السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الزخرف 43:1 – محمد 47:38
المحتويات
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:2
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
الزخرف 43:1
وقد تقدم الكلام على قوله تعالى :﴿حم﴾.
الزخرف 43:2
والواو في قوله تعالى :﴿والكتاب﴾ أي : القرآن ﴿المبين﴾ أي : مظهر طريق الهدى وما يحتاج إليه من الشريعة عاطفة إن جعلت حم قسماً وإلا كانت للقسم.
الزخرف 43:3
وقوله تعالى :﴿إنا جعلناه﴾ أي : أوجدنا هذا الكتاب ﴿قرآناً عربيا﴾ أي : بلغة العرب جواب القسم وهذا عندهم من البلاغة وهو كون القسم والمقسم عليه من وادٍ واحد كقول أبي تمام :
وثناياك إنها إغريض أي : طلع وبرد، وقيل : كل أبيض طري ولآل توم وبرق وميض والتوم جمع تومة وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة، والوميض مصدر ومض أي : لمع لمعاً خفيفاً.
تنبيه : احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه ؛ الأول : أنها تدل على أن القرآن مجعول والمجعول هو المصنوع المخلوق، الثاني : أنه وصفه بكونه قرآناً وهو إنما سمي قرآناً لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعاً، الثالث : وصفه بكونه عربياً وإنما يكون عربياً لأن العرب اختصت بوضع ألفاظه في اصطلاحهم وذلك يدل على أنه مجعول والتقدير حم ورب الكتاب المبين، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم :«يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم ». وأجاب الرازي عن ذلك : بأن هذا الذي ذكرتموه حق لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة محدثة وذلك معلوم بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه ﴿لعلكم﴾ أي : يا أهل مكة ﴿تعقلون﴾ أي : لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من أن تفهموا معانيه وأحكامه وبديع وصفه ومعجز وضعه ونظامه فترجعوا عن كل ما أنتم عليه من المغالبة ولا بد أن يقع هذا التعقل فإن القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه ليكون بين كلامه وكلام العاجز فرق.
الزخرف 43:4
وقوله تعالى :﴿وإنه﴾ أي : القرآن عطف على إنا أي : مثبت ﴿في أم الكتاب﴾ أي : أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ، وقال قتادة : أم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله، وقال ابن عباس : أول ما خلق الله تعالى القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق فالكتاب مثبت عنده في اللوح المحفوظ كما قال تعالى :﴿بل هو قرآن مجيد ( ٢١ ) في لوح محفوظ﴾ ( البروج : ٢٢ )، فإن قيل : ما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب يستحيل عليه السهو والنسيان ؟.
أجيب : بأنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات ثم إن الملائكة إذا شاهدوا أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب استدلوا بذلك على كمال حكمته وعلمه، وقيل : المراد بأم الكتاب الآيات المحكمة لقوله تعالى :﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب﴾ ( آل عمران : ٧ ) والمعنى : أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها واتفقوا في الابتداء بالهمزة على الضم وقوله تعالى :﴿لدينا﴾ أي : عندنا بدل من الجار قبله ﴿لعلي﴾ أي : رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها ﴿حكيم﴾ أي : ذو حكمة بالغة أو محكم في أبواب البلاغة والفصاحة.
الزخرف 43:5
﴿أفنضرب﴾ أي : أنهملكم فنضرب أي : ننحي مجاوزين ﴿عنكم الذكر﴾ أي : القرآن وفي نصب قوله تعالى :﴿صفحاً﴾ أوجه ؛ أحدها : أنه مصدر من معنى نضرب لأنه يقال ضرب عن كذا وأضرب عنه بمعنى أعرض عنه وصرف وجهه عنه قال طرفة :
اضرب عنك الهموم طارقها؍ ضربك بالسيف قونس الفرس؍
واضرب بفتح الباء أصله اضربن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت النون وحركت الباء بالفتح، والطارق ما يطرق بالليل والقونس : منبت شعر الناصية وهو عظمٌ نابت بين أذني الفرس، ثانيها : أنه منصوب على الحال أي : صافحين ثالثها أن يكون مفعولاً من أجله وقيل غير ذلك ﴿أن﴾ أي : أنفعل ذلك لأن ﴿كنتم قوماً مسرفين﴾ أي : مشركين لا نفعل ذلك وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق ومخرج المشكوك استجهالاً لهم وما قبلها دليل الجزاء، وقرأ الباقون بفتحها.
الزخرف 43:6
وذكر تعالى تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية قوله سبحانه وتعالى :﴿وكم أرسلنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿من نبي في الأولين﴾ أي : في الأمم الماضية.
الزخرف 43:7
ثم حكى حالهم الماضية بقوله تعالى :﴿وما﴾ أي : والحال أنه ما ﴿يأتيهم﴾ وأغرق في النفي بقوله تعالى :﴿من نبي﴾ أي : في أمة بعد أمة أو زمان بعد زمان ﴿إلا كانوا﴾ أي : خلقاً وطبعاً ﴿به يستهزؤون﴾ كما استهزأ قومك بك فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم واستهزائهم لأن المصيبة إذا عمت خفت.
تنبيه : كم خبرية مفعول مقدم ومن نبي تمييز وفي الأولين متعلق بالإرسال أو بمحذوف على أنه صفة لنبي.
الزخرف 43:8
﴿فأهلكنا﴾ أي : فتسبب عن الاستهزاء بالرسل أنا أهلكنا ﴿أشد منهم﴾ أي : من قريش الذين يستهزؤون بك ﴿بطشاً﴾ أي : قوة وكان الأصل الإضمار ولكنه أظهر الضمير صارفاً أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالاً على نبيه صلى الله عليه وسلم تسلية له وإبلاغاً في وعيدهم ﴿ومضى﴾ أي : سبق في آيات الله ﴿مثل﴾ أي : صفة ﴿الأولين﴾ في الإهلاك وفي لك وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم مثل ما جرى على الأولين.
الزخرف 43:9
واللام في قوله تعالى :﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿سألتهم﴾ أي : سألت قومك ﴿من خلق السماوات﴾ على علوها وسعتها ﴿والأرض﴾ على كثرة عجائبها وعظمها وقوله تعالى :﴿ليقولن﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين ﴿خلقهن﴾ الذي هو موصوف بأنه ﴿العزيز﴾ أي : الذي لا يغالب ﴿العليم﴾ بما كان وما يكون.
تنبيه : هذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى إذ لو جاء على اللفظ لجيء فيه بجملة ابتدائية كالسؤال فكان الجواب هنا الله كما غيره من الآيات، لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية مكرراً للفعل تأكيداً لإغراقهم زيادة في توبيخهم وتنبيهاً على عظم غلطهم.
الزخرف 43:10
ولما تم الإخبار عنهم ابتدأ الأدلة على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى :﴿الذي جعل لكم﴾ ولو كان ذلك قولهم لقالوا لنا :﴿الأرض مهاداً﴾ أي : فراشاً قارة ثابتة كالمهد للصبي ولو شاء لجعلها مزلة لا ينبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها واقفة ساكنة فإنها لو كانت متحركة ما أمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية وستر عيوب الأحياء والأموات، ولأن المهد موضع راحة الصبي فكانت الأرض مهاداً لكثرة ما فيها من الراحات، وقرأ الكوفيون بفتح الميم وسكون الهاء والباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعد الهاء ﴿وجعل لكم فيها سبلاً﴾ أي : طرقاً تسلكونها وذلك أن انتفاع الناس إنما يكمل إذا سعوا في أقطار الأرض فهيأ تعالى تلك السبل ووضع عليها علامات ليحصل الانتفاع ولو شاء لجعلها بحيث لا يسكن في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك ثم ذكر الغاية في ذلك فقال تعالى :﴿لعلكم تهتدون﴾ أي : لكي تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار وغيرها فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة والأقاليم الواسعة أو لتهتدوا إلى الحق في الدين.
الزخرف 43:11
﴿والذي نزّل﴾ أي : بحسب التدريج ولولا قدرته تعالى الباهرة لكان دفعة واحدة أو قريباً منها ﴿من السماء﴾ أي : المحل العالي ﴿ماء﴾ أي : لزرعكم وثماركم وشرابكم بأنفسكم وأنعامكم ﴿بقدر﴾ أي : بقدر حاجتكم إليه من غير زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم ﴿فأنشرنا﴾ أي : أحيينا ﴿به﴾ أي : الماء ﴿بلدة﴾ أي : مكاناً يجتمع فيه للإقامة يعتنون بإحيائه يتعاونون على دوام إبقائه ﴿ميتاً﴾ أي : كان قد يبس نباته وعجز أهله عن إيصال الماء إليه ليحيا به، قال البقاعي : ولعله أنث البلد وذكر الميت إشارة إلى أن بلوغها في الضعف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف أهله عن إحيائه.
﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الإخراج العظيم الذي شاهدتموه في النبات ﴿تخرجون﴾ من قبوركم أحياء، والمعنى : أن هذا الدليل كما دل على قدرة الله تعالى وحكمته فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة، ووجه التشبيه : أنه جعلهم أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التي انتشرت بعدما كانت ميتة، وقيل : بل وجه التشبيه أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني كما تنبت الأرض بماء المطر قال ابن عادل : وهذا ضعيف لأن ظاهر لفظ الإشارة الإعادة فقط دون هذه الزيادة.
الزخرف 43:12
ثم شرع تعالى في إكمال ما تقتضيه الحال من الأوصاف فقال عز من قائل :﴿والذي خلق الأزواج﴾ أي : الأصناف المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية الكمال إلا بالآخر على ما دبره سبحانه في نظم هذا الوجود ﴿كلها﴾ من النبات والحيوان وغير ذلك من سائر الأكوان لم يشاركه في شيء منها أحد وقال ابن عباس رضي الله عنه : الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى، وقال بعض المحققين : كل ما سوى الله تعالى فهو زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار والقدام والخلف والماضي والمستقبل والذوات والصفات والصيف والشتاء والربيع والخريف، وكونها أزواجاً يدل على أنها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة بالعدم، فأما الحق تعالى : فهو الفرد المنزه عن الضد والند والمقابل والمعاضد، فلهذا قال تعالى :﴿والذي خلق الأزواج كلها﴾ فهو مخلوق فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزه عن الزوجية، قال الرازي : وأيضاً علماء الحساب يثبتون أن الفرد أفضل من الزوج من وجود الأول : أن الاثنين لا توجد إلا عند حصول وحدتين، فالزوج محتاج إلى الفرد والفرد هو الوحدة وهي غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج، الثاني : أن الزوج يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد لا يقبل القسمة وقبول القسمة انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة فكان الفرد أفضل من الزوج، ثم ذكر وجوهاً أخر تدل على أن الفرد أفضل من الزوج وإذا كان كذلك ثبت أن الأزواج ممكنات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم بذاته المستقل بنفسه الغني عما سواه ﴿وجعل لكم من الفلك﴾ أي : السفن العظام في البحر ﴿والأنعام﴾ كالإبل في البر ﴿ما تركبون﴾ وحذف العائد لفهم المعنى تغليباً للمتعدي بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك، والعائد مجرور في الأول أي : فيه منصوب في الثاني.
الزخرف 43:13
وذكر الضمير وجمع الظهور في قوله تعالى :﴿لتستووا على ظهوره﴾ نظراً للفظ ما ومعناها : ولما أتم النعمة بخلق ما تدعو إليه الحاجة وجعله على وجه دال على ما له من الصفات، ذكر ما ينبغي أن تكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من شكر المنعم، فقال دالاً على عظم قدر النعمة وبعد غايتها وعلو أمر الذكر بحرف التراخي ﴿ثم تذكروا﴾ أي : بقلوبكم وصرف القول إلى وجه التربية حثاً على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال تعالى :﴿نعمة ربكم﴾ أي : الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونه من غيرها ﴿إذا استويتم عليه﴾ أي : على ما تركبونه وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق البحر وخلق الرياح وخلق جرم السفينة على وجه يمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي : جانب شاء، فإذا تذكر أن خلق البحر وخلق الرياح وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصرف الإنسان ولتحريكاته إنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير عرف أن ذلك نعمة من الله تعالى، فيحمله ذلك على الإنقياد لطاعة الله تعالى وعلى الإشتغال بالشكر لنعم الله تعالى التي لا نهاية لها.
ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها قال عز من قائل :﴿وتقولوا﴾ أي : بألسنتكم جمعاً بين القلب واللسان ﴿سبحان الذي سخر﴾ أي : بعلمه الكامل وقدرته التامة ﴿لنا هذا﴾ أي : الذي ركبناه سفينة كانت أو دابة ﴿وما﴾ أي : والحال أنا ما ﴿كنا له مقرنين﴾ أي : مطيقين والمقرن المطيق للشيء الضابط له من أقرنه أي : أطاقه قال الواحدي : كان اشتقاقه من قولك صرت له قرناً ومعنى قرن فلان أي : مثله في الشدة، وقيل : ضابطين وقال أبو عبيدة : قرن لفلان أي : ضابط له والقرن الحبل، ومعنى الآية : ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نطيقهما فسبحان من سخر لنا هذا بقدرته و حكمته.
روى الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال :«بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال : الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ». وروى أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح عن علي رضي الله عنه : أنه وضع رجله في الركاب وقال :«فقال بسم الله فلما استوى على الدابة، قال : الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذه الآية، ثم حمد ثلاثاً وكبر ثلاثاً ثم قال : لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل : مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما فعلت فقلنا : ما يضحكك يا رسول الله قال : إن ربك يعجب من عبده إذا قال العبد لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري ».
وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما :«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابة فلما استقر عليها كبر ثلاثاً وحمد الله تعالى ثلاثاً وسبح الله ثلاثاً وهلل الله تعالى واحدة وضحك، ثم أقبل عليه فقال : ما من امرئ مسلم ركب دابة فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك ».
الزخرف 43:14
ولما كان راكب الفلك في خطر الهلاك وراكب الدابة كذلك أيضاً لأن الدابة قد يحصل لها ما يوجب هلاك الراكب وكذا السفينة قد تنكسر فوجب على الراكب أن يذكر أمر الموت ويقول :﴿وإنا إلى ربنا﴾ المحسن إلينا بالأقدار على هذه التنقلات على هذه المراكب لا إلى غيره ﴿لمنقلبون﴾ أي : لصائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة انقلاباً لا إياب معه إلى هذه الدار، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي وأكد لأجل إنكارهم البعث.
الزخرف 43:15
ولما قال تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ بين أنهم مع إقرارهم بذلك جعلوا له من عباده جزءا كما قال تعالى :﴿وجعلوا له من عباده﴾ الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم ﴿جزءًا﴾ أي : ولداً هو لحصرهم في الأنثى أحد قسمي الأولاد، وكل ولد فهو جزء من والده قال صلى الله عليه وسلم :«فاطمة بضعة مني »، ومن كان له جزء كان محتاجاً فلم يكن إلهاً وذلك لقولهم : الملائكة بنات الله فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة آرائهم، وقرأ شعبة : بضم الزاي والباقون بسكونها وهما لغتان وإذا وقف حمزة نقل حركة الهمزة إلى الزاي.
ولما كان هذا في غاية الغلط من الكفر قال مؤكداً لإنكارهم أن يكون كفراً ﴿إن الإنسان﴾ أي : هذا النوع الذي هو بعضه ﴿لكفور مبين﴾ أي : بين الكفر في نفسه مناد عليها بالكفر.
الزخرف 43:16
وقوله تعالى :﴿أم اتخذ﴾ أي : أعالج هو نفسه فأخذ هو بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم ﴿مما يخلق﴾ أي : يجدد إبداعه في كل وقت ﴿بنات﴾ استفهام توبيخ وإنكار أي : فلم يقدر بعد التكلف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزأين إليكم ثم عطف على قوله تعالى اتخذ ليكون منفياً على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار ﴿وأصفاكم﴾ وهو السيد الكامل وأنتم عبيده أي : خصكم ﴿بالبنين﴾ اللازم من قولكم السابق.
الزخرف 43:17
ثم بين كون البنات أبغض إليهم بقوله تعالى :﴿وإذا﴾ أي : جعلوا ذلك والحال أنه إذا ﴿بشر﴾ أي : من أي : مبشر كان ﴿أحدهم﴾ أي : أحد هؤلاء البعداء البغضاء ﴿بما ضرب﴾ أي : جعل ﴿للرحمن﴾ الذي لا نعمة على شيء من الخالق ألا وهي منه ﴿مثلاً﴾ أي : شبهاً بنسبة البنات إليه لأن الولد يشبه الوالد، والمعنى إذا أخبر أحدهم بالبنت تولد له ﴿ظل﴾ أي : صار ﴿وجهه مسوداً﴾ أي : شديد السواد لما يعتريه من الكآبة ﴿وهو كظيم﴾ أي : ممتلئ غماً فكيف تنسب البنات إليه تعالى، هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلاً عن أن يتفوه به.
الزخرف 43:18
وقوله تعالى :﴿أومن ينشأ﴾ أي : على ما جرت به عوائدكم ﴿في الحلية﴾ يجوز في مَنْ وجهان ؛ أحدهما : أن تكون في محل نصب مفعولاً بفعل مقدر أي : أو تجعلون من ينشأ في الحلية، والثاني : أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ جزء ولد أو جعلوه له جزء، والمعنى : أن التي تتزين في الحلية تكون ناقصة الذات لأنه لولا نقصانها في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين أي : يربي، والباقون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين، وإذا وقف همزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً ولهما أيضاً تسهيلها والروم والإشمام، ثم بين نقصان حالها بطريق آخر بقوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : والحال أنه وقدم في إفادة الاهتمام قوله تعالى :﴿في الخصام﴾ أي : المجادلة إذا احتج إليها فيها ﴿غير مبين﴾ أي : مظهر حجته لضعفه عنها بالأنوثة، قال قتادة : في هذه الآية قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.
الزخرف 43:19
ثم بين تعالى جرأتهم على ما لا ينبغي لعاقل أن يتفوه بقوله تعالى :﴿وجعلوا الملائكة الذين هم﴾ متصفون بأشرف الأوصاف وهو أنهم ﴿عباد الرحمان﴾ أي : العام النعمة الذين ما عصوه طرفة عين ﴿إناثاً﴾ وذلك أدنى الأوصاف خلقاً وخلقاً ذاتاً وصفة فهذا كفر ثالث كالكافرين قبله، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر : بكسر العين وبعدها نون ساكنة ونصب الدال، والباقون بعد العين بباء موحدة مفتوحة وبعدها ألف ورفع الدال ثم قال تعالى تهكماً بهؤلاء القائلين ذلك وتوبيخاً لهم وإنكاراً عليهم ﴿أشهدوا﴾ أي : أحضروا ﴿خلقهم﴾ أي : خلقي إياهم فشاهدوهم إناثاً فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة، وقرأ نافع بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة مسهلة كالواو وسكون الشين، وأدخل قالون بينهما ألفاً ولم يدخل ورش والباقون بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين.
﴿ستكتب﴾ بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم به ﴿شهادتهم﴾ أي : قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة فهو قول ركيك سخيف ضعيف كما أشار إليه التأنيث ﴿ويسألون﴾ عنها عند الرجوع إلينا، قال الكلبي ومقاتل :«لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال :«ما يدريكم أنهم إناث ؟ قالوا : سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال تعالى ﴿ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ عنها في الآخرة هذا يدل على أن القول بغير دليل منكر وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم قال المحققون : هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه ؛ أولها : إثبات الولد ثانيها : أن ذلك الولد بنت ثالثها : الحكم على الملائكة بالأنوثة.
تنبيه : قال البقاعي : يجوز أن يكون في السين استعطاف التوبة قبل كتابة ما قالوا ولا علم لهم به فإنه قد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح الله أو يستغفر ».
الزخرف 43:20
ثم نبه سبحانه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم فقال تعالى معجباً منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه :﴿وقالوا﴾ أي : بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله تعالى ﴿لو شاء الرحمان﴾ أي : الذي له عموم الرحمة ﴿ما عبدناهم﴾ أي : الملائكة فعبادتنا إياهم بمشيئته فهو راض بها ولولا أنه راض بها لعجل لنا العقوبة، فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على الرضا بها وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأموراً كان أو منهياً حسناً كان أو غيره ولذلك جهلهم فقال تعالى :﴿ما لهم بذلك﴾ أي : المقول من الرضا بعبادتها ﴿من علم إن﴾ أي :﴿هم إلا يخرصون﴾ أي : يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضا الله تعالى بكفرهم فيترتب عليهم العقاب.
الزخرف 43:21
ولما بين تعالى بطلان قولهم بالعقل أتبعه بطلان قولهم بالنقل فقال تعالى :﴿أم آتيناهم﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿كتاباً﴾ أي : جامعاً لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه ﴿من قبله﴾ أي : القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلنا الملائكة إناثاً وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به ﴿فهم به﴾ أي : فتسبب عن هذا الإتيان أنهم به وحده ﴿مستمسكون﴾ أي : موجدون الاستمساك به فيأخذون بما فيه، لم يقع ذلك.
الزخرف 43:22
ولما بين تعالى أنه لا دليل على صحة قولهم البتة لا من العقل ولا من النقل، بين أنه لا حامل لهم يحملهم عليه إلا التقليد بقوله تعالى :﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا﴾ أي : وهم أرجح منا عقولاً وأصح منا إفهاماً ﴿على أمة﴾ أي : طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم ثم أكدوا قطعاً الرجاء المخالف عن لفتهم عن ذلك فقالوا ﴿وإنا على آثارهم﴾ أي : خاصة لا غيرها ﴿مهتدون﴾ أي : متبعون فلم نأت بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار فلا اعتراض علينا بوجه هذا قولهم في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلاً وخالفه أيَّ مخالفة ما هذا إلا قصور نظر ومحض عناد.
الزخرف 43:23
ثم أخبر تعالى أن غيرهم قال هذه المقالة بقوله سبحانه :﴿وكذلك﴾ أي : ومثل هذه المقالة المتناهية في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك الأنبياء عليهم السلام ثم فسر ذلك بقوله تعالى :﴿ما أرسلنا﴾ أي : مع ما لنا من العظمة ﴿من قبلك﴾ أي : في الأزمنة السالفة ﴿في قرية﴾ وأغرق في النفي بقوله تعالى :﴿من نذير﴾ وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء ﴿إلا قال مترفوها﴾ أي : أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف يكون خاصاً بالمترف وذلك موجب لقلة الهم وللراحة والبطالة ﴿إنا وجدنا آباءنا﴾ أي : وهم أعرف منا بالأمور ﴿على أمة﴾ أي : أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم ثم أكدوا كما أكد هؤلاء فقالوا :﴿وإنا على آثارهم﴾ أي : لا على غيرها ﴿مقتدون﴾ أي : راكبون سنن طريقتهم لازمون لها ففي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الزخرف 43:24
﴿قل﴾ أي : يا أفضل الخلق لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿أوَلو﴾ أي : أتبغون ذلك ولو ﴿جئتكم بأهدى﴾ أي : بأمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة ﴿مما وجدتم﴾ أي : أيها المقتدون بالآباء ﴿عليه آباءكم﴾ أي : كما تضمن قولكم أنكم تقتفون في اتباعكم بالآثار في أعظم الأشياء وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر نفس الدنيا إذا وجدتم طريقاً أهدى في التصرف فيها من طريقتهم ولو أمراً يسيراً، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل فيا له من نظر ما أقصره ومتجر ما أخسره، وقرأ ابن عامر وحفص : قال بصيغة الماضي أي : قال المنذر أو الرسول وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والباقون : قل بصيغة الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوه بأن ﴿قالوا﴾ مؤكدين رداً لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل ﴿إنا بما أرسلتم به﴾ أي : أنت ومن قبلك ﴿كافرون﴾ أي : ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعكم فيه مخلوق وإن كان أهدى مما كان عليه آباؤنا.
الزخرف 43:25
فعند هذا لم يبق لهم عذر فلهذا قال تعالى :﴿فانتقمنا﴾ أي : بما لنا من العظمة التي استحقوا بها ﴿منهم﴾ فأهلكناهم بعذاب الاستئصال ثم عظم أمر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله :﴿فانظر﴾ يا أفضل الرسل ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي : آخر أمر ﴿المكذبين﴾ لرسلنا فإنهم أهلكوا أجمعون ونجا المؤمنون أجمعون فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك، وهذا تهديد عظيم لكفار قريش.
الزخرف 43:26
ثم بين تعالى وجهاً آخر يدل على فساد التقليد بقوله تعالى :﴿وإذ﴾ أي : واذكر يا أفضل الخلق إذ ﴿قال إبراهيم﴾ أي : الذي هو أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم ﴿لأبيه﴾ من غير أن يقلده كما قلدتم أنتم آباءكم ﴿وقومه﴾ الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض ﴿إنني براء﴾ أي : بريء ﴿مما تعبدون﴾ أي : في الحال والاستقبال.
الزخرف 43:27
﴿إلا الذي فطرني﴾ أي : خلقني ﴿فإنه سيهدين﴾ أي : يرشدني لدينه ويوفقني لطاعته.
تنبيه : في هذا الاستثناء أوجه ؛ أحدها : أنه استثناء منقطع لأنهم كانوا عبدة أصنام فقط، ثانيها : أنه متصل لأنه روي أنهم كانوا يشركون مع الباري غيره، ثالثها : أن تكون إلا صفة بمعنى غير على أن تكون ما نكرة موصوفة قاله الزمخشري. قال أبو حيان : وإنما أخرجها في هذا الوجه عن كونها موصولة لأنه يرى أن إلا بمعنى غير لا يوصف بها إلا النكرة وفيها خلاف، وعلى هذا يجوز أن تكون ما موصولة وإلا بمعنى غير صفة لها.
الزخرف 43:28
﴿وجعلها﴾ أي : إبراهيم ﴿كلمة﴾ أي : التوحيد المفهومة من قوله إنني إلى سيهدين ﴿باقية في عقبه﴾ أي : ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى لأنه عليه السلام مجاب الدعوة وقال :﴿ومن ذريتي﴾ ( إبراهيم : ٤٠ ) ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم﴾ ( البقرة : ١٢٩ ) ﴿لعلهم﴾ أي : أهل مكة ﴿يرجعون﴾ عما هم عليه إلى دين أبيهم فإنهم إذا ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه.
الزخرف 43:29
قال الله تعالى :﴿بل متّعت هؤلاء﴾ أي : الذين بحضرتك من المشركين وأعداء الدين ﴿وآياتهم﴾ أي : مددت لهم في الأعمار مع إسباغ النعم وسلامة الأبدان من البلايا والنقم ولم أعاجلهم بالعقوبة فأبطرتهم نعمتي، وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل ﴿حتى جاءهم الحق﴾ أي : القرآن ﴿ورسول مبين﴾ أي : مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
الزخرف 43:30
﴿ولما جاءهم الحق﴾ أي : الكامل في حقيقته بمطابقة الواقع إياها من غير إلباس ولا اشتباه وهو القرآن العظيم ﴿قالوا﴾ مكابرة وعناداً وحسداً من غير وقفة ولا تأمل ﴿هذا﴾ مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع فلا شيء أثبت منه وهو القرآن الكريم ﴿سحر﴾ أي : خيال لا حقيقة له ﴿وإنا به كافرون﴾ أي : عريقون في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع.
الزخرف 43:31
ثم ذكر تعالى نوعاً آخر من كفرهم بقوله تعالى :﴿وقالوا لولا﴾ أي : هلا ﴿نزل﴾ يعني من المنزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه وسلم وعينوا مرادهم ونفوا اللبس فقالوا :﴿هذا القرآن﴾ أي : الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل خير ﴿على رجل من القريتين﴾ أي : مكة والطائف ﴿عظيم﴾ لأنهم قالوا : منصب الرسالة منصب شريف لا يليق إلا برجل شريف وصدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة، وهي : أن الرجل الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك فلا تليق رسالة الله تعالى به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال يعنون الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود بالطائف، قال قتادة، وقال مجاهد : عتبة بن ربيعة من مكة وعبد يا ليل الثقفي من الطائف، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو الوليد بن المغيرة من مكة ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.
تنبيه : قوله تعالى :﴿من القريتين﴾ فيه حذف مضاف قدره بعضهم من رجلي القريتين، وقيل : من إحدى القريتين، وقيل : المراد عروة بن مسعود الثقفي كان بالطائف وكان يتردد بين القريتين فنسب إلى كليهما.
الزخرف 43:32
ثم رد الله تعالى عليهم إعراضهم منكراً عليهم موبخاً لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردوداً ولا موقوفاً عليهم بل إلى الله تعالى وحده والله أعلم حيث يجعل رسالاته بقوله تعالى :﴿أهم﴾ أي : أهؤلاء الجهلة العجزة ﴿يقسمون﴾ أي : على التجدد والاستمرار ﴿رحمة ربك﴾ أي : إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه أنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم لإنقاذهم من الضلال وجعلك وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم، ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسباً وأفضلهم حسباً وأعظمهم عقلاً وأصفاهم لباً وأرحمهم قلباً، ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر لا يحب شهواتهم ولا يقدرون على التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك كما قال تعالى :﴿نحن قسمنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿بينهم﴾ أي : في الأمر الزائل الذي يعمهم ويجب تخصيص كل منهم لما لديه ﴿معيشتهم﴾ أي : التي يعدونها رحمة ويقصرون عليهم النعمة ﴿في الحياة الدنيا﴾ التي هي أدنى الأشياء عندنا وأشار بتأنيثها إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتفانوا على ذلك فلم يبق منهم أحد، فكيف يدخل في الوهم أن نجعل إليهم شيئاً من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود وبها سعادة الدارين ﴿ورفعنا﴾ أي : بما لنا من نفوذ الأمر ﴿بعضهم﴾ وإن كان ضعيف البدن قليل العقل ﴿فوق بعض﴾ وإن كان قوياً غزير العقل ﴿درجات﴾ في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظم حال الوجود، فإنه لا بد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم ففاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم، ليقتسموا الصنائع والمعارف ويكون كل ميسراً لما خلق له وجانحاً لما هُيئ لتعاطيه فلم يقدر أحد من دني أو غني أن يعدو قدره ويرتقي فوق منزلته.
ثم علل ذلك بما ثمرته عمارة الأرض بقوله تعالى :﴿ليتخذ﴾ أي : بغاية جهده ﴿بعضهم بعضاً سخرياً﴾ أي : ليستخدم بعضهم بعضاً فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم ؛ لأن المقادير لو تساوت لتعطلت المعايش فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء، فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا.
قال ابن الجوزي : فإذا كانت الأرزاق بقدر الله تعالى لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة وهذا هو المراد بقوله تعالى : صارفاً القول عن مظهر العظمة إلى الوصف بالإحسان إظهار لشرف النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿ورحمة ربك﴾ أي : المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمي غيرها رحمة ﴿خير مما يجمعون﴾ من حطام الدنيا الفاني فإنه وإن تأتَّى فيه خير في استعماله في وجوه البر بشرطه فهو بالنسبة إلى النبوة وما قاربها مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش، وقيل : المراد بالرحمة : الجنة، وجرى عليه البغوي وتبعه الجلال المحلي وابن عادل، وجرى على الأول البيضاوي وتبعه البقاعي وهو الظاهر من الآية الكريمة.
فائدة : اتفق القراء هنا على قراءة سخريا بضم السين.
الزخرف 43:33
ثم بين تعالى حقارة الدنيا وخستها التي يفتخرون بها بقوله تعالى :﴿ولولا أن يكون الناس﴾ أي : أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم ﴿أمة واحدة﴾ أي : في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارهم وهممهم إلا من عصمه الله تعالى ﴿لجعلنا﴾ أي : في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضاً لها ﴿لمن يكفر﴾ وقوله تعالى :﴿بالرحمان﴾ أي : العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من جهة إعطائها إلا بعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها الله تعالى من الرفق بالمؤمنين وقوله تعالى :﴿لبيوتهم﴾ بدل من لمن بدل اشتمال بإعادة العامل واللامان للاختصاص ﴿سقفاً من فضة﴾ قال البقاعي : كأنه خصها أي : الفضة لإفادتها النور، وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء الموحدة والباقون بكسرها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسقفاً بفتح السين وسكون القاف على إرادة الجنس، والباقون بضمها جمعاً وقوله تعالى :﴿ومعارج﴾ جمع معرج وهو السلم أي : من فضة أيضاً وسميت المصاعد من الدرج معارج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج ﴿عليها﴾ خاصة لتيسر أمرها لهم ﴿يظهرون﴾ أي : يعلون ويرتقون على ظهرها إلى المعالي.
الزخرف 43:34
﴿ولبيوتهم أبواباً﴾ أي : من فضة أيضاً وقوله تعالى ﴿وسرراً﴾ أي : من فضة جمع سرير ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله تعالى :﴿عليها يتكئون﴾.
الزخرف 43:35
ودل على ما هو أعظم من الفضة بقوله تعالى :﴿وزخرفاً﴾ أي : ذهباً وزينة كاملة عامة.
تنبيه : زخرفاً يجوز أن يكون منصوباً بجعل أي : وجعلنا لهم زخرفاً، وجوز الزمخشري : أن ينتصب عطفاً على محل من فضة، كأنه قيل : سقفاً من فضة وذهب، فلما حذف الخافض انتصب أي : بعضها كذا وبعضها كذا، وقيل : الزخرف هو الذهب لقوله تعالى :﴿أو يكون لك بيت من زخرف﴾ ( الإسراء : ٩٣ ) فيكون المعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهباً كثيراً، وقيل : الزخرف الزينة لقوله تعالى :﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزّينت﴾ ( يونس : ٢٤ ) فيكون المعنى نعطيهم زينة عظيمة في كل باب ﴿وإن كل ذلك﴾ أي : البعيد من الخير لكونه في الأغلب مبعداً مما يرضينا ﴿لما متاع الحياة الدنيا﴾ أي : التي اسمها دال على دناءتها يتمتع به فيها ثم يزول، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : بتشديد الميم بعد اللام بمعنى إلا حكى سيبويه :( أنشدتك الله لما فعلت ) بمعنى إلا، وتكون أن نافية أي : وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقرأ الباقون : بالتخفيف فتكون إن هي المخففة من الثقيلة أي : وإنه كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا.
﴿والآخرة﴾ أي : الجنة التي لا دار تعدلها بل لا دار في الحقيقة إلا هي ﴿عند ربك﴾ أي : المحسن إليك بأن جعلك أفضل الخلق ﴿للمتقين﴾ أي : الذين هم دائماً واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم من الكفار، ولهذا لما ذكر عمر رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه وسلم :«ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة » وقال صلى الله عليه وسلم :«لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر قطرة ماء ».
وروى المستورد بن شداد قال :«كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترى هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا : من هوانها ألقوها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها » أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ». وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إذا أحب الله عبده حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ».
قال البقاعي : ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادي الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول : الله، أو في زمن الدجال لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنه لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك سبحانه.
فإن قيل : لم بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر فلِمَ لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير سبباً لاجتماع الناس على الإسلام ؟ أجيب : بأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا وهذا الإيمان إيمان المنافقين فاقتضت الحكمة أن لا يجعل ذلك للمسلمين حتى أن كل من دخل في الإسلام يدخل لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى.
الزخرف 43:36
﴿ومن يعش﴾ أي : يعرض ﴿عن ذكر الرحمان﴾ أي : الذي عمت رحمته فلا رحمة على أحد إلا وهي منه تعالى كما فعل هؤلاء حين متعناهم وآباءهم حتى أبطرهم ذلك وهو شيء يسير جداً، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظراً ضعيفاً كنظر من عشا بصره وهو من ساء بصره بالليل والنهار ﴿نقيض﴾ أي : نسبب ﴿له﴾ عقاباً على إعراضه عن ذكر الله تعالى ﴿شيطاناً﴾ أي : شخصاً نارياً بعيداً من الرحمة يكون غالباً عليه محيطاً به مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل ﴿فهو له قرين﴾ أي : مشدود به لا يفارقه فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعامياً عن ذكر الله تعالى، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى كما أن من يستبصر بذكر الرحمان يسخر له ملك فهو له ولي يثيره إلى كل خير، فذكر الله تعالى حصن حصين من الشيطان الرجيم متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث ».
الزخرف 43:37
﴿وأنهم﴾ أي : القرناء ﴿ليصدونهم﴾ أي : العاشين ﴿عن السبيل﴾ أي : الطريق الذي من حاد عنه هلك لأنه لا طريق له في الحقيقة سواه ﴿ويحسبون﴾ أي : العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ ﴿أنهم مهتدون﴾ أي : غريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين.
تنبيه : ذكر الإنسان والشيطان بلفظ الجمع لأن قوله تعالى :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطاناً﴾ فهو له قرين يفيد : الجمع وإن كان اللفظ على الواحد، قال أبو حيان : الظاهر أن ضميري النصب في وأنهم ليصدونهم : عائدان على مَنْ من حيث معناها وأما لفظها أولاً فأفراد في له وله ثم راعى معناها فجمع في قوله تعالى :﴿وإنهم ليصدونهم﴾ والضمير المرفوع على الشيطان لأن المراد به الجنس ولأن كل كافر معه قرينه، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : بفتح السين والباقون بكسرها.
الزخرف 43:38
وقرأ :﴿حتى إذا جاءنا﴾ نافع وابن عامر وأبو بكر : بمد الهمزة بعد الجيم على التثنية أي : جاء العاشي والشيطان، والباقون بغير مد إفراد أي : جاء العاشي ﴿قال﴾ أي : العاشي تندماً وتحسراً لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل ﴿يا ليت بيني وبينك﴾ أي : أيها القرين ﴿بعد المشرقين﴾ أي : ما بين المشرق والمغرب على التغليب قاله ابن جرير وغيره، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعاً له أنواع المذام ﴿فبئس القرين﴾ والمخصوص بالذم محذوف أي : أنت لأنك الذي قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض قال أبو سعيد الخدري :«إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصيرا إلى النار ».
الزخرف 43:39
وفي فاعل قوله تعالى :﴿ولن ينفعكم اليوم﴾ قولان أحدهما : أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها والتقدير : ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله ومنه قول الخنساء :
ولولا كثرة الباكين حولي؍ على موتاهم لقتلت نفسي؍
*ما يبكون مثل أخي ولكن؍ أعزي النفس عنه بالتأسي؍
والثاني : أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله :﴿يا ليت بيني﴾ أي : لن ينفعكم تمنيكم البعد وبعضهم اجتماعكم وبعضهم ظلمكم وجحدكم، وعبارة من عبر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها والمعنى : ولن ينفعكم اليوم في الآخرة ﴿إذ ظلمتم﴾ أي : أشركتم في الدنيا ﴿أنكم في العذاب مشتركون﴾ أي : لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب كما كنتم تشتركون في الدنيا.
تنبيه : استشكل المعربون هذه الآية ووجهه أن قوله تعالى :﴿اليوم﴾ ظرف حالي وإذ ظرف ماضي وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه عامل في الظرفين وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع إلا بعد في ظرف حالي وماض هذا مما لا يجوز ؟ أجيب : عن أعماله في الظرف الحالي على سبيل قربه منه لأن الحال قريب من الاستقبال فيجوز في ذلك قال تعالى :﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾ ( الجن : ٩ ) وقال الشاعر :
سأسعى الآن إذ بلغت أباها؍ وهو إقناعي وإلا فالمستقبل؍
يستحيل وقوعه في الحال عقلاً وأما قوله تعالى :﴿إذ﴾ ففيها للناس أوجه كثيرة قال ابن جني : راجعت أبا علي فيها مراراً كثيرة فآخر ما حصلت منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه، فإذ بدل من اليوم حتى كأنها مستقبلة أو كان اليوم ماض وإلى هذا نحا الزمخشري قال : وإذ بدل من اليوم، وحمل الزمخشري على معنى إذ تبين وصح ظلمكم ولم يبق لأحد ولا لكم شبهة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : تبين أني ولد كريمة.
الزخرف 43:40
ولما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم بالصمم والعمى بقوله تعالى :﴿أفأنت﴾ أي : وحدك من غير إرادة الله تعالى ﴿تسمع الصم﴾ وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء ﴿أو تهدي العمي﴾ الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية الخسارة روي أنه صلى الله عليه وسلم :«كان يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وعناداً في الغي فنزلت ». أي : هم في النفرة عنك وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالعمي وقوله تعالى ﴿ومن كان﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿في ضلال مبين﴾ عطف على العمي باعتبار تغاير الوصفين، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى بين في نفسه أنه ضلال وأنه محيط بالضال، يظهر لكل أحد ذلك فهو بحيث لا يخفى على أحد فالمعنى : ليس شيء من ذلك إليك بل هو إلى الله تعالى القادر على كل شيء وأما أنت فليس عليك إلا البلاغ فلا تتعب نفسك.
الزخرف 43:41
﴿فإما نذهبن بك﴾ أي : من بين أظهرهم بموت أو غيره وما مزيدة مؤكدة بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة ﴿فإنا منهم﴾ أي : من الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ضلال لم تنفعهم مشاعرهم ﴿منتقمون﴾ أي : بعد فراقك لأن وجودك بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم.
الزخرف 43:42
﴿أو نرينك﴾ وأنت بينهم ﴿الذي وعدناهم﴾ أي : من العذاب وعبر فيه بالوعد ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه ﴿فإنا﴾ أي : بما لنا من العظمة التي أنت أعلم الخلق بها ﴿عليهم﴾ أي : على عقابهم ﴿مقتدرون﴾ على كلا التقديرين، وأكد بأن لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته وكذا بالإتيان بنون العظمة وصيغة الافتعال.
الزخرف 43:43
﴿فاستمسك﴾ أي : اطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال من أحوال الإمساك ﴿بالذي أوحى إليك﴾ من حين نبوتك إلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره ﴿إنك على صراط﴾ أي : طريق واسع واضح جداً ﴿مستقيم﴾ أي : موصل إلى المقصود لا يصح أصلاً أن يلحقه شيء من عوج.
الزخرف 43:44
﴿وإنه﴾ أي : الذي أوحى إليك في الدين والدنيا ﴿لذكر﴾ أي : لشرف عظيم جداً وموعظة وبيان ﴿لك ولقومك﴾ قريش خصوصاً لنزوله بلغتهم والعرب عموماً وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم :«كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك قال : لقريش ». وروى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ». وروى معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين ». وقال مجاهد : القوم هم العرب فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم، وقيل : ذكر لك بما أعطاك من الحكمة ولقومك من المؤمنين بما هداهم الله تعالى به ﴿وسوف تسألون﴾ أي : عن القرآن يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وقال الكلبي : تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل، وقال مقاتل : يقال لمن كذب به لم كذبت ؟ فيسأل سؤال توبيخ وقيل : يسألون هل عملتم بما دل عليه القرآن من التكاليف.
الزخرف 43:45
وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى إلى السماوات العلى بعث له آدم وولده من المرسلين عليهم السلام فأذن جبريل عليه السلام ثم أقام وقال : يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل عليه السلام :﴿واسأل من أرسلنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمان﴾ أي : غيره ﴿آلهة يعبدون﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أسأل قد اكتفيت ولست شاكاً فيه. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وأبي زيد : قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم فلم يسأل ولم يشك. وقال أكثر المفسرين : سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء عليهم السلام هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد وهو قول مجاهد وقتادة والسدي، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم على واحد من القولين لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله تعالى ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى.
الزخرف 43:46
ولما طعن كفار قريش في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبكونه فقيراً معدماً عديم الجاه والمال بين الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد عليه فرعون هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال تعالى :﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : بما ظهر من عظمتنا ﴿موسى﴾ أي : الذي كان يرى فرعون أنه أحق الناس بعظمته لأنه رباه وكفله ﴿بآياتنا﴾ التي قهر بها عظماء الخلق وجبابرتهم فدل ذلك على صحة دعواه ﴿إلى فرعون﴾ الذي ادعى أنه الرب الأعلى ﴿وملائه﴾ أي : القبط ﴿فقال﴾ أي : بسبب إرسالنا ﴿إني رسول رب العالمين﴾ أي : مالكهم ومدبرهم ومربيهم فقالوا له : ائت بآية فأتى بها.
الزخرف 43:47
﴿فلما جاءهم بآياتنا﴾ أي : بآيتي اليد والعصا اللتين شاهدوا فيهما عظمتنا ودلهم ذلك على قدرتنا على جميع الآيات ﴿إذا هم﴾ أي : بأجمعهم ﴿منها يضحكون﴾ أي : فاجؤوا المجيء بها من غير توقف ولا تأمل بالضحك سخرية واستهزاء، قيل : إنه لما ألقى عصاه صارت ثعباناً فلما أخذه وصار عصا كما كانت ضحكوا.
الزخرف 43:48
ولما أعرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا :﴿وما﴾ أي : والحال أنا ما ﴿نريهم﴾ على ما لنا من الجلال والعلو وأغرق في النفي بإثبات الجار فقال تعالى :﴿من آية﴾ أي : من آيات العذاب كالطوفان وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام والجراد وغير ذلك ﴿إلا هي أكبر﴾ أي : في الرتبة ﴿من أختها﴾ أي : التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها ﴿وأخذناهم﴾ أي : أخذ قهر وغلبة ﴿بالعذاب﴾ أي : أنواع العذاب كالدم والقمل والضفادع والبرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهباً بالنار وموت الإبكار فكانت آيات على صدق موسى عليه السلام بما لها من الإعجاز، وعذاباً لهم في الدنيا موصولاً بعذاب الآخرة فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة ﴿لعلهم يرجعون﴾ أي : ليكون حالهم عندنا إذا نظرهم الجاهل بالعواقب حال من يرجى رجوعه.
الزخرف 43:49
﴿و﴾ لما عاينوا العذاب ﴿قالوا﴾ لموسى أي : قال فرعون بالمباشرة وأتباعه بالموافقة له :﴿يا أيها الساحر﴾ فنادوه بذلك في تلك الحالة لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحراً ﴿ادع لنا ربك﴾ أي : المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراماً لك ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿عهد عندك﴾ أي : من كشف العذاب عنا إن آمنا ﴿إننا لمهتدون﴾ أي : مؤمنون.
الزخرف 43:50
﴿فلما كشفنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال ﴿عنهم العذاب﴾ أي : الذي أنزلناه بهم ﴿إذا هم ينكثون﴾ أي : فاجؤوا الكشف بتجدد النكث بإخلاف بعد إخلاف.
الزخرف 43:51
﴿ونادى فرعون﴾ أي : زيادة على نكثه ﴿في قومه﴾ أي : الذين هم في غاية القيام معه وأمر كلاً منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد والقريب فتكون كأنها مناداة إعلاماً بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع فيرجعون.
ولما كان كأنه قيل : بم نادى أجاب بقوله :﴿قال﴾ أي : خوفاً من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوه من باهر الآيات مثله يزلزل ويأخذ القلوب ﴿يا قوم﴾ مستعطفاً بإعلامهم أنهم لحمة واحدة ومستنهضاً بوصفهم بأنهم ذو قوة على ما يحاوله مقرراً لهم على عذره في نكثه بقوله :﴿أليس لي﴾ أي : وحدي ﴿ملك مصر﴾ أي : كله فلا اعتراض علي من بني إسرائيل ولا غيرهم ﴿وهذه﴾ أي : والحال أن هذه ﴿الأنهار﴾ أي : أنهار النيل قال البيضاوي : ومعظمها أربعة : نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس، وقال البقاعي : كأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره ونحو ذلك من أموره فقال :﴿تجري من تحتي﴾ أي : تحت قصري أو أمري أو بين يدي في جناني وزاد في التقرير بقوله :﴿أفلا تبصرون﴾ أي : هذا الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني، وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه.
الزخرف 43:52
﴿أم أنا خير﴾ أي : مع ما وصفت لكم من ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء ﴿من هذا﴾ وكنى بإشارة القريب عن تحقيره ثم وصفه بما يبين مراده بقوله :﴿الذي هو مهين﴾ أي : ضعيف حقير ذليل لأنه يتعاطى أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوى يجري بها نهراً ولا ينفذ بها أمراً ﴿ولا يكاد يبين﴾ أي : لا يقرب من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه من الحبسة، فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان ليستجلب القلوب وينعش الألباب فتكثر أتباعه ويضخم أمره، وقد كذب في جميع قوله فقد كان موسى عليه السلام أبلغ أهل زمانه قولاً وفعلاً بتقدير الله تعالى الذي أرسله له وأمره إياه ولكن اللعين أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة تخييلاً لاتباعه لأن موسى عليه السلام ما دعا بإزالة جميع حبسته بل بعقدة منها فإنه قال ﴿واحلل عقدة من لساني ( ٢٧ ) يفقهوا قولي﴾ ( طه : ٢٧ ٢٨ ).
تنبيه : في أم من قوله أم أنا خير أقوال ؛ أحدها : أنها منقطعة فتقدر ببل التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي للإنكار، والثاني : أنها بمعنى بل فقط كقوله :
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى؍ وصورتها أم أنت في العين أملح؍
أي : بل أنت.
الثالث : أنها منقطعة لفظاً متصلة معنى قال أبو البقاء : أم هنا منقطعة في اللفظ لوقوع الجملة بعدها في اللفظ وهي في المعنى متصلة معادلة إذ المعنى : أنا خير منه أم لا وأينا خير، قال ابن عادل : وهذه عبارة غريبة أن تكون منقطعة لفظاً متصلة معنى وذلك أنهما معنيان مختلفان فإن الانقطاع يقتضي إضراباً إما إبطالاً وإما انتقالاً.
الزخرف 43:53
ثم إن فرعون اللعين ظن أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الإعراض الدنيوية والتحلي بحلي الملوك ولذا قال :﴿فلولا﴾ أي : فهلا ﴿ألقي عليه﴾ عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة ﴿أساورة﴾ وقرأ حفص بسكون السين ولا ألف بعدها كالأحمرة، والباقون بفتح السين وألف بعدها فأسورة جمع سوار كحمار وأحمرة وهو جمع قلة وأساور جمع أسوار بمعنى سوار يقال : سوار المرأة وإسوارها والأصل : أساوير بالياء فعوض من حرف المد تاء التأنيث كزنديق وزنادقة وبطريق وبطارقة، وقيل : بل هي جمع أسورة فهي جمع الجمع قاله الزجاج، والسوار ما يوضع في المعصم من الحلية ﴿من ذهب﴾ ليكون ذلك أمارة له على صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من المهمات، إذ كان من عادتهم أنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب فطلب فرعون من موسى عليه السلام مثل عادتهم ﴿أو جاء معه﴾ أي : صحبته عندما جاء إلينا بهذا النبأ الجسيم والملم العظيم ﴿الملائكة﴾ أي : هذا النوع وأشار إلى كثرتهم بما بين من الحال بقوله :﴿مقترنين﴾ أي : يقارن بعضهم بعضاً بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارناً لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولاً إلى أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع، فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه فأهلكه الله تعالى بها، إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله تعالى أهلكه الله به واستصغر موسى عليه السلام وعابه بالفقر والعي فسلطه الله تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئاً إلا غلبه، أفاده القشيري.
الزخرف 43:54
﴿فاستخف﴾ أي : بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب ﴿قومه﴾ الذين لهم قوة عظيمة فحملهم بغروره على ما كانوا مهينين له من خفة الحلم ﴿فأطاعوه﴾ أي : بأن أقروا بملكه واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه السلام ﴿أنهم كانوا﴾ أي : بما في جبلاتهم من الشر ﴿قوماً فاسقين﴾ أي : غريقين في الخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق.
الزخرف 43:55
﴿فلما آسفونا﴾ أي : أغضبونا في الإفراط في العناد والعصيان منقول من أسف إذا اشتد غضبه، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له : أتغضب يا أبا خالد فقال : قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله تعالى يقول :﴿فلما آسفونا﴾ أي : أغضبونا ﴿انتقمنا منهم﴾ أي : أوقعنا بهم على وجه المكافأة بما فعلوا برسولنا عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة مكروهة كأنها بعلاج ﴿فأغرقناهم أجمعين﴾ أي : إهلاك نفس واحدة لم يلفت منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم.
تنبيه : ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى وذكر لفظ الانتقام كل واحد منهما من المتشابهات التي يجب تأويلها فمعنى الغضب في حق الله تعالى : إرادة العذاب ومعنى الانتقام : إرادة العقاب بجرم سابق وقال بعض المفسرين : معنى آسفونا : أحزنوا أولياءنا.
الزخرف 43:56
﴿فجعلناهم﴾ أي : بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه ﴿سلفاً﴾ أي : متقدماً لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة أو قدوة لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال تعالى :﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ ( القصص : ٤١ )
﴿ومثلاً﴾ أي : حديثاً عجيب الشأن سائراً سير المثل ﴿للآخرين﴾ أي : الذين خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالاً لآخرين فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه، ومن أريد به الشر اقتدى به في الشر، وقرأ حمزة والكسائي : بضم السين واللام والباقون بفتحهما، فأما الأولى : فتحتمل ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه جمع سليف كرغيف ورغف وسمع القاسم بن معن من العرب : سليف من الناس كالفريق منهم، والثاني : أنه جمع سالف كصابر وصبير، والثالث : أنها جمع سلف كأسد وأسد، وأما الثانية : فتحتمل وجهين ؛ أحدهما : أن يكون جمعاً لسالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا في الحقيقة اسم جمع لا جمع تكسير إذ ليس في أبنية التكسير صيغة فعل، والثاني : أنه مصدر يطلق على الجماعة تقول سلف الرجل يسلف سلفاً أي : تقدم والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض وسلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف، وقال طفيل : سلفوا سلفاً فصد السبيل عليهم صروف المنايا والرجال تغلب.
الزخرف 43:57
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿ولما ضرب ابن مريم مثلاً﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين : نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام لما نزل قوله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ ( الأنبياء : ٩٨ ) كما تقدم في سورة الأنبياء والمعنى : ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه ﴿إذا قومك﴾ أي : من قريش ﴿منه﴾ أي : من هذا المثل ﴿يصدون﴾ أي : يرفع لهم ضجيج فرحاً بسبب ما رأوا من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم، فإن العادات قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقال قتادة : يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلهاً كما عبدت النصارى عيسى.
الزخرف 43:58
﴿وقالوا آلهتنا﴾ أي : التي نعبدها من الأصنام ﴿خير أم هو﴾ قال قتادة : يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا، وقال السدي وابن زيد : يعنون عيسى عليه السلام قالوا : توهم محمد أن كل ما نعبد من دون الله فهو في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار قال الله تعالى :﴿ما ضربوه﴾ أي : المثل ﴿لك إلا جدلا﴾ أي : خصومة بالباطل لعلمهم أن لفظ ما لغير العاقل فلا يتناول من ذكروه ﴿بل هم قوم﴾ أي : أصحاب قوة على القيام فيما يحاولونه ﴿خصمون﴾ أي : شديدوا الخصام.
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال ». وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم يصدون بكسر الصاد، والباقون بضمها وهما بمعنى واحد يقال صد يصد ويصد كعكف يعكف ويعكف وعرش يعرش ويعرش، وقيل : الضم من الصدود وهو الإعراض، وقرأ الكوفيون : آلهتنا بتحقيق الهمزتين، والباقون بتسهيل الثانية واتفقوا على إبدال الثانية ألفاً.
الزخرف 43:59
ثم إنه تعالى بين أن عيسى عبد من عبيده الذين أنعم عليهم بقوله تعالى :﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : عيسى عليه السلام ﴿إلا عبد﴾ أي : وليس هو بإله ﴿أنعمنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿عليه﴾ أي : بالنبوة والإقدار على الخوارق ﴿وجعلناه﴾ أي : بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته ﴿مثلاً﴾ أي : أمراً عجيباً كالمثل لغرابته من أنثى فقط بلا واسطة ذكر كما خلقنا آدم من غير ذكر وأنثى وشرفناه بالنبوة ﴿لبني إسرائيل﴾ الذين هم أعرف الناس به، بعضهم بالمشاهدة، وبعضهم بالنقل القريب المتواتر فيعرفون به قدرة الله تعالى على ما يشاء حيث خلقه من غير أبٍ.
الزخرف 43:60
﴿ولو نشاء﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿لجعلنا﴾ ما هو أغرب مما صنعناه من أمر عيسى عليه السلام ﴿منكم﴾ أي : جعلا مبتدأ منكم إما بالتوليد كما جعلنا عيسى عليه السلام من أنثى من غير ذكر، وجعلنا آدم عليه السلام من تراب من غير أنثى ولا ذكر، وإما بالبدلية ﴿ملائكة في الأرض يخلفون﴾ أي : يخلفونكم في الأرض والمعنى : أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليداً كما جاز خلقها إبداعاً فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله تعالى.
الزخرف 43:61
﴿وإنه﴾ أي : عيسى عليه السلام ﴿لعلم للساعة﴾ أي : نزوله سبب للعلم بقرب الساعة التي هي تعم الخلائق كلها بالموت فنزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها قال صلى الله عليه وسلم :«يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عادلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتهلك في زمنه الملل كلها إلا الإسلام ».
وروي :«أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها : أنيق وبيده حربة وعليه مخصرتان وشعر رأسه دهين يقتل الدجال ويأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر، وروي في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ». وقال النبي صلى الله عليه وسلم :«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ». وقال الحسن وجماعة. وإنه أي : القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها ويخبركم أحوالها وأهوالها ﴿فلا تمترن بها﴾ حذف منه نون الرفع للجزم وواو الضمير لالتقاء الساكنين من المرية وهي الشك أي : لا تشكن فيها وقال ابن عباس : لا تكذبوا بها ﴿واتبعوني﴾ أي : أوجدوا تبعكم لي ﴿هذا﴾ أي : كل ما أمرتكم به من هذا أو غيره ﴿صراط﴾ أي : طريق واضح ﴿مستقيم﴾ أي : لا عوج له، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بغير ياء وصلاً وقفاً.
الزخرف 43:62
﴿ولا يصدنكم الشيطان﴾ أي : عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود بأيسر سعي ﴿إنه لكم﴾ أي : عامة وأكد الخبر لأن أفعال التابعين له أفعال من ينكر عداوته ﴿عدو مبين﴾ أي : واضح العداوة في نفسه مناد بها وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم آدم عليه السلام حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة إلى موضع النصب عداوة ناشئة عن الحسد فهي لا تنفك أبداً.
الزخرف 43:63
﴿ولما جاء عيسى﴾ أي : إلى بني إسرائيل ﴿بالبينات﴾ أي : المعجزات أي : بآيات الإنجيل وبالشرائع الواضحات ﴿قال﴾ منبهاً لهم ﴿قد جئتكم﴾ بما يدلكم قطعاً على أني آية من عند الله وكلمة منه ﴿بالحكمة﴾ أي : الأمر المحكم الذي لا يستطاع نقضه، ولا يدفع بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال ﴿ولأبيّن لكم﴾ أي : بياناً واضحاً ﴿بعض الذي تختلفون﴾ أي : الآن ﴿فيه﴾ ولا تزالون تجددون الخلاف بسببه، فإن قيل : لِمَ لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه ؟.
أجيب : بأنه بين لهم كل ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم :«أنتم أعلم بأمر دنياكم ». ويحتمل أن يكون المراد أنه يبين لهم بعض المتشابه وهو ما يكون بيانه كافياً في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه، فالمحكم : ما ليس فيه التباس، والمتشابه : ما يكون ملتبساً وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب، فالصادق الذي رسخ علماً وإيماناً يرد المتشابه منه إلى المحكم أو يعجز فيقول : الله أعلم بمراده ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ ( آل عمران : ٨ )
ولا يتزلزل، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره كأهل الإلحاد الجوامد المفتونين أو يؤوله بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن.
ولما بين لهم الأصول والفروع قال :﴿فاتقوا الله﴾ أي : خافوا من له الملك الأعظم من الكفر والإعراض عن دينه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم، ومن المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجه إلا بإذنه ﴿وأطيعون﴾ أي : فيما أبلغه عنه إليكم من التكاليف فطاعتي لأمره بما يرضيه هو ثمرة التقوى وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه.
الزخرف 43:64
﴿إن الله﴾ أي : الذي اختص بالجلال والجمال فكان أهلاً لأن يُتقى ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿ربي وربكم﴾ أي : المحسن إلي وإليكم ﴿فاعبدوه﴾ أي : بما أمركم به لأنه صدقني في أمركم باتباعي بما أظهره على يدي فصار هو الآمر لكم لا أنا ﴿هذا﴾ أي : الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه ﴿صراط﴾ أي : طريق واسع جداً واضح ﴿مستقيم﴾ لا عوج فيه.
الزخرف 43:65
ولما كان الطريق الواضح القويم موجباً للاجتماع عليه والوفاق عند سلوكه بين تعالى أنهم اختلفوا فيه بقوله تعالى :﴿فاختلف الأحزاب﴾ أي : الفرق المتحزبة ﴿من بينهم﴾ أي : اختلافاً ناشئاً ابتداء من بني إسرائيل في عيسى أهو الله ؟ أو ابن الله ؟ أو ثالث ثلاثة ؟ وقوله تعالى :﴿فويل﴾ كلمة عذاب ﴿للذين ظلموا﴾ أي : وضعوا الشيء في غير موضعه بما قالوه في عيسى عليه السلام ﴿من عذاب يوم أليم﴾ أي : مؤلم وإذا كان اليوم مؤلماً فما الظن بعذابه.
الزخرف 43:66
﴿هل ينظرون﴾ أي : هل ينظر كفار مكة أو الذين ظلموا ﴿إلا الساعة﴾ أي : ساعة الموت العام والبعث والقيامة فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه وقوله تعالى :﴿أن تأتيهم﴾ بدل من الساعة، فإن قيل : قوله تعالى :﴿بغتة﴾ أي : فجأة يفيد قوله تعالى :﴿وهم لا يشعرون﴾ أي : بوقت مجيئها قبله ؟ أجيب : بأنه يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه.
الزخرف 43:67
﴿الأخلاء﴾ أي : الأحباء في الدنيا على المعصية وقوله تعالى :﴿يومئذ﴾ أي : يوم القيامة، متعلق بقوله تعالى :﴿بعضهم لبعض عدو﴾ أي : يتعادون في ذلك اليوم لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتحابون له سبباً للعذاب ﴿إلا المتقين﴾ أي : المتحابين في الله على طاعة الله تعالى وهم الموحدون الذين يخالل بعضهم بعضاً على الإيمان والتقوى فإن خلتهم لا تصير عداوة.
روى أبو ثور عن مَعْمَر عن قَتَادة عن أبي إسحاق أن علياً قال في الآية : خليلان مؤمنان وخليلان كافران فمات أحد المؤمنين فقال : يا رب إن فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك يأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني أني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما فيقول : لِيثنين أحدكم على صاحبه فيقول : نِعم الأخ ونِعم الخليل ونِعم الصاحب، قال : ويموت أحد الكافرينِ فيقول : يا رب إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فبئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب.
الزخرف 43:68
ثم بين تعالى ما يتلقى به المؤمنين الذين قد توادوا فيه سبحانه تشريفاً لهم وتسكيناً لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال بقوله تعالى :﴿يا عباد﴾ فأضافهم إلى نفسه إضافة تشريفٍ لأن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين، وفيه أنواع كثيرة توجب المدح أولها : أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وهذا تشريف عظيم بدليل أنه تعالى لما أراد تشريف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى :﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ ( الإسراء : ١ ) والثاني قوله :﴿لا خوف﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿عليكم اليوم﴾ أي : في يوم الآخرة مما يحويه من الأهوال والأمور الشداد والزلزال، وثالثها : قوله تعالى :﴿ولا أنتم تحزنون﴾ أي : لا يتجدد لكم حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به، وقرأ شعبة بفتح الياء في الوصل وسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً.
الزخرف 43:69
وقوله تعالى :﴿الذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا هذه الحقيقة يجوز أن يكون نعتاً لعبادي أو بدلاً منه أو عطف بيان له أو مقطوعاً منصوباً بفعلٍ أي : أعني الذين آمنوا أو مرفوعاً وخبره مضمر تقديره يقال لهم : ادخلوا الجنة، قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم فيقول الذين آمنوا ﴿بآياتنا﴾ الظاهرة عظمتها في نفسها أولاً وبنسبتها إلينا ثانياً ﴿وكانوا﴾ أي : دائماً بما هو لهم كالجبلة والخلق ﴿مسلمين﴾ أي : منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد فبذلك يعدلون إلى حقيقة التقوى فينكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم فيمر حسابهم على أحسن الوجوه.
الزخرف 43:70
ثم يقال لهم :﴿ادخلوا الجنة﴾ ولما كان السرور لا يكمل إلا بالرفيق السار قال تعالى :﴿أنتم وأزواجكم﴾ أي : نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات، وأما قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله تعالى وكانوا مسلمين ﴿تحبرون﴾ أي : تسرون وتنعمون والحبرة : المبالغة في الإكرام على أحسن الوجوه.
الزخرف 43:71
وقوله تعالى :﴿يطاف﴾ قبله محذوف أي : يدخلون يطاف ﴿عليهم﴾ أي : المتقين الذي جعلناهم بهذا النداء ملوكاً ﴿بصحاف من ذهب﴾ فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم، والصحاف جمع صَحْفَة كجفنة وجفان، قال الجوهري : الصحفة كالقصعة والجمع صحاف، قال الكسائي : أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المِئكلة تشبع الرجلين والثلاثة ثم الصحيفة تشبع الرجل والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف.
ولما كانت آلة الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل جرى على ذلك المعهود فعبر بجمع القلة في قوله تعالى :﴿وأكواب﴾ جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له إيذاناً بأنه لا حاجة أصلاً إلى تعليق شيء لتبريد أو صيانة عن أذى أو نحو ذلك : وقيل : هو كالإبريق إلا أنه لا عروة له، وقيل : إنه لا خرطوم له، وقيل : إنه لا عروة له ولا خرطوم معاً قال الجواليقي : ليتمكن الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك وقال عدي :
متكئاً تصفق أبوابه؍ يطوف عليه العبد بالكوب؍
ثم إنه تعالى لما ذكر التفصيل ذكر بياناً كلياً فقال ﴿وفيها﴾ أي : الجنة ﴿ما تشتهي الأنفس﴾ من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة جزاء لهم بما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا ﴿وتلذ الأعين﴾ أي : من الأشياء المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق.
روي أن رجلاً قال :«يا رسول الله أفي الجنة خيل فإني أحب الخيل فقال : إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت، فقال أعرابي : يا رسول الله أفي الجنة إبل فإني أحب الإبل فقال : يا أعرابي إن أدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك » وقرأ نافع وابن عامر وحفص بهاء بعد الياء بإثبات العائد على الموصول كقوله تعالى :﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ ( البقرة : ٢٧٥ ) والباقون بغيرها بعد الياء كقوله تعالى :﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ ( الفرقان : ٤١ ) وهذه القراءة مشبهة بقوله تعالى :﴿وما عملته أيديهم﴾ ( يس : ٣٥ ) وهذه الهاء في هذه السورة رسمت في مصاحف المدينة والشام وحذفت من غيرها، وقد وقع لأبي عبد الله الفاسي شارح القصيدة وهم فسبق قلمه فكتب الهاء منه محذوفة في مصاحف المدينة والشام مثبوتة في غيرها فعكس.
ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى عائداً إلى الخطاب لأنه أشرف وأكد ﴿وأنتم فيها خالدون﴾ لبقائها وبقاء كل ما فيها فلا كلفة عليهم أصلاً من خوف من زوال ولا خوف من فوات.
الزخرف 43:72
ثم أشار إلى فخامتها بأداة البعد فقال تعالى :﴿وتلك الجنة﴾ أي : العالية المقام ﴿التي أورثتموها﴾ شبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الثاء المثلثة في المثناة وأظهرها الباقون ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ أي : مواظبين على ذلك لا تفترون لأن العمل كان لهم كالجبلة التي جبلوا عليها فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم.
الزخرف 43:73
ولما ذكر سبحانه الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال :﴿لكم فيها فاكهة﴾ أي : ما يؤكل تفكهاً وإن كان لحماً وخبزاً ﴿كثيرة﴾ ودل على الكثرة وعلى دوام النعمة بقصد التفكه لكل شيء فيها بقوله تعالى :﴿منها﴾ أي : لا من غيرها مما يلحظ فيه القوت ﴿تأكلون﴾ فلا تنفد أبداً ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على صفة الماء النابع لا يؤخذ منها شيء إلا خلف مكانه مثله في الحال، ورد في الحديث :«أنه لا ينزع رجل ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها ».
تنبيه : لما بعث الله تعالى نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام إلى العرب وكانت في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ذكر الله تعالى هذه المعاني مرة بعد أخرى تكميلاً لرغباتهم وتقوية لدواعيهم ومِنْ في قوله تعالى ﴿منها تأكلون﴾ تبعيضية أو ابتدائية وقدم الجار لأجل الفاصلة.
الزخرف 43:74
ولما ذكر سبحانه الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن فقال تعالى :
﴿إن المجرمين﴾ أي : الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل ﴿في عذاب جهنم﴾ أي : النار التي من شأنها إلقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى ﴿خالدون﴾ لأن اجتراءهم كان طبعاً لهم لا ينفكون عنه أصلاً ما بقوا.
الزخرف 43:75
﴿لا يفتر عنهم﴾ أي : لا يقصد إضعافه بنوع من الضعف فنفي التفتر نفي للفتور من غير عكس، قال البيضاوي : وهو من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلاً والتركيب للضعف ﴿وهم فيه﴾ أي : العذاب ﴿مبلسون﴾ أي : ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج، وعن الضحاك : يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يقفل عليه فيبقى خالداً لا يرى ولا يرى.
الزخرف 43:76
﴿وما ظلمناهم﴾ نوعاً من الظلم ﴿ولكن كانوا﴾ جبلة وطبعاً وعملاً وصنعاً ﴿هم الظالمين﴾ لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك ما بقوا والأعمال بالنيات.
الزخرف 43:77
ولما كان مفهوم الإبلاس السكوت بين تعالى أنهم ليسوا ساكتين دائماً بقوله تعالى :
﴿ونادوا﴾ ثم بين أن المنادي خازن النار بقوله تعالى : مؤكداً البعد بأداته ﴿يا مالك ليقض علينا﴾ أي : سل سؤالاً حتماً أن يقضي القضاء الذي لا قضاء مثله وهو الموت على كل واحد منا وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا :﴿ربك﴾ أي : المحسن إليك فلم يروا للَّه تعالى عليهم إحساناً وهم في تلك الحالة ولا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلاً، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحداً منهم فوق استحقاقه، ولذلك جعل النار دركات كما جعل الجنة درجات فأجاب مالك عليه السلام بأن ﴿قال﴾ مؤكداً قطعاً لأطماعهم لأن كلامهم هذا هو بحيث يفهم الرجاء وإعلاماً بأن رحمة الله التي موضع الرجاء خاصة بغيرهم ﴿إنّكم ماكثون﴾ أي : دائماً أبداً لا خلاص لكم بموت ولا غيره وليس في القرآن متى أجابهم هل أجابهم في الحال أو بعد مدة لكن روى ابن عباس : أن أهل النار يدعون مالكاً خازن النار يقولون : ليقض علينا ربك أي : ليمتنا ربك فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة إنكم ماكثون أي : مقيمون في العذاب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : يجيبهم بعد أربعين، وعن غيره مائة سنة واختلفوا في أن قولهم :﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ على أي وجه طلبوه فقال بعضهم : على التمني وقال آخرون : على وجه الاستغاثة وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم من ذلك العذاب.
الزخرف 43:78
ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالعلة لذلك الجواب بقوله تعالى :﴿لقد جئناكم﴾ أي : في هذه السورة خصوصاً وفي جميع القرآن عموماً ﴿بالحق﴾ على لسان الرسل وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الجيم، والباقون بالإدغام.
﴿ولكن أكثركم للحق كارهون﴾ لما فيه من المنع من الشهوات فلذلك أنتم تقولون إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط لا لأجل أن في حقيّته نوعاً من الخفاء، فإن قيل : كيف قال : ونادوا يا مالك بعد أن وصفهم بالإبلاس ؟ أجيب : بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم، روى أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون : ادعوا مالكاً فيدعون ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾.
الزخرف 43:79
ولما ذكر تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال تعالى :﴿أم أبرموا﴾ أي : أحكم كفار مكة ﴿أمراً﴾ أي : في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم ﴿فإنا مبرمون﴾ أي : محكمون أمراً في مجازاتهم أي : مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى :﴿أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون﴾ ( الطور : ٤٢ ) قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم المكر في دار الندوة.
تنبيه : أم منقطعة والإبرام : الإتقان وأصله في الفتل يقال أبرم الحبل، أي : أتقن فتله وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل قال زهير :
لعمري لنعم السيدان وجدتما؍ على كل حال من سحيل ومبرم؍
الزخرف 43:80
﴿أم يحسبون أنّا﴾ أي : على ما لنا من العظمة المقتضية لجميع صفات الكمال ﴿لا نسمع سرهم﴾ أي : كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يغضبنا، والسر ما حدث به الشخص نفسه أو غيره في مكان خال.
ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى وهو يعلم ما في الضمائر وهي مما يعلم حقق أن المراد به حقيقته بقوله تعالى :﴿ونجواهم﴾ أي : تناجيهم في كلامهم المرتفع فيما بينهم حتى كأنه على نجوة أي : مكان عال، فعلم أن المراد حقيقة السمع وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ﴿بلى﴾ نسمع الصنفين كليهما على حد سواء ﴿ورسلنا﴾ وهم الحفظة من الملائكة على الجميع السلام على ما لهم من العظمة بنسبتهم إلينا ﴿لديهم﴾ أي : عندهم، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿يكتبون﴾ أي : يجددون الكتابة كل ما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد لأن من علم أن أعماله محصاة مكتوبة يجتنب ما يخاف عاقبته، وعن يحيى بن معاذ الرازي : من ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السماوات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق.
الزخرف 43:81
ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعائهم لله ولداً من الملائكة وهددهم بقوله تعالى :﴿ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿إن كان للرحمان﴾ أي : العام الرحمة ﴿ولد﴾ أي : على زعمكم والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة وغيرهم ﴿فأنا﴾ أي : في الرتبة، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بغير مد ﴿أول العابدين﴾ للرحمن العبادة التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة أي : فأنا لا أعبد غيره لا ولداً ولا غيره، ولم يشأ لي الرحمان أن أعبد الولد ولا غيره، أو يكون المعنى : أنا أول العابدين للرحمن على وجه الإخلاص لم أشرك به شيئاً أصلاً في وقت من الأوقات بما سميتموه ولداً أو شريكاً أو غيرهما، ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمته فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاءه لي ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي ولو أن له ولداً لشاء لي عبادته، فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه وخصوصها بي لكوني عبده خالصاً يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له فبطلت شبهتكم بمثلها بل بأقوى منها، وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى.
وقال الزمخشري : إن كان للرحمان ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها، ثم قال : وقد تمحل الناس بما أخرجوه من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه فقيل : إن كان للرحمان ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه، وقيل : إن كان للرحمان ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد.
وقال ابن عباس : إن إن نافية أي : ما كان له ولد فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولداً ولو كان له ولد إله لعبدته تقرباً إليه بعبادة ولده، وروي أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال : إن الملائكة بنات الله تعالى فنزلت فقال النضر : ألا ترون أنه قد صدقني فقال له الوليد بن المغيرة : ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له.
الزخرف 43:82
ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال :﴿سبحان رب﴾ أي : مبدع ومالك ﴿السماوات والأرض﴾ أي : اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإيجاد والتربية.
ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلاً قال محققاً لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له، ولم يعد العطف لأن العرش من السماوات ﴿رب العرش﴾ أي : المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السماوات والأرض ﴿عما يصفون﴾ أي : يقولون من الكذب من أن له ولداً أو شريكاً وذلك أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ما كان كذلك فهو لا يقبل التجزي بوجه من الوجوه، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله وهذا إنما يعقل فيمن تكون ذاته قابلة للتجزي والتبعيض، وإذا كان ذلك محالاً في حق إله العالم امتنع إثبات الولد.
الزخرف 43:83
ولما ذكر تعالى هذا البرهان القاطع قال تعالى مسبباً عن ذلك :﴿فذرهم﴾ أي : اتركهم على أسوأ أحوالهم ﴿يخوضوا﴾ أي : يفعلوا في باطلهم فعل الخائض في الماء ﴿ويلعبوا﴾ أي : يفعلوا فعل اللاعب في دنياهم ﴿حتى يلاقوا﴾ أي : يفعلوا بتصرم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا ﴿يومهم الذي يوعدون﴾ أي : بوعد لا خلف فيه وهو يوم القيامة فيظهر فيه وعيدهم والمقصود منه التهديد لأنه تعالى ذكر الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا فلم يلتفتوا إليها لأجل استغراقهم في طلب المال والجاه والرياسة، فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الموعود به.
الزخرف 43:84
ثم زاد في التنزيه فقال تعالى :﴿وهو الذي في السماء إله﴾ أي : معبود لا شريك له ﴿وفي الأرض إله﴾ تتوجه الرغبات إليه في جميع الأحوال وتخلص إليه في جميع أوقات الاضطرار، فقد وقع الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذه الرتبة وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا مشارك له في هذا الاستحقاق فعبادة غيره باطلة، وقرأ قالون والبزي بتسهيلها مع المد والقصر، وقرأ أبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها أيضاً ألفاً وقرأ الباقون بتحقيقهما.
تنبيه : كل من الظرفين متعلق بما بعده لأن إله بمعنى معبود أي : معبود في السماء ومعبود في الأرض وحينئذ يقال : الصلة لا تكون إلا جملة أو ما في تقديرها وهو الظرف وعديله ولا شيء منهما هنا ؟ أجيب : بأن المبتدأ حذف لدلالة المعنى عليه وذلك المحذوف هو العائد تقديره وهو الذي هو في السماء إله وهو في الأرض إله، وإنما حذف لطول الصلة بالمعمول فإن الجار متعلق بإله ومثله ما أنا بالذي قائل لك سوء ﴿وهو الحكيم﴾ أي : البليغ الحكمة في تدبير خلقه ﴿العليم﴾ أي : البالغ في علمه بمصالحهم.
الزخرف 43:85
﴿وتبارك﴾ أي : وثبت ثباتاً لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال له مع اليمن والبركة وكل كمال فلا شبيه له حتى يدعى أنه ولد له أو شريك. ثم وصفه تعالى بما يبين تباركيته واختصاصه بالألوهية فقال عز من قائل :﴿الذي له ملك السماوات﴾ أي : كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ﴿وما بينهما﴾ أي : وما بين كل اثنين منهما، والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار ﴿وعنده﴾ أي : وحده ﴿علم الساعة﴾ أي : العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها ﴿وإليه﴾ أي : وحده لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ بأيسر أمر تحقيقاً لملكه وقطعاً للنزاع في وحدانيته، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة، والباقون بالفوقية على الالتفات للتهديد.
الزخرف 43:86
﴿ولا يملك﴾ أي : بوجه من الوجوه في وقت ما ﴿الذين يدعون﴾ أي : يعبدون أي : الكفار ﴿من دونه﴾ أي : الله تعالى ﴿الشفاعة﴾ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله وقوله تعالى ﴿إلا من شهد بالحق﴾ أي : قال : لا إله إلا الله، فيه قولان ؛ أحدهما : أنه متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله والمعنى : لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد إلا من شهد بالحق ﴿وهم يعلمون﴾ أي : بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهم عيسى ومريم وعزير والملائكة فإنهم يملكون أن يشفعوا للمؤمنين بتمليك الله تعالى إياهم لها، والثاني : هو منقطع إن خص بالأصنام.
الزخرف 43:87
﴿ولئن سألتهم﴾ أي : الكفار مع ادعائهم الشريك ﴿من خلقهم﴾ أي : العابدين والمعبودين معاً ﴿ليقولن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال لتعذر المكابرة من فرط ظهوره ﴿فأنى﴾ أي : فكيف وأي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر ﴿يؤفكون﴾ أي : يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة كما أنا توحدنا في الخلق.
الزخرف 43:88
وقرأ :﴿وقيلِه﴾ أي : قول محمد صلى الله عليه وسلم عاصم وحمزة بخفض اللام والهاء على معنى وعنده علم الساعة وعلم قيله، والباقون بنصب اللام ورفع الهاء على المصدر بفعله المقدر أي : وقال ﴿يا رب إن هؤلاء قوم﴾ أي : أقوياء على الباطل ولم يضفهم إلى نفسه بأن يقول قومي ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم باسم قبيلتهم لما شأنه من حالهم ﴿لا يؤمنون﴾ أي : لا يتجدد منهم هذا الفعل أصلاً.
الزخرف 43:89
﴿فاصفح﴾ أي : اعف عفو من أعرض ﴿عنهم﴾ صفحاً فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ ﴿وقل﴾ أي : لهم ﴿سلام﴾ أي : شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم، قال ابن عباس : وهذا منسوخ بآية السيف، وقال الرازي : وعندي التزام النسخ في مثل هذه المواضع مشكل لأن الأمر لا يقيد بالفعل إلا مرة واحدة فسقطت دلالة اللفظ فأي حاجة إلى التزام النسخ، وأيضاً فاللفظ المطلق قد يتقيد بحسب العرف فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى التزام النسخ وجرى على النسخ الجلال المحلي فقال : وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم وقوله تعالى :﴿فسوف يعلمون﴾ فيه تهديد لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر بتاء الخطاب التفاتاً، والباقون بياء الغيبة نظراً لما تقدم وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون » حديث موضوع.
الدخان 44:1
وقوله تعالى :﴿حم﴾ قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وقرأه ورش وأبو عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح وتقدمت الإشارة إلى شيء من أسرار أخواتها.
الدخان 44:2
وقوله تعالى :﴿والكتاب المبين﴾ فيه احتمالان ؛ الأول : أن يكون التقدير هذه حم والكتاب المبين كقولك : هذا زيد والله، الثاني : أن يكون التقدير حم والكتاب المبين.
الدخان 44:3
﴿إنا أنزلناه﴾ فيكون في ذلك تقدير قسمين على شيء واحد ويجوز أن يكون ﴿إنا أنزلناه﴾ جواب القسم وأن يكون اعتراضاً والجواب قوله تعالى :﴿إنا كنا منذرين﴾ واختاره ابن عطية، وقيل :﴿إنا كنا﴾ مستأنف و﴿فيها يفرق﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون صفة ليلة وما بينهما اعتراض.
تنبيه : يجوز أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى :﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب﴾ ( الحديد : ٢٥ )
ويجوز أن يكون المراد به اللوح المحفوظ قال الله تعالى :﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ( الرعد : ٣٩ ) وقال تعالى :﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾ ( الزخرف : ٤ ) ويجوز أن يكون المراد به القرآن واقتصر على ذلك البيضاوي وتبعه الجلال المحلي، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة : أتشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك وجاء في الحديث :«أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك ». والمبين : هو المشتمل على بيان ما بالناس من حاجة إليه في دينهم ودنياهم فوصفه بكونه مبيناً وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى لأن الإبانة حصلت به كقوله تعالى :﴿أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ ( الروم : ٣٥ ) فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة فكأنه ذو لسان ينطق مبالغة في وصفه.
واختلف في قوله سبحانه وتعالى :﴿في ليلة مباركة﴾ فقال قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين : هي ليلة القدر : وقال عكرمة وطائفة : إنها ليلة البراءة وهي ليلة النصف من شعبان، واحتج الأولون بوجوه ؛ الأول : قوله تعالى ﴿إنا أنزلنا في ليلة القدر﴾ ( القدر : ١ ) فقوله تعالى ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ يجب أن تكون هي تلك الليلة المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض، ثانيها : قوله تعالى :﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ ( البقرة : ١٨٥ ) فقوله تعالى ههنا ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان فثبت أنها ليلة القدر، ثالثها : قوله تعالى في صفة ليلة القدر :﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ ( القدر : ٤ ).
الدخان 44:4
وقال تعالى ههنا :﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ وقال ههنا ﴿رحمة من ربك﴾ وقال تعالى في ليلة القدر ﴿سلام هي﴾ ( القدر : ٥ ) وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى، رابعها : نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال : نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لثنتي عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان، والليلة المباركة هي : ليلة القدر، خامسها : أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم، ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا، وأعظم الأشياء وأشرفها شعباً في الدين هو القرآن لأنه ثبت به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل كما قال تعالى في صفته :﴿ومهيمناً عليه﴾ ( المائدة : ٤٨ ) وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذه أدلة ظاهرة واضحة، واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه ؛ أولها : أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصك وليلة الرحمة، وقيل : بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة.
وقيل في تسميتها : ليلة البراءة والصك أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة وكذلك الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، ثانيها : أنها مختصة بخمس خصال الأولى : قال تعالى :﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ والثانية : فضيلة العبادة فيها، روى الزمخشري أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك : ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان ». ثالثها : نزول الرحمة قال صلى الله عليه وسلم :«إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب ». رابعها : حصول المغفرة فيها قال صلى الله عليه وسلم :«إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا الكاهن والساحر ومدمن الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا ». خامسها : أنه تعالى أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة تمام الشفاعة في أمته، قال الزمخشري : وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع إلا من شرد عن الله شرود البعير.
وروي أن عطية الحروري سأل ابن عباس عن قوله تعالى :﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ( القدر : ١ ) كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور فقال ابن عباس : يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع في نفسك هذا ولم تحرجوا به لهلكت، نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالاً فحالاً، وقال قتادة وابن زيد : أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً في عشرين سنة وقوله تعالى ﴿إنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿كنا﴾ أي : دائماً لعبادنا ﴿منذرين﴾ أي : مخوفين استئناف بين به المقتضى للإنزال.
وكذلك قوله تعالى :﴿فيها﴾ أي : الليلة المباركة سواء قلنا إنها ليلة القدر أو ليلة النصف ﴿يفرق﴾ أي : ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة ﴿كل أمر حكيم﴾ أي : محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحي به من الكتب وغيرها والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيماناً، قال ابن عباس : يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال : يحج فلان ويحج فلان، وقال الحسن ومجاهد وقتادة : يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل عمل وأجل وخلق ورزق وما يكون في تلك السنة، وقال عكرمة : ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد قال صلى الله عليه وسلم :«تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح النساء ويولد له وقد خرج اسمه في ديوان الموتى ».
وعن ابن عباس : أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وروي : أن الله تعالى أنزل القرآن من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر فدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبريل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال، قال ابن عادل : إلى إسرافيل وقال الزمخشري : إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت، قال الزمخشري : وعن بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
الدخان 44:5
وقوله تعالى :﴿أمراً﴾ أي : فرقاً حال من فاعل أنزلناه ومن مفعوله أي : أنزلناه آمرين أو مأموراً به كائناً ﴿من عندنا﴾ على مقتضى حكمتنا وقوله تعالى :﴿إنا كنا﴾ أي : أزلاً وأبداً ﴿مرسلين﴾ جواب ثالث أو مستأنف أو بدل من قوله تعالى :﴿إنا كنا منذرين﴾ أي : لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح العباد لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس فلا يكون لأحد على الله تعالى حجة، قال البقاعي : وهذا الكلام المنتظم والقول الملتئم بعضه ببعض المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال دال على أنه لم ينزل صحيفة ولا كتاباً إلا في هذه الليلة، فيدل على أنها ليلة القدر للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها، وكذلك قوله تعالى في سورة القدر :﴿تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ ( القدر : ٤ ) فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمر الحكيم.
الدخان 44:6
ثم بين تعالى حال الرسالات بقوله تعالى :﴿رحمة﴾ وعدل لأجل ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم بالعظمة من قوله :﴿منا﴾ إلى قوله تعالى ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى من قبلك فإن رسالاتهم كانت لب الأنوار في العبادات وتمهيد الشرائع في البلاد حتى استنارت القلوب واطمأنت النفوس بما صارت تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق وقال ابن عباس : معنى رحمة من ربك أي : رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل، وقال الزجاج : أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة ﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿السميع العليم﴾ أي : أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين إما أن يذكروا حاجاتهم بألسنتهم أو لم يذكروها فإن ذكروها فإنه سميع وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها.
الدخان 44:7
﴿رب﴾ أي : مالك ومنشئ ومدبر ﴿السماوات﴾ أي : جميع الأجرام العالية ﴿والأرض وما بينهما﴾ مما تشاهدون من هذا الفضاء وما فيه من الهواء وغيره مما تعلمون من أكساب العباد وغيرها مما لا تعلمون، ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بخفض الباء الموحدة على البدل أو البيان أو النعت، والباقون برفعها على إضمار مبتدأ أو على أنه مبتدأ خبره لا إله إلا هو، والمقصود من هذه الآية أن المنزِّل إذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزَّل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة، فإن قيل : ما معنى الشرط الذي هو قوله تعالى ﴿إن كنتم موقنين﴾ ؟ أجيب : بأنهم كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم : إن كنتم يا أهل مكة موقنين بأنه تعالى رب السماوات والأرض فأيقنوا بأن محمداً عبده ورسوله.
الدخان 44:8
ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان وحدانيته أنتج ذلك قوله تعالى :﴿لا إله إلا هو﴾ أي : وإلا لنازعه في أمرهما منازع، أو أمكن أن ينازع فيكون محتاجاً لا محالة وإلا لدفع عنه من يمكن نزاعه وخلافه إياه فلا يكون صالحاً للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإنجاء لكل من يوافقهم على ممر الزمان وتطاول الدهر ومر الحدثان على نظام مستمر وحال ثابت مستقر.
ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره ثبت قوله تعالى :﴿يحيي ويميت﴾ لأن ذلك من أجل ما فيهما من التدبير وهو تنبيه على تمام دلائل التوحيد لأنه لا شيء ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه ويحال شيء من الأمر عليه فهما جملتان الأولى : نافية لما أثبتوه من الشركة، والثانية، مثبتة لما نفوه من البعث ﴿ربكم﴾ أي : الذي أفاض عليكم ما تشاهدونه من النعم في الأرواح وغيرها ﴿ورب آبائكم الأولين﴾ أي : الذي أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون فلم يقدر أحد منهم على ممانعة، ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة.
الدخان 44:9
﴿بل هم﴾ أي : بضمائرهم ﴿في شك﴾ أي : من البعث ﴿يلعبون﴾ أي : يفعلون دائماً فعل التارك لما هو فيه من أخذ الجد الذي لا مرية فيه إلى اللعب الذي لا فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه استهزاء بك يا أشرف الرسل فقال صلى الله عليه وسلم :«اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ».
الدخان 44:10
قال تعالى :﴿فارتقب﴾ أي : انتظر بكل جهد عالياً عليهم ناظراً لأحوالهم نظر من هو حارس لها ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أي : ظاهر.
الدخان 44:11
﴿يغشى الناس﴾ أي : المهددين بهذا فقالوا عند إتيانه ﴿هذا عذاب اليم﴾ أي : يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه كما كنتم تؤلمون من يدعوكم إلى الله تعالى، واختلف في هذا الدخان فروى أبو الصفاء عن مسروق قال : بينما رجل يحدث في كندة قال : يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا، فأتينا ابن مسعود وكان متكئاً فغضب فجلس فقال : من علم فليقل به ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم : لا أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ ( ص : ٨٦ ) فإن قريشاً أبطأوا عن الإسلام فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال :«اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال : يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله تعالى لهم فقرأ ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله تعالى ﴿عائدون﴾ وهذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخاناً.
وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان في هذه الحالة وجهين الأول : أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض فبسبب انقطاع المطر يرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء وذلك يشبه الدخان ويقولون : كان بيننا أمر ارتفع له دخان، ولهذا يقال للسنة المجدبة الغبراء، الثاني : أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان والسبب فيه : أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه ويرى الدنيا كالمملوءة من الدخان.
ونقل عن علي بن أبي طالب : أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة، ويروى أيضاً عن ابن عباس في المشهور عنه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا قال حذيفة : يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال : يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كالزكمة وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار ». وقال صلى الله عليه وسلم :«باكروا بالأعمال ستاً وذكر منها طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة » رواه الحسن.
الدخان 44:12
واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون :﴿ربنا اكشف عنا العذاب﴾ ثم عللوا بما علموا أنه الموجب للكشف فقالوا مؤكدين ﴿إنا مؤمنون﴾ أي : عريقون في وصف الإيمان فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله والرحم وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم، أما إذا حمل على أن المراد منه : ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا :﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ ولم يصح أيضاً أن يقال :﴿إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾ قال البقاعي : ويصح أن يراد به طلوع الشمس من مغربها، روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها » ثم قرأ الآية.
الدخان 44:13
﴿أنى﴾ أي : كيف ومن أين ﴿لهم الذكرى﴾ أي : هذا التذكر العظيم الذي وصفوا به أنفسهم، وقرأ حمزة والكسائي أنى بالإمالة محضة، وقرأ أبو عمرو بالإمالة بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح وأمال الذكرى محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي، وأمال ورش بين بين، والباقون بالفتح وكذلك الكبري ﴿وقد﴾ أي : والحال أنه قد ﴿جاءهم﴾ ما هو أعظم من ذلك وأدخل في وجوب الطاعة ﴿رسول مبين﴾ أي : ظاهر غاية الظهور، وموضح غاية الإيضاح، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وأظهر دال قد نافع وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون.
الدخان 44:14
﴿ثم تولوا عنه﴾ أي : أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ ﴿وقالوا﴾ أي : زيادة على إساءتهم بالتولي ﴿معلم﴾ أي : علمه غيره القرآن من البشر، قال بعضهم : علمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وقال آخرون : إنه ﴿مجنون﴾ أي : يلقي الجن إليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي.
الدخان 44:15
﴿إنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿كاشفو العذاب﴾ أي : بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه دعا فرفع عنهم القحط ﴿قليلاً﴾ أي : زمناً يسيراً، قيل : إلى يوم بدر، وقيل : ما بقي من أعمارهم ﴿إنكم عائدون﴾ أي : ثابت عودكم عقب كشفنا عنكم إلى الكفران لما في جبلاتكم من العوج وطبائعكم من المبادرة إلى الزلل، فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل.
الدخان 44:16
وقوله تعالى :﴿يوم نبطش﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿البطشة الكبرى﴾ أي : يوم بدر منصوب باذكر أو بدل من يوم تأتي، والبطش : الأخذ بقوة ﴿إنا منتقمون﴾ أي : منهم في ذلك اليوم وهو قول ابن عباس وأكثر العلماء وفي رواية عن ابن عباس : أنه يوم القيامة.
الدخان 44:17
﴿ولقد فتنا﴾ أي : اختبرنا بما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة الحال بالإبلاء والتمكين ثم الإرسال ﴿قبلهم﴾ أي : هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم ﴿قوم فرعون﴾ أي : مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا وسيأتي التصريح به في آخر القصة ﴿وجاءهم﴾ أي : فرعون وقومه زيادة في فتنتهم ﴿رسول كريم﴾ هو موسى عليه السلام قال الكلبي : كريم على ربه بمعنى أنه تعالى أعطاه أنواعاً كثيرة من الإكرام، وقال مقاتل : حسن الخلق، وقال الفراء : يقال فلان كريم قومه، قيل : ما بعث نبي إلا من أشراف قومه وأكرمهم.
الدخان 44:18
ثم فسر ما بلغهم من الرسالة بقوله :﴿أن أدوا إلي﴾ ما أدعوكم إليه من الإيمان أي : أظهروا طاعتكم بالإيمان لي يا ﴿عباد الله﴾ أو أطلقوا بني إسرائيل ولا تعذبوهم وأرسلوهم معي كقوله ﴿فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم﴾ ( طه : ٤٧ ) ﴿إني لكم﴾ أي : خاصة بسبب ذلك ﴿رسول﴾ أي : من عند الله الذي لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه ﴿أمين﴾ أي : بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان كذلك.
الدخان 44:19
وقوله عليه السلام :﴿وأن لا تعلوا﴾ معطوف على أنّ الأولى وأَنْ هذه مقطوعة في الرسم، والمعنى لا تتكبروا ﴿على الله﴾ تعالى بإهانة وحيه ورسوله ﴿إني آتيكم بسلطان﴾ أي : برهان ﴿مبين﴾ أي : بين على رسالتي فتوعدوه حين قال لهم ذلك بالرجم.
الدخان 44:20
فقال :﴿وإني عذت﴾ أي : اعتصمت وامتنعت ﴿بربي﴾ الذي رباني على ما اقتضاه لطفه وإحسانه إلي ﴿وربكم﴾ الذي أعاذني من تكبركم وقوة مكَّنتكم ﴿أن ترجمون﴾ أي : أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي فإني قلت : إني أخاف أن يقتلون فقال تعالى ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا﴾ ( القصص : ٣٥ )
فمن أعظم آياتي أن لا تصلوا مع قوتكم وكثرتكم إلى قتلي مع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني، وقال ابن عباس : أن ترجمون بالقول وهو الشتم وتقولوا : هو ساحر، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في التاء، والباقون بالإظهار، وقرأ ورش بإثبات الياء بعد النون في ترجمون في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً وصلاً وكذلك فاعتزلون الآتي.
الدخان 44:21
ولما كان التقدير فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم عطف عليه قوله تعالى :﴿وإن لم تؤمنوا لي﴾ أي : تصدقوا لأجل ما أخبرتكم به ﴿فاعتزلون﴾ أي : كونوا بمعزل مني لا عليّ ولا ليّ فلا تتعرضوا إلي بسوء فإنه ليس جزاء دعائكم إلى ما فيه فَلا حُكم.
الدخان 44:22
والفاء في قوله تعالى :﴿فدعا﴾ تدل على أنه متصل بمحذوف قبله وتأويله أنهم كفروا ولم يرضوا فدعا موسى عليه السلام ﴿ربه﴾ الذي أحسن إليه سياسته وسياسة قومه ثم فسر ما دعا بقوله :﴿أن هؤلاء﴾ أي : الحقيرين الأذلين الأرذلين ﴿قوم﴾ لهم قوة على القيام فيما يحاولونه ﴿مجرمون﴾ أي : موصوفون بالعراقة في قطع ما أمرت به أن يوصل، فإن قيل : الكفر أعظم حالاً من الجرم فما السبب في أنه جعل الكفار مجرمين حين أراد المبالغة في ذمهم ؟ أجيب : بأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه والفاسق في دينه، أخس الناس.
الدخان 44:23
ثم تسبب عن دعائه لأنه ممن يستجاب دعاؤه قوله تعالى :﴿فأسر بعبادي﴾ أي : بني إسرائيل الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي وقوله تعالى :﴿ليلاً﴾ نصب على الظرفية، والإسراء : سير الليل، فذكر الليل تأكيد بغير اللفظ وإنما أمره بالسير بالليل لأنه أوقع بالقبط موت الإبكار ليلاً فأمر موسى أن يخرج بقومه في ذلك الوقت خوفاً من أن يموتوا مع القبط.
ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت منعوهم الخروج وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر فقتلوهم، علل هذا الأمر بقوله مؤكداً له لأن حال القبط عندما أمرهم بالخروج كان حال من لا يتهيأ له الخروج في قوله :﴿إنكم متبعون﴾ أي : مطلوبون بغاية الجهد من عدوكم فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من الجزع من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسبب وقوع الموت الناشئ فيهم، فإن القلوب بيد الله تعالى فهو ينسي قلب فرعون بعد رؤية هذه الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم، فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بكم فلم أكلفكم بمباشرة شيء من أمرهم، وقرأ نافع وابن كثير فاسر بوصل الهمزة بعد الفاء، والباقون بقطعها، قال الزمخشري : وفيه وجهان إضمار القول بعد الفاء أي : فقال اسر بعبادي، وجواب شرط مقدر كأنه قال : إن كان الأمر كما تقول : فأسر بعبادي، قال أبو حيان : وكثيراً ما يدعى حذف الشرط ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه الأمر أو ما أشبهه يقال : سرى وأسرى لغتان.
الدخان 44:24
ولما أمر بالإسراء أمر بما يفعل فيه فقال تعالى :﴿واترك البحر﴾ أي : إذا سريت بهم وتبعك العدو ووصلت بعد إليه وأمرناك بضربه لينفتح لتدخلوا فيه فدخلتم ونجيتم ﴿رهواً﴾ بعد خروجكم منه بأجمعكم وفي الرهو وجهان أحدهما : أنه الساكن أي : اتركه ساكناً قال الأعشى :
يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة؍ ولا الصدور على الأعجاز تتكل؍
أي : مشياً ساكناً على هينه قاراً على حاله بحيث يبقى المرتفع من مائه مرتفعاً، والمنخفض منخفضاً كالجدار، وطريقه الذي سرتم به يابساً ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها لأن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فأمر أن يتركه ساكناً على هيئته قاراً على حاله ليدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم، والثاني : أن الرهو الفجوة الواسعة وعن بعض العرب أنه رأى جملاً فالجاً فقال : سبحان الله رهو بين سنامين أي : اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً ﴿إنهم جند مغرقون﴾ أي : متمكنون في هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو في الأمور.
الدخان 44:25
ولما أخبر تعالى عن غرقهم أخبر عن متخلفهم بقوله تعالى :﴿كم تركوا﴾ أي : كثيراً ترك الذين سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا ﴿من جنات﴾ أي : بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار والنبات وحسنها الذي يستر الهموم ودل على كرم الأرض بقوله تعالى :﴿وعيون﴾.
الدخان 44:26
﴿وزروع﴾ أي : ما هو دون الأشجار، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين والباقون بضمها ثم أخبر عن منازلهم بقوله تعالى :﴿ومقام كريم﴾ أي : مجلس شريف هو أهل لأن يقوم الإنسان فيه لأنه في النهاية فيما يرضيه.
الدخان 44:27
﴿ونعمة﴾ وهي اسم للتنعم بمعنى الترفيه والعيش اللين الرغد ﴿كانوا فيها﴾ أي : دائماً ﴿فاكهين﴾ أي : فعلهم في عيشهم فعل المتفكه المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة نفسه.
الدخان 44:28
وقوله تعالى :﴿كذلك﴾ خبر لمبتدأ مضمر أي : الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه فلا يغتر أحد بما ابتليناه من النعم لئلا نصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم وقوله تعالى :﴿وأورثناها﴾ أي : تلك الأمور العظيمة عطف على تركوا ﴿قوماً﴾ أي : ناساً ذوي قوة في القيام على ما يحاولونه وحقق أنهم غيرهم تحقيقاً لإغراقهم بقوله تعالى :﴿آخرين﴾ ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل وقيل : غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر بل سكنوا الأرض المقدسة.
الدخان 44:29
ولما سكن القوم الآخرون بمصر ورثوا كنوزها وأموالها ونعمها ومقامها الكريم وقوله تعالى :﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم لهوانهم، وإذا لم تبك المساكن فما ظنك بالساكن الذي هو فيها تقول العرب : إذا مات رجل خطير في تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له الشمس قال الفرزدق :
فالشمس طالعة ليست بكاسفة؍ تبكي عليك نجوم الليل والقمر؍
وقالت الخارجية :
أيا شجر الخابور مالك مورقاً؍ كأنك لم تجزع على ابن طريف؍
وقال جرير :
لما أتى خبر الزبير تواضعت؍ سور المدينة والجبال الخشع؍
وذلك على سبيل التخييل والتمثيل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء، عليه قال الزمخشري : وكذلك ما يروى عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى :﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ تهكماً بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض.
وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ما من مسلم إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا مات وفقداه بكيا عليه وتلا هذه الآية ». وقال علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وعن الحسن : فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين يعني فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض. وقال عطاء : بكاء السماء حمرة أطرافها، وقال السدي : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما : بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها، وقرأ أبو عمرو عليهم في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضمهما، والباقون : بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء والباقون بالكسر ﴿وما كانوا منظرين﴾ أي : لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك تقصير.
الدخان 44:30
ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمراً باهراً لا يكاد يصدق فضلاً عن أن يكون بإهلاك أعدائهم، أكد سبحانه الأخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالاً وأنهم في قبضتهم فقال تعالى :﴿ولقد نجينا﴾ أي : بما لنا من العظمة تنجية عظيمة ﴿بني إسرائيل﴾ بعبدنا المخلص لنا ﴿من العذاب المهين﴾ أي : من استعباد فرعون وقتله أبناءهم.
الدخان 44:31
وقوله تعالى :﴿من فرعون﴾ بدل من العذاب على حذف المضاف، أو جعله عذاباً لإفراطه في التعذيب، أو حال من المهين أي : واقعاً من جهته ﴿إنه كان عالياً﴾ أي : في جبلته العراقة في العلو ﴿من المسرفين﴾ أي : العريقين في مجاوزة الحدود.
الدخان 44:32
﴿ولقد اخترناهم﴾ أي : بني إسرائيل بما لنا من العظمة ﴿على علم﴾ أي : عالمين بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويجوز أن يكون المعنى مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال. ثم بين المفضل عليه بعد أن بين المفضل بقوله تعالى :﴿على العالمين﴾ أي : الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتب وأرسلنا إليهم من الرسل، وقيل : على الناس جميعاً لكثرة الأنبياء منهم، وقيل : عام دخله التخصص.
الدخان 44:33
ثم بين آثار الاختيار بقوله تعالى :﴿وآتيناهم﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿من الآيات﴾ أي : العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليه السلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين للشريعة عليهم السلام ﴿ما فيه بلاء﴾ أي : اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه إلى غير ما كان عليه، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع ﴿مبين﴾ أي : بين في نفسه موضح لغيره.
الدخان 44:34
﴿إن هؤلاء﴾ إشارة إلى كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار على مثل ما حل بهم ﴿ليقولون﴾ أي : بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار.
الدخان 44:35
﴿إن﴾ أي : ما ﴿هي﴾ وقولهم ﴿إلا موتتنا﴾ على حذف مضاف أي : ما الحياة إلا حياة موتتنا ﴿الأولى﴾ التي كانت قبل نفخ الروح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الجاثية ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ ( الأنعام : ٢٩ ) وقال الجلال المحلي : إن هي ما الموتة التي بعدها الحياة إلا موتتنا الأولى أي : وهم نطف، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿وما نحن بمنشرين﴾ أي : بمبعوثين بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت، يقال : نشره وأنشره أحياه.
الدخان 44:36
ثم احتجوا على نفي الحشر والنشر بقولهم :﴿فأتوا﴾ أي : أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت ﴿بآبائنا﴾ أي : لكوننا نعرفهم ونعرف وفور عقولهم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : ثابتاً صدقكم في أنا نبعث يوم القيامة أحياء بعد الموت.
الدخان 44:37
ثم خوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية فقال تعالى :﴿أهم خير﴾ أي : في الدين والدنيا ﴿أم قوم تُبّع﴾ أي : ليسوا خيراً منهم فهو استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة : ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم في ملوك الحرب، وقال قتادة : هو تبع الحميري وكان من ملوك اليمن سمي بذلك : لكثرة أتباعه وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه، ولذلك ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم :«لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم ». وعنه صلى الله عليه وسلم :«ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي ». وعن عائشة رضي الله عنها قالت :«لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً ». وذكر عكرمة عن ابن عباس : أنه كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق وحبر الحبر وبنى قصر سمرقند، وملك بقومه الأرض طولها والعرض وكان أقرب المملكين إلى قريش زماناً ومكاناً، وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار، قال الرازي في اللوامع : هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق.
قال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار : لما قتل ابنه غيلة في المدينة الشريفة وما وعظ به اليهود في الكف عن خراب المدينة لأنها مهاجر نبي من قريش إنه صدقهم واتبع دينهم وذلك قبل نسخه. وعن الرياشي آمن تبع بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة عام، فإن قيل : ما معنى قوله تعالى :﴿أهم خير أم قوم تبّع﴾ مع أنه لا خير في الفريقين ؟ أجيب : بأن معناه أهم خير في القوة والشوكة كقوله تعالى :﴿أكفّاركم خير من أولئكم﴾ ( القمر : ٤٣ ) بعد ذكر آل فرعون ويجوز في قوله تعالى :﴿والذين من قبلهم﴾ أي : مشاهير الأمم كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد، ثلاثةُ أوجه ؛ أحدها : أن يكون معطوفاً على قوم تبع، ثانيها : أن يكون مبتدأ وخبره ﴿أهلكناهم﴾ أي : بعظمتنا وإن كانوا أصحاب مكنة وقوة، وأما على الأول ﴿فأهلكناهم﴾ إما مستأنف، وإما حال من الضمير المستكن في الصلة، ثالثها : أن يكون منصوباً بفعل مقدر يفسره أهلكناهم ولا محل لأهلكناهم حينئذ ﴿إنهم كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿مجرمين﴾ أي : عريقين في الإجرام فليحذر هؤلاء إن ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم.
الدخان 44:38
ولما أنكر تعالى على كفار مكة قولهم، ووصفهم بأنهم أضعف ممن كان قبلهم، ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث والقيامة فقال تعالى :﴿وما خلقنا السماوات﴾ أي : على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد عن العبث.
ولما كان الدليل على تطابق الأرض دليلاً دقيقاً وحدها بقوله تعالى :﴿والأرض﴾ أي : على ما فيها من المنافع ﴿وما بينهما﴾ أي : النوعين وبين كل واحدة منهما وما يليها ﴿لاعبين﴾ أي : على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعباً بل اللعب أخف منه، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين للصفة القدسية وقد تقدم تقرير هذا الدليل في أول سورة يونس وفي آخر سورة المؤمنين عند قوله تعالى :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً﴾ ( المؤمنون : ١١٥ ) وفي ص عند قوله تعالى ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً﴾ ( ص : ٢٨ ).
الدخان 44:39
﴿ما خلقناهما﴾ أي : السماوات والأرض مع ما بينهما وقوله تعالى :﴿إلا بالحق﴾ حال إما من الفاعل وهو الظاهر، وإما من المفعول أي : إلا محقين في ذلك يستدل به على وحدانيتنا وقدرتنا وغير ذلك، أو متلبسين بالحق ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي : هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون :﴿إن هي إلا موتتنا الأولى﴾ وكذا من نحا نحوهم ﴿لا يعلمون﴾ أي : إنا خلقنا الخلق بسبب إقامته الحق عليهم فهم لأجل ذلك يجترؤون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، ولو تذكروا ما ذكرناه في جبلاتهم لعلموا علماً ظاهراً أنه الحق الذي لا معدل عنه، كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم ويشترطون الحكم بالحق ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه.
الدخان 44:40
ولما ذكر الدليل على إثبات البعث والقيامة ذكر عقبه يوم الفصل فقال تعالى :﴿إن يوم الفصل﴾ أي : يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين العباد، قال الحسن : سمي بذلك ؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين أهل الجنة والنار، وقيل : يفصل فيه بين المؤمن وما يكرهه وبين الكافر وما يريده ﴿ميقاتهم﴾ أي : وقت موعدهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت فيه الكتب على ألسنة الرسل ﴿أجمعين﴾ لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والإنس والملائكة وجميع الحيوانات.
الدخان 44:41
وقوله تعالى :﴿يوم لا يغني﴾ أي : بوجه من الوجوه بدل من يوم الفصل، أو منصوب بإضمار أعني، أو صفة لميقاتهم، ولا يجوز أن ينتصب بالفصل نفسه لما يلزم من الفصل بينهما بأجنبي وهو ميقاتهم ﴿مولى﴾ أي : من قرابة أو غيرها ﴿عن مولى﴾ بقرابة أو غيرها أي : لا يدفع عنه ﴿شيئاً﴾ من الأشياء كثر أو قل ﴿ولا هم﴾ أي : القسمان ﴿ينصرون﴾ أي : ليس لهم ناصر يمنعهم من عذاب الله تعالى.
تنبيه : المولى إما في الدين، أو في النسب، أو العتق، وكل هؤلاء لا يسمون بالمولى فلما لم تحصل النصرة منهم فأن لا تحصل ممن سواهم أولى، ونظير هذه الآية قوله تعالى :﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً﴾ ( البقرة، ٤٨ ) إلى قوله تعالى ﴿ولا هم ينصرون﴾ ( البقرة : ٤٨ ) وقال الواحدي : المراد بقوله تعالى :﴿مولى عن مولى﴾ الكفار ؛ لأنه ذكر بعده المؤمن فقال تعالى :﴿إلا من رحم الله﴾.
الدخان 44:42
﴿إلا من رحم الله﴾ أي : أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله تعالى في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه. وقال ابن عباس : يريد المؤمن فإنه يشفع له الأنبياء والملائكة.
تنبيه : يجوز في ﴿إلا من رحم الله﴾ أوجه ؛ أحدها : وهو قول الكسائي أنه منقطع، ثانيها : أنه متصل تقديره لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم كما مر، ثالثها : أن يكون مرفوعاً على البدلية من مولى الأول ويكون يغني بمعنى ينفع قاله الحوفي، رابعها : أنه مرفوع المحل أيضاً على البدل من واو ينصرون أي : لا يمنع من العذاب إلا من رحم الله ﴿إنه﴾ أي : وحده ﴿هو العزيز﴾ أي : المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد ﴿الرحيم﴾ أي : الذي لا يمنع عزته أن يكرم من شاء.
الدخان 44:43
ولما وصف تعالى اليوم ذكر بعده وعيد الكفار فقال سبحانه :﴿إن شجرة الزقوم﴾ هي من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم وقد مر الكلام عليها في الصافات، ورسمت بالتاء المجرورة فوقف عليها بالهاء أبو عمرو وابن كثير والكسائي، ووقف الباقون بالتاء على الرسم.
الدخان 44:44
﴿طعام الأثيم﴾ أي : المبالغ في اكتساب الآثام حتى صارت به إلى الكفر قال أكثر المفسرين : هو أبو جهل.
الدخان 44:45
﴿كالمهل﴾ أي : وهو ما يمهل في النار حتى يذوب من ذهب أو فضة وكل ما في معناهما من المنطبعات سواء كان من صفر أو حديد أو رصاص، وقيل : هو عكر القطران، وقيل : عكر الزيت وقرأ ﴿يغلي في البطون﴾ أي : من شدة الحر ابن كثير وحفص بالياء التحتية على أن الفاعل ضمير يعود على طعام، وجوز أبو البقاء أن يعود على الزقوم، وقيل : يعود على المهل نفسه والباقون بالتاء الفوقية على أن الفاعل ضمير الشجر.
الدخان 44:46
﴿كغلي﴾ أي : مثل غلي ﴿الحميم﴾ أي : الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه ».
الدخان 44:47
ويقال للزبانية :﴿خذوه﴾ أي : هذا الأثيم أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئاً ﴿فاعتلوه﴾ أي : جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بضم التاء والباقون بكسرها وهما لغتان في مضارع عتل، قال البقاعي : وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة الكسر ﴿إلى سواء﴾ أي : وسط ﴿الجحيم﴾ أي : النار التي هي غاية في الاضطرام والتوقد وهو موضع خروج الشجرة التي هي طعامه.
الدخان 44:48
﴿ثم صبوا فوق رأسه﴾ أي : ليكون المصبوب محيطاً بجميع جسده ﴿من عذاب الحميم﴾ أي : من الحميم الذي لا يفارقه العذاب فهو أبلغ مما في آية ﴿يُصبّ من فوق رؤوسهم الحميم﴾ ( الحج : ١٩ ).
الدخان 44:49
ويقال له توبيخاً وتقريعاً :﴿ذق﴾ أي : العذاب ﴿إنك﴾ وأكد بقوله :﴿أنت﴾ أي : وحدك دون هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك ﴿العزيز الكريم﴾ بزعمك وقولك : ما بين جبليها أعز وأكرم مني، وقرأ الكسائي بفتح الهمزة بعد القاف على معنى العلة أي : لأنك، وقيل : تقديره ذق عذاب الحميم إنك أنت العزيز، والباقون بالكسر على الاستئناف المفيد للعلة فتتحد القراءتان معنى، وهذا الكلام الذي على سبيل التهكم أغيظ للمستهزأ به. ومثله قول جرير لشاعر سمى نفسه زهرة اليمن :
ألم يكن في رسوم قد رسمت بها؍ من كان موعظة يا زهرة اليمن؍
وكان هذا الشاعر قد قال :
أبلغ كليباً وأبلغ عنك شاعرها؍ أني الأعز وأني زهرة اليمن؍
الدخان 44:50
ويقال لهم :﴿إن هذا﴾ أي : الذي ترون من العذاب ﴿ما كنتم به﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿تمترون﴾ أي : تعالجون أنفسكم وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة الأولى من التصديق بالممكن لاسيما من جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك.
الدخان 44:51
ولما ذكر سبحانه وتعالى وعيد الكفار أردفه بآيات الوعد فقال :﴿إن المتقين﴾ أي : العريقين في هذا الوصف ﴿في مقام﴾ أي : موضع إقامة لا يريد الحال فيه تحولاً عنه ﴿أمين﴾ أي : يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم أي : في مجلس أمين، والباقون بضمها على المصدر أي : في إقامة.
الدخان 44:52
وقوله تعالى :﴿في جنات﴾ أي : بساتين تقصر العقول عن إدراك كل وصفها، بدل من قوله تعالى في مقام أمين أو خبر ثان. وقرأ ﴿وعيون﴾ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين، والباقون بضمها.
الدخان 44:53
ولما كان لا يتم العيش إلا بكسوة البدن أشار إلى ذلك بقوله تعالى :﴿يلبسون﴾ ودل على الكثرة جداً بقوله تعالى :﴿من سندس﴾ وهو ما رق من الحرير يعمل وجوهاً ﴿وإستبرق﴾ هو ما غلظ منه يعمل بطائن، وسمي بذلك : لشدة بريقه وقوله تعالى :﴿متقابلين﴾ أي : في مجلسهم ليستأنس بعضهم ببعض حال. وقوله :﴿يلبسون﴾ حال من الضمير المستكن في الجار أو خبر ثان فيتعلق الجار به أو مستأنف، فإن قيل : الجلوس على هذه الهيئة موحش ؛ لأن كل واحد منهم يصير مطلعاً على ما يفعل الآخر وأيضاً فقليل الثواب إذا طلع على كثيره ينغص عليه ؟ أجيب : بأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا وقد قال تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ﴾ ( الأعراف : ٤٣ ).
الدخان 44:54
وقوله تعالى :﴿كذلك﴾ يجوز فيه وجهان ؛ أحدهما : النصب نعتاً لمصدر أي : نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أي : مثل ذلك الفعل، ثانيهما : الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر كذلك.
ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال تعالى :﴿وزوجناهم﴾ أي : قرناهم كما تقرن الأزواج، وليس المراد به العقد ؛ لأن فائدة العقد الحل، والجنة ليست بدار تكليف من تحليل أو تحريم ﴿بحور﴾ أي : جوار بيض حسان نقيات الثياب ﴿عين﴾ أي : واسعات الأعين. قال البيضاوي : واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرهن.
الدخان 44:55
ولما كان الشخص في الدنيا يخشى كلف النفقات وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال تعالى :﴿يدعون﴾ أي : يطلبون طلباً هو غاية المسرة ﴿فيها﴾ أي : الجنة أي : يؤتون ﴿بكل فاكهة﴾ أي : لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف لبعد مكان ولا فقدان ولا غير ذلك من الشأن، وفي ذلك إيذان بأنه مع سعته ليس فيه شيء لإقامة البنية وإنما هو للتفكه والتلذذ حال كونهم مع ذلك ﴿آمنين﴾ في غاية الأمن من كل مخوف.
الدخان 44:56
﴿لا يذوقون فيها﴾ أي : الجنة ﴿الموت﴾ لأنها دار خلود لا دار فناء وقوله تعالى ﴿إلا الموتة الأولى﴾ فيه أوجه ؛ أحدها : أنه استثناء منقطع أي : لكن الموتة الأولى قد ذاقوها، ثانيها : أنه متصل وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يصير بلطف الله كأنه في الجنة لاتصاله بأسبابها ومشاهدته إياها وما يعطاه من نعيمها فكأنه مات فيها، ثالثها : أن إلا بمعنى سوى أي : سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا كما في قوله تعالى :﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ ( النساء : ٢٢ ) أي : سوى ما قد سلف، رابعها : أن إلا بمعنى بعد، أي : لا يذوقون فيها الموت بعد الموتة الأولى في الدنيا واختاره الطبري لكن نوزع بأن إلا بمعنى بعد لم يثبت وقد يجاب : بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، خامسها : قال الزمخشري : أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله :﴿إلا الموتة الأولى﴾ موضع ذلك ؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها، سادسها : المراد بالمتقين أعم من الراسخين وغيرهم وإن ضمير فيها يرجع للآخرة، فالعاصي إذا أراد الله تعالى تعذيبه بالنار يذيقه فيها موتة أخرى كما جاء في الأحاديث الصحيحة فيكون على المجموع، سابعها : أن الموتة الأولى في الجنة المجازية فلا يكون ذلك بالمحال وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا.
قال بعض العلماء : الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن التقي فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه إياه فيها وقربه منه ونظره إليه وذكره له وعبادته إياه وشغله به وهو معه أينما كان، فإن قيل : أهل النار لا يذوقون الموت أبداً فلم بشر أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه ؟ أجيب : بأن البشارة ما وقعت بدوام الحياة فقط بل مع حصول تلك الخيرات والسعادات فافترفا ﴿ووقاهم﴾ أي : المتقين ﴿عذاب الجحيم﴾ أي : التي تقدم أنها لكل كفار أثيم. وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله تعالى من أراد منهم النار فيعذب كلاً منهم على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم، فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم من ماء الحياة، ثم يدخلهم الله تعالى الجنة.
روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحماً أدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة : من هؤلاء فيقال : هؤلاء الجهنميون ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمماً ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة »، فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة.
الدخان 44:57
وقوله تعالى :﴿فضلاً﴾ مفعول لأجله أي : فعل ذلك بهم لأجل الفضل، وجعله أبو البقاء : منصوباً بمقدر أي : تفضلنا بذلك فضلاً أي : تفضلاً.
تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله تعالى فضلاً وإحساناً وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص من النار والفوز بالجنة فإنما يحصل بفضل الله تعالى ﴿من ربك﴾ أي : المحسن إليك بكمال إحسانه إلى أتباعك إحساناً يليق بك، قال الرازي في اللوامع : أصل الإيمان رؤية الفضل في جميع الأحوال.
ولما عظمه الله تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه صلى الله عليه وسلم زاد تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الفضل العظيم الواسع ﴿هو﴾ أي : خاصة ﴿الفوز﴾ أي : الظفر بجميع المطالب ﴿العظيم﴾ لأنه خلاص عن المكاره، ولم يدع جهة من الشرف إلا ملأها، وهذا يدل على أن الفضل أعلى من درجات الثواب المستحق ؛ لأنه تعالى وصفه بكونه فوزاً عظيماً، وأيضاً فإن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى من إعطاء تلك الأجرة.
الدخان 44:58
ولما بيّن تعالى الدليل وشرح الوعد والوعيد قال تعالى :﴿فإنما يسرناه﴾ أي : سهلنا القرآن سهولة كبيرة ﴿بلسانك﴾ أي : هذا العربي المبين وهم عرب سجيتهم الفصاحة ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي : يفهمونه فيتعظون به وإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا به.
الدخان 44:59
﴿فارتقب﴾ أي : فانتظر ما يحل بهم ﴿إنهم مرتقبون﴾ أي : منتظرون ما يحل بك فمفعولا الارتقاب محذوفان أي : فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك.
الجاثية 45:1
وتقدم الكلام على قوله تعالى :﴿حم﴾ ثم إن جعلتها اسماً مبتدأ مخبراً عنه بقوله تعالى :﴿تنزيل الكتاب﴾.
الجاثية 45:2
﴿تنزيل الكتاب﴾ أي : الجامع لكل خير لم يكن بد من حذف مضاف تقديره، تنزيل حم تنزيل الكتاب. وقوله تعالى :﴿من الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان تنزيل الكتاب مبتدأ والظرف خبراً ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه.
الجاثية 45:3
ولما كانت الحواميم كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس لبيان القرآن حذف ما ذكر في البقرة من قوله تعالى ﴿خلق﴾ ليكون ما هنا أشمل فقال تعالى :﴿إن في السماوات﴾ أي : ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة، وما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب ﴿والأرض﴾ كذلك وبما حوت من المعادن والمعاش ﴿لآيات﴾ أي : دلالات على وجود الإله القادر الفاعل المختار ؛ فإن من المعلوم أنه لا بد لكل ذلك من صانع متصف بذلك، وقال تعالى ﴿للمؤمنين﴾ لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر ؛لأن ربهم يهديهم بإيمانهم، فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة وأدلة الإلهية فيهما واضحة.
الجاثية 45:4
ولما ذكر سبحانه وتعالى النظر في آيات الآفاق أتبعها آيات الأنفس بقوله تعالى :
﴿وفي خلقكم﴾ أي : خلق كل منكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى أن صار إنساناً المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة على السار والضار ﴿وما﴾ أي : وخلق ما ﴿يبث﴾ أي : ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية على سبيل التجدد والاستمرار ﴿من دابة﴾ مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزيئات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والطبائع والمنافع وغير ذلك ﴿آيات﴾ دالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته.
وقرأ حمزة والكسائي آيات بكسر التاء حملاً على اسم إن، والباقون بالرفع حملاً على محل إن واسمها، ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف قال تعالى ﴿لقوم﴾ أي : فيهم أهلية القيام بما يحاولونه ﴿يوقنون﴾ أي : يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان فلا يخالجهم شك في وحدانيته.
الجاثية 45:5
﴿واختلاف الليل والنهار﴾ بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره ﴿وما أنزل الله﴾ أي : الذي تمت عظمته فنفذت كلمته ﴿من السماء من رزق﴾ أي : مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق ﴿فأحيا به﴾ أي : بسببه ﴿الأرض﴾ أي : الصالحة للحياة، ولذلك قال تعالى ﴿بعد موتها﴾ أي : يبسها وتهشيم ما كان فيها من النبات ﴿وتصريف﴾ أي : تحويل ﴿الرياح﴾ باختلاف جهاتها وأحوالها.
وقرأ حمزة والكسائي بالتوحيد، والباقون بالجمع. وقوله تعالى ﴿آيات﴾ فيه القراءتان المتقدمتان، أما الرفع فظاهر وأما الكسر ففيه وجهان ؛ أحدهما : أنها معطوفة على اسم إن والخبر قوله ﴿وفي خلقكم﴾ كأنه قيل : وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات، والثاني : أن تكون كررت تأكيداً لآيات الأولى ويكون ﴿في خلقكم﴾ معطوفاً على ﴿في السماوات﴾ كرر معه حرف الجر توكيداً، ونظيره أن تقول : إن في بيتك زيداً وفي السوق زيداً فزيداً الثاني تأكيد للأول كأنك قلت : إن زيداً زيداً في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطف على معمولي عاملين ألبتة.
ولما كانت هذه الآية أوضح دلالة من بقيتها على البعث قال تعالى فيها ﴿لقوم يعقلون﴾ الدليل فيؤمنون وأبدى بعض المفسرين معنى لطيفاً فقال : إن المنصفين إذا نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا وإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيماناً فأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.
الجاثية 45:6
ولما ذكر هذه الآيات العظيمات قال تعالى مشيراً إلى علو رتبتها بأداة البعد :﴿تلك﴾ أي : الآيات المذكورة ﴿آيات الله﴾ أي : حجج المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجل منها الدالة على وحدانيته ﴿نتلوها﴾ أي : نقصها ﴿عليك﴾ سواء أكانت مرئية أو مسموعة ملتبسة ﴿بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله ليس بسحر ولا كذب ﴿فبأي حديث﴾ أي : خبر عظيم صادق يتجدد علمه به يستحق أن يتحدث به واستغرق كل حديث فقال تعالى ﴿بعد الله﴾ أي : حديث الملك الأعظم وهو القرآن ﴿وآياته﴾ أي : حججه ﴿يؤمنون﴾ أي : كفار مكة أي : لا يؤمنون، وقرأ ابن عامر وشعبة والكسائي بتاء الخطاب، رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿نتلوها عليك بالحق﴾، والباقون بياء الغيبة ردوه على قوله تعالى ﴿وفي خلقكم﴾ وهو أقوى تبكيتاً.
الجاثية 45:7
ولما بين الآيات للكفار وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها بعد ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون ؟ أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال تعالى :﴿ويل لكل أفاك﴾ أي : مبالغ في صرف الحق عن وجهه ﴿أثيم﴾ أي : مبالغ في اكتساب الإثم وهو أن يبقى مصراً على الإنكار والاستكبار، قال المفسرون : يعني النضر بن الحارث والآية عامة فيمن كان موصوفاً بهذه الصفة.
الجاثية 45:8
وفسر هذا بقوله تعالى :﴿يسمع آيات الله﴾ أي : دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها ﴿تتلى عليه﴾ بجميع ما فيها، وهي القرآن من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز وهي القرآن العظيم، فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق، وقرأ حمزة والكسائي بإمالة محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿ثم يصر﴾ أي : يدوم دواماً عظيماً على قبح ما هو فيه حال كونه ﴿مستكبراً﴾ أي : طالباً للكبر عن الإذعان وموجداً له ﴿كأن﴾ أي : كأنه ﴿لم يسمعها﴾ أي : حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء ﴿فبشره﴾ أي : على هذا الفعل الخبيث ﴿بعذاب أليم﴾ أي : مؤلم، والبشارة على الأصل أو التهكم، وقرأ ابن كثير وحفص ﴿أليم﴾ بالرفع والباقون بالجر.
الجاثية 45:9
﴿وإذا علم﴾ أي : بلغه ﴿من آياتنا﴾ أي : القرآن ﴿شيئاً﴾ وعلم أنه من آياتنا ﴿اتخذها هزواً﴾ أي : مهزواً بها.
تنبيه : في الضمير المؤنث وجهان ؛ أحدهما : أنه عائد على ﴿آياتنا﴾ يعني القرآن، والثاني : أنه يعود على ﴿شيئاً﴾ وإن كان مذكراً ؛ لأنه بمعنى الآية كقول أبي العالية :
نفسي بشيء من الدنيا معلقة؍ الله والقائم المهدي يكفيها؍
لأنه أراد بشيء جاريةً يقال لها : عنبة، والمعنى : اتخذ ذلك الشيء هزواً إلا أنه تعالى قال :﴿اتخذها﴾ للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. وقوله تعالى ﴿أولئك لهم عذاب مهين﴾ أي : ذو إهانة إشارة إلى معنى ﴿كل أفاك أثيم﴾ ( الشعراء : ٢٢٢ ) ليدخل فيه جميع الأفاكين، فحمل أولاً على لفظها فأفرد ثم على معناها فجمع كقوله تعالى ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ ( الروم : ٣٢ ).
الجاثية 45:10
ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب فقال :﴿من ورائهم﴾ أي : أمامهم ؛ لأنهم في الدنيا ﴿جهنم﴾ قال الزمخشري : والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام قال :
أليس ورائي إن تراخت منيتي؍ أدبّ مع الولدان أزحف كالنسر؍
ومنه قوله تعالى ﴿من ورائهم﴾ أي : من قدامهم ا. ه ثم بين تعالى أن ما سلكوه في الدنيا لا ينفعهم بقوله تعالى :﴿ولا يغني﴾ أي : ولا يدفع ﴿عنهم ما كسبوا﴾ من الأموال في رحلهم ومتاجرهم والأولاد ﴿شيئاً﴾ من الإغناء. وقوله تعالى :﴿ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء﴾ أي : من الأوثان عطف على ﴿ما كسبوا﴾ و﴿ما﴾ فيهما إما مصدرية، أو بمعنى الذي أي : لا يغني عنهم كسبهم ولا اتخاذهم أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ أي : لا يدع جهة من جهاتهم ولا زماناً من أزمانهم ولاعضواً من أعضائهم إلا ملأه، فإن قيل : قال تعالى في الأول ﴿مهين﴾ وفي الثاني ﴿عظيم﴾ فما الفرق بينهما ؟ أجيب : بأن كون العذاب مهيناً يدل على حصول العذاب مع الإهانة، وكونه عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضرر.
الجاثية 45:11
وقوله تعالى :﴿هذا هدى﴾ إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى ﴿والذين كفروا بآيات ربهم﴾ هي القرآن أي : هذا القرآن كامل في الهداية كما تقول : زيد رجل أي : كامل في الرجولية وأيما رجل ﴿لهم عذاب﴾ كائن ﴿من رجز﴾ أي : شديد العذاب ﴿أليم﴾ أي : بليغ الإيلام.
الجاثية 45:12
ولما ذكر تعالى ذكر الربوبية ذكر بعض آثارها وما فيها من آياته فقال مستأنفاً دالاً على عظمتها بالاسم الأعظم :﴿الله﴾ أي : الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال ﴿الذي سخر﴾ أي : وحده من غير حول منكم ولا قوة في ذلك بوجه من الوجوه ﴿لكم البحر﴾ أيها الناس بركم وفاجركم بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القابلية للسير فيه من الرقة والليونة ﴿لتجري الفلك﴾ أي : السفن ﴿فيه بأمره﴾ أي : بإذنه ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها، ففي ذلك دلالة ظاهرة على وحدانيته ؛ لأن جريان الفلك على وجه الماء لا يحصل إلا بثلاثة أشياء ؛ أحدها : الرياح التي توافق المراد، وثانيها : خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها الفلك، وثالثها : خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغرق فيه، وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ﴿ولتبتغوا﴾ أي : تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص على اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك ﴿من فضله﴾ لم يصنع شيئاً منه سواه ﴿ولعلكم تشكرون﴾ نعمه على ذلك.
الجاثية 45:13
﴿وسخر لكم ما في السماوات﴾ من شمس وقمر ونجم بها وغير ذلك بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه ﴿وما في الأرض﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيره، ولو شاء لجعله كما في السماء لا وصول لكم إليه. وقوله تعالى ﴿جميعاً﴾ توكيد لما دل عليه معنى ما من العموم وقيل : حال من ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ وقوله تعالى ﴿منه﴾ حال أي : سخرها كائنة منه تعالى لا صنع لأحد غيره في شيء من ذلك، قال ابن عباس : كل ذلك رحمة منه، وقال الزجاج : كل ذلك تفضل منه وإحسان، وقال بعض العارفين : سخر لك الكل لئلا يسخرك لشيء منها فتكون مسخراً لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه ﴿إن في ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من تسخيره لنا كل شيء في الكون ﴿لآيات﴾ أي : دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا ﴿لقوم﴾ أي : ناس فيهم أهلية القيام بما يجعل إليهم ﴿يتفكرون﴾ فيعلمون أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئاً.
الجاثية 45:14
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿قل﴾ أي : يا أفضل الخلق ﴿للذين آمنوا﴾ ادعوا التصديق بكل ما جاءهم عن الله تعالى ﴿يغفروا﴾ أي : يستروا ستراً بالغاً ﴿للذين لا يرجون أيام الله﴾ أي : مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفة الكمال، فقال ابن عباس :«نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها : المريسيع، فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له ما حبسك ؟ قال غلام عمر : قعد على طرف البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر رضي الله عنه، فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ».
وقال مقاتل : إن رجلاً من بني غفار شتم عمر بمكة فهم عمر أن يبطش به، فنزلت بالغفر والتجاوز، وروى ميمون بن مهران :«أن فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ ( البقرة : ٢٤٥ ) قال : احتاج رب محمد، فسمع ذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه فرده ».
وقال القرطبي والسدي :«نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة كانوا في أذى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ». ثم نسختها آية القتال، قال الرازي : وإنما قالوا بالنسخ ؛ لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يقتلوا ولا يقاتلوا، فلما أمر الله تعالى بالمقاتلة كان نسخاً، والأقرب أن يقال إنه محمول على ترك المنازعة وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية، وقال ابن عباس : لا يرجون أيام الله أي : ثوابه ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الماضية. وتقدم تفسير أيام الله عند قوله تعالى ﴿وذكّرهم بأيام الله﴾ ( إبراهيم : ٥ ) وقوله تعالى ﴿ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون﴾ علة للأمر، والقوم : هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع أو لكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون لنجزي نحن بما لنا من العظمة، والباقون بالياء التحتية أي : ليجزي الله سبحانه وتعالى.
الجاثية 45:15
ولما رغب سبحانه وتعالى ورهب وقرر أنه لا بد من الجزاء زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال تعالى شارحاً للجزاء :﴿من عمل صالحاً﴾ قل أو جل ﴿فلنفسه﴾ أي : خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا والآخرة، وهو مَثَل ضربه الله تعالى للذين يغفرون ﴿ومن أساء﴾ كذلك ﴿فعليها﴾ خاصة إساءته كذلك، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين، وذلك في غاية الظهور ؛ لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكاً يدع عبيده من غير جزاء ولاسيما إذا كان حكيماً، وإن كانت نقائص النفوس غطت على كثير من العقول ذلك ﴿ثم﴾ أي : بعد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ ﴿إلى ربكم﴾ أي : الملك المالك لكم لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي : تصيرون فيجازي المصلح والمسيء.
الجاثية 45:16
﴿ولقد آتينا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿بني إسرائيل الكتاب﴾ أي : الجامع للخيرات وهو يعم التوراة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم عليهم السلام ﴿والحكم﴾ أي : العلم والعمل الثابتين ثبات الأحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل وللعمل من الإتقان بالعلم ﴿والنبوة﴾ التي تدرك بها الخيرات العظيمة التي لا يمكن إبلاغ الخلق إليها بلوغ اكتساب منهم فأكثرنا فيهم من الأنبياء عليهم السلام.
﴿ورزقناهم﴾ بما لنا من العظمة لإقامة أبدانهم ﴿من الطيبات﴾ أي : الحلالات من المن والسلوى وغيرهما ﴿وفضلناهم﴾ أي : بما لنا من العزة ﴿على العالمين﴾ قال أكثر المفسرين : عالمي زمانهم، وقال ابن عباس : لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحب إليه منهم، أي : لما آتاهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثر فيهم من الأنبياء مما لم يفعله بغيرهم ممن سبق وكل ذلك فضيلة ظاهرة.
الجاثية 45:17
﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿بينات من الأمر﴾ أي : الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً، فلما جاءهم العلم اختلفوا كما قال تعالى ﴿فما اختلفوا﴾ أي : أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ أي : الذي من شأنه الجمع على المعلوم فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق ﴿بغياً﴾ أي : للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرياسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس ﴿بينهم﴾ أي : واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله تعالى الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أمرهم مؤكداً لأجل إنكارهم ﴿إن ربك﴾ أي : المحسن إليك ﴿يقضي بينهم﴾ أي : بإحصاء الأعمال والجزاء عليها ﴿يوم القيامة﴾ أي : الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك ﴿فيما كانوا﴾ أي : لما هو لهم كالجبلة ﴿فيه يختلفون﴾ بغاية الجهد، والمعنى : أنه لا ينبغي للمبطل أن يفرح بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها فإنه سيرى في الآخرة ما يسوءه وذلك كالزجر لهم.
الجاثية 45:18
ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعدل عن تلك الطريقة وأن يتمسك بالحق وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق، فقال تعالى :﴿ثم﴾ أي : بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم ﴿جعلناك﴾ أي : بما لنا من العزة والقدرة ﴿على شريعة﴾ أي : طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدأة ﴿من الأمر﴾ أي : أمر الدين الذي هو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح ﴿فاتّبعها﴾ أي : اتبع بغاية جهدك شريعتك الثابتة بالحجج ﴿ولا تتّبع أهواء﴾ أي : آراء ﴿الذين لا يعلمون﴾ أي : لا علم لهم أو لهم علم لكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم، قال الكلبي :«إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة : ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن، فأنزل الله تعالى هذه الآية ».
الجاثية 45:19
ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله تعالى مؤكداً :﴿إنهم﴾ وأكد النفي فقال عز من قائل ﴿لن يغنوا عنك﴾ أي : لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدأ ﴿من الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿شيئاً﴾ أي : من إغناء أي : إن اتبعتهم، كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم ﴿وإن الظالمين﴾ أي : العريقين في هذا الوصف وهم الكفرة، وكان الأصل : وإنهم ولكنه تعالى أظهر للإعلام بوصفهم ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالوهم باتباع أهوائهم ﴿والله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿وليّ المتقين﴾ أي : الذين همهم الأعظم الاتصاف باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله تعالى، والمعنى : إن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا، وأما في الآخرة فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله سبحانه وليهم وناصرهم.
الجاثية 45:20
﴿هذا﴾ أي : الوحي المنزل وهو القرآن ﴿بصائر﴾ أي : معالم ﴿للناس﴾ أي : في الحدود والأحكام فيبصروا بها ما ينفعهم وما يضرهم ﴿وهدى﴾ أي : قائد إلى كل خير مانع من كل زيغ ﴿ورحمة﴾ أي : كرامة وفوز ونعمة ﴿لقوم يوقنون﴾ أي : ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له.
الجاثية 45:21
وقوله تعالى :﴿أم حسب﴾ منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها أو بالهمزة وحدها ومعنى الهمزة فيها : إنكار الحسبان ﴿الذين اجترحوا﴾ أي : اكتسبوا، ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي : كاسبهم وقال تعالى ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ ( الأنعام : ٦٠ )
﴿السيئات﴾ أي : الكفر والمعاصي ﴿أن نجعلهم﴾ أي : بما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة ﴿كالذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإقرارهم ﴿الصالحات﴾ أي : بأن نتركهم بغير حساب للفصل بين المحسن والمسيء.
ولما كانت المماثلة مجملة بينها استئنافاً بقوله تعالى :﴿سواء﴾ أي : مستو استواء عظيماً ﴿محياهم ومماتهم﴾ أي : حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سواء بالنصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما كالذين آمنوا، ويكون المفعول الثاني للجعل كالذين آمنوا أي : أحسبوا أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك، وقرأه الباقون بالرفع على أنه خبر ومحياهم ومماتهم مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، والمعنى : أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي : في رغد من العيش مساوٍ لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين : لئن بعثنا لنعطى من الخير مثل ما تعطون، قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة ﴿ساء ما يحكمون﴾ أي : ليس الأمر كذلك، فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بأعمالهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية أي : بئس حكماً حكمهم هذا.
الجاثية 45:22
ولما بين تعالى أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة ذلك فقال تعالى :﴿وخلق الله﴾ أي : الذي له جميع أوصاف الكمال ﴿السماوات والأرض﴾ وقوله تعالى ﴿بالحق﴾ متعلق بخلق. وقوله تعالى ﴿ولتجزى﴾ أي : بأيسر أمر ﴿كل نفس﴾ أي : منكم ومن غيركم معطوف على بالحق في المعنى ؛ لأن كلاً منهما سبب فعطف العلة على مثلها أو أنه معطوف على معلل محذوف والتقدير : خلق هذا العالم إظهاراً للعدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت بين الدرجات والدركات من المحقين والمبطلين ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كسبت﴾ من خير أو شر ﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿لا يظلمون﴾ أي : لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه هذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو وجد منه سبحانه وتعالى غير ذلك لم يكن ظلماً منه ؛ لأنه المالك المطلق والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم في نفس الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما يتعارفونه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر.
الجاثية 45:23
ثم عاد سبحانه وتعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طرائقهم فقال :﴿أفرأيت﴾ أي : أعلمت علماً هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس ﴿من اتخذ﴾ أي : بغاية جهده ﴿إلهه هواه﴾ أي : ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن، روي عن أبي رجاء العطاردي وهو ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة قال : كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب فحلبنا عليها ثم طفنا بها. قال الأصفهاني : سئل ابن المقفع عن الهوى فقال : هوان سرقت نونه فنظمه من قال :
نون الهوان من الهوى مسروقة؍ فأسير كل هوى أسير هوان؍
وقال آخر أيضاً :
إن الهوى لهو الهوان بعينه؍ فإذا هويت فقد لقيت هوانا؍
﴿وأضله الله﴾ أي : بما له من الإحاطة ﴿على علم﴾ منه تعالى أي : عالماً بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه ﴿وختم﴾ زيادة على الإضلال الخاص ﴿على سمعه﴾ فلا فهم له في الآيات المسموعة ﴿وقلبه﴾ أي : فهو لا يعي ما في حقه وعيه. ﴿وجعل على بصره غشاوة﴾ أي : ظلمة فلا يبصر الهوى. ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أي : أيهتدي، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الغين وسكون الشين، والباقون بكسر الغين وفتح الشين وألف بعد الشين وإذا صار بهذه المثابة ﴿فمن يهديه﴾ وأشار تعالى إلى قدرته عليه بقوله سبحانه وتعالى ﴿من بعد الله﴾ أي : إن أراد الله إضلاله الذي له الإحاطة بكل شيء أي : لا يهتدي ﴿أفلا تذكّرون﴾ أي : ألم يكن لكم نوع تذكر فتتعظوا وفيه إدغام إحدى التاءين في الذال.
الجاثية 45:24
﴿وقالوا﴾ أي : في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه تعالى قادر على كل شيء ﴿ما هي﴾ أي : الحياة ﴿إلا حياتنا﴾ أي : أيها الناس ﴿الدنيا﴾ أي : هذه التي نحن فيها ﴿نموت ونحيا﴾، فإن قيل : الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكروا القيامة كان يجب أن يقولوا : نحيا ونموت فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة ؟ أجيب : من وجوه أولها : أن المراد بقولهم نموت أي : حال كونهم نطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقولهم ونحيا ما حصل بعد ذلك في الدنيا، ثانيها : نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا، ثالثها : قال الزجاج : الواو للاجتماع والمعنى : يموت بعض ويحيا بعض، رابعها : قال الرازي : إنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ ثم قال بعده ﴿نموت ونحيا﴾ يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا، ومنها ما لا يطرأ عليه الموت بعد ذلك وهو في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وقال البيضاوي : يحتمل أنهم أرادوا به التناسخ أي : وهو أن روح الشخص إذا خرجت تنتقل إلى شخص آخر فيحيا بعد أن لم يكن، فإنه عقيدة أكثر عبدة الأصنام ﴿وما يهلكنا﴾ أي : بعد الحياة ﴿إلا الدهر﴾ أي : مر الزمان الطويل بغلبته علينا وطول العمر واختلاف الليل والنهار، من دهره إذا غلبه ﴿وما﴾ أي : قالوه والحال أنه ما ﴿لهم بذلك﴾ أي : المقول البعيد من الصواب، وهو أنه لا حياة بعد هذه وأن الإهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه وأغرق في النفي فقال تعالى ﴿من علم﴾ أي : كثير ولا قليل ﴿إن﴾ أي : ما ﴿هم إلا يظنون﴾ أي : بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف وأنه لم يرجع أحد من الموتى، هذا ظنهم الفاسد.
روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«قال الله تعالى : لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما ». وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يسب أحدكم الدهر فإن الدهر هو الله تعالى ولا يقولن للعنب الكرم فإن الكرم هو الرجل المسلم ». ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبُّه عند النوازل ؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون : أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان يرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سبه.
الجاثية 45:25
﴿وإذا تتلى﴾ أي : تتابع بالقراءة من أي تال كان ﴿عليهم آياتنا﴾ أي : على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها ﴿بينات﴾ أي : في غاية المكنة في الدلالة على البعث فلا عذر لهم في ردها ﴿ما كان﴾ أي : بوجه من وجوه الكون ﴿حجتهم﴾ أي : قولهم الذي ساقوه مساق الحجة ﴿إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا﴾ أي : أحياء ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : في أنا نبعث فهو لا يستحق أن يسمى شبهة فسمي حجة بزعمهم أو لأن من كانت حجته هذه فليست له ألبتة حجة كقوله :
تحية بينهم ضرب وجيع ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجاثية 45:26
ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله تعالى :﴿قل الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿يحييكم﴾ أي : حين كنتم نطفاً ﴿ثم يميتكم﴾ أي : بأن يخرج أرواحكم من أجسادكم فتكونون كما كنتم قبل الإحياء كما تشاهدون ﴿ثم يجمعكم﴾ أي : بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد منتهين ﴿إلى يوم القيامة﴾ أي : القيام الأعظم لكونه عاماً لجميع الخلائق ﴿لا ريب﴾ أي : لا شك بوجه من الوجوه ﴿فيه﴾ بل هو معلوم علماً قطعياً ضرورياً ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي : وهم القائلون ما ذكر ﴿لا يعلمون﴾ أي : لا يتجدد لهم علم لما لهم من النفوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل، فهم واقفون مع المحسوسات لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور.
الجاثية 45:27
وقوله تعالى :﴿ولله﴾ أي : الملك الأعظم وحده ﴿ملك السماوات﴾ أي : كلها ﴿والأرض﴾ أي : التي ابتدأكم منها تعميم للقدرة بعد تخصيصها ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي : توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد، ثم كرر للتأكيد والتهويل قوله تعالى ﴿يومئذ﴾ أي : يوم تقوم يخسرون هكذا كان الأصل، ولكنه قال تعالى للتعميم والتعليق بالوصف ﴿يخسر المبطلون﴾ أي : الداخلون في الباطل الغريقون في الاتّصاف به الذين كانوا لا يرضون بقضائي.
تنبيه : الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية يجري مَجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلا الحرمان والخذلان ودخول النار، وذلك في الحقيقة نهاية الخسران.
الجاثية 45:28
﴿وترى﴾ أي : في ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ أي : أهل دين ﴿جاثية﴾ أي : مجتمعة لا يخالطها غيرها، وهي مع ذلك باركة على الركب رعباً واستيفازاً لما لعلها تؤمر به جلسة المخاصم بين يدي الحاكم تنتظر القضاء الحاتم والأمر الجازم اللازم لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ من الجاثين ﴿تدعى إلى كتابها﴾ أي : الذي أنزل عليها وتعبدها الله تعالى به والذي نسخته الحفظة عليهم السلام من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا، ومن خالفه هلك، ويقال لهم حالة الدعاء ﴿اليوم تجزون﴾ أي : على وفق الحكمة بأيسر أمر ﴿ما﴾ أي : عين الذي ﴿كنتم﴾ بما هو لكم كالجبلات ﴿تعملون﴾ أي : مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر، فإن قيل : الجثو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة ؟ أجيب : بأن الجاثي الآمن يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً.
الجاثية 45:29
﴿هذا كتابنا﴾ أي : الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام ﴿ينطق﴾ أي : يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق ﴿عليكم بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم وذلك بأن يقول : من عمل كذا فهو عاص، ومن عمل كذا فهو مطيع فينطبق ذلك على ما عملتموه سواء بسواء من غير زيادة ولا نقصان، وقيل : المراد بالكتاب اللوح المحفوظ.
ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق وكانوا كأنهم يقولون : ومن يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان ؟ قال تعالى مجيباً بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك ﴿إنا﴾ أي : على ما لنا من العظمة المغنية عن الكتابة ﴿كنا﴾ على الدوام ﴿نستنسخ ما كنتم﴾ طبعاً لكم وخلقاً ﴿تعملون﴾ قولاً وفعلاً ونية أي : نأمر الملائكة عليهم السلام بكتبها وإثباتها عليكم، وقيل : نستنسخ أي : نأخذ نسخه وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله تعالى منه ما كان له من ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو نحو قولهم هلم واذهب، والاستنساخ من اللوح المحفوظ، تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ من كتاب كتاب، وقال الضحاك : نستنسخ أي : نثبت، وقال السدي : نكتب، وقال الحسن : نحفظ.
الجاثية 45:30
ثم بين تعالى أحوال المطيعين بقوله تعالى :﴿فأما الذين آمنوا﴾ أي : من الأمم الجاثية ﴿وعملوا﴾ أي : تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي : الطاعات فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه ﴿فيدخلهم﴾ أي : في ذلك اليوم ﴿ربهم﴾ أي : المحسن إليهم بالتوفيق بالإيمان ﴿في رحمته﴾ التي من جملتها الجنة والنظر إلى وجهه الكريم الذي هو الغاية القصوى، وتقول لهم الملائكة تشريفاً : سلام أيها المؤمنون. ودل على عظمة الرحمة بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : الإحسان العالي المنزلة ﴿هو﴾ أي : لا غيره ﴿الفوز المبين﴾ أي : الظاهر الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره ؛ لأنّه لا يشوبه كدر أصلاً ولا نقص بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا فإنها مع كونها كانت فوزاً كانت خفية جداً على غير الموقنين.
الجاثية 45:31
ثم بين تعالى أحوال الفريق الآخر بقوله تعالى :﴿وأما الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما أمر الله تعالى به ﴿أفلم﴾ أي : فيقال لهم ألم ﴿تكن﴾ تأتيكم رسلي فلم تكن ﴿آياتي﴾ على ما لها من عظمة إضافتها إلي وأعظمها القرآن ﴿تتلى﴾ أي : تواصل قراءتها من أي تال كان فكيف إذا كانت بواسطة الرسل تلاوة مستعلية ﴿عليكم﴾ لا تقدرون على دفع شيء منها.
تنبيه : حذف المقول المعطوف عليه كما تقرر اكتفاء بالمقصود واستغناء بالقرينة ﴿فاستكبرتم﴾ أي : فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات والخضوع إن طلبتم الكبر لأنفسكم أوجدتموه على رسلي وآياتي ﴿وكنتم قوماً﴾ أي : ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه ﴿مجرمين﴾ أي : غريقين في قطع ما يستحق الوصل وذلك هو الخسران المبين.
الجاثية 45:32
﴿وإذا﴾ أي : وكنتم إذا ﴿قيل﴾ أي : من أي قائل كان ولو على سبيل التأكيد ﴿إن وعد الله﴾ أي : الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال ﴿حق﴾ أي : ثابت لا محيد عنه مطابق للواقع من البعث وغيره ؛ لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به سبحانه وتعالى، فكيف إذا كان الإخلاف فيه متناقضاً للحكم، وقرأ ﴿والساعة﴾ حمزة بالنصب عطفاً على وعد الله، والباقون برفعها وفيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : الابتداء وما بعدها من الجملة المنفية وهو قوله تعالى ﴿لا ريب﴾ أي : لا شك ﴿فيها﴾ خبرها، ثانيها : العطف على محل اسم إن ؛لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء، ثالثها : أنه عطف على محل إن واسمها معاً ؛ لأن بعضهم كالفارسي والزمخشري يرون أن لأن واسمها موضعاً وهو الرفع بالابتداء ﴿قلتم﴾ أي : راضين لأنفسكم بحضيض الجهل ﴿ما ندري﴾ أي : الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه ﴿ما الساعة﴾ أي : لا نعرف حقيقتها فضلاً عما تخبروننا به من أحوالها.
تنبيه : الساعة هنا مرفوعة باتفاق ﴿إن﴾ أي : ما ﴿نظن﴾ أي : نعتقد ما تخبروننا به عنها ﴿إلا ظناً﴾ وأما وصوله إلى درجة العمل فلا ﴿وما نحن﴾ وأكدوا النفي فقالوا ﴿بمستيقنين﴾ أي : بموجود عندنا اليقين في أمرها، قال الرازي : القوم كانوا في هذه المسألة على قولين : منهم من كان قاطعاً بنفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾ ومنهم من كان شاكاً متحيراً فيه ؛ لأنهم لكثرة ما سمعوه من الرسل عليهم السلام ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحته صاروا شاكين فيه وهم المذكورون في هذه الآية، ويدل على ذلك أنه حكى تعالى مذهب أولئك القاطعين ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول.
الجاثية 45:33
ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضاً عنهم إيذاناً بشدة الغضب عليهم فقال تعالى :﴿وبدا﴾ أي : ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال والزلازل والأهوال وظهر ﴿لهم﴾ غاية الظهور ﴿سيئات ما عملوا﴾ في الدنيا فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك ﴿وحاق﴾ أي : أحاط ﴿بهم﴾ على حال القهر والغلبة قال أبو حيان : ولا يستعمل إلا في المكروه ﴿ما كانوا﴾ جبلة وطبعاً ﴿به يستهزئون﴾ أي : يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك، وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة لما قالوا : إن نظن إلا ظناً، إنما ذكروه استهزاء وسخرية فصار هذا الفريق أشر من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء، وقرأ حمزة في الوقف بتسهيل الهمزة بعد الزاي كالواو وله أيضاً إبدالها ياء ونقل عنه أيضاً غير ذلك.
الجاثية 45:34
﴿وقيل﴾ أي : لهم على أفظع الأحوال وأشدها قولاً لا معقب له فكأنه بلسان كل قائل ﴿اليوم ننساكم﴾ أي : نترككم في العذاب ﴿كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾ أي : كما تركتم الإيمان والعمل للقائه، وقيل : نجعلكم منزلة الشيء المنسي غير المبالى به كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه ﴿ومأواكم النار﴾ ليس لكم براح عنها ﴿وما لكم من ناصرين﴾ ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة، فجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب ثلاثة أشياء : قطع الرحمة عنهم، وتصيير مأواهم النار، وعدم الأنصار ؛ لأنهم أتوا بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة وهي : الإصرار على إنكار الدين الحق، والاستهزاء به والسخرية، والاستغراق في حب الدنيا.
الجاثية 45:35
وهو المراد بقوله تعالى :﴿ذلكم﴾ أي : العذاب العظيم ﴿بأنكم اتخذتم﴾ أي : بتكليف منكم لأنفسكم ﴿آيات الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿هزواً﴾ أي : استهزاء بها ولم تتفكروا فيها، وقرأ ﴿اتخذتم﴾ ابن كثير وحفص بإظهار الذال عند التاء والباقون بالإدغام ﴿وغرتكم الحياة الدنيا﴾ الدنيئة لضعف عقولكم فآثرتموها لكونها حاضرة وأنتم كالبهائم فقلتم : لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالآخرة ﴿فاليوم﴾ أي : بعد إيوائهم فيها ﴿لا يخرجون منها﴾ أي : النار ؛ لأن الله تعالى لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء التحتية وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أي : لا يطلب من طالب ما منهم الإعتاب وهو الاعتذار ؛ لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذر ولا توبة.
الجاثية 45:36
ولما تم الكلام في المباحث الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال عز من قائل :﴿فلله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿رب السماوات﴾ أي : ذوات العلو والاتساع والبركات ﴿ورب الأرض﴾ أي : ذات القبول للواردات ﴿رب العالمين﴾ أي : خالق ما ذكر إذ الكلُّ نعمة منه دال على كمال قدرته فاحمدوا الله الذي هو خالق السماوات والأرضين وخالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين.
الجاثية 45:37
ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفء له عطف عليه بعض اللوازم لذلك تنبيهاً على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال تعالى :﴿وله﴾ أي : وحده ﴿الكبرياء﴾ أي : الكبر الأعظم الذي لا نهاية له ﴿في السماوات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ جميعاً اللتين فيهما آيات الموقنين. روي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يقول الله عز وجل : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار ». وفي رواية عذبته وفي رواية قصمته ﴿وهو﴾ وحده ﴿العزيز﴾ الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يضع شيئاً إلا كذلك كما أحكم أمره ونهيه وجميع شرعه، وأحكم نظم هذا القرآن جملاً وآيات وفواصل وغايات بعد أن حرر معانيه وتنزيله فصار معجزاً في نظمه ومعناه. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب » حديث موضوع.
الأحقاف 46:1
وتقدّم الكلام على قوله تعالى :﴿حم﴾ مراراً، وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وقرأ ورش وأبو عمرو بإمالتها بين بين وفتحها الباقون. وقيل : المراد بحم حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد.
الأحقاف 46:2
وقوله تعالى :﴿تنزيل الكتاب﴾ أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح ﴿من الله﴾ أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه لأنه لم يفعل شيئاً إلا في أوفق محاله وأنه الخالق للخير والشرّ وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه.
الأحقاف 46:3
﴿ما خلقنا﴾ أي ؛ على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرّد بالكبرياء ﴿السماوات والأرض﴾ على ما فيهما من الآيات ﴿وما بينهما إلا﴾ خلقاً ملتبساً ﴿بالحق﴾ أي : الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرّف المطلق ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا ﴿وأجل﴾ أي وبتقدير أجل ﴿مسمى﴾ ينتهي إليه وهو يوم القيامة.
﴿والذين كفروا عما أنذروا﴾ أي : خوفوا به من القرآن من هول ذلك اليوم الذي لا بدّ لكل خلق من انتهائه إليه ﴿معرضون﴾ أي لا يؤمنون به ولا يهتمون للاستعداد له.
الأحقاف 46:4
ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء المعرّضين أنفسهم لغاية الخطوب منكراً عليهم تبكيتاً وتوبيخاً ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمّل وروية باطنة. ﴿ما تدعون﴾ أي : تعبدون ثم نبه على سفولهم بقوله تعالى :﴿من دون الله﴾ أي : المالك الأعظم الذي كل شيء دونه فلا كفء له مفعول أوّل وقوله تعالى :﴿أروني﴾ أي : أخبروني تأكيد وقوله :﴿ماذا خلقوا﴾ مفعول ثان وقوله تعالى :﴿من الأرض﴾ بيان لما أي : ليصح ادّعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزء.
﴿أم لهم﴾ أي : الذين تدعونهم ﴿شرك﴾ أي مشاركة ﴿في﴾ خلق ﴿السماوات﴾ أي : بنوع من أنواع الشركة مع الله تعالى و﴿أم﴾ بمعنى همزة الإنكار ولما كان الدليل أحد شيئين سمع وعقل قال تعالى :﴿ائتوني بكتاب﴾ أي : منزل على دعواكم في هذه الأصنام : أنها خلقت شيئاً أو أنها تستحق أن تعبد.
تنبيه أبدل ورش والسوسيّ الهمزة من ﴿ائتوني﴾ في الوصل ياء وحققها الباقون. وأما الابتداء بها، فجميع القرّاء أبدلوها ياء بعد الابتداء بهمزة الوصل مكسورة.
﴿من قبل هذا﴾ أي : القرآن الذي أنزل علي كالتوراة والإنجيل والزبور، وهذا من أعلام النبوّة، فإنها كلها شاهدة بالوحدانية لو أتى بها آت لشهدت عليه. ولما ذكر تعالى الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به وهو : النقل القاطع، سهل عليهم فنزل إلى ما دونه فقال :﴿أو أثارة﴾ أي : بقية ﴿من علم﴾ يؤثر عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام : أنها تقرّبكم إلى الله تعالى. وقال المبرد :﴿أثارة﴾ ما يؤثر من علم كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان. ومن هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار. يقال : جاء في الأثر كذا وكذا. وقال الواحدي : وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال ؛ الأوّل : الأثارة واشتقاقها من : أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار. والثاني : من الأثر الذي هو الرواية. والثالث : من الأثر بمعنى العلامة. وقال الكلبي في تفسير الأثارة : أي بقية من علم يؤثر عن الأوّلين أي : يسند إليهم وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل : رواية عن الأنبياء قال الرازي : وههنا قول آخر : أو أثارة من علم هو علم الخط الذي يخط في الرمل، والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«كان نبيّ من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه » فعلى هذا الوجه معنى الآية ﴿ائتوني بعلم من قبل هذا﴾ الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم. ثم أشار إلى تقريعهم بالكذب إذ لم يقيموا دليلاً على دعواهم بقوله :﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : عريقين في الصدق على ما تدّعون لأنفسكم.
الأحقاف 46:5
ولما أبطل سبحانه قولهم في الأصنام بعدم قدرتها أتبعه إبطاله بعدم علمها بقوله تعالى :﴿ومن أضلّ﴾ وهو استفهام بمعنى النفي أي : لا أحد أضل ﴿ممن يدعو﴾ أي : يعبد ما لا قدرة له ولا علم. ومن انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل. وأرشد إلى سفولها بقوله عز وجل :﴿من دون الله﴾ أي : من أدنى رتبة من رتب الذي له صفات الكمال فهو يعلم كل شيء. ويقدر على كل شيء فهو بحيث يجيب الدعاء، ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء، ويدبر عبده لما يعلم من سرّه وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به، ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو وكل فيه إلى نفسه، وأجيب إلى طلبته، كان فيه حتفه فيدبره سبحانه بما تشتدّ كراهته له، فيكشف الحال على أنه لم يكن له فرج إلا فيه. ﴿من لا يستجيب له﴾ أي : لا توجد الإجابة، ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها، لأنه لا أهلية له لذلك. والمعنى : أنه لا أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجدل، ممن يدعو من دون الله الأصنام، فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا دعيت لا تسمع ولا تجيب لا في الحال، ولا في المآل ﴿إلى يوم القيامة﴾ وإنما جعل ذلك غاية ؛ لأنّ يوم القيامة قد قيل : إن الله تعالى يحييها ويخاطب من يعبدها. فلذلك جعله الله تعالى حدّاً وقيل المراد عبدة الملائكة وعيسى وأنهم يوم القيامة يظهرون عبادة هؤلاء العابدين. ﴿وهم عن دعائهم﴾ أي : دعاء المشركين إياهم. ﴿غافلون﴾ أي : لهم هذا الوصف لا ينفكون عنه لا يعلمون من يدعوهم ومن لا يدعوهم وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليباً إن كان المراد أعمّ من الأصنام وغيرها مما عبدوه من عقلاء الإنس وغيرهم.
الأحقاف 46:6
ولما غيّا سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه، بيّن ما يحاورونهم به إذ ذاك فقال تعالى :﴿وإذا حشر﴾ أي : جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر. ﴿الناس﴾ أي : يوم القيامة ﴿كانوا﴾ أي : المدعوّون ﴿لهم﴾ أي : الداعين ﴿أعداء﴾ ويعطيهم الله تعالى قوّة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدوّ عدوّه ﴿وكانوا﴾ أي : المعبودون ﴿بعبادتهم﴾ أي : الداعين وهم المشركون إياهم. ﴿كافرين﴾ أي : جاحدين لأنهم كانوا عنها غافلين كما قال تعالى في سورة يونس عليه السلام ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ( يونس : ٢٨ ).
الأحقاف 46:7
ثم بين تعالى أنهم في نهاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه. بقوله سبحانه :﴿وإذا تتلى﴾ أي : تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة ﴿عليهم﴾ أي : هؤلاء البعداء البغضاء ﴿آياتنا﴾ التي لا أعظم منها في أنفسها بإضافتها إلينا وهي القرآن وقوله تعالى :﴿بينات﴾ أي : ظاهرات حال قالوا هكذا كان الأصل. ولكنه تعالى بين الوصف الحامل لهم على القول فقال عز وجل :﴿قال الذين كفروا﴾ أي : ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها هكذا كان الأصل ولكن قال تعالى ﴿للحق﴾ أي : لأجله ﴿لما﴾ أي : حين ﴿جاءهم﴾ أي : من غير نظر وتأمّل ﴿هذا﴾ أي : الذي يتلى ﴿سحر﴾ أي : خيال لا حقيقة له ﴿مبين﴾ أي : ظاهر في أنه خيال باطل.
الأحقاف 46:8
وقوله تعالى :﴿أم يقولون افتراه﴾ إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحراً إلى ذكر ما هو أشنع وإنكار له وتعجب، ثم بين تعالى بطلان شبهتهم بقوله تعالى :﴿قل﴾ أي : يا أشرف الخلق ﴿إن افتريته﴾ أي : تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلاً وذلك هو معنى قوله :﴿فلا تملكون﴾ أي : أيها المنصوحون بوجه من الوجوه ولا في وقت من الأوقات. ﴿لي من الله﴾ أي : المتكبر الحليم ﴿شيئاً﴾ من الأشياء لما يردّ عني انتقامه لأنّ الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب فكيف من يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة وملازمته مساءً وصباحاً فأيّ حامل لي حينئذ على افترائه ؟ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله :﴿هو﴾ أي : الله سبحانه ﴿أعلم﴾ أي : منكم ومن كل أحد ﴿بما تفيضون فيه﴾ أي : بما تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه بأنه سحر. ﴿كفى به شهيداً﴾ أي : شاهداً بليغ الشهادة لأنه أعلم بجميع أحوالنا.
﴿بيني وبينكم﴾ أي أن القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ولكم بالكذب، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني أقدر على ما تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين، وأنتم عرب مثلي، بل وأنا أمّي وفيكم أنتم الكتبة، والذين خالطوا العلماء، وسمعوا أحاديث الأمم، وضربوا بعد بلاد العرب في بلاد العجم، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون ﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿الغفور﴾ أي : الذي من شأنه أن يمحو الذنوب أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿الرحيم﴾ أي الذي يكرم بعد المغفرة ويتفضل بالتوفيق لما يرضيه قال الزجاج : هذا دعاء إلى التوبة ومعناه غفور لمن تاب منكم رحيم به.
الأحقاف 46:9
ولما حكى تعالى طعنهم في كون القرآن معجزاً بقولهم : إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله تعالى على سبيل الفرية حكى عنهم شبهة أخرى وهو أنهم كانوا يقترحون عليه معجزات عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عن ذلك. بقوله عز وجل :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء ﴿ما كنت﴾ أي : كونا مّا ﴿بدعاً﴾ أي : منشأ مبتدعاً محدثاً مخترعاً، بحيث أكون أجنبياً منقطعاً ﴿من الرسل﴾ أي : لم يتقدّم لي منهم مثال في أصل ما جئت به وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدّمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به، ودعوا إليه كما دعوت إليه، وصدّقهم الله تعالى بمثل ما صدّقني به. فثبت بذلك رسالتهم وسعد بهم من صدّقهم من قومهم وشقي من كذبهم فانظروا إلى آثارهم واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم.
﴿تنبيه﴾ البدع والبديع من كل شيء : المبدأ والبدعة ؛ ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله. وفي الحديث «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار » قال البقاعي معناه والله أعلم : أنه يبتدع ما يخالف السنة إذا كانت البدعة ضدّ السنة فإذا أحدث ما يخالفها كان بإحداثه ضالاً مشركاً وكان وما أحدث في النار. ولم يدخل تحت هذا ما يخترعه الإنسان من أفعال البّر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكر. ا. ه. وقال ابن عبد السلام : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة : قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة ؛ فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، كالاشتغال بعلم النحو، أو في قواعد التحريم فمحّرمة، كمذهب القدرية والمجسمة والرافضة، قال : والردّ على هؤلاء من البدع الواجبة، أوفى قواعد المندوب، فمندوبة كبناء الربط والمدارس، وكل إحسان لم يحدث في العصر الأوّل كصلاة التراويح، أو في قواعد المكروه فمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف أو في قواعد المباح فمباحة، كالمصافحة عقب الصبح والعصر والتوسع في المآكل والملابس. وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعيّ رضى الله تعالى عنه أنه قال : المحدثات ضربان ؛ أحدهما : ما خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً فهو بدعة وضلالة، والثاني : ما أحدث من الخير فهو غير مذموم.
واختلف في تفسير قوله تعالى عن قوله عليه الصلاة والسلام :﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ على وجهين ؛ أحدهما : أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا والثاني : أن يحمل على أحوال الآخرة. أما الأوّل ؛ ففيه وجوه. أحدها : أنّ معناه لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا ومن المغلوب. ثانيها : قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة : رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج ما بهم من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت متى تهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى :﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ هو شيء رأيته في المنام. ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أتبع﴾ أي : بغاية جهدي وجدّي ﴿إلا ما﴾ أي : الذي ﴿يوحى﴾ أي : يجدّد لقاؤه ممن لا يوحى بحق سواه ﴿إلي﴾ على سبيل التدريج لا يطلع عليه حق اطلاعه غيري. ثالثها : قال الضحاك : لا أدري ما تؤمرون به ولا ما أومر به من التكاليف والشرائع، ولا من الابتلاء والامتحان.
﴿وما أنا﴾ أي : بإخباري لكم عما يوحى إليّ ﴿إلا نذير مبين﴾ أي : بيّن الإنذار. رابعها : كأنه يقول : ما أدري ما يفعل بي في الدنيا ؛ أموت أو أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون ؛ أترمون بالحجارة من السماء، أو يخسف بكم، أو يفعل بكم ما يفعل بسائر الأمم ؟ قال السدّي : ثم أخبره الله تعالى أنه يظهر دينه على الأديان بقوله تعالى :﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ ( التوبة : ٣٣ ) وقال في أمّته ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ( الأنفال : ٣٣ ) فأخبره الله تعالى بما يصنع به وبأمّته.
وأما من حمل الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما نزلت هذه الآية، فرح المشركون والمنافقون واليهود. وقالوا : كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا ؟ فأنزل الله تعالى :﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ( ١ ) ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ إلى قوله تعالى :﴿وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً﴾ ( الفتح : ١ _ ٥ ) فقالت الصحابة : هنيئاً لك يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا ؟ فأنزل الله عز وجل :﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ ( الفتح : ٥ ) الآية وأنزل :﴿وبشر المؤمنين بأنّ لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ ( الأحزاب : ٤٧ ) فبين لهم ما يفعل به وبهم وبهذا قال أنس والحسن وعكرمة. وقالوا إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه، لأنه إنما أخبر به عام الحديبية فنسخ ذلك.
قال الرازي : وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول من وجهين ؛ أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لا بدّ وأن يعلم من نفسه ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر، وأنه مغفور له وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أو لا ثانيهما : أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء وقد قال تعالى في حقهم ﴿إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ( الأحقاف : ١٣ ) فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفور لهم ؟ فثبت ضعف هذا القول.
الأحقاف 46:10
﴿قل﴾ يا أفضل الخلق لهؤلاء المصرّين على التكذيب ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني ﴿إن كان﴾ أي : هذا الذي أتيتكم به وهو القرآن ﴿من عند الله﴾ أي : الملك الأعظم. ﴿وكفرتم به﴾ أي : أيها المشركون ﴿وشهد شاهد﴾ واحد أو أكثر ﴿من بني إسرائيل﴾ أي : الذي جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم ﴿على مثله﴾ أي : مثل ما في القرآن من أنّ من وحد فقد آمن ومن أشرك فقد كفر وأن الله تعالى أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم فتطابقت عليه كتبهم وتضافرت به رسلهم، وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام ﴿فآمن﴾ أي : هذا الذي شهد هذه الشهادة ﴿واستكبرتم﴾ أي : أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرياسة والفخر، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة فضللتم، فوضعتم الشيء في غير موضعه، فانسدّ عليكم باب الهداية.
واختلف في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين : هو عبد الله بن سلام شهد بنبوّة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به، واستكبرت اليهود فلم يؤمنوا به. كما روى أنس قال : سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فنظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس وجه كذاب، وتأمّله فتحقق أنه النبيّ المنتظر، فقال له : إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي :«ما أوّل أشراط الساعة ؟ وما أوّل طعام أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمّه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : أخبرني بهنّ جبريل آنفاً قال : جبريل ؟ قال : نعم قال : ذاك عدوّ اليهود من الملائكة فقرأ ﴿من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله﴾ ( البقرة : ٩٧ ) ثم قال : أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإذا سبق ماء المرأة نزعته. فقال : أشهد أنك لرسول الله حقاً. ثم قال : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك فجاءت اليهود، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، أيّ رجل عبد الله فيكم ؟ فقالوا : خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال أفرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ؟ فقالوا : أعاذه اللّه من ذلك فخرج إليهم عبد اللّه فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه، فقالوا : شرّنا وابن شرّنا، وانتقصوه فقال : هذا ما كنت أخاف منه يا رسول الله. قال سعد بن أبي وقاص :«ما سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ؟ وفيه نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ ( الأحقاف : ١٠ ) وقيل : الشاهد هو موسى بن عمران قال الشعبي : قال مسروق في هذه الآية : والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأنّ ال ﴿حم﴾ نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ؟ وإنما نزلت الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت بالمدينة وأجاب الكلبي : بأنّ السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية، وأن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين. وقيل المراد بالشاهد موسى، ومثل القرآن هو التوراة. فشهد موسى على التوراة، ومحمد على الفرقان فكل واحد يصدّق الآخر : لأن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدّق للتوراة.
وجواب الشرط : ألستم ظالمين دل عليه قوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الملك الأعظم ذا العزة والحكمة ﴿لا يهدي القوم﴾ أي : الذين لهم قوّة على القيام بما يريدون ﴿الظالمين﴾ أي : الذين من شأنهم وضع الأمور في غير مواضعها فلأجل ذلك لا يهديكم، إذ لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه هلاككم.
الأحقاف 46:11
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي : تعمدوا تغطية الحق ﴿للذين﴾ أي : لأجل إيمان الذين ﴿آمنوا﴾ أي سبقوهم إلى الإيمان ﴿لو كان﴾ أي : إيمانهم بالقرآن ﴿خيراً﴾ أي : من جملة الخيور ﴿ما سبقونا إليه﴾ ونحن أشرف منهم، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير. كما لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها لكن ليس بخير، فلهذا سبقونا إليه ﴿وإذ﴾ أي : و حين ﴿لم يهتدوا به﴾ أي : بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان ﴿فسيقولون هذا﴾ أي : القرآن الذي سبقتم إليه ﴿إفك﴾ أي : شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه ﴿قديم﴾ أي : أفك غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله تعالى كما قالوا أساطير الأولين.
الأحقاف 46:12
﴿ومن﴾ أي : قالوا ذلك، والحال أنه كان في بعض الزمن الذي من ﴿قبله﴾ أي : القرآن ﴿كتاب موسى﴾ كليم الله تعالى، حال كون كتابه وهو التوراة ﴿إماما﴾ أي : يستحق أن يؤمّه كل من سمع به ﴿ورحمة﴾ لما فيه من نعم الدلائل على الله تعالى، والبيان الشافي، وفي الكلام محذوف، تقديره : وتقدّمه كتاب موسى إماماً ورحمة ولم يهتدوا به كما قال تعالى في الآية الأولى ﴿وإذ لم يهتدوا به﴾.
﴿وهذا﴾ أي : القرآن ﴿كتاب﴾ أي : جامع لجميع الخيرات ﴿مصدّق﴾ أي : لكتاب موسى عليه السلام، وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى في أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله تعالى وقوله تعالى :﴿لساناً﴾ حال من الضمير في مصدّق. وقوله :﴿عربياً﴾ صفة ل ﴿لساناً﴾ وهو المسوّغ لوقوع هذا الجامد حالاً أي : في أعلى طبقات اللسان العربي، مع كونه أسهل الكتب تناولاً، وأبعدها عن التكلف، ليس هو بحيث يمنعه علوّه بفخامة الألفاظ، وجلالة المعاني، ودقة الإشارة عن سهولة الفهم، وقرب التناول. وقوله تعالى :﴿لينذر﴾ أي : الكتاب بحسن بيانه، وعظم شأنه ﴿الذي ظلموا﴾ أي : سواء كانوا عريقين في الظلم، أم لا وقرأ نافع وابن عامر : بالتاء خطاباً أي : أيها الرسول. والباقون : بالياء غيبة بخلاف عن البزي. ﴿وبشرى﴾ أي : كاملة ﴿للمحسنين﴾ أي : المؤمنين، بأنّ لهم الجنة.
الأحقاف 46:13
ولما قرّر دلائل التوحيد والنبوّة، وذكر شبهات المتكبرين وأجاب عنها ذكر بعد ذلك طريقة المحقين. فقال تعالى :﴿إن الذين قالوا ربنا﴾ أي : خالقنا ومولانا والمحسن إلينا ﴿الله﴾ وحده ﴿ثم استقاموا﴾ أي : جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العلم، و﴿ثم﴾ للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي : من لحوق مكروه ﴿ولاهم يحزنون﴾ أي : على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط.
الأحقاف 46:14
﴿أولئك﴾ أي : العالون الدرجات ﴿أصحاب الجنة خالدين فيها﴾ خلوداً لا آخر له جوزوا بذلك ﴿جزاءً بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كانوا﴾ طبعاً وخلقاً ﴿يعملون﴾ أي : على سبيل التجديد المستمر.
الأحقاف 46:15
ولما كان رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد به الحديث حث عليه بقوله تعالى :﴿ووصينا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الإنسان﴾ أي : هذا النوع الذي أنس بنفسه ﴿بوالديه﴾ وقرأ :﴿حسناً﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الحاء وسكون السين. وقرأ الكوفيون بسكون الحاء وقبلها همزة مكسورة وفتح السين وبعدها ألف، فهو منصوب على المصدر بفعل مقدّر، أي : وصيناه أن يحسن إليهما إحساناً، ومثله حسناً. وقرأ :﴿حملته أمّه كرهاً﴾ أي : على مشقة ﴿ووضعته كرهاً﴾ أي : بمشقة الكوفيون وابن ذكوان بضم الكاف فيهما، والباقون بالفتح، وهما لغتان بمعنى واحد. مثل الضعف والضعف، وقيل : المضموم اسم، والمفتوح مصدر. وليس المراد ابتداء الحمل. فإنّ ذلك لا يكون بمشقة لقوله تعالى :﴿فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرّت به فلما أثقلت﴾ ( الأعراف : ١٨٩ ) فحينئذ حملته كرهاً ووضعته كرهاً.
تنبيه : دلت الآية على أنّ حق الأم أعظم لأنه تعالى قال :﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ فذكرهما معاً ثم خص الأم بالذكر فقال :﴿حملته أمّه كرهاً ووضعته كرهاً﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأنّ وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة والأخبار كثيرة في هذا الباب. ﴿وحمله وفصاله﴾ أي : من الرضاع ﴿ثلاثون شهراً﴾ كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد، ومبالغة في الوصية بها. وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وقال تعالى :﴿والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين﴾ ( البقرة : ٢٣٣ ) فإذا أسقطنا الحولين الكاملين، وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر.
روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا حملت المرأة تسعة أشهر، أرضعت أحد وعشرين شهراً. وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً وروي عن أبي بكر أنّ امرأة دفعت إليه وقد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها، فقال عمر : لا رجم عليها، وذكر الطريق المتقدمة وعن عثمان نحوه، وأنه همّ بذلك، فقرأ ابن عباس رضي الله عنهما عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل فليس في القرآن ما يدل عليه، واختلف الأئمة في ذلك : فعند الشافعي أربع سنين. وقوله تعالى :﴿حتى إذا بلغ أشده﴾ لا بد فيه من جملة محذوفة. تكون حتى غاية لها، أي : عاش واستمّرت حياته حتى إذا بلغ أشده قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : الأشد ثماني عشرة سنة، وقيل : نهاية قوّته وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة فذلك قوله تعالى :﴿وبلغ أربعين سنة﴾ وقال السدي والضحاك : نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقيل : نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه : وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو وأمّه أم الخير بنت صخر بن عمرو وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الآية في أبي بكر الصديق أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله تعالى بهما ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر يصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبيّ صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة، وتنبأ النبيّ صلى الله عليه وسلم آمن به ثم آمن أبواه، ثم ابنه عبد الرحمان، وابن عبد الرحمان أبو عتيق ثم إنّ أبا بكر دعا ربه بأن ﴿قال رب أوزعني﴾ أي : ألهمني، وقرأ ورش والبزي : بفتح الياء في الوصل، والباقون بسكونها ﴿أن أشكر نعمتك التي أنعمت﴾ أي : بها ﴿علي﴾ أي : وعلى أولادي ﴿وعلى والديّ﴾ وهي : التوحيد.
وأكثر المفسرين : على أنّ الأشد ثلاث وثلاثون. قال الرازي : مراتب الحيوان ثلاثة ؛ لأنّ بدن الحيوان لا يكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية والرطوبة الغريزية زائدة في أوّل العمر ناقصة في آخره. والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدّتين، فثبت أنّ مدّة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام فأوّلها : أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية. وحينئذ تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذواتها وزيادتها في الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشء والثانية وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان. وهذا هو سن الوقوف، وهو حين الشباب.
والمرتبة الثالثة : أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول : هو النقصان الخفي، وهو سن الكهولة. والثاني : هو النقصان الظاهر، وهو سن الشيخوخة.
قال المفسرون : لم يبعث نبيّ قط إلا بعد الأربعين سنة. قال الرازي : وهذا يشكل بعيسى عليه السلام فإنه تعالى جعله نبياً من أوّل عمره، إلا أنه يجب أن يقال : الأغلب أنه ما جاء الوحي إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر في حق نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم إنّ أبا بكر دعا أيضاً فقال :﴿وأن أعمل صالحاً ترضاه﴾ قال ابن عباس : أجاب الله تعالى دعاء أبي بكر، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله تعالى، منهم بلال ولم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه ودعا أيضاً فقال :﴿وأصلح لي في ذرّيتي﴾ فأجاب الله تعالى دعاءه، فلم يكن له ولد إلا آمن فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً وأدرك أبواه وابنه عبد الرحمان وابن ابنه أبو عتيق النبيّ صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنون. ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة.
تنبيه أصلح يتعدى بنفسه لقوله تعالى :﴿وأصلحنا له زوجه﴾ ( الأنبياء : ٩٠ ) وإنما تعدى بفي لتضمنه معنى ألطف بي في ذرّيتي، أو لأنه جعل الذرّية ظرفاً للإصلاح والمعنى : هب لي الصلاح في ذرّيتي وأوقعه فيهم.
﴿إني تبت﴾ أي : رجعت ﴿إليك﴾ عن كل ما يقدح في الإقبال عليك. وأكده إعلاماً بأنّ حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع : فينكر إخباره به وكذا قوله :﴿وإني من المسلمين﴾ أي : الذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم فانقادوا أتمّ انقياد.
الأحقاف 46:16
﴿أولئك﴾ أي : العالون الرتبة، القائلون هذا القول أبو بكر، وغيره ﴿الذين نتقبّل﴾ بأسهل وجه ﴿عنهم﴾ وأشار بصيغة التفعل إلى أنه يعمل في قبوله عمل المعتني، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله وقوله تعالى :﴿أحسن ما عملوا﴾ أي : أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا.
فإن قيل : كيف قال الله تعالى ﴿أحسن﴾ والله تعالى يتقبل الأحسن وما دونه ؟.
أجيب بوجهين أحدهما : أنّ المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى :﴿واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم﴾ ( الزمر : ٥٥ ) وكقوله : الناقص والأشج أعدلا بني مروان. أي : عادلا بني مروان.
ثانيهما : أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. والأحسن ما يغاير ذلك، وهو المندوب، أو الواجب.
ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسناً، نبه على ذلك بقوله تعالى :﴿ويتجاوز﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿عن سيئاتهم﴾ أي : فلا يعاقبهم عليها. وقرأ حفص وحمزة والكسائي : بنون مفتوحة قبل الفوقية من ﴿يتقبل﴾ ونصب ﴿أحسن﴾، ونون مفتوحة قبل الفوقية من ﴿يتجاوز﴾ والباقون بياء مضمومة قبل الفوقية من ﴿يتقبل﴾، و﴿يتجاوز﴾ ورفع ﴿أحسن﴾ وقوله تعالى :﴿في أصحاب الجنة﴾ في محل الحال أي : كائنين في جملة أصحاب الجنة. كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي : في جملتهم. وقيل : خبر مبتدأ مضمر أي : هم في أصحاب الجنة وقوله تعالى :﴿وعد الصدق﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنّ قوله تعالى :﴿أولئك الذين يتقبل عنهم﴾ في معنى الوعد. فيكون قوله تعالى :﴿يتقبل﴾، و﴿يتجاوز﴾ وعداً من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز. والمعنى يعامل من صفته ما قدّمنا بهذا الجزاء. وذلك وعد من الله تعالى صدق، لكونه مطابقاً للواقع ﴿الذي كانوا يوعدون﴾ أي : يقع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام حين أخبروا بقوله تعالى :﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات﴾ ( التوبة : ٧٢ ).
الأحقاف 46:17
ولما وصف تعالى الولد البار بوالديه وصف الولد العاق لهما. بقوله تعالى :﴿والذي قال لوالديه أف لكما﴾ والمراد به الجنس. وقال ابن عباس والسدي : نزلت في عبد الله بن أبيّ. وقيل : في عبد الرحمان بن أبي بكر قبل إسلامه ؛ كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وهو ﴿قوله أف لكما﴾ وقال الحسن وقتادة : إنها نزلت في كل كافر عاق لوالديه وعلى ثبوت أنها نزلت فيمن تقدم، لا ينافي أن المراد الجنس، فإنّ خصوص السبب لا يوجب التخصيص وفي ﴿أف﴾ قراءات ذكرت في سورة بني إسرائيل ﴿أتعدانني﴾ أي : على سبيل الاستمرار والتجديد في كل وقت وقرأ هشام بإدغام النون الأولى في الثانية وفتح الياء نافع وابن كثير وسكنها الباقون. ﴿أن أخرج﴾ أي : من مخرج يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت تراباً يحييني كما كنت أوّل مرّة ﴿وقد﴾ أي : والحال أنه قد ﴿خلت﴾ أي : مضت على سنن الموتى ﴿القرون﴾ أي : الأمم الكثيرة مع صلابتهم ﴿من قبلي﴾ أي : قرناً بعد قرن، وتطاولت الأزمان، ولم يخرج منهم أحد من القبور ﴿وهما﴾ أي : والحال أنهما كلما قال لهما ذلك ﴿يستغيثان الله﴾ أي : يطلبان بدعائهما من له جميع صفات الكمال أن يغيثهما بإلهامه قبول كلامهما ويقولان إن لم ترجع ﴿ويلك﴾ أي : هلاكك بمعنى : هلكت ﴿آمن﴾ أي : أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره، وهو الذي ينقذ من كل هلكة، ويوجب كل فوز، بالتصديق بالبعث وبكل ما جاء عن الله تعالى. ثم علّلا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره بقولهما :﴿إنّ وعد الله﴾ أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال حق أي : ثابت أعظم ثبات ؛ لأنه لو لم يكن حقاً لكان نقصاً من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل الملوك. فكيف بملك الملوك ؟ ﴿فيقول﴾ مسبباً عن قولهما ومعقباً له ﴿ما هذا﴾ أي : الذي تذكرانه من البعث ﴿إلا أساطير﴾ أي : أكاذيب ﴿الأوّلين﴾ التي كتبوها.
الأحقاف 46:18
﴿أولئك﴾ أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير ﴿الذين حق﴾ أي : ثبت ووجب ﴿عليهم القول﴾ أي : الكامل في بابه، بأنهم أسفل السافلين. وهذا كما قال البيضاوي يردّ على من قال : إنها نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر ؛ لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه وقال البقاعي : وهذا يكذب من قال : إنها نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة فحقت له الجنة، ولما أثبت لهم هذه الشنعة بين كثرة من شاركهم فيها بقوله تعالى :﴿في﴾ أي : كائنين في ﴿أمم﴾ أي : خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس، ويتبع بعضهم بعضاً ﴿قد خلت﴾ أي : تلك الأمم ﴿من قبلهم﴾ وكانوا قدوتهم وأدخل الجار ؛ لأنّ المحكوم عليه بعض السالفين ﴿من الجنّ﴾ لأنّ العرب كانت تستعظمهم، وتستجير بهم وذلك لأنهم يتظاهرون لهم، ويؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم، وتسلطهم عليهم ظاهراً وباطناً إلا القرآن : فإنه أحرقهم بأنواره، وجلاهم عن تلك البلاد بتجلي آثاره ﴿وإلانس﴾ ولا نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم وقوله تعالى ﴿إنهم﴾ أي : كلهم ﴿كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً وخلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه ﴿خاسرين﴾ أي عريقين في هذا الوصف تعليل للحكم على الاستئناف.
الأحقاف 46:19
﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ قال ابن عباس : يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقال مقاتل : ولكل واحد من الفريقين يعنى البارّ بوالديه والعاق لهما درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية.
فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات على أهل النار وقد روي «الجنة درجات والنار دركات » أجيب من وجوه أحدها : أنّ ذلك على جهة التغليب وثانيها : قال ابن زيد : درج أهل الجنة تذهب علواً، ودرج أهل النار تذهب هبوطاً وثالثها : المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، فدرجات أهل الجنة في الخيرات والطاعات، ودرجات أهل النار في المعاصي والسيئات.
وقوله تعالى :﴿وليوفيهم أعمالهم﴾ أي : جزاءها معلله محذوف، تقديره : جازاهم بذلك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وهشام، وعاصم : بالياء التحتية أي : الله والباقون بالنون أي نحن وقوله تعالى :﴿وهم لا يظلمون﴾ أي : شيئاً بنقص للمؤمنين ولا بزيادة للكافرين ( والواو ) إمّا استئناف وإمّا حال مؤكدة.
الأحقاف 46:20
﴿ويوم﴾ أي : واذكر يا أفضل الخلق لهؤلاء يوم يعرضون هكذا كان الأصل. ولكنه تعالى أظهر الوصف الذي أوجب لهم الخزي بقوله تعالى :﴿يعرض الذين كفروا على النار﴾ أي : يصلون لهيبها ويقلبون فيها، كما يعرض اللحم الذي يشوى وقيل : تعرض عليهم النار ليروا أهوالها، مقولاً لهم على سبيل التنديم والتقريع والتوبيخ والتشنيع ؛ لأنهم لم يذكروه تعالى حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها عند مخالفة أمره سبحانه وتعالى ﴿أذهبتم طيباتكم﴾ أي : لذاتكم باتباعكم الشهوات. وقرأ ابن كثير وابن عامر قبل الدال : بهمزتين مفتوحتين الأولى : محققة بلا خلاف. والثانية : مسهلة بخلاف عن هشام وأدخل هشام بينهما ألفاً ولم يدخل ابن كثير وابن ذكوان والباقون بهمزة واحدة محققة. ﴿في حياتكم الدنيا﴾ أي : القريبة الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى بعدها، فكان سعيكم في حركاتكم وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها ﴿واستمتعتم﴾ أي : طلبتم وأوجدتم انتفاعكم ﴿بها﴾ وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم. والمعنى : أن ما قدّر لكم من الطيبات والدرجات فقد استوفيتموه في الدنيا فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها وعن عمر رضي الله عنه «لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي » قال الواحدي : إنّ الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل لأنّ هذه الآية لا تدل على المنع من التمتع لأنها وردت في حق الكافر وإنما وبخ الله تعالى الكافر لأنه تمتع بالدنيا ولم يؤدّ شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ويدل على ذلك قوله تعالى :﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ( الأعراف : ٣٢ ) نعم لا ينكر أنّ الاحتراز عن التنعم أولى لأنّ النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربما حمل الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي.
روى عمر قال :«دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو على رمال حصير، قد أثر الرمال بجنبه فقلت : يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يوسع على أمتك، فإنّ فارس والروم قد وسع عليهم وهم يعبدون غير الله تعالى. فقال صلى الله عليه وسلم : أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا » وعن عائشة رضي الله عنها قالت :«ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم » وعنها أنها قالت :«كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً وما هو إلا الماء والتمر » «وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم الشعير » والأحاديث في هذا كثيرة.
ولما كانت الاستهانة بالأوامر والنواهي استهانة بيوم الجزاء سبب عنه قوله تعالى :
﴿فاليوم تجزون﴾ أي : على إعراضكم عنا ﴿عذاب الهون﴾ أي : الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي فيه ذلّ وخزي ﴿بما كنتم﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿تستكبرون﴾ أي : تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار ﴿في الأرض﴾ التي هي لكونها تراباً وموضوعة على الزوال والخراب أحق شيء بالتواضع والذل والهوان ﴿بغير الحق﴾ أي : الأمر الذي يطابقه الواقع، وهو أوامرنا ونواهينا ﴿وبما كنتم﴾ أي : على الاستمرار ﴿تفسقون﴾ أي : بسبب الاستكبار الباطل، والفسوق عن طاعة الله تعالى.
تنبيه : دلت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأنّ الله تعالى علل عذابهم بأمرين ؛ أولهما : الكفر. وثانيهما : الفسق وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات.
الأحقاف 46:21
ولما كان قوم عاد أكثر أموالاً وقوة وجاهاً من أهل مكة، ذكر تعالى قصتهم ليعتبروا، فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا. فقال عز من قائل :﴿واذكر﴾ يا أشرف الرسل، لهؤلاء الذين لا يتعظون ﴿أخا عاد﴾ وهو أخوك هود عليه السلام، الذي كان بين قوم أشدّ من قومك، ولم يخف عاقبتهم وأمرهم ونهاهم ونجيناه منهم فهو لك قدوة، وفيه أسوة، ولقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره موعظة. وقوله تعالى :﴿إذ أنذر﴾ بدل اشتمال من ﴿أخا﴾ ﴿قومه﴾ أي : الذين لهم قوة على القيام فيما يحاولونه. ﴿بالأحقاف﴾ قال ابن عباس : واديين عمان ومهرة، وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له : مهرة إليها تنسب الإبل المهرية. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم. وكانوا من قبيلة إرم قال قتادة : ذكر لنا : أن عاداً كانوا حياً من اليمن، كانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر.
﴿وقد﴾ أي : والحال أنّه قد ﴿خلت النذر﴾ أي : مرّت ومضت الرسل الكثيرون ﴿من بين يديه﴾ أي : قبل هود، كنوح وشيث وآدم عليهم السلام ﴿ومن خلفه﴾ أي : بعده والمعنى ؛ أنّ الرسل الذين بعثوا قبله، والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره، والجملة حال، أو اعتراض. ولما أشار إلى كثرة الرسل، ذكر وحدتهم في أصل الدعاء، فقال مفسراً للإنذار معبراً بالنهي ﴿أن لا تعبدوا﴾ أي : أيها العباد المنذرون، بوجه من الوجوه شيئاً من الأشياء ﴿إلا الله﴾ أي : الملك الذي لا ملك غيره، ولا خالق سواه، ولا منعم إلا هو فإني أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم والملك لا يقرّ على مثل هذا ﴿إني أخاف عليكم﴾ لكونكم قومي، وأعز الناس عليّ ﴿عذاب يوم عظيم﴾ أي لا يدع جهة إلا ملأها عذابه إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك.
الأحقاف 46:22
﴿قالوا﴾ له في جوابه منكرين عليه ﴿أجئتنا﴾ أي : يا هود، ﴿لتأفكنا﴾ أي : لتصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه ﴿عن آلهتنا﴾ فلا نعبدها، ولا نعتد بها ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ من العذاب ؛ سموا الوعيد وعداً ﴿إن كنت﴾ أي : يقال عنك كوناً ثابتاً ﴿من الصادقين﴾ في أنك رسول من الله، وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا.
الأحقاف 46:23
﴿قال﴾ أي هود مكذباً لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء من ذلك :﴿إنما العلم﴾ أي : المحيط بكل شيء، عذابكم وغيره. ﴿عند الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال، فهو ينزل علم ما توعدون به على من يشاء إن شاء. ولا علم لي إلى الآن، ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة، ﴿وأبلغكم﴾ أي : في الحال والاستقبال وقرأ أبو عمرو بسكون الباء الموحدة وتخفيف اللام والباقون : بفتح الموحدة وتشديد اللام. ﴿ما أرسلت به﴾ ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، سواء أكان وعداً أم وعيداً أم غير ذلك. ولم يذكر الغاية ؛ لأنّ ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم ﴿ولكني أراكم﴾ أي : أعلمكم علماً كالرؤية. وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو : بفتح الياء والباقون : بسكونها. وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين وأمالها أبو عمرو، وحمزة، والكسائي محضة. والباقون بالفتح. ﴿قوماً تجهلون﴾ أي : باستعجال العذاب. فإنّ الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا مقترحين.
الأحقاف 46:24
﴿فلما رأوه﴾ أي : العذاب الذي توعدهم به ﴿عارضا﴾ أي : سحاباً أسود بارزاً في الأفق، ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه قاصداً إليهم. ﴿مستقبل أوديتهم﴾ أي : طالباً لأن يكون مقابلاً لها وموجداً لذلك. ﴿قالوا﴾ على عادة جهلهم، مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل، لأنّ جهلهم به استمّر حتى كاد أن يواقعهم. ﴿هذا عارض﴾ أي : سحاب معترض في عرض السماء. أي : ناحيتها. ﴿ممطرنا﴾ قال المفسرون : كان حبس عنهم المطر أياماً فساق الله تعالى إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى ﴿بل هو﴾ أي : هذا العارض الذي ترونه ﴿ما استعجلتم به﴾ أي : طلبتم العجلة في إتيانه وقوله تعالى :﴿ريح﴾ بدل من ﴿ما﴾ ﴿فيها عذاب أليم﴾ أي : شديد الإيلام وروي أنها كانت تحمل الفسطاط فترفعه في الجوّ، وتحمل الظعينة في الجوّ، فترفعها وهودجها حتى ترى كأنها جرادة وكانوا يرون ما كان خارجاً عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، ثم تقذف بهم.
الأحقاف 46:25
ثم وصف تلك الريح. بقوله تعالى :﴿تدمر﴾ أي : تهلك إهلاكاً عظيماً شديداً. ﴿كل شيء﴾ أي : أتت عليه من الحيوان والناس وغيرهما، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه السلام ومن آمن به، فسلامته أمر خارق للعادة. كما أنّ أمرها في إهلاك كل ما مرّت عليه أمر خارق للعادة. ﴿بأمر ربها﴾ أي : المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام من أعدائه.
فإن قيل : ما فائدة إضافة الرب إلى الريح أجيب : بأنّ فائدة ذلك : الدلالة على أنّ الريح وتصريف أعنتها، مما يشهد بعظيم قدرته لأنها من أعاجيب خلقه، وأكابر جنوده. وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه فليس من تأثير الكواكب والقرانات.
قيل : إنّ أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم، قالت : رأيت ريحاً فيها كشهب النار. وروي : أنّ أوّل ما عرفوا به أنه عذاب أليم : أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم، وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين ثم أمر الله تعالى الريح، فكشفت عنهم الرمال، وحملتهم، فرمت بهم في البحر.
وروي : أن هوداً عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم ريحاً طيبة هادئة، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض.
وعن ابن عباس اعتزل هود ومن معه في حظيرة، ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس. وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه «قال صلى الله عليه وسلم ما أمر الله تعالى خازن الريح أن يرسل على عاد إلا مقدار الخاتم وذلك القدر أهلكهم بكليتهم » كما قال تعالى :﴿فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم﴾ أي : فجاءتهم الريح فدمّرتهم، فأصبحوا بحيث لو خضت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم. وقرأ عاصم وحمزة : بالياء التحتية المضمومة ورفع النون من مساكنهم، لقيامه مقام الفاعل. والباقون : بالتاء الفوقية مفتوحة مبنياً للفاعل، ونصب مساكنهم مفعولاً به. وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين، وأبو عمرو وحمزة والكسائي محضة. وكذلك من ﴿القرى﴾ ﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الجزاء الهائل ؛ في أصله، أو جنسه، أو نوعه، أو شخصه من الإهلاك. ﴿نجزي﴾ بعظمتنا دائماً إذا شئنا ﴿القوم المجرمين﴾ أي : العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع «وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الريح فزع وقال :«اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به، وإذا رأى مخيلة أي : سحابة. قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فنقول له : يا رسول الله ما تخاف ؟ فيقول : إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا : هذا عارض ممطرنا فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا » فإن قيل قال تعالى :﴿وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم﴾ ( الأنفال : ٣٣ ) فكيف يحصل التخويف أجيب بأنّ ذلك كان قبل نزول الآية.
الأحقاف 46:26
ثم أخبر الله تعالى عن مكنة عاد بقوله سبحانه :﴿ولقد مكناهم﴾ أي : تمكيناً تظهر به عظمتنا ﴿فيما﴾ أي : في الذي ﴿إن﴾ نافية أي : ما ﴿مكناكم﴾ يا أهل مكة ﴿فيه﴾ من قوّة الأبدان، وطول الأعمار، وكثرة الأموال، وغيرها. ثم إنّهم مع ذلك ما نجوا من عذاب الله تعالى. فكيف يكون حالكم ؟.
تنبيه : قال البقاعي : وجعل النافي إن ؛ لأنها أبلغ من ﴿ما﴾ لأن ما تنفى تمام الفوت، لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك. وإن تنفي أدنى مظاهر مدخولها، فكيف بما وراء من تمامه ؟ لأنّ الهمزة أوّل مظهر لفوت الألف، والنون لمطلق الإظهار. هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ، وصونه عن ثقل التكرار، إلى غير ذلك من بديع الأسرار ا. ه.
وقال الزمخشريّ : إن نافية أي : فيما ما مكناكم فيه إلا أن إن أحسن في اللفظ، لما في مجامعة ما بمثلها من التكرار المستبشع، ومثله مجتنب. ألا ترى أنّ الأصل في مهما ما ما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء ولقد أغث أبو الطيب في قوله :
لعمرك ما ما بان منك لضارب ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما ضرّه لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال : لعمرك ما إن بان منك لضارب. وقد جعلت إن صلة مثلها فيما أنشده الأخفش رحمه الله تعالى :
يرجى المرء ما إن لا يراه؍ وتعرض دون أدناه الخطوب؍
وتؤوّل بأنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه والوجه هو الأوّل ﴿وجعلنا لهم﴾ أي على ما اقتضته عظمتنا ﴿سمعاً﴾ وأفرده لقلة التفاوت فيه ﴿وأبصاراً﴾ وجمعه لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله تعالى :﴿وأفئدة﴾ أي : فتحنا عليهم أبواب النعم، وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل. وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في دلائل ملكوت السماوات والأرض وأعطيناهم أفئدة، أي : قلوباً فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها. فلا جرم قال تعالى :﴿فما أغنى عنهم﴾ في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان هود عليه السلام ثم النقمة بيد الريح ﴿سمعهم﴾ وأكد النفي بتكرير النافي بقوله تعالى :﴿ولا أبصارهم﴾ وكذا في قوله تعالى :﴿ولا أفئدتهم﴾ أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار بقوله تعالى :﴿من شيء﴾ أي : من الأشياء وإن قل وقال الجلال المحلي إنّ ﴿من﴾ زائدة وقوله تعالى :﴿إذ﴾ معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل. أي : لأنهم ﴿كانوا﴾ أي : طبعاً وخلقاً ﴿يجحدون﴾ أي : يكرّرون على ممر الزمان الجحد ﴿بآيات الله﴾ أي : الإنكار لما يعرب عن دلائل الملك الأعظم ﴿وحاق﴾ أي : نزل ﴿بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ لأنهم ؛ كانوا يطلبون نزول العذاب على سبيل الاستهزاء.
الأحقاف 46:27
ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك فقال تعالى :﴿ولقد أهلكنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿ما حولكم﴾ يا أهل مكة ﴿من القرى﴾ كحجر ثمود وعاد وأرض سدوم وسبأ ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس، وغيرهم ممن فيهم معتبر ﴿وصرّفنا﴾ أي : بينا ﴿الآيات﴾ أي : الحجج البينات ﴿لعلهم﴾ أي : الكفار ﴿يرجعون﴾ أي : ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات، حال من يرجع عن الغيّ الذي كان يرتكبه، لتقليد أو شبهة كشفتها الآيات وفضحتها الدلالات ؛ فلم يرجعوا فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكهم.
الأحقاف 46:28
﴿فلولا﴾ أي : فهلا ولم لا ﴿نصرهم الذين﴾ أي : نصر هؤلاء المهلكين الذين ﴿اتخذوا﴾ أي : اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل حتى أخذوا. ﴿من دون الله﴾ أي : الملك الذي هو أعظم من كل عظيم ﴿قرباناً﴾ أي : متقرباً بهم إلى الله تعالى :﴿آلهة﴾ معه وهم الأصنام ومفعول اتخذوا الأوّل ضمير محذوف يعود على الموصول أي : هم، وقرباناً المفعول الثاني، وآلهة بدل منه ﴿بل ضلوا﴾ أي : غابوا ﴿عنهم﴾ وقت نزول النقمة. وقرأ الكسائي بإدغام اللام في الضاد، والباقون بالإظهار ﴿وذلك﴾ أي : اتخاذهم الأصنام آلهة قرباناً ﴿إفكهم﴾ أي : كذبهم ﴿وما كانوا﴾ أي : على وجه الدوام لكونه في طباعهم ﴿يفترون﴾ أي : يتعمدون كذبه، لأنّ إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا كذلك، لأنّ من نظر فيها مجرداً نفسه عن الهوى اهتدى.
الأحقاف 46:29
﴿وإذ﴾ أي : واذكر إذ ﴿صرفنا﴾ أي : أملنا ﴿إليك نفراً﴾ وهو اسم يطلق على ما دون العشرة وسيأتي في ذلك خلاف ﴿من الجنّ﴾ أي جنّ نصيبين اليمن، أو جنّ نينوى ﴿يستمعون القرآن﴾ أي : يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس، وأنت في صلاة الفجر في نخلة، تصلي بأصحابك ﴿فلما حضروه﴾ أي : صاروا بحيث يستمعونه ﴿قالوا﴾ أي : قال بعضهم لبعض، ورضي الآخرون ﴿أنصتوا﴾ أي : اسكتوا، وميلوا بكلياتكم، واستمعوا. حفظاً للأدب على بساط الخدمة وفيه تأدب مع العلم في تعلمه. قال القشيري : فأهْل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار.
تنبيه : ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين : أحدهما «قال سعيد بن جبير : كان الجنّ تستمع فلما رجموا قالوا هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن، فمرّ به نفر من أشرار جنّ نصيبين، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن فعرفوا أن ذلك هو السبب ». والقول الثاني أنّ الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله تعالى إليه نفراً من الجنّ يستمعون منه القرآن وينذرون قومهم روي أن الجنّ كانوا يهوداً لأنّ في الجنّ مللاً كما في الإنس من اليهود والنصارى، وعبدة الأوثان، والمجوس وأطبق المحققون على أنّ الجن مكلفون سئل ابن عباس هل للجنّ ثواب قال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب يلبثون في أبواب الجنة ويزدحمون على أبوابها. «وروى الطبراني عن ابن عباس أن أولئك الجنّ كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم ». «وعن زرّ ابن حبيش كانوا تسعة، أحدهم زوبعة » «وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى » وروي في الحديث :«أنّ الجنّ ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون » واختلفت الروايات هل كان عبد الله بن مسعود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ أو لا ؟ وروي عن أنس قال كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بظاهر المدينة، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لمشية جني، ثم أتى فسلم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إنها لنغمة جنيّ فقال الشّيخ : أجل يا رسول الله. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم : من أيّ الجنّ أنت ؟ فقال يا رسول الله، أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم : لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين. قال : أجل يا رسول الله، قال : كم أتى عليك من العمر ؟ قال : أكلت عمر الدنيا إلا القليل، كنت حين قُتل هابيل غلاماً ابن أعوام، فكنت أتشرف على الآكام، وأصطاد الهام، وأورّش بين الأنام. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم بئس العمل. فقال : يا رسول الله، دعني من العتب فإني ممن آمن مع نوح عليه السلام وعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال : والله إني لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت هوداً فعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال والله إني لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت إبراهيم، وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي به في المنجنيق، وكنت معه في النار إذ ألقي فيها وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره. ولقيت موسى بن عمران بالمكان الأثير. وكنت مع عيسى ابن مريم عليهما السلام. فقال لي : إن لقيت محمداً فاقرأ عليه السلام. قال أنس : فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : وعليه السلام وعليك يا هام ما حاجتك ؟ قال : إنّ موسى علمني التوراة، وإنّ عيسى علمني الإنجيل، فعلّمني القرآن قال أنس : فعلمه النبيّ صلى الله عليه وسلم سورة الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كوّرت وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص والمعوّذتين. ﴿فلما قضي﴾ أي : فرغ من قراءته ﴿ولّوا﴾ أي : رجعوا ﴿إلى قومهم﴾ الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه ﴿منذرين﴾ أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.
الأحقاف 46:30
ولما كان كأنه قيل ما قالوا لهم في إنذارهم ؟ قيل :﴿قالوا يا قومنا﴾ مترققين لهم، ومترفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم، يهمهم ما يهمهم ﴿إنا سمعنا﴾ أي : ما بيننا وبين القارىء واسطة. وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير هذا. وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع بقولهم :﴿كتاباً﴾ أي : ذكراً جامعاً، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل ﴿أنزل﴾ أي : ممن لا منزل غيره، وهو ملك الملوك لأنّ عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها، فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز ؟ وعلموا قطعاً بعربيته أنه عربي، وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وأنه مباين لجميع ذلك ﴿من بعد موسى﴾ فلم يقتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة، من الإنجيل وما قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، وروي عن عطاء والحسن : إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهوداً. «وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ الجنّ ما سمعوا أمر عيسى، فلذلك قالوا من بعد موسى ». ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة بقولهم :﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ أي : من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله، ثم بينوا تصديقه بقولهم :﴿يهدي إلى الحق﴾ الأمر الثابت الذي يطابق الواقع، فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به الكامل في جميع ذلك ﴿وإلى طريق﴾ موصل إلى المقصود ﴿مستقيم﴾ لا عوج فيه.
الأحقاف 46:31
﴿يا قومنا﴾ الذين لهم قوة العلم والعمل ﴿أجيبوا داعي الله﴾ أي : الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال. فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره وفي هذه الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن، كما كان مبعوثاً إلى الإنس ﴿وآمنوا به﴾ أي : أوقعوا التصديق بسبب الداعي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم لا بسبب آخر فإن المفعول معه مفعول مع الله تعالى.
فإن قيل قوله تعالى :﴿أجيبوا داعي الله﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمنوا به ؟ ! أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهمّ الأقسام وأشرفها وقد جرت العادة في القرآن العظيم بأن يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله تعالى ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ ( البقرة : ٩٨ ) وقوله تعالى ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ ( الأحزاب : ٧ )
ولما أمر تعالى بالإيمان ذكر فائدته بقوله تعالى :﴿يغفر لكم﴾ أي : الله تعالى ﴿من ذنوبكم﴾ أي : بعضها من الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها، مما أشار إليه قوله تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ ( الشورى : ٣٠ ) وأما المظالم فلا تغفر إلا برضا أربابها، وقيل :﴿من﴾ زائدة والتقدير : يغفر لكم ذنوبكم، وقيل : بل فائدته أن كلمة ﴿من﴾ هنا لابتداء الغاية، والمعنى : أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل ﴿ويجركم﴾ أي : يمنعكم منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه. ﴿من عذاب أليم﴾ «قال ابن عباس : فاستجاب لله تعالى لهم من قومهم نحو سبعين رجلاً من الجنّ فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم ».
تنبيه : اختلفوا في أن الجنّ هل لهم ثواب أو لا فقيل : لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ويقال لهم : كونوا تراباً، مثل البهائم واحتجوا على ذلك بقوله تعالى ﴿ويجركم من عذاب أليم﴾ وهو قول أبي حنيفة.
والصحيح أنّ حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وتقدّم عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً نحو ذلك قال الضحّاك : يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، لأنّ كل دليل دلّ على أنّ البشر يستحقون الثواب فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بينهما بعيد جداً وذكر النقاش في تفسيره حديثاً أنهم يدخلون الجنة، فقيل : هل يصيبون من نعيمها قال يلهمهم الله تعالى تسبيحه وذكره فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة وقال أرطأة بن المنذر سألت ضمرة بن حبيب هل للجنّ ثواب ؟ قال : نعم وقرأ ﴿لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ﴾ ( الرحمان : ٥٦ ) وقال عمر بن عبد العزيز إن مؤمني الجنّ حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها ».
الأحقاف 46:32
ولما أفهم كلامهم أنهم إن لم يجيبوا ينتقم منهم بالعذاب الأليم، أتبعوه ما هو أغلظ إنذاراً منه فقالوا ﴿ومن لا يجب﴾ أي : لا يتجدد منه أن يجيب ﴿داعي الله﴾ أي : الملك الذي لا كفء له ﴿فليس بمعجز﴾ أي : لا يعجز الله عز وجلّ بالهرب منه ﴿في الأرض﴾ فيفوته فإنه أيّ مكان سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به ﴿وليس له من دونه﴾ أي : الله تعالى الذي لا مجير عليه ﴿أولياء﴾ يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء ﴿أولئك﴾ البعيدون من كل خير ﴿في ضلال مبين﴾ ظاهر في نفسه أنه ضلال مظهر لكل أحد قبح إحاطته بهم.
تنبيه : ههنا همزتان مضمومتان من كلمتين ولا نظير لهما في القرآن العظيم قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى كالواو مع المدّ والقصر وسهل الثانية ورش وقنبل بعد تحقيق الأولى ولهما أيضاً إبدال الثانية ألفاً وأسقط الأولى أبو عمرو مع المدّ والقصر والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المدّ.
الأحقاف 46:33
﴿أوَلم يروا﴾ أي : يعلموا علماً هو في الوضوح كالرؤية ﴿أن الله﴾ ودل على ما دلّ عليه هذا الاسم الأعظم بقوله تعالى :﴿الذي خلق السماوات﴾ على ما احتوت عليه بما يعجز الوصف من العبر ﴿والأرض﴾ على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر ﴿ولم يعي﴾ أي : ولم يتعب ولم يعجز ﴿بخلقهنّ﴾ أي : بسبب من الأسباب. فإنه لو حصل له شيء من ذلك أدّى إلى نقصان فيهما، أو في إحداهما. وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجارّ في خبر أنّ فقال :﴿بقادر﴾ أي : قدرة عظيمة ﴿على أن يحيي﴾ أي : على سبيل التجديد مستمرّاً ﴿الموتى﴾ والأمر فيهم لكونه إعادة وكونه جزءاً يسيراً مما ذكر، اختراعه أصغر شأناً وأسهل صنعاً وأجاب بقوله تعالى ﴿بلى﴾ لأنّ هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي. أي : قد علموا أنه قادر على ذلك علماً هو في إيقانه كالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم، ولكنهم عن ذلك غافلون لأنهم عنه معرضون. وقوله تعالى :﴿إنه على كل شيء قدير﴾ تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود. كأنه لما صدر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد.
الأحقاف 46:34
ولما أثبت البعث بما أقام من الدلائل، ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال بقوله تعالى :﴿ويوم﴾ أي : واذكر يوم ﴿يعرض﴾ أي : بأيسر أمر من أوامرنا ﴿الذين كفروا﴾ أي : ستروا بغفلتهم وتماديهم الأدلة الظاهرة ﴿على النار﴾ عرض الجند على الملك، فيسمعون من تغيظها وزفيرها ما لو قدّر أن أحداً يموت في ذلك اليوم لماتوا من معاينته، وهائل رؤيته ثم يقال لهم ﴿أليس هذا﴾ أي : الأمر الذي كنتم به توعدون، ولرسلنا في إخبارهم به تكذبون ﴿بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، أم هو خيال وسحر ﴿قالوا﴾ أي : مصدّقين حيث لا ينفعهم التصديق ﴿بلى﴾ وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه بقولهم :﴿وربنا﴾ أي إنه لحق هو أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما يقارب السحر.
تنبيه : المقصود من هذا الاستفهام التحكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده. ﴿قال فذوقوا العذاب﴾ أي : باشروه مباشرة الذائق باللسان. ومعنى الأمر ؛ الإهانة بهم والتوبيخ لهم ثم صرّح بالسبب فقال تعالى :﴿بما كنتم﴾ أي : خلقاً مستمرّاً ﴿تكفرون﴾ في دار العمل.
الأحقاف 46:35
ولما قرّر تعالى المطالب الثلاثة ؛ وهي التوحيد، والنبوّة، والمعاد. وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنّ الكفار كانوا يؤذونه ويوحشون صدره فقال تعالى :﴿فاصبر﴾ أي : على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة، وعلى أذى قومك قال القشيري : الصبر، هو الوثوق بحكم الله تعالى والثبات من غير بث ولا استكراه ﴿كما صبر أولو العزم﴾ أي : الثبات والجدّ في الأمور. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أولو الحزم وقوله تعالى :﴿من الرسل﴾ يجوز فيه أن تكون ﴿من﴾ تبعيضية وعلى هذا فالرسل : أولو عزم وغير أولي عزم ويجوز أن تكون للبيان، وعليه جرى الجلال المحلي فكلهم على هذا أولو عزم.
قال ابن زيد كل الرسل كانوا أولي عزم وحزم ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال : اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. وقال بعضهم : الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعلة كانت فيه. ألا ترى أنه قيل لنبينا صلى الله عليه وسلم ﴿ولا تكن كصحاب الحوت﴾ ( القلم : ٤٨ ) وقال قوم : هم نجباء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ ( الأنعام : ٩٠ ) وقال الكلبيّ هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الله تعالى وقيل : هم ستة ؛ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى. وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء وقال مقاتل : هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده، وذهاب بصره ويوسف صبر في الجب والسجن، وأيوب صبر على الضرّ. وقال ابن عباس وقتادة هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، أصحاب الشرائع فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم خمسة ونظمهم بعضهم في بيت فقال :
محمد إبراهيم موسى كليمه؍ فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم؍
قال البغوي : ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله تعالى ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ ( الأحزاب : ٧ ) وفي قوله تعالى :﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً﴾ ( الشورى : ١٣ ) الآية.
وعن مسروق قال «قالت عائشة رضي الله عنها : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا الصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها. ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم قال تعالى ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ وإني والله لا بدّ لي من طاعته والله لأصبرنّ كما صبروا ولأجهدنّ، ولا قوّة إلا بالله ».
ولما أمره الله تعالى بالصبر الذي هو من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل فقال عز من قائل :﴿ولا تستعجل لهم﴾ أي : لا تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئاً مما يسوءهم في غير حينه الأليق به. فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. قيل : إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه، وأحب أن ينزل الله تعالى العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر أنّ ذلك العذاب إذا نزل بهم يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال تعالى :﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون﴾ أي : من العذاب بهم في الآخرة ﴿لم يلبثوا﴾ أي : في الدنيا ﴿إلا ساعة من نهار﴾ استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا، ولأنّ ما مضى وإن كان طويلاً صار كأنه لم يكن قال الشاعر :
كأنّ شيئاً لم يكن إذا مضى؍ كأنّ شيئاً لم يكن إذا أتى؍
تنبيه : تم الكلام ههنا وقوله تعالى ﴿بلاغ﴾ خبر مبتدأ محذوف قدره بعضهم : تلك الساعة بلاغ لدلالة قوله تعالى ﴿إلا ساعة من نهار﴾ وبعضهم : هذا أي القرآن بلاغ أي تبليغ من الله تعالى إليكم وجرى عليه الجلال المحلي. ﴿فهل﴾ أي : لا ﴿يهلك﴾ أي : بالعذاب إذا نزل ﴿إلا القوم﴾ أي : الذين هم أهل القيام بما يحاولونه من اللدد، ﴿الفاسقون﴾ أي : العريقون في إدامة الخروج عن الانقياد والطاعة، وهم الكافرون. قال الزجاج : تأويله لا يهلك مع فضل الله ورحمته إلا القوم الفاسقون ولهذا قال قوم : ما في الرجاء لرحمة الله أقوى من هذه الآية. وما قاله البيضاويّ تبعاً للزمخشري : من أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من قرأ سورة الأحقاف كتب الله له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا ». حديث موضوع.
محمد 47:1
واختلف في قوله تعالى :﴿الذين كفروا﴾ من هم ؟ فقيل : هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحارث ابنا هشام، وعقبة، وشيبة ابنا ربيعة، وغيرهم، وقيل : كفار قريش وقيل : أهل الكتاب وقيل : كل كافر لأنهم ستروا أنوار الأدلة وضلوا على علم ﴿وصدّوا﴾ أي : امتنعوا بأنفسهم، ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر، ﴿عن سبيل الله﴾ أي : الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم، ﴿أضلّ﴾ أي : أبطل إبطالاً عظيماً يزيل العين والأثر، ﴿أعمالهم﴾ كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وفك الأسارى، وحفظ الجوار، وغير ذلك. فلا يرون لها في الآخرة ثواباً ويجزي عليها في الدنيا من فضله تعالى.
تنبيه : أوّل هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة.
محمد 47:2
ولما ذكر تعالى أهل الكفر معبراً عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر أضدادهم كذلك ؛ ليعمّ من كان منهم من جميع الفرق. بقوله تعالى :﴿والذي آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان باللسان ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لدعواهم ﴿الصالحات﴾ أي : الأعمال الكاملة في الصلاح، بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم خصهم بقوله تعالى :﴿وآمنوا﴾ أي : مع ذلك ﴿بما نزل﴾ أي : ممن لا منزل إلا هو، منجماً مفرقاً ليجدّدوا بعد الإيمان به إجمالاً الإيمان بكل نجم منه ﴿على محمد﴾ النبيّ الأميّ العربيّ القرشيّ المكيّ المدنيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى :﴿وهو﴾ أي : هذا الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم موصوف بأنه ﴿الحق﴾ أي : الكامل في الحقيقة ينسخ ولا ينسخ كائناً ﴿من ربهم﴾ أي : المحسن إليهم بإرساله أما إحسانه إلى أمّته فواضح وأمّا سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأمّته هي الشاهدة لهم جملة معترضة وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ ﴿وهو﴾ بسكون الهاء والباقون بضمّها ﴿كفر عنهم سيئاتهم﴾ أي : ستر أعمالهم السيئة بالإيمان، وعملهم الصالح ﴿وأصلح بالهم﴾ أي : حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد.
محمد 47:3
﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين. ﴿بأن﴾ أي : بسبب أن ﴿الذين كفروا﴾ أي : ستروا مرائي عقولهم ﴿اتبعوا﴾ أي : بغاية جهدهم ومعالجتهم ﴿الباطل﴾ من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج تطابقه وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى فضلوا ﴿وأن الذين آمنوا﴾ أي : ولو كانوا في أقل درجات الإيمان ﴿اتبعوا﴾ أي بغاية جهدهم ﴿الحق﴾ أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهو العلم بموافقة العمل وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه ﴿من ربهم﴾ أي : الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا ﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الضرب العظيم الشأن ﴿يضرب الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿للناس﴾ أي : كل من فيه قوّة الاضطراب والحركة ﴿أمثالهم﴾ أي : أمثال أنفسهم، أو أمثال الفريقين المتقدّمين، أو أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها، مبيناً لها مثل هذا البيان، ليأخذ كل أحد من ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا المثل أنّ من اتبع الباطل أضلّ الله تعالى عمله، ووفر سيئاته، وأفسد باله ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائناً من كان. وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بها.
محمد 47:4
ولما بين تعالى أنّ الذين كفروا أضلّ أعمالهم، وأن اعتبار الإنسان بالعمل، ومن لا عمل له فهو همج إعدامه خير من وجوده سبب عنه. قوله تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا﴾ أيها المؤمنون في المحاربة، وقوله تعالى :﴿فضرب الرقاب﴾ أصله : فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، ضماً إلى التأكيد الاختصار والحكمة في اختيار ضرب الرقبة دون غيرها من الأعضاء، لأنّ المؤمن هنا ليس بدافع إنما هو رافع، وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أولاً أن يقصد مقتله بل يتدرج ويضرب غير المقتل، فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى درجة الإهلاك فأخبر تعالى أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود رفعهم من وجه الأرض ؛ فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم، بخلاف دفع الصائل. فالرقبة أظهر المقاتل وقطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك والرقبة ظاهرة في الحرب، ففي ضربها حز العنق، وهو مستلزم للموت، بخلاف سائر المواضع، ولاسيما في الحرب وفي قوله تعالى :﴿لقيتم﴾ ما ينبئ عن مخالفتهم الصائل ؛ لأن قوله تعالى ﴿لقيتم﴾ يدل على أنّ القصد من جانبهم، بخلاف قولنا : لقيكم ولذلك قال تعالى في غير هذا الموضع ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: ١٩١].
﴿حتى إذا أثخنتموهم﴾ أي : أكثرتم فيهم القتل، وهذه غاية الأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية القتل. ﴿فشدّوا﴾ أي : فأمسكوا عن القتل وأسروهم ﴿الوثاق﴾ أي : ما يوثق به الأسرى وقوله تعالى :﴿فإما مناً بعد﴾ أي : في جميع أزمان ما بعد الأسر ﴿وإما فداء﴾ فيه وجهان أشهرهما : أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره، لأنّ المصدر متى سيق تفصيلاً لعاقبة جملة، وجب نصبه بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، والتقدير : فإما أن تمنوا مناً أي : بإطلاقهم من غير شيء، وإما أن تفدوا فداء أي : تفادوهم بمال أو أسرى مسلمين ومثل هذا قول القائل :
لأحمدنّ فإما درء واقعة؍ تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل؍
والثاني : قاله أبو البقاء أنهما مفعولان بهما لعامل مقدّر تقديره : أولوهم مَنَّاً، واقبلوا منهم فداء قال أبو حيان : وليس بإعراب نحوي وقوله تعالى :﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ أي : أثقالها من السلاح وغيره بأن يسلم الكافر، أو يدخل في العهد، مجاز وقيل : هو من مجاز الحذف أي : أهل الحرب وهو غاية للقتل والأسر. والمعنى أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى تدخل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند نزول عيسى عليه السلام وجاء في الحديث :«الجهاد حاضر منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال » وقال الفراء حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.
تنبيه : اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة بقوله تعالى ﴿فإمّا تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾ [الأنفال: ٥٧] وبقوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وإليه ذهب قتادة والضحاك والسدّي وابن جريج وهو قول الأوزاعي، وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز المّن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء وذهب آخرون إلى أنّ الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم أو يمنّ عليهم فيطلقهم بغير عوض. أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قال ابن عباس رضي الله عنهما لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى في الأسارى ﴿فإما مناً بعد وإما فداء﴾ وهذا هو الأصح والاختيار لأنه عمل به صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده، روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :«بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا ذم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، حتى كان الغد فقال له صلى الله عليه وسلم ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى إذا كان بعد الغد، قال : ما عندك يا ثمامة قال : عندي ما قلت لك ؟. قال : أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم مكة، قال له قائل : صبوت قال : لا، ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن عمران بن حصين قال : أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف.
قوله تعالى :﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي : الأمر ذلك وأن ينتصب بإضمار افعلوا قال الرازي : ويحتمل أن يقال : ذلك واجب. أو مقدّم كما يقول القائل إن فعلت فذاك. أي : فذاك مقصود ومطلوب، قال المفسرون : ومعناه ذلك الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار. ﴿ولو يشاء الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له جميع الكمال ﴿لاتنصر منهم﴾ أي : بنفسه من غير أحد انتصاراً عظيماً، فيهلكهم بأن لا يبقي منهم أحداً وكفاكم أمرهم بغير قتال.
﴿ولكن﴾ أمركم بذلك ﴿ليبلو﴾ أي يختبر ﴿بعضكم ببعض﴾ أي يفعل في ذلك فعل المختبر، ليرتب عليه الجزاء فيصير من قتل من المؤمنين إلى الجنة ومن قتل من الكافرين إلى النار.
فإن قيل : فما فائدة الابتلاء مع حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله تعالى عالماً بجميع الأشياء فأي فائدة فيه ؟ أجيب : بأن هذا السؤال كقول القائل : لم عاقب الكافر وهو مستغن ؟ ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضرّ ؟ وجوابه :﴿لا يسأل عما يفعل﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ونزل يوم أحد لما فشا في المسلمين القتل والجراحات ﴿والذين قتلوا في سبيل الله﴾ أي : لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال ﴿فلن يضلّ﴾ أي : لا يضيع ولا يبطل ﴿أعمالهم﴾ وقرأ أبو عمرو وحفص : بضم القاف وكسر التاء مبنياً للمفعول على معنى أنه أصاب القتل بعضهم كقوله تعالى ﴿قاتل معه ربيون﴾ [آل عمران: ١٤٦] والباقون بفتح القاف والتاء وألف بينهما أي جاهدوا.
محمد 47:5
﴿سيهديهم﴾ أي أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات بوعد لا خلف فيه ﴿ويصلح بالهم﴾ أي يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم.
محمد 47:6
﴿ويدخلهم الجنة﴾ أي : الكاملة في النعيم ﴿عرفها﴾ أي : أعلمها، وبينها ﴿لهم﴾ أي : بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة قال مجاهد : يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا، يستدلون عليها وعن مقاتل : أنّ الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى وعن ابن عباس رضي الله عنهما : عرفها لهم : طيبها مشتق من العرف وهو الريح الطيبة يقال طعام معرف أي : مطيب.
محمد 47:7
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بذلك ﴿إن تنصروا الله﴾ أي : دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ينصركم﴾ أي : على عدوّكم فإنه الناصر لا غيره، من عدد أو عدد. ويثبت أقدامكم أي في القيام بحقوق الإسلام والمجاهدة مع الكفار.
محمد 47:8
ولما بين تعالى ما لأهل الإيمان بين ما لأهل الكفران بقوله تعالى :﴿والذين كفروا﴾ وهو مبتدأ أي : ستروا ما دل عليه العقل، وقادت إليه الفطرة الأولى، وخبره تعسوا يدل عليه قوله تعالى :﴿فتعساً لهم﴾ أي : هلاكاً لهم وخيبة من الله تعالى، وقال ابن عباس : أي بعداً لهم وقيل التعس الجرّ على الوجه، والنكس : الجرّ على الرأس وقوله تعالى :﴿وأضل أعمالهم﴾ عطف على تعسوا أي : أبطلها وإن كانت ظاهرة الإتقان ؛ لأجل تضييع الأساس وهو الإيمان.
محمد 47:9
وقوله تعالى :﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجار بعده، أو خبر مبتدأ مضمر. أي : الأمر ذلك ﴿بأنهم﴾ أي : بسبب أنهم ﴿كرهوا ما أنزل الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه من القرآن وما أنزل الله تعالى فيه من التكاليف والأحكام لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذّ فشق عليهم ذلك، وتعاظمهم والذي أنزله من القرآن وغيره هو روح الوجود الذي لا بقاء بدونه فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم وهو معنى قوله تعالى مسبباً بياناً لمعنى إضلال أعمالهم ﴿فأحبط﴾ أي : أبطل إبطالاً لا صلاح معه ﴿أعمالهم﴾ بسبب : أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له، ولا يقبل من العمل إلا ما حدّه ورسمه.
محمد 47:10
ثم خوّف الكفار بقوله تعالى :﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ أي : التي فيها آثار الوقائع ﴿فينظروا كيف كان عاقبة﴾ أي : آخر أمر ﴿الذين من قبلهم دمّر الله﴾ أي : أوقع الملك الأعظم الهلاك ﴿عليهم﴾ بما عم أهاليهم وأموالهم، وكل من رضي أفعالهم أو مقالهم. وعدل عن أن يقول ولهؤلاء إلى قوله تعالى ﴿وللكافرين﴾ تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر ﴿أمثالها﴾ أي : أمثال عاقبة من قبلهم.
محمد 47:11
﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم وهو نصر المؤمنين وقهر الكافرين، ﴿بأن الله﴾ أي : بسبب أنّ الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال ﴿مولى﴾ أي : ولي وناصر ﴿الذين آمنوا﴾ فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له قال القشيري : ويصح أن يقال : أرجى آية في القرآن هذه الآية ؛ لأن الله تعالى لم يقل إنه هادي العباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد بل علق ذلك بالإيمان ﴿وأنّ الكافرين﴾ أي : العريقين في هذا الوصف. ﴿لا مولى لهم﴾ فيدفع العذاب عنهم وهذا لا يخالف قوله تعالى ﴿وردّوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [سورة يونس: ٣٠] فإنّ المولى فيه بمعنى المالك.
محمد 47:12
ثم ذكر سبحانه وتعالى ما للفريقين بقوله تعالى :
﴿إنّ الله﴾ أي الذي له جميع الصفّات ﴿يدخل الذين آمنوا﴾ أي : أوقعوا التصديق ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لما ادعوا أنهم أوقعوه ﴿الصالحات﴾ أي : الطاعات ﴿جنات﴾ أي : بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها ﴿تجري من تحتها﴾ أي : من تحت قصورها ﴿الأنهار﴾ فهي دائمة النموّ والبهجة والنضارة والثمرة ﴿والذين كفروا يتمتعون﴾ أي : في الدنيا بالملاذ، كما تتمتع الأنعام ناسين ما أمر الله تعالى به معرضين عن كتابه.
﴿ويأكلون﴾ على سبيل الاستمرار ﴿كما تأكل الأنعام﴾ أي : أكل التذاذ ومرح من أيّ موضع كان وكيف الأكل من غير تمييز الحرام من غيره، إذ ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، لا يلتفتون إلى الآخرة ؛ لأنّ الله تعالى أعطاهم الدنيا، ووسع عليهم فيها، وفرغهم لها حتى شغلتهم عنه هواناً بهم وبغضاً لهم فيدخلهم ناراً وقودها الناس والحجارة كما قال تعالى :﴿والنار مثوى لهم﴾ أي : منزل ومقام ومصير.
محمد 47:13
ولما ضرب الله تعالى لهم مثلاً بقوله تعالى ﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبيّ صلى الله عليه وسلم مثلاً تسلية له. فقال تعالى :﴿وكأين﴾ أي : وكم ﴿من قرية﴾ أريد أهلها أي : كذبت رسولها ﴿هي أشد قوة﴾ وأكثر عدداً ﴿من قريتك﴾ مكة أي : أهلها وقوله تعالى :﴿التي أخرجتك﴾ روعي فيه لفظ قرية وقوله تعالى :﴿أهلكناهم﴾ أي : بأنواع العذاب روعي فيه معنى قرية الأول ﴿فلا ناصر لهم﴾ يدفع عنهم الهلاك. كذلك نفعل بهم فاصبر كما صبر رسلهم قال ابن عباس :«لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال أنت أحب أرض الله إلى الله وأحب بلاد الله إليّ ولو أنّ المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك » فأنزل الله تعالى هذه.
محمد 47:14
﴿أفمن كان﴾ أي : في جميع أحواله ﴿على بينة﴾ أي : حجة ظاهرة البيان في أنها حق ﴿من ربه﴾ أي : المربي والمدبر له المحسن إليه وهم النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ﴿كمن زين له﴾ بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه ﴿سوء عمله﴾ فرآه حسناً وهم : أبو جهل والكفار ﴿واتبعوا أهواءهم﴾ في ذلك ولا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلاً عن دليل.
محمد 47:15
ولما تكرّر ذكر الجنة في هذه السورة بين صفتها بقوله تعالى :﴿مثل﴾ أي : صفة ﴿الجنة﴾ أي : البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها ﴿التي وعد المتقون﴾ أي : الذين حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن فعل لم يدلّ عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين.
تنبيه : اختلف في إعراب هذه الآية على أوجه :
أحدها : أن ﴿مثل﴾ مبتدأ وخبره مقدّر. قدره النضر بن شميل : مثل الجنة ما تسمعون. فما تسمعون خبره و﴿فيها أنهار﴾ مفسر له. وقدّره سيبويه : فيما يتلى عليكم مثل الجنة. والجملة بعدها أيضاً مفسرة للمثل.
ثانيها : أن ﴿مثل﴾ زائدة تقديره : الجنة التي وعد المتقون ﴿فيها أنهار﴾ ونظير زيادة ﴿مثل﴾ هنا زيادة اسم في قول القائل :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ***
ثالثها : أنّ مثل الجنة مبتدأ، والخبر : قوله تعالى ﴿كمن هو خالد في النار﴾ فقدّره ابن عطية : أمثل أهل الجنة كمن هو خالد فقدر حرف الإنكار ومضافاً ليصح وقدّره الزمخشريّ : أمثّل الجنة كمثل جزاء من هو خالد. والجملة من قوله تعالى ﴿فيها أنهار﴾ حال من الجنة أي : مستقرّة فيها أنهار ﴿من ماء﴾ ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم، مع اتحاد الأرض ببساطها، وشدّة اتصالها، للدلالة على أنّ فاعل ذلك قادر مختار وقد يكون آسناً أي : متغيراً عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقته، أو من عارض عرض له من منبعه، أو مجراه قال تعالى :﴿غير آسن﴾ أي : ثابت له في وقت ما شيء من الطعم، أو اللون، أو الريح بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه بخلاف ماء الدنيا فيتغير لعارض وقرأ ابن كثير : بقصر الهمزة والباقون : بمدّها وهما لغتان ﴿وأنهار من لبن﴾ ولما كان التغير غير محمود قال تعالى :﴿لم يتغير طعمه﴾ أي : بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر بخلاف لبن الدنيا، لخروجه من الضرع وهذا يفهم : أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير. وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة، كما كان في الدنيا متنوعاً ﴿وأنهار من خمر﴾ ولما كان الخمر يكره طعمها وإنما يشربها شاربوها لأثرها. وإنه متى تغير طعمها زال اسمها عرّف أنّ كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن، غير متعرّض لطعم فقال تعالى :﴿لذة﴾ أي : لذيذة ﴿للشاربين﴾ في طيب الطعم، وحسن العاقبة بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب ﴿وأنهار من عسل﴾ ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطاً، لخروجه من بطون النحل بالشمع، وغيره من القذى قال تعالى :﴿مصفى﴾ أي : هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك وهذا الوصف ثابت له دائماً لا انفكاك له في وقت ما.
تنبيه : قال أبو حيان في حكمة ترتيب هذه الأنهار : إنه بدأ بالماء الذي لا تستغني عنه المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أوقات العرب، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الريّ والمطعم، تشوّقت النفس إلى ما تلتذ به، ثم بالعسل لأنّ فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب، ا. ه. فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر :﴿لذة للشاربين﴾ ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل مصفى للناظرين. أجاب الرازي : بأنّ اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص، ويعافه الآخر. فقال : لذة للشاربين بأسرهم، ولأنّ الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال : لذة أي : لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم. وأمّا الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإنّ الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أنّ له طعماً واحداً. وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة.
فائدة : روي عن كعب الأحبار أنه قال : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان وجيجان نهر عسلهم وهذه الأنهار الأربعة، تخرج من نهر الكوثر وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر : إن كعب الأحبار سئل هل تجد لهذا النيل في كتاب الله عز وجلّ خبراً فقال أي : والذي فلق البحر لموسى إني أجده في كتاب الله تعالى أنّ الله عز وجلّ يوحي إليه في كل عام مرتين يوحى إليه عند جريه أنّ الله يأمرك أن تجري فيجري ما كتب الله تعالى له ثم يوحى إليه بعد ذلك يا نيل غر حميداً وعن كعب أيضاً أنه قال : أربعة أنهر من الجنة، وضعها الله تعالى في الدنيا فالنيل : نهر العسل في الجنة، والفرات : نهر الخمر في الجنة، وسيحان : نهر الماء في الجنة، وجيجان : نهر اللبن في الجنة » وعنه أيضاً أنه قال : النيل في الآخرة لبناً، أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجلّ، وجيجان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل وأصل هذا كله ما في الصحيح في وصف الجنة عن أبي هريرة «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال سيحان وجيجان والنيل والفرات من أنهار الجنة »
ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد منافع الشراب قال تعالى :﴿ولهم فيها﴾ وقوله تعالى :﴿من كل الثمرات﴾ فيه وجهان أحدهما : أنّ هذا الجار صفه لمقدر، ذلك المقدر مبتدأ، وخبره الجار قبله، وهو لهم وفيها متعلق بما تعلق به والتقدير ولهم فيها زوجان من كل الثمرات كأنه انتزعه من قوله تعالى ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ وقدّره بعضهم صنف والأوّل كما قال ابن عادل أليق ثانيهما أن ﴿من﴾ مزيدة في المبتدأ.
﴿ومغفرة من ربهم﴾ فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر، بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطاً عليهم وقوله تعالى :﴿كمن هو خالد في النار﴾ خبر مبتدأ مقدّر أي : أمن هو في هذا النعيم، كمن هو مقيم إقامة لا انقطاع معها في النار التي لا ينطفئ لهيبها، ولا ينفك أسيرها، ووحده لأنّ الخلود يعم من فيها على حدّ سواء، ﴿وسقوا﴾ أي : عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة ﴿ماء حميماً﴾ هو في غاية الحرارة ﴿فقطع أمعاءهم﴾ أي : مصارينهم، فخرجت من أدبارهم وهو جمع مع بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان.
محمد 47:16
﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ أي : في خطب الجمعة، وهم المنافقون والضمير في قوله تعالى ﴿ومنهم﴾ يحتمل أن يعود إلى الناس كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾ [البقرة: ٨] بعد ذكر الكفار ويحتمل أن يعود إلى أهل مكة ؛ لأنّ ذكرهم سبق في قوله تعالى ﴿هي أشدّ قوة من قريتك التي أخرجتك﴾ ويحتمل أن يرجع إلى معنى قوله تعالى ﴿هو خالد في النار وسقوا ماء حميما﴾ أي : ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك ﴿حتى إذا﴾ أي : واستمر جهلهم لأنفسهم في الإصغاء حتى إذا ﴿خرجوا﴾ أي : المستمعون والسامعون ﴿من عندك قالوا﴾ أي : الفريقان تعامياً واستهزاءً. ﴿للذين أوتوا العلم﴾ بسبب تهيئة الله تعالى لهم من صفاء الأفهام بتجردهم عن النفوس والحظوظ، وانقيادهم لما تدعو إليه الفطرة الأولى. منهم ابن مسعود وابن عباس ﴿ماذا قال﴾ أي : النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿آنفا﴾ أي : قبل افتراقنا وخروجنا عنه روى مقاتل :«أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ماذا قال محمد آنفاً » أي الساعة، أي : لا ترجع إليه وقرأ البزي بقصر الهمزة بخلاف عنه والباقون بالمدّ وهما لغتان بمعنى واحد وهما اسما فاعل كحاذر وحذر، ﴿أولئك﴾ أي : البعداء من كل خير ﴿الذين طبع الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿على قلوبهم﴾ أي : بالكفر فلم يفهموا فهم انتفاع ؛ لأنّ مثل هذا الجمود لا يكون إلا بذلك ﴿واتبعوا﴾ أي : بغاية جهدهم.
﴿أهواءهم﴾ أي : في الكفر والنفاق، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام، ويقبلون على جمع الحطام، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية ﴿مثل الجنة﴾ بأنهم ﴿زين لهم سوء عملهم﴾. ثم ذكر تعالى أضداد هؤلاء بقوله سبحانه :﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾.
محمد 47:17
﴿والذين اهتدوا﴾ أي : اجتهدوا باستماعهم منك في الإيمان، والتسليم والإذعان بأنواع المجاهدات وهم المؤمنون ﴿زادهم﴾ أي : الله الذي طبع على قلوب الكفرة، ﴿هدى﴾ بأن شرح صدورهم، ونورها بأنوار المشاهدات، فصارت أوعية للحكمة ﴿وآتاهم تقواهم﴾ أي : ألهمهم ما يتقون به النار، قال ابن برجان : التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام.
محمد 47:18
﴿فهل﴾ أي : ما ﴿ينظرون﴾ أي : ينتظرون وجودها إشارة إلى شدة قربها. ﴿إلا الساعة﴾ وقوله تعالى :﴿أن تأتيهم﴾ أي : الكافرين بدل اشتمال من الساعة أي : ليس الأمر إلا أن تأتيهم ﴿بغتة﴾ أي : فجأة من غير شعور بها، ولا استعداد لها. وقوله تعالى :﴿فقد جاء أشراطها﴾ جمع شرط بسكون الراء وفتحها قال أبو الأسود :
فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا؍ فقد جعلت أشراطاً وله تبدو؍
والأشراط : العلامات ومنه أشراط الساعة وأشرط الرجل نفسه أي ألزمها أموراً قال أوس :
فأشرط فيها نفسه وهو يقسم؍ فألقى بأسباب له وتوكلا؍
والشرط : القطع أيضاً، مصدر شرط الجلد يشرطه شرطاً قال السهيلي عن ابن سعد عن أنس قال «رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين » وعن أنس قال :«لأحدّثنكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أنّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الربا، ويشرب الخمر، وتقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد » وعن أبي هريرة قال :«بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي، فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم : لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال : أين السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله قال : إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة فقيل : كيف إضاعتها قال : إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة ».
ومن أشراطها انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها، وغير ذلك وما بعد مقدّمات الشيء إلا حضوره.
﴿فأنى﴾ أي : فكيف وأين ﴿لهم﴾ أي التذكر والاتعاظ والتوبة ﴿إذا جاءتهم ذكراهم﴾ أي : الساعة لا تنفعهم. نظيره قوله تعالى ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ [الفجر: ٢٣] ولما علم بذلك أنّ الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل، أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال :﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾.
محمد 47:19
﴿فاعلم أنه﴾ أي : الشأن العظيم ﴿لا إله﴾ أي : لا معبود بحق ﴿إلا الله﴾ أي : إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة وقيل : الخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره وقال الحسن بن الفضل : فازدد علماً إلى علمك وقال أبو العالية وابن عيينة معناه إذا جاءتهم الساعة، فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله، ﴿واستغفر لذنبك﴾ أي : لأجله، أمر بذلك مع عصمته لتستن به أمته وقد فعله قال صلى الله عليه وسلم «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة » وقيل : معنى قوله ﴿لذنبك﴾ أي : لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات الذين ليسوا من أمتك بأهل بيت وقيل : المراد النبيّ، والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتنا دون ذلك قال صلى الله عليه وسلم «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة » وقيل : هو كل مقام عال ارتفع منه إلى أعلى منه. وقوله تعالى :﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ فيه إكرام من الله تعالى لهذه الأمّة ؛ حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم ﴿والله﴾ المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يعلم متقلبكم﴾ أي : تصرّفكم لأشغالكم بالنهار، ومكانه وزمانه ﴿ومثواكم﴾ أي : مأواكم إلى مضاجعكم بالليل أي : هو عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم، وقيل : يعلم متقلبكم في أعمالكم، ومثواكم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى وأن يستغفر ويسترحم، وعن سفيان ابن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال : ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ فأمر بالعمل بعد العلم وقال :﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [الحديد: ٢٠] الآية.
محمد 47:20
﴿ويقول الذين آمنوا﴾ طلباً للجهاد. ﴿لولا﴾ أي : هلا، ولا التفات إلى قول بعضهم أن لا زائدة والأصل لو ﴿نزلت سورة﴾ أي سورة كانت، نسرّ بسماعها، ونتعبد بتلاوتها، ونعمل بما فيها ﴿فإذا أنزلت سورة﴾ أي : قطعة من القرآن، تكامل نزولها كلها تدريجاً، أو جملة وزادت على مطلوبهم في الحسن بأنها ﴿محكمة﴾ أي : مبينة، لا يلتبس شيء منها بنوع إجمال، ولا ينسخ لكونه جامعاً للمحاسن في كل زمان ومكان وقال قتادة : كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة. وهي أشدّ القرآن على المنافقين ﴿وذكر فيها القتال﴾ أي : الأمر به ﴿رأيت الذين في قلوبهم مرض﴾ أي : شك وهم المنافقون. ﴿ينظرون إليك﴾ شرراً بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد، وجبنا منهم عن لقاء العدوّ ﴿نظر المغشيّ﴾ والأصل نظراً مثل نظر المغشي ﴿عليه من الموت﴾ الذي هو : نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه، بل شاخص لا يطرف كراهية القتال ؛ من الجبن والخوف. والمعنى : أنّ المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها وأمّا المنافق، فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه ذلك فحصل التباين بين الفريقين في العلم والعمل وقوله تعالى ﴿فأولى لهم﴾ وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولي وهو القرب ومعناه الدعاء عليه بأن يليهم المكروه.
محمد 47:21
وقوله تعالى :﴿طاعة وقول معروف﴾ مستأنف، أي : طاعة ومعروف خير لهم وأمثل، أي : لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً لكان أمثل وأحسن، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت بدليل قوله تعالى :﴿وقول معروف﴾ فإنه موصوف فكأنه تعالى قال : طاعة مخلصة وقول معروف خير، وقيل : يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية، أي : أمرنا طاعة أو منا طاعة وقول معروف حسن، وقيل : متصل بما قبله واللام في قوله تعالى ﴿لهم﴾ بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقوله : معروف بالإجابة أولى بهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. ثم سبب عنهما قوله تعالى مسنداً إلى الأمر ما هو لأهله تأكيداً لمضمون الكلام :﴿فإذا عزم الأمر﴾، أي : فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أوّل السورة وغيره من الأوامر أمراً مجزوماً به مقروحاً عليه ﴿فلو صدقوا الله﴾ أي : الملك الأعظم في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل ﴿لكان﴾ أي : صدقهم له ﴿خيراً لهم﴾ أي : من تعللهم، وجملة لو جواب إذا، نحو : إذا جاءني طعام فلو جئتني لأطعمتك، وقيل : محذوف، وتقديره : فاصدق كذا قدّره أبو البقاء وعزم الأمر على سبيل المجاز، كقوله : قد جدّت الحرب فجدوا، أو يكون على حذف مضاف أي عزم أهل الأمر.
محمد 47:22
وقوله تعالى :﴿فهل عسيتم﴾ فيه التفات عن الغيبة، أي : لعلكم ﴿إن توليتم﴾ أي : أعرضتم عن الإيمان والجهاد ﴿أن تفسدوا﴾ أي : توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجدّده ﴿في الأرض﴾ بالمعصية والبغي وسفك الدماء الذي يسخط الله تعالى، ويغضبه أشدّ غضب على فاعله، وتكونوا في غاية الجراءة عليه وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. وقرأ نافع بكسر السين والباقون بفتحها ﴿وتقطعوا﴾ أي : تقطيعاً كثيراً ﴿أرحامكم﴾ أي : تعودوا إلى أمر الجاهلية في الإغارة من بعض على بعض وغير ذلك، قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن، وقال بعضهم : هو من الولاية. قال الفراء : يقول فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم نزلت في بني أمية وبني هاشم.
محمد 47:23
﴿أولئك﴾ أي : المفسدون ﴿الذين لعنهم الله﴾ أي : طردهم أشدّ الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم، ثم سبب عن لعنهم قوله تعالى ﴿فأصمهم﴾ أي : عن الانتفاع بما سمعوه ﴿وأعمى أبصارهم﴾ أي عن الانتفاع بما يبصرون فليس سماعهم سماع إدراك، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع ولا إبصار.
محمد 47:24
﴿أفلا يتدبرون﴾ بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير ﴿القرآن﴾ أي : يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير، الفارق بين الحق والباطل، حتى لا يجسروا على المعاصي.
فإن قيل قال تعالى :﴿فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ فكيف يمكنهم التدبر في القرآن ؟ وهو كقول القائل للأعمى : أبصر وللأصم اسمع، أجيب بثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض ؛ الأول : تكليف ما لا يطاق جائز. والله تعالى أمر من علم منه بأنه لا يؤمن أن يؤمن فلذلك جاز أن يصمهم، ويعميهم، ويذمهم على ترك التدبر.
الثاني : أن قوله ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ المراد منه الناس.
الثالث : أن يقال أنّ هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدّمة، كأنه تعالى قال ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ أي : أبعدهم عنه، أو عن الصدق، أو الخير، أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام فإذا هم بين أمرين : إمّا لا يتدبرون القرآن، فيبعدون عنه لأنّ الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، والقرآن منها هو الصنف الأعلى بل النوع الأشرف.
وإمّا يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعدين ﴿أم﴾ أي : بل ﴿على قلوب﴾ أي : من قلوب الفاعلين لذلك ﴿أقفالها﴾ فلا تعي شيئاً ولا تفهم أمراً، ولا تزداد إلا غباوة وعناداً لأنها لا تقدر على التدبير قال القشيري : فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب. والباب إذا كان مغلقاً فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه فلا كفرهم يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل. ا. ه.
فإن قيل ما الفائدة في تنكير القلوب. أجاب الزمخشري بقوله : يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون للتنبيه على كونه موصوفاً، لأنّ النكرة بالوصف أولى من المعرفة كأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة.
الثاني : أن تكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأنّ النكرة لا تعم تقول : جاءني رجال فيفهم البعض، وجاءني الرجال فيفهم الكل. والتنكير في القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب، وذلك لأنّ القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً، لأنّ القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة، فكأنه لا يعرف قلباً فلا يكون قلباً يعرف، كما يقال للإنسان المؤذي : هذا ليس بإنسان فكذلك يقال : هذا ليس بقلب، هذا حجر، وإذا علم هذا، فالتعريف إمّا بالألف واللام، وإما بالإضافة بأن يقال على قلوبهم أقفالها، وهي لعدم عود فائدة إليهم كأنها ليست لهم.
فإن قيل قد قال تعالى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] وقال تعالى :﴿فويل للقاسية قلوبهم﴾ [الزمر: ٢٢].
أجيب بأنّ الأقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى :﴿أقفالها﴾ بالإضافة ؟ ولم يقل أقفال كما قال :﴿قلوب﴾.
أجيب بأنّ الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم، وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، أو يقال : أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد.
محمد 47:25
ولما أخبر تعالى بأقفال قلوبهم بين منشأ ذلك. فقال تعالى :﴿إنّ الذين ارتدوا﴾ أي : من أهل الكتاب وغيرهم ﴿على أدبارهم﴾ أي : رجعوا كفارا ﴿من بعدما تبين﴾ أي : غاية البيان ﴿لهم الهدى﴾ أي : بالدلائل التي هي من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين ﴿الشيطان سوّل لهم﴾ أي : زين وسهل لهم اقتراف الكبائر ﴿وأملى﴾ أي : ومدّ الشيطان ﴿لهم﴾ في الآمال والأماني بإرادته تعالى فهو المضل لهم وقرأ أبو عمرو : بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء والباقون : بفتح الهمزة واللام وسكون الألف المنقلبة وأمالها حمزة والكسائي محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح قال في الكشاف : فإن قلت : من هؤلاء ؟ قلت : اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعدما تبين لهم الهدى وهو نعته في التوراة وقيل : هم المنافقون.
محمد 47:26
﴿ذلك﴾ أي : إضلالهم ﴿بأنهم﴾ أي : بسبب أنهم ﴿قالوا﴾ أي : المنافقون ﴿للذين كرهوا﴾ أي : وهم المشركون ﴿ما﴾ أي : جميع ما ﴿نزل الله﴾ أي : الملك الأعظم على التدريج بحسب الوقائع، تنزيلاً في إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات وجزالتها، مع السهولة في النطق، والعذوبة في السمع، والملاءمة للطبع ﴿سنطيعكم في بعض الأمر﴾ أي : أمر المعاونة على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيط الناس عن الجهاد معه قالوا ذلك سراً، فأظهره الله تعالى، ﴿والله﴾ أي : قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة ﴿يعلم﴾ أي : على ممر الأوقات ﴿أسرارهم﴾ أي : كلها ؛ هذا الذي أفشاه عليهم، وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم ولعلهم لم يعلموه فضلاً عن أقوالهم التي تحدثت بها أنفسهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر الهمزة مصدراً والباقون بفتحها جمع سر.
محمد 47:27
﴿فكيف﴾ أي : حالهم ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾ أي : قبضت رسلنا، وهم ملك الموت وأعوانه أرواحهم كاملة وقوله تعالى :﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له وعن ابن عباس : لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره.
محمد 47:28
وقوله تعالى :﴿ذلك﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف ﴿بأنهم﴾ أي : بسبب أنهم ﴿اتبعوا﴾ أي : عالجوا فطرتهم الأولى في أن اتبعوا ﴿ما أسخط الله﴾ أي : الملك الأعظم، وهو الكفر وكتمان نعت الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيان الأمر ﴿وكرهوا﴾ بالإشراك ﴿رضوانه﴾ بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن الطاعات أكره ؛ لأنّ ذلك ظاهر غاية الظهور في أنّ فاعله غير معذور في ترك النظر فيه.
﴿فأحبط﴾ أي : فلذلك تسبب عنه أنه أفسد. ﴿أعمالهم﴾ أي : الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلاً لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق ؛ من القرى والأخذ بيد الضعيف والتصدّق والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق.
محمد 47:29
﴿أم حسب الذين﴾ وكان الأصل أم حسبوا لضعف عقولهم كما أفهمه التعبير بالحسبان ولكنه عبر تعالى بما دلّ على الآفة التي أدّتهم إلى ذلك بقوله تعالى :﴿في قلوبهم﴾ أي : التي إذا أفسدت فسد جميع أجسادهم ﴿مرض﴾ أي : آفة لا طب لها حسباناً هو في غاية الثبات كما دل عليه التأكيد في قوله تعالى :﴿أن لن يخرج الله﴾ أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التجديد والاستمرار وقوله تعالى :﴿أضغانهم﴾ جمع ضغن، وهي الأحقاد أي أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى تعرفوا نفاقهم وكانت صدورهم تغلي حنقاً عليهم.
محمد 47:30
﴿ولو نشاء لأريناكهم﴾ من رؤية البصر وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أريناك إياهم جاز وقال الرازي الإراءة هنا بمعنى التعريف وقوله تعالى ﴿فلعرفتهم﴾ عطف على جواب لو ﴿بسيماهم﴾ أي : بسبب علاماتهم التي نجعلها غالبة عليهم عالية لهم في إظهار ضمائرهم غلبة لا يقدرون على مدافعتها بوجه ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن وقوله تعالى ﴿ولتعرفنهم﴾ جواب قسم محذوف ﴿في لحن القول﴾ أي : الصادر منهم، ولحنه فحواه أي معناه وما يدل عليه ويلوح عليه من ميله عن حقائقه إلى عواقبه، وما يؤول إليه أمره مما يخفى على غيرك قال أنس : ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وعن ابن عباس : لحن القول هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا وقيل اللحن أن تلحن بكلامك أي تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال :
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا؍ واللحن يعرفه ذوو الألباب؍
وقيل للمخطئ : لاحن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال أبو حيان : كانوا اصطلحوا على ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح ﴿والله﴾ أي : بما له من الكمال ﴿يعلم أعمالكم﴾ كلها الفعلية والقولية جليها وخفيها علماً ثابتاً غيبياً وعلماً راسخاً شهودياً يتجدّد بحسب تجدّدها مستمرّاً باستمرار ذلك.
محمد 47:31
﴿ولنبلونكم﴾ أي : نعاملكم معاملة المبتلى، بأن نخالطكم بما لنا من العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس والنواهي الكريهة إليها. ﴿حتى نعلم﴾ أي : بالابتلاء علماً شهودياً يشهده غيرنا مطابقاً لما كنا نعلمه علماً غيبياً، فنستخرج من سرائركم ما جبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه حق علمه ﴿المجاهدين منكم﴾ في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالاً للأمر بذلك ﴿والصابرين﴾ أي : على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد قال القشيري : فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال فيظهر المخلص ويفتضح المماذق وينكشف المنافق ا. ه.
وعن الفضيل : أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا ﴿ونبلو أخباركم﴾ أي : نخالطها بأن : نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها قبيحاً وقبيحها حسنا ليظهر للناس العامل لله والعامل للشيطان، فإنّ العامل لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أنّ ذلك إحسان من الله تعالى إليه فيستحي منه ويرجع، وإذا سمى حسنه باسم القبيح وأشهر به علم أنّ ذلك لطف من الله تعالى به لكي لا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه، والعامل للشيطان يزداد في القبائح، لأنّ شهرته عند الناس محط نظره ويرجع عن الحسن لأنه لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخير.
محمد 47:32
﴿إنّ الذين كفروا﴾ أي : غطوا ما دلتهم عليه عقولهم من ظاهر آيات الله لاسيما بعد إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بواضح المعجزات ﴿وصدّوا﴾ أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم ﴿عن سبيل الله﴾ أي الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم ﴿وشاقوا الرسول﴾ أي : الكامل في الرسالة المعروف غاية المعرفة. ﴿من بعد ما تبين﴾ أي : غاية البيان بالمعجز ﴿لهم الهدى﴾ بحيث صار ظاهراً بنفسه غير محتاج ما أظهره الرسول من الآيات الظاهرة وهم قريظة والنضير والمطعمون يوم بدر ﴿لن يضروا الله﴾ أي ملك الملوك ﴿شيئاً﴾ بما هم عليه من الكفر والصدّ أو لن يضرّوا رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته ﴿وسيحبط﴾ أي : يفسد فيبطل بوعد لا خلف فيه ﴿أعمالهم﴾ من المحاسن لبنائها على غير أساس.
محمد 47:33
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بألسنتهم ﴿أطيعوا الله﴾ أي : الملك الأعظم تصديقاً لدعواكم طاعة لشدّة الاجتهاد فيها أنها خالصة، وعظم الرسول صلى الله عليه وسلم بإفراده فقال تعالى :﴿وأطيعوا الرسول﴾ لأنّ طاعته من طاعة الذي أرسله، فإذا فعلتم ذلك حصنتم أنفسكم وأعمالكم، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر، ليستكمل العمل صورة وروحاً ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ قال عطاء بالشك والنفاق. وقال الكلبي : بالرياء والسمعة. وقال الحسن : بالمعاصي والكبائر. وقال أبو العالية :«كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضرّ مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية » فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل : لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد. قال تعالى ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]
وعن حذيفة فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر : كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولاً حتى ﴿نزل ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فقلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة : رحم الله عبداً لم يحبط عمله الصالح بعمله السيئ. وعن ابن عباس : لا تبطلوا بالرياء والسمعة أعمالكم. وعنه أيضاً : بالشك والنفاق. وقيل بالعجب، فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
محمد 47:34
﴿إن الذين كفروا﴾ أي : أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دل عليه العقل من آيات الله المرئية والمسموعة ﴿وصدّوا عن سبيل الله﴾ أي : الملك الأعلى عن الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من أراد بتماديهم على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم ﴿ثم ماتوا﴾ بعد المدّ لهم في مضمارهم بالتطويل في أعمارهم ﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿كفار فلن يغفر الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال الذي يمنع من تسوية المسيء بالمحسن ﴿لهم﴾ فلا يمحو ذنوبهم ولا يستر عيوبهم، بل يفضح سرائرهم ويردّهم على أعقابهم في كل ما يتقلبون فيه، لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة فلم يبق لهم ما يغفر لهم تسببه، وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من أنّ إحباط العمل في المرتدّ مشروط بالموت على الكفر قيل : نزلت في أصحاب القليب قال الزمخشريّ : والظاهر العموم.
محمد 47:35
ثم رغب تعالى في لزوم الجهاد محذراً من تركه بقوله تعالى :﴿فلا تهنوا﴾ أي : تضعفوا ضعفاً يؤدّي بكم إلى الهوان والذلّ ﴿وتدعوا﴾ أعداءكم ﴿إلى السلم﴾ أي : المسالمة وهي الصلح ﴿وأنتم﴾ أي : والحال أنكم ﴿الأعلون﴾ أي : الظاهرون الغالبون قال الكلبي : آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات. وأصل الأعلون الأعليون فأعلّ وقرأ حمزة وشعبة بكسر السين والباقون بفتحها ثم عطف على الحال قوله تعالى ﴿والله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا يعجزه شيء ولا كفء له ﴿معكم﴾ أي : بنصره ومعونته وجميع ما يفعله الكريم إذا كان مع عبده ومن علم أنه سيده وعلم أنه قادر على ما يريد لم يبال بشيء أصلاً ﴿ولن يتركم﴾ أي : ينقصكم ﴿أعمالكم﴾ أي : ثوابها كما يفعل مع أعدائكم في إحباط أعمالهم، لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا محط أمركم.
محمد 47:36
﴿إنما الحياة﴾ وأشار إلى دناءتها تنفيراً عنها بقوله :﴿الدنيا﴾ أي : الاشتغال بها ﴿لعب﴾ أي : أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ما يسرع اضمحلاله فيبطل من غير ثمرة ﴿ولهو﴾ أي : مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغناء ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ أي : تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وتعالى وقاية من جهاد أعدائه، وذلك من أعمال الآخرة ﴿يؤتكم﴾ أي : الله سبحانه الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار الآخرة ﴿أجوركم﴾ أي : ثواب كل أعمالكم ببنائها على الأساس، ولأنه غنيّ لا ينقصه الإعطاء ﴿ولا يسألكم﴾ أي : الله في الدنيا ﴿أموالكم﴾ أي : لنفسه ولا كلها لغيره، بل يقتصر على جزء يسير مما تفضل به عليكم كربع العشر وعشره.
محمد 47:37
﴿إن يسألكموها﴾ أي : كلها ﴿فيحفكم﴾ أي : يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك، فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال : أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربه استأصله ﴿تبخلوا﴾ فلا تعطوا شيئاً ﴿ويخرج أضغانكم﴾ أي : ما تضغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والضمير في يخرج لله تعالى أو الرسول أو السؤال، أو البخل، واقتصر عليه الجلال المحلي، قال قتادة : علم الله تعالى أنّ في مسألة الأموال خروج الأضغان يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير.
محمد 47:38
﴿ها أنتم﴾ وحقر أمرهم بقوله تعالى :﴿هؤلاء﴾ أي : أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، وقوله تعالى ﴿تدعون لتنفقوا في سبيل الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي يرجى خيره ولا يخشى غيره استئناف مقرّر لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرها ﴿فمنكم من يبخل﴾ أي : ناس يبخلون، وحذف القسم الآخر وهو ومنكم من يجود، لأنّ المراد الاستدلال على ما قبله من البخل ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه لينفع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله تعالى :﴿ومن﴾ أي : والحال أنه من ﴿يبخل﴾ بذلك ﴿فإنما يبخل﴾ بماله بخلا ضارّاً ﴿عن نفسه﴾ فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدّي فإنه إمساك عمن يستحق ﴿والله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿الغني﴾ وحده عن نفقتكم ﴿وأنتم﴾ أيها المكلفون خاصة ﴿الفقراء﴾ لاحتياجكم في جميع أحوالكم إليه ﴿وإن تتولوا﴾ عطف على ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ ﴿يستبدل قوماً غيركم﴾ أي : يخلق قوماً سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ في التولي عنه والزهد في الإيمان كقوله تعالى ﴿ويأت بخلق جديد﴾ [إبراهيم: ١٩] قيل : هم الملائكة. وقيل الأنصار وعن ابن عباس : كندة والنخع وعن الحسن : العجم وعن عكرمة : فارس والروم «وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال : هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس » رواه الترمذي والحاكم وصححاه.