السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الفتح 48:1 – الطور 52:49
المحتويات
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:26
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:43
- ق 50:44
- ق 50:45
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
الفتح 48:1
﴿إنا فتحنا لك﴾ أي : بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال ﴿فتحناً مبينا﴾ أي : لا لبس فيه على أحد. واختلفوا في هذا الفتح فروى عن أنس أنه فتح مكة. وقال مجاهد : فتح خيبر. والأكثرون على أنه صلح الحديبية. قال أنس : نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿إنا فتحنا لك﴾ إلى آخر الآية عند مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة فقال :«نزلت علي آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعها » فلما تلاها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من القوم هنيأً مريئاً قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله تعالى :﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار﴾ [الفتح: ٥] حتى ختم الآية. وقيل : فتح الروم. وقيل : فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف واللسان. وقيل : الفتح الحكم لقوله تعالى ﴿فافتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [سورة الأعراف: ٨٩] وقوله تعالى ﴿ثم يفتح بيننا بالحق﴾ [سورة سبأ: ٢٦] فمن قال هو فتح مكة قال لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها من وجوه أحدها أنه تعالى لما قال ﴿ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله﴾ [محمد: ٣٨] إلى أن قال ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾ [محمد: ٣٨] بين تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم.
ثانيها : لما قال تعالى :﴿والله معكم﴾ [محمد: ٣٥] وقال تعالى ﴿وأنتم الأعلون﴾ [محمد: ٣٥] بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون. ثالثها لما قال تعالى ﴿فلا تنهوا وتدعوا إلى السلم﴾ [محمد: ٣٥] وكان معناه لا تسألوا الصلح بل اصبروا فإنكم تسألوا الصلح كما كان يوم الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ومستسلمين فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت. فكيف قال تعالى :﴿فتحنا﴾ بلفظ الماضي أجيب من وجهين : أحدهما فتحنا في حكمنا وتقديرنا.
ثانيهما : ما قدّره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر واقع لا دافع له. وأمّا حجة قول الأكثرين على أنه صلح الحديبية فلما روى البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناء فتوضأ ثم تمضمض ودعا وصبه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه » وقيل : جاش حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد وقال الشعبي في قوله تعالى :﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ قال فتح الحديبية غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر واطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. قال الزهري : ولم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر سواد الإسلام. وقال البغوى :﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ أي : قضينا لك قضاءً مبيناً. وقال الضحاك : أي بغير مال وكان الصلح من الفتح.
الفتح 48:2
واختلف قول المفسرين في معنى اللام في قوله تعالى :﴿ليغفر لك الله﴾ أي : الملك الأعظم. فقال البيضاوي : علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة وقال البغوي : قيل : اللام لام كي معناه ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح. وقال الجلال المحلي : اللام للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب. وقال بعضهم : إنها لام القسم. والأصل ليغفرن فكسرت اللام تشبيهاً بلام كي وحذفت النون وردّ هذا : بأنّ اللام لا تكسر وبأنها لا تنصب المضارع، قال ابن عادل : وقد يقال إنّ هذا ليس بنصب، وإنما هو بقاء الفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها ولكنه قول مردود. وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوّك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض الآجل والعاجل ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للمغفرة والثواب ا. ه قال ابن عادل : وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية، فإنّ اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول : كيف جعل فتح مكة معللاً بالمغفرة ثم يقول لم يجعل معللاً ا. ه وقيل غير ذلك والأسلم ما اقتصر عليه الجلال المحلي واختلف أيضاً في الذنب في قوله تعالى :﴿ما تقدّم من ذنبك﴾ فقال البقاعي : أيّ الذي تقدّم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو ما تنتقل عنه من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنباً. وكذا قوله تعالى :﴿وما تأخر﴾ وقال الرازي : المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وقال عطاء الخراساني :﴿ما تقدّم من ذنبك﴾ يعني ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك ﴿وما تأخر﴾ ذنوب أمّتك بدعوتك. وقال سفيان الثوري :﴿ما تقدّم﴾ ما عملت في الجاهلية ﴿وما تأخر﴾ كل شيء لم تعمله. قال البغوي : ويذكر مثل ذلك على سبيل التأكيد، كما يقال أعطى من رآه ومن لم يره. وقيل : ما تقدّم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد.
وقيل : المراد به ترك الأفضل. وقيل : الصغائر على طريق من جوّز الصغائر على الأنبياء وقيل المراد بالمغفرة : العصمة ومعنى قوله تعالى :﴿وما تأخر﴾ قيل : إنه وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يذنب بعد النبوّة. وقيل : ما تقدم على الفتح وما تأخر عنه وقيل : المراد ذنب المؤمنين. وقيل : غير ذلك. والأولى في ذلك : هو الأوّل واختلف أيضاً في النعمة في قوله تعالى ﴿ويتم نعمته عليك﴾ فقال البقاعي : بنقلتك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل.
وقال البيضاوي : بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوّة. وقال الجلال المحلي : بالفتح المذكور. وقيل : إن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج وهو آخر التكاليف والتكليف نعمة. وقيل : بإجلاء الأرض لك عن معانديك فإنّ من يوم الفتح لم يبق للنبيّ صلى الله عليه وسلم عدو فإنّ بعضهم قتل يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل ويتمّ نعمته عليك في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فباستجابة دعائك في طلب الفتح. وفي الآخرة بقبول شفاعتك. وقيل غير ذلك والأوّل أولى واختلف أيضاً في معنى الهداية في قوله تعالى :﴿ويهديك صراطاً﴾ أي : طريقاً ﴿مستقيماً﴾ أي : واضحاً جلياً. فقال البقاعي : أي بهداية جميع قومك.
ولما كانت هدايتهم من هدايته أضافها سبحانه إليه إعلاماً له أنها هداية تليق بجنابه الشريف سروراً له وقال البيضاوي : في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة. وقيل : يهدي بك. وقيل : يديمك على الصراط المستقيم. وقيل : جعل الفتح سبب الهداية إلى الصراط المستقيم لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بفوائده العاجلة والآجلة. وقيل : المراد التعريف، أي لتعرف أنك على صراط مستقيم.
الفتح 48:3
﴿وينصرك الله﴾ أي : على ملوك الأمم نصراً يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم ﴿نصراً عزيزاً﴾ أي : يغلب المنصور به كل من ناوأه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذّل بعده لأنّ الأمّة التي تتصف به لا يظهر عليها أحد والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء، فإن قيل : إنّ الله تعالى وصف النصر بكونه عزيزاً والعزيز من له النصر أجيب من وجهين :
أحدهما : قال الزمخشري : إنه يحتمل وجوهاً ثلاثة :
الأوّل : معناه نصراً ذا عزة كقولك في عيشة راضية أي ذات رضا ثانيها : وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال له : كلام صادق. كما يقال له متكلم صادق. ثالثها : المراد نصراً عزيزاً صاحبه.
الوجه الثاني : أن يقال إنما يلزم ما ذكره الزمخشري إذا قلنا العزة في الغلبة والعزيز الغالب، وأما إذا قلنا العزيز هو النفيس القليل النظير أو المحتاج إليه القليل الوجود يقال عز الشيء في سوق كذا أي قل وجوده مع أنه محتاج إليه فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله تعالى من الكفار المقيمين فيه من غير عدد ولا عدد.
الفتح 48:4
﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الذي أنزل﴾ أي : في يوم الحديبية وغيره ﴿السكينة﴾ أي : الثبات على الدين والطمأنينة ﴿في قلوب المؤمنين﴾ أي : الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صدّ الكفار ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصودهم فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا حتى عمر مع أنه فاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد فما الظنّ بغيره، وكان عند الصديق من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به أنه لم يسابق ثم ثبتهم الله تعالى أجمعين. وقال الرازي : السكينة الثقة بوعد الله والصبر على حكم الله. وقيل : السكينة هاهنا معنى يجمع فوزاً وقوة وروحاً يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين.
وأثر هذه السكينة غير السكينة الوقار والخشوع وظهور الحزم في الأمور ا. ه وقال أكثر المفسرين إن هذه السكينة غير السكينة المذكورة في قوله تعالى :﴿يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم﴾ [البقرة: ٢٤٨]
ويحتمل أن تكون هي تلك لأنّ المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلب ﴿ليزدادوا﴾ أي بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال لهم : إنه لا بدّ أن تدخلوا مكة وتطوفوا بالبيت ﴿إيماناً﴾ عند التصديق بالغيب ﴿مع إيمانهم﴾ الثابت من قبل هذه الواقعة أو بشرائع الدين مع إيمانهم بالله واليوم الآخر وقال القشيري : بطلوع أقمار عين اليقين على نجوم علم اليقين ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. وقال ابن عباس : بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدّقوا زادهم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم. وقال الضحاك : يقيناً مع يقينهم وقيل : ازدادوا إيماناً استدلالاً مع إيمانهم الفطري. فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى في حق الكفار ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] ولم يقل مع كفرهم، وقال في حق المؤمنين ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ ؟ أجيب بأنّ كفر الكافر عنادي وليس في الوجود كفر فطري ولا في الإمكان كفر غير عنادي لينضم إلى الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عناداً وكذلك الكفر بالفروع، لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول، لأنّ من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد. ولهذا قال تعالى ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾.
﴿ولله﴾ أي : الملك الأعظم الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴿جنود السماوات والأرض﴾ فهو قادر على إهلاك عدوّه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب وجنود السماوات والأرض الملائكة. وقيل : جنود السماوات الملائكة وجنود الأرض الجنّ والحيوانات. وقيل : الأسباب السماوية والأرضية ﴿وكان الله﴾ أي : الملك الأعظم أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي : بالذوات والمعاني ﴿حكيماً﴾ في إتقان ما يصنع.
الفتح 48:5
وقوله تعالى :﴿ليدخل﴾ متعلق بمحذوف أي : أمر بالجهاد ليدخل ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ الذين جبلتهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين، ولو سلط على الكفار جنوده من أوّل الأمر فأهلكوهم أو دمّر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية ﴿جنات﴾ أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ فأي موضع أردت أن تجري منه نهراً قدرت على ذلك ؛ لأنّ الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها ﴿خالدين فيها﴾ أي لا إلى آخر، فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ذكر في بعض المواضع المؤمنين والمؤمنات وفي بعضها اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كقوله تعالى :﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] وقوله تعالى :﴿وبشر المؤمنين﴾ [البقرة: ٢٢٣] أجيب بأنه في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالخير الموعود به مع مشاركة المؤمنات لهم ذكرهنّ الله تعالى صريحاً وفي المواضع التي فيها ما لا يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين كقوله تعالى :﴿وبشر المؤمنين﴾ ولما كان هاهنا قوله تعالى :﴿ليدخل المؤمنين﴾ متعلقاً بالأمر بالقتال والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها فصرح الله تعالى بذكرهنّ ﴿ويكفر﴾ أي يستر ستراً بليغاً ﴿عنهم سيئاتهم﴾ فلا يظهرها، فإن قيل : تكفير السيئات قبل الإدخال فكيف ذكره بعده أجيب بأنّ الواو لا تقتضي الترتيب بأنّ تكفير السيئات والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الإدخال في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة ﴿وكان ذلك﴾ أي : الإدخال والتكفير ﴿عند الله﴾ أي : الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام ﴿فوزاً عظيماً﴾ لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع ودفع ضر.
تنبيه :﴿عند﴾ متعلق بمحذوف على أنه حال من ﴿فوزاً﴾ ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من العدوّ وكان العدوّ الكاتم أشدّ من المجاهر المراغم.
الفتح 48:6
قال تعالى :﴿ويعذب المنافقين﴾ المخفين للكفر المظهرين الإيمان أي : فيزيل كل ما لهم من العذوبة ﴿والمنافقات﴾ لما غاظهم من ازدياد الإيمان ﴿والمشركين والمشركات﴾ أي : المظهرين الكفر للمؤمنين وقدّم المنافقين على المشركين في كثير من المواضع ؛ لأنهم كانوا أشدّ على المؤمنين من الكفار المجاهرين ؛ لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي أسراره وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك » ولهذا قال الشاعر :
احذر عدوّك مرّة؍ واحذر صديقك ألف مرّة؍
فلربما انقلب الصدي؍ ق فكان أخبر بالمضرّة؍
وقوله تعالى :﴿الظانين بالله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال صفة للفريقين وأما قوله تعالى ﴿ظنّ السوء﴾ فقال أكثر المفسرين : هو أن لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين ﴿عليهم دائرة السوء﴾ أي : دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم لا يتخطاهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بضم السين والباقون بالفتح. وهما لغتان كالكره والكره والضعف والضعف من ساء إلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كل شيء، وأمّا السوء فجار مجرى الشرّ الذي هو نقيض الخير ﴿وغضب الله﴾ أي : الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه ﴿عليهم﴾ وهو أنه تعالى يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به ﴿ولعنهم﴾ أي : طردهم طرداً أنزلوا به أسفل السافلين فبعدوا به عن كل خير ﴿وأعد﴾ أي : هيأ ﴿لهم﴾ الآن ﴿جهنم﴾ تلقاهم بالعبوسة والتغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب والحرّ والبرد والإحراق وغير ذلك من أنواع المشاق ﴿وساءت﴾ أي : جهنم ﴿مصيراً﴾ أي : مرجعاً.
الفتح 48:7
وقوله تعالى :﴿ولله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿جنود السماوات والأرض﴾ تقدم تفسيره.
وفائدة الإعادة التأكيد وجنود السماوات والأرض منهم من هو للرحمة، ومنهم من هو للعذاب وقدّم ذكر جنود السماوات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع المؤمنين ملائكة الرحمة فتبشرهم على الصراط وعند الميزان، فإذا دخلوا الجنة أفضوا إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى شيء وأخرّ ذكر جنود السماوات والأرض بعد ذكر تعذيب الكفار والمنافقين ليكون معهم جنود السخط فلا يفارقونهم أبداً كما قال تعالى ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم﴾ [التحريم: ٦] فإن قيل : قال الله تعالى ﴿وكان الله عليماً حكيماً﴾ [النساء: ١٧] وقال هنا ﴿وكان الله﴾ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه أزلاً وأبداً ﴿عزيزاً﴾ أي : يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً﴾ أي : يضع الشيء في أحكم مواضعه فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه أجيب : بأنه لما كان في جنود السماوات والأرض من هو للرحمة ومن هو للعذاب وعلم الله تعالى ضعف المؤمنين ناسب أن تكون خاتمة الآية الثانية ﴿وكان الله عزيزاً حكيماً﴾.
الفتح 48:8
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العز والحكمة ﴿أرسلناك﴾ أي : بما لنا من العظمة إلى الخلق كافة ﴿شاهداً﴾ على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائباً عنك فبكتابك مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة الكرام ﴿ومبشراً﴾ أي : لمن أطاع بأنواع البشائر ﴿ونذيراً﴾ أي مخوّفاً لمن خالفك وعصى أمرك بالنار.
الفتح 48:9
ثم بين تعالى فائدة الإرسال. بقوله سبحانه :﴿ليؤمنوا بالله﴾ أي : لا يسوغ لأحد من خلقه. والكل خلقه التوجه إلى غيره ﴿ورسوله﴾ أي : الذي أرسله من له كل شيء ملكاً وخلقاً إلى جميع خلقه ﴿ويعزروه﴾ أي يعينوه وينصرونه والتعزير نصر مع تعظيم ﴿ويوقروه﴾ أي : يعظموه والتوقير التعظيم والتبجيل ﴿ويسبحوه﴾ من التسبيح الذي هو التنزيه عن جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. قال الزمخشري : والضمائر لله عز وجلّ : والمراد بتعزير الله تعزير دينه ورسوله ومن فرّق الضمائر فقد أبعد. وقال غيره : الكنايات في قوله ﴿ويعزروه ويوقروه﴾ راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها تم الكلام فالوقف على ﴿ويوقروه﴾ وقف تامّ ثم يبتدئ بقوله تعالى :﴿ويسبحوه﴾ ﴿بكرةً وأصيلاً﴾ أي غدوةً وعشياً أي دائماً وعن ابن عباس صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر على أنّ الكناية في ﴿ويسبحوه﴾ راجعة إلى الله عز وجلّ وقال البقاعي : الأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى لأنّ من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر، فيكون إما عائداً على المذكور وإمّا أن يكون جعل الأسمين واحداً إشارة إلى اتحاد المسميين في الأمر فلما اتحد أمرهما وحد الضمير إشارة إلى ذلك ا. ه فعنده أنه يصح رجوع الثلاثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه فسر ﴿ويسبحوه﴾ بقوله ينزهوه عن كل وخيمة باختلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بالياء في الأربعة على الغيبة رجوعاً إلى قوله تعالى ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات﴾ والباقون بالتاء على الخطاب.
الفتح 48:10
ولما بين تعالى أنه مرسل ذكر أنّ من بايع رسوله فقد بايعه. فقال تعالى :
﴿إنّ الذين يبايعونك﴾ يا أشرف الرسل بالحديبية على أن لا يفروا ﴿إنما يبايعون الله﴾ أي : الملك الأعظم لأنّ عملك كله من قول أو فعل له تعالى وما ينطق عن الهوى وسميت مبايعة لأنهم باعوا أنفسهم فيها من الله تعالى بالجنة قال الله تعالى :﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١]
الآية «وروى يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة بن الأكوع على أيّ شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قال : على الموت » وعن معقل بن يسار قال :«لقد رأيتني يوم الشجرة والنبيّ صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربعة عشر مائة قال : لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرّ » قال أبو عيسى : معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت. أي لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل وبايعه آخرون وقالوا : لا نفر. وقوله تعالى :﴿يد الله﴾ أي : المتردّي بالكبرياء ﴿فوق أيديهم﴾ أي : في المبايعة يحتمل وجوهاً وذلك أنّ اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد وإمّا أن تكون بمعنيين فإن كانت بمعنى واحد ففيه وجهان : أحدهما قال الكلبي : نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة كما قال تعالى :﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان﴾ [الحجرات: ١٧] ثانيهما : قال ابن عباس ومجاهد : يد الله بالوفاء بما وعدهم من النصر والخير أقوى وأعلى من نصرتهم إياه. يقال : اليد لفلان أي الغلبة والقوة. وإن كانت بمعنيين ففي حق الله تعالى بمعنى الحفظ. وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة. قال السدّي : كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه ويد الله تعالى فوق أيديهم في المبايعة وذلك أنّ المتبايعين إذا مدّ أحدهما يده إلى الآخر في البيع وبينهما ثالث يضع يده على أيديهما ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر لكي يلزم العقد ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سبباً لحفظ البيعة فقال تعالى :﴿يد الله فوق أيديهم﴾ يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين. قال البقاعي : فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد وعلى من تبعهم على ذلك من الذين شاقوا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وسائر الأئمة الأعلام ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين وناهيك به من ضلال مبين ا. ه وقد مرّ أنّ التأويل في الآيات المتشابهات مذهب الخلف، ومذهب السلف السكوت عن التأويل وإمرار الصفات على ما جاءت وتفسيرها قراءتها والإيمان بها من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. ﴿فمن نكث﴾ أي : نقض البيعة في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء والحبل البالي الذي ينقض ﴿فإنما ينكث﴾ أي : يرجع وبال نقضه ﴿على نفسه﴾ أي : فلا يضرّ إلا هي ﴿ومن أوفى﴾ أي : فعل الإتمام والإكثار والإطالة ﴿بما عاهد﴾ وقدم الظرف في قوله ﴿عليه الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من هذه المبايعات وغيرها اهتماماً به. وقرأ حفص بضم الهاء قبل الاسم الجليل والباقون بكسر الهاء والترقيق ﴿فسيؤتيه﴾ بوعد مؤكد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً﴾ لا تسع عقولكم شرح وصفه. قال ابن عادل : والمراد به الجنة وقرأ أبو عمرو والكوفيون بالياء التحتية والباقون بالنون.
الفتح 48:11
ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن ذكر من غاب عن ذلك الجناب وأبطأ عن حضرة تلك العمرة. بقوله تعالى :﴿سيقول﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿لك﴾ أي : لأنهم يعلمون شدّة رحمتك ورفقك وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك من فاسد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين ﴿المخلفون﴾ أي : الذين خلفهم الله تعالى عنك فلم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان لأنه لا فائدة فيه فلا يعبأ به. وقال تعالى :﴿من الأعراب﴾ ليخرج من تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم ممن كان حاضراً معه صلى الله عليه وسلم بالقلب. قال ابن عادل وابن عباس ومجاهد : يعني بالأعراب أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم. «وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب والبوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً فتثاقل كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل فأنزل الله تعالى فيهم ﴿سيقول لك المخلفون﴾ » أي : الذي خلفهم الله تعالى من الأعراب عن صحبتك إذا رجعت إليهم من عمرتك وعاتبتهم على التخلف ﴿شغلتنا﴾ أي : عن إجابتك في هذه العمرة ﴿أموالنا وأهلونا﴾ أي : النساء والذراري فأنا لو تركناهم لضاعوا لأنه لم يكن لنا من يقوم بهم وأنت قد نهيت عن ضياع المال والتفريط في العيال ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم ﴿فاستغفر﴾ أي اطلب المغفرة ﴿لنا﴾ من الله تعالى إن كنا أخطأنا وقصرنا فكذبهم الله تعالى في اعتذارهم بقوله سبحانه وتعالى ﴿ويقولون بألسنتهم﴾ أي : في الشغل والاستغفار وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفياً للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله تعالى :﴿ما ليس في قلوبهم﴾ لأنهم لم يكن لهم شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار فإنهم لا يبالون استغفر لهم الرسول أم لا ﴿قل﴾ يا أشرف الرسل لهؤلاء الأغبياء واعظاً لهم مسبباً عن مخادعتهم لمن لا تخفى عليه خافية إشارة إلى أنّ العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عواقبه ﴿فمن يملك لكم﴾ أي : أيها المخادعون ﴿من الله﴾ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفء له ﴿شيئا﴾ يمنعكم ﴿إن أراد بكم ضرّاً﴾ أي : نوعاً من أنواع الضرّ عظيماً أو حقيراً فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظها فلم ينفعها حضوركم وأهلككم أنتم.
وقرأ حمزة والكسائي : بضم الضاد والباقون بفتحها ﴿أو أراد بكم نفعاً﴾ يحفظهما به في غيبتكم فلا يضرّهم بعدكم عنهم ويحفظكم في أنفسكم ﴿بل كان الله﴾ أي : المحيط أزلاً وأبداً بكل شيء قدرةً وعلماً ﴿بما تعملون﴾ أي أيها الجهلة ﴿خبيراً﴾ يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها.
الفتح 48:12
﴿بل ظننتم﴾ أي : فأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ليس لكم نفوذ إلى البواطن. وقرأ الكسائي : بإدغام اللام في الظاء والباقون بالإظهار وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم بقوله تعالى ﴿أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً﴾ أي : ظننتم أنّ العدوّ يستأصلهم ولا يرجعون لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم ما هم في قريش إلا أكلة رأس، فإن قيل : ما الفرق بين حرفي الإضراب أجيب : بأنّ الإضراب الأول إضراب معناه ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوه وإثبات الحسد والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين أي وصفهم بما هو أعمّ منه وهو الجهل وقلة الفقه ﴿وزين ذلك﴾ أي : الأمر القبيح الذي هو خراب الدنيا ﴿في قلوبكم﴾ حتى قلتموه ﴿وظننتم﴾ أي : بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرّع عنه ﴿ظنّ السوء﴾ أي : الذي لم يدع شيئاً مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به وقوله تعالى :﴿وكنتم قوماً بوراً﴾ جمع بائر أي هالكين عند الله تعالى بهذا الظنّ وهذا بالنظر إلى الجمع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير وثبتوا ولم يرتدّوا.
الفتح 48:13
﴿ومن لم يؤمن﴾ أي : منكم ومن غيركم ﴿بالله﴾ أي : الذي لا موجود على الحقيقة سواه ﴿ورسوله﴾ أي : الذي أرسله لإظهار دينه ﴿فإنا﴾ على مالنا من العظمة ﴿أعتدنا﴾ أي : له هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى معللاً للحكم بالوصف ﴿للكافرين﴾ إيذاناً بأنه لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر وأعدّ له ﴿سعيراً﴾ أي : ناراً شديدة.
الفتح 48:14
﴿ولله﴾ أي : الملك الأعظم وحده ﴿ملك السماوات والأرض﴾ أي : من الجنود وغيرها يدبر ذلك كله كيف يشاء ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ أي : لا اعتراض لأحد عليه لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافئه أحد وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة وعلم من هذا أنّ منهم من يرتدّ فيعذبه ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تامّ فتصرفه فيه عدل كيف كان ﴿وكان الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال أزلاً وأبداً لم يتجدّد له شيء لم يكن ﴿غفوراً﴾ أي : لذنوب المسيئين ﴿رحيماً﴾ أي : مكرماً ما بعد الستر بما لا تسعه العقول وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام.
الفتح 48:15
﴿سيقول﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿المخلفون﴾ أي : الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿إذا انطلقتم﴾ أي : سرتم أيها المؤمنون ﴿إلى مغانم لتأخذوها﴾ أي : مغانم خيبر. وذلك أنّ المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال ولم يصيبوا من المغانم شيئاً وعدهم الله تعالى فتح خيبر وجعل غنائمها لم شهد الحديبية خاصة عوضاً عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا عنهم ولم يصيبوا منهم شيئاً ﴿ذرونا﴾ أي : على أيّ حالة شئتم من الأحوال الدنيئة ﴿نتبعكم﴾ أي : إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المخلفين عن الحديبية حيث قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم هناك طمع في الغنيمة وهنا قالوا ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة ﴿يريدون﴾ أن بذهابهم معكم ﴿أن يبدّلوا كلام الله﴾ أي : يريدون أن يغيروا مواعيد الملك الأعظم لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة وهذا قول جمهور المفسرين.
وقال مقاتل : يعني أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن لا يسير معه منهم أحد إلى خيبر. وقال ابن زيد : هو أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله تعالى على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً﴾ [التوبة: ٨٣] وقرأ حمزة والكسائي : بكسر اللام بعد الكاف ولا ألف بعد اللام والباقون بفتح اللام وألف بعدها ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق لهؤلاء المبعدين إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك فإنّ غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهمّ قولاً مؤكداً ﴿لن تتبعونا﴾ أي : وإن اجتهدتم في ذلك وساقه مساقة النفي وإن كان المراد به النهي مع كونه آكد ليكون علماً من أعلام النبوّة وهو أزجر وأدل على استهانتهم ﴿كذلكم﴾ أي مثل هذا القول البديع الشأن العالي الرتبة ﴿قال الله﴾ أي : الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا ﴿من قبل﴾ أي : من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئاً من هذه الأقوال بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية سبب عن قوله لهم ذلك قوله تعالى تنبيهاً على جلافتهم وفساد ظنونهم ﴿فسيقولون﴾ ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله تعالى ﴿بل﴾ إنما قلتم ذلك لأنكم ﴿تحسدوننا﴾ فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء وقرأ هشام وحمزة والكسائي بإدغام اللام في التاء والباقون بالإظهار. ﴿بل كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿لا يفقهون﴾ أي : لا يفهمون فهم الحاذق الماهر ﴿إلا قليلاً﴾ أي : في أمر دنياهم ومن ذلك إقرارهم باللسان لأجلها، وأمّا أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئاً.
الفتح 48:16
﴿قل﴾ أي : يا أشرف الرسل ﴿للمخلفين﴾ وزاد في ذمّهم بنسبتهم إلى الجلافة بقوله تعالى ﴿من الأعراب﴾ أي : أهل غلظ الأكباد ﴿ستدعون﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿إلى قوم أولي﴾ أي : أصحاب ﴿بأس شديد﴾ أي : شدّة في الحرب وشجاعة قال ابن عباس ومجاهد : هم أهل فارس. وقال كعب : الروم. وقال الحسن : فارس والروم. وقال : سعيد بن جبير : هوازن وثقيف. وقال قتادة : هوازن وغطفان قوم حنين. وقال الزهري ومقاتل وجماعة : هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج : كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة : لم يأت تأويل هذه الآية بعد قال ابن الخازن : وأقوى هذه الأقوال قول من قال أنهم هوازن وثقيف، لأنّ الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده قول من قال أنهم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب وقوله تعالى ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ فيه إشارة إلى وقوع أحد الأمرين إما المقاتلة منكم وإمّا الإسلام منهم فإن لم يسلموا كان القتال لا غير وإن أسلموا لم يكن قتال لأنّ الغرض ليس إلا إعلاء كلمة الله تعالى ﴿فإن تطيعوا﴾ أي : توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك ﴿يؤتكم الله﴾ أي : الذي له الإحاطة ﴿أجراً حسناً﴾ دنيا وهو الغنيمة وأخرى وهي الجنة ﴿وإن تتولوا﴾ أي تعرضوا عن الجهاد ﴿كما توليتم من قبل﴾ أي عام الحديبية ﴿يعذبكم﴾ أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ﴿عذاباً أليماً﴾ لأجل تكرّر ذلك منكم فلما أنزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة كيف بنا يا رسول الله فأنزل الله عز وجلّ ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ومن يتول يعذبه عذابا أليما﴾.
الفتح 48:17
﴿ليس على الأعمى﴾ أي : في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبيّ صلى الله عليه وسلم أو مع غيره من أئمة الهدى ﴿حرج﴾ أي : ميل بثقل الإثم لأنه لا يمكنه الإقدام على العدوّ والطلب ولا يمكنه الاحتراز منه ولا الهرب ﴿ولا على الأعرج﴾ وإن كان نقصه أدنى من نقص الأعمى ﴿حرج﴾ وفي معنى الأعرج الزمن المقعد والأقطع ﴿ولا على المريض﴾ أي : بأي مرض كان يمنعه ﴿حرج﴾ وفي معناه صاحب السعال الشديد والطحال الكبير والذين لا يقدرون على الكرّ والفرّ فهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة، ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر كتمريض المريض الذي ليس له من يقوم مقامه عليه.
تنبيه : جعل تعالى كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الحكم وقدم الأعمى على الأعرج لأنّ عذر الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف الأعرج وقدم الأعرج على المريض لأنّ عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال المرض عن قرب.
﴿ومن يطع الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفاً. المانع منها من يشاء وإن كان قوياً ﴿ورسوله﴾ من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه بأيّ طاعة كانت ﴿يدخله﴾ أي : الله الملك الأعظم جزاء له ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي : من أيّ موضع أردت أجريت نهراً ﴿ومن يتولّ﴾ أي يعرض عن الطاعة ويستمّر على الكفر والنفاق ﴿يعذبه﴾ أي على توليه في الدارين أو إحداهما ﴿عذاباً أليماً﴾ أي مؤلماً وقرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون فيهما والباقون بالياء التحتية.
الفتح 48:18
ولما بين تعالى حال المخلفين بعد قوله تعالى ﴿إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ عاد إلى حال بيان المبايعين. بقوله تعالى :﴿لقد رضي الله﴾ أي : الذي له الجلال والكمال ﴿عن المؤمنين﴾ أي : الراسخين في الإيمان أي فعل بهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدّر لهم من الثواب وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعدّ لهم في الآخرة فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة وقوله تعالى ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿يبايعونك﴾ منصوب برضى واللام في قوله تعالى ﴿تحت الشجرة﴾ للعهد الذهني وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم نازلاً به في الحديبية ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان وقصتها «أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام حين نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش واحدها حبوش وهو الفوج من قبائل شتى فلما رجع دعا عمر ليبعثه فقال : إني أخافهم على نفسي لما أعرف من عدواتي إياهم وما بمكة عدوي يمنعني ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم عثمان بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته فوقروه وقالوا : إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل فقال ما أفعل قبل أن يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبس عندهم فأرجف أنهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة » روى البغوي من طريق الثعلبي «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة » وقال سعيد بن المسيب : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وروي أنّ عمر مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال : أين كانت فجعل بعضهم يقول هاهنا وبعضهم يقول هاهنا فلما كثر اختلافهم قال سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر بن عبد الله قال :«قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفاً وأربعمائة ولو كنت اليوم مبصراً لأريتكم مكان الشجرة ».
وقيل :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها قال عبد الله بن المغفل : وكنت قائماً على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه فرفعت الغصن عن ظهره وبايعوه على الموت دونه على أن يفرّوا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الأرض » وكان عدد المبايعين ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين. وروى سالم عن جابر قال : كنا خمس عشرة مائة. وقال عبد الله بن أبي أوفى : كنا أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثمائة. ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم سبب عنه قوله تعالى ﴿فعلم﴾ أي : بما له من الإحاطة ﴿ما في قلوبهم﴾ أي : من الصدق والوفاء فيما بايعوا عليه ﴿فأنزل السكينة﴾ أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح ﴿عليهم﴾ أو بالتشجيع وسكون النفس في كل حالة ترضي الله ورسوله فلم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ﴿وأثابهم﴾ أي : أعطاهم جزاء لهم على ما وهبوه من الطاعة ﴿فتحاً قريباً﴾ هو فتح خيبر عقب انصرافهم. وعن الحسن : فتح هجر.
الفتح 48:19
ونبه تعالى بصيغة منتهى الجموع في قوله تعالى :﴿ومغانم﴾ على أنها عظيمة ثم صرّح بذلك بقوله تعالى ﴿كثيرة تأخذونها﴾ وهي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ﴿وكان الله﴾ أي : الذي لا كفء له ﴿عزيزاً﴾ يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً﴾ أي : يقضي ما يريد فلا ينقض فحكم لكم بالغنائم ولأعدائكم بالهلاك على أيديكم ليثيبكم عليه.
الفتح 48:20
﴿وعدكم الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿مغانم﴾ وحقق معناها بقوله تعالى :﴿كثيرة تأخذونها﴾ أي : فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر. وليس المغانم كل الثواب بل الجنة والنظر إلى وجهه الكريم قدّامهم. وإنما هي كعاجلة عجل بها ولهذا قال تعالى :﴿فعجل لكم﴾ أي : من الغنائم ﴿هذه﴾ أي : مغانم خيبر ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾ «وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة فكف الله تعالى أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم فنكصوا » وقيل : أيدي أهل مكة بالصلح. وقوله تعالى :﴿ولتكون﴾ أي : هذه المعجلة عطف على مقدّر أي لتشكروه ولتكون ﴿آية﴾ أي : علامة في غاية الوضوح ﴿للمؤمنين﴾ أي : أنهم من الله تعالى بمكان أو صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية أو وعدهم الغنم أو عنواناً لفتح مكة.
﴿ويهديكم صراطاً﴾ أي : طريقاً ﴿مستقيماً﴾ أي : يثبتكم على الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقيناً بصلح الحديبية وفتح خيبر. «وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرّم ثم خرج في سنة سبع إلى خيبر » روى أنس بن مالك «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح ينظر فإن سمع أذاناً كف عنهم وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم قال فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبنا وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : والله محمد والخميس أي الجيش فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » وروى إياس بن سلمة قال : حدّثني أبي قال :«خرجنا إلى خبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعل عمي عامر يرنجز بالقوم ثم قال :
تالله لولا الله ما اهتدينا؍ ولا تصدّينا ولا صلينا؍
ونحن عن فضلك ما استغنينا؍ فثبت الأقدام إن لاقينا؍
وأنزلن سكينة علينا ***
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، قال : أنا عامر فقال : غفر لك ربك وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد إلا استشهد قال : فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبيّ الله لولا متعتنا بعامر قال فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول :
قد علمت خيبر أني مرحب؍ شاكي السلاح بطل مجرب؍
إذا الحروب أقبلت تلتهب ***
قال : فبرز له عامر بن عثمان فقال :
قد علمت خيبر أني عامر؍ شاكي السلاح بطل مقامر؍
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فرجع سيف عامر على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال : فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقلت : يا رسول الله بطل عمل عامر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال ذلك قلت ناس من أصحابك قال : من قال ذلك بل له أجره مرتين ثم أرسلني إلى عليّ وهو أرمد فقال : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية وخرج مرحب وقال :
أنا الذي سمتني أمي مرحب؍ شاكي السلاح بطل مجرّب؍
فقال علي كرّم الله تعالى وجهه :
أنا الذي سمتني أمي حيدره؍ كليث غابات كريه المنظره؍
أكيلكم بالسيف كيل السندره ***
قال : فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه » ومعنى أكيلكم بالسيف كيل السندره أي : أقتلكم قتلاً واسعاً ذريعاً. والسندرة مكيال واسع. قيل : يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسي. والسندرة أيضاً العجلة والنون زائدة قال ابن الأثير وذكرها الجوهري في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها. وروي فتح خيبر من طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض.
الفتح 48:21
وقوله تعالى :﴿وأخرى﴾ صفة مغانم مقدّراً مبتدأ وقيل : هي مبتدأ والخبر ﴿لم تقدروا عليها﴾ وهي كما قال ابن عباس : فارس والروم وما كانت العرب تقدر تقاتل فارس والروم بل كانوا خولاً لهم حتى قدروا عليهما بالإسلام. وقال الضحاك : هي خيبر وعدها الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. وقال قتادة : هي مكة. وقال عكرمة : حنين. وقال البقاعي : هي والله أعلم غنائم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ﴿قد أحاط الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرةً وعلماً ﴿بها﴾ أي : علم أنها ستكون لكم ﴿وكان الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء﴾ منها ومن غيرها ﴿قديراً﴾ أي : بالغ القدرة لأنه بكل شيء عليم.
الفتح 48:22
﴿ولو قاتلكم الذين كفروا﴾ وهم أهل مكة ومن وافقهم وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدّموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع الغميم ولم يكن أسلم بعد ﴿لولوا﴾ أي : بغاية جهدهم ﴿الأدبار﴾ منهزمين ﴿ثم﴾ أي : بعد طول الزمان وكثرة الأعوان ﴿لا يجدون﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿ولياً﴾ أي : من يفعل معهم فعل القريب من الشفقة ﴿ولا نصيراً﴾ ينصرهم.
ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم ﴿وإنّ جندنا لهم الغالبون﴾ [الصافات: ١٧٣]. قال تعالى :﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً﴾.
الفتح 48:23
﴿سنة الله﴾ أي : سنّ المحيط بكل شيء علماً غلبة أنبيائه وأتباعهم ﴿التي قد خلت من قبل﴾ أي : فيمن مضى من الأمم. كما قال تعالى :﴿لأغلبنّ أنا ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿ولن تجد﴾ أيها السامع ﴿لسنة الله﴾ أي : الذي لا يخلف قوله، لأنه محيط بجميع صفات الكمال ﴿تبديلاً﴾ أي : تغييراً من مغيّر ما يغيرها بما يكون بدلها ثم عطف على ما تقديره هو الذي سنّ هذه السنة العامة.
الفتح 48:24
قوله تعالى :﴿وهو الذي كف﴾ أي : وحده ﴿أيديهم﴾ أي : الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم. فإنّ الكف مشروع لكل أحد ﴿عنكم وأيديكم﴾ أيها المؤمنون ﴿عنهم ببطن مكة﴾ أي : بالحديبية وقيل التنعيم. وقيل وادي مكة. وقيل : داخل مكة ﴿من بعد أن أظفركم﴾ أي : أظهركم ﴿عليهم﴾ وهذا تبيين لما تقدّم من قوله تعالى :﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار﴾ [الفتح: ٢٢] بتقدير أنه كما كف أيديهم عنكم بالفرار وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم روى ثابت عن أنس بن مالك «أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذهم سلماً فاستحياهم فنزلت هذه الآية ». وقال عبد الله بن مغفل المزني : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله أبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أماناً قالوا : اللهم لا فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت وقيل : إن ذلك كان يوم فتح مكة وبه استشهد أبو حنيفة على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحاً ﴿وكان الله﴾ أي : المحيط بالجلال والإكرام أزلاً وأبداً وقرأ ﴿بما يعملون﴾ أبو عمرو : بالياء التحتية أي الكفار. والباقون بالتاء الفوقية، أي : أنتم ﴿بصيرا﴾ أي : محيط العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره.
الفتح 48:25
ولما كان ما مضى من وصف الكفار يشمل كفار مكة وغيرهم عينهم بسبب كفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن البيت الحرام. بقوله تعالى :﴿هم﴾ أي : أهل مكة ومن لاقهم ﴿الذين كفروا﴾ أي : أوغلوا في هذا الوصف ببواطنهم وظواهرهم ﴿وصدّوكم﴾ زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية ﴿عن المسجد الحرام﴾ أي : منعوكم الوصول إلى مكة ونفس المسجد والكعبة للإحلال مما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة.
روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم كل منهما يصدق حديث صاحبه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عسفان أتاه عتبة الخزاعي.
وقال : إنّ قريشاً قد جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت الحرام.
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم أشيروا عليّ أيها الناس أترون أني أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فقال أبو بكر يا رسول الله إنما جئت عامداً لهذا البيت لا نريد قتال أحد ولا حرباً فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله فنفروا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّ خالداً بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بغبرة الجيش فانطلق يركض نذيراً لقريش وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال الناس : حل حل فألحت فقالوا : خلأت أي حرنت القصواء.
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال : والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل من الماء يتبرضه الناس تبرضاً فلم تلبث الناس أن نزحوه وشكا الناس إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم العطش فنزع سهماً من كنانته وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر فغرزه في جوفه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال : إني تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلا مع جمع أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإنّ قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدّة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري. هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره فقال بديل : سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشاً فقال : إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول قال : سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألستم بالوالد. قالوا : بلى قال : أو لست بالولد. قالوا بلى. فقال فهل تتهموني قالوا : لا قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا : بلى. قال : فإنّ هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته قالوا : ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك : أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت أحداً من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فو الله إني أرى وجوهاً وأشواباً من الناس خليقاً أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر الصدّيق : امصص بظر اللات والعزى أنحن نفر عنه وندعه. فقال : من ذا. قالوا : أبو بكر فقال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة قائم على رأس النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه وقال : من هذا قالوا : المغيرة بن شعبة فقال : أي غدر ألست أسعى في غدرتك. وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمّا الإسلام فهدم ما قبله وأمّا المال فلست منه في شيء ثم إنّ عروة جعل يرمق أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بعينيه قال : فو الله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن أي ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً والله إن أي ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم وما يجدون النظر إليه تعظيماً له وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا : ائته فلما أشرف على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدّوا عن البيت.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنّ هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صدّه. الهدي في قلائده قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محله.
قالوا له : اجلس فإنما أنت رجل أعرابيّ لا علم لك فغضب الحليس عند ذلك، وقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظماً له والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد.
فقالوا : مه كف عنايا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل يقال له مكرز بن حفص. فقال : دعوني آته فقالوا له ائته فلما أشرف عليهم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاءه سهيل بن عمر. وقال عكرمة : لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : قد سهل لكم من أمركم قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات نكتب بيننا وبينك كتاباً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل : أمّا الرحمن فلا أدري من هو ولكن اكتب باسمك اللهمّ كما كنت تكتب فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعلي : اكتب باسمك اللهمّ. ثم قال : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله.
قال الزهري : وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ». فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن الناس فيه ويكف بعضهم عن بعض فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل : والله لا تتحدّث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذاك من العام المقبل. فكتب فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً. وروى ابن إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا : لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً ولكن أنت محمد بن عبد الله قال : أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي : امح رسول الله فقال : والله لا أمحوك أبداً فقال فأرينه فأراه إياه فمحاه النبيّ صلى الله عليه وسلم بيده.
وفي رواية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله قال البراء : صالح على ثلاثة أشياء على أنّ من أتى من المشركين يردّه إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه على أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه. وروى في صلح الحديبية طرق أخر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض.
وقوله تعالى ﴿والهدي﴾ معطوف على كم من صدوكم أي وصدوا الهدي وهو البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين.
وقوله تعالى :﴿معكوفاً﴾ أي : محبوساً حال وقوله تعالى :﴿أن يبلغ محله﴾ أي : مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال ﴿ولولا رجال﴾ أي : مقيمون بين أظهر الكفار بمكة ﴿مؤمنون﴾ أي : غريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلاً للوصف بالرجولية ﴿ونساء مؤمنات﴾ أي : كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأنّ الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة، على أنّ ذلك شامل لمن جبله الله تعالى على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت كافراً ﴿لم تعلموهم﴾ أي : لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوّة التمييز منهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولاسيما في حال الحرب والطعن والضرب ثم أبدل من الرجال والنساء قوله تعالى :﴿أن تطؤوهم﴾ أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحو ذلك.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهمّ أشدد وطأتك على مضر » ﴿فتصيبكم﴾ أي : فيتسبب عن هذا الوطء أن تصيبكم ﴿منهم﴾ أي : من جهتهم وبسببهم ﴿معرّة﴾ أي : مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتغيير الكفار بذلك والإثم بالتقصير في البحث مفعلة من عرّه إذا عراه ما يكرهه وقوله تعالى :﴿بغير علم﴾ متعلق بأن
الفتح 48:26
ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب بين وقته وفيه بيان العلة. فقال تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿جعل الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما تراءى من الحق في مرائي عقولهم وقوله تعالى :﴿في قلوبهم﴾ أي : في قلوب أنفسهم يجوز أن يتعلق بجعل على أنها بمعنى ألقى فتتعدّى لواحد أي إذ ألقى الكافرون في قلوبهم الحمية وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان قدّم على أنها بمعنى صير ﴿الحمية﴾ أي : المنع الشديد والإباء الذي هو في شدّة حرّه ونفوذه في أشدّ الأجسام كالسمّ والنار وأنشدوا :
ألا إنني منهم وعرضي عرضهم؍ كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما؍
وقرأ أبو عمر وفي الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي : بضم الهاء والميم والباقون : بكسر الهاء وضم الميم وأظهر الذال عند الجيم نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون وقوله تعالى :﴿حمية الجاهلية﴾ بدل من الحمية قبلها ووزنها فعلية وهي مصدر يقال حميت من كذا حمية وحمية الجاهلية : هي التي مدارها مطلق المنع سواء كان بحق أم باطل فتمنع من الإذعان للحق ومبتناها على التشفي على مقتضى الغضب لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرّفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء. قال مقاتل : قال أهل مكة قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلوا علينا فتتحدّث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا واللات والعزى لا يدخلونها علينا فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم.
﴿فأنزل الله﴾ أي : الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم ﴿سكينته﴾ أي : الشيء اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح الموجب لسكون القلب المؤثر للإقدام على العدوّ والنصر عليه إنزالاً كافياً ﴿على رسوله﴾ الذي عظمته من عظمته ففهم عن الله مراده في هذه القضية فجرى على أتم ما يرضيه ﴿وعلى المؤمنين﴾ أي : الغريقين في الإيمان لأنهم أتباع رسوله وأنصار دينه فألزمهم قبول أمره وحماهم من همزات الشياطين ولم يدخلهم ما دخل الكفار من الحمية فيقاتلوا غضباً لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع ﴿وألزمهم﴾ أي : المؤمنين إلزام إكرام وتشريف لا إلزام إهانة وتعنيف ﴿كلمة التقوى﴾ فإنها السبب الأقوى وهي كل قول أو فعل ناشئ عن التقوى وأعلاه كلمة الإخلاص المتقدّمة في القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق ولا بدّ من قول محمد رسول الله وإلا لم يتم إسلامه وعن الحسن : كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى إنها سبب التقوى وأساسها، وقيل : كلمة أهل التقوى وقيل هي بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله ﴿وكانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿أحق بها﴾ أي : كلمة التقوى من الكفار ﴿وأهلها﴾ أي : وكانوا أهلها في علم الله تعالى لأنّ الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير ﴿وكان الله﴾ أي : المحيط علماً وقدرةً ﴿بكل شيء﴾ من ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ أي : محيط العلم.
وروي «أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام في المدينة عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون ويقصرون فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا معه وصدّهم الكفار بالحديبية رجعوا وشق عليهم ذلك وراب بعض المنافقين فأنزل الله قوله تعالى :﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا﴾
الفتح 48:27
﴿لقد صدق الله﴾ أي : الذي لا كفؤ له المحيط بجميع صفات الكمال ﴿رسوله﴾ الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الأخبار عما لا يكون أنه يكون فيكف إذا كان المخبر رسوله ﴿الرؤيا﴾ التي هي من الوحي أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوّاً كبيراً. فحذف الجار وأوصل الفعل. كقوله تعالى :﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] وروي عن مجمع بن حارثة الأنصاري «قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم : ما بال الناس قالوا : أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فخرجنا نرجف فوجدنا النبيّ صلى الله عليه وسلم واقفاً على راحلته على كراع الغميم فلما اجتمع عليه الناس قرأ ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده » ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال جل ذكره ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ أخبر أن الرؤيا التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق وقوله تعالى ﴿بالحق﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه يتعلق بصدق. ثانيها : أن يكون صفة مصدر محذوف أي صدقاً ملتبساً بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض. ثالثها : أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق. رابعها : له قسم وجوابه ﴿لتدخلن﴾ أي بعد هذا دخولاً قد تحتم أمره ﴿المسجد﴾ أي : الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلا بدخول الحرم ﴿الحرام﴾ أي : الذي أجاره من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم. قال الزمخشري : وعلى تقديره قسماً إمّا أن يكون قسماً بالله تعالى فإنّ الحق من أسمائه تعالى وأمّا أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل.
فإن قيل : ما وجه دخول ﴿إن شاء الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال أجيب بأوجه :
أحدها : أنه تعالى ذكره تعليماً لعباده الأدب لأن يقولوا في غداتهم مثل ذلك متأدبين بآداب الله ومقتدين بسنته لقوله تعالى ﴿ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً ٢٣ إلا أن يشاء الله﴾ [ الكهف : ٢٣ ٢٤ ].
ثانيها : أن يريد لتدخلنّ جميعاً إن شاء الله. ولم يمت منكم أحد.
ثالثها : أن ذلك كان على لسان ملك فأدخل الملك إن شاء الله.
رابعها : إنها حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقص عليهم. وقال أبو عبيدة : أن بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله. كقوله تعالى ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [الجمعة: ٩].
خامسها : إنها للتبرّك وقيل هي متعلقة بآمنين فالاستثناء مواقع على الأمن لا على الدخول لأن الدخول لم يكن فيه شك كقوله صلى الله عليه وسلم عند دخول المقبرة " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت.
وقوله تعالى :﴿آمنين﴾ حال من فاعل لتدخلن وكذا ﴿محلقين رؤوسكم﴾ أي : كلها ﴿ومقصرين﴾ أي : بعضها أي منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين لا تخشون إلا الله تعالى وفيه إشارة إلى أنهم يتمون الحج من أوّله إلى آخره فقوله ﴿لتدخلن﴾ فيه إشارة إلى الأوّل وقوله ﴿محلقّين﴾ ﴿ومقصرين﴾ إشارة إلى الآخر فإن قيل محلقين حال الداخلين والداخل لا يكون إلا محرماً والمحرم لا يكون محلقاً أجيب بأنّ قوله آمنين معناه متمكنين من أن تتموا الحج محلقين ومقصرين وأشار بصيغة التفعيل إلى الكثرة فيهما غير أن التقديم يفهم أنّ الأول أكثر.
وقوله تعالى :﴿لا تخافون﴾ أي : لا يتجدّد لكم خوف بعد ذلك يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً ثالثة أمّا من فاعل لتدخلنّ أو من ضمير آمنين أو محلقين أو مقصرين فإن كانت حالاً من آمنين أو حالاً من فاعل لتدخلنّ فهي حال للتوكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدّرة إلا قوله ﴿لا تخافون﴾ إذا جعل حالاً فإنها مقدّرة أيضاً فإن قيل : قوله تعالى :﴿لا تخافون﴾ معناه غير خائفين وذلك يحصل بقوله تعالى :﴿آمنين﴾ أجيب : بأنّ فيه كمال الأمن لأنّ بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم. فقال تدخلون آمنين وتحلقون ويبقى أمنكم بعد خروجكم من الإحرام ﴿فعلم﴾ أي : الله في الصلح من المصلحة ﴿ما لم تعلموا﴾ من المصالح فإنّ الصلاح كان في الصلح وإنّ دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين والمؤمنات وهو قوله تعالى :﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ [الفتح: ٢٥] الآية.
فإن قيل : الفاء في قوله تعالى :﴿فعلم﴾ فاء التعقيب فقوله تعالى :﴿فعلم﴾ وقع عقب ماذا أجيب : بأنه إن كان المراد من ﴿فعلم﴾ وقت الدخول فهو عقب صدق وإن كان المراد فعلم المصلحة فالمراد علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب والتقدير لما حصلت المصلحة في العام القابل فعلم ما لم تعلموا من المصلحة المتجدّدة ﴿فجعل﴾ أي : بسبب إحاطة علمه ﴿من دون﴾ أي : أدنى رتبة من ﴿ذلك﴾ أي : الدخول العظيم في هذا العام ﴿فتحاً قريباً﴾ يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب بين العرب بهذا الصلح واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض الموجب لإسلام ناس كثيرة تتقوون بهم فتكون تلك الكثرة والقوّة بسبب هيبة الكفار المانعة لهم من القتال فقتل القتلى ترفقاً بأهل حرم الله إكراماً لهذا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم.
الفتح 48:28
وقوله تعالى :﴿هو الذي أرسل رسوله﴾ أي : الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه ﴿بالهدى﴾ أي : الكامل الذي يقتضي أن يهتدي به أكثر الناس تأكيداً لبيان صدق الله تعالى للرّؤيا لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي لا يريه ما لا يكون فيحدث الناس فيظهر خلافه فيكون ذلك سبباً للضلال.
فإن قيل : الرؤيا للواقع قد تقع لغير المرسل أجيب : بأنّ ذلك قليل لا يقع لكل أحد تنبيه الهدي يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى :﴿أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾ [البقرة: ١٨٥] وعلى هذا قوله تعالى :﴿ودين الحق﴾ هو ما فيه من الأصول والفروع ويحتمل أن يكون الهدي هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة فيكون قوله تعالى ﴿ودين الحق﴾ إشارة إلى ما شرع والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى :﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء﴾ وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هدى تنبيه دين الحق يحتمل أن يكون المراد دين الله لأنّ الحق من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يكون الحق نقيض الباطل فكأنه قال ودين الأمر الحق ﴿ليظهره﴾ أي : دينه ﴿على الدين كله﴾ أي : جميع باقي الأديان ﴿وكفى بالله﴾ أي : الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿شهيداً﴾ أي : على أنك مرسل بما ذكر كما قال تعالى :﴿محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزارع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾.
الفتح 48:29
﴿محمد رسول الله﴾ أي : الملك الذي لا كفؤ له فهو الرسول الذي لا رسول يساويه فإنه رسول إلى جميع الخلق من أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدّمه بالقوّة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه وقد أخذ على الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم وأشار بذكر هذا الاسم بخصوصه في سورة الفتح إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الخاتم بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج واستنبط بعض العلماء من محمد ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً فقال فيه ثلاث ميمات وإذا بسطت كل منهما قلت فيه م ي م وعدّتها بحساب الجمل الكبير تسعون فيحصل منها مائتان وسبعون وإذا بسطت الحاء والدال قلت دال بخمسة وثلاثين، وحاء بتسعة فالجملة ما ذكر والاسم واحد فتم عدد الرسل كما قيل أنهم ثلاثمائة وخمسة عشر وقد تقدّم الكلام على أولي العزم منهم في سورة الأحقاف.
تنبيه : يجوز أن يكون محمد خبر مبتدأ مضمر لأنه لما تقدّم ﴿هو الذي أرسل رسوله﴾ دل على ذلك المقدّر أي هو أي الرسول بالهدى محمد. ورسول الله بدل أو بيان أو نعت وأن يكون محمد مبتدأ وخبره رسول الله وقيل غير ذلك.
ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى ﴿والذين معه﴾ أي : بمعية الصحبة من الصحابة وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان ﴿أشدّاء﴾ أي : غلاظ ﴿على الكفار﴾ منهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته لأنّ الله تعالى أمرهم بالغلظة عليهم لا يرحمونهم ﴿رحماء بينهم﴾ أي : متعاطفون متوادّون كالوالد مع الولد.
كما قال تعالى ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] وعن الحسن بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التذلل وهذا التعطف فيشددوا على من ليس من دينهم ويتحاموه ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام متعطفين بالبر والصلة والمعونة وكف الأذى والاحتمال منهم.
تنبيه : والذين معه مبتدأ خبره أشدّاء على الكفار ورحماء بينهم خبر ثان وقيل غير ذلك. ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله سبحانه وتعالى ﴿تراهم﴾ أي : أيها الناظر لهم ﴿ركعاً سجداً﴾ أي : دائمين الخشوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملكية على صفاتهم الحيوانية فكانت الصلاة آمرة بالخير مصينة عن كل نقص وضير.
ثم أشار إلى إخلاصهم بقوله تعالى ﴿يبتغون﴾ أي : يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم تغليباً لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم ﴿فضلاً﴾ أي : زيادة من الخير ﴿من الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال من الجلال والجمال الذي أعطاهم ملكة العظمة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرأفة على أوليائه ﴿ورضواناً﴾ أي : رضاً منه عظيماً بما نالهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيداً غيره ولا محسن سواه.
ثم بين كثرة صلاتهم. بقوله تعالى :﴿سيماهم﴾ أي : علامتهم التي لا تفارقهم ﴿في وجوههم﴾ ثم بين تعالى العلامة بقوله ﴿من أثر السجود﴾ وهو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى ﴿يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه﴾ [آل عمران: ١٠٦] رواه عطية العوفيّ عن ابن عباس. وعن أنس هو استنارة وجوههم من كثرة صلاتهم. وقال شهر بن حوشب : تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال مجاهد هو السمت الحسن والخشوع والتواضع والمعنى أنّ السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك : هو صفرة الوجه. وقال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال عكرمة : هو أثر التراب على الجباه. قال أبو العالية : لأنهم يسجدون على التراب لا على الثياب. وقال عطاء : استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لأنّ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
قال بعضهم : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. قال البقاعي : ولا يظن أنّ من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته فإنّ ذلك من سيما الخوارج. وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثقات ومنه حديث أبي الدرداء أنه رأى رجلاً بين عينيه مثل ثغنة البعير فقال : لو لم يكن هذا كان خيراً يعني كان على جبهته أثر السجود وإنما كرهها خوفاً من الرياء عليه. وعن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود » وعن بعض المتقدّمين : كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير فلا ندري أثقلت الرؤوس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق.
ثم أشار تعالى إلى علو مرتبة ذلك الوصف بقوله سبحانه :﴿ذلك﴾ أي : هذا الوصف العالي جداً البديع المثال البعيد المنال ﴿مثلهم﴾ أي : صفتهم ﴿في التوراة﴾ وهاهنا تم الكلام فإن مثلهم : مبتدأ وخبره في التوراة وقوله تعالى :﴿ومثلهم في الإنجيل﴾ أي : الذي نسخ الله تعالى به بعض أحكام التوراة مبتدأ وخبره ﴿كزرع﴾ أي : مثل زرع ﴿أخرج شطأه﴾ أي : فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير أو لا يختص خلاف مشهور قال الشاعر :
أخرج الشطأ على وجه الثرى؍ ومن الأشجار أفنان الثمر؍
وقرأ ابن كثير وابن ذكوان : بفتح الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان كالنهر والنهر وأدغم أبو عمرو الجيم في الشين بخلاف عنه ثم سبب عن هذا الإخراج قوله تعالى :﴿فآزره﴾ أي : قواه وأعانه. وقرأ ابن ذكوان : بقصر الهمزة بعد الفاء والباقون بالمدّ. ﴿فاستغلظ﴾ أي : فطلب المذكور من الزرع والشطء الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله ﴿فاستوى﴾ أي : قوى واستقام وقوله تعالى :﴿على سوقه﴾ متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالاً أي كائناً على سوقه أي قائماً عليها، هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون.
قال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل : الزرع محمد صلى الله عليه وسلم والشطء : أصحابه والمؤمنون. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أبو بكر الصدّيق. أشدّاء على الكفار : عمر بن الخطاب. رحماء بينهم : عثمان بن عفان. تراهم ركعاً سجداً : علي بن أبي طالب يبتغون فضلاً من الله العشرة المبشرون بالجنة كمثل زرع محمد صلى الله عليه وسلم أخرج شطأه أبو بكر فآزره عمر، فاستغلظ عثمان يعني استغلظ عثمان بالإسلام، فاستوى على سوقه علي بن أبي طالب رضي الله عنه استقام الإسلام بسيفه.
﴿يعجب الزرّاع﴾ قال : المؤمنون ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم : لا يعبد الله سراً بعد اليوم روى أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«أرحم أمّتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبيّ، وأعلمهم بالحرام والحلال معاذ بن جبل، ولكل أمّة أمين وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح » وفي رواية أخرى وأقضاهم علي وروى بريدة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة ».
تنبيه : يعجب حال أي معجباً وهنا تم الكلام.
وقوله تعالى ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ فيه أوجه : أحدها : أنه متعلق بمحذوف دل عليه تشبيههم بالزرع في نمائهم وقوّتهم. قال الزمخشري : أي شبههم الله تعالى بذلك ليغيظ. ثانيها : أنه متعلق بما دل عليه قوله تعالى ﴿أشدّاء﴾ متعلق على الكفار الخ أي : جعلهم بهذه الصفات ليغيظ. ثالثها : أنه متعلق بقوله تعالى :﴿وعد الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿الذين آمنوا﴾ لأنّ الكفار إذا سمعوا بعزة المؤمنين في الدنيا وما أعدّ الله لهم في الآخرة غاظهم ذلك. وقوله تعالى :﴿وعملوا الصالحات﴾ فيه إشارة إلى تصديق دعواهم ومن في قوله تعالى :﴿منهم﴾ للبيان لا للتبعيض لأنهم كلهم كذلك فهي كقوله تعالى :﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصراً عما يجب لله تعالى من العبادة. أشار إلى ذلك بقوله تعالى :﴿مغفرة﴾ أي : لما يقع منهم من الذنوب والهفوات ﴿وأجراً عظيماً﴾ بعد ذلك الستر وهو الجنة. وهما أيضاً لمن بعدهم ممن يأتي.
فائدة قد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم وفي ذلك بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلوّ نصرهم رضي الله عنهم وحشرنا معهم نحن ووالدينا ومحبينا وجميع المسلمين بمنه وكرمه.
الحجرات 49:1
ولما نوّه سبحانه في القتال بذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم وصرّح في ابتدائها باسمه الشريف وسمى السورة به وملأ سورة الفتح بتعظيمه وختمها باسمه ومدح أتباعه لأجله افتتح هذه السورة باشتراط الأدب معه في القول والفعل فقال تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿لا تقدّموا﴾ من قدم بمعنى تقدّم أي لا تتقدّموا وحذف المفعول ليعم كل ما يصح تقديمه، فيذهب الوهم كل مذهب ويجوز أن يكون حذفه من غير قصد إليه أصلاً بل يكون النهي موجهاً إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل ﴿بين يدي الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا يطاق انتقامه ﴿ورسوله﴾ أي : الذي عظمته ظاهرة جدّاً لا نهاية له، لأنّ عظمته من عظمته، ولذلك قرن اسمه باسمه واختلف في سبب نزول ذلك. فقال الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة. أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك «أن أناساً ذبحوا قبله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح » وقال :«من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء ».
وعن مسروق عن عائشة رضي الله عنها : أنه في النهي عن صوم يوم الشك. أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وعن ابن الزبير :«أنه قدم ركب من بني تميم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة وقال عمر بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي. فقال عمر : ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية ». قال ابن الزبير : فكان عمر لا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه. وعن ابن أبي مليكة : نزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ وهذا أنسب. وقال الضحاك : يعني في القتال وشرائع الدين أي لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله. قال الرازي : والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات وتقدّم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة.
تنبيه : معنى بين يدي الله ورسوله أي : بحضرتهما لأنّ ما بحضرة الإنسان فهو بين يديه ناظر إليه. وحقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً. كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة هنا على ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً.
وقيل : المراد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى تعظيم له وإشعار بأنه من الله تعالى بمكان يوجب إجلاله ﴿واتقوا الله﴾ اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية، فإنّ التقوى مانعة من أن تضيعوا حقه وتخالفوا أمره أو تقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه ﴿إن الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بصفات الكمال ﴿سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بأعمالكم.
الحجرات 49:2
ونزل فيمن رفع صوته عند النبيّ عليه الصلاة والسلام :﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ أي : في شيء من الأشياء عند النطق إذا نطقتم ﴿فوق صوت النبيّ﴾ إذا نطق.
تنبيه : في إعادة النداء فوائد : منها أنّ في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه :﴿يا بنيّ لا تشرك بالله﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿يا بنيّ إنها إن تك﴾ [لقمان: ١٦]، ﴿يا بنيّ أقم الصلاة﴾ [لقمان: ١٧]، لأنّ النداء تنبيه للمنادي ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه، فإعادته تفيد تجدد ذلك ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانياً غير المخاطب أولاً فإن من الجائز أن يقول القائل : يا زيد افعل كذا وكذا يا عمرو. فإذا أعاد مرة أخرى وقال : يا زيد قل يا زيد قل كذا وقل كذا يعلم أن المخاطب أولاً هو المخاطب ثانياً. ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ليس الثاني تأكيداً للأوّل كقولك : يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق وأنه لا يحسن أن يقول يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم، كما يحسن عند اختلاف المطلوبين ﴿ولا تجهروا له بالقول﴾ أي : إذا كلمتموه سواء كان ذلك مثل صوته أو أخفض من صوته، فإنّ ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء ﴿كجهر بعضكم لبعض﴾ أي : ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من ذلك فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين غيره.
فإن قيل : ما الفائدة في ولا تجهروا بعد لا ترفعوا ؟.
أجيب : بأن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم وصوته والنهي عن الجهر منع من المساواة. أي لا تجهروا له بالقول كما تجهرون لنظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا ثم حذرهم بقوله تعالى :﴿أن﴾ أي : كراهة أن ﴿تحبط﴾ أي : تفسد فتسقط ﴿أعمالكم﴾ التي هي الأعمال بالحقيقة، وهي الحسنات كلها ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ أي : بأنها حبطت فإنّ ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استخف واظب عليه، وإذا واظب عليه أو شك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر، روى أنس بن مالك قال :«لما نزل قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾ الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال : أنا من أهل النار واحتبس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى فقال سعد : إنه لجاري وما علمت له شكوى قال : فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثابت : نزلت هذه الآية وقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد لنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال بل هو من أهل الجنة ».
وروي لما نزلت هذه الآية «قعد ثابت في الطريق يبكي فمّر به عاصم بن عدي فقال : وما يبكيك يا ثابت. قال : هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي وأكون من أهل النار فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتاً البكاء فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبيّ ابن سلول فقال لها : إذا دخلت بيت فرشي فسدّي عليّ الضبة بمسمار فضربت عليه بمسمار وقال لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال : اذهب فادعه لي فجاءه عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرش.
فقال له : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فقال : اكسر الضبة فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا ثابت فقال : أنا ميت فأخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضي أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة. فقال : رضيت ببشرى الله ورسوله لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل.
الحجرات 49:3
﴿إنّ الذين يغضون﴾ أي : يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من السكينة من هيبة حضرته قال الطبريّ وأصل الغض الكف في لين ﴿أصواتهم﴾ تخشعاً وتخضعاً ورعايةً للأدب وتوقيراً ﴿عند رسول الله﴾ أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام، لأنه مبلغ عن الملك الأعظم وعبر بعند الذي للظاهر إشارة إلى أنّ أهل حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب ﴿أولئك﴾ أي عالو الرتبة ﴿الذين امتحن الله﴾ أي : فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر ﴿قلوبهم للتقوى﴾ أي : اختبرها وأخلصها لتظهر منهم من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه. فإنّ الامتحان اختبار بليغ يؤدّي إلى خبر فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة والتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوماً للخلق في عالم الشهادة، كما كان له سبحانه في عالم الغيب. ﴿لهم مغفرة﴾ أي : لهفواتهم وزلاتهم ﴿وأجر عظيم﴾ لغضهم وسائر طاعاتهم. والتنكير للتعظيم.
قال أنس : فكنا أي بعد نزول هذه الآية في حق ثابت ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان في يوم حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار فانهزمت طائفة منهم فقال : أفّ لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة : ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام فقال له : اعلم أن فلاناً رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عند فرس يستنّ في طوله، وقد وضع على درعي ثوبه فائت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له : إن عليّ ديناً حتى يقضيه عني وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالداً فوجد درعه والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤية فأجاز أبو بكر وصيته قال مالك بن أنس : لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه.
الحجرات 49:4
واختلف في سبب نزول قوله عز وجل :﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما :«بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني النضير وأمر عليهم عتبة بن حصن الفزاوي فلما علموا هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عتبة وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم. فقالوا : يا محمد فادنا عيالنا. فنزل جبريل عليه السلام فقال إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلاً. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضون أن يكون بيني وبينكم شبرمة بن عمرو وهو على دينكم فقالوا : نعم. فقال شبرمة : أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد وهو الأعور بن بسامة فرضوا به فقال الأعور : أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق نصفهم » فأنزل الله تعالى ﴿إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ جمع حجرة وهي ما تحجره من الأرض بحائط ونحوه. كان كل واحد منهم نادى خلف حجرة لأنهم لم يعلموه في أيها مناداة الأعراب بغلظة وجفاء ﴿أكثرهم﴾ أي : المنادي والراضي دون الساكت لعذر ﴿لا يعقلون﴾ أي : محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم، فلم يصبروا بل فعلوا معه صلى الله عليه وسلم كما يفعل بعضهم ببعض.
الحجرات 49:5
﴿ولو أنهم﴾ أي : المنادي والراضي ﴿صبروا﴾ أي : حبسوا أنفسهم ومنعوها من مناداتهم والصبر : حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، وهو حبس فيه شدّة وصبر. ﴿حتى تخرج إليهم﴾ من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق ﴿لكان﴾ أي : الصبر ﴿خيراً لهم﴾ أي : من استعجالهم إيقاظك في الهاجرة.
ومما لو قرعوا الباب بالأظافر كما كان يفعل غيرهم من الصحابة. قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الأولى والعقبى ا. ه فإنهم لو تأدّبوا لربهم لزادهم صلى الله عليه وسلم في الفضل فأعتق جميع سبيهم وأطلقهم بلا فداء. ﴿والله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : ستور ذنب من تاب من جهله ﴿رحيم﴾ أي : يعاملهم معاملة الراحم، فيسبغ عليهم نعمه. وقال قتادة :«نزلت في ناس من أعراب تميم جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب اخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمّنا شين فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.
فقالوا : نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا. فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس وكان خطيب النبيّ صلى الله عليه وسلم قم فأجبه فأجابه. وقام شاعر فذكر أبياتاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : أجبه فأجابه. فقام الأقرع بن حابس فقال : إنّ محمداً المولى تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولاً ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يضرّك ما كان من قبل هذا ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وكان قد تخلف في ركابهم عمرو بن الأهيم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل فيهم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ﴾ الآيات الأربع إلى قوله تعالى :﴿غفور رحيم﴾ وقال زيد بن أرقم جاء ناس من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعش في جناحه. فجاؤوا فجعلوا ينادون من وراء الحجرات يا محمد. فأنزل الله تعالى ﴿إنّ الذين ينادونك﴾ الآية وقيل : المراد بأكثرهم كلهم. لأنّ العرب تذكر الأكثر وتريد الكل احتراز عن الكذب واحتياطاً في الكلام. لأنّ الكل ما لا يحيط به علم الإنسان في بعض الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل.
ثم إنّ الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمور أتى بما يناسب كلامهم وفيه إشارة إلى لطيفة، وهي أنّ الله تعالى يقول مع إحاطة علمي بكل شيء جريت على عادتكم استحساناً لتلك العادة، وهي الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلاً قاطعاً على رضاي بذلك منكم.
تنبيه : جعل الزمخشري أنهم من ولو أنهم فاعلاً بفعل مقدر أي ولو ثبت صبرهم وجعل اسم كان ضميراً عائداً على هذا الفاعل. ولكن مذهب سيبويه أنها في محل رفع بالابتداء وحينئذ يكون اسم كان ضميراً عائداً على صبرهم المفهوم وجرى على الأوّل البيضاوي، وعلى الثاني الجلال المحلى.
الحجرات 49:6
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿فاسق﴾ أي : خارج من ربقة الديانة ﴿بنبأ﴾ أي : خبر يعظم خطبه فيثير شرّاً ﴿فتبينوا﴾ صدقه من كذبه. فقال أكثر المفسرين : نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لأمه. «وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني المصطلق بعد الوقعة والياً ومصدقاً أي يأخذ منهم الصدقة وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد ابن الوليد خفية في عسكره وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال : انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار. ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر » فنزل قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ ﴿أن تصيبوا﴾ أي : بأذى ﴿قوماً﴾ أي : هم مع قوّتهم النافعة لأهل الإسلام برآء مما نسب إليهم ﴿بجهالة﴾ أي : مع الجهل بحال استحقاقهم لذلك ﴿فتصبحوا﴾ أي : فتصيروا ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحاً وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته ﴿على ما فعلتم﴾ أي : من إصابتهم ﴿نادمين﴾ أي : غريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله تعالى في نفوسكم من أمور ترجف القلوب. وقال الرازي : هذا ضعيف لأنّ الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه قال وردت الآية لبيان ذلك حسب غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت وهو مثل تاريخ نزول الآية مما يصدق ذلك ويؤيده أنّ إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقاً فكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن رتبة الإيمان كقوله تعالى :﴿إنّ الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [المنافقون: ٦] وقوله تعالى :﴿ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠] وقوله تعالى :﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [ السجدة، ٢٠ ] الآية إلى غير ذلك ا. ه وقال ابن الخازن في تفسيره : وقيل هو عام نزلت لبيان التثبيت وترك الاعتماد على قول الفاسق وهذا أولى من حكم الآية على رجل بعينه.
تنبيه : قوله تعالى :﴿أن تصيبوا﴾ مفعول له كقوله تعالى :﴿أن تحبط﴾ [الحجرات: ٢] قال الرازي : معناه على مذهب الكوفيين لئلا تصيبوا وعلى مذهب البصريين كراهة أن تصيبوا وقرأ حمزة والكسائي : بعد التاء المثناة بثاء مثلثة وبعد الباء الموحدة بتاء مثناة فوق من التثبت أي : فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال. والباقون بعد التاء المثناة بباء موحدة وبعدها ياء تحتية وبعدها نون من البيان.
الحجرات 49:7
﴿واعلموا﴾ أي : أيتها الأمة ﴿أن فيكم﴾ أي : على وجه الاختصاص بكم ويا له من شرف ﴿رسول الله﴾ أي : الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام فلا تقولوا الباطل فإنّ الله يخبره بالحال ﴿لو يطيعكم﴾ وهو لا يحب عنتكم ولا شيئاً يشق عليكم ﴿في كثير من الأمر﴾ أي : الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم، وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له فينقلب حينئذ الحال ويصير المتبوع تابعاً، والمطاع طائعاً، ﴿لعنتم﴾ أي : لأثمتم دونه وهلكتم. لأنّ من أراد أن يكون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم تابعاً لأمره فقد زين له الشيطان الكفران وقوله تعالى :﴿ولكن الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي يفعل ما يريد ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه﴾ أي : حسنه ﴿في قلوبكم﴾ فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته استدراك من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لبيان عذرهم، وهو أنه من فرط حبهم للإيمان وكرهتهم للكفر كما قال تعالى :﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ حملهم على ذلك ما سمعوا قول الوليد أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إخماداً لفعلهم وتعريضاً بذم من فعل. قال الرازي : هذه الأمور الثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل المزين وهو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان فقوله تعالى ﴿كرّه إليكم الكفر﴾ وهو التكذيب وهو في مقابلة التصديق بالجنان وأمّا الفسوق فقيل هو الكذب كما قاله ابن عباس قال تعالى ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ فسمى الكاذب فاسقاً وقال البيضاوي : الكفر تغطية نعم الله بالجحود والفسوق الخروج عن القصد والعصيان الامتناع عن الانقياد. وقال بعضهم : الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة والعصيان هو الصغيرة ﴿أولئك﴾ أي : الذين أعلى الله تعالى مقاديرهم ﴿هم الراشدون﴾ أي : الكاملون في الرشد الثابتون الاستقامة وعلى دينهم وفي تفسير الأصفهاني الرشد هو الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه.
الحجرات 49:8
وقوله تعالى :﴿فضلاً﴾ مصدر منصوب بفعله المقدّر أي فضل وقيل : تعليل لكرّه أو حبب، وما بينهما اعتراض فهو امتنان عظيم ودرجة عالية ﴿من الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي بيده كل شيء ﴿ونعمة﴾ أي : وعيشاً حسناً ناعماً وكرامة ﴿والله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال ﴿عليم﴾ أي : محيط العلم يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل. ﴿حكيم﴾ أي : بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها وأتقنها فكذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب علمه وحكمته ونزل في قضية.
الحجرات 49:9
﴿وإن طائفتان من المؤمنين﴾ الآية وهي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ركب حماراً ومرّ علي ابن أبيّ فبال الحمار فسدّ ابن أبيّ أنفه فقال ابن رواحة لبول حماره : أطيب ريحاً من مسكك فكان بين قومهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف. وعن أنس قال :«قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبيّ فانطلق إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون معه وهو بأرض سبخة فلما أتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إليك عني فوالله لقد أذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم ».
ويروى أنهما لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض. وعن قتادة : نزلت في رجلين من الأنصار كان بينهما مدارأة في حق فقال أحدهما للآخر : لآخذنّ حقي منك عنوة لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف.
وعن سفيان عن السدي قال : كانت امرأة من الأنصار يقال لها أمّ زيد تحت رجل وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقى بها إلى علية وحبسها فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء قومه واقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت.
وجمع تعالى قوله سبحانه :﴿اقتتلوا﴾ نظراً للمعنى لأنّ كل طائفة جماعة وثنى الضمير في قوله تعالى :﴿فأصلحوا﴾ أي : أوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح ﴿بينهما﴾ نظراً للفظ أي : أصلحوا بينهما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى ﴿فإن بغت﴾ أي : أوقعت الإرادات السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير ﴿إحداهما﴾ أي : الطائفتين ﴿على الأخرى﴾ فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق ﴿فقاتلوا﴾ أي : اطلبوا وأوجدوا مقاتلة ﴿التي تبغي﴾ أي توقع الإرادة السيئة وتصرّ عليها وأديموا القتال لها ﴿حتى تفيء﴾ أي : ترجع عما صارت إليه من حرّ القطيعة الذي كأنه حرّ الشمس حتى نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البرد والخير الذي هو كالظل الذي نسخته الشمس.
وهو معنى قوله تعالى :﴿إلى أمر الله﴾ أي : التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل الظالم بل لا بدّ من أن يقاصصه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالياء والباقون بتحقيقهما ﴿فإن فاءت﴾ أي : رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل ﴿فأصلحوا﴾ أي : أوقعوا الإصلاح ﴿بينهما بالعدل﴾ أي : بالإنصاف ولا يحملنكم القتال على الحقد على المقاتلين فتحيفوا ﴿وأقسطوا﴾ أي : وأزيلوا القسط بالفتح وهو الجور، بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل الذي لا جور فيه في ذلك، وفي جميع أموركم ثم علله ترغيباً فيه بقوله تعالى مؤكداً تنبيهاً على أنه من أعظم ما يتمادح به ورداً على من لعله يقول أنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده الأضعف ﴿إن الله﴾ أي : الذي بيده النصر والخذلان ﴿يحب المقسطين﴾ أي : يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب.
الحجرات 49:10
﴿إنما المؤمنون﴾ أي : كلهم وإن تباعدت أنسابهم وبلادهم ﴿إخوة﴾ أي : في الدين لانتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان ولما كانت الأخوة داعية ولا بدّ إلى الإصلاح تسبب عنها قوله تعالى :﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾ كما تصلحون بين أخويكم من النسب ووضع الظاهر موضع الضمير مضافاً إلى المأمور مبالغة في التقرير والتحضيض وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق. وعن أبي عثمان الحيري : أنّ أخوة الدين أثبت من أخوة النسب فإنّ أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب ﴿واتقوا الله﴾ أي : الملك الأعظم في مخالفة حكمه والإهمال فيه ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي : لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم أن يكرمكم الذي لا قادر على الإكرام في الحقيقة غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوانكم بإكرامكم عن إفساد ذات البين.
وعن الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ».
تنبيه : في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنّ الله تعالى سماهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين يدل عليه ما روى عن عليّ بن أبي طالب سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون. فقال : لا من الشرك فرّوا فقيل : أمنافقون هم فقال : لا إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل : فما حالهم قال : إخواننا بغوا علينا.
والباغي في الشرع هو الخارج عن الإمام العدل بتأويل محتمل وشوكة لهم ومطاع تحصل به قوّة الشوكة، وإن لم يكن لهم إمام والحكم فيهم أن يبعث إليهم الإمام أميناً فطناً ناصحاً ينصحهم ما ينقمون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها وإن أصروا نصحهم ثم أعلمهم بالقتال، فإن استمهلوا اجتهد وفعل ما رآه صواباً.
والحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ويرد سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت عائلتهم ولا يستعمل في قتال إلا لضرورة ولا يقاتلون بعظيم كنار ومنجنيق إلا لضرورة، ولو أقاموا حدّ أو أخذوا زكاة وجزية وخراجاً وفرّقوا أسهم المرتزقة على جندهم صح ما فعلوه، وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن كان بسبب قتال فلا ضمان على واحد منهما، وإلا فعلى المتلف الضمان. قال ابن سهل : كانت في تلك الفتنة دماء يغرق في بعضها القاتل والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم مالاً أتلفه ولو أظهر قوم رأي الخوارج كترك الجماعات وتكفير ذي كبيرة ولم يقاتلوا فلا نتعرّض لهم.
روي أنّ علياً سمع رجلاً يقول في ناحية المسجد. لا حكم إلا لله تعالى. فقال عليّ رضي الله عنه : كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاثة لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دام أيديكم مع أيدينا ولا نبدأكم بقتال فإن قاتلوا فحكمهم حكم قطاع الطريق، وتفريعات أحكام البغاة مذكورة في الفقه. وفي هذا القدر كفاية.
الحجرات 49:11
واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أوقعوا الإقرار بالتصديق ﴿لا يسخر﴾ أي : لا يهزأ والسخرية : هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته ﴿قوم﴾ أي : ناس فيهم قوة المحاولة وهم الرجال وفي التعبير بذلك تنبيه على قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص منكراً لما أعطاه الله تعالى من القوّة ﴿من قوم﴾ أي : من رجال، فإنّ ذلك يوجب الشرّ لأنّ أضعف الناس إذا استهزئ به قوي لما يثور عنده من حظ النفس.
فقال ابن عباس :«نزلت في ثابت بن قيس كان في أذنه وقر أي ثقل فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم فضنّ أي بخل كل رجل منهم بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلساً قام قائماً فلما فرغ ثابت من صلاته أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس ويقول تفسحوا تفسحوا فجعلوا يتفسحون حتى انتهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال له : تفسح فقال الرجل : قد أصبت مجلساً فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضباً فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال : من هذا. فقال له : أنا فلان فقال له ثابت : ابن فلانة ذكر أمّاً له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه فاستحيا فأنزل الله تعالى هذه الآية ».
وقال الضحاك نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخبيب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوا من رثاثة حالهم. ومعنى الآية : لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم ثم علل النهي بقوله تعالى :﴿عسى﴾ أي : لأنه جدير وخليق لهم ﴿أن يكونوا﴾ أي : المستهزأ بهم ﴿خيراً منهم﴾ فينقلب الأمر عليهم وتكون لهم سوء العاقبة. قال ابن مسعود : البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب خشيت أن أحوّل كلباً وقال القشيري : ما استصغر أحد أحداً إلا سلط عليه ولا ينبغي أن يغتر بظاهر أحوال الناس، فإنّ في الزوايا خبايا. والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة وكذا في الخبر " كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ".
﴿ولا﴾ يسخر ﴿نساء من نساء﴾ ثم علل النهي بقوله تعالى :﴿عسى﴾ أي : ينبغي أن يخفن من ﴿أن يكن﴾ أي : المسخور بهنّ ﴿خيراً منهنّ﴾ أي الساخرات. روي أنها نزلت في نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم عيرن أمّ سلمة بالقصر. وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب قال لها النساء يهودية بنت يهوديين.
تنبيهان : أحدهما : قال الرازي : القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم. والقائم بالأمور هم الرجال وعلى هذا ففي أفراد الرجال والنساء. فائدة : وهي أنّ عدم الالتفات والاستحقار أن يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسبة إلى الرجال لأنّ المرأة في نفسها ضعيفة، قال صلى الله عليه وسلم «النساء لحم على وضم » فالمرأة لا يوجد منها استحقار لرجل لأنها مضطرّة إليه في رفع حوائجها، وأمّا الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فإنه يوجد فيهنّ ذلك.
الثاني : في حكمه قوله تعالى :﴿عسى أن يكونوا خيراً منهم﴾ هي أنهم إذا وجدوا منهم التكبر المقتضى إلى إحباط العمل جعل نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم، وقال : أنا خير منه فصار هو خيراً منه. ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿يكونوا﴾ أي يصيروا فإنّ من استحقر إنساناً لفقره أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ويقوى الضعيف ﴿ولا تلمزوا﴾ أي تعيبوا على وجه الظهور الخفية ﴿أنفسكم﴾ بأن يعيب بعضكم بعضاً بإشارة أو نحوها فكيف إذا كان على وجه فإنّكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة أو يعمل الإنسان ما يعاب به فيكون الإنسان قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سبباً لأن يبحث عن عيوبه فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ أي : ولا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء فإنّ النبز يختص بلقب السوء. واختلف في هذا اللقب فقال عكرمة هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر. وقال الحسن : كان اليهوديّ والنصرانيّ يسلم فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. وقال عطاء : هو أن يقول الرجل لأخيه يا حمار يا خنزير
وعن ابن عباس : التنابز بالألقاب : هو أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله والحاصل أنه يحرم تلقيب الشخص بما يكره وإن كان فيه كالأعور والأعمش ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لا يعرفه إلا به وأمّا ألقاب المدح فنعما هي فقد لقب الصديق بعتيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بن الوليد بسيف الله، ومازالت الألقاب الحسنة في الجاهلية والإسلام.
قال الزمخشري : إلا ما أحدثه الناس في زماننا من التوسع حتى لقبوا السفلة بالألقاب العلية وهب أنّ العذر مبسوط فما أقول لمن ليس من الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين لعمري والله إنها الغصة التي لا تساغ. ومعنى اللقب : اسم زائد على الاسم يشعر بضعة المسمى أو رفعته والمقصود به الشهرة فما كان مكروهاً نهى عنه، ويسنّ أن يكنى أهل الفضل الرجال والنساء وإن لم يكن لهم ولد وأمّا التكني بأبي القاسم فهو حرام.
وقيل : إنما يحرم في زمانه صلى الله عليه وسلم فقط وقيل : إنما يحرم على من اسمه محمد ولا يكنى كافر ولا فاسق ولا مبتدع لأنّ الكنية للتكرمة وليسوا من أهلها بل أمرنا بالإغلاظ عليهم إلا لخوف فتنة من ذكره باسمه أو تعريفه كما قيل به في قوله تعالى :﴿تبت يد أبي لهب﴾ [المسد: ١] واسمه عبد العزى ولا بأس بكنية الصغير. ويسنّ أن يكنى من له أولاد بأكبر أولاده ويسنّ لولد الشخص وتلميذه وغلامه أن لا يسميه باسمه والأدب أن لا يكني الشخص نفسه في كتاب أو غيره إلا إن كان لا يعرف بغيرها أو كانت أشهر من الاسم.
تنبيه : ذكر في الآية ثلاثة أمور مرتبة بعضها دون بعض كما علم من تقريرها ﴿بئس الاسم﴾ أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز. وقوله تعالى :﴿الفسوق﴾ أي : الخروج من ربقة الدين ﴿بعد الإيمان﴾ بدل من الاسم لإفادة أنه فسق لتكرّره عادة. وروي أنّ الآية " نزلت في صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إنّ النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم " ﴿ومن لم يتب﴾ أي : يرجع عما نهى الله عنه فخفف على نفسه ما كان شدّد عليها ﴿فأولئك﴾ أي : البعداء من الله تعالى ﴿هم الظالمون﴾ أي الغريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها. وأدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء. واختلف عن خلاد والباقون بالإظهار.
الحجرات 49:12
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أوّل مراتبه ﴿اجتنبوا﴾ أي : كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم ﴿كثيراً من الظنّ﴾ أي : في الناس وغيرهم واحتاطوا في كل ظنّ ولا تتمادوا معه حتى تجزموا بسببه.
تنبيه : أفهم ذلك أنّ من الظنّ ما لا يجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع وكما في ظنّ الخير في الله تعالى : ففي الحديث «أنا عند ظنّ عبدي بي فلا يظنّ بي إلا خيراً » بل قد يجب كما في قوله تعالى :﴿لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً﴾ [النور: ١٢] وقيل : نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما. «وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدّم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما طعامهما وشرابهما فضمّ سلمان الفارسيّ إلى رجلين في بعض أسفاره فتقدّم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيئ لهما فلما قدما قالا له : ما صنعت شيئاً، قال : لا غلبتني عينايّ، قالا له : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاماً فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له : إن كان عندك فضل من طعام فليعطك وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله فأتاه فقال : ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا : كان عند أسامة ولكن بخل فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئاً فلما رجع قالا له : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحماً. قال ظلتم تأكلون لحم أسامة وسلمان فأنزل الله عز وجلّ ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن﴾.
وقوله تعالى :﴿إن بعض الظنّ إثم﴾ تعليل مستأنف للأمر قال صلى الله عليه وسلم «إياكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث » والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه وجعل الزمخشري همزه بدلاً من واو قال : لأنه يتم الأعمال أي يكسرها قال ابن عادل : وهذا غيره مسلم بل تلك مادّة أخرى.
قال سفيان الثوري : الظنّ ظنان : أحدهما : إثم وهو أن يظنّ ويتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن يظنّ ولا يتكلم به. وقوله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ حذف منه إحدى التاءين أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعائبهم بالبحث عنها قال صلى الله عليه وسلم «لا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا و لا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً » وقال عليه الصلاة والسلام :«يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله » ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك. وقيل لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمراً فقال : إنا نهينا عن التجسس وإن يظهر لنا شيئاً نأخذه به.
تنبيه : قرأ ولا تنابزوا ولا تجسسوا ولتعارفوا البزي في الوصل بتشديد التاء والباقون بغير تشديد.
ولما كانت الغيبة أعمّ من التجسس قال :﴿ولا يغتب﴾ أي : ولا يتعمد أن يذكر ﴿بعضكم بعضاً﴾ أي : في غيبته بما يكره. قال القشيري : وليس تحصل الغيبة للخلق إلا من الغيبة عن الحق وقال أبو حيان : قال ابن عباس : الغيبة إدام كلاب الناس.
وعن أبي هريرة «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقوله قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته » وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقالوا لا نأكل حتى يطعم ولا نرحل حتى يرحل فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «اغتبتموه فقالوا : إنما حدّثنا بما فيه قال : حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه » وفي هذا إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن فإنّ تمزيق عرض الإنسان كتمزيق أديمه ولحمه كما قال تعالى :﴿أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه﴾ وقرأ ﴿ميتاً﴾ نافع بتشديد الياء والباقون بالسكون.
ولما كان الجواب قطعاً لا يحب أحد ذلك أشار إليه بما سببه من قوله تعالى :﴿فكرهتموه﴾ أي : بسبب ما ذكر طبعاً فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرّمة عقلاً لأنّ داعي العقل بصير عالم وداعي الطبع أعمى جاهل.
تنبيه : في هذا التشبيه إشارة إلى أنّ عرض الإنسان كدمه ولحمه لأنّ الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا من باب القياس الظاهر لأنّ عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك أشدّ ألماً وقوله تعالى لحم أخيه آكد في المنع لأنّ العدوّ يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ وفي قوله تعالى :﴿ميتاً﴾ إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال : إنّ الشتم في الوجه يؤلم فيحرم وأمّا الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم، فيقال لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم ومع هذا هو في غاية القبح كما أنه لو اطلع عليه لتألم فإنّ الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف وهو أنّ الاغتياب أكل لحم الآدمي ميتاً ولا يحل أكله إلا للمضطرّ بقدر الحاجة والمضطرّ إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدمي فكذلك المغتاب إذا وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب. قال مجاهد : لما قيل لهم أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً قالوا : لا قيل فكرهتموه أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً. قال الزجاج : تأويله أنّ ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك.
قال الرازي : وفي ضمير فكرهتموه وجوه : أظهرها : أن يعود إلى الأكل. وثانيها : أن يعود إلى اللحم أي : فكرهتم اللحم. وثالثها : أن يعود إلى الميت في قوله تعالى ميتاً تقديره أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيراً فكرهتموه فكأنه صفة لقوله ميتاً ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير يعني الميتة إن أكلت في الندرة تستطاب نادراً ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً. فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة وذلك يحقق الكراهة ويوجب النفرة إلى حدّ لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكله ففيه إذاً كراهية شديدة. وكذلك حال الغيبة.
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :«لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافير من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم فقلت : من هؤلاء يا جبريل قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم » وقال ميمون بن سنان : بينما أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي كل هذا قلت يا عبد الله ولم آكل هذا قال إنك اغتبت عبد فلان قلت والله ما ذكرت فيه خيراً ولا شرّاً قال ولكن سمعت ورضيت فكان ميمون لا يغتاب أحد ولا يدع أحداً يغتاب عنده.
وقوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ أي : اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بطاعته معطوف على ما تقدّم من الأوامر والنواهي أي اجتنبوا واتقوا الله ﴿إن الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿توّاب﴾ أي : مكرّر للتوبة وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرّر الذنب فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت ﴿رحيم﴾ يزيده على ذلك بأن يكرمه غاية الإكرام.
تنبيه : ختم سبحانه وتعالى الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولى :﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ وقال هاهنا ﴿إنّ الله تواب رحيم﴾ لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله تعالى :﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ذكر النفي الذي هو قريب من النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله تعالى :﴿اجتنبوا كثيراً﴾ فذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر.
الحجرات 49:13
وقوله تعالى :﴿يا أيها الناس﴾ أي : كافة المؤمن وغيره ﴿إنا﴾ أي : على مالنا من العظمة ﴿خلقناكم﴾ أي : أوجدناكم من العدم على ما أنتم عليه من المقادير﴿من ذكر وأنثى﴾ الآية مبين ومقرّر لما تقدّم، لأنّ السخرية من الغير وغيبته إن كان ذلك بسبب غير الدين والإيمان فلا يجوز لأنّ الناس بعمومهم كافرهم ومؤمنهم يشتركون فيما يفتخر به المفتخر، لأنّ التكبر والافتخار إن كان بسبب الغنى فالكافر قد يكون غنياً والمؤمن فقيراً وبالعكس.
وإن كان بسبب النسب فالكافر قد يكون نسيباً والمؤمن مولى وعبداً أسود وبالعكس، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون ومتقاربون ولا يؤثر شيء من ذلك مع عدم التقوى. كما قال تعالى :﴿إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فقوله تعالى :﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ أي آدم وحوّاء فأنتم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة.
قال ابن عباس :«نزلت في ثابت بن قيس. وقوله للرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم من الذاكر فلانة. قال ثابت : أنا يا رسول الله فقال : انظر في وجوه القوم فنظر فقال : ما رأيت يا ثابت قال : رأيت أبيض وأحمر وأسود. قال : فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى » فنزلت هذه الآية ونزل في الذي لم يفسح له ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس﴾ [المجادلة: ١١] الآية وقال قتادة :«لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً حتى علا على ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد أغبر من هذا الغراب الأسود مؤذناً. وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئاً يغيره وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبره به رب العالمين رب السماوات فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالوه فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى في هذه الآية » وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
تنبيه : الحكمة في اختيار النسب مع أنّ غيره من جملة أسباب التفاخر ولم يذكر الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لأنّ النسب أعلاها لأنّ المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار الغني المفتخر به عليه والسمن والحسن وغير ذلك لا يدوم. والنسب ثابت مستمر غير مقدوراً التحصيل لمن ليس له ذلك فاختاره الله تعالى للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بطريق الأولى فإن قيل : إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فما فائدة قوله تعالى :﴿إنا خلقناكم﴾ أجيب : بأنّ فائدته أنّ كل شيء يترجح على غيره فأمّا أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويرتب عليه بعد وجوده. وأمّا أن يترجح عليه بأمر قبله فالذي بعده كالحسن والقوّة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء.
وأمّا الذي قبله فأما راجع إلى أصله الذي وجد فيه أو إلى الفاعل الذي أوجده فالأول كقولك هذا من نحاس وهذا من فضة، والثاني كقولك هذا عمل فلان وهذا عمل فلان. فقال تعالى : لا ترجيح بالنسبة إلى فاعلكم لأنكم كلكم خلق الله تعالى فإن كان عناكم تفاوت فهو بأمور تحصل لكم بعد وجودكم وأشرفها التقوى. ولما كان تفصيلهم إلى فرق كل منها يعرف به أمراً باهراً عبر فيه بنون العظمة فقال تعالى :﴿وجعلناكم﴾ أي بعظمتنا ﴿شعوباً﴾ جمع شعب بفتح الشين وهو أعلى طبقات الإنسان مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج ﴿وقبائل﴾ أي : تحت الشعوب وذلك أنّ طبقات النسل التي عليها العرب سبعة الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة والعشيرة وكل واحد يدخل فيما قبله فالقبائل تحت الشعوب والعمائر تحت القبائل والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل خزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصيّ بطن وعبد مناف فخذ وهاشم فصيلة والعباس عشيرة. قال البغوي : وليس بعد العشيرة حي يوصف ا. ه. وسمى الشعب شعباً لتشعب القبائل منه واجتماعهم به كتشعب أغصان الشجرة والشعب من الأضداد يقال شعب أي : جمع ومنه شعب القدح وشعب أي : فرّق والقبائل واحدها قبيلة سميت بذلك لتقابلها شبهت بقبائل الرأس وهي قطع متقابلة. وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل وقيل : الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب والنسبة إلى الشعب شعوبية بفتح الشين وهم جيل يبغضون العرب والعمائر واحدتها : عمارة بفتح العين والبطون واحدتها : بطن. والفصائل : واحدتها فصيلة. والعشائر : واحدتها : عشيرة. وقال أبو روق الشعوب الذين لا يعتزون إلى أحد بل ينتسبون إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم.
ثم ذكر تعالى علة الشعب بقوله تعالى :﴿لتعارفوا﴾ أي : ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له لا لتفاخروا ﴿إن أكرمكم﴾ أي المتفاخرون ﴿عند الله﴾ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أخبركم بكرمه ولا كمال لأحد سواه ﴿أتقاكم﴾ أي : أرفعكم منزلة عند الله أتقاكم. قال قتادة : في هذه الآية أكرم الكرم التقوى وألأم اللؤم الفجور وقال عليه الصلاة والسلام «الحسب المال والكرم التقوى » وقال ابن عباس «كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى » وعن ابن عمر «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه وهو عصا محنية الرأس فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه فقال :" الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية يعني كبرها وفخرها الناس رجل تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " وعن أبي هريرة قال «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الناس أكرم. قال : أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك. قال : فأكرم الناس يوسف نبيّ الله بن نبيّ الله بن نبيّ الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني قالوا : نعم. قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » بضم القاف على المشهور وحكى كسره ومعناه إذا تعلموا أحكام الشرع.
وقال صلى الله عليه وسلم «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم » قال الرازي في المراد بالآية : وجهان : الأول أنّ التقوى تفيد الإكرام. الثاني : أنّ الإكرام يورث التقوى كما يقال المخلصون على خطر والأول أشهر، والثاني أظهر فإن قيل : التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله صلى الله عليه وسلم «لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد » أجيب : بأنّ التقوى ثمرة العلم لقوله تعالى :﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] فلا تقوى إلا للعالم فالتقي العالم أثمر علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمر لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من التي لا تثمر، بل هي حطب. قال الحسن البصري : إنما الفقيه العامل بعلمه أي وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين » ومن قوله عز من قائل ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] فإن قيل : خطاب الناس بقوله تعالى ﴿أكرمكم﴾ يقتضي اشتراك الكل في الإكرام ولا كرامة لكافر فإنه أضلّ من الأنعام أجيب بأنّ ذلك غير لازم مع أنه حاصل لدليل قوله تعالى :﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠] لأنّ كل من خلق فقد اعترف بربه ثم من استمرّ عليه وزاد زيد في كرامته ومن رجع عنه أزيل عنه أكثر الكرامة ﴿إن الله﴾ أي : المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم بظواهركم يعلم أنسابكم ﴿خبير﴾ أي : محيط العلم ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم فجعلوا التقوى رداءكم.
ولما قال تعالى :﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ والأتقى لا يكون إلا بعد حصول التقوى وأصله الإيمان والاتقاء من الشرك ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم﴾.
الحجرات 49:14
﴿قالت الأعراب﴾ أي : أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء ﴿آمنا﴾ أي : بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ولنا النسب الخالص فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق تكذيباً لهم مع مراعاة الأدب في عدم التصريح بالتكذيب ﴿لم تؤمنوا﴾ أي : لم تصدّق قلوبكم لأنكم لو آمنتم لم تمنوا لأنّ الإيمان التصديق بجميع ما لله من الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان فله ولرسوله الذي كان ذلك على يديه المنّ والفضل ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ أي : أظهرنا الانقياد في الظاهر للأحكام الظاهرة وأمنا من أن نكون حرباً للمؤمنين وعوناً للمشركين، فأخبر الله تعالى أنّ حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب وإن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيماناً دون التصديق بالقلب والإخلاص فالإسلام هو الدخول في السلم كما يقال أشتى إذا دخل في الشتاء وأصاف إذا دخل في الصيف وأربع إذا دخل في الربيع فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان كقوله عز وجل لإبراهيم ﴿أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١] ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله تعالى :﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾ ﴿ولما يدخل الإيمان﴾ أي : المعرفة التامّة لم تدخل إلى هذا الوقت ﴿في قلوبكم﴾ فلا يعدّ إقرار اللسان إيماناً إلا بمواطأة القلب قال ابن برجان : فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين.
وعن سعد بن أبي وقاص «قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً وأنا جالس فيهم فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً منهم لم يعطه وهو أعجبهم إليّ فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته. فقلت : مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمناً. فقال صلى الله عليه وسلم أو مسلماً ذكر ذلك سعد ثلاثاً وأجابه بمثل ذلك ثم قال : إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه ».
وقال الرازي : المسلم والمؤمن واحد عند أهل السنة. فنقول الفرق بين العام والخاص : أنّ الإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان فالإسلام أعمّ لكن العامّ في صورة الخاص متحد مع الخاص، ولا يكون أمراً آخر غيره. مثاله الحيوان في صورة الإنسان أمر لا ينفك عن الإنسان فلا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيواناً ولا يكون إنساناً فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود، وكذلك المؤمن والمسلم، وسيأتي زيادة على ذلك في الذاريات إن شاء الله تعالى.
وقال الرازي : في الآية إشارة إلى بيان حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم ضعيفاً فيقال لهم : لم تؤمنوا لأنّ الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في قلوبهم وسيدخل بإطلاعهم على محاسن الإسلام انتهى. بل الإيمان دخل في قلوبهم ولكن لم يتألفوا بأهل الإسلام ؟.
تنبيه : التعبير بلما يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك ويجوز أن يكون المراد بهذا النفي نفي التمكن في القلب لا نفي مطلق الدخول بدليل إنما المؤمنون دون إنما الذين آمنوا ﴿وإن تطيعوا الله﴾ أي : الملك الذي من خالفه لم يأمن عقوبته ﴿ورسوله﴾ أي : الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر الظاهر فتؤمن قلوبكم ﴿لا يلتكم﴾ أي : لا ينقصكم ﴿من أعمالكم شيئاً﴾ بل يعطيكم ما يليق به من الجزاء لأنّ من حمل إلى ملك فاكهة طيبة قدر ثمنها في السوق ردهم فأعطاه الملك درهماً انتسب الملك إلى البخل فهو يعطي ما تتوقعون بأعمالكم وزيادة من غير نقص فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدلّ عليه من الأقوال والأفعال.
وقرأ الدوري : عن أبي عمرو بعد الياء التحتية بهمزة ساكنة وأبدلها السوسي ألفاً والباقون بغير همز ولا ألف. ولما كان الإنسان مبنياً على النقص وإن اجتهد غاية اجتهاده قال الله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته ولغيره إن شاء فلا عتاب ولا عقاب ﴿رحيم﴾ أي : يزيد على الستر عظيم الإكرام.
الحجرات 49:15
ثم بين تعالى لهم حقيقة الإيمان بقوله تعالى :﴿إنما المؤمنون﴾ أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب. قال القشيري : والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح النفوس والنفوس لا تموت ولكنها تعيش ﴿الذين آمنوا﴾ أي : صدّقوا معترفين ﴿بالله﴾ معتقدين بجميع ماله من صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ شاهدين برسالته وهذا الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما قبل الكمال المطلق وإلا لقال تعالى إنما الذين آمنوا ﴿ثم لم يرتابوا﴾ أي : لم يشكوا في دينهم وأيقنوا بأنّ الإيمان إيقان.
تنبيه : ثم للتراخي في الحكاية كأنه يقول آمنوا ثم أقول شيئاً آخر لم يرتابوا ويحتمل أن تكون للتراخي في الفعل أي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا فيما نقل النبيّ صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر ﴿وجاهدوا﴾ أي : أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفوس فيه تصديقاً لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان ﴿بأموالهم﴾ وذلك هو النية وقوله تعالى :﴿وأنفسهم﴾ أعمّ من النية وغيرها وذلك هو الشجاعة قدم الأموال لقلتها عند العرب ﴿في سبيل الله﴾ أي : طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون شغلتنا أموالنا وأهلونا. قال القشيري : جعل الله تعالى الإيمان مشروطاً بخصال ذكرها وذكر بلفظ إنما وهي للتحقيق يقتضي الطرد والعكس فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله :﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿هم الصادقون﴾ أي : في قولهم وفعلهم أنهم مؤمنون.
الحجرات 49:16
ولما نزل هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله أنهم مؤمنون صادقون وعلم الله منهم غير ذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء الأعراب مجهلاً لهم ومبكتاً ﴿أتعلمون الله﴾ أي : أتخبرون أخباراً عظيماً الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً ﴿بدينكم﴾ أي بقولكم آمنا ﴿والله﴾ أي : والحال أن الملك المحيط بكل شيء ﴿يعلم ما في السماوات﴾ كلها على عظمتها وكثرة ما فيها ﴿وما في الأرض﴾ كذلك ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بكل شيء﴾ أي مما ذكر ومما لم يذكر ﴿عليم﴾ أي : لا تخفي عليه خافية وهو تجهيل لهم وتوبيخ.
الحجرات 49:17
﴿يمنون عليك﴾ أي : يذكرون ذكر من اصطنع صنيعة وأسدى إليك نعمة ﴿أن أسلموا﴾ أي : من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال منهم ولما كان المنّ هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿قل﴾ أي : في جواب قولهم هذا ﴿لا تمنوا عليّ إسلامكم﴾ لو فرض أنكم كنتم متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع إذعان الباطن أي لا تذكروا الامتنان أصلاً لأنّ الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله تعالى فلا ينبغي عدّه صنيعة على أحد فإنّ ذلك يفسده ﴿بل الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه ﴿يمن عليكم﴾ أي : بذكر أنه أسدى إليكم نعمة ﴿أن﴾ أي : بأن ﴿هداكم للإيمان﴾ أي : فهو المانّ عليكم لا أنتم عليه وعلي.
فإن قيل : كيف منّ عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه تبين أنهم لم يؤمنوا. أجيب بأوجه : أحدها : أنه تعالى لم يقل بل الله يمنّ عليكم أن رزقكم الإيمان بل قال أن هداكم للإيمان ثانيها : أنه تعالى منّ عليهم بما زعموا فكأنه تعالى قال أنتم قلتم آمنا فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار. فقال تعالى ﴿هداكم﴾ في زعمكم.
ولهذا قال تعالى :﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : في قولكم آمنا فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله تعالى وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم. قال القشيري : من لاحظ شيئاً من أحواله فإن رآها من نفسه كان مشركاً وإن رآها لنفسه كان مكراً فكيف يمنّ العبد بما هو شرك أو مكر والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة هذا لعمري فضيحة والمنة تكدّر الصنيعة إذا كانت من المخلوقين وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله تعالى.
الحجرات 49:18
﴿إن الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يعلم غيب السماوات﴾ أي : ما غاب فيها كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله تعالى :﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون ﴿بصير﴾ أي : عالم أتم العلم ﴿بما تعملون﴾ أي : من ظاهر إسلامكم في الماضي والحاضر والآتي سواء أكان ظاهراً أم باطناً سواء أكان قد حدث فصار بحيث تعلمونه أنتم أو كان مفروزاً في جبلاتكم وهو خفيّ عنكم. وقرأ ابن كثير : بالياء التحتية على الغيبة نظراً لقوله تعالى :﴿يمنون﴾ وما بعده والباقون بالفوقية على الخطاب نظراً إلى قوله تعالى :﴿لا تمنوا عليّ إسلامكم﴾ إلى آخره وفي هذه الآية إشارة إلى أنه يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شيء.
ق 50:1
واختلف في تفسير قوله عز من قائل :﴿ق﴾ فقال ابن عباس : هو قسم. وقيل : هو اسم للسورة. وقيل : اسم من أسماء القرآن. وقال القرطبي : هو مفتاح اسمه قدير وقادر وقاهر وقريب وقابض. وقال عكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ومنه خضرة السماء والسماء مقيبة عليه وعليه كنفاها ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة قيل : متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض والسماء كهيئة القبة وعليه كنفاها. قال الرازي : وهذا القول ضعيف لوجوه : أحدها : أنّ أكثر القرّاء يقف عليها ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج لأنّ من قال ذلك قال : إنّ الله تعالى أقسم به. ثانيها : أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب عين جارية ويكتب ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: ٣٦]
وفي جميع المصاحف تكتب حرف ق. ثالثها : أنّ الظاهر كون الأمر فيه كالأمر في ص ون وحم وهي حروف لا كلمات فكذلك في ق فإن قيل : هو منقول عن ابن عباس نقول : المنقول عنه أنّ القاف اسم جبل، وأمّا أنّ المراد هاهنا ذلك فلا ا. ه.
وقيل : معناه قضى الأمر وقضى ما هو كائن كما قالوا في ﴿حم﴾ وفي ﴿ص﴾ صدق الله. قال الرازي : وقد ذكرنا أنّ الحروف تنبيهات قدّمت على القرآن ليكون السامع بسببها يقبل على استماع ما يرد على الإسماع فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق وذكرنا أيضاً أنّ العبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية ظاهرة ووجد في الجارحية ما عقل معناه ووجد فيها ما لم يعقل معناه كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ووجد في القلبية ما عقل بالدليل وعلم كالتوحيد وإمكان الحشر وصفات الله تعالى وصدق الرسل ووجد فيها ما لم يعقل ولا يمكن التصديق به لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر. والميزان الذي توزن به الأعمال.
فكذلك ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية فيها ما يعقل معناه كجميع القرآن إلا قليلاً منه وفيها ما لا يعقل ولا يفهم كل حروف التهجي ليكون التلفظ به لمحض الانقياد للأمر لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض كقولك : ربنا اغفر لنا وارحمنا بل يكون النطق به تعبداً محضاً.
ويؤيد هذا وجه آخر : وهو أنّ هذه الحروف مقسم بها لأنّ الله تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفاً لهما فإذا أقسم بالحروف التي هل أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة وآلة التعريف كان أولى، وإذا عرفت هذا فنقول القسم من الله تعالى وقع بأمر واحد كما في قوله تعالى :﴿والعصر﴾ [العصر: ١]
وقوله تعالى :﴿والنجم﴾ [النجم: ١] بحرف واحد كما في قوله تعالى :﴿ص﴾ و﴿ن﴾ ووقع بأمرين كما في قوله تعالى :﴿والضحى١ والليل إذا سجى﴾ [الضحى: ١] وفي قوله تعالى :﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١] وبحرفين كما قال في قوله تعالى :﴿طه﴾ [طه: ١] و﴿طس﴾ [النمل: ١] و﴿حم﴾ [غافر: ١] ووقع بثلاثة أمور كما في قوله تعالى :﴿والصافات صفا ١ فالزاجرات زاجرا ٢ فالتاليات﴾ [ الصافات : ١ ٣ ] وقوله تعالى :﴿والسماء ذات البروج ١ واليوم الموعود ٢ وشاهد ومشهود﴾ [ البروج : ١ ٣ ] بثلاثة أحرف كما في قوله تعالى :﴿ألم﴾ [البقرة: ١] و﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] ﴿الر﴾ [يونس: ١] ووقع بأربعة أمور كما في قوله تعالى :﴿والذاريات ذروا ١ فالحاملات وقرا ٢ فالجاريات يسرا ٣ فالمقسمات أمرا﴾ [الذاريات: ١ - ٤] وفي قوله تعالى :﴿والتين والزيتون ١ وطور سنين ٢ وهذا البلد الأمين﴾ [ التين : ١ ٣ ] وبأربعة أحرف كما في قوله تعالى :﴿المص﴾ [الأعراف: ١] و﴿المر﴾ [الرعد: ١] ووقع بخمسة أمور كما في قوله تعالى :﴿والطور ١ وكتاب مسطور ٢ رق منشور ٣ والبيت المعمور ٤ والسقف المرفوع ٥ والبحر المسجور﴾ [ الطور : ١ ٦ ] وفي قوله تعالى :﴿والمرسلات عرفا ١ فالعاصفات عصفا ٢ والناشرات نشرا ٣ فالفارقات فرقا ٤ فالملقيات﴾ [ المرسلات : ١ ٥ ] وفي النازعات وفي الفجر وبخمسة أحرف كما في قوله تعالى :﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]
و﴿حم ١ عسق﴾ [ الشورى : ١ ٢ ] ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] ولما أقسم بالأشياء المعهودة ذكر حرف القسم وهو الواو فقال :﴿والطور والنجم والشمس﴾ وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم فلم يقل وحم وق لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً به فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحرف وغيره ولم يدخل القسم بالحروف في أثناء السورة لأنه يخل بالنظم.
وقوله تعالى :﴿والقرآن﴾ أي : الكتاب الجامع الفارق ﴿المجيد﴾ أي : الذي له العلوّ والشرف والكرم والعظمة على كل كلام قسم وفي جوابه أوجه :
أحدها : قوله تعالى ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ ثانيها ﴿ما يبدل القول لديّ﴾ ثالثها :﴿ما يلفظ من قول﴾ رابعها ﴿إنّ في ذلك لذكرى﴾ خامسها ﴿بل عجبوا﴾ وهو قول كوفيّ قالوا لأنّ معناه قد عجبوا. سادسها : أنه محذوف قدّره الزجاج والمبرد والأخفش لتبعثنّ وغيرهم لقد جاءكم منذر وقدره الجلال المحلي بقوله ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
تنبيه : جوابات القسم سبعة أنّ المشدّدة كقوله تعالى :﴿والعصر ١ إنّ الإنسان لفي خسر﴾ [ العصر : ١ ٢ ]
وما النافية كقوله تعالى :﴿والضحى ١ والليل إذا سجى ٢ ما ودّعك ربك﴾ [ الضحى : ١ ٣ ] واللام المفتوحة كقوله تعالى :﴿فو ربك لنسألنهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] وإن الخفيفة كقوله تعالى ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين﴾ [الشعراء: ٩٧] ولا النافية كقوله تعالى :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨] وقد كقوله تعالى ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] وبل كقوله تعالى ﴿والقرآن المجيد﴾ ﴿بل﴾ أي أنّ تكذيبهم ليس لإنكار شيء من مجدك ولا إنكار صدقك.
ق 50:2
﴿بل﴾ لأنهم ﴿عجبوا﴾ أي : الكفار وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر شيء خارج عن سنن الاستقامة انصرف إليهم العجب تغير النفس لأمر خارج عن العادة ﴿أن جاءهم منذر منهم﴾ أي : رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد البعث واقتصر على الإنذار لأنّ المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو منّ عليه بإسلام أو غيره ولتخويف من أنكر البعث والعجب منهم هو العجب لأنّ العادة عندهم وعند جميع الناس أنه إذا كان لنذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه من الوجوه وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير وهو أحدهم خص بالرسالة دونهم ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم فلذلك أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم تعانداً وحسداً لأنهم كانوا معترفين بخصائصه التي رفعه الله تعالى بها عليهم قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى الحضيض من دركات السفه وخفة الأحلام، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشراً وأوجبوا أن يكون الإله حجراً، وعجبوا أن يعادوا من تراب لم يكن له أصل في الحياة ولذلك سبب عنه قوله تعالى :﴿فقال﴾ أي : بسبب إنذاره بالبعث ﴿الكافرون﴾ وصرح به في موضع الإضمار إيذاناً بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره ولكنهم ستروا تعدّياً برأي عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة وعبر بما دل على النذارة لأنها المقصود الأعظم من هذه السورة وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها ﴿هذا﴾ أي كون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا وكون ما أنذر به هو البعث بعد الموت ﴿شيء عجيب﴾ أي : بليغ في الخروج عن عادة أشكاله وقد كذبوا في ذلك أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم وقليل منهم من كان غريباً ممن أرسل إليه وأمّا من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جداً.
ق 50:3
ولما كان المتعجب منه مجملاً أوضحه بقوله تعالى حكاية عنهم مبالغين في الإنكار بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري. ﴿أئذا متنا﴾ ففارقت أرواحنا أبداننا ﴿وكنا تراباً﴾ لا فرق بينه وبين تراب الأرض ولما كان العامل في الظرف ما تقديره نرجع دل عليه بقوله تعالى دالاً بالإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم ﴿ذلك﴾ أي : الأمر الذي في غاية البعد وهو مضمون الخبر برجوعنا ﴿رجع﴾ أي : ردّ إلى ما كنا عليه ﴿بعيد﴾ جدّاً لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب وقرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وهي المكسورة وإدخال ألف بينها وبين الهمزة الأولى المفتوحة وقرأ ورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال وقرأ الباقون بتحقيقهما وأدخل هشام بينهما ألفاً بخلاف عنه والباقون بغير إدخال وكسر الميم من متنا نافع وحفص وحمزة والكسائي والباقون بالضم.
ق 50:4
وقوله تعالى :﴿قد علمنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿ما تنقص الأرض منهم﴾ أي : تأكل من أجزائهم المتحللة من أبدانهم بعد الموت. وقبله رد لاستبعادهم لأنّ من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجزاء الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم كان قادراً على رجعهم أحياءً كما كانوا وعنه عليه الصلاة والسلام «كل ابن آدم يبلي إلا عجب الذنب » وعن السدّي ما تنقص الأرض منهم من يموت منهم ومن يبقى. وهذه الآية تدل على جواز البعث وقدرته تعالى عليه لأنّ الله تعالى عالم بأجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء واحد بجزء الآخر قادر على الجمع والتأليف فليس الرجع منه ببعيد وهذا كقوله تعالى :﴿وهو الخلاق العليم﴾ [يس: ٨١] حيث جعل للعلم مدخلاً في الإعادة وهذا جواب ما كانوا يقولون أئذا ضللنا في الأرض أي أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فيرجعهم ويعيدهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون ﴿وعندنا﴾ أي : على مالنا من الغنى من كل شيء ﴿كتاب﴾ أي : جامع لكل شيء ﴿حفيظ﴾ أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء جل أو دق وقيل محفوظ من الشياطين ومن أن يندرس أو يغير وعلى الحالين الحفيظ هو اللوح المحفوظ. قال الرازي : والأوّل هو الأصح لأنّ الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن قال الله تعالى :﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ [الأنعام: ١٠٤] وقال تعالى ﴿حفيظ عليهم﴾ [الشورى: ٦] ولأن الكتاب للتمثيل ومعناه العلم عندي كما يكون في الكتاب فهو يحفظ الأشياء وهو مستغن عن أن يحفظ.
ق 50:5
وقوله تعالى :﴿بل كذبوا بالحق﴾ أي : الأمر الثابت الذي لا أثبت منه إضراب ثان قال الزمخشري : إضراب أتبع للإضراب الأوّل للدّلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحقّ ﴿لما﴾ أي : حين ﴿جاءهم﴾ أي : لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس حسداً منهم من غير تأمّل لما قالوه ولا تدبر ولا نظر فيه ولا تذكر فلذلك قالوا ما لا يعقل من أنّ من قدر على إيجاد شيء من العدم وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه له ﴿فهم﴾ أي : لأجل مبادرتهم إلى هذا القول السفساف ﴿في أمر مريج﴾ أي : مضطرب جدّاً مختلط من المرج الذي هو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة فهم تارة يقولون سحر وتارة كهانة وتارة شعر وتارة كذب وتارة غير ذلك، لا يثبتون على شيء واحد. والاضطراب موجب للاختلاف وذلك أدل دليل على الإبطال كما أنّ الثبات والخلوص موجب للاتفاق وذلك أدل دليل على الحقية قال الحسن : ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وكذا قال قتادة وزاد والتبس عليهم دينهم.
ق 50:6
ثم ذكر تعالى الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد بقوله تعالى :﴿أفلم ينظروا﴾ أي : بعين البصر والبصيرة ﴿إلى السماء﴾ أي : المحيطة بهم ﴿فوقهم﴾ فإن غيرها إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل ﴿كيف بنيناها﴾ أي : أوجدناها على مالنا من المجد والعز مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد ﴿وزيناها﴾ أي بما فيها من الكواكب الكبار والصغار السيارة والثابتة ﴿وما﴾ أي : والحال أن ما ﴿لها﴾ وأكد النفي بقوله تعالى :﴿من فروج﴾ أي : فتوق وطاقات وشقوق بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء.
ق 50:7
﴿والأرض﴾ أي : المحيطة بهم التي هم عليها ﴿مددناها﴾ أي : بسطناها بما لنا من العظمة ﴿وألقينا﴾ أي : بعظمتنا ﴿فيها رواسي﴾ أي جبالاً ثوابت كانت سبباً لثباتها وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق والمراسي التي تعالجونها أنتم من تحت ﴿وأنبتنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ أي الأرض وعظم قدرته بالتبعيض فقال تعالى :﴿من كل زوج﴾ أي صنف من النبات تزاوجت أشكاله ﴿بهيجٍ﴾ أي هي في غاية الرونق والإعجاب فكان مع كونه رزقاً منتزهاً.
ق 50:8
﴿تبصرةً﴾ أي : جعلنا هذه الأشياء كلها لأجل أن تنظروا بأبصاركم وتتفكروا ببصائركم فتعبروا منها إلى صانعها فتعلموا ما له من العظمة ﴿وذكرى﴾ أي : ولتذكروا بها تذكراً عظيماً بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل شيء من ذلك أنّ صانعها لا يعجزه شيء وأنه محيط بجميع صفات الكمال وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي : بالإمالة محضة. وقرأ ورش : بالإمالة بين بين والباقون بالفتح.
تنبيه : قال الرازي : يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى السماء والأرض أي خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ويدل على ذلك أنّ السماء وزينتها غير مستجدّة في كل عام فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان. وأمّا الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفها فتذكر فالسماء تبصرة والأرض تذكرة ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجوداً في كل واحد من الأمرين فالسماء تبصرة وتذكرة والأرض كذلك.
والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أنّ فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجدّدة مذكرة عند التناسي ﴿لكل عبدٍ﴾ أي : لتبصر وتذكر كل عبد بماله من النقص وبما دل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه ﴿منيبٍ﴾ أي : رجاع عما خطه إليه طبعه إلى ما يغلبه عليه عقله فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود الصفات إلى علم الذات.
ق 50:9
ثم ذكر تعالى دليلاً بقوله تعالى :﴿ونزلنا من السماء﴾ أي : المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر ﴿ماء﴾ أي شيئاً فشيئاً في أوقات وعلى سبيل التقاطر ولولا عظمتنا التي لا تضاهي لغلب بما له من الثقل والميوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المسرّة وعادت المنفعة مضرّة ﴿مباركاً﴾ أي : نافعاً جدّاً كثير لبركة وفيه حياة كل شيء، وهو المطر فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما وهو إنزال الماء من فوق وإخراج النبات من تحت ﴿فأنبتنا﴾ أي : بما لنا من القدرة الباهرة ﴿به جناتٍ﴾ من الشجر والثمر والزرع والريحان وغيره مما تجمعه البساتين فتجن أي تستر الداخل فيها ﴿وحب الحصيد﴾ أي : النجم الذي من شأنه أنه يحصد كالبر والشعير ونحوهما.
ق 50:10
وقوله تعالى :﴿والنخل﴾ منصوب عطفاً على مفعول أنبتنا أي وأنبتنا النخل وقوله تعالى ﴿باسقات﴾ أي : طوالاً حال مقدّرة لأنها وقت الإثبات لم تكن طوالاً والبسوق الطول يقال بسق فلان على أصحابه أي طال عليهم في الفضل ومنه قول أبي نوفل في ابن هبيرة :
يا ابن الذين بمجدهم؍ بسقتهم قيس فزاره؍
وهو استعارة والأصل استعماله في بسقت النخلة تبسق بسوقاً أي طالت قال الشاعر :
لنا خمر وليست خمر كرم؍ ولكن من نتاج الباسقات؍
كرام في السماء ذهبن طولا؍ وفات ثمارها أيدي الجناة؍
وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبن قبل النتاج. وقال سعيد بن جبير : باسقات : مستويات وأفردها بالذكر لفرط ارتفاعها ﴿لها طلع﴾ يجوز أن تكون الجملة حالاً من النخل أو من الضمير في باسقات ويجوز أن يكون الحال وحده لها وطلع فاعل به وقوله تعالى :﴿نضيد﴾ بمعنى منضود بعضها فوق بعض في أكمامها كما في سنبلة الزرع وهو عجيب فإنّ الأشجار الطوال ثمارها بارزة بعضها على بعض لكل واحدة منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز والطلع كالسنبلة الواحدة تكون على أصل واحد.
ق 50:11
وقوله تعالى :﴿رزقا﴾ يجوز أن يكون حالاً أي مرزوقاً ﴿للعباد﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً له وللعباد إمّا صفة وإمّا متعلق بالمصدر، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى عند ذكر خلق السماء والأرض تبصرة وذكرى وفي الثمار قال رزقاً والثمار أيضاً فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضاً منفعة غير التبصرة والتذكرة.
أجيب : بأنّ الاستدلال وقع لوجود أمرين :
أحدهما : الإعادة. والثاني : البقاء بعد الإعادة فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم والعقاب الدائم وأنكروا ذلك فقال : أما الأوّل فالله القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء وأما الثاني فلأنّ البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأولّ تبصرة وتذكرة بالخلق. والثاني : تذكرة بالبقاء والرزق ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى ﴿تبصرة وذكرى﴾ حيث ذكر ذلك بين الآيتين ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإثبات النبات.
تنبيه : لم يقيد هنا العباد بالإنابة وقيده في قوله تعالى :﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ لأنّ التذكرة لا تكون إلا للمنيب والرزق يعمّ كل أحد غير أنّ المنيب يأكل ذاكراً أو شاكراً للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص بقيد ولما كان في ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث وبجميع صفات الكمال أتبعه ماله من التذكير بالبعث بخصوصية فقال تعالى ﴿وأحيينا به﴾ أي : الماء بعظمتنا ﴿بلدةً﴾ بالتأنيث إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى النبات والخلوّ عنه وذكر ﴿ميتاً﴾ للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها أو حملاً على معنى المكان فإن قيل : ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى :﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ [يس: ٣٣] حيث أثبت الهاء هناك أجيب : بأنّ الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة : لأنّ معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأنّ الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعمروها فصارت بلدة فأسقط التاء لأنّ معنى الفاعلية غير ظاهر فتثبت فيه الهاء وإذا كان معنى الفاعل لم يظهر لا تثبت فيه الهاء.
ويحقق هذا القول قوله تعالى ﴿بلدة طيبةً﴾ [سبأ: ١٥] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعل ولم يثبت حيث لم يظهر ﴿كذلك﴾ أي : مثل الإخراج العظيم ﴿الخروج﴾ من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا إذ لا فرق بين خروج النبات بعد ما تهشم وتفتت في الأرض وصار تراباً كما كان من بين أصفره وأبيضه وأحمره وأزرقه إلى غير ذلك وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما كانوا في الدنيا
تنبيه : قال أبو حيان : ذكر تعالى في السماء ثلاثة البناء والتزيين ونفي الفروج وفي الأرض ثلاثة المدّ وإلقاء الرواسي والإنبات فقابل المدّ بالبناء لأنّ المدّ وضع والبناء رفع وإلقاء الرواسي بالتزيين بالكواكب لارتكاب كل واحد منها أي على سطح ما هو فيه والإنبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج فلا شق فيها ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة وعلى ما اختلط من جنسين فبعض الثمار فاكهة لا قوت وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت.
ق 50:12
وقوله تعالى :﴿كذبت قبلهم﴾ الآية فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتنبيه بأنّ حاله كحال من تقدّمه من الرسل كذبوا وصبروا فأهلك الله تعالى مكذبيهم ونصرهم. ولما لم يكن لهؤلاء المكذبين شهرة يعرفون بها قال تعالى :﴿قوم نوح﴾ الذين كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان نزل عليهم ماء السماء وطلع عليهم ماء الأرض فأغرقهم ووسم الفعل بالتاء إشارة إلى هو أنهم في جنب هذا المجد وأسقط الجار من قوله تعالى :﴿قبلهم﴾ إشارة إلى أنّ هؤلاء الأحزاب لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل الأرض قد استغرقوا مكانها وزمانها ثم أتبع قوم نوح بمشابهيهم بقوله تعالى :﴿وأصحاب الرس﴾ أي : البئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، ونبيهم قيل : حنظلة بن صفوان وقيل غيره فخسفت تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم وبكل مالهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان.
ثم أتبع أصحاب الرس بقوم صالح عليه السلام فقال ﴿وثمود﴾ لأنّ الرجفة التي أخذتهم مبدأ الخسف ثم أتبع ثمود بقوم هود عليه السلام فقال تعالى :﴿وعادٌ وفرعون وإخوان لوط﴾.
ق 50:13
﴿وعادٌ﴾ لأنّ الريح التي أهلكتهم أثرت بها صيحة ثمود وقال تعالى :﴿وفرعون﴾ ولم يقل قوم فرعون لأنه ليس في قادة هذه الفرق كافر غيره والنص عليه يفهم عظمته وأنه استخف قومه فأطاعوه ﴿وإخوان لوط﴾ أي : أصهاره الذين صار بينه وبينهم مع المصاهرة المناصرة بملوكهم على من قاواهم بنفسه وعمه خليل الله إبراهيم عليهما السلام ومع ذلك عاملوه بالخيانة والتكذيب.
ق 50:14
﴿وأصحاب الأيكة﴾ أي : الغيضة. وهم قوم شعيب، والغضة الشجرة الملتف بعضه على بعض ولما كان تبع الحميري واسمه سعد وكنيته أبو كرب مع كونه في قومه ملكاً قاهراً وخالفوه مع ذلك، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها فتأكل الظالم ختم بهم فقال تعالى :﴿وقوم تبع﴾ مع كونه ملكاً وهو يدعوهم إلى الله تعالى فلا يظنّ أنّ التكذيب مخصوص بمن كان قوياً لمن كان مستضعفاً بل هو واقع بمن شئنا من قوي وضعيف لا يخرج شيء عن مرادنا ﴿كلٌ﴾ أي من هذه الفرق ﴿كذب الرسل﴾ أي كلهم بتكذيب رسولهم فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار المعجز والدعاء إلى الله تعالى ﴿فحق﴾ أي : فتسبب عن تكذيبهم لهم أن ثبت عليهم ووجب ﴿وعيد﴾ أي : الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه فجعلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكاً عامّاً كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية وأتبعناه ما هو في البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى يوم البعث فثبت بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا الإحاطة البالغة فتسلّ بإخوانك المرسلين وتأس بهم وليحذر قومك ما حل بمن كذبهم أن أصرّوا.
ق 50:15
﴿أفعيينا بالخلق﴾ أي : أحصل لنا مع ما لنا من العظمة الإعياء وهو العجز بسبب الخلق في شيء من إيجاده أو إعدامه ﴿الأوّل﴾ أي : من السماوات والأرض وما بينهما حين ابتدأناه اختراعاً من العدم ومن خلق الإنسان وسائر الحيوان مجدّداً في كل أوان في الأطوار المشاهدة على هذه التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في الحياة، ومن إعدامه بعد خلقه جملة كهذه الأمم أو تدريجاً كغيرهم ﴿بل هم في لبسٍ﴾ أي : شك شديد وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى بل السكوت عنه أجمل ﴿من﴾ أي : لأجل ﴿خلقٍ جديدٍ﴾ أي : بالإعادة.
ق 50:16
ولما ذكر الخافقين أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو فيهما. فقال تعالى :﴿ولقد﴾ أي : والحال أنا قد ﴿خلقنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الإنسان﴾ وهو أعجب خلقاً وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان والذكر والنسيان والجهل والعرفان والطاعة والعصيان وغير ذلك من عجيب الشان. ووكلنا به من جنودنا من يحفظ فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله ﴿ونعلم﴾ والحال أنا نعلم بما لنا من الإحاطة ﴿ما توسوس﴾ أي : تكلم على وجه الخفاء ﴿به﴾ أي : الآن وفيما بعد ذلك ﴿نفسه﴾ مما لم نقدح بعد من خزائن الغيب إلى سرّ النفس كما علمنا ما تكلم نفسه وهي الخواطر التي تعرض له حتى أنه هو ربما عجز عن ضبطها فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن وإعجازه وصدق الرسول به صلى الله عليه وسلم وامتيازه وإنما حملهم الحسد والنفاسة والكبر والرياسة على الإنكار باللسان، حتى صار لهم ذلك خلقاً وتمادوا فيه، حتى غطى على عقولهم فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب ونحن أي بما لنا من العظمة ﴿أقرب إليه﴾ أي : قرب علم وشهود من غير مسافة ﴿من حبل الوريد﴾ لأنّ أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً ولا يحجب علم الله تعالى شيء والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدّمها متصلان من الرأس إلى الوتين وهو عرق متصل بالقلب إذا قطع مات صاحبه. وهذا مثل في فرط القرب وإضافته مثل مسجد الجامع أي حبل العرق الوريد أو لأن الحبل أعمّ فأضيف للبيان نحو بئر ساقية أو يراد حبل العاتق وأضيف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق لأنهما ما في عضو واحد. وقال البغوي : حبل الوريد : عرق الفرق وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين يتفرّق في البدن والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. قال القشيري : وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم وروح وأنس وسكون قلب لقوم.
ق 50:17
وقوله تعالى :﴿إذ يتلقى﴾ ظرف لأقرب ويجوز أن يكون منصوباً باذكر أي واذكر إذ يتلقى أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود ﴿المتلقيان﴾ أي : الملكان الموكلان بعمل الإنسان ومنطقه يحفظانه ويكتبانه حال كونهما ﴿عن اليمين﴾ لكل إنسان ﴿وعن الشمال﴾ أي : أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وقوله تعالى :﴿قعيد﴾ أي : قاعدان. مبتدأ وخبره ما قبله لأنّ فعيلاً يطلق على الواحد والمتعدّد كقوله تعالى :﴿بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم: ٤] قال ابن عادل : والأجود أن يدع حذف إما من الأوّل أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد وإما من الثاني فيكون قعيد الملفوظ به للأوّل ومثله قوله :
رماني بأمر كنت منه ووالدي؍ بريئاً ومن أجل الطويّ رماني؍
وقال مجاهد : القعيد المرصد. ونحن أعلم منهما وأقرب وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم.
ق 50:18
﴿ما يلفظ﴾ أي : يرمي ويخرج المكلف من فيه وعمم في النفي بقوله تعالى ﴿من قول﴾ جل أو قل ﴿إلا لديه﴾ أي : الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة من أغرب المستغرب ﴿رقيب﴾ من حفظتنا شديد المراعاة في كل من أحواله ﴿عتيد﴾ أي : حاضر مراقب غير غافل بوجه قال الجلال المحلي : وكل منهما بمعنى المثنى أي رقيبان عتيدان. روى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر ».
تنبيه : اختلف فيما يكتبان فقال مجاهد : يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة : لا يكتبان إلا ما يؤجر أو يوزر فيه.
فائدتان : إحداهما : قال الحسن : إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند حالتين عند غائطه وعند جماعه.
ق 50:19
الثانية : قال الضحاك : مجلسهما تحت الشعر على الحنك ومثله عن الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته.
﴿وجاءت﴾ أي : أتت وحضرت ﴿سكرة الموت﴾ أي : حالته عند النزع وشدّته وغمرته يصير المريض بها السكران لا يعي وتخرج بها أقواله وأفعاله عن قانون الاعتدال مجيئاً ملتبساً ﴿بالحق﴾ أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه. وقيل : للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال ﴿ذلك﴾ أي : هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجهد ﴿ما﴾ أي : الأمر الذي ﴿كنت﴾ أي : جبلةً وطبعاً ﴿منه تحيد﴾ أي : تميل وتنفر وتروغ وتهرب.
تنبيه : قيل الخطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم قال الرازي : وهو منكر وقيل مع الكافر قال ابن عادل : والأقوى أن يقال هو خطاب عام مع السامع وهذا أولى.
ق 50:20
وقوله تعالى :﴿ونفخ في الصور﴾ عطف على قوله تعالى :﴿وجاءت سكرة الموت﴾ وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت العامّ والبعث العامّ عند التكامل وانقطاع أوان التعامل وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى وهو عليه السلام قد التقم الصور من حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر فيا لها من عظمة ما أغفلنا وعنها أنساناً لها والمراد بهذه نفخة البعث وقوله تعالى :﴿ذلك﴾ إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله نفخ لأنّ الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه تعالى قال ذلك الزمان العظيم الأهوال والأوجال ﴿يوم الوعيد﴾ أي : للكفار بالعذاب.
ق 50:21
﴿وجاءت﴾ أي : فيه ﴿كل نفس﴾ أي مكلفة ﴿معها سائق﴾ أي ملك يسوقها إليه ﴿وشهيد﴾ يشهد عليها بعملها. قال الضحاك : السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم وهو الأيدي والأرجل وغيرها وهي رواية العوفي عن ابن عباس رضى الله عنهما وقيل : هما جميعاً من الملائكة، فالسائق كما قيل لا تعلق له بالشهادة لئلا تقول تلك النفس أنه خصم والخصم لا تقبل شهادته وقيل السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده. والشهيد هو الكاتب والسائق لازم للبرّ والفاجر أما البر فيساق إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار قال تعالى :﴿وسيق الذين كفروا﴾ [الزمر: ٧١] وقال تعالى :﴿وسيق الذين اتقوا﴾ [الزمر: ٧٣] والشهيد يشهد عليها بما عملت. تنبيه : يجوز في جملة معها سائق وشهيد أن تكون في موضع جر صفة لنفس، وأن تكون في موضع رفع صفة لكل، وأن تكون في موضع نصب على الحال من كل.
ق 50:22
ويقال للكافر :﴿لقد كنت﴾ أي : كوناً كأنه جبلة لك ﴿في غفلة﴾ أي : عظيمة محيطة بك ناشئة لك ﴿من هذا﴾ أي : من تصوّر هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب والجزاء بالثواب أو العقاب لأنه على شدّة جلائه خفي على من اتبع الشهوات ﴿فكشفنا﴾ بعظمتنا بالموت ثم البعث ﴿عنك غطاءك﴾ الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك من الغفلة بالآمال في الحال والمآل وسائر الحظوظ والشهوات ﴿فبصرك اليوم﴾ أي بعد البعث ﴿حديد﴾ أي في غاية الحدّة والنفوذ فلذا تقرّ بما كنت تنكر في الدنيا. وقال مجاهد : يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك. والمعنى : أزلنا غفلتك فبصرك اليوم جديد وكان من قبل كليلاً.
ق 50:23
واختلف في القرين في قوله تعالى :﴿وقال قرينه﴾ فأكثر المفسرين على أنه الملك الموكل به فيقول ﴿هذا ما﴾ أي : الذي ﴿لدي عتيد﴾ أي : حاضر ونقل الكرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد فزين له الكفر والعصيان. ويدل لهذا قوله تعالى :﴿وقيضنا لهم قرناء﴾ [فصلت: ٢٥] وقال تعالى :﴿نقيض له شيطاناً فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦] وقال تعالى ﴿فبئس القرين﴾ فالإشارة بهذا إلى المسوق المرتكب الفجور والفسوق. والعتيد معناه المعتدّ للنار ومعناه أن الشيطان يقول هذا العاصي هو شيء عندي معتدّ لجهنم أعددته لها بالإغواء والإضلال.
ق 50:24
وقوله تعالى :﴿ألقيا في جهنم﴾ أي : النار التي تلقى الملقي فيها بما كان يعامل به عباد الله تعالى من الكبر والعبوسة ﴿كل كفار﴾ خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد أو للملكين من خزنة النار أو الواحد وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل وتكريره كأنه قيل ألق ألق وقيل : أراد ألقيا بالنون الخفيفة فأبدلها ألفاً إجراءً للوصل مجرى الوقف وقيل العرب : تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين تأكيداً كقوله :
فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر؍ وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا؍
قال ابن عادل وقيل المأمور مثنى وهذا هو الحق لأنّ المراد ملكان يفعلان ذلك ا. ه وهو القول المتقدّم ﴿عنيد﴾ وهو المبالغ في ستر الحق والمعاداة لأهله بغير حجة حمية وأنفة نظراً إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبراً وتكبراً على ما عند غيره ازدراء له كائناً من كان.
ق 50:25
﴿مناعٍ﴾ أي : كثير المنع ﴿للخير﴾ من المال وغيره من كل معروف يعلق بالمال والمقال والفعال. وقيل المراد الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني أخيه عنه ﴿معتدٍ﴾ أي : مجاوز للحدود ﴿مريبٍ﴾ أي : داخل في الريب وهو الشك والتهمة في أهل الدين.
ق 50:26
وقوله تعالى :﴿الذي جعل مع الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿إلهاً آخر﴾ يجوز أن يكون منصوباً على الذمّ أو على البدل من كل وأن يكون مجروراً بدلاً من كفار أو مرفوعاً بالابتداء والخبر ﴿فألقياه في العذاب﴾ أي : الذي يزيل كل عذوبة ﴿الشديد﴾ ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هو الذي جعل ويكون فألقياه تأكيداً.
ق 50:27
﴿قال قرينه﴾ منادياً بإسقاط الأداة كدأب أهل القرب إيهاماً أنه منهم ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم ﴿ما أطغيته﴾ أي : ما أوقعته فيما كان فيه من الطغيان فإني لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك ﴿ولكن كان﴾ أي : بجبلته وطبعه ﴿في ضلال بعيد﴾ أي : محيط به من جميع جوانبه لا يمكن رجوعه معه فلذلك كان يبادر إلى كل ما يغضب الله تعالى.
ق 50:28
تنبيه : هذا جواب لكلام مقدّر فإن الكافر حينما يلقى في النار يقول ربنا أطغاني شيطاني فيقول ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى :﴿لا تختصموا لدي﴾ لأنّ المخاصمة تستدعي كلاماً من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة ص ﴿قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم﴾ [ص: ٦٠] إلى قوله تعالى ﴿إنّ ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾ [ص: ٦٤] قال الزمخشري : وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدّمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد.
قال الرازي : وجاءت هذه الآية بلا واو وفي الأولى بواو عاطفة لأن الأولى إشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين فإن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق وشهيد فيقول الشهيد ذلك القول وفي الثانية لم يجد هنا معنيان مجتمعان حتى تذكر الواو فإن الفاء في قوله تعالى :﴿فألقياه في العذاب﴾ لا تناسب قوله تعالى :﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته﴾ فليس هناك مناسبة مقتضية للعطف.
فإن قيل : كيف قال ما أطغيته مع أنه قال لأغوينهم أجمعين. أجيب : بأن المراد من قوله لأغوينهم أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة فلا تتركها يقال أنه يضله كذا هنا فقوله ما أطغيته أي ما كان ابتداء الغي مني.
وقوله تعالى :﴿قال﴾ أي : الله تعالى المحيط علماً وقدرة الذي حكم عليهم بذلك في الأزل ﴿لا تختصموا﴾ أي : لا توقعوا الخصومة بهذا الجدّ والاجتهاد استئناف كان قائلاً يقول فماذا قال الله تعالى. فأجيب : يقال لا تختصموا وقوله تعالى :﴿لدي﴾ أي في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين يديّ. وقوله تعالى :﴿وقد قدّمت إليكم بالوعيد﴾ أي : التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفر والعدوان جملة حالية ولا بدّ من تأويلها وذلك أن النهي في الآخرة وتقدّمه الوعيد في الدنيا. فاختلف الزمان فكيف يصح جعلها حالية وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قدّمت وزمان الصحة وزمان النهي واحد وقدّمت يجوز أن يكون بمعنى تقدمت فتكون الواو للحال ولا بدّ من حذف مضاف أي : وقد تقدّم قولي لكم ملتبساً بالوعيد ويجوز أن يكون قدمت على حاله تعدياً والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد. كقوله تعالى :﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢] على قول من قال بزيادتها هناك وقيل الباء هنا للمصاحبة كقولك اشتريت الفرس بلجامه أي معه فكأنه قال تعالى قدّمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه والإنذار.
ق 50:29
﴿ما يبدّل﴾ أي : يغير بوجه من الوجوه ﴿القول لدّي﴾ أي : الواصل إليكم من حضرتي التي لا يحيط بها أحد من خلقي وعبر بما التي هي للحاضر دون لا التي للمستقبل لأن الأوقات كلها عنده حاضرة ﴿وما أنا﴾ وأكد النفي بقوله تعالى :﴿بظلام للعبيد﴾ فأعذبهم بغير ظلم.
فإن قيل : الظلام مبالغة في الظلم ويلزم من انتفائه إثبات أصل الظلم فإذا قال القائل هو كذاب يلزم أن يكون كثير الكذب، ولا يلزم من نفيه نفي أصل الكذب، لجواز أن يقال ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحياناً. فقوله تعالى ﴿ما أنا بظلام﴾ لا يفهم منه نفي أصل الظلم وأنّ الله ليس بظالم. أجيب بأربعة أجوبة :
أحدها : أنّ الظلام بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر فتكون اللام في قوله تعالى ﴿للعبيد﴾ لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم لقوله تعالى :﴿لا ظلم اليوم﴾ [غافر: ١٧].
ثانيها : قال الزمخشري : إن ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول لو ظلمت عبدي الضعيف الذي هو محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم وما أنا بذلك فيلزم من نفي كونه ظلاماً نفي كونه ظالماً ويحقق هذا الوجه إظهار لفظ العبيد حيث قال الله تعالى :﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ أي : في ذلك اليوم الذي أملأ فيه جهنم مع سعتها حتى تصيح وتقول لم يبق فيّ طاقة بهم ولم يبق فيّ موضع لهم فهل من مزيد استفهام استنكار.
ثالثها : أنه لمقابلة الجمع بالجمع والمعنى أنّ ذلك اليوم مع أني ألقي في جهنم عدداً لا حصر له لا أكون بسبب كثرة التعذيب كثير الظلم لأنه تعالى قال :﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾.
ق 50:30
﴿يوم نقول﴾ أي على مالنا من العظمة ﴿لجهنم﴾ ولم يقل ما أنا بظلام في جميع الأزمان وخصص بالعبيد ولم يطلق فلذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ولم يلزم منه أن يكون ظالماً في غير ذلك الوقت لأنّ التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه لأنه نفي كونه ظلاماً ولم يلزم منه كونه ظالماً ونفي كونه ظلاماً للعبيد ولم يلزم منه كونه ظلاماً لغيرهم.
تنبيه : يحتمل أن يكون المراد بالعبيد الكفار كقوله تعالى :﴿يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول﴾ [يس: ٣٠] الآية والمعنى أعذبهم وما أنا بظلام لهم ويحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين.
والمعنى أنّ الله تعالى يقول : لو بدّلت قولي ورحمت الكافر لكنت في تكليف العباد ظالماً لعبادي المؤمنين لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم فلو كان ينال من لم يأت بما أتى به المؤمن ما يناله المؤمن لكان إتيان المؤمن بما أتى به من الإيمان والعبادة غير مفيد وهذا معنى قوله تعالى :﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] ويحتمل أن يكون المراد التعميم وهذا أظهر. وقوله تعالى لجهنم أي التي هي دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم ﴿هل امتلأت﴾ استفهام تحقيق لوعده عليها وهو قوله تعالى ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٩] ﴿وتقول﴾ بصورة الاستفهام كالسؤال ﴿هل من مزيد﴾ أي : قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ فهو استفهام إنكار. وقيل بمعنى الاستزادة رواه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعلى هذا يكون السؤال وهو قوله تعالى هل امتلأت قبل دخول جميع أهلها فيها.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما «أنّ الله تعالى سبقت كلمته لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها فتقول ألست قد أقسمت لتملأني فيضع قدمه عليها فيقول هل امتلأت فتقول هل من مزيد قط قط قد امتلأت وليس فيّ مزيد » وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش وفي رواية رب العزة فيها قدمه فيزوى بعضها إلى بعض وتقول : قط قط بعد ذلك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله تعالى لها خلقاً فيسكنهم فضول الجنة » ولأبي هريرة رضي الله عنه نحوه ولا يظلم الله تعالى من خلقه أحداً.
تنبيه : هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله مذهبان :
أحدهما : وهو مذهب جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في تأويلها بل نفوّض بأنها حق على ما أراد الله ورسوله ونجريها على ظاهرها أولها معنىً يليق بها وظاهرها غير مراد.
المذهب الثاني : وهو قول جمهور المتكلمين أنها تؤوّل بحسب ما يليق بها فعلى هذا اختلفوا في تأويل الحديث فقيل المراد بالقدم التقدّم وهو شائع في اللغة والمعنى يضع الله تعالى فيها من قدمه لها من أهل العذاب. وقيل : المراد به قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم. وقيل : يحتمل أن في المخلوقات من يسمى بهذه التسمية وخلقوا لها. قال القاضي عياض أظهر التأويلات أنهم استحقوها وخلقوا لها.
قال المتكلمون : ولا بدّ من صرفه عن ظاهره لقيام الدليل العقلي القطعي على استحالة الجارحة على الله تعالى وقولها قط قط أي حسبي حسبي قد اكتفيت وفيها ثلاث لغات إسكان الطاء وكسرها منوّنة وغير منوّنة.
ق 50:31
ولما ذكر النار التي هي دار الفجار وقدّمها لأنّ المقام للإنذار اتبعها دار الأبرار. فقال تعالى سارّاً لهم بإسقاط مؤنة المسير وطي مشقة البعد :﴿وأزلفت الجنة﴾ أي : قربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة ﴿للمتقين﴾ أي : الغريقين في هذا الوصف فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه في الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا. وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم غير هذا الوصف فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر. وقوله تعالى :﴿غير بعيد﴾ يجوز أن يكون حالاً من الجنة ولم يؤنث لأنها بمعنى البستان أو لأنّ فعيلاً لا يؤنث لأنه بزنة المصادر قاله الزمخشري. ومنعه أبو حيان وتقدّم الكلام على ذلك في قوله تعالى :﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦] ويجوز أن يكون منصوباً على الظرف المكاني أي مكاناً غير بعيد ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد وظاهر عبارة الزمخشري فإنه قال أو شيئاً غير بعيد فإن قيل : ما وجه التقريب والجنة مكان والأمكنة يقرب منها وهي لا تقرب. أجيب : من أوجه. أوّلها : أنّ الجنة لا تزال ولا يؤمر المؤمن في ذلك اليوم بالانتقام إليها مع بعدها لكن الله تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب.
فإن قيل : فعلى هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة فما فائدة قوله تعالى :﴿أزلفت الجنة﴾ أجيب بأن ذلك إكرام للمؤمن وبيان لشرفه وأنه ممن يمشي إليه ثانيها : قريب من الحصول في الدخول لا بمعنى القرب المكاني. ثالثها : أنّ الله تعالى قادر على نقل الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن. ويحتمل أنها أزلفت بمعنى جمعت محاسنها لأنها مخلوقة وأما بمعنى قرب الحصول لها لأنها تنال بكلمة طيبة وحسنة وخص المتقين بذلك لأنهم أحق بها.
ق 50:32
وقوله تعالى :﴿هذا﴾ أي : الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم ﴿ما﴾ أي : الأمر الذي ﴿توعدون﴾ أي : وقع الوعد لكم به في الدنيا يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون معترضاً بين البدل والمبدل منه وذلك أنّ ﴿لكل أوّاب﴾ أي : رجاع إلى طاعة الله تعالى بدل من المتقين بإعادة العامل.
ثانيهما : أن يكون منصوباً بقول مضمر ذلك القول منصوب على الحال أي مقولاً لهم. وقرأ ابن كثير : بالياء على الغيبة. والباقون : بالتاء على الخطاب ونسب أبو حيان قراءة الياء لابن كثير ولأبي عمرو وإنما هي لابن كثير فقط. وقال سعيد بن المسيب : الأوّاب هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبيّ ومجاهد هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء : هو المسبح من قوله تعالى ﴿يا جبال أوّبي معه﴾ [سبأ: ١٠] وقال قتادة : هو المصلي. وقوله تعالى ﴿حفيظ﴾ اختلف فيه. فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً : الحفيظ لأمر الله. وقال قتادة : الحفيظ لما استودعه الله تعالى من حقه. والأوّاب والحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأوب شديد الحفظ.
ق 50:33
ثم أبدل من كلٍ تتميماً لبيان المتقين قوله تعالى :﴿من خشي﴾ أي : خاف ونبه على كثرة خشيته بقوله تعالى :﴿الرحمن﴾ لأنه إذا خافه مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى وقال القشيري : التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع، قال : ولذلك لم يقل الجبار أو القهار. ويقال الخشية ألطف من الخوف فكأنها قريبة من الهيبة وقوله تعالى :﴿بالغيب﴾ حال أي غائباً عنه فيحتمل أن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما. وقيل الباء للمصاحبة أي مصاحب له من غير أن يطلب آية أو أمراً يصير به إلى حد المكاشفة بل استغنى بالبراهين القطيعة التي منها أنه مربوب وهو أيضاً بيان لبليغ خشيته ويجوز أن يكون صفة لمصدر خشي أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب ومعنى الآية من خاف الرحمن فأطاعه بالغيب ولم يره.
وقال الضحاك والسدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. وقال الحسن : إذا أرخى الستور وأغلق الباب. وقوله تعالى ﴿وجاء﴾ أي : بعد الموت ﴿بقلب منيب﴾ أي : راجع إلى الله تعالى صفة مدح لأنّ شأن الخائف أن يهرب فأما المتقي فجاء ربه لعلمه أنه لا ينجي الفرار منه والباء في ﴿بقلب﴾ إما للتعدية وإما للمصاحبة وإما للسببية، والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى :﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾ [الصافات: ٨٤] من الشرك والضمير في قوله تعالى :﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾.
ق 50:34
﴿ادخلوها﴾ عائد إلى الجنة وقوله تعالى :﴿بسلام﴾ حال من فاعل ادخلوها أي سالمين من العذاب والهموم فهي حال مقارنة أو بسلام من الله تعالى وملائكته عليهم فهي حال مقدرة كقوله تعالى ﴿فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣] كذا قيل. قال ابن عادل : وفيه نظر إذ لا مانع من مقارنة تسليم الملائكة عليهم حال الدخول بخلاف فادخلوها خالدين فإنه لا يعقل الخلود إلا بعد الدخول ﴿ذلك﴾ أي : اليوم الذي حصل فيه الدخول ﴿يوم الخلود﴾ أي : الدوام في الجنة الذي لا آخر له ولا نفاد لشيء من لذاته أصلاً ولذلك وصل به قوله تعالى جواباً لمن قال على أيّ وجه خلودهم.
ق 50:35
﴿لهم﴾ بظواهرهم وبواطنهم ﴿ما يشاؤون﴾ أي : تتجدد مشيئتهم أو يمكن مشيئتهم له ﴿فيها﴾ أي : الجنة ﴿ولدينا﴾ أي : عندنا من الأمور التي هي في غاية الغرابة عندهم وإن كان كل ما عندهم مستغرباً ﴿مزيد﴾ أي : مما لا يدخل تحت أوهامهم ليشاؤوه فإن سياق الامتنان يدل على أنّ تنوينه للتعظيم والتعبير ب﴿لدي﴾ يؤكد ذلك فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى قال :﴿ادخلوها بسلام﴾ على المخاطبة ثم قال لهم ولم يقل لكم أجيب : من وجوه أولها : أن قوله تعالى :﴿ادخلوها﴾ فيه مقدر أي فيقال لهم ادخلوها فلا يكون التفاتاً.
ثانيها : أنه التفات والحكمة الجمع بين الطرفين كأنه تعالى يقول غير مخلّ بهم في غيبتهم وحضورهم ففي حضورهم الحبور في غيبتهم الحور والقصور.
ثالثها : أنه يجوز أن يكون قوله تعالى لهم كلاماً مع الملائكة يقول للملائكة توكلوا بخدمتهم واعلموا أنّ لهم ما يشاءون فيها فأحضروا بين أيديهم ما يشاؤون وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ولا تقدرون أنتم عليه. والمزيد يحتمل أن يكون معناه الزيادة كقوله تعالى :﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول أي عندنا ما نزيده على ما يرجون ويأملون. قال أنس وجابر : وهو النظر إلى وجه الله الكريم. قيل يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل ليلة جمعة في دار كرامته فهذا هو المزيد.
ق 50:36
ولما ذكر تعالى أوّ ل السورة تكذيب الأمم السابقة ذكر هنا إهلاك قرون ماضية بقوله تعالى :﴿وكم أهلكنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿قبلهم من قرن﴾ أي : جيل هم في غاية القوة وزاد في بيان القوّة قوله تعالى :﴿هم أشدّ منهم﴾ أي : من قريش ﴿بطشاً﴾ أي : قوّة وأخذاً لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدّة.
تنبيه : كم منصوب بما بعده وقدم إما لأنه استفهام وإما لأن كم الخبرية تجري مجرى كم الاستفهامية في التصدير ومن قرن تمييز هم أشد صفة إمّا لكم وإما لقرن والفاء في قوله تعالى :﴿فنقبوا﴾ عاطفة على المعنى كأنه قيل اشتدّ بطشهم فنقبوا :﴿في البلاد﴾ والضمير في نقبوا ما للقرن المتقدّم وهو الظاهر وإما لقريش والتنقيب التنقير والتفتيش ومعناه التطواف في البلاد قال الحارث بن حلزة :
نقبوا في البلاد من حذر المو؍ ت وجالوا في الأرض كل مجال؍
وقال امرؤ القيس :
وقد نقبت في الآفاق حتى؍ رضيت من الغنيمة بالإياب؍
ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم توجه سؤال تنبيه للغافل الذاهل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله تعالى ﴿هل من محيص﴾ أي : معدل ومحيد ومهرب وإن دق من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في ردّ أمرنا.
ق 50:37
﴿إن في ذلك﴾ أي : فيما ذكر في هذه السورة من الأساليب العجيبة والطرق الغريبة ﴿لذكرى﴾ أي : تذكيراً عظيماً جدّاً ﴿لمن كان﴾ أي : كوناً عظيماً ﴿له قلب﴾ أي عقل في غاية العظمة فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتبر به ومن لم يكن كذلك فلا قلب له سليم بل له قلب لاه ﴿أو ألقى السمع﴾ أي : استمع الوعظ بغاية إصغائه حتى كأنه يرمي بشيء ثقيل من علو إلى سفل ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه في حال إلقائه ﴿شهيد﴾ أي : حاضر بكليته فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه فيتذكر.
ق 50:38
وعطف على قوله تعالى :﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ قوله تعالى :﴿ولقد خلقنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر قدرها ولا يطاق حصرها ﴿السماوات والأرض﴾ أي : على ما هما عليه من الكبر وكثرة المنافع ﴿وما بينهما﴾ من الأمور التي لا ينتظم الأمر على قاعدة الأسباب والمسببات بدونها ﴿في ستة أيام﴾ الأرض في يومين. ومنافعها في يومين والسماوات في يومين ولو شاء لكان ذلك في أقل من لمح البصر ولكنه تعالى سنّ لنا التأنّي بذلك ﴿وما مسنا﴾ لأجل مالنا من العظمة أدنى مس. وعمم في النفي فقال تعالى :﴿من لغوب﴾ أي : إعياء فإنه لو كان لاقتضى ضعفاً فاقتضى فساداً فكان من ذلك شيء على غير ما أردناه فكأن تصرفنا فيه غير تصرفنا في الباقي وأنتم تشاهدون الأمر في الكل على حد سواء من نفوذ الأمر وتمام التصرّف.
ق 50:39
﴿فاصبر﴾ يا أشرف الخلق ﴿على ما يقولون﴾ أي : اليهود وغيرهم من إنكار البعث والتشبيه وغير ذلك فإنّ من قدر على خلق العالم بلا إعياء قدر على البعث وغيره ﴿وسبح﴾ أي : أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي : بإثبات الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر المحسن إليك بجميع هذه البراهين التي خصك بها مفضلاً لك على جميع الخلق وقوله تعالى :﴿قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ إشارة إلى طرفي النهار.
ق 50:40
وقوله تعالى :﴿ومن الليل فسبحه﴾ إشارة إلى زلفى من الليل وتقريره أنه صلى الله عليه وسلم كان مشتغلاً بأمرين أحدهما عبادة الله تعالى والثاني هداية الخلق فإذا لم يهتدوا قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة قبل الطلوع وقبل الغروب، لأنهما وقتا اجتماعهم ويكون المراد بقوله تعالى : ومن الليل أوّله لأنه أيضاً وقت اجتماعهم وقال أكثر المفسرين قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل العشاءان والتهجد ﴿وأدبار السجود﴾ التنقل بعد المكتوبات وقيل : الوتر بعد العشاء وقال مجاهد ومن الليل : يعني صلاة الليل أيّ وقت صلى. وقرأ نافع وابن كثير وحمزة بكسر الهمزة على أنه مصدر قام مقام ظرف الزمان كقولهم آتيك خفوق النجم وخلافة الحجاج ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انقضائها وتمامها والباقون بالفتح جمع دبر وهو آخر الليل وعقبها ومنه قول أوس :
على دبر الشهر الحرام بأرضنا؍ وما حولها جدب سنون تلمع؍
ولم يختلفوا في وأدبار النجوم وقوله تعالى : وأدبار معطوف إما على قبل الغروب وإما على من الليل وقال عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما : إدبار السجود الركعتان بعد صلاة المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر وهي رواية العوفيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما وروي عنه مرفوعاً. قال البغوي : هذا قول أكثر المفسرين عن عائشة رضي الله عنها قالت :«ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين أمام الصبح » وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها » يعني بذلك سنة الفجر وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد » وعن مجاهد وأدبار السجود : هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبر ثلاثاً وثلاثين وحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين فذاك تسعة وتسعون ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر » وعنه أيضاً «أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم فقال صلى الله عليه وسلم وما ذاك فقالوا : صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال قال أفلا أخبركم بأمر تدركون به من قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد مثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون في دبر كل صلاة عشراً وتحمدون عشراً وتكبرون عشراً ».
ق 50:41
وقوله تعالى :﴿واستمع﴾ أي : لما أخبرك به من أحوال القيامة فيه تهويل وتعظيم للمخبر به والمحدّث عنه. كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل «يا معاذ اسمع ما أقول ثم حدّثه بعد ذلك » وقوله تعالى ﴿يوم﴾ ظرف لاستمع أي استمع ذلك في يوم ﴿ينادي المنادي﴾ أي : إسرافيل يقف على صخرة ببيت المقدس فينادي بالحشر فيقول : أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل : المنادي جبريل ﴿من مكان قريب﴾ بحيث يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من قرب يكونون في السماع سواء، لا تفاوت بينهم أصلاً. واختلف في ذلك المكان القريب. فأكثر المفسرين : أنه صخرة بيت المقدس فإنها أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض. وقيل : من تحت أقدامهم. وقيل : من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية.
ق 50:42
وقوله تعالى :﴿يوم يسمعون الصيحة﴾ بدل من يوم ينادي والصيحة النفخة الثانية وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ حال من الصحية أي متلبسة بالحق أو من الفاعل أي يسمعون ملتبسين بسماع حق ﴿ذلك﴾ أي : اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء المؤمنين الجدّ ﴿يوم الخروج﴾ أي : الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى المحشر وهو من أسماء يوم القيامة.
ق 50:43
﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿نحن﴾ أي : خاصة ﴿نحيي ونميت﴾ أي : نجدد ذلك شيئاً بعد شيء سنة مستقرّة وعادة مستمرّة كما تشاهدونه فقد كان منا بالإحياء الأوّل المبدأ ﴿وإلينا﴾ أي : خاصة بالإماتة ثم الأحياء ﴿المصير﴾ أي : في الآخرة. وقيل تقديره نميت في الدنيا ونحيي في الآخرة للبعث. وإلينا المصير بعد البعث.
ق 50:44
وقوله تعالى :﴿يوم﴾ يدل من يوم قبله وما بينهما اعتراض. وقرأ ﴿تشقق الأرض﴾ نافع وابن كثير وابن عامر بتشديد الشين والباقون بالتخفيف ﴿عنهم﴾ أي : مجاوزة لهم بعد أن كانوا في بطنها فيخرجون منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء حال كونهم ﴿سراعاً﴾ أي : إجابة منادينا وهو جمع سريع وأشار إلى عظمة الأمر بقوله تعالى ﴿ذلك﴾ أي : الإخراج العظيم جدّاً ﴿حشر﴾ أي : جمع بكره وزاد في بيان عظمة هذا الأمر بدلالته على اختصاصه بتقدم الجار فقال تعالى :﴿علينا﴾ أي : خاصة ﴿يسير﴾ فكيف يتوقف فيه عاقل فضلاً عن أن ينكره وأما غيرنا فلا يمكنه ذلك بوجه.
تنبيه : علينا متعلق بيسير ففصل بمعمول الصفة بينها وبين موصوفها ولا يضرّ ذلك. وقال الزمخشريّ : التقديم للاختصاص وهو ما أشرت إليه أي لا يتيسر ذلك إلا على الله تعالى وحده وهو إعادة جواب قولهم ذلك رجع بعيد.
ق 50:45
وقوله تعالى :﴿نحن أعلم﴾ أي : عالمون ﴿بما يقولون﴾ أي : في الحال والاستقبال من التكذيب بالبعث وغيره تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ أي : بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما أنت منذر وقد فعلت ما أمرت به ونحن القادرون على ردهم بما لنا من العلم المحيط وهذا قبل الأمر بالقتال ﴿فذكر﴾ أي : بطريق البشارة والنذارة ﴿بالقرآن﴾ أي : الجامع بمجده لكل خير المحيط بكل صلاح ﴿من يخاف وعيد﴾ فإنه لا ينتفع به غيره وهم المؤمنون. وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الدال وصلاً لا وقفاً وحذفها الباقون وصلا ووقفاً.
الذاريات 51:1
ولما ختم الله سبحانه وتعالى ق بالتذكير بالوعيد افتتح هذا بالقسم البالغ على صدقه، فقال عز من قائل مناسباً بين القسم والمقسم عليه :﴿والذاريات﴾ أي : الرياح تذرو التراب وغيره، وقيل : النساء الوالدات، فإنهنّ يذرين الأولاد، وقوله تعالى ﴿ذروا﴾ منصوب على المصدر المؤكد والعامل فيه فرعه وهو اسم الفاعل والمفعول محذوف اقتصاراً، يقال : ذرت الريح التراب وأذرته.
الذاريات 51:2
﴿فالحاملات﴾ أي : السحب تحمل الماء وقيل : الرياح الحاملة للسحاب وقيل النساء الحوامل وقوله تعالى :﴿وقراً﴾ أي : ثقلاً مفعول به بالحاملات كما يقال حمل فلان عدلاً ثقيلاً، قال الرازي : ويحتمل أن يكون اسماً أقيم مقام المصدر كقوله : ضربته سوطاً.
الذاريات 51:3
﴿فالجاريات﴾ أي : السفن، وقيل : الرياح الجارية في مهابها، وقيل الكواكب التي تجري في منازلها، وقوله تعالى :﴿يسراً﴾ أي : بسهولة، مصدر في موضع الحال أي ميسرة.
الذاريات 51:4
﴿فالمقسّمات﴾ أي الملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد والبلاد وقوله تعالى :﴿أمراً﴾ يجوز أن يكون مفعولاً به كقولك : فلان قسم الرزق أو المال، وأن يكون حالاً، أي : مأمورة، وهذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على بابها من عطف المتغايرات والفاء للترتيب في القسم لا في المقسم به، قال الزمخشريّ : ويجوز أن يراد الرياح وحدها ؛ لأنها تنشئ السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجوّ جرياً سهلاً، وعلى هذا يكون من عطف الصفات والمراد واحد فتكون الفاء على هذا لترتيب الأمور في الوجود وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو على المنبر : سلوني، قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي فقام ابن الكواء فقال : ما الذاريات ؟ قال : الرياح، قال : فالحاملات وقراً قال : السحاب، قال : فالجاريات يسراً، قال : الفلك قال : فالمقسمات أمراً، قال : الملائكة وكذا عن ابن عباس وعن الحسن المقسمات السحاب يقسم الله تعالى بها أرزاق العباد وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد الرياح لا غير، لأنها تنشئ السحاب وتقله وتصرفه وتجري في الجوّ جرياً سهلاً وتقسم الأمطار بتصريف السحاب.
فإن قيل : إن كان وقراً مفعولاً فلم لم يجمع ؟ وقيل : أوقاراً أجيب بأن جماعة من الرياح قد تحمل وقراً واحداً وكذا القول في المقسمات أمراً إذا قيل إنه مفعول به لأنّ جماعة من الملائكة قد تجتمع على أمر واحد.
فائدة : أقسم الله تعالى بجمع السلامة المؤنث في خمس سور ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورة أصلاً فلم يقل والصالحين من عبادي ولا المقربين إلى غير ذلك مع أنّ المذكر أشرف لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل.
الذاريات 51:5
ولما كانوا يكذبون بالوعيد أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال تعالى :﴿إنّ ما توعدون لصادق﴾ أي مطابق الإخبار به للواقع وسترون مطابقته له.
تنبيه : ما يجوز أن تكون اسمية وعائدها محذوف أي توعدونه وأن تكون مصدرية فلا عائد على المشهور وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مبنياً من الوعد وأن يكون مبنياً من الوعيد، لأنه يصلح أن يقال أوعدته فهو يوعد ووعدته فهو يوعد لا يختلف فالتقدير : إن وعدكم أوان وعيدكم.
الذاريات 51:6
﴿وإن الدين﴾ أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم البعث ﴿لواقع﴾ لا بدّ منه وإن أنكرتم.
الذاريات 51:7
﴿والسماء ذات الحبك﴾ قال ابن عباس وقتادة وعكرمة : ذات الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد ما أحسن حبكه، وقال سعيد بن جبير : ذات الزينة، أي : المزينة بزينة الكواكب، قال الحسن : حبكتها النجوم وقال مقاتل والكلبي والضحاك ذات الطريق كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد وهو آثار تثنيه وتكسره قال زهير :
مكلل بأصول النجم تنسجه؍ ريح خريق لضاحي مائه حبك؍
والحبك يحتمل أن يكون مفرده حبيكة كطريقة وطرق أو حباك نحو حمار وحمر قال الشاعر :
كأنما جللها الحوّاك؍ ظننته في وشيها حباك؍
وأصل الحبك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدرع : محبوكة.
الذاريات 51:8
وجواب القسم ﴿إنكم﴾ يا معشر قريش ﴿لفي قول﴾ محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق ﴿مختلف﴾ فتقولون في القرآن سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد صلى الله عليه وسلم ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكاذب.
الذاريات 51:9
﴿يؤفك﴾ أي يصرف ﴿عنه﴾ أي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أو القرآن أي عن الإيمان بذلك ﴿من أفك﴾ أي صرف عن الهداية في علم الله تعالى ومعناه حينئذ الذم، وقيل : إنه مدح للمؤمنين ومعناه يصرف عن القول المختلف من يصرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي.
الذاريات 51:10
﴿قتل﴾ أي لعن ﴿الخراصون﴾ أي الكذابون وهم الذين لا يجزمون بأمر بل هم شاكون متحيرون وهم أصحاب القول المختلف.
ثم وصفهم الله تعالى فقال تعالى :﴿الذين هم في غمرة ساهون﴾
الذاريات 51:11
﴿الذين هم﴾ أي خاصة ﴿في غمرة﴾ أي جهل يغمرهم ﴿ساهون﴾ أي غريقون في السهو وهو النسيان والغفلة والحيرة وذهاب القلب إلى غير ما يهمه، ففاعل ذلك ذو ألوان متخالفة من هول ما هو فيه وشدة كربه.
الذاريات 51:12
﴿يسألون﴾ النبيّ استهزاءً ﴿أيان﴾ أي متى وأي حين ﴿يوم الدين﴾ أي وقوع الجزاء الذي تخبرنا به ولولا أنهم بهذه الحالة لتذكروا من أنفسهم أنه ليس أحد منهم يترك عبيده وإجراءه في عمل من الأعمال إلا وهو يحاسبهم على أعمالهم، وينظر قطعاً في أحوالهم ويحكم بينهم في أقوالهم وأفعالهم فكيف الظن بأحكم الحاكمين أن يترك عبيده الذين خلقهم على هذا النظام المحكم وأبدع لهم هذين الخافقين وهيأ لأجلهم فيهما كل ما يحتاجون إليه فيتركهم سدى ويوجدهم عبثاً ؟.
الذاريات 51:13
وقوله تعالى :﴿يوم هم﴾ منصوب بمضمر، أي : الجزاء كائن يوم هم ﴿على النار يفتنون﴾ أي يعذبون فيها جواب لسؤالهم أيان يوم الدين، وقال الرازي يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون جواباً عن قولهم أيان يقع فكما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب للعلم، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين، بل قال ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فجهلهم بالثاني أقوى من جهلهم بالأوّل، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى، فلو قال قائل : متى يقدم زيد فلو أجيب بقوله : يوم يقدم رفيقه، ولا يعلم يوم قدوم الرفيق لم يصح هذا الجواب.
الذاريات 51:14
ثانيهما : أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه في قوله تعالى :﴿ذوقوا فتنتكم﴾ أي تعذيبكم فإن قيل : هذا يفضي إلى الإضمار أجيب : بأن الإضمار لا بدّ منه لأنّ قوله تعالى :﴿ذوقوا فتنتكم﴾ لا يتصل بما قبله إلا بإضمار يقال ﴿هذا﴾ أي العذاب الملون ﴿الذي كنتم به تستعجلون﴾ في الدنيا استهزاء.
الذاريات 51:15
ولما بين تعالى حال المجرمين بين بعده حال المتقين فقال تعالى :﴿إن المتقين﴾ أي الذين كانت التقوى لهم وصفاً ثابتاً ﴿في جنات﴾ أي بساتين عظيمة تجن داخلها أي تستره من كثرة ظلالها لكثرة أشجارها وعظمها ﴿وعيون﴾ جارية في خلال الجنان.
تنبيه : المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك وأعلاها أن يتقي الدنيا والآخرة، وأدنى درجات المتقي الجنة فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة.
وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائيّ بكسر العين والباقون بالضم.
الذاريات 51:16
وقوله تعالى :﴿آخذين﴾ حال من الضمير في خبر إن. وقوله تعالى :﴿وما آتاهم ربهم﴾ أي المحسن إليهم المدبر لهم بتمام علمه وشامل قدرته إن كان مما في الجنة فتكون حالاً حقيقية وإن كان مما آتاهم من أمره ونهيه في الدنيا فتكون حالاً محكية لاختلاف الزمانين.
تنبيه : اعلم أن الله تعالى وحد الجنة تارة قال تعالى :﴿مثل الجنة﴾ [الرعد: ٣٥] وأخرى جمعها كقوله تعالى هنا :﴿إنّ المتقين في جنات﴾ وتارة ثناها قال تعالى :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦]
والحكمة فيه أنّ الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فإنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنات لا يحصرها عدد وأما تثنيتها فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في سورة الرحمن وهو قوله تعالى :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] فقيل : جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته، وقيل جنة لخائف الإنس وجنة لخائف الجن فيكون من باب التوزيع قال الرازي : غير أنا نقول هاهنا إنّ الله تعالى عند الوعد وحد الجنة وكذلك عند الشراء فقال تعالى ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجنات ثم يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود.
ومعنى آخذين : قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له وقيل : قابلين قبول رضا كقوله تعالى ﴿ويأخذ الصدقات﴾ [التوبة: ١٠٤] أي يقبلها قاله الزمخشريّ وقوله تعالى :﴿ويأخذ الصدقات إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ إشارة إلى أنهم أخذوها بثمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما لدخول الجنة وإما لإيتاء الله تعالى وإمّا ليوم الدين والإحسان يكون في معاملة الخالق والخلائق وقيل : هو قول لا إله إلا الله ولهذا قيل. في معنى كلمة التقوى : إنها لا إله إلا الله وفي قوله تعالى :﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾ [فصلت: ٣٣] وقوله تعالى :﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]
هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. ثم فسر إحسانهم معبراً عنه بما هو في غاية المبالغة بقوله تعالى :﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجون﴾.
الذاريات 51:17
﴿كانوا﴾ أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم مطبوعين فيه ﴿قليلاً من الليل﴾ الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات ﴿ما يهجعون﴾ أي يفعلون الهجوع وهو النوع الخفيف القليل بالليل فما ظنك بما فوقه فما مزيدة ويهجعون خبر كان وقليلاً ظرف أي : ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره، وقال ابن عباس رضي الله عنه كانوا قلّ ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئاً إما من أوّلها أو من وسطها، وعن أنس بن مالك كانوا يصلون من المغرب إلى العشاء، وقال محمد بن علي : كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة، وقال مطرف بن عبد الله : قلّ ليلة أتت عليهم هجوعاً كلها وقال مجاهد : كانوا لا ينامون كل الليل.
ووقف بعضهم على قليلاً ليؤاخي بها قوله تعالى ﴿وقليل ما هم﴾ [ص: ٢٤] و﴿قليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] ويبتدئ من الليل ما يهجعون أي ما يهجعون من الليل والمعنى : كانوا من الناس قليلاً ثم ابتدأ فقال : ما يهجعون من الليل وجعله جحداً أي لا ينامون بالليل البتة بل يقومون للصلاة والعبادة وهو قول الضحاك ومقاتل، وقيل : إنّ ما بمعنى الذي وعائدها محذوف تقديره : كانوا قليلاً من الليل الوقت الذي يهجعونه وهذا فيه تكلف ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصراً.
الذاريات 51:18
قال تعالى دالاً على ذلك وعلى أن تهجدهم متصل بآخر الليل :﴿وبالأسحار﴾ قال ابن زيد : السحر السدس الأخير من الليل ﴿هم﴾ أي : دائماً بظواهرهم وبواطنهم ﴿يستغفرون﴾ أي : يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم «لا أحصي ثناء عليك » وإبراز الضمير دلّ على أنّ غيرهم لو فعل هذا ليلة لا عجب بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه، وعلى أنّ استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث يظنّ أنهم أحق بالتذلل من المصرّين على المعاصي، فإنّ استغفارهم ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ماله سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه تعالى لا يقدر حق قدره.
تنبيه : بالأسحار متعلق بيستغفرون والباء بمعنى في وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل.
وقال الكلبي ومجاهد : بالأسحار يصلون وذلك أنّ صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة روى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ينزل الله إلى السماء كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول أنا الملك أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له، من الذي يسألني فأعطيه من الذي يستغفرني فأغفر له » وهذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان :
أحدهما : وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمّر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل وترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب سبحانه عن صفات الأجسام.
المذهب الثاني : وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أنّ الصعود والنزول من صفات الأجسام فالله تعالى منزه عن ذلك فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة والألطاف الإلهية والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف وتخصيصه بالثلث الأخير من الليل، لأنّ ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر الناس وعن ابن عباس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتهجد قال : اللهمّ لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت » وزاد في رواية «وما أنت أعلم به مني أنت المقدّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك » زاد النسائي «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ».
الذاريات 51:19
ولما ذكر تعالى معاملتهم للخالق أتبعه المعاملة للخلائق تكميلاً لحقيقة الإحسان فقال تعالى :﴿وفي أموالهم﴾ أي كل أصنافها ﴿حق﴾ أي نصيب ثابت ﴿للسائل﴾ أي الذي ينبه على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف ﴿والمحروم﴾ وهو المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس ولا يُفطن له ليُتصدّق عليه وهذه صفة أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم، فالمحسنون يعرفون صاحب الوصف لما لهم من ناقد البصيرة ولله تعالى بهم العناية، وقدم السائل لأنه يعرف بسؤاله أو يكون إشارة إلى كثرة العطاء فيعطي السؤال، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلاً ومسؤولاً.
وقيل قدّم السائل لتجانس رؤوس الآي. وقيل : السائل هو الآدمي، والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحترمة قال صلى الله عليه وسلم «في كل كبد حراء أجر » وهذا ترتيب حسن لأنّ الآدمي مقدّم على البهائم، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب : السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهم ولا يجري عليه من الفيء شيء، وقال قتادة والزهري : المحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس وقال زيد بن أسلم : المحروم هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته وهو قول محمد بن كعب القرظي قال : المحروم صاحب الجائحة ثم قرأ ﴿إنا لمغرمون ٦٦ بل نحن محرومون﴾ [ الواقعة : ٦٦ ٦٧ ].
الذاريات 51:20
﴿وفي الأرض﴾ أي من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها ﴿آيات﴾ أي دلالات على قدرة الله تعالى ووحدانيته ﴿للموقنين﴾ أي الذين صار الإيقان لهم غريزة ثابتة فهم لذلك يتفطنون لرؤية ما فيها قال القشيري : من الآيات فيها أنها تحمل كل شيء، فكذلك العارف يحمل كل أحد ومن استثقل أحداً أو تبرم برؤية أحد فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته الخلق بعين التفرقة، وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومن الآيات فيها أنه يلقي عليها كل قذر وقمامة فتنبت كل زهر ونور فكذلك العارف بتشرّب ما يسقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل خلق حسن عليّ وشيمة زكية.
الذاريات 51:21
﴿وفي أنفسكم﴾ آيات أيضاً من مبدإ خلقكم إلى منتهاه، وما في تركيب خلقكم من العجائب ﴿أفلا تبصرون﴾ أي : بأبصاركم وبصائركم فتتأمّلوا ما في ذلك من الآيات فمن تأمّلها علم أنه عبد، ومتى علم ذلك علم أن له ربّاً غير محتاج إلى أحد.
الذاريات 51:22
﴿وفي السماء﴾ أي : جهة العلو ﴿رزقكم﴾ بما يأتي من المطر والرياح والحرّ والبرد وغير ذلك مما رتبه سبحانه وتعالى لمنافع العباد، وقال ابن عباس يعني بالرزق المطر لأنه سبب الأرزاق، وقيل : في السماء رزقكم مكتوب وقيل تقدير الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت ﴿وما توعدون﴾ قال عطاء : من الثواب والعقاب وقال مجاهد : من الخير والشرّ وقال الضحاك : من الجنة والنار.
الذاريات 51:23
ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال عز من قائل :﴿فوربّ﴾ أي : مبدع ومدبر ﴿السماء والأرض﴾ أي : وما أودع فيهما مما علمتموه وما لم تعلموه ﴿إنه﴾ أي : الذي توعدونه من الخير والشرّ والجنة والنار وما ذكر من أمر الرزق وما تقدّم الإقسام عليه ﴿لحق﴾ أي ثبات يطابقه الواقع ﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ أي مثل نطقكم كما أنه لا شك في أنكم تنطقون ينبغي لكم أن لا تشكوا في تحقيق ذلك وقال بعض الحكماء : معناه أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه ولا يمكن أن ينطق بلسان غيره، كذلك كل أحد يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره وأنشدوا في المعنى :
ما لا يكون فلا يكون بحيلة؍ أبداً وما هو كائن سيكون؍
سيكون ما هو كائن في وقته؍ وأخو الجهالة مكمد مغبون؍
وقيل : معناه إنّ القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما تتكلمون، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة برفع اللام على أنه نعت لحق، وما مزيدة وأنكم مضاف إليه أي لحق مثل نطقكم ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة لأنها لا تتعرف بذلك لإبهامها، والباقون بالنصب على أنه نعت لحق أيضاً كما في القراءة الأولى : وإنما بنى الاسم لإضافته إلى غير ممكن كما بناه القائل في قوله :
فتداعى منخراه بدم؍ مثل ما أثمر حماض الجبل؍
يفتح مثل مع أنها نعت لدم وقيل أنها نعت لمصدر محذوف أي لحق حقاً مثل نطقكم.
الذاريات 51:24
وقوله تعالى :﴿هل أتاك﴾ أي يا أكمل الخلق ﴿حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتبشير له بالفرج وسماهم ضيفاً ؛ لأنه حسبهم كذلك ويقع على الواحد والجمع لأنه مصدر، وسماهم مكرمين عند الله تعالى، أو لأنّ إبراهيم عليه السلام أكرمهم بأن عجل قراهم وأجلسهم في أكرم المواضع واختيار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبيّ صلى الله عليه وسلم مأموراً بأن يتبع ملته وكان إبراهيم عليه السلام أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : لأنّ إبراهيم عليه السلام خدمهم بنفسه، وعن ابن عباس سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين، وقال صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ».
فإن قيل : إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار، فأي فائدة في حكاية الضيافة ؟ أجيب : بأنّ في ذلك إشارة إلى أنّ الفرج في حق الأنبياء والبلاء على الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا كقوله تعالى :﴿فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ [الزمر: ٢٥] فلم يكن عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته قال القشيري : وقيل كان عددهم اثني عشر ملكاً وقيل : جبريل عليه السلام وكان معه تسعة وقيل : كانوا ثلاثة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها.
الذاريات 51:25
﴿إذ﴾ أي حديثهم حين ﴿دخلوا عليه﴾ أي دخول استعلاء مخالف لدخول بقية الضيوف، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند الدال والباقون بالإدغام.
تنبيه : اختلف في العامل في إذ على أربعة أوجه : أحدها : أنه حديث أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. ثانيها : أنه منصوب بما في ضيف من معنى الفعل، لأنه في الأصل مصدر ولذلك استوى فيه الواحد المذكر وغيره، كأنه قيل : الذين أضافهم في وقت دخولهم عليه. ثالثها : أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى يقول : أكرموا إذ دخلوا. رابعها : أنه منصوب بإضمار اذكر، ولا يجوز نصبه بأتاك لاختلاف الزمانين.
فإن قيل : إنما أرسلوا إلى قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام ؟ أجيب من وجهين : أحدهما : أن إبراهيم عليه السلام شيخ المرسلين ولوط من قومه، وعادة الملك إذا أرسل رسولاً لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول له : اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. ثانيهما : أن إبراهيم عليه السلام كان شديد الشفقة حليماً فكان يشق عليه إهلاك أمّة عظيمة، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على العباد، فقال لهم : بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف من هلك ويكون من صلبه فروع الأنبياء عليهم السلام ﴿فقالوا سلاماً﴾ أي هذا اللفظ. ﴿قال سلامٌ﴾ أي : هذا اللفظ، والمشهور أنّ السلام الأوّل المراد به التحية أن نسلم سلاماً، وقيل : إن سلاماً معناه حسناً ؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو ويأثم، فكأنهم قالوا قولاً حسناً سليماً من الإثم فيكون مفعولاً به، لأنه في معنى القول، وأمّا رفع الثاني فالمشهور أنه التحية فهو مبتدأ وخبره محذوف أي عليكم، وقيل : إنه السلامة، أي : أمري سلام لأني لا أعرفكم، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام والباقون بفتح السين واللام وألف بعدها والمعنى واحد.
وقوله تعالى :﴿قوم منكرون﴾ أي غرباء لا أعرفهم قال ذلك في نفسه كما قاله ابن عباس خبر مبتدأ مقدّر أي هؤلاء. وقيل : إنما أنكر أمرهم ؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان وقال أبو العالية : أنكر إسلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.
الذاريات 51:26
﴿فراغ﴾ أي ذهب في خفية من ضيفه، فإنّ من آداب المضيف أن يبادر بالقرى حذراً من أن يكفه الضيف أو يصير منتظراً ﴿إلى أهله﴾ أي الذين عندهم بقرة ﴿فجاء بعجل﴾ أي فتى من أولاد البقر لأنه كان عامة ماله البقر ﴿سمين﴾ قد شواه وأنضجه كما قال تعالى في سورة هود ﴿حنيذ﴾ [هود: ٦٦] أي : مشوي.
الذاريات 51:27
﴿فقرّبه إليهم﴾ بأن وضعه بين أيديهم ليأكلوا فلم يأكلوا ﴿قال ألا تأكلون﴾ والهمزة إمّا للإنكار عليهم في عدم أكلهم، وإمّا للعرض وإمّا للتحضيض فلم يجيبوا.
الذاريات 51:28
﴿فأوجس﴾ أي أضمر في نفسه ﴿منهم خيفة﴾ لما رأى إعراضهم على طعامه لظنه أنهم جاؤوه لشرّ. وقيل : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا بعذاب فلما عرفوا منه ذلك ﴿قالوا﴾ مؤنسين له ﴿لا تخف﴾ وأعلموه أنهم رسل الله ﴿وبشروه بغلام﴾ يأتيه على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السنّ بعد عقمها وهو إسحاق عليه السلام ﴿عليم﴾ أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه، فإنّ جميع الأنبياء بعده من ذريته إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه من ذرية إسماعيل عليه السلام.
تنبيه : ذكر هاهنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضيف ولقاءه بالوجه الحسن والمبالغة في الإكرام بقوله سلام وهو آكد وسلامهم بالمصدر في قوله سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم، لأنّ الامتناع من الطعام يدل على العداوة، والغدر لا يليق بالأنبياء فقال : سلام أي امرئ مسالمة ثم فيها من آداب المضيف تعجيل الضيافة فإنّ الفاء في قوله فراغ تدل على التعقيب وإخفائها.
لأن الروغان يقتضي الإخفاء وغيبة المضيف عن الضيف ليستريح ويأتي بما يمنعه الحياء منه ويخدم الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله سمين، ويقدّم الطعام للضيف في مكانه ولا ينقل الضيف للطعام لقوله قربه إليهم، ويعرض الأكل عليه ولا يأمره لقوله تعالى ﴿قال ألا تأكلون﴾ ولم يقل كلوا وسروره بأكله لا كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاماً كثيراً، ويجعل نظره ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه لقوله تعالى :﴿فأوجس منهم خيفة﴾ لعدم أكلهم.
ومن آداب الضيف إذا حضر الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضرّاً به أو يكون ضعيف القوّة عن هضم ذلك الطعام أن لا يقول هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل يأتي بعبارة حسنة ويقول : فيّ مانع من أكل الطعام لأنهم أجابوه بقولهم ﴿لا تخف﴾ ولم يذكروا في الطعام شيئاً ولا أنه يضر بهم بل بشروه بالولد إشعاراً بأنهم ملائكة وبشروه بالأشرف وهو الذكر، حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ثم وصفوه بالعلم دون المال والجمال ؛ لأنّ العلم أشرف الصفات.
ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسرّه دفعة واحدة لأنه يورث مرضاً لأنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم ثم قالوا نبشرك فإن قيل : قال تعالى في سورة هود ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ [هود: ٧٠] فدل على أنّ إنكاره، حصل بعد تقريب العجل إليهم وهاهنا قال ﴿فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون﴾ ثم قال ﴿فراغ إلى أهله﴾ بفاء التعقيب وذلك يدل على أنّ تقريب الطعام منهم بعد حصول إنكاره فما وجهه ؟ أجيب بأن يقال لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس في الشكل والهيئة ولذلك قال ﴿قوم منكرون﴾ أي عند كل أحد واشترك إبراهيم عليه السلام وغيره فيه ولهذا لم يقل أنكرتم بل قال : أنتم منكرون في أنفسكم عند كل أحد منا، ثم لما امتنعوا من الطعام تأكد الإنكار لأنّ إبراهيم تفرّد بمشاهدة إمساكهم فنكرهم فوق الإنكار الأوّل وحكاية الحال في سورة هود أبسط مما ذكره هاهنا، فإنه هنا لم يبين المبشر به وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وهاهنا لم يقل إنّ القوم قوم من، وهناك قال : قوم لوط.
ولما كانا بعيدين عن قبول الولد تسبب عن ذلك قوله تعالى دالاً على أنّ الولد إسحاق مع الدلالة على أنّ خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات.
الذاريات 51:29
﴿فأقبلت﴾ أي : من سماع هذا الكلام ﴿امرأته﴾ سارة قيل : لم يكن ذلك إقبالاً من مكان إلى مكان بل كانت في البيت، فهو كقول القائل : أقبل يفعل كذا إذا أخذ فيه وقوله تعالى :﴿في صرّة﴾ أي : صيحة حال، أي : جاءت صائحة لأنها قد امتلأت عجباً ﴿فصكت﴾ قال ابن عباس : لطمت ﴿وجهها﴾ واختلف في صفته فقيل : هو الضرب باليد مبسوطة وقيل : هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع فعل المتعجب، وهي عادة النساء إذا أنكرن شيئاً، وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض. وقيل : جمعت أصابعها وضربت جبهتها عجباً وذاك من عادة النساء أيضاً إذا أنكرن شيئاً ﴿وقالت﴾ تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أو من غيرها ﴿عجوز﴾ قال القشيري : قيل إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة ومع ذلك ﴿عقيم﴾ فهي حال شبابها لم تكن تقبل الحبل فلم تلد قط.
الذاريات 51:30
ولما قالت ذلك قالوا مجيبين لها :﴿قالوا كذلك﴾ أي مثل ما قلنا من هذه البشرى العظيمة ﴿قال ربك﴾ أي المحسن إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله صلى الله عليه وسلم ﴿إنه هو﴾ أي : وحده ﴿الحكيم﴾ أي : الذي يضع الأشياء في أحق مواضعها ﴿العليم﴾ المحيط العلم، فهو لذلك لا يعجزه شيء.
الذاريات 51:31
ثم بين سبحانه وتعالى ما كان من حال إبراهيم وحال الملائكة بعد ذلك بقوله تعالى :﴿قال﴾ أي إبراهيم عليه السلام مسبباً عما رأى من حالهم وأنّ اجتماع الملائكة على تلك الحالة لم يكن لهذه البشارة فقط ﴿فما خطبكم﴾ أي : خبركم العظيم ﴿أيها المرسلون﴾ أي لأمر عظيم، وهذا أيضاً من آداب المضيف إذا بادر الضيف بالخروج قال له : ما هذه العجلة وما شأنك لأنّ في سكوته ما يوهم اشتغاله، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسرّ عن الصديق شيئاً، وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق عليه السلام.
فإن قيل : فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولم لا قال : ما هذا الاستعجال وما خطبكم المعجل لكم. أجيب : بأنه لما أوجس منهم خيفة لو خرجوا من غير بشارة وإيناس، فلما آنسوه قال : فما خطبكم، أي : بعد هذا الأنس العظيم ما هذا الإيحاش الأليم.
الذاريات 51:32
﴿قالوا﴾ قاطعين بالتأكيد بأنّ مضمون خبرهم حتم لا بدّ منه ولا مدخل للشفاعة فيه ﴿إنا أرسلنا﴾ أي : بإرسال من تعلم ﴿إلى قوم مجرمين﴾ أي : هم في غاية القوّة على ما يحاولونه، وقد صرفوا ما أنعم الله تعالى به عليهم من القوّة في قطع ما يحق وصله، ووصل ما يحق قطعه يعنون قوم لوط.
الذاريات 51:33
﴿لنرسل عليهم﴾ أي : من السماء التي فيها ما وعد العباد به وتوعدوا ﴿حجارةً من طين﴾ أي : مهيأ للإحراق والاحتراق.
الذاريات 51:34
﴿مسوّمة﴾ أي : معلمة بعلامة العذاب المخصوص عليها اسم من يرمي بها وقوله تعالى :﴿عند ربك﴾ أي : المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها ظرف المسوّمة، أي : معلمة عنده ﴿للمسرفين﴾ أي : المتجاوزين الحدود غير قانعين بما أبيح لهم فالمسرف المتمادي ولو في الصغائر، فهم مجرمون أي : مسرفون. والمجرم قال ابن عباس : هو المشرك لأنّ الشرك أعظم الذنوب.
وهنا لطيفة : وهي أنّ الحجارة سوّمت للمصرّ المسرف الذي لا يترك الذنب في المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى فلذلك قال ﴿عند ربك للمسرفين﴾.
ولما كان الإجرام ظاهراً قالوا ﴿إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ واللام في المسرفين لتعريف العهد أي لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوّمة، وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين وفي هذا دليل على رجم اللائط، والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي فيه الواحد منهم إذ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما أهلك النمروذ بالبعوض، وكما أهلك فرعون بالقمل والجراد بل بالريح التي بها الحياة إظهاراً للقدرة، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أمر خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهاراً لعظيم قدرته.
تنبيه : قوله تعالى :﴿من طين﴾ أي ليس من البرد والفاعل لذلك هو الله تعالى لا كما تقول الحكماء فإنهم يقولون : إنّ البرد يسمى حجارة فقوله تعالى :﴿من طين﴾ يدفع ذلك التوهم قال الرازي : إن بعض من يدّعي العقل يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدوّرات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها الرماة، قالوا : وسبب ذلك أنّ الإعصار تصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا عمارة فيها، والرياح تسوقها إلى بعض البلاد، ويتفق ذلك إلى هواء ندي فيصير ذلك طيناً رطباً، والرطب إذا نزل وتفرّق استدار، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته يقطر كرات مدوّرات كاللآلئ الكبار، ثم في النزول إن اتفق أن تضربه النيران التي في الجوّ جعلته حجارة كالآجر المطبوخ فينزل فيصيب من هيأ الله تعالى هلاكه، وقد ينزل كثيراً في المواضع التي لا عمارة بها فلا يرى ولا يدرى به، فلهذا قال :﴿من طين﴾، لأنّ ما لا يكون من طين كالحجر الذي يكون في الصواعق لا يكون كثيراً بحيث يمطر وهذا تعسف، لأنّ ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع لحادث آخر لزم التسلسل ولا بدّ من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث فذلك المحدث لا بدّ وأن يكون فاعلاً مختاراً، والمختار له أن يفعل ذلك وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار لكن العقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه، وما لا يصل العقل إليه لا يؤخذ إلا بالنقل والنص، ومن المعلوم أنّ نزول حجارة الطين من السماء أغرب وأعجب من غيرها.
الذاريات 51:35
ولما أراد الله تعالى أن يهلك المجرمين ميز المؤمنين بقوله تعالى :﴿فأخرجنا﴾ أي : بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوط عليه السلام محاورات معروفة لم يدع الحال هنا إلى ذكرها ﴿من كان فيها﴾ أي : قرى قوم لوط ﴿من المؤمنين﴾ أي : المصدّقين بقلوبهم لأنا لا نسوّيهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوّة المخالفين وكثرتهم.
الذاريات 51:36
﴿فما وجدنا فيها﴾ أي : تلك القرى، أسند الأمر إليه تشريفاً لرسله وإعلاماً بأنّ فعلهم فعله تعالى ﴿غير بيت﴾ أي : واحد وهو بيت ابن أخي إبراهيم عليهما السلام، وقيل : كانت عدّة الناجين منهم ثلاثة عشر ﴿من المسلمين﴾ أي : العريقين في إسلام الظاهر والباطن لله تعالى من غير اعتراض أصلاً، وهم إبراهيم وآله عليهم السلام وإنهم أوّل من وجد منهم الإسلام الأتم وتسموا به كما مرّ في سورة البقرة، وسموا به أتباعهم فكان هذا البيت الواحد صادقاً عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الانقياد قال البغوي : وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعاً لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم يعني لما بينهما من التلازم وإن اختلف المفهومان، وقال الأصفهاني : وقيل : كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر وقيل : هم لوط وابنتاه وصفوا بالإيمان والإسلام أي هم مصدّقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات.
تنبيه : في الآية إشارة إلى أنّ الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ومثاله : أنّ العالم كالبدن، ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والسموم والواردة عليه الضارة، ثم إنّ البدن إذا خلا عن النافع وفيه الضار هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما، وإن وجدا فيه معاً فالحكم للأغلب، وإطلاق الخاص على العام لا مانع منه لأنّ المسلم أعم من المؤمن، فإذا سمى المؤمن مسلماً لا يدل على اتحاد مفهوميهما فكأنه تعالى قال : أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتاً من المسلمين، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين.
الذاريات 51:37
﴿وتركنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب ﴿آية﴾ أي علامة عبرة على هلاكهم كالحجارة أو الماء المنتن، فإنا قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجوّ كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت واتبعت بالحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبهه شيء من مياه الأرض، كما أنّ جنايتهم لم تكن تشبه جناية أحد ممن تقدّمهم من أهل الأرض ﴿للذين يخافون العذاب الأليم﴾ أي : أن يحل بهم كما حل بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه، وما ادّخر لهم في الآخرة أعظم وخص الذين يخافون بالذكر لأنهم المعتبرون بها.
الذاريات 51:38
وقوله تعالى :﴿وفي موسى﴾ عطف على قوله تعالى :﴿فيها﴾ بإعادة الجار، لأنّ المعطوف عليه ضمير مجرور فيتعلق بتركنا من حيث المعنى ويكون التقدير وتركنا في قصة موسى آية ﴿إذ أرسلناه﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿إلى فرعون بسلطان مبين﴾ أي بحجة واضحة وهي معجزاته الظاهرة كاليد والعصا ومع ذلك لم ينتفع بها، ولذلك سبب عنها وعقب بها قوله تعالى :﴿فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون﴾.
الذاريات 51:39
﴿فتولى﴾ أي : كلف نفسه الإعراض عنها بعدما دعاه علمها إلى الإقبال إليها وأشار إلى قواه بقوله تعالى :﴿بركنه﴾ أي : بسبب ما يركن إليه من القوّة في نفسه وبأعوانه وجنوده، لأنهم له كالركن وقيل : بجميع بدنه كناية عن المبالغة في الإعراض ﴿وقال﴾ معلماً بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر ﴿ساحر﴾ ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله ﴿أو مجنون﴾ أي : لاجترائه علىّ مع مالي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه.
تنبيه : أو هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشك نزل نفسه مع أنه يعرفه نبياً حقاً منزلة الشاك في أمره تمويهاً على قومه، وقال أبو عبيدة : أو بمعنى الواو قال : لأنه قد قالهما قال تعالى :﴿إنّ هذا لساحر عليم﴾ [الأعراف: ١٠٩] وقال في موضع آخر ﴿إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧] وردّ الناس عليه هذا وقالوا : لا ضرورة تدعو إلى ذلك وأمّا الآيتان فلا تدلان على أنه قالهما معاً في آن واحد، وإنما يفيدان أنه قالهما أعمّ من أن يكونا معاً، أو هذه في وقت وهذه في آخر.
الذاريات 51:40
ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء قال تعالى محذراً للأعداء :﴿فأخذناه﴾ أي : أخذ غضب وقهر بعظمتنا وقوله تعالى :﴿وجنوده﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على مفعول أخذناه وهو الظاهر وأن يكون مفعولاً معه.
﴿فنبذناهم﴾ أي : طرحناهم طرح مستهين بهم كما تطرح الحصيات ﴿في اليمّ﴾ أي : البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح عليه فغرقته لما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه وأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا ﴿وهو﴾ أي والحال أنّ فرعون ﴿مليم﴾ أي آت بما يلام عليه من تكذيب الرسول ودعوى الربوبية وغير ذلك.
الذاريات 51:41
ثم ذكر تعالى قصصاً أخر تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم إحداها : قوله تعالى :﴿وفي عادٍ﴾ أي : إهلاكهم وهم قوم هود عليه السلام آية عظيمة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أرسلنا﴾ بعظمتنا ﴿عليهم الريح﴾ فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تدر الرمل وترمي بالحجارة كما مرّت الإشارة إليه على كيفية لا تطاق ﴿العقيم﴾ أي التي لا خير فيها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور.
الذاريات 51:42
ثم بين عقمها وإعقامها بقوله تعالى :﴿ما تذر﴾ أي : تترك على حالة رديئة، وأغرق في النفي فقال تعالى :﴿من شيء أتت عليه﴾ أي : إتياناً أراد مرسلها إهلاكه بها ﴿إلا جعلته كالرميم﴾ أي : الشيء البالي الذي دهكته الأيام والليالي إلى حالة الدمار وهو في كلامهم ما يبس من نبات الأرض وديس، قاله ابن جرير.
فإن قيل : الجبال والصخور وغير ذلك أتت عليهم وما جعلتهم كالرميم أجيب بأنّ المراد أتت عليه قاصدة له وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم، لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة لهم فما تركت شيئاً من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم.
الذاريات 51:43
ثانيها : قوله تعالى :﴿وفي ثمود﴾ أي إهلاكهم وهم قوم صالح عليه السلام آية عظيمة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قيل لهم﴾ أي ممن لا يخلف الميعاد، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها ﴿تمتعوا﴾ أي بلبن الناقة وغيره مما مكناهم فيه من الزروع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور على الوجه الذي أمرناكم به، ولا تطغوا ﴿حتى حين﴾ أي وقت ضربناه لآجالكم.
الذاريات 51:44
﴿فعتوا﴾ أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتوّ وهو التكبر والإباء ﴿عن أمر ربهم﴾ أي : مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا ناقته وأرادوا قتل نبيه صالح عليه السلام ﴿فأخذتهم﴾ أي : بسبب عتوّهم أخذ قهر وعذاب ﴿الصاعقة﴾ أي : الصيحة العظيمة التي حملتها الريح فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقرأ الكسائي بإسكان العين ولا ألف قبلها، والباقون بكسر العين وقبلها ألف وقوله تعالى :﴿وهم ينظرون﴾ دال على أنها كانت في غمام وكان فيها نار، ويجوز مع كونه من النظر أن يكون أيضاً من الانتظار فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة أيام وجعل في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه في اليوم الرابع. وقال بعض المفسرين : المراد منه هو ما أمهلهم الله تعالى بعد عقرهم الناقة وهو ثلاثة أيام بقوله تعالى :﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود: ٦٥] وكان في تلك الأيام تتغير ألوانهم فتحمر وتصفر وتسودّ قال الرازي : وهذا ضعيف، لأنّ قوله تعالى ﴿فعتوا عن أمر ربهم﴾ بحرف الفاء دليل على أنّ العتوّ كان بعد قوله تعالى :﴿تمتعوا﴾ فإذاً الظاهر أنّ المراد هو ما قدّر الله تعالى للناس من الآجال فما من أحد إلا وهو ممهل مدّة الأجل انتهى. ولحسن هذا فسرت الآية به.
الذاريات 51:45
﴿فما﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنهم ما ﴿استطاعوا﴾ أي : تمكنوا، وأكد النفي بقوله تعالى :﴿من قيام﴾ أي : فما قاموا بعد نزول العذاب وما قدروا على نهوض، قال قتادة : لم ينهضوا من تلك الصرعة كقوله تعالى :﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ [الأعراف: ٧٨] وقيل : هو من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه ﴿وما كانوا﴾ أي : كوناً ما ﴿منتصرين﴾ أي : لم يكن فيهم أهلية الانتصار بوجه لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه في النصرة، لأن تهيؤهم لذلك سقط بكل اعتبار.
الذاريات 51:46
ثالثها : قوله تعالى :﴿وقوم نوح﴾ بالجرّ، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي عطف على ثمود أي وفي إهلاكهم بماء السماء والأرض آية، وبالنصب وهي قراءة الباقين أي وأهلكنا قوم نوح ﴿من قبل﴾ أي : من قبل إهلاك هؤلاء المذكورين ثم علل إهلاكهم بقوله تعالى :﴿إنهم كانوا﴾ خلقاً وطبعاً لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم ﴿قوما﴾ أي : أقوياء ﴿فاسقين﴾ أي : غريقين في الخروج عن حظيرة الدين.
الذاريات 51:47
ثم ذكر ما يدلّ على تمام القدرة على البعث بقوله تعالى :﴿والسماء بنيناها﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿بأيدٍ﴾ أي : بقوّة وشدّة عظيمة لا يقدر قدرها.
فائدة : رسمت بأيد بيائين بعد الألف.
﴿وإنا﴾ على عظمتنا بعد ذلك ﴿لموسعون﴾ أي : أغنياء وقادرون ذووا سعة لا تتناهى، ولذلك أوسعنا بقدر جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا تصح معها الشركة أصلاً فلسنا كمن تعرفون من الملوك، لأنهم إذا فعلوا شيئاً لم يقدروا على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ما ترون في جنبه ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وقيل : جعلنا بينها وبين الأرض سعة.
الذاريات 51:48
﴿والأرض فرشناها﴾ أي : بسطناها ومهدناها بما لنا من العظمة، فصارت ممهدة جديرة بأن تستقرّ عليها الأشياء، وهي آية على تمهيد أرض الجنة وسقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها ﴿فنعم﴾ أي : فتسبب عن ذلك أن يقال : في وصفنا نعم ﴿الماهدون﴾ والمخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى، أي : نحن لكمال قدرتنا فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا واختيارنا وتقديرنا من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئاً علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إفنائه ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار فما فيها من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من شر فهو آية على النار.
الذاريات 51:49
وقوله تعالى :﴿ومن كل شيء خلقنا﴾ يجوز أن يتعلق بخلقنا أي خلقنا من كل شيء ﴿زوجين﴾ وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من زوجين، لأنه في الأصل صفة له إذ التقدير خلقنا زوجين كائنين من كل شيء، أي صنفين كل منهما يزاوج الآخر من وجه وإن خالفه من آخر ولا يتم نفع أحدهما إلا بالآخر من الحيوان والنبات وغيرهما، ويدخل فيه الأضداد من الغنى والفقر والحسن والقبح والحياة والموت والظلام والنور والليل والنهار والصحة والسقم والبر والبحر والسهل والجبل والشمس والقمر والحر والبرد اللذين هما من نفس جهنم آية بينة عليها وبناؤها على الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوّقة إليها، والإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحق والباطل والحلو والمر قال الحسن : كل اثنين منها زوج والله سبحانه وتعالى فرد لا مثل له ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي : فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعلموا أنّ خالق هذه الأشياء واحد لا شريك له لا يعجزه حشر الأجساد وجمع الأرواح، وقرأ حفص والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد.
الذاريات 51:50
﴿ففرّوا﴾ أي : أقبلوا والجؤوا ﴿إلى الله﴾ أي : الذي لا سمي له فضلاً عن مكافئ، وله الكمال كله فهو في غاية العلو فلا يفرّ ويسكن أحد إلى غير محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده ولا يفرّ إليه سبحانه إلا من تجرّد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دلّ عليهما بالزوجين فتكمل السياق بالتحذير والاستعطاف بالاستدعاء فهو من باب لا ملجأ منك إلى إليك أعوذ بك منك قال القشيري : ومن صح فراره إلى الله تعالى صح قراره مع الله تعالى قال البقاعي : وهو بكمال المتابعة ليس عيناً ومن فهم منه اتحاداً بذات أو صفة فقد نابذ طريق القوم فعليه لعنة الله.
﴿إني لكم منه﴾ أي : لا من غيره ﴿نذير﴾ أي : من أن يفرّ أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصد ﴿مبين﴾ أي : بين الإنذار ففرار العامّة من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، ومن الكسل إلى التشمير حذراً وحزماً ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق استغراقاً في وحدانيته.
الذاريات 51:51
﴿ولا تجعلوا﴾ أي : بأهوائكم ﴿مع الله﴾ وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعييناً للمراد، لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيهاً على ماله من صفات الكمال وتعميماً لوجوه المقاصد لئلا يظنّ لو قيل معه إنّ المراد النهي على الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها ﴿إلهاً آخر﴾ ثم علل النهي مع التأكيد بطعنهم في نذارته فقال ﴿إني لكم منه﴾ أي لا من غيره، فإن غيره لا يقدر على شيء ﴿نذير﴾ أي : محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لا خلاص معها إن فعلتم ذلك ﴿مبين﴾ أي : لا أقول شيئاً من واضح النقل إلا ودليله ظاهر.
الذاريات 51:52
﴿كذلك﴾ أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة البعيد من الصواب بما له من الاضطراب وقع لمن قبلهم ودلّ على هذا المقدّر بقوله تعالى مستأنفاً ﴿ما أتى الذين من قبلهم﴾ أي : كفار مكة وعمم النفي فقال تعالى :﴿من رسول﴾ أي من عند الله تعالى ﴿إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ أي مثل تكذيبهم لك بقولهم ذلك لأنّ الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء أكانت أو للتفصيل، لأنّ بعضهم قال : واحداً، وبعضهم قال : آخر، أو كانت للشك لأنّ الساحر يكون لبيباً فطناً آتياً بما يعجز عنه كثير من الناس، والمجنون بالضدّ من ذلك.
فإن قيل : قوله تعالى ﴿إلا قالوا﴾ يدل على أنهم كلهم قالوا ذلك والأمر ليس كذلك، لأنّ ما من رسول إلا وآمن به قوم أجيب : بأنّ ذلك ليس بعام فإنه لم يقل إلا قالوا كلهم وإنما قال إلا قالوا ولما كان كثير منهم قائلين قال تعالى إلا ﴿إلا قالوا﴾.
فإن قيل : فلم لم يذكر المصدّقين كما ذكر المكذبين، وقال : إلا قال بعضهم : صدقت وبعضهم كذبت أجيب : بأنّ المقصود التسلية وهي أعلى التكذيب فكأنه تعالى قال لا تأس على تكذيب قومك فإنّ أقواماً قبلك كذبوا ورسلاً كذبوا.
الذاريات 51:53
ثم عجب منهم بقوله تعالى :﴿أتواصوا به﴾ فهو استفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في به يعود على القول المدلول عليه بقالوا، أي أتواصوا الأوّلون والآخرون بهذا القول المتضمن لساحر أو مجنون والمعنى : كيف اتفقوا على معنى واحد، كأنهم تواطؤا عليه وأوصى أوّلهم آخرهم بالتكذيب وقوله تعالى ﴿بل هم قوم﴾ أي : ذو شماخة وكبر ﴿طاغون﴾ إضراب عن أنّ التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أنّ الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه.
الذاريات 51:54
ثم إنّ الله تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :﴿فتولّ﴾ أي : أعرض ﴿عنهم﴾ أي : كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم ولا تأسف على تخلفهم عن الإسلام ﴿فما أنت بملوم﴾ لأنك بلغتهم الرسالة وما قصرت فيما أمرت به.
الذاريات 51:55
قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية «حزن النبيّ صلى الله عليه وسلم واشتدّ ذلك على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وإن العذاب قد حضر إذ أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم » فأنزل الله تعالى :﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾. ﴿وذكر﴾ أي : ولا تدع التذكير والموعظة ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ فطابت أنفسهم، والمعنى : ليس التولي مطلقاً بل تولّ وأقبل وأعرض وادع فلا التولي يضرّك إذا كان عليهم ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين، وقال مقاتل : معناه عظ بالقرآن كفار مكة فإنّ الذكرى تنفع من علم الله تعالى أنه مؤمن منهم، وقال الكلبي : عظ بالقرآن من آمن من قومك فإنّ الذكرى تنفعهم.
الذاريات 51:56
ولما بين حال من قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم في التكذيب بين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله تعالى الذي خلقهم للعبادة بقوله تعالى :﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون﴾ واختلف في تفسير ذلك فأكثر المفسرين على أن المراد بهم العموم، ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأنّ الغاية لا يلزم وجودها كما في قولك بريت هذا القلم لأكتب به فإنك قد لا تكتب به هكذا قال الجلال المحلي، وأوضح منه ما قاله ابن عادل : إنّ المعنى إلا معدّين للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك ومنهم من لا، كقولك : هذا القلم بريته للكتابة ثم قد لا تكتب به وقد تكتب انتهى أو إنّ المراد إلا لأمرهم بالعبادة وليقروا بها وهذا منقول عن عليّ بن أبي طالب، أو إنّ المراد ليطيعوا وينقادوا لقضائي، فالمؤمن يفعل ذلك طوعاً والكافر يفعل ذلك كرهاً، أو أنّ المراد إلا ليوحدون فأمّا المؤمن فيوحد اختياراً في الشدّة والرخاء، وأمّا الكافر فيوحد اضطراراً في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء. وقال مجاهد : معناه إلا ليعرفون قال البغوي : وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده بدليل قوله تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧] وقيل : المراد به الخصوص أي : ما خلقت السعداء من الجنّ والأنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي. قال زيد بن أسلم : قال هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة، ويؤيده قوله تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجنّ والإنس﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقيل : وما خلقت الجنّ والإنس المؤمنين وقيل : الطائعين.
تنبيه : استدلّ المعتزلة بهذه الآية على أنّ أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وأجيبوا بوجوه منها : أنّ اللام قد ثبتت لغير الغرض كقوله تعالى :﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] وقوله تعالى ﴿فطلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ [الطلاق: ١] ومعناه المقارنة فيكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة ومنها قوله تعالى ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الرعد: ١٦] ومنها ما يدلّ على أنّ الإضلال بفعل الله كقوله تعالى ﴿يضل من يشاء﴾ [الرعد: ٢٧] وأمثاله، ومنها قوله تعالى ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقوله تعالى ﴿يفعل ما يشاء﴾ [آل عمران: ٤٠] ﴿ويحكم ما يريد﴾ [المائدة: ١]
فإن قيل : ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين قال تعالى :﴿بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقال تعالى ﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ [الأعراف: ٢٠٦] أجيب بوجوه :
أحدها : أنّ الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له وهذا مختص بالجنّ والأنس، لأنّ الكفر موجود فيهما دون الملائكة. ثانيها : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجنّ والإنس فلما قال تعالى :﴿وذكر﴾ بين ما يذكر به، وهو كون الخلق للعبادة وخصص أمّته بالذكر أي ذكر الجنّ والأنس ثالثها : أن عباد الأصنام كانوا يقولون إنّ الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله تعالى وخلقهم لعبادته، ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله تعالى فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله تعالى كما قالوا ﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] فقال تعالى :﴿وما خلقت الجنّ والأنس إلا ليعبدون﴾ ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً من القوم فذكر المنازع فيه. رابعها : فعل الجنّ يتناول الملائكة لأنّ أصل الجنّ من الاستتار وهم مستترون عن الخلق فذكر الجنّ لدخول الملائكة فيهم.
الذاريات 51:57
ولما خص سبحانه خلقهم في إرادة العبادة صرّح بهذا المفهوم بقوله تعالى :﴿ما أريد منهم﴾ أي : في وقت من الأوقات وعمم في النفي بقوله تعالى :﴿من رزقٍ﴾ أي : شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر كما يفعل غيري من الموالي مع عبيدهم، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصل معايشهم وأرزاقهم، فإمّا مجهز في تجارة ليفيء ربحاً، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضاً، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، أو محتطب أو محتش أو مستق أو طابخ أو خابز وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرّف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ.
﴿وما أريد﴾ أصلاً ﴿أن يطعمون﴾ أي : أن يرزقون رزقاً خاصاً هو الإطعام وفيه تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها المأكل فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام، ثم لا يصدهم ذلك عن عبادتها وقيل : في الآية حذف مضاف أي وما أريد أن يطعموا أحداً من خلقي وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأنّ الخلق كلهم عيال الله ومن أطعم عيال الله فقد أطعمه كما صح في الحديث عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما تعلم أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن دم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي ».
فإن قيل : ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أنّ من لا يريد من أحد رزقاً لا يريد أن يطعمه ؟ أجيب : بأنّ السيد قد يطلب من العبد المكتسب له الرزق وقد يكون للسيد مال وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد قضاء حوائجه وإحضار الطعام بين يديه فقال : لا أريد ذلك ولا هذا وقدم طلب الرزق على طلب الإطعام من باب الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى.
فإن قيل : ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أنّ المراد عدم طلب فعل منهم غير التعظيم ؟ أجيب : بأنه لما عمم النفي في طلب الأوّل بقوله تعالى ﴿من رزق﴾ وذلك إشارة إلى التعميم فذكر الإطعام ونفى الأدنى ليتبعه بنفي الأعلى بطريق الأولى فكأنه قال : ما أريد منهم من غنى ولا عمل.
فإن قيل : المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإنّ السيد قد يشتري العبد لا لطلب رزق منه ولا للتعظيم بل يشتريه للتجارة. أجيب : بأن العموم في قوله تعالى :﴿ما أريد منهم من رزق﴾ يتناول ذلك.
الذاريات 51:58
ثم بين تعالى أنه الرزاق لا غيره بقوله عز من قائل :﴿إن الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن جميع صفات النقص ﴿هو﴾ أي : لا غيره ﴿الرزاق﴾ أي : على سبيل التكرار لكل حيّ وفي كل وقت ﴿ذو القوّة﴾ أي : التي لا تزول بوجه ﴿المتين﴾ أي : الشديد الدائم.
فإن قيل : لم لم يقل إني رزاق ؟ بل قال على الحكاية عن الغائب إنّ الله هو الرزاق فما الحكمة أجيب : بأنّ المعنى قل يا محمد إنّ الله هو الرزاق، أو يكون من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، أو يكون قل مضمراً عند قوله تعالى :﴿ما أريد منهم من رزق﴾ ولم يقل القوي بل قال ذو القوّة لأنّ المقصود تقرير ما تقدّم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير، وقيد بالمتين لأنّ ذو القوّة لا يدل إلا على أنّ له قوّة ما فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا يتزلزل، والمعنى في وصفه سبحانه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء.
الذاريات 51:59
ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم إلى أن ختم بقوته التي لا حدّ لها سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم :﴿فإن للذين ظلموا﴾ أي : أوقعوا الأشياء في غير مواقعها ﴿ذنوباً﴾ أي : نصيباً من العذاب طويل الشرّ كأنه من طوله صاحب ذنب ﴿مثل ذنوب أصحابهم﴾ أي : الذين تقدّم ظلمهم بتكذيب الرسل من قوم نوح وعاد وثمود، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة المملوءة ماء وفي الحديث «فأتى بذنوب من ماء » فإن لم تكن ملأى فهي دلو ثم عبر به عن النصيب قال عمرو بن شاس :
وفي كل حيّ قد خطبت بنعمة؍ فحق لشاس من نداك ذنوب؍
قال الملك : نعم وأذنبه، قال الزمخشري : وهذا تمثيل أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا آخر. قال الشاعر :
لكم ذنوب ولنا ذنوب؍ فإن أبيتم فلنا القليب؍
وقال الراغب الذنوب الدلو لذي له ذنب انتهى.
فراعى الاشتقاق والذنوب أيضاً : الفرس الطويل الذنب، وهو صفة على فعول والذنوب لحم أسفل المتن ويقال : يوم ذنوب أي طويل الشرّ استعارة من ذلك ويجمع في القلة على أذنبة وفي الكثرة على ذنائب ﴿فلا تستعجلون﴾ أي تطلبوا أن آتيكم به قبل أوانه حق به، فإنّ ذلك لا يفعله إلا ناقص وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا أوصف به، ولا بدّ أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل فإنه أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم.
الذاريات 51:60
﴿فويل﴾ أي شدّة عذاب ﴿للذين كفروا﴾ أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلاً إنكارها ﴿من يومهم الذي يوعدون﴾ أضافه إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين، وهو يوم القيامة وقيل يوم بدر وحذف العائد لاستكمال شروطه أي يوعدونه، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمرو بكسر الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف عليها فالجميع بكسر الهاء.
الطور 52:1
وقوله تعالى :﴿والطور﴾ وما بعده أقسام جوابها ﴿إنّ عذاب ربك لواقع﴾ والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما قاله الخليل.
والطور : هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وهو بمدين أقسم الله تعالى به وقيل : هو الجبل الذي قال الله تعالى ﴿وطور سنين﴾ [التين: ١] وقيل هو اسم جنس.
تنبيه : مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما.
الطور 52:2
والمراد بالكتاب في قوله تعالى ﴿وكتاب مسطور﴾ أي : متفق الكتابة بسطور مصفوفة في حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة هو كتاب موسى عليه السلام وهو التوراة وقيل : القرآن وقيل : اللوح المحفوظ وقيل : صحائف أعمال الخلق قال تعالى ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ [الإسراء: ١٣].
الطور 52:3
وقوله تعالى :﴿في رق﴾ متعلق بمسطور أي مكتوب في رق والرق : الجلد الرقيق يكتب فيه وقال الراغب : الرق ما يكتب فيه شبه كاغد ا. ه. فهو أعمّ من كونه جلداً وغيره ﴿منشور﴾ أي مبسوط مهيأ للقراءة.
الطور 52:4
وقوله تعالى :﴿والبيت المعمور﴾ مختلف في مكانه فقيل في السماء العليا تحت العرش وقيل : في السماء الثالثة وقيل في السادسة وعلى كل قول هو بحيال الكعبة يقال له : الضراح حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة وقيل : هو بيت الله الحرام لكونه معموراً بالحجاج والعمار والمجاورين وقيل : اللام في البيت المعمور لتعريف الجنس كأنه تعالى أقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة.
الطور 52:5
وقوله تعالى :﴿والسقف المرفوع﴾ مختلف فيه أيضاً فالأكثر على أنه السماء كما قال تعالى :﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقيل : المراد به سقف الكعبة وقيل : سقف الجنة وهو العرش ونقل عن ابن عباس.
الطور 52:6
وقوله تعالى :﴿والبحر المسجور﴾ من الأضداد يقال بحر مسجور أي مملوء وبحر مسجور أي فارغ وروى ذو الرمّة الشاعر عن ابن عباس أنه قال : خرجت أمة لتستقي فقالت إنّ الحوض مسجور أي فارغ ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وقيل : المسجور الممسوك ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه. وقال محمد بن كعب القرظي : يعني بالمسجور الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور وهو قول ابن عباس لما روي أنه تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة ناراً فيزاد بها في نار جهنم كما قال تعالى :﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير: ٦] وعن علي أنه سأل يهودياً أين موضع النار في كتابكم قال : في البحر قال علي : ما أراه إلا صادقاً لقوله تعالى ﴿والبحر المسجور﴾، وعن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا يركبن البحر رجل إلا غازياً أو معتمراً أو حاجاً فإنّ تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً » وقال الربيع بن أنس المختلط العذب بالملح. وروى الضحاك عن المنزل بن سمرة عن علي أنه قال : البحر المسجور هو بحر تحت العرش غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم وهذا قول مقاتل. فإن قيل : ما الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء ؟ أجيب : بأنّ هذه الأماكن الثلاثة وهي الطور والبيت المعمور والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله تعالى، أمّا الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام وخاطب الله سبحانه وتعالى هناك، وأمّا البيت المعمور فانتقل إليه محمد صلى الله عليه وسلم وقال لربه سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأمّا البحر المسجور فانتقل إليه يونس عليه السلام ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها. وأمّا ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم مع الله تعالى في هذه الأماكن كلام والكلام في الكتاب.
تنبيه : أقسم الله تعالى في بعض السور بمجموع كقوله تعالى :﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١] و﴿المرسلات﴾ [المرسلات: ١] و﴿النازعات﴾ [النازعات: ١] وفي بعضها بإفراد كقوله تعالى ﴿والطور﴾ ولم يقل والأطوار والأبحار قال الرازي : والحكمة فيه أنّ في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحرّكات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدلة بأفرادها مستمرّة بأنواعها والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال والذاريات إشارة إلى النوع المستمرّ لا إلى الفرد المعين المستقر، وأمّا الجبل فهو ثابت غير متغير عادة فالواحد من الجبال دائم زماناً ودهراً فأقسم في ذاك بالواحد، وكذلك في قوله تعالى ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] ولو قال والريح لما علم المقسم به وفي الطور علم.
الطور 52:7
وقوله تعالى :﴿إنّ عذاب ربك﴾ أي : الذي تولى تربيتك ﴿لواقع﴾ أي : ثابت نازل بمستحقه جواب القسم كما مرّ.
الطور 52:8
﴿ما له من دافع﴾ أي : مانع لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من كمال القدرة وجلال الحكمة قال جبير بن مطعم : قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ والطور إلى قوله تعالى :﴿إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع﴾ فكأنما صدع قلبي حين سمعته ولم أكن أسلمت يومئذ فأسلمت خوفاً من العذاب وما كنت أظنّ أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب.
الطور 52:9
ثم بين تعالى أنه متى يقع بقوله تعالى ﴿يوم تمور السماء﴾ أي : تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتدور دوران الرحى ويموج بعضها في بعض وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض. قال البغوي : والمور يجمع هذه المعاني وهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردّد والدوران والاضطراب قال الرازي : وقيل تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل ﴿موراً﴾ أي : اضطراباً شديداً.
الطور 52:10
﴿وتسير الجبال﴾ أي : تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب وحقق معناه بقوله تعالى ﴿سيراً﴾ فتصير هباء منثوراً وتكون الأرض قاعاً صفصفاً.
الطور 52:11
ثم بيّن من يقع عليه العذاب بقوله تعالى ﴿فويل﴾ أي : شدة عذاب ﴿يومئذ﴾ أي : يوم إذ يكون ما تقدّم ذكره ﴿للمكذبين﴾ أي : الغريقين في التكذيب للرسل.
الطور 52:12
﴿الذين هم﴾ من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم ﴿في خوض﴾ أي : أقوالهم وأفعالهم أفعال الخائض في الماء فهو لا يدري أين يضع رجله ﴿يلعبون﴾ فاجتمع عليهم أمران موجبان للباطل الخوض واللعب فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا فعل في موضعه فلا يؤسس على بيان أو حجة.
فإن قيل : أهل الكبائر لا يكذبون فمقتضى ذلك أنهم لا يعذبون. أجيب بأنّ ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر لقوله تعالى ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ٨ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾ [ الملك : ٨ ٩ ] فالمؤمن لا يلقى فيها إلقاء هوان وإنما يدخل فيها للتطهير إدخالاً مع نوع إكرام فالويل إنما هو للمكذبين.
الطور 52:13
وقوله تعالى :﴿يوم يدعون﴾ بدل من يوم تمور السماء أو من يومئذ قبله تقديره : فويل يومئذ يوم يدعون، أي : يدفعون دفعاً عنيفاً بجفوة وغلظة من كل من يقيمه الله تعالى لذلك ذاهبين ومتهيئين ﴿إلى نار جهنم﴾ وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة وأكد المعنى وحققه بقوله تعالى ﴿دعّاً﴾.
قال البغوي : وذلك أنّ خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم مقولاً لهم تبكيتاً وتوبيخاً ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾.
الطور 52:14
﴿هذه النار﴾ أي : الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه الشاغل عن اللعب ﴿التي كنتم بها﴾ في الدنيا ﴿تكذبون﴾ على التجدّد والاستمرار.
الطور 52:15
وقوله تعالى :﴿أفسحر﴾ خبر مقدّم وقوله تعالى ﴿هذا﴾ هو المبتدأ وقدّم الخبر لأنه المقصود بالإنكار والتوبيخ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمداً صلى الله عليه وسلم إلى السحر وأنه يغطي الأبصار بالسحر وأنّ انشقاق القمر وأمثاله سحر فوبخوا به، وقيل لهم :﴿أفسحر هذا﴾ أي الذي أنتم فيه من العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون فيه ﴿أم أنتم﴾ في منام أو نحوه ﴿لا تبصرون﴾ بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا قلوبنا في أكنة، ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذر ﴿بيننا وبينك حجاب فاعمل أننا عاملون﴾ [فصلت: ٥].
الطور 52:16
﴿اصلوها﴾ أي : إذا لم يمكنكم إنكارها وتحققتم أنه ليس بسحر ولا خلل في أبصاركم فقاسوا شدّتها ﴿فاصبروا﴾ على هذا الذي لا طاقة لكم به ﴿أو لا تصبروا﴾ فإنه لا محيص لكم عنه ﴿سواء عليكم﴾ أي : الصبر والجزع فإنّ صبركم لا ينفعكم. وقوله تعالى :﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ تعليل للاستواء فإنه لما كان الجزاء واجباً كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع.
الطور 52:17
ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب أتبعه ما لأضدادهم من الثواب فقال تعالى ﴿إن المتقين﴾ أي : الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة ﴿في جنات﴾ أي : بساتين أية بساتين دائماً في الدنيا حكماً وفي الآخرة حقيقة ﴿ونعيم﴾ أيّ : نعيم في العاجل يعني بما لهم فيه من الأنس وفي الآجل بالفعل.
الطور 52:18
وزاد في تحقيق التنعم بقوله تعالى ﴿فاكهين﴾ أي : متلذذين معجبين ناعمين ﴿بما آتاهم﴾ أي : أعطاهم ﴿ربهم﴾ الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى هذا النعيم ﴿ووقاهم﴾ أي : قبل ذلك ﴿ربهم﴾ أي : المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات ﴿عذاب الجحيم﴾ أي النار الشديدة التوقد.
الطور 52:19
ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في غنى عظيم قال مترجماً لذلك على تقدير القول ﴿كلوا﴾ أي : أكلاً هنيئاً ﴿واشربوا﴾ أي : شرباً ﴿هنيئاً﴾ وهو الذي لا تنغيص فيه فكل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخم والسقم وغيرهما ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿كنتم﴾ أي : كوناً راسخاً ﴿تعملون﴾ أي : مجددين العمل على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم.
الطور 52:20
ثم نبه على أنهم مع هذا النعيم مخدومون بقوله تعالى ﴿متكئين﴾ أي : مستندين استناد راحة لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة ﴿على سرر مصفوفة﴾ أي : منصوبة واحداً إلى جنب واحد مستوية كأنها الستور على أحسن نظام وأبدعه.
ثم نبه على تمام سرورهم بالتمتع بالنساء بقوله تعالى ﴿وزوجناهم﴾ أي : تزويجاً يليق بما لنا من العظمة أي صيرناهم ممتعين ﴿بحور﴾ أي : نساؤهنّ في شدّة بياض العين وسوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية حسن لا توصف ﴿عين﴾ أي : واسعات الأعين في رونق وحسن.
تنبيه : اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعم على الترتيب فأوّل ما يكون المسكن وهو الجنان، ثم الأكل والشرب ثم الفرش والبسط ثم الأزواج فهذه أمور أربعة ذكرها الله تعالى على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله فقوله :﴿جنات﴾ إشارة إلى المسكن وقال ﴿فاكهين﴾ إشارة إلى عدم التنغيص وعلوّ المرتبة لكونه مما آتاهم الله. وقال :﴿كلوا واشربوا هنيئاً﴾ أي مأمون العاقبة وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنويعهما وكثرتهما. وقوله تعالى ﴿بما كنتم تعملون﴾ إشارة إلى أنه تعالى يقول : إني مع كوني ربكم وخالقكم وأدخلتكم الجنة بفضلي فلا منة لي عليكم اليوم وإنما منتي عليكم كانت في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال تعالى ﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان﴾ [الحجرات: ١٧] وأمّا اليوم فلا منة عليكم لأنّ هذا إنجاز الوعد.
الطور 52:21
وقوله تعالى :﴿والذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان وإن لم يبالغوا في الأعمال الصالحة مبتدأ وقرأ أبو عمرو ﴿وأتبعناهم﴾ أي بما لنا من الفضل الناشئ عن العظمة بقطع الهمزة وسكون التاء الفوقية وسكون العين وبعد العين نون مفتوحة بعدها ألف والباقون بهمزة وصل محذوفة وتشديد التاء الفوقية وفتح العين وبعدها تاء فوقية ساكنة وهو معطوف على آمنوا ﴿ذرياتهم﴾ أي : الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم، فإنّ الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعاً لأحد أبويه ﴿بإيمان﴾ أي بسبب إيمان حاصل منهم ولو كان في أدنى درجات الإيمان ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا وذلك شرط اتباعهم الذريات قال البقاعي : ويجوز أن يراد وهو أقرب بسبب إيمان الذرّية حقيقة إن كانوا كباراً أو حكماً إن كانوا صغاراً، ثم أخبر عن الموصول المبتدأ بقوله تعالى :﴿ألحقنا بهم﴾ تفضلاً منا عليهم ﴿ذريتهم﴾ وإن لم يكن للذرّية أعمال لأنه :
لعين تجازى ألف عين وتكرم ***
والذريات هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء وإنّ المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل ابناً كان أو أباً وهو منقول عن ابن عباس وغيره، ويلحق بالذرّية من النسب الذرّية بالسبب وهو المحبة فإن كان معها أخذ لعلم أو عمل كانت أجدر فتكون ذرية الإفادة كذرّية الولادة وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «المرء مع من أحبّ » في جواب من سأل عمن يحب القوم ولما يلحق بهم، وقرأ ﴿ذرّيتهم بإيمان﴾ و﴿ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ نافع بالقصر في الأولى والجمع في الثانية مع كسر التاء، وقرأ ابن كثير والكوفيون بالقصر فيهما مع ضم التاء، وقرأ أبو عمرو بالجمع فيهما مع كسر التاء، وقرأ ابن عامر بالجمع فيهما إلا أنه يرفع التاء في الأولى ويكسرها في الثانية.
فإن قيل : قوله تعالى ﴿أتبعناهم ذريّاتهم﴾ يفيد فائدة قوله تعالى ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ أجيب بأنّ قوله تعالى ﴿ألحقنا بهم﴾ أي في الدرجات والإتباع إنما هو في حكم الإيمان وإن لم يبلغوه كما مرّ ثم أشار إلى عدم نقصان المتبوع بقوله تعالى ﴿وما ألتناهم﴾ أي : ما نقصنا المتبوعين ﴿من عملهم﴾ وأكد النفي بقوله تعالى ﴿من شيء﴾ أي : بسبب هذا الإلحاق.
ولما بين تعالى اتباع الأدنى للأعلى في الخير، بين أنّ الأدنى لا يتبع الأعلى في الشرّ بقوله تعالى :﴿كل امرئ﴾ من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم ﴿بما كسب﴾ أي : عمل من خير أو شرّ ﴿رهين﴾ أي : مرهون يؤخذ بالشر ويجازى بالخير وقال مقاتل : كل امرئ كافر بما عمل من الشرك رهين في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً لقوله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة ٣٨ إلا أصحاب اليمين﴾ [ المدثر : ٣٨ ٣٩ ] وقال الواحدي : هذا يعود إلى ذكر أهل النار وهو قول مجاهد أيضاً قال الرازي : وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلاً بمعنى الفاعل فيكون المعنى كل امرئ راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة مؤبداً وإن أساء ففي النار مخلداً ؛ لأنّ في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان، فإنّ العرض لا يبقى إلا في جوهر ولا يوجد إلا فيه، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإنّ الله تعالى يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقي يبقى مع عمله.
الطور 52:22
﴿وأمددناهم﴾ أي : الذين آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا من العظمة ﴿بفاكهة﴾ وقتاً بعد وقت زيادة على ما تقدم، ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما نعرفه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكهاً ليس فيه شيء يقصد به حفظ البدن قال تعالى :﴿ولحم مما يشتهون﴾ من أنواع اللحمان والمعنى : زدناهم مأكولاً ومشروباً فالمأكول الفاكهة واللحم، والمشروب الكأس وفي هذا لطيفة : وهي أنه تعالى لما قال ﴿وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ ونفي النقصان يصدق بحصول المساوي فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي بل بالزيادة والإمداد.
الطور 52:23
وقوله تعالى :﴿يتنازعون﴾ في موضع نصب على الحال من مفعول أمددناهم ويجوز أن يكون مستأنفاً وقوله تعالى :﴿فيها﴾ يجوز أن يعود الضمير لشربها ويجوز أن يعود للجنة ومعنى يتنازعون يتعاطون، ويحتمل أن يقال : التنازع التجاذب ويكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة وفيه نوع لذة لأنهم يفعلون ذلك هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم ﴿كأساً﴾ أي : خمراً من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في كأسها ﴿لا لغو﴾ أي : لا سقط حديث وهو ما لا ينفع من الكلام ولا يضر ﴿فيها﴾ أي : في تنازعها ولا بسببها لأنها لا تذهب بعقولهم فلا يتكلمون إلا بالحسن الجميل بخلاف المتنادمين في الدنيا على الشراب بسفههم وعربدتهم ﴿ولا تأثيم﴾ أي : لا يكون منهم ما يؤثمهم وقال الزجاج : لا يجري منهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر قال الرازي : ويحتمل أن يكون المراد من التأثيم السكر وقيل : لا يأثمون في شربها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بنصب لغو وتأثيم من غير تنوين، والباقون بالرفع فيهما مع التنوين.
الطور 52:24
ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ويعظم أنسها إلا بخدم وسقاة قال تعالى :﴿ويطوف عليهم﴾ بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف ﴿غلمان﴾ أي : أرقاء، ولما كان أحب مال إلى الإنسان ما يختص به قال تعالى :﴿لهم﴾ ولم يقل تعالى غلمانهم لئلا يظنّ أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحداً في الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادماً له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعاً، وأفاد التنكير أنّ كل من دخل الجنة وجد له خدم لم يعرفهم قبل ذلك ﴿كأنهم﴾ في بياضهم وشدّة صفائهم ﴿لؤلؤ مكنون﴾ أي : مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير يعني في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيره أو مصون في الجنة لم تغيره العوارض. قال عبد الله بن عمر : ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه، هذه صفة الخادم وأمّا المخدوم فروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال يا رسول الله : الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم، قال «فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامة فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك » وقرأ السوسي وشعبة لولو بالبدل والباقون بالهمز.
الطور 52:25
﴿وأقبل بعضهم﴾ لما ازدهاهم من السرور واللذة والحبور ﴿على بعض يتساءلون﴾ أي : يسأل بعضهم بعضاً في الجنة قال ابن عباس : يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا.
الطور 52:26
﴿قالوا﴾ أي : قال كل منهم ﴿إنا كنا قبل﴾ أي : في دار العمل ﴿في أهلنا﴾ على ما لهم من العدد والعُدَد والسعة، ولنا بهم من جوانب اللذة والدواعي إلى اللعب ﴿مشفقين﴾ أي : عريقين في الخوف من الله تعالى لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره، والمعنى : أنهم يسألون عن سبب ما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة فيقولون ذلك خشية الله تعالى أي كنا نخاف الله تعالى.
الطور 52:27
﴿فمنّ الله﴾ الذي له جميع الكمال بسبب إشفاقنا منه ﴿علينا﴾ بالرحمة والتوفيق ﴿ووقانا﴾ أي : وجنبنا بما سترنا به ﴿عذاب السموم﴾ قال الكلبيّ عذاب النار، وقال الحسن : السموم من أسماء جهنم، والسموم في الأصل الريح الحارة التي تتخلل المسام والجمع سمائم. يقال : سمّ يومنا أي اشتدّ حره، وقال ثعلب : السموم شدة الحرّ أو شدة البرد في النهار، وقال أبو عبيدة : السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار.
الطور 52:28
﴿إنا كنا﴾ أي : بما طبعنا عليه وهيئنا له ﴿من قبل﴾ أي : في الدنيا ﴿ندعوه﴾ أي : نسأله ونعبده بالفعل وأمّا خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة وسكون، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأنّ أنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا يكاد يفعله غيره فهو مما يتعجب منه غاية التعجب بقولهم :﴿إنه هو﴾ أي : وحده، وقرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة والباقون بكسرها ﴿البرّ﴾ أي : الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما برّه بالنعمة وربما برّه بالبؤس فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له البرّ في العقبى فعلى المؤمن أن لا يتهم ربه في شيء من قضائه ﴿الرحيم﴾ أي : المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته.
الطور 52:29
ولما بين تعالى أنّ في الوجود قوماً يخافون الله تعالى ويشفقون في أهليهم والنبيّ صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى :﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق: ٤٥] فوجب التذكير. فلذلك قال تعالى :﴿فذكر﴾ أي : عظ يا أشرف الخلق بالقرآن ودم على ذلك ولا ترجع عنه لقول المشركين لك كاهن ومجنون ﴿فما أنت بنعمة ربك﴾ أي : بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلوّ الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق، وجعلك أشرف الناس عنصراً وأكملهم نفساً وأزكاهم خلقاً وهم معترفون لك بذلك قبل النبوّة. وأكد النفي بقوله تعالى :﴿بكاهن﴾ أي : تقول كلاماً مع كونه سجعاً متكلفاً أكثره فارغ وتحكم على المغيبات من غير وحي ﴿ولا مجنون﴾ أي : تقول كلاماً لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلاً، وعما قليل يكون عيباً لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم لك فمن اتبعك منهم غسل عاره ومن استمرّ على عناده استمرّ تبابه وخساره.
تنبيه : نزلت هذه الآية في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر.
الطور 52:30
﴿أم يقولون﴾ أي : هؤلاء المقتسمون ﴿شاعر﴾ أي : هو شاعر قال الثعلبي : قال الخليل : كل ما في سورة والطور من أم فاستفهام وليس بعطف، وقال أبو البقاء : أم في هذه الآيات منقطعة وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر ببل وحدها أو ببل والهمزة أو بالهمزة وحدها، والصحيح الثاني. وقال مجاهد : في قوله تعالى :﴿أم تأمرهم﴾ [الطور: ٣٢] تقديره : بل تأمرهم ﴿نتربص﴾ أي ننتظر ﴿به ريب المنون﴾ أي : حوادث الدهر وتقلبات الزمان لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل قال الشاعر :
تربص بها ريب المنون لعلها؍ تطلق يوماً أو يموت حليلها؍
وقال أبو ذئب :
أمن المنون وريبها تتوجع؍ والدهر ليس بمعتب من يجزع؍
والمنون في الأصل : الدهر، وقال الراغب : المنون المنية لأنها تنقص العدد وتقطع المدد، والمعنى : بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخراصين شاعر نتربص به ريب المنون حوادث الدهر وصروفه، وذلك أنّ العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء فإنّ الشعر كان عندهم يحفظ ويدوّن فقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره وإنما نصبر ونتربص موته ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء وتتفرّق أصحابه فإنّ أباه مات شاباً ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، والمنون يكون بمعنى الدهر وبمعنى الموت سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل.
الطور 52:31
ثم إنه تعالى أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله :﴿قل﴾ أي : لهؤلاء البعداء ﴿تربصوا﴾ أي انتظروا بي الموت ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيهاً على أنه من السقوط بمنزلة ما لا يحتاج معه إلى ردّ بمجادلة، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله :﴿فإني معكم من المتربصين﴾ أي : العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك وأكده تنبيهاً على أنه يرجو الفرج بمصيبتهم كما يرجون الفرج بمصيبته، وأشار بالمعية إلى أنه مساوٍ لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوّتهم ووحدته وضعفه أن الأمر بخلاف ذلك.
قال القشيري : جاء في التفسير أنّ جميعهم أي الذين تربصوا به ماتوا قال ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقلّ من تكون هذه صفاته إلا وسبقته المنية ولا يدرك ما تمناه من الأمنية.
فإن قيل : هذا أمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولفظ الأمر يوجب المأمور به أو يبيحه ويجوّزه وتربصهم كان حراماً. أجيب : بأنّ ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد أي تربصوا ذلك فإني متربص الهلاك بكم كقول الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك بغافل.
الطور 52:32
﴿أم تأمرهم﴾ أي : تزين لهم تزييناً يصير ما لهم إليه من الانبعاث كالأمر ﴿أحلامهم﴾ أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه كان يقال فيهم أولو الأحلام والنهى، فأزرى الله تعالى بعقولهم حين لم تتم لهم معرفة الحق من الباطل وذلك أنّ الأشياء لا يعبأ بها إلا إن تزينت بعقل أو نقل فقال : هل ورد أمر سمعي أم عقولهم تأمرهم ﴿بهذا﴾ أي : قولهم له ساحر كاهن مجنون وقيل : إلى عبادة الأوثان، وقيل : إلى التربص أي لا تأمرهم بذلك ﴿أم﴾ أي بل ﴿هم﴾ بظواهرهم وبواطنهم ﴿قوم﴾ ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك ﴿طاغون﴾ أي : مفترون ويقولون ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلاً، والطغيان مجاوزة الحدّ في العصيان وكذلك كل شيء مكروه ظاهر قال تعالى :﴿لما طغى الماء﴾ [الحاقة: ١١].
تنبيه : اعلم أنّ قوله تعالى :﴿أم تأمرهم﴾ متصل تقديره : أأنزل عليهم ذكر أم تأمرهم أحلامهم بهذا، وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ كل ما لا يكون على وفق العقل لا ينبغي أن يقال، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلاً والأحلام جمع حلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى، لأنّ العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرّك من مكانه والحلم من الاحتلام وهو أيضاً سبب وقار المرء وثباته لأنّ الحلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزم الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلفاً، فالله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم ليعلم أنه يريد به كمال العقل.
الطور 52:33
﴿أم يقولون﴾ ما هو أفحش عاراً من التناقض ﴿تقوله﴾ أي : تكلف قوله من عند نفسه كذباً وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعراقة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن مثل شيء منه.
تنبيه : التقوّل تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضاً متصل بقوله تعالى ﴿أم يقولون شاعر﴾ تقديره أم يقولون شاعر أم يقولون تقوّله والمعنى ليس الأمر كما زعموا ﴿بل لا يؤمنون﴾ بالقرآن استكباراً.
الطور 52:34
ثم ألزمهم الحجة وأبطل جميع الأقسام. فقال عز من قائل :﴿فليأتوا﴾ أي : على أيّ تقدير أرادوه ﴿بحديث﴾ أي : كلام مفرق مجدّد إتيانه مع الأزمان ﴿مثله﴾ أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه لا نكلفهم أن يأتوا به جملة.
فإن قيل : الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، والموصوف هنا حديث وهو منكر ومثله مضاف إلى القرآن والمضاف إلى القرآن معرّف فكيف هذا. أجيب : بأنّ مثلاً وغيراً لا يتعرّفان بالإضافة وذلك أن غيرا ومثلاً وأمثالهما في غاية التنكير لأنك إذا قلت : مثل زيد يتناول كل شيء فإنّ كل شيء مثل زيد في شيء فالحمار مثله في الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله في النموّ والنشء والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف وأمّا غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت : غير زيد صار في غاية الإبهام فإنه يتناول أموراً لا حصر لها وأما إذا قطعت غير عن الإضافة فربما يكون الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس وتجعله مبتدأ أو تريد به معنى معيناً.
تنبيه : قالت المعتزلة : الحديث محدث والقرآن سماه حديثاً فيكون محدثاً، وأجيبوا : بأنّ الحديث اسم مشترك يقال للمحدث والمنقول ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم أي متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لا نزاع فيه. قال بعض العلماء : وهذا أمر تعجيز، قال الرازي : والظاهر أنّ الأمر هاهنا على حقيقته لأنه لم يقل ائتوا مطلقاً بل قال تعالى :﴿إن كانوا﴾ أي : كوناً هم راسخون فيه ﴿صادقين﴾ أي : في أنه تقوله من عند نفسه كما يزعمون فهو أمر معلق على شرط إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى :﴿فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفي هذا تشنيع عليهم سواء ادعوا أنه مجنون أم شاعر أم كاهن أم غير ذلك، لأنّ العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على مثله، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم على مثل ما يأتي به، فإنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد والنسب وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء ومزاولة الخطب والرسائل وغير ذلك فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي وهو المراد من تكذيبهم.
الطور 52:35
﴿أم خلقوا﴾ أي : وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة ﴿من غير شيء﴾ أي : خالق خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون لأنّ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق ﴿أم هم الخالقون﴾ لأنفسهم وذلك في البطلان أشدّ، لأنّ ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأنّ لهم خالقاً وهو الله تعالى فلم لا يوحدنه ويؤمنون به وبرسوله وبكتابه وقال الزجاج : معناه أخلقوا باطلاً لا يحاسبون ولا يؤمنون وقال ابن كيسان : أخلقوا عبثاً وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون كقول القائل : فعلت كذا وكذا من غير شيء، أي : لغير شيء أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر. وقيل : معناه أخلقوا من غير أب وأم.
تنبيه : لا خلاف أنّ أم هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه يقول اخلقوا من غير شيء قال الرازي : ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء الكلام وتقديره : أخلقوا من غير شيء أم هم الخالقون.
الطور 52:36
﴿أم خلقوا﴾ أي : على وجه الشركة ﴿السماوات والأرض﴾ فهم بذلك عالمون بما فيهما على وجه الإحاطة واليقين، حتى علموا أنك تقوّلته ليصير لهم ردّه والتهكم عليه ﴿بل لا يوقنون﴾ أي : ليس لهم نوع يقين وإلا لآمنوا برسوله وكتابه.
الطور 52:37
﴿أم عندهم﴾ أي : خاصة دون غيرهم ﴿خزائن ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك فيعلموا أنّ هذا الذي أتيت به ليس من قول الله تعالى فيصح قولهم إنك تقوّلته ﴿أم هم﴾ أي : لا غيرهم ﴿المسيطرون﴾ أي : الرقباء الحافظون المتسلطون الجبارون الرؤساء الحكام الكتبة ليكونوا ضابطين للأشياء كلها، كما هو شأن كتاب السرّ عند الملوك فيعلمون أنك تقوّلت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك.
الطور 52:38
﴿أم لهم سلم﴾ يصعدون به إلى السماء ﴿يستمعون﴾ أي : يتعمدون السماع لكل ما يكون فيها ومنها ﴿فيه﴾ أي : صاعدين في ذلك السلم إلى كلام الملائكة وما يوحي إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن ﴿فليأت مستمعهم﴾ أي : مدعي الاستماع ﴿بسلطان مبين﴾ أي : بحجة بينة واضحة.
الطور 52:39
وأشبه هذا الزعم زعمهم أنّ الملائكة بنات الله قال تعالى :﴿أم له البنات﴾ أي : بزعمكم ﴿ولكم البنون﴾ أي : خاصة لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوّتكم.
الطور 52:40
﴿أم تسألهم﴾ أي : أيها الطاهر الشيم البعيد عن مواقع التهم ﴿أجراً﴾ على إبلاغ ما أتيتهم به ﴿فهم من مغرم﴾ أي : غرم لك ولو قلّ، والمغرم التزام ما لا يجب ﴿مثقلون﴾ فهم لذلك يكذبون من كان سبباً في هذا الثقل بغير مستند ليستريحوا مما جره لهم من الثقل.
الطور 52:41
﴿أم عندهم﴾ أي : خاصة بهم ﴿الغيب﴾ أي : علم ما غاب عنهم ﴿فهم يكتبون﴾ أي : يجدّدون للناس كتابة جميع ما غاب عنهم مما ينفعهم ويضرّهم حتى يحسدوك فيما شاركتهم به منه فيردوه لذلك وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد نزاهتك عنه وبعدك منه. وقال ابن عباس معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به. واللام في الغيب لا للعهد ولا لتعريف الجنس بل المراد نوع الغيب، كما تقول اشتر اللحم تريد بيان الحقيقة لا كل لحم ولا لحماً معيناً.
الطور 52:42
﴿أم يريدون﴾ أي : بهذا القول الذي يرمونك به ﴿كيداً﴾ أي : مكراً وضرراً عظيماً ليهلكوك به ﴿فالذين كفروا﴾ وكان الأصل فهم، ولكنه قال تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿المكيدون﴾ أي : المغلوبون المهلكون فإنهم مكروا به في دار الندوة فحفظه الله تعالى منهم ثم أهلكهم ببدر عند انتهاء سنين عدتها عدّة ما هنا من أم وهي خمس عشرة مرة، لأنّ بدراً كانت في الثانية من الهجرة وهي الخامسة عشر من النبوّة فقد سبب الله تعالى فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية والردّ عن الضلالة والغواية.
الطور 52:43
﴿أم لهم إله﴾ أي : يمنعهم من التصديق بكتابنا أو يستندون إليه للأمان من عذابنا ﴿غير الله﴾ أي : الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿سبحان الله﴾ الملك الأعظم الذي تعالى عن أن يداني جنابه شائبة نقص ﴿عما يشركون﴾ من الأصنام وغيرها.
تنبيه : الاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ، ولما بين تعالى فساد أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنهم لم يبق لهم عذر فإنّ الآيات والحجج قد ظهرت ولم يؤمنوا فبعد ذلك استحقوا الانتقام.
الطور 52:44
وقوله تعالى :﴿وإن يروا﴾ أي : معاينة ﴿كسفاً﴾ أي : قطعة وقيل قطعاً واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر ﴿من السماء﴾ جهاراً نهاراً ﴿ساقطاً يقولوا﴾ جواب لقولهم ﴿فأسقط علينا كسفاً من السماء﴾ كأن الله تعالى يقول لو عذبناهم بسقوط قطعة من السماء عليهم لم ينتهوا عن قولهم ويقولون لمعاندتهم : هذا ﴿سحاب﴾ فإن قيل لهم هو مخالف للسحاب بصلابته وغلظته قالوا ﴿مركوم﴾ أي : مركب بعضه على بعض فتلبد وتصلب.
الطور 52:45
وقوله تعالى :﴿فذرهم﴾ أي : اتركهم على شر أحوالهم كقوله تعالى :﴿فأعرض عنهم﴾ [السجدة: ٣٠] وقوله تعالى :﴿فتول عنهم﴾ [الصافات: ١٧٤] إلى غير ذلك فقيل : كلها منسوخة بآية القتال قال ابن عادل وهو ضعيف وإنما المراد التهديد كقول السيد لعبده الجاني لمن يصحبه دعه فإنه سينال جنايته ﴿حتى يلاقوا يومهم الذي فيه﴾ أي : لا في غيره لأنّ ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر ﴿يصعقون﴾ أي : يموتون من شدة الأهوال وعظم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ولكن لا نقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم للحساب الذي يكذبون به. قال البقاعي : والظاهر أنّ هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصر فيه فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئاً كما قال أبو سفيان بن الحارث : ما هو إلا أنا ألقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا.
الطور 52:46
وقوله تعالى :﴿يوم لا يغني﴾ أي : بوجه من الوجوه بدل من يومهم ﴿عنهم كيدهم﴾ أي : الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة ﴿شيئاً﴾ من الإغناء في دفع شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال هذه الدار ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي : يتجدد لهم نصر ما في ساعة ما يمنعهم من العذاب.
الطور 52:47
وقوله تعالى :﴿وإنّ للذين ظلموا﴾ يجوز أن يكون من إيقاع الظاهر موضع المضمر وأن لا يكون، والمعنى : وإنّ للذين أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولونه في القرآن ويفعلونه من العصيان ويعتقدونه من الشرك والبهتان ﴿عذاباً دون ذلك﴾ أي : غير عذاب ذلك اليوم قال ابن عباس : يعني القتل يوم بدر وقال الضحاك : هو الجوع والقحط سبع سنين وقال البراء بن عازب : عذاب القبر، والآية تحتمل هذه المعاني كلها ﴿ولكنّ أكثرهم لا يعلمون﴾ أن العذاب نازل بهم.
الطور 52:48
﴿واصبر﴾ أي : أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت عليه من أداء الرسالة ﴿لحكم ربك﴾ أي : المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم، وسبب عن ذلك قوله تعالى مؤكداً لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع نسيان ﴿فإنك بأعيننا﴾ أي : بمرأى منا نراك ونحفظك، وجمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها وهي ظاهرة في الجمع، وإشارة إلى أنه محفوظ بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته سبحانه وتعالى ﴿وسبح﴾ ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي : المحسن إليك فأثبت له كل كمال من تنزيهك له عن كل نقص فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة ﴿حين تقوم﴾ قال سعيد بن جبير وعطاء : أي قل حين تقوم من مجلسك : سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيراً ازددت إحساناً وإن كان غير ذلك كان كفارة له.
وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من جلس مجلساً وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كان كفارة لما بينهما » أي من الذنوب الصغائر. وقال ابن عباس : معناه صل لله حين تقوم من مقامك وقال الضحاك والربيع : إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك، وقال الكلبي : هو ذكر الله تعالى باللسان حتى تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة لما روى عاصم بن حميد قال : سألت عائشة بأيّ شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل فقالت «كان إذا قام كبر عشراً وحمد الله تعالى عشراً وهلل عشراً واستغفر عشراً، وقال : اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة » وقيل حين تقوم لأمر ما.
الطور 52:49
﴿ومن الليل﴾ أي : الذي هو محل السكون والراحة ﴿فسبحه﴾ أي : صلّ له قال مقاتل : يعني صلاة المغرب والعشاء ﴿وإدبار النجوم﴾ أي : صل الركعتين قبل صلاة الفجر وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح هذا قول أكثر المفسرين وقال الضحاك : هي فريضة صلاة الصبح وهذه الآية نظير قوله تعالى :﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ [الروم: ١٧] وقد تقدم الكلام عليها.
قال الرازي : قال تعالى هنا :﴿وإدبار النجوم﴾ وقال في سورة ق :﴿وأدبار السجود﴾ [ق: ٤٠] فيحتمل أن يكون المعنى واحداً والمراد من السجود جمع ساجد والنجوم سجود قال تعالى :﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦] وقيل المراد من النجوم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من النبات قال الله تعالى :﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ [الرعد: ١٥] الآية أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل سبحان الله كما مرّ.