Lafzullah

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الحديد 57:1 – الجمعة 62:11

المؤلف / المصدر: الشربيني (ت 977هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27787)

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:2
  3. الحديد 57:3
  4. الحديد 57:4
  5. الحديد 57:5
  6. الحديد 57:6
  7. الحديد 57:7
  8. الحديد 57:8
  9. الحديد 57:9
  10. الحديد 57:10
  11. الحديد 57:11
  12. الحديد 57:12
  13. الحديد 57:13
  14. الحديد 57:14
  15. الحديد 57:15
  16. الحديد 57:16
  17. الحديد 57:17
  18. الحديد 57:18
  19. الحديد 57:19
  20. الحديد 57:20
  21. الحديد 57:21
  22. الحديد 57:22
  23. الحديد 57:23
  24. الحديد 57:24
  25. الحديد 57:25
  26. الحديد 57:26
  27. الحديد 57:27
  28. الحديد 57:28
  29. الحديد 57:29
  30. المجادلة 58:1
  31. المجادلة 58:2
  32. المجادلة 58:3
  33. المجادلة 58:4
  34. المجادلة 58:5
  35. المجادلة 58:6
  36. المجادلة 58:7
  37. المجادلة 58:8
  38. المجادلة 58:9
  39. المجادلة 58:10
  40. المجادلة 58:11
  41. المجادلة 58:12
  42. المجادلة 58:13
  43. المجادلة 58:14
  44. المجادلة 58:15
  45. المجادلة 58:16
  46. المجادلة 58:17
  47. المجادلة 58:18
  48. المجادلة 58:19
  49. المجادلة 58:20
  50. المجادلة 58:21
  51. المجادلة 58:22
  52. الحشر 59:1
  53. الحشر 59:2
  54. الحشر 59:3
  55. الحشر 59:4
  56. الحشر 59:5
  57. الحشر 59:6
  58. الحشر 59:7
  59. الحشر 59:8
  60. الحشر 59:9
  61. الحشر 59:10
  62. الحشر 59:11
  63. الحشر 59:12
  64. الحشر 59:13
  65. الحشر 59:14
  66. الحشر 59:15
  67. الحشر 59:16
  68. الحشر 59:17
  69. الحشر 59:18
  70. الحشر 59:19
  71. الحشر 59:20
  72. الحشر 59:21
  73. الحشر 59:22
  74. الحشر 59:23
  75. الحشر 59:24
  76. الممتحنة 60:1
  77. الممتحنة 60:2
  78. الممتحنة 60:3
  79. الممتحنة 60:4
  80. الممتحنة 60:5
  81. الممتحنة 60:6
  82. الممتحنة 60:7
  83. الممتحنة 60:8
  84. الممتحنة 60:9
  85. الممتحنة 60:10
  86. الممتحنة 60:11
  87. الممتحنة 60:12
  88. الممتحنة 60:13
  89. الصف 61:1
  90. الصف 61:2
  91. الصف 61:3
  92. الصف 61:4
  93. الصف 61:5
  94. الصف 61:6
  95. الصف 61:7
  96. الصف 61:8
  97. الصف 61:9
  98. الصف 61:10
  99. الصف 61:11
  100. الصف 61:12
  101. الصف 61:13
  102. الصف 61:14
  103. الجمعة 62:1
  104. الجمعة 62:2
  105. الجمعة 62:3
  106. الجمعة 62:4
  107. الجمعة 62:5
  108. الجمعة 62:6
  109. الجمعة 62:7
  110. الجمعة 62:8
  111. الجمعة 62:9
  112. الجمعة 62:10
  113. الجمعة 62:11

الحديد 57:1

ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث جاءت هذه لتقرير ذلك التنزيه فقال تعالى :﴿سبح لله﴾ أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال ﴿ما في السماوات﴾ أي : الإجرام العالية والذي فيها ﴿والأرض﴾ والذي فيها أي : نزهه كل شيء فاللام مزيدة وجيء بما دون من تغليباً للأكثر ﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿العزيز﴾ الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي : الذي أتقن كل شيء صنعه، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها.

الحديد 57:2

﴿له﴾ أي : وحده ﴿ملك السماوات والأرض﴾ وما فيهما وما بينهما ظاهراً أو باطناً فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك ورياح وسحاب مرئية وغير ذلك مما يحيط به علمه تعالى والملك الباطن الغائب عنا وأعظمه المضاف إلى الآخرة وهو الملكوت ﴿يحيي﴾ أي : له صفة الإحياء فيحيي ما شاء من الخلق بأن يوجده على صفة الحياة كيف شاء في أطوار يقلبها كيف شاء ومما شاء ﴿ويميت﴾ أي : له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجدد والاستمرار فهو قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء ﴿وهو على كل شيء﴾ أي : من الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن ﴿قدير﴾ أي : بالغ القدرة.

الحديد 57:3

﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الأول﴾ بالأزلية قبل كل شيء فلا أوّل له، والقديم الذي منه وجود كل شيء، وليس وجوده من شيء لأنّ كل ما نشاهده متأثر لأنه متغير وكل ما كان كذلك فلا بدّ له من موجد غير متأثر ولا متغير ﴿والآخر﴾ أي : بالأبدية الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء باق فلا آخر له، لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأنّ كل ما سواه متغير وكل ما تغير بنوع من التغير جاز إعدامه وما جاز إعدامه فلا بدّ له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه ﴿والظاهر﴾ أي : الغالب العلي على كل شيء ﴿والباطن﴾ أي : العالم بكل شيء هذا معنى قول ابن عباس، وقال يمان : هو الأوّل القديم والآخر الرحيم والظاهر الحكيم والباطن العليم ؛ وقال السدي : هو الأول ببره إذ عرفك توحيده والآخر بجوده إذ عرفك التوبة على ما جنيت والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذ عصيته فستر عليك ؛ وقال الجنيد : هو الأول بشرح القلوب والآخر بغفران الذنوب والظاهر بكشف الكروب والباطن بعلم الغيوب ؛ وسأل عمر كعباً عن هذه الآية فقال : معناها أن علمه بالأوّل كعلمه بالآخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ أي : لكون الأشياء عنده على حد سواء والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه وتعالى فلا باطن من الخلق عنده بل هم في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم. فإن قيل : ما معنى هذه الواوات ؟ أجيب : بأنّ الواو الأولى : معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية ؛ والثالثة : أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأمّا الوسطى : فعلى أنه الجامع بين الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الآخريين فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والحاضرة والآتية وهي في جميعها ظاهر وباطن جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك بالحواس ؛ قال الزمخشري : وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة وهذا على رأيه الفاسد وهو على رأي المعتزلة المنكرين رؤية الله تعالى في الآخرة ؛ وأما أهل السنة فإنهم يثبتون الرؤية للأحاديث الدالة على ذلك من غير تشبيه ولا تكييف تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ؛ وعن سهل قال : كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول : اللهمّ ربّ السماوات والأرض ربّ العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحبّ والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهمّ أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من فضلك. وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

الحديد 57:4

﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الذي خلق السماوات﴾ وجمعها لعلم العرب بتعددها ﴿والأرض﴾ أي : الجنس الشامل للكل وأفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعدّدها وقال تعالى :﴿في ستة أيام﴾ أي : من أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة سناً للتأني في الأمور وتقدير للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل يوم خلقه باسمه الجمعة على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع نهاية المخلوقات وقوله تعالى :﴿ثم استوى على العرش﴾ أي : السرير كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه، كما يقال في ملوكنا جلس فلان على سرير الملك بمعنى : أنه انفرد بالتدبير لا يكون هناك سرير فضلاً عن جلوس وأتى بأداة التراخي تنبيهاً على عظمته ﴿يعلم ما يلج﴾ أي : يدخل دخولاً يغيب فيه ﴿في الأرض﴾ أي : من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك في غاية البعد فإنّ الأماكن كلها بالنسبة إليه تعالى على حد سواء في القرب والبعد ﴿وما يخرج منها﴾ كذلك. تنبيه : في التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصارا بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدّد مستمرّاً إلى حين خرابهما ﴿وما ينزل من السماء﴾ من الوحي والأمطار والحرّ والبرد وغيرها من الأعيان والمنافع التي يوجدها سبحانه وتعالى من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم ﴿وما يعرج﴾ أي : يصعد ويرتقي ويغيب ﴿فيها﴾ كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها ولم يجمع السماء لأنّ المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس الشامل للكل ﴿وهو معكم﴾ بالعلم والقدرة أيها الخلق ﴿أينما كنتم﴾ لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالى الله عن اتصال بالعالم ومماسة أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة ﴿والله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ أي : على سبيل التجدّد والاستمرار ﴿بصير﴾ أي : عالم بجليله وحقيرة فيجازيكم به وقدم الجار لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقيق الإحاطة.

الحديد 57:5

﴿له﴾ أي : وحده ﴿ملك السماوات﴾ وجمع لاقتضاء المقام له ﴿والأرض﴾ وأفرد لخفاء تعدّدها عليهم مع إرادة الجنس، ودل على إرادة ملكه وإحاطته بقوله تعالى :﴿وإلى الله﴾ أي : الملك الذي لا كفؤ له وحده ﴿ترجع﴾ بكل اعتبار على غاية السهولة ﴿الأمور﴾ أي : كلها حساً لبعث ومعنى بالابتداء والإفناء ودل على ذلك بقوله تعالى :﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور﴾.

الحديد 57:6

﴿يولج﴾ أي : يدخل ويغيب بالنقص والمحو ﴿الليل في النهار﴾ فإذا هو قد قصر بعد طوله وقد انمحى بعد شخوصه وحلوله، وزاد النهار وملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام ﴿ويولج النهار﴾ الذي عمّ الكون ضياؤه ﴿في الليل﴾ الذي كان قد غاب في علمه فإذا الظلام قد طبق الآفاق فيزيد الليل والطول الذي كان في النهار قد صار نقصاً ﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي : بما فيها من الأسرار والمعتقدات على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها.

الحديد 57:7

ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه قال تعالى آمراً بالإذعان له ولرسوله صلى الله عليه وسلم :﴿آمنوا﴾ أي : أيها الثقلان ﴿بالله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا مثل له ﴿ورسوله﴾ الذي عظمته من عظمته، ونزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك ﴿وأنفقوا﴾ أي : في سبيل الله ﴿مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ أي : من الأموال التي في أيديكم فإنها أموال الله تعالى لأنها بخلقه وإنشائه لها، وإنما موّلكم إياها وخولكم بالاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرّف فيها فليست هي بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم. ولما أمر تعالى بالإنفاق ووصفه بما سهله سبب عنه ما يرغب فيه فقال تعالى :﴿فالذين آمنوا منكم وأنفقوا﴾ من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح على ما دلّ عليه التعبير بالإنفاق ﴿لهم أجر كبير﴾ أي : لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم، وخصهم بالذكر بقوله تعالى :﴿منكم﴾ لضيق في زمانهم، وقيل : إنّ ذلك إشارة إلى عثمان فإنه جهز جيش العسرة.

الحديد 57:8

وقوله تعالى :﴿وما﴾ أي : وأيّ شيء ﴿لكم﴾ من الأعذار أو غيرها في أنكم أو حال كونكم ﴿لا تؤمنون بالله﴾ أي : تجدّدون الإيمان تجديداً مستمراً بالملك الأعلى، أي : الذي له الملك كله والأمر كله خطاب للكفار، أي : لا مانع لكم بعد سماعكم ما ذكر ﴿والرسول﴾ أي : والحال أن الذي له الرسالة العامة ﴿يدعوكم﴾ في الصباح والمساء ﴿لتؤمنوا﴾ أي : لأجل أن تؤمنوا ﴿بربكم﴾ الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمّة هذا النبيّ الكريم فشرفكم به ﴿وقد﴾ أي : والحال أنه قد ﴿أخذ ميثاقكم﴾ أي : وقع أخذه فصار في غاية القباحة، ترك التوثق بسبب نصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول وذلك كله منضم إلى أخذ الذرّية من ظهر آدم عليه السلام حين أشهدهم على أنفسهم ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقرأ أبو عمرو : بضم الهمزة وكسر الخاء ورفع القاف على البناء للمفعول ليكون المعنى : من أيّ أخذ كان من غير نظر إلى معين وقرأ الباقون بفتح الهمزة والخاء ونصب القاف على البناء للفاعل والآخذ هو الله القادر على كل شيء العالم بكل شيء، والحاصل : أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان فلم يؤاخذهم حتى أرسل الرسل ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي : مريدين الإيمان فبادروا إليه.

الحديد 57:9

﴿هو﴾ أي : لا غيره ﴿الذي ينزل﴾ أي : على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿على عبده﴾ الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿آيات﴾ أي : علامات هي من ظهورها حقيقة أن يرجع إليها ويتعبد بها ﴿بينات﴾ أي : واضحات وهي آيات القرآن الكريم ﴿ليخرجكم﴾ أي : الله بالقرآن أو عبده بالدعوة ﴿من الظلمات﴾ التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة الكاملة على تراكم الجهل، فمن آتاه الله تعالى العلم والإيمان فقد أخرجه من هذه الظلمات التي طرأت عليه ﴿إلى النور﴾ الذي كان له وصفاً لروحه وفطرته الأولى السليمة ﴿وإن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿بكم لرؤوف رحيم﴾ أي : حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة، والباقون بالمدّ، وورش على أصله بالمدّ والتوسط والقصر، وليس قصره كقصر أبي عمرو ومن معه وإنما قصره كمدّ قالون ومن وافقه.

الحديد 57:10

﴿وما﴾ أي : وأي شيء يحصل ﴿لكم﴾ في ﴿أن لا تنفقوا﴾ أي : توجدوا الإنفاق للمال ﴿في سبيل الله﴾ أي : في كل ما يرضى الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ليكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة، فإنه ما يبخل أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شرّ ﴿ولله﴾ أي : الذي له صفات الكمال لاسيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث ﴿ميراث السماوات والأرض﴾ أي : يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال فمن تأمّل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه وطوارق الحوادث مطبقة به وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله. ثم بين تعالى التفاوت بين المنفقين منهم فقال تعالى :﴿لا يستوي منكم من أنفق﴾ أي : أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه ﴿من قبل الفتح﴾ أي : الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي كان سبباً لظهور الدين الحق ﴿وقاتل﴾ سعياً في إنفاق نفسه لمن آمن به قبل الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً وقله الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، وفضل الأوّل لما ناله إذ ذاك بالإنفاق من كثرة المشاق لضيق المال حينئذ، وفي هذا دليل على فضل أبي بكر فإنه أوّل من أنفق لم يسبقه في ذلك أحد، وخاصم الكفار حتى ضرب ضرباً شديداً أشرف منه على الهلاك، روى محمد بن فضيل عن الكلبي : أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعن ابن عمر قال :«كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال : مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها بخلال ؟ فقال : أنفق ماله عليّ قبل الفتح قال : فإنّ الله عز وجل يقول : اقرأ عليه السلام وقل له : أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال أبو بكر : أسخط على ربي إني عن ربي راض » ﴿أولئك﴾ أي : المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبيّ صلى الله عليه وسلم «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلع مدّ أحدهم ولا نصيفه » لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال ﴿أعظم درجة﴾ وتعظيم الدرجة يكون لعظم صاحبها ﴿من الذين أنفقوا من بعد﴾ أي : من بعد الفتح ﴿وقاتلوا﴾ أي : من بعد الفتح ﴿وكلا﴾ أي : وكل واحد من الفريقين ﴿وعد الله﴾ أي : الذي له الجلال والإكرام ﴿الحسنى﴾ أي : المثوبة الحسنى وهي : الجنة مع تفاوت الدرجات، وقرأ ابن عامر : برفع اللام على الابتداء أي : وكل وعده ليطابق ما عطف عليه والباقون بنصبها أي : وعد كلا ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ أي : تجدّدون عمله على الأوقات ﴿خبير﴾ أي : عالم بباطنه وظاهره علماً لا مزيد عليه بوجه فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر النيات التي هي أرواح صورها. تنبيه : التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدين وقد يكون في أحكام الدنيا فأمّا التقدّم في أحكام الدين فقالت عائشة «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم وأعظم المنازل مرتبة الصلاة » وقد قال صلى الله عليه وسلم في مرضه :«مروا أبا بكر فليصل بالناس » وقال :«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله » وقال :«فليؤمكما أكبركما » وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين فمن قدّم في الدين قدّم في الدنيا، وفي الحديث «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا » وفي الحديث :«ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه ».

الحديد 57:11

ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى :﴿من﴾ وأكد بالإشارة بقوله تعالى :﴿ذا﴾ لأجل ما للنفوس من الشح ﴿الذي يقرض الله﴾ أي : يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز لأنه إذا أعطى المستحق ما له لوجه الله تعالى فكأنه أقرضه إياه ﴿قرضاً حسناً﴾ أي : طيباً خالصاً مخلصاً فيه متحرياّ به أفضل الوجوه من غير منّ وكدر بتسويف وغيره ﴿فيضاعفه له﴾ أي : يؤتي أجره من عشرة إلى أكثر من سبعمائة كما ذكره في البقرة إلى ما شاء الله تعالى من الأضعاف، وقيل : القرض الحسن أن يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال زيد بن أسلم : هو النفقة على الأهل، وقال الحسن : التطوع بالعبادات، وقرأ ابن عامر وعاصم بنصب الفاء بعد العين والباقون بالرفع وقرأ ابن كثير وابن عامر بغير ألف بعد الضاد وتشديد العين، والباقون بألف بعد الضاد وتخفيف العين ﴿وله﴾ أي : للمقرض زيادة على ذلك ﴿أجر﴾ لا يعلم قدره إلا الله تعالى وهو معنى وصفه بقوله تعالى :﴿كريم﴾ أي : حسن طيب زاك تامّ.

الحديد 57:12

وقوله تعالى :﴿يوم﴾ ظرف لقوله تعالى :﴿وله أجر كريم﴾ أو منصوب بإضمار أذكر أي : واذكر يوم ﴿ترى﴾ أي : بالعين ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ أي : الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة ﴿يسعى نورهم﴾ أي : ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة ﴿بين أيديهم وبأيمانهم﴾ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أنّ الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم فيجعل النور في الجهتين شعار لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومرّوا على الصراط يسعون يسعى معهم ذلك النور حبيباً لهم ومتقدّماً، والأوّل : نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقبولة، والثاني : نور الإنفاق لأنه بالإيمان نبه عليه الرازي وقال قتادة : ذكر لنا أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم «قال من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ودون ذلك حتى أنّ من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه ». وقال عبد الله بن مسعود :«يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نوراً نوره على إبهامه فيطفأ مرة ويتقد أخرى ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة :﴿بشراكم اليوم﴾ أي : بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان. تنبيه :﴿بشراكم اليوم﴾ مبتدأ واليوم ظرف وقوله تعالى :﴿جنات﴾ خبره على حذف مضاف أي : دخول جنات وهو المبشر به ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به بقوله :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ ثم آمنهم من خوف الانقطاع بقوله تعالى :﴿خالدين فيها﴾ أي : خلوداً لا آخر له لأنّ الله تعالى أورثهم ذلك فلا يورث عنه لأنّ الجنة لا موت فيها ﴿ذلك﴾ أي : هذا الأمر العظيم المتقدّم من النور والبشرى بالجنات المخلدة ﴿هو الفوز العظيم﴾ أي : الذي ملأ بعظمته جميع جهاتهم.

الحديد 57:13

ولما شرح تعالى حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين بقوله :﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات﴾ وهم المظهرون الإيمان المبطنون الكفر. تنبيه : يوم بدل من يوم ترى أو منصوب بأذكر ﴿للذين آمنوا﴾ أي : ظاهراً وباطناً ﴿انظرونا﴾ أي : انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف على ركائب تزف بهم وهؤلاء مشاة، أو انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به، وقرأ حمزة : بقطع الهمزة في الوصل وكسر الظاء والباقون بوصل الهمزة ورفع الظاء، وأما الوقف على آمنوا والابتداء بانظرونا فحمزة على حاله كما يقرأ في الوصل، والباقون بضم همزة الوصل في الابتداء والظاء على حالها من الضم ﴿نقتبس﴾ أي : نستضيء ﴿من نوركم﴾ أي : هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه شيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء، ﴿جزاء وفاقاً﴾ [النبأ: ٢٦] وذلك لأنّ الله تعالى يضيء للمؤمنين نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضاً نوراً خديعة لهم وهو قوله تعالى :﴿وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢] فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأت نور المنافقين فذلك قوله تعالى :﴿يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: ٨] الآية مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين والقبس الشعلة من النار أو السراج، قال ابن عباس وأبو إمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة ؛ قال الماوردي : أظنها بعد فصل القضاء ثم يعطون نوراً يمشون فيه ؛ وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين :﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ قيل لهم جواباً لسؤالهم ؛ قال ابن عباس يقول لهم المؤمنون : أي : قول ردّ وتوبيخ وتهكم وتنديم ﴿ارجعوا وراءكم﴾ أي : ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا النور ﴿فالتمسوا نوراً﴾ هناك فمن ثم يقتبس أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا والتمسوا نوراً آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم، وقال قتادة : تقول لهم الملائكة : ارجعوا وراءكم من حيث جئتم، وقرأ هشام والكسائي : بضم القاف والباقون بكسرها. ولما كان التقدير فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة سبب عنه وعقب قوله تعالى :﴿فضرب بينهم﴾ أي : بين المؤمنين والمنافقين ﴿بسور﴾ أي : حائط حائل بين شق الجنة وشق النار ﴿له﴾ أي : لذلك السور ﴿باب﴾ موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن أذن له الله تعالى من المؤمنين لما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم بشفاعة أو نحوها ﴿باطنه﴾ أي : ذلك السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب ﴿فيه الرحمة﴾ وهي ما لهم من الكرامة لأنه يلي الجنة التي هي ساترة تبطن من فيها بأشجارها وبأستارها كما كانت بواطنهم ملآنة رحمة ﴿وظاهره﴾ أي : ما ظهر لأهل النار ﴿من قبله﴾ أي : من عنده ومن جهته ﴿العذاب﴾ وهو الظلمة والنار لأنه يليها لاقتصار أهلها على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن، وروي عن عبد الله بن عمر أنّ السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم.

الحديد 57:14

وقال ابن سريج : كان كعب يقول : في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى :﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ الآية، وقيل : السور عبارة عن منع المنافقين عن طلب المؤمنين ﴿ينادونهم﴾ أي : ينادي المنافقون الذين آمنوا ويترققون لهم ﴿ألم نكن معكم﴾ أي : في الدنيا نصلي ونصوم فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الذي كنا معكم فيه ﴿قالوا﴾ أي : الذين آمنوا ﴿بلى﴾ أي : كنتم معنا في الظاهر ﴿ولكنكم فتنتم أنفسكم﴾ أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة ﴿وتربصتم﴾ أي : بالإيمان والتوبة وبمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم : يوشك أن يموت فنستريح منه ﴿وارتبتم﴾ أي : شككتم في الدين وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفيما وعدكم به ﴿وغرّتكم الأمانيّ﴾ أي : ما تتمنون من الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء ﴿حتى جاء أمر الله﴾ أي : قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له ولا خلف وقرأ قالون وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية، وأيضاً لهما إبدالها والباقون بتحقيقهما، وأمال الألف بعد الميم حمزة وابن ذكوان، والباقون بالفتح وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة الثانية مع المدّ والتوسط والقصر ﴿وغرّكم بالله﴾ أي : الملك الذي له جميع العظمة ﴿الغرور﴾ أي : من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان فإنه يزين لكم بغروره التسويف ويقول : إنّ الله غفور رحيم وعفو كريم وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنده وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو ذلك فلا يزال حتى يوقع الإنسان فإذا أوقعه واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده.

الحديد 57:15

﴿فاليوم﴾ أي : بسبب أفعالكم تلك ﴿لا يؤخذ منكم فدية﴾ أي : نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعوض للنفس على أي حال كان من قلة أو كثرة لأنّ الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لكم لانقياد أنفسكم، وقرأ ابن عامر بالتاء الفوقية على التأنيث والباقون بالتحتية على التذكير ﴿ولا من الذين كفروا﴾ أي : الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر، وإنما عطف الكافر على المنافق وإن كان المنافق كافراً في الحقيقة لأنّ المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير المنافق فحسن عطفه على المنافق ﴿مأواكم النار﴾ أي : منزلكم ومسكنكم لا مقر لكم غيرها تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات وإضاعة حقوق ذوي الحاجات، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وورش لا يبدل هذه الهمزة ثم أكد ذلك بقوله تعالى :﴿هي﴾ أي : لا غيرها ﴿مولاكم﴾ أي : هي أولى بكم وأنشد قول لبيد : فغدت كلا الفرجين تحسب أنه؍ مولى المخافة خلفها وأمامها؍ والشاهد في مولى المخافة فمولى بمعنى أولى والفرجان الجانبان وهو الخلف والقدام وهو وصف بقرة وحشية أي : غدت على حالة كلا جانبيها مخوف وحقيقته في الآية محراكم بحاء مهملة وراء أي : مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي : مكان، كقول القائل : إنه لكريم، ويجوز أن يراد هي ناصركم، أي : لا ناصر لكم غيرها، والمراد : نفي الناصر على البنات، وقيل : تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. ولما كان التقدير بئس المولى هي عطف عليه قوله تعالى :﴿وبئس المصير﴾ أي : هذه النار.

الحديد 57:16

واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿ألم يأن﴾ أي : يحن ويدرك وينتهي إلى الغاية ﴿للذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿أن تخشع﴾ أي : تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن ﴿قلوبهم لذكر الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذباً ويقوى في الدين من كان ضعيفاً فيعرض عن الفاني ويقبل على الباقي ولا يطلب لداء دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، وعن الحسن : أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل ما تقرؤون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق، وقيل : كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت ؛ وعن أبي بكر رضي الله عنه : أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم وقال : هكذا كنا حتى قست القلوب وقال الشاعر : ألم يأن لي يا قلب أن نترك الجهلا؍ وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا؍ وقوله تعالى :﴿وما نزل من الحق﴾ أي : القرآن عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر لأن القرآن جامع للأمرين للذكر والموعظة أو أنه حق نازل من السماوات ؛ ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله تعالى، وقرأ نافع وحفص بتخفيف الزاي والباقون بالتشديد وقوله تعالى :﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل﴾ أي : قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى معطوف على تخشع والمراد : النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى :﴿فطال عليهم الأمد﴾ أي : الأجل لطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم ﴿فقست﴾ أي : بسبب الطول ﴿قلوبهم﴾ أي : صلبت واعوجت بحيث لا تنفعل بالطاعات والخير فكانوا كل حين في تعنت جديد على أنبيائهم عليهم السلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد أنبيائهم فابعدوا في القساوة فمالوا إلى دار الكدر وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات ؛ قال القشيري : وقسوة القلب إنما تحصل باتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان ؛ وعن أبي موسى الأشعري : أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد قرؤوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاقرؤه ولا تطيلوا عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ﴿وكثير منهم﴾ أخرجته قساوته عن الدين أصلاً ورأسا فهم ﴿فاسقون﴾ أي : عريقون في صفة الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي حدها لهم الكتاب حتى تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

الحديد 57:17

وقوله تعالى :﴿اعلموا أن الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء ﴿يحيي﴾ أي : على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه ﴿الأرض﴾ أي : بالنبات ﴿بعد موتها﴾ أي : يبسها تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم وإفاضة الأرواح عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة، ولإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته، لإحياء القلوب فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بأحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها وموتها. ولما انكشف الأمر بهذه غاية الانكشاف أنتج قوله تعالى :﴿قد بينا﴾ أي : على مالنا من العظمة ﴿لكم الآيات﴾ أي : العلامات النيرات ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي : لتكونوا عند من يعلم ذلك ويمنعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدائم بالاستمرار.

الحديد 57:18

وقرأ :﴿إن المصدقين﴾ أي : العريقين في هذا الوصف من الرجال ﴿والمصدقات﴾ أي : من النساء، ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق بالإيمان والباقون بالتشديد فيهما من التصدق أدغمت التاء في الصاد أي : الذين تصدقوا وقوله تعالى :﴿وأقرضوا الله﴾ أي : الذي له الكمال كله عطف على معنى الفعل في المصدقين لأنّ اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل : إنّ الذين أصدقوا وأقرضوا الله ﴿قرضاً حسناً﴾ أي : بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية والنفقة في سبيل الخير وحسنه ؛ كما قال الرازي : أن يصرف بصره عن النظر إلى فعله والنفقة وإلا متنا به وطلب العوض عليه ﴿يضاعف﴾ أي : ذلك القرض ﴿لهم﴾ من عشرة إلى سبعمائة كما مرّ لأنّ الذي كان له العرض كريم، وقرأ ابن كثير وابن عامر : بتشديد العين ولا ألف بينها وبين الضاد ؛ والباقون بتخفيف العين وبينها وبين الضاد ألف ﴿ولهم﴾ أي : مع المضاعفة ﴿أجر كريم﴾ أي : ثواب حسن وهو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم.

الحديد 57:19

ثم بين سبحانه وتعالى الحامل على الصدقة ترغيباً فيه وهو الإيمان فقال تعالى :﴿والذين آمنوا﴾ أي : أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم ﴿بالله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام ﴿ورسله﴾ أي : كلهم لأجل ما لهم من النسبة إليه فمن كذب واحد منهم لم يكن مؤمناً بالله تعالى :﴿أولئك﴾ أي : هؤلاء العالو الرتبة ﴿هم الصديقون﴾ أي : الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه ؛ وقال القشيري الصديق من استوى ظاهره وباطنه ؛ ويقال : هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص ولا يجنح للتأويلات ؛ وقال مجاهد : كل من آمن بالله تعالى ورسله عليهم السلام فهو صدّيق وتلا هذه الآية ؛ وقال الضحاك : الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله، واختلف في نظم قوله تعالى :﴿والشهداء عند ربهم﴾ أي : المحسن إليهم بالتربية لمثل تلك الرتبة العالية فمنهم من قال : هي متصلة بما قبلها والواو للنسق وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين، وقال الضحاك : هم التسعة الذين سميناهم رضي الله عنهم ؛ وقال مجاهد : كل مؤمن صدّيق وشهيد وتلا هذه الآية، وقال قوم : تم الكلام عند قوله تعالى :﴿هم الصديقون﴾ ثم ابتدأ بقوله تعالى :﴿والشهداء﴾ فهو مبتدأ وخبره ﴿لهم أجرهم﴾ أي : جعله ربهم لهم ﴿ونورهم﴾ أي : الذي زادهموه من فضله برحمته قالوا : والواو للاستئناف وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وجماعة ؛ ثم اختلفوا فيهم فمنهم من قال : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول مقاتل بن حيان، وقال مقاتل بن سليمان : هم الذين استشهدوا في سبيل الله عز وجل. ولما ذكر تعالى أهل السعادة جعلنا الله تعالى ووالدينا ومحبينا منهم جامعاً لأصنافهم أتبعهم أهل الشقاوة لذلك بقوله تعالى :﴿والذين كفروا﴾ أي : ستروا ما دلت عليه الأدلة ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي : على مالها من العظمة بنسبتها إلينا ﴿أولئك﴾ أي : هؤلاء البعداء من كل خير ﴿أصحاب الجحيم﴾ أي : النار التي هي غاية في توقدها وفي ذلك دليل على أنّ الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفاً، وأما غيرهم من العصاة فدخولهم فيها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة.

الحديد 57:20

ولما ذكر تعالى حال الفريقين في الآخرة حقر أمر الدنيا بقوله تعالى :﴿اعلموا﴾ أي : أيها العباد المبتلون بحب الدنيا ﴿أنما الحياة الدنيا﴾ أي : الحاضرة التي رغب في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن، وما مزيدة للتأكيد أي : الحياة في هذه الدار ﴿لعب﴾ أي : لعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان ﴿ولهو﴾ أي : شيء يفرح به الإنسان فيلهيه أي يشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك أعظم ما يلهي في الدنيا بقوله تعالى :﴿وزينة﴾ أي : شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان وأتبعها ثمرتها بقوله تعالى :﴿وتفاخر بينكم﴾ أي : كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض فيجر ذلك إلى الحسد والبغضاء وأتبع ذلك بما يحصل به الفخر بقوله تعالى :﴿وتكاثر﴾ أي : من الجانبين كتكاثر الرهبان ﴿في الأموال﴾ أي : التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها مائلة ﴿والأولاد﴾ أي : التي لا يغتر بها إلا سفيه لأنها زائلة وآفاتها هائلة وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره، ثم ذلك كله قد يكون ذهابه عن قريب فيكون على أضداد ما كان عليه فيكون أشد في الحسرة ثم في آخر ذلك يموت فإذا هو قد اضمحل أمره ونسى عما قليل ذكره وصار ماله لغيره وزينته متمتعاً بها سواه، فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها لأنها جيفة وطالب الجيفة ليس له خطر وأخسهم من يبخل بها، وقال علي لعمار : لا تحزن على الدنيا فإنّ الدنيا ستة أشياء : مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها تقتل الرجال، وأما المنكوح فهو النساء وهو مبال في مبال والله إنّ المرأة لتزين أحسنها فيراد منها أقبحها ا. ه. ويناسب بعض ذلك قول الشاعر : فخير لباسها نسجات دود؍ وخير شرابها قيء الذباب؍ وأشهى ما ينال المرء فيها؍ مبال في مبال مستطاب؍ قال القشيري : وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا ا. ه. أي : وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة ثم ضرب الله للدنيا مثلاً بقوله تعالى :﴿كمثل﴾ أي : هذا الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل ﴿غيث﴾ أي : مطر حصل بعد جدب وسوء حال ﴿أعجب الكفار﴾ أي : الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذر الذي يستره الحارث كما يستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان ﴿نباته﴾ أي : نبات ذلك الغيث كما يعجب الكافر في الغالب بسط الدنيا له استدراجاً من الله تعالى :﴿ثم يهيج﴾ أي : ييبس فيتم جفافه فيحين حصاده ﴿فتراه﴾ أي : عقب كل ذلك وبالقرب منه ﴿مصفراً﴾ أي : على حالة لا نموّ بعدها ﴿ثم﴾ أي : بعد تناهي الجفاف ﴿يكون﴾ أي : كونا كأنه مطبوع عليه ﴿حطاماً﴾ أي : فتاتاً يضمحل بالرياح. ولما ذكر تعالى الظل الزائل ذكر أثره الثابت الدائم مقسماً له إلى قسمين فقال تعالى :﴿وفي الآخرة عذاب شديد﴾ أي : على من آثر الدنيا وأخذها بغير حقها معرضاً عن ذكر الله تعالى وعن الآخرة هذا أحد القسمين، وأما القسم الآخر فهو : ما ذكره بقوله تعالى :﴿ومغفرة﴾ أي : ولمن أقبل على الآخرة ورفض الدنيا ولم تشغله عن ذلك الله تعالى مغفرة ﴿من الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿ورضوان﴾ أي : في جنة عالية تفضلاً منه تعالى ورحمة، وقوله تعالى جل وعلا :﴿وما الحياة الدنيا﴾ أي : لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة ﴿إلا متاع الغرور﴾ أي : هو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر تأكيد لما سبق، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

الحديد 57:21

ثم أرشدهم الله تعالى إلى المسابقة إلى الخيرات لأنّ الدنيا خيال ومحال، والآخرة بقاء وكمال بقوله تعالى : ﴿سابقوا﴾ أي : سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار ﴿إلى مغفرة﴾ أي : ستر لذنوبكم عيناً وأثراً ﴿من ربكم﴾ أي : المحسن إليكم بأنواع الخيرات التي توجب المغفرة لكم من ربكم، وقال الكلبي : سارعوا بالتوبة لأنها تؤدي إلى المغفرة، وقال مكحول : هي التكبيرة الأولى مع الإمام، وقيل : الصف الأول ﴿وجنة﴾ أي : وبستان هو من عظم أشجاره واطراد أنهاره بحيث يستر داخله ﴿عرضها كعرض السماء والأرض﴾ أي : السماوات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكان عرض الجنة في قدرها جميعاً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة، وقال مقاتل : إنّ السماوات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنان، وسأل عمر ناس من اليهود إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين النار ؟ فقال لهم : أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل ؟ فقالوا : إنه لمثلهما في التوراة. ومعناه : أنه حيث شاء الله وهذا عرضها ولا شك أن الطول أزيد من العرض فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك، وقيل إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في أنفسهم وأفكارهم وأكثر ما يقع في أنفسهم مقدار السماوات والأرض فشبه عرض الجنة بما تعرفه الناس ﴿أعدت﴾ أي : هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر ﴿للذين آمنوا﴾ أي : أوقعوا هذه الحقيقة ﴿بالله﴾ أي : الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له الإيمان ﴿ورسله﴾ فلم يفرقوا بين أحد منهم وفي هذا أعظم رجاء وأقوى أمل لأنه ذكر أنّ الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر، يدل عليه قوله تعالى في سياق الآية ﴿ذلك﴾ أي : الفضل العظيم جداً ﴿فضل الله﴾ أي : الملك الذي لا كفؤ له فلا اعتراض عليه ﴿يؤتيه من يشاء﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله لا بعمله، لما روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لن يدخل الجنة أحداً منكم عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمة ». ولا ينافي ذلك قوله تعالى :﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] لأنّ الباء في الحديث عوضيه، وفي الآية سببية، فإن قيل : يلزم على هذا أن يقطع بحصول الجنة لجميع العصاة وأن يقطع بأنه لا عقاب عليهم ؟ أجيب : بأنا نقطع بحصول الجنة ولا نقطع بنفي العقاب عنهم لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة بقوا فيها أبد الآباد فكانت معدة لهم ﴿والله﴾ أي : والحال أنّ الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله ﴿ذو الفضل العظيم﴾ أي : الذي جل أن تحيط بوصفه العقول.

الحديد 57:22

﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض﴾ أي : من قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمرات وغلاء الأسعار وتتابع الحوائج وغير ذلك ﴿ولا في أنفسكم﴾ أي : من الأمراض والفقر وذهاب الأولاد وضيق العيش وغير ذلك ﴿إلا في كتاب﴾ أي : مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى :﴿من قبل أن نبرأها﴾ أي : نخلق ونوجد ونقدر المصيبة في الأرض والأنفس، وهذا دليل على أنّ اكتساب العباد بخلقه سبحانه وتعالى وتقديره ﴿إن ذلك﴾ أي : الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل أن يخلقه ﴿على الله﴾ أي : لما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يسير﴾ لأن علمه محيط بكل شيء فقدرته شاملة لا يعجزه فيها شيء.

الحديد 57:23

ثم بين ثمرة إعلامه بذلك بقوله تعالى :﴿لكيلا﴾ أي : أعلمناكم بأنا على مالنا من العظمة قد فرغنا من التقدير فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير لا الحزن يدفعه ولا السرور يجلبه ويجمعه كما قال صلى الله عليه وسلم «يا معاذ ليقل همك ما قدر يكن » لأجل أن ﴿لا تأسوا﴾ أي : تحزنوا حزناً كبيراً زائداً على ما في أصل الجبلة فربما جرّ ذلك إلى السخط وعدم الرضا بالقضاء ﴿على ما فاتكم﴾ أي : من المحبوبات الدنيوية ﴿ولا تفرحوا﴾ أي : تسروا سروراً يوصلكم إلى البطر بالتمادي على ما في أصل الجبلة وقوله تعالى :﴿بما آتاكم﴾ قرأه أبو عمرو بقصر الهمزة، أي : جاءكم منه، والباقون بالمد أي أعطاكم قال جعفر الصادق رضي الله عنه : مالك تأسف على مفقود ولا يردّه عليك الفوت ومالك تفرح بموجود ولا يتركه في يدك الموت ا. ه. ولقد عزى الله تعالى المؤمنين رحمة بهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيده، وبأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا بادخاره عند الله تعالى وذلك بأن يقول : المصيبة قدر الله تعالى وما شاء فعل ويصبر ؛ وفي النعمة هكذا قضى وما أدري مآله هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فلا يزال خائفاً عند النعمة قائلاً في الحالين ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسروراً بذكر ربه في كلتا الحالتين، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة فمن لم يتغير بالمضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته كما أشار إليه القشيري ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً وغنيمته شكراً والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان تتعدى فيهما إلى ما لا يجوز ﴿والله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي : لا يفعل فعل المحب بأن يكرم ﴿كل مختال﴾ أي : متكبر نظراً إلى ما في يده من الدنيا ﴿فخور﴾ أي : به على الناس قال القشيري : الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر.

الحديد 57:24

وقوله تعالى :﴿الذين يبخلون﴾ بدل من كل مختال فخور فإنّ المختال بالمال يضن به غالباً ﴿ويأمرون الناس﴾ أي : كل من يعرفونه ﴿بالبخل﴾ إرادة أن يكونوا لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله تعالى :﴿ومن يتول﴾ أي : يكلف نفسه الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير والإقبال على الله تعالى :﴿فإن الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الغني الحميد﴾ لأنّ معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإنّ الله غني أي : عن ماله وعن إنفاقه وكل شيء مفتقر إليه وهو مستحق للحمد سواء أحمده الحامدون أم لا.

الحديد 57:25

﴿لقد أرسلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿رسلنا﴾ أي : الذين لهم نهاية الجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ومن الأنبياء إلى الأمم ﴿بالبينات﴾ أي : الحجج القواطع ﴿وأنزلنا﴾ أي : بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها ﴿معهم الكتاب﴾ أي : الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين ﴿والميزان﴾ أي : العدل، وقيل : الآلة روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام وقال مر قومك يزنوا به ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ أي : ليتعاملوا بينهم بالعدل ﴿وأنزلنا﴾ أي : خلقنا خلقا عظيماً بما لنا من القوة ﴿الحديد﴾ أي : المعروف على وجه من القوّة والصلابة واللين فلذلك سمي إيجاده إنزالاً ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وروي من آلة الحدادين السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة، وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به يقال : وقعت الحديدة أقعها أي : حددتها وفي الصحاح : الميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصار التي يدق عليها والمطرقة والمسن الطويل، وروي ومعه المبرد والمسحاة، وعن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض أنزل الحديد والنار والماء والملح ». وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :«أنزل ثلاثة أشياء مع آدم عليه السلام الحجر الأسود وكان أشد بياضاً من الثلج وعصا موسى عليه السلام وكانت من آس طولها عشرة أذرع مع طول موسى » ؛ وعن الحسن ﴿وأنزلنا الحديد﴾ خلقناه كقوله تعالى :﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ [الزمر: ٦] وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه ﴿فيه بأس﴾ أي : قوة وشدّة ﴿شديد﴾ أي : قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهو آلة الضرب ﴿ومنافع للناس﴾ بما يعمل منه من مرافقهم لتقوم أحوالهم بذلك قال البيضاوي : ما من صنعة إلا والحديد آلتها، وقال مجاهد : يعني جنة، وقيل : انتفاع الناس بالماعون الحديد كالسكين والفأس ونحو ذلك، وروي أنّ الحديد أنزل في يوم الثلاثاء فيه بأس شديد، أي مهراق الدماء ولذلك نهي عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه الدم ؛ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«أن في يوم الثلاثاء ساعة لا يراق فيها الدم ». وقوله تعالى :﴿وليعلم الله﴾ أي : الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، عطف على قوله تعالى :﴿ليقوم الناس﴾ أي : لقد أرسلنا رسلنا وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس وليعلم الله ﴿من ينصره﴾ أي : ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره وقوله تعالى :﴿ورسله﴾ عطف على مفعول ينصره أي : وينصر رسله وقوله تعالى :﴿بالغيب﴾ حال من هاء ينصره، أي : غائباً عنهم في الدنيا، قال ابن عباس رضي الله عنهما : ينصرونه ولا يبصرونه ﴿إن الله﴾ أي : الذي له العظمة كلها ﴿قوي﴾ أي : فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أوليائه ﴿عزيز﴾ فهو غير مفتقر إلى نصرة أحد وإنما دعا عباده إلى نصرة دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي لبناء هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب.

الحديد 57:26

ولما أجمل الرسل في قوله تعالى :﴿لقد أرسلنا رسلنا﴾ فصل هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب فقال تعالى :﴿ولقد أرسلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿نوحاً﴾ وهو الأب الثاني وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر الجلال ﴿وإبراهيم﴾ وهو أبو العرب والروم وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله وجعلنا الأغلب على رسالته تجلى الإكرام ﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿في ذريتهما النبوّة﴾ فلا يوجد نبي إلا من نسلهما ﴿والكتاب﴾ أي : الكتب الأربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الكتاب الخط بالقلم يقال : كتب كتاباً وكتابة والضمير في قوله تعالى :﴿فمنهم مهتد﴾ يعود على الذرية لتقدم ذكرها لفظاً وقيل : يعود على المرسل إليهم لدلالة أرسلنا، أي : هو بعين الرضا منا وهو من لزم طريقة الأصفياء وإن كان من أولاد الأعداء ﴿وكثير منهم﴾ أي : المذكورين ﴿فاسقون﴾ أي : هم بعين السخط وإن كانوا من أولاد الأصفياء، والمراد بالفاسق هاهنا : الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين، وقيل : هو الذي ارتكب الكبيرة سواء أكان كافراً أم لم يكن لإطلاق هذا الاسم وهو يشمل الكافر وغيره.

الحديد 57:27

﴿ثم قفينا﴾ أي : أتبعنا بما لنا من العظمة ﴿على آثارهم﴾ أي : الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل أو عاصرهما منهم ﴿برسلنا﴾ أي : فأرسلناهم واحداً في أثر واحد كموسى وإلياس وداود وغيرهم، ولا يعود الضمير على الذرية لأنها باقية مع الرسل وبعدهم وأيضاً الرسل المقفى بهم من الذرية ﴿وقفينا﴾ أي : أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تندرس ﴿بعيسى بن مريم﴾ وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه وهو آخر من جاء قبل النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام فأمته أولى الأمم باتباعه صلى الله عليه وسلم ﴿وآتيناه﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿الإنجيل﴾ كتاباً ضابطاً لما جاء به مقيماً لملته مبشراً بالنبيّ العربيّ موضحاً لأمره مكثراً من ذكره ﴿وجعلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ﴿في قلوب الذين اتبعوه﴾ أي : على دينه بغاية جهدهم فكانوا على منهاجه ﴿رأفة﴾ أي : أشدّ رقة على من كان ينسب إلى الاتصال بهم ﴿ورحمة﴾ أي : رقة وعطفاً على من لم يكن له سبب في الاتصال بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أنّ قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين متوادين بعضهم لبعض وقوله تعالى :﴿ورهبانية﴾ منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر وهو قوله تعالى :﴿ابتدعوها﴾ قال أبو علي : ابتدعوا رهبانية ابتدعوها فتكون المسألة من باب الاشتغال وإلى هذا نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة إلا أن هذا يقال : إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون : ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له فالرحمة والرأفة لما كانتا من فعل الله تعالى نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل الله تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه، وقيل : إن رهبانية معطوفة على رأفة ورحمة، وجعل إما بمعنى خلق أو بمعنى صيّر وابتدعوها على هذا صفة الرهبانية، وإنما خصت بذكر الابتداع لأنّ الرأفة والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكلف للإنسان فيهما بخلاف الرهبانية فإنها أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب، لكن أبو البقاء منع هذا بأن ما جعله الله تعالى ليبتدعونه. وجوابه : ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك بها والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلو واللباس والخشن والاعتزال عن النساء والتعبد في الكهوف والغيران. روي أنّ ابن عباس رضي الله عنهما قال : في أيام الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم غير الملوك التوراة والإنجيل فساح نفر وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا ؛ قال الضحاك : إن ملوكاً بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقي بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع. وقال قتادة : الرهبانية التي ابتعدوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع هي لحوقهم بالبراري والجبال. وقوله تعالى :﴿ما كتبناها﴾ صفة لرهبانية ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك، قال ابن زيد : معناه ما فرضناها ﴿عليهم﴾ ولا أمرنا هم بها في كتابهم ولا على لسان رسولهم وقوله تعالى :﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ أي : الملك الأعظم استثناء منقطع، أي : ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، وقيل : متصل بما هو مفعول من أجله والمعنى : ما كتبناها عليهم الشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله ويكون كتب بمعنى : قضى فصار المعنى : كتبناها عليهم ابتغاء مرضاة الله ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ أي : ما قاموا بها حق القيام بل ضموا إليها التثليث وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم وآمنوا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فآتينا﴾ أي : بما لنا من صفات الكمال ﴿الذين آمنوا﴾ أي : بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿منهم أجرهم﴾ أي : اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف ﴿وكثير منهم﴾ أي : من هؤلاء الذين ابتدعوها فضيعوا ﴿فاسقون﴾ أي : عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدّها الله تعالى وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه السلام، روى البغوي بسنده عن ابن مسعود أنه قال :«دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم فرقة غزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى وفرقة لم يكن لهم طاقة بمعاداة الملوك ولا أن يقيموا بين أظهرهم فدعوهم إلى دين الله تعالى ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد فترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل :﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ » ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم «من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ». وعن ابن مسعود أيضاً قال :«كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال : يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ فقلت الله ورسوله أعلم، قال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزموا أهل الإيمان ثلاث مرار فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء قتلونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله تعالى النبيّ الذي وعدنا عيسى عليه السلام يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم فتفرّقوا في غيران الجبال وأحدثوا الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ إلى قوله تعالى :﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ يعني من ثبت عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله أعلم قال : الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة ». وعن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ لكلّ أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى » وعن ابن عباس قال : كانت ملوك بني إسرائيل بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله تعالى : فقيل لملوكهم : لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل وإلا فما بدلوا منهما فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا، فقالت طائفة : ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وقالت طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا، وقالت طائفة : ابنوا لنا دوراً في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقر فلا نرد عليكم ولا نراكم ففعلوا بهم ذلك، فمضى أولئك على منهاج عيسى عليه السلام، وخلف قوم من بعدهم ممن غير الكتاب فجعل الرجل يقول : نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قوله عز وجلّ :﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ يعني : الذين اتبعوها ابتغاء مرضاة الله ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ هم الذين جاؤوا من بعدهم قال : فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا وصدّقوا فقال الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾.

الحديد 57:28

﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : بموسى وعيسى عليهما السلام إيماناً صحيحاً ﴿اتقوا الله﴾ أي : خافوا عقاب الملك الأعظم ﴿وآمنوا برسوله﴾ محمد صلى الله عليه وسلم إيماناً مضموماً إلى إيمانكم بمن تقدّمه، هذا إذا كان خطاباً لمؤمني أهل الكتاب، وأمّا إذا كان خطاباً للمؤمنين من أهل الكتاب وغيرهم، فالمعنى : آمنوا برسوله إيماناً مضموماً إلى إيمانكم بالله تعالى فإنه لا يصح الإيمان بالله إلا مع الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم ﴿يؤتكم﴾ أي : يثبكم على اتباعه ﴿كفلين﴾ أي : نصيبين ضخمين ﴿من رحمته﴾ يحصنانكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقي مقدّمه على الكاهل ومؤخره على العجز وهذا التحصين لأجل إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن تقدّمه مع خفة العمل ورفع الآصار، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخاً ببركة الإسلام. وقيل : الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم وقال أبو موسى الأشعري : كفلين ضعفين بلسان الحبشة، وقال ابن زيد : كفلين أجر الدنيا وأجر الآخرة، وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ثلاث يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوّجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده » ﴿ويجعل لكم﴾ أي : مع ذلك ﴿نوراً﴾ مجازياً في الدنيا من العلوم والمعارف القلبية وحسياً في الآخرة بسبب العمل ﴿تمشون به﴾ أي : مجازاً في الدنيا بالتوفيق للعمل وحقيقة في الآخرة بسبب العمل، وقال مجاهد : النور هو البيان والهدى، وقال ابن عباس : هو القرآن، وقال الزمخشري : هو النور المذكور في قوله تعالى :﴿نورهم يسعى﴾ [التحريم: ٨] وقيل : يمشون في الناس يدعونهم إلى الإسلام فيكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياستكم فيه وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى لا الرياسة الحقيقية في الدين ﴿ويغفر لكم﴾ أي : ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجدّ ﴿والله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : بليغ المحو للذنوب عيناً وأثر ﴿رحيم﴾ أي : بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه.

الحديد 57:29

ولما بلغ من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى :﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ قالوا للمسلمين : أمّا من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا ومن لم يؤمن منا فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا فأنزل الله تعالى :﴿لئلا يعلم﴾ أي : ليعلم ولا زائدة للتأكيد ﴿أهل الكتاب﴾ الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن والمعنى أنهم ﴿لا يقدرون على شيء﴾ في زمن من الأزمان ﴿من فضل الله﴾ أي : الملك الأعلى فلا أجر لهم ولا نصيب في فضله إن لم يؤمنوا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد : قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت الآية. وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادّعوا الفضل عليهم فنزلت، وقيل : المراد من فضل الله الإسلام، وقيل : الثواب، وقال الكلبي : من رزق الله وقيل : نعم الله تعالى التي لا تحصى ﴿وأنّ﴾ أي : وليعلموا أن ﴿الفضل﴾ أي : الذي لا يحتاج إليه من هو عنده ﴿بيد الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿يؤتيه من يشاء﴾ لأنه قادر مختار فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين ﴿والله﴾ أي : الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿ذو الفضل العظيم﴾ أي : مالكه ملكاً لا ينفك ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلاً فلذلك يخص من يشاء بما يشاء. روى البخاري عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر :«إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة : ربنا هؤلاء أقل عملاً وأكثر أجراً قال : هل ظلمتكم من أجركم شيئاً ؟ قالوا : لا، قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء » وفي رواية «فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : ربنا » الحديث، وفي رواية «إنما أجلكم في أجل من كان قبلكم خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس » ؟ «وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال : من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعلمت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال : من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال الله تعالى : هل ظلمتكم من حقكم شيئاً ؟ قالوا : لا، قال : فإنه فضلي أوتيه من شئت ». وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم : لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملاً فأبوا وتركوا واستأجر آخرين من بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال : أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر آخرين على أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كلاهما فذلك مثلهم ومثل ما بقوا من هذا النور ».

المجادلة 58:1

﴿قد سمع الله﴾ أي : أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات ﴿قول التي تجادلك﴾ أي : تراجعك أيها النبيّ ﴿في زوجها﴾ المظاهر منها روي «أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مرّ بها في خلافته وهو على حمار والناس معه، فاستوقفته طويلاً ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميراً ثم قيل لك : عمر ثم قيل لك : أمير المؤمنين فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت ومن أيقن بالحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها فقيل له : يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الموقف فقال : والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز هي : خولة بنت ثعلبة سمع الله تعالى قولها من فوق سبع سموات أيسمع ربّ العالمين قولها ولا يسمعه عمر » وعن عائشة :«تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهمّ إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل بهذه الآية ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية. وروي «أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها، قال عروة : وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال لها : أنت عليّ كظهر أمي وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إنّ أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ فلما علا سني ونثرت بطني أي : كثر ولدي جعلني عليه كأمّه فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت : والله ما ذكر طلاقاً وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما آراك إلا حرمت عليه أو أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه، هتفت وقالت : أشكو إلى الله فاقتي وشدّة حالي وأنّ لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهمّ أني أشكو إليك، فأنزل على لسان نبيك وكان هذا أوّل ظهار في الإسلام، فأنزل الله تعالى :﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها وقال : ما حملك على ما صنعت قال : الشيطان فهل من رخصة ؟ فقال : نعم وقرأ عليه الأربع آيات فقال له هل تستطيع العتق فقال لا والله فقال هل تستطيع الصوم ؟ فقال لا والله إني إن أخطأني أن آكل في اليوم مرّة أو مرتين لكل بصري ولظننت أني أموت قال : فأطعم ستين مسكيناً، قال : ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكيناً ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : مريه أن يعتق رقبة فقالت : أيّ رقبة والله لا يجد رقبة وما له خادم غيري، فقال : مريه أن يصوم شهرين، فقالت : والله ما يقدر على ذلك إنه يشرب في اليوم كذا كذا مرّة، فقال : مريه فليطعم ستين مسكيناً، فقالت : أنّى له ذلك » ﴿وتشتكي﴾ أي : تتعمد بتلك المجادلة الشكوى منتهية ﴿إلى الله﴾ أي : سؤال الملك الأعظم الرحمة الذي أحاط بكل شيء علماً. فإن قيل : ما معنى قد في قوله تعالى :﴿قد سمع﴾ أجيب : بأنّ معناها التوقع لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله تعالى مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها لصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله إنّ الله تعالى يكشف كربتها ﴿والله﴾ أي : والحال أنّ الذي وسعت رحمته كلّ شيء، لأنّ له الأمر كله ﴿يسمع تحاوركما﴾ أي : تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب ﴿إن الله﴾ أي : الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿سميع﴾ أي : بالغ السمع لكل مسموع ﴿بصير﴾ أي : بالغ البصر لكل ما يبصر فهما صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة وهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متصفاً بهما.

المجادلة 58:2

ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم استأنف الإخبار عن حكم الأمر المجادل بسببه فقال تعالى :﴿الذين يظهرون﴾ أي : يوجدون الظهار في أي زمان كان وقوله تعالى :﴿منكم﴾ أي : أيها العرب المسلمون توبيخ لهم وتهجين لعادتهم لأنّ الظهار كان خاصاً بالعرب دون سائر الأمم فنبه تعالى على أنّ اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس عن هذا الكلام لأنّ الكذب لم يزل مستهجناً عندهم في الجاهلية ثم زاده الإسلام استهجاناً ﴿من نسائهم﴾ أي : يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله تعالى عليهم ظهور أمّهاتهم. والظهار لغة : مأخوذ من الظهر لأنّ صورته الأصلية أن يقول لزوجته : أنت عليّ كظهر أمي، وخصوا الظهر دون البطن والفخذ وغيرهما لأنه موضع الركوب والمرأة مركوب الزوج. وقيل : من العلو قال تعالى :﴿فما اسطاعوا أن يظهروه﴾ [الكهف: ٩٧] أي : أن يعلوه وكان طلاقاً في الجاهلية، وقيل : في أوّل الإسلام ويقال : كان في الجاهلية إذا كره أحدهم امرأته أنه ولم يرد أن تتزوج بغيره آلى منها أو ظاهر فتبقى لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره ؛ فغير الشارع حكمه إلى تحريمها بعد العود ولزوم الكفارة كما سيأتي. وحقيقته الشرعية : تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلاله وسمى هذا المعنى ظهاراً لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وله أركان أربعة : مظاهر ومظاهره منها وصيغة ومشبه به وشرط في المظاهر كونه زوجاً يصح طلاقه، وشرط في المشبه به كونه كلّ أنثى محرم أو جزء أنثى محرم لم تكن حلاله كابنته وأخته، وشرط في الصيغة لفظ يشعر بالظهار صريح كأنتِ أو رأسك أو بدنك كظهر أمي أو كجسمها أو بدنها أو كناية كانت أمي أو كعينها أو غيرها مما يذكر للكرامة كرأسها أو روحها ويصح تأقيته وتعليقه، وأصل يظهرون يتظهرون أدغمت التاء في الظاء وقرأ ﴿الذين يظاهرون﴾ و﴿الذي يظاهرون﴾ عاصم بضم الياء وتخفيف الظاء وبعدها ألف وتخفيف الهاء مكسورة، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظاء وتخفيف الهاء مع فتحها وبين الظاء والهاء ألف، والباقون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء ولا ألف بينهما ﴿ما هنّ﴾ أي : نساؤهم ﴿أمهاتهم﴾ أي : على الحقيقة ﴿إن﴾ أي : ما ﴿أمهاتهم﴾ أي : حقيقة ﴿إلا اللائي ولدنهم﴾ ونساؤهم لم يلدنهم فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هنّ ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح كأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنهنّ أمّهات لما لهنّ من حق الإكرام والاحترام والإعظام ؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أعظم في أبوة الدين من أبي النسب، وكذا المرضعات، لما لهنّ من حق الرضاع الذي هو وظيفة الأمّ بالأصالة. وأمّا الزوجة فمباينة لجميع ذلك. وقرأ قالون وقنبل : بالهمزة المكسورة ولا ياء بعدها، وقرأ ورش والبزي وأبو عمرو بتسهيل الهمزة مع المدّ والقصر وللبزي وأبو عمر وأيضاً موضع الهمزة ياء ساكنة مع المدّ والباقون بهمزة مكسورة وبعدها ياء وهم على مراتبهم في المدّ ﴿وإنهم﴾ أي : المظاهرون ﴿ليقولون﴾ أي : في هذا التظهر على كلّ حالة ﴿منكراً من القول﴾ إذ الشرع أنكره وهو حرام اتفاقاً كما نقل عن الرافعي في باب الشهادات ﴿وزوراً﴾ أي : قولاً مائلاً عن السداد منحرفاً عن القصد، لأنّ الزوجة معدّة للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان والأمّ في غاية البعد عن ذلك. فإن قيل : المظاهر إنما قال : أنت عليّ كظهر أمي فشبه بأمه ولم يقل أنها أمّه فما معنى أنه منكر من القول وزور والزور الكذب وهذا ليس بكذب. أجيب : بأنّ قوله هذا إن كان خبراً فهو كذب وإن كان إنشاء فهو كذلك لأنه جعله سبباً للتحريم والشرع لم يجعله سبباً لذلك، وأيضاً فإنما وصف بذلك لأنّ الأم مؤبدة التحريم والزوجة لا يتأبد تحريمها بالظهار فهو زور محض. فإن قيل : قوله تعالى :﴿إلا اللائي ولدنهم﴾ يقتضي أن لا أمّ إلا الوالدة وهذا مشكل بقوله تعالى :﴿وأمّهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣] وقوله تعالى :﴿وأزواجه أمّهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦]. أجيب : بأنّ الشارع ألحقهنّ بالوالدات لما مر ﴿وإن الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره ﴿لعفوّ﴾ أي : من صفاته أن يترك عقاب من شاء ﴿غفور﴾ أي : من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره.

المجادلة 58:3

ثم بين أحكام الظهار بقوله تعالى :﴿والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ والعود في ظهار غير مؤقت من غير رجعية أن يمسكها بعد ظهاره مع علمه بوجود الصفة في المعلق زمن إمكان فرقة ولم يفارق، لأن العود للقول مخالفته، يقال : قال فلان قولاً ثم عاد له وعاد فيه أي : خالفه ونقضه، وهو قريب من قولهم عاد في هبته، ومقصود الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه، فلو اتصل بظهاره جنونه أو إغماؤه أو فرقة بموت أو فسخ من أحدهما بمقتضية كعيب بأحدهما أو بطلاق بائن أو رجعي ولم يراجع فلا عود، والعود في ظهار غير مؤقت من رجعية سواء أطلقها عقب الظهار أم قبله أن يراجع. ولو ارتد متصلاً بالظهار بعد الدخول ثم أسلم في العدّة فلا عود بالإسلام بل بعده، والفرق أنّ الرجعة إمساك في ذلك النكاح والإسلام بعد الردّة تبديل للدّين الباطل بالحق والحّل تابع له فلا يحصل به إمساك وإنما يحصل بعده فالعود في ظهار مؤقت يحصل بتغييب حشفة أو قدرها من فاقدها في المدّة ويجب في العود به وإن حلّ نزع لما غيبه، كما لو قال : إن وطأتك فأنت طالق لحرمة الوطء قبل التكفير كما سيأتي وانقضاء المدة واستمرار الوطء وطء، ولما كان المبتدأ الموصول يتضمن معنى الشرط أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرّر الوجوب بتكرير سببه فقال عز من قائل :﴿فتحرير﴾ أي : فعليهم بسبب هذا الظهار والعود تحرير ﴿رقبة﴾ مؤمنة فلا تجزئ كافرة قال تعالى في كفارة القتل :﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] وألحق بها غيرها قياساً عليها بجامع حرمة سببيهما من القتل والظهار أو حملاً للمطلق على المقيد كما في حمل المطلق في قوله تعالى :﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] على المقيد في قوله تعالى :﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] بلا عوض ولا بعيب يخل بعمل فيجزئ صغير ولو ابن يوم وأقرع وأعرج يمكنه تباع مشي بأن يكون عرجه غير شديد وأعور لم يضعف عوره بصر عينه السليمة ضعفاً يخل بالعمل وأصم وأخرس يفهم الإشارة وتفهم عنه وأخشم وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه لا فاقد رجل أو خنصر وبنصر من يد أو أنملتين من كلّ منهما أو فاقد أنملتين من أصبع غيرهما أو فاقد أنملة إبهام لا خلال كل من الصفات المذكورة بالعمل. ولا يجزئ مريض لا يرجى برؤه ولم يبرأ كيد شلاء وهرم بخلاف من يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه إذا برئ، ولا مجنون إفاقته أقلّ من جنونه تغليباً للأكثر، ويجزئ معلق عتقه بصفة بأن ينجز عتقه بنية الكفارة أو معلقه كذلك بصفة أخرى وتوجد قبل الأولى، ويجزئ نصفا رقبتين أعتقهما عن كفارة باقيهما أو في أحدهما كما استظهره بعضهم، ويجزئ إعتاق رقبتيه عن كفارتيه لأجعل العتق المعلق كفارة عند وجود الصفة ولا مستحق عتق كأم ولد وصحيح كتابة ﴿من قبل أنّ يتماسا﴾ أي : يتجدّد بينهما مس روى أبو داود وغيره «أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها : لا تقربها حتى تكفّر ». وكالتكفير مضى مدة المؤقت لانتهائه بها وحمل التماس هنا لشبه الظهار بالحيض على التمتع بما بين السرّة والركبة ومن حمله على الوطء ألحق به التمتع بغيره فيما بينهما، ولو ظاهر من أربع بكلمة كأنتن كظهر أمي فإن أمسكهنّ فأربع كفارات لوجود سببها أو ظاهر منهنّ بأربع كلمات ولو متوالية فعائد من غير أخيرة، ولو كرر في امرأة متصلاً تعدد الظهار إن قصد استئنافاً، ويصير المظاهر بالاستئناف عائداً ﴿ذلكم﴾ أي : ذلك الحكم بالكفارة ﴿توعظون به﴾ أي : أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة بالكمال ﴿بما تعملون﴾ أي : تجدّدون فعله ﴿خبير﴾ أي : عالم بظاهره وباطنه فهو عالم بما يكفره فافعلوا بما أمر به وقفوا عند حدوده، وإنما يلزم الإعتاق عن الكفارة من ملك رقيقاً أو ثمنه فاضلاً عن كفاية ممونة من نفسه وغيره. قال الرافعي : وسكتوا عن تقدير مدة ذلك ويجوز أن تقدر بالعمر الغالب وأن تقدّر بسنة ا. ه. والذي عليه الجمهور هو : الأوّل ولا يلزمه بيع عقار ورأس تجارة وماشية لا يفضل دخلها عن غلة العقار وربح مال التجارة وفوائد الماشية من نتاج وغيره عن كفاية ممونة ولا بيع مسكن ورقيق نفيسين ألفهما ولا يلزمه شراء بغبن.

المجادلة 58:4

﴿فمن لم يجد﴾ أي : الرقبة بأن عجز المكفر عن الإعتاق حساً أو شرعاً وقت أداء الكفارة ﴿فصيام﴾ أي : فعليه صيام ﴿شهرين متتابعين﴾ عن كفارته فالرقيق لا يكفر إلا بالصوم لأنه معسر لا يملك شيئاً وليس لسيده منعه من الصوم إن ضره، وإنما اعتبر العجز وقت الأداء لا وقت الوجوب قياساً على سائر العبادات. ولو ابتدأ الصوم ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه، لأنه أمر به حيث دخل فيه، وقال أبو حنيفة : يعتق قياساً على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا رأت الدم قبل انقضاء عدّتها فإنها تستأنف الحيض إجماعاً ويكفيه نية صوم الكفارة، وإن لم ينو الولاء، فإن انكسر الشهر الأول أتمه من الثالث ثلاثين لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال. وينقطع التتابع بفوات يوم ولو بعذر كمرض أو سفر فيجب الاستئناف ولو كان الفائت اليوم الأخير أو اليوم الذي نسيت النية له بخلاف ما إذا فات بجنون أو إغماء مستغرق لمنافاة ذلك الصوم ﴿من قبل أن يتماسا﴾ كما مرّ في العتق، فإن جامع ليلاً عصى ولم ينقطع التتابع لأنه ليس محلاً للصوم بخلافه نهاراً وقال أبو حنيفة ومالك : يبطل بكلّ حال ويجب عليه ابتداء الكفارة لقوله تعالى :﴿من قبل أن يتماسا﴾. ﴿فمن لم يستطع﴾ بأن عجز عن صوم أو لا لمرض يدوم شهرين بالظنّ المستفاد من العادة في مثله أو من قول الأطباء أو لمشقة شديدة تلحقه بالصوم أو بولائه ولو كانت المشقة لشدّة شهوة الوطء أو خوف زيادة مرض ﴿فإطعام﴾ أي : فعليه إطعام ﴿ستين مسكيناً﴾ أي : من قبل أن يتماسا حملاً للمطلق على المقيد بأن يملك كل مسكين من أهل الزكاة مدّاً من جنس الفطرة كبر وشعير وأقط ولبن فلا يجزئ لحم ودقيق وسويق، وخرج بأهل زكاة غيره فلا يجزئ دفعها لكافر ولا لهاشميّ ومطلبيّ ولا لمواليهما ولا لمن تلزمه مؤنته ولا لرقيق، لأنها حق الله تعالى فاعتبر فيها صفات الكمال. ﴿ذلك﴾ أي : الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام ﴿لتؤمنوا﴾ أي : ليتحقق إيمانكم ﴿بالله﴾ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوا بالانسلاخ عن أمر الجاهلية ﴿ورسوله﴾ أي : الذي تعظيمه من تعظيمه. ولما رغب في هذا الحكم رهب في التهاون به بقوله تعالى :﴿وتلك﴾ أي : هذه الأحكام العظيمة المذكورة ﴿حدود الله﴾ أي : أوامر الملك الأعظم ونواهيه التي يجب امتثالها والتعبد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا تعدوها، فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدّى نقضه وإبرامه ﴿وللكافرين﴾ أي : العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه ﴿عذاب أليم﴾ أي : بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء فإن عجز عن جميع خصال الكفارة لم تسقط الكفارة عنه بل هي باقية في ذمته إلى أن يقدر على شيء منها، فإذا قدر عل خصلة من خصالها فعلها، ولا يتبعض العتق ولا الصوم بخلاف الإطعام حتى لو وجد بعض مدّ أخرجه، لأنه لا بدل له وبقي الباقي في ذمته. قال الزمخشري : فإن قلت فإذا امتنع المظاهر من الكفارة هل للمرأة أن تدافعه قلت لها ذلك وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها لأنه يضرّ بها في ترك التكفير والانتفاع بحق الاستمتاع فيلزم أبداً حقها فإن قلت : فإن مس قبل أن يكفر قلت عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر لما روي أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها فقال عليه الصلاة والسلام : استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر » ا. ه. والمراد بالاستغفار هنا : التوبة.

المجادلة 58:5

ولما ذكر تعالى المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها بقوله تعالى :﴿إن الذين يحادّون الله﴾ أي : يغالبون الملك الأعلى على حدوده ليجعلوا حدوداً غيرها وذلك صورته صورة العداوة ؛ لأنّ المحادة المعاداة والمخالفة في الحدود وهو كقوله تعالى :﴿ومن يشاق الله﴾ [الحشر: ٤] ﴿ورسوله﴾ أي : الذي عزه من عزه، وقيل : يحادّون الله أي : أولياء الله كما في الخبر «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » والضمير في قوله تعالى :﴿إن الذين يحادّون الله ورسوله﴾ يحتمل أن يرجع إلى المنافقين، فإنهم كانوا يوادّون الكافرين ويظاهرونهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأذلهم الله تعالى ويحتمل أن يرجع لجميع الكفار فأعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم ﴿كبتوا﴾ أي : أذلوا وقال أبو عبيدة والأخفش : أهلكوا، وقال قتادة : أخذوا، وقال أبو زيد : عذبوا، وقال السدي : لعنوا، وقال الفراء : أغيظوا يوم الخندق. وقيل : يوم بدر ﴿كما كبت الذين من قبلهم﴾ أي : المحادّين المخالفين رسلهم كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصرّ على العصيان. قال القشيريّ : ومن ضيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو أحدث في دينه بدعة انخرط في هذا السلك ﴿وقد أنزلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة عليكم وعلى من قبلكم ﴿آيات بينات﴾ أي : دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ولكل ما يتوقف عليه الإيمان كترك المحادّة وتحصيل الإذعان ﴿وللكافرين﴾ أي : الراسخين في الكفر بالآيات أو بغيرها من أوامر الله تعالى :﴿عذاب مهين﴾ بما تكبروا واعتدوا على أولياء الله تعالى وشرائعه يهينهم ذلك العذاب ويذهب عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم.

المجادلة 58:6

وقوله تعالى :﴿يوم﴾ منصوب بأذكر كما قاله الزمخشري قال : تعظيماً لليوم أو بلهم أي بالاستقرار الذي تضمنه لوقوعه خبراً أو بفعل مقدّر قدّره أبو البقاء يهانون أو يعذبون أو استقرّ ذلك يوم ﴿يبعثهم الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿جميعاً﴾ أي : حال كونهم مجتمعين، الكافرين المصرّح بهم والمؤمنين المشار إليهم الرجال والنساء أحياء كما كانوا لا يترك منهم أحد، وقيل : مجتمعين في حال واحد ﴿فينبئهم﴾ أي : يخبرهم إخباراً عظيماً مستقصى ﴿بما عملوا﴾ تخجيلاً وتوبيخاً وتشهيراً لحالهم ﴿أحصاه الله﴾ أي : أحاط به عدداً وكماً وكيفاً وزماناً ومكاناً بماله من صفات الكمال والجلال ﴿ونسوه﴾ لأنهم تهاونوا به حيث ارتكبوه ولم يبالوا به لضر أو تهم بالمعاصي وإنما تحفظ معظمات الأمور أو لخروجه عن الحدّ في الكثرة فكيف كل واحد على انفراده ﴿والله﴾ أي : بماله من القدرة الشاملة والعلم المحيط ﴿على كل شيء﴾ أي : على الإطلاق ﴿شهيد﴾ أي : حفيظ حاضر لا يغيب ورقيب لا يغفل.

المجادلة 58:7

ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال جل ذكره :﴿ألم تر﴾ أي : تعلم علماً هو في وضوحه كالرؤية بالعين ﴿أنّ الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال كلها ﴿يعلم ما في السماوات﴾ كلها ﴿وما في الأرض﴾ كذلك كليات ذلك وجزئياته، لا يغيب عنه شيء منه بدليل أنّ تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من شاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك القاصية والدانية والماضية والآتية فيكون كما أخبر، وقوله تعالى :﴿ما يكون من نجوى﴾ يكون فيه من كان التامة، ومن نجوى فاعلها، ومن مزيدة فيه أي : ما يقع من تناجي ﴿ثلاثة﴾، ويجوز أن يقدره مضاف أي : أهل نجوى فيكون ثلاثة صفة لأهل وأن يؤوّل نجوى بمتناجين جعلوا نجوى مبالغة فيكون ثلاثة صفة لنجوى، واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإنّ السر يرتفع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه وقوله تعالى :﴿إلا هو رابعهم﴾ استثناء من أعمّ الأحوال. أي : ما يوجد شيء من هذه الأشياء في حال من الأحوال إلا وهو يعلم نجواهم، كأنه حاضر معهم وشاهدهم، كما تكون نجواهم عند الرابع الذي يكون معهم ﴿ولا خمسة﴾ أي : من نجواهم ﴿إلا هو سادسهم﴾ أي : يعلم نجواهم كما مرّ. فإن قيل : ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة ؟ أجيب : بوجهين أحدهما : أن قوماً من المنافقين تحلقوا للتناجي فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم مغايظة للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة، فقيل : ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون ﴿ولا أدنى من ذلك﴾ أي : من عددهم ﴿ولا أكثر﴾ أي : من ذلك ﴿إلا هو معهم﴾ يسمع ما يقولون ﴿أينما﴾ أي : في أي مكان ﴿كانوا﴾ فإنه لا مسافة بينه وبين شيء فقد روي عن ابن عباس : أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً يتحدّثون فقال أحدهم : أترى أن الله يعلم ما نقول ؟ فقال الآخر : يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً وقال الثالث : إن كان يعلم بعضه فهو يعلم كله وصدق لأنّ من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها، لأنّ كونه عالماً بغير سبب ثابت له مع كل معلوم. والوجه الثاني : أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندوبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولي النهى والأحلام ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأوّل عددهم اثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الإستصواب. ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة وقال ﴿ولا أدنى من ذلك﴾ فدلّ على الإثنين والأربعة، وقال :﴿ولا أكثر﴾ فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال في خطبته الكبرى أخرجها الحارث ابن أبي أسامة رقي المنبر وقال :«يا أيها الناس ادنوا واسمعوا لمن خلفكم ثلاث مرات » فدنا الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض والتفتوا فلم يروا أحداً فقال : رجل منهم بعد الثالثة : لمن نسمع يا رسول الله الملائكة فقال :«لا إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم » وعلى ذلك فليسوا في مكان الإيمان هنا والشمائل بل في المكانة من ذلك فالله جلّ جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء ﴿ثم ينبئهم﴾ أي : يخبر أصحاب النجوى أخباراً عظيماً ﴿بما عملوا﴾ دقيقه وجليله ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلا فيه أتم إظهار، ﴿إنّ الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿بكل شيء﴾ أي : مما ذكر وغيره ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم فهو على كل شيء شهيد وهذا تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات.

المجادلة 58:8

واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿ألم تر﴾ أي : تعلم علماً هو كالرؤية ﴿إلى الذين نهوا عن النجوى﴾ فقيل : في اليهود وقيل : في المنافقين، وقيل : في فريق من الكفار وقيل في فريق من المسلمين لما روى أبو سعيد الخدري قال :«كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ما هذه النجوى فقلنا تبنا إلى الله تعالى يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح يعني الدجال فرقاً منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه، قلنا بلى يا رسول الله، قال : الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل » ذكره الماوردي. وقال ابن عباس :«نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك ويقولون : ما نراهم إلا وقد بلغهم من إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وأثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله تعالى :﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى﴾ ﴿ثم يعودون﴾ أي : على سبيل الاستمرار، لأنه وقع مرّة وبادروا إلى التوبة منها أو فلتة معفواً عنها، ﴿لما نهوا عنه﴾ أي : من غير أن يعتدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عنده ﴿ويتناجون﴾ أي : يقبل بعضهم على المناجاة إقبالاً واحداً فيفعل كل منهم منها ما يفعله الآخر مرّة بعد أخرى على سبيل الاستمرار. وقرأ حمزة بعد الياء : بنون ساكنة وبعدها ثاء فوقية مفتوحة ولا ألف قبل الجيم وضم الجيم، والباقون بتاء فوقية مفتوحة وبعدها نون مفتوحة وبعد النون ألف وفتح الجيم ﴿بالإثم﴾ أي : بالشيء الذي لا يثبت عليهم به الذنب وبالكذب وبما لا يحل، ﴿والعدوان﴾ أي : العدوان الذي هو نهاية في قصد الشرّ بالإفراط في مجاوزة الحدود ﴿ومعصيت الرسول﴾ أي : مخالفة النبيّ الذي جاء إليهم من الملك الأعلى وهو كامل في الرسالة لكونه مرسلاً إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان فلا نبيّ بعده فهو لذلك مستحق غاية الإكرام. فائدة : رسمت معصية في الموضعين بالتاء المجرورة، وإذا وقف عليها فأبو عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء في الوقف، والكسائي بالإمالة في الوقف على أصله ووقف الباقون بالتاء على الرسم واتفقوا في الوصل على التاء. ﴿وإذا جاؤوك﴾ أي : يا أشرف الخلق ﴿حيوك﴾ أي : واجهوك بما يعدونه تحية ﴿بما لم يحيك به الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه «وذلك أنّ اليهود كانوا يدخلون على النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون السام عليك، والسام الموت وهم يوهمون أنهم يقولون السلام عليك، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول : وعليكم فقالت السيدة عائشة : السام عليكم ولعنة الله وغضبه عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، فقالت : أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم تسمعي ما قلت، رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ »، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك :«إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : عليك ما قلت » فأنزل الله تعالى :﴿وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾، وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم » بالواو فقال بعض العلماء : إنّ الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سآمة ديننا وهو الملال يقال سئم يسأم سأمة وسأماً، وقال بعضهم : الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى *** أي : لما أجزنا انتحى فزاد الواو وقال : آخرون هي للاستئناف، كأنه قيل : والسام عليكم، وقال آخرون : هي على بابها من العطف ولا يضرّنا ذلك لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما تقدّم في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة. تنبيه : اختلف العلماء في ردّ السلام على أهل الذمة فقال ابن عباس والشعبي وقتادة : هو واجب لظاهر الأمر بذلك، وقال مالك : ليس بواجب فإن رددت فقل وعليك، وعندنا يجب أن يقول له وعليك لما مرّ في الحديث، وقال بعضهم : يقول في الردّ علاك السلام أي : ارتفع عنك، وقال بعض المالكية : يقال في الردّ السلام عليك بكسر السين يعني الحجارة. ولما كانوا يخفون ذلك جهدهم ويظنون بإملاء الله تعالى لهم أنه صلى الله عليه وسلم لا يطلع عليه وإن اطلع عليه لم يقدر أن ينتقم منهم، عبر عن ذلك بقوله تعالى :﴿ويقولون في أنفسهم﴾ من غير أن يطلع عليه أحد ﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿يعذبنا الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بكل شيء، ﴿بما نقول﴾ أي : لو كان نبيناً لعذبنا الله بما نقول وقيل : قالوا إنه يردّ علينا ويقول : وعليكم السام فلو كان نبياً لاستجيب له فينا ومتنا وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا أهل الكتاب وكانوا يعلمون أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يغضبون فلا يعاجلون من يغضبهم بالعذاب ﴿حسبهم﴾ أي : كافيهم في الانتقام ﴿جهنم﴾ أي : الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والفظاظة فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان زيادة على الكفاية فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة ﴿يصلونها﴾ أي : يقاسون عذابها دائماً، فإنا قد أعددناها لهم ﴿فبئس المصير﴾ أي : مصيرهم.

المجادلة 58:9

﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة ﴿إذا تناجيتم﴾ أي : اطلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سرّاً ﴿فلا تتناجوا﴾ أي : توجدوا هذه الحقيقة ﴿بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول﴾ أي : الكامل في الرسالة كفعل المنافقين واليهود، وقال مقاتل : أراد تعالى بقوله :﴿آمنوا﴾ المنافقين آمنوا بلسانهم، وقال عطاء : يريد الذين آمنوا بزعمهم، وقيل : يا أيها الذين آمنوا بموسى﴿وتناجوا بالبرّ والتقوى﴾ أي : الطاعة والعفاف عما نهى الله تعالى عنه﴿واتقوا الله﴾ أي : اقصدوا قصداً يتبعه العمل بأن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية، ﴿الذي إليه﴾ خاصة ﴿تحشرون﴾ أي : تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير، لا تخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية.

المجادلة 58:10

﴿إنما النجوى﴾ أي : المعهود وهي المنهي عنها ﴿من الشيطان﴾ أي : مبتدئة وممتدّة من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى، فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالف لأعظم أوليائه، ﴿ليحزن﴾ أي : الشيطان ﴿الذين آمنوا﴾أي : ليوهمهم أنها لسبب شيء وقع مما يؤذيهم، والحزن همّ غليظ وتوجع يدق، يقال : حزنه وأحزنه بمعنى، قال في القاموس : أو أحزنه جعله حزيناً. وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن، والقراءة الأولى أشد في المعنى على ما في القاموس. ﴿وليس﴾ أي : الشيطان أو ما حمل عليه من التناجي ﴿بضارهم﴾ أي : الذين آمنوا ﴿شيئا﴾ من الضرر وإن قلّ﴿إلا بإذن الله﴾أي : بمشيئة الملك المحيط علماً وقدرة. فإن قيل : كيف لا يضرّهم ذلك ولا يحزنهم إلا بإذن الله ؟ أجيب : بأنهم كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتفاخرهم أنّ غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا فقال تعالى لا يضرّهم الشيطان والحزن بذلك الموهم إلا بأذن الله تعالى أي : بمشيئته وهو أن يقضي الموت على أقاربهم والغلبة على الغزاة، ﴿وعلى الله﴾ أي : الملك الذي لا كفء له لا على أحد غيره ﴿فليتوكل المؤمنون﴾أي : الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها، فلا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسرّه ولا يجهره فإنهم توكلوا عليه وفوّضوا أمورهم إليه، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأمّا أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة، روى ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بأذنه فإنّ ذلك يحزنه » وعن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه »، فبين في هذا الحديث غاية المنع وهو أن يجد الثالث من يتحدّث معه كما فعل ابن عمر وذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له وللأول تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة، أخرجه في الموطأ ونبه على العلة بقوله : من أجل أن يحزنه أي : يقع في نفسه ما يحزن لأجله وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلاً، لوجود ذلك المعنى في حقه بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع فيكون بالمنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أوّل عدد يتأتى ذلك فيه. قال القرطبي : وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وذهب إليه ابن عمر ومالك والجمهور، وسواء أكان التناجي في واجب أو مندوب أو مباح فإنّ الحزن ثابت به، وقد ذهب بعض الناس إلى أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام لأنّ ذلك كان حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك، وقال بعضهم : ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه فأمّا الحضر وبين العمارة فلا ؛ لأنه يجد من يغيثه بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم الغوث.

المجادلة 58:11

ولما نهى المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر أمرهم الآن بما يصير سبباً لزيادة المحبة والمودّة بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : الذين اتصفوا بهذا الوصف ﴿إذا قيل لكم﴾ أي : من أيّ قائل كان فإنّ الخير يرغب فيه لذاته ﴿تفسحوا﴾ أي : توسعوا أي : كلفوا أنفسكم في اتساع المواضع ﴿في المجلس﴾ أي : الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلساً يجلس فيه، قال قتادة ومجاهد :«كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض »، وقال ابن عباس : المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، قال الحسن وزيد بن أبي حبيب «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأوّل فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت ». فيكون كقوله تعالى :﴿مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١]، وقال مقاتل «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصفة وكان في المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان بعدد القائمين من أهل بدر فشق ذلك على من قام، وعرف النبيّ صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم فقال المنافقون : والله ما عدل على هؤلاء أنّ قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ » فنزلت الآية يوم الجمعة. وروي عن ابن عباس قال :«نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم وكان يريد القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم للوقر أي : الصمم الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينهم كلام فنزلت » وقد تقدّمت قصته في سورة الحجرات. وقرأ عاصم : يفتح الجيم، ألف بعدها جمعاً لأنّ لكل جالس مجلساً أي : فليفسح كل واحد في مجلسه والباقون بسكون الجيم ولا ألف إفرادا، قال البغوي : لأنّ المراد منه مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال القرطبي : الصحيح في الآية أنها عامة في مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير وللأجر سواء أكان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة، وإنّ كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق من موضعه » فيكون المراد بالمجلس الجنس ويؤيده قراءة الجمع ﴿فافسحوا﴾ أي : وسعوا فيه عن سعة صدر ﴿يفسح الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿لكم﴾ في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين. وقال الرازي : هذا يطلق فيما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة قال : ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه. وإذا قيل : أي من أيّ قائل كان كما مضى إذا كان يريد الإصلاح والخير ﴿انشزوا﴾ أي : ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة والجهاد ﴿فانشزوا﴾ أي : فارتفعوا وانهضوا ﴿يرفع الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال، ﴿الذين آمنوا﴾ وإن كانوا غير علماء ﴿منكم﴾ أي : أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر المبادرون إليها بطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامهم في مجلسهم وتوسعهم لإخوانهم، ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الذين آمنوا فهو من عطف الخاص على العام فإنّ الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين، ويجوز أن يكون والذين أوتوا العلم من عطف الصفات أي : تكون الصفتان لذات واحدة كأنه قيل : يرفع الله المؤمنين العلماء ودرجات مفعول ثان، وقال ابن عباس : تمّ الكلام عند قوله تعالى :﴿منكم﴾ وينتصب الذين أوتوا بفعل مضمر أي : ويخص الذين أوتوا العلم درجات أو ويرفع درجات. قال المفسرون : في هذه الآية أنّ الله تعالى رفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم، قال ابن مسعود مدح الله تعالى العلماء في هذه الآية، والمعنى : أنّ الله تعالى يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا بما أمروا به، وقال تعالى :﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾[الزمر: ٩] وقال تعالى :﴿وقل رب زدني علماً﴾[طه: ١١٤] وقال تعالى :﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾[فاطر: ٢٨] والآيات في ذلك كثيرة معلومة. وأمّا الأحاديث فكثيرة مشهورة منها من «يرد الله به خيراً يفقهه في الدين »، وروي أنّ عمر رضى الله عنه «كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه فسألهم عن تفسير ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فسكتوا فقال ابن عباس : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما تعلم ». ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال :«لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ما لا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها » والمراد بالحسد : الغبطة : وهي أن تتمنى مثله ومنها أنه صلى الله عليه وسلم «قال لعليّ كرّم الله وجهه : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم » ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال :«من جاءه أجله وهو يطلب العلم لحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة » ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال :«بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة ». ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وفي رواية كفضلي على أدناكم ». ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إنّ الله أوحى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أني عليم أحب كل عليم ». ومنها : أنه صلى الله عليه وسلم قال :«يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء » فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها :«أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون الله تعالى ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون لله عز وجل ويرغبون إليه، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمونه الجاهل فهؤلاء أفضل، وإنما بعثت معلماً ثم جلس فيهم » والأحاديث في ذلك كثيرة جدّاً. وأمّا أقوال السلف فلا تحصر، فمنها ما قاله ابن عباس : أن سليمان عليه السلام خير بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه، وما قاله بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فات من أدرك العلم. وما قاله الأحنف : كاد العلماء يكونون أرباباً، وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل ما يصير. وما قاله الزبيري : العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. وما قاله أبو مسلم الخولاني : مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا برزت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عنهم تحيروا. وما قاله معاذ : تعلم العلم فإنّ تعلمه لك حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. وما قاله علي : العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. وما قاله ابن عمر : مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة. وما قاله الشافعي من أن : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وقال : ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وقال : من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم فإنه يحتاج إليه في كل منهما. وقد ذكرت في أوّل شرح المنهاج من الأحاديث ومن أقوال السلف ما يسرّ الناظر الراغب في الخير وفيما ذكرته هنا كفاية لأولي الأبصار. ﴿والله﴾ أي : والحال أنّ المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿بما تعملون﴾ أي : حال الأمر وغيره ﴿خبير﴾ أي : عالم بظاهره وباطنه فإن كان العلم مزيناً بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك.

المجادلة 58:12

واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء ﴿إذا ناجيتم الرسول﴾ أي : أردتم مناجاة الذي لا أكمل منه في الرسالة الآية، فقال ابن عباس :«إنّ المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكف كثير من الناس ». وقال الحسن :«أنّ قوماً من المسلمين كانوا يستخلون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم يناجونه، فظنّ بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه ». وقال زيد بن أسلم «إنّ المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً من مناجاته فكان ذلك يشق على المسلمين لأنّ الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم يناجون أنّ جموعاً اجتمعت للقتال فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول﴾ » أي : أردتم مناجاته ﴿فقدّموا﴾ أي : بسبب هذه الإرادة، وقوله تعالى :﴿بين يدي نجواكم﴾ استعارة ممن له يدان والمعنى : قبل نجواكم التي هي سرّكم الذي تريدون أن ترفعوه ﴿صدقة﴾ لقول عمر :" من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم " يريد قبل حاجته، والصدقة تكون لكم برهاناً على إخلاصكم كما ورد أنّ الصدقة برهان فهي مصدّقة لكم في دعوى الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله تعالى. تنبيه : ظاهر الآية يدل على أنّ تقديم الصدقة كان واجباً لأنّ الأمر للوجوب ويؤكد ذلك قوله تعالى بعده :﴿فإنّ لم تجدوا فإنّ الله غفور رحيم﴾، وقيل : كان مندوباً لقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : التصدّق ﴿خير لكم وأطهر﴾ أي : لأنفسكم من الريبة وحب المال، هذا إنما يستعمل في التطوّع لا في الواجب ولأنه لو كان واجباً لما أزيل وجوبه والكلام متصل به وهو قوله تعالى :﴿فإن لم تجدوا﴾ الآية. وأجيب عن الأوّل : بأنّ المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر فكذلك أيضاً يوصف بهما الواجب. وعن الثاني : بأنه لا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة كونهما متصلتين في القول، كما قيل في الآية الدالة على وجوب الاعتداد أربعة أشهر وعشراً أنها ناسخة للاعتداد بحول وإن كان الناسخ متقدّماً في التلاوة. وعن علي أنه قال :«لما نزلت دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما تقول في دينار ؟ قلت : لا يطيقونه، قال : كم ؟ قلت : حبة أو شعيرة، قال إنك لزهيد فلما رأوا ذلك اشتدّ عليهم فارتدعوا، أما الفقير فلعسرته وأما الغنيّ فلشحته »، واختلف في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ في هذه الآية، فقال الكلبي : ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من نهار ثم نسخ وقال مقاتل وابن حبان : بقي ذلك التكليف عشرة أيام، ثم نسخ لما روي عن عليّ أنه قال إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم. وفي رواية عنه فاشتريت به عشرة دراهم وكلما ناجيت النبيّ صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا، فلم يناج أحد إلا علي تصدّق بدينار، وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئاً أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة ثم نزلت الرخصة. وعن ابن عمر رضي الله عنه : كان لعليّ ثلاث لو كان لي واحدة منهنّ كانت أحب إليّ من حمر النعم، تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

المجادلة 58:13

واختلف في الناسخ لذلك فقيل : هي منسوخة بالزكاة وأكثر المفسرين أنها منسوخة بالآية التي بعدها وهي ﴿أأشفقتم﴾ كما سيأتي وكان عليّ يقول : وخفف عن هذه الأمة ﴿فإن لم تجدوا﴾ أي : ما تقدّمونه ﴿فإن الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿غفور رحيم﴾ أي : له صفتا الستر للمساوي والإكرام بإظهار المحاسن على الدوام فهو يعفو ويرحم تارة يقدّم العقاب للعاصي وتارة بالتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف. وقوله تعالى :﴿أأشفقتم﴾ أي : خفتم العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر خوفاً كاد أن يفطر قلوبكم ﴿أن تقدّموا﴾ أي : بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم ﴿بين يدي نجواكم﴾ أي : النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿صدقات﴾ وجمع ؛ لأنه أكثر توبيخاً من حيث إنه يدل على أنّ النجوى تتكرّر استفهام معناه التقرير وهو الناسخ عند الأكثر كما مرّ. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام : بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل بينهما الفاء قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بتحقيقهما ولا إدخال والأولى محققة بلا خلاف ﴿فإذ﴾ أي : فحين ﴿لم تفعلوا﴾ أي : ما أمرتكم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق ﴿وتاب الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿عليكم﴾ أي : رجع بكم عنها بأن نسخها عنكم تخفيفاً عليكم ﴿فأقيموا﴾ أي : بسبب العفو عنكم شكراً أي : على هذا الكرم والحلم ﴿الصلاة﴾ التي هي طهرة لأرواحكم وصلة لكم بربكم ﴿وآتوا الزكاة﴾ التي هي براءة لأبدانكم، وتطهير ونماء لأموالكم، وصلة لكم بإخوانكم، ولا تفرّطوا في شيء من ذلك فتهملوه، فالصلاة نور يهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية ويعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة. ثم عمم بعد أن خصص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية بقوله تعالى :﴿وأطيعوا الله﴾ أي : الذي له الكمال له ﴿ورسوله﴾ أي : الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمرانكم به، فإنه تعالى ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صلى الله عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة ﴿والله﴾ أي : الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة، ﴿خبير بما تعملون﴾ أي : يعلم بواطنكم كما يعلم ظواهركم لا تخفى عليه خافية.

المجادلة 58:14

﴿ألم تر﴾ أي : تنظر يا أشرف الخلق ﴿إلى الذين تولوا﴾ أي : تكلفوا بغاية جهدهم وهم المنافقون أي جعلوا أولياءهم الذين يتولون لهم أمورهم ﴿قوماً﴾، وهم اليهود ابتغوا عندهم العزة اغتراراً بما يظهر لهم منهم من القوة ﴿غضب الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي لا ندّ له ﴿عليهم﴾ أي : المتولى والمتولي لهم، ﴿ما هم﴾ أي : المنافقون ﴿منكم﴾ أي : المؤمنين ﴿ولا منهم﴾ أي : اليهود بل هم مذبذبون وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء بقوله تعالى :﴿ويحلفون﴾ أي : المنافقون يجدّدون الحلف على الاستمرار ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجراءة على استمرارهم على الإيمان الكاذبة بأنّ التقدير مجترئين ﴿على الكذب﴾ في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون متعمدون. روي «أنّ عبد الله بن نبتل كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه : يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق العينين أسمر قصيراً خفيف اللحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فعلت فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت ».

المجادلة 58:15

﴿أعد الله﴾ أي : الذي له العظمة الباهرة فلا كفء له ﴿لهم عذاباً﴾ أي : أمراً قاطعاً لكل عذوبة، ﴿شديداً﴾ أي : لا طاقة لهم به ثم علل عذابهم بما دلّ على أنه واقع في أتم مواقعه بقوله تعالى مؤكداً تقبيحاً على من كان يستحسن فعالهم ﴿إنهم ساء﴾ أي : بلغ الغاية بما يسوء، ودل على أنّ ذلك لهم كالجبلة بقوله تعالى :﴿ما كانوا يعملون﴾ أي : يجدّدون عمله مستمرّين عليه لا ينفكون عنه، قال الزمخشري : أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

المجادلة 58:16

﴿اتخذوا أيمانهم﴾ أي : الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ﴿جنة﴾ وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائناً ما كان ﴿فصدّوا﴾ أي : كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سبباً لإيقاعهم الصدّ ﴿عن سبيل الله﴾ أي : شرع الملك الأعلى الذي هو طريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز العظيم، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهنون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الخائنة ودرّت عليهم الأرزاق استدراجاً، وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونه من أقوالهم المؤكدة بالإيمان، غرّه ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم ونسج على منوالهم غروراً بظاهر أمرهم، معرضاً عما توعدهم الله تعالى عليه من جزاء خداعهم وأمرهم وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال تعالى :﴿فلهم﴾ أي : فتسبب عن صدّهم إنه كان لهم﴿عذاب مهين﴾ جزاء بما طلبوا بذلك الصدّ إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام.

المجادلة 58:17

﴿لن تغني﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿عنهم أموالهم﴾ أي : في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره ﴿ولا أولادهم﴾ أي : بالنصرة والمدافعة ﴿من الله﴾ أي : أغناه مبتدأ من الملك الأعلى ﴿شيئاً﴾ ولو قل جدّاً فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفذ ومضى لا يدفعه شيء تكذيباً لمن قال منهم : لئن كان يوم القيامة لنكوننّ أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننجونّ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا ﴿أولئك﴾ أي : البعداء من كل خير ﴿أصحاب النار هم﴾ أي : خاصة ﴿فيها﴾ أي : خاصة ﴿خالدون﴾ أي : دائمون لازمون إلى غير نهاية.

المجادلة 58:18

وقوله تعالى :﴿يوم﴾ منصوب باذكر أي : واذكر يوم ﴿يبعثهم الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿جميعاً﴾، فلا يترك أحداً منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان قبل موته، ﴿فيحلفون﴾ أي : فيتسبب عن ظهور القدرة التامّة لهم ومعاينة ما كانوا يكذبون به أنهم يحلفون ﴿له﴾ أي : لله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ونحو ذلك، ﴿كما يحلفون لكم﴾ في الدنيا أنهم مثلكم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يحلفون لله تعالى يوم القيامة كذباً كما حلفوا لأوليائه في الدنيا وهو قولهم والله ربنا ما كنا مشركين. ﴿ويحسبون﴾ أي : في القيامة بأيمانهم الكاذبة ﴿أنهم على شيء﴾ أي : يحصل لهم به نفع بإنكارهم وحلفهم، وقيل : يحسبون في الدنيا أنهم على شيء، لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار والأول أظهر، والمعنى : أنهم لشدّة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنهم يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب. وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾[الأنعام: ٢٨]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ينادي مناد يوم القيامة أين خصماء الله تعالى فتقوم القدرية مسودّة وجوههم مزرقة أعينهم مائل شقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا اتخذنا من دونك إلهاً » قال ابن عباس رضي الله عنهما : صدقوا والله أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ثم تلا :﴿ويحسبون أنهم على شيء﴾ » وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : بفتح السين، والباقون بكسرها ﴿ألا إنهم هم الكاذبون﴾ المحكوم بكذبهم في حسبانهم هم والله القدرية ثلاثاً.

المجادلة 58:19

﴿استحوذ﴾ أي : استولى ﴿عليهم الشيطان﴾ مع أنه طريد ومحترق، ووصل منهم إلى ما يريده وملكهم ملكاً لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وصار هو محيطاً بهم من كل جهة غالباً عليهم، ظاهراً وباطناً من قولهم حذت الإبل وحذذتها إذا استوليت عليها، والحوذ أيضاً : السوق السريع ومنه الأحوذي الخفيف في الشيء لحذقه، واستحوذ مما جاء على الأصل وهو ثبوت الواو دون قلبها ألفاً، ﴿فأنساهم﴾ أي : فتسبب عن استحواذه عليهم أن أنساهم ﴿ذكر الله﴾ أي : الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿حزب الشيطان﴾ أي : أتباعه وجنوده وطائفته وأصحابه، ﴿ألا إنّ حزب الشيطان﴾ أي : الطريد المحترق﴿هم الخاسرون﴾ أي : العريقون في هذا الوصف ؛ لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.

المجادلة 58:20

﴿إن الذين يحادون الله﴾ أي : يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفؤ له، فعل من ينازع آخر في الأرض فيغلب على طائفة ليجعل لها حداً لا يتعداه خصمه ﴿ورسوله﴾ أي : إلي عظمته من عظمته ﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿في الأذلين﴾ أي : في جملة من هو أذل خلق الله تعالى.

المجادلة 58:21

واختلف في معنى قوله عز وجلّ ﴿كتب الله﴾ أي : الملك الذي لا كفؤ له فقال أكثر المفسرين أي : قضى الله عز وجلّ ﴿لأغلبن﴾ وقال قتادة : كتب في اللوح المحفوظ، وقال الفراء : كتب بمعنى قال وقوله تعالى :﴿أنا﴾ تأكيد ﴿ورسُلي﴾ أي : من بعث منهم بالحرب ومن بعث منهم بالحجة فإذا انضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى. وقال مقاتل : قال المؤمنون لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهنّ رجونا أن يظهرنا الله تعالى على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول : الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها والله أنهم لأكثر عدداً وأشدّ بطشاً من أن تظنوا فيهم فنزل﴿لأغلبن أنا ورسلي﴾. ونظيره قوله تعالى :﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ١٧١إنهم لهم المنصورون ١٧٢ وإنّ جندنا لهم الغالبون﴾[ الصافات : ١٧١ ١٧٣ ]، وقرأ نافع وابن عامر : بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿إن الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿قويّ﴾ أي : على نصر أوليائه ﴿عزيز﴾ أي : لا يغلب عليه في مراده.

المجادلة 58:22

ثم نهى تعالى عن موالاة أعداء الله تعالى بقوله سبحانه ﴿لا تجد﴾ أي : بعد هذا البيان ﴿قوماً﴾ أي : ناساً لهم قوة على ما يريدون، ﴿يؤمنون﴾ أي : يجددون الإيمان ويديمونه ﴿بالله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿واليوم الآخر﴾ الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل الذي هو محط الحكمة، ﴿يوادّون﴾ أي : يحصل منهم ودّ لا ظاهراً ولا باطناً ﴿من حادّ الله﴾ أي : عادى بالمناصبة في حدود الملك الأعلى ﴿ورسوله﴾ فإن من حادّه فقد حادّ الذي أرسله بل لا تجدهم إلا يحادّونهم لا أنهم يوادّونهم. وزاد ذلك تأكيداً بقوله تعالى :﴿ولو كانوا آباءهم﴾ أي : الذين أوجب الله تعالى على الأ، بناء طاعتهم في المعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة بن الجراح حيث قتل أباه عبد الله بن الجرّاح يوم أحد، ﴿أو أبناءهم﴾ أي : الذين جبلوا على محبتهم ورحمتهم، كما فعل أبو بكر «فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة وقال : دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري »، ﴿أو إخوانهم﴾ أي : الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخزف سعد بن أبي وقاص غير مرّة فراغ منه روغان الثعلب، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال : أتريد أن تقتل نفسك. وقتل محمد بن سلمة الأنصاري أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير، ﴿أو عشيرتهم﴾ أي : الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما قتل عمر خاله العاصي وهشام بن المغيرة يوم بدر، وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وعن الثوري : أنّ السلف كانوا يرون أنّ الآية نزلت فيمن يصحب السلطان ا. ه. ومدار ذلك على أنّ الإنسان يقطع رجاء من غير الله تعالى، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصاً في إيمانه. تنبيه : قدّم الآباء أوّلاً لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب وهم حياتها، ثم ثلث بالأخوان لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع. قال الشاعر : أخاك أخاك إن من لا أخا له؍ كساع إلى الهيجا بغير سلاح؍ وإن ابن عمّ المرء فاعلم جناحه؍ وهل ينهض البازي بغير جناح؍ ثم ربع بالعشيرة لأنّ بها يستغاث وعليها يعتمد، والمعنى : أنّ الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع المحبة ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطروحاً بسبب الدين. قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجرّاح لما قتل أباه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قتل خاله العاصي ابن هشام يوم بدر روي أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أنّ أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه صكةً سقطت منها أسنانه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال : أو فعلت، قال : نعم، قال : لا تعد إليه، فقال : والذي بعثك بالحق نبياً لو كان السيف مني قريباً لقتلته، فهؤلاء لم يوادّوا أقاربهم. قال القرطبي : استدل مالك بهذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم، قال القرطبي : وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم. وعن عبد العزيز بن أبي رواد : أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلا الآية. وقال صلى الله عليه وسلم «اللهمّ لا تجعل لفاجر عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إليّ ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ الآية، ﴿أولئك﴾ أي : العالو الهمة ﴿كتب﴾ أي : أثبت قاله الربيع بن أنس رضي الله عنه، وقيل : خلق، وقيل : جعل كقوله تعالى :﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾[آل عمران: ٥٣] أي : اجعلنا، وقوله تعالى :﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾[الأعراف: ١٥٦] وقيل : كتب ﴿في قلوبهم الإيمان﴾[المجادلة: ٢٢] بما وفقهم فيه وشرح لهم صدرهم، أي : على قلوبهم كقوله تعالى :﴿في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان. قال البيضاوي : وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، فإنّ جزاء الثابت في القلب يكون ثابتاً فيه، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه، ﴿وأيدهم﴾ أي : وقوّاهم وشدّدهم وشرّفهم ﴿بروح﴾ أي : نور شريف جدّاً يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من نور العلم والعمل ﴿منه﴾ أي : من الله تعالى أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات، فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهراً وباطناً، فعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسراج، فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله تعالى، ومعاداة أعدائه لا بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه، أوداهن مبتدعاً في عقيدته نزع الله تعالى نور التوحيد من قلبه. قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي : بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : نصرهم على عدوّهم، وسمى تلك النصرة روحاً، لأنّ بها يحيا أمرهم، وقال الربيع بن أنس رضي الله عنه : بالقرآن وحججه، وقال ابن جريج : بنور وبرهان وهدى، وقيل : برحمة، وقيل : أيدهم بجبريل عليه السلام﴿ويدخلهم جنات﴾ أي : بساتين تستر داخلها من كثرة أشجارها. وأخبر عن ريها بقوله تعالى :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي قصورها ﴿الأنهار﴾ فهي بذلك كثيرة الرياض والأشجار، وقال تعالى :﴿خالدين فيها﴾ لأنّ ذلك لا يلذ إلا بالدوام، وقال تعالى :﴿رضي الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿عنهم﴾ لأنّ ذلك لا يتم إلا برضا مالكها الذي له الملك كله ﴿ورضوا عنه﴾ أي : لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون، ﴿أولئك﴾ أي : الذين هم في الدرجات العلى من العظمة لكونهم قصروا ودّهم على الله تعالى، علماً منهم بأنه ليس الضرّ والنفع إلا بيده، ﴿حزب الله﴾ أي : جند الملك الذي أحاط بجميع صفات الكمال، ﴿ألا إنّ حزب الله﴾ أي : جند الملك الأعلى، وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم، ﴿هم المفلحون﴾ أي : الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضا من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد.

الحشر 59:1

ولما ختمت المجادلة بأنه يعز أهل طاعته ويذل أهل معصيته تنزه عن النقائص تأييداً للوعد بنصرهم فقال تعالى :﴿سبح﴾ أي : أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص ﴿لله﴾ الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿ما في السماوات﴾ أي : كلها ﴿وما في الأرض﴾ أي : كذلك، وقيل : أن اللام مزيدة، أي : نزهة وأتى بما تغليباً للأكثر، وجمع السماء لأنها أجناس. قيل : بعضها من فضة وبعضها من غير ذلك، وأفراد الأرض لأنها جنس واحد ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ الذي يغلب كل شيء، ولا يمتنع عليه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن، وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلاً، وإلى بيان ماله من العزة والحكمة سبيلاً. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بضمها، قال المفسرون : نزلت هذه السورة في بني النضير، وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غزا بدراً وظهر على المشركين قالوا : هو النبيّ الذي نعته في التوراة لا تردّ له راية، فلما غزا أحد وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكة، فأتوا قريشاً فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل عليه السلام، وأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بما عاقد عليه كعب وأبو سفيان، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة، فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها : زهرة فلما سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب، وقالوا : يا محمد واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية، قال : نعم، قالوا : ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا من المدينة، فقالوا : الموت أقرب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال، ودس المنافقون عبد الله بن أبيّ وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم، فدربوا على الأزفة وحصنوها، ثم إنهم اجمعوا الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه أن اخرج في ثلاثين رجلاً من أصحابك، ويخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعون منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنا كلنا. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا كانوا في براز من الأرض، قال بعض اليهود لبعض : كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون من رجال أصحابه كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون رجلاً اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا بك وصدقناك. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم. فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء وعلى أنّ لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما : على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاء من متاعهم، وللنبيّ صلى الله عليه وسلم ما بقي. وقال الضحاك : على كل ثلاثة نفر بعيراً ووسقاً من طعام. ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين من آل بني الحقيق، وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة. فذلك قوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظنتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.

الحشر 59:2

﴿هو﴾ أي : وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب ﴿الذي أخرج﴾ أي : على وجه القهر ﴿الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما في كتبهم من الشواهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه النبيّ الخاتم، وما في فطرتهم الأولى من اتباع الحق، ﴿من أهل الكتاب﴾ أي : الذي أنزله الله تعالى على رسوله موسى صلى الله عليه وسلم وهم بنو النضير. وفي التعبير بكفروا إشعار بأنهم الذي أزالوا بالتبديل والإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة، ﴿من ديارهم﴾ أي : مساكنهم بالمدينة عقوبة لهم، لأنّ الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح فكان الخروج منه في غاية العسر. قال ابن اسحق : كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. ﴿لأول الحشر﴾ هو حشرهم إلى الشام، وآخره أن جلاهم عمر في خلافته إلى خيبر. قال سمرة الهمداني : كان أوّل الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر، وقال القرطبي : الحشر الجمع، وهو على أربعة أضرب : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله تعالى قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أوّل حشر في الدنيا إلى الشام، قال ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهم : من شك أنّ المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم :«اخرجوا قالوا إلى أين، قال : إلى أرض الحشر » قال قتادة : هذا أول الحشر. قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من داره. وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة، قال قتادة : تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح. وذكروا أنّ تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار. وقال ابن العربي : للحشر أوّل ووسط وآخر، فالأوّل : جلاء بني النضير، والأوسط : جلاء خيبر، والآخر : حشر يوم القيامة. وعن الحسن : هم بنو قريظة وخالفه بقية المفسرين، وقالوا : بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي، ﴿ما ظننتم﴾ أيها المؤمنون ﴿أن يخرجوا﴾ أي : يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدّة بأسهم وقرب بني قريظة منهم وأهل خيبر أيضاً غير بعيدين عنهم، وكلهم أهل ملتهم والمنافقون من أنصارهم فخابت ظنونهم في جميع ذلك، ﴿وظنوا أنهم﴾ وقوله تعالى :﴿ما نعتهم حصونهم﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن تكون حصونهم مبتدأ، وما نعتهم خبر مقدّماً، والجملة خبر أنهم. الثاني : أن تكون مانعتهم خبر أنهم، وحصونهم فاعل به نحو إنّ زيداً قائم أبوه، وإنّ عمراً قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى لأنّ في نحو قائم زيد على أن يكون خبراً مقدّماً ومبتدأ مؤخراً خلافاً، والكوفيون يمنعونه فمحل الوفاق أولى. وقال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين قولك وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه. قلت : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالي معها بأحد يتعرّض لهم أو يطمع في مغازتهم، وليس ذلك في قولك : وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم ا. ه. وهذا الذي ذكره إنما يتأتى على الإعراب الأوّل، وقد تقدّم أنه مرجوح ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه الأعظم بقوله تعالى :﴿من الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا عز إلا له، ﴿فأتاهم الله﴾ أي : جاءهم الملك الأعظم الذي لا يحتملون مجيئه، ﴿من حيث لم يحتسبوا﴾ بما صوّر لهم من حقارة أنفسهم على حبسها، وهي خذلان المنافقين رعباً كرعبهم. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بفتحها، ﴿وقذف﴾ أي : أنزل إنزالاً كأنه قذف بحجارة فثبت ﴿في قلوبهم الرعب﴾ أي : الخوف الذي سكنها بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة. وقرأ في قلوبهم الرعب، وعليهم الجلاء، ولإخوانهم الذين حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمر وبكسرهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم، وحرّك العين بالضم ابن عامر والكسائي، والباقون بالسكون. ثم بين تعالى حالهم عند ذلك وفسر قذف الرعب بقوله تعالى :﴿يخربون بيوتهم﴾ أي : لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره. وقرأ أبو عمرو بفتح الخاء وتشديد الراء، والباقون بسكون الخاء وتخفيف الراء وهما بمعنى، لأنّ خرب عدّاه أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمر وأنه فرق بمعنى آخر فقال : خرّب بالتشديد هدم، وأفسد وأخرب بالهمزة ترك الموضع خراباً وذهب عنه، وهو قول الفرّاء. قال المبرد : ولا أعلم لهذا وجهاً، وزعم سيبويه أنهما متعاقبان في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو : فرحته وأفرحته. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتهم بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها، ﴿بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ قال الزهري : وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أنّ لهم ما أقلت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم فيهدمونها، وينزعون ما استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم، ويخرّب المؤمنون باقيها. وقال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا ما خرّب من حصنهم. وقال مقاتل : إنّ المنافقين أرسلوا إليهم أن لا تخرجوا ودربوا عليهم الأزقة، وكان المسلمون سائر الجوانب. فإن قيل : ما معنى تخريبها لهم بأيدي المؤمنين ؟ أجيب : بأنهم لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه. وقال أبو عمرو بن العلاء : بأيديهم في تركهم لها، وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها. ولما كان في غاية الغرابة أن يعمل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوّه تسبب عن ذلك. قوله ﴿فاعتبروا﴾ أي : احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمّل في عظيم قدرة الله تعالى، والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخدّ. وسمي علم التعبير لأنّ صاحبه ينتقل من التخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات ؛ لأنها تنقل المعاني عن لسان القائل إلى عقل المستمع ويقال : السعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره. ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالاتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها. ثم بين أنّ الاعتبار لا يحصل إلا للكمّل بقوله تعالى :﴿يا أولي الأبصار﴾ بالنظر بإبصارهم وبصائرهم في غريب هذا الصنع، لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه، ولا تعتمدوا على غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإنّ من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته.

الحشر 59:3

﴿ولولا أن كتب الله﴾ أي : فرض فرضاً حتماً الملك الذي له الأمر كله ﴿عليهم الجلاء﴾ أي : الخروج من ديارهم والجولان في الأرض. فأمّا معظمهم فأجلاهم بختنصر من بلاد الشام إلى العراق، وأمّا هؤلاء فحماهم الله تعالى بمهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء، وجعله على يده صلى الله عليه وسلم فأجلاهم، فذهب بعضهم إلى خيبر، وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة. تنبيه :: قال الماوردي : الجلاء أخص من الخروج، لأنه لا يقال إلا للجماعة، والإخراج يكون للجماعة والواحد. وقال غيره : الفرق بينهما أنّ الجلاء ما كان مع الأهل والولد، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك ﴿لعذبهم﴾ أي : بالقتل والسبي ﴿في الدنيا﴾ كما فعل بقريظة من اليهود ﴿ولهم﴾ أي : على كل حال أجلوا أو تركوا ﴿في الآخرة﴾ التي هي دار البقاء ﴿عذاب النار﴾ وهو العذاب الأكبر.

الحشر 59:4

﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا، ويفعله بهم في الآخرة ﴿بأنهم شاقوا الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامّة فكانوا في شق غير شقه، بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعدما كانوا الموادعين ﴿و﴾ شاقوا ﴿رسوله﴾ أي : الذي إجلاله من إجلاله ﴿ومن يشاق الله﴾ أي : يوقع في الباطن مشاقة الملك الأعلى الذي لا كفؤ له في الماضي والحال والاستقبال ﴿فإن الله﴾ أي : المحيط بجميع العظمة ﴿شديد العقاب﴾ وذلك كما فعل بأهل خيبر.

الحشر 59:5

وقوله تعالى :﴿ما﴾ شرطية في موضع نصب بقوله تعالى :﴿قطعتم﴾ وقوله تعالى :﴿من لينة﴾ بيان له. واختلف في معنى قوله تعالى :﴿من لينة﴾ فأكثر المفسرين على أنها هي النخلة مطلقاً، كأنهم اشتقوها من اللين. قال ذو الرمة :[ من الطويل ] كان قتودي فوقها عش طائر؍ على لينة سوقاء تهفو جنوبها؍ وقال الزهري : هي النخلة ما لم تكن عجوة ولا برنية، وقال جعفر بن محمد : هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة، والعتيق : الفحل وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقال سفيان : هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضرس النخلة منها أحب إليهم من وصيف. وقيل : هي النخلة الكريمة، أي : القريبة من الأرض. وقيل : هي الفسيلة، أي : بالفاء وهي صغار النخل لأنها ألين من النخلة. وقيل : هي الأشجار كلها للينها بالحياة. وقال الأصمعي : هي الدقل. قال ابن العربي : والصحيح ما قاله الأزهري ومالك، وجمع اللينة لين ؛ لأنه من باب اسم الجنس كتمرة وتمر، وقد تكسر على ليان وهو شاذ لأن تكسر ما يفرق بتاء التأنيث شاذ كرطبة ورطب وأرطاب والضمير في قوله تعالى :﴿أوتركتموها قائمة﴾ عائد على معنى ما. ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال تعالى :﴿على أصولها فبأذن الله﴾ أي : فقطعها بتمكين الملك الأعظم، روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله تعالى عند ذلك وقالوا : يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم : بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله تعالى هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الأثم، وإن ذلك كان بإذن الله وعن ابن عمر قال :«حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع » واللام في قوله تعالى :﴿وليخزي الفاسقين﴾ متعلقة بمحذوف، أي : وأذن في قطعها ليخزي اليهود في اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد، وليسر المؤمنين ويعزهم، وليخزي الفاسقين. فإن قيل : لم خصت اللينة بالقطع ؟ أجيب : بأنه إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشدّ. واحتجوا بهذه الآية على أنّ حصون الكفرة وديارهم يجوز هدمها وتحريقها وتغريقها، وأن ترمى بالمجانيق، وكذا أشجارهم. وعن ابن مسعود : أنهم قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال، وروي : أنّ رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هذا تركتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا قطعتها غيظاً للكفار. وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضور النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول : كل مجتهد مصيب. وقال الكيا الطبري : وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبيّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي : وهذا باطل لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضوره صلى الله عليه وسلم وإنما يدل على اجتهاد النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه أخذاً بعموم الأدلة للكفار ودخولاً للأذن في الكل بما يقضي عليهم بالبوار، وذلك قوله تعالى :﴿وليخزي الفاسقين﴾.

الحشر 59:6

﴿وما أفاء الله﴾ أي : ردّ الملك الذي له الأمر كله ردّاً سهلاً بعد أن كان في غاية العسر والصعوبة ﴿على رسوله﴾ فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفرة عليه ظلماً وعدواناً، كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظلّ إلى الناحية التي كان ابتدأ منها ﴿منهم﴾ أي : ردّاً مبتدأ من الفاسقين فبين تعالى أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم بلا وارث، وكذا الفاضل عن وارث له غير حائز، وكذا الجزية وعشر تجارتهم، وما جلوا أي : تفرقوا عنه ولو لغير خوف كضرّ أصابهم. وأمّا الغنيمة فهي ما حصل لنا من الحربيين مما هو لهم بإيجاف حتى ما حصل بسرقة أو التقاط، وكذا ما انهزموا عنه عند التقاء الصفين ولو قبل شهر السلاح، أو أهداه الكافر لنا والحرب قائمة. ولم تحل الغنائم لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً جمعوه فتأتي نار من السماء فتأخذه، ثم أحلت لنبينا صلى الله عليه وسلم وكانت في صدر الإسلام له خاصة، لأنه كالمقاتلين كلهم نصرة وشجاعة بل أعظم، ثم نسخ ذلك واستقرّ الأمر على ما هو في سورة الأنفال في قوله تعالى :﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء﴾[الأنفال: ٤١] الآية وأما الفيء فهو مذكور هنا بقوله تعالى :﴿فما أوجفتم﴾ أي : أسرعتم يا مسلمين ﴿عليه﴾ ومن في قوله تعالى :﴿من خيل﴾ مزيدة، أي : خيلاً، وأكد بإعادة النافي دفعاً لظن من ظنّ أنه غنيمة لأحاطتهم به بقوله تعالى :﴿ولا ركاب﴾، والركاب الإبل غلب ذلك عليها من بين المركوبات، واحدها راكبة ولا واحد لها من لفظها. وقال الرازي : العرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً، والمعنى : لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، فإنها كانت من المدينة على ميلين، قاله الفرّاء فمشوا إليها مشياً، ولم يركبوا إليها خيلاً ولا إبلاً إلا النبي صلى الله عليه وسلم ركب جملاً، وقيل : حماراً مخطوماً بليف فافتتحها صلحاً. قال الرازي : إنّ الصحابة طلبوا من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر الله تعالى الفرق بين الأمرين، وأنّ الغنيمة هي التي تعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأمّا الفيء فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكان الأمر مفوّضاً فيه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء. ﴿ولكن الله﴾ أي : الذي له العز كله فلا كفؤ له ﴿يسلط رسله﴾ أي : له هذه السنة في كل زمن ﴿على من يشاء﴾ يجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعباً في قلوب أعدائه، ﴿والله﴾ أي : الملك الذي له الكمال كله، ﴿على كل شيء﴾ يصح أن تتعلق المشيئة به، وهو كل ممكن من التسليط وغيره، ﴿قدير﴾ أي : بالغ القدرة إلى أقصى الغايات فلا حق لكم فيه، ويختص به النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة، على ما كان عليه القسمة من أنّ لكل منهم خمس الخمس وله صلى الله عليه وسلم الباقي يفعل فيه ما يشاء.

الحشر 59:7

ثم بين تعالى مصرف الفيء بقوله تعالى :﴿ما أفاء الله﴾ أي : الذي اختص بالعزة والقدرة والحكمة ﴿على رسوله من أهل القرى﴾ أي : قرية بني النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية، فيخمس ذلك خمسة أخماس وإن لم يكن في الآية تخميس، فإنه مذكور في آية الغنيمة فحمل المطلق على المقيد، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم له أربعة أخماسه وخمس خمسة، ولكل من الأربعة المذكورين معه خمس خمس وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح فقوله تعالى :﴿فلله﴾ أي : الملك الأعلى الذي كله بيده ذلك للتبرّك، فإنّ كل أمر لا يبدأ فيه به فهو أجذم ﴿وللرسول﴾ أي : الذي عظمته من عظمته تعالى، وقد تقدم ما كان له صلى الله عليه وسلم وأمّا بعده صلى الله عليه وسلم فيصرف ما كان له من خمس الخمس لمصالح المسلمين، وسد ثغور، وقضاة، وعلماء بعلوم تتعلق بمصالح المسلمين كتفسير وقراءة، والمراد بالقضاة غير قضاة العسكر أمّا قضاته وهم الذين يحكمون لأهل الفيء في مغزاهم فيرزقون من الأخماس الأربعة لا من خمس الخمس، يقدّم وجوباً الأهمّ فالأهمّ. وأمّا الأربعة المذكورة معه صلى الله عليه وسلم فأولها المذكور في قوله تعالى :﴿ولذي القربى﴾ أي : منه، وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب لاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسم عليهم مع سؤال غيرهم من بني عميهم نوفل وعبد شمس له، ولقوله صلى الله عليه وسلم «أما بنو هاشم وبنو المطلب فشيء واحد، وشبك بين أصابعه » فيعطون ولو أغنياء لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى العباس وكان غنياً، ويفضل الذكر على الأنثى كالإرث فله سهمان ولها سهم، لأنه عطية من الله تعالى يستحق بقرابة الأب كالإرث سواء الكبير والصغير، والعبرة بالانتساب إلى الآباء فلا يعطى أولاد البنات من بني هاشم والمطلب شيئاً لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير وعثمان مع أن أم كل منهما كانت هاشمية. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، وأبو عمرو بين بين، والباقون بالفتح، وخالفهم أبو عمرو في واليتامى. ثانيها : المذكور في قوله تعالى :﴿واليتامى﴾ أي : الفقراء منا لأن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة لأنه مال أو نحوه أخذ من الكفار فاختص كسهم المصالح، واليتيم صغير ولو أنثى لخبر «لا يتم بعد احتلام » رواه أبو داود وحسنه النووي وإن ضعفه غيره لا أب له، وإن كان له أمّ. وحد اليتيم في البهائم من فقد أمّه، وفي الطير من فقد أباه وأمّه، ومن فقد أمّه فقط من الآدميين يقال له : منقطع. ثالثها : المذكور في قوله تعالى :﴿والمساكين﴾ الصادقين بالفقراء، وهم أهل الحاجة منا وتقدّم تعريفهما في سورة الأنفال، وكذا تعريف الرابع المذكور في قوله تعالى :﴿ابن السبيل﴾ أي : الطريق الفقير منا ذكوراً كانوا أو إناثاً، ولو اجتمع في واحد من هذا الأصناف يتم ومسكنة أعطي باليتم فقط، لأنه وصف لازم والمسكنة زائلة، وللإمام التسوية والتفضيل بحسب الحاجة ويعم الإمام ولو بنائبه الأصناف الأربعة الأخيرة بالإعطاء وجوباً لعموم الآية فلا يخص الحاضر بموضع حصول الفيء، ولا من في كل ناحية منهم بالحاصل فيها نعم لو كان الحاصل لا يسد مسدّاً بالتعميم قدم الأحوج فالأحوج، ولا يعمّ للضرورة. ومن فقد من الأربعة صرف نصيبه للباقين منهم، وأمّا الأخماس الأربعة فهي للمرتزقة، وهم المرصدون للجهاد بتعيين الإمام لهم بعمل الأولين به بخلاف المتطوّعة فلا يعطون من الفيء بل من الزكاة عكس المرتزقة، ويشرك المرتزقة قضاتهم كما مرّ وأئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم، ويجب على الإمام أن يعطي كل من المرتزقة بقدر حاجة ممونه من نفسه، وغيرها كزوجاته ليتفرّغ للجهاد ويراعي في الحاجة الزمان والمكان والرخص والغلاء، وعادة الشخص مروأة وضدّها ويزادان زادت حاجته بزيادة ولد، أو حدوث زوجة فأكثر ومن لا عبد له يعطى من العبيد ما يحتاجه للقتال معه، أو لخدمته إن كان ممن يخدم، ويعطي مؤنته. ومن يقاتل فارساً ولا فرس له يعطي من الخيل ما يحتاجه للقتال، ويعطى مؤنته بخلاف الزوجات يعطى لهنّ مطلقاً لانحصارهن في أربع، ثم ما يدفعه إليه لزوجته وولده الملك فيه لهما حاصل من الفيء. وقيل : يملكه هو ويصير إليهما من جهته، فإن مات أعطى الإمام أصوله وزوجاته وبناته إلى أن يستغنوا، ويسنّ أن يضع الإمام ديواناً وهو الدفتر الذي يثبت فيه أسماء المرتزقة وأوّل من وضعه عمر رضي الله عنه وأن ينصب لكل جمع عريفاً، وأن يقدّه في اسم وإعطاء قريشاً لشرفهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ولخبر قدّموا قريشاً، وأن يقدم منهم بني هاشم وبني المطلب فبني عبد شمس فبني عبد العزى فسائر بطون العرب الأقرب فالأقرب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسائر العرب فالعجم، ولا يثبت في الديوان من لا يصلح، ومن مرض فكصحيح وإن لم يرج برؤه، ويمحى اسم كل من لم يرج، وما فضل عنهم وزع عليهم بقدر مؤنتهم وللإمام صرف بعضه في ثغور وسلاح وخيل ونحوها، وله وقف عقار فيء أو بيعه وقسم غلته أو ثمنه كقسم المنقول أربعة أخماسه للمرتزقة وخمسة للمصالح، وله أيضاً : قسمه كالمنقول لكن خمس الخمس الذي للمصالح لا سبيل إلى قسمته. ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في الجاهلية من اختصاص الأغنياء به بين علته المظهرة لعظمته بقوله تعالى :﴿كي لا يكون﴾ أي : الفيء الذي يسره الله تعالى بقوّته من قذف الرعب في قلوب أعدائه، ومن حقه أن يعطاه الفقراء ﴿دولة﴾ أي : متداولاً ﴿بين الأغنياء منكم﴾ أي : يتداوله الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية، فإنهم كانوا يقولون : من عزيز، ومنه قول الحسن : اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، يريد : من غلب منهم أخذه واستأثر به. وقرأ هشام بخلاف عنه تكون بالتأنيث دولة بالرفع، والباقون بالتذكير والنصب، فأمّا الرفع فعلى أن كان تامّة، وأمّا التأنيث والتذكير فواضحان ؛ لأنه تأنيث مجازي، وأما النصب فعلى إنها الناقصة واسمها ضمير عائد على الفيء. والتذكير واجب لتذكير المرفوع، ودولة خبرها، وقيل : دولة عائد على ما اعتباراً بلفظها، وكي لا هنا مقطوعة في الرسم. ﴿وما آتاكم الرسول﴾ أي : وكل شيء أحضره لكم الكامل في الرسالة من الغنيمة، أو مال الفيء أو غيره ﴿فخذوه﴾ أي : فاقبلوه لأنه حلال لكم، وتمسكوا به فإنه واجب الطاعة ﴿وما نهاكم عنه﴾ أي : من جميع الأشياء ﴿فانتهوا﴾ لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يقول ولا يفعل إلا ما أمر ربه عز وجل. تنبيه : هذه الآية تدل على أنّ كل ما أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر من الله تعالى لأنّ الآية، وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه داخل فيها. قال عبد الرحمن بن زيد : لقي ابن مسعود رجلاً محرماً وعليه ثيابه، فقال : انزع عنك هذا، فقال الرجل : تقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله تعالى، قال : نعم ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي : سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول : سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم قال : فقلت له : أصلحك الله ما تقول في المحرم يقتل الزنبور، قال : فقال : بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى :﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر » حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن أسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب : أنه أمر بقتل الزنبور. وهذا الجواب في غاية الحسن أفتى بقتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدى فيه بعمر، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، وأنّ الله تعالى أمر بقبول ما يقوله صلى الله عليه وسلم فجواز قتله من الكتاب والسنة. وسئل عكرمة عن أمّهات الأولاد هل هنّ أحرار ؟ فقال : في سورة النساء في قوله تعالى :﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩] وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى » فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب فجاءت فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال : لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ قالت : بلى، قال : فإنه قد نهى عنه الحديث. فائدة : الوشم : هو غرز العضو من الإنسان بالإبرة، ثم يحشى بالكحل. والمستوشمة، هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، والنامصة : هي التي تنتف الشعر من الوجه، والمتفلجة : هي التي تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة، وقيل : تتفلج في مشيها في كل شيء منهي عنه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح والهمزة ممدودة بلا خلاف لأنها بمعنى الإعطاء. ﴿واتقوا الله﴾ أي : واجعلوا لكم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاية من عذاب الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة، وعلل ذلك بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق ﴿شديد العقاب﴾ أي : العذاب الواقع بعد الذنب. قال البقاعي ومن زعم أن شيئاً مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد أخطأ، لأنّ الأنفال نزلت في بدر، وهي قبل هذه بمدّة.

الحشر 59:8

وقوله تعالى :﴿للفقراء﴾ أي : الذين كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد وماله دثار غيرها بدل من لذي القربى، وما عطف عليه قاله الزمخشري. والذي منع الإبدال من لله وللرّسول والمعطوف عليهما وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ الله تعالى أخرج رسوله صلى الله عليه وسلم من الفقراء في قوله تعالى :﴿وينصرون الله ورسوله﴾ ولأنه تعالى يترفع برسوله صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالفقير، وقال غيره : إنه خبر لمبتدأ محذوف، أي : ولكن الفيء للفقراء. وقيل تقديره : ولكن يكون للفقراء، وقيل تقديره : أعجبوا للفقراء، واقتصر على هذا التقدير الجلال المحلى. وإنما جعله الزمخشري بدلاً من لذي القربى لأنه حنفي، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيء، ولذا قال البيضاوي : ومن أعطى أغنياء ذوي القربى، أي : كالشافعي خصص الإبدال بما بعده، أو الفيء بفيء بني النضير ا. ه. أوانهم كانوا عند نزول الآية كذلك، ثم خصص بالوصف بقوله تعالى :﴿المهاجرين﴾ وقيد ذلك بقوله تعالى :﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ لأنّ الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غيره مفارقة الوطن وقوله تعالى :﴿وأموالهم﴾ إشارة إلى أنّ المال لما كان يستره الإنسان كان كأنه ظرف له. ولما كان طلب الدنيا من النقائص بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، وأنه لا يكون فادحاً في الإخلاص فقال تعالى :﴿يبتغون﴾ أي : اخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد، وبين أنه لا يجب عليه سبحانه لأحد شيء بقوله تعالى :﴿فضلاً من الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا كفء له، لأنه المختص بجميع صفات الكمال فيغنيهم بفضله عمن سواه ﴿ورضوانا﴾ بأن يوفقهم لما يرضيه عنهم، ولا يجعل رغبتهم في العوض منه فادحاً في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته وقرأ شعبة بضم الراء، والباقون بكسرها ﴿وينصرون﴾ أي : على سبيل التجديد والاستمرار ﴿الله﴾ أي : دين الملك الأعظم ﴿ورسوله﴾ الذي عظمته من عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان ﴿أولئك﴾ أي : العالو الرتبة في الأخلاق الفاضلة ﴿هم الصادقون﴾ أي : العريقون في هذا الوصف، لأنّ مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث نابذوا من عاداهما، ووالوا أولياءهما وإن بعدت دارهم وشط مزارهم.

الحشر 59:9

ثم اتبع ذكر المهاجرين بذكر الأنصار الذين كانوا في كل حال معه صلى الله عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل مهما شاء فعل ومهما أراد منهم صاروا إليه بقوله تعالى :﴿والذين تبوّؤوا﴾ أي : جعلوا بغاية جهدهم ﴿الدار﴾ أي : الكاملة في الدور التي جعلها الله تعالى في الأزل للهجرة، وهيأها للنصرة وجعلها محل إقامتهم. وفي قوله تعالى :﴿والإيمان﴾ أوجه : أحدها : أنه ضمن تبوّؤوا معنى لزموا فيصح عطف الإيمان عليه ؛ إذ الإيمان لا يتبوأ. ثانيها : أنه منصوب بمقدر، أي : واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو وأخلصوا كقول القائل : علفتها تبناً وماء بارداً *** وقول الآخر : ومقلداً سيفاً ورمحاً *** ثالثها : أنه يتجوّز في الإيمان فيجعل لاختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم، فكأنهم نزلوه وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وفيه خلاف مشهور. رابعها : أن يكون الأصل دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه. خامسها : أن يكون سمى المدينة به، لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان، قال : هذين الوجهين الزمخشري، وليس فيه إلا قيام أل مقام المضاف إليه وهو محل خلاف، وهو أن أل هل تقوم مقام الضمير المضاف إليه فالكوفيون يجوّزونه كقوله تعالى :﴿فإنّ الجنة هي المأوى﴾ [النازعات: ٤١] أي : مأواه، والبصريون يمنعونه ويقولون الضمير محذوف، أي : المأوى له. وأما كونها عوضاً عن المضاف إليه، فقال ابن عادل : لا نعرف فيه خلافاً. سادسها : أنه منصوب على المفعول معه، أي : مع الإيمان. قال وهب : سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال : إنّ المدينة تبوّئت بالإيمان والهجرة، وإنّ غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ ﴿والذين تبوّؤوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ أي : وهم الأنصار ﴿يحبون﴾ أي : على سبيل التجديد والاستمرار ﴿من هاجر﴾ وزادهم محبة فيهم بقوله تعالى :﴿إليهم﴾ لأنّ القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه، لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه ﴿ولا يجدون في صدورهم﴾ أي : التي هي مساكن قلوبهم فضلاً عن أن تنطق ألسنتهم ﴿حاجة﴾ قال الحسن : حسداً وحزازة وغيظاً ﴿مما أوتوا﴾ أي : آتى النبيّ المهاجرين من أموال بني النضير وغيرهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة لأنّ هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة، فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية. فعلى هذا يكون الضمير الأوّل للجائين بعد المهاجرين، وفي أوتوا للمهاجرين. وقيل : إنّ الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه، والمعنى : ولا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة، تقول : خذ منه حاجته، وأعطاه من ماله حاجته قاله الزمخشري : والضميران على ما تقدم، وقال أبو البقاء : مس حاجة، أي : أنه حذف المضاف للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوؤوا الدار والإيمان. قال القرطبي : كان المهاجرون في دور الأنصار فلما غنم صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير دعا الأنصال وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال صلى الله عليه وسلم «إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبينهم وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم » فقال سعد بن عبادة، وسعد ابن معاذ : بل تقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين، أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. ولما أخبر تعالى عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الأخبار بتحليهم بالفضائل فقال عز من قائل :﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ فيبذلون لغيرهم كائناً من كان ما في أيديهم، فإنّ الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية، وذلك ينشأ عن قوّة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة عن الرذائل فإنّ النفس إذا طهرت كان القلب أطهر وأكد ذلك بقوله تعالى :﴿ولو كان﴾ أي كونا هو في غاية المكنة ﴿بهم﴾ أي خاصة لا بالمؤثر ﴿خصاصة﴾ أي : فقر وحاجة إلى ما يؤثرون به. روي عن أبي هريرة أن رجلاً بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته : نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية. وعنه أيضاً قال :«جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يضيف هذا الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال : لامرأته هل عندك شيء ؛ قالت : لا إلا قوت صبياني، قال : فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج » وذكر نحو الحديث الأول. وفي رواية فقام رجل من الأنصار يقال له : أبو طلحة فانطلق به إلى رحله. وذكر المهدوي أنها نزلت في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار يقال له : أبو المتوكل، ولم يكن عنده إلا قوته. وذكر القشيري قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة، فقال : إنّ أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثها إليهم، فلم يزل يبعث بها واحد إلى آخر حتى تناولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت الآية. وذكر القرطبي عن أنس قال : أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهوداً فوجه بها إلى جار له فتداولها سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عادت إلى الأوّل فنزلت. فإن قيل : قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء أجيب : بأن محل النهي فيمن لا يوثق منه بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرّض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله تعالى عليهم بالإيثار على أنفسهم فكانوا كما قال تعالى :﴿والصابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس﴾ [البقرة: ١٧٧] فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. كما روي «أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب، فقال : هذه صدقة فرماه بها، وقال : يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد فيتكفف الناس » والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال : والجود بالنفس أعلى غاية الجود، وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم فيقول له أبو طلحة : لا تشرف يا رسول الله لا يصيبونك نحري دون نحرك »، ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت. وقال حذيفة الدوري انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي فإذا برجل يقول : آه، آه. فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاصي فقلت أسقيك فأشار أن نعم فسمع آخر يقول آه آه فأشار هشام أن انطلق عليه فجئت إليه، فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وقال أبو يزيد البسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم إلينا حاجاً، فقال لي : يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم، فقلت : إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال : هكذا كلاب بلخ فقلت : وما حد الزهد عندكم، فقال : إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا. وسأل ذو النون ما حد الزهد قال : ثلاث : تفريق المجموع، وترك تطلب المفقود، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى الري، وبينهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئاً إيثاراً لصاحبه على نفسه ﴿ومن يوق شح نفسه﴾ أي : يجعل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعاً لما عنده حريصاً على ما عند غيره حسداً. قال ابن عمر الشح : أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال صلى الله عليه وسلم «اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ». وقال القرطبي : الشح والبخل سواء، وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل. وفي الصحاح : الشح البخل مع حرص، والمراد بالشح في الآية الشح بالزكاة، وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة وما شاكل ذلك وليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك، وإن أمسك عن نفسه، ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكر من الزكاة والطاعات فلم يوق شح نفسه. روى الأموي عن ابن مسعود : أنّ رجلاً أتاه فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال : وما ذاك قال سمعت الله يقول : ومن يوق شح نفسه، وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يدي شيئاً، فقال ابن مسعود : ليس ذلك الذي ذكر الله تعالى، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل، ففرق بين الشح والبخل. وقال طاوس : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام فلا يقنع، وقال بعضهم : ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له. وقال ابن جبير : الشح منع الزكاة، وادخار الحرام وقال ابن عيينة : الشح الظلم. وقال الليث : ترك الفرائض، وانتهاك المحارم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان، فذلك الشحيح وقال ابن زيد : من لم يأخذ شيئاً نهاه الله تعالى عنه، ولم يمنع شيئاً أمره الله تعالى بإعطائه فقد وقاه الله تعالى شح نفسه. وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«برئ من الشح من أدى الزكاة، وأقرى الضيف، وأعطى في النائبة » وعنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم «كان يدعو اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها وسوأتها » وقال ابن الهياج الأسدي : رأيت رجلاً في الطواف يدعو اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك، فقلت له : فقال : إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أقتل فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. قال القرطبي : ونزل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم «اتقوا الظلم فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنّ الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماؤهم واستحلوا محارهم » وعن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم في جوف عبد أبداً » وقال كسرى لأصحابه : أي شيء أضرّ بابن آدم ؟ قالوا : الفقر، فقال : الشح أضر من الفقر لأنّ الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبداً ﴿فأولئك﴾ أي : العالو المنزلة ﴿هم المفلحون﴾ أي : الكاملون في الفوز بكل مراد، قال القشيري : ومجرد القلب من الأعر

الحشر 59:10

ولما أثنى سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار بما هم عليه وأهله أتبعهم ذكر التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين فقال تعالى :﴿والذين جاؤوا﴾ أي : من أي طائفة كانوا ﴿من بعدهم﴾ أي بعد المهاجرين والأنصار، وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح، وبعد إيمان الأنصار الذين أسلموا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ﴿يقولون﴾ على سبيل التجديد والاستمرار تصديقاً لإيمانهم بدعائهم :﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا ﴿اغفر لنا﴾ أي : أوقع ستر النقائص آثارها وأعيانها ﴿ولإخواننا﴾ أي : في الدين فإنهم أعظم أخوة، وبينوا العلة بقولهم :﴿الذين سبقونا بالإيمان﴾ قال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل : المهاجرين، والذين تبوؤوا الدار والإيمان، والذي جاؤوا من بعدهم فاجتهد أن لا تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم : كن مهاجراً، فإن قلت : لا أجد فكن أنصارياً، فإن لم تجد فاعمل بأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمر الله تعالى. وقال مصعب بن سعد : الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقول في عثمان فقال له يا أخي أنت من قوم قال الله تعالى فيهم :﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية، قال : لا، قال : فأنت من قوم قال الله تعالى فيهم :﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان﴾ الآية، قال : لا، قال : فو الله إن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجنّ من الإسلام، وهي قوله تعالى :﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ الآية وروي أنّ نفراً من أهل العراق جاؤوا إلى محمد بن علي بن الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فأكثروا، فقال لهم : أمن المهاجرين الأولين أنتم، فقالوا : لا فقال : من الذين تبوؤوا الدار والإيمان، قالوا : لا قال : فقد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى :﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ قوموا فعل الله بكم وفعل. تنبيه : هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحداً منهم، أو اعتقد فيهم شراً أنه لا حق له في الفيء. قال مالك : من كان يبغض أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه لهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ الآية، وهي عامة في جميع التابعين الآتين بعدهم إلى يوم القيامة. يروى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال :«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت لو رأيت إخواننا، فقالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض » فبين صلى الله عليه وسلم أن أخوانه كان من أتى بعدهم كما قال السدي والكلبي : إنهم الذي هاجروا بعد ذلك، وعن الحسن أيضاً : أنّ الذين جاؤوا من بعدهم من قصد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة، وإنما بدؤوا في الدعاء بأنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم «ابدأ بنفسك » وقال الشعبي : تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سألت اليهود من خير أهل ملتكم فقالوا : أصحاب موسى، وسألت الأنصار من خير أهل ملتكم فقالوا : أصحاب عيسى، وسألت الرافضة من شر أهل ملتكم فقالوا : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«لا تذهب هذه الأمّة حتى يلعن آخرها أوّلها » أعاذنا الله تعالى ومحبينا من الأهواء المضلة ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلاً﴾ أي : ضغناً وحسداً وحقداً، وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام ﴿للذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته وقيدوا بالقلب لأنّ رذائل النفس قل أن تنفك، وأنها إن كانت مع صحة القلب أو شك أن لا تؤثر ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا بتعليم ما لم نكن نعلم، وأكدوا إعلاماً بأنهم يعتقدون ما يقولون بقولهم :﴿إنك رؤوف﴾ أي : راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير، ﴿رحيم﴾ مكرم غاية الإكرام لمن أردت، ولو لم يكن له وصلة فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن تكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة، أو لا فنكون من أهل الرحمة. فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غلّ على أحد من الصحابة فليس ممن عنى الله تعالى بهذه الآية. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بكسر الهمزة، والباقون بمدها.

الحشر 59:11

ولما ذكر حال المؤمنين اتبعهم بذكر حال المنافقين فقال تعالى :﴿ألم تر﴾ أي : تعلم علماً هو في غاية الجزم كالمشاهدة يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف العالي بأداة الانتهاء فقال تعالى :﴿إلى الذين نافقوا﴾ أي : أظهروا غير ما أضمروا وبالغوا في إخفاء عقائدهم، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، قالوا : والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من الضب في نافقائه وقاصعائه وصور حالهم بقوله تعالى :﴿يقولون لإخوانهم الذين كفروا﴾ أي : غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق ﴿من أهل الكتاب﴾ وهم اليهود من بني قريظة والنضير. والأخوان هم الأخوة، وهي هنا تحتمل وجوهاً : أحدها : الأخوة في الآخرة لأنّ اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وثانيها : الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة. وثالثها : الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا لليهود :﴿لئن أخرجتم﴾ أي : من مخرجّ ما من المدينة ﴿لنخرجن معكم﴾ أي : منها ﴿ولا نطيع فيكم﴾ أي في خذلانكم ﴿أحداً﴾ أي يريد خذلانكم من الرسول والمؤمنين. وأكدوا بقولهم :﴿أبداً﴾ أي : ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم يستحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب ﴿وإن قوتلتم﴾ أي : من أي مقاتل كان يقاتلكم ولم تخرجوا ﴿لننصرنكم﴾ أي : لنعيننكم ولنقاتلنّ معكم. ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه بين حاله سبحانه بقوله تعالى :﴿والله﴾ أي : يقولون ذلك والحال أنّ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿يشهد إنهم﴾ أي : المنافقين ﴿لكاذبون﴾ أي : فيما قالوا ووعدوا، وهذا من أعظم دلائل النبوّة لأنه إخبار بغيب بعيد عن العادة.

الحشر 59:12

ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين بقوله تعالى :﴿لئن أخرجوا﴾ أي : بنو النضير من أي مخرج كان ﴿لا يخرجون﴾ أي : المنافقون ﴿معهم﴾ أي : حمية لهم لأسباب يعلمها الله تعالى :﴿ولئن قوتلوا﴾ أي : اليهود من أيّ مقاتل كان، فيكف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم ﴿لا ينصرونهم﴾ أي : المنافقون. ولقد صدق الله تعالى وكذبوا في الأمرين معاً القتال والإخراج لا نصروهم ولا خرجوا معهم فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكاً فضلاً عن الموفقين ﴿ولئن نصروهم﴾ أي : المنافقون في وقت من الأوقات ﴿ليولنّ﴾ أي : المنافقون ومن ينصرونه. وحقرهم بقوله تعالى :﴿الأدبار﴾ أي : ولقد قدر وجود نصرهم لولوا الأدبار منهزمين ﴿ثم لا ينصرون﴾ أي : يتجدّد لفريقيهم، ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات. ولم يزل المنافقون واليهود في الذل.

الحشر 59:13

﴿لأنتم﴾ أيها المؤمنون ﴿أشد رهبة﴾ أي : خوفاً ﴿في صدورهم﴾ أي : اليهود ومن ينصرهم ﴿من الله﴾ أي : لتأخير عذابه، وأصل الرهبة والرهب : الخوف الشديد مع حزن واضطراب، والمعنى : أنهم يرهبونكم ويخافون منكم أشد الخوف، وأشد من رهبتهم من الله لما مرّ. ﴿ذلك﴾ أي : الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف لرؤيتهم له، وعدم خوفهم من الخالق على ماله من العظمة في ذاته، ولكونه غنياً عنهم ﴿بأنهم قوم﴾ أي : على ما لهم من القوة ﴿لا يفقهون﴾ أي : لا يتجدّد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات، فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أنّ الله تعالى هو الذي ينبغي أن يخشى لا غيره، بل هم كالأنعام لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات. والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة.

الحشر 59:14

﴿لا يقاتلونكم﴾ أي : اليهود والمنافقون ﴿جميعاً﴾ أي : قتالاً تقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن ﴿إلا في قرى محصنة﴾ أي : ممتنعة بحفظ الدروب، وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها ﴿أو من وراء جدر﴾ أي : محيط بهم سواء كان بقرية أم بغيرها لشدّة خوفهم، وقد أخرج هذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كالأسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك فإنه لم يكن عن اجتماع أو يكون هذا خاصاً ببني النضير في هذه الكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمر وبكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها وأمال الألف أبو عمرو، والباقون بضم الجيم والدال ﴿بأسهم﴾ أي : حربهم ﴿بينهم شديد﴾ أي : بعضهم فظ على بعض وعداوة بعضهم بعضاً شديدة. وقيل : بأسهم بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله تعالى :﴿تحسبهم﴾ أي : اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق، أو يا أيها الناظر وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بكسر السين، والباقون بفتحها ﴿جميعاً﴾ لما هم فيه من اجتماع الأشباح ﴿وقلوبهم شتى﴾ أي : متفرقة أشدّ افتراقاً، وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم، وإن اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب. قال القشيري : اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد، وموجب كل تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمة، والتساوي في القصد موجب كل ظفر، وكل سعادة. وقرأ شتى الحسن وحمزة والكسائي بالإمالة محصنة، وورش بالفتح وبين اللفظين وأبو عمرو بين بين، والباقون بالفتح، وهي على وزن فعلى ﴿ذلك﴾ أي : الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يحيل الاجتماع ﴿بأنهم قوم﴾ أي : مع شدتهم ﴿لا يعقلون﴾ فلا دين لهم مثلهم في ترك الإيمان.

الحشر 59:15

﴿كمثل الذين من قبلهم قريباً﴾ أي : بزمن قريب، وهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأساً شديداً عندما قصدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في أثر غزوة بدر، فوعظهم وحذرهم بأس الله تعالى فقالوا : لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم أما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، ثم مكروا بامرأة من المسلمين فراودوها عن كشف وجهها فأبت، فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها فلما قامت انكشف سوقها فصاحت، فغار لها شخص من الصحابة فقتل اليهودي الذي عقد ثوبها، فقتلوه فانتقض عهدهم فأنزل الله النبيّ صلى الله عليه وسلم بساحتهم فأذلهم الله تعالى، ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا حلفاء ابن أبي، ولم يغن عنهم شيئاً غير أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم، فذهبوا عن المدينة الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء. ﴿ذاقوا وبال أمرهم﴾ أي : عقوبته في الدنيا من القتل وغيره ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم في الآخرة.

الحشر 59:16

مثلهم أيضاً في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم ﴿كمثل الشيطان﴾ أي : البعيد من كل خير لبعده من الله تعالى المحترق بعذابه، والشيطان هنا مثل المنافقين ﴿إذ قال للإنسان﴾ وهو هنا مثل اليهود ﴿اكفر﴾ أي : بالله بما زين له ووسوس إليه من اتباعه الشهوات القائم مقام الأمر. ﴿فلما كفر﴾ أي : أوجد الإنسان الكفر على أيّ وجه. ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه. ﴿قال﴾ أي : الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين ﴿إني بريء منك﴾ أي : ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلاً ظناً منه أنّ هذه البراءة تنفعه شيئاً مما استوجبه المأمور بقبوله لآمره، وذلك مثل ضربه الله تعالى للمنافقين واليهود في انخذالهم وعدم الوفاء في نصرتهم. وحذف حرف العطف ولم يقل وكمثل الشيطان لأنّ حذف العطف كثير. كقولك : أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم، وقوله ﴿كمثل الشيطان﴾ كالبيان لقوله تعالى :﴿كمثل الذين من قبلهم﴾ روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنّ الإنسان الذي قال له الشيطان : راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفاً من أن يفتضح فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاؤوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه فجاءه الشيطان، فوعده إن سجد له أنجاه منهم فسجد له فتبرأ منه » وروى عطاء وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان راهب يقال له : برصيصا تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله تعالى فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه في أمره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين، فقال : ألا أجد فيكم من يكفيني برصيصا فقال له : الأبيض وهو صاحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي تصدى للنبيّ صلى الله عليه وسلم وجاءه في صورة جبريل عليه السلام ليوسوس إليه على وجه الوحي، فدفعه جبريل عليه السلام إلى أقصى أرض الهند، فقال الأبيض لإبليس : أنا أكفيك أمره فانطلق فتزيا بزيّ الرهبان، وحلق وسط رأسه، وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام مرّة ولا يفطر في كل عشرة أيام إلا مرة فلما رآه الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العباد في أصل صومعته فلما انفتل برصيصا اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائماً يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم على نفسه حين لم يجبه، فقال له : إنك حين ناديتني كنت مشتغلاً عنك فما حاجتك ؟ قال : حاجتي أني أحببت أن أكون معك فأتأدب بأدبك، وأقتبس من علمك، ونجتمع على العبادة، وتدعو لي، وأدعو لك فقال برصيصا : إني لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمناً فإن الله سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين نصيباً إن استجاب الله لي، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، فأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوماً، فلما التفت بعدها رآه قائماً يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض، قال له : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن تأذن لي أن أرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام حولاً يتعبد فلا يفطر إلا في كل أربعين يوماً مرة، ولا ينفتل من صلاته إلا كذلك وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض فلما حال الحول قال الأبيض برصيصا إن لي صاحباً غيرك ظننت أنك أشد اجتهاداً مما رأيت، وكان بلغنا عنك أنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد، وكره مفارقته للذي رآه من شدة اجتهاده فلما ودعه الأبيض قال له : إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه، يشفي الله تعالى بها المريض، ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا : أني أكره هذه المنزلة لأن في نفسي شغلاً، وإني أخاف إن علم به الناس يشغلوني عن عبادة ربي عز وجل، فلم يزل به الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال : والله قد أهلكت الرجل. فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فجننه، ثم جاءه في صورة رجل مطبب، فقال لأهله : إن بصاحبكم جنوناً أفأعالجه ؟ قالوا : نعم، فقال : إني لا أقوى على جنيته، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله تعالى فيعافيه. انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب، فانطلقوا به إليه فسألوه فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون. فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل، وكان لها ثلاثة أخوة، وكان أبوهم هو الملك فلما مات استخلف أخاه فكان عمها ملك بني إسرائيل قصد لها وخنقها، ثم جاء إليهم في صورة رجل مطبب فقال أفأعالجها ؟ قالوا : نعم، قال : إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده، إذا جاءها شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها قد عوفيت فتردونها صحيحة، قالوا : ومن هو ؟ قال : برصيصاً، قالوا : كيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأناً من ذلك، قال : ابنوا صومعة إلى جنب صومعته، ولتكن لزيق صومعته حتى يشرف عليها فإن قبلها وإلا فتضعونها في صومعتها، ثم قولوا له : هي أمانة عندك فاحتسب أمانتك. فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعة على ما أمرهم به الأبيض، ووضعوا الجارية في صومعتها، وقالوا : يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك فاحتسب فيها، ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا من صلاته عاين الجارية، وما هي عليه من الجمال فوقعت في قلبه، ودخل عليه أمر عظيم فجاءها الشيطان فخنقها فكانت تكشف عن نفسها وتتعرض لبرصيصا، فجاء الشيطان وقال : ويحك واقعها فلم تجد مثلها وستتوب بعد ذلك، ويتم لك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان : ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب، فإن سألوك فقل ذهب بها شيطانها ولم أقو عليه، فدخل فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاء الشيطان وهو يدفنها ليلاً فأخذ بطرف إزارها فبقي خارجاً من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته ؛ إذ جاء أخوتها يتعهدون أختهم، وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها ويوصونه بها، فلما لم يجدوها قالوا : يا برصيصا ما فعلت أختنا ؟ قال : قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه، فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا مكروبين جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال : ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنه دفنها في موضع كذا وكذا، فقال الأخ : هذا حلم وهو من عمل الشيطان، برصيصا خير من ذلك فتابع عليه ثلاث ليال، فلم يكترث فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك، فقال الأوسط له ما قال الأكبر ولم يخبر به أحداً، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال الأصغر لأخويه : والله لقد رأيت كذا وكذا، فقال الأوسط : أنا والله رأيت مثله، وقال الأكبر : أنا والله رأيت مثله. فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا له : ما فعلت بأختنا ؟ فقال : أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم قد اتهمتموني، فقالوا : والله لا نتهمك واستحيوا منه وانصرفوا، فجاءهم الشيطان، وقال : ويحكم إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في النوم فذهبوا إليه ومعهم غلمانهم ومواليهم بالفؤوس والمساحي فهدموا صومعة برصيصا، وأنزلوه منها وكتفوه ثم أتوا به إلى الملك فأقرّ على نفسه، وذلك أنّ الشيطان أتاه فقال : تقتلها، ثم تكابر فيجتمع عليك أمران قتل ومكابرة اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال : يا برصيصاً تعرفني، قال : لا، قال : أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب لك ويحك أما اتقيت الله تعالى في الأمانة خنت أهلها، وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحيت فلم يزل يعيره، ثم قال : ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وأشباهك من الناس، فإن مت على هذه الحالة فلم يفلح أحد من نظائرك، قال : فكيف أصنع ؟ قال : تطيعني في خصلة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه، فأخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك، قال : وما هي ؟ قال : تسجد لي، قال : أفعل فسجد له فقال : يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك إني بريء منك ». ﴿إني أخاف الله﴾ أي : الملك الذي لا أمر لأحد معه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بسكونها ﴿رب العالمين﴾ أي : الذي أوجدهم من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا، فلا يغني أحد من خلقه عن أحد شيئا إلا بإذنه.

الحشر 59:17

﴿فكان﴾ أي : فتسبب عن قوله ذلك أنه كان ﴿عاقبتهما﴾ أي : الغار والمغرور ﴿أنهما في النار﴾ حال كونهما ﴿خالدين فيها﴾ لأنهما ظلما ظلماً لا فلاح معه ﴿وذلك﴾ أي : العذاب الأكبر ﴿جزاء الظالمين﴾ أي : كل من وضع العبادة في غير موضعها، أو هم الكافرون لقوله تعالى :﴿إنّ الشرك لظلم عظيم﴾[لقمان: ١٣] قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ضرب الله تعالى هذا المثل ليهود بني النضير، والمنافقين من أهل المدينة فدس المنافقون إليهم، وقالوا : لا تجيبوا محمداً إلى ما دعاكم إليه، ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم فإنا معكم فأجابوهم، وإن أخرجوكم خرجنا معكم فأجابوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين فناصبوهم الحرب فخذلوهم وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصاً، وخذله فكان عاقبة الفريقين في النار. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وكانت الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلا بالتقية والكتمان، وطمع أهل الفسوق في الأحبار، ورموهم بالبهتان حتى كان أمر جريج الراهب، فلما برأه الله تعالى مما رموه به انبسطت بعده الرهبان، وظهروا للناس وكانت قصة جريج ما روي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلاً عابداً فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتت أمه وهو يصلي فقالت : يا جريج، فقال رب أمي وصلاتي وأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته، فقال : مثل مقالته الأولى فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت : إن شئتم لأفتننه لكم، قال : فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت : هو من جريج فأتوه فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه فقال : ما شأنكم ؟ فقالوا : زنيت بهذه البغي فحلمت منك، فقال : أين الصبيّ فجاؤوا به، فقال : دعوه حتى أصلي فلما انصرف من صلاته أتى الصبيّ وطعن في بطنه، وقال : يا غلام من أبوك، فقال : فلان الراعي، قال : فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب، قال : لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا. والثالث : كلم أمه وهي ترضعه في قصة مشهورة ».

الحشر 59:18

﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان باللسان ﴿اتقوا الله﴾ أي : اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم باتباع أوامره واجتناب نواهيه، واحذروا عقوبته بسبب التقصير فيما حدّه لكم من أمر أو نهي ﴿ولتنظر نفس ما قدّمت لغد﴾ أي : في يوم القيامة لأنّ هذه الدنيا كلها كيوم واحد يجيء فيه ناس ويذهب آخرون، والموت والآخرة لا بدّ من كل منهما، وكل ما لا بدّ منه فهو في غاية القرب، والعرب تكني عن المستقبل بالغد. وقيل : ذكر الغد تنبيهاً على أنّ الساعة قريبة كقول القائل : وإنّ غداً لناظره قريب. وقال الحسن وقتادة : قرب الساعة حتى جعلها كغد، لأنّ كل آت قريب، والموت لا محالة آت. ومعنى ﴿ما قدمت﴾ أي : من خير أو شر، ونكر النفس لاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قال : ولتنظر نفس واحدة في ذلك، ونكر الغد لتعظيمه وإبهام أمره كأنه قال : الغد لا تعرف كميته لعظمته. وقوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ أي : الجامع لجميع صفات الكمال تأكيد. وقيل : كرّر لتغاير متعلق التقويين فمتعلق الأولى أداء الفرائض لاقترانه بالعمل، والثانية ترك المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد، قال معناه الزمخشري ﴿إن الله﴾ أي : الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا ﴿خبير﴾ أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة ﴿بما تعملون﴾ فلا تعملون عملاً إلا كان بمرأى من ومسمع فاسحيوا منه.

الحشر 59:19

﴿ولا تكونوا﴾ أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذين آمنوا ﴿كالذين نسوا الله﴾ أي : أعرضوا عن أوامر ونواهي الملك الأعظم، وتركوهها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ماله من صفات الجلال والإكرام ﴿فأنساهم﴾ أي : فتسبب عن ذلك أن أنساهم بماله من الإحاطة بالظواهر والبواطن ﴿أنفسهم﴾ أي : فلم يقدموا لها ما ينفعها، وإن قدموا شيئاً كان مشوباً بالمفسدات من الرياء والعجب فكانوا ممن قال فيه تعالى :﴿وجوه يومئذ خاشعة ٢ عاملة ناصبة﴾ [ الغاشية، الآيتان : ٢ ٣ ] الآية لأنهم لم يدعوا باباً من أبواب الفسق، فإنّ رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه ﴿أولئك﴾ أي : البعداء من كل خير ﴿هم الفاسقون﴾ أي : العريقون في المروق من دائرة الدين.

الحشر 59:20

﴿لا يستوي﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿أصحاب النار﴾ أي : التي هي محل الشقاء الأعظم ﴿وأصحاب الجنة﴾ أي : التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة، واستدل بهذه الآية على أنّ المسلم لا يقتل بالكافر ﴿أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ أي : الناجون من كل مكروه المدركون لكل محبوب، وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين فشتان ما بينهما.

الحشر 59:21

﴿لو أنزلنا﴾ أي : بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال ﴿هذا القرآن﴾ أي : الجامع لجميع العلوم الفارق بين كل ملتبس المبين لجميع الحكم ﴿على جبل﴾ أي جبل كان، أو جبل فيه تمييز كالإنسان ﴿لرأيته﴾ يا أشرف الخلق وإن لم يتأهل غيرك لتلك الرؤية ﴿خاشعاً﴾ أي : متذللاً باكياً ﴿متصدّعاً﴾ أي : متشققاً غاية التشقق ﴿من خشية الله﴾ أي : من الخوف العظيم ممن له الكمال كله، وفي هذا حث على تأمّل مواعظ القرآن وتدبر آياته ﴿وتلك الأمثال﴾ أي : التي لا يضاهيها شيء ﴿نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ فيؤمنون. والمعنى : أنا لو أنزلنا هذا القرآن على الجبل لخشع لوعده، وتصدع لوعيده، وأنتم أيها المشهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده، والغرض من هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار وغلظ طباعهم، ونظيره ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ [البقرة: ٧٤]. وقيل الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي : لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت وتصدّع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبته لما لم تثبت له الجبال. وقيل : إنه خطاب للأمة، والمعنى : لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدّعت من خشية الله تعالى، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتاً فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على ردّه إن عصى لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب.

الحشر 59:22

ولما وصف تعالى القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى، فقال عز من قائل :﴿هو﴾ أي : الذي وجوده من ذاته فلا عدم له بوجه من الوجوه، فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره لأنه الموجود دائماً أزلاً وأبداً فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك تصدّع الجبل من خشيته ولما عبر عنه بأخص أسمائه أخبر عنه لطفاً بنا وتنزلاً لنا بأشهرها الذي هو مسمى الأسماء كلها بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : المعبود الذي لا ينبغي العبادة والألوهية الإله ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ فإنه لا مجالس له، ولا يليق ولا يصح ولا يتصوّر أن يكافئه، أو يدانيه شيء والإله أول اسم لله تعالى فلذلك لا يكون أحد مسلماً إلا بتوحيده، فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة ﴿عالم الغيب﴾ أي : الذي غاب عن جميع خلقه ﴿والشهادة﴾ أي : الذي وجد فكان يحسه ويطلع عليه بعض خلقه. وقال ابن عباس : معناه عالم السرّ والعلانية، وقيل : ما كان وما يكون. وقال سهل : عالم بالآخرة والدنيا، وقيل : استوى في علمه السرّ والعلانية والموجود والمعدوم. وقوله تعالى :﴿هو الرحمن الرحيم﴾ معناه ذو الرحمة، ورحمة الله تعالى إرادته الخير والنعمة والإحسان إلى خلقه. وقيل : إنّ رحمن أشدّ مبالغة من رحيم، ولهذا قيل : هو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأنه تعالى بإحسانه في الدنيا يعم المؤمن والكافر، وفي الآخرة يختص إنعامه وإحسانه بالمؤمنين.

الحشر 59:23

﴿هو الله﴾ أي : الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء إلا هو ﴿الذي لا إله﴾ أي : لا معبود بحق ﴿إلا هو الملك﴾ أي : فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج إلى شيء، لأنه مهما أراد كان فهو متصرّف بالأمر والنهي في جميع خلقه، فهم تحت ملكه وقهره وإرادته ﴿القدوس﴾ أي : البليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حس، أو يتصورّه خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يختلج إليه ضمير. ونظيره : السبوح وفي تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ﴿السلام﴾ أي : الذي سلم من النقائص وكل آفة تلحق الخلق، فهو بمعنى السلامة ومنه دار السلام وسلام عليكم وصف به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص، أو في إعطائه السلامة ﴿المؤمن﴾ قال ابن عباس : هو الذي أمن الناس من ظلمه، وأمن من آمن به عذابه. وقيل : هو المصدّق لرسله بإظهار المعجزات لهم، والمصدّق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب وبما أوعد الكافرين من العذاب. وقال مجاهد : المؤمن الذي وحد نفسه لقوله تعالى :﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] قال ابن عباس : إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار، وأوّل من يخرج من وافق اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من وافق اسمه اسم نبي قال الله تعالى لباقيهم : أنتم المسلمون وأنا السلام وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين ﴿المهيمن﴾ قال ابن عباس أي الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء، وقيل : هو القائم على خلقه بقدرته، وقيل : هو الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن قلبت همزته هاء ﴿العزيز﴾ أي : الذي لا يوجد له نظير، وقيل : هو الغالب القاهر ﴿الجبار﴾ الذي جبر خلقه على ما أراده، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه، والجبار في صفة الله صفة مدح، وفي صفة الناس صفة ذم وكذا قوله تعالى :﴿المتكبر﴾ أي : الذي تكبر على كل ما يوجب حاجة أو نقصاً، وهو في حقه تعالى صفة مدح لأنه له جميع صفات العلوّ والعظمة، وفي صفة الناس صفة ذم لأنّ المتكبر هو الذي يظهر من نفسه التكبر، وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علوّ بل له الحقارة والذلة، فإذا أظهر الكبر كان كذاباً في فعله ﴿سبحان الله﴾ أي : تنزه الملك إلا على الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزهاً لا تدرك العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص تعالى :﴿عما يشركون﴾ أي : من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرها مما في الأرض، أو في السماء من صغير وكبير وجليل وحقير.

الحشر 59:24

﴿هو﴾ أي : الذي لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأنّ وجوده من ذاته، ولا شيء غيره إلا وهو ممكن ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر الأشياء أخبر عنه بأشهر الأشياء الذي لم يقع فيه شركة بوجه. فقال تعالى :﴿الله﴾ أي : الذي ليس له سميّ فلا كفء له فهو المعبود بالحق فلا شريك له بوجه ﴿الخالق﴾ أي : المقدر للأشياء على مقتضى حكمته ﴿البارئ﴾ أي : المخترع المنشئ للأشياء من العدم إلى الوجود برياً من التفاوت وقوله تعالى :﴿المصور﴾ أي : الذي يخلق صور الأشياء على ما يريد بكسر الواو ورفع الراء إما صفة، وإمّا خبر واحترزت بهذا الضبط عن قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن فإنهما قرأا بفتح الواو ونصب الراء، وهي قراءة شاذة وإنما تعرّضت لها لأبين وجهها، وهو أن تخرّج هذه القراءة على أن يكون المصور منصوباً بالبارئ، والمصوّر هو الإنسان إمّا آدم وإما هو وبنوه وعلى هذه القراءة يحرم الوقف على المصوّر بل يجب الوصل ليظهر النصب في الراء، وإلا فقد يتوهم منه في الوقف ما لا يجوز ﴿له﴾ أي : خاصة ﴿الأسماء الحسنى﴾ التسعة والتسعون الوارد فيها الحديث، وقد ذكرتها في سورة الإسراء. والحسنى تأنيث الأحسن ﴿يسبح﴾ أي : يكرّر التنزيه الأعظم عن كل شيء من شوائب النقص على سبيل التجدّد والاستمرار ﴿له﴾ أي : على وجه التخصيص ﴿ما في السماوات﴾ أي السماوات وما فيها ﴿والأرض﴾ وما فيها ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي : الجامع الكمالات بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم.

الممتحنة 60:1

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي﴾ أي : وأنتم تدّعون موالاتي ﴿وعدوّكم﴾ أي : العريق في عدواتكم ما دمتم على مخالفته في الدين، ﴿أولياء﴾ وذلك ما روي «أنّ مولاة لأبي عمرو بن صيفي يقال لها : سارة أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها : أمسلمة جئت، قالت : لا، قال : أفمهاجرة جئت، قالت : لا، قال : فما جاء بك، قالت : كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي تعني قتلوا يوم بدر فاحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال صلى الله عليه وسلم فأين أنت عن شباب أهل مكة وكانت مغنية نائحة قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وزوّدوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً، واستحملها كتاباً لأهل مكة نسخته : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، وقد توجه إليكم بجيش كالليل وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله تعالى بكم، وأنجز له موعده فيكم فالله وليه وناصره فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام بالخبر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، وعماراً، وعمر، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وكانوا فرساناً، وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإنّ بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها. فأدركوها فجحدت وحلفت ما معها كتاب ففتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال عليّ : والله ما كذبنا، ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّ سيفه، وقال : أخرجي الكتاب، وإلا والله لأجردنك ولأضربنّ عنقك، فلما رأت الجدّ أخرجته من عقاص شعرها فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة : هي أحدهم فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، وقال له : هل تعرف هذا الكتاب، قال : نعم، قال : فما حملك عليه، فقال : يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت أمرأ ملصقاً في قريش، وروى عزيزاً فيهم أي : غريباً ولم أكن من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أنّ الله تعالى ينزل عليهم بأسه، وإنّ كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال :«وما يدريك يا عمر لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر »، وقال : الله ورسوله أعلم. وإضافة العدوّ إلى الله تعالى تغليظاً في خروجهم، وهذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار، وتقدّم نظيره في قوله تعالى :﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء﴾ [آل عمران: ٢٨] وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨] روي أنّ حاطباً لما سمع ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان. ثم إنه تعالى استأنف بيان هذا الاتخاذ بقوله تعالى مشيراً إلى غاية الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله تعالى :﴿تلقون﴾ أي : جميع ما هو في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو ﴿إليهم﴾ على بعدهم منكم حساً، ومعنى ﴿بالمودّة﴾ أي : بسببها قال القرطبي : تلقون إليهم بالمودّة، يعني : بالظاهر لأنّ قلب حاطب كان سليماً بدليل أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«أمّا صاحبكم فقد صدق » هذا نص في إسلامه وسلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. وقرأ حمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها. وقوله تعالى :﴿وقد كفروا﴾ أي : غطوا جميع مالكم من الأدلة ﴿بما﴾ أي : بسبب ما ﴿جاءكم من الحق﴾ أي : الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتاً منه فيه أوجه : أحدها : الاستئناف. ثانيها : الحال من فاعل تتخذوا. ثالثها : الحال من فاعل تلقون، أي : لا تتولوهم ولا توادّوهم، وهذه حالهم. وقوله تعالى :﴿يخرجون الرسول﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون تفسير الكفر هم فلا محل له على هذين، وأن يكون حالاً من فاعل كفروا. وقوله تعالى :﴿وإياكم﴾ عطف على الرسول وقدم عليهم تشريفاً له صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى :﴿أن تؤمنوا﴾ أي : توقعوا حقيقة الإيمان مع التجدّد والاستمرار ﴿بالله﴾ أي : الذي اختص بجميع صفات الكمال ﴿ربكم﴾ أي : المحسن إليكم تعليل ليخرجون، والمعنى : يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا بالله، أي : لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس : وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك تغليب المخاطب والالتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإيمان ﴿إن كنتم خرجتم﴾ أي : عن أوطانكم، وقوله تعالى :﴿جهاداً في سبيلي﴾ أي : بسبب إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها ﴿وابتغاء مرضاتي﴾ أي : ولأجل تطلبكم أعظم الرغبة لرضاي علة للخروج، وعمدة للتعليق، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه لا تتخذوا. وقرأ الكسائي بالإمالة محضة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى :﴿تسرون﴾ أي : توجدون جميع ما يدل على مناصحتكم إياهم والتودّد ﴿إليهم بالمودّة﴾ أي : بسببها بدل من تلقون قاله ابن عطية. قال ابن عادل : ويشبه أن يكون بدل اشتمال لأنّ إلقاء المودّة يكون سرّاً وجهراً، أو استئناف واقتصر عليه الزمخشري ﴿وأنا﴾ أي : والحال أني ﴿أعلم﴾ أي : من كل أحد حتى من نفس الفاعل، وقرأ نافع بمدّ الألف بعد النون ﴿بما أخفيتم وما أعلنتم﴾ قال ابن عباس : بما أخفيتم قي صدوركم وما أظهرتم بألسنتكم، أي : فأي فائدة لأسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة ﴿ومن يفعله﴾ أي : يوجد أسرار خبر إليهم ويكاتبهم ﴿منكم﴾ أي : في وقت من الأوقات ﴿فقد ضلّ﴾ أي : عمي ومال وأخطأ ﴿سواء السبيل﴾ أي : قويم الطريق الواسع الموصل إلى القصد قويمه وعدله. قال القرطبي : هذا كله معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه فإنّ المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيب، كما قال القائل : إذا ذهب العتاب فليس ودّ؍ ويبقى الودّ ما بقي العتاب؍ وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد، والباقون بالإدغام.

الممتحنة 60:2

﴿إن يثقفوكم﴾ أي : يظفروا بكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن، ﴿يكونوا لكم أعداء﴾ أي : ولا ينفعكم إلقاء المودّة إليهم، ﴿ويبسطون إليكم﴾ أي : خاصة، وإن كان هناك في ذلك الوقت من غير من قتل أعز الناس عليهم ﴿أيديهم﴾ أي : بالضرب أن استطاعوا ﴿وألسنتهم﴾ أي : بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره بما تجرّع من آخر من الغصص حتى أوجب له غاية السفه ﴿بالسوء﴾ أي : بكل ما من شأنه أن يسوء ﴿وودّوا﴾ أي : تمنوا قبل هذا ﴿لو تكفرون﴾ لأنّ مصيبة الدين أعظم فهو إليها أسرع، لأنّ دأب العدوّ القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوّه، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه، وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال، وقدم الأوّل لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكى. ولما كانت عداوتهم معروفة، وإنما غطاها محبة القرابات لأنّ الحب للشيء يعمي ويصم فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالهم.

الممتحنة 60:3

فقال تعالى مستأنفاً إعلاماً بأنها خطأ على كل حال :﴿لن تنفعكم﴾ بوجه من الوجوه ﴿أرحامكم﴾ أي : قراباتكم الحاملة لكم على رحمتكم والعطف عليهم ﴿ولا أولادكم﴾ أي : الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء الله تعالى لأجلهم، فينبغي أن لا تعدّوا قربهم منكم بوجه أصلاً، ثم علل ذلك وبينه بقوله تعالى :﴿يوم القيامة﴾ أي : القيام الأعظم ﴿يفصل﴾ أي : يوقع الفصل، وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب. وقرأ عاصم بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة، وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح الفاء وفتح الصاد مشددة، وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما يكسران الصاد، والباقون بضم الياء وسكون الفاء ﴿بينكم﴾ أي : أيها الناس فيدخل من يشاء من أهل طاعته الجنة، ومن يشاء من أهل معصيته النار فلا ينفع أحد أحداً منكم بشيء من الأشياء، إلا إن كان قد أتى الله تعالى بقلب سليم فيأذّن الله تعالى في إكرامه بذلك ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة التامّة ﴿بما تعملون﴾ أي : من كل عمل في كل وقت ﴿بصير﴾ فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة.

الممتحنة 60:4

ولما نهى تعالى عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنّ من سيرته التبري من الكفار بقوله تعالى :﴿قد كانت﴾ أي : وجدت وجوداً تامّاً، وكأنّ تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها، ولو كانت على أدنى الوجوه ﴿لكم﴾ أي : أيها المؤمنون ﴿أسوة﴾ أي موضع اقتداء وتأسية في إبراهيم وطريقة مرضية. وقرأ أسوة في الموضعين عاصم بضم الهمزة، والباقون بكسرها ﴿حسنة﴾ أي : يرغب فيها ﴿في إبراهيم﴾ أي : في قول أبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿والذين معه﴾ أي : ممن كان قبله من الأنبياء. قاله القشيري : وممن آمن به في زمانه كابن أخته لوط عليه الصلاة والسلام، وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة، وقيل : المراد بمن معه أصحابه من المؤمنين. وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها، والباقون بكسر الهاء وبعدها ياء أي : فاقتدوا به إلا في استغفاره لأبيه. قال القرطبي : الآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في فعله، وذلك يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله، وقيل : إنه شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يقرره، وقيل : ليس بشرع لنا مطلقاً وهو الأصح عندنا ﴿إذ﴾ أي : حين ﴿قالوا﴾ وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف ﴿لقومهم﴾ أي : الكفرة وقد كانوا أكثر من عدوّكم وأقوى، وكان لهم فيهم أرحام وقرابات، ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات ﴿إنا برءآؤا﴾ أي : متبرؤن تبرئة عظيمة ﴿منكم﴾ وإن كنتم أقرب الناس إلينا، ولا ناصر لنا منهم غيركم ﴿ومما تعبدون﴾ أي : توجدون عبادته في وقت من الأوقات ﴿من دون الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿كفرنا بكم﴾ أي : جحدناكم وأنكرنا دينكم ﴿وبدا﴾ أي : ظهر ظهوراً عظيماً ﴿بيننا وبينكم العداوة﴾ وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل أحد على الآخر ﴿والبغضاء﴾ وهي المباينة بالقلوب للبغض العظيم. ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا :﴿أبداً﴾ أي : على الدوام. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد المضمومة واواً خالصة، والباقون بتحقيقها وهم على مراتبهم في المدّ، وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً مع المدّ والتوسط والقصر، ولهما أيضاً التسهيل مع المدّ والقصر والروم معهما. ولما كان ذلك مؤيساً من صلاح الحال، وقد يكون لحظ النفس بينوا غايته بقولهم :﴿حتى تؤمنوا بالله﴾ أي : الملك الذي له الكمال كله ﴿وحده﴾ أي : تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دون الله تعالى، وقوله تعالى :﴿إلا قول إبراهيم لأبيه﴾ فيه أوجه : أحدها : إنه استثناء متصل من قوله تعالى في إبراهيم، ولكن لا بدّ من حذف مضاف ليصح الكلام، تقديره في مقالات إبراهيم : إلا قوله كيت وكيت. ثانيها : إنه مستثنى من أسوة حسنة، واقتصر على ذلك الجلال المحلي، وجاز ذلك لأنّ القول أيضاً من جملة الأسوة، لأنّ الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله وأفعاله فكأنه قيل لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا، وهو أوضح لأنه غير محوج إلى تقدير مضاف، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال الذي هو أصله إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. ثالثها : قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت، أي : لم تبق صلة إلا كذا. رابعها : إنه استثناء منقطع، أي : لكن قول إبراهيم وهذا بناء من قائله على أنّ القول لم يندرج تحت قوله أسوة، وهو ممنوع. قال القرطبي : معنى قوله تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه ﴿لأستغفرنّ لك﴾ أي : فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفروا للمشركين فإنه كان عن موعدة منه له، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة التوبة، وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمراً مطلقاً في قوله تعالى :﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم استثنى بعض أفعاله، وهذا إنما جرى لأنه ظنّ أنه أسلم فلما بان أنه لم يسلم تبرّأ منه، وعلى هذا فيجوز الاستغفار لمن يظنّ أنه أسلم، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظنّ فلم توالونهم. وقوله ﴿وما أملك لك من الله﴾ أي : من عذاب أو ثواب الملك إلا على المحيط بنعوت الجلال ﴿من شيء﴾ من تمام قوله المستثنى، ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أحواله. وقوله :﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا ﴿عليك﴾ أي : لا على غيرك ﴿توكلنا﴾ أي : فوّضنا أمرنا إليك يجوز أن يكون من مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذين معه، فهو من جملة الأسوة الحسنة، وفصل بينهما بالاستثناء ويجوز أن يكون منقطعاً عما قبله على إضمار قول، وهو تعليم من الله تعالى لعباده كأنه قال لهم قولوا ربنا عليك توكلنا ﴿وإليك﴾ أي : وحدك ﴿أنبنا﴾ أي : رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا ﴿وإليك﴾ أي وحدك ﴿المصير﴾ أي : الرجوع في الآخرة.

الممتحنة 60:5

﴿ربنا﴾ أي : أيها المربي لنا والمحسن إلينا ﴿لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ أي : بأن تسلطهم علينا فيفتنوننا بعذاب لا نحتمله، أو فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك. وقيل : لا تعذبنا بعذاب من عندك فيقولون لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك. وقيل : لا تسلط عليهم الرزق دوننا، فإنّ ذلك فتنة لهم، ﴿واغفر لنا﴾ أي : استر ما وقع منا من الذنوب، وامح عينه وأثره ﴿ربنا﴾ أي : أيها المحسن إلينا وأكدوا إعلاماً بشدّة رغبتهم في حسن الثناء عليه فقالوا :﴿إنك أنت﴾ أي : وحدك لا غيرك ﴿العزيز﴾ أي : الذي يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي : الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله ما طلب.

الممتحنة 60:6

وقوله تعالى :﴿لقد كان لكم﴾ أي : يا أمّة محمد جواب قسم مقدّر ﴿فيهم﴾ أي : إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء، ﴿أسوة حسنة﴾ أي : في التبري من الكفار، وكرّر للتأكيد. وقيل : نزل الثاني بعد الأول بمدّة. قال القرطبي : وما أكثر المكرّرات في القرآن على هذا الوجه. وقوله تعالى :﴿لمن كان يرجو الله﴾ أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال ﴿واليوم الآخر﴾ أي : الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير بدل من الضمير في لكم بدل بعض من كل، وفي ذلك بيان أنّ هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة ﴿ومن يتول﴾ أي : يوقع الأعراض عن أوامر الله تعالى فيوالي الكفار، ﴿فإن الله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة ﴿هو﴾ أي : خاصة ﴿الغنيّ﴾ أي : عن كل شيء ﴿الحميد﴾ أي : الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال، فهو حميد في نفسه وصفاته، أو حميد إلى أوليائه وأهل طاعته.

الممتحنة 60:7

ولما نزلت الآية الأولى عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين، فعلم الله تعالى شدّة وجد المسلمين في ذلك فنزل :﴿عسى الله﴾ أي : أنتم جديرون بأن تطمعوا في الملك إلا على المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿أن يجعل﴾ أي : بأسباب لا تعلمونها، ﴿بينكم وبين الذين عاديتم منهم﴾ أي : كفار مكة، ﴿مودة﴾ أي : بأن يلهمهم الإيمان فيصيروا لكم أولياء، وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقاً لما رجاه سبحانه، لأنّ عسى من الله تعالى وعد، وهو لا يخلف الميعاد، ﴿والله﴾ أي الذي له كمال الإحاطة، ﴿قدير﴾ أي : بالغ القدرة على كل ما يريده، فهو يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسير، ﴿والله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : محاء لا عيان الذنوب وآثارها، ﴿رحيم﴾ يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة، ثم بالجزاء غاية الإكرام فيغفر لما فرط منكم في موالاتهم من قبل، وما بقي في قلوبكم من ميل الرحم.

الممتحنة 60:8

وقوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله﴾ أي : الذي اختص بالجلال والإكرام ﴿عن الذين لم يقاتلوكم﴾ أي : بالفعل ﴿في الدين﴾ الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم، قال ابن زيد : هذا كان في أوّل الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ، قال قتادة : نسخها ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وقال ابن عباس : نزلت في خزاعة، وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً، فرخص الله تعالى في برّهم. وقال أكثر أهل التأويل : إنها محكمة، واحتجوا بأنّ أسماء بنت أبي بكر قدمت أمّها وهي مشركة عليها المدينة بهدايا، فقالت أسماء : لا أقبل منك هدية، ولا تدخلي علي بيتاً حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخل منزلها، وأن تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها، وفي ذلك إشارة إلى الاقتصار في العداوة والولاية، كما قال صلى الله عليه وسلم «أحبب حبيبك هوناً مّا عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً مّا عسى أن يكون حبيبك يوماً ما » وروى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه «أنّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه طلق امرأته قتيلة في الجاهلية، وهي أمّ أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدّة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطاً وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾، ﴿ولم يخرجوكم من دياركم أن﴾ أي : لا ينهاكم عن أن ﴿تبروهم﴾ بنوع من أنواع البرّ الظاهرة، فإنّ ذلك غير صريح في قصد المودّة ﴿وتقسطوا إليهم﴾ أي : تعطوهم قسطاً من أموالكم على وجه الصلة قال ابن العربي : وليس يريد به من العدل، فإنّ العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل وحكي أن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه ذمي فأكرمه فأخذ عليه الحاضرون في ذلك فتلا عليهم هذه الآية ﴿إن الله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿يحب﴾ أي : يثيب ﴿المقسطين﴾ أي : الذين يزيلون الجور، ويوقعون العدل.

الممتحنة 60:9

﴿إنما ينهاكم الله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة، ﴿عن الذين قاتلوكم﴾ أي : جاهدوكم متعمدين لقتالكم، ﴿في الدين﴾ أي : عليه فليس شيء من ذلك خارجاً عنه، ﴿وأخرجوكم من دياركم﴾ أي بأنفسهم لبغضكم، وهم عتاة أهل مكة، ﴿وظاهروا﴾ أي : عاونوا غيرهم ﴿على إخراجكم﴾ وهم مشركوا مكة. وقوله تعالى :﴿أن تولوهم﴾ بدل اشتمال من الذين أي : تتخذوهم أولياء. وقرأ البزي بتشديد التاء، والباقون بالتخفيف. ولما كان التقدير فمن أطاع فأولئك هم المفلحون عطف عليه قوله تعالى :﴿ومن يتولهم﴾ أي : يكلف نفسه الحمل على غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى من المنابزة، وأطلق ولم يقيد بمنكم ليعم المهاجرين وغيرهم، والمؤمنين وغيرهم، ﴿فأولئك﴾ أي : الذين أبعدوا عن العدل ﴿هم الظالمون﴾ أي : الغريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها.

الممتحنة 60:10

ولما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبين أحكام مهاجرة النساء بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقرّوا بالإيمان ﴿إذا جاءكم المؤمنات﴾ أي : بأنفسهن ﴿مهاجرات﴾ أي : من الكفار بعد الصلح معهم في الحديبية ﴿فامتحنوهنّ﴾ أي : بالحلف أنهنّ ما هاجرن إلا رغبة في الإسلام، لا بغضاً في أزواجهن الكفار، ولا عشقاً لرجال من المسلمين. كذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفهنّ. قيل : إنّ سبب الامتحان أنه كان من أرادت منهنّ إضرار زوجها قالت : سأهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بامتحانهنّ ﴿الله﴾ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿أعلم﴾ أي : منكم ومن أنفسهنّ ﴿بإيمانهنّ﴾ هل هو كائن، أم لا على وجه الرسوخ، أم لا فإنه المحيط بما غاب كإحاطته بما شوهد، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك ستراً للناس ﴿فإن علمتموهنّ مؤمنات﴾ أي : العلم الممكن لكم، وهو الظنّ المؤكد بالإمارات الظاهرات بالحلف وغيره ﴿فلا ترجعوهنّ﴾ أي : بوجه من الوجوه ﴿إلى الكفار﴾ وإن كانوا أزواجاً. قال ابن عباس : لما جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أنّ من أتاه من أهل مكة ردّه إليهم جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبيّ صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد فأقبل زوجها وكان كافراً وكان صيفي بن الراهب، وقيل : مسافر المخزومي فقال : يا محمد أردد علي امرأتي فأنت شرطت ذلك، وهذه طية الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي «أنّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فجاء أهلها يسألونه أن يردّها، وقيل : هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ردّها علينا للشرط، فقال صلى الله عليه وسلم كان الشرط في الرجال لا في النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية ». وعن عروة قال كان مما اشترط سهل بن عمرو على النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديبية أن لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وأبى سهل إلا ذلك، فكاتبه النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، فردّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدّة، وإن كان مسلماً حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل، وهذا يومي إلى أنّ الشرط في ردّ النساء نسخ بذلك، وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. وقال بعض العلماء : كله منسوخ بالقرآن، وقالت طائفة : لم يشترط ردّهنّ في العقد لفظاً، وإنما أطلق العقد في ردّ من أسلم فكان ظاهر العموم اشتماله عليهنّ مع الرجال، فبين الله تعالى خروجهنّ عن عمومه وفرق بينهنّ وبين الرجال لأمرين : أحدهما : أنهنّ ذوات فروج فحرمن عليهنّ، الثاني : أنهنّ أرق قلوباً وأسرع تقلباً منهم، فأما المقيمة منهنّ على شركها فمردودة عليهم ﴿لا هنّ﴾ أي : المؤمنات ﴿حلّ﴾ أي : موضع حلّ ثابت ﴿لهم﴾ أي : الكفار باستمتاع، ولا غيره. وقوله تعالى :﴿ولا هم﴾ أي : رجال الكفار ﴿يحلون لهنّ﴾ أي : المؤمنات تأكيد للأوّل لتلازمهما. وقال البيضاوي : والتكرير للمطابقة والمبالغة، والأولى لحصول الفرقة، والثانية للمنع عن الاستئناف. وقيل : أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين، وهنّ مؤمنات. والمعنى : لم يحل الله تعالى مؤمنة لكافر في حال من الأحوال، وهذا أدل دليل على أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين، والصحيح كما قال ابن عادل : الأول لأنّ الله تعالى بين العلة، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار. ولما نهى عن الردّ وعلله أمر بما قدم من الأقساط إليهم فقال تعالى :﴿وآتوهم﴾ أي : أعطوا الأزواج ﴿ما أنفقوا﴾ أي : عليهنّ من المهور، فإنّ المهر في نظير أصل العشرة ودوامها، وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسارتان الزوجية والمالية وأما الكسوة والنفقة فأنهما لما يتجدّد من الزمان. تنبيه : أمر الله تعالى برد ما أنفقوا إلى الأزواج، وإنّ المخاطب بهذا الإمام. وهل يجب ذلك أو يندب ؟ ظاهرة الآية الوجوب، ولكن رجح الندب وعليه الشافعي، لأنّ البضع ليس بمال فلا يشمله الأمان كما لا يشمل زوجية، والآية وإن كان ظاهرها الوجوب محتملة للندب الصادق بعدم الوجوب الموافق للأصل وقال مقاتل : يردّ المهر للذي يتزوّجها من المسلمين، وليس لزوجها الكافر شيء. وقال قتادة : الحكم في ردّ الصداق إنما هو في نساء أهل الذمّة، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد عليهم الصداق. قال القرطبي : والأمر كما قال :﴿ولا جناح﴾ أي : حرج وميل ﴿عليكم﴾ يا أيها المشرفون بالخطاب ﴿أن تنكحوهنّ﴾ أي : تجدّدوا زواجكم بهنّ بعد الاستبراء، وإن كان أزواجهنّ من الكفار لم يطلقوهنّ لزوال العلق عنهنّ لأنّ الإسلام فرق بينهم، قال الله تعالى :﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ [النساء: ١٤١]. ولما كان قد أمر برد مهور الكفار فكان ربما ظنّ أنه مغن عن تجديد مهر لهنّ إذا نكحهنّ المسلم نفى ذلك بقوله :﴿إذا آتيتموهنّ﴾ أي : لأجل النكاح ﴿أجورهنّ﴾ أي : مهورهنّ، وفي شرط أثناء المهر في نكاحهنّ إيذان بأن ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ جمع عصمة، وهي هنا عقد النكاح، أي : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّ بها فقد انقطعت عصمتها فلا يكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجية، والكوافر جمع كافرة كضوارب في ضاربة. قال النخعي : المراد بالآية هي المرأة المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان الكفار يتزوّجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه الآية فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة وأمّ كلثوم بنت عمر والخزاعية أم عبد الله بن المغيرة فتزوجها أبو جهم بن حذافة، وهما على شركهما بمكة فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية : طلق قريبة فلا يرى عمر سلبه في بيتك فأبى معاوية، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فرت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار فحبسها وزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. وقال الشعبي : كانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت ولحقت بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة مشركاً، ثم أتى المدينة وأسلم فردّها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس بالنكاح الأوّل، ولم يحدث شيئاً. قال محمد بن عمرو في حديث بعد ست سنين، وقال الحسن بن علي : بعد سنتين، قال أبو عمر : فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين : إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها، وإما أنّ الأمر فيها منسوخ بقوله تعالى :﴿وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك﴾ يعني : في عدّتهن، وهذا مما لا خلاف فيه أنه عنى به العدّة قال الزهري في قصة زينب : هذه كانت قبل أن تنزل الفرائض، وقال قتادة : كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين. تنبيه : المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان، ومن لا يجوز ابتداء نكاحها. وقيل : هي عامّة نسخ منها نساء أهل الكتاب، فعلى الأول : إذا أسلم وثني، أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق بينهما، وهو قول بعض أهل العلم منهم مالك والحسن وطاوس وعطاء وعكرمة وقتادة لقوله تعالى :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ وقال بعضهم : ينتظر بها تمام العدّة، وهو قول الزهري والشافعي وأحمد، واحتجوا بأن أبا سفيان بن الحارث أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بمرّ الظهران، ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته وقالت : اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت بعده بأيام فاستقرّا على نكاحهما لأنّ عدتها لم تكن انقضت، قالوا : ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده فكانا على نكاحهما. قال الشافعي : ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى :﴿بعصم الكوافر﴾ لأنّ نساء المؤمنين محرمات على الكفار كما أن المسلمين لا تحل لهم الكوافر الوثنيات ولا المجوسيات لقوله تعالى :﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ ثم بينت السنة أن مراد الله تعالى من قوله هذا : أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا إن أسلم الثاني منهما في العدّة. وقال أبو حنيفة وأصحابه في الكافرين الذمّيين : إذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الإسلام فإن أسلم، وإلا فرق بينهما، قالوا : ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعاً في دار الحرب، أو في دار الإسلام، وإن كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما، وقد تقدمّ أنّ اعتبار الدار ليس بشيء، وهذا الخلاف إنما هو في المدخول بها. فأمّا غير المدخول بها فلا نعلم خلافاً في انقطاع العصمة بينهما إذ لا عدّة عليها، وكذا يقول مالك في المرأة يرتد زوجها المسلم تنقطع العصمة بينهما لقوله تعالى :﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح وقال الشافعي وأحمد : ينتظر بها تمام العدّة، فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى تمام العدّة، وهو قول مجاهد، وكذا الوثني تسلم زوجته إن أسلم في عدّتها فهو أحق بها، كما أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدّتهما لما ذكر مالك في الموطأ. قال بعض العلماء : كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر، قال : ولم يبلغنا أنّ امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي عدتها. وقال بعضهم : ينفسخ النكاح بينهما لما روى يزيد بن علقمة قال : أسلم جدّي ولم تسلم جدّتي ففرق بينهما عمر، وهو قول طاوس وعطاء والحسن وعكرمة قالوا : لا سبيل له عليها إلا بخطبة ﴿واسألوا﴾ أي : أيها المؤمنون الذين ذهبت زوجاتهم إلى الكفار مرتدّات ﴿ما أنفقتم﴾ أي : من مهور نسائكم ﴿وليسألوا﴾ أي : الكفار ﴿ما أنفقوا﴾ أي : من مهور أزواجهم اللائي أسلمن. قال المفسرون : كان من ذهب من المسلمات مرتدّات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار : هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين : إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة ردّوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفاً وعدلاً بين الحالين ﴿ذلكم﴾ أي : الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة تعلق الرتبة عن كل سفيه ﴿حكم الله﴾ أي : الملك الذي له صفات الكمال، فلا تلحقه شائبة نقص ﴿يحكم﴾ أي : الله إذ حكمه على سبيل المبالغة ﴿بينكم﴾ أي : في هذا الوقت وفي غيره على هذا المنهاج البديع، وذلك لأجل الهدنة التي كانت وقعت بين النبيّ

الممتحنة 60:11

روي أن المسلمين قالوا : رضينا بما حكم الله تعالى، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزل قوله تعالى :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾ أي : واحدة فأكثر منهن، أو شيء من مهورهن بالذهاب ﴿إلى الكفار﴾ مرتدات ﴿فعاقبتم﴾ فغزوتم وغنمتم من أموال الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلاً عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم ظلماً ﴿فآتوا﴾ أي : فاحضروا وأعطوا من مهر المهاجرة ﴿الذين ذهبت أزواجهم﴾ أي : منكم من الغنيمة، ﴿مثل ما أنفقوا﴾ أي : لفواته عليهم من جهة الكفار. روى الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت : حكم الله تعالى بينهم فقال جلّ ثناؤه ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ فكتب إليهم المسلمون قد حكم الله تعالى بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا صداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها، فكتبوا أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئاً فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به فأنزل الله تعالى :﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾ الآية. وقال ابن عباس : في قوله تعالى :﴿ذلكم حكم الله﴾ أي : بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم على بعض. قال الزهري : ولولا العهد لأمسك النساء ولم يرد عليهم صداقاً، وقال قتادة ومجاهد : إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وقالا : هي فيمن بيننا وبينه عهد، وقالا : فمعنى ﴿فعاقبتم﴾ فاقتصصتم ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ أي : من المهور. وقال ابن عباس : معنى الآية إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم قبلكم فغنمتم فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس. وقال الزهري : يعطي من مال الفيء، وعنه يعطى من صداق من لحق بها. تنبيه : محصل مذهب الشافعي في هذه الآية : أنّ الهدنة لو عقدت بشرط أن يردوا من جاءهم منا مرتداً صح، ولزمهم الوفاء به سواء أكان رجلاً أو امرأة، حرّاً أو رقيقاً، فإن امتنعوا من ردّه فناقضون للعهد لمخالفتهم الشرط، أو عقدت على أن لا يردوه جاز، ولو كان المرتدّ امرأة فلا يلزمهم ردّه لأنه صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في مهادنة قريش، حيث قال لسهل بن عمرو وقد جاء رسولاً منهم «من جاءنا منكم رددناه، ومن جاءكم منا فسحقاً سحقاً » ومثله ما لو أطلق العقد كما فهم بالأولى، ويغرمون فيهما مهر المرتدّة. فإن قيل : لم غرموا مهر المرتدّة، ولم نغرم نحن مهر المسلمة على ما تقدم من الخلاف ؟ أجيب : بأنهم قد فوتوا عليه الاستتابة الواجبة علينا، وأيضاً المانع جاء من جهتها، والزوج غير متمكن منها بخلاف المسلمة الزوج متمكن منها بالإسلام، وكذا يغرمون قيمة رقيق ارتدّ دون الحرّ، فإن عاد الرقيق المرتد إلينا بعد أخذنا قيمته رددناها عليهم. بخلاف نظيره في المهر لأنّ الرقيق بدفع القيمة يصير ملكاً لهم، والنساء لا يصرن زوجات. فإن قيل : كونه يصير ملكاً لهم مبنى على جواز بيع المرتد للكافر، والصحيح خلافه. أجيب : بأنّ هذا ليس مبنياً عليه لأن هذا ليس بيعاً حقيقة فاغتفر ذلك أجل المصلحة، وإن شرطنا عدم الرد. فإن قيل : هل يغرم الإمام لزوج المرتدة ما أنفق من صداقها، لأنا بعقد الهدنة حلنا بينه وبينها، ولولاه لقاتلناهم حتى يردوها ؟. أجيب : بأنّ هذا ينبني على أنّ الإمام هل يغرم لزوج المسلمة المهاجرة ما أنفق، وقد تقدم الكلام على ذلك. فائدة : روي عن ابن عباس أنه قال : لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت شداد بن عياض الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأمّ كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر بن الخطاب رجعن عن الإسلام، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهنّ مهور نسائهم من الغنيمة. ولما كان التحرّي في مثل ذلك عسراً فإنّ المهور تتفاوت تارة وتتساوى أخرى قال تعالى :﴿واتقوا﴾ أي : في الإعطاء والمنع وغير ذلك ﴿الله﴾ الذي له صفات الكمال، وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ أي : متمكنون في رتبة الإيمان.

الممتحنة 60:12

ولما خاطب المؤمنين الذين هم موضع الحماية والنصرة للدين أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن بقوله تعالى :﴿يا أيها النبيّ﴾ مخاطباً له بالوصف المقتضى للعلم ﴿إذا جاءك المؤمنات﴾ جعل إقبالهن عليه صلى الله عليه وسلم لاسيما مع الهجرة مصححاً لإطلاق الهجرة عليهن، ﴿يبايعنك على أن لا يشركن﴾ أي : كل واحدة منهن تبايعك على عدم الإشراك في وقت من الأوقات ﴿بالله﴾ أي : الملك الذي لا كفؤ له ﴿شيئاً﴾ أي من إشراك على الإطلاق ﴿ولا يسرقن﴾ أي : يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية ﴿ولا يزنين﴾ أي : يمكن أحداً من وطئهن بغير عقد صحيح، ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾ أي : بالوأد كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي : دفنهن أحياء خوفاً من العار والفقر ﴿ولا يأتين ببهتان﴾ أي : بولد ملقوط أو شبهة بأن ﴿يفترينه﴾ أي : يتعمدن كذبه بأن ينسبنه للزوج، ووصفه بصفة الولد الحقيقي بقوله تعالى :﴿بين أيديهن﴾ أي : بالحمل في البطون لأنّ بطنها التي تحمل فيها الولد بين يديها ﴿وأرجلهن﴾ أي : بالوضع من الفروج لأنّ فرجها الذي تلد منه بين رجليها، أو لأنّ الولد إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها. وقيل : بين أيديهن ألسنتهن بالنميمة، ومعنى : بين أرجلهن فروجهن. وقيل : ما بين أيديهن من قبلة أو جسة وبين أرجلهن الجماع. وروي أن هند لما سمعت ذلك قالت : والله إنّ البهتان لأمر قبيح، وما يأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق، ﴿ولا يعصينك﴾ أي : على حال من الأحوال ﴿في معروف﴾ وهو ما وافق طاعة الله تعالى كترك النياحة، وتمزيق الثياب، وجر الشعر وشق الجيب، وخمش الوجه ﴿فبايعهن﴾ أي : التزم لهن بما وعدن على ذلك من إعطاء الثواب في نظير ما ألزمن أنفسهن من الطاعة، فبايعهن صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح واحدة منهن. قالت عائشة رضي الله عنها «والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمر الله عز وجل، وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط. وروي أنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية، ﴿أن لا يشركن بالله شيئاً﴾ إلى آخرها قالت : وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها » وقالت أميمة بنت رقيقة «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال فيما استطعتن أطعن، فقلت : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارحم بنا من أنفسنا، وقلت : يا رسول الله صافحنا، فقال إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة ». وروي «أنه صلى الله عليه وسلم بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن » وقالت أم عطية :«لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن أن لا تشركن بالله شيئاً الآية، فقلن نعم، فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال : اللهم اشهد » وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه فغمسن أيديهن فيه » وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال يوم الفتح لمكة، وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه أن لا يشركن بالله شيئاً، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعت بحمزة يوم أحد، فقالت : والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسرقن، فقالت هند إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا فلا أدري أيحل لي أم لا، فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وما غير فهو حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها :«وإنك لهند بنت عتبة »، قالت : نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك. وروي أنها قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل عليّ حرج إن أخذت ما يكفيني وولدي، قال :«لا إلا بالمعروف » فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع و تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة، ثم قال : ولا يزنين، فقالت هند : أو تزني الحرة، فقال : ولا يقتلن أولادهن أي : بالوأد، ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند : ربيناهم صغاراً وقتلتهم يوم بدر كباراً، وأنت وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :﴿ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ فقالت : والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال :﴿ولا يعصينك في معروف﴾ فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء قال أكثر المفسرين : معناه لا يلحقن بأزواجهن ولداً من غيرهن، وكانت المرأة تلتقط ولداً تلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك فكان من البهتان والافتراء. وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزنا. تنبيه : ذكر تعالى في هذه الآية لرسوله صلى الله عليه وسلم في صفة البيعة خصالاً ستاً صرح فيهن بأركان النهي، ولم يذكر أركان الأمر وهي ست أيضاً : الشهادة، والزكاة، والصلاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجناب، وذلك لأن النهي دائم في كل زمان ومكان، وكل الأحوال فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل : إن هذه المناهي كانت في النساء كثيراً ممن يرتكبها، ولا يحجزهن عنها شرف النسب فخصت بالذكر لهذا، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس «وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت » فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة فيها. ولما كان الإنسان محل النقصان لاسيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله تعالى :﴿واستغفر﴾ أي : اسأل ﴿لهن الله﴾ أي : الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله تعالى حق قدره ﴿إن الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : بالغ الستر للذنوب عيناً وأثراً ﴿رحيم﴾ أي : بالغ الإكرام بعد الغفران تفضلاً منه وإحساناً.

الممتحنة 60:13

وروي أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى :﴿يأيها الذين آمنوا لا تتولوا﴾ أي : لا تعالجوا أنفسكم أن توالوا ﴿قوماً﴾ أي : ناساً لهم قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب أولى ﴿غضب الله﴾ أي : أوقع الملك الأعلى الغضب ﴿عليهم﴾ لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا، فهو عام في كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولاً أولياً، ﴿قد يئسوا﴾ أي : تحققوا عدم الرجاء، ﴿من الآخرة﴾ أي : من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهم أنه الرسول المبعوث في التوراة، ﴿كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ أي من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل : من أصحاب القبور بيان للكفار، أي : كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة، إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا، وما يصيرون إليه من النار فيتبين لهم قبح حالهم، وسوء منقلبهم.

الصف 61:1

﴿سبح لله﴾ أي : أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم ﴿ما في السماوات﴾ من جميع الملائكة وغيرها كالأفلاك والنجوم ﴿وما في الأرض﴾ كذلك من الآدميين وغيرهم كالشجر والثمار. وقيل : اللام مزيدة، أي : نزه الله وأتى بما دون من، قال الجلال المحلي : تغليباً للأكثر ا. ه. فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى قال في بعض السور سبح لله بلفظ الماضي، وفي بعضها يسبح بلفظ المضارع، وفي بعضها فسبح بلفظ الأمر ؟. أجيب : بأن الحكمة في ذلك تعليم العبد أن يسبح الله تعالى على الدوام كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال فإن قيل : هلا قيل سبح لله السماوات والأرض وما فيهما، وهو أكثر مبالغة أجيب : بأن المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها ﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿العزيز﴾ أي : الغالب على غيره أي شيء كان ذلك الغير، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره ﴿الحكيم﴾ أي : الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها. روى الدرامي في مسنده قال : أنبأنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا مع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا، فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى :﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم﴾.

الصف 61:2

﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي : ادّعوا الإيمان، ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ حتى ختمها. قال عبد الله :«فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها، قال أبو سلمة : قرأها علينا عبد الله بن سلام حتى ختمها، قال يحيى فقرأها علينا أبو سلمة فقرأها علينا أبو يحيى، فقرأها علينا الأوزاعي، فقرأها علينا محمد فقرأها علينا الدرامي انتهى. ولي بقراءتها سند متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن عباس : قال عبد الله بن رواحة : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه فلما نزل الجهاد كرهوه. وقال الكلبي : قال المؤمنون : يا رسول الله لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا إليه فنزل :﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾[الصف: ١٠] فمكثوا زماناً يقولون : لو نعلمها لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين، فدلهم الله تعالى عليها بقوله تعالى :﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله﴾[الصف: ١١] الآية، فابتلوا يوم أحد ففروا فنزلت الآية تعييراً لهم بترك الوفاء. وقال محمد بن كعب : لما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر، قالت الصحابة : اللهم اشهد لئن لقينا قتالاً لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد فعيرهم الله تعالى بذلك. وقال قتادة والضحاك : نزلت في قوم كانوا يقولون : نحن جاهدنا وأبلينا، ولم يفعلوا. وقيل : قد آذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنك قتلته، فقال : إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر : يا رسول الله قتله صهيب، قال : كذلك يا أبا يحيى، قال : نعم، فنزلت في المنتحل، وقال ابن زيد : نزلت في المنافقين ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم، وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. وقال القرطبي : هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملاً فيه طاعة أن يفي به. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى : أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه، ولا تطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة فشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة فشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها :﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ فلبثت شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربي : وهذا كله ثابت في الدين لفظاً ومعنى في هذه السورة، وأما قوله : شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة، فمعنى ذلك : ثابت في الدين فإن من التزم شيئاً ألزمه شرعاً. وقال القرطبي : ثلاث آيات منعتني أن أقضي على الناس﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾[البقرة: ٤٤] ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود: ٨٨] و﴿يا أيها الذين آمنوالم تقولون ما لا تفعلون﴾ وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت عادت، قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به ». تنبيه : قوله تعالى :﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ استفهام على وجه الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير مالا يفعله، إما في الماضي فيكون كذباً، وإما في المستقبل فيكون خلقاً وكلاهما مذموم. قال الزمخشري : لم هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام، وإنما حذفت الألف لأن ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيراً في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلاً والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة ا. ه. ووقف البزي لمه بهاء السكت بخلاف عنه.

الصف 61:3

﴿كبر﴾ أي : عظم، وقوله تعالى :﴿مقتاً﴾ تمييز، والمقت أشد البغض، وزاد في تشنيعه زيادة في التنفير منه بقوله تعالى :﴿عند الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي يحقر عنده كل متعاظم، وقيل : إن كبر من أمثلة التعجب. وقد عده ابن عصفور في التعجب المبوب له في النحو فقال : صيغة ما أفعله وأفعل به، وفعل، نحو كرم الرجل، وإليه نحا الزمخشري فقال : هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، كقوله : غلت ناب كليب بواؤها، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وقوله تعالى :﴿أن تقولوا﴾ أي : عظم من تلك الجهة أن يقع في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال قولكم :﴿ما لا تفعلون﴾ فاعل كبر.

الصف 61:4

قال الرازي : وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن في السورة التي قبلها بين الخروج إلى الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله تعالى :﴿إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾ [الممتحنة: ١] وفي هذه السورة بين ما يحمل المؤمن ويحثه على الجهاد بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿يحب﴾ أي : يفعل فعل المحب مع ﴿الذين يقاتلون﴾ أي : يوقعون القتال ﴿في سبيله﴾ أي : بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه. وقوله تعالى :﴿صفاً﴾ حال، أي : مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد ﴿كأنهم﴾ من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المركز ﴿بنيان﴾ وزاد في التأكيد بقوله تعالى :﴿مرصوص﴾ أي : ملزوق بعض إلى بعض ثابت كثبوت البناء. وقال ابن عباس : يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار صغار، ثم يوضع اللبن عليه فيسميه أهل مكة المرصوص. وقال الرازي : يجوز أن يكون المعنى على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص قال القرطبي : استدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس، لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. قال المهدوي : وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناها الثبات، ولهذا يحرم الخروج من الصف إن قاومناهم إلا متحرفاً لقتال، كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم، أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال، أو متحيز إلى فئة يستنجد بها ولو بعيدة قليلة أو كثيرة، فيجوز انصرافه لقوله تعالى :﴿إلا متحرفاً لقتال﴾ [الأنفال: ١٦] وتجوز المبارزة لكافر لم يطلبها بلا كره، وندب لقوي أذن له الإمام أو نائبه لإقراره صلى الله عليه وسلم عليها، وهي ظهور اثنين من الصفين للقتال، من البروز وهو الظهور، فإن طلبها كافر سنت للقوي المأذون له للأمر بها في خبر أبي داود، ولأن تركها حينئذ إضعافاً لنا وتقوية لهم، وإلا كرهت.

الصف 61:5

ولما ذكر تعالى الجهاد ذكر قصة موسى وعيسى عليهما السلام تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذى قومه، مبتدئاً بقصة موسى عليه السلام لتقدمه فقال تعالى :﴿وإذ﴾ أي : واذكر يا أشرف الخلق إذ ﴿قال موسى لقومه﴾ أي : بني إسرائيل، وقوله :﴿يا قوم﴾ استعطاف لهم واستنهاض إلى رضا ربهم، ﴿لم تؤذونني﴾ أي : تجددون أذاي مع الاستمرار، وذلك حين رموه بالأدرة كما مر في سورة الأحزاب ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور، ومن الأذى قولهم ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقولهم :﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] وقولهم : أنت قتلت هارون، وغير ذلك. وقوله تعالى :﴿وقد تعملون﴾ جملة حالية، أي : علمتم علماً قطعياً تجدده لكم كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات، والكتاب الحافظ لكم من الزيغ ﴿إني رسول الله﴾ الملك الأعظم الذي لا كفؤ له ﴿إليكم﴾ ورسوله يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم، وأنا لا أقول لكم شيئاً إلا عنه، ولا أنطق عن الهوى، ﴿فلما زاغوا﴾ أي : عدلوا عن الحق بمخالفة أوامر الله تعالى وبإيذائه. وقرأ حمزة بالإمالة والباقون بالفتح ﴿أزاغ الله﴾ أي : الملك الذي له الأمر كله ﴿قلوبهم﴾ أي : أمالهم عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل ﴿والله﴾ أي : الذي له الحكمة البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال ﴿لا يهدي﴾ أي : بالتوفيق بعد هداية البيان، ﴿القوم الفاسقين﴾ أي : العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة، فلم يحملهم على الفسق ضعف فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم، وهذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسل حتى إن أذاهم يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى.

الصف 61:6

ثم ذكر القصة الثانية بقوله تعالى :﴿وإذ﴾ أي : واذكر يا أشرف المرسلين إذ ﴿قال عيسى﴾ ووصفه بقوله :﴿ابن مريم﴾ ليعلم أنه من غير أب وثبتت نبوته بالمعجزات ﴿يا بني إسرائيل﴾ فذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما أوصى به بنيه من التمسك بالإسلام، ولم يقل : يا قوم، كما قال موسى عليه السلام ؛ لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم، فإن النسب إنما هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال ﴿إني رسول الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿إليكم﴾ أي : لا إلى غيركم ﴿مصدقاً لما بين يدي﴾ أي : قبلي ﴿من التوراة﴾ التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى عليه السلام، وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، فتصديقي لها مع تأييدي بها مؤيد، لأن ما أقمت من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منها، كما يستدل بما قدامه من الإعلام ويراعيه ببصره. وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ حمزة ونافع بين بين بخلاف عنه عن قالون، والباقون بالفتح ﴿ومبشراً﴾ في حال تصديقي للتوراة ﴿برسول﴾ أي : إلى كل من شملته الربوبية ﴿يأتي من بعدي﴾ أي : يصدق بالتوراة. فكأنه قيل : ما اسمه ؟ قال :﴿اسمه أحمد﴾ والمعنى : أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من التوراة، وفي حال تبشيري برسول يأتي من بعدي يعني أن ديني التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه جميعاً ممن تقدم وتأخر. فإن قيل : بم انتصب مصدقاً ومبشراً، أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم ؟. أجيب : بأنه بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول فلا يجوز أن يعمل شيئاً لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل. وعن كعب : أن الحواريين قالوا لعيسى : يا رسول الله هل بعدنا من أمة ؟ قال : نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. وعن حبيش بن مطعم قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي خمسة أسماء : أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي » وقد سماه الله تعالى رؤوفاً ورحيماً. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محى الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، وفي القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض » بل ذكر بعض العلماء أنه له ألف اسم. قال البغوي : والألف في أحمد للمبالغة في الحمد، وله وجهان : أحدهما : أنه مبالغة من الفاعل، أي : ومعناه أن الأنبياء حمادون لله تعالى، وهو أكثر حمداً من غيره. والثاني : أنه مبالغة من المفعول، أي : ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة، وهو أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن والأخلاق التي يحمد بها ا. ه. وعلى كلا الوجهين منعه من الصرف للعملية والوزن الغالب، إلا أنه على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة، وعلى الثاني يمتنع تعريفاً وتنكيراً لأنه يخلف العلمية الصفة، وإذا نكر بعد كونه علماً جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش، وهي مسألة مشهورة بين النحاة. وأنشد حسان يمدحه وصرفه : صلى الإله ومن يحف بعرشه؍ والطيبون على المبارك أحمد؍ أحمد بدل أو بيان للمبارك، وأما محمد فمنقول من صفة أيضاً، وهو في معنى محمود ولكن في معنى المبالغة والتكرار، فأحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. قال القرطبي : كما أن المكرم من أكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدح ونحو ذلك : واسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه وتعالى سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته، وكان اسمه صادقاً عليه فهو محمود في الدنيا لما هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ، ثم إنه لم يكن محمداً حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى فقال : اسمه أحمد، وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه : تلك أمة أحمد، فقال : اللهم اجعلني من أمة محمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمداً بالفعل. وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه فيكون أحمد الناس لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته، فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء فاتحاً لهم وخاتماً عليهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة بفتح الياء، والباقون بالسكون. وقوله تعالى :﴿فلما جاءهم﴾ يحتمل أن يعود فيه الضمير لأحمد، أي : جاء الكفار، واقتصر على ذلك الجلال المحلي، ويحتمل عوده لعيسى، أي : جاء لبني إسرائيل ﴿بالبينات﴾ أي : من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها، ومن الكتاب المبين ﴿قالوا﴾ أي : عند مجيئها من غير نظرة تأمل ﴿هذا﴾ أي : المأتي به من البينات، أو الآتي بها على المبالغة ﴿سحر﴾ فكانوا أول كافر به، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك أم لا ﴿مبين﴾ أي : في غاية البيان في سحريته. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، وهذه القراءة مناسبة للتفسير الثاني، والباقون بكسر السين وسكون الحاء، وهذه مناسبة للتفسير الأول.

الصف 61:7

﴿ومن﴾ أي : لا أحد ﴿أظلم﴾ أي : أشد ظلماً ﴿ممن افترى﴾ أي : تعمد ﴿على الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿الكذب﴾ أي : بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته بالسحر، ووصف أنبيائه بالسحرة ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿يدعى﴾ أي : من أي داع كان ﴿إلى الإسلام﴾ أي : الذي هو أحسن الأشياء فإن له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على الله تعالى :﴿والله﴾ أي : الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ﴿لا يهدي القوم﴾ أي : لا يخلق الهداية في قلوب من فيهم قوة المجادلة للأمور الصعاب ﴿الظالمين﴾ أي : الذين يخبطون في عقولهم خبط من هو في الظلام.

الصف 61:8

﴿يريدون﴾ أي : يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم ﴿ليطفئوا﴾ أي : لأجل أن يطفئوا ﴿نور الله﴾ أي : الملك الذي لا شيء يكافئه، ﴿بأفواههم﴾ أي : بما يقولون من كذب لا منشأ له غير الأفواه، لأنه لا اعتقاد له في القلوب. تنبيه : الإطفاء هو الإخماد يستعملان في النار وفيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفرق بين الإطفاء والإخماد من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل، فيقال : أطفأت السراج، ولا يقال : أخمدت السراج، وفي هذه اللام أوجه : أحدها : أنها تعليلية كما مر، ثانيها : أنها مزيدة في مفعول الإرادة، وقال الزمخشري : أصله يريدون أن يطفئوا كما في سورة التوبة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيداً له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في : لا أب لك تأكيداً لمعنى الإضافة في لا أباك. قال الماوردي : وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس :«أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف : يا معشر يهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية »، واتصل الوحي بعدها واختلف في المراد بالنور، فقال ابن عباس : هو القرآن، أي : يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول. وقال السدي : الإسلام، أي : يريدون رفعه بالكلام. وقال الضحاك : إنه محمد صلى الله عليه وسلم أي : يريدون هلاكه بالأراجيف وقال ابن جريج : حجج الله تعالى ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم. وقيل : إنه مثل مضروب، أي : من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلاً ممتنعاً، كذلك من أراد إطفاء الحق ﴿والله﴾ أي : الذي لا مدافع له لتمام عظمته، ﴿متم نوره﴾ فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه، وزاد ذلك بقوله تعالى :﴿ولو كره﴾ أي : إتمامه له ﴿الكافرون﴾ أي : الراسخون في جهة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه.

الصف 61:9

﴿هو﴾ أي : الذي ثبت أنه جامع لصفات الكمال والجلال وحده من غير أن يكون له شريك أو وزير، ﴿الذي أرسل رسوله﴾ أي : الحقيق بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته، ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى ﴿بالهدى﴾ أي : البيان الشافي بالقرآن والمعجزة، ﴿ودين الحق﴾ أي : والملة الحنيفية ﴿ليظهره﴾ أي : يعليه مع الشهرة وإذلال المنازع ﴿على الدين﴾ أي : جنس الشريعة التي ستجعل ليجازى من يسلكها ومن يزغ عنها بما يشرع فيها من الأحكام ﴿كله﴾ فلا يبقى دين إلا كان دونه، وانمحق به وذل أهله ذلاً لا يقاس به ذل ﴿ولو كره﴾ أي : إظهاره ﴿المشركون﴾ أي : المعاندون في كفرهم الراسخون في سلك المعاندة. فإن قيل : قال أولاً :﴿ولو كره الكافرون﴾، وقال ثانياً :﴿ولو كره المشركون﴾، فما الحكمة في ذلك ؟. أجيب : بأنه تعالى أرسل رسوله، وهو من نعم الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء فلهذا قال :﴿ولو كره الكافرون﴾ لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق به. وأما قوله تعالى :﴿ولو كره المشركون﴾ فذلك عند إنكارهم التوحيد وإصرارهم عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا إله إلا الله فلم يقولوها، فلهذا قال :﴿ولو كره المشركون﴾.

الصف 61:10

واختلف في سب نزول قوله تعالى :﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان ﴿هل أدلكم﴾ أي : وأنا المحيط علماً وقدرة فهي إيجاب في المعنى، ذكر بلفظ الاستفهام تشريفاً ليكون أوقع في النفس ﴿على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ أي : مؤلم فقال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون قال :«يا رسول الله لو أذنت لي طلقت خولة، وترهبت واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبداً، ولا أفطر بنهار، فقال صلى الله عليه وسلم إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا طيبات ما احل الله لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقال عثمان : والله لوددت يا رسول الله أيّ التجارة أحب إلى الله تعالى فأتجر فيها، فنزلت » وقيل : أدلكم، أي : سأدلكم، والتجارة : الجهاد، قال الله تعالى :﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل : نزل هذا حين قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملنا به. قال البغوي : وجعل هذا بمنزلة التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله تعالى، ونيل جنته والنجاة من النار وقرأ ابن عامر بفتح النون وتشدد الجيم، والباقون بسكون النون وتخفيف الجيم.

الصف 61:11

ثم بين سبحانه تلك التجارة بقوله تعالى :﴿تؤمنون﴾ أي : تدومون على الإيمان ﴿بالله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال، وعلى هذا فلا ينافي ذلك قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وقيل : المراد من هذه الآية المنافقون وهم الذين آمنوا في الظاهر، وقيل : أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة ﴿ورسوله﴾ الذي تصديقه آية الإذعان للعبودية ﴿وتجاهدون﴾ بياناً لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار ﴿في سبيل الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لغيره ﴿بأموالكم وأنفسكم﴾ وقدم الأموال لعزتها في ذلك الزمان، ولأنها قوام الأنفس فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه، لأن المال قوامها. وقال القرطبي : ذكر الأموال أولاً لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق، ﴿ذلكم﴾ أي : الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد ﴿خير لكم﴾ أي : من أموالكم وأنفسكم ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي : إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم، فإذا علمتم أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر عظيم، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمساً لا رجاء لصلاحه فصلوا على أنفسكم صلاة الموت.

الصف 61:12

وقوله تعالى :﴿يغفر لكم﴾ فيه أوجه : أحدها : أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر، أي : آمنوا وجاهدوا. والثاني : أنه مجزوم في جواب الاستفهام، كما قاله الفراء. والثالث : أنه مجزوم بشرط مقدر، أي : إن تؤمنوا يغفر لكم. قال القرطبي : وأدغم بعضهم فقرأ يغفر لكم، والأحسن ترك الإدغام فإن الراء متكرر قوي فلا يحسن الإدغام في اللام، لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف ا. ه. وتقدم في آخر سورة البقرة مثل ذلك للزمخشري والبيضاوي ورد عليهما ﴿ذنوبكم﴾ أي : يمحو أعيانها وآثارها كلها، ﴿ويدخلكم﴾ أي : بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم ﴿جنات﴾ أي : بساتين ﴿تجري من تحتها﴾ أي : من تحت أشجارها وغرفها وكل منتزه فيها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال غضة زهراء لم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود لإغناء ما بعده عنه، ودل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله في صيغة منتهى الجموع، ﴿ومساكن طيبة﴾ روى الحسن قال :«سألت عمران بن حصين، وأبا هريرة عن قوله تعالى :﴿ومساكن طيبة﴾ فقالا : على الخبير سقطت سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال :«قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، في كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة فيعطي الله تعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله »، ﴿في جنات عدن﴾ أي : بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له، قال حمزة الكرماني في كتابه «جوامع التفسير » : هي أي جنات عدن قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش ﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم جداً، ﴿الفوز العظيم﴾ أي : السعادة الدائمة الكبيرة، وأصل الفوز الظفر بالمطلوب.

الصف 61:13

ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم في الآخرة بشرهم بنعمته في الدنيا بقوله تعالى :﴿وأخرى تحبونها﴾ أي : ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى عاجلة محبوبة، وفي تحبونها تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. وقوله تعالى :﴿نصر من الله﴾ أي : الذي أحاطت عظمته بكل شيء خبر مبتدأ مضمر، أي : تلك النعمة أو الخصلة الأخرى نصر من الله ﴿وفتح قريب﴾ أي : غنيمة في عاجل الدنيا قيل : فتح مكة قال الكلبي : هو النصر على قريش، وقال ابن عباس : يريد فتح فارس والروم. وقوله تعالى :﴿وبشر المؤمنين﴾ عطف على محذوف مثل قل ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ﴿وبشر﴾، أو على يؤمنون فإنه في معنى الأمر كأنه قال آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون، وبشرهم يا أشرف الرسل بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة.

الصف 61:14

﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بذلك ﴿كونوا﴾ أي : بغاية جهدكم ﴿أنصاراً لله﴾ أي : لدينه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو أنصاراً بالتنوين وجر اللام من الاسم الجليل وترقيقها، والباقون بغير تنوين وتفخيم اللام. ﴿كما﴾ أي : كونوا لأجل أني ندبتكم أنا بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين ﴿قال عيسى بن مريم﴾ حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخاً لشريعة موسى عليه السلام ﴿للحواريين﴾ أي : خلص أصحابه وخاصته منهم ﴿من أنصاري إلى الله﴾ أي : المحيط بكل شيء أي : انصروا دين الله تعالى مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام من أنصاري إلى الله، أي : من ينصرني مع الله تعالى :﴿قال الحواريون﴾ معلمين إنهم جادون في ذلك جداً لا مزيد عليه لعلمهم أن أجابته إجابة الله تعالى، لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله تعالى :﴿نحن﴾ أي : بأجمعنا وكانوا اثني عشر رجلاً، وهم أول من آمن بعيسى ﴿أنصار الله﴾ أي : الملك الأعلى القادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل الأرض. ولما كان التقدير ثم دعوا كل من خالفهم من بني إسرائيل وبارزهم تسبب عنهم قوله تعالى :﴿فآمنت﴾ أي : به ﴿طائفة﴾ أي : ناس منهم أهل الاستدارة لما لهم من الكثرة ﴿من بني إسرائيل﴾ قومه ﴿وكفرت طائفة﴾ أي : منهم، وأصل الطائفة : القطعة من الشيء، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق : فرقة قالوا : كان الله فارتفع. وفرقة قالوا : كان ابن الله فرفعه إليه. وفرقة قالوا : كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المؤمنون. واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى :﴿فأيدنا﴾ أي : قوينا بعد رفع عيسى عليه السلام ﴿الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان المخلص ﴿على عدوهم﴾ أي : الذين عادوهم لأجل إيمانهم ﴿فأصبحوا﴾ أي : صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ﴿ظاهرين﴾ أي : عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحداً ولا يستخفون منه، وروى المغيرة عن إبراهيم قال : فأصبحت حجة من آمن بعيسى عليه السلام ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام كلمة الله وعبده ورسوله.

الجمعة 62:1

﴿يسبح﴾ أي : يوقع التنزيه الأعظم الأنهى الأكمل ﴿لله﴾ أي : الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿ما في السماوات﴾ أي : من جميع الأشياء من الملائكة وغيرها كالأفلاك والنجوم ﴿وما في الأرض﴾ كذلك من الآدميين وغيرهم كالشجر والثمار، وقيل : اللام مزيدة، أي : ينزه الله وأتى بما دون من، قال الجلال المحلي : تغليباً للأكثر، ويحتمل أن يكون المراد بالسماء جهة العلو فيشمل السماء وما فيها، وبالأرض جهة السفل فيشمل الأرض وما فيها ﴿الملك﴾ أي : الذي ثبت له جميع الكمالات، فهو ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلاً فيصبح ظاهراً ﴿القدوس﴾ أي : المنزه عما لا يليق به، وعن إحاطة أحد من الخلق بعلمه وإدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله والتدبير لمفاهيم نعوته وجلاله وأحقهم بالقرب و العداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول مالا يفعل، أو يبني شيئاً من أموره على غير إحكام ﴿العزيز﴾ أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي : الذي يوقع كل ما أراد في أحكم مواقعه وأتمها وأتقنها.

الجمعة 62:2

﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الذي بعث في الأميين﴾ أي : العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرؤون، والأمي : من لا يقرأ ولا يكتب ﴿رسولاً منهم﴾ أي : من جملتهم أمياً مثلهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وما من حي من العرب إلا وله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، وقد ولدوه. قال ابن إسحاق : إلا بني تغلب فإن الله تعالى طهر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان أمياً لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم علمه الله ما لم يكن يعلم من غير تطلب، فكانت آثار البشرية عنه مندرسة وأنوار الحقائق علية لائحة، وذلك لئلا يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم فيكون معنى عدم إمكان المساواة أدل على الإعجاز، وبعثه إلى العرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم لاسيما مع ما ورد فيه من صرائح الدلائل القطعية، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة تقديرها إلى عامة الخلق ﴿يتلو﴾ أي : يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضاً على وجه الكثرة والعلو والرفعة ﴿عليهم﴾ مع كونه أمياً مثلهم ﴿آيات﴾ أي : يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة، وهي القرآن الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بسورة من مثله ﴿ويزكيهم﴾ أي : يطهرهم من الشرك والأخلاق الرذيلة، والعقائد الزائغة فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم، وتعليمه لهم وتلاوته عليهم، فربما نظر الإنسان نظرة محبة فزكاه الله تعالى بها بحسب القابليات والأمور التي قضى الله تعالى أن تكون مهيآت فكان له أعشق فكان لأتباعه ألزم فكان في كتاب الله وسنته أرسخ ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي : القرآن المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى ﴿والحكمة﴾ هي غاية الحكم للكتاب في قوة فهمه والعمل به فهي العمل المزين بالعلم المتقن به، وقال الحسن : الكتاب : القرآن، والحكمة : السنة. وقال ابن عباس : الكتاب الخط بالقلم، والحكمة : السنة، لأن الخط إنما فشا في العرب بالشرع لما أمروا بالتقييد بالخط. وقال مالك بن أنس : الحكمة : الفقه في الدين ﴿وإن﴾ أي : والحال أنهم ﴿كانوا﴾ أي : كوناً هو كالجبلة لهم ﴿من قبل﴾ أي : قبل إرساله إليهم ﴿لفي ضلال﴾ أي : بعد عن المقصود ﴿مبين﴾ أي : ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة، وظنهم أنهم على شيء، وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختبارهم له.

الجمعة 62:3

وقوله تعالى :﴿وآخرين منهم﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه مجرور عطفاً على الأميين، أي : وبعث في الآخرين من الأميين، أي : الموجودين والآتين منهم بعدهم ﴿لما﴾ أي : لم ﴿يلحقوا بهم﴾ في السابقة والفصل والثاني : أنه منصوب عطفاً على الضمير المنصوب في يعلمهم، أي : ويعلم آخرين لما يلحقوا بهم وسيلحقون، وكل من تعلم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخر الزمان فرسول الله صلى الله عليه وسلم معلمه بالقوة، لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم. تنبيه : الذين لم يلحقوا بهم هم الذين لم يكونوا في زمنهم وسيجيئون بعدهم. قال عمر وسعيد بن جبير : هم العجم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال :«كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ :﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله ؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثاً، قال : وفينا سلمان الفارسي، قال :«فوضع النبي صلى الله علية وسلم يده على سلمان ثم قال :«لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجل من هؤلاء » وفي رواية «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجال من فارس » أو قال : من أبناء فارس حتى يتناوله. وقال عكرمة : هم التابعون، وقال مجاهد : هم الناس كلهم، يعني : من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وقال ابن زيد، ومقاتل بن حبان : هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن في أصلاب أمتي رجالاً ونساء يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ » قال ابن عادل : والقول الأول أثبت. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«رأيتني أسقي غنماً سوداً، ثم أتبعتها غنماً عقراً أولها يا أبا بكر، قال : يا نبي الله أما السود فالعرب، وأما العقر فالعجم تتبعك بعد العرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أولها الملك يعني جبريل عليه الصلاة والسلام » رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي : الذي يقدر على كل ما أراده، ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أي طائفة كان، ولو كان أجهل أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده ﴿الحكيم﴾ فهو إذاً أراد شيئاً موافقاً لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها، فلا يستطاع نقضه ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطاق ردة بوجه. ولما كان هذا أمراً باهراً عظمه بقوله تعالى على وجه الاستثمار من قدرته :﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾.

الجمعة 62:4

﴿ذلك﴾ الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه، وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعاً لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف ﴿فضلُ الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال والفضل ما لم يكن مستحقاً بخلاف الفرص ﴿يؤتيه من يشاء﴾ قال ابن عباس : حيث ألحق العجم بقريش، وقال الكلبي : يعني الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء، وقال مقاتل : يعني الوحي والنبوة. وقيل : إنه المال ينفق في الطاعة لما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال : وما ذاك ؟ فقالوا : يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، قالوا : بلى يا رسول الله، قال : تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة، قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » وقيل : إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته ﴿والله﴾ الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿ذو الفضل العظيم﴾.

الجمعة 62:5

ولما ترك اليهود العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ضرب الله تعالى لهم مثلاً بقوله تعالى :﴿مثل الذين حملوا التوراة﴾ أي : كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله تعالى لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس، وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع ﴿ثم لم يحملوها﴾ أي : بأن حملوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم فإذا لهم النار من غير نفع أصلاً ﴿كمثل﴾ أي : مثلهم مثل ﴿الحمار﴾ أي : الذي هو أبلد الحيوان فهو مثل في الغباوة حال كونه ﴿يحمل أسفاراً﴾ أي : كتباً كباراً من كتب العلم جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه، في عدم الانتفاع بها لأنه يمشي ولا يدري منها إلا ما يضر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ومثل ذلك قول الشاعر : زوامل للأسفار لا علم عندهم؍ بجيدها إلا كعلم الأباعر؍ لعمرك ما يدري البعير إذا غدا؍ بأحماله أو راح ما في الغرائر؍ من إنشاد الشيخ ابن الخباز. ﴿بئس مثل القوم﴾ أي : الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدون ﴿الذين كذبوا﴾ أي : محمداً على علم ﴿بآيات الله﴾ أي : دلالات الملك الأعظم على رسوله، ولاسيما محمد صلى الله عليه وسلم والمخصوص بالذم محذوف تقديره : هذا المثل ﴿والله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال ﴿لا يهدي القوم﴾ أي : لا يخلق الهداية في قلوب الذين تعمدوا الزيغ ﴿الظالمين﴾ أي : الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان، الذي لم يدع لبساً حتى صار الظلم لهم صفة راسخة.

الجمعة 62:6

ولما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه نزل قوله تعالى :﴿قل﴾ أي : يا أشرف الرسل ﴿يا أيها الذين هادوا﴾ أي : تدينوا باليهودية ﴿إن زعمتم﴾ أي : قلتم قولاً هو معرض للتكذيب، ولذلك أكذبتموه ﴿إنكم أولياء لله﴾ أي : الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه خصكم بذلك خصوصية مبتدأة ﴿من دون﴾ أي : أدنى رتبة من رتب ﴿الناس﴾ فلم تنفذ الولاية، وتلك الرتبة في الدنيا إلى أحد منهم غيركم بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لاسيما الأميين ﴿فتمنوا الموت﴾ وأخبروا عن أنفسكم بذلك للنقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء ﴿إن كنتم﴾ أي : كوناً راسخاً ﴿صادقين﴾ أي : غريقين عند أنفسكم في الصدق، فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب، ومن المقطوع به أن من كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر تمنى النقلة إلى وليه. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فلم يقلها منهم أحد علماً منهم بصدقه صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عناداً منهم ».

الجمعة 62:7

ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يتمنونه في المستقبل أيضاً بقوله تعالى :﴿ولا يتمنونه﴾ أي : في المستقبل ﴿أبداً بما قدمت أيديهم﴾ أي : بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي التي أحاطت به فلم تدع لهم حظاً في الآخرة. تنبيه : قال تعالى هنا :﴿ولا يتمنونه﴾ وفي البقرة ﴿ولن يتمنوه﴾ [البقرة: ٩٥] قال الزمخشري : لا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد ﴿ولن يتمنوه﴾ ومرة بغير لفظه ﴿ولا يتمنونه﴾ قال أبو حيان : وهذا رجوع منه عن مذهبه وهو أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة، وهي أنها لا تقتضيه. قال بعضهم : وليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين لا و لن في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص لن بمعنى آخر ا. ه. ودعواهم الولاية إلى التوسل إلى الجنة لا يلزم منها الاختصاص بالنعم بدليل أن الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية بل البر والفاجر مشتركون فيها. ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عليم﴾ بالغ العلم محيط بهم هكذا كان الأصل ولكنه تعالى قال :﴿بالظالمين﴾ تعميماً وتعليقاً بالوصف لا بالذات، فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم، فهو مجازيهم على ظلمهم.

الجمعة 62:8

﴿قل﴾ أي : لهؤلاء يا أشرف الرسل ﴿إن الموت الذي تفرون منه﴾ بالكف عن التمني ﴿فإنه ملاقيكم﴾ أي : لا تفوتونه لاحق بكم. تنبيه : في هذه الفاء وجهان : أحدهما : إنها داخلة لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك. قال الزجاج : لا يقال : إن زيداً فمنطلق، وهاهنا قال :﴿فإنه ملاقيكم﴾ لما في معنى الذي من الشرط أو الجزاء، أي : إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه. الثاني : إنها مزيدة محضة لا للتضمن المذكور. ولما كان الحبس في البرزخ أمراً لا بد منه مهولاً نبه عليه وعلى طوله بأداة التراخي فقال تعالى :﴿ثم تردون إلى عالم الغيب﴾ أي : السر ﴿والشهادة﴾ أي : العلانية، أو كل ما غاب عن الخلق، وكل ما شوهد ﴿فينبئكم﴾ أي : يخبركم إخباراً عظيماً مستقصى مستوفى ﴿بما كنتم﴾ أي : بما هو لكم كالجبلة ﴿تعملون﴾ أي : بكل جزء منه بما برز إلى الخارج، وبما كان في جبلاتكم ولو بقيتم لفعلتموه ليجازيكم.

الجمعة 62:9

﴿يا أيها الذين أمنوا﴾ أي : أقروا بألسنتهم بالإيمان ﴿إذا نودي﴾ أي : من أي مناد كان من أهل النداء ﴿للصلاة﴾ أي : صلاة الجمعة ﴿من﴾ أي : في ﴿يوم الجمعة﴾ كقوله تعالى :﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ [فاطر: ٤٠] أي : في الأرض، والمراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه، كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن بلال، وعن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الدور، زاد في رواية فثبت الأمر على ذلك. وعن أبي داود قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يوم الجمعة على المنبر على باب المسجد، روي أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى إذا كان عثمان، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن الأذان الثاني الذي كان على زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا نزل أقام الصلاة، فلم يعب ذلك عليه لقوله صلى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ». قال الماوردي : أما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها، وكان عمر أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن سوقهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله عثمان أذانين في المسجد. قال ابن العربي : وفي الحديث الصحيح :«أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء »، وسماه في الحديث ثالثاً لأنه أضافه إلى الإقامة، كقوله صلى الله عليه وسلم «بين كل إذانين صلاة لمن شاء » يعني : الأذان والإقامة، وتوهم بعض الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة. قال ابن عادل : فكان وهماً، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهماً على وهم. واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فمنهم من قال : لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم عليه الصلاة والسلام. روى مالك عن أبن هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه الصلاة والسلام، وفيه أهبط، وفيه مات وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد » وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء، وقال : هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد » ومنهم من قال : لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، ومنهم من قال : لاجتماع الجماعات فيه للصلاة، وقيل : أول من سمى هذا اليوم جمعة كعب بن لؤي. قال أبو سلمة : أول من قال أما بعد : كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة جمعة، وكان يقول له : يوم العروبة. وعن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة. وقيل : إن الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى فيه ونصلي، فقالوا : يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين، وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، ثم أنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام. وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له : إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال : لأنه أول من جمع بنا في هزم النبت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له : بقيع الخضمان، قلت له : كم كنتم يومئذٍ، قال : أربعين » أخرجه أبو داوود. وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عيه وسلم بأصحابه، فقال أهل السير : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، حين اشتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ، فأقام بها إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجداً، فجمع بهم وخطب وهي أول خطبة خطبها بالمدينة. وقال فيها :«الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة، والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط، وضل ضلالاً بعيداً أوصيكم بتقوى الله فإن خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله من نفسه فإن تقوى الله لمن عمل بها على وجل ومخافة من ربه عنوان صدق على ما تبغون من الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكون له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، و ما كان مما سوى ذلك ﴿يود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد﴾ [آل عمران: ٣٠] وهو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول :﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ [ق: ٢٩] فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عن سيئاته ويعظم له أجراً ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧١] وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علمكم في كتابه، وأوضح لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين وأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده ﴿هو اجتباكم﴾ و﴿سماكم المسلمين﴾ [الحج: ٧٨] ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيّ عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله تعالى واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ». قال بعضهم : قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله :﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم الله بالحمار يحمل أسفاراً وبالسبت وإنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم يوم الجمعة. تنبيه : سمى الله تعالى الجمعة ذكراً له، قال أبو حنيفة : إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله : الحمد لله سبحان الله جاز، وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال : الحمد لله ؛ فارتج عليه، فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة، ولها أركان وشروط مذكورة في الفقه. فإن قيل : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة، وفيها ذكر غير الله ؟ أجيب : بأن ما كان من ذكر رسوله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين، وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحق بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان. وهو من ذكر الله على مراحل فإن المنصت للخطبة إذا قال لصاحبه : صه فقد لغا، أفلا يكون الخطيب المغالي في ذلك لاغياً نعوذ بالله من غربة الإسلام، ومن نكد الأيام وقد خاطب الله تعالى المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفاً لهم وتكريماً، فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ثم خصه بالنداء وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى :﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ ليدل على وجوبه وتأكد فرضه. وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة هاهنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ، وقال ابن العربي : وعندي إنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله تعالى :﴿من يوم الجمعة﴾ وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى فلا فائدة فيه. واختلف في معنى قوله تعالى :﴿فاسعوا﴾ أي : لتكونوا أولياء الله ولا تتهاونوا في ذلك. فقال الحسن : والله ما هو سعي على الأقدام، ولكن سعي بالقلوب والنية، وقال الجمهور : السعي : العمل لقوله تعالى :﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ [الإسراء: ١٩] كقوله تعالى :﴿إن سعيكم لشتى﴾ [الليل: ٤] وقوله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أئتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا » واختلفوا أيضاً : في معنى قوله تعالى :﴿إلى ذكر الله﴾ أي : الملك الأعظم، فقال سعيد بن المسيب : هو موعظة الإمام، وقال غيره : الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك. ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة قال تعالى ناهياً عن تجارة الدنيا التي تعوق عن الجمعة ﴿وذروا البيع﴾ أي : اتركوا البيع والشراء ؛ لأن اسم البيع يتناولهما جميعاً، وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني. وقال الزهري : عند خروج الإمام، وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. وإنما خص البيع من بين الأمور الشاغلة عن ذكر الله تعالى، لأن يوم الجمعة يوم تهبط الناس فيه من بواديهم وقراهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم، واختصاص الأسواق إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى، ودنا وقت الظهيرة وحينئذ تنجز التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة للذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل : بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله ﴿ذلكم﴾ أي : الأمر العالي الرتبة من فعل السعي، وترك الاشتغال بالدنيا ﴿خير لكم﴾ لأن الأمر الذي أمركم به الذي له الأمر كله، وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم. فإن قيل : إذا كان البيع في هذا الوقت محرماً فهل هو فاسد ؟. أجيب : بأن عامة العلماء على أن ذ

الجمعة 62:10

ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها بين لهم وقت المعاش بقوله تعالى : ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ أي : وقع الفراغ منها على أيّ وجه كان ﴿فانتشروا﴾ أي : فدبوا وتفرقوا مجتهدين ﴿في الأرض﴾ أي : جميعها للتجارة والتصرف في حوائجكم إن شئتم لا جناح عليكم ولا حرج رخصة من الله تعالى لكم ﴿وابتغوا﴾ أي : اطلبوا الرزق ﴿من فضل الله﴾ أي : الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره، وهذا أمر إباحة كقوله تعالى :﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] قال ابن عباس : إن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد، وإن شئت فصل إلى العصر. وقيل : فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا، ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله تعالى. وقال الحسن، وسعيد بن جبير ومكحول ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ هو طلب العلم ﴿واذكروا الله﴾ أي : الذي له الأمر كله ﴿كثيراً﴾ أي : بحيث لا تغفلون عنه بقلوبكم أصلاً ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع، واستثني من الثاني وقت التلبس بالقذر كوقت قضاء الحاجة والجماع ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي : تفوزون بالجنة والنظر إلى وجهه الكريم.

الجمعة 62:11

وعن جابر بن عبد الله «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً » وفي رواية «أنا فيهم » فأنزل الله تعالى :﴿وإذا رأوا تجارة﴾ أي : حمولاً هي موضع للتجارة ﴿أو لهواً﴾ أي : ما يلهي عن كل نافع ﴿انفضوا﴾ أي : نفروا متفرقين من العجلة ﴿إليها﴾ أي : التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو، وأيضاً العطف بأو فإفراد الضمير أولى. وقال الزمخشري : تقديره : إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. وذكر الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عن مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما تحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثنى عشر رجلاً، وقيل : أحد عشر رجلاً، وقال ابن عباس في رواية الكلبي : لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط. وقال الحسن وأبو مالك : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلما لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم «والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً ». وقال مقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان إذا قدم المدينة لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وغيره، فينزل عند أحجار الزيت، وكانت في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فخرج إليه الناس ليتبايعوا منه، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لولا هؤلاء لرميت عليهم الحجارة من السماء » وأنزل الله تعالى هذه الآية والمراد باللهو الطبل. وقيل : كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوا بالطبل والتصفيق. وقال علقمة : سئل عبد الله أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً فقال : أما تقرأ ﴿وتركوك قائماً﴾ وعن جابر بن عبد الله قال :«كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس » وذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقاً لفضلهم أن لا يفعلوا، فقال : حدثنا محمد بن خالد، قال : حدثنا الوليد، قال : أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حبان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل يقال له : دحية بن خليفة قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة الخطبة وأخر الصلاة، وكان لا يخرج أحد لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده، فكان في المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستتراً به حتى يخرج فأنزل الله تعالى :﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً﴾ [النور: ٦٣] الآية ». قال السهيلي : وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحاً وقال قتادة : وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية بتجارته ونظرهم إلى العير، وهي تمر لهو لا فائدة فيه إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ وكبر، ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وقوله تعالى :﴿وتركوك﴾ أي : تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلاً، قال جابر : أنا أحدهم ﴿قائماً﴾ جملة حالية من فاعل انفضوا، وقد مقدرة عند بعضهم. تنبيه : في قوله تعالى :﴿قائماً﴾ تنبيه على مشروعيته في الخطبتين، وهو من الشروط للقادر على القيام، وأما أركانهما فخمسة : حمد الله تعالى، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظهما، ووصية بتقوى الله، وهذه الثلاثة في كل من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة ولو في إحداهما والأولى أولى، ودعاء للمؤمنين والمؤمنات في ثانية، ومن الشروط كونهما عربيتين، وكونهما في الوقت، وولاء، وطهر، وستر كالصلاة ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق للمؤمنين ﴿ما عند الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿خير﴾ ما موصولة مبتدأ وخير خبرها ﴿من اللهو ومن التجارة﴾ والمعنى : ما عند الله تعالى من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم، وفائدة تجارتكم. وقيل : ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما اقتسمتموه من لهوكم وتجارتكم ﴿والله﴾ أي : ذو الجلال والإكرام وحده ﴿خير الرازقين﴾ أي : خير من رزق وأعطى فاطلبوا منه، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.