليهم ونزل بهم عذابي.
ص 38:15
ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال تعالى :﴿وما ينظر﴾ وحقرهم بقوله تعالى :﴿هؤلاء﴾ أي : وما ينتظر كفار مكة ﴿إلا صيحة واحدة﴾ وهي نفخة الصور الأولى، كقوله تعالى :﴿ما ينظرون إلا صيحةً واحدةً تأخذهم وهم يخصّمون ( ٤٩ ) فلا يستطيعون توصية﴾ ( يس : ٥٠ ) الآية والمعنى : أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معدٌّ لهم يوم القيامة، فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يقطع كل ساعة بحضوره، قيل : المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة كما يقال : صاح الزمان بهم إذا هلكوا، قال الشاعر :
صاح الزمان بآل برمك صيحة؍ خروا لشدتها على الأذقان؍
ونظيره قوله تعالى :﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ ( يونس : ١٠٢ )
الآية. وقرأ حمزة والكسائي :﴿ما لها﴾ أي : الصيحة ﴿من فواق﴾ بضم الفاء، والباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع والمعنى : ما لها من توقف قدر فواق ناقة، وفي الحديث :«العبادة قدر فواق ناقة » وهذا في المعنى كقوله تعالى :﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ( الأعراف : ٣٤ ) وقال ابن عباس : ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال : أفاقت الناقة تفيق إفاقة، رجعت واجتمعت الفيقة في ضرعها، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم يترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق أي : العذاب لا يمهلهم بذلك القدر.
ص 38:16
﴿وقالوا﴾ أي : كفار مكة استهزاءً لما نزل قوله تعالى في الحاقة :﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ ( الحاقة : ١٩ ) ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ ( الحاقة : ٢٥ ) ﴿ربنا﴾ أي : يا أيها المحسن إلينا ﴿عجِّل لنا قطنا﴾ أي : كتاب أعمالنا في الدنيا ﴿قبل يوم الحساب﴾ وقال سعيد بن جبير : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول، وقال مجاهد والسدي : يعنون عقوبتنا ونصيبنا من العذاب، قال عطاء : قاله النضر ابن الحارث وهو قوله :﴿إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ ( الأنفال : ٣٢ )
وقال مجاهد : قطنا حسابنا، يقال لكتاب الحساب : قط، وقال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ويجمع على قطوط وقططة، كقرد وقرود وقردة، وفي القلة على أقطة وأقطاط، كقدح وأقدحة وأقداح، إلا أن أفعلة في فعل شاذ.
ولما أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة أولها : من أمر النبوات وإثباتها كما قال تعالى :﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب﴾ ( ص : ٤ ) وثانيها : تعجبهم من الإلهيات فقالوا ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ وثالثها : تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا :﴿ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء.
ص 38:17
أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالصبر فقال سبحانه : وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال ﴿على ما يقولون﴾ أي : على ما يقول الكافرون من ذلك، ثم إنه تعالى لما أمر نبيه بالصبر ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام تسلية له فكأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهم خاص، وحزن خاص، فيعلم حينئذ أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله تعالى لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا.
وبدأ من ذلك بقصة داود عليه السلام فقال تعالى :﴿واذكر عبدنا﴾ أي : الذي أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا وأبدل منه أو بينه بقوله تعالى :﴿داود ذا الأيد﴾ قال ابن عباس : أي : القوة في العبادة، روي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه » وقيل : ذا القوة في الملك ووصفه تعالى بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج قال تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ ( الإسراء : ١ ) وأيضاً وصف الأنبياء عليهم السلام بالعبودية مشعر بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة ﴿إنه أواب﴾ أي : رجاع إلى مرضاة الله تعالى، والأواب فعال من آب يؤب إذا رجع قال الله تعالى :﴿إن إلينا إيابهم﴾ ( الغاشية : ٢٥ ) وهذا بناء مغالبة كما يقال : قتال وضراب وهو أبلغ من قاتل وضراب وقال ابن عباس : مطيع، وقال سعيد بن جبير : مسبح بلغة الحبشة.
ص 38:18
ويؤيد هذا قوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ﴿سخرنا الجبال﴾ أي : التي هي أقسى من قلوب قومك وأنها أعظم الأراضي صلابة وقوةً وعلواً ورفعةً بأن جعلناها منقادة ذلولاً كالجمل الأنف، ثم قيد ذلك بقوله تعالى :﴿معه﴾ أي : مصاحبة له ﴿يسبحن﴾ أي : بتسبيحه وفي كيفية تسبيحها وجوه أحدها : أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاً وقدرة ونطقاً وحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى، ثانيها : قال القفال : إن داود عليه السلام أوتي من شدة الصوت وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن وما يصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً. روى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود عليه السلام حتى أنه كان إذا قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، ثالثها : أن الله تعالى سخر الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود عليه السلام فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدرته تعالى واتقان حكمته ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي : غدوةً وعشياً، والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها، قال الزجاج : يقال : شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل : هما بمعنى واحد والأول أكثر استعمالاً، تقول العرب : شرقت الشمس ولما تشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى قال ابن عباس : كنت أمر بهذه الآية ولم أدر ما هي حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب :«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى وقال : يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق »، وروى طاوس عن ابن عباس قال : هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن قالوا : لا فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق.
ص 38:19
وقوله تعالى :﴿والطير محشورةً﴾ أي : مجموعة إليه تسبح معه، عطف مفعول على مفعول، وهما الجبال والطير، أو حال على حال، وهما يسبحن، ومحشورة كقولك : ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة والحاشر هو الله تعالى ؟ فإن قيل : كيف يصدر تسبيح الله تعالى من الطير مع أنه لا عقل لها ؟ أجيب : بأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً ولا حتى تعرف الله تعالى فتسبحه حينئذ ويكون ذلك معجزة لداود عليه السلام ﴿كلٌ﴾ أي : من الجبال والطير ﴿له﴾ أي : لداود أي : لأجل تسبيحه ﴿أواب﴾ أي : رجاع إلى طاعته بالتسبيح وقيل : كل مسبح فوضع أواب موضع مسبح وقيل : الضمير في له للباري تبارك وتعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى.
ص 38:20
﴿وشددنا﴾ أي : قوينا بما لنا من العظمة ﴿ملكه﴾ بالحرس والجنود، قال ابن عباس : كان أشد ملوك الأرض سلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، وعن ابن عباس : أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود فقال : إن هذا قد غصبني بقراً فسأله داود فجحد فقال للآخر : البينة فلم تكن له بينة، فقال لهما داود : قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه، فقال : هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله تعالى إليه مرة ثانية فلم يفعل فأوحى الله تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل داود إليه فقال له : إن الله تعالى أوحى إلي أن أقتلك فقال : تقتلني بغير بينة فقال : نعم والله لأنفذن أمر الله تعالى فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله قال : لا تعجل حتى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت ابن هذا فقتلته فبذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى :﴿وشددنا ملكه﴾ ﴿وآتيناه﴾ أي : بعظمتنا ﴿الحكمة﴾ أي : النبوة والإصابة في الأمور.
واختلف في تفسيره قوله تعالى :﴿وفصل الخطاب﴾ فقال ابن عباس : بيان الكلام أي : معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير رؤية في ذلك، وقال ابن مسعود والحسن : علم الحكمة والبصر بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به، وقال أبي بن كعب : فصل الخطاب الشهود والإيمان، وقال مجاهد وعطاء ويروى عن الشعبي : إن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه، أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود عليه السلام، وقيل غيره كما ذكرته في شرح المنهاج عند قول المنهاج أما بعد، وقيل : هو الخطاب الفصل الذي ليس باختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء وصف كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصل لا نزر ولا هذر.
ص 38:21
وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وهل﴾ استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده ﴿أتاك﴾ يا أفضل الخلق ﴿نبأ﴾ أي : خبر ﴿الخصم﴾ وهو في الأصل مصدر ولذلك يصلح للمفرد والمذكر والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿تسوروا﴾ أي : تصعدوا وعلوا ﴿المحراب﴾ أي : البيت الذي كان يدخل فيه داود ويشتغل فيه بالعبادة والطاعة، قال الزمخشري : فإن قلت : بما انتصب إذ ؟ قلت : لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بنبأ أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بنبأ ؛ لأن النبأ واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم تكن ناصباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا، انتهى. فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف، ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل.
ص 38:22
وقوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿دخلوا على داود﴾ بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند التاء في الأول وعند الدال في الثاني ووافقهم ابن ذكوان في الأول والباقون بالإدغام فيهما ﴿ففزع منهم﴾ أي : لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من يدخل عليه، فإنه عليه السلام كان جزأ زمانه يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للوعظ ويوماً للاشتغال بحاجته فتسور عليه ملكان على صورة الإنسان في يوم الخلوة ﴿قالوا لا تخف﴾ وقولهم :﴿خصمان﴾ خبر مبتدأ وضمر أي : نحن خصمان أي : فريقان، ليطابق ما قبله من ضمير الجمع وقيل : اثنان، والضمير بمعناهما وقد مر أن الخصم يطلق على الواحد والأكثر، وقولهم :﴿بغى بعضنا على بعض﴾ جملة يجوز أن تكون مفسرة لحالهم وأن تكون خبراً ثانياً، فإن قيل : كيف قالوا بغى بعضنا على بعض وهم ملائكة على المشهور ؟ أجيب : بأن ذلك على سبيل الفرض أي : أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر وهذا من معاريض الكلام لا من تحقيق البغي من أحدهما ﴿فاحكم بيننا بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي يطابق الواقع ﴿ولا تشطط﴾ أي : ولا تجر في الحكومة ﴿واهدنا﴾ أي : أرشدنا ﴿إلى سواء الصراط﴾ أي : وسط الطريق الصواب.
ص 38:23
فقال لهما : تكلما فقال أحدهما :﴿إن هذا أخي﴾ أي : على ديني وطريقتي أو في النصح لا من جهة النسب ﴿له تسع وتسعون نعجة﴾ أي : امرأة ﴿ولي نعجة واحدة﴾ امرأة واحدة، والنعجة هي الأنثى من الضأن ولكن كثر في كلامهم الكناية عن المرأة، قال ابن عون :
أنا أبوهن ثلاثة هنه؍ رابعة في البيت صغرا هنه؍
ونعجتي خمساً توافيهنه
قال الحسن بن الفضل : هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن ثم نعاج ولا بغي فهو كقولهم : ضرب زيد عمراً واشترى بكر داراً ولا ضرب هناك ولا شراء، وقرأ حفص بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿فقال أكفلنيها﴾ قال ابن عباس : أعطنيها وقال مجاهد : انزل لي عنها وحقيقته ضمها إلي واجعلني كافلها وهو الذي يعولها وينفق عليها والمعنى : طلقها لأتزوجها ﴿وعزني﴾ أي : غلبني ﴿في الخطاب﴾ أي : الجدال لأنه أفصح مني في الكلام، وقيل : قهرني لقوة ملكه، قال الضحاك : يقول : إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني، وحقيقة المعنى : أن الغلبة كانت له لضعفي في يده وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود وسيأتي الكلام على قصته إن شاء الله تعالى عن قريب.
ص 38:24
﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ وهذا جواب قسم محذوف أريد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة والانضمام أي : ليضمها مضافة إلى نعاجه، فإن قيل : كيف قال :﴿لقد ظلمك﴾ ولم يكن سمع قول صاحبه ؟ أجيب : بأن معناه : إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك أو أنه قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول ولم يذكر الله تعالى ذلك لدلالة الكلام عليه، وقيل : التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه قد ظلمك، وقرأ قالون وابن كثير وهشام وعاصم بإظهار الدال عند الظاء والباقون بالإدغام، وقوله :﴿وإن كثيراً من الخلطاء﴾ أي : مطلقاً منكم ومن غيركم والخلطاء جمع خليط وهم الشركاء الذين خلطوا أموالهم. وقال الليث : خليط الرجل مخالطه ﴿ليبغي﴾ أي : ليعتدي ﴿بعضهم﴾ غالباً ﴿على بعض﴾ فيريدون غير الحق. فإن قيل : لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك ؟ أجيب : بأن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنهما إذا اختلطا اطلع كل منهما على أحوال صاحبه فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيفضي ذلك إلى زيادة المنازعة والمخاصمة، فلذلك خص داود عليه السلام الخلطاء بالبغي والعدوان ثم استثنى فقال :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا﴾ أي : تحقيقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي : الطاعات فإنهم لا يقع منهم شيء لأن مخالطة هؤلاء تكون لأجل الدين وهذا استثناء متصل من قوله : بعضهم ﴿وقليل ما هم﴾ أي : هم قليل فقليل خبر مقدم وما مزيدة للتعظيم وهو مبتدأ، وقال الزمخشري : ما للإبهام وفيه تعجب من قلتهم قال : فإن أردت أن تحقق فائدتها وموقعها فأخرجها من قول امرئ القيس :
وحديث ما على قصره ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وانظر هل بقي لها معنى ﴿وظن داود﴾ أي : لذهابهم قبل فصل الأمر وقد همه من ذلك أمر من عظمه لا عهد له بمثله ﴿أنما فتنّاه﴾ أي : امتحناه، قال المفسرون : إن الظن هنا بمعنى العلم لأن داود لما قضى الأمر بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك، وقال ابن عباس : إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان : قضى الرجل على نفسه ﴿فاستغفر ربه﴾ أي : طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه ﴿وخرّ﴾ أي : سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك ﴿راكعاً﴾ أي : ساجداً على تسمية السجود ركوعاً لأنه مبدؤه أو خر للسجود راكعاً أو مصلياً كأنه أحرم بركعتي الاستغفار ﴿وأناب﴾ أي : رجع إلى الله تعالى.
قال الرازي : وللناس في هذه القصة ثلاثة أحوال ؛ أحدها : أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة منه، وثانيها : على الصغيرة، وثالثها : لا تدل على كبيرة ولا صغيرة، فأما القول الأول فقالوا : إن داود عليه السلام أحب امرأة أوريا فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله تعالى ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته وعرضا تلك الواقعة عليه، فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبه لذلك واشتغل بالتوبة، قالوا : وسبب ذلك أن داود عليه السلام تمنى يوماً من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأل ربه : أن يمتحنه كما امتحنهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم فأوحى الله تعالى إليه أنك تبتلى في يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم جاءه الشيطان فتمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فأعجبه حسنها فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فطارت غير بعيدة فتبعها فطارت من كوة، فنظر داود أين تقع فأبصر داود امرأة في بستان تغتسل فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده إعجاباً، فسأل عنها فقيل له : امرأة أوريا وزوجها في غزاة فأحب داود أن يقتله ويتزوج بها، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى على يديه أو يقتل، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم سليمان عليهما السلام.
قال الرازي : والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه.
الأول : أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجوراً لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إلى داود عليه السلام.
ثانيها : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته، أما الأول : فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم :«من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله »، وأما الثاني : فمنكر أيضاً قال صلى الله عليه وسلم :«المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » فإن أوريا لم يسلم من داود عليه السلام لا في روحه ولا في منكوحه.
ثالثها : إن الله تعالى وصف داود عليه السلام بصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفاً بهذا الفعل المنكر.
الصفة الأولى : أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بداود عليه السلام في المصابرة على المكاره فلو قلنا : إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله تعالى.
الصفة الثانية : أنه وصفه بكونه عبداً له وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملاً في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، فلو قلنا : إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلا في طاعة الهوى والشهوة.
الصفة الثالثة : وهي قوله تعالى ﴿ذا الأيد﴾ أي : ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم.
الصفة الرابعة : كونه أواباً كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف بمن قلبه مشغول بالفسق والفجور.
الصفة الخامسة : قوله تعالى :﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن﴾ أَفَتَرى أنه سخرت له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور ؟ !.
الصفة السادسة : قوله تعالى :﴿والطير محشورة﴾ قيل : إنه كان محرماً عليه صيد شيء من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على روحه ومنكوحه.
الصفة السابعة : قوله تعالى :﴿وشددنا ملكه﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد إنا ملكناه بقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لم يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك.
الصفة الثامنة : قوله تعالى :﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال : إنا آتيناه الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف من مزاحمة أخص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات التي وصف بها قبل شرح القصة وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة.
فأولها : قوله تعالى :﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ وقوله تعالى :﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ فكيف أن الله تعالى يجعله خليفة ويقع منه ذلك، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : من حدثكم بحديث داود على ما ترويه القصاص فاجلدوه مائة جلدة وستين وهو حد الفرية أي : الكذب على الأنبياء، ومما يقوي هذا أنهم قالوا : إن المغيرة بن شعبة زنا وشهد ثلاثة من الصحابة بذلك وأما الرابع فلم يقل إني رأيت ذلك بعيني، فإن عمر رضي الله عنه كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان هذا الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام، فثبت بما ذكرنا أن القصة الذي ذكرها هؤلاء باطلة لا يجوز ذكرها.
قال الرازي : حضرت في مجلس وفيه بعض الأكابر فكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة بسبب اقتضى ذلك فقلت له : لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل، وقال الله تعالى :﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ ( الأنعام : ١٢٤ ) ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في الطعن فيه وأيضاً بتقدير أنه ما كان نبياً فلا شك أنه كان مسلماً وقال صلى الله عليه وسلم :«لا تذكروا موتاكم إلا بخير » وذكرت له أشياء أخر قال : سكت ولم يذكر شيئاً.
فإن قيل : قد ذكر هذه القصة كثير من المحدثين والمفسرين. أجيب : بأنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القطعية واجباً والمحققون يردون هذا القول ويحكمون عليه بالكذب، وأما القول الثاني : فقالوا : تحمل هذه القصة على حصول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه : الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود عليه السلام فآثره أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني : قالوا : إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب البتة أما وقوع بصره عليها بغير قصد فليس بذنب وأما حصول الميل عقب النظر فليس أيضاً ذنباً لأن الميل ليس في وسعه فليس مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها تزوج بها. الثالث : أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضاً أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادة مألوفة معهودة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان، فقيل له ذلك، وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه وجوه ثلاثة لو حملت هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى.
وأما القول الثالث : فقال تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه السلام بل يوجب أعظم أنواع المدح والثناء له وهو أنه قد روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه السلام وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل فيه بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً تمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً، وقالوا :﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ إلى آخر القصة فعلم غرضهم وقصد أن ينتقم منهم وظن أن ذلك ابتلاء من الله تعالى فاستغفر ربه مما هم به وأناب، فإن قيل : ههنا أربعة ألفاظ يمكن أن يحتج بها في إلحاق الذنب بداود عليه السلام أحدها : قوله تعالى :﴿وظن داود أنما فتناه﴾ وثانيها : قوله تعالى :﴿فاستغفر ربه﴾ وثالثها : قوله تعالى :﴿وأناب﴾ ورابعها : قوله تعالى :﴿فغفرنا له ذلك﴾. أجيب : بأن هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكر لاحتمال أن تكون الزلة إنما حصلت من باب ترك الأفضل
ص 38:25
﴿فغفرنا له ذلك﴾ أي : ما استغفر منه ﴿وإن له عندنا لزلفى﴾ أي : زيادة خير في الدارين بعد المغفرة ﴿وحسن مآب﴾ أي : مرجع في الجنة.
ص 38:26
ولما تم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض بقوله تعالى :﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ أي : تدبر أمر العباد بأمرنا وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول الأول كما مر لأن من البعيد جداً أن يوصف الرسول بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم من أيديهم ثم يذكر عقبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه، ثم في تفسير كونه خليفة وجهان :
أحدهما : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من تصح عليه الغيبة وذلك على الله تعالى محال.
ثانيهما : إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة ومنه يقال : خليفة الله تعالى في أرضه.
وحاصله : أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة للزوم نفاذ الحكم في تلك الحقيقة ﴿فاحكم بين الناس﴾ أي : الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا ﴿بالحق﴾ أي : بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى ذلك إلى تخريب العالم ووقوع الهرج فيه والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال تعالى :﴿ولا تتبع الهوى﴾ أي : لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى ثم سبب عنه قوله تعالى :﴿فيضلك﴾ أي : ذلك الاتباع أو الهوى ﴿عن سبيل الله﴾ لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله﴾ أي : عن الإيمان بالله تعالى ﴿لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا﴾ أي : بسبب نسيانهم ﴿يوم الحساب﴾ أي : المرتب عليه تركهم الإيمان ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا، وقال الزجاج : بتركهم العمل لذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي : في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا أي : تركوا القضاء بالعدل.
ص 38:27
﴿وما خلقنا السماء﴾ التي ترونها ﴿والأرض وما بينهما﴾ أي : مما تحسون به من الرياح وغيرها خلقاً ﴿باطلاً﴾ أي : عبثاً قال الله تعالى :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ ( المؤمنون : ١١٥ ).
تنبيه : احتج أهل السنة بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى خلق كل ما بين السماء والأرض وأعمال العباد مما بين السماء والأرض فوجب أن يكون تعالى خالقاً لها، ودلت على صحة القول بالحشر والنشر لأنه تعالى لما خلق الخلق في هذا العالم فإما أن يكون خلقهم للإضرار والانتفاع أو لا لشيء، والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضاً باطل، لأن هذه الحالة حاصلة خالصة حين كانوا معدومين فلم يبق إلا أن يقال : خلقهم للانتفاع وذلك الانتفاع إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة. والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة وتحمل الضرر الكثير لوجدان المنفعة القليلة لا يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القول ثبت القول بوجود حياة بعد هذه الحياة الدنيا وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة.
تنبيه : يجوز في باطلاً أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أو حالاً من ضميره أي : خلقاً باطلاً وأن يكون حالاً من فاعل خلقنا أي : مبطلين أو ذوي باطل وأن يكون مفعولاً من أجله أي : للباطل وهو العبث ﴿ذلك﴾ أي : خلق ما ذكر لا لشيء ﴿ظن الذين كفروا﴾ أي : أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء وأنه لا بعث ولا حساب ﴿فويل﴾ أي : هلاك عظيم بسبب هذا الظن أو واد في جهنم ﴿للذين كفروا﴾ أي : مطلقاً بهذا الظن وغيره من أي شرك كان ﴿من النار﴾ لأن من أنكر الحشر والنشر كان شاكاً في حكمة الله تعالى في خلق السماوات والأرض.
ص 38:28
ونزل لما قال كفار مكة للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون :﴿أم نجعل﴾ أي : على عظمتنا ﴿الذين آمنوا﴾ أي : امتثالاً لأوامرنا ﴿وعملوا الصالحات﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿كالمفسدين﴾ أي : المطبوعين على الفساد والراسخين فيه ﴿في الأرض﴾ أي : في السفر وغيره لم نجعلهم مثلهم وأم منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلاً ليدل على نفيه وكذا التي في قوله تعالى :﴿أم نجعل المتقين كالفجار﴾ كرر الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية، أولاً بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم.
ص 38:29
وقوله تعالى :﴿كتاب﴾ خبر مبتدأ مضمر أي : هذا كتاب ثم وصفه بقوله تعالى :﴿أنزلناه﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ يا أشرف الخلق ﴿مبارك﴾ أي : كثير خيره ونفعه، وقوله تعالى :﴿ليدّبروا﴾ أصله ليتدبروا أدغمت التاء في الدال ﴿آياته﴾ أي : ليتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه اللطيفة فيأتمروا بأوامره ومناهيه فيؤمنوا ﴿وليتذكر﴾ أي : وليتعظ به ﴿أولو الألباب﴾ أي : أصحاب العقول.
ص 38:30
قوله تعالى :﴿ووهبنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿لداود سليمان﴾ ابنه فجاء عديم النظير في ذلك الزمان ديناً ودنيا وعلماً وحكمة وعظمة ورحمة، والمخصوص بالمدح في قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ محذوف أي : سليمان، وقيل : داود ﴿إنه أوّاب﴾ أي : رجاع إلى التسبيح والذكر في جميع الأوقات.
ص 38:31
﴿إذ﴾ أي : اذكر إذ ﴿عُرض عليه﴾ أي : سليمان، وقوله تعالى :﴿بالعشي﴾ وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وقوله تعالى :﴿الصافنات﴾ أي : الخيل العربية الخالصة جمع صافنة وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج : هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وهي علامة الفراهة فيه وأنشد :
ألف الصفون فلا يزال كأنه؍ مما يقوم على الثلاث كسيرا؍
وقيل : هو الذي يجمع يديه ويسويهما، وقيل : هو القائم مطلقاً أي : سواء كان من الخيل أم من غيرها قاله القتيبي واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم :«من سره أن تقوم الناس له صفوناً فليتبوأ مقعده من النار » أي : يديمون له القيام وجاء الحديث قمنا صفوناً أي : صافين أقدامنا، وقيل : هو قيام الخيل مطلقاً، أي : سواء وقف على طرف سنبكه أم لا، قال الفراء : على هذا رأيت أشعار العرب، واختلف أيضاً في قوله تعالى :﴿الجياد﴾ فهي إما من الجودة ويقال : جاد الفرس يجود جودة وجودة بالفتح والضم فهو جواد للذكر والأنثى، وهو الذي يجود في جريه بأعظم ما يقدر عليه، والجمع جياد وأجواد وأجاويد، وقيل : جمع لجود بالفتح كثياب وثوب، وإما من الجيد وهو العنق، والمعنى : طويلة الأجياد وهو دال على فراهتها.
قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس، وقال مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وقال عوف عن الحسن : بلغني أنها كانت خيلاً خرجت من البحر لها أجنحة، وعن عكرمة : أنها كانت عشرين ألف فرس لها أجنحة فصلى سليمان الصلاة الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم لذلك.
ص 38:32
﴿فقال إني أحببت﴾ أي : أردت ﴿حب الخير﴾ أي : الخيل ﴿عن ذكر ربي﴾ أي : صلاة العصر ﴿حتى توارت﴾ أي : الشمس ﴿بالحجاب﴾ أي : استترت بما يحجبها عن الأبصار.
ص 38:33
﴿ردّوها علي﴾ أي : الخيل المعروضة، وقيل : الضمير يرجع للشمس، قال الرازي : وهذا بعيد لوجوه :
الأول : أن الصافنات مذكورة بالصريح والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر.
وثانيها : أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العصر كان ذلك ذنباً عظيماً ومن كان هذا حاله فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقب ذلك الجرم العظيم الذي لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول عليه السلام المطهر المكرم.
ثالثها : أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل علمنا فساده، انتهى. قال أكثر المفسرين : فلما ردوا الخيل إليه أقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف أخذاً من قوله تعالى ﴿فطفق مسحاً﴾ أي : فأخذ يمسح السيف مسحاً ﴿بالسوق والأعناق﴾ أي : سوقها وأعناقها يقطعها من قولهم : مسح علاوته إذا ضرب عنقه، قالوا : فعل ذلك تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لمرضاته حيث اشتغل عن طاعته وكان ذلك مباحاً له وإن كان حراماً علينا كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام وبقي منها مائة فرس فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل من نسل تلك المائة.
قال الحسن : فلما عقر الخيل أبدله الله تعالى خيراً منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، قال الرازي : وهذا عندي بعيد لوجوه.
الأول : أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي : اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل : مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح.
الثاني : أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان عليه السلام أنواعاً من الأفعال المذمومة فأولها : ترك الصلاة وثانيها : أنه استولى عليه الإشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلى الله عليه وسلم :«حب الدنيا رأس كل خطيئة » وثالثها : أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة. ورابعها : أنه خاطب رب العالمين بقوله : ردوها علي وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها : أنه اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لأكله، وهذه أنواع من الكبائر ينسبونها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها، وخلاصتها : أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله :﴿وقالوا ربنا عجِّل لنا قِطّنا قبل يوم الحساب﴾ ( ص : ١٦ ) وأن الكفار لما بالغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ثم ذكر عقبه قصة سليمان عليه السلام فقال تعالى :﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ الآية والتقدير : أنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا : إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً.
قال : والصواب : أن تقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما هو في دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أجريها لأمر الله تعالى وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله :﴿عن ذكر ربي﴾ ثم إنه عليه السلام أمر بإجرائها وسيرها حتى توارت بالحجاب أي : غابت عن بصره ثم إنه أمر الرابضين أن يردوها فردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك أمور :
الأول : تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو.
الثاني : أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.
الثالث : أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسها ويمسح لها سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من المنكرات إلى سليمان عليه السلام والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة.
قال : فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه فالجواب أن نقول : لفظ الآية لا تدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا وأيضاً فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قطعي ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات من أقوام لا يلتفت إلى أقوالهم والذي ذهبنا إليه قول الزهري وابن كيسان ا. ه، وقد يجاب من جهة الجمهور أن ما نسبه إليهم ممنوع.
وبيان ذلك أن قوله : إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح يقال : القرينة كافية في ذلك وقوله أنهم جمعوا أنواعاً مذمومة أولها : ترك الصلاة إنما يكون ذلك مذموماً إذا تركها متعمداً ولم يكن ذلك بل نسيها وقد نام صلى الله عليه وسلم في الوادي حتى طلعت الشمس وقضى الصبح والنسيان والنوم لا مؤاخذة فيهما، وقوله : ثانيها : أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إنما اشتغل بذلك لأمر الجهاد وهو مطلوب في حقه، وقوله : ثالثها : أنه لم يشتغل بالتوبة يقال : إنه لم يأت بذنب، وقوله : رابعها : أنه خاطب رب العالمين بقوله : ردوها علي ممنوع والمخاطب إنما هو جماعته، وقوله : خامسها إلى أن قال : وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عقر الحيوان قد مر عنهم أن ذلك كان مباحاً له فليس فيما قالوه نسبة سليمان عليه الصلاة والسلام إلى معصية فلو قال : الأولى أن يقال : كذا كان أولى، وقرأ قنبل بهمزة ساكنة بعد السين وقيل عنه أيضاً بضم الهمزة وواو بعدها.
ص 38:34
واختلف في سبب الفتنة التي وقعت لسليمان عليه السلام في قوله تعالى :﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿على كرسيه جسداً ثم أناب﴾ فقال محمد بن إسحاق : عن وهب بن منبه قال : سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر وكان الله تعالى قد أعطى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فأخذها وقتل ملكها وسبا ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتاً لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسناً وجمالاً فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حباً لم يحبه شيئاً من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فشق ذلك على سليمان عليه السلام.
فقال لها : ويحك ما هذا الحزن ؟ قالت له : إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصاب فيحزنني ذلك فقال لها سليمان عليه السلام : قد أبدلك الله ملكاً هو أعظم من ملكه وسلطاناً هو أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك كله، قالت : إن ذلك كذلك ولكن إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري أراها بكرة وعشياً لرجوت أن يذهب ذلك حزني، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فعمدت إليه حين صنعوه وألبسته ثياباً مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان عليه السلام تذهب إليه مع ولائدها فتسجد له ويسجدن معها له تبعاً لها كما كانت تصنع في ملكه، وسليمان عليه السلام لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحاً، فبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقاً لسليمان عليه السلام وكان لا يرد عن أبواب سليمان عليه السلام أي ساعة أراد دخول شيء من بيوت سليمان عليه السلام حاضراً كان سليمان عليه السلام أو غائباً.
فقال : يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأثني عليهم بعملي فيهم وأعلم الناس ببعض ما كانوا يجهلون من كثير أمرهم، فقال : افعل فجمع سليمان عليه السلام الناس فقام فيهم خطيباً فذكر من مضى من أنبياء الله تبارك وتعالى وأثنى على كل نبي بما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان عليه السلام فقال : ما كان أحكمك في صغرك ثم انصرف، فوجد سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى امتلأ غضباً، فلما دخل داره دعاه فقال : يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيراً في كل زمانهم وكل حال أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيراً في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري فما الذي أحدثت في آخر عمري فقال آصف : إن غير الله تعالى يعبد في دارك، فقال سليمان عليه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان عليه السلام إلى داره فكسر الصورة وعاقب تلك المرأة وولائدها، وخرج وحده إلى فلاة ففرش الرماد وجلس عليه تائباً إلى الله تعالى.
وكانت له أم ولد يقال لها : الأمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه فيه فوضعه عندها يوماً، فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة سليمان عليه السلام وقال لها : يا أمينة خاتمي فناولته الخاتم وتختم به وجلس على كرسي سليمان عليه السلام فعكف عليه الطير والجن والإنس وتغيرت صفة سليمان عليه السلام، فأتى الأمينة يطلب الخاتم فأنكرته فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال : أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه وأخذ ينقل السمك للسماكين فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحداها بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث كذلك أربعين صباحاً مدة ما كان عبد الوثن في داره فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان.
وسأل آصف نساء سليمان عليه السلام فقلن : ما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة فقال آصف : إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج على بني إسرائيل فقال : ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وقد عمل له سليمان عليه السلام بسمكتين صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان عليه السلام بسمكتيه فباع السمكة التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله الخاتم في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجداً، وعكفت عليه الطير والجن والإنس ورجع إلى ملكه وأخذ ذلك الشيطان وحبسه في صخرة وألقاه في البحر هذا ملخص حديث وهب، وقال الحسن : ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه.
وقال السدي : كان سبب فتنة سليمان عليه السلام أنه كانت له مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة : وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان يأتمنها على خاتمه إذا أتى حاجته فقالت له يوماً : إن أخي بينه وبين فلان خصومة فأحب أن تقضي له فقال : نعم ولم يفعل فابتلى بقوله : نعم، وذكر نحو ما تقدم وفي بعض الروايات أن سليمان عليه السلام لما افتتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه فأعاده سليمان عليه السلام إلى يده فسقط فأيقن سليمان عليه السلام بالفتنة، فأتاه آصف فقال لسليمان عليه السلام : إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك في يدك ففر إلى الله تعالى تائباً فإني أقوم مقامك وأسير بسيرك إلى أن يتوب الله تعالى عليك، ففر سليمان عليه السلام إلى الله تعالى وأعطى آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت فأقام آصف في ملك سليمان عليه السلام يسير بسيره أربعة عشر يوماً إلى أن رد الله تعالى على سليمان عليه السلام ملكه وتاب عليه ورجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في يده، فهو الجسد الذي ألقي على كرسيه.
وروي عن سعيد بن المسيب قال : احتجب سليمان عليه السلام عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي فابتلاه الله عز وجل وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه.
قال الرازي : واستبعد أهل التحقيق هذا الكلام من وجوه ؛ الأول : أن الشيطان لو قدر على أن يشتبه في الصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذٍ لا يبقى اعتماد على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على صورة محمد وعيسى وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال وذلك يبطل الدين بالكلية.
الثاني : أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله تعالى سليمان عليه السلام بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ يجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم ويخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولى.
الثالث : كيف يليق بحكمة الله تعالى وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان عليه السلام ولا شك أنه قبيح أي : على غير رأي الحسن كما مر.
الرابع : لو قلنا إن سليمان عليه السلام أذن لتلك المرأة في عبادتها تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف يؤاخذ الله تعالى سليمان عليه السلام بفعل لم يصدر منه أي : وقد يقال : إنما أوخذ بذلك لكونه كان سبباً في عملها.
قال : فأما أهل التحقيق فقد ذكروا وجوهاً ؛ الأول : أن فتنة سليمان عليه السلام أنه ولد له ابن فقالت : الشياطين إن عاش صار مسلطاً علينا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله، فعلم سليمان عليه السلام ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو يشتغل بمهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يثق ولم يتوكل على الله تعالى فاستغفر ربه وتاب.
الثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله تعالى، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل والذي نفسي بيده لو قال : إن شاء الله تعالى لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين » فذلك قوله تعالى :﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ ( ص : ٣٤ ).
الثالث : أنه أصابه مرض فصار يجلس على كرسيه وهو مريض فذلك قوله تعالى ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ وذلك لشدة المرض والعرب تقول في الضعيف : أنه لحم على وضم وجسم بلا روح ﴿ثم أناب﴾ أي : رجع إلى حال الصحة أي : وهذا أظهر ما قيل كما قاله البيضاوي.
الرابع : لا يبعد أيضاً أن يقال : إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط وقوع خوف أو وقوع بلاء توقعه من بعض الجهات حتى صار بقوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الخفي على ذلك الكرسي ثم إن الله تعالى أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة، فإن قيل : لولا تقدم الذنب.
ص 38:35
لما ﴿قال رب اغفر لي﴾. أجيب : بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنه أبداً في مقام هضم النفس وإظهار الندم والخضوع كما قال صلى الله عليه وسلم :«إني لأستغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين مرة » مع أنه صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى واختلف في قول سليمان عليه السلام ﴿وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي :﴿فمن يهديه من بعد الله﴾ ( الجاثية : ٢٣ ) أي : سوى الله فقال عطاء بن أبي رباح : يريد هب لي ملكاً لا تسلبنيه في باقي عمري ﴿إنك أنت الوهاب﴾ وقال مقاتل : إن الشيطان لما استولى على ملكه طلب أن يعطيه الله ملكاً لا يقدر الشيطان على أن يقوم فيه مقامه البتة وقال : من أنكر أن الشيطان لم يستول على ذلك أن ذلك محتمل لوجوه ؛ الأول : أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري البتة ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي.
ص 38:36
ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى :﴿فسخرنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿له الريح تجري بأمره رُخاءً﴾ أي : حالة كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا تدرك الخيل غدوها شهر ورواحها شهر ﴿حيث أصاب﴾ أي : أراد فكون الريح جارية بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب دال على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته، وقد جعل الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من جوانبه الأربعة فهي أربعة أشهر.
الثاني : أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل مني إلى غيري.
الثالث : أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة فكأنه قال : يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية حتى احترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل.
الرابع : سأل ذلك ليكون علامة على قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه ورد عليه ملكه وزاده فيه، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن عفريتاً من الجن أتاني الليلة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه فذكرت دعوة أخي سليمان ﴿وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فرددته خاسئاً » فعلم من هذه الأوجه أنه ليس في كلام سليمان عليه السلام ما يشبه الحسد وهو طلب ما لا ينبغي لأحد غيره، وأجاب الزمخشري بأجوبة غير ذلك منها : أن سليمان عليه السلام كان ناشئاً في بيت الملك والنبوة ووارثاً لهما فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب ألفه ملكاً زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ليكون ذلك دليلاً على نبوته قاهراً للمبعوث إليهم ثم قال : وعن الحجاج أنه قيل له : إنك حسود، فقال : أحسد مني من قال :﴿وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ قال : وهذا من جراءته على الله تعالى وشيطنته ومن شيطنته ما حكي عنه طاعتنا أوجب من طاعة الله لأنه شرط في طاعته فقال :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ( التغابن : ١٦ ) وأطلق في طاعتنا فقال ﴿وأولي الأمر منكم﴾ ( النساء : ٥٩ )، فإن قيل : قوله تعالى :﴿رخاء﴾ ينافيه قوله تعالى في آية أخرى :﴿ولسليمان الريح عاصفة﴾ ( الأنبياء : ٨١ ) أجيب عن ذلك بوجهين : الأول : أن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رخاء. الثاني : أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين الآيتين.
تنبيه : قوله تعالى :﴿حيث﴾ ظرف لتجري أو لسخرنا.
فائدة : روي أن رجلين خرجا يقصدان رؤبة يسألانه عن معنى : أصاب فقال لهما : أين تصيبان ؟ فعرفا، وقالا : هذا بغيتنا.
ص 38:37
قوله تعالى :﴿والشياطين﴾ عطف على الريح، وقوله تعالى :﴿كل بناءٍ﴾ بدل من الشياطين كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، روي أن سليمان عليه السلام أمر الجان فبنت له اصطخر وكان فيها قرار مملكة الترك قديماً وبنت له الجان أيضاً تدمر وبيت المقدس وباب جيرون وباب البريد اللذين بدمشق على أحد الأقوال، وبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسلحين ويبنون ومدينة صنعاء، وقوله تعالى :﴿وغواصٍ﴾ عطف على بناء أي : يغوصون له في البحر يستخرجون اللؤلؤ وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر.
ص 38:38
وقوله تعالى :﴿وآخرين مقرنين﴾ أي : مشدودين ﴿في الأصفاد﴾ أي : القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم عطف على كل فهو داخل في حكم البدل، فكأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر، فإن قيل : أجسامهم إما أن تكون كثيفة أو لطيفة فإن كانت كثيفة وجب أن يراها صحيح الحاسة وإن كانت لطيفة فلا تقوى على العمل ولا يمكن تقرينها ؟ أجيب : بأن أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى وتقوى على العمل ويمكن تقرينها، أو أن المراد : تمثيل كفهم عن الشرور بالإقتران في الصفد وهو القيد ويسمى به العطاء لأنه يربط المنعم عليه وفرقوا بين فعل الصفد بمعنى القيد وفعله بمعنى العطاء فقالوا : صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد في الخير والشر في ذلك نكتة وهي : أن القيد ضيق فناسبه تقليل حروف فعله والعطاء واسع فناسبه تكثير حروف فعله، والوعد خير وهو خفيف فناسبه تقليل حروفه، والإيعاد شر وهو ثقيل فناسبه تكثير حروفه.
ص 38:39
﴿هذا﴾ أي : وقلنا هذا الأمر الكبير ﴿عطاؤنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿فامنن أو أمسك﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أعط من شئت وامنع من شئت، قال المفسرون : أي : لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت، وقال الحسن : ما أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان عليه السلام فإنه إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة، وقال مقاتل : هذا في أمر الشياطين يعني خل من شئت منهم وأمسك من شئت في وثاقك لا تبعة عليك فيما تتعاطاه وقوله تعالى ﴿بغير حساب﴾ فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه متعلق بعطاؤنا أي : أعطيناك بغير حساب ولا تقدير وهو دال على كثرة الإعطاء، ثانيها : أنه حال من عطاؤنا أي : في حال كونه غير محاسب عليه لأنه جم كثير يعسر على الحاسب ضبطه، ثالثها : أنه متعلق بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون حالاً من فاعلهما أي : غير محاسب عليه.
ص 38:40
ولما ذكر تعالى ما أنعم عليه به في الدنيا أتبعه بما أنعم عليه به في الآخرة بقوله سبحانه وتعالى :﴿وإن له عندنا﴾ أي : في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا ﴿لزلفى﴾ أي : قربى عظيمة ﴿وحسن مآب﴾ وهو الجنة.
ص 38:41
القصة الثالثة قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿واذكر عبدنا﴾ أي : الذي هو أهل للإضافة إلى جنابنا ويبدل منه ﴿أيوب﴾ وهو ابن الروم بن عيص بن اسحاق وامرأته ليا بنت يعقوب عليهما السلام وقوله تعالى :﴿إذ نادى ربه﴾ بدل من عبدنا بدل اشتمال وأيوب عطف بيان له وقوله :﴿إني﴾ أي : بأني ﴿مسني الشيطان﴾ أي : المحترق باللعنة البعيد من الرحمة ﴿بِنُصبٍ﴾ أي : بمشقة وضر ﴿وعذاب﴾ أي : ألم جيء به على حكاية كلامه الذي نادى بسببه ولو لم يحكه لقيل : إنه مسه لأنه غائب، وقال قتادة رضي الله عنه : النصب في الجسد والعذاب في المال، واختلف العلماء في هذه الآلام والأسقام الحاصلة في جسده على قولين ؛ أحدهما : أنها حصلت بفعل الشيطان، والثاني : أنها حصلت بفعل الله تعالى، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان وهو عذاب الوسوسة وإلقاء الخواطر الفاسدة، أما تقرير القول الأول فهو ما روي أن إبليس لعنه الله سأل ربه فقال : هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني، فقال الله تعالى : نعم عبدي أيوب فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عياناً ولا يلتفت إليه، فقال : رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله فكان الشيطان يجيئه ويقول له : يا أيوب هلك من مالك كذا وكذا، فيقول أيوب له : الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله سبحانه وتعالى، فقال : يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على جسده فأذن فيه فنفخ في جلد أيوب فحدث أسقام عليه وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سنين حتى استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال : إن زوجك إن استغاث بي خلصته من هذا البلاء فذكرت المرأة ذلك لزوجها فحلف بالله لئن عافاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة وعند هذه الواقعة قال ﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ فأجاب الله تعالى دعاءه وأوحى إليه أن ﴿اركض برجلك﴾ إلى آخر الآية.
وأما تقرير القول الثاني : فإن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في الأمراض والأسقام ويدل عليه وجوه.
الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعل ما عندنا من الخيرات والسعادات قد حصل بفعله وحينئذ لا سبيل إلى معرفة من يعطي الحياة والموت والصحة والسقم أهو الله تعالى أم الشيطان.
ثانيها : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ولم لا يخرب دورهم ولم لا يقتل أولادهم.
ثالثها : أن الله تعالى حكى عن الشيطان أنه قال :﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ ( إبراهيم : ٢٢ ) فصرح بأنه لا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، فدل ذلك على فساد القول بأن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان ؟.
أجيب : بأنه إذا كان لابد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحق أن المراد بقوله :﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة كاد يلقيه في أنواع العذاب، والقائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا أوجهاً ؛ أولها : أن علته كانت شديدة الألم ثم طالت تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ولم يبق له مال البتة وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن خدمتهم، والشيطان كان يذكره النعمة التي كانت عليه والآفات التي حصلت له وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله تعالى وقال : مسني الشيطان بنصب وعذاب لأنه كلما كثرت تلك الخواطر كان تألم قلبه منها أشد.
ثانيها : أنه لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان ليقنطه مرة ويزلزله ليجزع مرة فخاف من خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال :﴿أني مسني الشيطان﴾.
ثالثها : قيل : إن امرأته كانت تخدم الناس وتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب عليه السلام فاتفق لها أنهم لما استخدموها طلبت بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني فعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر الرديئة في قلبه فعند ذلك قال :﴿مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾.
رابعها : روي أنه عليه السلام قال في بعض الأيام : يا رب لقد علمت أني ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيماً ولابن السبيل معيناً ولليتامى أباً، فنودي يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق فأخذ أيوب عليه السلام التراب فوضعه على رأسه وقال : منك يا رب ثم خاف من الخواطر الأولى فقال :﴿مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ وذكروا أقوالاً أخر في سبب بلائه، منها : أن رجلاً استغاثه على ظالم فلم يغثه، وقيل : كانت مواشيه ترعى في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يعظه، وقيل : أعجب بكثرة ماله وأعلم أن داود وسليمان عليهما السلام كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء وأيوب عليه السلام كان ممن خصه الله بأنواع البلاء والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار كأن الله تعالى قال : يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر من الأنبياء نعمة ومالاً وجاهاً من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان فيهم أكثر بلاء ومحنة من أيوب عليه السلام، فتأمل أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره.
ص 38:42
ولما اشتكى أيوب عليه السلام الشيطان وسأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية أجاب الله تعالى له بأن قال له :﴿اركض﴾ أي : اضرب ﴿برجلك﴾ أي : الأرض فضرب فنبعت عين ماء، فقيل له :﴿هذا مغتسل باردٌ﴾ أي : ماء تغتسل منه فيبرأ ظاهرك ﴿وشراب﴾ أي : وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء فاغتسل منه وشرب منه، وأكثر المفسرين قالوا : نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله تعالى وقيل : ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها، وقيل : ضرب الأرض فنبعت له عين ماء فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فركض برجله الأرض مرة أخرى فنبعت عين ماء عذب فشرب منه فذهب كل داء كان في باطنه.
ص 38:43
﴿ووهبنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿له أهله﴾ أي : بأن جعلناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم، وقيل : وهبنا له مثل أهله والأول هو ظاهر الآية فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة ﴿ومثلهم معهم﴾ حتى كان له ضعف ما كان. وقوله تعالى :﴿رحمة﴾ أي : نعمة ﴿منا﴾ مفعول لأجله أي : وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه ﴿وذكرى﴾ أي : وتذكيراً بحاله ﴿لأولي الألباب﴾ أي : أصحاب العقول ليعلموا أن من صبر ظفر وأن رحمة الله تعالى واسعة وهو عند القلوب المنكسرة فما بينه وبين الإجابة إلا حسن الإنابة فمن دام إقباله عليه أغناه عن غيره كما قيل :
لكل شيء إذا فارقته عوض؍ وما عن الله إن فارقت من عوض؍
وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم كما مر.
ص 38:44
قوله تعالى :﴿وخذ بيدك ضغثاً﴾ معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش والقضبان فيها مائة عود كشمراخ النخلة وقيل : الحزمة الكبيرة من القضبان، وقوله سبحانه وتعالى :﴿فاضرب به ولا تحنث﴾ يدل على تقدم يمين منه عليه الصلاة والسلام واختلفوا في سبب حلفه عليها ويبعد ما قيل أنها رغبته في طاعة الشيطان ويبعد أيضاً ما روي أنها قطعت ذؤابتيها لأن المضطر يباح له ذلك، بل الأقرب ما روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل : رحمة بنت افراثيم بن يوسف عليه السلام ذهبت لحاجة فأبطأت عليه فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ.
ولما كانت حسنة الخدمة جعل الله تعالى يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه الرخصة باقية في الحدود لما روي أنه صلى الله عليه وسلم :«أتي برجل ضعيف قد زنا بأمة فقال صلى الله عليه وسلم : خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة » ﴿إنا وجدناه صابراً﴾ أي : فيما أصابه في النفس والأهل والمال.
فإن قيل : كيف وجده صابراً وقد شكا إليه ؟ أجيب بأوجه : أحدها : أن شكواه إلى الله تعالى كتمني العافية فلا يسمى جزعاً ولهذا قال يعقوب عليه السلام :﴿إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله﴾ ( يوسف : ٨٦ ) وكذلك شكوى العليل وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني العافية وطلبها، فإذا صح أن يسمى صابراً مع تمني العافية أفلا يعد صابراً مع اللجوء إلى الله تعالى والدعاء بكشف ما به مع التعالج ومشاورة الأطباء. ثانيها : أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئاً فلما تعاظمت الوساوس على القلب تضرع إلى الله تعالى. ثالثها : أن الشيطان عدو والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ويروى أنه قال في مناجاته : إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعاناً ولا كاسياً ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه ثم استأنف قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ أي : أيوب عليه السلام ثم علل بقوله تعالى : مؤكداً لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك ﴿إنه أواب﴾ أي : رجاع إلى الله تعالى روي : أنه لما نزل قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ في حق سليمان عليه السلام تارة وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن قوله تعالى :﴿نعم العبد﴾ تشريف عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب عليه السلام لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله فأنزل الله تعالى قوله سبحانه وتعالى :﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ ( الأنفال : ٤٠ ) والمراد : أنك أيها الإنسان إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى وإن كان منك غير الفضل فأنا مني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني الرحمة والتيسير.
ص 38:45
القصة الرابعة : قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق﴾ بن إبراهيم ﴿ويعقوب﴾ بن إسحاق ﴿أولي الأيدي﴾ أي : أصحاب القوى في العبادة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أولي القوة في طاعة الله تعالى ﴿والأبصار﴾ أي : المعرفة بالله أي : البصائر في الدين وأولي الأعمال الجليلة والعقائد الشرعية، فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى عبادتها، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله تعالى ولا من المستبصرين في دين الله، وفيه توبيخ أيضاً على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما فهم في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والناقصي العقول الذين لا استبصار لهم، وقال قتادة ومجاهد : أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين، وقرأ ابن كثير بفتح العين وسكون الباء الموحدة ولا ألف بعدها على التوحيد على أنه إبراهيم وحده لمزيد شرفه وإبراهيم عطف بيان وإسحاق ويعقوب عطف على عبدنا والباقون بكسر العين وفتح الموحدة وألف بعدها على الجمع.
ص 38:46
﴿إنا أخلصناهم بخالصةٍ﴾ أي : اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها وهي ﴿ذكرى الدار﴾ الآخرة أي : ذكرها والعمل لها لأن مطمح نظرهم الفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقة والدنيا معبر، وقرأ نافع وهشام خالصة بغير تنوين بالإضافة للبيان أو أن خالصة مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله والباقون بالتنوين، فمن أضاف فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة وأن يعملوا لها، والذكرى بمعنى : الذكر، قال مالك بن دينار : نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وقال قتادة : كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل، وقال السدي : أخلصوا الخوف للآخرة وقال ابن زيد : أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، ومن قرأ بالتنوين فمعناه : بخلة خالصة هي ذكرى الدار فيكون ذكرى الدار بدلاً من الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما أخبرنا من ذكر الآخرة، والمراد بذكرى الدار : الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة، وقيل : إنه أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقيل : هو دعاؤه ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ ( الشعراء : ٨٤ ).
ص 38:47
﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين﴾ أي : اصطفاء لا يقدح فيه قادح فصاروا في غاية الرسوخ في هذا الوصف ﴿الأخيار﴾ أي : المختارين من أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت، واحتج العلماء بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء عليهم السلام لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخياراً على الإطلاق وهذا يفهم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء منه.
ص 38:48
القصة الخامسة : قصة إسماعيل واليسع وذي الكفل عليهم السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿واذكر﴾ يا أشرف الخلق ﴿إسماعيل﴾ أي : أباك وما صبر عليه من البلاء بالغربة والإنفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرياسة والذكر في هذه البلدة ﴿واليسع﴾ وهو ابن إخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ واللام كما في قوله :
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً؍ . . . . . . . . . . . . . . . . . .؍
وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء بعدها والباقون بسكون اللام وفتح الياء بعدها ﴿وذا الكفل﴾ وهو ابن عم اليسع أو بشر بن أيوب واختلف في نبوته وكفلته فقيل : فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم وقيل : كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة ﴿وكل﴾ أي : وكلهم ﴿من الأخيار﴾ فهم قوم خيرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله تعالى وصبروا فاذكرهم يا أفضل الخلق بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم.
ص 38:49
ولما أجرى تعالى ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتمه قال مؤكداً لشأنهم وشرف ما ذكر من أعمالهم :﴿هذا﴾ أي : ما تلوناه عليك من ذكرهم وذكر غيرهم ﴿ذكر﴾ أي : شرف في الدنيا وموعظة من ذكر القرآن ذي الذكر ثم عطف على قوله تعالى :﴿إن الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد﴾ ( ص : ٢٦ ) ما لأضدادهم فقال تعالى رداً على من ينكر ذلك من كفار العرب وغيرهم ﴿وإن للمتقين لحسن مآب﴾ أي : مرجع.
ص 38:50
ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه بقوله تعالى :﴿جنات عدنٍ﴾ أي : إقامة في سرور وطيب عيش، ثم إنه تعالى وصف أهل الجنة بأشياء أولها قوله تعالى :﴿مفتحة لهم الأبواب﴾ أي : أن الملائكة يفتحون لهم أبواب الجنة ويحيونهم بالسلام كما قال تعالى :﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ ( الزمر : ٧٣ ) الآية وقيل : المعنى أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم، وقيل : المراد من هذا الفتح وصف تلك المساكن بالسعة وقرة العيون فيها.
ص 38:51
قوله تعالى :﴿متكئين فيها﴾ وقد ذكر في آيات أخر كيفية ذلك الاتكاء فقال تعالى في آية :﴿على الأرائك متكئون﴾ ( يس : ٥٦ ) وقال في آية أخرى :﴿متكئين على رفرف خضر﴾ ( الرحمان : ٧٦ ) ثالثها : قوله تعالى ﴿يدعون فيها﴾ أي : الجنات ﴿بفاكهة كثيرة وشراب﴾ أي : كثير فيدعون فيها بألوان الفاكهة وألوان الشراب.
ص 38:52
ولما بين المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح تتميماً للنعمة بقوله سبحانه تعالى :﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾ أي : حابسات الطرف أي : العين على أزواجهن ﴿أتراب﴾ أي : أسنانهن واحدة وهي بنات ثلاث وثلاثين سنة واحدها ترب، وعن مجاهد : متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن وقيل : أتراب للأزواج، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه الصفة لما تشابهن في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن على السوية وذلك يقتضي عدم الغيرة.
ص 38:53
وقرأ قوله تعالى :﴿هذا ما يوعدون﴾ ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالفوقية على الخطاب، وجه الغيبة تقدم ذكر المتقين، ووجه الخطاب الالتفات إليهم والإقبال عليهم أي : قل للمتقين هذا ما توعدون ﴿ليوم الحساب﴾ أي : في يوم الحساب أو لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء.
ص 38:54
﴿إن هذا﴾ أي : المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب ﴿لرزقنا ما له من نفاد﴾ أي : انقطاع وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب.
تنبيه : من نفاد فاعل ومن مزيدة والجملة في محل نصب على الحال من رزقنا أي : غير نافد ويجوز أن يكون خبراً ثانياً لأن أي : دائم.
ص 38:55
لما وصف تعالى ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد مذكوراً عقب الوعد والترغيب عقب الترهيب بقوله تعالى :﴿هذا وإن للطاغين لشر مآب﴾ أي : مرجع هذا في مقابلة قوله تعالى :﴿وإن للمتقين لحُسن مآب﴾ ( ص : ٤٩ ) والمراد بالطاغين الكفار، وقال الجبائي : على مذهبه الفاسد هم أصحاب الكبائر سواء كانوا كفاراً أم لا واحتج الأول بأن هذا ذم مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر، واحتج هو بقوله تعالى :﴿إن الإنسان ليطغى ( ٦ ) أن رآه استغنى﴾ ( العلق : ٦ ٧ ) فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة لأن من تجاوز حد تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ورد هذا بأن المراد بالإنسان هنا هو الكافر أيضاً.
تنبيه : هذا يحتمل أن يكون مبتدأ والخبر مقدر أي : كما ذكر، كما قدره الزمخشري، وقدره أبو علي بقوله : هذا للمؤمنين، وقال الجلال المحلي : هذا المذكورة للمؤمنين ويحتمل أن يكون خبر متبدأ مضمر أي : الأمر هذا.
ص 38:56
وقوله تعالى :﴿جهنم﴾ أي : الشديدة الإضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم فيه إعراب جنات المتقدم، وقوله تعالى :﴿يصلونها﴾ أي : يدخلونها فيباشرون شدائدها حال من جهنم ﴿فبئس المهاد﴾ أي : المهد والفراش مستعار من فرش النائم، وهذا معنى قوله تعالى ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواشٍ﴾ ( الأعراف : ٤١ )، شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص بالذم محذوف أي : هي.
ص 38:57
وفي قوله تعالى :﴿هذا﴾ أي : العذاب المفهوم مما بعده أوجه من الإعراب : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر هذا، ثم استأنف أمر فقال :﴿فليذوقوه﴾ ثانيها : أنه مبتدأ أو خبره ﴿حميمٌ وغساقٌ﴾ واسم الإشارة يكتفي بواحده في المثنى كقوله تعالى :﴿عوان بين ذلك﴾ ( البقرة : ٦٨ ) أو يكون المعنى : هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله تعالى :﴿فليذوقوه﴾ جملة اعتراضية. ثالثها : أنه مبتدأ والخبر محذوف أي : هذا كما ذكر وهذا للطاغين وقيل غير ذلك، وقيل : هذا على التقديم والتأخير والتقدير : هذا حميم وغساق فليذوقوه وقيل التقدير : جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ثم يبتدئ فيقول : حميم وغساق أي : منه حميم وغساق، والحميم : الحار الذي انتهى حره، والغساق : ما يسيل من صديد أهل النار، وقال كعب : هو عين في جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب، وقال أبو عمرو : هو القيح الذي يسيل من أهل النار فيجتمع فيسقونه، وقال قتادة : هو ما يغسق أي : يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة، وقيل : هو المنتن بلغة الترك، حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة بالمغرب لأنتنت أهل المشرق، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين والباقون بالتخفيف
ص 38:58
قرأ أبو عمرو :﴿وأخر﴾ بضم الهمزة على جمع أخرى مثل الكبرى والكبر أي : أصناف أخر من العذاب ﴿من شكله﴾ أي : مثل المذكور من الحميم والغساق، والباقون بفتح الهمزة ممدودة على التوحيد على أنه لما ذكروا، اختار أبو عبيدة الجمع لأنه تعالى نعته بالجمع فقال سبحانه وتعالى :﴿أزواج﴾ أي : أصناف أي : عذابهم من أنواع مختلفة.
ص 38:59
ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم :﴿هذا فوج﴾ أي : جمع كثيف ﴿مقتحم﴾ أي : داخل ومفعوله محذوف أي : مقتحم النار ﴿معكم﴾ بشدة، فيقول المتبوعون :﴿لا مرحباً بهم﴾ أي : لاسعة عليهم أو لا سمعوا مرحباً وقولهم :﴿إنهم صالو النار﴾ أي : داخلون النار بأعمالهم مثلنا تعليل لاستجابة الدعاء عليهم ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ ( الأعراف : ٣٨ ) وقال الكلبي : إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار خوفاً من تلك المقامع.
ص 38:60
﴿قالوا﴾ أي : الأتباع ﴿بل أنتم لا مرحباً بكم﴾ أي : إن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به منا وعللوا ذلك بقولهم ﴿أنتم قدمتموه﴾ أي : الكفر ﴿لنا﴾ أي : بدأتم به قبلنا وشرعتموه وسننتموه لنا، وقيل : أنتم قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى الكفر ﴿فبئس القرار﴾ أي : النار لنا ولكم.
ص 38:61
﴿قالوا﴾ أي : الأتباع أيضاً ﴿ربنا من قدم لنا هذا﴾ أي : شرعه وسنه لنا ﴿فزده عذاباً ضعفاً﴾ أي : مثل عذابه على كفره ﴿في النار﴾ قال ابن مسعود : يعني حيات وأفاعي.
ص 38:62
﴿وقالوا﴾ أي : الطاغون وهم في النار ﴿ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار﴾ يعنون فقراء المؤمنين كعمار وخباب وصهيب وبلال وسلمان الذين كانوا يسترذلونهم ويسخرون بهم.
ص 38:63
وقولهم :﴿أتخذناهم سخرياً﴾ صفة أخرى ل ﴿رجالاً﴾ أي : كنا نسخر بهم في الدنيا، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها ﴿أم زاغت﴾ أي : مالت ﴿عنهم الأبصار﴾ أي : فلم نرهم حين دخلوها وقال ابن كيسان : أي : أم كانوا خيراً منا ونحن لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئاً.
ص 38:64
﴿إن ذلك﴾ أي : الذي حكيناه عنهم ﴿لحق﴾ أي : واجب وقوعه فلا بد أن يتكلموا به ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم بقوله تعالى :﴿تخاصم أهل النار﴾ أي : في النار وإنما سماه تخاصماً لأن قول القادة للأتباع : لا مرحباً بهم، وقول الأتباع للقادة : بل أنتم لا مرحباً بكم من باب الخصومة.
تنبيه : يصح في تخاصم أوجه من الإعراب أحدها : أنه بدل من لحق، الثاني : أنه عطف بيان، الثالث : أنه خبر ثان لأن، الرابع : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : هو تخاصم.
ص 38:65
لما شرح سبحانه نعيم أهل الثواب وعقاب أهل العذاب عاد إلى تقرير التوحيد والنبوة والبعث المذكورات أول السورة بقوله تعالى :﴿قل﴾ يا أفضل الخلق للمشركين ﴿إنما أنا منذرٌ﴾ أي : مخوف بالنار لمن عصى ﴿و﴾ لا بد من الإقرار بأنه ﴿ما من إله إلا الله﴾ أي : الجامع لجميع الأسماء الحسنى ﴿الواحد القهار﴾ فكونه واحداً يدل على عدم الشريك وكونه قهاراً مشعر بالتخويف والترهيب.
ص 38:66
﴿رب السماوات﴾ أي : مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع ﴿والأرض﴾ أي : على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب ﴿وما بينهما﴾ أي : الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ربى كل شيء من ذلك إيجاداً وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب فدل ذلك على قهره وتفرده ﴿العزيز﴾ أي : الغالب على أمره ﴿الغفار﴾ فكونه رباً يشعر بالتربية والكرم والإحسان والجود وكونه غفاراً يشعر بأن العبد لو أقدم على المعاصي والذنوب ثم تاب إليه فإنه يغفرها برحمته، وهذا الموصوف بهذه الصفات هو الذي تجب عبادته لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى ثوابه.
ص 38:67
قوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿هو نبأ عظيم﴾ يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار، وقيل : تخاصم أهل النار، وقيل : على ما تقدم من إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه نذير مبين وبأن الله تعالى إله واحد متصف بتلك الصفات الحسنى.
ص 38:68
قوله تعالى :﴿أنتم عنه معرضون﴾ صفة لنبأ أي : لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة إما على التوحيد فما مر وإما على النبوة.
ص 38:69
فقوله تعالى :﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى﴾ أي : الملائكة فقوله :﴿بالملأ﴾ متعلق بقوله ﴿من علم﴾ وضمن معنى الإحاطة فلذلك تعدى بالباء ﴿إذ يختصمون﴾ أي : في شأن آدم عليه السلام حين قال الله عز وجل :﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ( البقرة : ٣٠ ) الآية، فإن قيل : الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم :﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ ( البقرة : ٣٠ ) فالمخاصمة مع الله تعالى كفر ؟ أجيب : بأنه لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة.
ص 38:70
لما أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يذكر هذا الكلام على سبيل الزجر أمره أن يقول :﴿إن﴾ أي : ما ﴿يوحي إلي إلا أنما﴾ أي : أني ﴿أنا نذير مبين﴾ أي : بين الإنذار فأبين لكم ما تأتونه وما تجتنبونه، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«رأيت ربي في أحسن صورة، قال ابن عباس رضي الله عنه : أحسبه قال في المنام فقال : يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت : أنت أعلم أي رب مرتين، قال : فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي أو قال : في نحري فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، وفي رواية ثم تلا هذه الآية ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ ( الأنعام : ٧٥ ) ثم قال : يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت : نعم في الدرجات والكفارات، قال : وما هن قلت : المشي على الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء في المكاره، قال : من يفعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال : يا محمد إذا صليت فقل : اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون » قال : ومن الدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وفي رواية :«فقلت : لبيك وسعديك في المرتين وفيهما فعلمت ما بين المشرق والمغرب » أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وللعلماء في هذا الحديث وأمثاله من أحاديث الصفات مذهبان.
أحدهما : مذهب السلف وهو إقراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والإيمان به من غير تأويل له والسكوت عنه مع الاعتقاد بأن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والمذهب الثاني : مذهب الخلف : وهو تأويل الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم : رأيت ربي في أحسن صورة يحتمل وجهين :
أحدهما : وأنا في أحسن صورة كأنه زاده جمالاً وكمالاً وحسناً عند رؤيته لربه وإنما التغيير وقع بعده لشدة الوحي وثقله.
الثاني : أن الصورة بمعنى الصفة ويرجع ذلك إلى الله تعالى والمعنى : أنه رآه في أحسن صفاته من الإنعام عليه والإقبال إليه والله تعالى تلقاه بالإكرام والإعظام فأخبر صلى الله عليه وسلم عن عظمته وكبريائه وبهائه وبعده عن شبهه بالخلق وتنزيهه عن صفات النقص وأنه ليس كمثله وهو السميع البصير وقوله صلى الله عليه وسلم فوضع يده بين كتفي إلخ فالمراد باليد : النعمة والمنة والرحمة وذلك شائع في لغة العرب فيكون معناه على هذا الإخبار بإكرام الله تعالى إياه وإنعامه عليه بأن شرح صدره ونور قلبه وعرفه ما لم يعرفه حتى وجد برد النعمة والرحمة والمعرفة في قلبه، وذلك لما نور قلبه وشرح صدره فعلم ما في السماوات وما في الأرض بإعلام الله تعالى إياه فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون إذ لا يجوز على الله تبارك وتعالى ولا على صفات ذاته سبحانه مماسة أو مباشرة أو نقص وهذا أليق بتنزيهه وحمل الحديث عليه، وإذا حملنا الحديث على المنام وإن ذلك كان في المنام فقد زال الإشكال لأن رؤية الباري سبحانه في المنام على الصفات الحسنة دليل على البشارة والخير والرحمة للرائي، وسبب اختصام الملأ الأعلى وهم الملائكة في الكفارات وهي الخصال المذكورة في الحديث في أيها أفضل، وسميت هذه الخصال كفارات ؛ لأنها تكفر الذنوب عن فاعلها فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه وسمي ذلك مخاصمة لما مر في السؤال والجواب المتقدمين.
ص 38:71
قوله تعالى :﴿إذ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من إذا الأولى كما قاله الزمخشري، وأن يكون منصوباً باذكر كما قاله أبو البقاء أي : واذكر إذ ﴿قال ربك للملائكة إني خالق﴾ أي : جاعل ﴿بشراً من طين﴾ هو آدم عليه السلام، فإن قيل : كيف صح أن يقول لهم إني خالق بشراً وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل ؟ أجيب : بأنه قد يكون قال لهم : إني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم.
ص 38:72
﴿فإذا سويته﴾ أي : أتممت خلقه ﴿ونفخت﴾ أي : أجريت ﴿فيه من روحي﴾ فصار حياً حساساً متنفساً وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريف لآدم عليه السلام والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء وكسريان النار في الفحم والماء في العود الأخضر ﴿فقعوا﴾ أي : خروا ﴿له ساجدين﴾.
ص 38:73
﴿فسجد الملائكة﴾ وقوله تعالى :﴿كلهم أجمعون﴾ فيه تأكيدان، وقال الزمخشري : كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفادا معاً أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا أنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرقين في أوقات، انتهى. فإن قيل : كيف ساغ السجود لغير الله ؟ أجيب : بأن الممنوع هو السجود لغير الله تعالى على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل إلا أن يكون فيه مفسدة فينهى الله تعالى عنه والأولى في الجواب أنه سجود تحية بالانحناء كما قاله الجلال المحلي.
ص 38:74
﴿إلا إبليس استكبر﴾ أي : تكبر وتعظم عن السجود، فإن قيل : كيف استثنى من الملائكة عليهم السلام إبليس وهو من الجن ؟ أجيب : بأنه قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله تعالى ﴿فسجد الملائكة﴾ ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلاً وقال الجلال المحلي : هو أبو الجن وكان من الملائكة وعلى هذا فلا سؤال ﴿وكان﴾ أي : وصار ﴿من الكافرين﴾ باستكباره عن أمر الله تعالى أو كان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله تعالى.
تنبيه : المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمداً صلى الله عليه وسلم بسبب الحسد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ليصير سماعها زاجراً عن هاتين الخصلتين المذمومتين.
ص 38:75
﴿قال﴾ الله تعالى ﴿يا إبليس﴾ سماه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى تحتم العقوبة له ﴿ما منعك أن تسجد﴾ وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله تعالى معبراً بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلاً كامل العقل :﴿لما خلقت بيدي﴾ أي : توليت خلقه من غير توسط سبب كأب وأم والتثنية في اليد لما في خلقه من مزيد القدرة، وقوله تعالى :﴿أستكبرت﴾ استفهام توبيخ أي : تعظمت بنفسك الآن عن السجود له ﴿أم كنت من العالين﴾ أي : من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود له لكونك منهم.
ص 38:76
فأجاب إبليس بقوله :﴿قال أنا خيرٌ منه﴾ أي : لو كنت مساوياً له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيراً منه بقوله :﴿خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ والنار أشرف من الطين بدليل أن الأجرام الفلكية أفضل من الأجرام العنصرية، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعد عنه، فوجب كون النار أفضل من الأرض، وأيضاً فالنار خليفة الشمس والقمر في إضاءة العالم عند غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض، وأيضاً فالكيفية الفاعلة الأصلية إما الحرارة وإما البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت، وأيضاً فالنار لطيفة والأرض كثيفة واللطافة أفضل من الكثافة، وأيضاً فالنار مشرقة والأرض مظلمة والنور خير من الظلمة، وأيضاً فالنار خفيفة تشبه الروح والأرض كثيفة تشبه الجسد والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض.
والدليل على أن الأرض أفضل من النار إنها أمينة مصلحة فإذا أودعتها حبّة ردتها إليك شجرة مثمرة، والنار خائنة مفسدة لكل ما سلمته إليها، وأيضاً فالنار بمنزلة الخادم لما في الأرض إن احتيج إليها استدعيت استدعاء الخادم وإن استغني عنها طردت، وأيضاً فالأرض مستولية على النار لأنها تطفئ النار، وأيضاً فإن استدلال إبليس يكون أصله خيراً من أصله استدلال فاسد لأن أصل الرماد النار وأصل البساتين المزهرة والأشجار المثمرة هو الطين ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد، وأيضاً هب أن اعتبار هذه الجهة توجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن أن يعارض بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه إلا أن الذي لا يكون نسيباً قد يكون كثير العلم والزهد فيكون أفضل من النسيب بدرجات لا حد لها فكذبت مقدمة إبليس، فإن قيل : هب أن إبليس أخطأ في القياس لكن كيف لزمه الكفر في تلك المخالفة وتقرير السؤال من وجوه ؛ الأول : أن قوله تعالى :﴿اسجدوا﴾ أمر وهو يحتمل الوجوب والندب فكيف يلزم العصيان فضلاً عن الكفر، الثاني : هب أنه للوجوب وقلتم إن إبليس ليس من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود لآدم لا يدخل فيه إبليس، الثالث : هب أنه تناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فجاز أن يخصص نفسه من عموم ذلك الأمر بالقياس. الرابع : هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان مأموراً به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر ؟ أجيب : بأن صيغة الأمر وإن لم يدل على الوجوب يجوز أن ينضم إليها من القرائن ما يدل عليه وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى :﴿أستكبرت أم كنت من العالين﴾ ( ص : ٧٥ ) فعلم بذلك أن الأمر للوجوب وأنه مخاطب بالسجود فلما أتى بقياسه الفاسد دل ذلك على أنه إنما ذكر القياس ليتوصل به إلى القدح في أمر الله تعالى وتكليفه وذلك يوجب الكفر.
ص 38:77
لما ذكر إبليس لعنه الله تعالى هذا القياس الفاسد ﴿قال﴾ الله تعالى له :﴿فاخرج﴾ أي : بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه إلى الجور ﴿منها﴾ أي : من الجنة، وقيل : من الخلقة التي أنت فيها لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله تعالى خلقته فاسود بعدما كان أبيض وقبح بعدما كان حسناً وأظلم بعدما كان نورانياً، وقيل : من السماوات. ﴿فإنك رجيم﴾ أي : مطرود لأن من طرد رمي بالحجارة فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد.
ص 38:78
فإن قيل : الطرد هو : اللعن فيكون قوله تعالى :﴿وإن عليك لعنتي﴾ مكرراً أجيب : بحمل الطرد على ما تقدم وتحمل اللعنة على الطرد من رحمة الله تعالى وأيضاً قوله تعالى :﴿وإن عليك لعنتي﴾ ﴿إلى يوم الدين﴾ أي : الجزاء أفاد أمراً وهو طرده إلى يوم القيامة فلا يكون تكراراً وقيل : المراد بالرجم كون الشياطين مرجومين بالشهب، فإن قيل : كلمة إلى لانتهاء الغاية فكأن لعنة الله إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع، أجيب : بأنها كيف تنقطع وقد قال تعالى :﴿فأذّن مؤذّن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ ( الأعراف : ٤٤ ) فأفاد أن عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة اقترن عليه مع اللعنة من العذاب ما تنسى عنده اللعنة فكأنها انقطعت.
تنبيه : قال تعالى هنا ﴿لعنتي﴾ وفي آية أخرى ﴿اللعنة﴾ وهما وإن كانا في اللفظ عاماً وخاصاً إلا أنهما من حيث المعنى عامان بطريق اللازم لأن من كانت عليه لعنة الله تعالى كانت عليه لعنة كل أحد لا محالة، وقال تعالى :﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ ( البقرة : ١٦١ ).
ص 38:79
لما صار إبليس ملعوناً مطروداً :﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ أي : الناس طلب الإنظار إلى يوم البعث لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أنظر ليوم البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت فلذلك :﴿قال﴾ تعالى :﴿فإنك من المنظرين﴾.
ص 38:80
لما صار إبليس ملعوناً مطروداً :﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ أي : الناس طلب الإنظار إلى يوم البعث لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أنظر ليوم البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت فلذلك :﴿قال﴾ تعالى :﴿فإنك من المنظرين﴾.
ص 38:81
﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ أي : وقت النفخة الأولى فيموت فيها فلم يجبه إلى دعائه كما قال تعالى :﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ ( الرعد : ١٤ ) ومعنى المعلوم : أنه معلوم عند الله تعالى معين لا يتقدم ولا يتأخر فلما أنظره الله تعالى إلى ذلك الوقت.
ص 38:82
﴿قال فبعزّتك﴾ أقسم بعزة الله تعالى وهي قهره وسلطانه ﴿لأغوينهم أجمعين﴾.
ص 38:83
ثم استثنى من ذلك ما ذكره الله بقوله :﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ أي : الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته وعصمهم من إضلاله أو أخلصوا قلوبهم على اختلاف القراءتين فإن نافعاً والكوفيين قرؤوا بفتح اللام بعد الخاء والباقون بالكسر.
تنبيه : قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله تعالى المخلصين وعند هذا يقال : إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فليس يليق بالمسلم وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف عليه السلام ﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ ( يوسف : ٢٤ ) فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام وما نسب إليه من القبائح كذب وافتراء.
ص 38:84
ولما قال إبليس ذلك :﴿قال﴾ تعالى :﴿فالحقُّ﴾ أي : فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق ﴿والحقَّ أقول﴾ أي : لا أقول إلا الحق فإن كل شيء قلته ثبت فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول ونصب الثاني، والباقون بنصبهما فنصب الثاني بالفعل بعده ونصب الأول بالفعل المذكور، أو على الإغراء أي : الزموا الحق، أو على المصدر أي : أحق الحق، أو على نزع حرف القسم ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي : فالحق مني أو فالحق قسمي وجواب القسم.
ص 38:85
﴿لأملأن جهنم منك﴾ أي : بنفسك وذريتك ﴿وممن تبعك منهم﴾ أي : من الناس، وقوله تعالى :﴿أجمعين﴾ فيه وجهان أظهرهما أنه توكيد للضمير في منك ولمن عطف عليه في قوله تعالى :﴿وممن تبعك﴾ والمعنى : لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحداً، وجوز الزمخشري أن يكون تأكيداً للضمير في منهم خاصة فقدر لأملأن جهنم من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس.
ص 38:86
ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لقومك ﴿ما أسألكم عليه﴾ أي : على تبليغ الرسالة أو القرآن ﴿من أجر﴾ أي : جعل ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ أي : المتصفين بما لست من أهله على ما عرفتم من حالي فانتحل النبوة وأتقوّل القرآن وكل من قال شيئاً من تلقاء نفسه فهو متكلف له، وعن مسروق قال : دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال : يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول من لا يعلم : الله أعلم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ وقيل المعنى : إن هذا الذي أدعوكم إليه ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته.
ص 38:87
﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : القرآن ﴿إلا ذكر﴾ أي : عظة وشرف ﴿للعالمين﴾ أي : للخلق أجمعين.
ص 38:88
﴿ولتعلمن﴾ جواب قسم مقدر ومعناه لتعرفن يا كفار مكة ﴿نبأه﴾ أي : خبر صدقه وهو ما فيه من الوعد والوعيد أو صدقه بإتيان ذلك ﴿بعد حين﴾ قال ابن عباس وقتادة : بعد الموت، وقال عكرمة : يوم القيامة، وقال الحسن : ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله تعالى لداود عشر حسنات وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير » حديث موضوع.
الزمر 39:1
﴿تنزيل الكتاب﴾ أي : القرآن مبتدأ، وقوله تعالى :﴿من الله﴾ أي : المتصف بجميع صفات الكمال خبره أي : تنزيل الكتاب كائن من الله تعالى، وقيل : تنزيل الكتاب خبر مبتدأ مضمر تقديره هذا تنزيل الكتاب من الله ﴿العزيز﴾ أي : الغالب في ملكه ﴿الحكيم﴾ أي : في صنعه ففي ذلك دلالة على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات غني عن جميع الحاجات، فإن قيل : إن الله تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق. أجيب : بأن ذلك محمول على الصيغ والحروف.
الزمر 39:2
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أنزلنا عليك﴾ يا أشرف الخلق خاصة بواسطة جبريل الملك ﴿الكتاب﴾ أي : القرآن الجامع لكل خير وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ يجوز أن يتعلق بالإنزال أي : بسبب الحق وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل أو المفعول وهو الكتاب أي : ملتبسين بالحق أو ملتبساً بالحق والصدق والصواب، والمعنى : أن كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق يجب العمل به، وفي قوله تعالى :﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾ تكرير تعظيم بسبب إبرازه في جملة أخرى مضافاً إنزاله إلى المعظم نفسه، فإن قيل : لفظ تنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله نجماً نجماً على وفق المصالح على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله دفعة واحدة. أجيب : بأن طريق الجمع أن يقال : إنا حكمنا حكماً كلياً بأنا نوصل إليك هذا الكتاب وهذا هو الإنزال ثم أوصلناه إليك نجماً نجماً على وفق المصالح.
ولما بين تعالى أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق أردفه ببيان بعض ما فيه من الحق والصدق، وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فقال سبحانه وتعالى :﴿فاعبد الله﴾ أي : الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك ﴿مخلصاً له الدين﴾ أي : ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر.
الزمر 39:3
﴿ألا لله﴾ أي : الملك الأعلى وحده ﴿الدين الخالص﴾ أي : لا يستحقه غيره فإنه المنفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر، قال قتادة : الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله، وقال مجاهد : الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي لأن قوله تعالى :﴿فاعبد الله﴾ عام وروي أن امرأة الفرزدق لما قربت وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما دفنت قال الحسن البصري : يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله، فقال الحسن هذا العمود فأين الطنب ؟ قال ابن عادل : فبين بهذا اللفظ الوجيز أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة أي : الانتفاع الكامل وإلا فهي ينتفع بها ولكن رأس العبادات الإخلاص في التوحيد واتباع الأوامر واجتناب النواهي.
﴿والذين اتخذوا من دونه﴾ أي : من دون الله ﴿أولياء﴾ وهم كفار مكة اتخذوا الأصنام وقالوا ﴿ما نعبدهم﴾ أي : لشيء من الأشياء ﴿إلا ليقرّبونا إلى الله﴾ أي : الذي له معاقد العز ومجامع العظمة ﴿زلفى﴾ وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم ومن خلقكم ومن خلق السماوات والأرض قالوا : الله فيقال : فما عبادتكم لهم قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى أي : قربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر كأنهم قالوا : إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريباً حسناً سهلاً وتشفع لنا عند الله تعالى.
﴿إن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿يحكم بينهم﴾ أي : وبين المسلمين ﴿فيما هم فيه يختلفون﴾ أي : من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار ﴿إن الله﴾ أي : الملك القادر ﴿لا يهدي﴾ أي : لا يرشد ﴿من هو كاذب﴾ أي : في قوله إن الآلهة تشفع لهم مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وفي نسبة الولد إلى الله تعالى ﴿كفار﴾ أي : بعبادته غير الله تعالى.
الزمر 39:4
﴿لو أراد الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال ﴿أن يتخذ ولداً﴾ أي : كما قالوا اتخذ الرحمان ولداً ﴿لاصطفى﴾ أي : اختار ﴿مما يخلق ما يشاء﴾ أي : اتخذ ولداً غير من قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله، كما قال تعالى ﴿لو أردنا أن نتخذ لهواً﴾ أي : كما زعموا ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ ( الأنبياء : ١٧ ) إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوقه ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الولد له.
ثم نزه نفسه سبحانه فقال تعالى شأنه ﴿سبحانه﴾ أي : تنزيهاً له عن ذلك وعما لا يليق بطهارته ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي فقال تعالى :﴿هو﴾ أي : الفاعل لهذا الفعال القائل لهذه الأقوال ﴿الله﴾ أي : الجامع لجميع صفات الكمال ثم ذكر من الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال :﴿الواحد﴾ أي : في ملكه الذي لا شريك له ولا ولد ولا والد له ﴿القهار﴾ أي : الغالب الكامل القدرة فكل شيء تحت قدرته.
الزمر 39:5
لما ثبتت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد وأثبتت له الكمال المطلق استدل على ذلك بقوله تعالى :﴿خلق السماوات والأرض﴾ أي : أبدعهما من العدم وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ متعلق بخلق لأن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات الإلهية إما أن تكون فلكية أو أرضية، أما الفلكية فأقسام ؛ أحدها : خلق السماوات والأرض، وثانيها : اختلاف الليل والنهار كما قال تعالى ﴿يكور﴾ أي : يدخل ﴿الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ قال الحسن : ينقص من الليل فيزيد في النهار وينقص من النهار فيزيد في الليل فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل. قال البغوي : ومنتهى النقص تسع ساعات، ومنتهى الزيادة : خمس عشرة ساعة. وقال قتادة : يغشى هذا هذا كما قال تعالى ﴿يغشي الليل النهار﴾ ( الأعراف : ٥٤ ) وقال الرازي : إن النور والظلمة عسكران عظيمان وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا وذلك يدل على أن كل واحد مغلوب مقهور ولابد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله تعالى انتهى. وورد في الحديث :«نعوذ بالله من الحور بعد الكور » أي : من النقصان بعد الزيادة وقيل : من الإدبار بعد الإقبال.
﴿وسخر﴾ أي : ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر ﴿الشمس والقمر﴾ فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما ﴿كلٌ﴾ أي : منهما ﴿يجري لأجل مسمى﴾ أي : إلى يوم القيامة لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا، والمراد من هذا التسخير : أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون أي : الدولاب الذي يسقى عليه على حد واحد ﴿ألا هو العزيز﴾ أي : الغالب على أمره المنتقم من أعدائه ﴿الغفار﴾ أي : الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة يمحو ذنوب من يشاء عيناً وأثراً بمغفرته.
الزمر 39:6
ثم إنه تعالى لما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل السفلية فقال تعالى :﴿خلقكم﴾ أيها الناس المدعون إلهية غيره ﴿من نفس واحدة﴾ وهي آدم عليه السلام ﴿ثم جعل منها﴾ أي : من تلك النفس ﴿زوجها﴾ حواء وإنما بدأ منها بذكر الإنسان لأنه أقرب وأكبر دلالة وأعجب، وفيه ثلاث دلالات : خلق آدم أولاً من غير أب وأم، ثم خلق حواء من قصيراه، ثم تشعب الخلق الفائت للحصر منهما فهما آيتان إلا أن إحداهما جعلها الله تعالى عادة مستمرة والأخرى لم تجر بها العادة ولم يخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل.
تنبيه : في ثم هذه أوجه ؛ أحدها : أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك يروى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم ثم ظهره كالذر ثم خلق حواء بعد ذلك بزمان. ثانيها : أنها على بابها أيضاً لكن لمدرك آخر وهو أن يعطف بها ما بعدها على ما فهم من الصفة في قوله تعالى ﴿واحدة﴾ إذ التقدير من نفس وحدت أي : انفردت ثم جعل منها زوجها. ثالثها : أنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجودي كأنه قيل : كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجها. رابعها : أنها للترتيب في الأحوال والرتب. وقال الرازي : إن ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر إحدى الكلامين عن الآخر كقول القائل : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب وأعطيتك اليوم شيئاً ثم الذي أعطيتك أمس أكثر.
وقوله تعالى :﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ عطف على خلقكم والإنزال يحتمل الحقيقة، يروى أن الله تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها، ويحتمل المجاز وله وجهان ؛ أحدهما : أنها لما لم تعش إلا بالنبات والنبات إنما يعيش بالماء والماء ينزل من السحاب أطلق الإنزال عليها وهو في الحقيقة يطلق على سبب السبب كقول القائل :
إذا نزل السماء بأرض قوم؍ رعيناه وإن كانوا غضابا؍
والثاني : أن قضاياه وأحكامه منزلة من السماء من حيث كتبها في اللوح المحفوظ وهو أيضاً سبب في إيجادها. وقال البغوي : معنى الإنزال ههنا الإحداث والإنشاء كقوله تعالى :﴿أنزلنا عليكم لباساً﴾ ( الأعراف : ٢٦ ) وقيل : إنه إنزال الماء الذي هو سبب ثبات القطن والكتان وغيرهما الذي يجعلون منه اللباس. وقيل : معنى قوله ﴿أنزل لكم من الأنعام﴾ جعلها نزلاً لكم ورزقاً ومعنى قوله ﴿ثمانية أزواج﴾ أي : ثمانية أصناف وهي الإبل والبقر والضأن والمعز من كل زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام وقوله تعالى :﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم﴾ بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي والأنعام إظهاراً لما فيها من عجائب القدرة غير أنه تعالى غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة، والباقون : بالضم وفي الابتداء الجميع بالضم وكسر حمزة الميم وفتحها الباقون ومعنى قوله تعالى :﴿خلقاً من بعد خلق﴾ ما ذكره الله تعالى بقوله :﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( ١٢ ) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ ( المؤمنون : ١٢ ١٣ ) الآيات، وأما قوله تعالى :﴿في ظلمات ثلاث﴾ فقال ابن عباس : ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، وقيل : الصلب والرحم والبطن ﴿ذلكم﴾ أي : العالي المراتب بشهادتكم أيها الخلق كلكم بعضكم بلسان قاله وبعضكم بناطق حاله الذي جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا من أفعاله.
ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد أخبر عن اسم الإشارة بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : الذي خلق هذه الأشياء ﴿ربكم﴾ أي : الملك والمربي لكم بالخلق والرزق فهو المستحق لعبادتكم وقوله تعالى :﴿له الملك﴾ يفيد الحصر أي : له الملك لا لغيره.
ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ أي : لا يشاركه في الخلق غيره. ولما بين بهذه الدلائل كمال قدرته ورحمته زيف طريقة المشركين بقوله تعالى :﴿فأنى﴾ أي : فكيف ومن أي : وجه ﴿تصرفون﴾ عن طريق الحق بعد هذا البيان.
الزمر 39:7
﴿إن تكفروا فإن الله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿غني عنكم﴾ لأنه تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة لأنه تعالى غني على الإطلاق، فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ؛ لأنه تعالى واجب الوجود لذاته، وواجب الوجود لذاته في جميع أفعاله يكون غنياً على الإطلاق، وأيضاً فالقادر على خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو وأن يستضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك ﴿ولا يرضى لعباده﴾ أي : لأحد منهم ﴿الكفر﴾ أي : بالإقبال على ما سواه وأنتم لا ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية الضعف، ومعنى عدم الرضا به : لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه ويثيب فاعله ويمدحه بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته إذ لا يخرج شيء عنها، وهذا قول قتادة والسلف أجروه على عمومه، وقال ابن عباس : ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ ( الإسراء : ٦٥ ) فيكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى كقوله تعالى :﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ ( الإنسان : ٦ ) يريد بعض العباد.
﴿وإن تشكروا﴾ الله تعالى أي : فتؤمنوا بربكم وتطيعوه ﴿يرضه لكم﴾ أي : فيثيبكم عليه لأنه سبب فلاحكم. وقرأ السوسي في الوصل بسكون الهاء، وللدوري وهشام وجهان السكون والضم وصلة الهاء بواو للدوري، وابن كثير وابن ذكوان والكسائي والباقون بالسكون وهو لغة فيه.
﴿ولا تزر﴾ أي : نفس ﴿وازرة وزر﴾ نفس ﴿أخرى﴾ أي : لا تحمله بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في دار العمل. واحتج بهذا من أنكر وجوب الدية على العاقلة ورد بأن السنة خصصت ذلك، وأما الإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس وزر غيره، وإنما هو وزر نفسه فوزر الفاعل على الفعل ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي. وقوله تعالى :﴿ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ يدل على إثبات البعث والقيامة ﴿فينبئكم بما كنتم تعلمون﴾ فيه تهديد للعاصي وبشارة للمطيع وقوله تعالى :﴿إنه عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي : بما في القلوب كالعلة لما سبق أي : إنه تعالى ينبئكم بأعمالكم لأنه عالم بجميع المعلومات فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف، قال صلى الله عليه وسلم :«إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ».
الزمر 39:8
ولما بين تعالى فساد القول بالشرك وبين تعالى أنه الذي يجب أن يعبد بين أن طريقة الكفار متناقضة بقوله تعالى :﴿وإذا مس الإنسان﴾ أي : هذا النوع الآنس بنفسه ﴿ضر دعا ربه﴾ لأنهم إذا مسهم الضر طلبوا رفعه من الله تعالى وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام فكان الواجب عليهم أن يتعرفوا بالله تعالى في جميع الأحوال لأنه القادر على إيصال الخير ودفع الشر فظهر تناقض طريقهم والمراد بالإنسان : الكافر، وقيل : المؤمن والكافر، وقيل المراد : أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره، والمراد بالضر : جميع المكاره في جسمه أو ماله أو أهله أو ولده لعموم اللفظ وقوله تعالى ﴿منيباً﴾ حال من فاعل دعا وقوله تعالى ﴿إليه﴾ متعلق بمنيباً أي : راجعاً إليه في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة الرجوع ﴿ثم إذا خوله﴾ أي : أعطاه ﴿نعمة﴾ مبتدأة ﴿منه﴾ أي : من غير مقابل ولا يستعمل في الجزاء بل في ابتداء العطية قال زهير :
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى أن يستخيلوا المال يخيلو وقال أبو النجم :
أعطى فلم يبخل ولم يبخل؍ كوم الذرى من خول المخوّل؍
وحقيقة خول من إحدى معنيين : إما من قولهم : هو خائل مال إذا كان متعهداً له حسن القيام عليه، وإما من خال يخول إذا اختال وافتخر ومنه قول العرب : إن الغني طويل الذيل مياس. ﴿نسي﴾ أي : ترك ﴿ما﴾ أي : الأمر الذي ﴿كان يدعو﴾ أي : يتضرع ﴿إليه من قبل﴾ أي : قبل النعمة.
تنبيه : يجوز في ما هذه أوجه ؛ أحدها : أن تكون موصولة بمعنى الذي مراعى بها الضر الذي كان يدعو إلى كشفه أي : ترك دعاءه كأنه لم يتضرع إلى ربه، ثانيها : أنها بمعنى الذي مراداً بها البارئ تعالى أي : نسي الله الذي كان يتضرع إليه وهذا عند من يجيز وقوع ما على أولي العلم. وقال الرازي : ما بمعنى من كقوله تعالى :﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ ( الليل : ٣ ) وقوله :﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ ( الكافرون : ٣ ) وقوله ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ ( النساء : ٣ )
ثالثها : أن تكون مصدرية أي : نسي كونه داعياً ﴿وجعل﴾ أي : ذلك الإنسان زيادة على الكفران بالنسيان للإحسان ﴿لله﴾ أي : الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة والسمع والعقل ﴿أنداداً﴾ أي : شركاء ﴿ليضل عن سبيله﴾ أي : دين الإسلام وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بعد اللام أي : ليفعل الضلال بنفسه والباقون بضمها أي : لم يقنع بضلاله في نفسه حتى يحمل غيره عليه فمفعوله محذوف، واللام يجوز أن تكون للعلة وأن تكون لام العاقبة كقوله تعالى :﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً﴾ ( القصص : ٨ ).
واختلف في سبب نزول قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿قل﴾ أي : لهذا الذي قد حكم بكفره ﴿تمتع﴾ أي : في هذه الدنيا ﴿بكفرك قليلاً﴾ أي : بقية أجلك فقال مقاتل : نزل في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وقيل : في عتبة بن ربيعة وقيل : عام في كل كافر، وهذا أمر تهديد وفيه إقناط للكافر من التمتع في الآخرة ولذلك علله بقوله تعالى :﴿إنك من أصحاب النار﴾ أي : الذين لم يخلقوا إلا لها على سبيل الاستئناف للمبالغة قال تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس﴾ ( الأعراف : ١٧٩ ) الآية.
الزمر 39:9
ولما شرح الله تعالى صفات المشركين وتمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح المخلصين فقال تعالى :﴿أمّن هو قانتٌ﴾ أي : قائم بوظائف الطاعات ﴿آناء الليل﴾ أي : جميع ساعاته ومن إطلاق القنوت على القيام قوله صلى الله عليه وسلم :«أفضل الصلاة صلاة القنوت » وهو القيام فيها ومنه القنوت لأنه يدعو قائماً، وعن ابن عمر أنه قال : لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا ﴿أمن هو قانت﴾ وعن ابن عباس : القنوت الطاعة لقوله تعالى :﴿كل له قانتون﴾ ( البقرة : ١١٦ ) أي : مطيعون، وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بتخفيف الميم والباقون بتشديدها وفي القراءة الأولى وجهان ؛ أحدهما : أن الهمزة همزة الاستفهام دخلت على من بمعنى الذي والاستفهام للتقرير ومقابله محذوف تقديره أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً أو أمن هو قانت كغيره، وأما القراءة الثانية : فأم داخلة على من الموصولة أيضاً فأدغمت الميم في الميم وفي أم حينئذ قولان ؛ أحدهما : أنها متصلة ومعاد لها محذوف تقديره الكافر خير أم الذي هو قانت، والثاني : أنها منقطعة فتقدر ببل والهمزة أي : بل أمن هو قانت كغيره أو كالكافر المقول له تمتع بكفرك وقوله تعالى ﴿ساجداً﴾ أي : وراكعاً ﴿وقائماً﴾ أي : وقاعداً في صلاته حالان من ضمير قانت.
تنبيه : في هذه الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار، واختلف في سبب نزولها فقال ابن عباس : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقال الضحاك : في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال أبو عمرو : في عثمان رضي الله تعالى عنه، وقال الكلبي : في ابن مسعود وعمار وسلمان رضي الله تعالى عنهم.
وقوله تعالى :﴿يحذر الآخرة﴾ أي : عذاب الآخرة يجوز أن يكون حالاً من الضمير في ساجداً وقائماً أو من الضمير في قانت وأن يكون مستأنفاً جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل : ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب نفسه ويكدها قيل : يحذر الآخرة ﴿ويرجو رحمة﴾ أي : جنة ﴿ربه﴾ الذي لم يزل يتقلب في إنعامه وفي الكلام حذف والتقدير كمن لا يفعل شيئاً من ذلك، وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ذكر الكافر قبل هذه الآية وذكر بعدها.
﴿قل هل يستوي﴾ أي : في الرتبة ﴿الذين يعلمون﴾ أي : وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل ساجدين وقائمين ﴿والذين لا يعلمون﴾ أي : وهم صفتهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغ يشركون، وإنما وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعلمون لأن الله تعالى وإن أعطاهم آلة العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا جعلهم الله تعالى كأنهم ليسوا من أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم، وفي هذا تنبيه على فضيلة العلم، قيل : لبعض العلماء : إنكم تقولون : العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء، عند أبواب الملوك ولا نرى الملوك عند أبواب العلماء فأجاب بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه.
وقال في الكشاف : وأراد بالذين يعلمون العاملين من علماء الديانة كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، قال : وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ويفتنون ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله تعالى جهلة حيث جعل الله تعالى القانتين هم العلماء، قال : ويجوز أن يراد على سبيل التشبيه أي : كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون ا. ه، وعن الحسن : أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال : هذا تمنٍّ، وإنما الرجاء قوله تعالى وتلا هذه الآية. ﴿إنما يتذكر﴾ أي : يتعظ ﴿أولو الألباب﴾ أي : أصحاب العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون في آخر سورة آل عمران بقوله تعالى :﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ ( آل عمران : ١٩١ ) إلى آخرها.
الزمر 39:10
ولما نفى الله تعالى المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب المؤمنين فقال سبحانه :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿يا عبادي الذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا هذه الحقيقة ﴿اتقوا ربكم﴾ أي : بطاعته واجتناب معاصيه ثم بين تعالى لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد بقوله تعالى :﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا﴾ أي : بالطاعة ﴿حسنة﴾ أي : في الآخرة وهي الجنة والتنكير في حسنة للتعظيم أي : حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها، فقوله تعالى :﴿في هذه الدنيا﴾ متعلق : بأحسنوا وقيل : متعلق ﴿بحسنة﴾ وعلى هذا قال السدي : معناه في هذه الدنيا حسنة يعني الصحة والعافية. قال الرازي : الأولى أن يحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم :«ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية » ا ه ورد بأنه يتعين حمله على حسنة الآخرة لأن ذلك حاصل للكفار أكثر من حصوله للمؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم :«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ».
واختلف في معنى قوله تعالى :﴿وأرض الله﴾ أي : الذي له الملك كله والعظمة الشاملة ﴿واسعة﴾ فقال ابن عباس : يعني ارتحلوا من مكة وفيه حث على الهجرة من البلد الذي تظهر فيه المعاصي ونظيره قوله تعالى :﴿قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ ( النساء : ٩٧ ) وقيل : نزلت في مهاجري الحبشة. وقال سعيد بن جبير : من أمر بالمعاصي فليهرب، وقال أبو مسلم : لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة كما قال تعالى :﴿جنة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين﴾ ( آل عمران : ١٣٣ ) ﴿إنما يوفّى﴾ أي : التوفية العظيمة ﴿الصابرون أجرهم﴾ أي : على الطاعات وما يبتلون به، وقيل : نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا ومعنى ﴿بغير حساب﴾ أي : بغير نهاية بكيل أو وزن لأن كل شيء داخل تحت الحساب فهو متناهٍ، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب. وعن ابن عباس : لا يهتدي إليه حساب الحُسَّاب ولا يعرف. وقال علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه : كل مطيع يكال له كيلاً أو يوزن له وزناً إلا الصابرين فإنه يحثى لهم حثياً. وروى الشعبي لكن بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم :«أن الموازين تنصب يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون أجورهم ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صباً حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ».
الزمر 39:11
ولما كان للعبادة ركنان : عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح فقدمه سبحانه بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : يا أشرف المرسلين ﴿إني أمرت﴾ قرأ نافع بفتح الياء والباقون بسكونها ﴿أن أعبد الله مخلصاً له الدين﴾ أي : مخلصاً له التوحيد لا أشرك به شيئاً.
الزمر 39:12
ثم ذكر عقبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام المذكور في قوله :﴿وأمرت لأن﴾ أي : لأجل أن أو بأن ﴿أكون أول المسلمين﴾ أي : من هذه الأمة وبهذا زال التكرار.
وقال الزمخشري : فإن قلت كيف عطف أمرت على أمرت وهما واحد ؟ قلت : ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء آخر، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين.
الزمر 39:13
ولما دعا المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه أمره الله تعالى بقوله سبحانه :﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي﴾ أي : المحسن إلي المربي لي بكل جميل وعبدت غيره ﴿عذاب يوم عظيم﴾ والمقصود من هذا الأمر المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو إني بفتح الياء والباقون بسكونها.
الزمر 39:14
﴿قل الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال وحده ﴿أعبد مخلصاً له﴾ وحده ﴿ديني﴾ من الشرك.
قال الرازي : فإن قيل : ما معنى التكرير في قوله تعالى ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين﴾ وقوله تعالى :﴿قل الله أعبد مخلصاً له ديني﴾ قلنا : ليس هذا بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله تعالى بالإيمان بالعبادة، والثاني : إخبار بأنه أمر أن لا يعبد أحداً غير الله تعالى، وذلك أن قوله ﴿أمرت أن أعبد الله﴾ لا يفيد الحصر وقوله تعالى :﴿قل الله أعبد﴾ يفيد الحصر أي : الله أعبد ولا أعبد أحداً سواه.
ويدل عليه أنه لما قال ﴿قل الله أعبد﴾ قال بعده :﴿فاعبدوا﴾.
الزمر 39:15
﴿فاعبدوا﴾ أي : أنتم أيها الداعون في وقت الضراء المعرضون في وقت الرخاء ﴿ما شئتم من دونه﴾ أي : غيره في هذا تهديد وزجر لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون الله تعالى، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله سبحانه ﴿قل إن الخاسرين﴾ أي : الكاملين في الخسران ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ أي : أوقعوها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه ﴿و﴾ خسروا ﴿أهليهم يوم القيامة﴾ أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا ذهاباً لا رجوع بعده البتة. وقوله تعالى ﴿ألا ذلك﴾ أي : الأمر العظيم البعيد الرتبة في الخسارة ﴿هو الخسران المبين﴾ أي : البين يدل على غاية المبالغة من وجوه ؛ أحدها : أنه وصفهم بالخسران ثم أعاد ذلك بقوله تعالى :﴿ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ وهذا التكرير لأجل التأكيد، وثانيها : ذكر حرف ألا وهو للتنبيه، وذكر التنبيه يدل على التعظيم، كأنه قال : بلغ في العظم إلى حيث لا تصل عقولكم إليه فتنبهوا له، وثالثها : قوله تعالى ﴿هو الخسران﴾ ولفظة هو تفيد الحصر كأنه قيل : كل خسران يصير في مقابلته كل خسران، ورابعها : وصفه تعالى بكونه خسراناً مبيناً يدل على التهويل.
الزمر 39:16
ولما شرح الله تعالى خسرانهم وصف ذلك الخسران بقوله تعالى :﴿لهم من فوقهم ظلل﴾ أي : طباق ﴿من النار ومن تحتهم ظلل﴾ أي : فرش ومهاد نظيره قوله تعالى :﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواشٍ﴾ ( الأعراف : ٤١ )، فإن قيل : الظلة ما علا الإنسان فكيف سمى ما تحته ظلة ؟ أجيب بأوجه : أحدها : أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ( الشورى : ٤٠ )، ثانيها : أن الذي تحته يكون ظلة لغيره لأن النار دركات كما أن الجنة درجات، ثالثها : أن الظلة التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء أطلق اسم إحداهما على الأخرى لأجل المماثلة والمشابهة وقيل المراد : إحاطة النار بهم من جميع الجهات.
﴿ذلك﴾ أي : العذاب المعد للكفار ﴿يخوّف الله به عباده﴾ أي : المؤمنين ليتجنبوا ما يوقعهم فيه، وقيل : يخوف به الكفار والضلال ويدل للأول قوله تعالى :﴿يا عباد فاتقون﴾ أي : ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي وهذه عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة، ووجه الدلالة أن إضافة العبيد إلى الله تعالى في القرآن مختص بأهل الإيمان.
الزمر 39:17
﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ أي : البالغ غاية الطغيان والطاغوت فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيه قلباً بتقديم اللام على العين إذ أصله طغيوت قدمت الياء على الغين ثم قلبت الفاء لتحركها وانفتاح ما قبلها، أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكونها مصدراً وفيها مبالغات وهي التسمية بالمصدر كأنّ عين الشيطان طغيان وإن البناء بناء مبالغة، فإن الرحموت الرحمة الواسعة، والملكوت الملك المبسوط، والقلب وهو للاختصاص قال في الكشاف : إذ لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها هنا : الجمع انتهى. لكن ابن الخازن فسر الطاغوت بالأوثان وتبعه الجلال المحلي.
فإن قيل : يتعين هذا التفسير لأنهم إنما عبدوا الصنم لا الشيطان. أجيب : بأن الداعي إلى عبادة الصنم هو الشيطان فلما كان هو الداعي كانت عبادة الصنم عبادة له.
فإن قيل : ما وجه تسمية الصنم بالطاغوت على التفسير الثاني مع أنه لا يطلق إلا على الشيطان كما مر ؟ أجيب : بأنه أطلق عليه على سبيل المجاز لأن الطغيان لما حصل بسبب عبادته والتقرب إليه وصفه بذلك إطلاقاً لاسم السبب على المسبب بحسب الظاهر. وقوله تعالى :﴿أن يعبدوها﴾ بدل اشتمال من الطاغوت لأن الطاغوت مؤنث كأنه قيل : اجتنبوا عبادة الطاغوت. فإن قيل : على التفسير الأول إنما عبدوا الصنم لا الشيطان ؟ أجيب : بأنه الداعي إلى عبادة الصنم.
فائدة : نقل في التواريخ أن الأصل في عبادة الأصنام أن القوم مشبهة واعتقدوا في الإله أنه نور عظيم وأن الملائكة أنوار مختلفة في الصغر والكبر فوضعوا تماثيل صور على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على اعتقادهم أنهم يعبدون الله والملائكة.
﴿وأنابوا﴾ أي : رجعوا ﴿إلى الله﴾ أي : إلى عبادة الله بكليتهم وتركوا ما كانوا عليه من عبادة غيره ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها قوله تعالى :﴿لهم البشرى﴾ أي : في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا : فالثناء عليهم بصالح أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر، وأما في الآخرة : فعند الخروج من القبور وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير والراحة والروح والريحان.
تنبيه : يحتمل أن يكون المبشر لهم هم الملائكة عليهم السلام لأنهم يبشرونهم عند الموت لقوله تعالى :﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم﴾ ( النحل : ٣٢ )
وعند دخول الجنة لقوله تعالى :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ( ٢٣ ) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ ( الرعد : ٢٣ ٢٤ ) ويحتمل أن يكون هو الله تعالى لقوله تعالى :﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ ( الأحزاب : ٤٤ ) ولا مانع أن يكون من الله تعالى ومن الملائكة عليهم السلام فإن فضل الله سبحانه واسع وقوله تعالى :﴿فبشر عباد﴾ قرأه السوسي بياء بعد الدال مفتوحة في الوصل ساكنة في الوقف والباقون بغير ياء.
الزمر 39:18
﴿الذين يستمعون﴾ أي : بجميع قلوبهم ﴿القول فيتبعون﴾ أي : بكل عزائمهم بعد انتقاده ﴿أحسنه﴾ أي : بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى.
تنبيه : في هذا وضع الظاهر موضع مضمر ﴿الذين اجتنبوا﴾ للدلالة على مبدإ إحسانهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب أو مباح وندب اختاروا الندب حرصاً على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثواباً، ويدخل تحت ذلك أبواب التكاليف وهي قسمان : عبادات ومعاملات، فأما العبادات فكقولنا : الصلاة التي يذكر في تحريمها الله أكبر مع اقتران النية ويقرأ فيها بالفاتحة ويؤتى فيها بالطمأنينة في مواضعها الخمسة ويتشهد فيها ويخرج منها بالسلام، لا شك أنها أحسن من الصلاة التي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال. قال الرازي : فوجب على العاقل أن يختار هذه الصلاة دون غيرها ا. ه وكذا القول في جميع أبواب العبادات. قال في الكشاف : ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها على السبر وأبينها دليلاً أو أمارة ولا تكن في مذهبك كما قال القائل :
ولا تكن مثل غير قيد فانقادا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . .
يريد : المقلد ا. ه،
وأما المعاملات فكإنظار المعسر وإبرائه فالإبراء أولى وإن كان الأول واجباً، والثاني : مندوباً وكذا القول في جميع المعاملات. وقيل : يسمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن وقيل : يسمعون أوامر الله تعالى فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو قال تعالى :﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ ( البقرة : ٢٣٧ ) وعن ابن عباس : هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما يسمعه ويكف عما سواه. وروي عن ابن عباس آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان وعبد الرحمان بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فنزل فيهم ﴿فبشر عبادي﴾ الآية.
﴿أولئك﴾ أي : العالو الهمة والرتبة ﴿الذين هداهم الله﴾ بما له من صفات الكمال لدينه ﴿وأولئك أولو الألباب﴾ أي : أصحاب العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وقال أبو زيد : نزل ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ ( الزمر : ١٧ ) الآيتين في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والأحسن لا إله إلا الله.
وفي هذه الآية لطيفة وهي : أن حصول الهداية في العقل والروح حادث فلا بد من فاعل وقابل، فأما الفاعل : فهو الله تعالى وهو المراد من قوله تعالى :﴿أولئك الذين هداهم الله﴾ وأما القابل فإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿وأولئك هم أولو الألباب﴾ فإن الإنسان ما لم يكن عاقلاً كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقيقية في قلبه.
الزمر 39:19
اختلف في معنى قوله تعالى :﴿أفمن حق﴾ وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيداً للنهي عن الأسف عليهم ﴿عليه كلمة العذاب﴾ فقال ابن عباس معنى الآية من سبق في علم الله أنه في النار، وقيل : كلمة العذاب قوله تعالى :﴿لأملأن جهنم﴾ ( الأعراف : ١٨ ) الآية وقيل : قوله تعالى :«هؤلاء للنار ولا أبالي » وقوله تعالى ﴿أفأنت تنقذ﴾ أي : تخرج ﴿من في النار﴾ جواب الشرط وأقيم فيه الظاهر مقام الضمير إذ كان الأصل أفأنت تنقذه، وإنما وقع موقعه شهادة عليه بذلك، والهمزة للإنكار والمعنى : لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار وقال ابن عباس : يريد أبا لهب وولده ويجوز أن تكون من موصولة في محل رفع بالابتداء وخبره محذوف. واختلف في تقديره فقدره أبو البقاء كمن نجا وقدره الزمخشري فأنت تخلصه أي : حذف لدلالة أفأنت تنقذ عليه وقدره غيرهما تتأسف عليه وقدره آخر يتخلص منه أي : من العذاب.
الزمر 39:20
وقوله تعالى :﴿لكن الذين اتقوا ربهم﴾ استدراك بين شبهي نقيضين أو ضدين وهما المؤمنون والكافرون أي : جعلوا بينهم وبين المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكون فلم يجعلوا شيئاً من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه وقوله تعالى :﴿لهم غرف﴾ أي : علالي من الجنة يسكنونها ﴿من فوقها غرف﴾ شديدة العلو مقابل لما ذكر في وصف الكفار لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل والمعنى لهم منازل في الجنة رفيعة ومن فوقها منازل أرفع منها.
فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى :﴿مبنية﴾ ؟ أجيب : بأن المنزل إذا بني على منزل آخر كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني فقوله تعالى :﴿مبنية﴾ فائدته أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساوٍ للمنزل الأسفل.
ولما كانت المنازل لا تطيب إلا بالماء وكان الجاري أحسن أشرف قال تعالى ﴿تجري من تحتها﴾ أي : من تلك الغرف الفوقانية والتحتانية ﴿الأنهار﴾ أي : المختلفة كما قال تعالى :﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفّى﴾ ( محمد : ١٥ ) وقوله تعالى :﴿وعد الله﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة فهو منصوب بفعله المقدر لأن قوله تعالى :﴿غرف﴾ في معنى وعدهم الله ذلك ﴿لا يخلف الله الميعاد﴾ لأن الخلف نقص وهو على الله سبحانه محال، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال : بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين » وقوله : الغابر أي : الباقي في الأفق في ناحية المشرق والمغرب.
الزمر 39:21
ولما وصف الله تعالى الآخرة بوصف يوجب الرغبة العظيمة فيها وصف الدنيا بصفات توجب اشتداد النفرة عنها بقوله تعالى :﴿ألم تر﴾ أي : تعلم ﴿أن الله﴾ أي : الذي له كمال القدرة ﴿أنزل من السماء﴾ أي : التي لا يستمسك الماء فيها إلا بقدرة باهرة تقهر الماء على ذلك، والمراد بالسماء : الجرم أو السحاب ﴿ماء﴾ وهو المطر، قال الشعبي : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه ﴿فسلكه﴾ أي : أدخل ذلك الماء خلال التراب حال كونه ﴿ينابيع في الأرض﴾ أي : عيوناً ومجاري ومسالك كالعروق في الأجسام ﴿ثم يخرج﴾ الله تعالى ﴿به﴾ أي : بالماء ﴿زرعاً مختلفاً ألوانه﴾ من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك ومختلفاً أصنافه من بر وشعير وسمسم وغيرها ﴿ثم يهيج﴾ أي : ييبس ﴿فتراه﴾ بعد الخضرة مثلاً ﴿مصفراً﴾ من يبسه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يفصل عن منابته ﴿ثم يجعله حطاماً﴾ أي : فتاتاً ﴿إن في ذلك﴾ أي : التدبير على هذا الوجه ﴿لذكرى﴾ أي : تذكيراً وتنبيهاً ﴿لأولي الألباب﴾ أي : أصحاب العقول الصافية جداً فيتذكرون هذه الأحوال في النبات فيعلمون بدلالته على وحدانية الله تعالى شأنه وقدرته وأحوال الحيوان والإنسان، وإنه وإن طال عمره فلابد من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء ثم تكون عاقبته الموت، فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات مذكرة حصول مثل هذه الأحوال في نفسه في حياته فحينئذ تعظم نفرته عن الدنيا ولذاتها.
الزمر 39:22
ولما بين تعالى الدلائل على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا ولذاتها ذكر أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الصدور ونور القلوب فقال سبحانه :﴿أفمن شرح الله﴾ أي : الذي له القدرة الكاملة ﴿صدره للإسلام﴾ أي : وسعه لقبول الحق فاهتدى ﴿فهو﴾ أي : بسبب ذلك ﴿على نور من ربه﴾ أي : المحسن إليه كمن أقسى الله تعالى قلبه دل على هذا ﴿فويل﴾ كلمة عذاب ﴿للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ قال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة، وأما نور الله تعالى فهو لطفه. روي :«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقيل : يا رسول الله فما علامة انشراح الصدر للإسلام قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت ».
فإن قيل : إن ذكر الله تعالى سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان قال تعالى ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ( الرعد : ٢٨ ) فكيف جعله في هذه الآية سبباً لحصول القسوة في القلب ؟ أجيب : بأن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر، بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطباع البهيمية والأخلاق الذميمة فإن سماعها لذكر الله تعالى يزيدها قسوة وكدرة، مثاله أن الفاعل الواحد تختلف أمثاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره وما ذاك إلا بحسب اختلاف جواهر النفوس، ولما نزل قوله تعالى :﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ ( المؤمنون : ١٢ ) الآية وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حاضر وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى :﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ ( المؤمنون : ١٤ ) قال كل واحد منهما ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ ( المؤمنون : ١٤ ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اكتب فكذا نزلت » فازداد عمر رضي الله عنه إيماناً على إيمانه وارتد ذلك الإنسان. وإذا عرف ذلك لم يبعد أن يكون ذكر الله تعالى يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية ويوجب القنوط والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة، وقيل : من بمعنى عن أي : قست قلوبهم عن قبول ذكر الله وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿أولئك﴾ أي : هؤلاء البعداء ﴿في ضلال مبين﴾ أي : بين قيل : نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبي بن خلف، وقيل : في علي وحمزة وأبي لهب وولده وقيل : في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل.
الزمر 39:23
﴿الله﴾ الفعال لما يريد الذي له مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال ﴿نزّل﴾ أي : بالتدريج للتدريب وللجواب عن كل شبهة ﴿أحسن الحديث﴾ أي : القرآن روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا : حدثنا فنزلت وكونه أحسن الحديث لوجهين ؛ أحدهما : من جهة اللفظ، والآخر : من جهة المعنى، أما الأول : فلأن القرآن أفصح الكلام وأبلغه وأجزله وليس هو من جنس الشعر ولا من جنس الخطب ولا من جنس الرسائل بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه مع أن كل طبع سليم يستلذه ويستطيبه، وأما من جهة المعنى : فهو منزه عن التناقض والاختلاف قال جل ثناؤه :﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ ( النساء : ٨٢ ) ومشتمل على أخبار الماضين وقصص الأولين وعلى أخبار الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار، وفي إيقاع لفظ الجلالة مبتدأ وبناء نزل عليه تفخيم لأحسن الحديث واستشهاد على حسنه وتأكيده لاستناده إلى الله تعالى وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث.
وقوله تعالى :﴿كتاباً﴾ أي : جامعاً لكل خير بدل من أحسن الحديث، وقيل : حال منه بناءً على أن أحسن الحديث معرفة لإضافته إلى معرفة، وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة فيه خلاف فقيل : إضافته محضة وقيل : غير محضة والصحيح الأول وقوله تعالى :﴿متشابهاً﴾ نعت لكتاباً وهو المسوغ لمجيء الجامد حالاً أو أنه في قوة مكتوب وتشابهه بتشابه أبعاضه في الإعجاز والبلاغة والموعظة الحسنة لا تفاوت فيه أصلاً في لفظ ولا معنى مع كونه نزل مفرقاً في نيف وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في التهذيب سواء اتخد زمانه أم لا.
وقوله تعالى :﴿مثاني﴾ جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده مواعظه أو جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، وقيل : لأنه يثنى في التلاوة فلا يمل كما جاء في وصفه لا يخلق على كثرة الترداد.
فإن قيل : كيف وصف كتاباً وهو مفرد بالجمع ؟ أجيب : بأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا ترى أنك تقول : القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول : أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات ونظيره قولك الإنسان عظام وعروق وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة وأصله كتاباً متشابهاً فصولاً مثاني، ويجوز أن يكون مثاني منتصباً على التمييز من متشابهاً كما تقول : رأيت رجلاً حسناً شمائل.
فإن قيل : ما فائدة التثنية والتكرير ؟ أجيب : بأن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عوداً على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظهم به وينصح ثلاث مرات وسبعاً ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم ﴿تقشعر﴾ أي : تضطرب وتشمئز ﴿منه﴾ عند ذكر وعيده ﴿جلود﴾ أي : ظواهر أجسام ﴿الذين يخشون﴾ أي : يخافون ﴿ربهم﴾ والمعنى تأخذهم قشعريرة وهو تغير يحدث في جلد الإنسان عند ذكر آيات العذاب ﴿ثم تلين﴾ أي : تطمئن ﴿جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ أي : عند ذكر وعده، والمعنى إذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم كما قال تعالى :﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ( الرعد : ٢٨ ) روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها » وفي رواية :«حرمه الله على النار » قال قتادة : هذا نعت أولياء الله تعالى نعتهم الله تعالى بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم وإنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان.
وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما : كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال : قلت لها : إن ناساً اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشياً عليه، قالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وروي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مر برجل من أهل العراق ساقط فقال : ما بال هذا ؟ فقالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله تعالى سقط فقال : إنا لنخشى الله تعالى وما نسقط. وقال ابن عمر : إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال : بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق.
فإن قيل : لم ذكرت الجلود وحدها أولاً في جانب الخوف ثم قرنت بها القلوب ثانياً في الرجاء ؟ أجيب : بأن الخشية التي محلها القلوب إذا ذكرت فقد ذكرت القلوب فكأنه قيل : تقشعر جلودهم من آيات الوعيد وتخشى قلوبهم في أول وهلة وإذا ذكر الله تعالى ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
فإن قيل : ما وجه تعدية تلين بإلى ؟ أجيب : بأنه ضمن معنى فعل متعد بإلى كأنه قيل : سكنت أو اطمأنت إلى ذكر الله تعالى.
فإن قيل : كيف قال الله تعالى :﴿إلى ذكر الله﴾ ولم يقل إلى رحمة الله ؟ أجيب : بأن من أحب الله تعالى لأجل رحمته فهو ما أحب الله تعالى وإنما أحب شيئاً غيره وأما من أحب الله تعالى لا لشيء سواه فهو المحب الحق وهي الدرجة العالية كما قال تعالى :﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ﴿ذلك﴾ أي : القرآن الذي هو أحسن الحديث ﴿هدى الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿يهدي به من يشاء﴾ أي : وهو الذي شرح الله تعالى صدره أولاً لقبول الهداية ﴿ومن يضلل الله﴾ أي : يجعل قلبه قاسياً مظلماً ﴿فما له من هاد﴾ أي : يهديه. وقرأ ابن كثير في الوقف بإثبات الياء بعد الدال، والباقون بغير الياء واتفقوا في الوصل على عدم الياء.
الزمر 39:24
ولما حكم تعالى على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال التام حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب الشديد فقال :﴿أفمن يتقي بوجهه سوء﴾ أي : شدة ﴿العذاب﴾ أي : يجعله وقاية يقي بها نفسه لأنه تكون يداه مغلولتين إلى عنقه ﴿يوم القيامة﴾ فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه، وقال مجاهد : يجر على وجهه في النار. وقال عطاء : يرمى به في النار منكوساً فأول شيء يلقى في النار وجهه. وقيل : يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه وفي عنقه صخرة عظيمة من كبريت مثل الجبل العظيم فتشتعل النار في تلك الصخرة وهي في عنقه، فحرها ووهجها لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه وعنقه. وقيل المراد بالوجه الجملة، وقيل : نزلت في أبي جهل ومعنى الآية : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن من العذاب بدخول الجنة فحذف الخبر كما حذف في نظائره، ﴿وقيل﴾ أي : تقول الخزنة ﴿للظالمين﴾ أي : الكافرين، وكان الأصل لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ذوقوا ما﴾ أي : وبال الذي ﴿كنتم تكسبون﴾ أي : تعملون في الدنيا من المعاصي.
الزمر 39:25
ولما بين تعالى كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم في العذاب قال تعالى :﴿كذّب الذين﴾ وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال تعالى :﴿من قبلهم﴾ أي : من قبل كفار مكة أي : مثل سبأ وقوم تبع كذبوا رسلهم في إتيان العذاب ﴿فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ أي : من جهة لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها.
الزمر 39:26
﴿فأذاقهم الله﴾ أي : الذي له القدرة الكاملة ﴿الخزي﴾ أي : الذل والهوان من المسخ والقتل وغيرهما ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي : العاجلة الدنيئة ﴿ولعذاب الآخرة﴾ أي : المعد لهم ﴿أكبر﴾ أي : من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا ﴿لو كانوا﴾ أي : المكذبون ﴿يعلمون﴾ أي : عذابها ما كذبوا ولكن لا علم لهم أصلاً إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.
الزمر 39:27
ولما ذكر تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه البينات بلغت حد الكمال والتمام فقال تعالى :﴿ولقد ضربنا﴾ أي : جعلنا ﴿للناس﴾ أي : عامة لأن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة ﴿في هذا القرآن﴾ أي : الجامع لكل علم وكل خير ﴿من كل مثل﴾ أي : يحتاج إليه الناظر في أمر دينه ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي : يتعظون به وقرأ نافع وقالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد والباقون بالإدغام.
الزمر 39:28
قوله تعالى :﴿قرآناً عربياً﴾ فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن يكون منصوباً على المدح لأنه لما كان نكرة امتنع إتباعه للقرآن، ثانيها : أن ينتصب بيتذكرون أي : يتذكرون قرآناً، ثالثها : أن ينتصب على الحال من القرآن على أنها حال مؤكدة وتسمى حالاً موطئة لأن الحال في الحقيقة عربياً وقرآناً توطئة له نحو جاء زيد رجلاً صالحاً ﴿غير ذي عوج﴾ أي : مستقيماً بريئاً من التناقض والاختلاف نعت لقرآناً أو حال أخرى.
فإن قيل : هلا قيل : مستقيماً أو غير معوج ؟ أجيب : بأن في ذلك فائدتين إحداهما : نفي أن يكون فيه عوج قط كما قال تعالى :﴿ولم يجعل له عوجاً﴾ ( الكهف : ١ ) ثانيتهما : أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان، وقيل : المراد بالعوج الشك واللبس قال القائل :
وقد أتاك يقين غير ذي عوج؍ من الإله وقول غير مكذوب؍
﴿لعلهم يتقون﴾ أي : الكفر.
تنبيه : وصف تعالى القرآن بثلاث صفات ؛ أولها : كونه قرآناً والمراد كونه متلواً في المحاريب إلى قرب قيام الساعة، ثانيها : كونه عربياً أي : أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ ( الإسراء : ٨٨ ) ثالثها : كونه غير ذي عوج، قال مجاهد : غير ذي لبس وقال ابن عباس رضي الله عنهما : غير مختلف، وقال السدي : غير مخلوق، ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكى شقيق وابن عيينة عن سبعين من التابعين : أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق.
الزمر 39:29
ولما شرح الله تعالى وعيد الكفار مثل لما يدل على فساد مذهبهم وقبيح طريقتهم بقوله تعالى :﴿ضرب الله﴾ أي : الذي له الملك كله ﴿مثلاً﴾ أي : للمشركين والموحدين وقوله تعالى :﴿رجلاً﴾ بدل من مثلاً وقوله تعالى :﴿فيه شركاء﴾ يجوز أن تكون الجملة من مبتدأ وخبر في محل نصب صفة ل ﴿رجلاً﴾ ويجوز أن يكون الوصف الجار وحده وشركاء فاعل به قال ابن عادل : وهو أولى لقربه من المفرد. وقوله تعالى :﴿متشاكسون﴾ صفة لشركاء والتشاكس التخالف وأصله سوء الخلق وعسره وهو سبب التخالف أي : متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم يقال : رجل شكس وشرس إذا كان سيء الخلق مخالفاً للناس لا يرضى بالإنصاف ﴿ورجلاً سلماً﴾ أي : خالصاً من نزاع ﴿لرجل﴾ أي : خالصاً له لا شريك له فيه. ولا منازع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بألف بعد السين وكسر اللام بعدها، والباقون بغير ألف وفتح اللام وهو الذي لا ينازع فيه من قولهم : هو لك سلم أي : مسلم لا منازع لك فيه.
وقوله تعالى :﴿هل يستويان﴾ استفهام إنكار أي : لا يستويان وقوله تعالى :﴿مثلاً﴾ تمييز والمعنى اضرب لقومك مثلاً وقل لهم : ما تقولون في رجل مملوك لشركاء بينهم اختلاف وتنازع وكل واحد يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم وهو متحير في أمره، وكلما أرضى أحدهم غضب الباقون وإذا احتاج إليهم فكل واحد يرده إلى الآخر فبقي متحيراً لا يعرف أيهم أولى أن يطلب رضاه وأيهم يعينه في حاجاته فهو بهذا السبب في عذاب أليم. وآخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص وذلك المخدوم يعينه على مهماته فأي هذين العبدين أحسن حالاً، لا شك أن هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول، فإن الأول : مثل المشرك والثاني : مثل الموحد، وهذا المثال في غاية الحسن في تقبيح المشرك وتحسين الموحد.
فإن قيل : هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات فليس بينها منازعة ولا تشاكس ؟ أجيب : بأن عبدة الأصنام يختلفون، منهم من يقول : هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة وهم يثبتون بينها منازعة ومشاكسة ألا ترى أنهم يقولون : زحل هو النحس الأعظم والمشتري هو : السعد الأعظم، ومنهم من يقول : هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة فيكون المثال مطابقاً، ومنهم من يقول : هذه الأصنام تماثيل لأشخاص من العلماء والزهاد مضوا فهم يعبدون هذه التماثيل ليصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله تعالى، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هم على دينه وأن من سواه مبطل، وعلى هذا التقدير أيضاً ينطبق المثال.
ولما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الحق قال الله تعالى :﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي : كل الحمد لله الذي لا مكافئ له فلا يشاركه فيه على الحقيقة سواه لأنه المنعم بالذات والمالك على الإطلاق ﴿بل أكثرهم﴾ أي : أهل مكة ﴿لا يعلمون﴾ أي : ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به غيره من فرط جهلهم وقول البغوي والمراد بالأكثر الكل ليس بظاهر.
الزمر 39:30
ولما كان كفار مكة يتربصون موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الله تعالى بأن الموت يجمعهم جميعاً بقوله تعالى :﴿إنك ميّت﴾ أي : ستموت وخصه الله تعالى بالخطاب لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع لأتباعه فكل موضع كان للأتباع، وخص فيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب دونهم فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ ﴿وإنهم ميّتون﴾ أي : سيموتون فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني.
فائدة : قال الفراء : الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت : بالتخفيف من فارقته الروح ولذلك لم يخفف هنا.
الزمر 39:31
وقوله تعالى :﴿ثم إنكم﴾ فيه تغليب المخاطب على الغائب ﴿يوم القيامة عند ربكم﴾ أي : المربي لكم بالخلق والرزق ﴿تختصمون﴾ فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت وكذبوا واجتهدت في الإرشاد والتبليغ فلجوا في التكذيب والعناد ويعتذرون بالأباطيل يقول الأتباع أطعنا سادتنا وكبراءنا وتقول السادات أغوتنا آباؤنا الأقدمون والشياطين، ويجوز أن يكون المراد به الاختصام العام وجرى عليه الجلال المحلي وهو أولى وإن رجح الأولَ الكشافُ، لما روي عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال :«لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله أتكون علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال : نعم فقال : إن الأمر إذاً لشديد » وقال ابن عمر : عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين، قلنا : كيف نختصم وديننا واحد وكتابنا واحد حتى رأينا بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفنا أنها فينا نزلت. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في هذه الآية قال : كنا نقول : ربنا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد فما هذه الخصومة ؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : هو هذا. وعن إبراهيم النخعي قال : لما نزلت قالت الصحابة : كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا : هذه خصومتنا. وعن أبي العالية : نزلت في أهل القبلة.
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليستحله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فجعلت عليه ». وعن أبي هريرة أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد كان شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيقضي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ».
الزمر 39:32
ثم إنه تعالى بين نوعاً آخر من قبائح أفعالهم بقوله تعالى :﴿فمن﴾ أي : لا أحد ﴿أظلم﴾ أي : منهم هكذا كان الأصل، ولكن قال تعالى :﴿ممن كذب﴾ تعميماً ﴿على الله﴾ أي : الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره بنسبة الولد والشريك إليه ﴿وكذّب﴾ أي : أوقع التكذيب لكل من أخبره ﴿بالصدق﴾ أي : بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إذ جاءه﴾ أي : فاجأه بالتكذيب لما سمع من غير وقفة ولا إعمال روية بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يستمعون، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم والباقون بالإدغام، ثم أردف ذلك بالوعيد فقال :﴿أليس في جهنم﴾ أي : النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله ﴿مثوى﴾ أي : مأوى ﴿للكافرين﴾ أي : لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق، واللام في للكافرين إشارة إليهم والاستفهام بمعنى التقرير.
الزمر 39:33
ولما ذكر من افترى وكذب ذكر مقابله وهو الذي جاء بالصدق وصدق به بقوله تعالى :﴿والذي جاء بالصدق﴾ قال قتادة ومقاتل : هو النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وصدّق به﴾ هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين ولذلك روعي معناه فجمع في قوله تعالى :﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿هم المتقون﴾ أي : الشرك كما روعي معنى من في قوله تعالى :﴿للكافرين﴾ فإن الكافرين ظاهر واقع موقع الضمير، إذ الأصل مثوى لهم وكما في قوله تعالى :﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ ( البقرة : ١٧ ) ثم قال ﴿ذهب الله بنورهم﴾ ( البقرة : ١٧ ) قال الزمخشري : ويجوز أن يريد الفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصحابته رضي الله تعالى عنهم الذين صدقوا به ا. ه قال أبو حيان : وفيه توزيع للصلة والفوج هو الموصول فهو كقولك : جاء الفريق الذي شرف وشرف، والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن له الصلة الأولى، وقيل : بل الأصل والذين جاء بالصدق فحذفت النون تخفيفاً كقوله تعالى :﴿كالذي خاضوا﴾ ( التوبة : ٦٩ ) قال ابن عادل : وهذا وهم إذ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال : والذي جاؤوا كقوله تعالى :﴿كالذي خاضوا﴾ ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنى كقوله :
أبني كليب إن عميّ اللذا؍ قتلا الملوك وفككا الأغلالا؍
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : والذي جاء بالصدق يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به الرسول أيضاً بلغه إلى الخلق. وقال السدي : والذي جاء بالصدق جبريل عليه السلام جاء بالقرآن وصدق به محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول، وقال أبو العالية والكلبي : والذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله عنه، وقال عطاء : والذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع، وقال الحسن : هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاؤوا به في الآخرة.
الزمر 39:34
وقوله تعالى :﴿لهم ما يشاؤون﴾ أي : من أنواع الكرامات ﴿عند ربهم﴾ أي : في الجنة يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه ﴿ذلك﴾ أي : هذا الجزاء ﴿جزاء المحسنين﴾ لأنفسهم بإيمانهم.
الزمر 39:35
وقوله تعالى :﴿ليكفّر الله عنهم﴾ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى تكفيرها أن يسترها عليهم بالمغفرة.
تنبيه : في تعلق هذه اللام وجهان أحدهما : أنها متعلقة بمحذوف أي : يسر لهم ذلك ليكفر، ثانيهما : أنها متعلقة بنفس المحسنين كأنه قيل : الذين أحسنوا ليكفر أي : لأجل التكفير وقوله تعالى :﴿أسوأ الذي﴾ أي : العمل الذي ﴿عملوا﴾ فيه مبالغة فإنه إذا كفر غيره أولى بذلك أو للإيذان بأن الشيء الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية أو أنه بمعنى السيء كما جرى عليه الجلال المحلي كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان أي : عادلاهم إذ ليس المراد به التفضيل، والناقص هو محمد الخليفة سمي به ؛ لأنه نقص أعطية القوم والأشج هو عمر بن عبد العزيز سمي به لشجة أصابت رأسه.
﴿ويجزيهم أجرهم﴾ أي : ويعطيهم ثوابهم ﴿بأحسن الذي﴾ أي : العمل الذي ﴿كانوا يعملون﴾ أي : فيعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر لحسن إخلاصهم فيها وهذا أولى من قول الجلال المحلي إنه بمعنى الحسن.
الزمر 39:36
وقوله تعالى :﴿أليس الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال كلها المنعوت بنعوت العظمة والجلال ﴿بكاف عبده﴾ أي : الخالص له استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات، وقرأ حمزة والكسائي بكسر العين وفتح الباء الموحدة وألف بعدها على الجمع، وقرأ الباقون بفتح العين وسكون الباء على الإفراد، فقراءة الإفراد محمولة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة الجمع على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن قومهم قصدوهم بالسوء كما قال الله تعالى ﴿وهمّت كل أمة برسولهم ليأخذوه﴾ ( غافر : ٥ ) وكفاهم الله تعالى شر من عاداهم ويحتمل أن يراد بقراءة الإفراد : الجنس فتساوي قراءة الجمع وقيل : المراد أن الله تعالى كفى نوحاً عليه السلام الغرق وإبراهيم عليه السلام الحرق ويونس عليه السلام بطن الحوت فهو سبحانه وتعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك.
﴿ويخوّفونك﴾ أي : عباد الأصنام ﴿بالذين من دونه﴾ وذلك أن قريشاً خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معاداة الأوثان، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي :«أنه صلى الله عليه وسلم بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادتها أي : خادمها : لا تدركها أحذركها يا خالد إن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها فهشم أنفها فنزلت هذه الآية ».
ولما شرح الله الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ختم الكلام بخاتمة هي : الفصل فقال تعالى شأنه ﴿ومن يضلل الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿فما له من هاد﴾ أي : يهديه إلى الرشاد.
الزمر 39:37
﴿ومن يهد الله فما له من مضل﴾ أي : فهذه الدلائل والبينات لا تنفع إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق إذ لا راد لفعله كما قال تعالى :﴿أليس الله﴾ أي : الذي بيده كل شيء ﴿بعزيز﴾ أي : غالب على أمره ﴿ذي انتقام﴾ أي : من أعدائه بلى هو كذلك، وفي هذا تهديد للكفار.
الزمر 39:38
ولما بين تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريق عبدة الأوثان وهذا الترتيب مبني على أصلين الأول : أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم وهو المراد من قوله تعالى :﴿ولئن سألتهم﴾ أي : من شئت منهم فرادى أو مجموعين واللام لام القسم ﴿من خلق السماوات﴾ أي : على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع ﴿والأرض﴾ أي : على ما لها من العجائب وفيها من الانتفاع ﴿ليقولن الله﴾ أي : وحده لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية قال بعض العلماء : العلم بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم علم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه، وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب بدن الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة علم أنه لا بد من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم، والأصل الثاني : أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وهو المراد من قوله تعالى ﴿قل أفرأيتم﴾ أي : بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله تعالى :﴿ما تدعون﴾ أي : تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي : الذي هو ذو الجلال والإكرام ﴿إن أرادني الله﴾ أي : الذي لا راد لأمره ﴿بضر﴾ أي : بشدة بلاء ﴿هل هن كاشفات ضره﴾ أي : لا نقدر على ذلك ﴿أو أرادني برحمة﴾ أي : بعافية وبركة ﴿هل هن ممسكات رحمته﴾ أي : لا تقدر على ذلك فثبت أنه لا بد من الإقرار بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم، قال مقاتل : فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، وقرأ أبو عمرو بتنوين التاء من كاشفات وممسكات ونصب الراء من ضره ورفع الهاء ونصب التاء من رحمته والباقون بغير تنوين فيهما وكسر الراء والهاء من ضره والتاء والهاء من رحمته، وإذا كانت هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر كانت عبادة الله تعالى كافية والاعتماد عليه كافياً وهو المراد من قوله تعالى :﴿قل حسبي الله﴾ أي : ثقتي به واعتمادي ﴿عليه يتوكل المتوكلون﴾ أي : يثق الواثقون، فإن قيل : لِمَ قال تعالى :﴿كاشفات﴾ ﴿وممسكات﴾ على التأنيث بعد قوله تعالى :﴿ويخوّفونك بالذين من دونه﴾ ( الزمر : ٣٦ ) ؟ أجيب : بأنه أنثها تحقيراً لما يدعون من دونه ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث وهي اللات والعزى ومناة قال الله تعالى :﴿أفرأيتم اللات والعزّى ( ١٩ ) ومناة الثالثة الأخرى﴾ ( النجم : ١٩ ٢٠ ).
الزمر 39:39
وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل يا قوم﴾ أي : الذين أرجوهم عند الملمات وفيهم كفاية في القيام بما يحاولون ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ أي : على حالتكم فيه تهديد أي : أنكم تعتقدون في أنفسكم أنكم في نهاية القوة والشدة فاجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم، وقرأ شعبة بألف بعد النون جمعاً والباقون بغير ألف إفراداً ﴿إني عامل﴾ أي : في تقرير ديني ﴿فسوف تعلمون﴾ أي : بوعد لا خلف فيه.
الزمر 39:40
﴿من يأتيه﴾ منا ومنكم بسبب أعماله ﴿عذاب يخزيه﴾ فإن خزي أعدائه دليل عليه وقد أخذهم الله تعالى يوم بدر ﴿ويحل﴾ أي : ينزل ﴿عليه عذاب مقيم﴾ أي : دائم وهو عذاب النار.
تنبيه : المكانة بمعنى المكان فاستعيرت من العين للمعنى كما استعير لفظ هنا وحيث للزمان وهما للمكان، فإن قيل : حق الكلام إني عامل على مكانتي فلم حذف ؟ أجيب : بأنه حذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد والإيذان بأن حاله لا تقف وتزداد كل يوم قوة وشدة لأن الله تعالى ناصره ومعينه ومظهره على الدين كله، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فسوف تعلمون﴾ توعدهم بكونه منصوراً عليهم غالباً عليهم في الدنيا والآخرة.
الزمر 39:41
ولما بين تعالى في هذه الآيات فساد مذاهبهم أي : المشركين تارة بالدلائل وتارة بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد، وكان صلى الله عليه وسلم يعظم عليه إصرارهم على الكفر كما قال ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم﴾ ( الكهف : ٦ )
وقال تعالى :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ ( فاطر : ٨ ) أردفه بكلام يزيل ذلك الحزن العظيم عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :﴿إنا أنزلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة والقدرة التامة ﴿عليك﴾ يا أشرف الخلق ﴿الكتاب﴾ أي : الكامل الشرف ﴿للناس﴾ أي : لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم فهو للناس عامة لأن رسالتك عامة وجعلنا إنزاله مقروناً ﴿بالحق﴾ أي : بالصدق وهو المعجز الذي يدل على أنه من عند الله ﴿فمن اهتدى﴾ أي : طاوع الهادي ﴿فلنفسه﴾ أي : فنفعه يعود إلى نفسه ﴿ومن ضل﴾ أي : وقع في الضلال بمخالفته ﴿فإنما يضل عليها﴾ أي : فضرر ضلاله يعود إليه.
ولما دل السياق على أن التقدير فما أنت عليهم بجبار لتقهرهم على الهدى عطف عليه قوله تعالى :﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي : لست مأموراً بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم، وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن الهداية والضلال من العبد لا يحصلان إلا من الله تعالى لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة والضلال يشبه الموت والنوم، فكما أن الحياة واليقظة لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى كذلك الضلال لا يحصل إلا من الله تعالى ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر الله تعالى في القدر ومن عرف سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب.
الزمر 39:42
ولما بين سبحانه أن الهداية والضلال بتقديره قال تعالى :﴿الله﴾ أي : الذي له مجامع الكمال وليس لشائبة النقص إليه سبيل ﴿يتوفى الأنفس﴾ أي : الأرواح ﴿حين موتها﴾ أي : موت أجسادها وتوفيها إماتتها وهي أن تسلب ما هي به حية حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت وقوله تعالى :﴿والتي لم تمت في منامها﴾ عطف على الأنفس أي : يتوفى الأنفس حين موتها ويتوفى أيضاً الأنفس التي لم تمت في منامها ففي منامها ظرف ليتوفى أي : يتوفاها حين تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى ومنه قوله تعالى :﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ ( الأنعام : ٦٠ )
حتى لا تميزوا ولا تتصرفوا كما أن الموتى كذلك فالتي تتوفى عند النوم هي الأنفس التي يكون بها العقل والتمييز ولكل إنسان نفسان :
إحداهما : نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت ويزول بزوالها النفس والأخرى هي النفس التي تفارقه إذا نام وهو بعد النوم يتنفس ﴿فيمسك التي قضى عليها الموت﴾ فلا يردها إلى جسدها، وقرأ حمزة والكسائي بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء بعد الضاد ورفع التاء من الموت، والباقون بفتح القاف والضاد وسكون الياء بعد الضاد ونصب الموت ﴿ويرسل الأخرى﴾ أي : يردها إلى جسدها وهي التي لم يقض عليها الموت ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي : إلى الوقت الذي ضربه لموتها، وقيل : يتوفى الأنفس أي : يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي أنفس التمييز، قالوا : والتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة ولأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس، ورووا عن ابن عباس رضي الله عنه في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس : التي بها العقل والتمييز، والروح : التي بها النفس والتحريك فإذا نام العبد قبض الله تعالى نفسه ولم يقبض روحه. قال الزمخشري : والصحيح ما ذكر أولاً لأن الله تعالى علق التوفي والموت والمنام جميعاً بالأنفس وما عنوا بنفس الحياة والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم وإنما الجملة هي التي تموت وهي التي تنام انتهى.
ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه قال : يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا نبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة، ويقال : إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله فإذا أرادت العود إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مدة حياتها.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخل إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم يقول : اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين ».
﴿إن في ذلك﴾ أي : التوفي والإمساك والإرسال ﴿لآيات﴾ أي : دلالات على كمال قدرته وحكمته ورحمته. وقال مقاتل : لعلامات ﴿لقوم يتفكرون﴾ أي : فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، فإن قيل : قوله تعالى ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ ( الزمر : ٤٢ ) يدل على أن المتوفي هو الله تعالى ويؤيده قوله تعالى :﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ ( الملك : ٢ ) وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام :﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ ( البقرة : ٢٥٨ ) وقال تعالى في آية أخرى ﴿إذا جاء أحدهم الموت توفّته رسلنا﴾ ( الأنعام : ٦١ )
فكيف الجمع ؟ أجيب : بأن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى إلا أنه تعالى فوض كل نوع إلى ملك من الملائكة ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو الرئيس وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في آية إلى الله تعالى وهي الإضافة الحقيقية، وفي آية إلى ملك الموت لأنه الرئيس في هذا العمل وفي آية إلى : أتباعه.
الزمر 39:43
ثم إن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً فقالوا : نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله تعالى من المقربين فنحن نعبدها لتشفع لنا أولئك المقربون عند الله تعالى فأجاب الله سبحانه عنه بقوله تعالى :﴿أم اتخذوا﴾ أي : كلفوا أنفسهم بعد وضوح الدلائل عندهم ﴿من دون الله﴾ أي : الذي لا مكافئ له ولا مداني ﴿شفعاء﴾ أي : تشفع لهم عند الله تعالى.
تنبيه : أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق لهؤلاء البعداء ﴿أوَلو﴾ أي : أيشفعون ولو ﴿كانوا لا يملكون شيئاً﴾ أي : من الشفاعة وغيرها ﴿ولا يعقلون﴾ أي : أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك وجواب لو محذوف تقديره ولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.
الزمر 39:44
﴿قل﴾ أي : لهم ﴿لله﴾ أي : الذي له كمال القدرة والعظمة ﴿الشفاعة جميعاً﴾ أي : هو مختص بها فلا يشفع أحد إلا بإذنه ثم قرر ذلك فقال ﴿له ملك السماوات والأرض﴾ أي : فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم دون إذنه ورضاه ﴿ثم إليه ترجعون﴾ أي : يوم القيامة فيكون الملك له أيضاً حينئذ.
الزمر 39:45
ثم ذكر تعالى نوعاً آخر من أعمال المشركين القبيحة بقوله تعالى :﴿وإذا ذُكر الله﴾ أي : الذي لا إله غيره ﴿وحده﴾ أي : دون آلهتهم ﴿اشمأزت﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد : يعني انقبضت، وقال قتادة : استكبرت وأصل الاشمئزاز النفور والاستكبار أي : نفرت واستكبرت ﴿قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي : لا يؤمنون بالبعث ﴿وإذا ذكر الذين من دونه﴾ أي : الأصنام ﴿إذا هم يستبشرون﴾ أي : يفرحون لفرط افتتانهم ونسيانهم حق الله تعالى ولقد بالغ في الأمرين حق الغاية فيهما، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه والاشمئزاز أن يمتلئ غيظاً وهماً حتى ينقبض أديم وجهه. قال مجاهد ومقاتل : وذلك حين :«قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم وألقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلا ففرح به المشركون وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الحج ».
تنبيه : قال الزمخشري : فإن قلت ما العامل في إذا ذكر، قلت : العامل في إذا المفاجأة تقديره وقت ذكر الذين من دونه فاجؤوا وقت الاستبشار. قال أبو حيان : أما قول الزمخشري فلا أعلمه من قول من ينتمي إلى النحو هو أن الظرفين معمولان لفاجؤوا ثم قال : إذا الأولى تنتصب على الظرفية والثانية على المفعول به.
الزمر 39:46
ولما حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بذكر الدعاء العظيم فقال تعالى :﴿قل اللهم﴾ أي : يا الله ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ أي : مبدعهما من العدم أي : ألتجئ إلى الله تعالى بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ وصف تعالى نفسه بكمال القدرة وكمال العلم ﴿أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ أي : من أمر الدين وعن الربيع بن خيثم وكان قليل الكلام لما أخبر بقتل الحسين وسخط على قاتله وقالوا : الآن يتكلم فما زاد على أن قال : آه أوقد فعلوا وقرأ الآية، وروي أنه قال على أثرها : أو قتل من كان يجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ويضع فاه على فيه. وعن أبي سلمة قال :«سألت عائشة رضي الله عنها بم كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته بالليل قالت : كان يقول : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ».
الزمر 39:47
ولما حكى الله تعالى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء.
أولها : قوله تعالى :﴿ولو أن للذين ظلموا﴾ أنفسهم بالكفر ﴿ما في الأرض جميعاً﴾ أي : من الأموال ﴿ومثله معه لافتدوا﴾ أي : اجتهدوا في طلب أن يفدوا أنفسهم ﴿به من سوء العذاب يوم القيامة﴾ وهذا وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص روى الشيخان عن أنس :«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذاباً لو أن لك ما في الأرض من شيء لكنت تفتدي به فيقول : نعم فيقول الله : قد أردت منك وفي رواية سألتك أهون من هذا وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي شيئاً » قوله أردت أي : فعلت معك فعل الآمر المريد وهو معنى قوله في رواية قد سألتك.
الزمر 39:48
ثانيها : قوله تعالى :﴿وبدا لهم من الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿ما لم يكونوا يحتسبون﴾ أي : ظهر لهم أنواع من العذاب لم تكن في حسابهم وفي هذا زيادة مبالغة هو نظير قوله تعالى في الوعد ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ ( السجدة : ١٧ )
وقوله صلى الله عليه وسلم :«في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ». وقال مقاتل : ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. وقال السدي : ظنوا أن أعمالهم حسنات فبدلت لهم سيئات لأنهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأصنام ويظنونها حسنات فبدت لهم سيئات.
ثالثها قوله تعالى :﴿وبدا لهم﴾ أي : ظهر ظهوراً تاماً ﴿سيئات ما كسبوا﴾ أي : مساوئ أعمالهم من الشرك وظلم أولياء الله تعالى ﴿وحاق﴾ أي : نزل ﴿بهم ما كانوا به يستهزؤون﴾ أي : يطلبون ويوجدون الهزء في العذاب.
الزمر 39:49
ثم حكى الله تعالى عنهم طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة بقوله تعالى :﴿فإذا مس الإنسان﴾ أي : الجنس ﴿ضر﴾ أي : فقر أو مرض أو غير ذلك ﴿دعانا﴾ أي : في دفع ذلك، فإن قيل : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ أجيب : بأن السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة عن قوله تعالى :﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت﴾ على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر آلهتهم فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره فقوله تعالى :﴿فإذا مس الإنسان﴾ معطوف على قوله تعالى :﴿وإذا ذكر الله وحده﴾ وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم هذا محصل كلام الزمخشري، واعترضه أبو حيان بأن أبا علي يمنع الاعتراض بجملتين فكيف بهذه الجمل الكثيرة ثم قال : والذي يظهر في الربط أنه لما قال ﴿ولو أن للذين ظلموا﴾ ( الزمر : ٤٧ ) الآية وكان ذلك إشعاراً بما ينال الظالمين من شدة العذاب وأنه يظهر لهم يوم القيامة العذاب أتبع ذلك بما يدل على ظلمه وبغيه إذ كان إذا مسه ضر دعا الله تعالى فإذا أحسن إليه لم ينسب ذلك إليه كما قال تعالى :﴿ثم إذا خوّلناه﴾ أي : أعطيناه ﴿نعمة منا﴾ أي : تفضلاً فإن التحويل يختص به ﴿قال إنما أوتيته﴾ أي : المنعم به ﴿على علم﴾ أي : على علم من الله تعالى إني له أهل. وقيل : إن كان ذلك سعادة في المال أو عافية في النفس يقول : إنما حصل ذلك بجده واجتهاده وإن كان صحة قال : إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني وإن حصل مال يقول : حصل بكسبي وهذا تناقض أيضاً لأنه لما كان عاجزاً محتاجاً أضاف الكل إلى الله تعالى، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله تعالى وأسنده إلى كسب نفسه وهذا تناقض قبيح ﴿بل هي فتنة﴾ أي : بلية يبتلي بها العبد.
فإن قيل : كيف ذكر النعمة أولاً في قوله :﴿إنما أوتيته﴾ ثم أنثها ثانياً ؟ أجيب : بأنه ذكر أولاً لأن النعمة بمعنى المنعم به كما مر وقيل : تقديره شيئاً من النعمة وأتت ثانياً اعتباراً بلفظها أو لأن الخبر لما كان مؤنثاً أعني فتنة ساغ تأنيث المبتدأ لأجله لأنه في معناه كقولهم ما جاءت حاجتك وقيل : هي أي : الحالة أو القولة كما جرى عليه الجلال المحلي أو العطية أو النعمة كما قاله البقاعي ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي : أكثر هؤلاء القائلين هذا الكلام ﴿لا يعلمون﴾ أن التخويل استدراج وامتحان.
الزمر 39:50
﴿قد قالها﴾ أي : القولة المذكورة وهي قوله :﴿إنما أوتيته على علم﴾ لأنها كلمة أو جملة من القول ﴿الذين من قبلهم﴾ أي : من الأمم الماضية. قال الزمخشري : هم قارون وقومه حيث قال إنما أوتيته على علم عندي، وقومه راضون به فكأنهم قالوها. قال : ويجوز أن يكون في الأمم الماضية آخرون قائلون مثلها ﴿فما أغنى عنهم﴾ أي : أولئك الماضين ﴿ما كانوا يكسبون﴾ أي : من متاع الدنيا ويجمعون منه.
الزمر 39:51
﴿فأصابهم سيئات ما كسبوا﴾ أي : جزاؤها من العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال تعالى ﴿والذين ظلموا﴾ أي : بالعتو ﴿من هؤلاء﴾ أي : من مشركي قومك ومن للبيان أو للتبعيض ﴿سيصيبهم سيئات ما كسبوا﴾ أي : كما أصاب أولئك ﴿وما هم بمعجزين﴾ أي : فائتين عذابنا.
الزمر 39:52
فقتل صناديدهم يوم بدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين فقيل لهم :﴿أولم يعلموا أن الله﴾ أي : الذي له الجلال والكمال ﴿يبسط الرزق﴾ أي : يوسعه ﴿لمن يشاء﴾ وإن كان لا حيلة له ولا قوة امتحاناً ﴿ويقدر﴾ أي : يضيق الرزق لمن يشاء وإن كان قوياً شديد الحيلة ابتلاء فلا قابض ولا باسط إلا الله تعالى، ويدل على ذلك أنّا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلا بد لذلك من حكمة وسبب، وذلك السبب ليس هو عقل الإنسان وجهله فإنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأفلاك لأن الساعة التي ولد فيها ذلك الملك السلطان القاهر قد ولد فيها عالم أيضاً من الناس وعالم من الحيوان غير الإنسان وتولد أيضاً في تلك الساعة عالم من النبات.
فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أن الفاعل لذلك هو الله تعالى فصح بهذا البرهان العقلي القاطع صحة قوله تعالى :﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ قال الشاعر :
فلا السعد يقضي به المشتري؍ ولا النحس يقضي علينا زحل؍
ولكنه حكم رب السماء؍ وقاضي القضاة تعالى وجل؍
﴿إن في ذلك﴾ أي : البيان الظاهر ﴿لآيات﴾ أي : دلالات ﴿لقوم يؤمنون﴾ أي : بأن الحوادث كلها من الله تعالى بوسط أو غيره.
الزمر 39:53
ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ يا محمد ربكم المحسن إليكم يقول ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ أي : أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن ﴿لا تقنطوا﴾ أي : لا تيأسوا ﴿من رحمة الله﴾ أي : إكرام المحيط بكل صفات الكمال فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي باب الرحمة، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي يا عبادي بسكون الياء وتسقط في الوصل، وفتحها الباقون، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي تقنطوا بكسر النون بعد القاف والباقون بفتحها ﴿إن الله﴾ أي : المتفضل على عباده المؤمنين ﴿يغفر الذنوب﴾ لمن تاب من الشرك ﴿جميعاً﴾ لمن يشاء كما قال تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ( النساء : ٤٨ ) وأما الكافر إذا أسلم فإن الله تعالى لا يؤاخذه بما وقع من كفره قال تعالى :﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ( الأنفال : ٣٨ ).
تنبيه : في هذه الآية أنواع من المعاني والبيان حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله تعالى :﴿من رحمة الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله تعالى :﴿إن الله﴾ ومنها إبراز الجملة في قوله تعالى ﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿الغفور﴾ أي : البليغ الغفر يمحو الذنوب عمن يشاء عيناً وأثراً فلا يعاقب ولا يعاتب ﴿الرحيم﴾ أي : المكرم بعد المغفرة مؤكدة بأن وبالفصل وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما :«أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن الذي تدعو له لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة » فنزلت هذه الآية. وروى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس :«أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهما حين بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلقى أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة وأنا قد فعلت ذلك كله، فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً﴾ ( مريم : ٦٠ ) فقال وحشي : هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ( النساء، ٤٨ ) فقال وحشي : أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى :﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية قال : نعم هذا. فجاء فأسلم، فقال المسلمون : هذا له خاصة قال : بل للمسلمين عامة ».
وروي عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، وكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بيده، ثم بعثها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد وإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال : يا مذكر لم تقنط الناس ثم قرأ ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ وعن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي » وروى الطبراني :«أنه صلى الله عليه وسلم قال : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بها أي : بهذه الآية فقال رجل : يا رسول الله ومن أشرك ؟ فسكت ساعة ثم قال : إلاً من أشرك ثلاث مرات ».
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً ثم خرج يسأل، فإذا راهب فسأله فقال : هل لي توبة فقال : لا فقتله وجعل يسأل فقال رجل : ائت قرية كذا فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي وقال : قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له ». وفي رواية فقال له : إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة فقال : لا فقتله فكمل مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فقال :«إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا إلى أن قال : فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة ». وعن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ ( محمد : ٣٣ ) فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقيل لنا : الكبائر والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب منها شيئاً خفنا عليه، ومن لم يصب منها شيئاً رجونا له فأنزل الله تعالى :﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله﴾ وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر.
الزمر 39:54
ولما كان التقدير وأقلعوا عن ذنوبكم فإنها قاطعة عن الخير مبعدة عن الكمال عطف عليه استعظاماً قوله تعالى :﴿وأنيبوا﴾ أي : ارجعوا بكلياتكم وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم ﴿إلى ربكم﴾ أي : الذي لم تروا إحساناً إلا وهو منه ﴿وأسلموا﴾ أي : وأخلصوا ﴿له﴾ أعمالكم ﴿من قبل أن يأتيكم﴾ أي : وأنتم صاغرون ﴿العذاب﴾ أي : القاطع لكل عذوبة، المجرّع لكل مرارة وصعوبة ﴿ثم لا تنصرون﴾ أي : لا يتجدد لكم نوع نصر أبداً إن لم تتوبوا.
الزمر 39:55
﴿واتّبعوا﴾ أي : عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع ﴿أحسن ما أنزل إليكم﴾ أي : على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فوق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله تعالى، واتباع أحاسن ما فيه فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون كأنك تراه الذي هو أعلى من استحضار أنه يراك الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك.
ولما كان هذا شديداً على النفس رغب فيه بقوله تعالى بمظهر صفة الإحسان موضع الإضمار :﴿من ربكم﴾ أي : الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم. وقال الحسن رضي الله عنه : معنى الآية الزموا طاعته واجتنبوا معصيته فإن في القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. وقيل : الأحسن الناسخ دون المنسوخ لقوله تعالى :﴿ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ( البقرة : ١٠٦ ) وقيل : العزائم دون الرخص وقوله تعالى :﴿من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون﴾ أي : ليس عندكم شعور بإتيانه بوجه من الوجوه فيه تهديد وتخويف.
الزمر 39:56
ولما خوفهم الله تعالى بهذا العذاب بين أنهم بتقدير نزوله عليهم ماذا يقولون، فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلام.
الأول : ما ذكره بقوله تعالى :﴿أن﴾ أي : كراهة أن ﴿تقول نفسٌ﴾ أي : عند وقوع العذاب وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ قال الحسن : قصرت في طاعة الله، وقال مجاهد : في أمر الله، وقال سعيد بن جبير : في حق الله وقيل : ضيعت في ذات الله، وقيل : معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله تعالى والعرب تسمي الجانب جنباً، قال في «الكشاف » : هذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ألا ترى إلى قول الشاعر :
إن السماحة والمروءة والندى؍ في قبة ضربت على ابن الحشرج؍
أي : فإنه لم يصرح بثبوت هذه الصفات المذكورة لابن الحشرج بل كنى عن ذلك في قبة مضروبة عليه فأفاد اثباتها له، والقبة تكون فوق الخيمة تتخذها الرؤساء، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة والدوري عن أبي عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿وإن﴾ أي : والحال إني ﴿كنت﴾ أي : كان ذلك في طبعي ﴿لمن الساخرين﴾ أي : المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير منزلتها وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة أي : تقول هذا لعله يقبل منها ويعفى عنها على عادة المعترفين في وقت الشدائد لعلهم يعاودون إلى أجمل العوائد.
الزمر 39:57
الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى عنهم بعد نزول العذاب عليهم : ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه :﴿أو تقول﴾ أي : تلك النفس المفرطة ﴿لو أن الله﴾ أي : الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل ﴿هداني﴾ أي : لبيان الطريق ﴿لكنت من المتقين﴾ أي : الذين لا يقدمون على فعل إلا ما يدلهم عليه دليل.
الزمر 39:58
الثالث من الكلمات ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه :﴿أو تقول﴾ أي : تلك النفس المفرطة ﴿حين ترى العذاب﴾ أي : الذي واجهها عياناً ﴿لو أن﴾ أي : يا ليت ﴿لي كرة﴾ أي : رجعة إلى دار العمل ﴿فأكون﴾ أي : يتسبب عن رجوعي إليها أن أكون ﴿من المحسنين﴾ أي : العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن.
تنبيه : في نصب فأكون وجهان أحدهما : عطفه على كرة فإنها مصدر فعطف مصدر مؤول على مصدر مصرح به كقولها :
للبس عباءة وتقر عيني؍ أحب إلي من لبس الشفوف؍
والثاني : أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله تعالى :﴿لو أن لي كرّة﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول : يكون فيه الكون متمنى ويجوز أن تضمر أن وأن تظهر، والثاني : يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمنى لا متمنى ويجب أن تضمر أن.
الزمر 39:59
ثم أجاب الله تعالى هذا القائل بقوله سبحانه :﴿بلى قد جاءتك آياتي﴾ أي : القرآن وهي سبب الهداية ﴿فكذبت بها﴾ أي : قلت ليست من عند الله ﴿واستكبرت﴾ أي : تكبرت عن الإيمان بها ﴿وكنت من الكافرين﴾.
فإن قيل : هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله :﴿لو أن الله هداني﴾ ( الزمر : ٥٧ ) ولم يفصل بينهما ؟ أجيب : بأنه لا يخلو إما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن، وأما الثاني فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية، ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب، فإن قيل : كيف صح أن تقع بلى جواباً لغير منفي ؟ أجيب : بأن قوله ﴿لو أن الله هداني﴾ بمعنى ما هديت.
الزمر 39:60
﴿ويوم القيامة﴾ أي : الذي لا يصح في الحكمة تركه ﴿ترى﴾ أي : أيها المحسن ﴿الذين كذبوا على الله﴾ أي : الحائز لجميع صفات الكمال بنسبة الشريك والولد إليه، وقال الحسن : هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، قال البقاعي : وكأنه عنى من المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم إنهم يخلقون أفعالهم قال : ويدخل فيه من تكلم في الدين بجهل وكل من كذب وهو يعلم أنه كاذب في أي شيء كان، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله تعالى لا يعلم كذبه أي : ولا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله وقوله تعالى :﴿وجوههم مسودة﴾ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية وقيل : في محل نصب مفعولاً ثانياً لأن الرؤية قلبية، ورد بأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وذكر أن هذا السواد مخالف لسائر أنواع السواد ﴿أليس في جهنم مثوى﴾ أي : مأوى ﴿للمتكبرين﴾ أي : الذين تكبروا على اتباع أمر الله تعالى وهو تقرير لأنهم يرونه كذلك.
الزمر 39:61
ولما ذكر الله تعالى الذين أشقاهم أتبعهم حال الذين أسعدهم بقوله تعالى :﴿وينجي الله﴾ أي : يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك ﴿الذين اتقوا﴾ أي : بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات حماهم هنا من العقوبات ﴿بمفازتهم﴾ أي : بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بألف بعد الزاي جمعاً على أن لكل متق مفازة، والباقون بغير ألف بعد الزاي إفراداً وقوله تعالى ﴿لا يمسهم السوء﴾ جملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل : وما مفازتهم ؟ فقال : لا يمسهم السوء فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الذين اتقوا، ومعنى الكلام لا يمسهم مكروه ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي : ولا يطرق بواطنهم حزن على فائت لأنه لا يفوت لهم شيء أصلاً.
الزمر 39:62
ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر على دفعهما إلا القادر المبدع القيوم قال تعالى مستأنفاً أو معللاً، مظهراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام :﴿الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً والذي نجاهم ﴿خالق كل شيء﴾ أي : من خير وشر وإيمان وكفر فلا يكون شيء أصلاً إلا بخلقه.
ولما دل هذا على القدرة الشاملة وكان لا بد معها من العلم الكامل قال تعالى :﴿وهو على كل شيء﴾ أي : مع القهر والغلبة ﴿وكيل﴾ أي : حفيظ لجميع ما يريده قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة.
الزمر 39:63
وقوله تعالى :﴿له مقاليد السماوات والأرض﴾ جملة مستأنفة والمقاليد جمع مقلاد مثل مفتاح ومفاتيح أو مقليد مثل منديل ومناديل أي : هو مالك أمرها وحافظها وهي من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح والكلمة أصلها فارسية، فإن قيل : ما للكتاب المبين والفارسية ؟ أجيب : بأن التعريب قد أحالها عربية كما أخرج استعمال المهمل عن كونه مهملاً، قال الزمخشري :«سأل عثمان النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى :﴿له مقاليد السماوات والأرض﴾ فقال : يا عثمان ما سألني أحد عنها قبلك تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ». وروى هذا الطبراني بسند ضعيف بل رواه ابن الجوزي في الموضوعات، ثم قال الزمخشري وتأويله على هذا : أن الله تعالى في هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه، وقال قتادة ومقاتل : مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة وقال الكلبي : خزائن المطر والنبات.
ولما وصف الله تعالى بالصفة الإلهية والجلالة وهو كونه خالقاً للأشياء وكونه مالكاً لمقاليد السماوات والأرض بأسرها قال بعده :﴿والذين كفروا﴾ أي : لبسوا ما اتضح من الدلالات وجحدوا ﴿بآيات الله﴾ أي : دلائل قدرته الظاهرة الباهرة ﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿هم الخاسرون﴾ لأنهم خسروا أنفسهم وكل شيء متصل بها على وجه النفع، وقال الزمخشري :﴿والذين كفروا﴾ متصل بقوله :﴿وينجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم﴾ ( الزمر : ٦١ ) واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها وأن له مقاليد السماوات والأرض، واعترضه الرازي : بأن وينجي جملة فعلية والذين كفروا جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الفعلية لا يجوز واعترض الآخر بأنه لا مانع من ذلك.
الزمر 39:64
ولما دعا كفار قريش النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائهم قال الله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهم ﴿أفغير الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ أي : العريقون في الجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأن الله تعالى هو المستحق للعبادة فمن عبد غيره فهو جاهل، وقرأ نافع بتخفيف النون وفتح الياء وابن كثير بتشديد النون وسكون الياء، وابن عامر بنونين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وسكون الياء والباقون بتشديد النون وسكون الياء.
الزمر 39:65
﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ أي : الذي عملته قبل الشرك، فإن قيل : الموحى إليهم جماعة فكيف قال لئن أشركت على التوحيد ؟ أجيب : بأن تقدير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي : أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت كما تقول : كسانا حلة أي : كل واحد منا، فإن قيل : كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم ؟ أجيب : بأن قوله تعالى :﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ قضية شرطية، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزئها، ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين، قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق قال تعالى :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ( الأنبياء : ٢٢ ) ولم يلزم من هذا صدق أن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا أو أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كما قاله أكثر المفسرين أو أن ذلك على سبيل الفرض المحال ذكر ليكون ردعاً للأتباع.
ولما كان السياق للتهديد وكانت العبارة شاملة لما تقدم على الشرك من الأعمال وما تأخر عنه لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية البقرة وهي ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ ( البقرة : ٢١٧ ) قال تعالى :﴿ولتكونن﴾ أي : لأجل حبوطه ﴿من الخاسرين﴾ فإن من ذهب جميع عمله لا شك في خسارته أما من أسلم بعد ردته فإنما يحبط ثواب عمله لا عمله كما نص عليه الشافعي.
تنبيه : اللام الأولى موطئة للقسم والأخريان للجواب.
الزمر 39:66
ولما كان التقدير لا تشرك بنا عطف عليه قوله تعالى :﴿بل الله﴾ أي : المتصف بصفات الكمال وحده ﴿فاعبد﴾ أي : مخلصاً له العبادة ﴿وكن من الشاكرين﴾ أي : العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق أجمعين.
الزمر 39:67
ولما حكى الله تعالى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول أن يعبد الله ولا يعبد سواه، وبين أنهم لو عرفوا الله تعالى حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية قال :﴿وما قدروا الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿حق قدره﴾ أي : ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره مع أنهم لو استغرقوا الزمان كله في عبادته وخالص طاعته بحيث لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه عنها فكيف إذا عدل به غيره.
ولما بين أنهم ما عظموه تعظيماً لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته بقوله تعالى :﴿والأرض جميعاً قبضته﴾ وهو مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي : ما عظموه حق عظمته والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة كقوله تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ ( البقرة : ٢٨ ) أي : كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا، وجميعاً حال وهي دالة على أن المراد بالأرض : الأرضون لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع، وقدم الأرض على السماوات لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها.
ولما كان في هذه الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة وكان الأمر في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال تعالى :﴿يوم القيامة﴾ ولا قبضة هناك لا حقيقة ولا مجازاً وكذا الطي واليمين وإنما هو تمثيل وتخييل لتمام القدرة.
ولما كانوا يعلمون أن السماوات سبع متطابقة بما يشاهدونه من سير النجوم جمع ليكون مع جميعاً كالتصريح في جمع الأرض أيضاً في قوله تعالى :﴿والسماوات مطويات﴾ أي : مجموعات ﴿بيمينه﴾ قال الإمام الرازي : وههنا سؤالات ؛ الأول : أن العرش أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع ثم إنه تعالى قال في صفة العرش ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ ( الحاقة : ١٧ )، فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم فكيف يجوز تقرير عظمة الله عز وجل بكونه حاملاً للسماوات والأرض ؟ وأجاب : بأن مراتب التعظيم كثيرة.
فأولها : تقرير الله بكونه قادراً على هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش.
السؤال الثاني : قوله تعالى :﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ شرح حال لا تحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم معترفون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، وإن كان الخطاب مع المكذبين بالنبوة فهم ينكرون قوله تعالى :﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك ؟.
وأجاب عنه : بأن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السماوات والأرضين من وجوه العمارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإفنائها يوم القيامة، وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض وذلك يدل على كمال الاستغناء.
السؤال الثالث : حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرته تعالى، فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة ؟ وأجاب : بأنه خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا.
ولما كان هذا إنما هو تمثيل يعهد والمراد به الغاية في القدرة نزه نفسه المقدس عما ربما نسبه له المجسم والمشبه فقال تعالى :﴿سبحانه﴾ أي : تنزه من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص ﴿وتعالى﴾ علو الإيحاط به ﴿عما يشركون﴾ معه لأنه لو كان له شريك ينازعه في هذه القدرة أو بعضها لمنعه شيئاً منها وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء البتة. روى البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره عن عبد الله بن مسعود قال :«جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إذا كان يوم القيامة جعل الله تعالى السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً لقول الحبر ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية » وإنما ضحك صلى الله عليه وسلم وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما فهم علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، وإنما يدل ذلك على القدرة الباهرة وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأذهان هينة عليه هواناً لا يصل السامع إلى الوقوف عليه إلا بإجراء العبارة في مثل هذه الطريقة على التخييل.
وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبابرة أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ». وللبخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض ». قال أبو سليمان الخطابي : ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من وصف اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف، وقد ورد كلتا يديه يمين وليس عندنا معنى اليد الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة رضي الله تعالى عنهم، وقال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه انتهى. وقد قدمنا أن السلف يجرون المتشابه على ما هو عليه وأن الخلف يؤولونه والأول أسلم والثاني أحكم.
الزمر 39:68
ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال العظمة وهو شرح مقدمات يوم القيامة فقال :﴿ونفخ في الصور﴾ أي : القرن النفخة الأولى لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ﴿فصعق﴾ أي : مات ﴿من في السماوات ومن في الأرض﴾ واختلف فيمن استثنى الله تعالى بقوله سبحانه :﴿إلا من شاء الله﴾ فقال الحسن : هو الله وحده وقال ابن عباس : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام، ثم يميت الله تعالى ميكائيل وإسرافيل وجبريل وملك الموت، وقيل : حملة العرش، وقيل : الحور والولدان، وقيل : الشهداء لقوله تعالى :﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ( آل عمران : ١٦٩ ) وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش ». وقال جابر : هو موسى عليه السلام لأنه صعق فلا يصعق ثانياً وقال قتادة : الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم وهذا أسلم، ﴿ثم نفخ فيه﴾ أي : في الصور نفخة ﴿أخرى﴾ أي : نفخة ثانية ﴿فإذا هم﴾ أي : جميع الخلائق الموتى ﴿قيام﴾ أي : قائمون ﴿ينظرون﴾ أي : يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب جسيم، وقيل : ينتظرون أمر الله تعالى فيهم وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى لأن لفظة ثم للتراخي، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما بين النفختين أربعون قالوا : أربعون يوماً، قال أبو هريرة : أبيت، قالوا : أربعون شهراً، قال : أبيت، قالوا : أربعون سنة، قال : أبيت، قال : ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة » وقوله تعالى :﴿فإذا هم﴾ يدل على أن قيامهم يحصل عقب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء تدل على التعقيب.
الزمر 39:69
ولما ذكر تعالى إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن أتبعه بنور أرض القيامة فقال :
﴿وأشرقت﴾ أي : أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة ﴿الأرض﴾ أي : التي أوجدت لحشرهم وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى :﴿يوم تُبدّل الأرض غير الأرض﴾ ( إبراهيم : ٤٨ ). ﴿بنور ربها﴾ أي : خالقها وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه قال صلى الله عليه وسلم :«سترون ربكم » وقال :«كما لا تضارون في الشمس في يوم الصحو » وقال الحسن والسدي : بعدل ربها. ﴿ووضع الكتاب﴾ أي : كتاب الأعمال للحساب لقوله تعالى :﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ ( الإسراء : ١٣ ) وقوله تعالى :﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ ( الكهف : ٤٩ ) وقيل : الكتاب اللوح المحفوظ تقابل به الصحف، وقيل : الكتاب الذي أنزل إلى كل أمة تعمل به، واقتصر على هذا البقاعي. ﴿وجيء بالنبيين﴾ أي : للشهادة على أممهم واختلف في قوله تعالى :﴿والشهداء﴾ فقال ابن عباس : يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم : محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لقوله تعالى :﴿جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس﴾ ( البقرة : ١٤٣ ) وقال عطاء ومقاتل : يعني الحفظة لقوله تعالى :﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ ( ق : ٢١ ) وقيل : هم المستشهدون في سبيل الله.
الزمر 39:70
ولما بين تعالى أنه يوصل إلى كل واحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها قوله تعالى :﴿وقضى بينهم﴾ أي : العباد ﴿بالحق﴾ أي : العدل، ثانيها : قوله تعالى :﴿وهم لا يظلمون﴾ أي : لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، ثالثها : قوله تعالى :﴿ووفيت كل نفس ما عملت﴾ أي : جزاء ما عملته، رابعها : قوله تعالى :﴿وهو أعلم بما يفعلون﴾ أي : فلا يفوته شيء من أفعالهم.
الزمر 39:71
ثم فصل التوفية بقوله تعالى مقدماً أهل الغضب :﴿وسيق الذين كفروا﴾ أي : بالعنف والدفع ﴿إلى جهنم﴾ كما قال تعالى :﴿يوم يُدعّون إلى نار جهنم دعّاً﴾ ( الطور : ١٣ )
أي : يدفعون إليها دفعاً وقوله تعالى :﴿زمراً﴾ حال أي : جماعات في تفرقة بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة. ﴿حتى إذا جاؤوها﴾ أي : على صفة الذل والصغار، وأجاب إذا بقوله تعالى :﴿فتحت أبوابها﴾ أي : السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها، وقرأ الكوفيون فتحت وفتحت الآتية بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير. ﴿وقال لهم خزنتها﴾ إنكاراً عليهم وتقريعاً وتوبيخاً ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي : من جنسكم لأن قيام الحجة بالجنس أقوى ﴿يتلون﴾ أي : يتلون مرة بعد مرة وشيئاً في إثر شيء ﴿عليكم آيات ربكم﴾ أي : المحسن إليكم من القرآن وغيره ﴿وينذرونكم﴾ أي : يخوفونكم ﴿لقاء يومكم﴾ وقولهم ﴿هذا﴾ إشارة إلى يوم البعث، فإن قيل : لم أضيف إليهم اليوم ؟ أجيب : بأنهم أرادوا لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة، قال الزمخشري : وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضاً في أوقات الشدة، ويجوز أن يراد باليوم يوم البعث كله وجرى عليه البقاعي وهو أولى ولما قال لهم الخزنة ذلك ﴿قالوا بلى﴾ أتونا وتلوا علينا وحذرونا ﴿ولكن حقت﴾ أي : وجبت ﴿كلمة العذاب﴾ أي : التي سبقت في الأزل علينا هكذا كان الأصل ولكنهم قالوا ﴿على الكافرين﴾ تخصيصاً بأهل هذا الوصف وبياناً لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم الأنوار التي أتتهم بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
تنبيه : في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة، وقيل : كلمة العذاب هي قوله تعالى :﴿لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ( هود : ١١٩ ).
الزمر 39:72
ثم كأنه قيل : فماذا وقع بعد هذا التقريع ؟. ﴿قيل﴾ : وقع أن الملائكة قالت لهم ﴿ادخلوا أبواب جهنم﴾ أي : طبقاتها المتجهمة لداخلها ﴿خالدين﴾ أي : مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ ولما كان سبب كفرهم بالآيات هو التكبر قالوا لهم :﴿فبئس مثوى﴾ أي : منزل ومقام ﴿المتكبرين﴾ أي : الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم فلذلك تعاطوا أسبابها.
الزمر 39:73
ولما ذكر تعالى أحوال الكافرين أتبعه أحوال أضدادهم فقال عز من قائل :﴿وسيق الذين اتقوا ربهم﴾ أي : الذين كلما زادهم إحساناً زادوا له هيبة ﴿إلى الجنة﴾ وقوله تعالى :﴿زمراً﴾ حال أي : جماعات أهل الصلاة المستكثرين منها على حدة وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك من الأعمال التي تظهر آثارها على الوجوه.
فإن قيل : السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يساقوا إليه وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأي حاجة فيه إلى السوق ؟ أجيب : بأن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، والمراد بسوق أهل الجنة : سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين سراعاً إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين هذا سوق تشريف وإكرام وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا من بدائع أنواع البديع وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم فسبحان من أنزله معجز المباني وتمكن المعاني عذب الموارد والمثاني.
وقيل : إن المحبة والصداقة باقية بين المتقين إلى يوم القيامة كما قال تعالى :﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدواً إلا المتقين﴾ ( الإحزاب : ٦٧ ) فإذا قيل لواحد منهم : اذهب إلى الجنة فيقول : لا أدخلها إلا مع أحبابي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق إلى الجنة.
ولما ذكر تعالى السوق ذكر غايته بقوله تعالى :﴿حتى إذا جاؤوها﴾ اختلف في جواب إذا على أوجه. أحدها قوله تعالى :﴿وفتحت أبوابها﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش، وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون مغلقة عادة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظاراً لمن يدخلها، فعلى هذا أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون مقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى :﴿جنات عدن مفتّحة لهم الأبواب﴾ ( ص : ٥٠ ) فلذلك جيء بالواو فكأنه قال : حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها.
ثانيها قوله تعالى :﴿وقال لهم خزنتها﴾ أي : بزيادة الواو أيضاً أي : حتى إذا جاؤوها قال لهم خزنتها، ثالثها : قال الزجاج : القول عندي إن الجواب محذوف تقديره دخلوها بعد قوله تعالى :﴿إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها﴾ أي : حين الوصول ﴿سلام عليكم﴾ تعجيلاً للمسرة بالبشارة بالسلامة التي لا عطب فيها ﴿طبتم﴾ أي : صلحتم لسكناها لأنها دار طهرها الله تعالى من كل دنس وطيبها من كل قذر فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحاً تنقي أنفسنا من درن الذنوب وتميط وضر هذه القلوب ثم سببوا عن ذلك ﴿فادخلوها خالدين﴾ أي : مقدرين الخلود. وسمى بعضهم الواو في قوله تعالى :﴿وفتحت﴾ واو الثمانية قال : لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله تعالى :﴿وثامنهم كلبهم﴾ ( الكهف : ٢٢ ) وقيل : تقدير الجواب ﴿حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾ يعني أن الجواب بلفظ الشرط ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صح، وقدره الجلال المحلي بقوله : دخلوها.
الزمر 39:74
وقال : إن قوله تعالى :﴿وقالوا﴾ عطف على دخلوها المقدر ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿الذي صدقنا وعده﴾ في قوله تعالى :﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً﴾ ( مريم : ٦٣ ) فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة ﴿وأورثنا﴾ كما وعدنا ﴿الأرض﴾ أي : الأرض التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقولهم :﴿نتبوأ﴾ أي : ننزل ﴿من الجنة حيث نشاء﴾ جملة حالية وحيث ظرف على بابها وقيل : مفعول به، وإنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجهين ؛ أحدهما : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام لأنه تعالى قال :﴿وكلا منها رغداً حيث شئتما﴾ ( البقرة : ٣٥ ) فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم عليه السلام كان ذلك سبباً للإرث، ثانيها : أن الوارث يتصرف فيما ورثه كيف شاء من غير منازع فكذلك المؤمنون يتصرفون في الجنة حيث شاؤوا وأرادوا، فإن قيل : كيف يتبوأ أحدهم مكان غيره ؟ أجيب : بأن لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث شاء ولا يحتاج إلى جنة غيره ولا يشتهي أحد إلا مكانه مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها ولما كانت بهذا الوصف الجليل تسبب عنه مدحها بقوله :﴿فنعم﴾ أي : أجرنا هكذا كان الأصل ولكنه قال :﴿أجر العاملين﴾ ترغيباً في الأعمال وحثاً على عدم الاتكال.
الزمر 39:75
ولما ذكر سبحانه الذين أكرمهم من المتقين وما وصلوا إليه من المقامات أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات فقال تعالى صارفاً الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره :﴿وترى الملائكة﴾ أي : القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق وقوله تعالى :﴿حافين﴾ حال أي : محدقين ﴿من حول العرش﴾ أي : من جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفاً من ربهم، فإدخال من يفهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله تعالى أنهم لا يملؤون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي : إن من زائدة وقوله تعالى :﴿يسبحون﴾ حال من ضمير حافين ﴿بحمد ربهم﴾ أي : متلبسين بحمده يقولون سبحان الله وبحمده فهم ذاكرون له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذاً به، وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق ﴿وقضي بينهم﴾ أي : بين جميع الخلق ﴿بالحق﴾ أي : العدل فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم ﴿وقيل﴾ أي : وقال المؤمنون من المقضي بينهم والملائكة وطي ذكرهم لتعيينهم وتعظيمهم ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، وعدل بالقول إلى ما هو أحق بهذا المقام فقال ﴿لله﴾ ذي الجلال والإكرام علمنا ذلك في هذا اليوم عين اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين.
ولما كان هذا اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر قال واصفاً له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم ﴿رب العالمين﴾ أي : الذين ابتدأهم أول مرة من العدم، وأقامهم ثانياً بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثاً بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير وأبقاهم رابعاً لا إلى أخير وقيل : إن الله تعالى ابتدأ ذكر الخلق بالحمد لله في قوله سبحانه :﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾ ( الأنعام : ١ ) وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم فنبه بذلك على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين ». حديث موضوع، وقوله عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها :«أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر » رواه الترمذي وغيره.