Lafzullah

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — النجم 53:1 – الواقعة 56:96

المؤلف / المصدر: الشربيني (ت 977هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27787)

المحتويات
  1. النجم 53:1
  2. النجم 53:2
  3. النجم 53:3
  4. النجم 53:4
  5. النجم 53:5
  6. النجم 53:6
  7. النجم 53:7
  8. النجم 53:8
  9. النجم 53:9
  10. النجم 53:10
  11. النجم 53:11
  12. النجم 53:12
  13. النجم 53:13
  14. النجم 53:14
  15. النجم 53:15
  16. النجم 53:16
  17. النجم 53:17
  18. النجم 53:18
  19. النجم 53:19
  20. النجم 53:20
  21. النجم 53:21
  22. النجم 53:22
  23. النجم 53:23
  24. النجم 53:24
  25. النجم 53:25
  26. النجم 53:26
  27. النجم 53:27
  28. النجم 53:28
  29. النجم 53:29
  30. النجم 53:30
  31. النجم 53:31
  32. النجم 53:32
  33. النجم 53:33
  34. النجم 53:34
  35. النجم 53:35
  36. النجم 53:36
  37. النجم 53:37
  38. النجم 53:38
  39. النجم 53:39
  40. النجم 53:40
  41. النجم 53:41
  42. النجم 53:42
  43. النجم 53:43
  44. النجم 53:44
  45. النجم 53:45
  46. النجم 53:46
  47. النجم 53:47
  48. النجم 53:48
  49. النجم 53:49
  50. النجم 53:50
  51. النجم 53:51
  52. النجم 53:52
  53. النجم 53:53
  54. النجم 53:54
  55. النجم 53:55
  56. النجم 53:56
  57. النجم 53:57
  58. النجم 53:58
  59. النجم 53:59
  60. النجم 53:60
  61. النجم 53:61
  62. النجم 53:62
  63. القمر 54:1
  64. القمر 54:2
  65. القمر 54:3
  66. القمر 54:4
  67. القمر 54:5
  68. القمر 54:6
  69. القمر 54:7
  70. القمر 54:8
  71. القمر 54:9
  72. القمر 54:10
  73. القمر 54:11
  74. القمر 54:12
  75. القمر 54:13
  76. القمر 54:14
  77. القمر 54:15
  78. القمر 54:16
  79. القمر 54:17
  80. القمر 54:18
  81. القمر 54:19
  82. القمر 54:20
  83. القمر 54:21
  84. القمر 54:22
  85. القمر 54:23
  86. القمر 54:24
  87. القمر 54:25
  88. القمر 54:26
  89. القمر 54:27
  90. القمر 54:28
  91. القمر 54:29
  92. القمر 54:30
  93. القمر 54:31
  94. القمر 54:32
  95. القمر 54:33
  96. القمر 54:34
  97. القمر 54:35
  98. القمر 54:36
  99. القمر 54:37
  100. القمر 54:38
  101. القمر 54:39
  102. القمر 54:40
  103. القمر 54:41
  104. القمر 54:42
  105. القمر 54:43
  106. القمر 54:44
  107. القمر 54:45
  108. القمر 54:46
  109. القمر 54:47
  110. القمر 54:48
  111. القمر 54:49
  112. القمر 54:50
  113. القمر 54:51
  114. القمر 54:52
  115. القمر 54:53
  116. القمر 54:54
  117. القمر 54:55
  118. الرحمن 55:1
  119. الرحمن 55:2
  120. الرحمن 55:3
  121. الرحمن 55:4
  122. الرحمن 55:5
  123. الرحمن 55:6
  124. الرحمن 55:7
  125. الرحمن 55:8
  126. الرحمن 55:9
  127. الرحمن 55:10
  128. الرحمن 55:11
  129. الرحمن 55:12
  130. الرحمن 55:13
  131. الرحمن 55:14
  132. الرحمن 55:15
  133. الرحمن 55:16
  134. الرحمن 55:17
  135. الرحمن 55:18
  136. الرحمن 55:19
  137. الرحمن 55:20
  138. الرحمن 55:21
  139. الرحمن 55:22
  140. الرحمن 55:23
  141. الرحمن 55:24
  142. الرحمن 55:25
  143. الرحمن 55:26
  144. الرحمن 55:27
  145. الرحمن 55:28
  146. الرحمن 55:29
  147. الرحمن 55:30
  148. الرحمن 55:31
  149. الرحمن 55:32
  150. الرحمن 55:33
  151. الرحمن 55:34
  152. الرحمن 55:35
  153. الرحمن 55:36
  154. الرحمن 55:37
  155. الرحمن 55:38
  156. الرحمن 55:39
  157. الرحمن 55:40
  158. الرحمن 55:41
  159. الرحمن 55:42
  160. الرحمن 55:43
  161. الرحمن 55:44
  162. الرحمن 55:45
  163. الرحمن 55:46
  164. الرحمن 55:47
  165. الرحمن 55:48
  166. الرحمن 55:49
  167. الرحمن 55:50
  168. الرحمن 55:51
  169. الرحمن 55:52
  170. الرحمن 55:53
  171. الرحمن 55:54
  172. الرحمن 55:55
  173. الرحمن 55:56
  174. الرحمن 55:57
  175. الرحمن 55:58
  176. الرحمن 55:59
  177. الرحمن 55:60
  178. الرحمن 55:61
  179. الرحمن 55:62
  180. الرحمن 55:63
  181. الرحمن 55:64
  182. الرحمن 55:65
  183. الرحمن 55:66
  184. الرحمن 55:67
  185. الرحمن 55:68
  186. الرحمن 55:69
  187. الرحمن 55:70
  188. الرحمن 55:71
  189. الرحمن 55:72
  190. الرحمن 55:73
  191. الرحمن 55:74
  192. الرحمن 55:75
  193. الرحمن 55:76
  194. الرحمن 55:77
  195. الرحمن 55:78
  196. الواقعة 56:1
  197. الواقعة 56:2
  198. الواقعة 56:3
  199. الواقعة 56:4
  200. الواقعة 56:5
  201. الواقعة 56:6
  202. الواقعة 56:7
  203. الواقعة 56:8
  204. الواقعة 56:9
  205. الواقعة 56:10
  206. الواقعة 56:11
  207. الواقعة 56:12
  208. الواقعة 56:13
  209. الواقعة 56:14
  210. الواقعة 56:15
  211. الواقعة 56:16
  212. الواقعة 56:17
  213. الواقعة 56:18
  214. الواقعة 56:19
  215. الواقعة 56:20
  216. الواقعة 56:21
  217. الواقعة 56:22
  218. الواقعة 56:23
  219. الواقعة 56:24
  220. الواقعة 56:25
  221. الواقعة 56:26
  222. الواقعة 56:27
  223. الواقعة 56:28
  224. الواقعة 56:29
  225. الواقعة 56:30
  226. الواقعة 56:31
  227. الواقعة 56:32
  228. الواقعة 56:33
  229. الواقعة 56:34
  230. الواقعة 56:35
  231. الواقعة 56:36
  232. الواقعة 56:37
  233. الواقعة 56:38
  234. الواقعة 56:39
  235. الواقعة 56:40
  236. الواقعة 56:41
  237. الواقعة 56:42
  238. الواقعة 56:43
  239. الواقعة 56:44
  240. الواقعة 56:45
  241. الواقعة 56:46
  242. الواقعة 56:47
  243. الواقعة 56:48
  244. الواقعة 56:49
  245. الواقعة 56:50
  246. الواقعة 56:51
  247. الواقعة 56:52
  248. الواقعة 56:53
  249. الواقعة 56:54
  250. الواقعة 56:55
  251. الواقعة 56:56
  252. الواقعة 56:57
  253. الواقعة 56:58
  254. الواقعة 56:59
  255. الواقعة 56:60
  256. الواقعة 56:61
  257. الواقعة 56:62
  258. الواقعة 56:63
  259. الواقعة 56:64
  260. الواقعة 56:65
  261. الواقعة 56:66
  262. الواقعة 56:67
  263. الواقعة 56:68
  264. الواقعة 56:69
  265. الواقعة 56:70
  266. الواقعة 56:71
  267. الواقعة 56:72
  268. الواقعة 56:73
  269. الواقعة 56:74
  270. الواقعة 56:75
  271. الواقعة 56:76
  272. الواقعة 56:77
  273. الواقعة 56:78
  274. الواقعة 56:79
  275. الواقعة 56:80
  276. الواقعة 56:81
  277. الواقعة 56:82
  278. الواقعة 56:83
  279. الواقعة 56:84
  280. الواقعة 56:85
  281. الواقعة 56:86
  282. الواقعة 56:87
  283. الواقعة 56:88
  284. الواقعة 56:89
  285. الواقعة 56:90
  286. الواقعة 56:91
  287. الواقعة 56:92
  288. الواقعة 56:93
  289. الواقعة 56:94
  290. الواقعة 56:95
  291. الواقعة 56:96

النجم 53:1

﴿والنجم إذا هوى﴾ قال ابن عباس في رواية العوفي : يعني الثريا إذا غابت وسقطت وهوت مغيبة، والعرب تسمي الثريا نجماً، وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً «ما طلع النجم قط وفي الأرض شيء من العاهات إلا رفع » وأراد بالنجم الثريا، وقال مجاهد : هو نجم السماء كلها حين يغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع سمى الكوكب نجماً لطلوعه وكلّ طالع نجم يقال : نجم السن والنبت والقرن إذا طلع. وروى عكرمة عن ابن عباس أنها ما يرجم به الشياطين عند استراقهم السمع وقال أبو حمزة الثمالي : هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة وقيل : المراد بالنجم القرآن سمي نجماً لأنه نزل نجوماً متفرقة في عشرين سنة ويسمى التفريق تنجيماً والمفرّق منجما هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال الكلبي : والهوى النزول من أعلى إلى أسفل وقال الأخفش : النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله تعالى :﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦] وهويه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق : يعني محمداً صلى الله عليه وسلم إذا نزل من السماء ليلة المعراج والهوى النزول يقال هوى يهوى هوياً والكلام في قوله تعالى :﴿والنجم﴾ كالكلام في قوله تعالى ﴿والطور﴾ حيث لم يقل والنجوم والأطوار وقال :﴿والذاريات﴾ [الذاريات: ١] ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: ١] كما مر. تنبيه : أوّل هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها فإنه تعالى قال في آخر تلك ﴿وإدبار النجوم﴾ وقال تعالى في أوّل هذه :﴿والنجم إذا هوى﴾ قال الرازي : والفائدة في تقييد القسم به في وقت هويه أنه إذا كان في وسط السماء يكون بعيداً عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال، فإذا نزل عن وسط السماء تبين بنزوله جانب المغرب عن المشرق والجنوب عن الشمال.

النجم 53:2

وقوله تعالى :﴿ما ضل﴾ أي : عن طريق الهداية ﴿صاحبكم﴾ محمد صلى الله عليه وسلم وقتاً من الأوقات، جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدلّ على القصد مرغبة لهم فيه وقتاً من الأوقات جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدلّ على القصد مرغبة لهم فيه ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون طهارة شمائله ﴿وما غوى﴾ أي : وما مال أدنى ميل ولا كان مقصده مما يسوء فإنه محروس من أسباب غواية الشياطين وغيرها. تنبيه : الغي جهل عن اعتقاد فاسد بخلاف الضلال، وذهب أكثر المفسرين إلى أن الغي والضلال بمعنى واحد وفرق بعضهم بينهما فقال : الضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة الرشد قال تعالى :﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال تعالى ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦] قال الرازي : وتحقيق القول فيه أنّ الضلال أعم استعمالاً في الوضع تقول : ضل بعيري ورحلي ولا تقول غيّ. فائدة : قد دافع الله سبحانه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمّا باقي الأنبياء فدافعوا عن أنفسهم ﴿ليس بي ضلالة﴾ ﴿ليس بي سفاهة﴾ ونحو ذلك قاله القشيري فإن قيل : كيف الجمع بين قوله تعالى :﴿ما ضلّ صاحبكم﴾ وبين قوله تعالى :﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى: ٧] أجيب : بأنّ المراد من الآية الآتية وجدك ضالاً عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها بخلاف هذه الآية.

النجم 53:3

﴿وما ينطق﴾ أي : يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في هذا الحال ولا في الاستقبال نطقاً ناشئاً ﴿عن الهوى﴾ أي : عن أمره كالكهان الذين يغلب كذبهم صدقهم، والشعراء وغيرهم وما يقول هذا القرآن من عند نفسه.

النجم 53:4

﴿إن﴾ أي : ما ﴿هو﴾ أي : الذي يتكلم به من القرآن وكلّ أقواله وأفعاله وأحواله ﴿إلا وحي﴾ أي : من الله تعالى وأكده بقوله تعالى :﴿يوحى﴾ أي : يجدد إليه إيحاؤه منا وقتاً بعد وقت. تنبيه : استدل بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، وأجيب : بأنّ الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحياً لا نطقاً عن الهوى.

النجم 53:5

﴿علمه﴾ أي : صاحبكم الوحي الذي أتاكم به ملك ﴿شديد القوى﴾ فلا تعجبوا من هذه البحار الزاخرة فإنّ معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كلّ ما أمره الله تعالى به وهو جبريل عليه السلام، فإنه الواسطة في إبداء الخوارق. روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف، ورأى إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه نفحة بجناحه فألقاه في أقصى بلاد الهند.

النجم 53:6

﴿ذو مرّة﴾ قال ابن عباس : ذو منظر حسن وقال أكثر المفسرين : ذو قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به، والطاقة لحمله بغاية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس في مزاولته ماض على طريقة واحدة على غاية من الشدّة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة لا يسأم في شيء يزاوله، ومن جملة ما أعطي من القوّة القدرة على التشكل وإلى ذلك أشار بما تسبب عن هذا من قوله تعالى ﴿فاستوى﴾ أي : فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوّته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها.

النجم 53:7

﴿وهو﴾ أي : والحال أنّ جبريل عليه السلام ﴿بالأفق الأعلى﴾ أي : عند مطلع الشمس، وذلك أنّ جبريل عليه السلام كان يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين مرّة في الأرض ومرّة في السماء، فأمّا التي في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان بحراء وكان جبريل واعده أن يأتيه وهو بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب فخر صلى الله عليه وسلم مغشياً عليه فنزل له جبريل عليه السلام في صورة الآدميين.

النجم 53:8

﴿ثم دنا﴾ أي قرب منه ﴿فتدلى﴾ أي زاد في القرب.

النجم 53:9

﴿فكان﴾ منه ﴿قاب﴾ أي قدر ﴿قوسين﴾ أي عربيتين ﴿أو أدنى﴾ من ذلك وضمه إلى نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه، وأمّا في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه وسلم. تنبيه : القاب والقيب والقاد والقيد والقيس المقدار، وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع ومنه «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين » وفي الحديث «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها » والقد : السوط، ويقال بينهما خطوات يسيرة وقال الشاعر : وقد جعلتني من خزيمة أصبعا *** فإن قيل : كيف تقدير قوله :﴿فكان قاب قوسين﴾ أجيب : بأنّ تقديره فكان مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله : وقد جعلتني من خزيمة أصبعا أي ذا مقدار مسافة أصبع. وروى الشيباني قال : سألت زراً عن قوله تعالى :﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ قال أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود «أنه محمد صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح » وبهذا قال ابن عباس والحسن وقتادة، وقال آخرون : دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ومعنى دنوه تعالى : قرب منزلة كقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه تبارك وتعالى «من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً ومن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً ومن مشى إليّ أتيته هرولة » وهذا إشارة إلى المعنى المجازي قال البغوي : وروينا في قصة المعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس : فدنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وهذه رواية أبي سلمة عن ابن عباس وقال مجاهد : دنا جبريل من ربه وقد قدّمت الكلام على المعراج وعلى جواز رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه في أوّل الإسراء. وقال الضحاك : دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجلّ فتدلى فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى وتقدّم الكلام على القاب، والقوس : ما يرمى به في قول مجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين. وقال مجاهد : معناه حيث الوتر من القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب والأصل في ذلك أنّ الحليفين من العرب كانا إذا أراد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فالصقا بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه، وقال عبد الله بن مسعود : قاب قوسين قدر ذراعين وهو قول سعيد بن جبير، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء أو أدنى بل أقرب وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب.

النجم 53:10

﴿فأوحى﴾ أي : الله تعالى وإن لم يجر له ذكر لعدم اللبس ﴿إلى عبده﴾ أي : جبريل عليه السلام ﴿ما أوحى﴾ أي : جبريل عليه السلام إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الموحي تفخيماً لشأنه وهذا التفسير ما جرى عليه الجلال المحلي وهو ظاهر، وقيل : فأوحى إلى جبريل بسبب هذا القرب وعقبه إلى عبده أي عبد الله ما أوحى أي جبريل وقيل : الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله تعالى :﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بكليته إلى جانب القدس، واختلف في الموحى على أقوال الأول قال سعيد ابن جبير : أوحى إليه ﴿ألم يجدك يتيماً﴾ [الضحى: ٦] إلى قوله تعالى :﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] الثاني : أوحى إليه الصلاة. الثالث : أن أحداً من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأنّ أمة من الأمم لا تدخلها قبل أمتك. الرابع : أنه مبهم لا يطلع عليه أحد وتعبدنا به على الجملة. الخامس : أنّ ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل.

النجم 53:11

﴿ما كذب الفؤاد﴾ أي : فؤاد النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿ما رأى﴾ أي : ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام، وهذا أيضاً ما جرى عليه الجلال المحلي. وقال البقاعي : ما رأى البصر أي حين رؤية البصر كأنه حاضر القلب لا أنها رؤية بصر فقط يمكن فيها الخلو عن حضور القلب وقال القشيري ما معناه : ما كذب فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره على الوصف الذي علمه قبل أن رآه، فكان علمه حق اليقين وقرأ هشام بتشديد الذال والباقون بالتخفيف.

النجم 53:12

وقوله تعالى :﴿أفتمارونه﴾ أي : تجادلونه وتغلبونه ﴿على ما يرى﴾ خطاب للمشركين المكذبين رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم لجبريل، وهذا ما قاله ابن مسعود وعائشة. ومن قال : إنّ المرئي هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده وهو قول ابن عباس قال : رآه بفؤاده مرّتين ما كذب الفؤاد ما رأى، وقال أنس والحسن وعكرمة : رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل بعينه، وروى عكرمة عن ابن عباس قال : إنّ الله تعالى اصطفى إبراهيم عليه السلام بالخلة واصطفى في موسى عليه السلام بالكلام واصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم بالرؤية وكانت عائشة تقول لم ير محمد صلى الله عليه وسلم ربه وتحمل الرؤية على رؤية جبريل قال مسروق قلت لعائشة : يا أمّتاه هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدّثكهنّ فقد كذب ؟ من حدّثك أنّ محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]. ومن حدّثك أنه كتم شيئاً مما أنزل الله تعالى فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧] الآية ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين »، وروى أبو ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك «قال نور أنّى أراه » وحاصل المسألة : أنّ الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الأمّة، وهو الذي يرجع إليه في المعضلات، وقد راجعه أبو عمرو فأخبره أنه رآه ولا يقدح في ذلك حديث عائشة، لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لم أر وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم وجوابه ظاهر، فإنّ الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ [الشورى: ٥١] الآية بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وبأنه عام مخصوص بما تقدّم من الأدلة. وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم «نور أنّى أراه » فقال الماوردي : الضمير في أراه عائد إلى الله تعالى ومعناه : إنه خالق النور المانع من رؤيته أي رؤية إحاطة كما مرّ إذ من المستحيل أن تكون ذات الله نوراً إذ النور من جملة الأجسام والله تعالى منزه عن ذلك فإن قيل : هلا قيل أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به فقالوا : صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع أجيب : بأنّ التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا تقولون فيه.

النجم 53:13

والواو في قوله تعالى :﴿ولقد رآه﴾ يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون للحال أي : كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه ﴿نزلة أخرى﴾ على وجه لا شك فيه. تنبيه : قوله تعالى :﴿نزلة﴾ فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بدّ من نزول، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه : الأوّل : أنّ الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلاً من السماء مرّة أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة في الأرض ومرّة في السماء ﴿عند سدرة المنتهى﴾ قال الرازي : ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه وسلم. الثاني : أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى، وهذا قول من قال في قوله تعالى :﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ هو الله تعالى وقد قيل : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان : أحدهما : قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما : أنّ نزوله بمعنى القرب بالرحمة والفضل، الثالث : أن محمداً رأى الله تعالى نزلة أخرى والمراد من النزلة : ضدّها وهي العرجة كأنه قال : رآه عرجة أخرى قال ابن عباس : نزلة أخرى هو أنه كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف في الصلوات فيكون لكلّ عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها. وروي عن ابن عباس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه أنه رأى ربه بعينه وعلى أنّ المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى :﴿عند سدرة المنتهى﴾ ظرفاً للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له : أين رأيته فيقول : على السطح، وقد يقول : عند الشجرة الفلانية، وأمّا قول من قال : بأنّ الله تعالى في مكان فذلك باطل، وإن قيل : بأنّ المرئي جبريل عليه السلام فظاهر. تنبيه : إضافة السدرة إلى المنتهى تحتمل وجوهاً : أحدها : إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعدّاه ملك، قال هلال بن كيسان : سأل ابن عباس كعباً عن سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب : إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل : ينتهي إليها ما هبط من فوقها ويصعد من تحتها، وقال كعب : تنتهي إليها الملائكة والأنبياء، وقال الربيع : تنتهي إليها أرواح المؤمنين. وثانيها : إضافة الملك إلى مالكه كقولك : دار زيد وشجر زيد وحينئذ المنتهى فيه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه قال الله تعالى :﴿إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢] فالمنتهى إليه هو الله تعالى وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه للتشريف والعظيم، كما يقال في التسبيح يا غاية رغبتاه ويا منتهى أملاه. وثالثها : إضافة المحل إلى الحال فيه كقولك كتاب الفقه وعلى هذا فالتقدير سدرة عندها منتهى العلوم فتتلقى هناك. قال البقاعي : وذلك والله أعلم ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوّة قبل الهجرة بقليل بعد أن ترقى في معارج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينها من المسافات فانتهى إلى منتهى سمع فيه صرير الأقلام.

النجم 53:14

والواو في قوله تعالى :﴿ولقد رآه﴾ يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون للحال أي : كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه ﴿نزلة أخرى﴾ على وجه لا شك فيه. تنبيه : قوله تعالى :﴿نزلة﴾ فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بدّ من نزول، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه : الأوّل : أنّ الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلاً من السماء مرّة أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة في الأرض ومرّة في السماء ﴿عند سدرة المنتهى﴾ قال الرازي : ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه وسلم. الثاني : أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى، وهذا قول من قال في قوله تعالى :﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ هو الله تعالى وقد قيل : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان : أحدهما : قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما : أنّ نزوله بمعنى القرب بالرحمة والفضل، الثالث : أن محمداً رأى الله تعالى نزلة أخرى والمراد من النزلة : ضدّها وهي العرجة كأنه قال : رآه عرجة أخرى قال ابن عباس : نزلة أخرى هو أنه كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف في الصلوات فيكون لكلّ عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها. وروي عن ابن عباس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه أنه رأى ربه بعينه وعلى أنّ المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى :﴿عند سدرة المنتهى﴾ ظرفاً للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له : أين رأيته فيقول : على السطح، وقد يقول : عند الشجرة الفلانية، وأمّا قول من قال : بأنّ الله تعالى في مكان فذلك باطل، وإن قيل : بأنّ المرئي جبريل عليه السلام فظاهر. تنبيه : إضافة السدرة إلى المنتهى تحتمل وجوهاً : أحدها : إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعدّاه ملك، قال هلال بن كيسان : سأل ابن عباس كعباً عن سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب : إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل : ينتهي إليها ما هبط من فوقها ويصعد من تحتها، وقال كعب : تنتهي إليها الملائكة والأنبياء، وقال الربيع : تنتهي إليها أرواح المؤمنين. وثانيها : إضافة الملك إلى مالكه كقولك : دار زيد وشجر زيد وحينئذ المنتهى فيه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه قال الله تعالى :﴿إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢] فالمنتهى إليه هو الله تعالى وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه للتشريف والعظيم، كما يقال في التسبيح يا غاية رغبتاه ويا منتهى أملاه. وثالثها : إضافة المحل إلى الحال فيه كقولك كتاب الفقه وعلى هذا فالتقدير سدرة عندها منتهى العلوم فتتلقى هناك. قال البقاعي : وذلك والله أعلم ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوّة قبل الهجرة بقليل بعد أن ترقى في معارج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينها من المسافات فانتهى إلى منتهى سمع فيه صرير الأقلام.

النجم 53:15

وعظمها بقوله تعالى :﴿عندها﴾ أي : السدرة ﴿جنة المأوى﴾ أي : التي لا مأوى في الحقيقة غيرها وهي الجنة التي وعدها المتقون كقوله تعالى :﴿دار المقامة﴾ [فاطر: ٣٥]. وقيل هي جنة أخرى عندها تكون أرواح الشهداء تأوي إليها وقيل هي جنة الملائكة.

النجم 53:16

وقوله تعالى :﴿إذ﴾ معمول لرأى أي : رأى من آيات ربه الكبرى حين ﴿يغشى السدرة﴾ وهي شجرة النبق وقوله تعالى :﴿ما يغشى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها واختلفوا فيما يغشاها فقيل : فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك قال الرازي : وهذا ضعيف لأنّ ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له ا. ه. قال القرطبي ورواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنه قال «رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كلّ ورقة ملكاً قائماً يسبح الله تعالى وذلك قوله عز من قائل :﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ » وقيل : ملائكة تغشاها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة وروي في حديث المعراج عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كقلال هجر قال : فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة ». وقيل : يغشاها أنوار الله تعالى، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما وصل إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار، ولكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرّك الشجرة وخر موسى عليه السلام صعقاً ولم يتزلزل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : أبهمه تعظيماً له والغشيان يكون بمعنى التغطية قال الماوردي في معاني القرآن : فإن قيل : لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر قلنا : لأنّ السدرة تختص بثلاثة أوصاف : ظلّ مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولاً وعملاً ونية فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوره، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، وريحها بمنزلة القول لظهوره، وروى أبو داود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«من قطع سدرة صوب الله تعالى رأسه في النار » وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال : هو مختصر يعني : من قطع سدرة في فلاة يستظلّ بها ابن السبيل والبهائم، عبثاً وظلماً بغير حق يكون له فيها، صوب الله تعالى رأسه في النار.

النجم 53:17

ثم أكد سبحانه الرؤية وقرّرها بقوله تعالى ﴿ما زاغ﴾ أي : ما مال أدنى ميل ﴿البصر﴾ أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه فما قصر عن النظر إلى ما أذن له فيه وما زاد ﴿وما طغى﴾ أي : تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه، مع أنّ ذاك العالم غريب عن بني آدم وفيه من العجائب ما يحير الناظر، بل كانت له الصفة الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل فأثبت ما رآه على حقيقته، وكما هو قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه : وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية وهذه غامضة من غوامض الأدب اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. تنبيه : اللام في البصر تحتمل وجهين : أحدهما : المعروف أي ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا إن قيل بأنّ الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحاناً لمحمد صلى الله عليه وسلم وإن قيل إنّ الغاشي أنوار الله تعالى ففيه وجهان : أحدهما : لم يلتفت يمنة ولا يسرة بل اشتغل بمطالعتها. الثاني : ما زاغ البصر بصعقه بخلاف موسى عليه السلام فإنه قطع النظر وغشي عليه، ففي الأوّل بيان أدب محمد صلى الله عليه وسلم وفي الثاني بيان قوّته. الوجه الثاني : أنّ اللام لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع لعظم هيبته فإن قيل : لو كان كذلك لقال ما زاغ بصره فإنه أدلّ على العموم فإنّ النكرة في معرض النفي تعم، أجيب : بأنّ هذا مثل كقوله تعالى :﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولم يقل ولا يدركه بصر.

النجم 53:18

ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكاراً لم يقع لهم في غيره مثله زاد في تأكيده على وجه يعمّ غيره فقال تعالى :﴿لقد رأى﴾ أي : أبصر ما أهلناه له من الرسالة تلك الليلة إبصاراً سارياً إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر ﴿من آيات ربه﴾ أي : المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد بعده ﴿الكبرى﴾ أي : العظام أي بعضها، واختلف في ذلك البعض فقيل جبريل عليه السلام رآه في صورته له ستمائة جناح. وقال الرازي : والظاهر أن هذه الآيات غير تلك لأنّ جبريل عليه السلام وإن كان عظيماً لكنه ورد في الأخبار أنّ لله تعالى ملائكة أعظم منه، والكبرى تأنيث الأكبر فكأنه تعالى قال رأى من آيات ربه آيات هنّ أكبر الآيات وقيل رأى : رفرفاً أخضر سد الأفق وقيل : أراد ما رأى في تلك الليلة في مسيره وعوده ومن اجتماعه تلك الليلة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات.

النجم 53:19

ولما قرّر تعالى الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك بقوله تعالى :﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ إشارة إلى إبطال قولهم كما إذا ادّعى ضعيف الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون : انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره، فلذلك قال تعالى :﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ أي كما هما فكيف تشركونهما بالله سبحانه وتعالى، واللات صنم ثقيف والعزى شجرة لغسان وهما أعظم أصنامهم، اشتقوا لهما اسمين من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وقيل : العزى تأنيث الأعز وعن ابن عباس كان اللات رجلاً يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره. وعن مجاهد أن العزى شجرة لغطفان كانوا يعبدونه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد يضربها بالفأس ويقول : يا عز كفرانك لا سبحانك؍ إني رأيت الله قد أهانك؍ فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية بويلها واضعة يدها على رأسها ويقال إنّ خالداً رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد قلعتها فقال ما رأيت قال ما رأيت شيئاً فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ما فعلت فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال تلك العزى ولن تعبد أبداً. وقال الضحاك : هي صنم لغطفان وضعها لهم سعيد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه لما قدم مكة فرأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بهما فعاد إلى نخلة وقال لقومه : إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله يعبدونه وليس لكم قالوا : فما تأمرنا به، قال : أنا أصنع لكم كذلك وأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذه من الصفا وقال : هذا الصفا ووضع الذي أخذه من المروة، وقال هذه المروة : ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة فقال : هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأمر برفع الحجارة وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها وقال ابن زيد : هي بيت بالطائف كان تعبده ثقيف.

النجم 53:20

وأما قوله تعالى ﴿ومناة﴾ فقال قتادة : هي صخرة كانت لخزاعة بقديد، وقالت عائشة في الأنصار كانوا يصلون لمناة فكانت حذو قديد. وقال ابن زيد بيت بالمشلل تعبده بنو كعب وقال الضحاك : مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة وقيل اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها. وقوله تعالى :﴿الثالثة الأخرى﴾ نعت لمناة إذ هي الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فقال أبو البقاء : توكيد لأنّ الثالثة لا تكون إلا أخرى، وقال الزمخشري : الأخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى :﴿وقالت أخراهم﴾ [الأعراف: ٣٨] أي : وضعاؤهم ﴿أولاهم﴾ أي : لأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدّم عندهم للات والعزى ا. ه. قال ابن عادل : وفيه نظر لأنّ الأخرى إنما تدل على الغيرية وليس فيها تعرّض لمدح ولا ذم فإن جاء شيء فلقرينة خارجية ا. ه. ووجه الترتيب أنّ اللات كان وثناً على صورة آدمي، والعزى شجرة نبات، ومناة صخرة فهي جماد فهي في أخريات المراتب. فإن قيل : ما فائدة الفاء في قوله تعالى :﴿أفرأيتم﴾ وقد وردت في مواضع بغير فاء كقوله تعالى :﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله﴾ [الأحقاف: ٤] ﴿أرأيتم شركاءكم﴾ [فاطر: ٤٠] أجيب : بأنه تعالى لما قدم عظمته في ملكوته وأنّ رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدّته وقوّته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدّى السدرة في مقام جلال الله وعزته قال : أفرايتم هذه الأصنام مع ذلتها وحقارتها شركاء الله تعالى مع ما تقدّم، فقال بالفاء أي عقب ما سمعتم من عظمة آيات الله الكبرى ونفاذ علمه في الملأ الأعلى وما تحت الثرى انظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه. تنبيه : مفعول أرأيت الأول اللات وما عطف عليه والثاني : محذوف والمعنى أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدّم ذكره. وقرأ ابن كثير ﴿مناة﴾ بهمزة مفتوحة بعد الألف والباقون بغير همز.

النجم 53:21

ولما زعموا أيضاً أنّ الملائكة بنات الله مع كراهتهم للبنات نزل ﴿ألكم﴾ أي : خاصة ﴿الذكر﴾ أي : النوع الأعلى ﴿وله﴾ أي : وحده ﴿الأنثى﴾ أي : النوع الأسفل.

النجم 53:22

﴿تلك﴾ أي : هذه القسمة البعيدة عن الصواب ﴿إذاً﴾ أي : إذ جعلتم البنات له والبنين لكم ﴿قسمة ضيزى﴾ أي : جائرة ظالمة ناقصة فيها بخس للحق إلى الغاية عوجاء غير معتدلة، حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حياً بل كان ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم العقل والنقل والعادة.

النجم 53:23

﴿إن﴾ أي : ما ﴿هي﴾ أي : هذه الأصنام ﴿إلا أسماء﴾ أي : لا حقائق لها فيما ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك غير الأسماء وأكد ذلك بقوله تعالى :﴿سميتموها﴾ أي : ابتدعتم تسميتها. فإن قيل : الأسماء لا تسمى وإنما يسمى بها أجيب : بأن التسمية وضع الاسم فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها ﴿أنتم وآباؤكم﴾ أي : لا غير ﴿ما أنزل الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿بها﴾ أي باستحقاقها للأسماء أو لما سميتموها به من الإلهية، وأغرق في النفي فقال :﴿من سلطان﴾ أي : حجة تصلح مسلطاً على ما يدعى فيها بل لمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا كلمتكم قط بكلمة تعتمدونها وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ألسنتها فأيّ طريقة قويمة شرعت لكم، وأيّ كلام صالح أو بليغ برز إليكم منها وأيّ آية كبرى أرَتْكموها. ﴿إن﴾ أي : ما ﴿يتبعون﴾ أي : في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة وأنها تشفع لهم أو تقربهم إلى الله تعالى ﴿إلا الظن﴾ أي : وهو غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم والظن ترجيح أحد الجائزين على زعم الظان. ولما كان الظن قد يكون موافقاً للحق مخالفاً للهوى قال تعالى :﴿وما تهوى الأنفس﴾ أي : تشتهي وهي لما لها من النقص لا تشتهي أبداً إلا ما يهوى بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما يسوق إليها العقل. قال القشيري : فأما الظن الجميل بالله تعالى فليس من هذا الباب، والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل إنما الظن المعلول في الله تعالى وأحكامه وصفاته ا. ه. ولهذا كان كثير من الفقه ظنياً وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه «أنا عند ظن عبدي بي ». ﴿ولقد جاءهم﴾ أي : العجب أنهم يقولون ذلك والحال أنهم قد جاءهم ﴿من ربهم﴾ المحسن إليهم ﴿الهدى﴾ على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم بالبرهان القاطع أنها ليست بآلهة، وأنّ العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار فلم يرجعوا عما هم عليه، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم وقرأ أبو عمرو بكسرهما والباقون بكسر الهاء وضم الميم.

النجم 53:24

﴿أم للإنسان﴾ أي : كل إنسان منهم ﴿ما تمنى﴾ أي : من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهة عيش، ومن أن الأصنام تشفع له ليس الأمر كذلك.

النجم 53:25

﴿فللّه﴾ أي : الملك الأعظم وحده ﴿الآخرة﴾ فهو لا يعطي ما فيها إلا لمن تبع هداه وترك هواه ﴿والأولى﴾ أي : الدنيا فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلاً كما هو مشاهد ولكنه يعطي منها ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه سبحانه في شيء منها.

النجم 53:26

﴿وكم من ملك﴾ أي : كثير من الملائكة أي ممن يعبدهم هؤلاء الكفار، ودلّ على زيادة قوّتهم بشرف مسكنهم، وهو قوله تعالى :﴿في السماوات﴾ أي : وهم في الكرامة والزلفى ﴿لا تغني شفاعتهم﴾ أي : عن أحد من الناس ﴿شيئاً﴾ ثم قصر الأمر عليه ورده بحذافيره إليه بقوله تعالى :﴿إلا من بعد أن يأذن﴾ أي : يمكن ويريد ﴿الله﴾ أي الملك الذي لا أمر أصلاً لأحد معه ﴿لمن يشاء﴾ من عباده من الملائكة أو من الناس أن يشفع ﴿ويرضى﴾ أي : ويراه أهلاً لذلك فكيف تعبد الأصنام مع حقارتها لتشفع لهم.

النجم 53:27

﴿إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي : لا يصدقون ولا يقرّون بالبعث وغيره من أحوال يوم القيامة ﴿ليسمون الملائكة﴾ أي : كل واحد منهم ﴿تسمية الأنثى﴾ بأن سموه بنتاً، وذلك أنهم كانوا يقولون : الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد، ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن يقال : سجدت الملائكة فقالوا بنات الله فسموهم تسمية الإناث. فإن قيل : كيف يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوباً على قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه أجيب : بأنهم ما كانوا يجزمون به بل كانوا يقولون لا حشر فإن كان فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله تعالى عنهم :﴿وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى﴾ [فصلت: ٥٠] وبأنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي وردت به الرسل فإن قيل : كيف قال : تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث أجيب بأن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآي.

النجم 53:28

﴿وما﴾ أي : والحال أنهم ما ﴿لهم به﴾ أي : بما يقولون، وقيل : الضمير يعود إلى ما تقدّم من عدم قبول الشفاعة وقيل : يعود إلى الله تعالى أي ما لهم بالله تعالى ﴿من علم﴾ ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله تعالى :﴿إن﴾ أي : ما ﴿يتبعون﴾ أي بغاية ما يكون من شهوة النفس في ذلك وغيره ﴿إلا الظن﴾ أي الذي يتخيلونه ﴿وإن﴾ أي : والحال أن ﴿الظن﴾ أي : مطلقاً في هذا وفي غيره، ولذلك أظهر في موضع الإضمار ﴿لا يغني﴾ أي إغناء مبتدأ ﴿من الحق﴾ أي : الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله والظن إنما يعتبر في العمليات لا في العلميات ولاسيما الأصولية ﴿شيئاً﴾ أي : من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدّي أبداً إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين، فإنّ المقصود فيها تحقيق الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع فإنّ المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه وهو ردّه إلى الأصول المستنبط منها، لعجز الإنسان عن القطع في جميع الفروع تنبيهاً على عجزه وافتقاره إلى الله تعالى ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوّته ليكشف له عن الحقائق.

النجم 53:29

ولما أن أصروا على الهوى بعد مجيء الهدى سبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فأعرض﴾ أي : يا أشرف الرسل ﴿عمن تولى﴾ أي : كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة الأولى ﴿عن ذكرنا﴾ أي : القرآن الذي أنزلناه فلم يتله ولم يتدبر معانيه ﴿ولم يرد﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿إلا الحياة الدنيا﴾ أي الحاضرة لتقيده بالمحسوسات كالبهائم مع العمى عن دناءتها وحقارتها. قال الجلال المحلي : وهذا قبل الأمر بالجهاد. قال الرازي : وأكثر المفسرين يقولون : بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى :﴿فأعرض﴾ منسوخ بآية القتال وهو باطل، لأنّ الأمر بالإعراض موافق لآية القتال فكيف ينسخ بها وذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأول كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم والجواب عن أباطيلهم. وقيل له : وجادلهم بالتي أحسن ثم لما لم ينفع قال له ربه : أعرض عنهم ولا تقل لهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا يتبعون الحق، وقاتلهم والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف يكون منسوخاً بها ؟

النجم 53:30

﴿ذلك﴾ أي : الأمر المتناهي في الجهل والقباحة ﴿مبلغهم﴾ أي : نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم وتهكم بهم بقوله تعالى :﴿من العلم﴾ أي غايتهم من العلم أنهم آثروا الدنيا على الآخرة، والجملة اعتراض مقرر لقصور همتهم على الدنيا وقوله تعالى :﴿إنّ ربك﴾ أي : المحسن إليك بالرسالة ﴿هو أعلم﴾ أي : عالم ﴿بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ أي : ظاهراً وباطناً، تعليل للأمر بالإعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب للقلوب فأتى على ترتيب الأطباء في أنّ المرض إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القويّ، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي كما قيل : آخر الدواء الكي فالنبيّ صلى الله عليه وسلم أولاً أمر القلوب بذكر الله تعالى فقط، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، كما أنّ بالغذاء تطمئن النفوس والذكر غذاء القلوب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أولاً :«قولوا لا إله إلا الله أمر بالذكر فانتفع مثل أبي بكر، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل وقال ﴿قل انظروا﴾ [الأعراف: ١٨٤] ﴿قل انظروا﴾ [يونس: ١٠١] ﴿أفلا ينظرون﴾ [الغاشية: ١٧] إلى غير ذلك، فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينفعهم قال أعرض عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح. فإن قيل : إنّ الله تعالى بين أنّ غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله تعالى نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبيّ الذي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله تعالى ؟ أجيب : بأنه ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم قبولهم العلم، وإنما قدر الله تعالى توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيتحقق العقاب.

النجم 53:31

﴿ولله﴾ أي : الملك الأعظم وحده ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي : من الذوات والمعاني فيشمل ذلك السماوات والأرض معترض بين الآية الأولى وبين قوله تعالى ﴿ليجزي الذين أساؤوا﴾ أي : بالضلال ﴿بما عملوا﴾ أي : بسببه أو بجنسه إما بواسطتك بسيوفك وبسيوف أتباعك إذ أذنت لكم في القتال، وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة. تنبيه : اللام في ليجزي يجوز أن تتعلق بقوله تعالى :﴿بمن ضل﴾ و﴿بمن اهتدى﴾، واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعاً للجزاء بما عملوا قال معناه الزمخشري، وأن تتعلق بما دلّ عليه قوله تعالى :﴿أعلم بمن ضلّ﴾ أي : حفظ ذلك ليجزي قاله أبو البقاء ﴿ويجزي﴾ أي : ويثيب ويكرم ﴿الذين أحسنوا﴾ أي : على ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم ﴿بالحسنى﴾ أي : بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.

النجم 53:32

وبين المحسنين بقوله تعالى :﴿الذين يجتنبون﴾ أي : يكلفون أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا ﴿كبائر الإثم﴾ أي : ما عظم الشارع إثمه بعد تحريمه بالوعيد والحد، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء الموحدة وبعدها ياء ساكنة والباقون بفتح الموحدة وبعدها ألف وبعد الألف همزة مكسورة وعطف على كبائر قوله تعالى :﴿والفواحش﴾ والفاحشة من الكبائر ما كرهه الطبع وأنكره العقل واستخبثه الشرع والكبيرة صفة عائدة إلى الكيفية. وقوله تعالى :﴿إلا اللمم﴾ فيه أوجه : أحدها وهو المشهور أنه استثناء منقطع أي لكن اللمم، لأنه الصغائر فلم تندرج فيما قبلها ثانيها : أنه صفة وإلا بمعنى غير كقوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي كبائر الإثم والفواحش غير اللمم. ثالثها : أنه متصل وهذا عند من يفسر اللمم بغير الصغائر قالوا : إنّ اللمم من الكبائر والفواحش قالوا : إن معنى الآية إلا أن يلم بالفاحشة مرّة ثم يتوب ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك قال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن قول الله عز وجل إلا اللمم فقلت : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم وروى : عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«أن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » ولمسلم «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه النطق واليد زناها البطش والرجل زناها الخطأ والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ». تنبيه : ذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر، وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وقد اختلف في ضبط الكبيرة بالحد فقال جمع : هي ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقال جمع : هي المعصية الموجبة للحد والأوّل أوجه لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها وقال إمام الحرمين : هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وأما تعريفها بالعد فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي إلى السبعين أقرب وقال سعيد بن جبير هي إلى السبعمائة أقرب أي باعتبار أصناف أنواعها وما عدا المحدود من المعاصي فمن الصغائر ولا بأس بذكر شيء من النوعين. فمن الأوّل تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر ومنع الزكاة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن واليأس من رحمة الله تعالى، وأمن مكر الله تعالى، وقتل النفس عمداً أو شبه عمد، والفرار من الزحف وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في رمضان من غير عذر، وعقوق الوالدين والزنا واللواط وشهادة الزور، وشرب الخمر وإن قل، والسرقة والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به في السرقة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمداً، وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، والسحر والنميمة، وأما الغيبة فإن كانت في أهل العلم وحملة القرآن فهي كبيرة وإلا فصغيرة. ومن الصغائر النظر المحرم وكذب لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على سوآت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة وشق الجيب في المصيبة والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناساً لهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة يغلب تنجيسهم المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة، والإصرار على صغيرة من نوع أو أنواع يصيرها كبيرة إلا أن تغلب طاعاته معاصيه كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج وغيره. ﴿إنّ ربك﴾ أي : المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك ﴿واسع المغفرة﴾ يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة وله أن يفغر ما شاء من الذنوب ما عدا الشرك صغيرها وكبيرها كما قال تعالى :﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] بخلاف غيره من الملوك فإنه لا يغفر لمن تكرّرت ذنوبه إليهم وإن صغرت قال البيضاويّ : ولعله عقب به وعيد المسيئين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى ا. ه. ونزل فيمن كان يقول صلاتنا صيامنا حجنا ﴿هو أعلم بكم﴾ أي : بذواتكم وأحوالكم منكم بأنفسكم ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿أنشأكم من الأرض﴾ أي : التي طبعها طبع الموت البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم عليه السلام منها، وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم وأنتم تراب قابلية للحياة بقوة قريبة ولا بعيدة أصلاً فميز التراب الذي يصلح لتكوينكم منه والذي لا يصلح ﴿وإذ﴾ أي : وحين ﴿أنتم أجنة﴾ أي : مستورون ﴿في بطون أمهاتكم﴾ فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشرّ وإن عملتم مدة من العمر بخلافه، لأنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك. وقرأ حمزة والكسائيّ في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها، وكسر حمزة الميم وفتحها الباقون، وأما في الابتداء بالهمزة فالجميع بضمها. ﴿فلا تزكوا﴾ أي : تمدحوا بالزكاة وهي البركة والطهارة عن الدناءة ﴿أنفسكم﴾ أي : حقيقة بأن يثني الإنسان على نفسه فإنّ تزكيته لنفسه قال القشيري : من علامات كونه محجوباً عن الله تعالى أي : من مدح نفسه على سبيل الإعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن، أو مجازاً بأن يثنى على غيره من إخوانه وأنه كثيراً ما يثنى بشيء فيظهر خلافه وربما حصل له الأذى بسببه «وإنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع » الحديث. ولذلك علل بقوله تعالى :﴿هو أعلم﴾ أي : منكم ومن جميع الخلق ﴿بمن اتقى﴾ أي فإنه يعلم المتقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم عليه السلام فمن جاهد نفسه حتى حصل منه تقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتاً.

النجم 53:33

ولما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحد منهم بسوء فعله فقال تعالى :﴿أفرأيت الذي تولى﴾ أي : عن اتباع الحق والثبات عليه. قال مجاهد وأبو زيد ومقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبيّ صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال : إني خشيت عذاب الله تعالى فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله تعالى ﴿أفرأيت الذي تولى﴾ أي أدبر عن الإيمان.

النجم 53:34

﴿وأعطى قليلا﴾ أي : من المال المسمى ﴿وأكدى﴾ أي : منع الباقي، مأخوذ من الكدية أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر، فأكدى أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئاً فصادف كدية منعته من الحفر ومثله : أجبل إذا صادف جبلاً منعه من الحفر وكديت أصابعه كَلَّت من الحفر ثم استعمل في كل من طلب شيئاً فلم يصل إليه أو لم يتممه ولمن طلب شيئاً ولم يبلغ آخره قال الحطيئة : وأعطى قليلاً ثم أكدى عطاءه؍ ومن يفعل المعروف في الناس يحمد؍ وقال السدي : نزلت في العاصي بن وائل السهمي وذلك أنه ربما يوافق النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى :﴿وأعطى قليلاً وأكدى﴾ أي لم يؤمن به ومعنى أكدى قطع، وروي أنّ عثمان رضي الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة : يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان : إنّ لي ذنوباً وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فنزلت.

النجم 53:35

وقوله تعالى :﴿أعنده علم الغيب﴾ أي : ما غاب هو المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني، والمفعول الأوّل محذوف اقتصاراً لأعطى ﴿فهو﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنه ﴿يرى﴾ أي : يعلم أنّ صاحبه يتحمل عنه ذنوبه.

النجم 53:36

﴿أم﴾ أي : بل ﴿لم ينبأ﴾ أي : يخبر أخباراً عظيماً متتابعاً ﴿بما في صحف موسى﴾ أي : التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه، وكذا ما تبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها.

النجم 53:37

وقدم صحف موسى عليه السلام على قوله :﴿وإبراهيم﴾ أي : وصحفه لأنّ كتاب موسى عليه السلام أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس تمكن مراجعته، ثم مدح إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى :﴿الذي وفى﴾ أي : أتم ما أمر به من ذلك تبليغ الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه وخدمتهم إياه بنفسه، وإنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يرتاد ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وعن الحسن : ما أمر الله تعالى بشيء إلا وفى به وصبر على ما امتحن به، وما قلق شيئاً من قلق وصبر على حر ذبح الولد وعلى حر النار ولم يستعن بمخلوق بل قال لجبريل عليه السلام لما قال له : ألك حاجة قال : أما إليك فلا وقال الضحاك : وفي المناسك، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال «إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار » وهي صلاة الضحى وروي «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى كان يقول : إذا أصبح وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى تظهرون » وقيل : وفى سهام الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة ﴿التائبون. . .﴾ [التوبة: ١١٢]، وعشرة في الأحزاب ﴿إنّ المسلمين. . .﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعشرة في المؤمنون، ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] وخص هذين النبيين لأنّ الموعودين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة موسى عليه السلام، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوّة محققة ولا شريعة محفوظة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها.

النجم 53:38

ثم فسر تعالى الذي في الصحف واستأنف بقوله تعالى :﴿ألا تزر﴾ أي : تأثم وتحمل ﴿وازرة﴾ أي : نفس بلغت مبلغاً تكون فيه حاملة لوزر ﴿وزر أخرى﴾ أي : حملها الثقيل من الإثم، وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه الإثم، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، وكان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وامرأته والعبد بسيده، حتى جاءهم إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله عز وجل ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾.

النجم 53:39

ولما نفى أن يضرّه أثم غيره نفي أن ينفعه سعي غيره بقوله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان﴾ كائناً من كان ﴿إلا ما سعى﴾ فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من سعيه بموادته ولو بموافقته لهم في الدين فقط، وكذا الحج عنه والصدقة ونحوها، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما كان بسبب العلم والصدقة ونحوها فكذلك، وتضحية النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أمته أصل كبير في ذلك فإنّ من تبعه فقد واده وهو أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها إليه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي : وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام بقوله :﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إنّ ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما يروى أن امرأة رفعت صبياً لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم ولك أجر «وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إنّ أمي انسلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم ». قال الشيخ تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن تيمية : من اعتقد أنّ الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة : أحدها : أنّ الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بعمل الغير. ثالثها : أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. رابعها : أنّ الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها : أنّ الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها : أنّ أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها : قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾ [الكهف: ٨٢] فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. ثامنها : أنّ الميت ينتفع بالصدقة عنه والعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير. تاسعها : أنّ الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعلم الغير. عاشرها : أنّ الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشرها : أن المدين الذي امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب وانتفع بصلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير. ثاني عشرها : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلى معه » فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشرها : أنّ الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشرها : أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشرها : أنّ الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشرها : أنّ جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشرها : الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحيّ عليه وهو عمل غيره. ثامن عشرها : أنّ الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشرها : أنّ الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] وقال تعالى :﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ [الفتح: ٢٥] ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ [البقرة: ٢٥١] فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير. عشروها : أنّ صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي لهما. حادي عشريها : أنّ الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمّل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأوّل الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة. والمراد بالإنسان العموم وقال الربيع بن أنس : ليس للإنسان يعني الكافر : وأما المؤمن فله ما سعي وما سعى له وقيل : ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وروي «أنّ عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصاً ألبسه إياه فلما مات أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفن فيه فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها ».

النجم 53:40

﴿وأن سعيه﴾ أي : من خير وشر ﴿سوف يرى﴾ أي : في ميزانه من غير شك يوم القيامة بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى، من : أريته الشيء، أي : يعرض عليه ويكشف له. فإن قيل : العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه ؟ أجيب : بأنه يرى على صورة جميلة إن كان العمل صالحاً قال الرازي وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كل موجود يرى والله تعالى قادر على إعادة كل ما عدم فيعيد الفعل فيرى، وفيه بشارة للموحد وذلك أنّ الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غماً.

النجم 53:41

﴿ثم يجزاه﴾ أي : السعي ﴿الجزاء الأوفى﴾ أي : الأتمّ الأكمل والمعنى : أنّ الإنسان يجزى جزاء سعيه بالجزاء الأوفى يقال : جزيت فلاناً سعيه وبسعيه. قال الرازي : الجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين، لأنّ جزاء الطالح وافر قال تعالى :﴿منهم فإنّ جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً﴾ [الإسراء: ٦٣] وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام فهي في نفسها أوفر.

النجم 53:42

﴿وأنّ إلى ربك﴾ أي : المحسن إليك لا إلى غيره ﴿المنتهى﴾ أي : الانتهاء برجوع الخلائق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم وقيل : منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال، وروى أبو هريرة مرفوعاً «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنّ الله تعالى لا يحيط به الفكر » وفي رواية «لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره ». قال القرطبي : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم «يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله تعالى » ولقد أحسن من قال : ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه؍ فإنك تردى إن فعلت وتخذل؍ ودونك مخلوقاته فاعتبر بها؍ وقل مثل ما قال الخليل المبجل؍ وقيل : المراد من الآية التوحيد وفي المخاطب وجهان : أحدهما : أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل والثاني : أنه خطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فعلى الأول يكون تهديداً وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبيّ صلى الله عليه وسلم فعلى الأول تكون اللام في المنتهى للعهد المعهود في القران وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى.

النجم 53:43

وقوله تعالى :﴿وأنه هو﴾ أي : لا غيره ﴿أضحك وأبكى﴾ يدل على أنّ كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء. وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال صلى الله عليه وسلم «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً » فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال يا محمد إنّ الله يقول لك :﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ أي : قضى أسبابهما فرجع إليهم صلى الله عليه وسلم فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال : ائت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول :﴿هو أضحك وأبكى﴾ أي قضى أسباب الضحك والبكاء وقال بسام بن عبد الله أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم وأنشد يقول : السنّ تضحك والأحشاء تحترق؍ وإنما ضحكها زور ومختلق؍ يا رب باك بعين لا دموع لها؍ ورب ضاحك سنّ ما به رمق؍ وقال مجاهد والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك : أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقال عطاء بن أبي مسلم : يعني أفرح وأحزن لأنّ الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء وقيل : إنّ الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من سائر الحيوان وقيل : القرد وحده يضحك ولا يبكي وإنّ الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يونس بن الحسين : سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة ؟ فقال : ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم وعن عائشة قالت :«لا والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال إنّ الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً وإنّ الله تعالى هو أضحك وأبكى ». تنبيه : قوله تعالى :﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ وما بعده يسميه البيانيون الطباق المتضادّ وهو نوع من البديع، وهو : أن يذكر ضدّان أو نقيضان أو متنافيان بوجه من الوجوه، وأضحك وأبكى لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما سيقا لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل : فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع، ولا يريد ممنوعاً ومعطى واختار هذين الموضعين المذكورين لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبائعيين يبين لاختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً ولا سبباً، وإذا لم يعلل بأمر فلا بدّ له من موجد وهو الله تعالى بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون : سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ومما يدل على ذلك أنهم إذا عللوا الضحك قالوا : لقوّة التعجب وهو باطل، لأنّ الإنسان ربما بهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك وقيل : لقوّة الفرح وليس كذلك لأنّ الإنسان قد يبكي لقوّة الفرح كما قال بعضهم : هجم السرور عليّ حتى أنه؍ من عظم ما قد سرني أبكاني؍

النجم 53:44

﴿وأنه هو﴾ أي : لا غيره ﴿أمات وأحيا﴾ وإن رأيتم أسباباً ظاهرة فإنها لا عبرة بها في نفس الأمر بل هو الذي خلقها أي أمات في الدنيا وأحيا في البعث وقال القرطبي : قضى أسباب الموت والحياة وقيل : أمات الآباء وأحيا الأبناء وقيل : أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان.

النجم 53:45

﴿وأنه خلق الزوجين﴾ ثم فسرهما بقوله تعالى :﴿الذكر والأنثى﴾ فإنه لو كان ذلك في يد غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لغالب الناس.

النجم 53:46

وقوله تعالى :﴿من نطفة إذا تمنى﴾ أي : تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ذلك مختص بآدم وحوّاء عليهما السلام، لأنهما ما خلقا من نطفة، وهذا أيضاً تنبيه على كمال القدرة لأنّ النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة وطباعاً متباينة، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم قال تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧] وقال تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ الله﴾ [لقمان: ٢٥]. فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى :﴿وأنه خلق﴾ ولم يقل وأنه هو خلق كما قال تعالى :﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم عليه السلام أنا أحيي وأميت فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨] حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون :﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨] ولذلك قال :﴿هو رب الشعرى﴾ [النجم: ٤٩] فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره.

النجم 53:47

﴿وأن عليه﴾ أي : خاصاً به علماً وقدرة ﴿النشأة﴾ أي الحياة ﴿الأخرى﴾ للبعث يوم القيامة بعد الحياة الأولى فإن قيل : الإعادة لا تجب على الله تعالى فما معنى عليه ؟ أجيب : بأنه عليه بحكم الوعد فإنه قال :﴿إنا نحن نحيي الموتى﴾ [يس: ١٢] فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة والباقون بسكون الشين وبعدها الهمزة المفتوحة وإذا وقف حمزة نقل حركة الهمزة إلى الشين.

النجم 53:48

﴿وأنه هو﴾ أي : وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره ﴿أغنى﴾ قال أبو صالح : أغنى الناس بالأموال ﴿وأقنى﴾ أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية وقال الضحاك : أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر والغنم وقال الحسن وقتادة : أخدم، وقال ابن عباس : أغنى وأقنى أعطى فأرضى وقال مجاهد ومقاتل : أقنى أرضى بما أعطى وقنع قال الراغب : وتحقيقه أنه جعل له قنية من الرضا وقال سليمان التيمي : أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه وقال ابن زيد : أغنى أكثر وأقنى أقل وقرأ ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد: ٢٦] وقال الأخفش : أقنى أفقر وقال ابن كيسان : أولد وقال الزمخشري : أقنى أعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت على أن لا يخرج من يدك. تنبيه : حذف مفعولا أغنى وأقنى لأنّ المراد نسبة هذين الفعلين إليه، وكذلك باقيها وألف أقنى منقلبه عن ياء لأنه من القنية قال الشاعر : ألا إنّ بعد العدم للمرء قنية *** ويقال : قنيت كذا وأقنيته قال الشاعر : قنيت حياتي عفة وتكرّما ***

النجم 53:49

﴿وأنه هو﴾ أي : لا غيره ﴿رب الشعرى﴾ أي : رب معبودهم وكانت خزاعة تعبد الشعرى، وأوّل من سنّ ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها وقال : لأن النجوم تقطع السماء عرضاً والشعرى تقطعها طولاً فهي مخالفة لها فعبدها وعبدتها خزاعة وحمير، وأبو كبشة أحد أجداد النبيّ صلى الله عليه وسلم من قبل أمّهاته وبذلك كان مشركو قريش يسمون النبيّ صلى الله عليه وسلم بابن أبي كبشة حين دعا إلى الله تعالى وخالف أديانهم تشبيهاً بذلك الرجل في أنه أحدث ديناً غير دينهم. والشعرى في لسان العرب كوكبان : تسمى أحدهما الشعرى العبور وهي المرادة في الآية الكريمة وهي تطلع بعد الجوزاء في شدّة الحرّ ويقال لها : مرزم الجوزاء وتسمى كلب الجبار أيضاً، وتسمى الشعرى اليمانية. والثانية : الشعرى الغميصاء وهي التي في الذراع والمجرة بينهما، وتسمى الشامية وسبب تسميتها بالغميضاء على ما زعمه العرب أنهما كانا أختين أو زوجتين لسهيل فانحدر سهيل إلى اليمن فأتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء تبكي حتى غمصت عينها ولذلك كانت أخفى من العبور وكان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم.

النجم 53:50

﴿وأنه أهلك عاداً الأولى﴾ وهم قوم هود عليه السلام هلكوا بريح صرصر، والأخرى قوم صالح وقيل : الأخرى إرم وقيل : الأولى أول الخلق هلاكاً بعد قوم نوح، وقرأ نافع وأبو عمرو بتشديد اللام بعد الدال المفتوحة نقلاً وهمز قالون الواو بعد اللام همزة ساكنة والباقون بتنوين الدال وكسر التنوين وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة، فإذا قرأ القارئ عاد الأولى لقالون وأبي عمرو فله في الوصل أي وصل عاد بالأولى وجه واحد وهو النقل المذكور، وقالون على أصله بالهمزة كما ذكر، فإذا وقف على عاداً وابتدأ بالأولى فله الابتداء بهمزة الوصل وهو الأولى، وله أيضاً الابتداء بغير همز الوصل وهو لولى، وقالون يهمز الواو في الوجهين الأوّلين ولم يهمز في الوجه الثالث الذي هو الأصل، ووافقهما ورش في الأوجه المذكورة في الوصل والابتداء لا في الوجه الثالث الذي هو الأصل فإنه ليس من مذهبه إلا النقل.

النجم 53:51

﴿وثموداً﴾ وهم قوم صالح أهلكهم الله تعالى بصحية ﴿فما أبقى﴾ منهم أحداً، وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين للدّال في الوصل وسكون الدال في الوقف والباقون بالتنوين في الوصل والوقف على الألف.

النجم 53:52

﴿وقوم نوح﴾ أي : أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب ﴿من قبل﴾ أي : قبل الفريقين ﴿إنهم﴾ أي : قوم نوح ﴿كانوا﴾ أي : بما لهم من الأخلاق التي هي كالجبلات التي لا انفكاك عنها ﴿هم﴾ أي : خاصة ﴿أظلم﴾ أي : من الطائفتين المذكورتين ﴿وأطغى﴾ أي : وأشدّ تجاوزاً في الظلم وعلوّاً وإسرافاً في المعاصي وتجبراً وعتوّاً لتمادي دعوة نوح عليه السلام قريباً من ألف سنة، ولأنهم أطول أعماراً وأشدّ أبداناً وكانوا مع ذلك ملء الأرض، روي أنّ الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه فينطلق به إلى نوح عليه السلام فيقول : احذر هذا فإنه كذاب، وإنّ أبي قد مشى بي إلى هذا وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه ولهذا قال نوح عليه السلام :﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ٢٦ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ [ نوح : ٢٦ ٢٧ ].

النجم 53:53

وقوله تعالى :﴿والمؤتفكة﴾ منصوب بقوله تعالى :﴿أهوى﴾ وقدّم لأجل الفواصل، والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط رفعها إلى عنان السماء على جناح جبريل عليه السلام، ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها وأتبعها بحجارة النار الكبريتية، وهو قوله تعالى :﴿فغشاها ما غشى﴾.

النجم 53:54

﴿فغشاها﴾ أي : أتبعها ما غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء وهوّله بقوله تعالى :﴿ما غشى﴾ أي : أمراً عظيماً من الحجارة المنضودة المسمومة وغيرها مما لا تسع العقول وصفه.

النجم 53:55

﴿فبأيّ آلاء﴾ أي : أنعم ﴿ربك﴾ أي : المحسن إليك ﴿تتمارى﴾ أي : تشك أيها الإنسان وقيل : أراد الوليد بن المغيرة وقال ابن عباس : تتمارى أي تكذب وقيل : الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي تشك في إجالة الخواطر في فكرك في إرادة هداية جميع قومك بحيث لا تريد أن أحداً منهم يهلك، وقد حكم ربك بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته فكان بعض خواطرك في تلك الإجالة يشكك ببعضها بعضاً.

النجم 53:56

﴿هذا﴾ أي : النبي صلى الله عليه وسلم ﴿نذير﴾ أي : محذر بليغ التحذير ﴿من النذر الأولى﴾ أي : من جنسهم أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال تعالى ﴿الأولى﴾ على تأويل الجماعة، أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم.

النجم 53:57

﴿أزفت الأزفة﴾ أي : قربت الموصوفة بالقرب في قوله تعالى :﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] وهو يوم القيامة.

النجم 53:58

﴿ليس لها من دون الله﴾ أي : من أدنى رتبة من رتبة الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وقوله تعالى :﴿كاشفة﴾ يجوز أن يكون وصفاً وأن يكون مصدراً، فإن كان وصفا احتمل أن يكون التأنيث لأجل أنه وصف لمؤنث محذوف تقديره نفس كاشفة، أو حال كاشفة أي مبينة متى تقوم كقول تعالى :﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير أنه تعالى لا يكشفها، أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير وإن كان مصدراً فهي بمعنى الكشف كالعافية والمعنى ليس لها من دون الله كشف أي لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره.

النجم 53:59

﴿أفمن هذا الحديث﴾ قال : أكثر المفسرين المراد بالحديث القرآن العظيم الذي يأتي على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات ﴿تعجبون﴾ إنكاراً وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب، وقرأ أبو عمرو بإدغام المثلثة في التاء المثناة بخلاف عنه.

النجم 53:60

﴿وتضحكون﴾ أي : استهزاء من هذا الحديث وتجدّدون ذلك في كل وقت ﴿ولا تبكون﴾ أي كما هو حق من يسمعه لما فيه من الوعد والوعيد وغير ذلك وقال الرازي يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى حديث أزفت الآزفة، فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد والعظام البالية.

النجم 53:61

وقوله تعالى :﴿وأنتم سامدون﴾ جملة مستأنفة أخبر الله تعالى عنهم بذلك ويحتمل أن تكون حالاً أي انتفى عنكم البكاء في حال كونكم سامدين، واختلف في معنى السمود فقيل : هو الإعراض والغفلة عن الشيء أي : وأنتم معرضون غافلون عما يطلب منكم وقيل : هو اللهو يقال : دع عنا سمودك، أي : لهوك قاله الوالبي والعوفي عن ابن عباس وقال الشاعر : ألا أيها الإنسان إنك سامد؍ كأنك لا تفنى ولا أنت هالك؍ فهذا بمعنى لاه لاعب وقيل هو الجمود وقيل هو الاستكبار قال الشاعر : رمى الحدثان نسوة آل سعد؍ بمقدار سمدن له سمودا؍ فردّ شعورهنّ السود بيضا؍ ورد وجوههنّ البيض سودا؍ فهذا بمعنى الجمود والخشوع وقال عكرمة وأبو عبيدة : السمود الغناء بلغة حمير يقولون : يا جارية اسمدي لنا أي : غني، فكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا وقال مجاهد أشِرون وقال الضحاك : غضاب يتبرطمون. وقال الراغب : السامد اللاهي الرافع رأسه من قولهم بعير سامد في سيره وقال الحسن : السامد الواقف للصلاة قبل وقوف الإمام لما روي : أنه صلى الله عليه وسلم خرج والناس ينتظرونه قياماً فقال :«مالي أراكم سامدين » وتسميد الأرض أن يجعل فيها السماد وهو سرجين ورماد.

النجم 53:62

وقوله تعالى :﴿فاسجدوا﴾ أي : اخضعوا خضوعاً كثيراً بالسجود ﴿لله﴾ أي الملك الأعظم يحتمل أن يكون المراد به سجود التلاوة وأن يكون المراد به سجود الصلاة ﴿واعبدوا﴾ أي : اشتغلوا بكل أنواع العبادة ولم يقل واعبدوا الله إما لكونه معلوماً من قوله تعالى :﴿فاسجدوا لله﴾ وإما لأنّ العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ويقوّى الاحتمال الأوّل ما روى عكرمة عن ابن عباس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم «سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجنّ والإنس » وعن عبد الله ابن مسعود قال أوّل سورة أنزلت فيها سجدة النجم قال : فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلاً شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصا أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال : يكفيني هذا، قال عبد الله : فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف كما في بعض الروايات. وروى زيد بن ثابت قال : قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿والنجم﴾ فلم يسجد فيها وهذا يدلّ على أنّ سجود التلاوة غير واجب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّ الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما، أي : فهي مستحبة وذهب قوم إلى وجوبها على القارئ والمستمع جميعاً وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وذهب قوم إلى أنها في المفصل غير مستحبة.

القمر 54:1

﴿اقتربت الساعة﴾ دنت القيامة وفي أول هذه السورة مناسبة لآخر ما قبلها، وهو قوله تعالى :﴿أزفت الآزفة﴾ [النجم: ٥٧] فكأنه أعاد ذلك مستدلاً عليه بقوله تعالى :﴿أزفت الآزفة﴾ فهو حق إذ القمر انشق. وقوله تعالى :﴿وانشق القمر﴾ ماض على حقيقته وهو قول عامّة المسلمين إلا من لا يلتفت إلى قوله وقد صح في الأخبار أنّ القمر انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين، وعن ابن مسعود قال :«انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا » وروى أنس بن مالك أنّ أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراً بينهما. وقال سنان عن قتادة : فأراهم انشقاق القمر مرتين. وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله : لم ينشق بمكة. وقال مقاتل : انشق القمر ثم التأم بعد ذلك وقيل انشق بمعنى سينشق يوم القيامة، وأوقع الماضي موقع المستقبل وهو خلاف الإجماع وقيل انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوعه كما يسمى الصبح فلقاً وأنشد النابغة : فلما أدبروا ولهم دوي؍ دعانا عند شق الصبح داع؍ وإنما ذكرت ذلك تنبيهاً على ضعفه. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش : سحركم ابن أبي كبشة فسلوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رأيناه فأنزل الله تعالى :﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾.

القمر 54:2

﴿وإن يروا﴾ أي : كفار قريش ﴿آية﴾ أي : معجزة له صلى الله عليه وسلم كانشقاق القمر ﴿يعرضوا﴾ عنها ﴿ويقولوا﴾ هذا ﴿سحر مستمرّ﴾ أي : ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم مرّ الشيء واستمرّ إذا ذهب مثل قولهم : قر واستقر قاله مجاهد وقتادة، وقال أبو العالية والضحاك : مستمرّ أي : قوي شديد، من قولهم : مر الحبل إذا صلب واشتد، وأمررته : إذا أحكمت فتله، واستمر الشيء إذا قوي واستحكم. وقيل : مستمرّ أي دائم، فإنّ محمداً صلى الله عليه وسلم كان يأتي كل زمان بمعجز فقالوا : هذا سحر مستمرّ دائم لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سحر السحرة، فإنّ بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكلّ قاله الزمخشري ومنه قول الشاعر : ألا إنما الدنيا ليال وأعصر؍ وليس على شيء قديم بمستمرّ؍ وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال ألا إنّ الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم مستمرّ دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقه ودامت حاله قيل فيه قد استمّر وقال أبو حيان : سبب نزولها أنّ مشركي قريش قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين ووعدوا بالإيمان إن فعل ذلك وقال ليلة بدر أي ليلة أربعة عشر في الشهر فسأل ربه فانشق القمر فقالوا سحر مستمرّ ولم يؤمنوا.

القمر 54:3

﴿وكذبوا﴾ بكون انشقاقه دالاً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجزموا بالتكذيب عناداً ﴿واتبعوا﴾ أي : بمعالجة فطرتهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق ﴿أهواءهم﴾ في أنه صلى الله عليه وسلم سحر القمر وأنه خسوف في القمر وظهور شيء في جانب آخر من الجوّ يشبه نصف القمر وأنه سحر أعيننا وأنّ القمر لم يصبه شيء فهذه أهواؤهم. قال القشيري : إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأنّ الله تعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصروا الرشد واتباع الرضا مقرون بالتصديق لأنّ الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق. ﴿وكل أمر﴾ أي : من أموركم من الخير أو الشرّ ﴿مستقرّ﴾ أي : بأهله في الجنة أو النار وقال قتادة وكل أمر مستقرّ فالخير مستقر بأهل الخير والشرّ مستقرّ بأهل الشرّ وقيل مستقرّ قول المصدّقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعذاب، وقيل : كل أمر مستقرّ في علم الله تعالى لا يخفى عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم والأنبياء صدقوا وبلغوا كقوله تعالى :﴿لا يخفى على الله منهم شيء﴾ [غافر: ١٦].

القمر 54:4

﴿ولقد جاءهم﴾ أي أهل مكة في القرآن قبل الانشقاق ﴿من الأنباء﴾ أي : أخبار إهلاك الأمم الماضية المكذبة رسلهم لأنّ الأنباء الأخبار العظام التي لها وقع كقول الهدهد ﴿وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ [النمل: ٢٢] لأنه كان خبراً عظيماً له وقع وخطر وقال تعالى :﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ [الحجرات: ٦] أي بأمر عظيم له خطر وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال ﴿ما فيه﴾ خاصة ﴿مزدجر﴾ أي : عمّاهم فيه من الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله تعالى. تنبيه : المزدجر اسم مصدر أي ازدجار أو اسم مكان أي موضع ازدجار والدال بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة.

القمر 54:5

وقوله تعالى :﴿حكمة﴾ خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما أومن مزدجر ﴿بالغة﴾ أي : لها أعظم البلوغ إلى أنهى غايات الحكمة لصحتها ووضوحها ففيها مع الزجر ترجئة ومواعظ وأحكام ودقائق ﴿فما تغن﴾ أي : تنفع ﴿النذر﴾ أي : الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها ومنها إنما المغني بذلك هو الله تعالى فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. قال البقاعي : ولعل الإشارة بإسقاط ياء تغني بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية أحرف الكلمة سقطت ثمرة الإنذار وهو القبول. تنبيه : يجوز في ما أن تكون استفهامية وتكون في محل نصب مفعولاً مقدّماً أي أي شيء تغني النذر وأن تكون نافية أي لم تغن النذر شيئاً والنذر جمع نذير والمراد به المصدر أو اسم الفاعل. ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد التعلق بطلب نجاتهم فهو لذلك ربما اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم تسبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فتولّ عنهم﴾ أي : كلف نفسك الإعراض عن تمني ذلك فما عليك إلا البلاغ وأمّا الهداية فإلى الله تعالى وحده.

القمر 54:6

تنبيه : قال أكثر المفسرين نسختها آية السيف وقال الرازي إنّ قول المفسرين في قوله تعالى :﴿فتولّ﴾ منسوخ ليس كذلك بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام وقوله تعالى :﴿يوم﴾ منصوب باذكر، أي : واذكر يوم ﴿يدع الداع﴾. وقيل : منصوب بيخرجون بعده والداعي معرف كالمنادي في قوله تعالى :﴿يوم ينادي المنادي﴾ [ق: ٤١] لأنه معلوم قد أخبر عنه فقيل إنّ منادياً ينادي وداعياً يدعو، فقيل : الداعي إسرافيل عليه السلام ينفخ قائماً على صخرة بيت المقدس قاله مقاتل، وقيل : جبريل عليه السلام وقيل : ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حدّ العلمية ويكون كقولنا جاء رجل فقال الرجل قاله الرازي. وقرأ نافع وأبو عمرو بحذف الياء بعد العين وقفاً وإثباتها وصلاً وابن كثير بإثباتها وقفا ووصلا والباقون بحذفها وقفا ووصلا ﴿إلى شيء نكر﴾ أي : منكر فظيع لم ير مثله فينكرونه استعظاماً. فإن قيل ما ذلك الشيء المنكر أجيب بأنه الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع فإن قيل النشر لا يكون منكراً فإنه أحياء ولأنّ الكافر من أين يعرف وقت النشر ما يُجزى عليه لينكره أجيب بأنه يعلم ذلك لقوله تعالى عنهم :﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢] وقرأ ابن كثير بسكون الكاف والباقون بالرفع.

القمر 54:7

ولما بين تعالى دعاءه بما هال أمره بين حال المدعوّين زيادة في الهول فقال تعالى :﴿خشعاً أبصارهم﴾ أي : ينظرون نظر الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش الذي هو شرّ حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأنّ الذل والعز يتبين في النظر والذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلاً مع هيبة يعرف منها ذلك كما قال تعالى :﴿خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥] وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين والباقون بضم الخاء ولا ألف بعدها وفتح الشين مشدّدة أمّا القراءة الأولى فهي جارية على اللغة الفصحى من حيث إنّ الفعل وما جرى مجراه إذا قدّم على الفاعل وحد تقول : تخشع أبصارهم، ولا تقول : تخشعن أبصارهم وأمّا القراءة الثانية فجاءت على لغة طيئ يقولون : أكلوني البراغيث قال الزمخشري : ويجوز أن يكون في خشعاً ضمير هم ويقع أبصارهم بدلاً عنه ا. ه. وتقدّم نظير ذلك في قوله تعالى في الأنبياء :﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣] وجملة ﴿خُشَّعاً أبصارهم﴾ حال من فاعل ﴿يخرجون﴾ أي : الناس ﴿من الأجداث﴾ أي : القبور ﴿كأنهم جراد﴾ أي : في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض وصغارهم وضعفهم وتموّجهم يقال في الجيش الكثير المائج بعضه فوق بعض جاؤوا كالجراد وكالذباب ﴿منتشر﴾ أي : منبث متفرّق في كل مكان لكثرتهم لا يدرون أين يذهبون.

القمر 54:8

﴿مهطعين﴾ أي : مسرعين مادّي أعناقهم ﴿إلى الداعي﴾ مصوبي رؤوسهم إليه لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذل وخضوع وصمت واستكانة هذا حال الكل، وأمّا الكافر فنبه عليه بقوله تعالى :﴿يقول﴾ أي : على سبيل التكرار ﴿الكافرون﴾ أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة :﴿هذا﴾ أي الوقت الذي نحن فيه لما نرى فيه من الأهوال ﴿يوم عسر﴾ أي : في غاية العسر والصعوبة والشدّة وذلك بحسب حالهم فيه كما قال تعالى في سورة المدّثر :﴿يوم عسير ٩ على الكافرين﴾ [ المدثر : ٩ ١٠ ].

القمر 54:9

ولما فرغ من حكاية كلام الكافرين ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض الأنبياء فقال تعالى : ﴿كذبت﴾ أي : أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل ﴿قبلهم﴾ أي : أهل مكة ﴿قوم نوح﴾ مع ما كان بهم من القوّة ولهم من الانتشار في جميع الأقطار، وأنث فعلهم تحقيراً لهم، وتهويناً لأمرهم في جنب قدرته تعالى. فإن قيل : إلحاق الضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز وحسن بالاتفاق وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيح عند أكثرهم فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ويجوّزون كذبت فما الفرق ؟ أجاب الرازي بأنّ التأنيث إنما جاز قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولم تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع لأنّ الجمع للفاعلين بسبب فعلهم ﴿فكذبوا عبدنا﴾ نوحاً عليه السلام على ماله من العظمة بنسبته إلينا مع تشريفنا إياه بالرسالة ﴿وقالوا﴾ زيادة على التكذيب ﴿مجنون﴾ أي : فهذا الذي يصدر منه من الخوارق أمر من الجنّ. ﴿وازدجر﴾ وهل هذا من مقولهم أي قالوا : إنه ازدجر أي ازدجرته الجنّ وذهبت بلبه قاله مجاهد، أو هو من كلام الله تعالى أخبر الله تعالى عنه بأنه انتهر وازدجر بالسب وأنواع الأذى، وقالوا :﴿لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين﴾ [الشعراء: ١١٦].

القمر 54:10

قال الرازي : وهذا أصح لأنّ المقصود تقوية قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدّمه وأيضاً يترتب عليه قوله تعالى :﴿فدعا ربه﴾ وهذا الترتيب في غاية الحسن، لأنّهم لمّا زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه الذي رباه بالإحسان إليه وبرسالته ﴿أني﴾ أي : بأني ﴿مغلوب﴾ أي : من قومي كلهم بالقوّة والمنعة لا بالحجة وأكده إبلاغاً في الشكاية وإظهار الذل العبودية ؛ لأنّ الله تعالى عالمٌ بسر العبد وجهره فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل وكذا الإبلاغ فيه، وقال ابن عطية : غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم. قال ابن عادل : وهو ضعيف. ﴿فانتصر﴾ أي : أوقع نصرتي عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه فانتقم لي منهم.

القمر 54:11

﴿ففتحنا﴾ أي : بسبب دعائه فتحاً يليق بعظمتنا ﴿أبواب السماء﴾ أي : كلها في جميع الأقطار، وعَبَّرَ بجمع القلة عن جمع الكثرة والمراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها فإنّ للسماء أبواباً تفتح وتغلق وقيل : هذا على سبيل الاستعارة فإنّ الظاهر أنّ الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء وفي قوله تعالى :﴿ففتحنا﴾ بيان بأنّ الله تعالى انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء والباقون بالتخفيف. وفي الباء في قوله تعالى :﴿بماء﴾ وجهان : أظهرهما : أنّها للتعدية وذلك على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة للفتح به كما تقول فتحت بالمفتاح والثاني أنها للحال أي فتحناها ملتبسة بماء ﴿منهمر﴾ أي : منصب بأبلغ ما يكون من السيلان والصب كثرة وعظماً ولذلك لم يقل بمطر لأنّه خارجٌ عن تلك العادة واستمرّ ذلك أربعين يوماً.

القمر 54:12

﴿وفَجّرْنا﴾ أي : صدّعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأسلنا ﴿الأرض عيونا﴾ أي : جميع عيون الأرض ولكنَّه عدل عنه للتهويل بالإبهام ثمَّ البيان وإفادة أنّ وجه الأرض صار كله عيوناً وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين والباقون بضمها. ﴿فالتقى الماء﴾ أي : المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال تعالى :﴿على أمرٍ﴾ أي : حالٍ ﴿قد قدرِ﴾ أي : قضى أي في الأزل وهو هلاكهم غرقاً بماء مقدّر لا يزيد قطرة ولا يهلك غير من أمرناه بإهلاكهم.

القمر 54:13

﴿وحملناه﴾ أي : نوحاً عليه السلام تتميماً لانتصاره ﴿على ذات﴾ أي : سفينة صاحبةِ ﴿ألواح﴾ أي : أخشاب نجرت حتى صارت عريضة ﴿ودسر﴾ جمع دسار ككتاب وهو ما تشدّ به السفينة من مسمار وحديد أو خشب أو من خيوط الليف ونحوها قال البقاعي : ولعله عبّر عن السفينة بما شرحها تنبيهاً على قدرته على ما يريد.

القمر 54:14

﴿تجري﴾ أي : السفينة ﴿بأعيننا﴾ أي : محفوظة من أنْ تدخل بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات بحفظنا على مالنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء بأعين كثيرة ولا يغيب عنه أصلاً، وجوّزوا أنْ يكون جمع تكسير لعين الماء. وقوله تعالى :﴿جزاء﴾ منصوب بفعل مقدّر أي أغرقوا انتصاراً ﴿لمن كان كفر﴾ وهو نوح عليه الصلاة والسلام أو الباري تعالى.

القمر 54:15

﴿ولقد تركناها﴾ أي : أبقينا هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة وقيل تلك السفينة بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقاياها أول هذه الأمّة ﴿آية﴾ أي : علامة عظيمة على مالنا من العلم المحيط والقدرة التامّة ﴿فهل من مدّكر﴾ أي : معتبر ومتعظ بها وأصله مذتكر أبدلت التاء دالاً مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها.

القمر 54:16

وقوله تعالى :﴿فكيف كان﴾ أي وجد وتحقق ﴿عذابي﴾ أي : لمن كفر وكذب رسلي ﴿ونذر﴾ أي : إنذاري، استفهام تقرير فكيف خبر كان وهي للسؤال عن الحال والمعنى حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفاً جميع ما في هذه السورة، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً.

القمر 54:17

قال البقاعي : ولما كان هذا المفصل مما أنزل أول القرآن تيسيراً على الأمّة نبه على ذلك بقوله تعالى :﴿ولقد يسرنا﴾ أي : على مالنا من العظمة ﴿القرآن﴾ أي : على ماله من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه وصفاً لنا ﴿للذكر﴾ أي : الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والتشريف والحفظ لمن يراعيه. قال ابن برجان : أنزلناه باللسان العربي ونزلناه للإفهام تنزيلاً، وضربنا لهم الأمثال، وأطلنا لهم في هذه الأعمار ليتذكروا الميثاقَ المأخوذَ عليهم، وقال القشيري : يسرّ قراءته على ألسنة قوم وعلمه على قلوب قوم وفهمه على قلوب قوم وحفظه على قلوب قوم وكلهم أهل القرآن وخاصته وليس يُحفظ من كتب الله تعالى عن ظهر قلب غيره. قاله المحلى. ﴿فهل من مدكر﴾ أي : معتبر ومتعظ بها وتقدم أصله.

القمر 54:18

ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم ذكر قصة عاد لأنها أعظم قصة جرت بعد قوم نوح فيما تعرفه العرب بقوله تعالى :﴿كذبت عاد﴾ أي : أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولهم هود عليه الصلاة والسلام في دعائه لهم إليّ وإنذاره عذابي ﴿فكيف﴾ أي : فعلى أي الأحوال لأجل تكذيبهم ﴿كان عذابي﴾ لهم ﴿ونذر﴾ أي : وإنذاري إياهم بلسان رسولي قبل نزوله، أي وقع موقعه. فإن قيل : لِمَ لم يقل : فكذبوا هودا كما قال تعالى في قصة نوح :﴿فكذبوا عبدنا﴾ أجيب : بأنّ تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم وكثرة عنادهم وإمّا لأن قصة عاد ذكرت مختصرة.

القمر 54:19

ثم بين عذابهم بقوله تعالى :﴿إنا أرسلنا﴾ أي : بمالنا من العظمة. ﴿عليهم ريحاً﴾ وعبر بحرف الاستعلاء إعلاماً بالنقمة، ثم وصف الريح بقوله تعالى :﴿صرصراً﴾ أي : شديدة الصوت من صرصر الباب أو القلم إذا صوت، وقيل : الشديدة البرد من الصر، وهو البرد، وقال مكي : أصله صرّر من صرَّ الشيء إذا صوت لكن أبدلوا من الراء المشدّة صاداً وهذا قول الكوفيين وقال الرازي : الصرصر : الدائمة الهبوب، من أصر على الشيء إذا دام وثبت. وأكد شؤمها بذم زمانها فقال تعالى :﴿في يوم نحس﴾ أي : شديد القباحة قيل : كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر وهو شوال لثمان بقين منه، واستمر إلى غروب شمس الأربعاء آخره، فإنه قال تعالى في سورة الحاقة :﴿سبع ليال وثمانية أيام حسوماً﴾ [فصلت: ١٦] وقال تعالى في حم السجدة :﴿في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦] فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان، وقوله تعالى :﴿مستمر﴾ أي : دائم الشؤم إلى وقت نفاذ المراد منه يفيد ما تفيده الأيام، لأنّ الاستمرار ينبئ عن امتداد الزمان كما تنبئ عنه الأيام، والحكاية مذكورة هنا على سبيل الاختصار، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز فاستمر عليهم بنحوسه ولم يبق منهم أحد إلا أهلكه، هذا وصفها في ذاتها.

القمر 54:20

وأمّا وصفها بفعلها فيهم فذكره بقوله تعالى :﴿تنزع﴾ أي : تأخذ ﴿الناس﴾ أي : الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى من الأرض : بعضهم من وجهها، وبعضهم من حُفَرٍ حفروها ليمتنعوا بها من العذاب فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور فتقلع رؤوسهم من جثثهم. وقوله تعالى :﴿كأنهم﴾ أي : حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم أعجاز نخل أي : أصول نخل قطعت رؤوسها حال من الناس مقدرة. وقوله : منقعر صفة لنخل باعتبار الجنس وأنث في الحاقة فقال :﴿نخل خاوية﴾ [الحاقة: ٧] باعتبار معنى الجماعة. قال ابن عادل : وإنما ذكَّر هنا وأنث هناك مراعاة للفواصل في الموضعين. وقال الرازي : ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة فقال تعالى :﴿والنخل باسقات﴾ [ق: ١٠] وذلك حال عنها وهي كالوصف، وقال تعالى :﴿نخل خاوية﴾ [الحاقة: ٧] و﴿نخل منقعر﴾ فحيث قال : منقعر كان المختار ذلك لأنّ المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول لأنه ورد عليه القعر فهو مقعور، والخاوي والباسق فاعل، وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى : تقول : امرأة قتيل، وأمّا الباسقات فهي فاعلات حقيقة لأنّ البسوق أمر قائم بها، وأمّا الخاوية فهي من باب حسن الوجه لأنّ الخاوي موضعها فكأنه قال نخل خاوية المواضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ. تنبيه : الأعجاز جمع عجْز وهو مؤخر الشيء، ومنه العجْز لأنه يؤدي إلى تأخير الأمور، والمنقعر المنقلع من أصله : يقال : قعرت النخلة : قلعتها من أصلها فانقعرت، وقعرت البئر وصلت إلى قعرها، وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى وصلت إلى قعره.

القمر 54:21

وكرّر قوله تعالى :﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ للتهويل. وقيل : الأوّل : لما حاق بهم في الدنيا، والثاني : لما يحيق بهم في الآخرة، كما قال أيضاً في قصتهم :﴿لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى﴾ [فصلت: ١٦].

القمر 54:22

وتقدّم تفسير قوله تعالى :﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر﴾ وكرّره إيذاناً بأنّ تفسير القرآن مع إعجازه لا يكون إلا بعظمة تفوت قوى البشر، وتعجز عنها منهم القدر.

القمر 54:23

ولما انقضت قصة عاد ذكر تعالى قصة ثمود لأنها تلي قصة عاد في الفظاعة، فقال تعالى :﴿كذبت ثمود﴾ أي قوم صالح عليه السلام وقوله تعالى :﴿بالنذر﴾ جمع نذير بمعنى منذر أي بالإنذارات التي أنذرهم بها نبيهم صالح عليه السلام إن لم يؤمنوا به.

القمر 54:24

ثم علل ذلك وعقبه بقوله تعالى :﴿فقالوا﴾ منكرين لما جاءهم من الله تعالى غاية الإنكار ﴿أبشراً﴾ إنكار الرسالة، هذا النوع ليكون إنكار النبوة نبيهم على أبلغ الوجوه وهو منصوب بفعل يفسره ﴿نتبعه﴾ الآتي. وقولهم :﴿منا﴾ نعت له أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وقولهم :﴿واحداً﴾ نعت له أيضاً، ثم عظموا الإنكار بقولهم ﴿نتبعه﴾ أي : نجاهد أنفسنا في خلع مألوفنا وما كان عليه آباؤنا، والاستفهام بمعنى النفي والمعنى : كيف نتبعه ونحن أشد الناس قوّة وكثرة وهو واحد منّا. ثمَّ استنتجوا من هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين :﴿إنَّا إذاً﴾ أي : إن أتبعناه ﴿لفي ضلال﴾ أي : ذهاب عن الصواب محيط بنا ﴿وسعر﴾ أي : ونيران جمع سعير فعكسوا عليه وقالوا : إن اتبعناك كنا إذاً كما تقول، وقيل : السعر الجنون يقال ناقة مسعورة قال الشاعر : كأنّ بها سعر إذا العيس هزها؍ ذميل وإرخاء من السير متعب؍

القمر 54:25

ثم استدلوا بأمر آخر ساقوه مساق الإنكار فقالوا :﴿أألقي﴾ أي : أنزل ﴿الذكر﴾ أي : الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم بغتة في سرعة ﴿عليه﴾ لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا الشأن، ولا توسموا فيه قبل إشارته به شيئاً منه بل أتاهم به بغتة في غاية الإسراع ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم :﴿من بيننا﴾ أي : وفينا من هو أولى بذلك منه سنا وشرفاً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : بتحقيق الهمزة الأولى المفتوحة وتسهيل الثانية المضمومة كالواو، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا بخلاف عن أبي عمرو ولم يدخل ورش وابن كثير ألفا، وأمّا هشام فله تسهيل الثانية وتحقيقها وإدخال الألف بينهما مع التحقيق، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال، وإذا وقف حمزة فله في الثانية التسهيل وإبدالها واواً والتحقيق. ثم أضربوا عن ذلك الاستفهام لأنه بمعنى النفي بقولهم :﴿بل هو كذاب﴾ أي : بليغ في الكذب في قوله إنه أوحى إليه ما ذكر ﴿أشر﴾ أي : متكبر بطر غلبت عليه البطالة حتى أعجبته نفسه فتجبر فهو يريد الترفع.

القمر 54:26

قال الله تعالى :﴿سيعلمون﴾ أي : بوعد لا خلف فيه ﴿غداً﴾ أي : في الزمن الآتي القريب وهو يوم القيامة، لأنّ كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة. وقرأ ابن عامر وحمزة بعد السين بتاء الخطاب وفيه وجهان : أحدهما أنه حكاية عن قول صالح عليه السلام لقومه. والثاني : أنه خطاب من الله تعالى على جهة الالتفات، والباقون بياء الغيبة جرياً على الغيب قبله في قوله تعالى :﴿فقالوا أبشراً﴾ واختار هذه القراءة مكي، لأنّ عليها الأكثر. ﴿من الكذاب الأشر﴾ أي : وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم لنبيه صالح صلى الله عليه وسلم.

القمر 54:27

وروي أنهم تعنتوا عليه فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء فقال تعالى :﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿مرسلوا الناقة﴾ أي موجدوها لهم ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين الأحجار دلالة على إرسالنا صالحاً عليه السلام : مخصصين له من بين قومه وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام نريد أن نعرف المحق، منا بأن ندعوا آلهتنا وتدعو إلهاك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق فدعوا أوثانهم فلم تجبهم، فقالوا : ادع أنت فقال : فما تريدون ؟ قالوا : تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء، فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعدما كذبوا في أنّ آلهتهم تجيبهم، وصدق هو عليه السلام في كل ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها ﴿فتنة لهم﴾ أي : امتحاناً يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها وتخليهم عنها، لأنّ المعجزة فتنة لأنّ بها يتميز المثاب من المعذب، فالمعجزة تصديق وحينئذ يفترق المصدّق من المكذب، أو يقال : إخراج الناقة من الصخرة معجزة ودورانها بينهم وقسمة الماء كان فتنة، ولهذا قال تعالى :﴿إنا مرسلوا الناقة﴾ ولم يقل :﴿مخرجوا﴾. ﴿فارتقبهم﴾ أي : كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار من يحرسهم ﴿واصطبر﴾ أي : عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق.

القمر 54:28

﴿ونبئهم﴾ أي : أخبرهم إخباراً عظيماً بأمر عظيم وهو ﴿أن الماء﴾ أي : الذي يشربونه وهو ماء بئرهم ﴿قسمة بينهم﴾ أي : بين قوم صالح عليه السلام والناقة فغلَّب العاقل عليها، والمعنى أنا إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم وتوسع الكل بدل الماء لبنا. ﴿كل شرب﴾ أي : نصيب من الماء ﴿محتضر﴾ أي : فالناقة تحضر الماء يوم وردها وتغيب عنهم يوم ورودهم قاله : مقاتل، وقال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء يوم غيبها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون. تنبيه : الحكمة في قسمة الماء إمّا لأنّ الناقة عظيمة الخلق فتنفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإمّا لقلة الماء فلا يحملهم، وإمّا لأنّ الماء كان مقسوماً بينهم لكل فريق يوم، فيوم ورد الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النقصان على الكل، ولا تختص الناقة بجميع الماء، روي أنهم كانوا يكتفون في يوم وردها بلبنها، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها وظاهر قوله تعالى :﴿كل شرب محتضر﴾ يعضد الوجه الثالث، وحضر واحتضر بمعنى واحد.

القمر 54:29

وقوله تعالى :﴿فنادوا صاحبهم﴾ فيه حذف قبله، أي : فتمادوا على ذلك ثم ملّوه فعزموا على عقرها فنادوا صاحبهم وهو قدّار بن سالف الذي انتدبوه بطراً وأشراً لقتل الناقة وكذباً في وعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وكان أشجعهم، وقيل كان رئيسهم. ﴿فتعاطى﴾ أي : فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث به ﴿فعقر﴾ أي : فتسبب عن ذلك عقرها، وقيل : فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف فقتلها، والتعاطي تفاعل الشيء بتكليف. قال محمد بن إسحق كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شدّ عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها. وقال ابن عباس : كان الذي عقرها احمر أزرق أشقر أكشف أقعى يقال له قدار بن سالف، والعرب تسمي الجزار قدار تشبيهاً بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود.

القمر 54:30

﴿فكيف كان عذابي﴾ أي : كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على تعرفه والسؤال عنه ﴿ونذر﴾ أي : إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي وقع موقعه.

القمر 54:31

وبينه بقوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿أرسلنا﴾ أي : إرسالاً عظيماً ﴿عليهم صيحة﴾ وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابه بقوله تعالى :﴿واحدة﴾ صاحها عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن لهم بصيحته هذه التي هي واحدة طاقة، كما قال تعالى ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ وهو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهنّ فيها من الذئاب والسباع، وما يسقط من ذلك فما داسته هو الهشيم والهشيم المهشوم المكسور، ومنه سمي هاشم لهشمه الثريد في الجفان غير أنّ الهشيم يستعمل كثيراً في الحطب المتكسر اليابس قال المفسرون كانوا كالخشب المتكسر الذي يخرج من الحظائر، بدليل قوله تعالى :﴿هشيماً تذروه الرياح﴾ [الكهف: ٤٥] وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، وتشبيههم بالهشيم : إمّا لكونهم يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان، أو لانضمام بعضهم إلى بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحطب يضعه شيئاً فوق شيء منتظراً حضور من يشتري منه. قال ابن عادل : ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم، أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد، كقوله تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله تعالى :﴿فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن: ١٥]. تنبيهات : أحدها : أنه تعالى ذكر ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ في ثلاثة مواضع ؛ ذكرها في حكاية نوح عليه السلام بعد بيان العذاب ؛ وذكرها هاهنا قبل بيان العذاب ؛ وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه، وبعد بيانه فحيث ذكر قبل بيان العذاب فللبيان، كقول العارف حكاية لغير العارف : هل تعلم كيف كان أمر فلان ؟ وغرضه أن يقول : أخبرني عنه وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم ؛ كقول فلان : أي ضرب وأيما ضرب، ويقول : ضربته وكيف ضربته ؟ أي قوياً وفي حكاية عاد ذكرها مرتين : للبيان والاستفهام. ثانيها : أنه تعالى ذكر في حكاية نوح عليه السلام الذي للتعظيم وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان ؛ لأنّ عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عمّ العالم ولا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصاً بهم. ثالثها : أنه تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه، لأنّ حال صالح عليه السلام كان أتمّ مشابهة بحال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بأمر عجيب أرضى، وكان أعجب مما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنّ عيسى عليه السلام أحيى الميت، لكن الميت كان محلا للحياة، فقامت الحياة بإذن الله تعالى في محل كان قابلاً لها، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعباناً، فأثبت الله تعالى له في الخشب الحياة بإذنه سبحانه، لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو، فأشبه الحيوان في النمّو، وصالح عليه السلام كان الظاهر في بدء خروج الناقة من الحجر، والحجر جماد ليس محلاً للحياة، ولا محلاً للنمو، ونبينا صلى الله عليه وسلم أتى بأعجب من الكل، وهو المتصرّف في الجرم السماوي الذي يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء، وأمّا الأرضيات فقالوا : إنها أجسام مشتركة المواد تقبل كل واحدة منها صورة الأخرى، والسماويات لا تقبل ذلك فلما أتى بما اعترفوا بأنه لا يقدر على مثله آدمي كان أتمّ وأبلغ من معجزة صالح عليه السلام التي هي أتم من معجزة سائر الأنبياء غير محمد صلى الله عليه وسلم.

القمر 54:32

﴿ولقد يسرنا﴾ أي : على مالنا من العظمة ﴿القرآن﴾ أي : الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس، ﴿للذكر﴾ أي : الحفظ، والتذكر، والتدبر وحصول الشرف في الدارين ؛ ﴿فهل من مدّكر﴾ أي : من ناظر بعين الإنصاف، والتجرّد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فيعينه عليه.

القمر 54:33

ولما انقضت قصة ثمود بما تعرفه العرب بالأخبار، ورؤية الآثار، فقال تعالى :﴿كذبت قوم لوط﴾ أي : وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه، وإن كانوا في تكذيبهم هذا أضعف من عقول النساء عن التجرد عن الهوى بما دلّ عليه تأنيث الفعل بالتاء، وكذا ما قبلها من القصص ﴿بالنذر﴾ أي : بالأمور المنذرة لهم على لسان نبيهم لوط عليه السلام.

القمر 54:34

ودلّ على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الأخبار عن عذابهم، فقال تعالى مؤكداً توعداً لمن استمرّ على التكذيب ﴿إنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أرسلنا عليهم حاصباً﴾ أي : ريحاً شديدة ترميهم بالحصباء، وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا ﴿إلا آل لوط﴾ وهم من آمن به، فكان إذا رأيته فكأنك رأيت لوطاً عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله، والمشي على منواله في أقواله وأفعاله ﴿نجيناهم﴾ أي : تنجية عظيمة ﴿بسحر﴾ أي : بآخر ليلة من الليالي، وهي الليلة التي عذب فيها قومه، «وانصرف » لأنه نكرة لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها، ولو قصد به وقت بعينه لمنع الصرف للتعريف، والعدل عن أل هذا هو المشهور، وزعم صدر الأفاضل : أنه مبني على الفتح كأمس مبنياً على الكسر. تنبيه : قال الجلال المحلي : وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا : قولان ؛ وعبر عن الاستثناء على الأوّل بأنه متصل، وعلى الثاني بأنه منقطع، وإن كان من الجنس تسمحاً.

القمر 54:35

وقوله تعالى :﴿نعمة﴾ أما مفعول له ؛ وإمّا مصدر بفعل من لفظها أو من معنى نجيناهم لأن تنجيتهم، إنعام فالتأويل : إمّا في العامل، وإمّا في المصدر. وقوله تعالى :﴿من عندنا﴾ متعلق بنعمة، أو بمحذوف صفة لها. ﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلناه جزاء لهم ﴿نجزي من شكر﴾ أي : من آمن بالله تعالى، وأطاعه قال بعض المفسرين : وهو وعد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه يصونهم عن الهلاك العام ؛ وقال الرازي : ويمكن أن يقال : هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة كما أنجاهم في الدنيا من العذاب، لقوله تعالى :﴿ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقال مقاتل : من وحد الله تعالى لم يعذبه مع المشركين.

القمر 54:36

﴿ولقد أنذرهم﴾ أي : رسولنا لوط عليه السلام ﴿بطشتنا﴾ أي : أخذتنا المقرونة من الشدّة بما لنا من العظمة، وهي العذاب الذي نزل بهم، وقيل : هي عذاب الآخرة لقوله تعالى :﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] ﴿فتماروا﴾ أي تجادلوا وكذبوا ﴿بالنذر﴾ أي بإنذاره فكان سبباً للأخذ.

القمر 54:37

﴿ولقد راودوه عن ضيفه﴾ أي أرادوا أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف، ليخبثوا بهم، وكانوا ملائكة في صورة شباب مرد ؛ وأفرد لأنّ المراد الجنس ﴿فطمسنا﴾ أي : فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا ﴿أعينهم﴾ أي : أعميناها، وجعلناها بلا شق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل عليه السلام بجناحه ؛ وقال الضحاك : بل أعماهم الله تعالى فلم يروا الرسل وقالوا : لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا فلم يروهم ؛ وهذا قول ابن عباس وروي أنهم صارت أعينهم مع وجوههم كالصفيحة الواحدة ؛ وقال القشيري : مسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا للخروج. قال ابن جرير : والعرب تقول : طمست الريح الأعلام إذا دفنتها بما تسفي عليها، فانطلقوا هاربين مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه، بل يصادمون الجدران خوفاً مما هو أعظم من ذلك، وهم يقولون عند ذلك لوط سحر الناس، وما أدّتهم عقولهم إلى أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم. قال القشيري : وكذلك أجرى الله تعالى سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. وقوله تعالى :﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ أي : إنذاري وتخويفي، خطاب لهم أي : قلنا لهم على لسان الملائكة فذوقوا، فهو خطاب مع كل مكذب أي : إن كنتم تكذبون فذوقوا. قال القرطبي : والمراد من هذا الأمر الخبر أي : فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط عليه السلام. فإن قيل : النذر كيف تذاق ؟ أجيب بأنّ المراد ثمرته وفائدته. فإن قيل : إذا كان المراد بقوله تعالى :﴿عذابي﴾ هو العذاب العاجل وبقوله تعالى :﴿ونذر﴾ هو العذاب الآجل : فهما لم يكونا في زمان واحد، فكيف قال تعالى :﴿فذوقوا﴾ ؟ أجيب : بأنّ العذاب الآجل أوّله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في زمان واحد، وهو قوله تعالى :﴿أغرقوا فأدخلوا ناراً﴾ [نوح: ٢٥].

القمر 54:38

﴿ولقد صبحهم﴾ أي : أتاهم وقت الصباح ؛ وقرأ نافع، وابن كثير، وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الصاد ؛ والباقون : بلا إظهار ؛ وحقق المعنى بقوله تعالى :﴿بكرة﴾ أي في أوّل نهار العذاب ؛ وانصرف بكرة لأنه نكرة ؛ ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف ؛ ﴿عذاب﴾ أي : فقلع بلادهم ورفعها ؛ ثم قلبها وحصبها بحجارة النار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان ؛ ﴿مستقر﴾ أي ثابت عليهم غير زائل ليس بخيال ولا سحر كما قالوا عند الطمس، فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار.

القمر 54:39

فقال لهم لسان الحال إن لم ينطق لسان المقال :﴿فذوقوا﴾ أي : بسبب أفعالكم الخبيثة ﴿عذابي ونذر﴾. تنبيه : قد علم من تكرير هذا أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول كان، وكان استئناف كل قصة منبهاً على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها.

القمر 54:40

﴿ولقد يسرنا﴾ أي : على مالنا من العظمة ﴿القرآن﴾ أي : الجامع الفارق بين الحق والباطل ؛ ولو شئنا لأعليناه بما لنا من القدرة إلى حد تعجز القوى عن فهمه، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته ﴿للذكر فهل من مدكر﴾ أي : فيخلص نفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظناً منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلاً منهم، وعدم اكتراث بالعواقب.

القمر 54:41

ولما انقضت قصة لوط عليه السلام أتبعها قصة موسى عليه السلام لأنها بعد قوم لوط ؛ بقوله تعالى :﴿ولقد جاء آل فرعون﴾ أي : فرعون ملك القبط بمصر ؛ وقومه الذين إذا رآهم أحد كان كأنه فيهم لشدّة قربهم منه، وتخلقهم بأخلاقه ﴿النذر﴾ أي الإنذار على لسان موسى وهرون عليهما السلام.

القمر 54:42

فلم يؤمنوا بل ﴿كذبوا﴾ أي : تكذيباً عظيماً مستهزئين ﴿بآياتنا﴾ التي أتاهم بها موسى عليه السلام ﴿كلها﴾ أي : التسع التي أوتيها وهي : العصا، واليد، والسنين، والطمس، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. فإن قيل كيف قال :﴿ولقد جاء﴾ ولم يقل في غيره جاء ؟ أجيب : بأنّ موسى عليه السلام لما جاء كان غائباً عن القوم، فقدم عليهم كما قال تعالى :﴿فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ [الحجر: ٦١] وقال تعالى :﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] لأنه جاءهم من عند الله من السماوات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور ؛ والنذر : الرسل ولقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى عليه السلام، وقيل : النذر : الإنذارات. تنبيه : هاهنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ أبو عمرو وقالون : بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر ؛ وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية ؛ ولهما أيضاً إبدالها ألفاً وورش على أصله في الهمزة المسهلة ؛ ومدّ بعد الجيم حمزة وابن ذكوان، والباقون بالفتح ؛ وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً مع المدّ والتوسط والقصر ؛ ﴿فأخذناهم﴾ أي : بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق ﴿أخذ عزيز﴾ أي : لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ﴿مقتدر﴾ أي : لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقباً لحكمه بالغ القدرة إلى حد لا يدرك الوصف كنهه.

القمر 54:43

ثم خوّف كفار مكة فقال تعالى :﴿أكفاركم﴾ أي : الراسخون منكم يا أهل مكة في الكفر الثابتون عليه، يا أيها المكذبون، لهذا النبيّ الكريم الساترون لشموس دينه ﴿خير﴾ في الدنيا بالقوة والكثرة، أو في الدين عند الله أو عند الناس ﴿من أولئكم﴾ أي : المذكورين من قوم نوح إلى فرعون الذين وعظناكم بهم في هذه السورة ؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي ليسوا بأقوى منهم فمعناه نفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. تنبيه : قوله تعالى :﴿خير﴾ مع أنّه لا خير فيهم إما أن يكون كقول حسان : فشر كما لخير كما الفداء *** أو هو بحسب زعمهم واعتقادهم ؛ أو المراد بالخير شدّة القوّة ؛ أو لأنّ كل ممكن فلا بدّ وأن يكون له صفات محمودة، فالمراد تلك الصفات ﴿أم لكم﴾ أي : يا أهل مكة ﴿براءة في الزبر﴾ أي : أنزل إليكم من الكتب السماوية أنّ من كفر منكم فهو في أمان من عذاب الله تعالى والاستفهام هنا أيضاً بمعنى النفي أي ليس الأمر كذلك.

القمر 54:44

﴿أم يقولون﴾ أي : كفار قريش ﴿نحن جميع﴾ أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له ﴿منتصر﴾ أي على كل من يعاديه، لأنهم على قلب رجل واحد ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. ولما قال أبو جهل يوم بدر : إنا جميع منتصر نزل ﴿سيهزم الجمع﴾ بأيسر أمر بوعد لا خلف فيه. وقال مقاتل : ضرب أبو جهل يوم بدر فرسه فتقدم من الصف وقال : نحن ننتصر اليوم على محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى :﴿أم يقولون نحن جميع منتصر﴾.

القمر 54:45

وقال سعيد بن المسيب : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : لما نزلت ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾، كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول :﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ فهزموا ببدر ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل الأدبار لموافقة رؤوس الآي.

القمر 54:46

﴿بل الساعة﴾ أي : القيامة التي يكون فيها الجمع الأكبر والهول الأعظم ﴿موعدهم﴾ أي : للعذاب ﴿والساعة أدهى﴾ أي من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا وأدهى أفعل تفضيل من الداهية، وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه فهي أمر عظيم ؛ يقال : دهاه أمر كذا أي أصابه دهواً ودهياً ؛ وقال ابن السكيت دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿وأمر﴾ لأنّ عذابها للكفار غير مفارق ولا مزايل فهي أعظم نائبة وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر وفي رواية : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يثب في درعه ويقول : اللهمّ إن قريشاً جادلتك وتجاهر رسولك بفخرها بخيلها فأخنهم الغداة. يقال : أخنى عليه الدهر أي غلبه وأهلكه ومنه قول النابغة : أخني عليها الذي أخنى على لبد *** وأخنيت عليه أفسدت ثم قال :﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ قال عمر : فعرفت تأويلها وهذا من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّه أخبر عن غيب فكان كما أخبر ؛ قال ابن عباس : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. فالآية على هذا مكية وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت :«لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب » ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ وعن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال :«وهو في قبة له يوم بدر أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا، فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول :﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم﴾ يريد يوم القيامة ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ مما لحقهم يوم بدر ».

القمر 54:47

﴿إن المجرمين﴾ أي : المشركين القاطعين لما أمر الله تعالى أن يوصل ﴿في ضلال﴾ أي : هلاك بالقتل في الدنيا ﴿وسعر﴾ أي : نار مسعرة أي مهيجة في الآخرة وقيل :﴿في ضلال﴾ أي : عمى عن القصد بالبعث وسعر. قال الضحاك أي : نار تسعر عليهم وقيل ضلال ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وسعر جمع سعير نار مسعرة وقال الحسين بن الفضل : إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة : في عناء وعذاب.

القمر 54:48

ثم بين عذابهم في الآخرة بقوله تعالى :﴿يوم يسحبون﴾ أي : في القيامة إهانة لهم من أي ساحب كان ﴿في النار﴾ أي الكاملة النارية ﴿على وجوههم﴾ لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى مقولاً لهم من أي قائل اتفق ﴿ذوقوا﴾ لأنه لا منعة لهم ولا حمية بوجه ﴿مَسَّ سقر﴾ أي : حرّ النار وألمها فإن مسها سبب للتألم بها، وسقر علم لجهنم مشتقة من سقرته الشمس أو النار أي لوحته ويقال : صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين قال ذو الرمة : إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها؍ يا فنان مربوع الصريمة معبل؍ وعدم صرفها للتعريف والتأنيث. وقال بعض المفسرين : إنّ هذه الآية نزلت في القدرية لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«مجوس هذه الأمة القدرية » وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله سبحانه ﴿إنّ المجرمين في ضلال وسعر﴾ وفي مسلم عن أبي هريرة قال :«جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت هذه الآية إلى آخرها » قال الرازي : والقدري هو الذي ينكر القدر وينسب الحوادث لاتصالات الكواكب لما مرّ أنّ قريشاً خاصموا النبيّ صلى الله عليه وسلم في القدر، ومذهبهم أن الله تعالى مكن العبد من الطاعة والمعصية وهو قادر على خلق ذلك في العبد وقادر على أن يطعم الفقير ولهذا قالوا : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه منكرين لقدرته تعالى على الإطعام. وقوله صلى الله عليه وسلم :«القدرية مجوس هذه الأمة » إن أريد بالأمة المرسل إليهم مطلقاً كالقوم فالقدرية في زمانه صلى الله عليه وسلم هم المشركون المنكرون قدرته على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة ؛ وإن كان المراد بالأمة من آمن به صلى الله عليه وسلم فمعناه أن نسبة القدرية إليهم كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة ؛ فإنّ المجوس أضعف الكفرة المتقدّمين شبهة وأشدّ مخالفة للعقل وكذا القدرية في هذه الأمة ؛ وكونهم كذلك لا يقتضي الجزم بكونهم في النار فالحق أنّ القدري : هو الذي ينكر قدرة الله تعالى وقد ردّ عليهم بالكتاب والسنة.

القمر 54:49

أما من الكتاب فقوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿كل شيء﴾ من الأشياء المخلوقة صغيرها وكبيرها ﴿خلقناه بقدر﴾ أي : قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوّة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه. وأمّا من السنة : فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام قال وعرشه على الماء. وعن طاووس اليماني قال : أدركت ما شاء الله تعالى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر الله تعالى ؛ قال : وسمعت من عبد الله بن عمرو يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز » وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن بالله عبد حتى يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله : بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر ؛ وزاد عبد الله خيره وشره ». تنبيه :﴿كل شيء﴾ منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، ولما بين سبحانه وتعالى أنّ كل شيء بفعله بيّن يسر ذلك وسهولته عليه بقوله تعالى :﴿وما أمرنا إلا واحدة كن كلمح بالبصر﴾.

القمر 54:50

﴿وما أمرنا﴾ في كل شيء أردناه وإن عظم أمره ﴿إلا واحدة﴾ أي : فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك أحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الإرادة الأزلية ؛ وقيل إلا كلمة واحدة وهي قوله تعالى ﴿كن﴾ كما قال تعالى :﴿إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما نعقله وأخفه بقوله تعالى :﴿كلمح بالبصر﴾ واللمح النظر بالعجلة وفي الصحاح لمحة وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف أي فكما أن لمح أحدكم بصره لا كلفة عليه فيه فكذلك الأفعال كلها عندنا بل أيسر ؛ وعن ابن عباس معناه : وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.

القمر 54:51

﴿ولقد أهلكنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿أشياعكم﴾ أي : أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة والقدرة عليكم كالقدرة عليهم فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم ولذلك سبب عنه قوله تعالى :﴿فهل من مدكر﴾ أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعف وأنّ قدرته تعالى عليه كقدرته تعالى عليهم ليرجع عن غيه خوفاً من سطوته والاستفهام بمعنى الأمر أي ادكروا واتعظوا.

القمر 54:52

﴿وكل شيء فعلوه﴾ قال الجلال المحلي : أي : العباد. وقال أكثر المفسرين : أي : الأشياع لأنه هو المتقدم ذكره ﴿في الزبر﴾ أي مكتوب في دواوين الحفظة. وقيل : في اللوح المحفوظ. وقيل : في أم الكتاب فلتحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية هذا ما أطبق عليه القراء بما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد.

القمر 54:53

﴿وكل صغير وكبير﴾ أي : من الخلق وأعمالهم وآجالهم ﴿مستطر﴾ أي : مكتوب في اللوح المحفوظ.

القمر 54:54

ولما وصف الكفار وصف المؤمنين مؤكداً رداً على المنكر فقال عز من قائل :﴿إنّ المتقين﴾ أي : العريقين في وصف الخوف من الله الذي وفقهم لطاعته ﴿في جنات﴾ أي : خلال بساتين ذات أشجار تستر داخلها وقوله تعالى :﴿ونهر﴾ أريد به الجنس : لأن فيها أنهاراً من ماء وعسل ولبن وخمر ؛ أفرده لموافقة رؤوس الآي ولشدة اتصال بعضها ببعض فكأنها شيء واحد. والمعنى : أنهم يشربون من أنهارها وقيل : هو السعة والصفاء من النهار.

القمر 54:55

وكما جعل للمتقين في تلك الدار ذلك جعل لهم في هذه الدار أيضاً جنات العلوم وأنهار المعارف ولهذا كانوا ﴿في مقعد صدق﴾ أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم، ولم يقل في مجلس صدق، لأنّ القعود جلوس فيه مكث ومنه قواعد البيت والقواعد من النساء ولذا قال :﴿عند مليك﴾ أي : ملك تام الملك ﴿مقتدر﴾ أي : قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى. وعند إشارة للرتبة والكرامة والمنزلة من فضله تعالى، جعلنا الله تعالى ومحبينا منهم.

الرحمن 55:1

ولما كانت هذه السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية صدرها بقوله تعالى :﴿الرحمن﴾.

الرحمن 55:2

﴿علم﴾ أي : من شاء ﴿القرآن﴾ وقدم من نعمه الدينية ما هو أعلى مراتبها وأقصى مراقبها وهو إنعامه تعالى بالقرآن العظيم، وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله تعالى رتبة، وأعلاها منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثراً ؛ وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها والعيار عليها. تنبيه : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ؛ لأنّ آخر تلك مليك مقتدر، وأوّل هذه أنه رحمن. قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي : الرحمن : فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسماً من أسماء الله تعالى الر، وحم، ون، فيكون مجموع هذه الرحمن. ولله تبارك وتعالى رحمتان : رحمة سابقة بها خلق الخلق ؛ ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع، فهو رحمن باعتبار السابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره رحمن ولما خلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطاقة البشرية فأطعم ونفع جاز أن يقال له : رحيم. وفي إعراب الرحمن ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر أي الله الرحمن الثاني : أنه مبتدأ وخبره مضمر أي الرحمن ربنا. الثالث : أنه مبتدأ خبره علم القرآن ؛ فإن قيل : كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى :﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧] أجيب بأنا أن قلنا بعطف الراسخين على الله فهو ظاهر، وإن قلنا بالوقف على الله ويبتدأ بقوله تعالى :﴿والراسخون﴾ [آل عمران: ٧] فلأن من علم كتاباً عظيماً فيه مواضع مشكلة قليلة وتأمّلها بقدر الإمكان فإنه يقال فلان يعلم الكتاب الفلاني، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين في تلك المواضع القليلة، وكذا القول في تعليم القرآن، أو يقال المراد لا يعلمه من تلقاء نفسه بخلاف الكتب التي تستخرج بقوة الذكاء والفكر. واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أكثر المفسرين : نزلت حين قالوا : وما الرحمن، وقيل : نزلت جواباً لأهل مكة حين قالوا : إنما يعلمه بشر وهو رحمان اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ؛ فأنزل الله تعالى :﴿الرحمن علم القرآن﴾ أي : سهله ليذكر ويقرأ، كما قال تعالى :﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧].

الرحمن 55:3

ولما كان كأنه قيل كيف يعلمه وهو صفة من صفاته، ولمن علمه قال تعالى مستأنفاً أو معللاً ﴿خلق الإنسان﴾ أي : الجنس بأن قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلاً عن جميع الجمادات، وأصله منها ثم عن سائر الناميات، ثم عن غيره من الحيوانات، وخلقه له دليل على خلقه لكل شيء موجود ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩] وقيل علم القرآن جعله علامة.

الرحمن 55:4

وآية ﴿علمه البيان﴾ أي القوّة الناطقة وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر، وغير ذلك مما أودعه له سبحانه مع تعبيره عما أدركه مما هو غائب في ضميره وإفهامه لغيره : تارة بالقول وتارة بالفعل، نطقاً وكتابة وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا قدرة في نفسه والتكميل لغيره فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن، وقال ابن عباس وقتادة والحسن : يعني آدم عليه السلام علم أسماء كل شيء، وقيل : علمه اللغات كلها وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، وعن ابن عباس أيضاً وابن كيسان : المراد بالإنسان هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد من البيان : الحلال والحرام والهدى من الضلال، وقيل : ما كان وما يكون لأنه بين عن الأولين والآخرين، وعن يوم الدين، وقال الضحاك : البيان : الخير والشرّ، وقال الربيع بن أنس : هو ما ينفعه وما يضره. وقال السدي : علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقيل : بيان الكتابة والخط بالقلم نظيره قوله تعالى :﴿علم بالقلم ٤ علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [ العلق : ٣ – ٤ ]. فإن قيل : لِمَ قدّم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود ؟ أجيب : بأنّ التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. فإن قيل : كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم القرآن ؟ أجيب : بأنّ في ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعميم لا في تعليم شخص دون شخص، وبأنّ المراد من قوله تعالى :﴿علمه البيان﴾ : تعديد النعم على الإنسان واستدعاء الشكر منه ؛ ولم يذكر الملائكة لأنّ المقصود ذكر ما يرجع إلى الإنسان. وقيل : تقديره علم جبريل القرآن وقيل علم محمداً صلى الله عليه وسلم وقيل علم الإنسان وهذا أولى لعمومه. تنبيه هذه الجمل من قوله تعالى :﴿علم القرآن﴾ إلى هنا جيء بها من غير عاطف لأنها سيقت لتعديد نعمه ؛ كقولك : فلان أحسن إلى فلان أكرمه أشاد ذكره رفع قدره ؛ فلشدّة الوصل ترك العاطف ؛ وهي أخبار مترادفة للرّحمن.

الرحمن 55:5

ولما ذكر تعالى خلق الإنسان وإنعامه عليه بتعليمه البيان ذكر نعمتين عظيمتين بقوله تعالى :﴿الشمس﴾ وهي آية النهار ﴿والقمر﴾ وهي آية الليل ﴿بحسبان﴾ فإنهما على قانون واحد وحساب لا يتغيران وبذلك تتم منفعتهما للزراعات وغيرها ولولا الشمس والقمر لفات كثير من المنافع الظاهرة بخلاف غيرهما من الكواكب فإنّ نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وإنهما بحسبان لا يتغير أبدا، ولو كان سيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها ومعرفة فصول السنة، والمعنى يجريان بحسبان معلوم فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك : يجريان بحسبان في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال أبو زيد وابن كيسان بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً إن كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً. وقال السدي : بحسبان تقدير آجالهما أي : يجريان بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا نظيره ﴿كل يجري إلى أجل مسمى﴾ [لقمان: ٢٩].

الرحمن 55:6

﴿والنجم﴾ أي : النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له كالبقول ﴿والشجر﴾ أي : الذي له ساق كشجر الرمان وتقدم الجواب عن قوله تعالى :﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾ [الصافات: ١٤٦] في سورة الصافات ﴿يسجدان﴾ أي : ينقادان لله تعالى فيما يريده طبعاً انقياد الساجد من المكلفين طوعاً وقال الضحاك سجودهما سجود ظلالهما. وقال الفراء سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت الشمس ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء، وقال الزجاج : سجودهما دوران الظل معهما كما قال تعالى :﴿يتفيؤا ظلاله﴾ [النحل: ٤٨] وقال الحسن ومجاهد : النجم نجم السماء وسجوده في قول مجاهد دوران ظله ؛ وقيل : سجود النجم أفوله وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمارها حكاه الماوردي. وقال النحاس : أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل وانقيادها له، ومن الحيوان كذلك. فإن قيل : كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن ؟ أجيب بأنه استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أنّ الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له. فإن قيل : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف ؟ أجيب : بأنّ الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، فإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأنَّ جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى فهو مناسب لسجود النجم والشجر.

الرحمن 55:7

﴿والسماء﴾ أي : ورفع السماء ثم فسر ناصبها فيكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدّة ما فيها من الحكم فقال تعالى :﴿رفعها﴾ أي حسا قال البقاعي : بعدما كانت ملتصقة بالأرض ففتقها وأعلاها عنها ؛ وقال الزمخشري وتبعه البيضاوي : خلقها مرفوعة ؛ قال البيضاوي : محلاً ورتبه، وقال الزمخشري : حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه. ﴿ووضع الميزان﴾ أي : العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا كما قال صلى الله عليه وسلم «بالعدل قامت السماوات والأرض » وقال السدي : وضع في الأرض العدل الذي أمر به يقال وضع الله الشريعة ووضع فلان كذا أي : ألفه. وقيل على هذا الميزان القرآن لأنّ فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل، وقال الحسن وقتادة والضحاك هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى :﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ [الرحمن: ٩] والقسط هو العدل ؛ وقيل هو الحكم، وقيل المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال.

الرحمن 55:8

﴿أن﴾ أي : لأجل أن ﴿لا تطغوا﴾ أي : تتجاوزوا الحدود ﴿في الميزان﴾ فمن قال : الميزان العدل قال : طغيانه الجور ؛ ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به قال : طغيانه البخس قال ابن عباس : لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال : يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس المكيال والميزان ومن قال : إنه الحكم قال : طغيانه التحريف. وقيل فيه إضمار أي : وضع الميزان وأمركم أن لا تطغوا فيه. فإن قيل : إذا كان المراد به ما يوزن به فأيّ نعمة عظيمة فيه حتى يعدّ في الآلاء ؟ أجيب : بأنّ النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد أن يغلبه غيره ولو في الشيء اليسير، ويرى أنّ ذلك استهانة به فلا يترك خصمه يغلبه فوضع الله تعالى معياراً بيّن به التساوي ولا تقع به البغضاء بين الناس وهو الميزان، وهو كل ما توزن به الأشياء بين الناس، ويعرف مقاديرها به من ميزان ومكيال ومقياس، فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما.

الرحمن 55:9

﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ أي : افعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء : أقيموا لسان الميزان بالعدل. وقال ابن عيينة : الإقامة باليد والقسط بالقلب وقال مجاهد : القسط العدل بالرومية ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ أي : لا تنقصوا الموزون، أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان ؛ وكرّر لفظ الميزان تشديداً للتوصية وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه ؛ وقيل : كرّره لمحال رؤوس الآي، وقيل كرّره ثلاث مرات : الأول : بمعنى الآلة وهو قوله تعالى :﴿ووضع الميزان﴾ والثاني : بمعنى المصدر أي لا تطغوا في الوزن. والثالث : للمفعول أي لا تخسروا الموزون. قال ابن عادل : وبين القرآن والميزان مناسبة، فإنّ القرآن فيه العلم الذي لا يوجد في غيره من الكتب والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من الآلات.

الرحمن 55:10

ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيهاً على شدّة العناية والاهتمام به فقال تعالى :﴿والأرض﴾ أي : ووضع الأرض ثم فسر ناصبها كما فعل في قوله تعالى :﴿والسماء رفعها﴾ فقال تعالى :﴿وضعها﴾ أي : دحاها وبسطها على الماء ﴿للأنام﴾ أي : كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت. وقيل : هو الحيوان وقيل : بنو آدم خاصة. وهو مروي عن ابن عباس ونقل النووي في التهذيب عن الزبيدي الأنام الخلق قال : ويجوز الأنيم وقال : الواحدي قال الليث : الأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. وقال : الحسن هم الإنس والجن.

الرحمن 55:11

﴿فيها﴾ أي : الأرض ﴿فاكهة﴾ أي : ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار ونكرها لأنّ الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها فهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، إذ التنكير فيها للتعظيم والتكثير، نبه عليه بتعريف فرع منها ونوه به لأنّ فيه مع التفكه التقوت وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأوّل فقال تعالى :﴿والنخل﴾ ودل على تمام القدرة بقول تعالى :﴿ذات﴾ أي : صاحبة ﴿الأكمام﴾ أي : أوعية ثمرها وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر، والأكمام جمع كم بالكسر قال الجوهري : والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام وأكمة وإكمام والكمامة ما يكم به فم البعير لئلا يعض ؛ وكم القميص بالضم والجمع أكمام وكممه والكمة القلنسوة المدوّرة لأنها تغطي الرأس.

الرحمن 55:12

﴿والحب﴾ أي : جميع الحبوب التي يقتات بها كالحنطة والشعير ﴿ذو العصف﴾ قال ابن عباس : تبن الزرع وورقه الذي يعصفه الريح، وقال مجاهد : ورق الشجر والزرع، وقال سعيد بن جبير : بقل الزرع الذي أوّل ما ينبت منه وهو قول الفراء. والعرب تقول : خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك وقيل : العصف حطام النبات. ﴿والريحان﴾ وهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الرزق قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : هو الرزق بلغة حمير، كقولهم : سبحان الله وريحانه نصبوهما على المصدر يريدون تنزيهاً له واسترزاقاً. وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وقتادة : أنه الريحان الذي يشم، وهو قول ابن زيد. وقال سعيد بن جبير : هو ما قام على ساق. وقال الفراء : العصف المأكول من الزرع والريحان ما لا يؤكل وقال الكلبي : العصف الورق الذي يؤكل والريحان هو الحب المأكول. وقيل : كل بقلة طيبة الريح سميت ريحاناً، لأنّ الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي يشم. وفي الصحاح : والريحان نبت معروف، والريحان الرزق تقول : خرجت أبتغي ريحان الله، وفي الحديث :«الولد من ريحان الله ». وقرأ ابن عامر : بنصب الحب وذا والريحان بخلق مضمر، أي : وخلق الحب وذا العصف والريحان. وقرأ حمزة والكسائي : برفع الحب وذو عطفا على فاكهة، وجرّ الريحان عطفاً على العصف، والباقون : برفع الثلاثة عطفاً على فاكهة أي وفيها أيضاً هذه الأشياء.

الرحمن 55:13

ولما دخل في قوله تعالى :﴿والأرض وضعها للأنام﴾ الجنّ والأنس خاطبهما بقوله تعالى :﴿فبأيّ آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المحسن إليكما المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها ؟ وكرر هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعاً تقريراً للنعمة، وتأكيداً في التذكير، وفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ليفهمهم النعم، ويقرّرهم بها كما تقول لمن تتابع عليه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيراً فأغنيتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن خاملاً فعززتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن راجلاً فحملتك ؟ أفتنكر هذا ؟ والتكرير حسن في مثل هذا، قال القائل : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم *** وقال آخر : لا تقتلي مسلماً إن كنت مسلمة؍ إياك من دمه إياك إياك؍ وقال آخر : لا تقطعنّ الصديق ما طرفت؍ عيناك من قول كاشح أشر؍ ولا تملنّ يوماً زيارته؍ زره وزره وزر وزر وزر؍ وقال الحسن بن الفضل : التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة قال بعض العلماء : والتكرير هاهنا كما تقدّم في قوله تعالى :﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧] وكقوله تعالى : فيما سيأتي ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [المرسلات: ١٥] وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أنّ التكرير لاختلاف النعم، فلذلك كرّر التوقيف مع كل واحدة. وقال الرازي : وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به التقرير والزجر وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة ؛ قال : وكرّرت هذه اللفظة في هذه السورة نيفاً وثلاثين مرة : إما للتأكيد، ولا يعقل لخصوص العدد معنى. وقيل : الخطاب مع الأنس والجنّ والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل المقصود، وأعظم المكروهات : نار جهنم ولها سبعة أبواب، وأعظم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب، فالمجموعة خمسة عشر وذلك بالنسبة للإنس والجنّ ثلاثون والزائد لبيان التأكيد. وروى جابر بن عبد الله قال :«قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال ما لي أراكم سكوتاً للجنّ كانوا أحسن منكم ردّاً ما قرأت عليهم هذه الآية من مرّة ﴿فبأيّ آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن: ١٣] إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد » وقرأ ورش ﴿فبأيّ آلاء﴾ على أصله بالمدّ، والتوسط، والقصر جميع ما في هذه السورة.

الرحمن 55:14

ولما ذكر تعالى خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال تعالى :﴿خلق الإنسان﴾ أي : آدم عليه السلام ﴿من صلصال﴾ أي : من طين يابس له صلصلة أي صوت إذا نقر ﴿كالفخار﴾ أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار، وقيل هو طين خلط برمل ؛ وقيل : هو الطين المنتن من صل اللحم وأصل إذا أنتن. تنبيه : قال تعالى : هنا. ﴿من صلصال كالفخار﴾ وقال تعالى في الحجر :﴿من حمإ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦] وقال تعالى في الصافات :﴿من طين لازب﴾ [الصافات: ١١] وقال تعالى في آل عمران ﴿كمثل آدم خلقه من تراب﴾ [آل عمران: ٥٩] وكله متفق المعنى وذلك أنه أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طيناً، ثم ترك حتى صار حمأ مسنوناً ثم منتناً ثم صوّره كما يصوّر الإبريق وغيره من الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر صوت صوتاً، يعلم منه هل فيه عيب أو لا فالمذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة أثناؤه فالأرض أمّه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم ؛ فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه، فالغالب في جبلته التراب، فلهذا نسب إليه، وإن خلق من العناصر الأربع، كما أنّ الجانّ خلق من العناصر الأربع لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها ؛ كما قال تعالى :﴿وخلق الجانّ من مارج من نار﴾.

الرحمن 55:15

﴿وخلق الجانّ﴾ أي : أبا الجنّ، وهو إبليس وقيل : هو أبوهم وليس هو بإبليس ؛ وقيل : هو اسم جنس كالإنسان ﴿من مارج من نار﴾ وهو لهبها الخالص من الدخان ؛ وقال القشيري : هو اللهب المختلط بسواد النار، فالنار أغلب عناصره. وقال الليث : المارج الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ابن عباس : أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر وهو مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلط بعضها ببعض ؛ ونحوه عن مجاهد. وقال أبو عبيدة والحسن : المارج المختلط من النار وأصله من مرج إذا اضطرب واختلط قال القرطبي : يروى أنّ الله تعالى خلق نارين فمرج أحداهما بالأخرى فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم، فخلق منها إبليس. تنبيه :﴿من مارج من نار﴾ مَنْ الأولى لابتداء الغاية ؛ وفي الثانية وجهان : أحدهما : أنها للبيان. والثاني : أنها للتبعيض.

الرحمن 55:16

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ الناشئة عن مبدئكما ومربيكما وسيد كما ﴿تكذبان﴾ أي : مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات.

الرحمن 55:17

﴿رب﴾ أي : خالق ومدبر ﴿المشرقين﴾ أي : مشرق الشتاء ومشرق الصيف ﴿ورب المغربين﴾ كذلك.

الرحمن 55:18

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ربكما أي الذي دبر لكما هذا التدبير العظيم ﴿تكذبان﴾ أي : بما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك.

الرحمن 55:19

﴿مرج﴾ أي : أرسل الرحمن ﴿البحرين﴾ أي : العذب والملح فجعلهما مضطربين من طبعهما الاضطراب حال كونهما ﴿يلتقيان﴾ أي : يتماسان على وجه الأرض بلا فصل بينهما في رؤية العين. وقال ابن عباس : بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن جبير : يلتقيان في كل عام. وقيل : يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة : بحر فارس والروم. وقال ابن جريج : البحر المالح والأنهار العذبة. وقيل : بحر المشرق وبحر المغرب. وقيل : بحر اللؤلؤ وبحر المرجان.

الرحمن 55:20

﴿بينهما برزخ﴾ أي حاجز عظيم فعلى القول بأنهما بحر السماء وبحر الأرض فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض ؛ قاله الضحاك وعلى الأقوال الباقية : قال الحسن وقتادة : هو الأرض. وقال بعضهم هو القدرة الإلهية وهذا أولى. ﴿لا يبغيان﴾ اختلف فيه. فقال قتادة : لا يبغيان على الناس فيغرقانهم كما طغيا فأهلكا من على الأرض في أيام نوح عليه السلام، فجعل بينهما وبين الناس اليبس، وقال مجاهد وقتادة أيضاً : لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. وقيل البرزخ ما بين الدنيا والآخرة أي : بينهما مدة قدّرها الله تعالى وهي مدّة الدنيا فهما لا يبغيان فإذا أذن الله تعالى في انقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً ؛ وهو كقوله تعالى :﴿وإذا البحار فجرت﴾ [الانفطار: ٣] وقال سهل بن عبد الله : البحران طريق الخير والشرّ، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة، وقال الرازي : معنى الآية أنّ الله تعالى أرسل بعض البحرين إلى بعض ومن شأنهما الاختلاط، فحجزهما ببرزخ من قدرته فهما لا يبغيان أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حدّه له خالقه لا في الظاهر ولا في الباطن فمتى حفرت على جنب الملح في بعض الأماكن وجدت الماء العذب وإن قربت الحفرة منه ؛ قال البقاعي : بل كلما قربت كان أحلى فخلطهما سبحانه في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء ؟.

الرحمن 55:21

﴿فبأي آلاء﴾ أي نعم ﴿ربكما﴾ أي الموجد لكما والمربي ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلكم تنجون من عذاب الله تعالى.

الرحمن 55:22

﴿يخرج منهما اللؤلؤ﴾ وهو كبار الجوهر ﴿والمرجان﴾ وهو صغار الجوهر، قاله علي وابن عباس والضحاك : وقيل : بالعكس ؛ وقيل : المرجان حجر أحمر وقيل : حجر شديد البياض والمرجان أعجمي أي بمخالطة العذب المالح من غير واسطة أو بواسطة السحاب فصار ذلك كالذكر والأنثى، وقال الرازي : فيكون العذب كاللقاح للملح، وقال أبو حيان : قال الجمهور : إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فأسند ذلك إليهما، وهذا مشهور عند الغواصين. قال مكي : كما قال :﴿على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] أي : من إحدى القريتين وحذف المضاف كثير شائع ؛ وقيل : هو كقوله تعالى :﴿نسيا حوتهما﴾ [الكهف: ٦١] وإنما الناسي فتاه، ويعزى لأبي عبيدة ؛ قال البغوي : وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله تعالى ﴿يا معشر الجنّ والأنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ وكانت الرسل من الأنس، وقيل : يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان، وقيل : بل يخرجان منهما جميعاً، وقال ابن عباس : تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر والصدف تفتح أفواهها للمطر وقد شاهده الناس فيكون تولده من بحر السماء وبحر الأرض، وهذا قول الطبري. وقال الزمخشري : فإن قلت لم قال منهما، وإنما يخرجان من الملح ؟ قلت : لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال : يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر وإنما يخرجان من بعضه ؛ وتقول خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله بل من دار واحدة من دوره، وقيل : لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب ا. ه. وقال بعضهم : كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، فمن الجائز أنه يسوقهما من البحر العذب إلى الملح، واتفق أنهم لم يخرجوهما إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المتردّدين القاطعين المفاوز فكيف بما في قعر البحر. قال ابن عادل : والجواب عن هذا أنّ الله تعالى لا يخاطب الناس ولا يمتن عليهم إلا بما يألفون ويشاهدون. وقرأ نافع وأبو عمرو : يخرج بضم الياء وفتح الراء مبنياً للمفعول، والباقون بفتح الياء وضم الراء مبنياً للفاعل على المجاز. وقرأ السوسي وشعبة : بإبدال الهمزة الساكنة واواً وصلاً ووقفاً، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية.

الرحمن 55:23

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : الملك الأعظم المالك لكما ﴿تكذبان﴾ أبكثرة النعم من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها، وإخراج الحلي العجيبة أم بغيرها.

الرحمن 55:24

﴿وله﴾ أي : لا لغيره ﴿الجواري﴾ أي : السفن الكبار والصغار الفارغة والمشحونة فلا تغترّوا بالأسباب الظاهرة فتقفوا معها فتسندوا شيئاً من ذلك إليها، وقرأ :﴿والمنشآت﴾ حمزة وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشين بمعنى أنها تنشئ الموج بجريها أو تنشئ السير إقبالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها أي قلوعها والشراع القلع وعن مجاهد كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت وإلا فليست منها ونسبة الرفع إليها مجاز كما يقال : أنشأت السحابة المطر وقرأ الباقون بفتح الشين وهو اسم مفعول أي أنشأها الله تعالى أو الناس أو رفعوا شراعها. تنبيه : الجواري جمع جارية وهو اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر لأنّ جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك فيقولون لك الفلك ولك الملك ؛ وإذا خافوا الغرق دعوا الله وحده، وسميت السفينة جارية لأنّ شأنها ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية كما قال تعالى :﴿إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١] وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك فقال تعالى لنوح عليه السلام :﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ [هود: ٣٧] ثم بعدما عملها سماها سفينة فقال تعالى :﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾ [العنكبوت: ١٥] قال الرازي : فالفلك أولاً ثم السفينة ثم الجارية ا. ه. والمرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية لأنّ شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها بخلاف الزوجة فهي من الصفات الغالبة. والسفينة فعليه بمعنى فاعله عند ابن دريد ؛ كأنها تسفن الماء وفعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى مسفونة وقوله تعالى :﴿في البحر﴾ متعلق بالمنشآت وقوله تعالى :﴿كالأعلام﴾ حال إمّا من الضمير المستكن في المنشآت وإمّا من الجواري وكلاهما بمعنى واحد ؛ والأعلام الجبال والعلم الجبل الطويل علماً على الأرض قال القائل : إذا قطعنا علماً بدا لنا علم *** وقال آخر : ربما أوفيت في علم؍ ترفعن ثوبى شمالات؍ وقالت الخنساء في أخيها صخر : وإن صخراً لتأتمّ الهداة به؍ كأنه علم في رأسه نار؍ أي : جبل فالسفن في البحر كالجبال في البرّ ؛ وجمع الجواري. ووحد البحر وجمع الأعلام إشارة إلى عظمة البحر.

الرحمن 55:25

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ العظمى التي عمت خلقه ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من خلق موادّ السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر وأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره أم غيرها ؟.

الرحمن 55:26

وقوله تعالى :﴿كل من عليها فان﴾ أي : هالك غلب فيه من يعقل على غيره وجميعهم مراد ؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم : وإن لم يجر لها ذكر كقوله تعالى :﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] ورد هذا بأنه قد تقدّم ذكرها في قوله تعالى :﴿والأرض وضعها﴾ [الرحمن: ١٠] وقيل : الضمير عائد إلى الجواري. قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة : هلكت أهل الأرض فنزل :﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك. فإن قيل : الكلام في تعدّد النعم فأين النعمة في فناء الخلق ؟ أجيب : بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب.

الرحمن 55:27

﴿ويبقى﴾ أي : بعد فناء الكل بقاء مستمرّا إلى ما لا نهاية له ﴿وجه ربك﴾ أي : ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه. فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وخاطب هاهنا الواحد فقال :﴿ويبقى وجه ربك﴾ ولم يقل وجه ربكما ؟ أجيب : بأنّ الإشارة هاهنا وقعت إلى كل أحد فقال : ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أنّ غيره فان فلو قال : ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه ؛ المخاطب عن الفناء، فإن قيل : فلو قال : ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل ؛ أجيب : بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال : بلفظ الرب وكاف الخطاب. ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى :﴿ذو الجلال﴾ أي : العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به ﴿والإكرام﴾ أي : الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته.

الرحمن 55:28

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:29

وقوله تعالى :﴿يسأله من في السماوات﴾ أي : كلها كلهم ﴿والأرض﴾ كذلك مستأنف وقيل : حال من وجه والعامل فيه يبقى أي : يبقى مسؤولاً من أهل السماوات والأرض بلسان الحال أو المقال أو بهما. قال ابن عباس وأبو صالح : أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً. وقال ابن جريج : يسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض كما في الحديث، قال القرطبي : وفي الحديث :«إن من الملائكة ملكاً له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان يسأل الله تعالى الرزق لبني آدم، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله تعالى الرزق للسباع، ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله تعالى الرزق للبهائم، ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله تعالى الرزق للطير ». وقال ابن عطاء : إنهم يسألوه القوّة على العبادة. وقوله تعالى :﴿كل يوم﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر وهو قوله تعالى :﴿هو في شان﴾ والشأن الأمر روى أبو الدرداء : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«كل يوم هو في شان قال من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كربة ويرفع أقواماً ويضع آخرين ». وعن ابن عمر : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«يفغر ذنباً ويكشف كرباً ويجيب داعياً ». وقال أكثر المفسرين من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعزّ قوماً ويذل قوماً ويشفي قوماً ويفرج مكروباً ويجيب داعياً ويعطي سائلاً ويغفر ذنباً إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء. وروى البغوي : عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :«إنّ مما خلق الله عز وجل لوحاً من درّة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكلماته نور ينظر الله تعالى فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعزّ ويذلّ ويفعل ما يشاء »، فذلك قوله تعالى :﴿كل يوم هو في شان﴾. وقال سفيان بن عيينة : الدهر كله عند الله تعالى يومان أحدهما : اليوم الذي هو مدّة عمر الدنيا فشأنه فيه أي : في كل يوم من أيامها الأمر والنهي والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع، والثاني : يوم القيامة وشأنه فيه الجزاء والحساب والثواب والعقاب. وقال أبو سليمان الداراني : في هذه الآية له في كل يوم إلى العبيد برّ جديد. وقال بعض المفسرين : شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر عسكراً من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمّهات، وعسكراً من الأرحام إلى الدنيا، وعسكراً من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعاً إلى الله تعالى. وقيل : نزلت في اليهود حين قالوا إنّ الله لا يقضي يوم السبت شيئاً. وسأل بعض الملوك وزيره عن هذه الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يتفكر فيها، فقال له غلام أسود : يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله تعالى يسهل لك على يدي ؛ فأخبره فقال : أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال أيها الملك شأن الله تعالى أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، ويشفي سقيما، ويسقم صحيحا، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال الأمير : أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال : يا مولاي هذا من شأن الله تعالى. وعن عبد الله بن طاهر : أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشف لي قوله تعالى :﴿فأصبح من النادمين﴾ [المائدة: ٣١] وقد صح أنّ الندم توبة. وقوله تعالى :﴿كل يوم هو في شان﴾ وصح أنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة وقوله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] فمعناه ليس له إلا ما يسعى فما بال الأضعاف ؟ قال الحسين : يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون في هذه الأمة لأنّ الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل : إنّ ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله، وأما قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فمعناه أنه ليس له إلا ما يسعى عدلاً ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً، وأما قوله تعالى :﴿كل يوم هو شان﴾ فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها ؛ فقام عبد الله : فقبل رأسه وسوغ خراجه.

الرحمن 55:30

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ المدبر لكما هذا التدبر العظيم ﴿تكذبان﴾ أي : أبتلك النعم أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:31

﴿سنفرغ لكم﴾ أي سنقصد لحسابكم وجزائكم ؛ وقرأ حمزة والكسائي : بعد السين بالياء التحتية والباقون بالنون ﴿أيه الثقلان﴾ أي : الإنس والجنّ وذلك يوم القيامة فإنه تعالى لا يفعل ذلك في غيره قال القرطبي : يقال فرغت من الشغل أفرغ فراغاً وفروغاً وتفرّغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلت وليس بالله تعالى شغل يفرغ منه ؛ وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم ومحاسبتكم فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك ؛ كقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرّغ لك أي أقصدك وأنشد ابن الأنباري لجرير : الآن وقد فرغت إلى نمير؍ فهذا حين كنت لهم عذابا؍ يريد : وقد قصدت، وأنشد الزجاج والنحاس : فرغت إلى العبد المقيد في الحجل *** وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لما بايع الأنصار ليلة العقبة صاح الشيطان : يا أهل الحباحب هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا أزبّ العقبة أما والله يا عدوّ الله لأتفرغنّ لك » أي : أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار الكسائي وغيره. قال ابن الأثير الأزبّ في اللغة الكثير الشعر ؛ وهو هاهنا شيطان اسمه أزبّ العقبة وهو الحية. وقيل : إنّ الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ثم قال تعالى :﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ أي ما وعدناكم ونوصل كلاً إلى ما وعدناه أقسم ذلك وأتفرّغ منه قاله الحسن ومقاتل وابن زيد. تنبيه : رسمْ ﴿أيه﴾ بغير ألف فإذا وقف عليها وقف أبو عمرو والكسائي أيها بالألف ووقف الباقون على الرسم أيه وفى الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء والباقون بنصبها. فائدة : سمى الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف ؛ وقيل : سموا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتا. قال الله تعالى :﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه ؛ وقال بعض أهل المعاني كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعام : ثقل ؛ لأنّ واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به ؛ وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ؛ وقيل : الثقل الإنس لشرفهم وسمي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغلب كالقمرين والعمرين والثقل العظيم الشريف. قال صلى الله عليه وسلم «إني تارك فيكم ثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي ».

الرحمن 55:32

﴿فبأيّ آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المحسن إليكما بهذا الصنيع المحكم ﴿تكذبان﴾ أي : أبتلك النعم من إثابة أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:33

﴿يا معشر الجنّ﴾ أي : يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق ﴿والإنس﴾ أي : الخواص والمستأنسين والمأنوسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع ﴿إن استطعتم﴾ أي : وجدت لكم إطاعة الكون في ﴿أن تنفذوا﴾ أي : تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم ﴿من أقطار﴾ أي : نواحي ﴿السماوات والأرض﴾ هاربين من الله تعالى من أنواع الجزاء بينكم، أو عصياناً عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته عليكم من الموت وغيره. وقوله تعالى :﴿فانفذوا﴾ أمر تعجيز والمعنى : إن استطعتم أن تجوزوا نواحي السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله تعالى أينما تولوا فثم ملك الله عز وجلّ. فإن قيل : ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجنّ في قوله تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ [الإسراء: ٨٨] أجيب بأنّ النفوذ من أقطار السماوات والأرض بالجنّ أليق إن أمكن والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن فقدم في كل موضع ما يليق به. فإن قيل : لم جمع في قوله تعالى :﴿سنفرغ لكم﴾ وفي قوله تعالى :﴿إن استطعتم﴾ وثنى في قوله ﴿أيه الثقلان﴾ أجيب : بأنهما فريقان في حال الجمع كقوله تعالى :﴿فإذا هم فريقان يختصمون﴾ [النمل: ٤٥] ﴿وهذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج: ١٩]. ﴿لا تنفذون﴾ أي : لا تقدرون على النفوذ ﴿إلا بسلطان﴾ أي : إلا بقوّة وقهر وأنى لكم ذلك ؟ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال معناه إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان أي بينة من الله تعالى. تنبيه : في هذه الآيات والتي في الأحقاف وفي قل أوحى دليل على أنّ الجنّ مكلفون مخاطبون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء مؤمنهم كمؤمنهم وكافرهم ككافرهم.

الرحمن 55:34

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على ما يريد ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرهما ؟.

الرحمن 55:35

وقال البغوىّ : وفي الخبر يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون ﴿يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم﴾ الآية، فذلك قوله تعالى :﴿يرسل عليكما﴾ أي : أيها المعاندون ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : حين يخرجون من القبور لسوقهم إلى المحشر ﴿شواظ من نار﴾ قال مجاهد : هو اللهب الأخضر المنقطع من النار. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو اللهب الخالص الذي لا دخان له. وقال الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس كدخان الحطب وقال سعيد بن جبير : عن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر وقيل : هو اللهب الأحمر. وقال عمرو : هو النار والدخان جميعاً وحكاه الأخفش عن بعض العرب قال حسان : هجوتك فاختضعت لها بذل؍ بقافية تأجج كالشواظ؍ وقرأ ابن كثير : بكسر الشين والباقون : بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل صوار من البقر وصوار وهو القطيع من البقر. واختلف في قوله سبحانه وتعالى :﴿ونحاس﴾ فقيل : هو الصفر المعروف يذيبه الله تعالى ويعذبهم به. وقيل : هو الدخان الذي لا لهب معه قاله الخليل، وهو معروف في كلام العرب ؛ وأنشد الأعشى : تضيء كضوء سراج السلي؍ ط لم يجعل الله فيه نحاسا؍ وقال ابن برحان والعرب تسمى الدخان نحاساً بضم النون وكسرها، وأجمع القراء على ضمها ا. ه وقال الضحاك : هو دردريّ الزيت المغلي. وقال الكسائي : التي لها ريح شديد. ﴿فلا تنتصران﴾ أي فلا تمتنعان ولا ينصر بعضكم بعضاً من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر.

الرحمن 55:36

﴿فبأي آلاء﴾ أي نعم ﴿ربكما﴾ أي : المدبر لكما هذا التدبير المتقن ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:37

﴿فإذا انشقت السماء﴾ أي : انفرجت، فكانت أبواباً لنزول الملائكة ﴿فكانت وردة﴾ أي : محمرّة مثل الوردة ﴿كالدهان﴾ أي : كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها لشدّة حرّ نار جهنم. وقال مجاهد والضحاك وغيرهما : الدهان الدهن والمعنى صارت في صفاء الدهن ؛ والدهان على هذا جمع دهن. وقال سعيد بن جبير وقتادة : المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي : تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها ؛ وقال الحسن : كصب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً ؛ وجواب إذا فما أعظم الهول.

الرحمن 55:38

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : الخالق والرازق لكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما يكون بعد ذلك ؟.

الرحمن 55:39

﴿فيومئذ﴾ أي : فتسبب عن يوم إذ انشقت السماء أنه ﴿لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جانّ﴾ أي : سؤال تعرّف واستعلام، بل سؤال تقريع وتوبيخ وملام، وذلك أنه لا يقال له هل فعلت كذا ؟ بل يقال له لم فعلت كذا ؟ على أنّ ذلك اليوم طويل وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه، وتارة لا يسأل والأمر في غاية الشدّة وكل لون من تلك الألوان يسمى يوماً فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض وقيل : المعنى ألا يسألون إذا استقروا في النار. وقال الحسن وقتادة : لا يسألون عن ذنوبهم لأنّ الله تعالى حفظها عليهم وكتبتها الملائكة ؛ رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وعن الحسن ومجاهد : لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم ؛ دليله قوله تعالى :﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١]. ورواه مجاهد عنه أيضاً : في قوله تعالى :﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] وقوله تعالى :﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] قال لا يسألهم ليعرف ذلك منهم ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ ؛ وقال أبو العالية : لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم ؛ وقال قتادة : يسألون قبل الختم على أفواههم ثم يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم. تنبيه : الجانّ هنا وفيما يأتي بمعنى الجني والإنس بمعنى الإنسي.

الرحمن 55:40

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : الذي ربى كلاً منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما أنعم الله تعالى على عبادة المؤمنين في هذا اليوم ؟.

الرحمن 55:41

﴿يعرف﴾ أي : لكل أحد ﴿المجرمون﴾ أي : العريقون في هذا الوصف ﴿بسيماهم﴾ أي العلامات التي صور الله تعالى ذنوبهم فيها، فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة وظاهرة الدلالة عليهم، كما يعرف الآن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلاً وكذا النهار ونحوهما لغير الأعمى ؛ قال البقاعي : وتلك السيمى والله أعلم زرقه العيون، وسواد الوجوه، والعمى والصمم والمشي على الوجوه، ونحو ذلك، وكما يعرف المحسنون بسيماهم : من بياض الوجوه، وإشراقها، وتبسمها، والغرّة والتحجيل، ونحو ذلك. وسبب عن هذه المعرفة قوله تعالى : مشيراً بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أيّ آخذ كان ﴿فيؤخذ بالنواصي﴾ أي : منهم وهي مقدمات الرؤوس ﴿والأقدام﴾ بعد أن يجمع بينها فيسحبون بها سحباً من كل ساحب أقامه الله تعالى لذلك لا يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار ؛ وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره وعنه يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره، ثم يلقى في النار ؛ وفعل بالكافر ذلك ليكون أشدّ لعذابه ؛ وقيل : تسحبه الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.

الرحمن 55:42

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المنعم عليكما الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما وعد أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل ؟.

الرحمن 55:43

﴿هذه جهنم﴾ أي : يقال لهم إذا ألقوا فيها هذه جهنم ﴿التي يكذب﴾ أي : ماضياً وحالاً ومآلاً استهانة ؛ ولو ردّوا إلى الدنيا بعد إدخالهم إياها لعادوا لما انهوا عنه. ﴿بها المجرمون﴾ أي : المشركون الحقيقون بالإجرام، وهو قطع ما من حقه أن يوصل وهو ما أمر الله تعالى به وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاعة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند الإجرام المذكور.

الرحمن 55:44

﴿يطوفون بينها﴾ أي بين درك النار ﴿وبين حميم آن﴾ أي : حار متناه في الحرارة وهو منقوص كقاض ؛ يقال : أنى يأني فهو آن كقضى يقضي فهو قاض ؛ والمعنى أنهم يسعون بين الحميم والجحيم، فإذا استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الآن الذي صار كالمهل ؛ وهو قوله تعالى :﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل﴾ [الكهف: ٢٩] وقال كعب الأحبار : وادٍ من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقاً جديداً، فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى :﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾.

الرحمن 55:45

فإن قيل : هذه الأمور ليست نعمة ؟ فكيف قال عز وجل :﴿فبأيّ آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المحسن أيها الثقلان إليكما ﴿تكذبان﴾ أجيب : من وجهين : أحدهما : أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي وترغيب في الطاعات، وهذا من أعظم النعم ؛ روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أتى على شاب يقرأ في الليل ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾ [الرحمن: ٣٧] فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «ويحك يا فتى منها فو الذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء من بكائك ». الثاني : أنّ المعنى إن كذبتم بالنعمة المتقدّمة استحقيتم هذه العقوبات وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.

الرحمن 55:46

ولما عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم وقدمه لما اقتضاه مقام التكذيب من الترهيب، وجعله سابعاً إشارة إلى أبواب النار السبع، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة، وجعله ثامناً على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال تعالى :﴿ولمن خاف﴾ أي : من الثقلين ووحد الضمير مراعاة للفظ من إشارة إلى قلة الخائفين ﴿مقام ربه﴾ أي : قيامه بين يدي ربه للحساب بترك المعصية والشهوة ؛ قال القرطبي : ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله تعالى وهو كالأجل في قوله تعالى :﴿فإذا جاء أجلهم﴾ [الأعراف: ٣٤] وقوله تعالى في موضع آخر :﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾ [نوح: ٤]. وقال مجاهد : هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها من مخافته عز وجل. ﴿جنتان﴾ أي : لكل خائف جنتان على حدة. قال مقاتل : جنة عدن وجنة النعيم وقال محمد بن علي الترمذي : جنة بخوف ربه وجنة بترك شهوته ؛ وقال ابن عباس : من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض ؛ وقيل : جنتان لجميع الخائفين ؛ وقيل : جنة لخائف الإنس وأخرى لخائف الجنّ فيكون من باب التوزيع ؛ وقيل : مقام هنا مقحم كما تقول أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك، وأنشد : . . . . . . . . . . . . . . . . ونفيت عنه *** مقام الذئب ؛ كالرجل اللعين يريد ونفيت عنه الذئب ؛ قال ابن عادل : وليس بجيد لأنّ زيادة الاسم ليست بالسهلة ؛ وقيل : إنّ الجنتين جنته التي خلقت له وجنة، ورثها ؛ وقيل : إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعل رؤساء الدنيا ؛ وقيل : إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه ؛ وقيل : إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها ؛ وقال الفراء : إنها جنة واحدة وإنما ثنى مراعاة لرؤوس الآي ؛ وأنكر القتيبي هذا وقال : لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال : تسعة عشر مراعاة لرؤوس الآي ؛ وقيل : جنة واحدة وإنما ثنى تأكيداً كقوله تعالى :﴿ألقيا في جهنم﴾ [ق: ٢٤] وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا أن يبلغه الله تعالى إليه إلا أن يبلغه الله تعالى الجنة » أخرجه الترمذي. قوله أدلج الإدلاج مخففاً سير أول الليل، ومثقلاً سير آخر الليل ؛ والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أوّل الأمر فإن من سار في أوّل الليل كان جديراً ببلوغ المنزل. روى البغوي بسنده عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر وهو يقول :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قلت : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ فقلت الثانية : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة :﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قلت الثالثة : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال :«وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء ». فائدة : قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أنّ من قال لزوجته إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق إنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من الله تعالى وحياء منه ؛ وقاله سفيان الثوري وأفتى به. هذا ومذهب الشافعي أنه لا يحنث إذا كان مسلماً ومات على الإسلام. وقال عطاء : نزلت هذه الآية في أبي بكر حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت والنار حين أبرزت ؛ وقال الضحاك : بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأ فأعجبه فسأل عنه، فأخبر عنه أنه من غير حل فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فقال : رحمك الله لقد أنزلت فيك آية وتلا عليه الآية.

الرحمن 55:47

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ المربي لكما بإحسانه الكبار التي لا يقدر أحد على شيء منها ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعمة أم بغيرها من نعمة التي لا تحصى ؟.

الرحمن 55:48

ثم وصف الجنتين بقوله تعالى :﴿ذواتا﴾ أي : صاحبتا أو خبر لمبتدأ محذوف أي : هما ذواتا، وفي تثنية ذات لغتان الردّ إلى الأصل، فإنّ أصلها ذوية فالعين واو واللام ياء لأنها مؤنثة ذوو الثانية التثنية على اللفظ فيقال ذاتا. وقوله تعالى ﴿أفنان﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه جمع فنن كطلل وهو الغصن المستقيم طولاً تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع، قال النابغة الذبياني : بكاء حمامة تدعو هديلا؍ مفجعة على فنن تغني؍ وفي الحديث :«أهل الجنة مرد مكحولون الوفانين » يريد الأفانين وهو جمع أفنان وأفنان جمع فنن من الشعر شبه بالغصن ذكره الهروي. وقال قتادة : ذواتا أفنان أي : ذواتا سعة وفضل على سواهما. والوجه الثاني : أنه جمع فن وإليه أشار ابن عباس. والمعنى ذواتا أنواع وأشكال وقال الضحاك : ألوان من الفاكهة واحدها فنّ إلا أنّ الكثير في فنّ أن يجمع على فنون : وقال عطاء كل غصن فنون من الفاكهة، ولذا سبب عنه قوله تعالى :﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾.

الرحمن 55:49

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المحسن إليكما والمدبر لكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به، أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:50

ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بأنهار قال تعالى :﴿فيهما عينان تجريان﴾ أي : في كل واحدة منهما عين جارية قال ابن عباس تجريان : ماء بالزيادة والكرامة من الله تعالى على أهل الجنة ؛ وعن ابن عباس أيضاً والحسن : تجريان بالماء الزلال إحدى العينين التسنيم والأخرى السلسبيل ؛ وقال عطية : أحدهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين ؛ وقيل : تجريان من جبل من مسك قال أبو بكر الوراق : فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخالفة الله عز وجل فتجريان في أي مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كلّ غصن منها وإن زاد علوها.

الرحمن 55:51

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المالك لكما والمحسن إليكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم التي ذكرها وجعل لها في الدنيا أمثالاً كثيرة أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:52

﴿فيهما﴾ أي : الجنتين ﴿من كل فاكهة﴾ أي : تعلمونها أو لا تعلمونها ﴿زوجان﴾ أي : صنفان ونوعان قيل : معناه أنّ فيهما من كلّ ما يتفكه به ضربين رطباً ويابساً ؛ وقال ابن عباس : ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرّة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو. فإن قيل : قوله تعالى :﴿ذواتا أفنان﴾ و﴿فيهما عينان تجريان﴾ و﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ كلها أوصاف للجنتين فما الحكمة في فصل بعضها عن بعض بقوله تعالى ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ مع أنه تعالى لم يفصل حين ذكر العذاب بين الصفات ؛ بل قال تعالى :﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ مع أنّ إرسال الشواظ غير إرسال النحاس ؟ أجيب : بأنه تعالى جمع العذاب جملة، وفصل آيات الثواب ترجيحاً لجانب الرحمة على جانب العذاب، وتطييباً للقلب وتهييجاً للسامع فإن إعادة ذكر المحبوب وتطويل الكلام في اللذات مستحسن. فإن قيل : فما وجه توسط آية العينين بين ذكر الأفنان وآية الفاكهة والفاكهة إنما تكون على الأغصان، والمناسبة ألا يفصل بين آية الأغصان والفاكهة ؟ أجيب : بأنّ ذلك على عادة المتنعمين إذا خرجوا متفرجين في البستان ؛ فأوّل قصدهم الفرجة بالخضرة والماء ثم يكون الأكل تبعاً.

الرحمن 55:53

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ التي ادخرها الموجد لكما المحسن إليكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما فوضه إليكم من سائر النعم التي لا تحصى.

الرحمن 55:54

ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره ؛ قال تعالى مخبراً عن هؤلاء الذين يخافون مقام ربهم ﴿متكئين﴾ أي : لهم ما ذكر حال الاتكاء، والعامل في الحال محذوف أي يتنعمون متكئين ﴿على فرش﴾ وعظمها بقول تعالى مخاطباً للمكلفين بما يحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا ﴿بطائنها من استبرق﴾ وهو ما غلظ من الديباج ؛ قال ابن مسعود : وأبو هريرة : إذا كانت البطائن التي تلي الأرض هكذا، فما ظنك بالظهارة ؟. وقيل لسعيد بن جبير : البطائن من استبرق فما الظاهر ؟ قال : هذا مما قال الله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين﴾ [السجدة: ١٧] وقال ابن عباس : إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم فأمّا الظواهر فلا يعلمها إلا الله تعالى ؛ ونظير ذلك في الجنة قوله تعالى :﴿عرضها السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣] وأمّا الطول فلا يعلمه إلا الله عز وجلّ، لكن قال القرطبي : وفي الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ظواهرها نور يتلألأ ». وقيل : الظهائر من السندس. وعن الحس البطائن : هي الظواهر وهو قول الفراء. وروي عن قتادة : والعرب تقول للبطن ظهر فيقولون : هذا بطن السماء وظهر الأرض. وقال الفراء : قد تكون البطانة الظهارة والظهارة البطانة لأنّ كل واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا : لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي كلّ واحد منهما قوم كالحائط بينك وبين قوم وعلى أديم السماء ؛ وقال ابن عباس : وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ماء الظواهر. تنبيه : قال الرازي : الاستبرق معرب وهو الديباج الثخين ؛ أي : وهذا ومثله لا يخرج القرآن عن كونه عربياً لأن العربي ما نطقت به العرب وضعاً واستعمالاً من لغة غيرها، وذلك كله سهل عليهم وبه يحصل الإعجاز بخلاف ما لم يستعملوه من كلام العجم لصعوبته عليهم، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب المتنعم البدن بخلاف المريض والمهموم. ﴿وجنى الجنتين﴾ أي : ثمرها ﴿دان﴾ أي : قريب ؛ قال ابن عباس : تدنو الشجرة حتى يجنيها وليّ الله تعالى إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً وإن شاء مضطجعاً، وقال قتادة : لا يردّ يده بُعْد ولا شوك. قال الرازي : جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتكئ وفي الجنة هو متكئ والثمرة تتدلى إليه ؛ وثانيها : أنّ الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ويتحرك إليها وفي الآخرة هي تدنو إليهم وتدور عليهم ؛ وثالثها أنّ الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها وثمار الجنة كلها تدنوا إليهم في وقت واحد ومكان واحد.

الرحمن 55:55

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المربي لكما الذي يقدر على كلّ ما يريده ﴿تكذبان﴾ أمن قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار أم من غيرها ؟.

الرحمن 55:56

ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان قال تعالى :﴿فيهنّ﴾ أي الجنان التي علم مما مضى أنّ لكلّ فرد من الخائفين منها جنتين، فصح الجمع ؛ وقال الزمخشري فيهنّ في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى، أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس ا. ه. قال أبو حيان : وفيه أي : الأوّل بعد لأن الاستعمال أن يقال على الفراش كذا، ولا يقال في الفراش كذا إلا بتكلف ولذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول ذلك ؛ وقيل يعود على الجنتين لأن أقل الجمع اثنان وقال الفراء كل موضع في الجنة جنة فلذلك صح أن يقال فيهنّ ﴿قاصرات الطرف﴾ أي : الأعين على أزواجهنّ المتكئين من الأنس والجنّ. قال الرازي وقوله قاصرات الطرف أي نساء وأزواج فحذف الموصوف لنكتة وهي أنه تعالى لم يذكرهنّ باسم الجنس وهو النساء بل بالصفات، فقال تعالى :﴿حور عين﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كواعب أترابا﴾ [النبأ: ٣٣] ﴿قاصرات الطرف﴾ ﴿حور مقصورات﴾ [الرحمن: ٧٢] ولم يقل : نساء عربا ولا نساء قاصرات لوجهين : أما على عادة العظماء كبنات الملوك إنما يذكرن بأوصافهنّ ؛ وإما لأنهنّ لما كملن كأنهنّ خرجن عن جنسهنّ. وقوله تعالى :﴿قاصرات الطرف﴾ يدلّ على عفتهنّ وعلى حسن المؤمنين في أعينهنّ فيحببن أزواجهنّ حباً شديد يشغلهنّ عن النظر إلى غيرهم. قال ابن زيد : تقول لزوجها : وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد الله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك، ويدلّ أيضاً على الحياء لأن الطرف حركة الجفن والحيية لا تحرّك جفنها ولا ترفع رأسها. تنبيه : انظر إلى حسن هذا الترتيب فإنه تعالى بين أولاً : المسكن وهو الجنة، ثم بين ما يتنزه به وهو البستان والأعين الجارية، ثم ذكر المأكول فقال تعالى :﴿فيهما من كل فاكهة﴾ ثم ذكر موضع الراحة بعد الأكل وهو الفراش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه. ولما كان الاختصاص بالشيء من أعظم الملذذات لاسيما المرأة قال تعالى ﴿لم يطمثهنّ﴾ أي : لم يجامعهنّ ويتسلط عليهنّ ؛ يقال طمثت المرأة كضرب وفرح حاضت، وطمثها الرجل افتضها، وأيضاً جامعها ﴿إنس قبلهم﴾ أي : المتكئين ﴿ولا جان﴾ فكأنه قال : هنّ أبكار لم يخالطهنّ أحد فإنّ هذا جمع كلّ من يمكن منه جماع، وفي ذلك دليل على أنّ الجني يغشى كما يغشى الإنسي ويدخل الجنة ويكون لهم فيها جنتان، قال ضمرة : للمؤمنين منهم أزواج من الحور فالإنسيات للإنس والجنيات للجنّ، وقال مقاتل لأنهنّ خلقن في الجنة فعلى قوله يكونون من حور الجنة ؛ وقال الشعبي : من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن خلق وهو قول الكلبي. أي : لم يجامعهنّ في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان ؛ وأمّا في الدنيا فقال مجاهد : إذا جامع الرجل ولم يسمّ ينطوي الجني على إحليله فيجامع معه. وقال القرطبي : لم يطمثهن لم يصبهنّ بالجماع قبل أزواجهنّ أحد، وهذا شامل لنساء الجنة ولنساء الدنيا بعد إنشائهنّ خلقاً جديداً، وقرأ الكسائي : يطمثهنّ بضم الميم في الموضعين بخلاف عنه وتخييراً في أحدهما، وهما لغتان : يقال طمثها يطمثها ويطمثها إذا جامعها.

الرحمن 55:57

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ المدبر مصالحكما ﴿تكذبان﴾ أي : بأي نوع من أنواع هذا الإحسان أم غيره.

الرحمن 55:58

﴿كأنهنّ الياقوت﴾ أي : صفاء ﴿والمرجان﴾ أي : اللؤلؤ بياضاً، والياقوت جوهر نفيس يقال إنّ النار لا تؤثر فيه، والمرجان صغار اللؤلؤ وأشدّه بياضاً ؛ وقيل : شبه لونهنّ ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت لأنّ أحسن الألوان البياض المشرب بحمرة. قال ابن الخازن : والأصح أنه شبههن بالياقوت لصفائه فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استضأته لرأيت السلك من ظاهره لصفائه. قال عمرو بن ميمون : إنّ المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء الحلل كما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء : يدل على صحة ذلك ما روي عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إنّ المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها »، وذلك لأنّ الله تعالى يقول :﴿كأنهنّ الياقوت والمرجان﴾، فأمّا الياقوت : فإنه حجر لو أدخلت فيها سلكاً ثم استضأته لرأيته من ورائه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر » ؛ زاد في رواية «ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دريّ في السماء إضاءة لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون ؛ آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوّة » أي : بخورهم العود ورشحهم المسك ولكلّ واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد ».

الرحمن 55:59

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المالك الملك المربي ببدائع التربية ﴿تكذبان﴾ أبما جعله مثالاً لما ذكر من وصفهنّ أم بغيره ؟.

الرحمن 55:60

﴿هل جزاء الإحسان﴾ أي : بالطاعة من الإنس والجن وغيرهما ﴿إلا الإحسان﴾ أي : بالثواب ؛ وقال ابن عباس : هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة ؛ وعن أنس بن مالك قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ ثم قال :«أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ». وروى الواحدي بغير سند عن ابن عمر وابن عباس : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية :" يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي ".

الرحمن 55:61

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ الكريم الرحيم الجامع لأوصاف الكمال ﴿تكذبان﴾ أبشيء من هذه النعم الجزيلة أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:62

﴿ومن دونهما﴾ أي : من أدنى مكان ورتبة تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين ﴿جنتان﴾ أي : لكل واحد ممن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين، وهم أصحاب اليمين ؛ وقال أبو موسى الأشعري : جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين ؛ وقال ابن جريج هي أربع جنان جنتان للمقرّبين السابقين فيهما من كل فاكهة زوجان ؛ وجنتان : لأصحاب اليمين والتابعين فيهما فاكهة ونخل ورمان. وقال الكسائي ومن دونهما أي أمامهما وقبلهما يدلّ عليه قول الضحاك : الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت ؛ وعلى هذا فهما أفضل من الأوليين ؛ وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال : ومعنى ﴿ومن دونهما جنتان﴾ أي : دون هذا إلى العرش أي : أقرب وأدنى إلى العرش. وقال مقاتل : الجنتان الأوليان جنة عدن، وجنة النعيم، والأخريان الفردوس، وجنة المأوى.

الرحمن 55:63

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المحسن بنعمه لجميع خلقه ﴿تكذبان﴾ أبشيء مما تفضل به عليكم أم بغيره ؟.

الرحمن 55:64

ثم وصف تلك الجنتين بقوله تعالى :﴿مدهامّتان﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : خضراوان. وقال مجاهد : سوداوان لأنّ الخضرة إذا اشتدت تضرب إلى السواد، وهذا مشاهد بالنظر ولذلك قالوا : سواد العراق لكثرة شجره وزرعه، والأرض إذا اخضرّت غاية الخضرة تضرب إلى سواد ؛ قال الرازي : والتحقيق فيه أنّ ابتداء الألوان هو البياض وانتهاءها هو السواد فإن الأبيض يقبل كل لون والأسود لا يقبل شيئاً من الألوان.

الرحمن 55:65

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : المحسن إليكما بالرزق وغيره ﴿تكذبان﴾ أبشيء من تلك النعم أم بغيرها.

الرحمن 55:66

ثم وصف تلك الجنتين أيضاً بقوله تعالى :﴿فيهما﴾ أي : في جنتي كل شخص منهم ﴿عينان نضاختان﴾ قال ابن عباس : أي : فوّارتان بالماء، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة لأنّ النضح بالمهملة الرشح والرش، وبالمعجمة فورانُ الماء وقال مجاهد : المعنى نضاختان بالخير والبركة، وعن ابن مسعود : تنضخ على أولياء الله تعالى بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر، وقال سعيد بن جبير بأنواع الفواكه والماء.

الرحمن 55:67

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ المربي البليغ الحكمة في التربية ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعمة أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:68

ثم وصف الجنتين أيضاً بقوله تعالى :﴿فيهما فاكهة﴾ وخص أشرفها وأكثرها وجداناً في الخريف والشتاء، كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالاً لهاتين بقوله تعالى :﴿ونخل ورمان﴾ فإن كلاً منهما فاكهة وأدام، فلهذا خصا تشريفاً وتنبيهاً على ما فيهما من التفكه، وأولهما أعمّ نفعاً، وأعجب خلقاً، ولذا قدمه فعطفهما على الفاكهة من باب ذكر الخاص بعد العامّ تفضيلاً له ؛ كقوله تعالى :﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله تعالى :﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال بعض العلماء : ليس ذلك من الفاكهة. ولهذا قال أبو حنيفة : إذا حلف لا يأكل الفاكهة فأكل رطباً أو رماناً لم يحنث، وخالفه صاحباه. وقال القرطبي : وقيل : إنما كررها لأنّ النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليه، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها فإنما ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان لعمومها وكثرتها عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن فأخرجهما من الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل : أفردا بالذكر لأنّ النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء فلم يخلصا للتفكه قال البغوي : وعن ابن عباس قال : نخل الجنة جذوعهما زمرّد أخضر وورقها ذهب أحمر، وسعفها كسوة أهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس له عجم. وروي أنّ الرمانة من رمان الجنة ملء جلد البعير المقتب ؛ وقيل : إنّ نخل الجنة نضيد، وثمرها كالقلال كلما نزعت عادت مكانها أخرى ؛ العنقود منها اثنا عشر ذراعاً.

الرحمن 55:69

﴿فبأي آلاء﴾ أي نعم ﴿ربكما﴾ المحسن إلى الثقلين بجليل التربية ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما أحسن به إليكم ؟.

الرحمن 55:70

﴿فيهنّ﴾ أي : الجنان الأربع، أو الجنتين وقصورهما ﴿خيرات حسان﴾ أي : نساء الواحدة خيرة على معنى ذوات خير، وقيل : خيرات بمعنى خيرات فخفف كهين ولين. روى الحسن عن أمّه عن أم سلمة : قالت :«قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى :﴿خيرات حسان﴾ ؛ قال : خيرات الأخلاق حسان الوجوه ». وقال أبو صالح : لأنهنّ عذارى أبكار ؛ قال الحكيم الترمذي : فالخيرة ما اختارهنّ الله تعالى فأبدع خلقهنّ باختياره، فاختيار الله تعالى لا يشبهه اختيار الآدميين، فوصفهنّ بالحسن فإذا وصف الله تبارك وتعالى خالق الحسن شيئاً بالحسن فانظر ما هناك وقال الرازي : في باطنهنّ الخير وفي ظاهرهنّ الحسن.

الرحمن 55:71

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ أي : الكامل الإحسان إليكما ﴿تكذبان﴾ أبنعمة ما جعل لكم من الفواكه أم غيرها ؟.

الرحمن 55:72

ثم زاد في وصفهنّ بقوله تعالى :﴿حور﴾ جمع حوراء وهي الشديدة سواد العين الشديدة بياضها ﴿مقصورات﴾ والمقصورات المحبوسات المستورات ﴿في الخيام﴾ وهي الحجال، فلسن بالطوّافات في الطرق ؛ قاله ابن عباس، والنساء تمدح بملازمتهنّ البيوت كما قال قيس بن الأسلت : وتكسل عن جيرانها فيزرنها؍ وتعتل من إتيانهنّ فتعذر؍ ويقال امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة بمعنى واحد، قال كثير عزة : وأنت التي حببت كلّ قصيرة؍ إليّ ولم يعلم بذاك القصائر؍ عنيت قصيرات الحجال ولم أرد؍ قصار الخطا شر النساء البحاتر؍ والخيام : جمع خيمة، وهي : أربعة أعواد تنصب وتسقف بشيء من نبات الأرض، وجمعها خيم، كتمرة وتمر، وتجمع الخيم على خيام فهو جمع الجمع ؛ وأمّا ما يتخذ من شعر أو وبر أو نحوه فيقال له : خباء، وقد يطلق عليه خيمة تجوّزاً. وقال عمر : الخيمة درة مجوّفة. وقاله ابن عباس قال : وهي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. وفي الحديث :«أنّ في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها : ستون ميلاً ؛ في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون ». وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي : قال : بلغنا أن سحابة أمطرت من العرش فخلقن أي : الحور العين من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلاً وليس لها باب، حتى إذا دخل وليّ الله تعالى بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم وليّ الله أنّ أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصرها الله عن أبصار المخلوقين. وقال مجاهد : معناه قصرن أطرافهنّ وأنفسهنّ على أزواجهنّ فلا يبغين بدلاً. وقال صلى الله عليه وسلم :«لو أنّ امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ». فائدة : اختلفوا أيما أكثر حسناً وأتم جمالاً، الحور أم الآدميات ؛ فقيل : الحور لما ذكر في وصفهنّ في القرآن والسنة، ولقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاة الجنازة :«وأبدله زوجاً خيراً من زوجه ». وقيل : الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف روي ذلك مرفوعاً. وقيل : إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين، يخلقن في الآخرة على أحسن صورة، قاله الحسن البصري، قال ابن عادل : والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، إنما هنّ مخلوقات في الجنة لأنّ الله تعالى قال :﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جانّ﴾ وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات ا. ه. لكن مرّ أنه لم يطمثهن بعد إنشائهن خلقاً آخر وعلى هذا لا دليل في ذلك.

الرحمن 55:73

﴿فبأي آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ الذي صوركم فأحسن صوركم ﴿تكذبان﴾ أبهذه النعم أم بغيرها ؟.

الرحمن 55:74

﴿لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ﴾ كحور الجنتين الأوليين وضميرهم في قبلهم لأصحاب الجنتين.

الرحمن 55:75

﴿فبأي آلاء﴾ أي نعم ﴿ربكما﴾ الذي جعل لكم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿تكذبان﴾ أبهذه النعم أم بغيرها.

الرحمن 55:76

﴿متكئين﴾ أي لهم ما ذكر حالة الاتكاء والعامل في الحال محذوف، أي : ينعمون متكئين ﴿على رفرف﴾ أي : ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج لينة ووسائد عظيمة، ورياض باهرة، وبسط لها أطراف فاضلة، وهو جمع رفرفة، لأن الله تعالى وصفه بالجمع بقوله :﴿خضر﴾ ووصفه بذلك لأنّ الخضرة أحسن الألوان وأبهجها، وقال الجوهري : هو ثياب خضر تتخذ منها المحابس الواحدة رفرفة واشتقاقه من رف الطائر أي : ارتفع في الهواء ورفرف بجناحيه إذا نشرهما للطيران ؛ وقيل : الرفرف طرف الفسطاط والخباء الواقع على الأرض دون الأطناب والأوتاد ؛ وفي الخبر في وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم «فرفع الرفرف، فرأينا وجهه كأنه ورقة »، أي : رفع طرف الفسطاط وقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول : الرفرف أعظم خطراً من الفرش فذكر في الأولين ﴿متكئين على فرش بطائنها من استبرق﴾ وقال هنا :﴿متكئين على رفرف خضر﴾ فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به أي طار به حيثما يريد كالمرجاح. وروي في حديث المعراج أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى، جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش فذكر أنه قال طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي. أي : في محل تنزلات رحمة ربي ثم لما جاء الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعاً يهوي به، حتى أداه إلى جبريل عليه السلام ؛ فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور من الدنوّ والقرب ؛ كما أنّ البراق دابة تركبها الأنبياء عليهم السلام مخصوصة بذلك، وهذا الرفرف الذي سخر لأهل الجنتين الدائبتين هو متكؤهما وفرشهما يرفرف بالوليّ على حافات تلك الأنهار حيث يشاء إلى خيام أزواجه. وقوله تعالى :﴿وعبقريّ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجنّ فينسبون إليه كل شيء عجب ؛ قال في القاموس : عبقر موضع كثير الجنّ وقرية ثيابها في غاية الحسن، والعبقري الكامل من كل شيء ؛ وقال الخليل : هو كلّ جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم ؛ وقال قطرب ليس هو من المنسوب بل هو بمنزلة كرسي وبختي ا. ه. والمراد به : الجنس، ولذلك قال تعالى :﴿حسان﴾ حملاً على المعنى أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف.

الرحمن 55:77

﴿فبأيّ آلاء﴾ أي : نعم ﴿ربكما﴾ المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه ﴿تكذبان﴾ أبشيء من هذه النعم أم بغيرها.

الرحمن 55:78

ولما دلّ ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال وختم نعم الدنيا بقوله تعالى :﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧] وفيه إشارة إلى أنّ الباقي هو الله تعالى وأنّ الدنيا فانية ختم نعيم الآخرة بقوله عز من قائل :﴿تبارك﴾ قال ابن برّجان : تفاعل من البركة ولا يكاد يذكره جل ذكره إلا عند أمر معجب ا. ه. ومعناه ثبت ثباتاً لا تسع العقول وصفه. ولما كان تعظيم الاسم أبلغ في تعظيم المسمى قال تعالى :﴿اسم ربك﴾ أي : المحسن إليك بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على متابعته فصرت مظهراً له وصار خلقاً لك فصار إحسانه إليك فوق الوصف ؛ وقيل : لفظ اسم زائد وجرى عليه الجلال المحلي والأوّل أولى. ﴿ذي الجلال﴾ أي : العظمة الباهرة ﴿والإكرام﴾ قال القرطبي : كأنه يريد به الاسم الذي افتتح به السورة، فقال :﴿الرحمن﴾ فافتتح بهذا الاسم فوصف خلق الإنسان والجنّ، وخلق السماوات والأرض وصنعه ؛ وأنه تعالى كل يوم هو في شان، ووصف تدبيره فيهم ؛ ثم وصف يوم القيامة، وأهوالها، وصفة النار، ثم ختمها بصفة الجنان. ثم قال في آخر الصفة ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ أي : هذا لاسم الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلمهم أنّ هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء والأرض والخليقة والجنة والنار فهذا كله لكم من اسم الرحمن فمدح اسمه فقال تعالى :﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ أي : جليل في ذاته كريم في أفعاله وقرأ ابن عامر : بالواو رفعاً صفة للاسم والباقون بالياء خفضاً صفة لرب، فإنه هو الموصوف بذلك.

الواقعة 56:1

﴿إذا وقعت الواقعة﴾ أي : التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق، فسميت واقعة لتحقق وقوعها، وقيل : لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، وانتصاب إذا بمحذوف مثل اذكر أو كان كيت وكيت، وقال الجرجاني : إذا صلة كقوله تعالى :﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] و﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] وهو كما يقال : جاء الصوم أي دنا وقرب.

الواقعة 56:2

وقوله تعالى :﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ مصدر بمعنى الكذب والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى :﴿لا تسمع فيها لاغية﴾ [الغاشية: ١١] أي : لغو والمعنى : ليس لها كذب قاله الكسائي، أو صفة والموصوف محذوف أي : ليس لوقعتها حال كاذبة، أي : كل من يخبر عن وقعتها صادق، أو نفس كاذبة بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا وقال الزجاج : ليس لوقعتها كاذبة أي : لا يردها شيء، وقيل : إنّ قيامها جد لا هزل.

الواقعة 56:3

وقوله تعالى :﴿خافضة رافعة﴾ تقرير لعظمتها وهو خبر لمبتدأ محذوف أي : هي، قال عكرمة ومقاتل : خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني : أسمعت القريب والبعيد. وعن السدى خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين. وقال قتادة : خفضت أقواماً في عذاب الله تعالى ورفعت أقواماً إلى طاعة الله تعالى. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : خفضت أعداء الله تعالى في النار ورفعت أولياء الله تعالى في الجنة. وقال ابن عطاء : خفضت قوماً بالعدل ورفعت آخرين بالفضل. ولا مانع أنّ كل ذلك موجود فيها والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعز والإهانة ؛ ونسب سبحانه وتعالى الخفض والرفع إلى القيامة توسعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لا يمكن منه الفعل، يقولون : ليل قائم ونهار صائم وفي التنزيل :﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] والخافض والرافع في الحقيقة هو الله تعالى، واللام في قوله تعالى :﴿لوقعتها﴾ إمّا للتعليل أي : لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدّة وقعتها، وإمّا للتعدية كقولك ليس لزيد ضارب، فيكون التقدير إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها أمر يوجد لها كاذب إذا أخبر عنه. قال الرازي : وعلى هذا لا تكون ليس عاملة في إذا وهي بمعنى ليس لها كاذب.

الواقعة 56:4

﴿إذا رجت الأرض﴾ أي : كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر ﴿رجاً﴾ أي : حركت تحريكاً شديداً بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل، قال بعض المفسرين : ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها، والرجرجة : الاضطراب، وارتج البحر وغيره واضطرب وفي الحديث :«من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له ». يعني إذا اضطربت أمواجه والظرف متعلق بخافضة أو بدل من إذا وقعت.

الواقعة 56:5

ولما ذكر حركتها المزعجة أتبعها غايتها بقوله تعالى :﴿وبست الجبال بساً﴾ أي : فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لتّه ؛ قال ابن عباس ومجاهد : كما يبس الدقيق أي : يلت، والبسيسة السويق، أو الدقيق يلت بالسمن أو الزيت ثم يؤكل ولا يطبخ وقد يتخذ زاداً قال الراجز : لا تخبزا خبزاً وبسّا بسّا؍ ولا تطيلا بمناخ حبساً؍ أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها وبست الإبل وأبسستها لغتان إذا زجرتها، وقلت : بس بس قاله أبو زيد ؛ وقال الحسن : بست قلعت من أصلها فذهبت، ونظيرها ينسفها ربي نسفاً.

الواقعة 56:6

وقال عطية : بسطت بالرمل والتراب ﴿فكانت﴾ أي : بسبب ذلك ﴿هباء﴾ أي : غباراً هو في غاية الانسحاق وإلى شدّة لطافته أشار بصفته فقال تعالى :﴿منبثاً﴾ أي : منتشر متفرّقاً بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه، فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من كوّة ؛ وعن ابن عباس : هو ما تطاير من النار إذا أضرمت يطير منها شرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً.

الواقعة 56:7

﴿وكنتم﴾ أي : قسمتم بما كان في جبلاتكم وطبائعكم في الدنيا ﴿أزواجاً﴾ أي : أصنافا ﴿ثلاثة﴾ كل صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة ؛ قال البيضاوي : وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج.

الواقعة 56:8

ثم بين من هم بقوله تعالى :﴿فأصحاب الميمنة﴾ وهم الذين يؤتون كتبهم بإيمانهم مبتدأ، وقوله تعالى :﴿ما﴾ استفهام فيه تعظيم مبتدأ ثان، وقوله تعالى :﴿أصحاب الميمنة﴾ خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأوّل، وتكرير المبتدأ بلفظه مغن عن الضمير، ومثله ﴿الحاقة ١ ما الحاقة﴾ [ الحاقة : ١ ٢ ] ﴿القارعة ١ ما القارعة﴾ [ القارعة : ١ ٢ ] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التعظيم.

الواقعة 56:9

ولما ذكر الناجين بقسميهم أتبعهم أضدادهم بقوله تعالى :﴿وأصحاب المشأمة﴾ أي : الشمال وهم الذي يؤتون كتبهم بشمائلهم وقوله تعالى :﴿ما أصحاب المشأمة﴾ تحقير لشأنه بدخولهم النار، وقال السدي :﴿أصحاب الميمنة﴾ هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ﴿وأصحاب المشأمة﴾ هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، والمشأمة الميسرة وكذا الشامة والعرب تقول لليد الشمال : الشؤمي، قال البغوي : ومنه سمى الشأم واليمن، لأنّ اليمن عن يمين الكعبة، والشام عن شمالها ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما :﴿أصحاب الميمنة﴾ هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرّية من صلبه، فقال الله تعالى لهم : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ؛ وقال زيد بن أسلم : هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن ؛ وقال ابن جريج :﴿أصحاب الميمنة﴾ هم أصحاب الحسنات ﴿وأصحاب المشأمة﴾ هم ﴿أصحاب السيئات﴾. وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء عن أبي ذر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال : فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى قال : فقال : مرحباً بالنبيّ الصالح والابن الصالح، قال : قلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : آدم عليه السلام وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار ». وذكر الحديث وقال المبرّد : أصحاب الميمنة : أصحاب التقدّم وأصحاب المشأمة : أصحاب التأخر والعرب تقول اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي : اجعلني من المتقدّمين، ولا تجعلني من المتأخرين. تنبيه : الفاء في قوله تعالى :﴿فأصحاب﴾ تدل على التقسيم وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال : أزواجاً ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون، ثم بين حال كل قسم فقال : فأما أصحاب الميمنة وترك التقسيم أولاً واكتفى بما يدل عليه بأنّ ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها، فإن قيل : ما الحكمة في اختيار لفظ المشأمة في مقابلة الميمنة مع أنه قال في بيان أحوالهم : وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ؟ أجيب : بأنّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منه ألفاظاً في مواضع، فقالوا : هذا ميمون تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به فذكر المشأمة في مقابلة الميمنة، وذكر الشمال في مقابلة اليمين، فاستعمل كل لفظ مع مقابلة.

الواقعة 56:10

ولما ذكر تعالى القسمين وكان كل منهما قسمين ذكر أعلى أهل القسم الأوّل ترغيباً في حسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيباً في سوء حالهم فقال تعالى :﴿والسابقون﴾ أي : إلى أعمال الطاعة مبتدأ وقوله تعالى :﴿السابقون﴾ تأكيد عن المهدوي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سُئِلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ». وقال محمد بن كعب القرظي : هم الأنبياء عليهم السلام، وقال الحسن وقتادة : السابقون إلى الإيمان من كل أمّة ؛ وقال محمد بن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين قال تعالى :﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال مجاهد والضحاك : هم السابقون إلى الجهاد وأوّل الناس رواحاً إلى الصلاة ؛ وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصلوات الخمس ؛ وقال سعيد بن جبير : إلى التوبة وأعمال البرّ، قال تعالى :﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران: ١٣٣] ثم أثنى عليهم فقال تعالى :﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦١] وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هم أربعة : منهم سابق أمّة موسى عليه السلام وهو حز قيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمّة عيسى عليه السلام وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال سميط بن عجلان : الناس ثلاثة : رجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال : هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة، وقيل : هم أوّل الناس رواحاً إلى المسجد وأولهم خروجاً في سبيل الله.

الواقعة 56:11

وخبر المبتدأ ﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة جداً ﴿المقرّبون﴾ أي : الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم واصطفاهم الله تعالى للسبق، فأرادهم لقربه ولولا فضله في تقريبهم لم يكونوا سابقين ؛ قال الرازي في اللوامع : المقرّبون تخلصوا من نفوسهم وأعمالهم كلها الله تعالى ديناً ودنيا من حق الله تعالى، وحق الناس وكلاهما عندهم حق الله تعالى، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد، وهم صنفان : صنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبته فالحق يستعملهم في وصف آخر قد أرخى من عنانه والأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز بقلبه هذه الخطة، ومحله أعلى فهو أمين الله تعالى في أرضه فيكون عليه أوسع ا. ه.

الواقعة 56:12

ثم بين تقريبه لهم بقوله تعالى :﴿في جنات النعيم﴾ أي : الذي لا كدر فيه بوجه ولا منغص.

الواقعة 56:13

ولما ذكر السابقين فصلهم بقوله تعالى :﴿ثلة﴾ أي : جماعة وقيدها الزمخشري بالكثيرة وأنشد : وجاءت إليهم ثلة خندفية؍ تجيش كتيار من السيل مزبد؍ قال ابن عادل : ولم يقيدها غيره بل صرّح بأنها الجماعة ؛ قلت : أو كثرت ثم قال : والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق ا. ه. لكن قال البغوي : والثلة جماعة غير محصورة العدد ﴿من الأولين﴾ أي : من الأمم السابقة من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم من النبيين عليهم السلام ومن آمن بهم.

الواقعة 56:14

﴿وقليل من الآخرين﴾ وهم من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الأنبياء عليهم السلام مئة ألف ونيفاً وعشرين ألفاً، وكان من خرج مع موسى عليه السلام من مصر وهو مؤمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين ست مئة ألف، فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من البالغين الصبيان ومن النساء، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم السلام المجدّدين من بني إسرائيل وغيرهم. قال البيضاوي : ولا يخالف ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :«أمتي يكثرون سائر الأمم ». لجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة، وتابعوا هذه الأمّة أكثر من تابعيهم. قيل : لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين﴾ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني ». رواه أبو هريرة رضي الله عنه. ذكره الماوردي وغيره ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود وكأنه أراد أنها منسوخة ؛ قال الرازي : وهذا في غاية الضعف لأنّ عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان في ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة والمراد بالأولين الأنبياء وكبار أصحابهم وهم إذا اجتمعوا كانوا أكثر من السابقين من هذه الأمّة ولأنّ هذا خبر والخبر لا ينسخ، وقال الحسن : سابقوا من مضى أكثر من سابقينا فلذا قال تعالى :﴿وقليل من الآخرين﴾ وقال في أصحاب اليمين : وهم سوى السابقين ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ ولذا قال صلى الله عليه وسلم «إني لأرجو أن تكون أمتي شطر أهل الجنة ثم تلا ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ ». وروى الطبراني : أنّ الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة فتكون الصحابة كلهم من هذه الثلة، وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى ؛ ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال التي بدأ عليها من الغربة، «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء أي وهم الذين إذا فسد الناس صلحوا، كما فسر به النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال أبو بكر : كلا الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها، وهو مثل قوله تعالى :﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ [فاطر: ٣٢] وقيل : المراد بالأولين ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وبالآخرين ﴿ذرياتهم﴾ الملحقون بهم في قوله تعالى :﴿وأتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ [الطور: ٢١] ألحقنا بهم ذرياتهم، واشتقاق الثلة وهي مبتدأ من الثل وهو القطع والخبر.

الواقعة 56:15

﴿على سرر﴾ جمع سرير وهو ما يجعل الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة ﴿موضونة﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : منسوجة بالذهب، وقال عكرمة : مشبكة بالدرّ والياقوت ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً : موضونة، أي : مصفوفة لقوله تعالى في موضع آخر :﴿على سرر مصفوفة﴾ وقيل : منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدرّ والياقوت، والموضونة المنسوجة، وأصله : من وضنت الشيء أي : ركبت بعضه على بعض، ومنه قيل للدرع موضونة لتركب حلقها قال الأعشى : ومن نسج داود موضونة؍ تسير مع الحيّ عيراً فعيراً؍ ومنه أيضاً وضين الناقة وهو حزامها لتراكب طاقاته، قال عمر رضي الله عنه : وهو مار بواد محسر. إليك تعد وقلقاً وضينها؍ معترضاً في بطنها جنينها؍ مخالفاً دين النصارى دينها *** رواه البيهقي. ومناه أن ناقتي تعدو إليك مسرعة في طاعتك قلقاً، وضينها وهو حبل كالحزام من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد البالغ في طاعتك ؛ والمراد : صاحب الناقة فيسنّ للمار بوادي محسر أن يقول هذا الكلام الذي قاله عمر رضي الله تعالى عنه.

الواقعة 56:16

ولما ذكر تعالى السرر وبين عظمتها ذكر غايتها فقال سبحانه :﴿متكئين عليها﴾ أي : السرر على الجنب أو غيره كحال من يكون على كرسي فيوضع تحته شيء آخر للاتكاء عليه ﴿متقابلين﴾ فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقال مجاهد وغيره : هذا في المؤمن وزوجته وأهله أي : يتكؤون متقابلين، قال الكلبي طول كل سرير ثلث مئة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت وقيل : إنهم صاروا أرواحاً نورانية صافية ليس لهم أدبار ولا ظهور. تنبيه :﴿متكئين عليها متقابلين﴾ حالان من الضمير في على سرر، ويجوز أن تكون حالاً متداخلة فيكون متقابلين حالاً من ضمير متكئين، ثم بين تعالى أنهم في غاية الراحة بقوله تعالى :﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾.

الواقعة 56:17

﴿يطوف عليهم﴾ أي : لكفاية كل ما يحتاجون إليه ﴿ولدان﴾ أي : على أحسن صورة وزي وهيئة ﴿مخلدون﴾ قد حكم الله تعالى ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة على شكل الأولاد قال الحسن والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون، ومنه قول امرئ القيس : وهل ينعمن إلا سعيد مخلد؍ قليل الهموم ما يبيت بأوجال؍ وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرّطون، يقال للقرط : الخلد، والقرط ما يجعل في الأذنين من الحلق ؛ وقيل : مقرطون أي ممنطقون من المناطق والمنطقة ما يجعل في الوسط ؛ وأكثر المفسرين أنهم على سن واحد أنشأهم الله تعالى لأهل الجنة، يطوفون عليهم نشؤاً من غير ولادة فيها لأنّ الجنة لا ولادة فيها ؛ وقال عليّ بن أبي طالب والحسن البصري رضي الله عنهم : الولدان هاهنا ولدان المسلمين الذي يموتون صغاراً ولا حسنة لهم ولا سيئة ؛ وقال سلمان الفارسي : أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة ؛ قال الحسن : لم تكن لهم حسنات يجازون بها ولا سيئات يعاقبون عليها فوضعوا هذا الموضع. والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة.

الواقعة 56:18

وقوله تعالى :﴿بأكواب﴾ متعلق بيطوفون، والأكواب جمع كوب وهي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم، لا يعوق الشارب منها عائق عن شرب من أي موضع. أراد منها، فلا يحتاج أن يحول الإناء عن الحالة التي تناوله بها ليشرب، وقوله تعالى :﴿وأباريق﴾ جمع إبريق، وهي أوان لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، سمى بذلك لبريق لونه من صفائه ﴿وكأس﴾ أي : إناء شراب الخمر ﴿من معين﴾ أي : خمر صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها جارية من منبع لا ينقطع أبداً. فإن قيل : كيف جمع الأكواب والأباريق وأفرد الكأس ؟ أجيب : أنّ ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كثيرة ويشربون بكأس واحد، وفيها مباينتهم أهل الدنيا من حيث أنهم يطوفون بالأكواب والأباريق ولا تثقل عليهم بخلاف أهل الدنيا ﴿لا يصدّعون عنها ولا ينزفون﴾.

الواقعة 56:19

﴿لا يصدّعون عنها﴾ أي : بسببها قال الزمخشري وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها، والصداع : هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه ؛ قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر : تشفى الصداع ولا يؤذيك صالتها؍ ولا يخالطها في الرأس تدويم؍ قال أبو حيان : هذه صفة خمر الجنة كذا قال لي الشيخ أبو جعفر بن الزبير ؛ والمعنى : لا تتصدّع رؤوسهم من شربها فهي لذة بلا أذى بخلاف خمر الدنيا ؛ وقيل : لا يتفرقون عنها ﴿ولا ينزفون﴾ أي : تذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي : يفرغ شرابهم من نزفت البئر إذا نزح ماؤها كله ؛ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الزاي والباقون بفتحها.

الواقعة 56:20

﴿وفاكهة مما يتخيرون﴾ أي : يختارون ما يشتهون من الفواكه لكثرتها ؛ وقيل : المعنى : وفاكهة متخيرة مرضية والتخير الاختيار.

الواقعة 56:21

﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ أي : يتمنون ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى، ويقال : إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب ؛ فإن قيل : ما الحكمة في تخصيص الفاكهة بالتخيير، واللحم بالاشتهاء ؟ أجيب : بأنّ اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم، وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة، فالجائع مشته، والشبعان غير مشته بل هو مختار، وأهل الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم للفاكهة أكثر فيتخيرونها، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة في القرآن بخلاف اللحم، وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل، ولهذا قدم الفاكهة على اللحم. فإن قيل : الفاكهة واللحم لا يطوف بهما الولدان، والعطف يقتضي ذلك ؟ أجيب : بأنّ الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان فيناولونهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله :﴿جنات النعيم﴾ أي : مقرّبون في جنات النعيم وفاكهة ولحم، أي : في هذا النعيم يتقلبون.

الواقعة 56:22

ولما لم يكن بعد الأكل والشراب أشهى من النساء قال تعالى :﴿وحور﴾ أي : نساء شديدات سواد العيون وبياضها ﴿عين﴾ أي : ضخام العيون وقرأ حمزة والكسائي بخفض الاسمين عطفاً على سرر، فإنّ النساء في معنى المتكأ لأنهن يسمين فراشاً، والباقون بالرفع عطفاً على ولدان.

الواقعة 56:23

﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ أي : المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه الشمس والهواء، فيكون في نهاية الصفاء ؛ قال البغوي : ويروى أنه يسطع نور في الجنة فيقولون : ما هذا ؟ فيقال : ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها ويروى أنّ الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقها، وتمجيد الأسورة من ساعديها، وأنّ عقد الياقوت يضحك في نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح.

الواقعة 56:24

ولما بالغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء دل على أنّ أعمالهم كانت كذلك لأنّ الجزاء من جنس العمل فقال تعالى :﴿جزاء﴾ أي : فعل ذلك لهم لأجل الجزاء ﴿بما كانوا يعملون﴾ أي : يجدّدون عمله على جهة الاستمرار، قالت المعتزلة : هذا يدل على أنّ إيصال الثواب واجب على الله تعالى، لأنّ الجزاء لا يجوز الإخلال به، وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروه لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة، لأنّ العقل إذا حكم بأنّ ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أنّ القبيح من الله تعالى لا يوجد علم أنّ الله تعالى يعطى هذه الأشياء لأنها جزاؤه، وإيصال الجزاء واجب، فكان لا يصح التمدح به.

الواقعة 56:25

﴿لا يسمعون فيها لغواً﴾ أي : شيئاً مما لا ينفع واللغو الساقط ﴿ولا تأثيماً﴾ أي : ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الأثم بل حركاتهم وسكناتهم كلها في رضا الله تعالى ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : باطلاً وكذباً ؛ قال محمد بن كعب : ولا تأثيماً أي : لا يؤثم بعضهم بعضاً ؛ وقال مجاهد : لا يسمعون شتماً ولا مأثماً.

الواقعة 56:26

وقوله تعالى :﴿إلا قيلاً﴾ فيه قولان أحدهما : أنه استثناء منقطع وهذا واضح لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم، والثاني : أنه متصل وفيه بعد ؛ قال ابن عادل فكان هذا رأى أنّ الأصل لا يسمعون فيها كلاماً فاندرج عنده فيه ؛ ثم بين تعالى ذلك بقوله :﴿سلاماً سلاما﴾ أي قولاً سلاماً، قال عطاء : يحيى بعضهم بعضاً بالسلام، أو تحيهم الملائكة، أو يحييهم ربهم ؛ ودل على دوامه بتكريره فقال تعالى :﴿سلاما﴾ ففيه إشارة إلى كثرة السلام عليهم ولهذا لم يكرر في قوله تعالى ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] وقال القرطبي : السلام الثاني بدل من الأوّل، والمعنى : إلا قولاً يسلم فيه من اللغو.

الواقعة 56:27

ولما بين حال السابقين شرع في بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى :﴿وأصحاب اليمين﴾ ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم فقال تعالى :﴿ما أصحاب اليمين﴾ فإن قيل : ما الحكمة في ذكرهم بلفظ أصحاب الميمنة عند تقسيم الأزواج الثلاثة وبلفظ أصحاب اليمين عند ذكر الإنعام ؟ أجيب : بأن ذلك تفنن في العبارة والمعنى واحد.

الواقعة 56:28

﴿في سدر﴾ أي : شجر نبق ﴿مخضود﴾ أي : لا شوك فيه كأنه خضد شوكه أي : قطع ونزع منه ؛ قال ابن المبارك : أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر قال : كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولون : إنا لينفعنا الأعراب ومسائلهم ؛ قال : أقبل أعرابي يوماً فقال : يا رسول الله لقد ذكر الله تعالى في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وما هي ؟ » قال : السدر فإن له شوكاً مؤذياً ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو ليس يقول سدر مخضود خضض الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً على اثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيه لون يشبه الآخر » ؛ وقال أبو العالية والضحاك : نظر المسلمون إلى وج وهو واد بالطائف مخصب فأعجبهم سدره فقالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة وما فيها : إن الحدائق في الجنان ظليلة؍ فيها الكواعب سدرها مخضود؍ قال مجاهد :﴿في سدر مخضود﴾ هو الموقر حملاً الذي تنثني أغصانه كثرة حمله من خضض الغصن إذا ثناه وهو رطب ؛ وقال سعيد بن جبير : ثمرها أعظم من القلال.

الواقعة 56:29

﴿وطلح منضود﴾ أي : منظوم بالجمل من أعلاه إلى أسفله ليست له ساق بارزة متراكم يتركب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب، والطلح جمع الطلحة ؛ قال عليّ وابن عباس رضي الله عنهم وأكثر المفسرين : الطلح شجر الموز واحده طلحة ؛ وقال الحسن : ليس هو موزاً ولكنه شجر له ظل بارد رطب ؛ وقال الفرّاء وأبو عبيدة : شجر عظيم كثير الشوك والطلح كل شجر عظيم له شوك ؛ وقال الزجاج : هو شجر أم غيلان ؛ قال مجاهد : ولكن ثمرها أحلى من العسل، وقال الزجاج : لها نور طيب جدّاً خوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلا أنّ فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا ؛ وقال السدي : طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل ؛ وقال مسروق : أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها.

الواقعة 56:30

﴿وظل ممدود﴾ أي : دائم لا يزول ولا تنسخه الشمس لقوله تعالى :﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظلّ ولو شاء لجعله ساكناً﴾ [الفرقان: ٤٥] كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ؛ وقيل : الظل ليس ظلّ أشجار بل ظلّ يخلقه الله تعالى، قال الربيع بن أنس رضي الله عنه : يعني ظلّ العرش ؛ وقال عمرو بن ميمون رضي الله عنه : مسيرة سبعين ألف سنة ؛ وقال أبو عبيدة : تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل والشيء الذي لا ينقطع ممدود قال الشاعر : غلب العزاء وكان غير مغلب؍ دهر طويل دائم ممدود؍ وفي صحيح الترمذي وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم ﴿وظلّ ممدود﴾ » في هذا الحديث ردّ على من يقول : إنّ الأشجار لا ظل لها وقد سئل السبكي عن الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً إذا تراءت له شجرة يقول : يا رب أدنني من هذه لأستظل في ظلها، الحديث من أيّ شيء يستظل والشمس قد كورت ؟ أجاب بقوله تعالى :﴿وظلّ ممدود﴾ وبقوله تعالى :﴿هم وأزواجهم في ظلال﴾ [يس: ٥٦] إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل لأنه مخلوق لله تعالى وليس بعدم بل أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها. فليس الظل عدم الشمس كما قد يتوهم ؛ وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :﴿وظلّ ممدود﴾ قال شجرة في الجنة يخرج إليها أهل الجنة فيتحدّثون، ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله تعالى عليهم ريحاً من الجنة فتتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا.

الواقعة 56:31

﴿وماء مسكوب﴾ أي : جار في منازلهم في غير أخدود لا يحتاجون فيه إلى جلب ماء من الأماكن البعيدة ولا إدلاء في بئر كأهل البوادي، فإن العرب كانت أصحاب بادية وبلاد حارّة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك.

الواقعة 56:32

﴿فاكهة كثيرة﴾ أي : أجناسها وأنواعها وأشخاصها.

الواقعة 56:33

﴿لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمتنع من أحد إذ أراد أخذها، وقال بعضهم : لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان كما تنقطع أكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن ؛ وقيل : لا يمنع من أرادها شوك ولا بعد ولا حائط بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى ﴿قطوفها دانية﴾ [الحاقة: ٢٣] وجاء في الحديث :«ما قطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله تعالى مكانها ضعفين ».

الواقعة 56:34

ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال تعالى :﴿وفرش مرفوعة﴾ أي : رفيعة القدر يقال : ثوب رفيع، أي : عزيز مرتفع القدر والثمن بدليل قوله تعالى :﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ [الرحمن: ٥٤] فكيف ظهائرها أو مرفوعة فوق السرر بعضها فوق بعض ؛ روى الترمذي عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :﴿وفرش مرفوعة﴾ قال :«ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ». قال : حديث غريب ؛ وقيل : هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللباس، أي : ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمى المرأة فراشاً ولباساً على الاستعارة.

الواقعة 56:35

دليل هذا التأويل قوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : بمالنا من العظمة التي لا يتعاظمها شيء ﴿أنشاناهن﴾ أي : الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت بالبعث وزاد في التأكيد فقال تعالى :﴿إنشاء﴾ أي : خلقاً جديداً من غير ولادة بل جمعناهن من التراب كسائر بني آدم، ليكونوا كأبيهم آدم عليه السلام في خلقه من تراب، لتكون الإعادة كالبداءة ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة على شكله عليه السلام، وروى النحاس بإسناده أن أم سلمة سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ فقال :«هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز شمطاً عمشاً رمصاً جعلهن الله تعالى بعد الكبر أتراباً على ميلاد واحد في الاستواء ». وروى أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه في قوله تعالى ﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ قال : هن العجائز العمش الرمص كنّ في الدنيا عمشاً رمصاً. وعن المسيب بن شريك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ قال :«هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقاً جديداً كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً » فلما سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك قالت واوجعاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس هناك وجع ». وعن الحسن رضي الله عنه قال : أتت عجوز النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال :«يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، قال : فولت تبكي، فقال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول ﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ »

الواقعة 56:36

﴿فجعلناهن﴾ أي : الفرش المنشآت وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء ﴿أبكاراً﴾ أي عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع ؛ وذكر المسيب عن غيره : أنهن فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا ؛ وقال مقاتل وغيره : هن الحور العين أنشأهن الله تعالى لم تقع عليهن الولادة.

الواقعة 56:37

وقوله تعالى :﴿عرباً﴾ جمع عروب كصبور وصبر وهي الغنجة المحببة إلى زوجها، وقال الرازي في اللوامع : الفطنة بمراد الزواج كفطنة العرب ؛ وقيل : الحسناء ؛ وقيل : المحسنة لكلامها ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هن العواتق. وأنشدوا وفي الخباء عروب غير فاحشة؍ ريا الروادف يعشى دونها البصر؍ وقرأ حمزة وشعبة : بسكون الراء والباقون بضمها كرسل ورسل وفرش وفرش وقوله تعالى :﴿أتراباً﴾ جمع ترب، وهو المساوي لك في سنك لأنه يمس جلدهما التراب في وقت واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرّف بالإضافة، لأنه في معنى الصفة إذ معناه مساويك، ومثله : خدنك لأنه بمعنى مصاحبك ؛ قال القرطبي : سن واحد وهو ثلاث وثلاثون سنة ؛ يقال في النساء : أتراب، وفي الرجال : أقران ؛ وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الفتى من النساء، وانحطت عن الكبر ؛ وقال مجاهد : الأتراب الأمثال والأشكال. وقال السدّي : أتراب في الأخلاق لا تباغض فيهن ولا تحاسد، وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً محجلين أبناء ثلاثين أو قال ثلاثاً وثلاثين على خلق آدم عليه السلام ستون ذراعاً في سبعة أذرع ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بنى ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبداً وكذلك أهل النار ». وعن أبي سعيد الخدري : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنان وسبعون ألف زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء، ينظر وجهه في خدّها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضئ ما بين المشرق والمغرب، وأنه ليكون عليها سبعون ثوباً ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ». وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن أدنى أهل الجنة منزلة وما منهم دنيء لمن يغدو عليه ويروح عشرة آلاف خادم مع كل واحد منهم ظريفة ليست مع صاحبه.

الواقعة 56:38

«وفي تعلق اللام في قوله تعالى :﴿لأصحاب اليمين﴾ وجهان أحدهما : أنّها متعلقة بأنشأناهن أي : لأجل أصحاب اليمين والثاني : أنها متعلقة بأتراباً كقولك : هذا ترب لهذا أي : مساو له.

الواقعة 56:39

ثم بينهم بقوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ أي : من أصحاب اليمين.

الواقعة 56:40

﴿وثلة﴾ أي : منهم ﴿من الآخرين﴾ فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة، قال البقاعي : والظاهر أنّ الآخرين أكثر فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبيّ صلى الله عليه وسلم «أن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة فإنهم عشرون ومائة صف هذه الأمة منهم ثمانون صفاً وأربعون من سائر الأمم ». وعن عروة بن رويم قال : لما نزل قوله تعالى :﴿ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين﴾ بكى عمر وقال : يا نبيّ الله آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله تعالى :﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال : قد أنزل الله تعالى فيما قلت فقال عمر : رضينا عن ربنا وتصديق نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آدم إلينا ثلة ومنا إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها الأسود من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله ». وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه : قال :«عرضت عليّ الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورفع إلي سواد عظيم فقلت إنهم أمتي، فقيل لي : هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فتفرق الناس، ولم يبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا : أما نحن فولدنا في الشرك ولكنّا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك فقال :«هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة ابن محصن فقال : ادع الله تعالى أن يجعلني منهم، فقال : أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم، فقال : سبقك بها عكاشة ». والرهط دون العشرة وقيل إلى الأربعين. وعن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«عرضت عليّ الأنبياء الليلة باتباعها حتى أتى على موسى في كبكبة بني إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني فقلت : أي رب من هؤلاء ؟ قيل : هو أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل، قلت : يا رب وأين أمتي ؟ قيل : انظر عن يمينك فنظرت فإذا ظراب مكة قد سدّ بوجوه الرجال، فقال : هؤلاء أمتك أرضيت ؟ فقلت : رضيت رب، قيل : انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل : هؤلاء أمتك أرضيت ؟ قلت : رب رضيت فقيل : إن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة لا حساب عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت أناساً يتهاوشون كثيراً ». وعن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة نحواً من أربعين فقال :«أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟ قلنا : نعم، قال : أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ قلنا : نعم، قال : والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر ». وتقدم في الحديث المار أنهم ثلثا أهل الجنة ولا منافاة لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولاً بالقليل ثم أطلعه الله تعالى على الزيادة.

الواقعة 56:41

ولما أتم وصف أصحاب الجنة أتبعه أضدادهم بقوله تعالى :﴿وأصحاب الشمال﴾ أي : الجهة التي تتشاءم العرب بها ويعبر بها عن الشيء الأخس والحظ الأنقص قال البقاعي : والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما أن أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال تعالى :﴿ما أصحاب الشمال﴾ أي : أنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه وسماهم بذلك لأنهم يأخذون كتبهم بشمالهم.

الواقعة 56:42

ثم بين متقلبهم وما أعدّ لهم من العذاب فقال تعالى :﴿في سموم﴾ أي : ريح حارة من النار تنفذ في المسام ﴿وحميم﴾ أي : ماء حار بالغ في الحرارة إلى حدّ يذيب اللحم.

الواقعة 56:43

﴿وظل من يحموم﴾ أي : دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد ؛ وقيل : النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود ؛ وقيل : اليحموم اسم من أسماء النار ؛ قال الرازي : وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم السموم، وإن استكنوا كما يفعل الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان بالكن يكونون في ظلّ من يحموم، وإن أرادوا التبرّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم فلا انفكاك لهم من العذاب ؛ أو يقال : أن السموم تضربه فيعطس وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء فيقطع أمعاءه فيريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل اليحموم ؛ وذكر السموم والحميم دون النار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى كأنه قال أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرّها ؟

الواقعة 56:44

وقوله تعالى ﴿لا بارد﴾ أي : ليروح النفس ﴿ولا كريم﴾ أي : ليؤنس به ويلجأ إليه صفتان للظل كقوله تعالى :﴿من يحموم﴾ وقال الضحاك : لا بارد أي : كغيره من الظلال بل حار لأنه من دخان شفير جهنم ولا كريم عذب ؛ وقال سعيد بن المسيب : ولا حسن منظره وكل شيء لا خير فيه ليس بكريم فسماه ظلاً ونفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوى إليه من أذى الحرّ، وذلك كرمه ليمحو ما في مدلول الظن من الاسترواح إليه، والمعنى : أنه ظل حارّ ضارّ إلا أن للنفي في نحو هذا شأناً ليس للإثبات وفيه تهكم بأصحاب المشأمة وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة.

الواقعة 56:45

ثم بين استحقاقهم لذلك بقوله تعالى :﴿إنهم كانوا﴾ أي : في الدنيا ( قبل ذلك ) أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه ﴿مترفين﴾ أي : أنهم إنما استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا في سعة من العيش متمكنين في الشهوات مستمتعين بها متمكنين منها.

الواقعة 56:46

﴿وكانوا يصرّون﴾ أي : يقيمون ويديمون على سبيل التجديد لما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك ﴿على الحنث﴾ أي : الذنب ويعبر بالحنث عن البلوغ ومنه قولهم : لم يبلغوا الحنث، وإنما قيل ذلك لأنّ الإنسان عند بلوغه إليه يؤاخذ بالحنث أي : الذنب، وتحنث فلان أي : جانب الحنث، وفي الحديث :«كان يتحنث بغار حراء » أي : يتعبد لمجانبة الإثم نحو خرج فتفعل في هذه كلها للسلب. ولما كان ذلك قد يكون من الصغائر التي تغفر قال تعالى :﴿العظيم﴾ أي : وهو الشرك قاله الحسن والضحاك ؛ وقال مجاهد : هو الذنب الذي لا يتوبون منه ؛ وقال الشعبي : هو اليمين الغموس وهو من الكبائر يقال حنث في يمينه، أي : لم يبرها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث وأنّ الأصنام أنداد الله تعالى فذلك حنثهم، فإن قيل : الترفه هو التنعم وذلك لا يوجب ذمّاً ؟ أجيب : بأنّ الذمّ إنما حصل بقوله تعالى :﴿وكانوا يصرّون على الحنث العظيم﴾ فإن صدور المعاصي ممن كثرت النعم عليه أقبح القبائح وفي الآية مبالغات، لأنّ قوله تعالى :﴿يصرون﴾ يقتضي أنّ ذلك عادتهم والإصرار مداومة المعصية ولأنّ الحنث أبلغ من الذنب لأن الذنب يطلق على الصغيرة ويدل على ذلك قولهم : بلغ الحنث أي : بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة، ووصفه بالعظيم يخرج الصغائر فإنها لا توصف بذلك ؛ قال الرازي : والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم فلم يقل إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين وذلك تنبيه على أنّ الثواب منه فضل والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر يتوهم بالتفضل نقص وظلم، وأما العدل إن لم يعلم سبب العقاب يظن أنّ هناك ظلماً، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ كما قال في السابقين لأنّ أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه.

الواقعة 56:47

﴿وكانوا﴾ أي : زيادة على ما ذكر ﴿يقولون﴾ أي : إنكاراً مجددين لذلك دائماً عناداً ﴿أئذا﴾ أي أنبعث إذا ﴿متنا وكنا﴾ أي كوناً ثابتاً ﴿تراباً وعظاماً﴾ ثم أعادوا الاستفهام تأكيداً لإنكارهم فقالوا :﴿أئنا لمبعوثون﴾ أي : كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون ذلك بطريق الأولى وقرأ قالون أئذا بتحقيق الهمزة الأولى، المفتوحة وتسهيل الثانية المكسورة وإدخال ألف بينهما وكسر الميم من متنا وهمزة واحدة مكسورة في أئنا، وقرأ ورش بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ولا إدخال بينهما وكسر ميم متنا وهمزة واحدة مكسورة في أئنا مع النقل عن أصله ؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بالاستفهام فيهما مع تسهيل الثانية إلا أنّ أبا عمرو يدخل بينهما ألفاً فيهما وابن كثير لا يدخل ألفاً وضما ميم متنا.

الواقعة 56:48

﴿أو آباؤنا﴾ أي : أو تبعث آباؤنا ﴿الأولون﴾ أي : الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم فصاروا كلهم تراباً ولاسيما أن حملتهم السيول ففرّقت أعضاءهم وذهبت بها في الآفاق ؛ فإن قيل : كيف حسن العطف على المضمر في لمبعوثون من غير تأكيد بنحن ؟ أجيب بأنه حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله تعالى :﴿ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لفصل لا المؤكدة للنفي، وقرأ قالون وابن عامر : بسكون الواو من أو والباقون بفتحها. ثم ردّ الله تعالى عليهم قولهم ذلك بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾.

الواقعة 56:49

﴿قل﴾ أي : لهؤلاء ولكل من كان مثلهم وأكد لإنكارهم ﴿إن الأولين﴾ أي : الذين جعلتم الاستبعاد فيهم وهم الآباء ﴿والآخرين﴾ وهم الأبناء.

الواقعة 56:50

﴿لمجموعون﴾ أي : في المكان الذي يكون فيه الحساب ﴿إلى ميقات يوم﴾ أي : زمان ﴿معلوم﴾ أي : معين عند الله تعالى وهو يوم القيامة إذ هو من شأنه أن يعلم بما عليه من الأمارات والميقات ما وقت به الشيء من زمان أو مكان إلى حد.

الواقعة 56:51

﴿ثم إنكم﴾ أي : بعد هذا الجمع ﴿أيها الضالون﴾ أي : الذين غلبت عليهم الغباوة فهم لا يفهمون فضلوا عن الهدى ثم اتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال تعالى :﴿المكذبون﴾ بالبعث والخطاب لأهل مكة ومن في مثل حالهم.

الواقعة 56:52

﴿لآكلون من شجر من زقوم﴾ وهو من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم فهو في غاية الكراهة وبشاعة المنظر ونتن الرائحة وقد مرّ الكلام على ذلك في الصافات. تنبيه : من الأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر

الواقعة 56:53

﴿فمالؤن﴾ أي : ملأ هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم الكراهة ﴿منها﴾ أي : الشجر وأنثه لأنه جمع شجرة وهو اسم جنس، قال البقاعي : وهم يكرهون الإناث فتأنيثه والله أعلم زيادة في تنفيرهم ؛ وقال الزمخشري : أنت ضمير الشجر على المعنى وذكره على اللفظ في قوله :﴿منها﴾ وعليه وهو لف ونشر مرتب ﴿البطون﴾ أي : يضطركم إلى تناول هذا الكريه حتى تملؤا بطونكم منه.

الواقعة 56:54

ثم لما بين أكلهم أتبعه مشربهم فقال تعالى :﴿فشاربون عليه﴾ أي : الأكل أو الزقوم ﴿من الحميم﴾ لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار.

الواقعة 56:55

﴿فشاربون﴾ أي : منه ﴿شرب الهيم﴾ أي : الإبل العطاش وهو جمع هيمان للذكر وهيمى للأنثى كعطشان وعطشى، والهيام : داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت أو تسقم سقماً شديداً ؛ وقيل : إنه جمع هائم وهائمة من الهيام أيضاً إلا أن جمع فاعل وفاعلة على فعل قليل نحو نازل ونزل وعائد وعود ؛ وقيل : إنه جمع هيام بفتح الهاء وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً فيكون مثل سحاب وسحب بضمتين ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصح الباء كما فعل بالذي قبله، والمعنى : أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل فإذا ملؤوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاؤهم فيشربون منه شرب الهيم. فإن قيل : كيف صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان فكان عطفاً للشيء على نفسه ؟ أجيب : بأنهما ليستا بمتفقتين من حيث أن كونهم شاربين الحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة وقطع أمعائهم أمر عجيب فشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاً فكانتا صفتين مختلفتين ؛ وقرأ نافع وعاصم وحمزة : بضم الشين والباقون بفتحها.

الواقعة 56:56

﴿هذا﴾ أي : ما ذكر ﴿نزلهم﴾ أي : ما يعدّ لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف أول حلوله كرامة له ﴿يوم الدين﴾ أي : الجزاء الذي هو حكمة القيامة وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك بما يأتي بعدما استقرّوا في الجحيم وفي هذا تهكم كما في قوله تعالى :﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١] فإن النزل ما يعد للنازل تكرمة له.

الواقعة 56:57

ثم استدل على منكري البعث بقوله تعالى :﴿نحن﴾ أي : لا غيرنا ﴿خلقناكم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿فلولا﴾ تحضيض، أي : فهلا ﴿تصدقون﴾ أي : بالبعث فإن الإعادة أسهل من الابتداء ؛ وقيل : نحن خلقنا رزقكم فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا ؛ ومتعلق التصديق محذوف تقديره : فلولا تصدّقون بخلقنا.

الواقعة 56:58

﴿أفرأيتم﴾ أي : أخبروني هل رأيتم بالبصر والبصيرة ﴿ما تمنون﴾ أي : تصبون من المنيّ في أرحام النساء.

الواقعة 56:59

﴿أأنتم تخلقونه﴾ أي : توجدونه مقدراً على ما هو عليه من الاستواء، والحكمة بعد خلقه من صورة النطفة إلى صورة العلقة ثم من صورة العلقة إلى صورة المضغة ثم منها إلى صورة العظام والأعصاب ﴿أم نحن﴾ أي : خاصة ﴿الخالقون﴾ أي الثابت لنا ذلك وقرأ أفرأيتم في الثلاثة مواضع نافع بتسهيل الهمزة التي هي عين الكلمة، ولو رش وجه ثان وهو أبدالها ألفاً، وأسقطها الكسائي، والباقون بالتحقيق، وقرأ أأنتم في الثلاثة المواضع نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل بينهما ألفاً، قالون وأبو عمرو وهشام، ولم يدخل بينهما ورش وابن كثير ولو رش وجه ثان وهو إبدال الثانية ألفا والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال بينهما.

الواقعة 56:60

ولما كان الجواب قطعاً أنت الخالق وحدك أكد ذلك بقوله تعالى :﴿نحن﴾ أي : بمالنا من العظمة لا غيرنا ﴿قدرنا﴾ أي : تقديراً عظيماً لا يقدر سوانا على نقص شيء منه، ﴿بينكم الموت﴾ أي قسمنا عليكم فلم نترك أحداً منكم بغير حصة منه، وأقتنا موت كل بوقت معين لا يتعداه، فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوّة البدن وصحة المزاج فلو اجتمع الخلق لهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخروه لحظة، وأطلنا عمر هذا وربما كان في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج فلو تمالؤا على تقصيره طرفة عين لعجزوا. وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بالتشديد ﴿وما نحن﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿بمسبوقين﴾ أي : بالموت أي : لا عاجزين ولا مغلوبين.

الواقعة 56:61

﴿على﴾ أي : عن ﴿أن نبدّل﴾ أي تبديلاً عظيماً ﴿أمثالكم﴾ أي : صوركم وأشخاصكم ﴿وننشئكم﴾ أي إنشاء جديداً بعد تبديل ذواتكم ﴿في ما لا تعلمون﴾ فإنّ بعضكم تأكله الحيتان أو السباع أو الطيور فننشئ أبدانه منها، وبعضهم يصير تراباً فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب فنشأت منه أبدانها وربما صار ترابه من معادن الأرض الذهب والفضة والحديد والنحاس والحجر ونحو ذلك وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى :﴿قل كونوا حجارة أو حديداً﴾ [الإسراء: ٥٠] إلى آخرها ويكون المعنى كما قال البغوي : نأت بخلق مثلكم بدلاً منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور أي : بتغيير أوصافكم وصوركم إلى صور أخرى بالمسخ ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة وقال الطبري : معنى الآية نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم أي : لا يتقدّم متأخر ولا يتأخر متقدم، وننشئكم فيما لا تعلمون من الصور وقال الحسن : أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم، وقيل : المعنى : ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا فنجمل المؤمن ببياض وجهه ونقبح الكافر بسواد وجهه «فائدة » في ما مقطوعة في الرسم.

الواقعة 56:62

﴿ولقد علمتم النشأة الأولى﴾ أي : الترابية لأبيكم آدم عليه السلام، واللحمية لأمكم حواء رضي الله عنها والنطفية لكم وكل منها تحويل من شيء إلى آخر غيره، فما الذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا تراباً إلى ما كنتم عليه أولاً من الصور ولهذا سبب عما تقدم قوله تعالى :﴿فلولا﴾ أي : فهلا ولم لا ﴿تذكرون﴾ أي تذكراً عظيماً تكرهون أنفسكم عليه فتعلمون أن من قدر على النشأة الأولى قدر على الثانية فإنها أقل ضعفاً لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال وفيه دليل على صحة القياس، وفي الخبر عجباً كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجباً للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور ؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشأة بفتح الشين وبعدها ألف قبل الهمزة والباقون بسكونها ولا ألف بعدها، فإذا وقف حمزة نقل حركة الهمزة إلى الشين وخفف ذال تذكرون حمزة والكسائي وحفص، وشدّدها الباقون.

الواقعة 56:63

ثم ذكر لهم حجة أخرى بقوله تعالى :﴿أفرأيتم﴾ أي : أخبروني هل رأيتم بالبصر والبصيرة ما نبهنا كم عليه فيما تقدم فتسبب عن تنبيهكم لذلك أنكم رأيتم ﴿ما تحرثون﴾ أي : تجددون حرثه على الاستمرار من أراضيكم فتطرحون فيه البذر.

الواقعة 56:64

﴿أأنتم تزرعونه﴾ أي : تنشئونه بعد طرحكم وتجعلونه زرعاً فيكون فيه السنبل والحب ﴿أم نحن﴾ خاصة ﴿الزارعون﴾ أي : المنبتون له والحافظون ؛ روى أنه عليه الصلاة والسلام قال :«لا يقولنّ أحدكم زرعت وليقل حرثت ». قال أبو هريرة أرأيتم إلى قوله تعالى :﴿أفرأيتم﴾ الآية. ولما كان الجواب قطعاً أنت الفعال لذلك وحدك قال تعالى موضحاً لأنه ما زرعه غيره ﴿لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون﴾.

الواقعة 56:65

﴿لو نشاء﴾ أي : لو عاملناكم بصفة العظمة ﴿لجعلناه﴾ أي : بتلك العظمة ﴿حطاما﴾ أي : مكسوراً مفتتاً لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو حر مهل أو غير ذلك فلا ينتفع به ﴿فظلتم﴾ أي فأقمتم بسبب ذلك نهاراً في وقت الأشغال العظيمة وتركتم ما يهمكم ﴿تفكهون﴾ حذفت منه إحدى التائين في الأصل تخفيفاً أي تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم وقيل : تندمون على ما سلف منكم من المعاصي التي أوجبت تلك العقوبة قال الزمخشري : ومنه الحديث :«مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء ويتركها القرباء فبينما هم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكهون ». أي : يتندمون. وقال الكسائي : التفكة التلهف على ما فات من الأضداد، تقول العرب : تفكهت أي تنعمت وتفكهت أي حزنت وتقولون :﴿أنا لمغرمون﴾.

الواقعة 56:66

﴿أنا لمغرمون﴾ بحذف القول ومعنى الغرم ذهاب المال بغير عوض من الغرام وهو الهلاك ومن مجيء الغرام بمعنى الهلاك قول القائل : أن يعذب يكن غراماً وإن يع؍ ط جزيلاً فإنه لا يبالي؍ وقال ابن عباس : الغرام العذاب، أي : عذبوا بذهاب أموالهم، والمعنى : أن غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب بغير عوض ومن الغرام بمعنى العذاب قول القائل : وثقت بأنّ الحلم منك سجية؍ وأنّ فؤادي مبتلى بك مغرم؍

الواقعة 56:67

وقرأ شعبة : أئنا بهمزة مفتوحة بعدها همزة مكسورة على الاستفهام والباقون بهمزة واحدة مكسورة على الخبر ﴿بل نحن﴾ أي : خاصة ﴿محرومون﴾ أي : ممنوعون رزقنا حرمنا من لا يرد قضاؤه فلاحظ لنا في الاكتساب فلو كان الزارع ممن له خط لأفلح زرعه.

الواقعة 56:68

ثم ذكر تعالى لهم حجة أخرى بقوله تعالى :﴿أفرأيتم الماء﴾ أي : أخبروني هل رأيتم بالبصر والبصيرة ما نبهنا عليه فيما مضى من المطعم وغيره فرأيتم الماء ﴿الذي تشربون﴾ فتحيوا به أنفسكم وتسكنوا به عطشكم، ذكرهم بنعمه التي أنعم بها عليهم بإنزال المطر الذي لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل.

الواقعة 56:69

﴿أأنتم أنزلتموه من المزن﴾ أي : السحاب وهو اسم جنس واحد مزنة قال القائل : فلا مزنة ودقت ودقها؍ ولا أرض أبقل إبقالها؍ وعن ابن عباس والثوري : المزن السماء والسحاب، وقال أبو زيد : المزنة : السحابة البيضاء أي خاصة وهي أعذب ماء والجمع مزن والمزنة المطرة ﴿أم نحن﴾ أي : خاصة ﴿المنزلون﴾ أي : له بمالنا من العظمة.

الواقعة 56:70

﴿لو نشاء﴾ أي : حال إنزاله وبعده قبل أن ينتفع به ﴿جعلناه﴾ أي بما تقتضيه صفة العظمة ﴿أجاجاً﴾ أي : ملحاً مراً محرقاً كأنه في الأحشاء لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشاً ولا ينبت نبتاً ينتفع به، وقال ابن عادل : الأجاج المالح الشديد الملوحة ﴿فلولا﴾ أي : فهلا ولم لا ﴿تشكرون﴾ أي : تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما أفادكم ذلك من القوى في طاعة الله الذي أوجده لكم ومكنكم منه.

الواقعة 56:71

ثم ذكر تعالى لهم حجة أخرى بقوله تعالى :﴿أفرأيتم النار﴾ أي : أخبروني هل رأيتم بالبصر والبصيرة ما تقدم فرأيتم النار ﴿التي تورون﴾ أي : تخرجون من الشجر الأخضر.

الواقعة 56:72

﴿أأنتم أنشأتم﴾ أي : اخترعتم وأوجدتم وأحييتم وربيتم ورفعتم ﴿شجرتها﴾ أي : التي يقدح منها النار وهي المرخ والعقار وهما شجرتان قدح منهما النار وهما رطبتان، وقيل : أراد جميع الشجر الذي توقد به النار ﴿أم نحن﴾ أي : خاصة وأكد بقوله تعالى :﴿المنشؤون﴾ أي : لها بمالنا من العظمة على تلك الهيئة فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون في الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادّة لها كان أقدر على إعادة الطراوة في تراب الجسد الذي كان غضاً طرياً فيبس.

الواقعة 56:73

ولما كان الجواب قطعاً أنت وحدك قال تعالى دالاً على ذلك تنبيهاً على عظم هذا الخبر ﴿نحن﴾ أي : خاصة ﴿جعلناها﴾ أي : لما اقتضته عظمتنا ﴿تذكرة﴾ أي : شيئاً يتذكر به تذكراً عظيماً جليلاً كما أخبرنا به من البعث وعذاب النار الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك، وقيل : موعظة يتعظ بها المؤمن ؛ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزأ من نار جهنم، قالوا : والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزأ كلها مثلها مثل حرّها ». ﴿ومتاعاً﴾ أي : بلغة ومنفعة ﴿للمقوين﴾ أي : المسافرين والمقوى النازل في أرض القوا بالكسر والقصر والمدّ وهي القفر البعيدة من العمران، والمعنى : أنه ينتفع بها أهل البوادي والأسفار فإن منفعتهم بها أكثر من المقيم فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع ويهتدي الضال إلى غير ذلك من المنافع ؛ وقال مجاهد : للمقوين أي : المنتفعين بها من الناس أجمعين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون بها من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز إلى غير ذلك من المنافع، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله تعالى منها ؛ وقال ابن زيد : للجائعين في إصلاح طعامهم يقال : أقويت منذ كذا وكذا أي : ما أكلت شيئاً قال الشاعر : وإني لاختار القوا طاوي الحشى؍ محافظة من أن يقال لئيم؍ وقال قطرب : المقوي من الأضداد يقال للفقير : مقو لخلوه من المال ويقال للغني : مقو لقوته على ما يريد، والمعنى : فيها متاعاً ومنفعة للفقراء والأغنياء لا غنى لأحد عنها، وقال المهدوي : الآية تصلح للجميع لأنّ النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير.

الواقعة 56:74

ولما ذكر تعالى ما يدل على وجوب وحدانيته وقدرته وإنعامه على سائر الخلق خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم أو كل أحد من الناس بقوله تعالى :﴿فسبح﴾ أي : أوقع التنزيه العظيم من كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولاسيما بعد بلوغ هذه الأدلة ﴿باسم﴾ أي : ملتبساً بذكر اسم ﴿ربك﴾ أي : المحسن إليك بهذا البيان الأعظم. فائدة : أثبتوا ألف الوصل هنا في اسم ربك لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل على الحذف منه، ولذا لا تحذف مع غير الباء في اسم الله ولا مع الباء في غير الجلالة الكريمة من الأسماء وقد أوضحت ذلك في مقدمتي على البسملة والحمدلة.

الواقعة 56:75

ولما كان المقام للعظمة قال الله تعالى :﴿العظيم﴾ أي : الذي ملأ الأكوان كلها عظمة فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزيهاً عن أن يلحقه شائبة نقص أو يفوته شيء من كمال، فالعظيم صفة للاسم أو الرب، والاسم قيل : بمعنى الذات وقيل : زائد أي : فسبح ربك واختلف في «لا » في قوله تعالى :﴿فلا أقسم﴾ فقال أكثر المفسرين : معناه فاقسم ولا صلة مؤكدة بدليل قوله تعالى بعد ذلك :﴿وإنه لقسم﴾ ومثلها في قوله تعالى :﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] والتقدير : ليعلم وقال بعضهم أنها حرف نفي وإنّ المنفي بها محذوف وهو كلام الكافر الجاهل والتقدير فلا حجة بما يقوله الكافر ؛ ثم ابتدأ قسماً بما ذكر وضعف هذا بأنّ فيه حذف اسم لا وخبرها قال أبو حيان : ولا ينبغي فإنّ القائل بذلك مثل سعيد بن جبير تلميذ حبر القرآن وهو عبد الله بن عباس، ويبعد أن يقول سعيد إلا بتوقيف، وقال بعضهم : إنها لام الابتداء والأصل : فلأقسم فأشبعت الفتحة فتولد منها ألف كقول بعضهم : أعوذ بالله من العقراب قال الزمخشري : ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين : أحدهما : أن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة والإخلال بها ضعيف قبيح، والثاني : أن لأفعلنّ في جواب القسم للاستقبال وفعل القسم يجب أن يكون للحال. واختلف أيضاً في معنى قوله عز وجلّ :﴿بمواقع النجوم﴾ فقال أكثر المفسرين : بمساقطها لغروبها، قال الزمخشري : ولعل الله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً عظيمة مخصوصة وللملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين ونزول الرحمة والرضوان عليهم، فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله تعالى :﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾

الواقعة 56:76

﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ وقال عطاء بن رباح : أراد بمواقعها منازلها، قال الزمخشري : وله في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف، وقال الحسن : مواقعها انكدارها وانتثارها يوم القيامة ؛ وقال ابن عباس والسدي : المراد نجوم القرآن أي أوقات نزولها ؛ وقال الضحاك : هي الأنواء التي كانت الجاهلية تقول إذا مطروا : مطرنا بنوء كذا، وقال القشيري : هو قسم ولله أن يقسم بما يريد وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة فإن قيل لو تعلمون جوابه ماذا ؟ أجيب : بأنه مقدّر تقديره لعظمتموه أي : لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم ولكنكم ما علمتموه فعلم أنكم لا تعلمون، وقرأ بموقع حمزة والكسائي بسكون الواو ولا ألف بعدها والباقون بفتح الواو ألف بعدها.

الواقعة 56:77

وقوله تعالى :﴿إنه﴾ أي : القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم إفهامها ﴿لقرآن﴾ أي : جامع سهل ذو أنواع جليلة ﴿كريم﴾ أي : بالغ الكرم منزه عن كل شائبة لؤم ودناءة هو المقسم عليه، وفي الكلام اعتراضان أحدهما : الاعتراض بقوله تعالى :﴿وإنه لقسم﴾ بين القسم والمقسم عليه، والثاني الاعتراض بقوله تعالى :﴿لو تعلمون﴾ بين الصفة الموصوف. تنبيه : من كرم هذا القرآن العظيم كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق بسفارة روح القدس، مشتملاً على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد وبلسان العرب الذين اتفقت علماء الفرق على أنّ لسانهم أفصح الألسن، وعلى وجه أعجز العرب كافة وبقية الخلق أجمعين.

الواقعة 56:78

واختلف في معنى قوله تعالى :﴿في كتاب﴾ أي : مكتوب ﴿مكنون﴾ أي : مصون فالذي عليه الأكثر أنه المصحف سمي قرآنا لقرب الجوار على الاتساع ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ ». أراد به المصحف.

الواقعة 56:79

وقوله تعالى :﴿لا يمسه﴾ خبر بمعنى النهي ولو كان باقياً على خبرتيه لزم منه الخلف لأنّ غير المطهر يمسه وخبر الله تعالى لا يقع فيه خلف لأنّ المراد بقوله تعالى :﴿إلا المطهرون﴾ لا المحدثون وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل العلم وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما ؛ وقال ابن عادل : والصحيح أنّ المراد بالكتاب : المصحف الذي بأيدينا لما روى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم «لا يمس القرآن إلا طاهر »، وقال ابن عمر قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر » وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالمصحف ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ فقام فاغتسل وأسلم، وعلى هذا قال قتادة وغيره معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس انتهى. وقال ابن عباس :﴿مكنون﴾ محفوظ عن الباطل والكتاب هنا كتاب في السماء، وقال جابر : هو اللوح المحفوظ، أي : لقوله تعالى :﴿بل هو قرآن مجيد ٢١ في لوح محفوظ﴾ [ البروج : ٢١ ٢٢ ] وقال عكرمة : التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، وقال السدي : الزبور وقيل : لا من «لا يمسه » نافية والضمة في لا يمسه ضمة إعراب وعلى هذا ففي الجملة وجهان : أحدهما : أن محلها الجرّ صفة لكتاب، والمراد به : إمّا اللوح المحفوظ والمطهرون حينئذ الملائكة، أو المراد به المصحف والمراد بالمطهرون الملائكة كلهم، والثاني : محلها رفع صفة لقرآن والمراد بالمطهرين : الملائكة فقط أي : لا يطلع عليه، لأنّ نسبة المس إلى المعاني متعذرة وقيل : إنها ناهية والفعل بعدها مجزوم لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى :﴿لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أدغم، ولما أدغم حرّك بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، وفي الحديث :«إنا لم نرده عليكما إلا أنا حرم » بضم الدال، وإن كان القياس يقتضي جواز فتحها تخفيفاً، وبهذا ظهر فساد رد من رد بأنّ هذا لو كان نهياً كان يقال لا يمسه بالفتح لأنه خفي عليه وانضم ما قبل الهاء في هذا التحويل لا يجوّز سيبويه غيره. واختلفوا في المس المذكور في الآية فقال أنس وسعيد بن جبير : لا يمس ذلك إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة وقال أبو العالية وابن زيد : هم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، وقال الكلبي : هم السفرة الكرام البررة وهذا كله قول واحد وهو اختيار مالك، وقال الحسن : هم الملائكة الموصوفون في سورة عبس في قوله تعالى :﴿صحف مكرمة ١٣ مرفوعة مطهرة ١٤ بأيدي سفرة ١٥ كرام بررة﴾ [ عبس : ١٣ ١٦ ] وقيل : معنى لا يمسه لا ينزل به إلا المطهرون أي : إلا الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء ولا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، ولو كان المراد طهر الحدث لقال المتطهرون أو المطهرون بتشديد الطاء ومن قال بالأوّل قال : المطهرون يعني المتطهرون. تنبيه : اختلف العلماء في مس المصحف وحمله على غير وضوء فالجمهور على المنع من مسه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم وهو مذهب عليّ وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي، وأما الحمل فلأنه أبلغ من المس سواء حمله بعلاقته أم في كمه أم على رأسه وسواء مس نفس الأسطر أم ما بينها أم الحواشي أم الجلد أم العلاقة أم الخريطة أم الصندوق إذا كان المصحف فيهما، وسواء مس بأعضاء الوضوء أم بغيرها ؛ وقال جماعة بجواز مسه وحمله واحتجوا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل كتاباً فيه قرآن، وهرقل محدث يمسه هو وأصحابه، وبأنّ الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار، وبأنه إذا لم تحرم القراءة فالحمل والمس أولى، وبأنه يجوز حمله في أمتعة. وأجيب عن الأوّل : بأنّ ذلك الكتاب كان فيه آيتان ولا يسمى مصحفاً ولا ما في معناه وبأنه لو كان كتاباً قد تضمن مع القرآن دعاء إلى الإسلام فلم يكن القرآن بانفراده مقصوداً فجاز تغليباً للمقصود فيه، وعن الثاني : بأنه أبيح للصبيان للضرورة لأنهم غير مكلفين، وعن الثالث : بأن القراءة أبيحت للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت وبأنا لا نسلم الأولوية المذكورة بدليل أن الكافر لا يمنع من القراءة ويمنع من حمل المصحف ومسه، وعن الرابع : بأن جواز حمل المصحف في الأمتعة محله إذا لم يكن المصحف مقصود بالحمل. وقال آخرون بحرمة المس دون الحمل واحتجوا بأنّ المحرم يحرم عليه مس الطيب دون حمله، وأجيب عنه : بأنه غير صحيح لأنّ حمل المصحف أبلغ في الاستيلاء عليه من مسه، فلما حرم الأدنى كان تحريم الأعلى أولى ولأن تحريم المصحف إنما هو لحرمته فاستوى فيه مسه وحمله بخلاف طيب المحرم فإنّ تحريمه مقصور على الاستمتاع به وليس في حمله استمتاع به، ولو لف كمه على يده وقلب به أوراق المصحف حرم عليه لأنّ القلب يقع باليد لا بالكم بخلاف قلب ذلك بعود، ويحرم كتب شيء من القرآن أو من أسماءه تعالى بنجس أو على نجس ومسه به إذا كان غير معفو عنه، ولو خاف على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه في يد كافر جاز حمله مع الحدث بل يجب ذلك صيانة للمصحف، ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث ويلزمه أن يتيمم إن وجد التراب ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم للنهي عنه في الصحيحين، وخرج المصحف غيره نحو كتب الفقه والحديث وكتب التفسير، فلا يحرم حملها ولا مسها إلا أن يكون القرآن أكثر من التفسير أو مساوياً له فيحرم الحمل والمس لأنه حينئذ في معنى المصحف وفي ذلك زيادة ذكرتها في شرح المنهاج وغيره.

الواقعة 56:80

وقوله تعالى :﴿تنزيل﴾ أي : منزل إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب للإفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم إلى حكم بوسائط الرسل من الملائكة ﴿من رب العالمين﴾ أي : الخالق العالم بتربيتهم صفة القرآن أي : القرآن منزل من عند رب العالمين سمى المنزل تنزيلاً على اتساع اللغة كقوله تعالى :﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١] وأوثر المصدر لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر، وفي ذلك رد على قول من قال : بأن القرآن شعر أو سحر أو كهانة.

الواقعة 56:81

﴿أفبهذا الحديث﴾ أي : القرآن الذي تقدمت أوصافه العالية وهو يتجدد إليكم إنزاله وقتاً بعد وقت ﴿أنتم مدهنون﴾ أي : متهاونون كمن يدهن في الأمر أي : يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به، قال ابن برّجان : الأدهان والمداهنة : الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز ا. ه. قال البقاعي : فهو على هذا إنكار على من سمع أحداً يتكلم في القرآن بما لا يليق ثم لا يجاهره بالعداوة، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص، وابن الفارض صاحب التائية، أول من صوبت إليه هذه الآية فإنهم تكلموا في القرآن على وجه يبطل الدين أصلاً ورأساً ويحله عروة عروة، فهم أضر الناس على هذا الدين ومن يتأوّل لهم أو ينافح عنهم أو يعتذر لهم أو يحسن الظنّ بهم مخالف لإجماع الأمّة أنجس حالاً منهم فإنّ مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه ا. ه. وجرى ابن المقري في روضه على كفر من شك في كفر طائفة ابن العربي الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد، وهو بحسب ما فهمه من ظاهر كلامهم، ولكن كلام هؤلاء جار على اصطلاحهم إذا اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره، والمعتقد منهم لمعناه معتقد لمعنى صحيح ؛ وأمّا من اعتقد ظاهره من جهلة الصوفية الذين لا علم عندهم بل أكثرهم يدعي أنّ العلم حجاب ومدعي ذلك هو المحجوب فإنه يعرّف فإن استمرّ على ذلك بعد معرفته صار كافراً. فنسأل الله تعالى التوفيق والعصمة.

الواقعة 56:82

ولما كان هذا القرآن متكفلاً بسعادة الدارين قال تعالى :﴿وتجعلون رزقكم﴾ أي : حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله ﴿أنكم تكذبون﴾ فتضعون الكذب مكان الشكر كقوله تعالى :﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ [الأنفال: ٣٥] أي : لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة، قال القرطبي : وفيه بيان أنّ ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة أو صبر إن كان مكروهاً تعبداً له وتذللاً، وعن ابن عباس : أنّ المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب مطرنا بنوء كذا ؛ ورواه علي بن أبي طالب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال :«مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر فقال بعضهم : هذه رحمة الله تعالى وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا قال : فنزلت هذه الآية ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ حتى بلغ ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ ». وفيه أيضاً «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن دعوت الله تعالى لكم فسقيتم لعلكم أن تقولوا هذا المطر بنوء كذا فقالوا : يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء فصلى ركعتين ودعا الله تعالى، فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء كذا ولم يقل هذا من رزق الله تعالى فنزلت ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ ». أي : شكراً الله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون : سقينا بنوء كذا كقول القائل : جعلت إحساني إليك إساءة منك إليّ وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني عدوّاً، قال الشافعي : لا أحب لأحد أن يقول مطرنا بنوء كذا وإن كان النوء عندنا الوقت لا يضرّ ولا ينفع ولا يمطر ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحب أن يقول : مطرنا وقت كذا كما يقول مطرنا شهر كذا، ومن قال مطرنا بنوء كذا وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما يقول أهل الشرك فهو كافر حلال دمه إن لم يتب. وحاصله إن اعتقد أنّ النوء هو الفاعل حقيقة فهو كافر وإلا فيكره له ذلك كراهة تنزيه، وسبب الكراهة : أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظنّ بقائلها ولأنها من شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم.

الواقعة 56:83

ثم بين سبحانه أنه لا فاعل لشيء في الحقيقة سواه بقوله تعالى :﴿فلولا﴾ وهي : أداة تفهم طلباً بزجر وتوبيخ وتقريع بمعنى فهلا ولم لا ﴿إذا بلغت الحلقوم﴾ أي : بلغت الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار الحلقوم، أضمرت من غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة، وفي الحديث :«أن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئاً فشيئاً حتى تنتهي إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت ». والحلقوم مجرى الطعام في الحلق والحلق مساغ الطعام والشراب معروف فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى جهة اللسان.

الواقعة 56:84

﴿وأنتم﴾ أي : والحال أنكم أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له ﴿حينئذ﴾ أي : بلغت الروح ذلك الموضع ﴿تنظرون﴾ أي : إلى أمري وسلطاني، أو إلى الميت ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر ولم يقل : تبصرون لئلا يظنّ أنّ لهم إدراكاً بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح ونحوها.

الواقعة 56:85

﴿ونحن﴾ أي : والحال أنا نحن بما لنا من العظمة ﴿أقرب إليه﴾ أي : المحتضر بعلمنا وقدرتنا ﴿منكم﴾ على شدّة قربكم منه، قال عامر بن قيس : ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليّ منه ﴿ولكن لا تبصرون﴾ من البصيرة أي : لا تعلمون ذلك.

الواقعة 56:86

﴿فلولا﴾ أي : فهلا ﴿إن كنتم﴾ أيها المكذبون بالعبث ﴿غير مدينين﴾ أي : مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم، أو مقهورين مملوكين مجزيين محاسبين بما عملتم في دار البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين، من دانه إذا ذله واستعبده، وأصل تركيب دان للذل والانقياد قاله البيضاوي.

الواقعة 56:87

﴿ترجعونها﴾ أي : الروح إلى ما كانت عليه ﴿إن كنتم﴾ كوناً ثابتاً ﴿صادقين﴾ فيما زعمتم فلولا الثانية تأكيد للأولى، وإذ ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان ؛ والمعنى : أنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء أن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولاً صادقاً قلتم ساحر كذاب، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم صدق نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد.

الواقعة 56:88

ثم ذكر تعالى طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال عز من قائل :﴿فأما إن كان﴾ المتوفى ﴿من المقرّبين﴾ السابقين الذين اجتذبهم الحق من أنفسهم فقرّبهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين، وليس القرب قرب مكان لأنه تعالى منزه عنه وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة البشرية ليصير الإنسان روحاً خالصاً كالملائكة لا سبيل إلى الحظوظ والشهوات عليها.

الواقعة 56:89

وقوله تعالى :﴿فروح﴾ مبتدأ خبره مقدّر قبله أي : فله روح، أي : راحة ورحمة وما ينعشه من نسيم الريح. وقال سعيد بن جبير : فله فرج، وقال الضحاك : مغفرة ورحمة ﴿وريحان﴾ أي : رزق عظيم ونبات حسن بهيج وأزاهير طيبة الرائحة، وقال مقاتل : هو بلسان حمير رزق، يقال : خرجت أطلب ريحان الله أي : رزقه ؛ وقيل : هو الريحان الذي يشم ؛ قال أبو العالية : لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه ؛ وقال أبو بكر الوراق : الروح النجاة من النار والريحان دخول دار القرار ﴿وجنت﴾ أي : بستان جامع الفواكه والرياحين ﴿نعيم﴾ أي : ذات تنعم ليس فيها غيره وأهله مقصورة عليهم. تنبيه : جنت هنا مجرورة التاء ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، فالكسائي بالإمالة في الوقف على أصله، والباقون بالتاء على المرسوم.

الواقعة 56:90

﴿وأما إن كان﴾ المتوفى ﴿من أصحاب اليمين﴾ أي : الذين هم في الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة.

الواقعة 56:91

﴿فسلام لك﴾ أي : يا صاحب اليمين ﴿من﴾ إخوانك ﴿أصحاب اليمين﴾ أي : يسلمون عليك كقوله تعالى :﴿إلا قيلاً سلاماً سلاما﴾ وقال القرطبي : فسلام لك من أصحاب اليمين أي : لست ترى منهم إلا ما تحبّ من السلامة فلا تهتم لهم فإنهم يسلمون من عذاب الله تعالى ؛ وقيل المعنى : سلام لك منهم، أي : أنت سالم من الاعتمام لهم والمعنى واحد ؛ وقيل : أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم ؛ وقيل معناه : سلمت أيها العبد مما تكره فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك ؛ وقيل : إنه يحيى بالسلام تكرّماً ؛ وعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقوال : أحدها : عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت قاله الضحاك، وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام، الثاني : عند مسألته في القبر يسلم عليه منكر ونكير، الثالث : عند بعثه في القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها ؛ قال القرطبي : ويحتمل أن يسلم عليه في المواطن الثلاثة ويكون ذلك إكراماً بعد إكرام.

الواقعة 56:92

ولما ذكر تعالى الصنفين الناجيين أتبعهما الهالكين جامعاً لهم في صنف واحد لأنّ من أريدت له السعادة يكفيه ذلك ومن ختم له بالشقاوة والعياذ بالله تعالى لا ينفعه الإغلاظ والإكثار فقال تعالى :﴿وأما إن كان﴾ المتوفى ﴿من المكذبين﴾ الذين أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تتقطع أكبادكم له ولا تقدرون له على شيء أصلاً ﴿الضالين﴾ أي : عن الهدى وطريق الحق.

الواقعة 56:93

﴿فنزل من حميم﴾ كما قال تعالى :﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون﴾ [الواقعة: ٥١] إلى أن قال :﴿فشاربون شرب الهيم﴾ [الواقعة: ٥٤] وقال تعالى :﴿ثم إنّ لهم عليها لشوباً من حميم﴾ [الصافات: ٦٧] أي : ماء متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض كما يبادر به للقادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه.

الواقعة 56:94

﴿وتصلية جحيم﴾ أي : ونزل من تصلية جحيم، والمعنى : إدخال في النار ؛ وقيل : إقامة في الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها، يقال : أصلاه النار وصلاه أي : جعله يصلاها والمصدر هنا مضاف إلى المفعول كما يقال : لفلان إعطاء ما له أي : يعطي المال.

الواقعة 56:95

﴿إن هذا﴾ أي : الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به في قولهم : إننا لمبعوثون ومن قيام الأدلة عليه ﴿لهو حق اليقين﴾ أي : حق الخبر اليقين أي : لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر، وقيل : إنما جاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما وذلك من باب إضافة المترادفين.

الواقعة 56:96

ولما حقق له تعالى إلى هذا اليقين سبب عن أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتنزيه عما وصفوه به مما يلزم منه وصفه بالعجز فقال تعالى :﴿فسبح﴾ أي : أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد والقول والفعل بالصلاة وغيرها بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من الأسماء الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه نفسه عنه ﴿باسم ربك﴾ أي : المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه أحداً غيرك وإذا كان هذا لاسمه فكيف بما هو له ﴿العظيم﴾ الذي ملأت عظمته جميع الأقطار والأكوان وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه، لأنّ من له هذا الخلق على هذا الوجه المحكم وهذا الكلام الأعز الأكرم لا ينبغي لشائبة نقص أن تلم بجنابه أو تدنو من فناء بابه، وعن عقبة بن عامر قال :«لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم ». خرجه أبو داود وعن أبي ذر قال :«قال لي عليه الصلاة والسلام : ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله تعالى سبحان الله وبحمده ». وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم » هذا الحديث آخر حديث في البخاري وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال :«سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة ».