Lafzullah

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — غافر 40:1 – الشورى 42:53

المؤلف / المصدر: الشربيني (ت 977هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27787)

المحتويات
  1. غافر 40:1
  2. غافر 40:2
  3. غافر 40:3
  4. غافر 40:4
  5. غافر 40:5
  6. غافر 40:6
  7. غافر 40:7
  8. غافر 40:8
  9. غافر 40:9
  10. غافر 40:10
  11. غافر 40:11
  12. غافر 40:12
  13. غافر 40:13
  14. غافر 40:14
  15. غافر 40:15
  16. غافر 40:16
  17. غافر 40:17
  18. غافر 40:18
  19. غافر 40:19
  20. غافر 40:20
  21. غافر 40:21
  22. غافر 40:22
  23. غافر 40:23
  24. غافر 40:24
  25. غافر 40:25
  26. غافر 40:26
  27. غافر 40:27
  28. غافر 40:28
  29. غافر 40:29
  30. غافر 40:30
  31. غافر 40:31
  32. غافر 40:32
  33. غافر 40:33
  34. غافر 40:34
  35. غافر 40:35
  36. غافر 40:36
  37. غافر 40:37
  38. غافر 40:38
  39. غافر 40:39
  40. غافر 40:40
  41. غافر 40:41
  42. غافر 40:42
  43. غافر 40:43
  44. غافر 40:44
  45. غافر 40:45
  46. غافر 40:46
  47. غافر 40:47
  48. غافر 40:48
  49. غافر 40:49
  50. غافر 40:50
  51. غافر 40:51
  52. غافر 40:52
  53. غافر 40:53
  54. غافر 40:54
  55. غافر 40:55
  56. غافر 40:56
  57. غافر 40:57
  58. غافر 40:58
  59. غافر 40:59
  60. غافر 40:60
  61. غافر 40:61
  62. غافر 40:62
  63. غافر 40:63
  64. غافر 40:64
  65. غافر 40:65
  66. غافر 40:66
  67. غافر 40:67
  68. غافر 40:68
  69. غافر 40:69
  70. غافر 40:70
  71. غافر 40:71
  72. غافر 40:72
  73. غافر 40:73
  74. غافر 40:74
  75. غافر 40:75
  76. غافر 40:76
  77. غافر 40:77
  78. غافر 40:78
  79. غافر 40:79
  80. غافر 40:80
  81. غافر 40:81
  82. غافر 40:82
  83. غافر 40:83
  84. غافر 40:84
  85. غافر 40:85
  86. فصلت 41:1
  87. فصلت 41:2
  88. فصلت 41:3
  89. فصلت 41:4
  90. فصلت 41:5
  91. فصلت 41:6
  92. فصلت 41:7
  93. فصلت 41:8
  94. فصلت 41:9
  95. فصلت 41:10
  96. فصلت 41:11
  97. فصلت 41:12
  98. فصلت 41:13
  99. فصلت 41:14
  100. فصلت 41:15
  101. فصلت 41:16
  102. فصلت 41:17
  103. فصلت 41:18
  104. فصلت 41:19
  105. فصلت 41:20
  106. فصلت 41:21
  107. فصلت 41:22
  108. فصلت 41:23
  109. فصلت 41:24
  110. فصلت 41:25
  111. فصلت 41:26
  112. فصلت 41:27
  113. فصلت 41:28
  114. فصلت 41:29
  115. فصلت 41:30
  116. فصلت 41:31
  117. فصلت 41:32
  118. فصلت 41:33
  119. فصلت 41:34
  120. فصلت 41:35
  121. فصلت 41:36
  122. فصلت 41:37
  123. فصلت 41:38
  124. فصلت 41:39
  125. فصلت 41:40
  126. فصلت 41:41
  127. فصلت 41:42
  128. فصلت 41:43
  129. فصلت 41:44
  130. فصلت 41:45
  131. فصلت 41:46
  132. فصلت 41:47
  133. فصلت 41:48
  134. فصلت 41:49
  135. فصلت 41:50
  136. فصلت 41:51
  137. فصلت 41:52
  138. فصلت 41:53
  139. فصلت 41:54
  140. الشورى 42:1
  141. الشورى 42:3
  142. الشورى 42:4
  143. الشورى 42:5
  144. الشورى 42:6
  145. الشورى 42:7
  146. الشورى 42:8
  147. الشورى 42:9
  148. الشورى 42:10
  149. الشورى 42:11
  150. الشورى 42:12
  151. الشورى 42:13
  152. الشورى 42:14
  153. الشورى 42:15
  154. الشورى 42:16
  155. الشورى 42:17
  156. الشورى 42:18
  157. الشورى 42:19
  158. الشورى 42:20
  159. الشورى 42:21
  160. الشورى 42:22
  161. الشورى 42:23
  162. الشورى 42:24
  163. الشورى 42:25
  164. الشورى 42:26
  165. الشورى 42:27
  166. الشورى 42:28
  167. الشورى 42:29
  168. الشورى 42:30
  169. الشورى 42:31
  170. الشورى 42:32
  171. الشورى 42:33
  172. الشورى 42:34
  173. الشورى 42:35
  174. الشورى 42:36
  175. الشورى 42:37
  176. الشورى 42:38
  177. الشورى 42:39
  178. الشورى 42:40
  179. الشورى 42:41
  180. الشورى 42:42
  181. الشورى 42:43
  182. الشورى 42:44
  183. الشورى 42:45
  184. الشورى 42:46
  185. الشورى 42:47
  186. الشورى 42:48
  187. الشورى 42:49
  188. الشورى 42:50
  189. الشورى 42:51
  190. الشورى 42:52
  191. الشورى 42:53

غافر 40:1

وقوله تعالى :﴿حم﴾ قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وورش وأبو عمرو بين بين والباقون بالفتح وقد سبق الكلام في حروف التهجي، وقال ابن عباس :﴿حم﴾ اسم الله الأعظم وعنه قال : الر وحم ون حروف الرحمان مقطعة وقيل : حم اسم السورة، وقيل : الحاء افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنان والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان، وقال الضحاك والكسائي : معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معنى حم : حم بضم الحاء وتشديد الميم، وهل يجوز أن يجمع حم على حواميم ؟ نقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن يقول : قرأت آل حم. وفي الحديث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم :«إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات ». وقال الكميت : وجدنا لكم في آل حم آية؍ تأولها منا تقي ومعرب؍ ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها : قوله صلى الله عليه وسلم :«الحواميم ديباج القرآن ». وقوله صلى الله عليه وسلم :«الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع جهنم والحطمة ولظى والسعير وسقر والهاوية والجحيم، فتجيء كل حم منهن يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرؤني ». وقوله صلى الله عليه وسلم :«لكل شيء ثمرة وثمرة القرآن ذوات حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم ». وقوله صلى الله عليه وسلم :«الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب ». وقال ابن عباس : لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم، قال ابن عادل : فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك أي : فتدل على جواز الجمع، وقال البيضاوي في حم السجدة : ولعل افتتاح هذه السبع بحم وتسميتها به لكونها مصدرة بيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى أي : أخذاً مما قيل إن حم اسم من أسماء القرآن.

غافر 40:2

وقوله تعالى :﴿تنزيل الكتاب﴾ أي : الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والإكرام إما خبر لحم إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ مضمر وإما مبتدأ وخبره ﴿من الله﴾ أي : الجامع لجميع صفات الكمال، ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعداً ووعيداً قال تعالى :﴿العزيز﴾ أي : في ملكه ﴿العليم﴾ بخلقه، فبين تعالى أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز ولولا كونه عزيزاً عالماً لما صح ذلك.

غافر 40:3

﴿غافر الذنب﴾ أي : بتوبة وغير توبة للمؤمن إن شاء وأما الكافر فلا بد من توبته بالإسلام ﴿وقابل التوب﴾ أي : ممن عصاه وهو يحتمل أن يكون اسماً مفرداً مراداً به الجنس كالذنب وأن يكون جمعاً لتوبة كتمر وتمرة ﴿شديد العقاب﴾ أي : على الكافر، فإن قيل : إن شديد صفة مشبهة فإضافته غير محضة بكل حال بخلاف اسم الفاعل إذا لم يرد به الحال ولا الاستقبال كغافر الذنب وقابل التوب فإن إضافته محضة تفيد التعريف، قال سيبويه : كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة ولم يستثن الكوفيون شيئاً ؟ أجيب : بأن شديد معناه مشدد كأذين بمعنى مأذون فتتمحض إضافته أو الشديد عقابه، فحذف اللام للازدواج مع أمن الالتباس أو بالتزام مذهب الكوفيين هو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمحض إضافتها أيضاً فتكون معرفة يقولون في نحو حسن الوجه يجوز أن تصير إضافته محضة وقال الرازي : لا نزاع في جعل غافر وقابل صفتين وإنما كان كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار فكذلك شديد العقاب لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه كونه بحيث يقال شديد عقابه وهذا المعنى حاصل أبداً، فلا يوصف بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو حيان : وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون :﴿حكيم عليم﴾ و﴿مليك مقتدر﴾ معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفات لم تحصل بعد إن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء وهذا لا يقوله مبتدئ في علم النحو فكيف من يصنف فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى. قال الزمخشري : فإن قلت ما بال الواو في قوله :﴿وقابل التوب﴾ قلت : فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب كأن لم يذنب، كأنه قال : جامع المغفرة والقبول. قال ابن عادل : وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة، قال أبو حيان : وما أكثر تبجح هذا الرجل وشقشقته والذي أفادته الواو الجمع وهذا معلوم من ظاهر علم النحو. وأنشد بعضهم : وكم من عائب قولاً صحيحاً؍ وآفته من الفهم السقيم؍ وقال آخر : قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد؍ وينكر الفم طعم الماء من سقم؍ ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب بالعقوبة أتبعه التشويق إلى الفضل فقال تعالى ﴿ذي الطول﴾ أي : سعة الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة فلا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه، قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله شديد العقاب لمن لا يقول : لا إله إلا الله ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله، وقال الحسن : ذو الفضل، وقال قتادة : ذو النعم ثم علل تمكنه من كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال تعالى :﴿لا إله إلا هو إليه﴾ وحده ﴿المصير﴾ أي : المرجع فلو جعل معه إلهاً آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملان حاصلين بسبب هذا التوحيد وقوله تعالى :﴿إليه المصير﴾ مما يقوي الرغبة في الإقرار بالعبودية له، روي أن عمر رضي الله تعالى عنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له : تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو بسم الله الرحمان الرحيم حم إلى قوله تعالى :﴿إليه المصير﴾ وختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع وأحسن النزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه وقفوه وادعوا له الله تعالى أن يتوب عليه ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه.

غافر 40:4

ولما قرر تعالى أن القرآن كتاب أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله فقال :﴿ما يجادل﴾ أي : يخاصم ويماري أي : يفتل الأمور إلى مراده ﴿في آيات الله﴾ أي : في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدال كالشمس على أنه تعالى إليه المصير بأن يغش نفسه بالشك في ذلك ﴿إلا الذين كفروا﴾ قال أبو العالية : آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن قوله تعالى :﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ وقوله تعالى :﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ ( البقرة : ١٧٦ ) وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :«إن جدالاً في القرآن كفر ». وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال :«سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتمارون في القرآن فقال : إنما أهلك من كان قبلكم أنهم ضربوا كتاب الله بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم عنه فكلوه إلى عالمه ». وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال :«إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب ». تنبيه : الجدال نوعان : جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل. أما الأول : فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ ( النحل : ١٢٥ ) وحكى عن قوم نوح قولهم :﴿يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ ( هود : ٣٢ ). وأما الثاني : فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية فجدالهم في آيات الله هو قولهم مرة هذا سحر، ومرة هذا شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا. ولما أثبت أن الحشر لا بد منه وأن الله تعالى قادر كل القدرة لأنه لا شريك له، وهو محيط بجميع أوصاف الكمال تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فلا يغررك تقلّبهم﴾ أي : تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم ﴿في البلاد﴾ كبلاد الشام واليمن فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال تعالى :﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم﴾.

غافر 40:5

﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾ وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزباً واحداً لم يفرقهم شيء، ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان وكان للإجمال من الردع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل، قال تعالى :﴿والأحزاب﴾ أي : الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عدداً ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله :﴿من بعدهم﴾ كعاد وثمود ﴿وهمت كل أمة﴾ أي : من هؤلاء ﴿برسولهم﴾ أي : الذي أرسلناه إليهم ﴿ليأخذوه﴾ أي : ليتمكنوا من إصابته بما أرادوه من تعذيب أو قتل. ويقال للأسير : أخيذ، وقال ابن عباس : ليقتلوه ويهلكوه ﴿وجادلوا بالباطل﴾ أي : بالأمر الذي لا حقيقة له وليس له من ذاته إلا الزوال كما تفعل قريش ومن ضاهاهم من العرب ثم بين علة مجادلتهم بقوله تعالى :﴿ليدحضوا﴾ أي : ليزيلوا ﴿به الحق﴾ أي : الذي جاءت به الرسل عليهم السلام ﴿فأخذتهم﴾ أي : أهلكتهم وهم صاغرون، وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بالإدغام ﴿فكيف كان عقاب﴾ لهم أي : هو واقع موقعه وهم يمرون على ديارهم ويرون أثرهم وهذا تقريع فيه معنى التعجب. تنبيه : حذفت ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى شيء من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد.

غافر 40:6

ولما كان التقدير فحقت عليهم كلمة الله تعالى عطف عليه ﴿وكذلك﴾ أي : ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ ﴿حقت كلمة ربك﴾ أي : المحسن إليك وهي ﴿لأملأن جهنم﴾ الآية ﴿على الذين كفروا﴾ لكفرهم، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الميم على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد، وقوله :﴿أنهم أصحاب النار﴾ في محل رفع بدل من ﴿كلمة ربك﴾ أي : مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ومعناها : كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب هلاكهم بعذاب النار في الآخرة أو في محل نصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.

غافر 40:7

ولما بين تعالى أن الكفار بالغوا في إظهار العداوة للمؤمنين بقوله :﴿ما يجادل في آيات الله﴾ وما بعده، بين تعالى أن الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حوله يبالغون في إظهار المحبة والنصر للمؤمنين فقال تعالى :﴿الذين يحملون العرش﴾ وهو مبتدأ وقوله :﴿ومن حوله﴾ عطف عليه وقوله تعالى :﴿يسبحون﴾ خبره ﴿بحمد ربهم﴾ أي : المحسن إليهم، قال شهر بن حوشب : حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال : وكأنهم يرون ذنوب بني آدم وقيل : إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى بأربعة أخر كما قال تعالى :﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ ( الحاقة : ١٧ ) وهم من أشراف الملائكة وأفضلهم لقربهم من محل رحمة ربهم قال ابن الخازن : وجاء في الحديث : أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيضعف وجناحان يهفو بهما في الهواء، ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء. وقال ابن عباس : حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرض والأرضون والسماوات إلى حجزتهم وهم يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وقال ميسرة بن عرفة : أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها. وقال مجاهد : بين الملائكة والعرش سبعون ألف حجاب من نور وسبعون ألف حجاب من ظلمة. وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام »، وأما صفة العرش فقيل : أنه من جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات خلقاً. روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطائر المسرع ثلاثين ألف عام، ويكسي العرش كل يوم سبعين ألف لون من نور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله تعالى كلها، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة، وقال مجاهد : بين السماء السابعة والعرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة. وقيل : إن العرش قبلة أهل السماء كما أن الكعبة قبلة أهل الأرض، وأما من حول العرش فهم الكروبيون وهم سادات الملائكة. قال وهب بن منبه : إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هؤلاء ويقبل هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا : سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون ومن وراء هؤلاء وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى، ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، وما بين شحمتي أذنيه إلى عاتقه أربعمائة عام، وقد احتجب الله عز وجل عن الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجاباً من نار وسبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من در أبيض وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من ماء وسبعين حجاباً من برد، وما لا يعلم علمه إلا الله تعالى، فسبحان من له هذا الملك العظيم. ولما كان تعالى لا يحيط به علماً أحد من خلقه أشار إلى أنهم مع قربهم كغيرهم لا فرق في ذلك بينهم وبين من في الأرض السفلى بقوله تعالى :﴿ويؤمنون به﴾ لأن الإيمان إنما يكون بالغيب فهم يصدقون بأنه واحد لا شريك له ولا مثل له ولا نظير له، فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى :﴿ويؤمنون به﴾ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون ؟ أجيب : بأن فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في غير موضع من كتابه بالصلاح، لذلك وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى :﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ فأبان بذلك فضل الإيمان ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفاً لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف وكان أقرب ما يتقرب به إلى الملك لتقربه إلى أهل وده نبه سبحانه بقوله تعالى :﴿ويستغفرون﴾ أي : يطلبون محو الذنوب عيناً وأثراً ﴿للذين آمنوا﴾ أي : أوقعوا هذه الحقيقة فهم يستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم، وفي ذلك تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعث على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان ولا بين سماوي وأرضي قط، ولكن لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض قال تعالى :﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ ( الشورى : ٥ ) واستغفارهم بأن يقولوا ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره فهو معمول لقول مضمر في محل نصب على الحال من فاعل يستغفرون أو خبر بعد خبر ﴿وسعت كل شيء رحمة وعلماً﴾ أي : وسعت رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء، فأزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأنَّ ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء، وأكثر ما يكون الدعاء بذكر الرب لأن الملائكة قالوا في هذه الآية وقال آدم عليه السلام :﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ ( الأعراف : ٢٣ ) وقال نوح عليه السلام :﴿رب إن قومي كذّبون﴾ ( الشعراء : ١١٧ ) وقال :﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾ ( إبراهيم : ٤١ ) وقال إبراهيم عليه السلام :﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ ( البقرة : ٢٦٠ ) وقال :﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ ( البقرة : ١٢٨ ) وقال يوسف عليه السلام :﴿رب قد آتيتني من الملك﴾ ( يوسف : ١٠١ ) وقال موسى عليه السلام :﴿ربّ أرني أنظر إليك﴾ ( الأعراف : ١٤٣ ) وقال :﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾ ( القصص : ١٦ ) وقال سليمان عليه السلام :﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً﴾ ( ص : ٣٥ ) وقال عيسى عليه السلام :﴿ربنا أنزل علينا مائدة من السماء﴾ ( المائدة : ١١٤ ) وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ ( المؤمنون : ٩٧ ). فإن قيل : لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ رب بالدعاء ؟ أجيب : بأن العبد يقول : كنت في العدم المحض والنفي الصرف فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك وإحسانك سبباً لإجابة دعائي ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ أي : رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوها عيناً وأثراً فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها ﴿واتبعوا﴾ أي : كلفوا أنفسهم على مالها من العوج أن لزموا ﴿سبيلك﴾ المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب وكان سبحانه وتعالى له أن يعذب من لا ذنب له وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا :﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ أي : اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ولا يبدل القول لديك وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء وإن الخلق عبيدك.

غافر 40:8

ولما طلبوا من الله سبحانه وتعالى إزالة العذاب عنهم وكان ذلك لا يستلزم الثواب قالوا مكررين صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان :﴿ربنا﴾ أيها المحسن إلينا ﴿وأدخلهم جنات عدن﴾ أي : إقامة ﴿التي وعدتهم﴾ أي : إياها وقولهم :﴿ومن صلح﴾ معطوف على هم في وعدتهم وقدموا قولهم :﴿من آبائهم﴾ على قولهم :﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾ لأن الآباء أحق الناس بالإجلال وقدموا الأزواج في اللفظ على الذرية لأنهم أشد إلصاقاً بالشخص وطلبوا لهم ذلك لأن الإنسان لا يتم نعيمه إلا بأهله، قال سعيد بن جبير : يدخل الجنة المؤمن فيقول : أين أبي أين ولدي وزوجتي ؟ فيقال له : إنهم لم يعملوا مثل عملك، فيقول : إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال : أدخلوهم الجنة. ﴿إنك أنت﴾ أي : وحدك ﴿العزيز﴾ أي : فأنت تغفر لمن شئت ﴿الحكيم﴾ فكل فعلك في أتم مواضعه فلا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه.

غافر 40:9

﴿وقهم السيئات﴾ أي : بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها، فإن قيل : هذا مكرر مع قوله :﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ ؟ أجيب : بأن التفاوت حاصل من وجهين : أحدهما : أن يكون قولهم وقهم عذاب الجحيم دعاء مذكوراً للأصول وقولهم : وقهم السيئات دعاء مذكوراً للفروع وهم الآباء والأزواج والذريات، ثانيهما : أن يكون قوله :﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ مقصوراً على إزالة عذاب الجحيم وقوله :﴿وقهم السيئات﴾ يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف يوم القيامة والسؤال والحساب، فيكون تعميماً بعد تخصيص وهذا أولى. وقال بعض المفسرين : إن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار عنهم بقولهم وقهم عذاب الجحيم، وطلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم : وأدخلهم جنات عدن، ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا من العقائد الفاسدة بقولهم وقهم السيئات. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الميم والهاء، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم. ثم قالت الملائكة :﴿ومن تق السيئات﴾ أي : جزاءها كلها ﴿يومئذ﴾ أي : يوم تدخل فريقاً الجنة وفريقاً النار المسببة عن السيئات وهو يوم القيامة ﴿فقد رحمته﴾ أي : الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها معها أن يسمى رحمة فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا :﴿وذلك﴾ أي : الأمر العظيم جداً ﴿هو الفوز العظيم﴾ أي : النعيم الذي لا ينقطع في جوار ملك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وإجلاله هذا آخر دعاء الملائكة للمؤمنين، قال مطرف : أنصح عباد الله تعالى للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين.

غافر 40:10

ثم إنه تعالى بعد أن ذكر أحوال المؤمنين عاد إلى ذكر أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله تعالى وهم المذكورون في قوله تعالى :﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ ( غافر : ٤ ) فقال تعالى مستأنفاً مؤكداً لإنكارهم آيات الله تعالى :﴿إن الذين كفروا﴾ أي : أوقعوا الكفر ولو لحظة ﴿ينادون﴾ يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم :﴿لمقت الله﴾ أي : الملك الأعظم إياكم ﴿أكبر﴾ والتقدير : لمقت الله لأنفسكم أكبر ﴿من مقتكم أنفسكم﴾ فاستغنى بذكرها مرة وقوله تعالى :﴿إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ منصوب بالمقت الأول والمعنى : أنه يقال لهم يوم القيامة : كان الله تعالى يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان يدعوكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر، أشد ما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن. وذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوهاً ؛ أولها : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. ثانيها : أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين يدعونهم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى :﴿اقتلوا أنفسكم﴾ ( النساء : ٦٦ ) والمراد أن يقتل بعضكم بعضاً. ثالثها : قال محمد بن كعب : إذا خطبهم إبليس وهو في النار بقوله :﴿ما كان لي عليكم من سلطان﴾ إلى قوله ﴿ولوموا أنفسكم﴾ ( إبراهيم : ٢٢ )، ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم. وأما الذين ينادون الكفار بهذا الكلام فهم خزنة جهنم، وعن الحسن : لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله أكبر، وقيل : معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله تعالى :﴿يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ( العنكبوت : ٢٥ ) و﴿إذ تدعون﴾ تعليل، والمقت : أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال فالمراد منه : أبلغ الإنكار وأشده، وعن مجاهد : مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم ومقت الله تعالى إياهم في الدنيا، إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون أكبر، وقال الفراء : معناه : ينادون إن مقت الله يقال : ناديت أن زيداً قائم وناديت لزيد قائم، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الذال في التاء والباقون بالإظهار.

غافر 40:11

ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب :﴿قالوا ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا ﴿أمتنا اثنتين﴾ أي : إماتتين ﴿وأحييتنا اثنتين﴾ أي : إحيائتين، قال ابن عباس وقتادة والضحاك : كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا ثم أماتهم الموتة الأولى التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهما موتتان وحياتان وهو كقوله تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ ( البقرة : ٢٨ ) وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للمسألة ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة، وقيل : واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ورد بأن الصعق ليس بموت وما في القبر ليس بحياة حتى يكون عنه موت وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصا على التسبيح والحجر على التسليم والضب على الشهادتين. ﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ أي : بكفرنا بالبعث ﴿فهل إلى خروج﴾ من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك ﴿من سبيل﴾ أي : طريق ونظيره ﴿هل إلى مردٍّ من سبيل﴾ ( الشورى : ٤٤ )، والمعنى : أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسداً باطلاً تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة، فإن قيل : الفاء في قوله تعالى :﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سبباً لهذا الاعتراف فما وجه هذه السببية ؟ أجيب : بأنهم كانوا منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن تلك الإماتة والإحياء.

غافر 40:12

ولما كان الجواب قطعاً لا سبيل إلى ذلك علله بقوله تعالى :﴿ذلكم﴾ أي : القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتاً منه لكم ﴿بأنه﴾ أي : كان بسبب أنه ﴿إذا دُعي الله﴾ أي : الملك الأعظم من أي داع وفي إعراب قوله تعالى ﴿وحده﴾ وجهان ؛ أحدهما : أنه مصدر في موضع الحال وجاز مع كونه معرفة لفظاً لكونه في قوة النكرة كأنه قيل : منفرداً، ثانيهما : وهو قول يونس : أنه منصوب على الظرف، والتقدير : دعي على حِدَته وهو مصدر محذوف الزوائد، والتقدير : أوحدته إيحاداً. ﴿كفرتم﴾ بتوحيده ﴿وإن يشرك به﴾ أي : يجعل له تعالى شريك ﴿تؤمنوا﴾ أي : تصدقوا بالإشراك ﴿فالحكم﴾ أي : فتسبب عن القطع بأنه لا رجعة وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونحو ذلك أن الحكم كله ﴿لله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال ﴿العلي﴾ أي : عن أن يكون له شريك ﴿الكبير﴾ أي : الذي لا يليق الكبر إلا له.

غافر 40:13

ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله تعالى :﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الذي يريكم﴾ أي : بالصبر والبصيرة ﴿آياته﴾ أي : علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال وأنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصور شركاء لله عز وجل في العبودية، ومن آياته الدالة على كمال القدرة والعظمة قوله تعالى :﴿وينزل لكم من السماء﴾ أي : جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله ﴿رزقاً﴾ أي : أسباب رزق كالمطر لإقامة أبدانكم لأن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان، والله تعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولهما يكمل الأنعام الكامل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿وما يتذكر﴾ ذلك تذكراً تاماً فيتعظ بهذه الآيات ﴿إلا من ينيب﴾ أي : يرجع إلى الله تعالى ويقبل بكليته إلى الله تعالى في جميع أموره فيعرض عن غير الله تعالى. ولهذا قال عز من قائل :﴿فادعوا﴾

غافر 40:14

﴿فادعوا﴾ وصرح بالاسم الأعظم فقال تعالى :﴿الله﴾ الذي له صفات الكمال أي : فاعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي : الأفعال التي يقع الجزاء عليها فمن كان يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصاً، اجتهد في تصفية أعماله فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص ﴿ولو كره﴾ أي : الدعاء منكم ﴿الكافرون﴾ أي : السائرون لأنوار عقولهم.

غافر 40:15

ولما ذكر تعالى من صفات كبريائه كونه مظهراً للآيات ذكر ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهي قوله تعالى :﴿رفيع الدرجات﴾ وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع، وأن يكون المراد منه المرتفع، فإن حملناه على الأول ففيه وجهان : أولها : أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء، ثانيهما : يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجة معينة كما قال تعالى عنهم :﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ ( الصافات : ١٦٤ ) وجعل لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى :﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ( المجادلة : ١١ ) وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية كدرة وبعضها فلكية وبعضها من جواهر العرش والكرسي، وأيضاً جعل لكل واحد مزية معينة في الخلق والخلق والرزق والأجل فقال تعالى :﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ ( الأنعام : ١٦٥ ) وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة تظهر تلك الآثار وإن حملنا الرفيع على المرتفع فهو سبحانه وتعالى أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال. تنبيه : في رفيع وجهان ؛ أحدهما : أنه مبتدأ والخبر ﴿ذو العرش﴾ أي : الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو فهو محيط بجميع الأكوان ومادة لكل جماد وحيوان وعال بجلاله وعظمته عن كل ما يخطر في الأذهان وقوله تعالى :﴿يلقي الروح﴾ أي : الوحي سماه روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح. ﴿من أمره﴾ قال ابن عباس : أي : رضاه، وقوله :﴿يلقي﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً وأن يكون حالاً، ويجوز أن تكون الثلاثة أخباراً لقوله تعالى :﴿هو الذي يريكم آياته﴾. ولما كان أمره تعالى غالباً على كل أمر أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال تعالى :﴿على من يشاء﴾ أي : يختار ﴿من عباده﴾ للنبوة وفي هذا دليل على أنها عطائية وقوله :﴿لينذر﴾ أي : يخوف غاية الإلقاء والفاعل هو الله تعالى، أو الروح، أو من يشاء، أو الرسول. والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب. ﴿يوم التلاق﴾ أي : يوم القيامة فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء والأرض، وقال مقاتل : يلتقي الخلق والخالق تعالى. وقال ميمون بن مهران : يلتقي الظالم والمظلوم، وقيل : يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل : يلتقي فيه المرء مع عمله والأولى أن تفسر الآية بما يشمل الجميع.

غافر 40:16

﴿يوم هم بارزون﴾ أي : خارجون من قبورهم وقيل : ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو شجر أو تلال أو غير ذلك، وقيل : بارزون كناية عن ظهور حالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى :﴿يوم تبلى السرائر﴾ ( الطلاق : ٩ ) والأولى أيضاً أن تفسر الآية بما يشمل الجميع كما قال تعالى :﴿لا يخفى على الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿منهم﴾ أي : من أعمالهم وأحوالهم ﴿شيء﴾ وإن دق وخفي ويقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق ﴿لمن الملك اليوم﴾ أي : يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد، فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه فيقول تعالى :﴿لله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ثم دل على ذلك بقوله تعالى :﴿الواحد﴾ أي : الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسيمة ولا غيرهما ﴿القهار﴾ أي : الذي قهر الخلق بالموت، وقيل : يجيبونه بلسان الحال أو المقال فيقولون ذلك، وقال الرازي : لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمعاً آخرين وليس على التعيين، فإن قيل : الله تعالى لا يخفى عليه شيء منهم في جميع الأيام فما معنى تقييد هذا العلم بذلك اليوم ؟ أجيب : بأنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله تعالى لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمون في الدنيا كما قال تعالى :﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون﴾ ( فصلت : ٢٢ ) وقال تعالى :﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾ ( النساء : ١٠٨ ) وهو معنى قوله تعالى :﴿وبرزوا لله الواحد القهار﴾ ( إبراهيم : ٤٨ ).

غافر 40:17

ولما أخبر تعالى عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب أخبرهم بما يزيد رعبهم ويبعث رغبتهم وهو نتيجة تفرده بالملك فقال تعالى :﴿اليوم تجزى﴾ أي : تقضى وتكافأ ﴿كل نفس بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كسبت﴾ أي : عملت لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم، والحكمة قد منعت إهمال أحد منهم فيجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿لا ظلم اليوم﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿إن الله﴾ أي : التام القدرة الشامل للعلم ﴿سريع الحساب﴾ أي : بليغ السرعة فيه لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير ولا يشغله شأن عن شأن لأنه تعالى لا يحتاج إلى تكلف عدّ ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب ولا شيء، فكان في ذلك ترجية وخوف الفريقين لأن المؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب والظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب، وعن ابن عباس : إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها.

غافر 40:18

ثم نبه تعالى بقوله سبحانه :﴿وأنذرهم يوم الآزفة﴾ أي : القيامة على أن يوم القيامة قريب، ونظيره قوله تعالى :﴿اقتربت الساعة﴾ ( القمر : ١ ) قال الزجاج : إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن ما هو كائن قريب، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر كقوله تعالى في صفة القيامة :﴿أزفت الآزفة﴾ ( النجم : ٥٧ ) أي : قربت قال النابغة : أزف الترحل غير أن ركابنا؍ لما تزل برحالنا وكأن وقد؍ وقال كعب بن زهير : بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا؍ ولا أرى لشباب بائن خلفا؍ تنبيه : الآزفة : نعت لمحذوف مؤنث كيوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة الآزفة. قال القفال : وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة لأنها مرجع معناها على الداهية، ويوم القيامة له أسماء كثيرة تدل على أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر ومنها يوم التلاق لما مر ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه وخسرانه، وقيل : المراد بيوم الآزفة مشارفتهم دخول النار فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف، وقال أبو مسلم : هو يوم حضور الأجل فإن يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب. ولما ذكر تعالى اليوم هوَّل أمره بما يحصل فيه من المشاق بقوله تعالى :﴿إذ القلوب﴾ أي : من كل من حضره ترتفع ﴿لدى﴾ أي : عند ﴿الحناجر﴾ أي : حناجر المجموعين فيه وهو جمع حنجور وهو الحلقوم يعني أنها زالت عن أماكنها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج. ثم أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال تعالى :﴿كاظمين﴾ أي : ممتلئين خوفاً ورعباً وحزناً مكروبين فقد استدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. ولما كان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك والشفاعات قال تعالى مستأنفاً :﴿ما للظالمين﴾ أي : العريقين في الظلم ﴿من حميم﴾ أي : قريب صادق في مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم ﴿ولا شفيع يطاع﴾ فيشفع لهم. تنبيه : احتج المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة عن المذنبين، فقالوا : نفي حصول شفيع لهم يطاع يوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع وأجيبوا بوجوه ؛ أولها : أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع كقولك ما عندي كتاب يباع، لا يقتضي نفي الكتاب فهذا ينفي أن لهم شفيعاً يطيعه الله تعالى ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ ( يونس : ٣ ) ثانيها : أن المراد بالظالمين في هذه الآية ههنا الكفار لأنها وردت في زجر الكفار قال تعالى :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ( لقمان : ١٣ )، ثالثها : أن لفظ الظالمين إما أن يفيد الاستغراق أو لا، فإن كان المراد : جميعهم فيدخل فيه الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا الجمع شفيعاً لأن بعضه كفار وليس لهم شفيع، فحينئذ لا يكون لهذا الجمع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع.

غافر 40:19

ولما أمر الله تعالى بإنذار يوم الآزفة وما يعرض فيه من شدة الغم والكرب وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا يشفع له، ذكر اطلاعه على جميع ما يصدر من الخلق سراً وجهراً فقال تعالى :﴿يعلم خائنة الأعين﴾ أي : خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر، جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهو الإشارة بالعين، قال أبو حيان : من كسر عين وغمز ونظر يفهم المراد. ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر أتبعه أخفى أفعال الباطن فقال تعالى :﴿وما تخفي الصدور﴾ أي : القلوب فعلم من ذلك أن الله تعالى عالم بجميع أفعالهم لأن الأفعال على قسمين أفعال الجوارح وأفعال القلوب، فأما أفعال الجوارح فأخفاها خيانة الأعين والله تعالى عالم بها فكيف الحال في سائر الأعمال، وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله عز وجل :﴿وما تخفي الصدور﴾.

غافر 40:20

وقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : المتصف بجميع صفات الكمال ﴿يقضي بالحق﴾ أي : الثابت الذي لا ينتفي يوجب عظيم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال وثبت أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى. ولما عول الكفار في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام بين الله تعالى أنه لا فائدة فيها البتة فقال تعالى :﴿والذين يدعون﴾ أي : يعبدون ﴿من دونه﴾ وهم الأصنام ﴿لا يقضون﴾ لهم ﴿بشيء﴾ من الأشياء أصلاً فكيف يكونون شركاء لله تعالى، وقرأ نافع وهشام تدعون بتاء الخطاب للمشركين والباقون بياء الغيبة إخباراً عنهم بذلك. ولما أخبر تعالى أنه لا فعل لشركائهم وأن الأمر له وحده قال تعالى مؤكداً لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكار ذلك ﴿إن الله﴾ أي : المنفرد بصفات الكمال ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿السميع﴾ أي : لجميع أقوالهم ﴿البصير﴾ أي : بجميع أفعالهم، ففي ذلك تقرير لعلمه تعالى بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه، فثبت أن الأمر له وحده فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فإن كان أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيه فيشفع فيشفعه الله تعالى، فيفصل سبحانه وتعالى بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره جنته أو ناره.

غافر 40:21

ولما أوعدهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار وختمه بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار أتبعه الوعظ والتخويف بالمشاهدة ممن تتبع الديار، والاعتبار بما كان لهم فيها من عجائب الآثار فقال عز من قائل : ﴿أولم يسيروا في الأرض﴾ أي : في أي أرض ساروا فيها ﴿فينظروا﴾ أي : نظر اعتبار كما هو شأن أهل البصائر ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي : آخر أمر ﴿الذين كانوا﴾ أي : سكاناً للأرض عريقين في عمارتها ﴿من قبلهم﴾ أي : قبل زمانهم من الكفار كعاد وثمود ﴿كانوا هم﴾ أي : المتقدمون لما لهم من القوة الظاهرة والباطنة ﴿أشد منهم﴾ أي : من هؤلاء ﴿قوة﴾ أي : ذوات ومعاني وإنما جيء بالفصل وحقه أنه يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من المعرفة في امتناع دخول اللام عليه، وقرأ ابن عامر منكم بكاف والباقون بهاء الغيبة ﴿و﴾ أشد ﴿آثاراً في الأرض﴾ لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليه ألوف من السنين، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن ومع قوتهم ﴿فأخذهم الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة ﴿بذنوبهم﴾ أي : بسببها ﴿وما كان لهم﴾ من شركائهم الذين ضلوا بهم هؤلاء ومن غيرهم ﴿من الله﴾ أي : المتصف بجميع صفات الكمال ﴿من واق﴾ أي : يقيهم عذابه والمعنى : أن العاقل من اعتبر بغيره وأن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء، ولما كذبوا رسلهم أهلكهم الله تعالى عاجلاً، وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف والباقون بغير ياء واتفقوا على التنوين في الوصل.

غافر 40:22

ثم ذكر تعالى سبب أخذهم بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الأخذ العظيم ﴿بأنهم﴾ أي : الذين كانوا من قبل ﴿كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ أي : الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفاً إنكارها، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها. ولما كان مطلق الكفر كافياً في العذاب عبر بالماضي فقال تعالى :﴿فكفروا﴾ أي : سببوا عن إتيان الرسل عليهم السلام إليهم الكفر بهم ﴿فأخذهم الله﴾ أي : الملك الأعظم أخذ غضب ﴿إنه قوي﴾ أي : متمكن مما يريد غاية التمكن ﴿شديد العقاب﴾ لا يؤبه بعقاب دون عقابه.

غافر 40:23

ولما سلَّى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء عليهم السلام قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاّه أيضاً بذكر قصة موسى عليه السلام المذكورة في قوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿موسى بآياتنا﴾ أي : الدالة على جلالنا ﴿وسلطان﴾ أي : أمر قاهر عظيم جداً لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه ﴿مبين﴾ أي : بين في نفسه يتبين لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول إلى أذاه مع ما له من القوة والسلطان.

غافر 40:24

﴿إلى فرعون﴾ أي : ملك مصر ﴿وهامان﴾ أي : وزيره ﴿وقارون﴾ أي : قريب موسى ﴿فقالوا﴾ أي : هؤلاء ومن معهم هو ﴿ساحر﴾ لعجزهم عن مقاهرته أما من عدا قارون فأولاً وآخراً بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخراً بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولاً، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في النية، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلاً به لأنه لم يتب منه ثم وصفوه بقولهم :﴿كذاب﴾ لخوفهم من تصديق الناس له.

غافر 40:25

﴿فلما جاءهم بالحق﴾ أي : بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائناً ﴿من عندنا﴾ على ما لنا من القهر فآمن معه طائفة من قومه ﴿قالوا﴾ أي : فرعون وأتباعه ﴿اقتلوا﴾ أي : قتلاً حقيقياً بإزالة الروح ﴿أبناء الذين آمنوا﴾ به أي : فكانوا ﴿معه﴾ أي : خصوهم بذلك واتركوا من عداهم فلعلهم يكذبونه ﴿واستحيوا نساءهم﴾ أي : اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن، قال قتادة : هذا غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه السلام أعاد القتل عليهم فمعناه أعيدوا عليهم القتل لئلا ينشؤوا على دين موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين فلهذا أمر بقتل الأبناء واستحياء نسائهم ﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿كيد الكافرين﴾ تعميماً وتعليقاً بالوصف ﴿إلا في ضلال﴾ أي : مجانبة للسداد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولاً في الحذر من موسى عليه السلام ولا آخراً في صد من آمن به مرادهم بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أوليائه تعالى ما حفر أحد منهم لأحد منهم حفرة مكراً إلا أركسه الله تعالى فيها.

غافر 40:26

﴿وقال فرعون﴾ أي : أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله، وملأه ما رأى منه خوفاً دافعاً عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى عليه السلام مع استهانته به إلا عجزاً منه موهماً أن قومه هم الذين يردونه عنه وأنه لولا ذلك لقتله. ﴿ذروني﴾ أي : اتركوني على أي حالة كانت ﴿أقتل موسى﴾ وزاد في الإيهام للأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بقوله :﴿وليدع ربه﴾ أي : الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه الخوارق، وقيل : كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى، وفي منعه من قتله وجوه ؛ أولها : لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى عليه السلام صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله، وثانيها : قال الحسن : إن أصحابه قالوا له : لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سحرنا فإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس ويقولون : إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه، وثالثها : أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب تلك الأقوام ؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من قبل ذلك الملك، وقرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بالسكون. ثم ذكر فرعون السبب الموجب لقتل موسى عليه السلام وهو إما فساد الدين أو فساد الدنيا فقال :﴿إني أخاف﴾ أي : إن تركته ﴿أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ أي : لا بد من وقوع أحد الأمرين إما فساد الدين، وإما فساد الدنيا. أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه فلما كان موسى عليه السلام ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أن يجتمع عليه أقوام ويصير ذلك سبباً في وقوع الخصومات وإثارة الفتن، وبدأ فرعون بذكر الدين أولاً لأن حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم.

غافر 40:27

ولما توعد فرعون موسى عليه السلام بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعان بالله واعتمد على فضله كما قال تعالى :﴿وقال موسى إني عذت﴾ أي : اعتصمت عند ابتداء الرسالة ﴿بربي﴾ ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله :﴿وربكم﴾ أي : المحسن إلينا أجمعين وأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا ﴿من كل متكبر﴾ أي : عات طاغ متعظم على الحق هذا وغيره ﴿لا يؤمن﴾ أي : لا يتجدد له تصديق ﴿بيوم الحساب﴾ من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه، وبهذين الأمرين يقدم الإنسان على اتقاء الناس لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه عن إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقراً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له عن الجري على موجب تكبره، فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائل فلا جرم تعظم القسوة والإيذاء.

غافر 40:28

واختلف في الرجل المؤمن في قوله تعالى :﴿وقال رجل مؤمن﴾ أي : راسخ الإيمان ﴿من آل فرعون﴾ أي : من وجوههم ورؤسائهم ﴿يكتم إيمانه﴾ أي : يخفيه خفاء شديداً خوفاً على نفسه، فقال مقاتل والسدي : كان قبطياً ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله تعالى عنه :﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾ ( القصص : ٢٠ )، وقيل : كان إسرائيلياً، وعن ابن عباس : لم يكن في آل فرعون غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى عليه السلام الذي قال : إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون الذي قال ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ ( غافر : ٢٨ ) والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم ». وعن جعفر بن محمد أن مؤمن آل فرعون قال ذلك سراً وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه جهاراً ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ وروي عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وقال له : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا ؟ قال : أنا ذلك فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ فكان أبو بكر أشد من ذلك ». وعن أنس بن مالك قال :«ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله قالوا : من هذا ؟ قيل : هذا ابن أبي قحافة ». قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وأكثر العلماء كان اسم الرجل حزقيل، وقال ابن إسحاق : جبريل، وقيل : حبيب. ولما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع فرعون وشره على الاستعاذة بالله تعالى، بين أنه تعالى قبض له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه، وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال :﴿أتقتلون رجلاً﴾ أي : هو عظيم في الرجال حساً ومعنى ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال :﴿أن﴾ أي : لأجل أن ﴿يقول﴾ قولاً على سبيل الإنكار ﴿ربي﴾ أي : المربي والمحسن إلي ﴿الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿وقد﴾ أي : والحال أنه قد ﴿جاءكم بالبينات﴾ أي : الآيات الظاهرات من غير لبس ﴿من ربكم﴾ أي : الذي لا إحسان عندكم إلا منه ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال :﴿وإن يك﴾ أي : هذا الرجل ﴿كاذباً فعليه﴾ أي : خاصة ﴿كذبه﴾ أي : كان وبال كذبه عليه وليس عليكم منه ضرر فاتركوه ﴿وإن يك صادقاً يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ أي : العذاب عاجلاً وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئاً، فإن قيل : لم قال ﴿بعض الذي يعدكم﴾ وهو نبي صادق لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله ؟ أجيب : بأنه إنما قال ذلك ليهضم موسى بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له، وهذا أولى من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأنشد قول لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها؍ أو ترتبط بعض النفوس حمامها؍ وأنشد أيضاً قول عمرو بن سهم : قد يدرك المتأني بعض حاجته؍ وقد يكون مع المستعجل الزلل؍ وقال الآخر : إن الأمور إذا الأحداث دبرها؍ دون الشيوخ ترى في بعضها خللا؍ وقوله :﴿إن الله﴾ أي : الذي له مجامع العظمة ﴿لا يهدي﴾ إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر ﴿من هو مسرف﴾ بإظهار الفساد وبتجاوز الحدود ﴿كذاب﴾ فيه احتمالان ؛ أحدهما : أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عليه السلام، والمعنى أن الله تعالى هدى موسى عليه السلام إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة ومن هداه الله تعالى إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذاباً، فدل على أن موسى عليه السلام ليس من المسرفين الكذابين، ثانيهما : أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى عليه السلام كذاب في ادعائه الإلهية والله تعالى لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يبطله ويهدم أمره.

غافر 40:29

ولما استدل مؤمن آل فرعون على أنه لا يجوز قتل موسى عليه السلام، خوف فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله :﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال :﴿يا قوم﴾ وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحاً بالمقصود فقال :﴿لكم الملك﴾ ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله :﴿اليوم﴾ وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله :﴿ظاهرين﴾ أي : عالين على بني إسرائيل وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء وأهل الرخاء يتوقعون البلاء ونبه بقوله :﴿في الأرض﴾ أي : أرض مصر على الاحتياج ترهيباً لهم وعرفها لأنها كالأرض كلها لحسنها وجمعها المنافع ثم حذرهم من سخط الله تعالى فقال :﴿فمن ينصرنا﴾ أي : أنا وأنتم أدرج نفسه فيهم عند ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعاداً للتهمة وحثاً على قبول النصيحة. ﴿من بأس الله﴾ أي : الذي له الملك كله ﴿إن جاءنا﴾ أي : غضباً لهذا الذي يدعي أنه أرسله فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد. ولما قال المؤمن هذا الكلام ﴿قال فرعون﴾ أي : لقومه جواباً لما قاله هذا المؤمن :﴿ما أريكم﴾ من الآراء ﴿إلا ما أرى﴾ أي : إنه صواب على قدر مبلغ علمي ولا أرى لكم إلا ما أرى لنفسي، وقال الضحاك : ما أعلمكم إلا ما أعلم ﴿وما أهديكم﴾ أي : بما أشرت به عليكم من قتل موسى وغيره ﴿إلا سبيل الرشاد﴾ أي : الذي أرى أنه صواب لا أظهر شيئاً وأبطن غيره.

غافر 40:30

ولما ظهر لهذا المؤمن أن فرعون ذل لكلامه ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول كما أخبرنا الله تعالى بقوله :﴿وقال الذي آمن﴾ أي : بعد قول فرعون هذا الكلام الذي دل على عجزه وجهله وذله ﴿يا قوم﴾ وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم اتهامه فقال :﴿إني أخاف عليكم﴾ أي : من المكابرة في أمر موسى عليه السلام ﴿مثل يوم الأحزاب﴾ أي : أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم وجمع الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم مع أن إفراده أردع وأقوى في التخويف وأفظع للإشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان.

غافر 40:31

ولما أجمل فصل وبين أو أبدل بعد أن هول بقوله :﴿مثل دأب﴾ أي : عادة ﴿قوم نوح﴾ أي : فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المجادلة والمقاومة لما يريدونه ﴿وعاد وثمود﴾ مع ما بلغكم من جبروتهم. تنبيه : لا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم. ولما كان هؤلاء أقوى الأمم اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال :﴿والذين من بعدهم﴾ أي : بالقرب من زمانهم كقوم لوط ﴿وما الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿يريد ظلماً للعباد﴾ أي : فلا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم ولا يهلكهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من قوله تعالى :﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ ( فصلت : ٤٦ ) من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم.

غافر 40:32

ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر قال :﴿ويا قوم إني أخاف عليكم﴾ وقوله :﴿يوم التناد﴾ أجمع المفسرون أنه يوم البعث وفي تسميته بهذا الاسم وجوه ؛ أولها : أن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار كما حكى الله تعالى عنهم، ثانيها : قال الزجاج : هو قوله تعالى ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ ( الإسراء : ٧١ ) ثالثها : ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والثبور فيقولون يا ويلنا. رابعها : ينادون إلى المحشر. خامسها : ينادى المؤمن ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ ( الحاقة : ١٩ ) والكافر ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه﴾ ( الحاقة : ٢٥ ). سادسها : ينادى باللعنة على الظالمين. سابعها : يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت. ثامنها : ينادى بالسعادة والشقاوة إلا إن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً وفلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً وهذه الأمور كلها تجتمع في هذا اليوم فلا بد من تسميته بها كلها.

غافر 40:33

ولما كان عادة المتنادين الإقبال وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال فقال تعالى مبدلاً أو مبيناً :﴿يوم تولّون﴾ أي : عن الموقف ﴿مدبرين﴾ قال الضحاك : إذا سمعوا زفير النار وفروا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى أماكنهم فذلك قوله تعالى :﴿والملك على أرجائها﴾ ( الحاقة : ١٧ ) وقوله تعالى :﴿يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ ( الرحمان : ٣٣ ) وقال مجاهد : فارين من النار غير معجزين، وقيل : منصرفين عن الموقف إلى النار ثم أكد التهديد بقوله تعالى :﴿مالكم من الله﴾ أي : الملك الجبار الذي لا يذل ﴿من عاصم﴾ أي : من فئة تحميكم وتنصركم وتمنعكم من عذابه. ثم نبه على قوة ضلالهم وشدة جهالتهم فقال تعالى :﴿ومن يضلل الله﴾ أي : الملك المحيط بكل شيء ﴿فما له من هاد﴾ أي : إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه. تنبيه : في قراءة هاد ما تقدم في قوله :﴿من واقٍ﴾ ( الرعد : ٣٤ ).

غافر 40:34

ولما قال لهم مؤمن آل فرعون :﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ ذكر لهم مثالاً بقوله تعالى :﴿ولقد جاءكم﴾ أي : جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ومن أنهم على طبعهم لاسيما أن كانوا لم يفارقوا مساكنهم ﴿يوسف﴾ أي : نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام ﴿من قبل﴾ أي : قبل زمن موسى عليه السلام ﴿بالبينات﴾ أي : الآيات الظاهرات لاسيما في أمر يوم التناد ﴿فما زلتم﴾ أي : ما برحتم أنتم تبعاً لآبائكم ﴿في شك﴾ أي : محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن ﴿مما جاءكم به﴾ من التوحيد، وقال ابن عباس : من عبادة الله وحده لا شريك له فلم تنتفعوا البتة بتلك البينات ودل على تمادي شكهم بقوله تعالى :﴿حتى إذا هلك﴾ فهو غاية أي : فما زلتم في شك حتى هلك ﴿قلتم لن يبعث الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿من بعده﴾ أي : يوسف عليه السلام ﴿رسولاً﴾ أي : أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، وهذا ليس إقراراً منهم برسالته بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته والتكذيب برسالة من بعده وقوله تعالى :﴿كذلك﴾ خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر كذلك أو مثل هذا الضلال ﴿يضل الله﴾ أي : بما له من صفات القهر ﴿من هو مسرف﴾ أي : مشرك متغال في الأمور خارج عن الحدود ﴿مرتاب﴾ أي : شاك فيما تشهد به البينات بغلبة الوهم والانهماك في التقليد.

غافر 40:35

ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في الشك والإسراف فقال سبحانه :﴿الذين يجادلون﴾ وهو مبتدأ أي : يخاصمون خصاماً شديداً ﴿في آيات الله﴾ أي : المحيط بأوصاف الكمال لاسيما الآيات الدالة على يوم التناد فإنها أظهر الآيات، وكذا الآيات الدالة على وجوده سبحانه وتعالى وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل ﴿بغير سلطان﴾ أي : برهان ﴿أتاهم﴾ وقوله :﴿كبر﴾ أي : جدالهم ﴿مقتاً﴾ خبر المبتدأ ويجوز في الذين أوجه أيضاً منها : أنه بدل من قوله تعالى :﴿من هو مسرف﴾ وإنما جمع اعتباراً بمعنى من، ومنها : أن يكون بياناً له، ومنها : أن يكون صفة له وجمع على معنى من أيضاً، ومنها أن ينصب بإضمار أعني، وقال الزجاج قوله :﴿الذين يجادلون﴾ تفسير لمسرف مرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي : في إبطالها بالتكذيب بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً ﴿عند الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿و﴾ كبر مقتاً أيضاً ﴿عند الذين آمنوا﴾ أي : الذين هم خاصته، ودلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب وقوله تعالى :﴿كذلك﴾ أي : ومثل هذا الطبع العظيم ﴿يطبع الله﴾ أي : الذي له جميع العظمة يدل على أن الكل من عند الله كما هو مذهب أهل السنة ﴿على كل قلب متكبر﴾ أي : متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله ﴿جبار﴾ أي : ظاهر الكبر قويه قهار. وقال مقاتل : الفرق بين المتكبر والجبار أن المتكبر عن قبول التوحيد والجبار في غير الحق، قال الرازي : كما أن السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبار كالمضاد للشفقة على خلق الله، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان : بتنوين الباء الموحدة، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم : رأت عيني وسمعت أذني أو على حذف مضاف أي : على كل ذي قلب متكبر جبار فهي حينئذ مساوية لقراءة الباقين بغير تنوين.

غافر 40:36

ثم إن فرعون عليه اللعنة أعرض عن جواب المؤمن لأنه لم يجد فيه مطعناً. ﴿وقال فرعون يا هامان﴾ وهو وزيره ﴿ابن﴾ وعرفه بشدة اهتمامه بالإضافة إليه في قوله ﴿لي صرحاً﴾ أي : بناء مكشوفاً عالياً لا يخفى على الناظر وإن بعد، من صرح الشيء إذا ظهر ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ أي : التي لا أسباب غيرها لعظمها، وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على قومه وهو يعرف الحق فإن عاقلاً لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي.

غافر 40:37

ولما كان بلوغها أمراً عظيماً أورده على نمط مشوق إليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيماً لشأنه ليتشوف السامع إلى بنائه بقوله :﴿أسباب السماوات﴾ أي : الأمور الموصلة إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، وقرأ الكوفيون بسكون الياء والباقون بالفتح وقرأ ﴿فأطّلع﴾ حفص بنصب العين وفيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه جواب الأمر في قوله ابن لي فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله : يا ناق سيري عنقاً فسيحاً؍ إلى سليمان فنستريحا؍ وهذا أوفق لمذهب البصريين، ثانيها : قال أبو حيان : أنه منصوب على التوهم لأن خبر لعل جاء مقروناً بأن كثيراً في النظم وقليلاً في النثر، فمن نصب توهم أن الفعل المرفوع الواقع خبراً منصوب بأن والعطف على التوهم كثير وإن كان لا ينقاس، ثالثها : على جواب الترجي في لعل وهو مذهب كوفي وإلى هذا نحا الزمخشري وتبعه البيضاوي قال : وهو الأولى تشبيهاً للترجي بالتمني والباقون عطفاً على أبلغ أي : فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع ﴿إلى إله موسى﴾ ولعله أراد أن يبني له صرحاً في موضع عال يرصد فيه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه أو أن يرى فساد قول موسى، فإن أخباره عن إله السماء يتوقف على اطلاعه ووصوله إليه وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان وذلك لجهله بالله تعالى وكيفية أسبابه ﴿وإني لأظنه﴾ أي : موسى عليه السلام ﴿كاذباً﴾ في دعوى الرسالة وفي أن له إلهاً غيري قال فرعون ذلك تمويهاً ﴿وكذلك﴾ أي : مثل ذلك التزيين العظيم الشأن ﴿زين﴾ أي : زين المزين النافذ الأمر وهو الله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه والشيطان مجازاً بالتسبب بالوسوسة التي هي بخلق الله تعالى ﴿لفرعون سوء عمله﴾ في جميع أمره فأقبل عليه راغباً فيه مع بعده عن عقل أقل ذوي العقول فضلاً عن ذوي الهمم منهم فضلاً عن الملوك وأطاعه فيه قومه وقرأ غير الكوفيين ﴿وصد﴾ بفتح الصاد أي : نفسه ومنع غيره، وقرأ الكوفيون بضمها أي : منعه الله تعالى ﴿عن السبيل﴾ أي : طريق الهدى وهي الموصلة إلى الله تعالى ﴿وما كيد فرعون﴾ أي : في إبطال ما جاء به موسى عليه السلام ﴿إلا في تباب﴾ أي : خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه.

غافر 40:38

ولما كان فساد ما قال فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان أعرض المؤمن عنه : ﴿وقال الذي آمن﴾ أي : مشيراً إلى وهن قول فرعون بالإعراض عنه بقوله :﴿يا قوم﴾ أي : يا من لا قيام لي إلا بهم وأنا غير متهم في نصيحتهم ﴿اتبعوني﴾ أي : كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالباً تكون فيما يكره الإنسان ﴿أهدكم سبيل﴾ أي : طريق ﴿الرشاد﴾ أي : الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى المقصود، وأما ما قال فرعون مدعياً أنه سبيل الرشاد فلا يوصل إلا إلى النار فهو تعريض به شبيه بالتصريح به، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل الإيمان أن لا يخلي نفسه عن الوعظ لغيره، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفاً ووصلاً، وأثبتها قالون وأبو عمرو وصلاً لا وفقاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً.

غافر 40:39

ثم إن ذلك المؤمن زهدهم في الدنيا وكرر :﴿يا قوم﴾ كما كرر إبراهيم عليه السلام ﴿يا أبت﴾ زيادة في استعطافهم بقوله :﴿إنما هذه الحياة﴾ وحقرها بقوله :﴿الدنيا﴾ إشارة إلى دناءتها بقوله :﴿متاع﴾ إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار النقلة والزوال والتزود والارتحال، والإخلاد إليها هو أصل الشر كله ومنه تشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله تعالى ويجلب الشقاوة في العاقبة ثم رغبهم في الآخرة بقوله :﴿وإن الآخرة﴾ أي : لكونها مقصودة بالذات ﴿هي دار القرار﴾ أي : التي لا تحول منها أصلاً لأنها الوطن المستقر، قال بعض العارفين : لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن، وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فكان الترغيب في نعيم الجنان والترهيب من عذاب النيران من أعظم وجوه الترغيب والترهيب. والآية من الاحتباك ذكر المتاع أولاً دليلاً على حذف التوسع ثانياً والقرار ثانياً دليلاً على حذف الارتحال أولاً.

غافر 40:40

ثم قال ذلك المؤمن لقومه :﴿من عمل سيئة﴾ أي : ما يسوء من أي صنف كان الذكور والإناث المؤمنين والكافرين ﴿فلا يجزى﴾ أي : من الملك الذي لا ملك سواه ﴿إلا مثلها﴾ عدلاً منه لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ﴿ومن عمل صالحاً﴾ أي : ولو قل ﴿من ذكر أو أنثى وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿مؤمن﴾ إذ لا يصح عمل بدون إيمان ﴿فأولئك﴾ أي : العالو الرتبة والهمة ﴿يدخلون الجنة﴾ أي : بأمر من له الأمر كله بعد أن تضاعف لهم أعمالهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء ﴿يرزقون فيها﴾ أي : الجنة من غير احتياج إلى تحيل ولا إلى أسباب ﴿بغير حساب﴾ لخروج ما فيها لكثرته عن الحصر فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، وهذا من باب الفضل وفضل الله لا حد له ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء السيئة فمن باب العدل فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال الأصبهاني : فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد بسبق الرحمة الغضب فانهدمت قواعد المعتزلة.

غافر 40:41

ثم كرر الوعظ عليهم بقوله :﴿ويا قوم ما﴾ أي : أي شيء من الحظوظ والمصالح ﴿لي﴾ في أني ﴿أدعوكم إلى النجاة﴾ والجنة شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافاً بحقكم ﴿وتدعونني إلى النار﴾ والهلاك بالكفر فالآية من الاحتباك، ذكر النجاة الملازمة للإيمان أولاً دليلاً على حذف الهلاك الملازم للكفران ثانياً والنار ثانياً دليلاً على حذف الجنة أولاً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بفتح ياء مالي والباقون بسكونها واتفقوا على سكون الياء من تدعونني.

غافر 40:42

ولما أخبر ذلك المؤمن بقلة إنصافهم إجمالاً بينه بقوله :﴿تدعونني﴾ أي : توقعون دعائي إلى معبوداتكم ﴿لأكفر﴾ أي : لأجل أن أكفر ﴿بالله﴾ الذي له مجامع القهر والعز والعظمة والكبرياء ﴿وأشرك به﴾ أي : أجعل له شريكاً ﴿ما ليس لي به﴾ أي : بربوبيته ﴿علم﴾ أي : نوع من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعاً من الشرك، فالمراد بنفي العلم نفي الإله كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله. ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بقوله :﴿وأنا أدعوكم﴾ أي : أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده ﴿إلى العزيز﴾ أي : البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلهاً وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل كونها آلهة، وقرأ نافع وأنا بالمد بعد النون، وقالون يمد ويقصر وورش بالمد لا غير والباقون بغير مد. وقوله :﴿الغفار﴾ أي : الذي يتكرر منه دائماً محو الذنوب عيناً وأثراً إشارة إلى أنهم يجب عليهم أن لا ييأسوا من رحمة الله تعالى بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة فإن الإله العالم وإن كان عزيزاً لا يغلب قادراً لا يعارض لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة.

غافر 40:43

وقوله :﴿لا جرم﴾ رد لما دعوه إليه وجرم فعل بمعنى حق وفاعله ﴿أنما﴾ أي : الذي ﴿تدعونني إليه﴾ من هذه الأنداد ﴿ليس له دعوة﴾ بوجه من الوجوه فإنه لا إدراك له هذا إن أريد ما لا يعقل وإن أريد شيء مما يعقل فلا دعوة له مقبولة بوجه فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة ﴿في الدنيا﴾ أي : التي هي محل الأسباب الظاهرة ﴿ولا في الآخرة﴾ أي : ليس له استجابة دعوة فيهما فسمى استجابة الدعوة دعوة إطلاقاً لاسم أحد المتضايفين على الآخر كقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ( الشورى : ٤٠ ) وكقولهم :«كما تدين تدان »، وقيل : ليس له دعوة أي : عبادة في الدنيا لأن الأوثان لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها ثم قال :﴿وأن مردنا﴾ أي : مرجعنا ﴿إلى الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال فيجازي كل أحد بما يستحقه ﴿وأن المسرفين﴾ أي : المجاوزين للحدود العريقين في هذا الوصف، قال قتادة : وهم المشركون لقوله تعالى :﴿هم﴾ أي : خاصة ﴿أصحاب النار﴾ أي : ملازموها، وعن مجاهد : هم السفاكون للدماء بغير حلها، وقيل : الذين غلب شرهم هم المسرفون.

غافر 40:44

ولما بالغ هذا المؤمن في هذا الشأن ختم كلامه بخاتمة لطيفة هي قوله :﴿فستذكرون﴾ أي : قطعاً بوعد لا خلف فيه مع القرب ﴿ما أقول لكم﴾ حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي أو لم تقبلوه. ولما خوفهم بذلك توعدوه وخوفوه بالقتل فعوّل في دفع تخويفهم وكبرهم ومكرهم على الله تعالى بقوله :﴿وأفوض﴾ أي : أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ﴿أمري﴾ أي : فيما تمكرونه بي ﴿إلى الله﴾ أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً فهو يحمي منكم من شاء وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام حين خوفه فرعون بالقتل فرجع موسى عليه السلام في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال :﴿إني عُذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب﴾ ( غافر : ٢٧ )، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون. ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة علل ذلك بقوله :﴿إن الله﴾ أي : الذي لا يخفى عليه شيء ﴿بصير﴾ أي : بالغ العلم ﴿بالعباد﴾ ظاهراً وباطناً فيعلم من يستحق النصرة فينصره لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة، قال مقاتل : فلما قال هذه الكلمات قصدوا قتله.

غافر 40:45

﴿فوقاه الله﴾ أي : حصل له وقاية تنجيه منهم جزاء على تفويضه ﴿سيئات﴾ أي : شدائد ﴿ما مكروا﴾ ديناً ودنيا فنجاه مع موسى عليه السلام، قال قتادة : وكان قبطياً تصديقاً لوعده سبحانه بقوله تعالى :﴿أنتما ومن اتّبعكما الغالبون﴾ ( القصص : ٣٥ ). ولما كان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله قال تعالى :﴿وحاق﴾ أي : نزل محيطاً بعد إحاطة الإغراق ﴿بآل فرعون﴾ أي : فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم هذا إن قلنا : إن الآل مشترك بين الشخص وأتباعه وإن لم نقل ذلك فالإحاقة بفرعون من باب أولى لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه ﴿سوء العذاب﴾ أي : الغرق في الدنيا والنار في الآخرة، فإن قيل : قوله تعالى :﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ معناه : أنه رجع إليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب : من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، فإذا فسر سوء العذاب بالغرق في الدنيا ونار جهنم في الآخرة لم يكن مكرهم راجعاً إليهم لأنهم لا يعذبون بذلك ؟ أجيب : بأنهم هموا بشر فأصابهم ما وقع عليه اسم السوء ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه.

غافر 40:46

وقوله تعالى :﴿النار﴾ في إعرابه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه بدل من سوء العذاب، قاله الزجاج، ثانيها : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو أي : سوء العذاب النار لأنه جواب لسؤال مقدر وقوله تعالى :﴿يعرضون﴾ على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من النار وأن يكون حالاً من آل فرعون، ثالثها : أنه مبتدأ وخبره يعرضون ﴿عليها غدواً وعشياً﴾ أي : صباحاً ومساء، قال ابن مسعود : أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال : يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة. وقال قتادة : تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشياً ما دامت الدنيا. وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة ». ثم أخبر الله تعالى عن مستقر آل فرعون يوم القيامة بقوله سبحانه وتعالى :﴿ويوم تقوم الساعة﴾ يقال لهم :﴿أدخلوا آل﴾ أي : يا آل ﴿فرعون﴾ أي : هو بنفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به ﴿أشد العذاب﴾ وهو عذاب جهنم، أجارنا الله تعالى نحن وأحباءنا منها فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم، وهذه الآية نص على إثبات عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الخاء وصلاً وابتداء على أمر الملائكة بإدخالهم النار، والباقون بوصل الهمزة وضم الخاء وصلاً في الابتداء بضم الهمزة.

غافر 40:47

واختلف في العامل في قوله تعالى :﴿وإذا﴾ على ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه معطوف على غدواً فيكون معمولاً ليعرضون على النار في هذه الأوقات كلها، قاله أبو البقاء، ثانيها : أنه معطوف على قوله إذا القلوب لدى الحناجر قاله الطبري ونظر فيه لبعد ما بينهما، وثالثها : أنه منصوب بإضمار اذكر أي : واذكر يا أشرف الخلق لقومك إذ ﴿يتحاجون﴾ أي : الكفار ﴿في النار﴾ أي : يتخاصمون فيها أتباعهم ورؤساؤهم مما لا يغنيهم ﴿فيقول الضعفاء﴾ أي : الأتباع ﴿للذين استكبروا﴾ أي : طلبوا أن يكونوا كبراءهم الرؤساء ﴿إنا كنا لكم﴾ أي : دون غيركم ﴿تبعاً﴾ أي : أتباعاً فتكبرتم على الناس بنا ﴿فهل أنتم﴾ أيها الكبراء ﴿مغنون﴾ أي : كافون ومجزئون وحاملون ﴿عنا نصيباً من النار﴾. تنبيه : تبعاً اسم جمع لتابع ونحوه خادم وخدم، قال البغوي : والتبع يكون واحداً وجمعاً في قول أهل البصرة واحده تابع، وقال الكوفيون : هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع، وقيل : إنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي : تابعين، وقيل : مصدر ولكنه على حذف مضاف أي : ذوي تبع ونصيباً منصوب بفعل مقدر يدل عليه قولهم مغنون وتقديره : هل أنتم دافعون عنا نصيباً، وقيل : منصوب على المصدر، قال البقاعي : كما كان شيئاً كذلك ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾ ( آل عمران : ١٠ ) في موضع غني فكذلك نصيباً ومن النار صفة لنصيباً.

غافر 40:48

﴿قال الذين استكبروا﴾ أي : من شدة ما هم فيه ﴿إنا كل﴾ أي : نحن وأنتم ﴿فيها﴾ فكيف نغني عنكم ولو قدرنا أغنينا عن أنفسنا ﴿إن الله﴾ أي : المحيط بأوصاف الكمال ﴿قد حكم﴾ بالعدل ﴿بين العباد﴾ أي : فأدخل أهل الجنة دارهم وأهل النار دارهم فلا يغني أحد عن أحد شيئاً فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون كلهم إلى خزنة جهنم يسألونهم كما حكى الله عنهم بقوله سبحانه وتعالى :﴿وقال الذين في النار﴾.

غافر 40:49

﴿وقال الذين في النار﴾ أي : جميعاً الأتباع والمتبوعون ﴿لخزنة جهنم﴾ أي : لخزنتها فوضع جهنم موضع المضمر للتهويل أو لبيان محلهم فيها، قال البيضاوي : ويحتمل أن تكون جهنم أبعد دركاتها من قولهم بئر جهنام أي : بكسر الجيم والهاء وتشديد النون بعيد القعر، وقال بعض أهل اللغة : هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ سميت بذلك : لغلظ عذابها وهي عجمية منعت من الصرف للتعريف والعجمة، وقيل : عربية ومنعت من الصرف للتعريف والتأنيث ﴿ادعوا ربكم﴾ أي : المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألماً من النار ﴿يخفف عنا يوماً﴾ أي : قدر يوم ﴿من العذاب﴾ أي : شيئاً، فيوماً ظرف ليخفف ومفعول يخفف محذوف أي : يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم ويجوز أن يكون من العذاب هو المفعول ليخفف ومن تبعيضية ويوماً ظرفاً، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما لا في كل يوم ولا في يوم معين.

غافر 40:50

﴿قالوا﴾ أي : الخزنة لهم ﴿أولم تك تأتيكم﴾ على سبيل التجدد شيئاً في أثر شيء ﴿رسلكم﴾ أي : الذين هم منكم وأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم لأن الجنس إلى الجنس أميل والإنسان من مثله أقبل ﴿بالبينات﴾ أي : التي لا شيء أوضح منها أرادوا بذلك إلزامهم الحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإجابة، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها وكذلك رسلنا ورسلهم ﴿قالوا﴾ أي : الكفار ﴿بلى﴾ أي : أتونا كذلك ﴿قالوا﴾ أي : الخزنة لهم ﴿فادعوا﴾ أي : أنتم فإنا لا نشفع لكافر ﴿وما دعاء الكافرين﴾ أي : الذين ستروا مرأى عقولهم عن أنوار الحق ﴿إلا في ضلال﴾ أي : ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة، من زرع شيئاً في الدنيا حصده في الآخرة والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا وفي هذا إقناطهم عن الإجابة.

غافر 40:51

ولما ذكر تعالى وقاية موسى عليه السلام وذلك المؤمن من مكر فرعون وقومه منّ بقوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿لننصر رسلنا﴾ أي : على من عاداهم ﴿والذين آمنوا﴾ أي : اتسموا بهذا الوصف ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي : بإلزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة وإن غلبوا في بعض الأحيان، فإن العاقبة تكون لهم ولو بأن يقيض الله تعالى لأعدائهم من يقتص منهم ولو بعد حين وقل أن يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم ﴿ويوم يقوم الأشهاد﴾ وهو جمع شاهد كصاحب وأصحاب والمراد بهم : من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب، وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ ( النساء : ٤١ ) وأما المؤمنون فقال تعالى :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس﴾ ( البقرة : ١٤٣ ).

غافر 40:52

وقوله تعالى :﴿يوم﴾ بدل من يوم قبله أو بيان له أو نصب بإضمار أعني يوم ﴿لا تنفع الظالمين﴾ أي : الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير موضعها ﴿معذرتهم﴾ أي : اعتذارهم، فإن قيل : هذا يدل على أنهم يذكرون الأعذار ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف هذا مع قوله تعالى :﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ ( المرسلات : ٣٦ ) ؟ أجيب : بأن هذا لا يدل على أنهم ذكروا الاعتذار بل ليس فيه إلا أن ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر، وقرأ نافع والكوفيون بالياء التحتية والباقون بتاء الخطاب ﴿ولهم﴾ أي : خاصة ﴿اللعنة﴾ أي : البعد عن كل خير مع الإهانة بكل ضير ﴿ولهم﴾ أي : خاصة ﴿سوء الدار﴾ أي : الآخرة أي : أشد عذابها.

غافر 40:53

ولما بين تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال تعالى :﴿ولقد آتينا﴾ أي : بما لنا من العزة ﴿موسى الهدى﴾ أي : ما يُهتَدَى به في الدنيا من المعجزات والصحف والشرائع ﴿وأورثنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿بني إسرائيل﴾ أي : بعدما كانوا فيه من الذل ﴿الكتاب﴾ أي : الذي أنزلناه عليه وآتيناه الهدى به وهو التوراة إيتاء هو الإرث لا ينازعهم فيه أحد توارثوه خلفاً عن سلف ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم وأورثناه لهم من بعد موسى عليه السلام حال كونه.

غافر 40:54

﴿هدى﴾ أي : بياناً عاماً لكل من تبعه ﴿وذكرى﴾ أي : عظة عظيمة ﴿لأولي الألباب﴾ أي : القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية.

غافر 40:55

ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال موسى عليه السلام خاطب بعد ذلك محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿فاصبر﴾ أي : يا أشرف الخلق على أذى قومك كما صبر موسى عليه السلام على أذى فرعون ﴿إن وعد الله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿حق﴾ أي : في إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي : نسخت آية القتل آية الصبر، وقوله تعالى :﴿واستغفر لذنبك﴾ إما أن يكون المصدر مضافاً للمفعول أي : لذنب أمتك في حقك، وإما أن يكون ذلك تعبداً من الله تعالى ليزيده به درجة وليصير سنة يستن به من بعده ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي﴾ هو من بعد الزوال ﴿والإبكار﴾ قال الحسن رضي الله عنه : يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الصلوات الخمس وذلك أن العشي من زوال الشمس إلى غروبها والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

غافر 40:56

ولما ابتدأ بالرد على الذين يجادلون في آيات الله واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على الماهية التي تحمل الكفار على تلك المجادلة فقال تعالى :﴿إن الذين يجادلون﴾ أي : يناصبون العداوة ﴿في آيات الله﴾ أي : الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا ﴿بغير سلطان﴾ أي : برهان ﴿أتاهم أن﴾ أي : ما ﴿في صدورهم﴾ أي : بصدهم عن سواء السبيل، قال ابن عادل : ما حملهم على تكذيبك ﴿إلا كبر﴾ أي : تكبر عن الحق وتعظم عن التفكير والتعلم وآذن ذكر الصدور دون القلوب بعظمه جداً فإنه قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها ﴿ما هم ببالغيه﴾ قال مجاهد : ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى مذلهم، وقال ابن قتيبة : إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك، قال المفسرون : نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم :«إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد الملك علينا » قال الله تعالى :﴿فاستعذ﴾ أي : اعتصم ﴿بالله﴾ أي : المحيط بكل شيء من فتنة الدجال ومن كيد من يحسدك ويبغى عليك وغير ذلك كما عاذ به موسى عليه السلام لينجز لك ما وعدك به كما أنجز له ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿السميع﴾ أي : لأقوالهم ﴿البصير﴾ أي : لأفعالهم.

غافر 40:57

ولما وصف تعالى جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالاً فقال : ﴿لخلق السماوات﴾ أي : على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها ﴿والأرض﴾ أي : على ما ترون من عجائبها وكثرة منافعها ﴿أكبر﴾ عند كل من يعقل ﴿من خلق الناس﴾ أي : خلق الله تعالى لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما فعلم قطعاً أن الذي قدر على ابتدائه مع عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم ﴿ولكن أكثر الناس﴾ وهم الذين ينكرون البعث وغيره ﴿لا يعلمون﴾ أي : لا علم لهم أصلاً بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم. تنبيه : تقدير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة أقسام ؛ أحدها : أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد. ثانيها : أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله فهذا الاستدلال صحيح لما ثبت في الأصول أن حكم الشيء حكم مثله. ثالثها : أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل قدر على الأقل الأرذل بالأولى، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السماوات والأرض هو الله تعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه أولاً فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته صار لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منه : الذين ينكرون الحشر والنشر فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب.

غافر 40:58

ثم لما بين تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وإن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون نبه تعالى على الفرق بين البيانين بذكر مثال فقال تعالى :﴿وما يستوي﴾ أي : بوجه من الوجوه من حيث البصر ﴿الأعمى والبصير﴾ أي : وما يستوي المستدل والجاهل المقلد ﴿والذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا حقيقة الإيمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي : تحقيقاً لإيمانهم ﴿ولا المسيء﴾ أي : وما يستوي المحسن والمسيء فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين أعاد معه لا توكيداً، والمراد بالأول : التفاوت بين العالم والجاهل، وبالثاني : التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة. ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه قال تعالى :﴿قليلاً ما يتذكرون﴾ أي : يتعظ المجادلون وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلاً ما يتذكرون، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد. تنبيه : التقابل يأتي على ثلاث طرق ؛ إحداها : أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية. والثانية : أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى :﴿مثل الفريقين﴾ كالأعمى والأصم والبصير والسميع. الثالثة : أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى :﴿وما يستوي الأعمى والبصير ( ١٩ ) ولا الظلمات ولا النور﴾ ( فاطر : ١٩ ٢٠ ) كل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله :﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم، أو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة، والباقون بياء الغيبة نظراً لقوله تعالى :﴿إن الذين يجادلون﴾ وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب.

غافر 40:59

ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها فقال تعالى :﴿إن الساعة﴾ أي : القيامة التي يجادل فيها المجادلون ﴿لآتية﴾ أي : للحكم بالعدل بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم ﴿لا ريب﴾ أي : لا شك ﴿فيها﴾ أي : في إتيانها. ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلاً نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى :﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ أي : لا يصدقون بها وما ذاك إلا لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس. تنبيه : يأتي قبل قيام الساعة فتن أعظمها فتنة المسيح الدجال فعن هشام بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«ما بين خلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة أكبر من خلق الدجال ». معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة من الدجال، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال :«إنه أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية » ولأبي داود والترمذي عنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله تعالى بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال :«إني أنذركموه وما من نبي إلا أنذر قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون إنه أعور والله سبحانه ليس بأعور ». وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من نبي إلا وأنذر قومه وأمته الأعور الدجال ألا وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر » وفي رواية مسلم :«بين عينيه ك ف ر يقرؤه كل مسلم ». وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال فقال :«إن بين يديه ثلاثة سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، ومن أشد فتنته أن يأتي الأعرابي فيقول : أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك ؟ فيقول : بلى، فيمثل له مثل إبله كأحسن ما تكون ضروعاً وأسنمة، ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول : إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك ألست تعلم أني ربك ؟ فيقول : بلى، فيمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه قالت : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم فأخذ بلحمتي الباب فقال : مهيم أسماء قلت : يا رسول الله قد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال : إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فربي خليفتي على كل مؤمن، قالت : فقلت يا رسول الله : إنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين حينئذ ؟ قال : يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس ». وروى البغوي بسنده عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار » انتهى. والذي جاء في صحيح مسلم قالت : قلت يا رسول الله ما مكثه في الأرض ؟ قال :«أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم قلنا : يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : لا اقدروا له قدراً، قلنا : يا رسول الله وما إسراعه في الأرض ؟ قال : كالغيث استدبرته الريح ». وفي رواية أبي داود :«فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته » ومنه :«ثم ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله » وعن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب بارد ». وعن أبي هريرة :«ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة والنار فالتي يقول : إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه » وعن المغيرة بن شعبة قال :«ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر ما سألته وأنه قال لي : ما يضرك قلت إنهم يقولون : أن معه جبال خبز ونهر ماء قال : هو أهون على الله من ذلك ». أي : أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله بيده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم، بل إنما جعله الله تعالى ليزدادوا إيماناً وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين، وليس معناه ليس معه شيء من ذلك لما مر في الحديث أن معه ماء وناراً وذكر فيه أحاديث كثيرة، وفي هذا القدر تذكرة لأولي الألباب أجارنا الله تعالى وأحبابنا من فتنته آمين.

غافر 40:60

ولما بين تعالى أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله والتضرع إليه لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات. ولما كان أشق أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به فقال سبحانه :﴿وقال ربكم﴾ أي : المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة ﴿ادعوني﴾ أي : اعبدوني دون غيري ﴿أستجب لكم﴾ أي : أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى :﴿إن الذين يستكبرون﴾ أي : يوجدون الكبر ﴿عن عبادتي﴾ أي : عن الاستجابة لي فيما دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي ﴿سيدخلون﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿جهنم﴾ فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة ﴿داخرين﴾ أي : صاغرين حقيرين ذليلين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلاً منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة : الدعاء فإنه من أبوابها، روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«الدعاء مخ العبادة » وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه »، فإن قيل : إنه صلى الله عليه وسلم قال حكاية عن ربه عز وجل :«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل فكيف من لم يسأل الله يغضب ؟ أجيب : بأنه إن كان مستغرقاً في الثناء على الله تعالى فهو أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة الله تعالى وجلاله أفضل من طلب الجنة وإلا فالدعاء أفضل، وعن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر :«الدعاء هو العبادة » ثم قرأ الآية، فإن قيل : كيف قال تعالى :﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وقد يدعو الإنسان كثيراً فلا يستجاب له ؟ أجاب الكعبي : بأن الدعاء إنما يصح بشرط ومن دعا كذلك أستجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال : إن الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما فائدة الدعاء وأجاب عنه بأن فيه الفزع والانقطاع إلى الله تعالى، وأجاب الرازي عن الأول : بأن كل من دعا الله تعالى وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله تعالى إلا باللسان وأما القلب فهو يعول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى، فهذا إنسان ما دعا ربه وأما إذا دعا في وقت لا يكون القلب فيه ملتفتاً إلى غير الله تعالى فالظاهر أنه يستجاب له، وقال القشيري : الدعاء مفتاح الإجابة وأسنانه لقمة الحلال، وقرأ ابن كثير وشعبة بضم ياء سيدخلون وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء.

غافر 40:61

ولما أمر الله تعالى بالدعاء فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القادر فقال تعالى مفتتحاً بالاسم الأعظم : ﴿الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال ﴿الذي جعل لكم﴾ لا غيره ﴿الليل﴾ أي : مظلماً ﴿لتسكنوا فيه﴾ راحة ظاهرة بالنوم الذي هو الموت الأصغر وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة ﴿والنهار مبصراً﴾ لتنظروا فيه باليقظة التي هي إحياء بالمعنى، فالآية من الاحتباك حذف الظلام أولاً لكونه ليس من النعم المقصودة في نفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل للراحة لمن أرادها والعبادة لمن اعتمدها واستزادها، فإن قيل : هلا قيل بحسب رعاية النظم : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال جعل لكم الليل ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك فما الحكمة فيه وفي تقديم ذكر الليل ؟ أجيب عن الأول : بأن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات وأما النور واليقظة فأمور وجودية مقصودة بالذات، وقد بين الشيخ عبد القادر في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفرق، وأجيب عن الثاني : بأن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود فلهذا السبب قال تعالى في سورة الأنعام ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ ( الأنعام : ١ ). ﴿إن الله﴾ أي : ذا الجلال والإكرام ﴿لذو فضل﴾ أي : عظيم جداً باختياره ﴿على الناس﴾ أي : كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ الله فلا يؤمنون وينسبون أفعاله سبحانه إلى غيره جهلاً ويعلمون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى :﴿ولكن أكثر الناس﴾ ولم يقل ولكن أكثرهم ولا يكرر ذكر الناس ؟ أجيب : بأن في هذا التكرار تخصيصاً لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله تعالى ولا يشكرونه كقوله تعالى :﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ ( إبراهيم : ٣٤ ).

غافر 40:62

ولما بين تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال تعالى :﴿ذلكم﴾ أي : أيها المخاطبون ﴿الله﴾ أي : الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل شيء بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد ﴿ربكم﴾ أي : المربي لكم المحسن إليكم ﴿خالق كل شيء﴾ أي : بما ثبت من تمام قدرته لأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ أي : هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية فهي أخبار مترادفة وإذا كان خالق كل شيء ﴿فأنى﴾ أي : فكيف ومن أي وجه ﴿تؤفكون﴾ أي : تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.

غافر 40:63

﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الصرف البعيد عن مناهج العقلاء ﴿يؤفك﴾ أي : يصرف ﴿الذين كانوا﴾ أي : مطبوعين على أنهم ﴿بآيات الله﴾ أي : ذي الجلال والكمال ﴿يجحدون﴾ أي : ينكرون عناداً ومكابرة.

غافر 40:64

ولما كان دلائل وجوده تعالى إما أن تكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم، ذكر أيضاً منها ههنا الأرض والسماء فقال تعالى :﴿الله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿الذي جعل﴾ أي : وحده ﴿لكم الأرض﴾ أي : مع كونها فراشاً ممهداً ﴿قراراً﴾ مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك لها سوى قدرته ﴿والسماء﴾ أي : على علوها وسعتها مع كونها أفلاكاً دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار والأظلام ﴿بناء﴾ مظلة كالقبة من غير عماد وحامل. ثم ذكر دلائل النفس وهي دلالة أحوال بدن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم بقوله تعالى :﴿وصوركم﴾ والتصوير على غير نظام واحد لا يكون إلا بقدرة قادر تام القدرة مختار ﴿فأحسن صوركم﴾ على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها لم يخلق الله تعالى حيواناً أحسن صورة من الإنسان كما قال تعالى :﴿في أحسن تقويم﴾ ( التين : ٤ ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : خلق الإنسان قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه. ولما ذكر تعالى المساكن والساكن ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال سبحانه ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ أي : الشهية الملائمة للطباع وقيل : هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب، وعن الحسن : أنه قال لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة عليهم السلام : إن الأرض لا تسعهم قال الله تعالى : فإني جاعل موتاً، قالوا : إذاً لا يهنأ لهم العيش قال تعالى : فإني جاعل أملاً. ولما دل هذا على التفرد قال تعالى على وجه الإنتاج ﴿ذلكم﴾ أي : الرفيع الدرجات ﴿الله﴾ أي : المالك لجميع الملك ﴿ربكم﴾ أي : المحسن إليكم لا غيره ﴿فتبارك﴾ أي : ثبت ثباتاً عظيماً مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض ﴿الله﴾ المختص بالكمال ﴿رب العالمين﴾ كلهم فهو المحسن إليهم بالتربية وغيرها.

غافر 40:65

ثم نبه تعالى بقوله سبحانه :﴿هو الحي﴾ بما يفيد الحصر بأنه لا حي على الدوام إلا هو ثم نبه تعالى على وحدانيته بقوله سبحانه :﴿لا إله إلا هو﴾ ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال تعالى :﴿فادعوه﴾ أي : اعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي : من كل شرك جلي أو خفي. ولما كان تعالى موصوفاً بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له :﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي : المسمى بهذا الاسم الجامع لمجامع معاني الأسماء الحسنى ﴿رب العالمين﴾ أي : الذي رباهم هذه التربية، وقال الفراء : هو خبر وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحمدوه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من قال لا إله إلا الله فليقل : على أثرها الحمد لله رب العالمين.

غافر 40:66

ولما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بقوله تعالى : ﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الذين يجادلونك في البعث مقابلاً لإنكارهم بالتوكيد ﴿إني نهيت﴾ أي : ممن لا نهي لغيره نهياً عاماً ببراهين العقول ونهياً خاصاً بأدلة النقل ﴿أن أعبد الذين تدعون﴾ أي : تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي : الذي له الكمال كله، قال البقاعي : ودل على أنه ما كان متعبداً قبل البعثة بشرع أحد بقوله :﴿لما جاءني البينات﴾ أي : الحجج وهي ما تقدم من الدلائل الدالة على أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا له وأما الأحجار المنحوتة والأخشاب المصورة فلا تصح أن تكون شركاء له. ثم نبه على أنه تعالى كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكراً لإحسانه بقوله :﴿من ربي﴾ أي : المربي لي تربية خاصة هي أعلى من كل مخلوق سواي فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. ولما أمره بما ينهى عنه أمره بما يتحلى به فقال :﴿وأمرت أن أسلم﴾ أي : حين دعي إلى الكفر ﴿لرب العالمين﴾ لأن كل ما سواه مربوب له فالإقبال عليه خسار وإذا نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي هو رب العالمين كان غيره مشاركاً له في ذلك لا محالة.

غافر 40:67

ولما استدل تعالى على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان ؛ أحدهما : حسن الصورة ورزق الطيبات، ذكر النوع الثاني : وهو كيفية تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً إلى آخر الشيخوخة والموت فقال تعالى :﴿هو﴾ أي : لا غيره ﴿الذي خلقكم من تراب﴾ أي : بخلق أبيكم آدم عليه السلام منه، قال الرازي : وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات، والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت أن كل إنسان متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة كما قال تعالى :﴿ثم من نطفة﴾ أي : من مني ﴿ثم من علقة﴾ أي : دم غليظ متباعد حاله عن حال النطفة كما كان حال النطفة متباعداً عن حال التراب ﴿ثم﴾ بعد أن جرت شؤون أخرى ﴿يخرجكم﴾ أي : يجدد إخراجكم شيئاً بعد شيء ﴿طفلاً﴾ أي : أطفالاً والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم لا تملكون شيئاً ولا تعلمون شيئاً ﴿ثم﴾ يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طوراً بعد طور وحالاً بعد حال ﴿لتبلغوا أشدكم﴾ أي : تكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين وعن الشعبي صغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين ﴿ثم﴾ يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول ﴿لتكونوا شيوخاً﴾ ضعفاء غرباء قد ماتت قوتكم ووهنت أركانكم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم الشين والباقون بكسرها ﴿ومنكم من يتوفى﴾ بقبض روحه ﴿من قبل﴾ أي : قبل حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية أو قبل هذه الأحوال إذا خرج. تنبيه : قوله تعالى :﴿لتبلغوا أشدكم﴾ متعلق قال الزمخشري : بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا أشدكم وكذلك لتكونوا وأما قوله :﴿ولتبلغوا﴾ أي : كل واحد منكم ﴿أجلاً مسمى﴾ فمعناه ويفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى وهو وقت الموت وقيل : يوم القيامة ﴿ولعلكم تعقلون﴾ أي : ما في ذلك من العبر والحجج وتستدلون بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى.

غافر 40:68

ولما ذكر تعالى انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة واستدل بهذه التقديرات على وجود الإله القادر أنتج قوله تعالى :﴿هو﴾ أي : لا غيره ﴿الذي يحيي ويميت﴾ كما تشاهدونه في أنفسكم فكما أن الانتقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات المتقدمة يدل على الإله القادر فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس يدل على الإله القادر. ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فإذا قضى أمراً﴾ أي أراد أي : أمر كان من القيامة أو غيرها ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة، وقرأ ابن عامر بنصب النون والباقون بالرفع وتقدم توجيه ذلك في سورة البقرة.

غافر 40:69

ثم إنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات الله مخاطباً بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم فقال :﴿ألم تر﴾ أي : يا أنور الناس قلباً وأصفاهم لباً ﴿إلى الذين يجادلون﴾ أي : بالباطل ﴿في آيات الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿أنى﴾ أي : كيف ومن أي وجه ﴿يصرفون﴾ أي : عن التصديق وتكرير ذم المجادلة بتعدد المجادل والمجادل فيه أو للتوكيد.

غافر 40:70

وقوله تعالى :﴿الذين كذبوا﴾ يجوز أن يكون بدلاً من الموصول قبله أو بياناً أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوباً على الذم ﴿بالكتاب﴾ أي : بسببه في جمع ما له من الشؤون التي تفوق الحصر وهو القرآن أو بجنس الكتب السماوية ﴿وبما أرسلنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿به رسلنا﴾ أي : من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى :﴿فسوف يعلمون﴾ أي : بوعد صادق لا خلف فيه ما يحل بهم من سطواتنا.

غافر 40:71

وقوله تعالى :﴿إذِ الأغلال في أعناقهم﴾ ظرف ليعلمون، فإن قيل : سوف للاستقبال وإذ للماضي فهو مثل قولك سوف أصوم أمس ؟ أجيب : بأن المعنى على إذا إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعاً بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد والمعنى على الاستقبال قالوا وكما تقع إذا موقع إذ في قوله تعالى :﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها﴾ ( الجمعة : ١١ ) كذلك تقع إذ موقعها وقوله تعالى :﴿والسلاسل﴾ عطف على الأغلال، فتكون في الأعناق، والسلسلة معروفة، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره في أرجلهم وخبره ﴿يسحبون﴾ والعائد محذوف أي : بها والسحب الجر بعنف، والسحاب من ذلك لأن الريح تجره أو أنه يجر الماء.

غافر 40:72

﴿في الحميم﴾ أي : الماء الحار الذي يكسب الوجوه سواداً والأعراض عاراً والأرواح عذاباً والأجسام ناراً ﴿ثم في النار يسجرون﴾ أي : يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين كما يسجر التنور بالحطب، كما قال تعالى :﴿وقودها الناس والحجارة﴾ ( البقرة : ٢٤ ) والسجير الخليل الذي يسجر في مودة خليله، كقولهم : فلان يحترق في مودة فلان، هذه كيفية عقابهم.

غافر 40:73

﴿ثم قيل لهم﴾ تبكيتاً أي : بعد أن طال عذابهم وبلغ منهم كل مبلغ ولم يجدوا ناصراً يخلصهم ولا شافعاً يخصصهم ﴿أين﴾ وأكد التعبير عنهم بأداة ما لا يعقل في قوله تعالى :﴿ما كنتم﴾ أي : دائماً ﴿تشركون﴾.

غافر 40:74

﴿من دون الله﴾ أي : معه وهي الأصنام ﴿قالوا ضلوا﴾ أي : غابوا ﴿عنا﴾ فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا عما ينفعنا وذلك قبل أن تقرن آلهتهم أو ضاعوا عنا فلم نجد منهم ما كنا نتوقع منهم ﴿بل لم نكن ندعو﴾ أي : لم يكن ذلك في طباعنا ﴿من قبل﴾ أي : قبل هذه الإعادة ﴿شيئاً﴾ لنكون قد أشركنا به أنكروا عبادتهم إياها كقولهم في سورة الأنعام :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ ( الأنعام : ٢٣ ) وقال الحسن بن الفضل : أي : لم نكن نصنع من قبل شيئاً، أي : ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله ما كنت أعمل شيئاً ثم يقرنون بآلهتهم كما قال تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ ( الأنبياء : ٩٨ ) أي : وقودها ﴿كذلك﴾ أي : مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يضل الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة عن القصد النافع من حجة وغيرها ﴿الكافرين﴾ أي : الذين ستروا مرائي بصائرهم لئلا ينجلي فيها الحق ثم صار لهم ذلك ديدناً.

غافر 40:75

﴿ذلكم﴾ أي : الجزاء العظيم ﴿بما كنتم﴾ أي : دائماً ﴿تفرحون﴾ أي : تبالغون في السرور وتستغرقون فيه ﴿في الأرض بغير الحق﴾ من الإشراك وإنكار البعث فأشعر ذلك أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال هذه الحقيقة وهي الثبات دائماً للمفروح به وذلك لا يكون إلا في الجنة ﴿وبما﴾ أي : وبسبب ما ﴿كنتم تمرحون﴾ أي : تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب للاختيال والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح. تنبيه : قوله تعالى :﴿تفرحون وتمرحون﴾ من باب التجنيس المحرف وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.

غافر 40:76

ولما كان السياق لذم الجدال وكان الجدال إنما يكون عن الكبر قال تعالى :﴿ادخلوا﴾ أي : أيها المكذبون ﴿أبواب جهنم﴾ أي : الأبواب السبعة المقسومة لكم قال تعالى :﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ ( الحجر : ٤٤ )، وسميت : جهنم لأنها تلقى صاحبها بتكبر وعبوس وتجهم ﴿خالدين فيها﴾ أي : مقدرين الخلود ﴿فبئس مثوى﴾ أي : مأوى ﴿المتكبرين﴾ أي : عن الحق والمخصوص بالذم محذوف أي : مثواكم، فإن قيل : كان قياس النظم أن يقول : فبئس مدخل المتكبرين كما تقول : زرت بيت الله فنعم المزار وصليت في المسجد فنعم المصلى ؟ أجيب : بأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم المثوى فلذلك خصه بالذم وإن كان الدخول أيضاً مذموماً.

غافر 40:77

ولما زيف تعالى طريقة المجادلين في آيات الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر بقوله :﴿فاصبر﴾ أي : على أذاهم بسبب المجادلة وغيرها ﴿إن وعد الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿حق﴾ أي : بنصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه ﴿فإما نرينك﴾ قال الزمخشري : أصله فإن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت النون بالفعل ألا تراك لا تقول : إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك، قال أبو حيان : وما ذكره من تلازم النون وما الزائدة ليس مذهب سيبويه إنما هو مذهب المبرد والزجاج ونص سيبويه على التخيير ﴿بعض الذي نعدهم﴾ به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف أي : فذاك ﴿أو نتوفينك﴾ أي : قبل تعذيبهم ﴿فإلينا يرجعون﴾ أي : فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط.

غافر 40:78

﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿رسلاً﴾ أي : بكثرة ﴿من قبلك﴾ إلى أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به ﴿منهم من قصصنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿عليك﴾ أي : أخبارهم وأخبار أممهم ﴿ومنهم من لم نقصص عليك﴾ لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم وإن كان لنا العلم التام والقدرة الكاملة، روي أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس ﴿وما﴾ أي : أرسلناهم والحال أنه ما ﴿كان لرسول﴾ أصلاً ﴿أن يأتي بآية﴾ أي : ملجئة أو غير ملجئة مما يطلب الرسول استعجالاً لاتباع قومه له أو اقتراحاً من قومه عليه ﴿إلا بإذن الله﴾ أي : بأمره وتمكينه فإن له الإحاطة بكل شيء فلا يخرج شيء عن أمره وهم عبيد مربوبون. تنبيه : معنى الآية أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس منهم أحد أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه وكذبوه فيها فصبروا وكانوا أبداً يقترحون على أنبيائهم عليهم السلام إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة عناداً وعبثاً، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى والله سبحانه علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره ولم يقدح ذلك في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جرم ما أظهرناها ﴿فإذا جاء أمر الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بنزول العذاب على الكفار ﴿قُضِي﴾ أي : بأمره على أيسر وجه وأسهله بين الرسل ومكذبيهم ﴿بالحق﴾ الأمر الثابت ﴿وخسر هنالك﴾ أي : في ذلك الوقت العظيم ﴿المبطلون﴾ أي : المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق المعاندون الذين يجادلون في آيات الله، فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبثاً، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وأبدلاها أيضاً ألفاً، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين.

غافر 40:79

ولما ذكر الله تعالى الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد فقال تعالى :﴿الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿الذي جعل لكم﴾ أي : لا غيره ﴿الأنعام﴾ أي : الأزواج الثمانية بالتذلل والتسخير، وقال الزجاج : الأنعام الإبل خاصة ﴿لتركبوا منها﴾ وهي الإبل مع قوتها ونفرتها وقد تركب البقر أيضاً ﴿ومنها﴾ أي : من الأنعام كلها ﴿تأكلون﴾.

غافر 40:80

ولما كان التصرف فيها غير منضبط أجمله بقوله تعالى :﴿ولكم فيها﴾ أي : كلها ﴿منافع﴾ أي : كثيرة بغير ذلك من الدر والوبر والصوف وغيرها ﴿ولتبلغوا عليها﴾ وهي في غاية الذل والطواعية ونبههم على نقصهم وعظم نعمته عليهم بقوله تعالى :﴿حاجة﴾ أي : جنس الحاجة، وقوله تعالى :﴿في صدوركم﴾ إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت مساكنها ﴿وعليها﴾ أي : الإبل في البر ﴿وعلى الفلك﴾ أي : في البحر ﴿تحملون﴾ أي : تحملون أمتعتكم الثقيلة من مكان إلى مكان آخر وأما حمل الإنسان نفسه فقد مر بالركوب، فإن قيل : لِمَ لم يقل وفي الفلك كما قال تعالى في سورة هود :﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ ( هود : ٤٠ ) أجيب : بأن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع على الفلك كما صح أن يقال وضع فيه صح أن يقال وضع عليه، ولما صح الوجهان كانت لفظة على أولى حتى تتم المزاوجة في قوله تعالى ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ ( المؤمنون : ٢٢ ) وقال بعضهم : أن لفظ فيها هناك أليق لأن سفينة نوح عليه السلام كما قيل مطبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح لأن الناس على ظهرها.

غافر 40:81

ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى مشتملة على آيات كثيرة قال تعالى :﴿ويريكم﴾ أي : في كل لحظة ﴿آياته﴾ أي : دلائل قدرته ﴿فأي آيات الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال الدالة على وحدانيته ﴿تنكرون﴾ حتى تتوجه لكم المجادلة في آياته وهذا استفهام توبيخ. تنبيه : أي : منصوب بتنكرون وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام وتذكيره أشهر من تأنيثه، قال الزمخشري : وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهو في أي : أغرب لإبهامه، قال أبو حيان : ومن قلة تأنيث أي : قول الشاعر : بأي كتاب أم بأية سنة؍ ترى حبهم عاراً علي وتحسب؍ قال ابن عادل : وقوله وهو في أي أغرب إن عنى أياً على الإطلاق فليس بصحيح ؛ لأن المستفيض في النداء أن تؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى :﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ ( الفجر : ٢٧ ) ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول : يا أيها المرأة إلا صاحب «البديع في النحو » وإن عني غير المناداة فكلامه صحيح، يقل تأنيثها في الاستفهام وموصولة وشرطية.

غافر 40:82

ولما وصل الأمر إلى حد من الوضوح لا يخفى على أحد تسبب عنه لفت الخطاب عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهب فقال تعالى :﴿أفلم يسيروا﴾ أي : هؤلاء الذين هم أضل من الأنعام، لما حصل في صدورهم من الكبر العظيم طلباً للرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ﴿في الأرض﴾ أي أرض كانت سير اعتبار ﴿فينظروا﴾ نظر تفكر فيما سلكوه من سبلها ونواحيها ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي : آخر ﴿الذين من قبلهم﴾ أي : مع قرب الزمان والمكان أو بعد ذلك ﴿كانوا أكثر منهم﴾ عَدداً وعُدداً ومالاً وجاهاً ﴿وأشد قوة﴾ في الأبدان كقوم هود عليه السلام وبناء ﴿وآثاراً في الأرض﴾ بنحت البيوت في الجبال وحفر الآبار وبناء المصانع الجليلة وغير ذلك ﴿فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ بقوة أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم وما رتبوا من المصانع لنجاتهم حين جاءهم الموت بل كانوا كأمس الذاهب. تنبيه : ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به.

غافر 40:83

﴿فلما جاءتهم رسلهم﴾ أي : الذين قد أرسلناهم إليهم وهم يعرفون صدقهم وأماناتهم ﴿بالبينات﴾ أي : المعجزات الظاهرات الدالة على صدقهم لا محالة واختلف في عود ضمير فرحوا في قوله تعالى :﴿فرحوا بما عندهم من العلم﴾ على وجهين ؛ أحدهما : أنه عائد إلى الكفار واختلف في ذلك العلم الذي فرحوا به فقيل : هو الأشياء التي كانوا يسمونها علماً وهي الشبهات المحكية عنهم في القرآن كقولهم :﴿ما يُهلكنا إلا الدهر﴾ ( الجاثية : ٢٤ ) وقولهم :﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ ( الأنعام : ١٤٨ ) وقولهم :﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ ( يس : ٧٨ ) ﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً﴾ ( الكهف : ٣٦ ) فكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء كما قال تعالى :﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ ( الروم : ٣٢ ) وقيل : المراد علم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه وصغروا علوم الأنبياء عن علومهم، كما روي عن بقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء عليهم السلام فقيل له : لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل : المراد علمهم بأمر الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كقوله تعالى :﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ ( الروم : ٧ ) ﴿ذلك مبلغهم من العلم﴾ ( النجم : ٢٩ ) فلما جاءت الرسل عليهم السلام بعلوم الديانات ومعرفة الله عز وجل ومعرفة المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها واعتقدوا أن لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به، ويجوز أن يكون المراد علم الأنبياء وفرح الكفار به ضحكهم واستهزاؤهم به ويؤيده قوله تعالى :﴿وحاق﴾ أي : أحاط على وجه الشدة ﴿بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ أي : من الوعيد الذي كانوا قاطعين ببطلانه، والوجه الثاني : أنه عائد على الرسل وفيه وجهان ؛ أحدهما : أن تفرح الرسل إذا رأوا من قوم جهلاً كاملاً وإعراضاً عن الحق وعلموا سوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله تعالى وحاق بالجاهلين جزاء جهلهم واستهزائهم، الثاني : أن المراد أن الرسل فرحوا بما عند الكفار من العلم فرح ضحك واستهزاء.

غافر 40:84

﴿فلما رأوا﴾ أي : عاينوا ﴿بأسنا﴾ أي : عذابنا الشديد ومنه قوله تعالى :﴿بعذاب بئيس﴾ ( الأعراف : ١٦٥ ) ﴿قالوا آمنا بالله﴾ أي : الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ونفوذ الكلمة ﴿وحده﴾ لا نشرك به شيئاً ﴿وكفرنا بما كنا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿به مشركين﴾ يعنون الأصنام أي : لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله شيء.

غافر 40:85

ولما كان الكفر بالغيب سبباً لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال تعالى :﴿فلم يك ينفعهم﴾ أي : لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه ﴿إيمانهم﴾ أي : لا يتجدد لهم نفعه بعد ذلك لأنه إيمان الجاء واضطرار، لا إيمان طواعية واختيار ﴿لما رأوا﴾ وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب فقال تعالى شأنه :﴿بأسنا﴾ أي : عذابنا لامتناع قبول الإيمان حينئذ لأنه لا يتحقق ولا يتصور إلا مع الغيب، وأما عند الشهادة فقد كشفت سريرته على انه قد فاتت حقيقته وصورته، ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه، فإن قيل : أي : فرق بين قوله تعالى :﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ وبينه، لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم ؟ أجيب : بأنه من كان في نحو قوله تعالى :﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾ ( مريم : ٣٥ ) والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قيل : كيف ترادفت هذه الفاءات ؟ أجيب : بأن قوله تعالى :﴿فما أغنى عنهم﴾ نتيجة قوله تعالى :﴿كانوا أكثر منهم﴾ وأما قوله تعالى :﴿فلما جاءتهم رسلهم﴾ فجار مجرى البيان والتفسير لقوله تعالى :﴿فما أغنى عنهم﴾ كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء وقوله تعالى ﴿فلما رأوا بأسنا﴾ تابع لقوله تعالى :﴿فلما جاءتهم﴾ كأنه قال : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا فكذلك فلم يك ينفعهم إيمانهم تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله تعالى، وقوله تعالى :﴿سنة الله﴾ أي : الملك الأعظم، يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي : الذي فعله الله تعالى بهم سنة سابقة من الله تعالى ويجوز انتصابها على التحذير أي : احذروا سنة الله تعالى في المكذبين ﴿التي قد خلت في عباده﴾ وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم. فائدة : رسمت سنة بتاء مجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وأمال الكسائي الهاء في الوقف ﴿وخسر﴾ أي : هلك أي : تحقق وتبين أنه خسر ﴿هنالك الكافرون﴾ أي : العريقون في هذا الوصف فلا انفكاك بينهم وبين الكفر. تنبيه : هنالك في الأصل اسم مكان قيل : استعير هنا للزمان ولا حاجة له فالمكانية فيه ظاهرة، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم :«من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له » حديث موضوع. وعن ابن سيرين رأى رجل في المنام سبع جوار حسان في مكان واحد لم ير أحسن منهن فقال لهن : لمن أنتن فقلن لمن يقرأ آل حم.

فصلت 41:1

وتقدم الكلام على قوله تعالى :﴿حم﴾ ثم إن جعلتها اسماً للسورة كانت في موضع الابتداء وخبره.

فصلت 41:2

﴿تنزيل من الرحمان الرحيم﴾ وإن جعلتها تعديداً للحروف كان تنزيل خبر المبتدأ محذوف أي : هذا تنزيل وقال الأخفش : تنزيل رفع بالابتداء وخبره.

فصلت 41:3

﴿كتاب﴾ فصلت، وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿فصلت﴾ أي : بينت ﴿آياته﴾ بالأحكام والقصص والمواعظ بياناً شافياً في اللفظ والمعنى حال كونه ﴿قرآناً﴾ أي : جامعاً مع التفصيل وهو مع جمع اللفظ وضبطه منثور اللؤلؤ منتشر المعاني لا إلى حد ولا نهاية عد بل كلما دقق النظر جل المفهوم، ولذلك قال تعالى :﴿عربياً﴾ لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة وأعمقها عمقاً وأغمرها باحة وأرفعها بناء وأفصحها لفظاً وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعاً، وفي ذلك امتنان لسهولة قراءته وفهمه، وقوله تعالى :﴿لقوم يعلمون﴾ أي : العربية أو لأهل العلم وهو النظر وهو متعلق بفصلت أي : فصلت لهؤلاء وبينت لهم لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس، أو بمحذوف صفة لقرآناً أي : كائناً لهؤلاء خاصة لما تقدم من المعنى. تنبيه : حكم الله تعالى على هذه السورة بأشياء أولها : كونها تنزيلاً والمراد المنزل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور كقولك هذا بناء الأمير أي : مبنيه وهذا الدرهم ضرب السلطان أي : مضروبه ومعنى كونها منزلة أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام أن يحفظ الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويؤديها إليه، فلما حصل تفهم هذه الكلمات بواسطة جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلاً. وثانيها : كون ذلك التنزيل من الرحمان الرحيم، وذلك يدل على أن ذلك التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لابد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحماناً رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة والتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالاً على أعظم وجوه الرحمة والنعمة، والأمر كذلك لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والمحتاجين والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم من الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليه. وثالثها : كونه كتاباً وهذا الاسم مشتق من الكتب وهو الجمع، فسمي كتاباً لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين. ورابعها : قوله تعالى ﴿فصلت آياته﴾ أي : ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها وصف ذات الله تعالى وصفات التنزيه والتقديس وشرح كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وعجائب أحوال خلقه من السماوات والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء عليهم السلام وتواريخ الماضين وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. وخامسها : قوله تعالى :﴿قرآناً﴾ وقد مر توجيه هذا الاسم. وسادسها : قوله تعالى :﴿عربياً﴾ أي : إنما نزل بلغة العرب ويؤيده قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ ( إبراهيم : ٤ ). وسابعها : قوله تعالى :﴿لقوم يعلمون﴾ أي : جعلناه قرآناً لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب بلغتهم ليفهموا منه المراد.

فصلت 41:4

وثامنها وتاسعها : قوله تعالى :﴿بشيراً﴾ أي : لمن اتبع ﴿ونذيراً﴾ أي : لمن امتنع وانقطع. وعاشرها : قوله تعالى ﴿فأعرض أكثرهم﴾ أي : عن تدبره وقبولهم ﴿فهم﴾ لذلك ﴿لا يسمعون﴾ أي : يفعلون فعل من لم يسمع لأنهم لا يسمعون سماع تأمل وطاعة فهذه صفات عشر وصف الله تعالى القرآن بها. واحتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه أولها : أنه تعالى وصف القرآن بكونه منزلاً وتنزيلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتغيير من حال إلى حال فوجب أن يكون مخلوقاً، ثانيها : أن التنزيل مصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين، ثالثها : أن المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول، رابعها : أن قوله تعالى :﴿فصلت آياته﴾ يدل على أن متصرفاً تصرف فيه بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم، خامسها : إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل، سادسها : وصفه بكونه عربياً وإنما صحت هذه النسبة لأن هذه الألفاظ إنما دلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم وما حصل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثاً ومخلوقاً. وأجاب أهل السنة بأن كل هذه الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات وهي حادثة، وذهب قوم إلى أن في القرآن من سائر اللغات كالاستبرق والسجل فإنهما فارسيان والمشكاة فإنها حبشية والقسطاس فإنه من لغة الروم وهذا فاسد لقوله تعالى :﴿قرآناً عربياً﴾ وقوله تعالى :﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ ( إبراهيم : ٤ ).

فصلت 41:5

ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه بين أنهم صرحوا بهذه النفرة، وذكر ثلاثة أشياء مذكورة عنهم في قوله تعالى :﴿وقالوا﴾ أي : عند إعراضهم ممثلين في عدم قبولهم ﴿قلوبنا في أكنة﴾ أي : أغشية محيطة بها والأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء والكنان هو الذي تجعل فيه السهام والمعنى لا نفقه ما تقول ﴿مما تدعونا﴾ أيها المخبر بأنه نبي ﴿إليه﴾ فلا سبيل إلى الوصول إليها لتفقه أصلاً، فإن قيل : هلا قالوا على قلوبنا أكنة كما قالوا :﴿وفي آذاننا﴾ أي : التي نسمع بها وهي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب ﴿وقر﴾ أي : ثقل قد أصمها عن سماعه ليكون على نمط واحد ؟ أجيب : بأنه على نمط واحد لأنه لا فرق في المعنى بين قولك قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى :﴿إنا جعلنا على قلوبهم أكنّة﴾ ( الكهف : ٥٧ ) ولو قيل : إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى، والمعنى : إنا في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ أي : حاجز من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي ﴿فاعمل﴾ أي : على دينك ﴿إننا عاملون﴾ على ديننا أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، فإن قيل : هل لزيادة من في قولهم من بيننا وبينك حجاب فائدة ؟ أجيب : بنعم لأنهم لو قالوا وبيننا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط بين الجهتين، وإما بزيادة من، فالمعنى أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك كلها مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها.

فصلت 41:6

ولما أخبروا بإعراضهم وعللوا بعدم فهمهم لما يدعو إليه أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال تعالى :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادى عليهم بالعجز ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ أي : لست غير بشر مما لا يرى كالملك والجني بل واحد منكم والبشر يرى بعضهم بعضاً ويسمعه ويبصره فلا وجه لما تقولونه أصلاً ﴿يوحى إلي﴾ أي : بطريق تخفى عليكم ولولا الوحي ما دعوتكم ﴿أنما إلهكم﴾ أي : الذي يستحق العبادة ﴿إله واحد﴾ لا غير واحد، وهذا ما دلت عليه الفطرة الأولى السوية وقامت عليه الأدلة العقلية وأيدتها في كل عصر الطرق النقلية وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورة النفسانية، قال الحسن : علمه الله تعالى التواضع. ولما قطع حجتهم وأزال علتهم تسبب عن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :﴿فاستقيموا إليه﴾ أي : غير معوجين أصلاً على نوع شرك بشفيع ولا غيره، وعدى بإلى لتضمنه معنى توجهوا والمعنى : وجهوا استقامتكم إليه بطاعته ولا تميلوا عن سبيله ﴿واستغفروه﴾ أي : اطلبوا منه غفران ذنوبكم وهو محوها عيناً وأثراً حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها والإقلاع عنها حالاً ومآلاً، ثم هدد على ذلك فقال :﴿وويل﴾ كلمة عذاب أو واد في جهنم ﴿للمشركين﴾ أي : من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله تعالى.

فصلت 41:7

﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ أي : لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق وذلك من أعظم الرذائل ﴿وهم بالآخرة﴾ أي : الحياة التي بعد هذه ولا بعد لها ﴿هم كافرون﴾ واحتج من قال إنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بهذه الآية فقالوا : إن الله تعالى توعدهم بأمرين أحدهما : كونهم مشركين والثاني : لا يؤتون الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين تأثير في حصول الوعيد وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة مع الشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد وهو المطلوب، فإن قيل : لِمَ خص تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة ؟ أجيب : بأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوح طويته ألا ترى قوله تعالى :﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم﴾ ( البقرة : ٢٦٥ ) أي : يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحروب وجوهدوا، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد في منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن بالكفر بالآخرة، وقال ابن عباس : هم الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى : لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، وقال الحسن وقتادة : لا يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها واجباً وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك. وقال الضحاك ومقاتل : لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد : لا يزكون أعمالهم.

فصلت 41:8

ولما ذكر تعالى ما للجاهلين وعيداً وتحذيراً ذكر ما لأضدادهم وعداً وتبشيراً فقال تعالى مجيباً لمن تشوق لذلك مؤكداً لإنكار من ينكره :﴿إن الذين آمنوا﴾ أي : بما آتاهم الله تعالى من العلم النافع ﴿وعملوا الصالحات﴾ من الزكاة وغيرها من أنواع الطاعات ﴿لهم أجر﴾ أي : عظيم ﴿غير ممنون﴾ أي : غير مقطوع جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم في الزكاة وغيرها وما أمر الله تعالى من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة والدنيا، والممنون المقطوع من مننت الحبل إذا قطعته ومنه قولهم قد منّه السفر أي : قطعه، وقال مقاتل : غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص من الإنسان وقوته، وأنشدوا لذي الإصبع العدواني : إني لعمرك ما بابي بذي غلق؍ على الصديق ولا أجري بممنون؍ وقيل : غير ممنون به عليهم لأن عطاء الله تعالى لا يمن به إنما يمن المخلوق، وقال السدي : نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كما صح ما كانوا يعملون فيه، روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به : اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً حتى أطلقه أو ألفته إلي ».

فصلت 41:9

ولما ذكر سبحانه وتعالى سفههم في كفرهم بالآخرة، شرع في ذكر الأدلة على قدرته عليها وعلى كل ما يريد كخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له، فقال منكراً عليهم ومقرراً بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق :﴿قل﴾ يا أشرف الرسل لمن أنكر الخلق منكراً عليه بقولك :﴿أئنكم﴾ وأكد لإنكارهم التصريح بما يلزمهم من الكفر بقوله تعالى :﴿لتكفرون﴾ أي : توجدون حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة ﴿بالذي خلق الأرض﴾ أي : على سعتها وعظمها من العدم ﴿في يومين﴾ فتنكرون قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء مع اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها وهذان اليومان الأحد والاثنين كما قاله ابن عباس وعبد الله بن سلام، قال ابن الجوزي والأكثرون قال ابن عباس : إن الله خلق يوماً فسماه الأحد ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء ثم خلق خامساً فسماه الخميس، فخلق الله الأرض في يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت ولكن، في حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :«أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل »، فإن قيل : الأيام إنما كانت بدوران الأفلاك وإنما كان ذلك بعد تمام الخلق بالفعل ؟ أجيب : بأن المراد في مقدار يومين أو نوبتين، خلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون، قال البيضاوي : ولعل المراد من الأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلاً مشتركاً ثم خلق لها صوراً بها صارت أنواعها، وكفرهم به إلحادهم في ذاته تعالى وصفاته، وقرأ قالون وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام وأدخلوا بين الهمزة المحققة والمسهلة ألفاً، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال، والباقون بتحقيقهما من غير إدخال. ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره عطف على تكفرون قوله تعالى :﴿وتجعلون﴾ أي : مع هذا الكفر ﴿له أنداداً﴾ من الخشب المنجور ومن الحجر المنحوت شركاء في المعبودية ولما بكَّتهم على قبح معتقدهم عظَّم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الإله العظيم ﴿رب العالمين﴾ أي : موجدهم ومربيهم وذلك يدل قطعاً على جميع ما له من صفات الكمال.

فصلت 41:10

ولما ذكر تعالى ما هم به مقرون من إبداعها أتبعه بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك : فالأول : قوله تعالى :﴿وجعل فيها رواسي﴾ أي : جبالاً ثوابت، وهو مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الموصول للفصل بينهما بأجنبي وهو قوله تعالى :﴿وتجعلون﴾ فإنه معطوف على لتكفرون كما مر، فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى :﴿من فوقها﴾ ولم يقتصر على قوله :﴿وجعل فيها رواسي﴾ كما اقتصر على قوله تعالى :﴿وجعلنا فيها رواسي شامخات﴾ ( المرسلات : ٢٧ ) وقوله تعالى :﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ ( النحل : ١٥ ) وقوله تعالى :﴿وجعل فيها رواسي﴾ ؟ أجيب : بأنه تعالى لو قال وجعل لها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال : جعلت هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال الثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله تعالى. ولما هيأ الأرض لما يراد منها ذكر ما أودعها، وهو النوع الثاني : بقوله تعالى :﴿وبارك فيها﴾ أي : بما خلق من البحار والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك، وقال ابن عباس : يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والنار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الحيوانات. النوع الثالث : قوله تعالى :﴿وقدر فيها أقواتها﴾ أي : أقوات أهلها بأن عيّن لكل نوع ما يصلحه ويغني به، وقال محمد بن كعب : قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق والأبدان أي : أقواتاً تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها، فأضاف القوت إلى الأرض لكونه متولداً من تلك الأرض حادثاً فيها لأن النحاة قالوا : يكفي في جنس الإضافة أدنى سبب، فالشيء يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى، أي : قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدة لنوع من الأشياء المطلوبة حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس، فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات واكتساب الأموال لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جميع ما تقدم من إبداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة واحدة على مقدار لا يتعداه ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه وقدره فأمضاه لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلاً، وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له حينئذ ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته. ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها. فقال تعالى :﴿في أربعة أيام﴾ أي : مع اليومين الماضيين كقولك بنيت بيتي في يوم وأكملته في يومين أي : بالأول، وقال أبو البقاء : في تمام أربعة أيام ولولا هذا التقدير لكانت ثمانية، يومان في الأول وهو قوله تعالى ﴿خلق الأرض في يومين﴾ ويومان في الآخر وهو قوله تعالى :﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ وأربعة في الوسط وهو قوله تعالى :﴿في أربعة أيام﴾، فإن قيل : إنه تعالى ذكر خلق الأرض في يومين فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وعن الغلط فلم ترك التصريح بذكر الكلام المجمل ؟ أجيب : بأن قوله تعالى في :﴿أربعة أيام﴾ ﴿سواء﴾ أي : استوت الأربعة استواء لا يزيد ولا ينقص فيه فائدة زائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين لأنه لو قال تعالى خلقت هذه الأشياء في يومين لا يفيد هذا الكلام كون اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل بخلافه لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال :﴿في أربعة أيام سواء﴾ دل على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان. ولم يفعل تعالى ذلك في أقل من لمح البصر مع تمام القدرة عليه لأن هذا أدل على الاختيار وأدخل في الابتلاء والاختبار ليضل به كثيراً ويهدي به كثيراً فيكون أعظم لأجورهم لأنه أدل على تسليمهم، وجعل مدة خلقها ضعف مدة خلق السماوات مع كونها أصغر من السماوات دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين الإنس والجن، فزادت لما فيها من كثرة المنافع وتباين أصناف الأعراض والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة على سكانها والاعتناء بشأنهم وشأنها وزادت أيضاً لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمجادلات والمعالجات كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي لأجل القدرة بل لأجل التنبيه على ما في القدرة من المقدور وعجائب الأمور. قال البقاعي : ولعل تخصيص السماء بقصر المدة دون العكس لإجراء أمرها على ما نتعارفه من أن بناء السقف أخف من بناء البيت، تنبيهاً على أنه بنى أمر دارنا هذه على الأسباب تعليماً للتأني وتدريباً للسكينة والبعد عن العجلة، وقوله تعالى :﴿للسائلين﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق بسواء بمعنى مستويات للسائلين، ثانيها : أنه متعلق بقدر أي : قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين، ثالثها : أنه متعلق بمحذوف، كأنه قيل : هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها.

فصلت 41:11

ولما كانت السماوات أعظم من الأرض في ذاتها باتساعها وزينتها ودوران أفلاكها وارتفاعها، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي ولفظ الاستواء وحرف الغاية الدال على عظم الغاية فقال تعالى :﴿ثم استوى﴾ أي : قصد قصداً، هو القصد منتهياً قصده ﴿إلى السماء وهي﴾ أي : والحال أنها ﴿دخان﴾ قال المفسرون : هذا الدخان بخار الماء وذلك أن عرش الرحمان كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى :﴿وكان عرشه على الماء﴾ ( هود : ٧ ) ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطراباً فأزبد وارتفع فخرج منه دخان فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدث منه الأرض وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السماوات، فإن قيل : هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل السماوات وقوله تعالى :﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ ( النازعات : ٣٠ ) مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماوات وذلك يوجب التناقض ؟. أجيب : بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق بعدها السماوات ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدها حينئذ فلا تناقض، قال الرازي : وهذا الجواب مشكل لأن الله تعالى خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك ثم استوى إلى السماء فهذا يقتضي أن الله تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة وحينئذ يعود السؤال ثم قال : والمختار عندي أن يقال : خلق السماء مقدم على خلق الأرض وتأويل الآية أن يقال الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد والدليل عليه قوله تعالى :﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ ( آل عمران : ٥٩ ) فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين بل عبارة عن التقدير، والتقدير في حق الله تعالى هو : كلمته بأن سيوجده، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى :﴿خلق الأرض في يومين﴾ : معناه : أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله تعالى أنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء حينئذ يزول السؤال. ﴿فقال لها﴾ أي : السماء عقب الاستواء ﴿وللأرض ائتيا﴾ أي : تعاليا وأقبلا منقادتين وقوله تعالى :﴿طوعاً أو كرهاً﴾ مصدران في موضع الحال أي : طائعتين أو كارهتين ﴿قالتا أتينا﴾ أي : نحن وما فينا وما بيننا ﴿طائعين﴾ أي : أتينا على الطوع لا على الكره، والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيئاً من الخطاب والجواب، ونحو ذلك قول القائل : قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني، فإن قيل : هلا قال طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سماوات وأرضون ؟ أجيب : بأنه لما جعلهن مخاطبات ومجيبات ووصفهن بالطوع والكره قال : طائعين في موضع طائعات نحو قوله ساجدين. تنبيه : جمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان بل قد يكون القول لهما متعاقباً، فإن قيل : إن الله تعالى أمر السماء والأرض فأطاعتا كما أن الله تعالى أنطق الجبال مع داود عليه السلام فقال تعالى :﴿يا جبال أوّبي معه والطير﴾ ( سبأ : ١٠ ) وأنطق الأيدي والأرجل فقال تعالى :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ ( النور : ٢٤ ) وقوله تعالى :﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ ( فصلت : ٢١ ) وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله تعالى في ذات السماوات والأرض حياة وعقلاً ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما ؟. ووجه هذا بوجوه ؛ الأول : أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه مانع وههنا لا مانع، الثاني : أنه تعالى جمعها جمع العقلاء فقال تعالى :﴿قالتا آتينا طائعين﴾ الثالث : قوله تعالى :﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها﴾ ( الأحزاب : ٧٢ ) وهذا يدل على كونها عارفة بالله تعالى عالمة بتوجه تكليف الله تعالى، وأجاب الرازي عن هذا : بأن المراد من قوله تعالى :﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً﴾ الاتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير، فحال توجه هذا الأمر كانت السماوات والأرض معدومة إذ لو كانت موجودة لم يجز، فثبت أن حال توجه هذا الأمر كانت السماوات والأرض معدومة وإذا كانت معدومة لم تكن عارفة ولا فاهمة للخطاب فلم يجز توجه الأمر إليها. فإن قيل : روى مجاهد وطاوس عن ابن عباس أنه قال : قال الله للسماوات والأرض : أخرجا ما فيكما من المنافع لمصالح العباد أما أنت يا سماء فاطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك وقال لهما : افعلا ما أمرتكما طوعاً وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه، وعلى هذا لا يكون المراد من قوله ﴿أتينا طائعين﴾ حدوثهما في ذاتهما. بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهر ما كان مودعاً فيهما ؟ أجيب : بأن هذا لم يثبت لأنه تعالى قال :﴿فقضاهن سبع سماوات﴾.

فصلت 41:12

﴿فقضاهن﴾ أي : خلقهن خلقاً إبداعياً ﴿سبع سماوات﴾ وهذا يدل على أن حصول السماء إنما حصل بعد قوله ائتيا طوعاً أو كرهاً. تنبيه : الضمير للسماء على المعنى كما قال تعالى :﴿طائعين﴾ ونحوه ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ ( الحاقة : ٧ ) ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سماوات، وسبع سماوات حال على الأول، وتمييز على الثاني، وقوله تعالى :﴿في يومين﴾ قال أهل الأثر : إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق السماوات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق آدم عليه السلام وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، ولذلك لم يقل هنا سواء ووافق هذا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وعن ابن عباس رضي الله عنه :«أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال : خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمعايش والعمران والخراب فهذه أربعة، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حتى يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم فأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود : ثم ماذا يا محمد ؟ قال : ثم استوى على العرش قالوا : قد أصبت لو أتممت قالوا : ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فنزل ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لغوب ( ٣٨ ) فاصبر على ما يقولون﴾ ( ق : ٣٨ ٣٩ )، فإن قيل : اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بطلوع الشمس وغروبها وقبل حدوث السماوات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم ؟. أجيب : بأن معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدار اليوم كما مر، وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه قال ابن جرير : وإنما سمي الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم وخلق السماوات والأرض أي : فرغ من ذلك وأتمه ﴿فأوحى﴾ أي : ألقى بطريق خفي وحكم بثبوت قوي ﴿في كل سماء أمرها﴾ أي : الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل وزمام مبرم لا ينحل، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله تعالى. وقال السدي : يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت منه حصاة لوقعت على الكعبة. ولما عم خص التي تلينا إشارة إلى تشريفنا فقال تعالى صارفاً القول إلى مظهر العظمة تنبيهاً على ما في هذه الآية من العظم ﴿وزينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿السماء الدنيا﴾ أي : القربى إليكم لأجلكم ﴿بمصابيح﴾ وهي النيرات التي خلقها الله في السماوات وخص كل واحدة بضوء معين وسير معين وطبيعة معينة لا يعلمها إلا الله تعالى ولا ينافي كون الدنيا مزينة بذلك أن تكون النجوم في غيرها مما هو أعلى منها لأن السياق دل على أنها زينة. وقوله تعالى :﴿وحفظاً﴾ في نصبه وجهان ؛ أحدهما : أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر أي : وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظاً، والثاني : أنه مفعول من أجله على المعنى فإن التقدير : وخلقنا الكواكب زينة وحفظاً قال أبو حيان : وهو تكلف وعدول عن السهل البين، والمعنى : وحفظناها من الشياطين الذين يسترقون السمع بالشهب أو من الآفات ﴿ذلك﴾ أي : الأمر الرفيع والشأن البديع ﴿تقدير العزيز﴾ أي : الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء، ﴿العليم﴾ أي : المحيط علماً بكل شيء فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والعليم إشارة إلى كمال العلم.

فصلت 41:13

ولما كان المتمادي على إعراضه كأنه جدد إعراضاً غير إعراضه الأول قال تعالى مفصلاً بعد قوله تعالى ﴿فأعرض أكثرهم﴾ :﴿فإن أعرضوا﴾ أي : استمروا على إعراضهم بعد هذا الشأن أو أعرض غيرهم عن قبول ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت على الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة ﴿فقل﴾ أي : لهم ﴿أنذرتكم صاعقة﴾ أي : فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة ﴿مثل صاعقة عاد وثمود﴾ وقال المبرد : الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان والإنذار التخويف، وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشاً كانوا يمرون على بلادهم.

فصلت 41:14

ثم علل إيقاع ذلك بقوله تعالى :﴿إذ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لصاعقة وظرفيته لا تنافي عليته أي : حين ﴿جاءتهم﴾ أي : عاداً أو ثمود ﴿الرسل﴾ لأن الزمان الطويل يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه ﴿من بين أيديهم﴾ أي : من قبلهم لأن نذير الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به ﴿ومن خلفهم﴾ وهم من أتى إليهم لأنهم لم يكونوا يعلمون إتيانهم فالخلف كناية عن الخفاء والقدام عن الجلاء وأنهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم فاعملوا فيهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض. كما حكى الله تعالى عن الشيطان ﴿لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم﴾ ( الأعراف : ١٧ ) أي : لآتينهم من كل جهة، عن الحسن : أنذروهم من وقائع الله تعالى فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم، وأتوهم مقبلين عليهم ومدبرين عنهم، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم وأدغمها الباقون. ﴿أن﴾ أي : بأن ﴿لا تعبدوا إلا الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال جميعاً ﴿قالوا﴾ أي : الكفار لرسلهم ﴿لو شاء ربنا﴾ الذي ربانا أحسن تربية أن يرسل إلينا رسولاً ﴿لأنزل﴾ إلينا ﴿ملائكة﴾ فأرسلهم إلينا بما يريده منا لكنه لم يرسل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولاً ﴿فإنا بما﴾ أي : بسبب ما ﴿أرسلتم به﴾ أي : على زعمكم بأنكم رسل ﴿كافرون﴾ إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا. روي :«أن أبا جهل قال في ملأ قريش : التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالسحر والشعر والكهانة وكلمه ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد علمت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علماً وما يخفى علي، فأتاه فقال له : يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب، أنت خير أم عبد الله، فلم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن كنت أردت الباء زوجناك عشر نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستعين به على ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فلما فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرغت ؟ قال : نعم قال : فاسمع ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ ثم قرأ بسم الله الرحمان الرحيم ﴿حم تنزيل من الرحمان الرحيم كتاب فصلت آياته﴾ إلى أن بلغ قوله تعالى ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم إلا ما سكت، ثم رجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فلما احتبس عنهم قالوا : ما نرى عتبة إلا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا : يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، وقال : والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً ولكني أتيته وقصصت عليه القصة وجاءني بشيء والله ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ فأمسكت بفيه وناشدته الرحم حتى سكت، ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب ». وفي رواية لمحمد بن كعب أنه قال : إني سمعت قرآناً والله ما سمعت بمثله قط ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة يا معشر قريش أطيعوني، خلوا بينكم وبين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظفر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وأنتم أسعد الناس به، قالوا : سحرك والله يا أبا لوليد بلسانه قال : هذا رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.

فصلت 41:15

ولما جمعهم الله فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به، فصّلهم وفصّل ما اختلفوا فيه فقال مسبباً عما مضى من مقالاتهم :﴿فأما عاد﴾ أي : قوم هود عليه السلام ﴿فاستكبروا﴾ أي : طلبوا الكبر وأوجدوه ﴿في الأرض﴾ أي : كلها التي كانوا فيها بالفعل وغيرها بالقوة أو في الكل بالفعل لكونهم ملكوها كلها، ثم بين كبرهم أنه ﴿بغير الحق﴾ أي : الذي لم يطابق الواقع، ثم ذكر تعالى سبب الاستكبار بقوله تعالى :﴿وقالوا من أشد منا قوة﴾ وذلك أن هوداً عليه السلام هددهم بالعذاب، فقالوا : نحن نقدر على دفع العذاب بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال طول الطويل منهم أربعمائة ذراع كما سيأتي في سورة الفجر. قال الله تعالى رداً عليهم :﴿أولم يروا﴾ أي : يعلموا علماً هو كالمشاهدة ﴿أن الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿الذي خلقهم﴾ ولم يكونوا شيئاً ﴿هو أشد منهم قوة﴾ ومن علم أن غيره أقوى منه وكان عاقلاً انقاد له فيما ينفعه ولا يضره، وقوله تعالى :﴿وكانوا بآياتنا يجحدون﴾ أي : يعرفون أنها حق وينكرونها، عطف على فاستكبروا.

فصلت 41:16

﴿فأرسلنا﴾ أي : بسبب ذلك على ما لنا من العظمة ﴿عليهم ريحاً﴾ أي : عظيمة ﴿صرصراً﴾ أي : شديد البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجهد البدن ببردها فتكون كأنها تصره أي : تجمعه في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوتها وتقطع القلب بصوتها فتقهر شجاعته وتمحق بشدة بردها كل ما مرت عليه، وقوله تعالى :﴿في أيام نحسات﴾ أي : مشؤومات جمع نحسة، وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الحاء من نحس، نحساً نقيض سعد سعداً فهو نحس والباقون بسكونها فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر قال الضحاك : أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين وكانت الريح عليهم من غير مطر، روي أن الأيام كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء قال البيضاوي : وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. وعن عبد الله بن عباس أنه قال : الرياح ثمان : أربع منها عذاب : وهي العاصفة والصرصر والعقيم والقاصف، وأربع منها رحمة : وهي المبشرات والناشرات والمرسلات والذاريات، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي، وفعلنا ذلك بهم ﴿لنذيقهم عذاب الخزي﴾ أي : الذل والهوان ﴿في الحياة الدنيا﴾ كما استكبروا في الأرض بغير الحق فيذبلوا عند من تعظموا عليه في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها، فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد بالوهم ﴿ولعذاب الآخرة﴾ أي : الذي أعد للمتكبرين في الآخرة بغير الحق ﴿أخزى﴾ أي : أشد إهانة، وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة ﴿وهم لا ينصرون﴾ أي : لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبداً بوجه من الوجوه.

فصلت 41:17

ولما أنهى تعالى أمر صاعقة عاد، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال تعالى :﴿وأما ثمود﴾ وهم قوم صالح عليه السلام ﴿فهديناهم﴾ أي : بينا لهم طريق الهدى من أنا قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة غاية البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب إبصار بصائرهم غاية الإبصار، فكرهوا ذلك لما يلزمه من تركهم طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم طريق آبائهم ﴿فاستحبوا﴾ أي : اختاروا ﴿العمى﴾ أي : الكفر ﴿على الهدى﴾ أي : الإيمان، قال القشيري قيل : إنهم آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستبدال. فإن قيل : أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك : هديته فاهتدى، وبمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة ؟ أجيب : بأنه لما مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذراً ولا علة فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب﴾ أي : بسبب ذلك أخذ قهر وهوان ﴿الهون﴾ أي : ذي الهوان وهو الذي يهينهم ﴿بما كانوا﴾ أي : دائماً ﴿يكسبون﴾ أي : من شركهم وتكذيبهم صالحاً عليه السلام.

فصلت 41:18

ولما أنهى الله تعالى الخبر عن الكافرين من الفريقين أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، ونذارة لمن صد عنه فقال تعالى :﴿ونجينا﴾ أي : تنجية عظيمة بما لنا من القدرة ﴿الذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا هذا الوصف من الفريقين ﴿وكانوا﴾ أي : كوناً عظيماً ﴿يتقون﴾ أي : يتجدد لهم هذا الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بغير دليل، فإن قيل : كيف يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمته، وقد صرح تعالى بذلك فقال عز من قائل :﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ ( الأنفال : ٣٣ ). وجاء في الحديث الصحيح «أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع » ؟ أجيب : بأنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في الكفر عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة، وأن السبب الموجب للعذاب واحد وربما يكون العذاب النازل من جنس ذلك العذاب وإن كان أقل درجة وهذا القدر يكفي في التخويف.

فصلت 41:19

ولما بين تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير فقال تعالى :﴿ويوم﴾ أي : واذكر يوم ﴿يحشر﴾ أي : يجمع بكره بأمر قاهر لا كلفة فيه ﴿أعداء الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿إلى النار﴾ وقرأ نافع بنون مفتوحة وضم الشين ونصب أعداء على البناء للفاعل وهو الله تعالى، والباقون بياء الغيبة مضمومة وفتح الشين على البناء للمفعول ورفع أعداء لقيامه مقام الفاعل، وجه الأول أنه معطوف على نجينا فحسن أن يكون على وفقه في اللفظ، ووجه الثاني موافقة قوله تعالى :﴿فهم﴾ أي : بسبب حشرهم ﴿يوزعون﴾ أي : يساقون ويدفعون إلى النار، وقال قتادة : يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا أي : يوقف سوابقهم حتى تصل إليهم.

فصلت 41:20

ولما بين تعالى إهانتهم بالوزع بين غايتها بقوله تعالى :﴿حتى إذا ما جاؤوها﴾ أي : النار التي كانوا بها يكذبون، فما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، كما قال تعالى :﴿شهد عليهم﴾ وبين الشاهد وعدده بقوله تعالى :﴿سمعهم﴾ وأفرد السمع لعدم تفاوت الناس فيه ﴿وأبصارهم﴾ وجمعها لعظم تفاوت الناس فيها ﴿وجلودهم بما كانوا يعملون﴾ أي : يجددون عمله مستمرين عليه. تنبيه : في كيفية تلك الشهادة ثلاثة أقوال ؛ أولها : أن الله تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه، ثانيها : أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني، ثالثها : أن يظهر في تلك الأعضاء أحوالاً تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه. فإن قيل : ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس خمسة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس ؟ أجيب : بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا داخلين في جنس اللمس، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج وهو من باب الكنايات كما قال تعالى :﴿لا تواعدوهن سراً﴾ ( البقرة : ٢٣٥ ) وأراد النكاح وقال تعالى :﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ ( النساء : ٤٣ ) والمراد قضاء الحاجة وقال صلى الله عليه وسلم :«أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه » وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيداً شديداً في إتيان الزنا لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ، وقال مقاتل : تنطق جوارحهم بما كتمت الأنفس من عملهم وعن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال :«هل تدرون مم أضحك ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم، قال : من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول : بلى قال فيقول فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهداً مني قال فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً وبالكرام الكاتبين عليك شهوداً قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعداً لَكُنَّ وسحقاً فعنكنَّ كنت أناضل ».

فصلت 41:21

﴿وقالوا﴾ أي : الكفار الذين يحشرون إلى النار ﴿لجلودهم﴾ مخاطبين لها مخاطبة العقلاء لما فعلت فعل العقلاء ﴿لم شهدتم علينا﴾ مع أنا كنا نحاجج عنكم ﴿قالوا﴾ مجيبين لهم معتذرين ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ أراد نطقه على وجه لم يقدر على التخلف عنه فليس بعجب من قدرة الله الذي له مجامع العز ﴿وهو خلقكم أول مرة﴾ والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدماً ثم نطفاً لا تقبل النطق في مجاري العادات بوجه، ثم طوركم في أدوار الأطوار كذلك إلى أن أوصلكم إلى حيز الإدراك فقسركم على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما قدرتم ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ فينبئكم بما كنتم تعملون. تنبيه : اختلف في قوله تعالى :﴿وهو خلقكم﴾ الآية فقيل : هو من كلام الجلود وقيل : هو من كلام الله تعالى كالذي بعده وموقعه تقريب ما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وعلى إعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم.

فصلت 41:22

﴿وما كنتم تستترون﴾ أي : عند ارتكابكم الفواحش خفية ﴿أن يشهد عليكم سمعكم﴾ وأكد بتكرير النافي فقال :﴿ولا أبصاركم﴾ جمع وأفرد لما مضى ﴿ولا جلودكم﴾ والمعنى : أنكم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث جهلاً منكم ﴿ولكن﴾ إنما استتاركم لأنكم ﴿ظننتم﴾ بسبب إنكار البعث جهلاً منكم ﴿أن الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿لا يعلم﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿كثيراً مما تعملون﴾ وهو الخفيات من أعمالكم. روي عن ابن مسعود قال :«كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر، ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول فقال الآخر : يسمع إن جهرنا، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا يسمع إذا أخفينا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ﴿وما كنتم تستترون﴾ الآية قيل : الثقفي عبد ياليل وختناه القرشيان ربيعة وصفوان بن أمية.

فصلت 41:23

وقوله تعالى :﴿وذلكم﴾ إشارة إلى ظنهم هذا وهو مبتدأ وقوله تعالى :﴿ظنكم﴾ بدل منه، وقوله تعالى :﴿الذي ظننتم بربكم﴾ نعت البدل والخبر ﴿أرداكم﴾ أي : أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن عليه من الله تعالى عيناً كالئة ورقيباً مهيمناً حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشاماً وأوفر تحفظاً وتصوراً منه مع الملأ، ولا ينبسط في سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. ولما كان الصباح محل رجاء للإفراج فكان شر الإتراح ما كان فيه، قال تعالى ﴿فأصبحتم﴾ أي : بسبب ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا أنفسكم به من الهلاك، كان سبب هلاككم ﴿من الخاسرين﴾ أي : العريقين في الخسارة المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم. قال المحققون : الظن قسمان أحدهما : حسن، والآخر : فاسد، فالحسن، أن يظن بالله تعالى الرحمة والفضل والإحسان قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى :«أنا عند ظن عبدي بي ». وقال صلى الله عليه وسلم :«لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ». والظن الفاسد أن يظن أن الله تعالى يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال. وقال قتادة : الظن نوعان : منجي ومردي، فالمنجي : قوله :﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ ( الحاقة : ٢٠ ) وقوله تعالى :﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ ( البقرة : ٤٦ ) والمردي : هو قوله تعالى :﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم﴾.

فصلت 41:24

﴿فإن يصبروا فالنار مثوىً﴾ أي : منزل ﴿لهم﴾ أي : إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقاماً لهم ﴿وإن يستعتبوا﴾ أي : يسألوا العتبى وهو، الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه ﴿فما هم من المعتبين﴾ أي : المجابين إليها، ونحوه قوله عز وجل :﴿أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ ( إبراهيم : ٢١ ).

فصلت 41:25

ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة أتبعه سبب كفرهم الذي هو سبب الوعيد فقال تعالى :﴿وقيّضنا﴾ قال مقاتل : هيأنا وقال الزجاج : سببنا ﴿لهم﴾ أي : للكفرة وأصل التقييض : التيسير والتهيئة يقال : قيضته للدواء هيأته له ويسرته، وهذان ثوبان قيضان أي : كل منهما مكافئ للآخر في الثمن وقوله تعالى :﴿قرناء﴾ أي : نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، جمع قرين قال تعالى :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيّض له شيطاناً فهو له قرين﴾ ( الزخرف، ٣٦ ) ﴿فزينوا لهم﴾ أي : من القبائح ﴿ما بين أيديهم﴾ أي : من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة ﴿وما خلفهم﴾ أي : من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث، وقال الزجاج : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا بأن الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك، قال القشيري : إذا أراد الله بعبده سوءاً قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غداً عليه، وإذا أراد الله بعبده خيراً قيض الله له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويحملونه عليها ويدعونه إليها. وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا أراد الله بعبد شراً قيض له قبل موته شيطاناً فلا يرى حسناً إلا قبحه عنده ولا قبيحاً إلا حسنه عنده ». وعن عائشة : إذا أراد الله بالوالي خيراً قيض له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى ». تنبيه : في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر ولكن لا يرضاه كما قال تعالى :﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ ( الزمر : ٧ ). ﴿وحق﴾ أي : وجب وثبت ﴿عليهم القول﴾ أي : كلمة العذاب، وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وقوله تعالى :﴿في أمم﴾ محله نصب على الحال من الضمير في عليهم أي : حق عليهم القول كائنين في جملة أمم كثيرة، وفي بمعنى مع ﴿قد خلت﴾ أي : لم تتعظ أمة منهم بالأخرى ﴿من قبلهم﴾ أي : في الزمان ﴿من الجن والأنس﴾ قد عملوا مثل أعمالهم، وقوله تعالى :﴿إنهم﴾ أي : جميع المذكورين منهم وممن قبلهم ﴿كانوا خاسرين﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب.

فصلت 41:26

وقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا﴾ أصله وقالوا أي : المعرضون، ولكنه قال ذلك تنبيهاً على الوصف الذي أوجب إعراضهم ﴿لا تسمعوا﴾ أي : شيئاً من مطلق السماع ﴿لهذا القرآن﴾ وعينوه بالإشارة احترازاً عن غيره من الكتب القديمة كالتوراة، قال القشيري : لأنه مقلب القلوب وكل من استمع له صبا إليه ﴿والغوا﴾ أي : اهزؤوا ﴿فيه﴾ أي : اجعلوه ظرفاً للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغط واللغو والتصدية أي : التصفير والتصفيق وغيرها، وقال ابن عباس : كان بعضهم يعني قريشاً يعلم بعضاً إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر، واللغو : هو من باب لغي بالكسر يلغى بالفتح إذا تكلم بما لا فائدة فيه ﴿لعلكم تغلبون﴾ أي : ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن لا يميل إليه أحد وسكت ونسي ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه وأقبل بكليته عليه وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها.

فصلت 41:27

﴿فلنذيقن الذين كفروا﴾ أظهر في موضع الإضمار إذ أصله فلنذيقنهم، لكنه أظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف ﴿عذاباً شديداً﴾ في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان، وفي الآخرة بالنيران ﴿ولنجزينهم﴾ أي : بأعمالهم ﴿أسوأ﴾ أي : سوء العمل ﴿الذي كانوا يعملون﴾ أي : مواظبين عليه.

فصلت 41:28

﴿ذلك﴾ أي : الجزاء الأسوأ العظيم جداً ﴿جزاء أعداء الله﴾ أي : الملك الأعظم، ثم بينه بقوله تعالى :﴿النار﴾ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة واواً خالصة، والباقون بتحقيقهما، وأما الابتداء بالثانية فالجميع بالتحقيق، ثم فصّل بعض ما في النار بقوله تعالى :﴿لهم فيها﴾ أي : النار ﴿دار الخلد﴾ أي : فإنها دار إقامة، قال الزمخشري : فإن قلت ما معنى قوله :﴿لهم فيها دار الخلد﴾ قال : قلت : إن النار في نفسها دار الخلد كقوله تعالى :﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ( الأحزاب : ٢١ ) أي : الرسول هو نفس الأسوة. وقال البيضاوي : هو كقولك في هذه الدار دار سرور يعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة قال ابن عادل : في هذا نظر إذ الظاهر وهو معنى صحيح منقول أن في النار داراً تسمى دار الخلد والنار محيطة بها وهذا أولى، وقوله تعالى :﴿جزاءً﴾ منصوب بالمصدر الذي قبله وهو ﴿جزاء أعداء الله﴾ والمصدر ينصب بمثله كقوله تعالى :﴿فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً﴾ ( الإسراء : ٦٣ ) ﴿بما كانوا بآياتنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿يجحدون﴾ أي : يلغون في القراءة وسماه جحداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً وأنهم جحدوا حسداً.

فصلت 41:29

ولما بين تعالى أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعذاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين ما يقولون في النار بقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : غطوا أنوار عقولهم داعين بما لا يسمع لهم فهو زيادة في عقوبتهم وحكايته لها وعظ وتحذير ﴿ربنا﴾ أي : يا أيها الذي لم يقطع قط إحسانه عنا ﴿أرنا﴾ الصنفين ﴿اللذين أضلانا﴾ أي : عن المنهج الموصل إلى محل الرضوان ﴿من الجن والإنس﴾ لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى :﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن﴾ ( الأنعام : ١١٢ ) وقال تعالى :﴿الذي يوسوس في صدور الناس ( ٥ ) من الجنة والناس﴾ ( الناس : ٥ ٦ ) وقيل : هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه، لأن الكفر سنه إبليس، والقتل بغير حق سنه قابيل، فهما سنا المعصية، وقرأ ابن كثير والسوسي، وابن عامر وشعبة بسكون الراء من أرنا، واختلس الدوري كسر الراء، وكسرها الباقون، وشدد ابن كثير النون من اللذين ﴿نجعلهما تحت أقدامنا﴾ في النار إذلالاً لهما كما جعلانا تحت أمرهما ﴿ليكونا من الأسفلين﴾ قال مقاتل : أسفل منافي النار، وقال الزجاج : ليكونا في الدرك الأسفل من النار أي : من أهل الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما، وقال بعض الحكماء : المراد باللذين أضلانا : الشهوة والغضب، والمراد بجعلهما تحت أقدامهم : كونهما مسخرين للنفس مطيعين لها وأن لا يكونا مستوليين عليها ظاهرين عليها.

فصلت 41:30

ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب فقال تعالى :﴿إن الذين قالوا﴾ أي : قولاً حقيقياً مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقاً لداعي الله تعالى في الدنيا ﴿ربنا﴾ أي : المحسن إلينا ﴿الله﴾ أي : المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له، وثم في قوله تعالى :﴿ثم استقاموا﴾ لتراخي الرتبة في الفضيلة فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمر في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام. سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله شيئاً، وقال عمر رضي الله عنه، الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان رضي الله عنه : أخلصوا العمل لله، وقال علي رضي الله عنه : أدوا الفرائض، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استقاموا على أمر الله تعالى بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد وعكرمة : استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله، وقال قتادة : كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال : اللهم ربنا ارزقنا الاستقامة، وقال سفيان بن عبد الله الثقفي : قلت : يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به قال :«قل ربي الله ثم استقم فقلت : ما أخوف ما تخاف علي، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال : هذا ». قال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ﴿تتنزل عليهم الملائكة﴾ قال ابن عباس : عند الموت وقال قتادة : إذا قاموا من قبورهم، وقال وكيع بن الجراح : البشرى : تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث وهي ﴿ألا تخافوا﴾ قال مجاهد : لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك كله، وقال عطاء بن أبي رباح : لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فإني أغفرها لكم، والخوف غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار، والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه أبداً. تنبيه : يجوز في أن : أن تكون المخففة أو المفسرة أو الناصبة، ولا ناهية على الوجهين الأولين، ونافية على الثالث ﴿وأبشروا﴾ أي : املؤوا صدوركم سروراً يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ويعم سائر الجسد ﴿بالجنة التي كنتم﴾ أي : كوناً عظيماً على ألسنة الرسل عليهم السلام ﴿توعدون﴾ أي : يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل. تنبيه : فيما ذكر دلالة على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث يكون فارغاً من الأهوال والفزع الشديد. فإن قيل : البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع فأما إذا أخبر الشخص بحصول المنفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارة والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة فما السبب في تسمية هذا الخبر بشارة ؟ أجيب : بأن المؤمن قد يسمع بشارات الخير ولم يعلم بأن له الجنة فيكون ذلك بشارة، أما إذا علم أنه من أهل الجنة بإخبار نبي فإنه إذا سمع هذا الكلام من الملائكة فإنه يكون إخباراً.

فصلت 41:31

ولما أثبتوا لهم الخير ونفوا عنهم الضير عللوه بقولهم :﴿نحن أولياؤكم﴾ أي : أقرب الأقرباء إليكم فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب ﴿في الحياة الدنيا﴾ نجلب لكم المسرات وندفع عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات، فنوقظكم من المنام ونحملكم على الصلاة والصيام ونبعدكم عن الآثام ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم ﴿وفي الآخرة﴾ كذلك حيث تتعادى الأخلاء إلا الأتقياء. قال السدي : تقول الملائكة عليهم السلام : نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا ونحن أولياؤكم في الآخرة. أي : لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة ﴿ولكم فيها﴾ أي : في الآخرة أي : في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات المحشر ﴿ما تشتهي﴾ ولو على أدنى وجوه الشهوات، كما يرشد إليه حذف المفعول ﴿أنفسكم﴾ من اللذائذ لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا ﴿ولكم فيها﴾ أي : في الآخرة ﴿ما تدعون﴾ أي : تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من القول.

فصلت 41:32

وقوله تعالى :﴿نزلاً﴾ حال مما تدعون أي : هذا كله يكون لكم نزلاً كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يهيأ له ما يضاف به، وأما ما يعطون فهو مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولما كان من وحُوسب عُذِّب فلا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى، أشار إلى ذلك بقوله تعالى :﴿من﴾ أي : كائن ذلك النزل من ﴿غفور﴾ له صفة المحو للذنوب عيناً وأثراً على غاية لا يمكن وصفها ﴿رحيم﴾ أي : بالغ الرحمة وهو الله تعالى.

فصلت 41:33

واختلف في تفسير قوله تعالى :﴿ومن أحسن قولاً﴾ أي : من جهة القول ﴿ممن دعا إلى الله﴾ أي : الذي عم بصفات كماله جميع الخلق، فقال ابن سيرين والسدي : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقال الحسن : هو المؤمن الذي أجاب الله تعالى دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب إليه ﴿وعمل﴾ أي : والحال أنه قد عمل ﴿صالحاً﴾ في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه ﴿وقال إنني من المسلمين﴾ تفاخراً به وقطعاً لطمع المفسدين، وقال عكرمة : هم المؤذنون، وقالت عائشة رضي الله عنها : إن هذه الآيات نزلت في المؤذنين، وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه : وعمل صالحاً صلى ركعتين بين الأذان والإقامة، وعن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه :«بين كل أذانين صلاة ثلاث مرات ثم قال في الثالثة لمن شاء »، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد.

فصلت 41:34

﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة﴾ أي : الصبر والغضب والحلم والجهل والعفو والإساءة في الجزاء وحسن العاقبة. تنبيه : في لا الثانية وجهان : أحدهما : أنها زائدة للتأكيد كقوله تعالى :﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ ( فاطر : ٢١ ) لأن الاستواء لا يكتفي بواحد، الثاني : أنها مؤسسة غير مؤكدة، إذ المراد بالحسنة والسيئة الجنس، إذ لا تستوي الحسنات في أنفسها فإنها متفاوتة ولا تستوي السيئات أيضاً فرب واحدة أعظم من أخرى وهو مأخوذ من كلام الزمخشري ﴿ادفع﴾ كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس ﴿بالتي﴾ أي : بالخصال والأحوال التي ﴿هي أحسن﴾ على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات والعفو عن المسيء حسن والإحسان إليه أحسن منه. ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة﴾ عظيمة فاجأته حال كونه ﴿كأنه ولي﴾ أي : قريب فاعل ما يفعله القريب ﴿حميم﴾ أي : في غاية القرب لا يدع مهماً إلا قضاه وسهله ويسره وشفى علله وقرب بعيده وأزال درنه كما يزيل الماء الحار الوسخ، وقيل : نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً مؤذياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصار ولياً مصافياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فصلت 41:35

ثم نبه على عظيم فضل هذه الخصلة بقوله تعالى :﴿وما يلقّاها﴾ أي : على ما هي عليه من العظمة ﴿إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ من الفضائل النفسانية، وقال قتادة : الحظ العظيم الجنة أي : وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.

فصلت 41:36

وقوله تعالى :﴿وإما﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة ﴿ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ قال الزمخشري : النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبيه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه فيبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغاً كما قيل : جد جده أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر أو تسويله، والمعنى : وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ﴿فاستعذ بالله﴾ أي : استجر بالملك الأعلى من شر الشيطان واطلب من الله الدخول في عصمته مبادراً إلى ذلك وامض على شأنك ولا تطعه وتوكل على الله تعالى ﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿السميع﴾ أي : لكل مسموع من استعاذتك وغيرها ﴿العليم﴾ أي : بكل معلوم من نزغه وغيره فهو القادر على رد كيده وتوهين أمره.

فصلت 41:37

ثم استدل على ذلك بقوله تعالى :﴿ومن آياته﴾ الدالة على وحدانيته وأنه سميع عليم ﴿الليل والنهار﴾ باختلاف هيئتهما على قدرته على البعث وكل مقدور، وقدم الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدم، والنور وجود والعدم سابق على الوجود، ﴿والشمس والقمر﴾ اللذان هما الليل والنهار، وقدم الشمس على ذكر القمر لكثرة نفعها. ولما ثبت أنه تعالى المنفرد بالخلق قال سبحانه :﴿لا تسجدوا للشمس﴾ التي هي من أعظم أوثانكم وأعاد النافي تأكيداً فقال :﴿ولا للقمر﴾ فإنهما دالان على وجود الإله مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بالذي أوجدهما من العدم كما قال تعالى :﴿واسجدوا لله﴾ أي : الذي له كل كمال من غير شائبة نقص. واختلف في عود الضمير في قوله تعالى :﴿الذي خلقهن﴾ على أوجه ؛ أولاها : عوده للآيات الأربع كما جرى عليه الجلال المحلي، وقيل : يرجع لليل والنهار والشمس والقمر، قال الزمخشري : لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى والإناث، يقال : الأقلام بريتها وبريتهن، وناقشه أبو حيان من حيث إنه لم يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى، والأفصح أن يقال : الأجذاع كسرتهن والجذوع كسرتها، وأجاب بعضهم : بأن الزمخشري ليس في مقام بيان الفصيح من الأفصح بل في مقام كيف يجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنث، وقال البغوي : إنما قال خلقهن بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث. ولما ظهر أن الكل عبيده وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبداً آخر في عبادة سيده قال تعالى :﴿إن كنتم إياه﴾ أي : خاصة بغاية الرسوخ ﴿تعبدون﴾ كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لاسيما في البحر، وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين على أن يقع منهم سجود لغيره رفعاً لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجوداً لهم، فإنه تعالى أمر الملائكة عليهم السلام الذين هم من أشرف خلقه بالسجود لآدم عليه السلام وهم في ظهره فتكبر إبليس فأبَّد لعنته إلى يوم القيامة.

فصلت 41:38

﴿فإن استكبروا﴾ أي : أوجدوا التكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد فلم ينزهوا الله تعالى عن الشريك ﴿فالذين عند ربك﴾ أي : من الملائكة، قال الرازي : ليس المراد بهذه العندية : قرب المكان بل كما يقال عن الملك من الجند كذا وكذا، ويدل عليه قوله تعالى :«أنا عند ظن عبدي بي »، ﴿وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي﴾ ﴿يسبحون له بالليل والنهار﴾ أي : دائماً لقوله تعالى :﴿وهم لا يسأمون﴾ أي : لا يملون ولقوله سبحانه وتعالى :﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ ( الأنبياء : ٢٠ )، فإن قيل : اشتغالهم بهذا العمل على الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال مع أنهم ينزلون إلى الأرض كما قال تعالى ﴿نزل به الروح الأمين ( ١٩٣ ) على قلبك﴾ ( الشعراء : ١٩٣ ١٩٤ ) وقال تعالى عن الذين قاتلوا يوم بدر ﴿يُمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين﴾ ( آل عمران : ١٢٥ ) ؟ أجيب : بأن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة. تنبيه : اختلف في مكان السجدة فقيل : هو عند قوله تعالى :﴿إياه تعبدون﴾ وهو قول ابن مسعود والحسن رضي الله عنهما حكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهما لأنه ذكر السجدة قبيله، والصحيح عند الشافعي رضي الله تعالى عنه عند قوله تعالى ﴿لا يسأمون﴾ وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة رضي الله عنه لأن عنده تم الكلام.

فصلت 41:39

ولما ذكر تعالى الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال تعالى :﴿ومن آياته﴾ الدالة على قدرته ووحدانيته ﴿أنك﴾ أي : أيها الإنسان ﴿ترى الأرض﴾ أي : بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياساً على ما أبصرت ﴿خاشعة﴾ أي : يابسة لا نبات فيها والخشوع التذلل والتقاصر فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها كما وصفها بالهمود في قوله تعالى :﴿وترى الأرض هامدة﴾ ( الحج : ٥ ) وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو، كما قال تعالى :﴿فإذا أنزلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿عليها الماء﴾ من الغمام أو غيره ﴿اهتزت﴾ أي : تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه ﴿وربت﴾ أي : تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطياً لوجهها وتشعبت عروقه وغلظت سوقه فصار يمنع سلوكها على ما كانت فيه من السهولة وتزخرفت بذلك النبات كأنها بمنزلة المختال في زيه بعدما كانت قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة، وقرأ السوسي : ترى الأرض في الوصل بالإمالة بخلاف منه، والباقون بالفتح، وفي الوقف أمال محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي، وورش بين بين، والباقون بالفتح، ثم استدل بذلك على القدرة على البعث فقال تعالى :﴿إن الذي أحياها﴾ أي : بما أخرج من نباتها بعد أن كانت ميتة ﴿لمحيي الموتى﴾ كما فعل بالنبات من غير فرق ﴿إنه على كل شيء قدير﴾ فهو قادر على إحياء الأرض بعد موتها وعلى إحياء هذه الأجساد بعد موتها لأن الممكنات بالنسبة إلى القدرة متساوية فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره.

فصلت 41:40

ثم إنه تعالى هدد من يجادل في آياته بإلقاء الشبهات فيها بقوله تعالى :﴿إن الذين يلحدون في آياتنا﴾ أي : القرآن على ما لها من العظمة بالطعن والتحريف والتأويل الباطل والإلغاز فيها، وقرأ حمزة بفتح الياء والحاء من لحد، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد يقال : لحد الحافر وألحد إذا مال عن الاستقامة بحفره في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم اختص في العرف بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، قال مجاهد : يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط، وقال السدي : يعاندون ويشاقون ﴿لا يخفون علينا﴾ أي : في وقت من الأوقات ونحن قادرون على أخذهم متى شئنا أخذنا ولا يعجل إلا من يخشى الفوات، قال مقاتل : نزلت في أبي جهل وقوله تعالى ﴿أفمن يلقى في النار﴾ أي : على وجهه بأيسر أمر ﴿خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة﴾ استفهام بمعنى التقرير والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار وأن المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة حين يجمع الله تعالى عباده للعرض عليه للحكم بينهم بالعدل، قال البغوي قيل : هو حمزة وقيل : هو عثمان وقيل : عمار بن ياسر. فائدة : أم في الرسم مقطوعة وقوله تعالى :﴿اعملوا ما شئتم﴾ أي : فقد علمتم مصير المسيء والمحسن تهديد فمن أراد شيئاً من الجزاءين فليعمل أعمله فإنه ملاقيه، وقوله تعالى ﴿إنه بما تعملون﴾ أي : في كل وقت ﴿بصير﴾ أي : عالم بأعمالكم فيه، وعيد بالمجازاة.

فصلت 41:41

وقوله تعالى :﴿إن الذين كفروا بالذكر﴾ أي : القرآن ﴿لما جاءهم﴾ بدل من قوله تعالى :﴿إن الذين يلحدون﴾ أو مستأنف وخبر إن محذوف مثل معاندون أو هالكون أو أولئك ينادون، ولما بالغ تعالى في تهديد الملحدين في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن فقال تعالى :﴿وإنه﴾ أي : والحال إنه ﴿لكتاب﴾ أي : جامع لكل خير ﴿عزيز﴾ أي : فهو كثير النفع عديم النظير يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب منه ذلك ويعجز كل معارض ولا يعجز عن إقعاد مناهض، وقال الكلبي : عن ابن عباس رضي الله عنهما كريم على الله تعالى، وقال قتادة : أعزه الله تعالى.

فصلت 41:42

﴿لا يأتيه الباطل﴾ لأنه يمتنع منه بمتانة وصفه وجزالة نظمه وحلاوة معانيه فلا يلحقه تغيير ﴿من بين يديه ولا من خلفه﴾ أي : لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات لأن قدام أوضح ما يكون وخلف أخفى ما يكون فما بين ذلك من باب أولى، والعبارة كناية عن ذلك لأن صفة الله تعالى لا وراء لها ولا أمام لها على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء الله تعالى مرمى ولا دونه منتهى، وقال قتادة والسدي : الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه، وقال الزجاج : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا فمعنى الباطل الزيادة أو النقصان، وقال مقاتل : لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يأتي بعده كتاب فيبطله، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿تنزيل﴾ أي : بحسب التدريج لأجل المصالح ﴿من حكيم﴾ أي : بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محله من وقت النزول وسياق النظم ﴿حميد﴾ أي : بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة وغيرها والتطهر والتقديس عن كل شائبة نقصِ يحمده كل خلقه بلسان حاله إن لم يحمده بلسان قاله، فإن قيل : أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون ؟ أجيب : بأن الله تعالى حماه عن تعلق الباطل به بأن قيض قوماً عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقاً ولا قول مبطل إلا مضمحلاً ونحو هذا قوله تعالى :﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ( الحجر : ٩ ).

فصلت 41:43

ثم سلَّى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿ما يقال﴾ أي : من الكفار أو من غيرهم ﴿لك﴾ يا أكرم الخلق مما يحصل به ضيق صدر وتشويش فكر ﴿إلا ما﴾ أي : شيء ﴿قد قيل﴾ أي : حصل قوله على ذلك الوجه ﴿للرسل من قبلك﴾ فصبروا على ما أوذوا فاصبر كما صبروا ﴿إن ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك وإنزال كتابه إليك ومن يكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء يعرض له ﴿لذو مغفرة﴾ أي : لمن تاب وآمن بك ﴿وذو عقاب أليم﴾ أي : مؤلم لمن أصر على التكذيب وعلى هذا فقوله تعالى :﴿إن ربك﴾ الآية مستأنف، وقيل : مفسر للمقول كأنه قيل للرسل : إن ربك لذو مغفرة وجرى على ذلك الزمخشري ونزل جواباً لقولهم هلا نزل القرآن بلغة العجم.

فصلت 41:44

﴿ولو جعلناه﴾ أي : هذا الذكر بما لنا من العظمة ﴿قرآناً﴾ أي : على ما هو عليه من الجمع ﴿أعجمياً﴾ أي : لا يفصح ﴿لقالوا﴾ أي : هؤلاء المتعنتون ﴿لولا﴾ أي : هلا ولِمَ لا ﴿فصلت﴾ أي : بينت ﴿آياته﴾ حتى نفهمها وقولهم :﴿أأعجمي﴾ أي : أقرآن أعجمي ﴿و﴾ نبي ﴿عربي﴾ استفهام إنكار منهم، وقال مقاتل :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي وكان يهودياً أعجمياً يكنى أبا فكيهة فقال المشركون : إنما يعلمه يسار غلام عامر فضربه سيده وقال : إنك تعلم محمداً فقال : هو يعلمني فأنزل الله تعالى هذه الآية ». وقرأ قالون وأبو عمرو بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما، وورش وابن كثير وابن ذكوان وحفص بتسهيل الثانية ولا إدخال، وأسقط هشام الأولى والباقون بتحقيقهما. وقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿قل هو﴾ أي : هذا القرآن ﴿للذين آمنوا﴾ أي : أردنا وقوع الإيمان منهم ﴿هدى﴾ أي : بيان لكل مطلوب ﴿وشفاء﴾ أي : لما في صدورهم من داء الكفر والهوى وقيل : من الأوجاع والأسقام متعلق كما قال الرازي بقولهم :﴿وقالوا قلوبنا في أكِنّة مما تدعونا إليه﴾ ( فصلت : ٥ ) الآية كأنه تعالى يقول هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا هذه اللغة فكل من أعطاه الله تعالى طبعاً مائلاً إلى الحق وقلباً داعياً إلى الصدق فإن هذا القرآن يكون في حقه هدى وشفاء، وأما من غرق في بحر الخذلان وشغف بمتابعة الشيطان فهو في ظلمة وعمى كما قال تعالى :﴿والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر﴾ أي : ثقل فلا يسمعون سماعاً ينفعهم ﴿وهو عليهم عمى﴾ فلا يبصرون الداعي حق الإبصار، ثم قال الرازي : وكل من أنصف علم أن التفسير على هذا الوجه الذي ذكرناه أولى مما ذكروه، أي : أنه متعلق بما قبله لأن السورة تصير بذلك من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً لغرض واحد انتهى. ولما بين بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال تعالى :﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء مثالهم مثال من ﴿ينادون﴾ أي : يناديهم من يريد نداءهم غير الله تعالى ﴿من مكان بعيد﴾ أي : هم كالمنادي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به.

فصلت 41:45

﴿ولقد آتينا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ أي : التوراة ﴿فاختلف﴾ أي : وقع الاختلاف ﴿فيه﴾ وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل : إنا لما آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحاب الهدى ورده بعضهم، فكذلك آتيناك الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك ورده آخرون وهم الذين يقولون قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴿ولولا كلمة﴾ أي : إرادة ﴿سبقت﴾ في الأزل ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة ﴿لقضي بينهم﴾ أي : في الدنيا فيما اختلفوا فيه من إنصاف المظلوم من ظالمه قال تعالى :﴿بل الساعة موعدهم﴾ ( القمر : ٤٦ ) ﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾ ( فاطر : ٤٥ ) ﴿وإنهم لفي شك﴾ أي : المكذبين محيط بهم ﴿منه﴾ أي : القضاء يوم الفصل ﴿مريب﴾ أي : موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من دائرته أصلاً.

فصلت 41:46

ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿من عمل صالحاً﴾ أي : كائناً من كان ﴿فلنفسه﴾ أي : فنفع عمله لها لا لأحد يتعداها والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص فلذا عبر بها ﴿ومن أساء﴾ في عمله ﴿فعليها﴾ أي : على نفسه خاصة ليس عليك منه شيء فخفف عن نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود إليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه وتعالى يوصل إلى كل أحد ما يليق به من الجزاء ﴿وما ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق ﴿بظلام﴾ أي : بذي ظلم ﴿للعبيد﴾ أي : هذا الجنس فلا يتصور أن يقع ظلم لأحد منهم أصلاً لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة.

فصلت 41:47

﴿إليه﴾ أي : المحسن إليك لا إلى غيره ﴿يُردّ علم الساعة﴾ أي : لا سبيل إلى معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله، وكذا العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين : أحدهما قوله تعالى :﴿وما تخرج من ثمرات﴾ أي : في وقت من الأوقات، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بألف بعد الراء جمعاً، والباقون بغير ألف إفراداً وقوله تعالى :﴿من أكمامها﴾ جمع كم وكمامة، قال البقاعي تبعاً للزمخشري : بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئاً من شأنه أن يخرج فهو كم، وقال الراغب : الكم ما يغطي البدن من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام وهذا يدل على أنه مضموم الكاف أو جعله مشتركاً بين كم القميص وكم الثمرة، ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان دون كم القميص جمعاً بين القولين. والمثال الثاني قوله تعالى :﴿وما تحمل من أنثى﴾ حملاً ناقصاً أو تاماً، وأكد النفي بإعادة النافي ليشهد كل على حياله ﴿ولا تضع﴾ حملاً حياً أو ميتاً ﴿إلا﴾ حال كونه متلبساً ﴿بعمله﴾ ولا علم لأحد غيره بذلك، ومن ادعى علماً به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئاً، والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئاً، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علماً إلا الله تعالى. فإن قيل : قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشوف قولاً فيصيب فيه وكذلك الكهان والمنجمون ؟ أجيب : بأن أصحاب الكشوف إذا قالوا قولاً فهو من إلهام الله تعالى واطلاعه إياهم عليه فكان من علمه الذي يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة وإنما غايتهم ادعاء ظن ضعيف قلما يصيب، وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشاركه فيه أحد جل ربنا وعلا ﴿ويوم يناديهم﴾ أي : المشركين بعد بعثهم من القبور للفصل بينهم في سائر الأمور ﴿أين شركائي﴾ أي : الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم ﴿قالوا﴾ أي : المشركون ﴿آذناك﴾ أي : أعلمناك ﴿ما منا﴾ وأكدوا النفي بإدخال الجار في المبتدأ ﴿من شهيد﴾ أي : يشهد أن لك شريكاً وذلك لما رأوا العذاب تبرؤوا من الأصنام وقيل : معناه ما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم فلا يبصرونها في ساعة التوبيخ، وقيل : هذا كلام الأصنام كأن الله تعالى يحييها وأنها تقول ما منا من شهيد أي : أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة.

فصلت 41:48

وعلى هذا التقدير فمعنى ضلالتهم عنهم أنهم لا ينفعونهم فكأنهم ضلوا عنهم وهو معنى قوله تعالى :﴿وضل﴾ أي : ذهب وغاب وخفي ﴿عنهم ما كانوا﴾ أي : دائماً ﴿يدعون﴾ في كل حين على وجه العبادة ﴿من قبل﴾ فهم لا يرونه فضلاً عن أنهم يجدون نفعه ﴿وظنوا﴾ أي : في ذلك الحال ﴿ما لهم﴾ وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال :﴿من محيض﴾ أي : مهرب وملجأ ومعدل.

فصلت 41:49

ولما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله تعالى في الدنيا تبرؤوا عن تلك الشركاء في الآخرة، بين تعالى أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال فإن أحس بخير وقدرة تعاظم وإن أحس ببلاء ومحنة ذلّ بقوله تعالى :﴿لا يسأم﴾ أي : لا يمل ولا يعجز ﴿الإنسان﴾ أي : الآنس بنفسه الناظر في إعطافه الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية ﴿من دعاء الخير﴾ أي : لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما ﴿وإن مسه الشر﴾ أي : من فقر وشدة وغيرهما ﴿فيؤوس﴾ من فضل الله تعالى ﴿قنوط﴾ من رحمة الله تعالى، والمعنى : أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيساً قانطاً، وهذه صفة الكافر لقوله تعالى :﴿لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ ( يوسف : ٨٧ ). تنبيه : في قوله تعالى ﴿يؤوس قنوط﴾ مبالغة من وجهين ؛ أحدهما : من طريق فعول، والثاني : من طريق التكرار واليأس من صفة القلب، والقنوط أن تظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهرة.

فصلت 41:50

ثم بين تعالى حال هذا الذي صار آيساً قانطاً بقوله تعالى :﴿ولئن﴾ اللام لام القسم ﴿أذقناه﴾ أي : آتينا ذلك الإنسان ﴿رحمة﴾ أي : غنى وصحة ﴿منا﴾ أي : بما لنا من العظمة والقدرة ﴿من بعد ضراء﴾ أي : شدة وبلاء ﴿مسته﴾ فإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد من الله تعالى، الأول منها ما حكاه الله بقوله سبحانه :﴿ليقولن﴾ بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيماً لكونها استدراجاً إلى الهلاك ﴿هذا﴾ الأمر العظيم ﴿لي﴾ أي : حقي مختص بي وصل إلي لأني استوجبته بعلمي وعملي ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله تعالى شيئاً لأنه إن كان عارياً من الفضائل فكلامه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله وإحسانه. النوع الثاني : من كلامه الفاسد قوله :﴿وما أظن الساعة﴾ أي : القيامة ﴿قائمة﴾ أي : ثابتاً قيامها فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله لكونه يفعل أفعال الشاك فيها، النوع الثالث : من كلامه الفاسد قوله ﴿ولئن﴾ اللام لام القسم ﴿رجعت﴾ أي : على سبيل الفرض أي : أن هذا الكافر يقول لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورددت ﴿إلى ربي﴾ أي : الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه ﴿إن لي عنده للحسنى﴾ أي : الحالة الحسنى من الكرامة وهي الجنة، فكما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال تعالى شأنه :﴿فلننبئن﴾ أي : فلنخبرن ﴿الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما دلت عليه العقول وصرائح النقول ﴿بما عملوا﴾ لا ندع منه كثيراً ولا قليلاً صغيراً ولا كبيراً فيرون عياناً ضد ما ظنوه من الدنيا من أن لهم الحسنى ﴿وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلنا هباء منثوراً﴾ ( الفرقان : ٢٣ ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لنوقفهم على مساوي أعمالهم ﴿ولنذيقهم﴾ أي : بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية كمثاقيل الذر ﴿من عذاب غليظ﴾ أي : شديد لا يدع جهة من أجسامهم إلا أحاط بها.

فصلت 41:51

ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال :﴿وإذا أنعمنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿على الإنسان﴾ أي : الواقف مع نفسه نعمة تليق بعظمتنا ﴿أعرض﴾ أي : عن التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى ﴿ونأى﴾ أي : أبعد بعداً جعل بيننا وبينه حجاباً عظيماً ﴿بجانبه﴾ أي : ثنى عطفه متبختراً ﴿وإذا مسه الشر﴾ أي : هذا النوع قليله وكثيره ﴿فذو دعاء﴾ أي : في كشفه وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند المس، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفاً إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يفعله إلا أفراد خصهم الله بلطفه ﴿عريض﴾ أي : مديد العرض جداً وأما طوله فلا يسئل عنه، وهذا كناية عن النهاية في الكثرة، تقول العرب أطال فلان الدعاء وأعرض أي : أكثر.

فصلت 41:52

ثم أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء المعرضين ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني ﴿إن كان﴾ أي : هذا القرآن ﴿من عند الله﴾ الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال ﴿ثم كفرتم به﴾ أي : من غير نظر واتباع دليل ﴿من أضل﴾ منكم هكذا كان الأصل ولكنه قال :﴿ممن هو في شقاق﴾ أي : خلاف لأولياء الله تعالى ﴿بعيد﴾ أي : عن الحق تنبيها على أنهم صاروا كذلك ومن صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله عز وجل.

فصلت 41:53

﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ قال ابن عباس : يعني منازل الأمم الخالية ﴿وفي أنفسهم﴾ أي : بالبلايا والأمراض، وقال قتادة : يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر، وقال مجاهد : في الآفاق ما يفتح الله تعالى من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم وفي أنفسهم فتح مكة، وقال عطاء : في الآفاق يعني : أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم في آفاق الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وبديع الحكمة في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة كقوله تعالى :﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ ( الذاريات : ٢١ ). تنبيه : قال النووي في تهذيبه : قال أهل اللغة : الآفاق النواحي، الواحد أفق بضم الهمزة والفاء، وأفق بإسكان الفاء. ولما كان التقدير ولا نزال نكرر عليهم هذه الدلائل عطف عليه ﴿حتى يتبين لهم﴾ غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر ﴿أنه﴾ أي : القرآن ﴿الحق﴾ أي : الكامل في الحقبة الذي يطابق الواقع المنزل من الله تعالى بالبعث والحساب والعقاب فيعاقبون على كفرهم به وبالجائي به، وقيل : الضمير في أنه لدين الإسلام، وقيل : لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿أولم يكف بربك﴾ أي : المحسن إليك بهذا البيان المعجز للإنس والجان شهادة بأن القرآن من عند الرحمان. تنبيه : الباء زائدة للتأكيد كأنه قيل : أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد تزاد في الفاعل إلا مع كفى وقوله تعالى :﴿أنه على كل شيء شهيد﴾ بدل من ربك، والمعنى : أولم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما وقد شهد لك فيه بالإعجاز لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته ونطقت به كلماته، ففيه أعظم بشارة بتمام الدين وظهوره على المعتدين.

فصلت 41:54

ولما لم يبق بعد هذا التعنت مقال ولا شبهة أصلاً لضال، قال تعالى منادياً على من جحد واستمر على عناده :﴿ألا إنهم﴾ أي : هؤلاء الكفرة ﴿في مرية﴾ أي : جحد وجدال وشك وضلال عن البعث ﴿من لقاء ربهم﴾ أي : المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم لإنكارهم البعث، ثم كرر كونه قادراً على البعث وغيره بقوله تعالى :﴿ألا إنه﴾ أي : هذا المحسن إليهم ﴿بكل شيء﴾ أي : من الأشياء جملتها وتفصيلها كلياتها وجزئياتها أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها ﴿محيط﴾ قدرة وعلماً بكثير الأشياء وقليلها كلياتها وجزئياتها فيجازيهم بكفرهم، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم :«من قرأ السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات » حديث موضوع.

الشورى 42:1

وقوله تعالى :﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح وسئل الحسن بن الفضل : لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص ؟ فقال : لأنها سورة أولها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل كهيعص والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل : لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف تهج لا غير. واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلاً، وقيل : معناها حم أي : قضى ما هو كائن، روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته أقسم الله تعالى بها. وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح : ح : حرب قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش، م : ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع : عداوة لقريش يقصدهم سن سنين كسني يوسف تكون فيهم، ق : قدرة الله تعالى النافذة في خلقه.

الشورى 42:3

وروي عن ابن عباس أنه قال ليس من نبي صاحب كتاب إلا وأوحيت إليه حم عسق فلذلك قال تعالى :﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن ﴿يوحي إليك﴾ أي : ما دمت حياً لا يقطع ذلك عنك ﴿وإلى﴾ أي : وأوحى إلى ﴿الذين من قبلك﴾ أي : من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام ومن جملة ما أوحى إليهم أن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء وأخذ على كل منهم العهد باتباعك وأن يكونوا من أنصارك وأتباعك وقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال فاعل الإيحاء. ولما كان نفوذ الأمر دائراً على العزة والحكمة قال تعالى :﴿العزيز﴾ أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يصنع ما يصنعه في أتقن محاله فلذلك لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه ولا نقص ما أحكمه. تنبيه : ما تقرر من أن الله تعالى فاعل الإيحاء هو على قراءة كسر الحاء من يوحي وهي قراءة غير ابن كثير، وأما على قراءة ابن كثير بفتح الحاء فيجوز أن يرتفع بفعل مضمر كأنه قيل : من يوحيه فقيل الله ك ﴿يسبّح له فيها بالغدو والآصال ( ٣٦ ) رجال﴾ ( النور : ٣٦ ٣٧ ) ويجوز أن يرتفع بالابتداء وما بعده خبر والجملة قائمة مقام الفاعل وأن يكون العزيز الحكيم خبرين أو نعتين.

الشورى 42:4

والجملة من قوله تعالى :﴿له ما في السماوات﴾ أي : من الذوات والمعاني ﴿وما في الأرض﴾ كذلك خبر أول أو ثان على حسب ما تقدم في العزيز الحكيم، قال الزمخشري : لم يقل تعالى أوحى إليك ولكن قال : يوحي إليك على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على ما لا نهاية له، وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات وقوله تعالى :﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ يدل على كونه متصفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجزاء السماوات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في السماوات وما في الأرض خلقه وملكه.

الشورى 42:5

ولما كان العلو مستلزماً للقدرة قال تعالى :﴿وهو العلي﴾ على كل شيء علو رتبة وعظمة ومكانة لا علو مكان وملابسة ﴿العظيم﴾ بالقدرة والقهر والاستعلاء. وقوله تعالى :﴿تكاد السماوات﴾ قرأه نافع والكسائي بالياء التحتية، والباقون بالفوقية وقوله تعالى ﴿يتفطرن﴾ أي : يشققن قرأه شعبة وأبو عمرو بعد الياء بنون ساكنة وكسر الطاء مخففة، والباقون بعد الياء بتاء فوقية مفتوحة وفتح الطاء مشددة وقوله تعالى :﴿من فوقهن﴾ في ضميره ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه عائد على السماوات أي : كل واحدة منهن تنفطر فوق التي تليها من عظمة الله تعالى أو من قول المشركين :﴿اتخذ الله ولداً﴾ ( الكهف : ٤ ) كما في سورة مريم أي : يبتدئ انفطارهن من هذه الجهة فمن : لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها، الثاني : أنه يعود على الأرضين لتقدم ذكر الأرض، الثالث : أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين قاله الأخفش الصغير، وقال الزمخشري : كلمة الكفر أي : على التفسير الثاني إنما جاءت من الذين تحت السماوات فكان القياس أن يقال : ينفطرن من تحتهن أي : من الجهة التي جاءت منها الكلمة ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل : يكدن ينفطرن أي : من الجهة التي فوقهن دون الجهة التي تحتهن، ونظيره في المبالغة قوله عز وجل ﴿يُصبّ من فوق رؤوسهم الحميم ( ١٩ ) يُصهر به ما في بطونهم﴾ ( الحج : ١٩ ٢٠ ) فجعل الحميم مؤثراً في أجزائهم الباطنة ا. ه. ولما بين تعالى أن سبب كيدودة انفطارهن جلال العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سبباً آخر وهو عظم قول الملائكة فقال تعالى :﴿والملائكة يسبّحون﴾ أي : يوقعون التنزيه لله تعالى متلبسين ﴿بحمد ربهم﴾ أي : بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحاً يليق بحالهم فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول ولا تثبت لها الجبال. تنبيه : عدل عن التأنيث ولم يقل يسبحن مراعاة للفظ التذكير وضمير الجمع، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين، فإن قيل : قوله تعالى :﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ عام فيدخل فيه الكفار ولقد لعنهم الله تعالى فقال سبحانه :﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ ( البقرة : ١٦١ ) فكيف يكونون لاعنين لهم ومستغفرين لهم ؟ أجيب : بوجوه ؛ الأول : أنه عام مخصوص بآية غافر ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ ( غافر : ٧ )، الثاني : أن قوله تعالى :﴿لمن في الأرض﴾ لا يفيد العموم لأنه يصح أن يقال استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صح ذلك، الثالث : يجوز أن يكون المراد بالاستغفار أن لا يعاجلهم بالعقاب كما في قوله تعالى :﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ إلى أن قال تعالى ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ ( فاطر : ٤١ ) الرابع : يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من في الأرض أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، فإنا نقول اللهم اهد الكفار وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، وهذا استغفار في الحقيقة وقوله تعالى :﴿ألا إن الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الغفور الرحيم﴾ تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة لله تعالى، وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة.

الشورى 42:6

﴿والذين اتخذوا من دونه﴾ أي : غير الله تعالى ﴿أولياء﴾ أي : أنداداً وشركاء يعبدونهم كالأصنام ﴿الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال ﴿حفيظ﴾ أي : رقيب ومراع وشهيد ﴿عليهم﴾ أي : على أعمالهم ولا يغيب عنه شيء من أعمالهم فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعد للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عيناً وأثراً ولم يعاقبهم، وإن شاء محاه عيناً وأبقى الأثر حتى يعاقبهم ﴿وما أنت﴾ يا أشرف الرسل ﴿عليهم بوكيل﴾ أي : حتى يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل بما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن أم قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وغير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ.

الشورى 42:7

﴿وكذلك﴾ أي : ومثل ذلك الإيحاء ﴿أوحينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿إليك قرآناً﴾ أي : جامعاً لكل حكمة مع الفرق لكل ملتبس ﴿عربياً﴾ فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب ﴿لتنذر﴾ أي : به ﴿أم القرى﴾ أي : أهل مكة التي هي أم الأرض وأصلها منها دحيت، أو لشرفها أوقع الفعل عليها عداً لها عداد العقلاء أو غير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ، وقوله تعالى ﴿ومن حولها﴾ معطوف على أهل المقدر قبل أم القرى، والمفعول الثاني محذوف أي : العذاب والمراد بمن حولها : قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المدر والوبر، والإنذار : التخويف ﴿وتنذر﴾ أي : الناس. ﴿يوم الجمع﴾ أي : يوم القيامة يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين وأهل السماوات والأرضين ويجمع الأرواح بالأجساد ويجمع بين العامل وعمله ويجمع بين الظالم والمظلوم ﴿لا ريب﴾ أي : لا شك ﴿فيه﴾ لأنه ركز في فطرة كل أحد وقوله تعالى :﴿فريق﴾ يجوز فيه وجهان ؛ أحدهما : أنه مبتدأ وساغ هذا في النكرة لأنه مقام تفصيل وخبره ﴿في الجنة﴾ أي : تفضلاً منه ورحمة، وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار، ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق، وساغ الابتداء بالنكرة حينئذ لشيئين : تقديم خبرها جاراً ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : هم أي : المجموعون فريق، دل على ذلك قوله تعالى :﴿يوم الجمع﴾ وقوله تعالى :﴿وفريق في السعير﴾ أي : عدلاً منه فيه ما مر، وهم الذين خذلهم الله تعالى ووكلهم إلى أنفسهم، فإن قيل : يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين والجمع بين الصنفين محال ؟ أجيب : بأنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين قال القشيري : كما أنهم في الدنيا فريقان فريق في راحات الطاعات وحلاوات العبادات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك فكذلك غداهم فريقان، فريق هم أهل اللقاء وفريق هم أهل البلاء والشقاء. ورى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال :«خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضاً على كفيه ومعه كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ قلنا : لا يا رسول الله فقال : للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يده اليسرى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم، إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، فقال عبد الله بن عمرو : ففيم العمل إذن ؟ فقال : اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ : عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل ثم قال ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ عدل من الله تعالى » أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده.

الشورى 42:8

﴿ولو شاء الله﴾ أي : المحيط بجميع أوصاف الكمال ﴿لجعلهم﴾ أي : المجموعين ﴿أمة واحدة﴾ للثواب أو للعذاب، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين مقسطين وظالمين ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار لا يبالي بأحد، وهو معنى قوله تعالى ﴿ولكن يدخل من يشاء﴾ إدخاله ﴿في رحمته﴾ بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهم المقسطون، ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلالة في قلوبهم فيكونوا ظالمين فلا تكون أفعالهم في مواضعها، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير ﴿والظالمون﴾ أي : العريقون في الظلم الذين ساء ظلمهم وهم الكافرون فيدخلهم في لعنته ﴿ما لهم من ولي﴾ أي : يلي أمورهم فيجتهد في صلاحها فيدفع عنهم العذاب ﴿ولا نصير﴾ ينصرهم من الهوان فيمنعهم من النار، وعلى هذا التقدير : فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ذكر الرحمة أولاً دليلاً على اللعنة ثانياً، والظلم وما معه ثانياً دليلاً على أضداده أولاً، وهذا تقدير لقوله تعالى :﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي : أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان ولو شاء الله تعالى لفعله لأنه أقدر منك، لكنه تعالى جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً.

الشورى 42:9

ولما حكى الله تعالى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿لست عليهم بوكيل﴾ أي : لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان، فإن الله تعالى لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الإنكار بقوله تعالى :﴿أم اتخذوا من دونه أولياء﴾ كالأصنام وهذه أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال، وبهمزة الإنكار أو بالهمزة فقط أو ببل فقط أي : ليس المتخذون أولياء ﴿فالله﴾ أي : المختص بصفات الكمال ﴿هو﴾ وحده ﴿الولي﴾ قال ابن عباس : وليك يا محمد وولي من اتبعك، والفاء : جواب الشرط المقدر كأنه قال : إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي لا ولي سواه، وقيل : هي لمجرد العطف وجرى على هذا الجلال المحلي، وعلى الأول الزمخشري ﴿وهو﴾ أي : ومن شأن هذا الولي ﴿يحيي الموتى﴾ أي : يجدد إحياءها في كل وقت يشاؤه ﴿وهو﴾ وحده ﴿على كل شيء قدير﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء.

الشورى 42:10

ولما منع تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على الإيمان، منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في المخاصمات والمنازعات بقوله تعالى :﴿وما اختلفتم﴾ أي : أنتم والكفار ﴿فيه من شيء﴾ أي : من أمور الدنيا أو الدين ﴿فحكمه إلى الله﴾ أي : مفوض إلى الذي هو الولي لا غيره، يميز المحق من المبطل بالنصر والإثابة والمعاقبة، وقيل : ما اختلفتم فيه من تأويل المتشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله ﴿ذلكم الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿ربي﴾ أي : الذي لا مربي لي غيره في ماض ولا حال ولا استقبال ﴿عليه﴾ أي : وحده ﴿توكلت﴾ أسلمت جميع أمري ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿أنيب﴾ أي : أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور فأعرف منه حكمة فافعلوا أنتم كذلك واجعلوه الحكم تفلحوا ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا.

الشورى 42:11

وقوله تعالى :﴿فاطر﴾ أي : مبدع ﴿السماوات والأرض﴾ خبر آخر لذلكم أو مبتدأ خبره ﴿جعل لكم﴾ أي : بعد أن خلقكم من الأرض ﴿من أنفسكم أزواجاً﴾ حيث خلق حواء من ضلع آدم فيكون بالسكون إليها بقاء نوعكم ﴿ومن﴾ أي : وجعل لكم أي : لأجلكم من ﴿الأنعام﴾ التي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم أقواتكم ﴿أزواجاً﴾ أي : ذكوراً وإناثاً يكون بها أيضاً بقاء نوعها ﴿يذرؤكم﴾ بالمعجمة أي : يخلقكم ويكثركم من الذرء وهو : البث ﴿فيه﴾ أي : في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجاً ليكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير فالضمير للأناسي والأنعام بالتغليب، واختلف في الكاف في قوله تعالى :﴿ليس كمثله شيء﴾ فجرى الجلال المحلي على أنها زائدة لأنه تعالى لا مثل له، وجرى غيره على أنها ليست زائدة لأنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، وحاصله كما قال التفتازاني : إن قولنا ليس كذاته شيء وقولنا ليس كمثله شيء عبارتان كلاهما من معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته، الأولى صريحاً والثانية كناية مشتملة على مبالغة، وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل، ألا ترى أن قولهم مثل الأمير يفعل كذا ليس اعترافاً بوجود المثل له، فالمعنى هنا : أن مثل مثله تعالى منفي فكيف بمثله، وأيضاً مثل المثل مثل فيلزم من نفيه نفيهما، وقال البغوي : المثل صلة أي : ليس كهو شيء فأدخل المثل للتوكيد، كقوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ ( البقرة : ١٣٧ ) وهذا كالتأويل الأول وقيل : إن المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله تعالى :﴿مثل الجنة﴾ ( الرعد : ٣٥ ) فيكون المعنى : ليس كصفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره، وأما قوله تعالى :﴿وله المثل الأعلى﴾ ( الروم : ٢٧ ) فمعناه أن له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه هو لا غيره ﴿السميع البصير﴾ أي : الكامل في السمع والبصر بكل ما يسمع ويبصر. فإن قيل : هذا يفيد الحصر مع أن العباد أيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين ؟ أجيب : بأن السمع والبصر لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال كما مر، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله تعالى فهذا هو المراد من هذا الحصر.

الشورى 42:12

﴿له﴾ أي : وحده ﴿مقاليد السماوات والأرض﴾ أي : خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الإمطار والإنبات وغيرهما، وقد ثبت أنه ابتدعهما وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من دونه ولياً وغيره، قال القشيري : والمفاتيح الخزائن وخزائنه هي مقدوراته ا. ه. ولما حصر الأمر فيه دل عليه بقوله تعالى :﴿يبسط الرزق﴾ أي : يوسعه ﴿لمن يشاء﴾ امتحاناً ﴿ويقدر﴾ أي : يضيقه لمن يشاء ابتلاء كما وسع على فارس والروم وضيق على العرب، وفاوت في الأفراد بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم، فدل ذلك قطعاً على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده، فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده عن غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة :﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً﴾ ( نوح : ١٠ ) الآيات ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ ( الطلاق : ١١ ) ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ ( الأعراف : ٩٦ ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ ( المائدة : ٦٥ ) الآية، ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إنه بكل شيء عليم﴾ أي : فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة فيفعله على ما ينبغي.

الشورى 42:13

ولما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر تفصيل ذلك بقوله تعالى :﴿شرع لكم﴾ أي : طرّق وسنّ طريقاً ظاهراً بيناً واضحاً لكم أيتها الأمة الخاتمة من الطرق الظاهرة المستقيمة ﴿من الدين﴾ وهو ما يعمل فيجازى عليه ﴿ما﴾ الذي ﴿وصى به﴾ توصية عظيمة بعد إعلامه بأنه شرعه ﴿نوحاً﴾ في الزمان الأقدم وهو أول أنبياء الشريعة، قال مجاهد : أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً ﴿والذي أوحينا إليك﴾ أي : من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وما وصينا﴾ أي : بما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات ﴿به إبراهيم﴾ الذي نجيناه من كيد نمروذ بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها، والباقون بكسر الهاء وياء بعدها ﴿وموسى﴾ الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴿وعيسى﴾ الذي أنزلنا عليه الإنجيل هدى ونوراً وموعظة، وادخرناه في سمائنا لتأييد شريعة الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم. ثم بين المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿أن أقيموا﴾ أي : أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية ﴿الدين﴾ وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله تعالى، ومحله النصب على البدل من مفعول شرع أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب، وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به. ولما عظمه بالأمر بالاجتماع أتبعه بالتعظيم بالنهي عن الافتراق بقوله تعالى :﴿ولا تتفرقوا فيه﴾ أي : ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع المختلفة فقال تعالى :﴿لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً﴾ ( المائدة : ٤٨ ) وقال قتادة : الموصى به تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم : تحريم الأمهات والبنات والأخوات، وقال مجاهد : لم يبعث الله تعالى نبياً إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإفراد لله تعالى بالطاعة فذلك دينه الذي شرعه، وقيل : هو التوحيد والبراءة من الشرك، وجرى على هذا الجلال المحلي والكل يرجع إليه ﴿كبر﴾ أي : عظم وشق ﴿على المشركين﴾ حتى ضاقت به صدورهم ﴿ما تدعوهم إليه﴾ أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبداً على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم فإن تفرقتم كنتم تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود. ثم نبه تعالى على أن الأمور كلها بيده بقوله تعالى :﴿الله﴾ الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر ﴿يجتبي﴾ أي : يختار ﴿إليه﴾ أي : إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه ﴿من يشاء﴾ اجتباءه ﴿ويهدي إليه﴾ بالتوفيق للطاعة ﴿من ينيب﴾ أي : من يقبل إلى طاعته.

الشورى 42:14

ولما بين تعالى أمر كل الأنبياء عليهم السلام والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كأن لقائل أن يقول : فلماذا نجدهم متفرقين ؟ أجاب بقوله تعالى :﴿وما تفرقوا﴾ أي : المشركون من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ أي : بالتوحيد أو بمبعث الرسول صلى الله عليه وسلم أو بأن التفرق ضلال متوعد عليه ﴿بغياً بينهم﴾ أي : فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب ودعوا الناس إليه وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل إلا أنه تعالى أخر عنهم العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى، أي : وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله تعالى :﴿ولولا كلمة﴾ أي : لا تبديل لها ﴿سبقت﴾ أي : في الأزل ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم بتأخيرهم ﴿إلى أجل مسمى﴾ ضربه لآجالهم ثم يجمعهم في الآخرة ﴿لقضي﴾ على أيسر وجه وأسهله ﴿بينهم﴾ حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق، قال ابن عباس : والذين أريدوا بهذه الصفة هم اليهود والنصارى لقوله تعالى في آل عمران :﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم﴾ ( آل عمران : ١٩ ) وقوله تعالى في سورة لم يكن :﴿وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ ( البينة : ٤ ) وكذلك في قوله تعالى :﴿وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم﴾ أي : المتفرقين هم اليهود والنصارى الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل : هم هذه الأمة الذين أورثوا القرآن. ولما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات فورثوه كما قال تعالى :﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ ( فاطر : ٣٢ ) فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازعة في ادعائه حال الوارث والموروث منه ﴿لفي شك منه﴾ أي : من كتاب لا يعلمونه كما هو لا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن فيقولون إنه سحر وشعر وكهانة ونحو ذلك، وقيل : في شك من محمد صلى الله عليه وسلم وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿مريب﴾ أي : موقع في التهمة.

الشورى 42:15

﴿فلذلك﴾ أي : التوحيد ﴿فادع﴾ يا أشرف الخلق والناس ﴿واستقم﴾ أي : على الدعوة ﴿كما أمرت﴾ أي : أمرك الله تعالى ﴿ولا تتبع﴾ أي : بعمل ﴿أهواءهم﴾ في شيء ما، فإن الهوى لا يدعو إلى خير، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به ﴿وقل﴾ لجميع أهل الفرق وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق ﴿آمنت بما أنزل الله﴾ أي : الذي له العظمة الكاملة ﴿من كتاب﴾ أي : جميع الكتب المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، روي أن رجلاً أتى علياً فقال : يا أمير المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان قال : الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد والصبر على أربع شعب : على الشوق والشفق والزهادة والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصائب ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين على أربع شعب : تبصرة الفطنة وتأويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، والعدل على أربع شعب : على غامض الفهم وزهرة الحلم وروضة العلم وعلم الحكم فمن فهم جمع العلم ومن علم لم يضل في الحكم ومن علم عرف شرائع الحلم ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس، والجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهره، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ومن شنئ الفاسقين غضب لله تعالى وغضب الله تعالى له، فقام الرجل وقبل رأسه. ﴿وأمرت﴾ أي : ممن له الأمر كله ﴿لاعدل﴾ أي : لأجل أن أعدل ﴿بينكم﴾ أيها المفترقون في الأديان من العرب والعجم من الإنس والجن، ثم علل ذلك بقوله ﴿الله﴾ أي : الذي له الملك كله ﴿ربنا وربكم﴾ أي : موجدنا ومتولي جميع أمورنا فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده. ﴿لنا أعمالنا﴾ خاصة بنا لا تعدونا إلى غيرنا ﴿ولكم أعمالكم﴾ خاصة بكم لا تعدوكم إلى غيركم فكل مجازى بعمله ﴿لا حجة﴾ أي : لا خصومة ﴿بيننا وبينكم﴾ وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد كما قاله الجلال المحلي، وقال ابن الخازن : هذه الآية منسوخة بآية القتال وكذا قال البغوي، ولكن قال البيضاوي : وليس في الآية من يدل على متاركته رأساً حتى تكون منسوخة بآية القتال ﴿الله﴾ أي : الذي هو أحكم الحاكمين ﴿يجمع بيننا﴾ أي : في الميعاد لفصل القضاء ﴿وإليه﴾ أي : لا إلى غيره ﴿المصير﴾ أي : المرجع حساً ومعنىً، لتمام عزته وشمول عظمته.

الشورى 42:16

﴿والذين يحاجّون في الله﴾ أي : يوردون تشكيكاً في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال ﴿من بعد ما استجيب له﴾ أي : استجاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فأظهر دينه على الدين كله قال قتادة : هم اليهود قالوا : كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه خصومتهم وتشكيكهم، أو من بعد ما استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته. ﴿حجتهم﴾ أي : التي زعموها حجة ﴿داحضة﴾ أي : زائلة باطلة ﴿عند ربهم﴾ أي : المحسن إليهم بإضافة العقل الذي جعلهم به في أحسن تقويم وقال الرازي : تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا : ألستم تقولون : إن الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه ؟ فنبوة موسى عليه السلام وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك أن اليهود أجمعوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وها هنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد صلى الله عليه وسلم، واليهود قد شاهدوا تلك المعجزات فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته بظهور المعجزات لأنه يكون تناقضاً. تنبيه : والذين يحاجون مبتدأ وحجتهم مبتدأ ثان وداحضة خبر المبتدأ الثاني والثاني وخبره خبر الأول، وأعرب مكي حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال. ولما قرر تعالى هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال :﴿وعليهم﴾ أي : زيادة على قطع الإحسان ﴿غضب﴾ أي : عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذموم ومنه الطرد فهم مطرودون عن بابه مبعدون عن جنابه مهانون بحجابه ﴿ولهم﴾ مع ذلك ﴿عذاب شديد﴾ في الآخرة لا تصلون إلى حقيقة وصفه.

الشورى 42:17

﴿الله﴾ أي : الذي له جميع الملك ﴿الذي أنزل الكتاب﴾ أي : جنس الكتاب ﴿بالحق﴾ أي : متلبساً على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل ﴿والميزان﴾ أي : الشرع الذي توزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل، قال مجاهد : سمي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية، وقال ابن عباس : أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس فيجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان صلى الله عليه وسلم يهددهم بيوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية : متى تقوم الساعة وليتها قامت حتى يظهر لنا الحق أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه ؟ قال تعالى :﴿وما يدريك﴾ أي : يا أكمل الخلق ﴿لعل الساعة﴾ أي : التي يستعجلون بها ﴿قريب﴾ وذكر قريب وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث، أو على معنى النسب أي : ذات قرب، أو على حذف مضاف أي : مجيء الساعة، قال مكي : ولأن تأنيثها مجازي وهذا ممنوع إذ لا يجوز الشمس طالع ولا القدر فائر. تنبيه : لعل معلق للفعل عن العمل أي : ما بعده سد مسد المفعولين.

الشورى 42:18

ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين، وقالوا مستهزئين : متى الساعة تقوم ؟ نزل قوله تعالى :﴿يستعجل بها﴾ أي : يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها ﴿الذين لا يؤمنون بها﴾ أي : لا يتجدد لهم ذلك أصلاً وهم غير مشفقين ويظنون كذب القائل بها ﴿والذين آمنوا﴾ وإن كانوا في أول درجات الإيمان ﴿مشفقون﴾ أي : خائفون خوفاً عظيماً ﴿منها﴾ لأن الله تعالى هداهم بإيمانهم فصارت صدورهم معادن المعارف وقلوبهم منابع الأنوار، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار ﴿ويعلمون أنها الحق﴾ إعلاماً بأنهم على بصيرة من أمرها لا يستعجلون بها، فالآية من الاحتباك، ذكر الاستعجال أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً والإشفاق ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً. فائدة : روي :«أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري في بعض أسفاره فناداه : يا محمد، فقال له صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته : هاؤم فقال : متى الساعة ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم : ويحك إنها كائنة فما أعددت لها، فقال : حب الله تعالى وحب رسوله، فقال : أنت مع من أحببت ». والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها ومن أحب الله تعالى ورسوله فعل ما أَمرا به واجتنب ما نهيا عنه، فهي المحبة الكاملة نسأل الله الكريم من فضله أن يوفقنا وأحبابنا لطاعته واجتناب معاصيه ﴿إلا إن الذين يمارون﴾ أي : يخاصمون ويجادلون ﴿في الساعة﴾ أي : القيامة وما تحتوي عليه ﴿لفي ضلال﴾ أي : ذهاب حائد عن الحق ﴿بعيد﴾ جداً عن الصواب فإن لها من الأدلة الظاهرة ما ألحقها بالمحسوسات، كما قال القائل لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.

الشورى 42:19

ولما أنزل الله عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، كان ذلك من لطف الله تعالى بعباده كما قال عز من قائل :﴿الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿لطيف﴾ أي : بالغ في اللطف والعلم وإيقاع الإحسان ﴿بعباده﴾ وقال ابن عباس : حق بهم، وقال عكرمة : بارّ بهم وقال السدي : رفيق بهم، وقال القشيري : اللطيف : العالم بدقائق الأمور وغوامضها، وقال الرازي : هو اسم مركب من علم ورحمة ورفق خفي أما لطفه بالمؤمنين فواضح، وأما الكافر فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ما يستحق في الأخرى، وقال مقاتل : لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله تعالى :﴿يرزق من يشاء﴾ أي : مهما شاء على سبيل من السعة والضيق أو التوسعة لا مانع له من شيء من ذلك، فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله تعالى أن يرزقه، قال جعفر الصادق : اللطف في الرزق من وجهين ؛ أحدهما : أنه جعل رزقك من الطيبات والثاني : أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة ﴿وهو القوي﴾ أي : القادر على ما يشاء ﴿العزيز﴾ فلا يقدر أحد أن يمنعه عن شيء يريده.

الشورى 42:20

ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده أتبعه ما يزهد في طلب رزق البدن ويرغب في رزق الروح فقال تعالى على سبيل الاستئناف :﴿من كان﴾ أي : من شريف أو دني ﴿يريد﴾ أي : بعمله ﴿حرث الآخرة﴾ أي : أعمالها والحرث في اللغة الكسب ﴿نزد له﴾ أي : بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها ﴿في حرثه﴾ قال مقاتل : بأن يعينه على الأعمال الصالحة ويضاعف بالواحدة عشرة إلى ما شاء الله تعالى من الزيادة، وقال الزمخشري : إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز ﴿ومن كان﴾ أي : من قوي أو ضعيف ﴿يريد﴾ أي : بعمله ﴿حرث الدنيا﴾ أي : أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي وتستنمي به مكتفياً به مؤثراً له على الآخرة ﴿نؤته منها﴾ أي : ما قسمناه له ولو تهاون به ولم يطلبه لآتاه، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة بسكون الهاء، واختلس قالون كسرة الهاء، وعن هشام اختلاس الكسرة في الهاء والإشباع، والباقون بإشباع الكسرة ﴿وما﴾ أي : والحال أن طالب الدنيا بعمله ما ﴿له في الآخرة من نصيب﴾ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وروى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكن في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب ». أي : لأن هذا تهاون بالآخرة فلم يبنوها وهي أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها فإنها ضرة الدنيا وضدها، فالدنيا بخساستها تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في مهاويها، والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله وتنادي من أدبر عنها لينتهي عن غيه وضلاله، فلما سمى الله تعالى كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب وصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في الزائد الباقي أولى من صرفها لما يكون في التناقص والانقضاء. قال الرازي في اللوامع : أهل الإرادة على أصناف مريد الدنيا ومريد الآخرة ومريد الحق جل وعلا، وعلامة إرادة الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض عن فقراء المسلمين وأن تكون حاجاته في الدنيا مقصورة على الدنيا، وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك، وأما علامة إرادة الله تعالى كما قال تعالى :﴿يريدون وجهه﴾ ( الكهف : ٢٨ ) فطرح الكونين والعزلة عن الخلق والخلاص من يد النفس انتهى. وحاصله : أن يستغرق أوقاته في التوفية بحقوق الحق وحقوق الخلق وتزكية النفس لا طمعاً في جنة ولا خوفاً من نار بل امتثالاً لأجل الملك الأعلى لأنه أهل لذلك، مع اعترافه بأنه لن يقدر الله تعالى حق قدره.

الشورى 42:21

ولما بين تعالى أعمال الآخرة والدنيا أتبعه بيان ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال تعالى :﴿أم﴾ أي : بل ﴿لهم﴾ أي : كفار مكة ﴿شركاء﴾ أي : على زعمهم وهم شياطينهم ﴿شرعوا﴾ أي : سنوا بالتزيين ﴿لهم﴾ أي : الكفار ﴿من الدين﴾ أي : الفاسد في العبادات والعادات ﴿ما لم يأذن به الله﴾ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا، وقيل : شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كانت سبباً لضلالهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم، كما قال إبراهيم عليه السلام ﴿رب إنهن أضللن كثيراً من الناس﴾ ( إبراهيم : ٣٦ ) وقال ابن عباس : شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام ﴿ولولا كلمة الفصل﴾ أي : القضاء السابق بتأخير الجزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة ﴿لقُضي بينهم﴾ أي : بين الذين امتثلوا أمره والتزموا شرعه وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت، ولكنه قد سبق القضاء في الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة فهي تجري على ما حد لها لا يتقدم شيء منها ولا يتأخر ولا يتبدل ولا يتغير وستنكشف لهم الأمور وتظهر مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق القضاء ﴿وإن الظالمين﴾ بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره ﴿لهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم بليغ إيلامه.

الشورى 42:22

ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب مبتدئاً بالأول منهما بقوله تعالى :﴿ترى﴾ أي : في ذلك اليوم ﴿الظالمين﴾ أي : الواضعين الأشياء في غير مواضعها ﴿مشفقين﴾ أي : خائفين أشد الخوف كما هو الحال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو مقصر ﴿مما كسبوا﴾ أي : عملوا معتقدين أنه غاية ما ينفعهم ﴿وهو﴾ أي : جزاؤه ووباله الذي من جنسه حتى كأنه هو ﴿واقع بهم﴾ لا محالة سواء أشفقوا أم لم يشفقوا، ثم ذكر الثاني بقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وهي التي أذن الله تعالى فيها غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهم في فعله وهو مغفور لهم ما فرطوا فيه ﴿في روضات الجنات﴾ أي : في الدنيا بما يلذذهم به الله تعالى من لذائذ الأقوال والأفعال والمعارف والأحوال، وفي الآخرة حقيقة بلا زوال، وروضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات وهي : البقاع الشريفة من الجنة فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى :﴿لهم ما يشاؤون عند ربهم﴾ يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيأة والعندية مجاز. تنبيه : عند ربهم يجوز أن يكون ظرفاً ليشاؤون قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في لهم قاله : الزمخشري : وقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الخير العظيم الرتبة الجليل القدر ﴿هو الفضل الكبير﴾ أي : الذي يصغر ما لغيرهم في الدنيا يدل على أن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق.

الشورى 42:23

وقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الجزاء العظيم من الجنة ونعيمها مبتدأ خبره ﴿الذي يبشر الله﴾ أي : الملك الأعظم والعائد وهو به محذوف تفخيماً للمبشر به لأن السياق لتعظيمه بالإشارة ويجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي وذكر الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد في قوله تعالى ﴿عباده﴾ مع الإضافة إلى ضميره سبحانه. ولما أشعر بصلاحهم بالإضافة نص عليه بقوله تعالى :﴿الذين آمنوا﴾ أي : صدقوا بالغيب ﴿وعملوا﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة، والباقون بفتح الياء وسكون الباء الموحدة وضم الشين مخففة من بشره. ولما كان كأنه قيل : فما نطلب في هذه البشارة لأن الغالب أن المبشر وإن لم يسأل يعطى بشارته، كما وقع لكعب لما أذن الله تعالى بتوبته ركض راكض على فرس وسعى ساع على رجليه فأوفى على جبل سلع ونادى : يا كعب بن مالك أبشر فقد تاب الله عليك فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءه الذي سمع صوته خلع عليه ثوبيه وهو لا يملك يومئذ غيرهما واستعار له ثوبين قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين ﴿لا أسألكم﴾ أي : الآن ولا في مستقبل الزمان ﴿عليه﴾ أي : البلاغ بشارة أو نذارة ﴿أجراً﴾ أي : وإن قل ﴿إلا﴾ أي : لكن أسألكم ﴿المودة﴾ أي : المحبة العظيمة الواسعة ﴿في القربى﴾ أي : مظروفة فيها بحيث تكون القربى موضعاً للمودة وظرفاً لها لا يخرج شيء من محبتكم عنها. تنبيه : في الآية ثلاثة أقوال ؛ أولها : قال الشعبي : أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، وكان له فيهم قرابة فقال الله عز وجل ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تودوا القربى، أي : تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة والمعنى : أنكم قربى وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي ولا تؤذوني، وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وغيرهما. ثانيها : روى الكلبي عن ابن عباس :«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة » فقالت الأنصار :«إن هذا الرجل هداكم وهو ابن أخيكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم » ونزل قوله تعالى ﴿قل لا أسألكم عليه﴾ أي : على الإيمان أجراً إلا المودة في القربى أي : لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. ثالثها : قال الحسن : معناه إلا أن توادوا الله تعالى وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، فالقربى على القول الأول : القرابة التي بمعنى الرحم وعلى الثاني : بمعنى الأقارب وعلى الثالث : فعلى بمعنى القرب والتقرب والزلفى، فإن قيل : طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه ؛ أحدها : أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر فقال تعالى في قصة نوح :﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾ ( الفرقان : ٥٧ ) الآية، وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام، ورسولنا أفضل الأنبياء فأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى، ثانيها : أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر فقال :﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ و﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ ( سبأ : ٤٧ ) ثالثها : أن التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى :﴿بلّغ ما أُنزل إليك من ربك﴾ ( المائدة : ٦٧ ) الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. رابعها : أن النبوة أفضل من الحكمة وقال تعالى :﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ ( البقرة : ٢٦٩ ) ووصف الدنيا بأنها متاع قليل قال تعالى ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ ( النساء : ٧٧ ) فكيف يحسن بالعقل مقابلة أشرف الأنبياء بأخس الأشياء، خامسها : أن طلب الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجراً البتة على التبليغ والرسالة وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجر وهو المودة في القربى ؟ أجيب : بأنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ وأما قوله تعالى :﴿إلا المودة في القربى﴾ فالجواب عنه من وجهين ؛ الأول : أن هذا من باب قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم؍ بهن فلول من قراع الكتائب؍ يعني : أني لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى :﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ ( التوبة : ٧١ ) وقال صلى الله عليه وسلم :«المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضاً ». والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المرسلين أولى فقوله :﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره : والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. الثاني : أن هذا استثناء منقطع كما مر تقديره في الآية وتم الكلام عند قوله ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً﴾ ثم قال :﴿إلا المودة في القربى﴾ أي : أذكركم قرابتي فيكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر واختلفوا في قرابته صلى الله عليه وسلم فقيل : هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل ﴿إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ ( الأحزاب : ٣٣ )، وروى زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ». قيل لزيد بن أرقم فمن أهل بيتي ؟ فقال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. وروى ابن عمر عن أبي بكر رضي الله عنه قال : ارقبوا محمداً في أهل بيته وقيل : هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا جاهلية ولا إسلاماً، وقيل : هذه الآية منسوخة وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل، قال البغوي : وهذا قول غير مرضي لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. ولما كان التقدير فمن يقترف سيئة فعليه وزرها ولكنه طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية عطف عليه قوله تعالى ﴿ومن يقترف﴾ أي : يكتسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج ﴿حسنة﴾ أي : ولو صغرت ﴿نزد﴾ بما لنا من العظمة ﴿له فيها﴾ أي : في الحسنة ﴿حسناً﴾ أي : بمضاعفة الثواب من الزيادة أن يكون له مثل أجر من اقتدى به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء، قيل : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقيل : المراد بها العموم في أي : حسنة كانت إلا أنها لما ذكرت عقب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة ﴿إن الله﴾ أي : الذي لا يتعاظمه شيء ﴿غفور﴾ لكل ذنب تاب منه صاحبه وكان غير الشرك وإن لم يتب منه إن شاء فلا يصدن أحداً سيئة عملها عن الإقبال على الحبيب ﴿شكور﴾ أي : فهو يجزي بالحسنة أضعافها وإن قلت والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى : أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعاً كثيراً من التفضيل.

الشورى 42:24

ثم ذكر الله تعالى الجواب عن طعن الكفرة في النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿أم﴾ أي : بل ﴿يقولون افترى﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلم ﴿على الله﴾ الذي أحاط بصفات الكمال فله العلم الشامل لمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه ﴿كذباً﴾ حين زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله بهذا الدين ﴿فإن يشأ الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بالكمال ﴿يختم﴾ أي : يربط ﴿على قلبك﴾ بالصبر على أذاهم بهذا القول وغيره وقد فعل، وقال قتادة : يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، أي : أنه لا يجترئ على افتراء الكذب إلا من كان في هذه الحالة، والمقصود من هذا الكلام : المبالغة في تقرير الاستبعاد ومثاله : أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين : ذلك لعل الله خذلني أعمى قلبي وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة منه وقوله تعالى ﴿ويمح الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿الباطل﴾ وهو قولهم افترى مستأنف غير داخل في جزاء الشرط لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء الساكنين في الدرج وخطا حملاً للخط على اللفظ كما كتبوا سندع الزبانية عليه وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال :﴿ويحق﴾ أي : يثبت على وجه لا يمكن زواله ﴿الحق﴾ أي : كل ما من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره ﴿بكلماته﴾ أي : التي لو كان البحر مداداً لها لنفذ وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام عليهم ﴿إنه عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي : ما هو فيها مما يعلمه صاحبها ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك ولتعلمن نبأه بعد حين، ولقد صدق الله تعالى فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم، وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه ومن أصدق من الله قيلاً.

الشورى 42:25

قال ابن عباس : لما نزل ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا : يريد أن يخلطنا على أقاربه من بعده فنزل جبريل عليه السلام فأخبره أنهم اتهموه فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال القوم : يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق فنزل :﴿وهو﴾ أي : لا غيره ﴿الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ بالتجاوز عما تابوا عنه سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال : إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك. وروى جابر : أن أعرابياً دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال :«اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر » فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله تعالى عنه : يا هذا إن سرعة الاستغفار باللسان توبة الكذابين فقال يا أمير المؤمنين ما التوبة ؟ قال : اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية وإذابتها في الطاعة كما ربيتها في المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته. وقال سهل بن عبد الله : التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. وقال بعضهم : هي الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل. وعن أبي هريرة قال :«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة ». وعن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ». وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إن الله جعل في الغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ». وروى :«أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ». ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال الله تعالى تفضلاً منه ورحمة :﴿ويعفو عن السيئات﴾ أي : التي كانت التوبة منها صغيرة كانت أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها إن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما يكون قبله وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان هو وراحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح :«اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ». ﴿ويعلم﴾ أي : والحال أنه يعلم كل وقت ﴿ما تفعلون﴾ فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتاء الخطاب إقبالاً على الناس عامة وهذا خطاب للمشركين، وقرأ الباقون بالغيبة نظراً إلى قوله تعالى عن عباده وقال تعالى بعد ﴿ويزيدهم من فضله﴾.

الشورى 42:26

ولما رغب بالعفو زاد بالإكرام فقال تعالى :﴿ويستجيب﴾ أي : يوجد بغاية العناية والطلب إجابة ﴿الذين آمنوا﴾ أي : دعاء الذين أقروا بالإيمان في كل ما دعوا به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، وعدي الفعل بنفسه ولم يقل :﴿ويستجيب للذين آمنوا﴾ تنبيهاً على زيادة بره لهم ووصلهم به ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ فيثيبهم النعيم المقيم ﴿ويزيدهم﴾ أي : مع ما دعوا به لما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ﴿من فضله﴾ أي : تفضلاً منه عليهم ويجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي : يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى :﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ ( الأنفال : ٢٤ ) واستجاب كأجاب ومنه : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا؍ فلم يستجبه عند ذلك مجيب؍ وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : معناه ويثيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله سوى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عنه :«يشفعهم ويزيدهم من فضله » قال : في إخوان إخوانهم ثم أتبع المؤمنين بذكر ضدهم فقال تعالى ﴿والكافرون﴾ أي : العريقون في هذا الوصف القاطع الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان ﴿لهم عذاب شديد﴾ بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضيل ولا يجيب دعاءهم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، فالآية من الاحتباك ذكر الاستجابة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً والعذاب ثانياً دليلاً على ضده أولاً.

الشورى 42:27

ولما قال تعالى أنه يجيب دعاء المؤمنين ورد سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى ﴿ويستجيب الذين آمنوا﴾ فأجاب تعالى عنه بقوله تعالى :﴿ولو﴾ أي : وهو يقبل ويستجيب والحال أنه لو ﴿بسط الرزق﴾ لهم هكذا كان الأصل لكن قال :﴿لعباده﴾ لئلا يظن خصوصية ذلك بالتائبين إذ لا فرق بين التائب وغيره ﴿لبغوا﴾ أي : طغوا ﴿في الأرض﴾ أي : لصاروا يريدون كل ما يشتهون فيكثر القتل والسلب والنهب ونحو ذلك من أنواع الفساد، قال خباب بن الأرت : فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وتمنيناها فنزلت، وذكر في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه : الأول : أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل امتنع كون البعض محتاجاً إلى البعض وذلك موجب خراب العالم وتعطيل المصالح، ثانيها : أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ ومن العشب ما يشبعهم قدموا على النهب والغارة، ثالثها : أن الإنسان متكبر بالطبع فإن وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما :«بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس » ﴿ولكن ينزل﴾ أي : لعباده من الرزق، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿بقدر﴾ أي : بتقدير لهم ﴿ما يشاء﴾ أي : ما اقتضته مشيئته ﴿أنه﴾ وقال تعالى :﴿بعباده﴾ ولم يقل بهم لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم ﴿خبير بصير﴾ يعلم جميع ظواهر أمورهم وبواطنها فيقيم كل أحد فيما يصلح له من صلاح وفساد وعدل وبغي. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله عز وجل في حديث طويل وفيه يقول الله عز وجل :«ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه »، و«أن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، وذلك أني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير ». وقرأ ما يشاء أنه نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالياء ولهم أيضاً إبدالها واو أو الباقون بتحقيقهما وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً مع المد والقصر والروم والإشمام.

الشورى 42:28

﴿وهو﴾ أي : لا غيره ﴿الذي ينزل الغيث﴾ أي : المطر الذي يغاث به الناس وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿من بعد ما قنطوا﴾ أي : يئسوا من نزوله وعلموا أنه لا يقدر على إنزاله غيره ولا يقصد فيه سواء ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وقال تعالى :﴿وينشر رحمته﴾ أي : يبسط مطره كما قال تعالى :﴿وهو الذي يرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته﴾ ( الأعراف : ٥٧ ) وإن كان الأصل بنشره لأنه بين أنه غيث فقال رحمته بياناً وتعميماً، فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا عمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار ونبات نجم وأشجار وزهر وحب وثمار وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجماً هو في لينه ألين من الحرير وفي لطافته ألطف من النسيم ومن سوق الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصاناً ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور أو يحيد عن ذلك بنوع من الغرور ﴿وهو﴾ أي : لا غيره ﴿الولي﴾ الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء ﴿الحميد﴾ الذي يستحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائماً بحبله.

الشورى 42:29

﴿ومن آياته﴾ أي : العظيمة على استحقاقه لجميع صفات الكمال ﴿خلق السماوات﴾ التي تعلمون أنها متعددة لما ترون من أمور الكواكب ﴿والأرض﴾ أي : جنسها على ما هما عليه من الهيآت وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات وقوله تعالى :﴿وما بث﴾ أي : فرق ونشر يجوز أن يكون مجرور المحل عطفاً على السماوات أو مرفوعه عطفاً على خلق على حذف مضاف، أي : وخلق ما بث، قال أبو حيان : وفيه نظر لأنه يؤول إلى جره بالإضافة لخلق المقدر فلا يعدل عنه ﴿فيهما﴾ أي : في السماوات والأرض ﴿من دابة﴾ أي : شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة والحركة من الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف ألوانهم وأصنافهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم وأقطارهم ونواحيهم، فإن قيل : كيف يجوز إطلاق الدابة على الملائكة ؟ أجيب : بوجوه أولها : ما مر من أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة والملائكة لهم الروح والحركة، ثانيها : أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحداً منهم، ومنه قوله تعالى :﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ ( الرحمان : ٢٢ ) ثالثها : قال ابن عادل : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى خلق في السماوات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض. وروى العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«بين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش » الحديث. ﴿وهو﴾ أي : لا غيره ﴿على جمعهم﴾ أي : هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم للمحشر بعد تفريقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره ﴿إذا﴾ في وقت ﴿يشاء قدير﴾ أي : بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم يجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينقذهم البصر.

الشورى 42:30

ثم خاطب المؤمنين بقوله تعالى :﴿وما أصابكم من مصيبة﴾ أي : بلية وشدة ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ أي : من الذنوب، وقرأ نافع وابن عامر بغير فاء والباقون بالفاء لأن ما شرطية أو مضمنة معناه وأما من أسقطها فقد استغنى بما في الباء من معنى السببية، فإن قيل : الكسب لا يكون باليد بل بالقدرة القائمة بها ؟ أجيب : بأن المراد من لفظ اليد هنا القدرة وإذا كان هذا المجاز مشهوراً مستعملاً كان لفظ اليد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهاً لله تبارك وتعالى عن الأعضاء، واختلفوا فيما يحصل في الدنيا من الآلام والأسقام والقحط والغرق والمصائب هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أولاً، فمنهم من أنكر ذلك لوجوه أولها قوله تعالى :﴿اليوم تُجزى كل نفس بما كسبت﴾ ( غافر : ١٧ ) بين تعالى أن ذلك إنما يحصل يوم القيامة وقال تعالى :﴿مالك يوم الدين﴾ ( الفاتحة : ٤ ) أي : يوم الجزاء وأجمعوا أن المراد منه يوم القيامة ثانيها : مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق فيمتنع أن تكون عقوبة على الذنوب بل حصول المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :«خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ». ثالثها : أن الدنيا دار تكليف فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار تكليف ودار جزاء معاً وهو محال، وقال آخرون : هذه المصائب قد تكون أجزية على ذنوب متقدمة لهذه الآية، ولما روى الحسن قال : لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم :«والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله أكثر ». وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه :«ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أصابكم من مصيبة الآية، قال صلى الله عليه وسلم : وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله سبحانه وتعالى اكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فإنه أحلم من أن يعود بعد عفوه » وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى : بعد هذه الآية ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك بسبب كسبهم. قيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم ؟ قال : إنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الآية. وأجاب الأولون بأن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء بل ذلك لزيادة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن أعمالهم لم تبلغها فهي خير من الله تعالى لهم، ويحمل قوله تعالى :﴿فبما كسبت أيديكم﴾ على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ﴿ويعفو عن كثير﴾ أي : من الذنوب بفضله ورحمته فلا يعاقب عليها ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة قال الواحدي بعد أن روى حديث علي : وهذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين ؛ صنف : كفر عنهم بالمصائب، وصنف : عفا عنهم في الدنيا وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله تعالى مع المؤمنين وأما الكافر : فإنه لا تعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.

الشورى 42:31

﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي : فائتين ما قضى عليكم من المصائب ﴿في الأرض وما لكم من دون الله﴾ ولا في شيء أراده سبحانه منكم كائناً ما كان ﴿من ولي﴾ أي : يكون متولياً لشيء من أموركم بالاستقلال ﴿ولا نصير﴾ يدفع عنكم شيئاً يريده سبحانه بكم.

الشورى 42:32

﴿ومن آياته﴾ أي : الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته ﴿الجوار﴾ أي : السفن الجارية ﴿في البحر كالأعلام﴾ أي : كالجبال قالت الخنساء في مرثية أخيها صخر : وإن صخراً لتأتم الهداة به؍ كأنه علم في رأسه نار؍ أي : جبل في رأسه نار شبهت به أخاها. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم :«استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي هذا البيت قال : قاتلها الله تعالى ما رضيت بتشبيهه بالجبل حتى جعلت في رأسه ناراً ». وقال مجاهد : الأعلام القصور وأحدها علم، وقال الخليل بن أحمد : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. فإن قيل : الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفها امتنع حذف الموصوف فلا تقول : مررت بماش لأن المشي عام وتقول : مررت بمهندس وكاتب والجري ليس من الصفات الخاصة فما وجه ذلك ؟ أجيب : بأن قوله تعالى :﴿في البحر﴾ قرينة دالة على الموصوف، فذلك حذف ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق فوليت العوامل من دون موصوفها، وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء وصلاً لا وقفاً، وابن كثير وهشام بإثباتها وقفاً بخلاف عن هشام الباقون بحذفها وقفاً ووصلاً وأمال الجواري محضة الدوري عن الكسائي وفتح الباقون.

الشورى 42:33

﴿إن يشأ﴾ أي : الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة ألفكم لها ﴿يسكن الريح﴾ الذي يسيرها وأنتم مقرون بأن أمرها ليس إلا بيده، وقرأ نافع بألف بعد الياء جمعاً والباقون بغير ألف إفراداً ﴿فيظللن﴾ أي : فيتسبب عن ذلك أنهن يظللن أي : يقمن ليلاً كان أو نهاراً ﴿رواكد﴾ أي : ثوابت لا تجري ﴿على ظهره﴾ أي : البحر ﴿إن في ذلك﴾ أي : ما ذكر في حال السفن في سيرها وركوبها بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى بدليل ما للناس كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه ﴿لآيات﴾ أي : على إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال ﴿لكل صبارٍ﴾ أي : على البلاء والشدة ﴿شكور﴾ أي : على نعمائه وهو المؤمن الكامل يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء فإن الإيمان نصفان ؛ نصف : صبر، ونصف : شكر.

الشورى 42:34

﴿أو﴾ أي : أو يشأ في كل وقت أراده ﴿يوبقهن﴾ أي : يهلكهن بعصف الريح بأهلهن ﴿بما كسبوا﴾ أي : أهلهن من الذنوب ﴿ويعفو﴾ أي : إن يشأ ﴿عن كثير﴾ من ذنوبهم فلا يعاقب فينجيهم بعوم أو حمل على خشبة أو غير ذلك، وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيئة.

الشورى 42:35

وقوله تعالى :﴿ويعلم﴾ قرأه نافع وابن عامر برفع الميم مستأنفاً والباقون بالنصب معطوف على تعليل مقدر أي : ليغرقهم لينتقم منهم وليعلم ﴿الذين يجادلون﴾ أي : عند النجاة بالعفو ﴿في آياتنا﴾ أي : يكذبون القرآن، أي : علم ظهور للناس ﴿ما لهم من محيص﴾ أي : مهرب من العذاب وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم أو النفي معلق عن العمل.

الشورى 42:36

وقوله تعالى :﴿فما أوتيتم﴾ خطاب للمؤمنين وغيرهم ﴿من شيء﴾ أي : من أثاث الدنيا ﴿فمتاع الحياة الدنيا﴾ أي : القريبة الدنية لا نفع فيه لأحد إلا مدة حياته وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله تعالى ﴿وما﴾ أي : والذي ﴿عند الله﴾ أي : الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من نعم الدارين ﴿خير﴾ أي : في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع نفعه فسماه متاعاً تنبيها على قلته وحقارته، وجعله من متاع الدنيا تنبيهاً على انقراضه وأما الآخرة فهي خير ﴿وأبقى﴾ والباقي خير من الخسيس الفاني. ثم بين تعالى أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات الصفة الأولى قوله سبحانه وتعالى ﴿للذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا هذه الحقيقة ﴿وعلى﴾ أي : والحال إنهم على ﴿ربهم﴾ أي : الذي لم يروا إحساناً قط إلا منه وحده بما رباهم من الإخلاص ﴿يتوكلون﴾ أي : يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم متاعه على من يتوسم منه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره أصلاً لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي وهذا يرد على من زعم أن الطاعة توجب الثواب لأنه يتوكل على عمل نفسه لا على الله تعالى فلا يدخل تحت الآية.

الشورى 42:37

الصفة الثانية قوله عز وجل :﴿والذين يجتنبون﴾ أي : يكلفون أنفسهم أن يجانبوا ﴿كبائر الإثم﴾ أي : جنس الفعال الكبائر التي لا توجد إلا في ضمن أفرادها ويحصل بها دنس النفس فيوجب عقابها مع الجسم وعطف على كبائر قوله تعالى :﴿والفواحش﴾ وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع، والكبائر كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة والفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، وقال مقاتل : ما يوجب الحد وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة النساء، وقرأ حمزة والكسائي : بكسر الباء الموحدة قبل الياء الساكنة وهي للجنس فهي بمعنى قراءة الجمع، كما قرأ الباقون بفتح الموحدة وألف بعدها وبعد الألف همزة مكسورة والأولى أبلغ لشمولها المفردة. الصفة الثالثة : قوله تبارك وتعالى :﴿وإذا ما غضبوا﴾ أي : غضباً هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال تعالى :﴿هم يغفرون﴾ أي : هم الأخصاء والأحقاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفراً أي : محواً للذنوب عيناً وأثراً مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر والتكبر لا يصلح لغير الإله، وفي الصحيح :«أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله تعالى ». وروى ابن حاتم عن إبراهيم النخعي قال :«كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا غفروا ».

الشورى 42:38

الصفة الرابعة : قوله تعالى :﴿والذين استجابوا﴾ أي : أوجدوا الإجابة لما لهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد ﴿لربهم﴾ أي : الداعي لهم إلى إجابة إحسانه إليهم، قال الرازي : المراد من هذا تمام الانقياد، فإن قيل : أليس أنه لما جعل الإيمان فيه شرطاً قد دخل في الإيمان إجابة الله تعالى ؟ أجيب : بأنه يحمل هذا على الرضا بقضاء الله تعالى من صميم القلب وأن لا يكون في قلبه منازعة. الصفة الخامسة : قوله سبحانه وتعالى :﴿وأقاموا﴾ أي : أداموا ﴿الصلاة﴾ الواجبة ﴿وأمرهم﴾ أي : كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير ﴿شورى بينهم﴾ أي : يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين بما لهم من قوة الباطن ولا يعجلون في أمورهم والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور. الصفة السادسة، قوله تعالى :﴿ومما رزقناهم﴾ أي : أعطيناهم بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة ﴿ينفقون﴾ أي : يديمون الإنفاق في سبيل الله تعالى كرماً منهم، وإن قل ما بأيديهم اعتماداً على فضل الله تعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين.

الشورى 42:39

﴿والذين إذا أصابهم البغي﴾ أي : وقع بهم وأثر فيهم وهو التمادي على الرمي بالشر ﴿هم ينتصرون﴾ أي : ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه كما قال تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾.

الشورى 42:40

﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة قال مقاتل : يعني القصاص وهي الجراحات والدماء، وقال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح إذا قال : أخزاك الله يقول : أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي، قال سفيان بن عيينة : سألت سفيان الثوري عن ذلك فقال : إن شتمك رجل فتشتمه أو يفعل كذا فتفعل به فلم أجد عنده شيئاً، فسأل هشام بن حجر عن ذلك فقال : الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك وتشتمه وقد تكفلت هذه الجمل بأمهات الفضائل الثلاث، العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم وبالنفقة إلى العفة وبالانتصار إلى الشجاعة حتى لا يظن أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث فإن من علم المماثلة كان عالماً، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفاً ومن قسر نفسه على ذلك كان شجاعاً وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول : للعاجز، والثاني : للمتغلب المتكبر بدليل البغي، فإن قيل : هذه الآية مشكلة لوجهين ؛ الأول : أنه لما ذكر قبله ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾، كيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو ﴿الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾، الثاني : أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن، قال تعالى :﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ ( البقرة : ٢٣٧ ) وقال تعالى :﴿وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً﴾ ( الفرقان : ٧٢ ) وقال تعالى :﴿خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين﴾ ( الأعراف : ١٩٩ ). أجيب : بأن العفو على قسمين ؛ أحدهما : أن يصير العفو سبباً لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته، والثاني : أن يصير العفو سبباً لمزيد جراءة الجاني وقوة غيظه وغضبه، فآيات العفو محمولة على القسم الأول وهذه الآية محمولة على القسم الثاني، وحينئذ يزول التناقض روي :«أن زينب أقبلت على عائشة تشتمها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : سبيها ». وأيضاً فإنه تعالى لم يرغِّب في الانتصار بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة بقوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ثم بين أن العفو أولى بقوله تعالى :﴿فمن عفا﴾ أي : بإسقاط حقه كله أو بالنقص منه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة ﴿وأصلح﴾ أي : أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس فيكون بذلك منتصراً من نفسه لنفسه ﴿فأجره على الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله عليه وسلم :«ما زاد الله بعفو إلا عزاً » ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾ أي : لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله فيترتب عليهم عقابه.

الشورى 42:41

﴿ولمن انتصر﴾ أي : سعى في نصر نفسه بجهده ﴿بعد ظلمه﴾ أي : بعد ظلم الغير له وليس قاصداً التعدي عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان التعدي ﴿فأولئك﴾ أي : المنتصرون لأجل دفع الظالم عنهم ﴿ما عليهم﴾ وأكد بإثبات الجار فقال تعالى :﴿من سبيل﴾ أي : عتاب ولا عقاب لأنهم فعلوا ما أبيح لهم من الانتصار روى النسائي عن عائشة قالت :«ما علمت حتى دخلت على زينب وهي غضبى، فأقبلت علي فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : دونك فانتصري، فأقبلت عليها حين رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئاً، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه ». واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مهدرة لأنه فعل مأذون فيه فيدخل تحت هذه الآية.

الشورى 42:42

﴿إنما السبيل﴾ أي : الطريق السالك الذي لا منع منه أصلاً ﴿على الذين يظلمون الناس﴾ أي : يوقعون بهم ظلمهم تعمداً عدواناً ﴿ويبغون﴾ أي : يتجاوزون الحدود ﴿في الأرض﴾ بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعاً وعلماً وعملاً ﴿بغير الحق﴾ أي : الكامل لأن الفعل قد يكون بغياً وإن كانت مصحوباً بحق كالانتصار المقرون بالتعدي فيه ﴿أولئك﴾ أي : البعداء من الله تعالى ﴿لهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما آلموا من ظلموه.

الشورى 42:43

﴿ولمن صبر﴾ أي : عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى ﴿وغفر﴾ أي : صرح بإسقاط العقاب والعتاب بمحي عين الذنب وأثره ﴿فإن ذلك﴾ أي : الفعل الواقع منه البالغ في العلو حداً لا يوصف ﴿لمن عزم الأمور﴾ أي : معزوماتها بمعنى المطلوبات شرعاً. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«ما من عبد ظلم مظلمة فعفا لله إلا أعزه الله تعالى بها نصراً ».

الشورى 42:44

﴿ومن يضلل الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال بأن لم يوفقه ﴿فما له من ولي﴾ أي : يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله تعالى عنه ﴿من بعده﴾ أي : بعد إضلال الله تعالى له، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله تعالى وأن الهداية ليست في مقدر أحد سوى الله تعالى وقال تعالى :﴿وترى الظالمين﴾ موضع وتراهم لبيان أن الضال لا يضع شيئاً في موضعه. ولما كان عذابهم حتماً عبر عنه بالماضي فقال :﴿لما رأوا العذاب﴾ أي : يوم القيامة المعلوم مصير الظالم إليه ﴿يقولون﴾ أي : مكررين لما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل ﴿هل إلى مرد﴾ أي : إلى دار العمل ﴿من سبيل﴾ أي : طريق فيتمنون حينئذ الرجوع إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة.

الشورى 42:45

﴿وتراهم﴾ أي : في ذلك اليوم والضمير في قوله تعالى :﴿يعرضون عليها﴾ يعود على النار لدلالة العذاب عليها. ثم ذكر حالهم عند عرضهم على النار بقوله تعالى :﴿خاشعين﴾ أي : خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم ﴿من الذل﴾ لأنهم عرفوا إذ ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه ﴿ينظرون﴾ أي : يبتدئ نظرهم المكرر ﴿من طرف﴾ أي : تحريك الأجفان ﴿خفي﴾ أي : ضعيف النظر يسارقون النظر إلى النار خوفاً منها وذلة في أنفسهم كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر أن يملأ عينه منه ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها، ويصح أن تكون من بمعنى الباء أي : بطرف خفي ضعيف من الذل، فإن قيل : قد قال الله تعالى في صفة الكفار أنهم يحشرون عمياً فكيف قال تعالى هنا :﴿إنهم ينظرون من طرف خفي﴾ ؟ أجيب : بأنهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يصيرون عمياً أو أن هذا في قوم وذاك في قوم آخرين، وقيل : ينظرون إلى النار بقلوبهم والنظر بالقلب خفي. ولما وصف تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال تعالى :﴿وقال﴾ أي : في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعيير لهم والتبكيت والتوبيخ والتقريع ﴿الذين آمنوا﴾ أي : أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في أدنى الرتب أو أعلاها ﴿إن الخاسرين﴾ أي : الذين كملت خسارتهم ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ بما استغرقها من العذاب ﴿وأهليهم﴾ بمفارقتهم لهم، أما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان ﴿يوم القيامة﴾ أي : هو يوم فوت التدارك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء، وهذا القول يحتمل أن يكون واقعاً في الدنيا أو يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة وقوله تعالى :﴿ألا إن الظالمين﴾ أي : الراسخين في هذا الوصف ﴿في عذاب مقيم﴾ أي : دائم يحتمل أن يكون من تمام كلام المؤمنين وأن يكون تصديقاً من الله تعالى لهم.

الشورى 42:46

﴿وما كان﴾ أي : ما صح ووجد ﴿لهم﴾ وأغرق في النفي فقال تعالى :﴿من أولياء﴾ أي : فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب أولى ﴿ينصرونهم﴾ أي : يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات ﴿من دون الله﴾ أي : الملك الأعظم، أي : لا في الدنيا بأن يقدروا على إنقاذهم من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم من العذاب ﴿ومن يضلل الله﴾ أي : يوجد إضلاله إيجاداً بليغاً بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان أو بعدم التوفيق بعد البيان ﴿فما له﴾ بسبب إضلال من له جميع صفات الكمال وأغرق تعالى في النفي بقوله سبحانه :﴿من سبيل﴾ أي : طريق إلى الحق في الدنيا وإلى الجنة في الآخرة.

الشورى 42:47

ولما ذكر تعالى الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال تعالى :﴿استجيبوا لربكم﴾ أي : أجيبوه بالتوحيد والعبادة فإنه الذي لم تروا إحساناً إلا وهو منه ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ هو يوم القيامة ﴿لا مرد له من الله﴾ أي : الذي له جميع العظمة فإنه إذا أتى به لا يرده وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن له مرد من غيره ومتى عدم ذلك أنتج قوله تعالى :﴿ما لكم﴾ وأغرق في النفي بقوله تعالى :﴿من ملجأ﴾ أي : تلجؤون إليه ﴿يومئذ﴾ أي : في ذلك اليوم وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغاً في التحذير فقال تعالى :﴿وما لكم من نكير﴾ أي : إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائفكم تشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم.

الشورى 42:48

﴿فإن أعرضوا﴾ أي : عن الإجابة فيما دعوتهم إليه ﴿فما أرسلناك﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿عليهم حفيظاً﴾ أي : تقهرهم على امتثال ما أرسلناك به ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ لما أرسلناك به، وأما الهداية والإضلال فإلينا، وهذا كما قال الجلال المحلي : قبل الأمر بالجهاد ﴿وإنا إذا أذقنا﴾ أي : بالعظمة التي لا يمكن مخالفتها ﴿الإنسان﴾ أي : بما جبلناه عليه من النقص وعدم التمالك ﴿منا رحمة﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : نوعاً من أنواع الإكرام من صحة أو غنى أو نحو ذلك ﴿فرح بها﴾ أي : بتلك الرحمة وأفرد ضمير فرح نظراً للفظ الإنسان إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه، ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك ونعمة الله تعالى عليهم، وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة القطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سميت ذوقاً، فبين تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم غروره ووقع في العجب والكبر وظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقصى السعادات، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة وجمع ضمير الإنسان في قوله تعالى :﴿وإن تصبهم﴾ باعتبار معناه ﴿سيئة﴾ أي : شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر والقحط ﴿بما قدمت أيديهم﴾ أي : قدموه وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال بها ﴿فإن الإنسان﴾ أي : الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما هو طبع له بسبب سيئة تضره ﴿كفور﴾ أي : بليغ الكفران ينسى النعمة رأساً ويذكر البلية ويعظمها ولم يتأمل سببها وتصدير الشرطية الأولى : بإذا، والثانية : بإن لأن إذاقته النعمة محققة من حيث إنها عادة مقضيّة بالذات بخلاف إصابة البلية وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضعه الضمير في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة، فإن كان في نعمة أشر وبطر، وإن كان في نقمة أيس وقنط، فهذا حال الجنس من حيث هو ومن وفقه الله تعالى جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم :«المؤمن إن أصابه سراء شكر فكان خيراً، وإن أصابه ضراء صبر فكان خيراً ».

الشورى 42:49

ولما ذكر تعالى إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بعدها السيئة أتبع ذلك بقوله تعالى : ﴿لله﴾ أي : الملك الأعظم وحده ﴿ملك السماوات﴾ كلها على علوها وتطابقها وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها ﴿والأرض﴾ جميعها على تباينها وتكاثفها واختلاف أقطارها وسكانها واتساعها ﴿يخلق﴾ أي : على سبيل التجدد والاختيار والاستمرار ﴿ما يشاء﴾ وإن كان على غير اختيار العباد لئلا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه، بل إذا علم أن الكل ملك لله وملكه وإنما حصل له ذلك القدر إنعاماً من الله تعالى عليه فيصير ذلك حاملاً له على مزيد الطاعة. ثم ذكر من أقسام تصرفه تعالى في العالم أنه يخص بعض الناس بالأولاد الإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض محروم من الكل كما قال تعالى :﴿يهب﴾ أي : يخلق ﴿لمن يشاء﴾ أولاداً ﴿إناثاً﴾ فقط ليس معهن ذكر ﴿ويهب لمن يشاء الذكور﴾ فقط ليس معهم أنثى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : بتسهيل الهمزة الثانية كالياء وتبدل أيضاً واواً خالصة، والباقون بتحقيقهما وفي الابتداء الجميع بالتحقيق، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً مع المد والتوسط والقصر ولهما أيضاً تسهيلها مع المد والقصر والروم والإشمام.

الشورى 42:50

﴿أو يزوجهم﴾ أي : الأولاد فيجعلهم أزواجاً أي : صنفين حال كونهم ﴿ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً﴾ أي : لا يولد له. قال الرازي : وفي الآية سؤالات ؛ الأول : أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور أولاً ثم قدم الذكور على الإناث ثانياً فما السبب أي : فما الحكمة في هذا التقديم والتأخير ؟ الثاني : أنه نكر الإناث وعرف الذكور، وقال في الصنفين معاً : أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ؟ الثالث : أنه لما كان حصول الولد هبة من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأي حاجة في عدم حصوله إلى قوله تعالى :﴿ويجعل من يشاء عقيماً﴾ الرابع : هل المراد بهذا الحكم جمع معينون أو الحكم على الإنسان المطلق ثم قال : والجواب عن الأول : أن الكريم يسعى في أن يقع الختم على الخير والراحة فإذا وهب الأنثى أولاً ثم أعطى الذكر بعدها فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطى الذكر أولاً ثم أعطى الأنثى ثانياً فكأنه نقله من الفرح إلى الغم، فذكر الله تعالى هبة الأنثى أولاً ثم ثنى بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون أليق بالكرم، قيل : من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث، وأما تقديم ذكر الذكور على ذكر الإناث ثانياً فلأن الذكر أكمل وأفضل من الأنثى والأفضل مقدم على المفضول، وأما الجواب عن تنكير الإناث وتعريف الذكور فهو أن المقصود منه التنبيه على أن الذكر أفضل من الأنثى. وأما قوله تعالى :﴿أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً﴾ فهو أن كل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان وكل واحد منهما يقال له : زوج والكناية في يزوجهم عائدة على الإناث والذكور، والمعنى : يجعل الذكور والإناث أزواجاً أي : يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث وأما الجواب عن قوله تعالى :﴿عقيماً﴾ فالعقيم : هو الذي لا يلد ولا يولد له يقال : رجل عقيم وامرأة عقيم، وأصل العقم : القطع، ومنه قيل الملك عقيم لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق، وأما الجواب عن الرابع : فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يهب لمن يشاء إناثاً يريد لوطاً وشعيباً عليهما السلام لم يكن لهما إلا البنات ويهب لمن يشاء الذكور يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له إلا الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً يريد محمداً صلى الله عليه وسلم، كان له من البنين ثلاثة على الصحيح القاسم وعبد الله وإبراهيم ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ويجعل من يشاء عقيماً يريد يحيى وعيسى عليهما السلام، وقال أكثر المفسرين : هذا على وجه التمثيل وإنما الحكم عام في كل الناس لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف شاء فلا معنى للتخصيص ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله تعالى :﴿إنه عليم﴾ أي : بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها ﴿قدير﴾ أي : شامل القدرة على تكوين ما يشاء.

الشورى 42:51

ولما بين تعالى حال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه فقال تعالى :﴿وما كان﴾ أي : وما صح ﴿لبشر﴾ من الأقسام المذكورة وحل المصدر الذي هو اسم كان ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم الوجوه فقال تعالى :﴿أن يكلمه﴾ وأظهر موضع الإضمار إعظاماً للوحي وتشريفاً لمقداره فقال تعالى :﴿الله﴾ أي : يوجد الملك الأعظم الجامع بصفات الكمال في قلبه كلاماً ﴿إلا﴾ أن يوحي إليه ﴿وحياً﴾ أي : كلاماً خفياً يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إما بمشافهة كما ورد في حديث المعراج، وإما بإلهام أو رؤية منام كما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح ولده، أو بغير ذلك سواء خلق الله تعالى في المتكلم قوة السماع له وهو أشرف هذه الأقسام أم لا ومن الثاني قوله تعالى :﴿وأوحينا إلى أمّ موسى﴾ ( القصص : ٧ ) ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ ( النحل : ٦٨ ) ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ ( فصلت : ١٢ ) ﴿أو﴾ إلا ﴿من وراء حجاب﴾ أي : من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام على وجه الجهر كما وقع لموسى عليه السلام ﴿أو يرسل رسولاً﴾ من الملائكة إما جبريل عليه السلام أو غيره. تنبيه : ذكر المفسرون : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا تكلم الله تعالى وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى ونظر إليه ؟ فقال :«لم ينظر موسى إلى الله عز وجل فأنزل الله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً﴾، ﴿فيوحي﴾ أي : الرسول إلى المرسل إليه أن يكلمه ﴿بإذنه﴾ أي : الله تعالى ﴿ما يشاء﴾ أي : الله عز وجل، وقرأ نافع برفع اللام من يرسل وسكون الياء من يوحي والباقون بنصب اللام والياء أما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه رفع على إضمار مبتدأ، أي : هو يرسل، ثانيها : أنه عطف على وحياً على أنه حال لأن وحياً في تقدير الحال أيضاً فكأنه قال : إلا موحياً إليه أو مرسلاً، ثالثها : أن يعطف على ما يتعلق به من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحياً في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه أو يرسل، والتقدير : إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً. وأما القراءة الثانية : ففيها ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل المقدر معطوف على وحياً، والمعنى : إلا بوحي أو سماع من وراء حجاب أو إرسال رسول، ولا يجوز أن يعطف على أن يكلمه لفساد المعنى إذ يصير التقدير : وما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً بل يفسد لفظاً ومعنى، وقال مكي : لأنه يلزم منه نفي الرسل ونفي المرسل إليهم، ثانيها : أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على وحياً ووحياً حال فيكون هذا أيضاً حالاً والتقدير : إلا موحياً أو مرسلاً، ثالثها : أنه معطوف على معنى وحياً فإنه مصدر مقدر بأن والفعل والتقدير : إلا بأن يوحي إليه أو بأن يرسل ذكره مكي وأبو البقاء ﴿إنه﴾ أي : هذا الذي له هذا التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم ﴿علي﴾ أي : بالغ العلو جداً عن صفات المخلوقين ﴿حكيم﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بواسطة وتارة بغير واسطة إما عياناً وإما من وراء حجاب.

الشورى 42:52

﴿وكذلك﴾ أي : ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل ﴿أوحينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ يا أفضل الرسل ﴿روحاً﴾ قال ابن عباس : نبوة وقال الحسن : رحمة وقال السدي : وحياً وقال الكلبي : كتاباً وقال الربيع : جبريل وقال مالك بن دينار : القرآن، وسمي الوحي روحاً ؛ لأنه مدبر الروح كما أن الروح مدبر للبدن وزاد عظمته بقوله تعالى :﴿من أمرنا﴾ أي : الذي نوحيه إليك. ثم بين تعالى حال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قبل الوحي بقوله سبحانه :﴿ما كنت﴾ أي : فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك ﴿تدري﴾ أي : تعرف قبل الوحي إليك ﴿ما الكتاب﴾ أي : القرآن ﴿ولا الإيمان﴾ أي : تفصيل الشرايع على ما جددناه لك بما أوحيناه إليك وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قبل النبوة قد كان مقراً بوحدانية الله تعالى وعظمته، فإنه كان يصلي ويحج ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذبح على النصب لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه، ولا شك أن الشهادة له صلى الله عليه وسلم نفسه بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك وكذلك الملائكة، فصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة : الإيمان هنا الصلاة لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ( البقرة : ١٤٣ ) أي : صلاتكم، وقيل : هذا على حذف ومعناه : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلاً في المهد، وقيل : الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به، وقال بعضهم : صفات الله تعالى على قسمين : منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقول ومنها : ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة. تنبيه : ما ؛ الأولى نافية والثانية استفهامية والجملة الاستفهامية معلقة للدراية فهي في محل نصب لسدها مسد مفعولين والجملة المنفية بأسرها في محل نصب على الحال من الكاف في إليك، وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً قبل النبوة بشرع وفي المسألة خلاف للعلماء فقيل : كان يتعبد على دين إبراهيم عليه السلام وقيل : غيره والضمير في قوله تعالى ﴿ولكن جعلناه نوراً﴾ يعود إما لروحاً وإما للكتاب وإما لهما وهو أولى لأنهما مقصود واحد فهو كقوله تعالى :﴿والله ورسوله أحق أن يُرضوه﴾ ( التوبة : ٦٢ ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الإيمان وقال السدي : يعني القرآن ﴿نهدي﴾ على عظمتنا ﴿به من نشاء﴾ خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا ﴿من عبادنا﴾ بخلق الهداية في قلبه بالتوفيق فهذه لا يقدر عليها أحد غير الله تعالى، وأما الهداية بالتبيين والإرشاد فهي قوله تعالى :﴿وإنك﴾ يا أفضل الخلق ﴿لتهدي﴾ أي : تبين وترشد وأكده لإنكارهم ذلك ﴿إلى صراط﴾ أي : طريق واضح جداً ﴿مستقيم﴾ أي : شديد التقوم وهو دين الإسلام.

الشورى 42:53

وقوله تعالى :﴿صراط الله﴾ أي : الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال وقرأ سراط في الموضعين قنبل بالسين وخلف : بالإشمام أي : بين الصاد والزاي والباقون بالصاد الخالصة. ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بأنه مالك لما في السماوات والأرض بقوله تعالى :﴿الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً ﴿ألا إلى الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل وند وهو الكبير المتعال لا إلى غيره ﴿تصير﴾ أي : على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ملكها مستقر له. قال أبو حيان : أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله : زيد يعطي ويمنع أي : من شاء ذلك ولا يراد به حينئذ حقيقة المستقبل ﴿الأمور﴾ كلها من الخلق والأمر معنى وحساً كما كانت الأمور كلها مبتدأة منه وحده وفي ذلك وعد للمطيعين ووعيد للمجرمين فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب، وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون ويسترحمون له » حديث موضوع.