Lafzullah

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — المنافقون 63:1 – الحاقة 69:52

المؤلف / المصدر: الشربيني (ت 977هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27787)

المحتويات
  1. المنافقون 63:1
  2. المنافقون 63:2
  3. المنافقون 63:3
  4. المنافقون 63:4
  5. المنافقون 63:5
  6. المنافقون 63:6
  7. المنافقون 63:7
  8. المنافقون 63:8
  9. المنافقون 63:9
  10. المنافقون 63:10
  11. المنافقون 63:11
  12. التغابن 64:1
  13. التغابن 64:2
  14. التغابن 64:3
  15. التغابن 64:4
  16. التغابن 64:5
  17. التغابن 64:6
  18. التغابن 64:7
  19. التغابن 64:8
  20. التغابن 64:9
  21. التغابن 64:10
  22. التغابن 64:11
  23. التغابن 64:12
  24. التغابن 64:13
  25. التغابن 64:14
  26. التغابن 64:15
  27. التغابن 64:16
  28. التغابن 64:17
  29. التغابن 64:18
  30. الطلاق 65:1
  31. الطلاق 65:2
  32. الطلاق 65:3
  33. الطلاق 65:4
  34. الطلاق 65:5
  35. الطلاق 65:6
  36. الطلاق 65:7
  37. الطلاق 65:8
  38. الطلاق 65:9
  39. الطلاق 65:10
  40. الطلاق 65:11
  41. الطلاق 65:12
  42. التحريم 66:1
  43. التحريم 66:2
  44. التحريم 66:3
  45. التحريم 66:4
  46. التحريم 66:5
  47. التحريم 66:6
  48. التحريم 66:7
  49. التحريم 66:8
  50. التحريم 66:9
  51. التحريم 66:10
  52. التحريم 66:11
  53. التحريم 66:12
  54. الملك 67:1
  55. الملك 67:2
  56. الملك 67:3
  57. الملك 67:4
  58. الملك 67:5
  59. الملك 67:6
  60. الملك 67:7
  61. الملك 67:8
  62. الملك 67:9
  63. الملك 67:10
  64. الملك 67:11
  65. الملك 67:12
  66. الملك 67:13
  67. الملك 67:14
  68. الملك 67:15
  69. الملك 67:16
  70. الملك 67:17
  71. الملك 67:18
  72. الملك 67:19
  73. الملك 67:20
  74. الملك 67:21
  75. الملك 67:22
  76. الملك 67:23
  77. الملك 67:24
  78. الملك 67:25
  79. الملك 67:26
  80. الملك 67:27
  81. الملك 67:28
  82. الملك 67:29
  83. الملك 67:30
  84. القلم 68:1
  85. القلم 68:2
  86. القلم 68:3
  87. القلم 68:4
  88. القلم 68:5
  89. القلم 68:6
  90. القلم 68:7
  91. القلم 68:8
  92. القلم 68:9
  93. القلم 68:10
  94. القلم 68:11
  95. القلم 68:12
  96. القلم 68:13
  97. القلم 68:14
  98. القلم 68:15
  99. القلم 68:16
  100. القلم 68:17
  101. القلم 68:18
  102. القلم 68:19
  103. القلم 68:20
  104. القلم 68:21
  105. القلم 68:22
  106. القلم 68:23
  107. القلم 68:24
  108. القلم 68:25
  109. القلم 68:26
  110. القلم 68:27
  111. القلم 68:28
  112. القلم 68:29
  113. القلم 68:30
  114. القلم 68:31
  115. القلم 68:32
  116. القلم 68:33
  117. القلم 68:34
  118. القلم 68:35
  119. القلم 68:36
  120. القلم 68:37
  121. القلم 68:38
  122. القلم 68:39
  123. القلم 68:40
  124. القلم 68:41
  125. القلم 68:42
  126. القلم 68:43
  127. القلم 68:44
  128. القلم 68:45
  129. القلم 68:46
  130. القلم 68:47
  131. القلم 68:48
  132. القلم 68:49
  133. القلم 68:50
  134. القلم 68:51
  135. القلم 68:52
  136. الحاقة 69:1
  137. الحاقة 69:2
  138. الحاقة 69:3
  139. الحاقة 69:4
  140. الحاقة 69:5
  141. الحاقة 69:6
  142. الحاقة 69:7
  143. الحاقة 69:8
  144. الحاقة 69:9
  145. الحاقة 69:10
  146. الحاقة 69:11
  147. الحاقة 69:12
  148. الحاقة 69:13
  149. الحاقة 69:14
  150. الحاقة 69:15
  151. الحاقة 69:16
  152. الحاقة 69:17
  153. الحاقة 69:18
  154. الحاقة 69:19
  155. الحاقة 69:20
  156. الحاقة 69:21
  157. الحاقة 69:22
  158. الحاقة 69:23
  159. الحاقة 69:24
  160. الحاقة 69:25
  161. الحاقة 69:26
  162. الحاقة 69:27
  163. الحاقة 69:28
  164. الحاقة 69:29
  165. الحاقة 69:30
  166. الحاقة 69:31
  167. الحاقة 69:32
  168. الحاقة 69:33
  169. الحاقة 69:34
  170. الحاقة 69:35
  171. الحاقة 69:36
  172. الحاقة 69:37
  173. الحاقة 69:38
  174. الحاقة 69:39
  175. الحاقة 69:40
  176. الحاقة 69:41
  177. الحاقة 69:42
  178. الحاقة 69:43
  179. الحاقة 69:44
  180. الحاقة 69:45
  181. الحاقة 69:46
  182. الحاقة 69:47
  183. الحاقة 69:48
  184. الحاقة 69:49
  185. الحاقة 69:50
  186. الحاقة 69:51
  187. الحاقة 69:52

المنافقون 63:1

﴿إذا جاءك﴾ يا أيها الرسول المبشر بك في التوراة والإنجيل، وقرأ حمزة وابن ذكوان بالإمالة والباقون بالفتح، وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المد والقصر، وله أيضاً إبدالها ألفاً مع المد والقصر﴿المنافقون﴾ أي : الغريقون في وصف النفاق، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ﴿قالوا﴾ مؤكدين لأجل استشعارهم بتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب ﴿نشهد﴾ قال الحسن : هو بمنزلة اليمين كأنهم قالوا نقسم ﴿إنك لرسول الله﴾ أي : الملك الذي له الإحاطة الكاملة فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم. وقوله تعالى :﴿والله يعلم﴾ أي : وعلمه هو العلم في الحقيقة، وأكد سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال تعالى :﴿إنك لرسوله﴾ سواء أشهد المنافقون بذلك أم لا فالشهادة حق ممن يطابق لسانه قلبه جملة معترضة بين قولهم :﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ وبين قوله تعالى :﴿والله يشهد﴾ لفائدة. قال الزمخشري : لو قال قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد أنهم لكاذبون، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله تعالى :﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ ليميط هذا الإيهام ﴿والله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يشهد﴾ شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن ﴿إن المنافقين﴾ أي : الراسخين في وصف النفاق ﴿لكاذبون﴾ أي : في إخبارهم عن أنفسهم إنهم يشهدون، لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره بباطنه وسره بعلانيته، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله وسماه الله تعالى كذباً لأن قولهم خالف اعتقادهم.

المنافقون 63:2

﴿اتخذوا أيمانهم﴾ أي : كلها من شهادتهم وكل يمين سواها ﴿جنة﴾ أي : سترة عن أموالهم ودمائهم، روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي، فأنزل الله عز وجل ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ إلى قوله تعالى :﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾ وقوله ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :«إن الله قد صدقك » وروى الترمذي عن زيد بن أرقم قال :«غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقوننا فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال : فأتى رجل من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني : الأعراب وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، فقال عبد الله : إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد : وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد، قال : فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني قال : فجاء عمي إلي فقال : ما أردت إلا أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك المنافقون، قال : فوقع علي من جراءتهم ما لم يقع على أحد، قال : فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت رأسي من الهمّ ؛ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني، وضحك في وجهي فكان ما يسرّني أنّ لي بها الخلد في الدنيا، ثم إنّ أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال : أبشر ثم لحقني عمر فقلت له : مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين » قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وروي «أنه صلى الله عليه وسلم حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم، ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبيّ، واقتتلا فصرخ جهجاه : يا للمهاجرين، وسنان يا للأنصار فأعان جهجاهاً جعال من فقراء المهاجرين، ولطم سناناً، فقال عبد الله لجعال : وأنت هناك وقال : ما صحبنا محمداً إلا لتلطم وجوهنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لقومه : ماذا فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال : أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن وقوّة من المسلمين، فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال : إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب، قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصارياً، قال : فكيف إذا تحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه ؟ وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله : أنت صاحب الكلام الذي بلغني، قال : والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك، وإنّ زيداً لكاذب فهو قوله تعالى :﴿اتخذوا إيمانهم جنة﴾ فقال الحاضرون : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم ». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«لعلك غضبت عليه، قال : لا، قال : فلعله أخطأ سمعك، قال : لا، قال : فلعله شبه عليك، قال : لا، فلما نزلت لحق صلى الله عليه وسلم زيداً من خلفه فعرك أذنه، وقال : وعت أذنك يا غلام إنّ الله قد صدقك وكذب المنافقين ». تنبيه : سئل حذيفة بن اليمان عن المنافق فقال : الذي يصف الإيمان ولا يعمل به. وروى أبو هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان » وروى عبد الله بن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهنّ كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر » وروي عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث فقال : إنّ بني يعقوب حدثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، إنما هذا القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقة أن تفضي بهم إلى النفاق، وليس المعنى أنّ من ندرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق وقال عليه الصلاة والسلام :«المؤمن إذا حدث صدق، وإذا وعد نجز، وإذا ائتمن وفى » والمعنى المؤمن الكامل ﴿فصدّوا﴾ أي : فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة ما في الصدور، وحملوا غيرهم على الإعراض ﴿عن سبيل الله﴾ أي : عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجراءتهم على الأيمان الخائنة ﴿إنهم ساء ما كانوا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿يعملون﴾ أي : يجدّدون عمله مستمرّين عليه بما هو كالجبلة من جراءتهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلص عباده بالأيمان الخائنة.

المنافقون 63:3

ولما كانت المعاصي تعمي القلوب فكيف بأعظمها علله بقوله تعالى :﴿ذلك﴾ أي : سوء عملهم ﴿بأنهم آمنوا ثم كفروا﴾. فإن قيل : إنّ المنافقين لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله تعالى :﴿آمنوا ثم كفروا﴾ ؟ أجيب : بثلاثة أوجه : أحدها : آمنوا، أي : نطقوا بكلمة الشهادة، وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا أي : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك، وتبين بما اطلع عليه من قولهم إن كان ما يقول محمد حقاً، فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات، ونحوه قوله :﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ [التوبة: ٧٤] أي : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا، ونحوه ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٦]. والثاني : آمنوا أي : نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام بقوله تعالى :﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٤] إلى قوله ﴿إنما نحن مستهزؤن﴾ [البقرة: ١٤] وهذا إعلام من الله تعالى بأنّ المنافقين كفار. الثالث : أن يراد أنّ ذلك في قوم آمنوا ثم ارتدّوا ﴿فطبع﴾ أي : فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه ﴿على قلوبهم﴾ أي : لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق ﴿فهم﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنهم ﴿لا يفقهون﴾ أي : لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء، فهم لا يميزون صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل.

المنافقون 63:4

﴿وإذا رأيتهم﴾ أي : أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة، أو أيها الرائي كائناً من كان بعين البصر ﴿تعجبك أجسامهم﴾ لضخامتها وصباحتها، فإنّ عنايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق. قال ابن عباس : كان ابن أبيّ جسيماً صحيحاً فصيحاً ذلق اللسان، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم ويستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ﴿وإن يقولوا﴾ أي : يوجد منهم قول في وقت من الأوقات ﴿تسمع لقولهم﴾ أي : لفصاحته فيلذذ السمع ويروق الفكر ﴿كأنهم﴾ أي : في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم، وفي عدم الانتفاع بهم في شيء ﴿خشب﴾ جمع كثرة لخشبة، وهو دليل على كثرتهم ﴿مسندة﴾ أي : قطعت من مغارسها ممالة إلى الجدار. وقرأ أبو عمرو والكسائي بسكون الشين، والباقون بضمها ﴿يحسبون﴾ أي : لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم ﴿كل صيحة﴾ أي : من نداء مناد في إنشاد ضالة، أو انفلات دابة، أو نحو ذلك واقعة ﴿عليهم﴾ وضارّة لهم لجبنهم وهلعهم لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم. ومنه أخذ الأخطل : مازلت تحسب كل شيء بعدهم؍ خيلا تكرّ عليهم ورجالاً؍ ومنه قول الآخر : كأنّ بلاد الله وهي عريضة؍ على الخائف المطلوب كفة حابل؍ يخال إليه أنّ كل ثنية؍ تيممها ترمي إليه بقاتل؍ ﴿هم العدوّ﴾ أي : الكامل العداوة بما دل عليه الأخبار بالمفرد الذي يقع على الجمع، إشارة إلى إنهم في شدّة عداوتهم للإسلام وأهله، وكمال قصدهم وشدّة سعيهم فيه على قلب رجل واحد، وإن أظهروا التودّد في الكلام، والتقرّب به إلى أهل الإسلام فإنّ ألسنتهم معكم إذا لقوكم، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم فهم عيون لهم عليكم ﴿فاحذرهم﴾ لأنّ أعدى عدوّك من يعاشرك وتحت ضلوعه الداء لكنه يكون بلطف الله دائم الخذلان منكوساً في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسرّ قوله تعالى :﴿قاتلهم الله﴾ أي : أحلهم الملك المحيط قدرة وعلماً محل من يقاتله عدوّ قاهر له أشدّ مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين. وقال ابن عباس : أي لعنهم الله، وقال أبو مالك : هي كلمة ذم وتوبيخ، وقد تقول العرب : قاتله الله ما أشعره فيضعونه موضع التعجب ﴿أنى﴾ أي : كيف، ومن أيّ جهة ﴿يؤفكون﴾ أي : يصرفهم عن قبح ما هم عليه صارف ما كائن ما كان ليرجعوا عما هم عليه، وقال ابن عباس : أنى يؤفكون، أي : يكذبون، وقال مقاتل : أي : يعدلون عن الحق، وقال الحسن : يصرفون عن الرشد، وقيل : معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل، وهو من الإفك.

المنافقون 63:5

﴿وإذا قيل لهم﴾ أي : من أيّ قائل كان ﴿تعالوا﴾ أي : ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عالياً لعلوّ مكانته ﴿يستغفر لكم﴾ أي : يطلب الغفران لأجلكم خاصة من أجل هذا الكذب أي : الذي أنتم مصرّون عليه ﴿رسول الله﴾ أي : أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لوجوده ﴿لوّوا رؤوسهم﴾ أي : فعلوا اللي بغاية الشدّة والكثرة، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضاً وعتواً، وإظهاراً للبغض والنفرة ﴿ورأيتهم﴾ أي : بعين البصيرة ﴿يصدّون﴾ أي : يعرضون إعراضاً قبيحاً عما دعوا إليه، مجدّدين لذلك كلما دعوا إليه، والجملة في وضع المفعول الثاني لرأيت ﴿وهم مستكبرون﴾ أي : ثابتوا الكبر عما دعوا إليه، وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار فهم لشدّة غلظهم لا يدركون قبح ما هم عليه، ولا يهتدون إلى دوائه، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ينتبهون. فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين، وقالوا : ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوبوا إليه من النفاق، واسألوه أن يستغفر لكم فلووا رؤوسهم، أي : حرّكوها إعراضاً وإباء قاله ابن عباس. وعنه : أنه كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبت يحض على طاعة الله وطاعة رسوله، فقيل له : وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليك غضبان، فأته يستغفر لك فأبى، وقال : لا أذهب إليه. وروي أنّ ابن أبيّ رأسهم لوى رأسه، وقال لهم : أشرتم عليّ بالإيمان فآمنت، وأشرتم عليّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد فنزل ﴿وإذا قيل لهم تعالوا﴾ الآية. ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات.

المنافقون 63:6

ولما كان صلى الله عليه وسلم يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم، قال تعالى منبهاً على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون :﴿سواء عليهم أستغفرت لهم﴾ استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل ﴿أم لم تستغفر﴾ الله ﴿لهم﴾ أي : سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه، ولا يعتدّون به لكفرهم ﴿لن يغفر الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿لهم﴾ لرسوخهم في الكفر ﴿إن الله﴾ أي : الذي له كمال الصفات ﴿لا يهدي القوم﴾ أي : الناس الذين لهم قوّة في أنفسهم على ما يريدونه ﴿الفاسقين﴾ أي : لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق، وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرّة بعد مرّة، والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق، والخروج عن مظنة الإصلاح.

المنافقون 63:7

﴿هم﴾ أي خاصة بخالص بواطنهم ﴿الذين يقولون﴾ أي : أوجدوا هذا القول للأنصار، ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير ﴿لا تنفقوا﴾ أي : أيها المخلصون في النصرة ﴿على من﴾ أي : الذين ﴿عند رسول الله﴾ أي : الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين ﴿حتى ينفضوا﴾ أي : يتفرّقوا فيذهب كل أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك. قال البقاعي : وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله تعالى غيرهم للإنفاق، أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار كثيراً، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلاً يسيراً من طعام على كيفية لا ينفد معها كتمر أبي هريرة، وشعير عائشة، وعكة أمّ أيمن وغير ذلك كما روى غير مرّة، ولكن ﴿من يضلل الله فما له من هاد﴾ [الزمر: ٢٣] ولذلك عبر في الردّ عليهم بقوله تعالى :﴿ولله﴾ أي : قالوا ذلك واستمرّوا على تجديد قوله، والحال أنّ الملك الذي لا أمر لغيره ﴿خزائن السماوات﴾ أي : كلها ﴿والأرض﴾ كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدوره، ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢] ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها، حتى مما في أيديهم لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يده غيره. ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم : إن كان محمد صادقاً فنحن شرّ من البهائم بقوله تعالى :﴿ولكن المنافقين﴾ أي : العريقين في وصف النفاق ﴿لا يفقهون﴾ أي : يتجدّد لهم فهم أصلاً كالبهائم بل هم أضل، لأنّ البهائم إذا رأت شيئاً ينفعها يوماً في مكان طلبته مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرّة ما أخرج الله تعالى من خوارق البركات على يد رسوله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك، ودل على عدم نفعهم بقوله تعالى :﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾.

المنافقون 63:8

﴿يقولون﴾ أي : يوجدون هذا القول ويجدّدونه مؤكدين لاستشعارهم بأنّ أكثر قومهم ينكره ﴿لئن رجعنا﴾ أي : أيتها العصابة المنافقة ﴿إلى المدينة﴾ أي : من غزاتنا هذه، وهي غزوة بني المصطلق حيّ من هذيل خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له : المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل ﴿ليخرجنّ الأعز﴾ يعنون أنفسهم ﴿منها﴾ أي : المدينة ﴿الأذل﴾ يعنون النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم كاذبون في هذا لكونهم تصوروا لشدة غباوتهم أنّ العزة لهم، وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين ﴿وله﴾ أي : والحال أنّ كل من له نوع بصيرة يعلم أنّ الملك الأعلى هو الذي له وحده ﴿العزة﴾ أي : الغلبة كلها ﴿ولرسوله﴾ لأنّ عزتّه من عزته ﴿وللمؤمنين﴾ فعزة الله قهره من دونه، وكل من عداه دونه وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله تعالى إياهم على أعدائهم ﴿ولكن المنافقين﴾ أي : الذين استحكم فيهم مرض القلوب ﴿لا يعلمون﴾ أي : لا يوجد لهم علم الآن، ولا يتجدد في حين من الأحيان فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف. روي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت هذه الآيات بسببه كما مرّ إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقته، وقال : أنت والله الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز. ولما أراد أن يدخل المدينة عبد الله بن أبي اعترضه ابنه حباب، وهو عبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه، وقال «إن حباباً اسم شيطان » وكان مخلصاً، وقال : وراءك والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيساً في يده حتى أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخليته. وروي أنه قال : لئن لم تقرّ لله ولرسوله بالعزة لأضربنّ عنقك، فقال : ويحك أفاعل أنت ؟ قال : نعم، فلما رأى منه الجدّ، قال : أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنه «جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيراً ». فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله تعالى :﴿لا يفقهون﴾ وختم الثانية بقوله تعالى :﴿لا يعلمون﴾ ؟. أجيب : بأنه ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم، وبالثانية حماقتهم وجهلهم. ويفقهون من فقه يفقه كعلم يعلم، أو من فقه يفقه كعظم يعظم، فالأوّل لحصول الفقه بالتكلف، والثاني لا بالتكلف، فالأول علاجي، والثاني مزاجي.

المنافقون 63:9

ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين فقال تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالإيمان، وقلوبهم مذعنة كظواهرهم ﴿لا تلهكم﴾ أي : لا تشغلكم ﴿أموالكم ولا أولادكم﴾ سواء كان ذلك في إصلاحها، أو التمتع بها بحيث تغفلون ﴿عن ذكر الله﴾ أي : الملك الأعظم حذر المؤمنين أخلاق المنافقين، أي : لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون ؛ إذ قالوا لأجل الشح بأموالهم ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله﴾ وقوله تعالى :﴿عن ذكر الله﴾ قال الضحاك : أي : عن الصلوات الخمس، نظيره : قوله تعالى :﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧] وقال الحسن : عن جميع الفرائض، كأنه قال : عن طاعة الله تعالى. وقيل : عن الحج والزكاة. وقيل عن قراءة القرآن، وقيل : عن إدامة الذكر، وقيل : هذا خطاب للمنافقين، أي : آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب. ولما كان التقدير فمن انتهى فهو من الفائزين عطف عليه قوله تعالى :﴿ومن يفعل﴾ أي : يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل ﴿ذلك﴾ أي : الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن الباقي ﴿فأولئك﴾ البعداء عن الخير ﴿هم الخاسرون﴾ أي : العريقون في الخسارة في تجارتهم، حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني، حتى كأنهم مختصون بها دون الناس، وذلك بضد ما أرادوا.

المنافقون 63:10

﴿وأنفقوا﴾ أي : ما أمرتم به من واجب أو مندوب كما قاله بعض المفسرين، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد زكاة الأموال، وهو ظاهر الأمر. ثم إنّ الله تعالى زاد في الترغيب بالرضا منهم باليسير بقوله تعالى :﴿مما رزقناكم﴾ أي : بعظمتنا. قال الزمخشري : من في ﴿مما رزقناكم﴾ للتبعيض، والمراد الإنفاق الواجب ا. ه. ثم قال تعالى محذراً من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة :﴿من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾ أي : يرى دلائله وأماراته وكل لحظة مرّت فهي دلائله وأماراته. قال القرطبي : وهذا دليل على وجوب تعجيل إخراج الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلاً، أي : بلا عذر، وكذا سائر العبادات إذا دخل وقتها. وقال الرازي : وبالجملة فقوله تعالى :﴿لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ تنبيه على المحافظة على الذكر قبل الموت، وقوله تعالى :﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ تنبيه على الشكر كذلك. ولما كانت الشدّة تقتضي الإقبال إلى الله تعالى سبب عن ذلك قوله تعالى :﴿فيقول﴾ أي : سائلاً في الرجعة، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله :﴿رب لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿أخرتني﴾ أي : أخرت موتي إمهالاً ﴿إلى أجل﴾ أي : زمان، وقوله ﴿قريب﴾ بين به أن مراده استدراك ما فات ليس إلا، وقيل : لا زائدة ولو للتمني أي : لو أخرتني إلى أجل قريب ﴿فأصدّق﴾ أي : للتزوّد في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : تصدّقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل. وعنه : ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه : أنها نزلت في مانعي الزكاة، ووالله لو رأى خيراً ما سأل الرجعة، فقيل له : أما تتقي الله يسأل المؤمنون الكرّة، قال : نعم أنا أقرأ عليكم قرآناً يعني : أنها نزلت في المؤمنين، وهم المخاطبون بها. وكذا عن الحسن : ما من أحد لم يزك، ولم يصم، ولم يحج إلا سأل الرجعة. وقال الضحاك : لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤدّ الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة، وعن عكرمة : نزلت في أهل القبلة. وقيل : نزلت في المنافقين، ولهذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال هذه الآية تدل على أنّ القوم لم يكونوا من أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا والتأخير فيها أحد له عند الله تعالى خير في الآخرة، أي : إذا لم يكن بالصفة المتقدمة. قال القرطبي : إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل لما يرى من الكرامة. وقرأ ﴿وأكون من الصالحين﴾ أي : العريقين في هذا الوصف بالتدارك أبو عمرو بواو بعد الكاف ونصب النون عطفاً على فأصدّق، والباقون بحذف الواو لالتقاء الساكنين وجزم النون. واختلفت عبارات الناس في ذلك، فقال الزمخشري : عطفاً على محل فأصدّق، كأنه قيل : إن أخرتني أصدق وأكن. وقال ابن عطية : عطفاً على الموضع لأنّ التقدير : إن أخرتني أصدّق وأكن، هذا مذهب أبي عليّ الفارسي. وقال القرطبي : عطفاً على موضع الفاء لأنّ قوله :﴿فأصدّق﴾ لو لم تكن الفاء لكان مجزوماً، أي : أصدّق.

المنافقون 63:11

ثم زاد تعالى في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله تعالى مؤكداً لأجل عظم الرجاء من هذا المحتضر بالتأخير عاطفاً على ما، تقديره : فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد :﴿ولن يؤخر الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا كفء له فلا اعتراض عليه ﴿نفساً﴾ أيّ نفس كانت، وحقق الأجل بقوله تعالى :﴿إذا جاء أجلها﴾ أي : وقت موتها الذي حدّه الله تعالى لها فلا يؤخر الله تعالى نفس هذا القائل، لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية بعد تحقيق الأولى، ولهما أيضاً إبدالها ألفاً، والباقون بتحقيقهما ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة الشاملة علماً وقدرة ﴿خبير﴾ أي : بالغ الخبرة والعلم ظاهراً وباطناً ﴿بما تعملون﴾ أي : توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله باطنه وظاهره. وقرأ شعبة بالياء التحتية على الغيبة على الخبر عمن مات، وقال هذه المقالة، والباقون بالفوقية على الخطاب.

التغابن 64:1

﴿يسبح﴾ أي : يوقع التنزيه التامّ مع التجديد والاستمرار ﴿لله﴾ أي : الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿ما في السماوات﴾ أي : كلها ﴿وما في الأرض﴾ كذلك، وقيل : اللام زائدة، أي : ينزه الله تعالى، قال الجلال المحلي : وأتى بما دون من تغليباً للأكثر ﴿له﴾ أي : وحده ﴿الملك﴾ أي : كله مطلقاً في الدنيا والآخرة ﴿وله﴾ أي : وحده ﴿الحمد﴾ أي : الإحاطة بأوصاف الكمال كلها، فلذلك نزهه جميع مخلوقاته وقدّم الظرفين ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى، وذلك بأنّ الملك على الحقيقة له، لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والقائم به والمهيمن عليه، وكذا الحمد لأنّ أصول النعم وفروعها منه وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء وحمده اعتداد بأنّ نعمة الله جرت على يده ﴿وهو على كل شيء قدير﴾.

التغابن 64:2

﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الذي خلقكم﴾ أي : أنشأكم على ما أنتم عليه ﴿فمنكم﴾ أي : فتسبب عن خلقه لكم وتقديره ﴿كافر﴾ أي : عريق في صفة الكفر ﴿ومنكم مؤمن﴾ أي : راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنّ الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ويعيدهم في القيامة مؤمناً وكافراً. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال :«خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية فذكر شيئاً مما يكون فقال : تولد الناس على طبقات شتى، يولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت مؤمناً، ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت كافراً، ويولد الرجل كافراً ويعيش كافراً ويموت مؤمناً »، أي : وسكت عن القسم الآخر، وهو أن يولد الرجل مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت كافراً اكتفاء بالمقابل، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «خلق الله تعالى فرعون في بطن أمّه كافراً، وخلق يحيى بن زكريا عليهما السلام في بطن أمّه مؤمناً وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه :«وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة » قال القرطبي : قال علماؤنا : والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم فيجري ما علم وأراد وحكم، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم، وكذلك الكفر. وقيل : في الكلام محذوف، تقديره : فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه، قاله الحسن. وقال غيره : لا حذف لأنّ المقصود ذكر الطرفين، وقيل : إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، والتقدير : هو الذي خلقكم، ثم وصفهم فقال :﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ كقوله تعالى :﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥] ثم قال تعالى :﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ [النور: ٤٥] الآية. قالوا : فإنه خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال : لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله تعالى :﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » قال البغوي : وروينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع على الكفر » وقال تعالى :﴿ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ [نوح: ٢٧] وروى أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«وكل الله بالرحم ملكاً، فيقول : أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال : يا رب ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيكتب ذلك في بطن أمه » وقال الضحاك : فمنكم كافر في السرّ مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في العلانية والسرّ، كعمار وزيد. وقال عطاء بن أبي رباح : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب، يعني : في شأن الأنواء كما جاء في الحديث. قال القرطبي : وقال الزجاج : وهو أحسن الأقوال. والذي عليه الأئمة أن الله خلق الكافر وكفره فعل له، وكسب واختيار، وخلق المؤمن وإيمانه فعل له، وكسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأنّ الله تعالى أراد ذلك منه وقدّره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأنّ الله تعالى قدره عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كل منهما غير الذي قدره عليه وعلمه منه، لأنّ وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل فلا يليقان بالله تعالى. قال البغوي : وهذا طريق أهل السنة، من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر. قال الرازي : فإن قيل : إنه تعالى حكيم وقد سبق في علمه أنه تعالى إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر فأيّ حكمة دعت إلى خلقهم ؟. فالجواب : إذا علمنا أنه تعالى حكيم علمنا أنّ أفعاله كلها على وفق الحكمة فيكون خلقه تعالى هذه الطائفة على وفق الحكمة، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك، بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بما تعملون﴾ أي : توقعون عمله كسباً ﴿بصير﴾ أي : بالغ العلم بذلك، فهو الذي خلق جميع أعمالكم التي نسب كسبها إليكم، وهو خالق جميع الاستعدادات والصفات كما خلق الذوات خلافاً للقدرية، لأنه لا يتصور أن يخلق الخالق ما لا يعلمه، ولو سئل الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر فكيف لو سئل أين موضع مشيه، ومتى زمانه فكيف، وإنه ليمشي أكثر مشيه وهو غافل عنه، ومن جهل أفعاله كماً وكيفاً وأيناً وغير ذلك لم يكن خالقاً لها بوجه.

التغابن 64:3

ولما ذكر المظروف ذكر ظرفه دالاً على تمام إحاطته بالبواطن والظواهر. وقوله تعالى :﴿خلق السماوات﴾ أي : على علوها وكبرها ﴿والأرض﴾ على سعتها ﴿بالحق﴾ أي : بالأمر الذي يطابقه الواقع لما أراد ﴿وصورّكم﴾ أي : آدم عليه السلام خلقه بيده كرامة له. قال مقاتل : وقيل : جميع الخلائق على صور لا توافق شيئاً من صور العلويات، ولا السفليات، ولا فيها صور توافق الأخرى من كل وجه ﴿فأحسن صوركم﴾ فجعلها أحسن الحيوانات كلها كما هو مشاهد، وبدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أن خلقه منتصباً غير منكب كما قال تعالى :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [التين: ٤] كما يأتي إن شاء الله تعالى. فإن قيل : قد يوجد في أفراد هذا النوع من كل مشوه الخلقة سمج الصورة. أجيب : بأنه لا سماجة لأن الحسن في المعاني، وهو على طبقات ومراتب، فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه، فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حدّه، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه. ولذا قال الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان، فقدرة الله سبحانه وتعالى لا تتناهى. قال البقاعي : فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الغزالي إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه لا يقدر أن يخلق أحسن من هذا العالم، وهذا لا يقوله أحد، ا. ه. وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه كما قال الإمام مالك، وعزاه الغزالي نفسه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الشافعي : صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهداً وإني لا علم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول :﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا﴾ [النساء: ٨٢] ولما كان التقدير فكان منه سبحانه المبدأ عطف عليه قوله تعالى :﴿وإليه﴾ وحده ﴿المصير﴾ أي : المرجع بعد البعث فيجازى كلاً بعمله.

التغابن 64:4

﴿يعلم﴾ أي : علمه حاصل في الماضي والحال والمآل ﴿ما﴾ أي : كل شيء ﴿في السماوات﴾ أي : كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ﴿ويعلم﴾ أي : على سبيل الاستمرار ﴿ما تسرون﴾ أي : تخفون ﴿وما تعلنون﴾ أي : تظهرون من الكلمات والجزئيات ﴿والله﴾ أي : الذي له الإحاطة التامة ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بذات﴾ أي : صاحبة ﴿الصدور﴾ من الأسرار والخواطر التي لم تبرز في الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أم لا، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي نبه بعمله ما في السماوات والأرض، ثم يعلم ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور إن شيئاً من الجزئيات والكليات غير خافٍ عليه، ولا عازب عنه، ولا يجترئ على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله :﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته.

التغابن 64:5

﴿ألم يأتكم﴾ أيها الناس ولاسيما الكفار ﴿نبأ﴾ أي : خبر ﴿الذين كفروا من قبل﴾ كقوم نوح وهود وصالح ﴿فذاقوا﴾ أي : باشروا مباشرة الذائق ﴿وبال أمرهم﴾ أي : ضرر كفرهم في الدنيا، وأصله الثقل، ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل : المطر الثقيل القطر ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي : مؤلم في البرزخ ثم يوم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم.

التغابن 64:6

﴿ذلك﴾ أي : الأمر العظيم من الوبال الدال قطعاً على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق ﴿بأنه﴾ أي : بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة ﴿كانت تأتيهم﴾ على عادة مستمرة ﴿رسلهم﴾ أي : رسل الله الذين أرسلهم إليهم ﴿بالبينات﴾ أي : الحجج الظاهرات على الإيمان ﴿فقالوا﴾ أي : الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبراً، وقولهم :﴿أبشر يهدوننا﴾ يجوز أن يرتفع بشر على الفاعلية ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبر، وجمع الضمير في يهدوننا ؛ إذ البشر اسم جنس، وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسماً للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى :﴿ما هذا بشراً﴾ [يوسف: ٣١] فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم ﴿فكفروا﴾ أي : بهذا القول ؛ إذ قالوه استصغاراً ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده ﴿وتولوا﴾ عن الإيمان. فإن قيل : قوله تعالى :﴿فكفروا﴾ تعميم يفهم منه التولي فما الحاجة إلى ذكره ؟ أجيب : بأنهم كفروا وقالوا :﴿أبشر يهدوننا﴾ وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي، فلهذا قال :﴿فكفروا وتولوا﴾، وقيل : كفروا بالرسل وتولوا بالبرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. ونبه بقوله تعالى :﴿واستغنى الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه على أن هذا إنما هو لمصالح الخلق فهو غني عن كل شيء. فإن قيل : قوله تعالى :﴿وتولوا واستغنى الله﴾ يوهم وجود التولي والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنياً ؟ أجيب : بأن معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك ﴿والله﴾ أي : المستجمع الصفات الكمال ﴿غني﴾ عن خلقه ﴿حميد﴾ أي : محمود في أفعاله.

التغابن 64:7

﴿زعم الذين كفروا﴾ أي : أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله تعالى، ولو على أدنى الوجوب. وزعم قال ابن عربي : كنية الكذب، وقال الزمخشري : الزعم ادعاء العلم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :«زعموا مطية الكذب » وعن شريح : لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند أبي داود :«بئس مطية الرجال زعموا » ﴿أن لن يبعثوا﴾ أي : من أي باعث ما بوجه من الوجوه ﴿قل﴾ أي : يا أشرف الرسل لهؤلاء البعداء ﴿بلى﴾ أي : لتبعثن ثم أكد بصريح القسم فقال :﴿وربي﴾ أي : المحسن إلي بالانتقام ممن كذب بي ﴿لتبعثنّ﴾ أي : بأهون شيء وأيسر أمر ﴿ثم لتنبؤن﴾ أي : تخبرنّ إخباراً عظيماً ممن يقيمه الله تعالى لإخباركم ﴿بما عملتم﴾ أي : بأعمالكم لتجزون عليها ﴿وذلك﴾ أي : الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب ﴿على الله﴾ أي : المحيط بصفات الكمال وحده ﴿يسير﴾ إذ الإعادة أسهل من الابتداء. فإن قيل : كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث، وهم قد أنكروا الرسالة ؟. أجيب : بأنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً جازماً فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون الإخبار عنده صدقاً أظهر من الشمس في اعتقاده، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسماً بعد قسم.

التغابن 64:8

ثم إن الله تعالى لما أخبر عن البعث، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال تعالى :﴿فآمنوا بالله﴾ أي : الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿ورسوله﴾ أي : كل من أرسله ولاسيما محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿والنور﴾ أي : القرآن ﴿الذي أنزلنا﴾ أي : بما لنا من العظمة ؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلالة كما يهتدى بالنور في الظلمات. فإن قيل : هلا قيل : ونوره، بالإضافة كما قال : ورسوله ؟ أجيب بأن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة فكأنه قال : ورسوله ونوره ﴿والله﴾ أي : المحيط علماً وقدرة ﴿بما تعملون خبير﴾ أي : بالغ العلم بما تسرون وما تعلنون فراقبوه في السر والعلانية.

التغابن 64:9

وقوله تعالى :﴿يوم يجمعكم﴾ منصوب بقوله تعالى :﴿لتنبئون﴾ عند النحاس و﴿بخبير﴾ عند الحوفي لما فيه من معنى الوعيد كأنه قال : والله يعاقبكم يوم يجمعكم، وباذكر مضمراً عند الزمخشري فيكون مفعولاً به، أو بما دلّ عليه الكلام، أي : تتفاوتون يوم يجمعكم ؛ قاله أبو البقاء ﴿ليوم الجمع﴾ أي : لأجل ما يقع في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة الذي يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين من الإنس والجن وجميع أهل السماء والأرض. وقيل : يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل : يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، وقيل : يجمع فيه بين كل نبي وأمّته، وقيل : يجمع فيه ثواب أهل الطاعة وعقاب أهل المعاصي، بل هو جامع لجميع ما ذكر ﴿ذلك﴾ أي : اليوم العظيم ﴿يوم التغابن﴾ والتغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، وفيه تهكم بالأشقياء ؛ لأن نزولهم ليس بغبن. ولهذا قيل : التفاعل هنا من واحد لا من اثنين، وفي الحديث «ما من عبد أدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرةً » وهو معنى ﴿ذلك يوم التغابن﴾ وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم استعظاماً له وإن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت. وذكر في بعض التفاسير أن التغابن هو أن يكتسب الرجل مالاً من غير وجهه ليرثه غيره فيعمل فيه بطاعة الله فيدخل الأول النار والثاني الجنة بذلك المال، فذلك هو الغبن البين، والمغابن ما انثنى من البدن نحو الإبطين والفخذين، والمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وبصنيعه في الآثام. قال الزجاج : ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى منزلة منه. فإن قيل : فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها ؟ أجيب : بأنه تمثيل للغبن في الشراء والبيع كقوله تعالى :﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم﴾ [البقرة: ١٦] فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا، ذكر أيضاً أنهم غبنوا وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً. وقد فرق الله تعالى الخلق فريقين فريقاً للجنة وفريقاً للنار، وقال الحسن وقتادة : بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف : رجل علم علماً فضيعه ولم يعمل به فشقي به، ورجل علم علماً وعمل به فنجا به، ورجل اكتسب مالاً من وجوه يسأل عنها وشح عليه وفرط في طاعة ربه بسببه ولم يعمل فيه خيراً، وتركه لوارث لا حساب عليه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه، ورجل كان له عبد فعمل ذلك العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي. وروى القرطبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة بين يديه فيقول الله تعالى لهما قولاً : ما أنتما قائلان ؟ فيقول الرجل : يا رب أوجبت نفقتها علي فنفقتها من حرام ومن حلال، وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك، ولم يبق لي ما أوفي، فتقول المرأة : يا رب وما عسى أن يقول اكتسبه حراماً وأكلته حلالاً، وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك فبعداً له وسحقاً، فيقول الله تعالى : قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة، فتطلع عليه من طبقات الجنة فتقول له : غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت به، فذلك يوم التغابن ». وقال بعض علماء الصوفية : إن الله تعالى كتب الغبن على الخلق أجمعين فلا يلقى أحد ربه إلا مغبوناً، لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب قال صلى الله عليه وسلم «لا يلقى الله أحد إلا نادماً إن كان مسيئاً إن لم يحسن، وإن كان محسناً إن لم يزدد ». تنبيه : استدل بعض العلماء بقوله تعالى :﴿ذلك يوم التغابن﴾ أنه لا يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية لأن الله تعالى خص التغابن بيوم القيامة فقال تعالى :﴿ذلك يوم التغابن﴾ وهذا الاختصاص يفيد أن لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث، واختاره البغداديون واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم لحسان بن سعد :«إذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثاً » ولأن الغبن في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعاً في كل ملة لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه، فمضى في البيوع إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً لأنه لا يخلو منه، فإذا كان كثيراً أمكن الاحتراز عنه فوجب الرد به. والفرق بين القليل والكثير في الشريعة غير معلوم فقدر بالثلث، وهذا الحد اعتبره الشارع في الوصية وغيرها، ويكون معنى الآية على هذا يوم التغابن الجائز مطلقاً من غير تفصيل، وذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبداً ﴿ومن يؤمن﴾ أي : يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار ﴿بالله﴾ أي : الملك الأعظم الذي لا كفء له ﴿ويعمل﴾ تصديقاً لإيمانه ﴿صالحاً﴾ أي : عملاً هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المصالح ودفع المضار ﴿يكفر عنه سيئاته﴾ التي غلبه عليها نقصان الطبع واتبع ذلك الحامل الآخر، وهو التوجيه بجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء، والرهبة والرغبة، والنذارة والبشارة ﴿ويدخله﴾ أي : رحمة له وإكراماً وفضلاً ﴿جنات﴾ أي : بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ورياض مديدة متنوعة الأزاهير عطرة النشر بهيج ريها، وأشار إلى دوام ريها بقوله تعالى :﴿تجري من تحتها﴾ أي : من تحت قصورها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ وقرأ نكفر عنه وندخله، نافع وابن عامر بالنون فيهما، أي : نحن بما لنا من العظمة، والباقون بالياء التحتية، أي : الله الواحد القهار ﴿خالدين﴾ أي : مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ وأكده بقوله :﴿أبداً﴾ فلا خروج لهم منها ﴿ذلك﴾ أي : الأمر العالي جداً من الغفران والإكرام ﴿الفوز العظيم﴾ لأنه جامع لجميع المصالح ودفع المضار وجلب المسار، ومن جملة ذلك النظر إلى وجه الله الكريم.

التغابن 64:10

ولما ذكر تعالى الفائز بلزومه التقوى ترغيباً اتبعه بضده ترهيباً فقال عز من قائل :﴿والذين كفروا﴾ أي : غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام ﴿وكذبوا﴾ أي : أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب ﴿بآياتنا﴾ أي : بسببها مع مالها من العظمة بإضافتها إلينا وهي القرآن فلم يعملوا به ﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿أصحاب النار خالدين﴾ أي : مقدرين الخلود ﴿فيها وبئس المصير﴾ هي، قال الرازي : فإن قيل : قال تعالى في حق المؤمنين ﴿ومن يؤمن بالله﴾ بلفظ المستقبل، وفي الكفار قال :﴿والذين كفروا﴾ بلفظ الماضي. فالجواب : أن تقدير الكلام : ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات، ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار. فإن قيل : قال تعالى :﴿يؤمن﴾ بلفظ الوحدان و﴿خالدين فيها﴾ بلفظ الجمع. أجيب : بأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى. فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى :﴿وبئس المصير﴾ بعد قوله تعالى :﴿خالدين فيها﴾ وذلك بئس المصير ؟ أجيب : بأن ذلك وإن كان في معناه فهو تصريح بما يؤكده كما في قوله :﴿أبداً﴾.

التغابن 64:11

﴿ما أصاب﴾ أحداً ﴿من مصيبة﴾ أيّ مصيبة كانت دينية أو دنيوية في نفس أو مال أو قول أو فعل تقتضي هماً، أو توجب عقاباً آجلاً أو عاجلاً ﴿إلا بإذن الله﴾ أي : بتقدير الملك الأعظم. وقال الفراء : يريد إلا بأمر الله. وقيل : إلا بعلم الله، وقيل : سبب نزول هذه الآية أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله تعالى عن المصائب في الدنيا، فبين الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة إلا بقضائه وقدره. فإن قيل : بم يتصل قوله تعالى :﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله﴾ ؟ أجيب : بأنه يتعلق بقوله تعالى :﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾. ﴿ومن يؤمن بالله﴾ يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بقضاء الله الملك الأعظم وتقديره وإذنه ﴿يهد قلبه﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أن يجعل في قلبه اليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي : فيسلم لقضاء الله وقدره. وقال الكلبي : هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. وقيل : يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة، وقيل : يثبته على الإيمان. وقال أبو عثمان الحيري : من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل : يهد قلبه عند المصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، قاله ابن جبير. ﴿والله﴾ أي : الملك الذي لا نظير له ﴿بكل شيء﴾ مطلقاً من غير استثناء ﴿عليم﴾ فلا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره، فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح عنه كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة.

التغابن 64:12

﴿وأطيعوا الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الأمر كله ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي : هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله تعالى، واعملوا بكتابه وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ﴿فإن توليتم﴾ أي : عن الطاعة ﴿فإنما على رسولنا﴾ أضافه إليه على وجه الكمال تعظيماً له وتهديداً لمن يتولى عنه ﴿البلاغ المبين﴾ أي : الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاح، ولم يدع لبساً، وليس إليه خلق الهداية في القلوب.

التغابن 64:13

﴿الله﴾ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ﴿لا إله إلا هو﴾ فهو القادر على خلق الهداية في القلوب والإقبال بها لا يقدر على ذلك غيره ﴿وعلى الله﴾ أي : الذي له الأمر لا على غيره ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ أي : لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك. وقال الزمخشري : هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه، والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.

التغابن 64:14

واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم﴾ أي : وإن أظهرن غاية المودة ﴿وأولادكم﴾ أي : وإن أظهروا غاية الشفقة ﴿عدواً لكم﴾ فقال ابن عباس : نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت ذكره النحاس، وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم﴾ فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه، وقالوا : إلى من تدعنا فيرق فيقيم، فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة. وروى الترمذي عن ابن عباس وسئل عن هذه الآية قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد تفقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، حديث حسن صحيح. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن الشيطان قعد لابن آدم في طرق الإيمان فقال له : أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له : أتهاجر وتترك أهلك ومالك فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له : أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة ». وقعود الشيطان يكون بوجهين : أحدهما : يكون بالوسوسة، والثاني : أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب قال تعالى :﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ [فصلت: ٢٥] وفي حكمة عيسى عليه الصلاة والسلام : من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان في الدنيا عبداً. وقال عليه الصلاة والسلام :«تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة » ولا دناءة أعظم من دناءة الدينار والدرهم، ولا أخس من همة ترتفع بثوب جديد ويدخل في قوله تعالى :﴿إن من أزواجكم﴾ الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته عدواً له كذلك المرأة يكون زوجها عدواً لها بهذا المعنى ﴿فاحذروهم﴾ أي : أن تطيعوهم في التخلف عن الخير، ولا تأمنوا غوائلهم ﴿وإن تعفوا﴾ أي : توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك، فإن من طبع على شيء لا يرجع عنه وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه تعالى لئلا يكون سبباً للذم المنهي عنه ﴿وتصفحوا﴾ أي : بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان ﴿وتغفروا﴾ أي : بأن تستروا ذنوبهم ستراً تاماً شاملاً للعين والأثر بالتجاوز ﴿فإن الله﴾ أي : الجامع لصفات الكمال ﴿غفور﴾ أي : بالغ المحو لأعيان الذنوب وآثارها جزاء لكم على غفرانكم لهم، وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم ﴿رحيم﴾ فيكرمكم بعد ذلك الستر بالإنعام فتخلقوا بأخلاقه تعالى يزدكم من فضله.

التغابن 64:15

﴿إنما أموالكم﴾ أي : عامة ﴿وأولادكم﴾ كذلك ﴿فتنة﴾ أي : اختبار من الله تعالى لكم، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكي ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون عليه نعمة، فربما رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه، ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده. روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال : أكل عياله حسناته. وعن بعض السلف : العيال سوس الطاعات ويكفي في فتنة لمال قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله تعالى :﴿ومنهم من عاهد الله﴾ [التوبة: ٧٥] وعن ابن مسعود : لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل اللهم أعوذ بك من مضلات الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى :﴿إن من أزواجكم وأولادكم﴾ أدخل من للتبعيض لأنهم كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر في قوله تعالى :﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال :«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال : صدق الله عز وجل ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » ثم أخذ في خطبته. تنبيه : قدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر، وترك ذكر الأزواج في الفتنة قال البقاعي : لأن منهن من يكون صلاحاً وعوناً على الآخرة ﴿والله﴾ أي : ذو الجلال ﴿عنده﴾ وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمته ﴿أجر﴾ ثم وصفه بقوله تعالى :﴿عظيم﴾ أي : لمن ائتمر بأوامره التي أمره بها.

التغابن 64:16

وقوله تعالى :﴿فاتقوا الله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿ما استطعتم﴾ أي : جهدكم ووسعكم ناسخ لقوله تعالى :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] قاله قتادة والربيع بن أنس السدي، وذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ قال جاء أمر شديد قال : ومن يعرف قدر هذا ويبلغه، فلما علم الله تعالى أنه قد اشتد عليهم نسخه عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وقال ابن عباس : وهي محكمة لا نسخ فيها، ولكن ﴿حق تقاته﴾ أن يجاهدوا فيه حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. فإن قيل : إذا كانت الآية غير منسوخة فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه الأمر باتقائه حق تقاته مطلقاً من غير تخصيص ولا مشروطاً بشرط، والأمر باتقائه بشرط الاستطاعة ؟ أجيب : بأن قوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ معناه : فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله تعالى قد عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى :﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٦] إلى قوله تعالى :﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ [النساء: ٩٩] فأخبر تعالى أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله تعالى :﴿ما استطعتم﴾ في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها فتنة أموالكم وأولادكم، ويدل على صحة هذا أن قوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ عقب قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم﴾ ولا خلاف بين علماء التأويل في أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار الطبري. وقال ابن جبير : قوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ أي : فيما يتطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت وقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفاً فيهم ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ فنسخت الأولى. قال الماوردي : ويحتمل أن يثبت هذا النقل لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها ﴿واسمعوا﴾ أي : سماع إذعان وتسليم لما توعظون به وجميع أوامره ﴿وأطيعوا﴾ أي : وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام بأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة وحذف المتعلق ليصدق الأمر بكل طاعة ﴿وأنفقوا﴾ أي : أوقعوا الإنفاق كما حد لكم فيما وجب أو ندب إليه، والإنفاق لا يخص نوعاً بل يكون بكل ما رزق الله من الذاتي والخارجي. وقوله تعالى :﴿خيراً لأنفسكم﴾ في نصبه أوجه : أحدها : قال سيبويه إنه مفعول بفعل مقدر دل عليه ﴿وأنفقوا﴾ تقديره : وقدموا خيراً لأنفسكم كقوله تعالى :﴿انتهوا خيراً لكم﴾ [النساء: ١٧١] الثاني : تقديره يكن الإنفاق خيراً فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي عبيدة. الثالث : أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي : إنفاقاً خيراً لأنفسكم فإن الله يعطي خيراً منه في الدنيا مع ما تزكى به النفس ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة مما لا يدري كنهه فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف. ولما ذكر ما في الإنفاق من الخير عمم في جميع الأوامر بقوله تعالى :﴿ومن يوق شح نفسه﴾ فيفعل في ماله جميع ما أمر به موقناً به مطمئناً إليه حتى يرتفع عن قلبه الإخطار، ويتحرر عن رق المكنونات، والشح خلق باطني هو الداء العضال، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح، والنفس تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها، وتارة بإعطاء الأعضاء في الطاعات فتتركها وتارة بإنفاق المال ومن فعل ما فرض عليه خرج من الشح. ولما كان الواقي هو الله تعالى سبب عن وقايته قوله تعالى :﴿فأولئك﴾ أي : العالو الرتبة ﴿هم المفلحون﴾ أي : الفائزون الذين حازوا جميع المرادات بما اتقوا الله فيه.

التغابن 64:17

ثم رغب في الإنفاق بقوله تعالى :﴿إن تقرضوا الله﴾ أي : الملك الأعلى ذا الغنى المطلق الحائز لجميع صفات الكمال ﴿قرضاً حسناً﴾ والقرض الحسن هو التصدق من الحلال مع طيب النفس ومع الإخلاص والمبادرة ﴿يضاعفه لكم﴾ أي : لأجلكم خاصة أقل ما يكون بالواحد عشراً إلى ما لا يتناهى على حسب النيات. قال القشيري : يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم، وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم من مروآتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني يقال له آثر حكمي على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له : آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك. ولما كان الإنسان لما له من النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن الدين وإن كان يسيراً فهو متين لن يشاده أحد إلا غلبه قال تعالى :﴿ويغفر لكم﴾ أي : يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره ﴿والله﴾ أي : الذي لا تقاس عظمته بشيء ﴿شكور﴾ أي : بليغ الشكر لمن يعطي لأجله، ولو كان قليلاً فيثيبه ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر، وهو ناظر إلى المضاعفة ﴿حليم﴾ فلا يعجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب، وإن عظم بل يمهل طويلاً ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه فإن غضب الحليم لا يطاق، وهو راجع إلى الغفران.

التغابن 64:18

﴿عالم الغيب﴾ وهو ما غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره الجبلة، ولا علم لصاحب القلب به فضلاً عن غيره ﴿والشهادة﴾ وهو كل ما ظهر وكان بحيث يعلمه الخلق، وهذا الوصف داع إلى الإحسان من حيث إنه موجب للمؤمن ترك ظاهر الإثم وباطنه، وكل قصور وفتور وغفلة وتهاون فيعبد الله تعالى كأنه يراه ﴿العزيز﴾ أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ أي : بالغ الحكمة التي يعجز عن إدراكها الخلائق. وقال ابن الأنباري : الحكيم : هو المحكم لخلق الأشياء، فصرف عن مفعل إلى فعيل، ومنه قوله تعالى :﴿الم ١ تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [ لقمان : ١ ٢ ] معناه : المحكم فصرف من مفعل إلى فعيل.

الطلاق 65:1

وقرأ :﴿يا أيها النبي﴾ نافع بالهمزة وسهل الهمزة من إذا وأبدلها أيضاً واواً. خصه صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمته واعتباراً لرآسته، وإنه لسان قومه والذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكم كلهم وساداً مسد جميعهم. وقيل : إنه على إضمار قول، أي يا أيها النبي قل لأمتك ﴿إذا طلقتم النساء﴾ أي : أردتم طلاق هذا النوع واحدة منهن فأكثر. وقيل : إنه خطاب له ولأمته، والتقدير : يا أيها النبي وأمته فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه كقوله : إذا حذفته رجلها، أي : ويدها، وكقوله تعالى :﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] وقيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجمع تعظيماً له كقوله : فإن شئت أحرمت النساء سواكم؍ وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا برداً؍ قال الرازي : وجه تعلق أول هذه السورة بآخر التي قبلها، هو أنه تعالى أشار في آخر التي قبلها إلى كمال علمه بقوله تعالى :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ وفي أول هذه السورة إشارة إلى كمال علمه بمصالح النساء والأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات. وروى ابن ماجه عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها، وعن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة، ذكره الماوردي، والقشيري. وزاد القشيري ونزل خروجها إلى أهلها قوله تعالى :﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾. وقال الكلبي : سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة، فطلقها تطليقة فنزلت. وقال السدي : نزلت في عبد الله بن عمر «طلق امرأته حائضاً تطليقة واحدة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ». وهو قوله تعالى :﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي : في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وقد قيل : إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان فنزلت الآية فيهم. وروى الدراقطني عن ابن عباس أنه قال :«الطلاق على أربعة وجوه : وجهان حلالان، ووجهان حرامان. فأما الحلال فأن يطلقها طاهراً عن غير جماع، وأن يطلقها حاملاً مستبيناً حملها. وأما الحرام فأن يطلقها حائضاً، أو أن يطلقها حين يجامعها لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا ». تنبيه : الطلاق ينقسم إلى سني وبدعي ولا ولا، فطلاق موطوأة ولو في دبر تعتد بإقراء سني إن ابتدأتها الإقراء عقب الطلاق، ولم يطأها في طهر طلقها فيه أو علق طلاقها بمضي بعضه، ولا وطئها في نحو حيض قبله، ولا في حيض طلق مع آخره أو علق بآخره وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم فيمن ذكرت، وإلا فبدعي وإن سألته طلاقاً بلا عوض وطلاق غير الموطوأة المذكورة بأن لم توطأ أو كانت صغيرة أو آيسة أو حاملاً منه وخلع زوجته في زمن حيض بعوض لا سني ولا بدعي، والبدعي حرام للنهي عنه. وقسم جماعة الطلاق إلى واجب كطلاق المولى، أي : واجب مخير إن لم يكن عذر، ومعين إن كان عذر شرعي كالإحرام، ومندوب كطلاق غير مستقيمة الحال كسيئة الخلق، ومكروه كمستقيمة الحال، وحرام كطلاق البدعة. وأشار الإمام إلى المباح بطلاق من لا يهواها، ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها، وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق » وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش » وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا معاذ ما خلق الله تعالى شيئاً على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئاً أبغض إليه من الطلاق » وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق » واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق، فقالت طائفة بجوازه، وهو مروي عن طاووس، وبه قال حماد الكوفي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي : لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتق. وقال قتادة : لا يجوز الاستثناء في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول. ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديداً صرح بصيغة الأمر فقال تعالى :﴿وأحصوا﴾ أي : اضبطوا ضبطاً كأنه في إتقانه محسوس ﴿العدة﴾ ليعرف زمان الرجعة والنفقة والسكنى، وحل النكاح لأخت المطلقة مثلاً ونحو ذلك من الفوائد الجليلة ﴿واتقوا﴾ أي : في ذلك ﴿الله﴾ أي : الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر ﴿ربكم﴾ أي : لإحسانه في تربيتكم في حملكم علي الحنيفية السمحة ورفع جميع الآصار عنكم ﴿لا تخرجوهن﴾ أي : أيها الرجال في حال العدة ﴿من بيوتهن﴾ أي : المسكن التي وقع الفراق فيها، وهي مساكنهن التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى. وقرأ ورش وأبو عمر وحفص بضم الباء الموحدة، والباقون بكسرها ﴿ولا يخرجن﴾ أي : من بيوتهن حتى تنقضي عدتهن ولو وافق الزوج على ذلك، وعلى الحاكم المنع منه لأن في العدة حقاً لله تعالى، وقد وجبت في ذلك المسكن. وقوله تعالى :﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ مستثنى من الأول، والمعنى إلا أن تبدو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها. وقال ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبدو على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء خلقها وقال ابن مسعود : أراد بالفاحشة المبينة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد إلى منزلها. وقال قتادة : الفاحشة النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز فتحوّل عن بيته. ويجوز أن يكون مستثنى من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة هذا كله عند عدم العذر، أما لعذر كشراء غير من لها نفقة على المفارق نحو طعام كقطن وكتان نهاراً، وغزلها ونحوه كحديثها وتأنيسها عند جارتها ليلاً وترجع وتبيت ببيتها، فإنه جائز للحاجة إلى ذلك، وكخوف على نفس أو مال من نحو هدم وغرق وفسقة مجاورين لها وشدة تأذيها بجيران وشدة تأذيهم بها للحاجة إلى ذلك، بخلاف الأذى اليسير إذ لا يخلو منه أحد ومن الجيران الإحماء وهم أقارب الزوج، نعم إن اشتد أذاها بهم أو عكسه وكانت الدار ضيقة نقلهم الزوج عنها وخرج بالجيران ما لو طلبت بيت أبويها وتأذت بهما أو هما بها فلا نقل، لأن الوحشة لا تطول بينهما، ولو انتقلت لبلد أو مسكن بإذن زوجها فوجبت العدة، ولو قبل وصولها إليه اعتدت فيه لأنها مأمورة بالمقام فيه، فإن انتقلت لذلك بلا إذن فتعتد في الأول وإن وجبت العدة بعد وصولها للثاني لعصيانها بذلك. نعم إن أذن لها بعد انتقالها أن تقيم في الثاني فكما لو انتقلت بالإذن. ولو أذن لها في الانتقال فوجبت العدة قبل خروجها اعتدت في الأول. ولو سافرت بإذن زوجها فوجبت في الطريق فعودها أولى من مضيها، فإن مضت وجب عودها بعد انقضاء حاجتها إن سافرت لها، أو بعد انقضاء مدة الأذن إن قدر لها مدة، أو مدة إقامة المسافر إن لم تقدر لها مدة في سفر غير حاجتها. ولو خرجت فطلقها وقال : ما أذنت في الخروج، أو قال وقد قالت : أذنت في نقلتي : أذنت لا لنقله، صدق بيمينه، ولو كان المسكن ملكاً له ويليق بها تعين ؛ لأن تعتد فيه كما مر ويصح بيعه في عدة أشهر كالمكتري، أو كان مستعاراً، أو مكري وانقضت مدة الكراء انتقلت منه إن امتنع المالك، وإن كان ملكاً لها تخيرت بين الاستمرار فيه بإعارة أو إجارة والانتقال منه كما لو كان المسكن خسيساً، ويخير هو إن كان نفيساً وسكنى المعتدة عن فرقة واجب على الزوج حيث تجب نفقتها عليه لو لم تفارق، سواء أكانت الفرقة بطلاق أو فسخ أو وفاة لقوله تعالى :﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ [الطلاق: ٦] وقيس به الفسخ بأنواعه بجامع فرقة النكاح في الحياة، ولخبر فريعة بنت مالك في الوفاة :«أن زوجها قتل فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها، وقالت : إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، فأذن لها في الرجوع، قالت : فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، دعاني فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً » صححه الترمذي وغيره. وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء التحتية، والباقون بكسرها ﴿وتلك﴾ أي : الأحكام العالية جداً لما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيرها ﴿حدود الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿ومن يتعد﴾ أي : يقع منه في وقت من الأوقات أنه تعمد أن يعدو ﴿حدود الله﴾ أي : الملك الذي لا كفء له أو بعضها كأن طلق بدعياً ﴿فقد ظلم نفسه﴾ أي : عرضها للعقاب. وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الظاء، والباقون بالإدغام ﴿لا تدري﴾ أي : نفس، أو أنت أيها النبي، أو المطلق ﴿لعل الله﴾ أي : الذي بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور ﴿يحدث﴾ أي : يوجد شيئاً حادثاً لم يكن إيجاداً ثابتاً لا تقدر الخلق على التسبب في زواله ﴿بعد ذلك﴾ أي : الحادث من الإساءة والبغض ﴿أمراً﴾ بأن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. وقال أكثر المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، ومعنى الكلام التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، وهذا أحسن الطلاق وأحله في السنة وأبعده عن الندم. . ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس : لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو مفرقة. وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما مفرقاً في الأطهار فلا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض :«ما هكذا أمر الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة » وروي أنه قال لعمر :«مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها تحيض، ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء » وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وهو مباح. ومالك يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده. قال الزمخشري : فإن قلت : هل يقع الطلاق المخالف للسنة ؟ قلت : نعم وهو آثم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه فقال : أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم » وفي حديث ابن عمر أنه قال : يا رسول الله أرأيت لو طلق

الطلاق 65:2

ولما حدّ سبحانه ما يفعل في العدة أتبعه ما يفعل عند انقضائها بقوله تعالى :﴿فإذا بلغن﴾ أي : المطلقات ﴿أجلهن﴾ أي : شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة ﴿فأمسكوهن﴾ أي : بالمراجعة وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق مادون البائن لاسيما الثلاث ﴿بمعروف﴾ أي : حسن عشرة لا لقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاد عدة أخرى، أو غير ذلك. ﴿أو فارقوهن﴾ بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها ﴿بمعروف﴾ أي : بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسنه الشرع، فلا يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلاً، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من غير مصلحة، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإفهامها اجتناب المنكرات. تنبيه : قال بعض العلماء في قوله تعالى :﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ وقوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] إن : الزوج له حق في بدن الزوجة ولها حق في بدنه وذمته فكل من له دين في ذمة غيره سواء أكان مالاً، أو منفعة من ثمن أو مثمن أو أجرة، أو بدل متلف، أو ضمان مغصوب، أو نحو ذلك فعليه أن يؤدي ذلك الحق الواجب بإحسان، وعلى صاحب الحق أن يتبع بإحسان كما قال تعالى في آية القصاص :﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨] وكذا الحق الثابت في بدنه مثل حق الاستمتاع والإجارة على عينه ونحو ذلك، فالطالب يطلب بمعروف والمؤدي يؤدي بإحسان. ولما كان الإشهاد أقطع للنزاع قال تعالى حاثاً على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين العجزة :﴿وأشهدوا﴾ أي : على الرجعة والمفارقة، وقيل : المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعاً ﴿ذوي عدل منكم﴾ قطعاً للنزاع، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند الجمهور كقوله تعالى :﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأوجب الإشهاد في الرجعة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الأخر : إن الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة فليس بمراجع، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا قبل أو باشر أو لمس بشهوة فهو رجعة، وكذا النظر إلى الفرج رجعة، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا تكلم بالرجعة فهي رجعة، وقيل : وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها، وهو مذهب أحمد وإليه ذهب الليث وبعض المالكية. قال القرطبي : وكان مالك يقول : إذا وطئ ولم ينو الرجعة فهو وطء فاسد، ولا يعود إلى وطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية العدة الأولى، وليست له الرجعة في هذا الاستبراء. تنبيه : قوله تعالى :﴿منكم﴾ قال الحسن : من المسلمين، وعن قتادة : من أحراركم، وذلك يوجد اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ذوى للمذكر. وقوله تعالى :﴿وأقيموا﴾ أي : أيها المأمورون حيث كنتم شهوداً ﴿الشهادة﴾ التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها ﴿لله﴾ أي : مخلصين لوجه الملك الأعلى لا لأجل المشهود له والمشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله تعالى. وفيه حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشاهد بترك مهماته وعسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه وكان للعدل في الأداء عوائق أيضاً ﴿ذلكم﴾ أي : الذي ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام، وأولاها بذلك هذا الإشهاد وإقامة الشهادة ﴿يوعظ﴾ أي : يلين ويرقق ﴿به من كان﴾ أي : كوناً راسخاً من جميع الناس﴿يؤمن بالله﴾ أي : الذي له الكمال كله ﴿واليوم الآخر﴾ فإنه المحط الأعظم للترقيق، وأما من لم يكن متصفاً بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما وعظ به لأنه لم ينتفع به. وقوله تعالى :﴿ومن يتق الله﴾ أي : يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية بما يرضيه، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهي عنه من الطلاق وغيره، ظاهراً وباطناً لأن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي، وإن اقترنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي ﴿يجعل﴾ أي : بسبب التقوى ﴿له مخرجاً﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على اتقائه عما نهى عنه صريحاً أو ضمناً من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن، وتعدى حدود الله تعالى. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «سئل عمن طلق ثلاثاً أو ألفاً هل له من مخرج فتلاها » وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والثعلبي والضحاك : هذا في الطلاق خاصة، أي : من طلق كما أمره الله تعالى يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً : يجعل له مخرجاً ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، وقيل : المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه، قاله علي بن صالح. وقال الكلبي : ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة، وقال الحسن : مخرجاً مما نهى الله عنه، وقال أبو العالية : مخرجاً من كل شدة، وقال الربيع بن خيثم : مخرجاً من كل شيء ضاق على الناس، وقال الحسين بن الفضل : ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجاً من العقوبة.

الطلاق 65:3

﴿ويرزقه﴾ أي : الثواب ﴿من حيث لا يحتسب﴾ أي : يبارك له فيما أتاه، وقال سهل بن عبد الله : ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجاً من عقوبة البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقال أبو سعيد الخدري : ومن تبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله تعالى يجعل له مخرجاً مما كلفه الله بالمعونة له، وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم، وهذا هو الذي يقوى عندي. وقال أبو ذر :«قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آيه لو أخذ الناس بها لكفتهم، وتلا :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ قال : مخرجاً من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة ». وقال أكثر المفسرين : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة، وقال : إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني ؟ فقال صلى الله عليه وسلم «اتقي الله واصبر، وآمرك وإياها أن تكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالت : نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له » وروي أنه جاء وقد أصاب إبلاً من العدو، وكان فقيراً. فقال الكلبي : إنه أصاب خمسين بعيراً، وفي رواية فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة لقوم فمر بسرح لهم فاستاقه، وقال مقاتل : أصاب غنماً ومتاعاً، فقال أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني قال : نعم ونزل ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ وروى الحسن عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ». وقال الزجاج : أي : إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة، ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب ». ﴿ومن يتوكل﴾ أي : يسند أموره كلها معتمداً فيها ﴿على الله﴾ أي : الملك الذي بيده كل شيء ولا كفء له ﴿فهو﴾ أي : الله في غيبه فضلاً عن الشهادة بسبب توكله ﴿حسبه﴾ أي : كافيه ما أهمه، وحذف المتعلق للتعميم، وحرف الاستعلاء للإشارة إلى أنه كان حمل أموره كلها عليه سبحانه، لأنه القوي العزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا يبدو له عالم الشهادة شيء يشينه. وقيل : من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية ولم يرد الدنيا، لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل، وفي الحديث :«لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً » ويؤخذ من هذا أن التوكل يكون مع مباشرة الأسباب لأنه صلى الله عليه وسلم قال : تغدو وتروح وهي من المقامات العظيمة. قال البقاعي نقلاً عن المولوي : وإلا كان اتكالاً، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة ؛ لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتب المسببات على الأسباب. ا. ه. ولما كان ذلك أمراً إلا يكاد يحيط به الوهم بقوله تعالى مهوّلاً له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار :﴿إن الله﴾ أي : المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص ﴿بالغ أمره﴾ أي : جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا، قال مسروق : يعني قاضٍ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً. وقرأ حفص : بالغ، بغير تنوين وأمره بالجر مضاف إليه على التخفيف، والباقون بالتنوين، وأمره بنصب الراء وضم الهاء. قال ابن عادل : وهو الأصل خلافاً لأبي حيان ﴿قد جعل الله﴾ أي : الملك الذي لا كفء له ولا معقب لحكمه جعلاً مطلقاً من غير تقييد بجهة ولا حيثية ﴿لكل شيء﴾ كرخاء وشدة ﴿قدراً﴾ أي : تقديراً لا يتعداه في مقداره وزمانه وجميع عوارضه وأحواله، وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه. فمن توكل استفاد الأجر، وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجية. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء، ولا ينقص منها شيء. ويحكى أن رجلاً أتى عمر فقال : أولني مما أولاك الله، فقال : أتقرأ القرآن، قال : لا، قال : إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه فلما تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال : يا هذا أهجرتنا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لست ممن يهجر، ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب عمر، قال : فأي آية أغنتك قال : قوله تعالى :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ فمن توكل على غيره سبحانه ضاع، لأنه لا يعلم المصالح وإن علم لا يعلم كيف يستعملها، وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله ولا يعلمه حق علمه غيره. تنبيه : الآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه، وهو موافق لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال :«لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الزرق بالذنب يصيبه ». وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئاً من الأشياء. وقال عبد الله بن رافع : لما نزل قوله تعالى :﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه، فنزل ﴿إن الله بالغ أمره﴾ فيكم وعليكم. وقال الربيع بن خيثم : إن الله قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ [التغابن: ١١] ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ ﴿إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم﴾ [التغابن: ١٧] ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ [آل عمران: ١٠١] ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٦].

الطلاق 65:4

ولما بين تعالى أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. قال أبو عثمان عمر بن سليمان : نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب : يا رسول الله إن ناساً يقولون قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء الصغار والكبار وذوات الحمل فنزل : ﴿واللائي يئسن﴾ أي : من المطلقات ﴿من المحيض﴾ أي : الحيض الآية. وقال مقاتل : لما ذكر قوله تعالى :﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال خلاد بن النعمان : يا رسول الله فما عدة التي لم تحض وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحبلى فنزلت، وقيل : إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست فنزلت، وقال مجاهد : الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة. واختلف في سن اليأس فالذي عليه الأكثر أنه اثنان وستون سنة، وقيل : خمس وخمسون، وقيل : ستون، وقيل : سبعون. ولما كان هذا الحكم خاصاً بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال تعالى :﴿من نسائكم﴾ أي : أيها المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب ﴿إن ارتبتم﴾ أي : شككتم في عدتهن ﴿فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ كل شهر يقوم مقام حيضة لأن أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر ﴿واللائي لم يحضن﴾ أي : لصغرهن أو لأنهن لا حيض لهن أصلاً، وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً هذا كله في غير المتوفى عنهن أزواجهن، أما هن فعدتهن ما في آية ﴿أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقرأ :﴿واللائي﴾ في الموضعين ابن عامر والكوفيون بالهمز وياء بعده، وقرأ قالون وقنبل بالهمز ولا ياء بعده، وللبزي وأبي عمرو أيضاً إبدال الهمزة ياء ساكنة مع المد لا غير. ولما فرغ من ذكر الحوائل أتبعه ذكر الحوامل بقوله تعالى :﴿وأولات الأحمال﴾ أي : من جميع الزوجات المسلمات والكافرات المطلقات والمتوفى عنهن ﴿أجلهن﴾ أي : لمنتهى العدة سواء كان لهن مع الحمل حيض أم لا ﴿أن يضعن حملهن﴾ وهذا على عمومه مخصص لآية ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ذاك في قوله تعالى :﴿أزواجاً﴾ لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم وعموم أزواجاً بالعرض لأنه بدل لا يصلح لجميع الأزواج في حال واحد، والحكم معلل هنا بوصف الحملية بخلاف ذاك، ولأن هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة فتقديمها على تلك تخصيص، وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو نسخ، والأول هو الراجح للوفاق، ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليالٍ فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج. تنبيه : إذا وضعت المرأة ما في بطنها من علقة أو مضغة حلت عند مالك، وقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة : لا تحل إلا بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان، فإن كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما، ولابد أن يكون الحمل منسوباً لذي العدة، أما إذا كان من زنا فلا حرمة له والعدة بالحيض. ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة في غاية المشقة كرر بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك، وترغيباً في لزوم ما حده سبحانه فقال عاطفاً على ما تقديره فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله تعالى عليه أموره :﴿ومن يتق الله﴾ أي : يوجد الخوف من الملك الأعظم إيجاداً مستمراً ليجعل بينهم وبين سخطه وقاية من طاعته، اجتلاباً للمأمور واجتناباً للمنهي. ﴿يجعل له﴾ أي : يوجد إيجاداً مستمراً باستمرار التقوى، إن الله لا يمل حتى تملوا ﴿من أمره﴾ أي : كله في النكاح وغيره ﴿يسراً﴾ أي : سهولة وفرجاً وخيراً في الدارين بالدفع والنفع، وذلك أعظم من مطلق الخروج المتقدم في الآية الأولى، وقال مقاتل : ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسراً في توفيقه لطاعته.

الطلاق 65:5

﴿ذلك﴾ أي : الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية المراتب ﴿أمر الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الكمال كله ﴿أنزله إليكم﴾ وبينه لكم ﴿ومن يتق الله﴾ أي : الذي لا أمر لأحدٍ معه في أحكامه فيراعي حقوقها ﴿يكفر﴾ أي : يغط تغطية عظيمة ﴿عنه سيئاته﴾ ليتخلى عن المبعدات، فإن الحسنات يذهبن السيئات ﴿ويعظم له أجراً﴾ بأن يبدل سيئاته حسنات، ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفة فيتحلى بالقربات، وهذا أعظم من مطلق اليسر المتقدم.

الطلاق 65:6

﴿أسكنوهن﴾ وقال الرازي : أسكنوهن وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله تعالى :﴿ومن يتق الله﴾ كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات ؟ فقيل : أسكنوهن. وقوله تعالى :﴿من حيث سكنتم﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن من للتبعيض، قال الزمخشري : مبعضها محذوف، معناه : أسكنوهن مكاناً من حيث سكنتم، أي : بعض مكان سكناكم كقوله تعالى :﴿يغضوا من أبصارهم﴾ [النور: ٣٠] أي : بعض أبصارهم. قال قتادة : إن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه. قال الرازي : وقال الكسائي : من صلة، والمعنى : اسكنوهن حيث سكنتم. والثاني : أنها لابتداء الغاية، قاله الحوفي وأبو البقاء. قال أبو البقاء : والمعنى : تسببوا إلى إسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم، ودل عليه قوله تعالى :﴿من وجدكم﴾ أي : من وسعكم، أي : ما تطيقونه وفي إعرابه وجهان : أحدهما : أنه عطف بيان لقوله تعالى :﴿من حيث سكنتم﴾ وإليه ذهب الزمخشري وتبعه البيضاوي. قال ابن عادل : أظهرهما أنه بدل من قوله ﴿من حيث﴾ بتكرار العامل، وإليه ذهب أبو البقاء كأنه قيل : أسكنوهن من وسعكم. ﴿ولا تضاروهن﴾ أي : حال السكنى في المساكن ولا في غيره ﴿لتضيقوا عليهن﴾ حتى تلجؤهن إلى الخروج ﴿وإن كن﴾ أي : المطلقات ﴿أولات حمل﴾ أي : من الأزواج من طلاق بائن أو رجعي ﴿فأنفقوا عليهن﴾ وإن مضت الأشهر﴿حتى يضعن حملهن﴾ فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات البوائن والأحاديث تؤيده. قال القرطبي : اختلف العلماء في المطلقة ثلاثاً على ثلاثة أقوال : فذهب مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة، ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس قالت :«دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي، فقلت : إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة، قال : بل لك السكنى والنفقة، فقال : إن زوجها طلقها ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم إنما السكنى والنفقة لمن له عليها رجعة » فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك فإن أصحاب عبد الله يقولون : إن لها السكنى والنفقة. وعن الشعبي قال : لقيني الأسود بن يزيد فقال : يا شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، فقلت : لا أرجع عن شيء. حدثتني فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. وأجيب عن ذلك : بما روت عائشة أنها قالت : كانت فاطمة في مكان وحش فخيف على ناحيتها، وقال سعيد بن المسيب : إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على إحمائها، وقال قتادة وابن أبي ليلى : لا سكن إلا للرجعية لقوله تعالى :﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ [الطلاق: ١] وقوله تعالى :﴿أسكنوهن﴾ راجع لما قبله وهي المطلقة الرجعية ﴿فإن أرضعن لكم﴾ أي : بعد انقضاء علقة النكاح ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أي : على ذلك الإرضاع وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم تبن، ويجوز عند الشافعي مطلقاً وقوله تعالى :﴿وائتمروا﴾ خطاب للأزواج والزوجات، أي : ليأمر بعضكم بعضاً في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك، وليقبل بعضكم أمر بعض. وقال الكسائي : ائتمروا تشاوروا، وتلا قوله تعالى :﴿إن الملأ يأتمرون بك﴾ [القصص: ٢٠] وأنشد قول امرئ القيس : ويعدو على المرء ما يأتمر *** وزادهم رغبة في ذلك بقوله تعالى :﴿بينكم﴾ أي : إن هذا الخير لا يعدوكم، وأكد ذلك بقوله تعالى :﴿بمعروف﴾ ونكره سبحانه تخفيفاً على الأمة بالرضى بالمستطاع، وهو يكون مع الأخلاق بالاتصاف، ومع النفس بالخلاف ﴿وإن تعاسرتم﴾ أي : طلب كل منكم ما يعسر على الآخر، كأن طلبت المرأة الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجاناً ﴿فسترضع له﴾ أي : الأب ﴿أخرى﴾ أي : مرضعة غير الأم ويغني الله تعالى عنها، وليس له أن يكرهها على ذلك، نعم إذا لم يقبل ثدي غيرها أو لم يوجد غيرها أجبرت على ذلك بالأجرة، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك. واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد، فقال مالك : رضاع الولد على الزوجة مادامت الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه حينئذٍ في ماله، وقال أبو حنيفة : لا يجب على الأم بحال، وقيل : يجب عليها بكل حال. ولو طلبت الأم أجرة المثل وهناك أجنبية ترضع بدون أجرة المثل، أو متبرعة تخير الأب بينهما ولا يضيق على الأب بدفع الأجرة لأنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح.

الطلاق 65:7

﴿لينفق ذو سعة﴾ أي : مال واسع ولم يكلفه تعالى جميع وسعه بل قال تعالى :﴿من سعته﴾ أي : لينفق الزوج على زوجته وولده الصغير على قدر وسعه إذا كان موسعاً عليه ﴿ومن قدر﴾ أي : ضيق ﴿عليه رزقه﴾ فعلى قدر ذلك فيقدر النفقة بحسب حال المنفق، والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى العادة. قال تعالى :﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال صلى الله عليه وسلم لهند :«خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » لكن نفقة الزوجة مقدرة عند الشافعي محدودة فلا اجتهاد للحاكم ولا للمفتي فيها، وتقديرها هو بحسب حال الزوج وحده من يسار وإعسار، ولا اعتبار بحالها فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فيلزم الزوج الموسر مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد لظاهر قوله تعالى :﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر، ولأن الاعتبار بحالها يؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تطلب فوق كفايتها وهي تزعم أنها تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعاً للخصومة. وقوله تعالى :﴿فلينفق﴾ أي : وجوباً على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه الله تعالى عليه. ﴿مما آتاه الله﴾ أي : الملك الذي لا ينفد ما عنده، ولو من رأس المال ومتاع البيت ﴿لا يكلف الله﴾ أي : الذي له الملك كله ﴿نفساً﴾ أيّ نفس كانت. ﴿إلا ما آتاها﴾ أي : أعطاها من المال ﴿سيجعل الله﴾ أي : الملك الذي له الكمال كله فلا خلف لوعده. ﴿بعد عسر﴾ أي : بعد كل عسر ﴿يسراً﴾ وقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين بعد نزول الآية ففتح عليهم جميع جزيرة العرب، ثم فارس والروم حتى صاروا أغنى الناس وصدق الآية دائم غير أنه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين لأن إيمانهم أتم. قال القشيري : وانتظار اليسر من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضا، وارتقوا عن حد اليأس والقنوط، ويعيشون في إفناء الرجال، ويتعللون بحسن المواعيد ا. ه.

الطلاق 65:8

ولما ذكر الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع حذر من خالف بقوله تعالى :﴿وكأين﴾ هي كاف الجر دخلت على أيّ بمعنى : كم ﴿من قرية﴾ أي : وكثير من القرى. وقرأ ابن كثير بالألف بعد الكاف وبعد الألف همزة مكسورة وقفاً ووصلاً، وقرأ الباقون في الوصل بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعد الهاء ياء تحتية مكسورة مشددة، وعبر عن أهل القرية بها مبالغة فقال :﴿عتت﴾ أي : استكبرت وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عناداً ﴿عن أمر ربها﴾ أي : الذي أحسن إليها ولا يحسن إليها غيره ﴿ورسله﴾ فلم تقبل منهم ما جاؤوا به عن الله تعالى، فإن طاعتهم من طاعته ﴿فحاسبناها﴾ أي : في الآخرة وإن لم تجيء لتحقق وقوعها ﴿حساباً شديداً﴾ أي : بالمناقشة والاستقصاء ﴿وعذبناها عذاباً نكراً﴾ أي : منكراً فظيعاً، وهو عذاب النار، وقيل : العذاب في الدنيا فيكون على حقيقته، أي : جازيناها بالعذاب في الدنيا، وعذبناها عذاباً نكراً في الآخرة، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، أي : فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا بالجوع والقحط، والسيف، والخسف والمسخ، وسائر المصائب، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة. وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبه بضم الكاف، والباقون بسكونها.

الطلاق 65:9

﴿فذاقت﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنها ذاقت ﴿وبال﴾ أي : عقوبة ﴿أمرها﴾ أي : كفرها. ﴿وكان عاقبة أمرها خسراً﴾ أي : في الدنيا بالأسر وضرب الجزية، وغير ذلك، وفي الآخرة بعذاب النار، فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ومن أضاع حق الله تعالى لا يطاع في حظ نفسه، ومن احترف بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على عقوبته.

الطلاق 65:10

ثم استأنف الجواب عمن يقول هل لها غير هذا في غير هذه الدار بقوله تعالى :﴿أعد الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿لهم﴾ بعد الموت وبعد البعث ﴿عذاباً شديداً﴾ وفي ذلك تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها ﴿فاتقوا الله﴾ أي : الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿يا أولي الألباب﴾ أي : يا أصحاب العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن، وقوله تعالى :﴿الذين آمنوا﴾ منصوب بإضمار أعني بياناً للمنادى في قوله تعالى :﴿يا أولي الألباب﴾ أو يكون عطف بيان للمنادى أو نعتاً له، أي : خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا الإيمان حقيقة ﴿قد أنزل الله﴾ أي : الذي له صفات الكمال ﴿إليكم ذكراً﴾ هو القرآن.

الطلاق 65:11

وفي نصب ﴿رسولاً﴾ أوجه : أحدها : قال الزجاج والفارسي : إنه منصوب بالمصدر المنون قبله، لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل : أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله : محمد رسول الله، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة ١٤ يتيماً﴾ [ البلد : ١٤ ١٥ ]. الثاني : جعل نفس الذكر مبالغة فأبدل منه، ويكون محمولاً على المعنى كأنه قال : قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء، وهو هو. الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره : أنزل ذا ذكر رسولاً. الرابع : أنه بدل منه على حذف مضاف من الثاني أي : ذكراً ذكر رسول. الخامس : أنه منصوب بفعل مقدر، أي : وأرسل رسولاً ﴿يتلو عليكم آيات الله﴾ هي دلائل الملك الأعظم الظاهرة جداً حال كونها ﴿مبينات﴾ أي : لا لبس فيها بوجه. واختلف الناس في رسولاً هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو جبريل ؟ الأكثر على الأول واقتصر عليه الجلال المحلي، واقتصر الزمخشري على الثاني، وهو قول الكلبي. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء بعد الموحدة، والباقون بالفتح ﴿ليخرج الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بالشهادتين ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لما قالوه بألسنتهم وتحقيقاً لأنه من قلوبهم ﴿الصالحات﴾ أي : ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح، أو ليخرج من علم أو قدر أنه مؤمن ﴿من الظلمات﴾ أي : الضلالة ﴿إلى النور﴾ أي : الهدى. ﴿ومن يؤمن بالله﴾ أي : يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه ﴿ويعمل﴾ على التجديد المستمر ﴿صالحاً﴾ لله وفي الله فله دوام النعماء، وهو معنى إدخاله الجنة كما قال تعالى :﴿يدخله﴾ أي : عاجلاً مجازاً بما يفتح الله له من لذات المعارف ويفتح له من الأنس، وآجلاً حقيقة ﴿جنات﴾ أي : بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار وبين دوام ريها بقوله تعالى :﴿تجري من تحتها﴾ أي : من تحت غرفها ﴿الأنهار﴾ فهي في غاية الري بحيث أن ساكنها يجري في أي موضع أراد نهراً. وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون، والباقون بالياء التحتيه. ﴿خالدين فيها﴾ وأكد معنى الخلود بقوله تعالى :﴿أبداً﴾ ليفهم الدوام بلا انقضاء. وقوله تعالى :﴿قد أحسن الله﴾ أي : الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام ﴿له﴾ أي : خاصة ﴿رزقاً﴾ أي : عظيماً عجيباً فيه تعجب وتعظم لما رزقوا من الثواب. وقال القشيري : الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه، ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه، كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها من غير نقصان ولا زيادة لا يقدر على الاستمرار عليها.

الطلاق 65:12

ثم بين كمال قدرته بقوله تعالى :﴿الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة إحداها :﴿الذي خلق﴾ أي : أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال الغريب البديع ﴿سبع سماوات﴾ أي : وأنتم تشهدون عظمة ذلك، وتشهدون أنه لا يقدر عليه إلا تام القدرة والعلم الكامل ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ أي : سبعاً أما كون السماوات سبعاً بعضها فوق بعض فلا خلاف فيه لحديث الإسراء وغيره. وأما الأرضون فقال الجمهور : إنها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك : إنها سبع أرضين ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السماوات. قال القرطبي : والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري وغيره روى أبو مروان عن أبيه أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أن صهيباً حدثه «أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر من فيها » وروى مسلم عن سعيد بن زيد قال :«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين » قال البقاعي : رأيت في التعدد حقيقة حديثاً صريحاً لكن لا أدري حاله، ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من شرحه الأسماء الحسنى، قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أتدرون ما تحت هذه الأرض، قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هواء أتدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : أرض، أتدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم حتى عد سبع أرضين » ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه :«هل تدرون ما الذي تحتكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : إنها الأرض، ثم قال : أتدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : إن تحتها أرضاً أخرى خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة » ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ما بين السماء إلى السماء خمسمائة عام وعرض كل سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام وما بين السماء السابعة وبين الكرسي والعرش مثل ذلك وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، والأرضون وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك » ا. ه. قال الماوردي : وعلى أنها سبع أرضين تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين، وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان : أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم، ويستمدون الضياء منها، قال ابن عادل : وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. الثاني : أنهم لا يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه، قال ابن عادل : وهذا قول من جعل الأرض كروية. وحكى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء، فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بهذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام لإمكان الوصول إليهم، لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، واحتمل أن لا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها وارداً ولكان النبي صلى الله عليه وسلم بها مأموراً. وقال بعض العلماء : السماء في اللغة عبارة عما علاك، فالأولى بالنسبة إلى السماء الثانية أرض، وكذلك السماء الثانية بالنسبة إلى الثالثة أرض، وكذا البقية بالنسبة إلى ما تحته سماء، وبالنسبة إلى ما فوقه أرض. فعلى هذا تكون السماوات السبع وهذه الأرض الواحدة سبع سموات وسبع أرضين ﴿يتنزل﴾ أي : بالتدريج ﴿الأمر﴾ قال مقاتل وغيره : أي : الوحي، وعلى هذا يكون قوله تعالى :﴿بينهن﴾ إشارة إلى ما بين هذه الأرض العليا التي هي أولاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، والأكثرون على أن الأمر هو القضاء والقدر فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى ﴿بينهن﴾ إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، فيجري أمر الله وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن. وعن قتادة : في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. وقيل : هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرض من خلق ؟ قال : نعم قال : فما الخلق ؟ قال : إما ملائكة أو جن. وقال مجاهد : يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع، وقال الحسن : بين كل سماءين أرض وأمر، وقيل : يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض، وموت بعض، وغنى قوم، وفقر قوم. وقيل : ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي الليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيآتها، فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كيسان : وهذا على اتساع اللغة كما يقال للموت : أمر الله، وللريح والسحاب ونحوها. وقوله تعالى :﴿لتعلموا﴾ متعلق بمحذوف، أي : أعلمكم بذلك الخلق والإنزال لتعلموا ﴿أن الله﴾ أي : الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها ﴿على كل شيء﴾ أي : من غير هذا العالم يمكن أن يدخل تحت المشيئة ﴿قدير﴾ بالغ القدرة فيأتي بعالم آخر مثل هذا العالم وأبدع منه وأبدع من ذلك إلى مالا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له، لأنه لا فرق في ذلك بين قليل وكثير، وجليل وحقير ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣]. قال البقاعي : وإياك أن تصغي إلى من قال : إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان فإنه مذهب فلسفي خبيث، والآية نص في إبطاله، وإن نسبه بعض الملحدين إلى الغزالي، فإني لا أشك أنه مدسوس عليه، وإن مذهبه فلسفي خبيث بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي «دلائل البرهان » على أن في الإمكان أبدع مما كان قال : ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه في فصوصه، وغير ذلك من كتبه، وأسند في بعضها للغزالي والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره انتهى. والبقاعي ممن يقول بكفر ابن عربي، وابن المقري يقول بكفره وكفر طائفته، وقد تقدم الكلام على كلامهم ﴿وأن الله﴾ أي : الذي له جميع صفات الكمال. ﴿قد أحاط﴾ لتمام قدرته ﴿بكل شيء﴾ مطلقاً ﴿علماً﴾ فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العالم بمصالحة ومفاسده، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته فعاملوه معاملة من يعلم أنه رقيب عليه تسلموا في الدنيا وتسعدوا في الآخرة. تنبيه : علماً منصوب على المصدر المؤكد، لأن أحاط بمعنى علم، وقيل : بمعنى والله أحاط إحاطة علماً.

التحريم 66:1

واختلف في سبب نزول قوله تعالى :﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿لك﴾ فقالت عائشة :«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند زينب بنت جحش، فشرب عندها عسلاً، قالت : فتواطيت أنا وحفصة أنّ آيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له : ذلك، فقال بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزل ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله تعالى :﴿إن تتوبا إلى الله﴾ لعائشة وحفصة » وعنها أيضاً قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، فكان إذا صلى العصر دار على نسائه فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت : أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة، وقلت لها : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له : يا رسول الله أكلت مغافير، فإنه سيقول لك : لا، فقولي : ما هذه الريح، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له : جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك له وقولي أنت يا صفية ذلك. فلما دخل على سودة قالت سودة : والله الذي لا إله غيره لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له : يا رسول الله أكلت مغافير، قال : لا، قلت : فما هذه الريح ؟ قال : سقتني حفصة شربة عسل، قالت : جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له : مثل ذلك، ثم دخل على صفية فقالت مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت : يا رسول الله ألا أسقيك منه، قال : لا حاجة لي به، قالت : تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه منه، قالت : فقلت لها : اسكتي. ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها النبي صلى الله عليه وسلم حفصة، وفي الأولى زينب. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه شربه عند سودة، وقيل : إنما هي أم سلمة رواه أسباط عن السدي، وقاله عطاء بن أبي مسلم. تنبيه : شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما قولها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى بالمد والقصر قاله في «المصباح »، وهو على كل شيء يحلو، وذكر العسل بعدها وإن كان داخلاً في جملة الحلوى تنبيهاً على شرفه ومرتبته، وهو من باب الخاص بعد العام. وقولها : فتواطيت أنا وحفصة هكذا وقع في الرواية، وأصله : فتوطأت بالهمز، أي : اتفقت أنا وحفصة. وقولها : إني لأجد منك ريح مغافير، هو بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء، وهو صمغ حلو كالناطف وله ريح كريهة ينضحه شجر يقال له : العرفط بضم العين المهملة والفاء يكون بالحجاز، وقيل : العرفط نبات له ورق يفرش على الأرض له شوك وثمره خبيث الرائحة. وقال أهل اللغة : العرفط من شجر العضاه، وهو كل شجر له شوك. وقيل رائحته كرائحة النبيذ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منة رائحة كريهة. قولها : جرست نحله العرفط بالجيم والراء وبالسين المهملتين، ومعناه : أكلت نحله العرفط فصار منه العسل. قال القاضي عياض : والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، ذكره النووي في شرح مسلم، وكذا ذكره أيضاً القرطبي. وقال أكثر المفسرين في سبب نزول ذلك :«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقاً فجلست عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقاً وحفصة تبكي، فقال صلى الله عليه وسلم ما يبكيك ؟ فقالت : إنما أذنت لي من أجل ذلك أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي على فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقاً، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي فهي حرام علي ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت : ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية، وأن الله قد أراحنا منها، وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة، فلم يزل نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها ». وعن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أمة يطؤها، فلم تزل عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية » أخرجه النسائي. فإن قيل : قوله تعالى :﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ يوهم أن الخطاب بطريق العتاب، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم ؟. أجيب : بأنه ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي. فإن قيل : تحريم ما أحل الله غير ممكن، فكيف قال ﴿لما تحرم ما أحل الله لك﴾ ؟ أجيب : بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراماً بعدما أحله الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالاً، فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحل الله فقد كفر، فكيف يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ﴿تبتغي﴾ أي : تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك ﴿مرضاة أزواجك﴾ أي : الأحوال والأمور والمواضع التي يرضين بها، وهن أولى بأن يبتغين رضاك، وكذا جميع الخلق لتتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد ﴿والله﴾ أي : الملك الأعلى ﴿غفور رحيم﴾ أي : محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، فقد غفر لك هذا التحريم.

التحريم 66:2

ثم علل وبين ذلك بقوله تعالى :﴿قد فرض الله﴾ أي : قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض حثاً على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع، ولا يخل بحرمة اسم الله تعالى لأن أهل الهمم العوالي لا يجوزون النقلة من عزيمة إلى رخصة، بل من رخصة إلى عزيمة أو عزيمة إلى مثلها. ولما كان التخفيف على أمته تعظيماً له صلى الله عليه وسلم قال تعالى :﴿لكم﴾ أيتها الأمة التي أنت رأسها ﴿تحلة﴾ أي : تحليل ﴿أيمانكم﴾ بالكفارة المذكورة في سورة المائدة، وقيل : قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك : حلل فلان في يمينه إذا استثنى بمعنى استثن في يمينك إذا أطلقتها بأن تقول : إن شاء الله متصلاً بحلفك، وتنويه قبل الفراغ منه. واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم : هو ليس بيمين، فإن قال لزوجته : أنت حرام أو حرّمتك فإن نوى به طلاقاً فهو طلاق، وإن نوى به ظهاراً فهو ظهار، وإن نوى تحريم ذاتها وأطلق فعليه كفارة يمين وإن قال لطعام : حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه، وإليه ذهب الشافعي. وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي علي حراماً، فقال : كذبت ليست عليك بحرام وتلا عليه هذه الآية. وذهب جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب الكفارة ما لم يقربها، كما لو حلف لا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة. وعند أبي حنيفة إن نوى الطلاق بالحرام كان بائناً، وإن قال : كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، نقله الزمخشري. وعن عمر : إذا نوى الطلاق فرجعي، وعن علي : ثلاث، وعن زيد واحدة بائنة. وعن ابن عباس رصي الله عنهما قال : إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. قال مقاتل : فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة. قال زيد بن أسلم : وعاد إلى مارية، وقال الحسن : لم يكفر عليه السلام لأنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة. قال ابن عادل : والأول أصح، وأن المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم الأمة تقتدي به في ذلك ﴿والله﴾ أي : والحال أن المختص بأوصاف الكمال ﴿مولاكم﴾ أي : يفعل معكم فعل القريب الصديق فهو سيدكم ومتولي أموركم ﴿وهو﴾أي : وحده ﴿العليم﴾ أي : البالغ العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له. ﴿الحكيم﴾ أي : الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئاً منه.

التحريم 66:3

والعامل في قوله تعالى :﴿وإذ﴾ اذكر فهو مفعول به لا ظرف، والمعنى اذكر إذ ﴿أسرّ النبي﴾ أي : الذي شأنه أن يرفعه الله تعالى دائماً فإنه ما ينطق عن الهوى ﴿إلى بعض أزواجه﴾ وأبهمها لم يعينها تشريفاً له صلى الله عليه وسلم ولها وهي حفصة صيانة لهن لأن حرمتهن من حرمته صلى الله عليه وسلم ﴿حديثاً﴾ ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لعم به ولم يخص به، ولا أسره وذلك هو تحريمه فتاته على نفسه، وقوله لحفصة : لا تخبري بذلك أحداً، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : أسرّ أمر الخلافة بعده فحدثت حفصة، وقال الكلبي : أسرّ إليها إن أباك وأب عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي، وقال ميمون بن مهران : أسر أن أبا بكر خليفتي من بعدي ﴿فلما نبأت﴾ أي : أخبرت ﴿به﴾ عائشة ظناً منها أنه لا حرج عليها في ذلك ﴿وأظهره الله﴾ أي : أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليه﴾ أي : الحديث على لسان جبريل عليه السلام بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شراً ويثبت عليه إن كان خيراً وقيل : أظهر الله الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم من الظهور ﴿عرف﴾ أي : النبي صلى الله عليه وسلم التي أسرّ إليها ﴿بعضه﴾ أي : بعض ما فعلت ﴿وأعرض عن بعض﴾ أي : إعلام بعض تكرماً منه أن يستقصي في العبارات وحياء وحسن عشرة، قال الحسن : ما استقصى كريم قط، وقال سفيان : ما زال التغافل من فعل الكرام، وإنما عاتبها على ذكر الإمامة وأعرض عن ذكر الخلافة خوفاً من أن ينتشر في الناس، فربما أثار حسد بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق كيداً. وقال بعض المفسرين : إنه أسر إلى حفصة شيئاً فحدثت به غيرها فطلقها مجازاة على بعضه، ولم يؤاخذها بالباقي وهو من قبيل قوله تعالى :﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ [البقرة: ١٩٧] أي : يجازيكم عليه، وقيل : المعرّف حديث الإمامة، والمعرض عنه حديث مارية. وروي «أنه قال لها : ويلك ألم أقل لك أكتمي علي، قالت : والذي بعثك بالحق نبياً ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها » ﴿فلما نبأها به﴾ أي : بما فعلت على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها به شيئاً منه، ولا من عوارضه لتزداد بصيرة. روي أنها قالت لعائشة سراً فأنا أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي، وهو معنى قوله تعالى :﴿قالت﴾ أي : ظناً منها أن عائشة أفشت عليها ﴿من أنبأك هذا﴾ أي : من أخبرك أني أفشيت السر ﴿قال نبأني﴾ وحذف المتعلق اختصاراً للفظ وتكسيراً للمعنى بالتعميم إشارة أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة على أتم ما كان. ﴿العليم﴾ أي : المحيط العلم ﴿الخبير﴾ أي : المطلع على الضمائر والظواهر، فهو أولى أن يحذر فلا يتكلم سراً أو جهراً إلا بما يرضيه.

التحريم 66:4

وقوله تعالى :﴿إن تتوبا إلى الله﴾ أي : الملك الأعظم شرط، وفي جوابه وجهان : أحدهما : قوله تعالى :﴿فقد صغت قلوبكما﴾ والمعنى : إن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حب ما يحب وكراهة ما يكره. وصغت : مالت وزاغت عن الحق، قال القرطبي : وليس قوله :﴿فقد صغت قلوبكما﴾ جواب الشرط لأن هذا الصغو كان سابقاً فجزاء الشرط محذوف للعلم به أي : إن تتوبا كان خيراً لكما إذ قد صفت قلوبكما. الثاني : أن الجواب محذوف تقديره : فذلك واجب عليكما، أو فتاب الله عليكما، قاله أبو البقاء. ودل على المحذوف ﴿فقد صغت﴾ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قال بعضهم : وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب، وكيف يحسن أن يكون جواباً وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جواباً. تنبيه : قوله تعالى :﴿قلوبكما﴾ من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالاً لمجيء تثنيتين لو قيل : قلباكما، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما لأنه لا يشكل، والأحسن في هذا الباب الجمع ثم الإفراد ثم التثنية كقوله : فتخالسا نفسيهما بتواقد ال؍ غيظ الذي من شأنه لم يرفع؍ وقال ابن عصفور : لا يجوز الإفراد إلا في ضرورة، كقوله : حمامة بطن الواديين ترنمي؍ سقاك من الغر الغوادى مطيرها؍ وتبعه أبو حيان، وغلط ابن مالك في كونه جعله أحسن من التثنية. قال ابن عادل : وليس بغلط لكراهة توالي تثنيتين مع أمن اللبس، وقوله تعالى ﴿إن تتوبا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بهذا الخطاب إما المؤمنتان بنتا الشيخين الكريمين عائشة وحفصة حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهما كرها ما أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحباب جاريته وإحباب العسل، وكان صلى الله عليه وسلم يحب العسل والنساء. وقال ابن زيد : مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : قد مالت قلوبكما إلى التوبة. روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :«مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه، فلما رجع وكان ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فلما رجع قلت : يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تلك حفصة وعائشة، قال : فقلت له : والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذه منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال : فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك »، وفي رواية قال : وا عجباً لك يا ابن عباس. قال الزهري : كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، قال : هما عائشة وحفصة، ثم أخذ يسوق الحديث، قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار وكان منزلي في بني أمية وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني قالت : لم تنكر أن أراجعك ؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت لها : أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل، قالت : نعم، فقلت : قد خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عائشة رضي الله عنها قال عمر : كنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل الأنصاري يوماً نوبته ثم أتاني عشاء فضرب بابي ضرباً شديداً، ففزعت فخرجت إليه فقال : قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت : ما هو أجاء غسان ؟ قال : لا بل أعظم من ذلك وأهول، طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فقلت : خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة فأتيت غلاماً له أسود فقلت : أستأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال : قد ذكرتك له فصمت، ثم انطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلاً ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام، فقلت : أستأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال : ذكرتك له فصمت فوليت مدبراً فإذا الغلام يدعوني، فقال : ادخل فقد أذن لك فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير وليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئاً على وسادة من أدم حشوها ليف، ثم قلت وأنا قائم : يا رسول الله أطلقت نساءك فرفع إلي بصره، وقال : لا، فقلت : الله أكبر قلت وأنا قائم لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قلت : يا رسول الله لو رأيتني دخلت على حفصة فقلت لها : لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عائشة، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى فجلست حين رأيته تبسم فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت : يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارساً والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً، وقال :«أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا » فقلت : يا رسول الله استغفر الله لي فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعاً وعشرين ليلة، وكان قال :«ما أنا بداخل عليهن شهراً » من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة : يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عداً، فقال : الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ليلة قالت عائشة : ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته، ثم خيرهن فقلن مثلها، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، قالت : فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت : ثم قال : إن الله تعالى قال :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى تمام الآيتين فقلت : أوفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة » وفي رواية أن عائشة قالت له : لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أرسلني مبلغاً » وفي رواية قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ [التحريم: ٥] ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ [التحريم: ٤] » الآية. وفي رواية «أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، وإنه قام على باب المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ». شرح بعض ألفاظ هذا الحديث : قوله : فعدلت معه أي : فملت معه، بالإداوة أي : الركوة، والعوالي جمع عالية، وهي أماكن بأعلى أرض المدينة. وقوله : لا يغرنك إن كانت جارتك يريد بها الضرة وهي عائشة، وأوسم منك أي : أكثر حسناً، وقوله : فكنا نتناوب النزول : التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة، ويفعله آخر بعده، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة. وقوله : فإذا هو متكئ على رمال حصير : يقال : رملت الحصير إذا ظفرته ونسجته، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. وقوله : ما رأيت فيه ما يرد البصر إلا أهبة ثلاث : الأهبة والأهب جمع إهاب، وهو الجلد. وقوله : من شدة موجدته : الموجدة الغضب. وقرأ :﴿وإن تظاهرا﴾ الكوفيون بتخفيف الظاء، والباقون بتشديدها أي : تتعاونا ﴿عليه﴾ أي : النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكرهه ﴿فإن الله﴾ الملك الأعظم الذي لا كفء له، وقوله تعالى :﴿هو﴾ يجوز أن يكون فصلاً، وقوله :﴿مولاه﴾ الخبر، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره، والجملة خبر إن، والمعنى فإن الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما. وقوله تعالى :﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ و ما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع فتختص الولاية بالله. واختلف في صالح المؤمنين، فقال عكرمة : هو أبو بكر وعمر، وقال المسيب بن شريك : هو أبو بكر. وقال سعيد بن جبير : هو عمر، وعن أسماء بنت عميس : هو علي بن أبي طالب. وقال الطبري : هو خيار المؤمنين. وصالح اسم جنس كقوله تعالى :﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ [العصر: ٢] وقال قتادة : هم الأنبياء. وقال ابن زيد : هم الملائكة. وقال السدي : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والأولى أن يشمل هذه الأقوال كلها ﴿والملائكة﴾ أي : كلهم ﴿بعد ذلك﴾ أي : الأمر العظيم الذي تقدم ذكره ﴿ظهير﴾ أي : ظهراء أعوان له في نصره عليكما. تنبيه : أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة، ومنهم جبريل عليه السلام فهو مذكور خصوصاً وعموماً ثلاث مرات على القول بأن صالح المؤمنين هم الملائكة إن قلنا بالعموم، وذلك إظهار لشدة محبته وموالاته للنبي صلى الله عليه وسلم وهذه الآية عكس آية البقرة، وهي قوله تعالى :﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفاً له، وهنا ذكر العام بعد الخاص. قال ابن عادل : ولم يذكر الناس إلا القسم الأول، وفي جبريل لغات تقدم ذكرها في البقرة.

التحريم 66:5

ولما كان أشد ما على المرأة أن تطلق، ثم إذا طلقت أن يستبدل بها، ثم يكون البدل خيراً منها قال تعالى محذراً لهن : ﴿عسى ربه﴾ أي : المحسن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها، وما لم تعرفوه منها أكثر جدير وحقيق ووسط بين عسى وخبرها اهتماماً وتخويفاً قوله تعالى :﴿إن طلقكن﴾ أي : بنفسه من غير اعتراض عليه جميعكن أو بعضكن. قيل : كل عسى في القرآن واجب إلا هذه الآية، وقيل : هو واجب ولكن الله تعالى علقه بشرط، وهو التطليق ولم يطلقهن فإن طلقكن شرط معترض بين اسم عسى وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي : إن طلقكن فعسى ربه وقوله تعالى ﴿أن يبدله﴾ أي : بمجرد طلاقه. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال. ﴿أزواجاً خيراً منكن﴾ خبر عسى، والجملة جواب الشرط ولم يقع التبدل لعدم وجود الشرط. فإن قيل : كيف تكون المبدلات خيراً منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خيراً منهن لأنهن أمهات المؤمنين ؟ أجيب : بأنه إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعصيانهن وإيذائهن إياه كان غيرهن من الموصوف بالصفات الآتية مع الطاعة له صلى الله عليه وسلم خيراً، أو أن هذه على سبيل الفرض وهو عام في الدنيا والآخرة، فلا يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقاً. وإن قيل : بوجوده في خديجة لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه صلى الله عليه وسلم وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهراً وباطناً الغاية القصوى، ومريم أحسنت حين كانت من القانتين فذلك في الآخرة، وتعليق تطليق الكل لا يدل على أنه لم يطلق حفصة. فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلاً لأن الله تعالى أمره أن يراجعها، لأنها صوامة قوامة. ثم بين تعالى الخيرية بقوله تعالى :﴿مسلمات﴾ إلى أخره، وهو إما نعت، أو حال، أو منصوب على الاختصاص. قال سعيد بن جبير : مسلمات يعني مخلصات، وقيل : مسلمات لأمر الله عز وجل وأمر رسول الله خاضعات لله تعالى بالطاعات ﴿مؤمنات﴾ أي : مصدقات بتوحيد الله تعالى، وقيل : مصدقات بما أمرن به ونهين عنه، وقيل : مسلمات مقرات بالإسلام مؤمنات مخلصات ﴿قانتات﴾ أي : مطيعات والقنوت الطاعة، وقيل : داعيات ﴿تائبات﴾ أي : راجعات من الهفوات والزلات سريعاً إن وقع منهن شيء من ذلك، وقيل : راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات لمحاب أنفسهن ﴿عابدات﴾ أي : كثيرات العبادات لله تعالى، وقال ابن عباس : كل عبادة في القرآن فهو التوحيد ﴿سائحات﴾ قال ابن عباس : صائمات، وقال الحسن : مهاجرات، وقال ابن زيد : وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة، والسياحة الجولان في الأرض، وقال الفراء وغيره : سمي الصائم سائحاً لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره، وقيل : ذاهبات في طاعة الله تعالى. من ساح الماء إذا ذهب ﴿ثيبات﴾ جمع ثيب، وهي التي تزوجت ثم بانت بوجه من الوجوه، أو زالت بكارتها بوطء من غير نكاح ﴿وأبكاراً﴾ أي : عذارى جمع بكر، وهي ضد الثيب، وسميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت بها وقدم الثيبات لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها، ووسط الواو بين الثيبات والأبكار لتنافي الوصفين دون سائر الصفات. فإن قيل : كيف ذكر الثيبات في مقام المدح وهن من جملة ما يقل رغبة الرجال فيهن ؟ أجيب : بأنه يمكن أن يكون بعض الثيبات خيراً من كثير من الأبكار لاختصاصهن بالمال والجمال.

التحريم 66:6

ولما بالغ سبحانه في عتاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن التشبه إكراماً له صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق الكاملة فقال تعالى متبعاً لهن بالموعظة الخاصة بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي : أقروا بذلك ﴿قوا أنفسكم﴾ أي : اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى الله عليه وسلم وترك المعاصي وفعل الطاعات، وفي أدبه مع الخلق والخالق ﴿وأهليكم﴾ من النساء والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم ﴿ناراً﴾ بالنصح والتأديب ليكونوا متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله عليه وسلم كما روى الطبراني عن سعيد بن العاص :«ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن » وفي الحديث :«رحم الله رجلاً قال : يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم في الجنة » وقيل : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهله، وقال صلى الله عليه وسلم «رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله، فإن لم تقم رش على وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها، فإن لم يقم رشت على وجهه من الماء » وقال بعض العلماء : لما قال ﴿قوا أنفسكم﴾ دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه، كما دخلوا في قوله تعالى :﴿ولا على أنفسكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم﴾ [النور: ٦١] وقوله عليه الصلاة والسلام :«إن أحل ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه » فلم يفرد بالذكر أفراد سائر القرابات فيعلمه الحلال والحرام. وقال عليه الصلاة والسلام :«حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ ». ثم بين تعالى وصف تلك النار بقوله عز وجل :﴿وقودها﴾ أي : الذي توقد به ﴿الناس﴾ أي : الكفار ﴿والحجارة﴾ كأصنامهم منها، وعن ابن عباس أنها حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حراً إذا أوقد عليها، والمعنى أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه ﴿عليها ملائكة﴾ خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المدثر ﴿غلاظ﴾ أي : غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني أدم أكل الطعام والشراب ﴿شداد﴾ أي : شداد الأبدان، وقيل : غلاظ الأقوال شداد الأفعال يدفع واحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفاً في النار، لم يخلق الله فيهم الرحمة، وقيل : في أخذهم أهل النار شداد عليهم، يقال : فلان شديد على فلان، أي : قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب. وقيل : غلاظ أجسامهم ضخمة شداد، أي : الأقوياء. قال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقال صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم :«ما بين منكبي كل واحد منهم كما بين المشرق والمغرب » ﴿لا يعصون الله﴾ أي : الملك الأعلى في وقت من الأوقات، وقوله تعالى :﴿ما أمرهم﴾ بدل من الجلالة أي : لا يعصون أمر الله، وقوله تعالى :﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ تأكيد ؛ هذا ما جرى عليه الجلال المحلي. وقال الزمخشري : فإن قلت : أليست الجملتان في معنى واحد ؟ قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه. وقيل : لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل، وصدر بهذا البيضاوي. فإن قيل : إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعالى :﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤] فجعلها معدة للكافرين فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك ؟ أجيب : بأن الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فإنهم مع الكفار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا :﴿قوا أنفسكم﴾ باجتناب الفسوق مساكنة الذين أعدت لهم هذه الدار الموصوفة، ويجوز أن يأمرهم بالتوقي عن الارتداد والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون.

التحريم 66:7

قال الزمخشري : ويعضد ذلك قوله تعالى على الأثر :﴿يا أيها الذين كفروا﴾ أي : بالإخلال بالأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله تعالى، وبالأدب مع سائر خلقه ﴿لا تعتذروا﴾ أي : تبالغوا في إظهار العذر هو إيساغ الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير ﴿اليوم﴾ فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، وقد فات زمان الاعتذار وصار الأمر إلى ما صار وهذا النهي لتحقيق اليأس ﴿إنما تجزون﴾ أي : في هذا اليوم ﴿ما كنتم﴾ أي : ما هو لكم كالجبلة والطبع ﴿تعملون﴾ في الدنيا، ونظيره ﴿فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ [الروم: ٥٧] قال البقاعي : ولا بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنه عمله ثم يجعل تلك الصورة عذابه الذي يجد فيه من الألم ما علم الله تعالى أنه بمقدار استحقاقه.

التحريم 66:8

ولما بين تعالى أن المعذرة لا تنفع في ذلك اليوم أمر بالتوبة في الدنيا بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا﴾ أي : ارجعوا رجوعاً تاماً ﴿إلى الله﴾ أي : الملك الذي لا نظير له ﴿توبة﴾ وقوله :﴿نصوحاً﴾ صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من نصح الثوب إذا خاطه فكأن التائب يرقع بالمعصية. وقيل : من قولهم : ناصح، أي : خالص. وقرأ شعبة بضم النون، والباقون بفتحها. تنبيه : أمرهم بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وفي كل الأزمان. واختلفوا في معناها، فقال عمر ومعاذ : التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن في الضرع، وقال الحسن : هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على أن لا يعود فيه. وقال الكلبي : أن يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن. وعن حوشب : أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار، وعن سماك : أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله تعالى أمام عينيك، وتتبعه نظرك. وعن السدي : لا تصح إلا بنصيحة النفس، ونصيحة المؤمنين لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقال سعيد بن المسيب : توبة ينصحون فيها أنفسهم. وقال القرطبي : يجمعها أربع أشياء : الإستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الإخوان. وقال الفقهاء : التوبة التي لا تعلق لحق آدمي فيها لها ثلاثة شروط : أحدها : أن يقلع عن المعصية، وثانيها : أن يندم على ما فعله، وثالثها : أن يعزم على أن لا يعود إليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحاً وإن فقد شرط منها لم تصح توبته. وإن كانت تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع : أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالاً ونحوه رده إلى مالكه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه، أو طلب العفو منه، وإن كانت غيبة استحله منها. قال العلماء : التوبة واجبة من كل معصية كبيرة أو صغيرة على الفور، ولا يجوز تأخيرها وتجب من جميع الذنوب، وإن تاب من بعضها صحت توبته عما تاب منه، وبقي عليه الذي لم يتب منه، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة » وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة » وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ». وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ». وعن علي أنه سمع أعرابياً يقول : اللهمّ إني أستغفرك وأتوب إليك فقال : يا هذا إن سرعة الاستغفار بالتوبة توبة الكذابين، قال : وما التوبة ؟ قال : يجمعها ستة أشياء : على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، وردّ المظالم واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما أذبتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وقوله تعالى :﴿عسى ربكم﴾ أي : المحسن إليكم ﴿أن يكفر﴾، أي : يغطى تغطية عظيمة ﴿عنكم سيئاتكم﴾، أي : ما بدا منكم مما يسوء بالتوبة، إطماع من الله لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلاً وتكرماً لا وجوباً عليه، وإن كان التائب على خطر فما ظنك بالمصر ولكن الفضل واسع. ولما ذكر نفع التوبة في دفع المضار ذكر نفعها في جلب المسارّ بقوله تعالى :﴿ويدخلكم﴾، أي : يوم الفصل ﴿جنات﴾ أي : بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها ﴿تجري من تحتها﴾ أي : تحت غرفها وأشجارها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال رياً، وقوله تعالى :﴿يوم لا يخزي الله﴾ أي : الملك الأعظم ﴿النبي﴾ أي : الذي نبأه الله تعالى بما يوجب له الرفعة التامّة من الأخبار التي هي في غاية العظمة، منصوب بيدخلكم أو بإضمار اذكر، ومعنى يخزي هنا يعذب، أي : لا يعذبه، وقوله تعالى :﴿والذين آمنوا معه﴾ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يكون منسوقاً على النبي، أي : ولا يخزي الذين آمنوا معه. وعلى هذا يكون قوله تعالى :﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم﴾ مستأنفاً أو حالاً، الثاني : أن يكون مبتدأ وخبره ﴿نورهم يسعى﴾ إلى آخره. وقوله تعالى :﴿يقولون﴾ خبر ثان أو حال. تنبيه : التقييد بالإيمان لا ينفي أن لهم نوراً عن شمائلهم بل لهم نور لكن لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من أهل اليمين فهم يمشون في هاتين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما، وأما أصحاب الشمال فيعطونها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النور إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا ﴿ربنا﴾، أي : أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه ﴿أتمم لنا نورنا﴾، أي : الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام، قال ابن عباس : يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقاً، وعن الحسن : لله متمه لهم ولكنهم يدعون تقرباً إلى الله كقوله تعالى :﴿واستغفر لذنبك﴾ [غافر: ٥٥] وهو مغفور له، وقيل : يقوله أدناهم منزلة لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون مواطئ أقدامهم لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً، وقيل : السابقون إلى الجنة يمرّون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح وبعضهم حبواً وزحفاً فأولئك الذين يقولون : ربنا أتمم لنا نورنا ﴿واغفر لنا﴾ أي : وامح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره وهذا النور من صور أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم، لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل فكل فضيلة يكتنفها رذيلتان إفراط وتفريط فالفضيلة هي الصراط المستقيم والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تاماً ومن أمالته الشهوات طفئ نوره في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التوحيد فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له ﴿إنك﴾ أي : وحدك ﴿على كل شيء﴾ يمكن دخول المشيئة فيه ﴿قدير﴾ أي : بالغ القدرة.

التحريم 66:9

ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه وسلم لأضعف الناس وحسن أدبه وكرم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد الله والرحمة لهم أمره سبحانه بالغلظة والشدة على أعدائه بقوله تعالى :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار﴾ أي : بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف، وما دونه من المواعظ الحسنة والدعاء إلى الله تعالى ليعرف أن ذلك اللين لأهل الله تعالى إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك ﴿والمنافقين﴾، أي : جاهدهم بما يليق بهم من الحجة والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة وعرفهم أحوالهم في الآخرة، وإنهم لا نور لهم يجوزون به على الصراط مع المؤمنين، وقال الحسن : وجاهدهم بإقامة الحدود عليهم ﴿واغلظ عليهم﴾، بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر، فالغلظة عليهم من اللين لله تعالى كما أنّ اللين لأهل الله من خشية الله تعالى. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿ومأواهم﴾ أي : في الآخرة ﴿جهنم وبئس المصير﴾، أي : هي.

التحريم 66:10

ولما كان للكفار قرابات بالمسلمين ربما توهم أنها تنفعهم وللمسلين قرابات بالكفار توهم أنها تضرهم ضرب لكل مثلاً، وبدأ بالأول فقال تعالى :﴿ضرب الله﴾، أي : الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿مثلاً﴾ يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ ﴿للذين كفروا﴾، أي : غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم وقوله تعالى :﴿امرأت نوح﴾ عليه السلام الذي أهلك الله تعالى من كذبه بالغرق ﴿وامرأت لوط﴾ عليه السلام الذي أهلك الله تعالى من كذبه بالحصب والخسف، يجوز أن يكون بدلاً من قوله :﴿مثلاً﴾ على تقدير حذف المضاف، أي : ضرب الله مثلاً مثل امرأة نوح وامرأة لوط، ويجوز أن يكونا مفعولين، وضرب الله تعالى هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد عن قريب ولا نسيب في الآخرة إذا فرق بينهما الدين. قال مقاتل : وكان اسم امرأة نوح والهة واسم امرأة لوط والعة، وقال الضحاك : عن عائشة :«إن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واعلة واسم امرأة لوط والهة ». تنبيه : رسمت امرأت في الثلاثة وابنت بالتاء المجرورة، فوقف عليهنّ بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، ووقف الباقون بالتاء. وقوله تعالى :﴿كانتا﴾ أي : مع كونهما كافرتين ﴿تحت عبدين﴾ جملة مستأنفة كأنها مفسرة لضرب المثل، ولم يأت بضميرها فيقال : تحتهما، أي : تحت نوح ولوط لما قصد من تشريفهما بهذه الإضافة الشريفة قال القائل : لا تدعنى إلا بيا عبدها؍ فإنه أشرف أسمائي؍ ودلّ على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله تعالى :﴿من عبادنا﴾ ووصفهما بأجل الصفات وهو قوله تعالى :﴿صالحين﴾ واختلف في معنى قوله تبارك وتعالى :﴿فخانتاهما﴾ فقال عكرمة والضحاك : بالكفر. وعن ابن عباس : كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن به أحد أخبرت الجبابرة من قومه، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبيّ قط وإنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين، وقيل : كانتا منافقتين، وقيل : خيانتهما النميمة إذا أوحي إليهما شيء أفشتاه إلى المشركين ؛ قاله الضحاك، وقيل : كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال ﴿فلم﴾ أي : فتسبب عن ذلك أن العبدين الصالحين لم ﴿يغنيا عنهما﴾، أي : المرأتين بحق النكاح ﴿من الله﴾، أي : من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره ﴿شيئاً﴾ أي : من إغناء لأجل خيانتهما ﴿وقيل﴾ أي : للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا مردّ له ﴿ادخلا النار﴾، أي : قيل لهما ذلك عند موتهما أو يوم القيامة ﴿مع الداخلين﴾، أي : سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، فلم يغن نوح ولوط عن امرأتيهما شيئاً من عذاب الله تعالى وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما فرط منهما وتحذير لهما على أعلى وجه وأشده وفيه تنبيه على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة وقيل : أن كفار مكة استهزؤا وقالوا : إن محمداً يشفع لنا فبين تعالى أن الشفاعة لا تنفع كفار مكة وإن كانوا أقرباء، كما لا ينفع نوح امرأته ولا لوط امرأته مع قربهما لهما لكفرهما.

التحريم 66:11

ثم شرع تعالى في ضرب المثل الثاني : فقال تعالى :﴿وضرب الله﴾، أي : الملك الأعلى الذي له صفات الكمال ﴿مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون﴾ واسمها آسية وهي بنت مزاحم آمنت وعملت صالحاً فلم تضرّها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل، ولا نفعه إيمانها، كل امرئ بما كسب رهين وأثابها ربها تعالى أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في دار كرامته بصبرها على عبادة الله تعالى وهي في حبالة عدوّه وأسقط وصفه بالعبودية دليلاً على تحقيره وعدم رحمته له لأنه من أعدى أعدائه وقوله تعالى :﴿إذ قالت﴾ ظرف للمثل المحذوف، أي : مثلهم مثلها حين قالت ﴿رب﴾، أي : أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ﴿ابن لي عندك بيتاً﴾ وبينت مرادها بالعندية فقالت :﴿في الجنة﴾ أي : دار المقربين وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة أكمل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل ﴿ونجني من فرعون﴾ أي : فلا أكون عنده ﴿وعمله﴾ فلا تسلطه علي بما يضرني عندك في الآخرة فلا أعمل بشيء من عمله وهو شركه، وقال ابن عباس : جماعه ﴿ونجني﴾ أعادت العامل تأكيداً ﴿من القوم الظالمين﴾ أي : الناس الأقوياء العريقين الذين يضعون أعمالهم في غير موضعها، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها للمحبوب، وهو كليم الله موسى عليه السلام كما يقال : صديق صديقي داخل في صداقتي. وذلك أن موسى عليه السلام لما غلب السحرة آمنت به فلما تبين لفرعون إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، وفي القصة أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت :﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة﴾ فأبصرته من مرمرة بيضاء فانتزعت روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألماً، وقال الحسن وابن كيسان : رفع الله تعالى امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب.

التحريم 66:12

وقوله تعالى :﴿ومريم ابنت عمران﴾ عطف على امرأة فرعون تسلية للأرامل ﴿التي أحصنت فرجها﴾ أي : عفت عن السوء وجميع مقدماته، كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على حالها إلى الممات فزوجها الله تعالى في الجنة جزاء لها بخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين : أراد بالفرج هنا الجيب لقوله تعالى :﴿فنفخنا﴾، أي : بمالنا من العظمة بواسطة ملكنا جبريل عليه السلام ﴿فيه﴾، أي : في جيب درعها. قال البقاعي : أو في فرجها الحقيقي، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل ﴿من روحنا﴾، أي : من روح خلقناه بلا تواسط أصل وهو روح عيسى عليه السلام ﴿وصدقت بكلمات ربها﴾، أي : المحسن إليها واختلف في تلك الكلمات فقال : مقاتل يعني بالكلمات عيسى وأنه نبىّ وعيسى كلمة الله وقال البغوي : يعني الشرائع التي شرعها الله تعالى للعباد بكلماته المنزلة وقيل : هي قول جبريل عليه السلام لها ﴿إنما أنا رسول ربك﴾ [مريم: ١٩] الآية، وعلى كل قول استحقت أن تسمى لذلك صديقة، وقرأ :﴿وكتبه﴾ أبو عمرو وحفص بضم الكاف والتاء جمعاً، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء وبعدها ألف إفراداً والمراد منه الكثرة فالمراد به الجنس فيكون في معنى كل كتاب أنزله الله تعالى على ولدها أو غيره. وقوله تعالى :﴿وكانت من القانتين﴾ يجوز في ﴿مَن﴾ وجهان : أحدهما : أنها لابتداء الغاية. والثاني : أنها للتبعيض. وقد ذكرهما الزمخشري فقال : فمن للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما وعليها وعلى سائر الأنبياء وآلهم أجمعين. قال الزمخشري : فإن قلت لم قيل : من القانتين على التذكير ؟ قلت : لأن القنوت صفه تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره على إناثه. وقيل : أراد من القوم القانتين، ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها فإنهم كانوا مطيعين لله، والقنوت : الطاعة، وقال عطاء : من المصلين بين المغرب والعشاء. وعن معاذ بن جبل : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها :«إذا قدمت على ضرّاتك فأقرئيهنّ منى السلام مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم » وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«كمل من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون » وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري :«كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ».

الملك 67:1

﴿تبارك﴾، أي : تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم، وثبت ثباتاً لا مثل له مع اليمن والبركة. وقيل : دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده، ولا آخر لدوامه. ﴿الذي بيده﴾ أي : بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره ﴿الملك﴾، أي : له الأمر والنهي، وملك السماوات في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس : بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. قال الرازي : وهذه الكلمة تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكاً ومالكاً، كما يقال : بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد. وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام القدرة ؛ لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة، وعن كل ما يفهم حاجة أو شبهها ﴿وهو على كل شيء﴾، أي : من الممكنات ﴿قدير﴾ أي : تام القدرة. تنبيه : احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا يؤثر إلا قدرة الله تعالى، وأبطلوا القول بالطبائع كقول الفلاسفة، وأبطلوا القول بالتولدات كقول المعتزلة، وأبطلوا القول بكون العبد موجداً لأفعال نفسه، لقوله تعالى :﴿وهو على كل شيء قدير﴾. ودلت هذه الآية على الوحدانية، لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً، فإمّا أن يقدر على إيجاد شيء أو لا، فإن لم يقدر على إيجاد شيء، لم يكن إلهاً، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً، فيلزم كون ذلك الشيء مقدوراً للإله الأول لقوله :﴿وهو على كل شيء قدير﴾، فيلزم وقوع مخلوق من خالقين وإنه محال، لأنه إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد، يلزم أن يستغني كل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما وغنياً عنهما وذلك محال. وقرأ :﴿وهو على كل شيء قدير﴾ ﴿وهو العزيز الغفور﴾ ﴿وهو اللطيف﴾ وما أشبه ذلك أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها، وخرج بقولنا من الممكنات أنه تعالى ليس قادراً على نفسه، وأجاب بعضهم بأن هذا عام مخصوص.

الملك 67:2

ودل على تمام قدرته قوله تعالى :﴿الذي خلق﴾ أي : قدر وأوجد ﴿الموت والحياة﴾ قيل : خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة، لأنّ الموت إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين فقال :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩] وقيل : قدمه لأنه أقدم، لأنّ الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت، كالنطف والتراب ونحوه. وقال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء » وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه، الفقر والمرض والموت » وقيل : إنما قدم الموت على الحياة، لأن من نصب الموت بين عينيه كان أقوى الدواعي إلى العمل، وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل أنّ الموت والحياة جسمان، والموت في هيئة كبش، لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهي التي كان جبريل عليه السلام والأنبياء عليهم السلام يركبونها، خطوتها مدّ البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي، حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. وعن مقاتل :﴿خلق الموت﴾ يعني : النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني : خلق إنساناً فنفخ فيه الروح فصار إنساناً. قال القرطبي : وهذا حسن يدل عليه قوله تعالى :﴿ليبلوكم﴾ أي : يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر، لإظهار ما عندكم من العمل بالاختبار ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ أي : من جهة العمل، أي : عمله أحسن من عمل غيره، وروي عن عمر مرفوعاً :«أحسن عملاً أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله » وقال الفضيل بن عياض : أحسن عملاً، أخلصه وأصوبه. وقال : العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، فالخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة. وقال الحسن : أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها، وقال السدي : أيكم أكثر للموت ذكراً وأحسن استعداداً وأشد خوفاً وحذراً. وقيل : يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل : خلق الله تعالى الموت للبعث والجزاء، وخلق الله الحياة للابتلاء. فإن قيل : الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي، وذلك في حق الله تعالى العالم بجميع الأشياء محال. أجيب : بأن الابتلاء من الله تعالى هو أن يعامل عبده معاملة تشبه المختبر كما مرّت الإشارة إليه. ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ أي : الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ﴿الغفور﴾ أي : الذي مع ذلك يفعل في محو الذنوب عيناً وأثراً فعل المبالغ في ذلك، ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق، كما قال تعالى في الحديث القدسي :«ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ».

الملك 67:3

وقوله تعالى :﴿الذي خلق﴾، أي : أبدع على هذا التقدير من غير مثال سبق ﴿سبع سماوات﴾ يجوز أن يكون تابعاً للعزيز الغفور نعتاً أو بياناً أو بدلاً، وأن يكون منقطعاً عنه خبر مبتدأ محذوف أو مفعول فعل مقدر. وقوله تعالى :﴿طباقاً﴾ صفة لسبع وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه جمع طبق نحو جبل وجبال. والثاني : أنه جمع طبقة نحو : رحبة ورحاب، والثالث : أنه مصدر طابق، يقال : طابق مطابقة وطباقاً. ثم إما أن يجعل نفس المصدر مبالغة وإما على حذف مضاف، أي : ذات طباق وإما أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر، أي : طوبقت طباقاً من قولهم : طابق النعل، أي : جعله طبقة فوق طبقة أخرى. وروي عن ابن عباس : طباقاً أي : بعضها فوق بعض، قال البقاعي : بحيث يكون كل جزء منها مطابقاً لجزء من الأخرى ولا يكون جزء منها خارجاً عن ذلك قال : وهي لا تكون كذلك إلا أن تكون الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب، والثانية : محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطاً بالكلّ. والكرسي الذي هو أقربها بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة فما ظنك بما تحته ؟ وكل سماء في التي فوقها بهذه النسبة، وقد قرر أهل الهيئة أنها كذلك وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولاسيما التشبيه بالحلقة الملقاة في فلاة، فسبحان اللطيف الخبير، ولا شك أن من تفكر في هذه العظمة مع ما لطف بنا فيما هيأ فيها لنا من المنافع، آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ضد، فانقطع باللجأ إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع، وسارع في مرضاته ومحابه في كل خفض ورفع. تنبيه : دلت هذه الآية على القدرة من وجوه : أحدها : من حيث بقاؤها في جو الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة. ثانيها : أنّ كلاً منها اختص بحركة خاصة متقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معنية. ثالثها : كونها في ذاتها محدثة وكل ذلك يدل على إسنادها إلى قادر تام القدرة. وقوله تعالى :﴿ما ترى في خلق الرحمن﴾ أي : للسماوات ولغيرها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل مخاطب، وكذا القول في قوله تعالى :﴿فارجع البصر﴾ ﴿ثم ارجع البصر﴾ ﴿ينقلب إليك البصر﴾ ﴿من تفاوت﴾، أي : من اعوجاج ولا تناقض ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها وإن اختلفت صورها، وقيل : المراد بذلك السماوات خاصة، أي : ما ترى في خلق السماوات من عيب وأصله من الفوت وهو : أن يفوت بعضها بعضاً فيقع الخلل لعدم استوائها، يدل عليه قول ابن عباس : من تفرّق، وقال السدي : أي من اختلاف وعيب يقول الناظر : لو كان كذا لكان أحسن، وقيل : المراد من التفاوت الفطور لقوله تعالى بعد ذلك :﴿فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ ونظيره قوله تعالى :﴿وما لها من فروج﴾ [ق: ٦] قال القفال : ويحتمل أن يكون المعنى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في الدلالة على حكم الصانع وأنه لم يخلقها عبثاً. تنبيه : دلت هذه الآية على كمال علم الله تعالى، وذلك أن الحس دل على أن هذه السماوات السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعل كان فعله محكماً متقناً فلا بدّ وأن يكون عالما، فدلت الآية على كونه تعالى عالماً بالمعلومات فقوله تعالى :﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ إشارة إلى كونها محكمة متقنة. وقرأ :﴿ما ترى﴾ و﴿هل ترى﴾ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين بين، والباقون بالفتح، وأدغم لام هل في التاء أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي، وقرأ من تفوت حمزة والكسائي بغير ألف بعد الفاء وتشديد الواو، والباقون بألف بعد الفاء وتخفيف الواو. وقوله تعالى :﴿فارجع البصر﴾ مسبب عن قوله تعالى :﴿ما ترى﴾ وقوله تعالى :﴿هل ترى من فطور﴾ جملة يجوز أن تكون معلقة لفعل محذوف يدل عليه فارجع البصر، أي : فارجع البصر فانظر هل ترى، وأن يكون فارجع البصر مضمناً معنى انظر لأنه بمعناه فيكون هو المعلق. والفطور جمع فطر وهو الشق، يقال : فطره فانفطر، ومنه فطر ناب البعير كما يقال : شق ومعناه شق اللحم وطلع، قال المفسرون : الفطور : الصدوع والشقوق قال القائل : شققت القلب ثم دررت فيه؍ هواك فليط فالتام الفطور؍

الملك 67:4

﴿ثم ارجع البصر﴾ وقوله تعالى :﴿كرتين﴾ نصب على المصدر كمرتين وهو مثنى لا يراد به حقيقته بل التكثير بدليل قوله تعالى :﴿ينقلب إليك البصر خاسئاً﴾، أي : صاغراً ذليلاً بعيداً عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طرداً بالصغار ﴿وهو حسير﴾، أي : كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة، وهذان الوصفان لا يأتيان بنظرتين ولا ثلاث، وإنما المعنى : كرات، وهذا كقولهم : لبيك وسعديك وحنانيك ودواليك وهذاذيك ؛ لا يريدون بهذه التثنية تشفيع الواحد إنما يريدون التكثير، أي : إجابة لك بعد إجابة وإلا لتناقض الغرض، والتثنية تفيد التكثير لقرينة كما يفيده أصلها وهو العطف لقرينة كقوله : لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمه *** أي : قبور كثيرة ليتم المدح، وقال ابن عطية : كرتين معناه مرتين ونصبهما على المصدر. وقيل : الأولى : ليرى حسنها واستواءها، والثانية : ليبصر كواكبها في مسيرها وانتهائها، وهذا بظاهره يفهم التثنية فقط، وروى البغوي عن كعب أنه قال : السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية : مرمرة بيضاء، والثالثة : حديد، والرابعة : صفر أو قال : نحاس، والخامسة : فضة، والسادسة : ذهب، والسابعة : ياقوتة حمراء، وبين السماء السابعة والحجب السبعة صحارى من نور.

الملك 67:5

ثم ذكر تعالى دلالة أخرى بعد تلك الدلالة تدل على تمام قدرته بقوله تعالى :﴿ولقد زينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿السماء الدنيا﴾ أي : القربى لأنها أقرب السماوات إلى الأرض وهي التي تشاهدونها ﴿بمصابيح﴾جمع مصباح وهو السراج أي : بنجوم متقدة عظيمة جداً تفوت الحصر، ظاهرة سائرة مضيئة ظاهرة زاهرة، وهي الكواكب التي تنوّر الأرض بالليل إنارة السرج التي تنوّرون بها سقوف دوركم، وسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها، وزينة لأن الناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح، فكأنه قال : ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح، والتزين بها لا يمنع أن تكون مركوزة فيما فوقها من السماوات، وهي تتراءى بحسب الشفوف، وبما لأجرام السماوات من الصفاء، ولتلك المصابيح من شدة الإضاءة. ﴿وجعلناها﴾ أي : المصابيح بما لنا من العظمة مع كونها زينة وإعلاماً للهداية ﴿رجوماً للشياطين﴾ أي : الذين يحق لهم الطرد من الجن، لما لهم من الاحتراق حراسة للسماء التي هي محل تنزل أمرنا بالقضاء والقدر، وإنزال هذا الذكر الحكيم، لئلا يفسدوا باستراق السمع فيها على الناس دينهم الحق ويلبسوا عليهم أمرهم بخلط الحق الذي قد ختمنا به الأديان بالباطل. والرجوم جمع رجم، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به كضرب الأمير، ويجوز أن يكون باقياً على مصدرتيه، ويقدر مضاف، أي : ذات رجوم، وجمع المصدر باعتبار أنواعه، والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكوكب وهو قارّ في فلكه على حاله، كقبس النار يؤخذ منها وهي باقية لا تنقص، وذلك مسوغ لتسميتها بالنجوم، فمن لحقه الشهاب منهم قتله أو ضعضع أمره وخبله، وقال أبو علي جواباً لمن قال : كيف تكون زينة وهي رجوم ؟ : لا تنفي كيفية الرجم أن يؤخذ نار من ضوء الكوكب يرمى بها الشيطان والكوكب في مكانه لا يرجم به، وقيل : الرجوم هنا الظنون، والشياطين شياطين الإنس كما قال القائل : وما هو عنها بالحديث المرجم *** فيكون المعنى : جعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس، وهم المنجمون يتكلمون بها رجماً بالغيب في أشياء من عظيم الابتلاء، وعن قتادة : خلقت النجوم لثلاث : زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وتكلف ما لا علم له به وتعدى وظلم. ﴿وأعتدنا﴾ أي : هيأنا في الآخرة مع هذا الذي في الدنيا بما لنا من العظمة ﴿لهم﴾ أي : للشياطين ﴿عذاب السعير﴾ أي : التي في غاية الاتقاد في الآخرة قال المبرد : سعرت النار فهي مسعورة وسعير، مثل مقتولة وقتيل، وهذه الآية تدل على أن النار مخلوقة الآن، لأن قوله تعالى :﴿وأعتدنا لهم﴾ خبر عن الماضي.

الملك 67:6

ولما أخبر تعالى عن تهيئة العذاب لهم بالخصوص، أخبر عن تهيئته لكل عامل بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه، فقال عز من قائل :﴿وللذين كفروا﴾ أي : أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان للإله، ﴿بربهم﴾ أي : الذي تفرد بإيجادهم والإحسان إليهم، فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت كفراً بما شاهدوا من اختراعه لهم من العدم. ﴿عذاب جهنم﴾ أي : الدركة النارية التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والغضب ﴿وبئس المصير﴾ أي : هي.

الملك 67:7

﴿إذا ألقوا﴾ أي : طرح الكفار ﴿فيها﴾ أي : في نار جهنم من أيّ طارح أمرناه بطرحهم كما يطرح الحطب في النار العظيمة، ﴿سمعوا لها﴾ أي : جهنم نفسها ﴿شهيقاً﴾ أي : صوتاً هائلاً أشد نكارة من أول صوت الحمار، لشدة توقدها وغليانها، قال ابن عباس : الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها كشهيق البغلة للشعير، أو لأهلها على حذف مضاف كما قال عطاء : الشهيق للكفار، أي : سمعوا من أنفسهم شهيقاً كقوله تعالى :﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ [هود: ١٠٦] قال القرطبي : الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق، وقد مضى في سورة هود. ﴿وهي تفور﴾ أي : تغلي بهم ومنه قول حسان : تركتم قدركم لا شيء فيها؍ وقدر القوم حامية تفور؍ قال ابن عباس : تغلي بهم كغلي المراجل، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بكسرها.

الملك 67:8

﴿تكاد تميز﴾ أي : تقرب من أن ينفصل بعضها من بعض كما يقال : يكاد فلان ينشق من غيظه، وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء، كناية عن شدة الغضب. وقرأ البزي بتشديد التاء من تميز في الوصل، والسوسي على أصله بإدغام الدال في التاء ﴿من الغيظ﴾ أي : عليهم، وقال سعيد بن جبير :﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ يعني : ينقطع وينفصل بعضها من بعض، وقال ابن عباس : تتمزق من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى، وذلك كله لغضب سيدها. وتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي من شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس، فتقطع الأزمة جميعاً وتحطم أهل المحشر، فلا يردها عنهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع، مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر أن يقلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة، وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخه، روى أبو داود عن ابن عمر أنه قال :«انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر صلاته إلى أن قال : ثم نفخ في آخر سجوده فقال : أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ». ولما ذكر تعالى حالها أتبعه حالهم فقال تعالى :﴿كلما ألقي فيها﴾ أي : في جهنم بدفع الزبانية لهم﴿فوج﴾ أي : جماعة في غاية الإسراع، والأفواج الجماعات في تفرقة، ومنه قوله تعالى :﴿فتأتون أفواجاً﴾ [النبأ: ١٨] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار ﴿سألهم﴾ أي : ذلك الفوج ﴿خزنتها﴾ أي : النار، وهم مالك وأعوانه، سؤال توبيخ وتقريع ﴿ألم يأتكم﴾ أي : في الدنيا ﴿نذير﴾ أي : رسول يخوفكم هذا اليوم حتى تحذروا. قال الزجاج : وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب.

الملك 67:9

﴿قالوا بلى﴾ قرأه حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح والوقف عليها كما في الوصل ﴿قد جاءنا نذير﴾ أي : محذر بليغ التحذير. تنبيه : في ذلك دليل على جواز الجمع بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها، إذ لو قالوا : بلى لفهم المعنى، ولكنهم أظهروه تحسراً وزيادة في نقمتهم على تفريطهم في قبول قول النذير، وليعطفوا عليه قولهم ﴿فكذبنا﴾ أي : فتسبب عن مجيئه أنا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير ﴿وقلنا﴾ أي : زيادة في التكذيب ﴿ما نزل الله﴾ أي : الذي له الكمال كله، عليكم ولا على غيركم، ﴿من شيء﴾ لا وحياً ولا غيره، وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين :﴿إن﴾ أي : ما ﴿أنتم﴾ أي : أيها النذر المذكورون في نذير، المراد به الجنس ﴿إلا في ضلال﴾ أي : بعد عن الطريق ﴿كبير﴾، فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال والاستخفاف. وقيل : قوله تعالى :﴿إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ من كلام الملائكة للكفار حين أخبروا بالتكذيب.

الملك 67:10

﴿وقالوا﴾ أي : الكفار زيادة في توبيخ أنفسهم ﴿لو كنا﴾ أي : بما لنا من الغريزة ﴿نسمع﴾ أي : كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش، اعتماداً على ما لاح من صدقهم بالمعجزات، ﴿أو نعقل﴾ أي : بما أدته إلينا حاسة السمع، فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين ﴿ما كنا﴾ أي : كونا دائماً ﴿في أصحاب السعير﴾ أي : في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الإيقاد. تنبيه : في الآية أعظم فضيلة للعقل، روي عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول الفجار :﴿لو كنا نسمع أو نعقل﴾ » الآية

الملك 67:11

﴿فاعترفوا﴾ أي : بالغوا في الاعتراف حيث لا ينفعهم الاعتراف ﴿بذنبهم﴾ أي : في دار الجزاء كما بالغوا في التكذيب في دار العمل، والذنب لم يجمع لأنه في الأصل مصدر، والمراد به تكذيب الرسل، ﴿فسحقاً﴾ أي : فبعداً لهم من رحمة الله تعالى، وهو دعاء عليهم مستجاب، ﴿لأصحاب السعير﴾ أي : الذين قضت عليهم أعمالهم بملازمتها، وقال سعيد بن جبير وأبو صالح : هو واد في جهنم يقال : له السحق، وقرأ الكسائي بضم الحاء والباقون بسكونها.

الملك 67:12

ولما ذكر أصحاب السعير أتبعهم ذكر أضدادهم بقوله تعالى :﴿إن الذين يخشون﴾ أي : يخافون ﴿ربهم﴾ أي : المحسن إليهم، خوفاّ أرق قلوبهم وأرق أعينهم، بحيث لا يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة، كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية، ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ﴿بالغيب﴾ أي : حال كونهم غائبين عن عذابه سبحانه، أو وعيده غائباً عنهم، أو وهم غائبون عن أعين الناس، فهم مع الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتتكلم بسيوف الهيبة، فيتركون المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس، ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة. فعلى العاقل أن يطوع نفسه لترجع مطمئنة بأن ترضى بالله رباً لتدخل في رق العبودية، وبالإسلام ديناً ليصير غريقاً فيها، فلا ينازع الملك في ردائه الكبرياء، وإزاره العظمة، وتاجه الجلال، وحلته الجمال، ولا ينازعه فيما يدبره من الشرائع، ويظهره من المعارف، ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره. ﴿لهم مغفرة﴾ أي : عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم، ﴿وأجر﴾ أي : من فضل الله تعالى ﴿كبير﴾ يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد الإيلام، ويصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام.

الملك 67:13

﴿وأسروا﴾ أي : أيها الخلائق ﴿قولكم﴾ أي : خيراً كان أو شراً ﴿أو اجهروا به﴾ فإنه يعلمه ويجازيكم به، اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني : إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره، أو جهرتم به فسواء، ﴿إنه﴾ أي : ربكم ﴿عليم﴾ أي : بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي : بحقيقتها وكنهها، وحالها وجبلتها، وما يحدث عنها من الخير والشر، وقال ابن عباس :«نزلت في المشركين كانوا ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم، فيخبره جبريل عليه السلام، فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد ». فأسروا قولكم أو اجهروا به يعني : وأسروا قولكم في محمد صلى الله عليه وسلم، وقال غيره : إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أيّ سبيل وجد، فالحال واحد في علمه تعالى، فاحذروا من المعاصي سراً، كما تحذرون عنها جهراً، فإنّ ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى.

الملك 67:14

ولما قال تعالى :﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ ذكر الدليل على أنه عالم فقال تعالى :﴿ألا يعلم من خلق﴾ أي : من خلق لا بدّ وأن يكون عالماً بما خلقه، لأن الخلق هو الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء لابد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق كيفية وكمية. والمعنى : ألا يعلم السر من خلق السر، يقول : أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد. قال أهل المعاني : إن شئت جعلته من أسماء الخالق تعالى، ويكون المعنى : ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته من أسماء المخلوق والمعنى : ألا يعلم الله من خلقه، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بما خلقه وما يخلقه. قال ابن المسيب : بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عصفت الريح، فوقع في نفس الرجل أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق، فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم، ألا يعلم من خلق ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه هو ﴿اللطيف﴾ الذي يعلم ما بثه في القلوب، ﴿الخبير﴾ أي : البالغ العلم بالظواهر والبواطن، فكيف يخفى عليه شيء من الأشياء. وقال أبو إسحاق الاسفرايني : من أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها العليم، ومعناه تعميم جميع المعلومات، ومنها الحكيم، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف، ومنها الشهيد، ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه : أن لا يغيب عنه شيء، ومنها الحافظ، ويختص بأنه لا ينسى شيئاً، ومنها المحصي، ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم، مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق، وقد قال :﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.

الملك 67:15

ولما كان هذا أمراً غامضاً دل عليه بأمر مشاهد أبدعه بلطفه، وأتقنه بخبره، فقال مستأنفاً :﴿هو﴾ أي : وحده ﴿الذي جعل لكم الأرض﴾ على سعتها وعظمتها وحزونة كثير منها ﴿ذلولاً﴾ أي : مسخرة لا تمتنع لتتوصلوا إلى منافعكم فيها، قابلة للانقياد لما تريدون منها، من مشي وزرع حبوب وغرس أشجار وغير ذلك، وقيل : ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها، ولو كانت متمايلة لما كانت منقادة لنا، وقيل : لو كانت مثل الذهب والحديد لكانت تسخن جداً في الصيف، وتبرد جداً في الشتاء. تنبيه : في ذكر هذه الآية بعد الآية المتقدمة تهديد للكفرة، كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سراً : يا فلان أنا أعرف سرك وعلانيتك، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها لك، وكل هذا الخبز الذي هيأته لك، ولا تأمن مكري وتأديبي، فكأنه تعالى يقول : يا أيها الكفار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم، فخافوني، فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم، ولو شئت خسفت بكم. وقوله تعالى :﴿فامشوا﴾، أي : الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم، من غير صعوبة توجب لكم وثوباً أو حبواً. ﴿في مناكبها﴾ مثل لفرط التذلل ومجاوزته الغاية، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك شيئاً، وهذا أمر إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل : خبر بلفظ الأمر، أي : لكي تمشوا في أطرافها ونواحيها، وآكامها وجبالها، وقال ابن عباس وبشير بن كعب وقتادة : في مناكبها في جبالها، وتذليلها أدل على تذليل غيرها، وليكن مشيكم فيها وتصرفاتكم بذل وإخبات وسكون، استصغاراً لأنفسكم، وشكراً لمن سخر لكم ذلك، وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية فقال لها : إن أخبرتني ما مناكب الأرض فأنت حرة، فقالت : مناكبها جبالها، فقال لها : صرت حرة، فأراد أن يتزوجها فسأل أبا الدرداء فقال :«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وقال مجاهد : في أطرافها، وعنه أيضاً في طرقها وفجاجها، وهو قول السدي والحسن، وقال الكلبي : في جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه. فائدة : حكى قتادة عن أبي الخلدان : الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، للسودان اثنا عشر ألف، وللروم ثمانية آلاف، وللفرس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف. ثم ذكرهم تعالى بأنه سهلها لإخراج البركات بقوله تعالى :﴿وكلوا﴾ ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله تعالى :﴿من رزقه﴾ الذي أودعه لكم فيها، قال الحسن : مما أحل لكم، وقيل : مما خلقه الله لكم رزقاً في الأرض ﴿وإليه﴾ أي : وحده ﴿النشور﴾ وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها، يخرجها سبحانه في الوقت الذي يريده، على ما كان كل منها عليه عند الموت، كما أخرج تلك الأرزاق، لا فرق بين هذا وذاك، غير أنكم لا تتأملون، فيا فوز من شكر ويا هلاك من كفر، فعوّدوا أنفسكم بالخيرات لعلها تنقاد كما قيل : هي النفس ما عودتها تتعود ***

الملك 67:16

ولما كان لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار، قال تعالى مهدداً للمكذبين :﴿أأمنتم﴾ قرأ قنبل في الوصل بإبدال الهمزة بعد راء النشور واواً، وسهل الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه، وحققها الباقون، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال، وقوله تعالى :﴿من في السماء﴾ فيه وجوه : أحدها : من ملكوته في السماء، لأنها مسكن ملائكته، وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها ينزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. والثاني : أن ذلك على حذف مضاف، أي : أأمنتم خالق من في السماء. والثالث : أن في بمعنى على، أي : على السماء، كقوله :﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] أي : على جذوع النخل، وإنما احتاج القائل بهذين الوجهين إلى ذلك، لأنه اعتقد أن من واقعة على الباري تعالى شأنه، وهو الظاهر، وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك، فإن من هنا المراد بها الملائكة سكان السماء، وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة. والرابع : أنهم خوطبوا بذلك على اعتقادهم، فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة، وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب نازلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم :﴿أأمنتم من في السماء﴾ أي : من تزعمون أنه في السماء. قال الرازي : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها بإجماع المسلمين، لأنّ ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب، فيكون أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش وهو باطل بالاتفاق، ولأنه تعالى قال :﴿قل لمن ما في السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٢] فلو كان فيها لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى : إما من في السماء عذابه، وإما إن ذلك بحسب ما كانت العرب تعتقده، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى :﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ [الأنعام: ٣] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة في مكانين، والغرض من ذكر السماء، تفخيم سلطان الله سبحانه وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريل عليه السلام. وقوله تعالى :﴿أن يخسف بكم الأرض﴾ بدل من ﴿من في السماء﴾ بدل اشتمال، وقال القرطبي : يحتمل أن يكون المعنى : أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون، وقرأ :﴿من في السماء أن﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد الكسرة ياء في الوصل والباقون بتحقيقهما ﴿فإذا هي﴾ أي : الأرض التي أنتم عليها ﴿تمور﴾ أي : تضطرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء، وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه، قال في «القاموس » : المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك، وقال الرازي : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها يذهبون، والأرض فوقهم تمور فتقلبهم إلى أسفل السافلين. وقال القرطبي : قال المحققون : أأمنتم من فوق السماء كقوله تعالى :﴿فسيحوا في الأرض﴾ [التوبة: ٢]، أي : فوقها لا بالمماسة والتحيز، بل بالقهر والتدبير، والأخبار في هذا صحيحة كثيرة، منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوّ والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله تعالى الكعبة قبلة للصلاة، ولأنه تعالى خلق الأمكنة وهو غير متحيز، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان.

الملك 67:17

وقوله تعالى :﴿أم أمنتم﴾ أي : أيها المكذبون ﴿من في السماء أن يرسل﴾ بدل من ﴿من في السماء﴾ بدل اشتمال. ﴿عليكم﴾ أي : من السماء ﴿حاصباً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل : ريح فيها حجارة وحصباء، كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها، وقيل : هي سحاب فيها حجارة ﴿فستعلمون﴾ أي : عن قريب بوعد لا يخلف عند معاينة العذاب، ﴿كيف نذير﴾ أي : إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب، وهو بحيث لا يستطاع، ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع. قال البقاعي : وحذف الياء منه ومن نكير، إشارة إلى أنه وإن كان خارجاً عن الطوق ليس منتهى مقدوره، بل لديه مزيد لا غاية له بوجه ولا تحديد، أي : على قراءة أكثر القراء، فقد قرأ ورش بالياء في الوصل فيهما دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً.

الملك 67:18

﴿ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير﴾ أي : إنكاري عليهم لما أصبتهم به من العذاب.

الملك 67:19

ولما ذكر تعالى ما تقدم من الوعيد، ذكر البرهان على كمال قدرته بقوله تعالى :﴿أو لم يروا﴾ أجمع القراء على القراءة بالغيب، لأن السياق للرد على المكذبين، بخلاف ما في النحل. وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال تعالى :﴿إلى الطير﴾ وهو جمع طائر ﴿فوقهم﴾ أي : في الهواء، وقوله تعالى :﴿صافات﴾ أي : باسطات أجنحتهن، يجوز أن يكون حالاً من الطير، وأن يكون حالاً من فوقهم، إذا جعلناه حالاً فتكون متداخلة. وفوقهم ظرف لصافات على الأول أو ليروا. وقوله تعالى :﴿ويقبضن﴾ عطفه الفعل على الاسم لأنه بمعناه، أي : وقابضات، فالفعل هنا مؤول بالاسم، عكس قوله تعالى :﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا﴾ [الحديد: ١٨] فإن الاسم هناك مؤول بالفعل، وقال أبو حيان : وعطف الفعل على الاسم، لما كان في معناه، ومثله قوله تعالى :﴿فالمغيرات صبحاً ٣ فأثرن﴾ [ العاديات، الآيات : ٣ ٤ ] عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى : فاللاتي أغرن فأثرن، ومثل هذا العطف فصيح وكذا عكسه، إلا عند السهيلي فإنه قبيح، وقال الزمخشري :﴿صافات﴾ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ؛ لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً ﴿ويقبضن﴾ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. فإن قلت : لم قال :﴿ويقبضن﴾ ولم يقل قابضات ؟ قلت : لأن أصل الطيران هو صف الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط، للاستظهار به على التحرك. فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، كما يكون من السابح. اه. وقال أبو جعفر النحاس : يقال للطائر إذا بسط جناحيه : صاف، وإذا ضمهما فأصابا جنبيه : قابض، لأنه يقبضهما. وقيل : ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها، إذا أوقفن عن الطيران. ﴿ما يمسكهن﴾ أي : عن الوقوع في حال البسط والقبض ﴿إلا الرحمن﴾ أي : الملك الذي رحمته عامة لكل شيء، بأن هيأهن بعد أن أفاض عليهن رحمة الإيجاد، على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة، هيأهن للجري في الهواء. ﴿إنه﴾ أي : الرحمن سبحانه ﴿بكل شيء بصير﴾ أي : بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها، فمهما أراد كان. والمعنى : أولم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء، على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب.

الملك 67:20

وقوله تعالى :﴿أمن﴾ مبتدأ، وقوله تعالى :﴿هذا﴾ خبره، وقوله تعالى :﴿الذي﴾ بدل من هذا، وقوله تعالى :﴿هو جند﴾ أي : أعوان ﴿لكم﴾ صلة الذي، وقوله تعالى :﴿ينصركم﴾ صفة جند ﴿من دون الرحمن﴾ أي : غيره يدفع عنكم عذابه، أي : لا ناصر لكم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : جندٌ لكم، أي : حزب ومنعة لكم، ولفظ الجند يوحد، ولذلك قال تعالى :﴿هذا الذي هو جند لكم﴾ وهو استفهام إنكاري، أي : لا جند لكم يدفع عنكم عذاب الله من دون الرحمن، أي : من سوى الرحمن. وقرأ أبو عمرو بسكون الراء، وللدوري اختلاس الضمة أيضاً، والباقون بالرفع. ﴿إن الكافرون﴾ أي : ما الكافرون ﴿إلا في غرور﴾ أي : من الشيطان يغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب. قال بعض المفسرين : كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون النبي صلى الله عليه وسلم، معتمدين على شيئين : أحدهما : قوتهم بمالهم وعددهم، والثاني : اعتقادهم أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات، فأبطل الله تعالى عليهم الأول بقوله تعالى :﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم﴾ الآية، ورد عليهم الثاني بقوله تعالى :﴿أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور﴾.

الملك 67:21

﴿أمن هذا الذي يرزقكم﴾ أي : على سبيل التجدد والاستمرار ﴿إن أمسك رزقه﴾ بإمساك الأسباب التي ينشأ عنها كالمطر، ولو كان الرزق موجوداً وكثيراً وسهل التناول، فوضع الأكل في فمه فأمسك الله تعالى عنه قوة الازدراد، عجز أهل السماوات والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي : فمن يرزقكم، أي : لا رازق لكم غيره، ﴿بل لجوا﴾ أي : تمادوا سفاهة لا احتياطاً وشجاعة. قال الرازي في «اللوامع » : واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه، ﴿في عتوّ﴾ أي : مظروفين لعناد وتكبر عن الحق، وخروج إلى فاحش الفساد. ﴿ونفور﴾ أي : تباعد عن الحق، واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم، مع أنه لا قوة لأحد منهم في جلب سارّ ولا دفع ضارّ، والداعي إلى ذلك الشهوة والغضب.

الملك 67:22

﴿أفمن يمشي مكباً﴾ أي : واقعاً ﴿على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً﴾ أي : معتدلاً ﴿على صراط﴾ أي : طريق ﴿مستقيم﴾ وخبر من الثانية محذوف دل عليه خبر الأولى، أي : أهدى، والمثل في المؤمن والكافر، أي : أيهما أهدى، وقيل : المراد بالمكب الأعمى، فإنه يتعسف فينكب وبالسوي البصير. وقيل : المكب هو الذي يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي سوياً : الذي يحشر على قدميه إلى الجنة، وقال ابن عباس والكلبي رضي الله عنهم : عنى بالذي يمشي مكباً على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سوياً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل : أبو بكر، وقيل : حمزة، وقيل : عمار بن ياسر، قال عكرمة : وقيل : عامٌّ في الكافر والمؤمن، أي : أن الكافر لا يدري أعلى حق هو أم على باطل، أي : أهذا الكافر أهدى أم المسلم الذي يمشي سوياً معتدلاً، يبصر الطريق وهو على صراط مستقيم، وهو الإسلام. وقرأ قنبل بالسين وقرأ خلف بالإشمام، أي : بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد الخالصة.

الملك 67:23

﴿قل﴾ أي : يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم، مذكراً لهم بما رفع عنهم الملك من المفسدات وجمع لهم من المصلحات ليرجعوا إليه، ولا يعولوا في حال من أحوالهم إلا عليه. ﴿هو﴾ أي : الذي شرفكم بهذا الذكر وبين لكم هذا البيان، ﴿الذي أنشأكم﴾ أي : أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية، حيث طوركم في الأطوار المختلفة في الرحم، ويسر لكم بعد الخروج اللبن حيث كانت المعدة ضعيفة عن أكثف منه ﴿وجعل لكم السمع﴾ أي : لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم، ووحده لقلة التفاوت فيه، ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة، مع أنه أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها ﴿والأبصار﴾ لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا عما يرديكم ﴿والأفئدة﴾ أي : القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك، لما لا يدركه بقية الحيوان، لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم، وجمعهما لكثرة التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفئدة. ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ أي : باستعمالها فيما خلقت لأجله، وما مزيدة والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جداً على هذه النعم، وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم في العرفان.

الملك 67:24

﴿قل هو﴾ أي : وحده ﴿الذي ذرأكم﴾ أي : خلقكم وبثكم، ونشركم وكثركم، وأنشأكم بعدما كنتم كالذر أطفالاً ضعفاء، ﴿في الأرض﴾ التي تقدم أنه ذللها لكم، ورزقكم منها النبات وغيره، ﴿وإليه﴾ أي : وحده بعد موتكم، ﴿تحشرون﴾ شيئاً فشيئاً إلى البرزخ، ودفعة واحدة يوم البعث للحساب، فيجازى كلاً بعمله.

الملك 67:25

﴿ويقولون﴾ أي : يجددون هذا القول تجديداً مستمرا، ً استهزاء وتكذيباً ﴿متى هذا﴾ وزادوا في الاستهزاء بقولهم ﴿الوعد﴾ أي : يوم القيامة والعذاب الذي توعدوننا به ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي : في أنه لابدّ لنا منه، وأنكم مقربون عند الله، فلو كان لهم ثبات الصبر، لما كانوا طاشوا هذا الطيش، بإبراز هذا القول القبيح.

الملك 67:26

ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله عز وجل :﴿قل﴾ أي : يا أكرم الخلق لهؤلاء البعداء ﴿إنما العلم﴾ أي : علم وقت قيام الساعة ونزول العذاب ﴿عند الله﴾ أي : الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال، فهو الذي يكون عنده وبيده جميع ما يراد منه، لا يطلع عليه غيره. ﴿وإنما أنا نذير﴾ أي : كامل في أمر النذارة التي يلزم منه البشارة لمن أطاع النذير، لا وظيفة لي عند الملك الأعظم غير ذلك، فلا وصول إلى سؤاله عما لا يؤذن لي في السؤال عنه. ﴿مبين﴾ أي : بين الإنذار بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهدة لمن له قبول العلم.

الملك 67:27

﴿فلما رأوه﴾ أي : العذاب بعد الحشر ﴿زلفة﴾ أي : ذا قرب عظيم منهم ﴿سيئت﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : اسودّت ﴿وجوه﴾ وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، فقال تعالى :﴿الذين كفروا﴾ أي : أظهروا السوء وغاية الكراهة في وجوه من أوقع هذا الوصف. تنبيه : الأصل ساء، أي : أحزن وجوههم العذاب ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة لبئس. وأشم كسرة السين نافع وابن عامر والكسائي والباقون بإخلاص الكسرة. وقيل : أي : قال لهم الخزنة تقريعاً وتوبيخاً ﴿هذا الذي كنتم﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿به﴾ أي : بسببه ومن أجله ﴿تدّعون﴾ أي : تتمنون وتسألون وتزعمون أنكم لا تبعثون، وهذه حكاية حال تأتي، عبر عنها بطريق المضي لتحقق وقوعها، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف، والباقون بكسرها.

الملك 67:28

﴿قل﴾ أي : يا أكرم الخلق لهؤلاء الذين طال تضجرهم منك وهم يتمنون هلاكك، كما قال تعالى :﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾ [الطور: ٣٠] ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني خبراً أنتم في الوثوق به على ما هو كالرؤية ﴿إن أهلكني الله﴾ أي : أماتني بعذاب أو غيره، الذي له من الجلال والإكرام ما يعصم به وليه ويقصم عدوه. وقرأ : قل أرأيتم في الموضعين، نافع بتسهيل الهمزة بعد الواو، ولورش أيضاً إبدالها ألفاً، وأسقطها الكسائي والباقون بالتحقيق، وإذا وقف حمزة سهل الهمزة، وقرأ :﴿إن أهلكني الله﴾ حمزة بسكون الياء والباقون بفتحها، ومن سكن الياء رقق اللام من الاسم الجليل، ومن فتحها فخم. ﴿ومن معي﴾ أي : من المؤمنين ﴿أو رحمنا﴾ أي : بالنصر وإظهار الإسلام كما نرجو، فأنجانا بذلك من كل سوء، ووقانا كل محذور، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص بفتح الياء، والباقون بالسكون. ﴿فمن يجير الكافرين﴾ أي : العريقين في الكفر، بأن يدفع عنهم ما يدفع الجار عن جاره، ﴿من عذاب أليم﴾ أي : لا مجير لهم منه.

الملك 67:29

﴿قل﴾ أي : يا خير الخلق ﴿هو﴾ أي : الله وحده ﴿الرحمن﴾ أي : الشامل الرحمة ﴿آمنا به﴾ أي : أنا ومن معي ﴿وعليه﴾ أي : وحده ﴿توكلنا﴾ أي : لأنه لا شيء في يد غيره، وإلا لرحم من يريد عذابه أو عذب من يريد رحمته، فكل ما جرى على أيدي خلقه من رحمة أو نقمة، فهو الذي أجراه، لأنه الفاعل بالذات المستجمع لما يليق به من الصفات، فنحن نرجو خيره ولا نخاف غيره. ﴿فستعلمون﴾ أي عند معاينة العذاب عما قليل، بوعد لا خلف فيه ﴿من هو في ضلال مبين﴾ أي : بين أنحن أم أنتم، وقرأ الكسائي بعد السين بياء الغيبة، نظراً إلى قول الكافرين، والباقون بتاء الخطاب إما على الوعيد، وإما على الالتفات من الغيبة المرادة في قراءة الكسائي، وهو تهديد لهم.

الملك 67:30

﴿قل﴾ أي : يا أعظم خلقنا وأعلمهم بنا ﴿أرأيتم﴾ أي : أخبروني إخباراً لا لبس فيه ﴿إن أصبح ماؤكم﴾ أي : الذي تعدّونه في أيديكم بما نبهت عليه الإضافة ﴿غوراً﴾ أي : غائراً ذاهباً في الأرض لا تناله الدلاء، وكان ماؤهم من بئرين : بئر زمزم وبئر ميمون ﴿فمن يأتيكم﴾ على ضعفكم حينئذ، وانخلاع قلوبكم واضطراب أفكاركم ﴿بماء معين﴾، أي : دائم لا ينقطع، وظاهر للأعين سهل المأخذ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بماء معين أي : ظاهر تراه العيون، فهو مفعول. وقيل : هو من معن الماء، أي : كثر، فهو على هذا فعيل، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن المعنى : فمن يأتيكم بماء عذب، أي : لا يأتيكم به إلا اللهن فكيف تنكرون أن يبعثكم ؟ ! ويستحب أن يقول القارئ عقب معين : الله رب العالمين، كما في الحديث. وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال : تأتي به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينيه وعمي، نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته.

القلم 68:1

وقوله تعالى :﴿ن﴾ كقوله تعالى :﴿ص والقرآن﴾ [ص: ١] وجواب القسم الجملة المنفية بعدها. واختلفوا في تفسير ذلك، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الحوت الذي على ظهره الأرض وهو قول مجاهد ومقاتل والسدّي والكلبي، وروى أبو طيبان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :«أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس :﴿ن﴾ الآية ». واختلفوا في اسمه فقال الكلبي ومقاتل : يهموت، وقال الواقدي : ليوثا، وقال كعب : لوثا، وقال علي : تلهوت، وقال الرواة : لما خلق الله تعالى الأرض وفتقها، بعث من تحت العرش ملكاً فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين حتى ضبطها، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله عز وجل من الفردوس ثوراً له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه، فأخذ الله تعالى ياقوتة خضراء من أعلى درجة الفردوس غلظها خمسمائة عام، ووضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفساً، فإذا تنفس يمتد البحر وإذا ردّ نفسه جزر البحر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سموات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه : فتكن في صخرة. ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نوناً وهو الحوت العظيم ووضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة ثقل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال لها الجبار : كوني فكانت. قال كعب الأحبار : إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض، فوسوس إليه فقال له : أتدري ما على ظهرك يا لويثا من الأمم والدواب والشجر والجبال، لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهمّ لويثا أن يفعل فبعث الله تعالى دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه، فعج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن الله تعالى لها فخرجت، فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همّ بشيء من ذلك عادت إليه كما كانت. وقال بعضهم : نون آخر حروف الرحمن وهي رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الحسن وقتادة والضحاك : النون : الدواة، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال القرطبي : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة ». ومنه قول الشاعر : إذا ما الشوق برح بي إليهم؍ ألقت النون بالدمع السجام؍ ويكون على هذا أقسم بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابة، فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق وتارة بالكتابة، وقيل : النون : لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً، وقيل : النون : هو المداد الذي تكتب به الملائكة. وقال عطاء وأبو العالية : هو افتتاح اسمه تعالى نصير ونور وناصر. وقال محمد بن كعب : أقسم الله تعالى بنصرة المؤمنين. وقال الزمخشري : هذا الحرف من حروف المعجم، وأما قولهم : هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي أم شرعي ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوين، وإن كان علماً فأين الإعراب وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام. فإن قلت : هو مقسم به وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل : ودواة ﴿والقلم﴾ وإن كان علماً أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعملية والتأنيث. وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً لليهموت الذي يزعمون والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنة نحو ذلك ا. ه. تنبيه : في القلم المقسم به قولان : أحدهما : أن المراد به الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى :﴿وربك الأكرم ٣ الذي علم بالقلم ٤ علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [ العلق : ٣ ٥ ] ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق، قال تعالى :﴿خلق الإنسان ٣ علمه البيان﴾ [ الرحمن : ٣ ٤ ]، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر، والثاني : أنه القلم الذي جاء في الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما : أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال له : اكتب، قال : ما أكتب ؟ قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال : ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. وروى مجاهد أول ما خلق الله تعالى القلم فقال : اكتب المقدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري في الناس على أمر قد فرغ منه، قال ابن عادل : قال القاضي : هذا الخبر يجب حمله على المجاز، لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة لا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى، فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد منه إنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو قوله تعالى :﴿إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٤٧] فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، اه. وقوله : فإن الجمع إلى قوله : محال، ممنوع فإن الله تعالى خلق فيه ذلك كما قال تعالى للسموات والأرض :﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] وقال الزمخشري : أقسم بالقلم تعظيماً له لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيطها الوصف. وقيل : القلم المذكور هاهنا هو العقل وإنه شيء كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا : والدليل عليه أنه روي في الأخبار : أول ما خلق الله تعالى القلم، وفي خبر آخر :«أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال الجبار : ما خلقت خلقاً أعجب إليَّ منك وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت، قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس عقلاً أطوعهم لله وأعلمهم بطاعته ». وفي خبر آخر : أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وسخنت فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السماوات ومن الزبد الأرض، قالوا : وهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات، شيء واحد، وإلا حصل التناقض. وقال البغوي : القلم هو الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، ويقال : أول ما خلق الله تعالى القلم ونظر إليه فانشق نصفين ثم قال : اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. وقرأ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة وورش بخلاف عنه بإظهار النون عند الواو هنا والباقون بالإدغام. ﴿وما يسطرون﴾ أي : الملائكة من الخير والصلاح، وقيل : وما تكتبه الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم، وقيل : ما يكتبون، أي : الناس ويتفاهمون به، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى ﴿وما يسطرون﴾ : وما يعملون، وما موصولة أو مصدرية. قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في يسطرون لهم، كأنه قيل : وأصحاب القلم ومسطوراتهم أو وسطرهم، ويراد بهم كل من يسطر أو الحفظة، وقال البقاعي : وما يسطرون، أي : قلم القدرة وجمعه وأجراه مجرى أولي العلم للتعظيم، لأنه فعل أفعالهم، أو الأقلام على إرادة الجنس، ويجوز أن يكون الإسناد إلى الكاتبين به لما دل عليهم من ذكره، وإما الملائكة إن كان المراد ما كتب في الكتاب المبين واللوح المحفوظ وغيره مما يكتبونه، وإما كل من يكتب منهم ومن غيرهم.

القلم 68:2

وقوله تعالى :﴿ما أنت﴾ أي : يا أعلى المتأهلين لخطابنا ﴿بنعمة﴾ أي : بسبب إنعام ﴿ربك﴾ أي : المربي لك بمثل تلك الهمم العالية والسجايا الكاملة، بأن خصك بالقرآن الذي هو الجامع لكل علم وحكمة ﴿بمجنون﴾ جواب القسم، وهو نفي، قال الزجاج : أنت هو اسم ما وبمجنون الخبر. وقوله تعالى :﴿بنعمة ربك﴾ كلام وقع في الوسط، أي : انتفى ذلك الجنون بنعمة ربك، كما يقال : أنت بحمد ربك عاقل بل الذي وصفك بهذا هو الحقيق باسم الجنون، وقال البغوي : ما أنت بنعمة ربك بنبوة ربك بمجنون، أي : إنك لا تكون مجنوناً وقد أنعم الله تعالى عليك بالنبوة والحكمة، وقيل : بعصمة ربك، وقيل : هو كما يقال : ما أنت بمجنون والحمد لله، وقيل : معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربك، كقولهم : سبحانك اللهمّ وبحمدك، أي : والحمد لك. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما :«أنه صلى الله عليه وسلم غاب عن خديجة إلى حراء فطلبته فلم تجده، فإذا به ووجهه متغير امتلأ غباراً، فقالت له : ما لك، فذكر جبريل عليه السلام وأنه قال له :﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] فهو أول ما نزل من القرآن قال : ثم نزل بي إلى قرار الأرض، فتوضأ وتوضأت ثم صلى وصليت معه ركعتين، وقال : هكذا الصلاة يا محمد، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لخديجة فذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها، وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية، فسألته فقال : أرسلي إلي محمداً فأرسلته، فقال : هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو أحداً، قال : لا فقال : والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم. ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا : إنه مجنون، وأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آيات من أول هذه السورة. وقال ابن عباس : أول ما نزل قوله تعالى :«سبح اسم ربك الأعلى » [الأعلى: ١] وهذه الآية هي الثانية نقله الرازي، وذكر القرطبي أن المشركين كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم مجنون به شيطان، وهو قولهم :﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ [الحجر: ٦] فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لقولهم :﴿فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ [الطور: ٢٩]، أي : برحمة ربك والنعمة هاهنا الرحمة، وقال عطاء وابن عباس : يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة، وقال القرطبي : يحتمل أن النعمة هاهنا قسم، تقديره ما أنت ونعمة ربك بمجنون، لأن الواو والباء من حروف القسم. وقال الرازي : إنه تعالى وصفه بصفات ثلاث : الأولى : نفي الجنون عنه، ثم قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، لأن قوله :﴿بنعمة ربك﴾ يدل على أن نعم الله تعالى ظاهرة في حقه، من الفصاحة التامة والعقل الكامل، والسيرة المرضية والبراءة من كل عيب والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم المحسوسة ظاهرة ووجودها ينافي حصول الجنون، فالله تعالى نبه على أن هذه الدقيقة جارية مجرى الدلالة اليقينية على كذبهم في قولهم : مجنون.

القلم 68:3

الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿وإنّ لك﴾ أي : على ما تحملت من أثقال النبوة وعلى صبرك عليهم فيما يرمونك به وهو تسلية له صلى الله عليه وسلم ﴿لأجرا﴾، أي : ثواباً ﴿غير ممنون﴾ أي : مقطوع ولا منقوص في دنيا ولا آخرة، يقال : مان الشيء إذا ضعف. ويقال : مننت الحبل إذا قطعته، وحبل منين إذا كان غير متين، قال لبيد : غبساً كواسب لا يمنّ طعامها *** أي : لا يقطع، يصف كلاباً ضارية. ونظيره قوله تعالى :﴿غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] وقال مجاهد ومقاتل والكلبي : غير ممنون، أي : غير محسوب عليك. قال الزمخشري : لأنه ثواب تستحقه على عملك وليس بتفضل ابتداء، وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال، انتهى. وهذا قول المعتزلة، فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء. وقال الحسن : غير مكدر بالمن. وقال الضحاك رضي الله تعالى عنه : أجراً بغير عمل. واختلفوا في هذا الأجر على أي شيء حصل، فقيل : معناه ما مرّ وقيل : معناه أنّ لك على احتمال هذا الطعن والقول القبيح أجراً عظيماً دائماً، وقيل : إن لك في إظهار النبوة والمعجزات، وفي دعاء الخلق إلى الله تعالى، وفي بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم، فلا تمنعنك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم، فإن لك بسببه المنزلة العالية.

القلم 68:4

الصفة الثالثة : قوله تعالى :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ استعظم خلقه لفرط احتمال الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم، قال ابن عباس ومجاهد : على دين عظيم من الأديان ليس دين أحب إلى الله تعالى، ولا أرضى عنده منه، وروى مسلم عن عائشة :«أنّ خُلقه كان القرآن ». وقال علي : هو أدب القرآن، وقيل : رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من الله وينتهي عنه بما نهى الله تعالى عنه، وقيل : إنك على طبع كريم، وقيل : هو الخلق الذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى :﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال الماوردي : حقيقة الخلق في اللغة ما يأخذه الإنسان في نفسه من الأدب، سمي خلقاً لأنه يصير كالخلقة فيه، فأما ما طبع عليه من الأدب فهو الخيم، فيكون الخلق الطبع المتكلف والخيم الطبع الغريزي. قال القرطبي : ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة أصح الأقوال، وسئلت أيضاً عن خلقه صلى الله عليه وسلم «فقرأت ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ إلى عشر آيات ». قال الرازي : وهذا إشارة إلى أن نفسه القدسية الشريفة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب، وإلى كل ما يتعلق به وكانت شديدة التعري عن اللذات البدنية والسعادات الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة وقالت :«ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك، ولذلك قال الله تعالى :﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر ». وقال الجنيد : سمي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال ». وعن أبي إسحاق قال : سمعت البراء يقول :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس خلقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ». وعن أنس بن مالك قال :«خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته : لم صنعته، ولا لشيء تركته : لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خزاً قط ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكاً ولا عنبراً كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول : خياركم أحسنكم أخلاقاً ». وعن أنس «أن امرأة عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة، فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال : يا أم فلان اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك قال : ففعلت فقعد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قضيت حاجتها ». وعن أنس بن مالك قال :«كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت ». وعن أنس أيضاً :«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح رجلاً لم ينزع يده حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه ولم ير مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له ». وعن عائشة قالت :«ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، ولا ضرب خادماً ولا امرأة ». وعنها قالت :«ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم ». وعن أنس قال :«كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال : مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك وأمر له بعطاء ». وعنه قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير وهو فطيم، كان إذا جاءنا قال : يا أبا عمير ما فعل النغير لنغير كان يلعب به ». والنغير طائر صغير يشبه العصفور إلا أنه أحمر المنقار. وعن الأسود قال :«سألت عائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في بيته ؟ قالت : كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة توضأ ويخرج إلى الصلاة ». والمهنة : الخدمة، وعن عبد الله بن الحرث قال :«ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أم الدرداء تحدث عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء ». وعن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : أتدرون أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : فإن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان الفرج والفم، أتدرون أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : فإن أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ». وعن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن المؤمن يدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار ».

القلم 68:5

﴿فستبصر﴾ أي : فستعلم عن قرب بوعد لا خلف فيه علماً أنت في تحققه كالمبصر بالحس الباصر ﴿ويبصرون﴾ أي : يعلم الذين رموك بالبهتان علماً هو كذلك.

القلم 68:6

وقوله تعالى :﴿بأييكم المفتون﴾ فيه أربعة أوجه : أحدها : أن الباء مزيدة في المبتدأ، والتقدير : أيكم المفتون، فزيدت كزيادتها في نحو : بحسبك زيد، وإلى هذا ذهب قتادة، قال ابن عادل : إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في حسبك فقط. الثاني : أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك : زيد بالبصرة، أي : فيها، والمعنى : في أي فرقة وطائفة منكم المفتون، أي : المجنون أفي فرقة الإسلام، أم في فرقة الكفر ؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء. الثالث : أنه على حذف مضاف، أي : بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وإليه ذهب الأخفش وتكون الباء سببية. الرابع : أن المفتون مصدر جاء على مفعول كالمقتول والميسور، والتقدير : بأيكم الفتنة، وقيل : المفتون المعذب من قول العرب : فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، قال تعالى :﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ [الذاريات: ١٣]، أي : يعذبون، وقيل : الشيطان لأنه مفتون في دينه وكانوا يقولون : إنه به شيطان وعنوا بالمجنون هذا، فقال تعالى : سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. فائدة :﴿بأييكم﴾ رسمت هاهنا بياءين.

القلم 68:7

﴿إن ربك﴾ أي : الذي رباك أحسن تربية وفضلك على سائر الخلائق ﴿هو﴾ أي : وحده ﴿أعلم﴾ أي : من كل أحد ﴿بمن ضلّ﴾ أي : حاد ﴿عن سبيله﴾ أي : دينه وسلك غير سبيل القصد وأخطأ موضع الرشد ﴿وهو﴾ أي : وحده ﴿أعلم بالمهتدين﴾ أي : الثابتين على الهدى، وهم أولوا الأحلام والنهى، أي : لذو علم بمعنى عالم. تنبيه : قوله تعالى :﴿وهو أعلم﴾ ﴿وهو مكظوم﴾ ﴿وهو مذموم﴾ قرأه قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بضمها.

القلم 68:8

وقوله تعالى :﴿فلا تطع المكذبين﴾ أي : العريقين في التكذيب وهم مشركو مكة، فإنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم، ينتج التصميم على معاداتهم.

القلم 68:9

﴿ودّوا﴾ أي : تمنوا وأحبوا محبة واسعة متجاوزة للحدّ قديماً مع الاستمرار على ذلك ﴿لو﴾ مصدرية ﴿تدهن فيدهنون﴾ قال الضحاك : لو تكفر فيكفرون. وقال الكلبي : لو تلين لهم فيلينون لك. وقال الحسن : لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وقال زيد بن أسلم : لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. وقال ابن قتيبة : أرادوا أن يعبد آلهتهم مدّة ويعبدون الله مدة. وقال ابن العربي : ذكر المفسرون في ذلك نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة، والمعنى وأمثلها : ودّوا لو تكذب فيكذبون، ودّوا لو تكفر فيكفرون. وقال القرطبي : كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى. تنبيه : في رفع فيدهنون وجهان : أحدهما : أنه عطف على تدهن فيكون داخلاً في حيّز لو، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر، أي : فهم يدهنون. وقال الزمخشري : فإن قلت لم رفع فيدهنون ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني، قلت : قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي : فهم يدهنون، كقوله تعالى :﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً﴾ [الجن: ١٣] على معنى : ودّوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ أو ودّوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك.

القلم 68:10

واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى :﴿ولا تطع كل حلاف﴾، أي : كثير الحلف بالباطل فقال مقاتل : يعني الوليد بن المغيرة، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالاً وحلف له أن يعطيه إن رجع عن دينه، وقال ابن عباس : هو أبو جهل بن هشام. وقال عطاء : هو الأخنس بن شريق ؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمة زنيماً، وقال مجاهد : هو الأسود بن عبد يغوث. ﴿مهين﴾، أي : ضعيف حقير. قيل : هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز. وقال ابن عباس : كذاب وهو قريب من الأول، لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه. وقال الحسن وقتادة : هو المكار في الشر، وقال الكلبي : المهين العاجز.

القلم 68:11

﴿هماز﴾ أي : كثير العيب للناس في غيبتهم. وقال الحسن : هو الذي يغمز بأخيه في المجلس. وقال ابن زيد : الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللماز باللسان. وقيل : الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في غيبتهم وقال مقاتل : بالعكس، وقال مرّة : هما سواء، ونحوه عن ابن عباس وقتادة. ﴿مشاء﴾ أي : كثير المشي ﴿بنميم﴾ أي : فتان يلقي النميمة بين الناس ليفسد بينهم فينقل ما قاله الإنسان في آخر، وإذاعة سر لا يريد صاحبه إظهاره على وجه إفساد البين، مبالغ في ذلك.

القلم 68:12

﴿مناع﴾ أي : كثير المنع شديده ﴿للخير﴾ أي : كل خير من المال والإيمان وغيرهما من نفسه وغيره من الدين والدنيا، وقال ابن عباس : مناع للخير، أي : الإسلام يمنع ولده وعشيرته من الإسلام، وكان له عشرة من الولد، يقول : لئن دخل أحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً. ﴿معتد﴾ أي : ثابت التجاوز للحدود في كل ذلك، ﴿أثيم﴾ أي : مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ الخبائث، يرغب في المعاصي ويتطلبها ويدع الطاعات ويزهد فيها.

القلم 68:13

﴿عتلّ﴾ العتلّ : الغليظ الجافي. وقال الحسن : هو الفاحش الخلق السيئ الخلق. وقال الفراء : هو الشديد الخصومة في الباطل. وقال الكلبي : هو الشديد في كفره، وكل شديد عند العرب عتلّ، وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف، وقال أبو عبيدة بن عمير : العتل : الأكول الشروب القوي الشديد الذي لا يزن في الميزان شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفاً دفعة واحدة. ﴿بعد ذلك﴾ أي : مع ذلك، يريد مع ما وصفناه به. ﴿زنيم﴾ وهو الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، وقال عطاء عن ابن عباس : يريد مع هذا، هو دعي في قريش، وقال مرّة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشر سنة، وقيل : الزنيم الذي له زنمة كزنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : في هذه الآية نعت، فلم يعرف حتى قيل : زنيم فعرف، وكانت زنمة في عنقه يعرف بها. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال مجاهد : زنيم كانت له ستة أصابع في يده، في كل إبهام له إصبع زائدة، وقال ابن قتيبة : لا نعلم أن الله تعالى وصف أحداً ولا ذكر من عيوبه، ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة. وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف، لو يقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ». وفي رواية :«كل جواظ زنيم متكبر ». الجواظ : الجموع المنوع، وقيل : الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل : القصير البطين، وقال عكرمة : هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم، وكان الوليد دعياً في قريش، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، قال الشاعر فيه : زنيم ليس يعرف من أبوه؍ بغي الأمّ ذو حسب لئيم؍ قيل : بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولده ولا ولد ولده ». وقال عبد الله بن عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة في صور القردة والخنازير ». ولعل المراد به الدخول مع السابقين، وإلا فمن مات مسلماً دخل الجنة، وقالت ميمونة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :«لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشى فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذابه ». وقال عكرمة : إذا كثر ولد الزنا قحط المطر. قال القرطبي : ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدنّ أحد تحت برمة ألا لا يزجين أحد بكراع، ألا من أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً وأكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً وقيل : مناع للخير، وفيه نزل ﴿وويل للمشركين ٦ الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [ فصلت : ٦ ٧ ].

القلم 68:14

ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضاً فانياً وظلاً متقلصاً زائلاً، لا يفتخر به ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف، فإذا كان ذلك أكبر همه ومبلغ علمه، أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد، قال الله تعالى :﴿أن﴾ أي : لأجل أن ﴿كان﴾ أي : هذا الموصوف ﴿ذا مال﴾ أي : مذكور بالكثرة ﴿وبنين﴾ أنعمنا عليه بهما، فصار يطاع لأجلهما، فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما.

القلم 68:15

﴿إذا تتلى﴾ أي : تذكر على سبيل المتابعة ﴿عليه﴾ ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له ﴿آياتنا﴾ أي : العلامات الدالة دلالة هي في غاية الظهور على الملك الأعلى، وعلى ماله من صفات العظمة، ﴿قال﴾ أي : مفاجأة من غير تأمل ولا توقف عوضاً عن شكرنا ﴿أساطير﴾ جمع سطور جمع سطر ﴿الأولين﴾ أي : أشياء سطروها ودونوها وفرغوا منها، فحمله دنيء طبعه على تكثره بالمال، فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه، فجعل الكفر موضع الشكر، ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من سمعه، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر، فكان هذا دليلاً على جميع تلك الصفات السابقة، مع التعليل بالاستناد إلى ما هو عند العاقل أوهى من بيت العنكبوت، والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة. وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة بهمزتين مفتوحتين وابن عامر يسهل الثانية، وشعبة وحمزة بتحقيقهما، وهشام على أصله يدخل بينهما ألفاً، والباقون بهمزة واحدة مفتوحة. قال القرطبي : فمن قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين، فهو استفهام، والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على ﴿زنيم﴾ ويبتدئ ﴿أن كان﴾ على معنى ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه ؟ ويجوز أن يكون التقدير : ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الأولين، ويجوز أن يكون التقدير : ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر ؟ ودل عليه ما تقدم من الكلام، فصار كالمذكور بعد الاستفهام، ومن قرأ أن كان بغير استفهام فهو مفعول من أجله، والعامل فيه فعل مضمر، والتقدير : يكفر لأن كان ذا مال وبنين، ودل على هذا الفعل ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ ولا يعمل في إذا تتلى ولا قال، لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها ؛ لأن إذا تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف. وقال : جواب الجزاء ولا يعمل فيما قبل الجزاء، إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط، فيصير مقدماً مؤخراً في حال واحد. ويجوز أن يكون المعنى : لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد. قال ابن الأنباري : ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على زنيم، لأن المعنى : لأن كان ذا مال كان، فأن متعلقة بما قبلها. وقال غيره : يجوز أن تتعلق بقوله تعالى :﴿مشاء بنميم﴾ والتقدير : يمشي بنميم لإن كان ذا مال وبنين، وأجاز أبو علي أن تتعلق بعتل. ومعنى ﴿أساطير الأولين﴾ أباطيلهم وترهاتهم.

القلم 68:16

﴿سنسمه﴾ أي : نجعل له سمة، أي : علامة يعرف بها ﴿على الخرطوم﴾ أي : الأنف يعير بها ما عاش، قال ابن عباس : سنسمه سنخطمه بالسيف، قال : وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوماً إلى أن مات، والتعبير عن الأنف بهذا للاستهانة والاستخفاف. وقال قتادة : سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها. وقال الكسائي : سنكويه على وجهه وقال أبو العالية ومجاهد : سنسمه على الخرطوم، أي : على أنفه ونسوّد وجهه في الآخرة فيعرف بسواد وجهه قال تعالى :﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ [آل عمران: ١٠٦] فهي علامة ظاهرة ﴿ونحشر المجرمين يومئذ زرقا﴾ [طه: ١٠٢] وهذه علامة أخرى ظاهرة. وأفادت هذه الآية علامة ثالثة : وهي الوسم على الأنف بالنار، وهذا كقوله تعالى :﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١] قال القرطبي : والخرطوم الأنف من الإنسان، ومن السباع موضع الشفة، وخراطيم القوم ساداتهم. قال الفراء : وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنه في معنى الوجه، لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل. وقال القرطبي : بين أمره تبياناً واضحاً فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخراطيم، وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة، ولا شك أن المبالغة العظيمة في ذمه بقيت على وجه الدهر، ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغ منه، فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة كالوسم على الخرطوم. وقيل : ما ابتلاه الله تعالى به في الدنيا في نفسه وأهله وماله من سوء وذل وصغار. وقال النضر بن شميل : المعنى : سنحده على شرب الخمر، والخرطوم الخمر وجمعه خراطيم. قال : الرازي كالزمخشري وهذا تعسف اه. وقيل للخمر : الخرطوم كما قيل لها : السلافة، وهي ما سلف من عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم. تنبيه : الأنف أكرم موضع في الوجه لتقديمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة، وقالوا : الأنف في الأنف وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل : جدع أنفه ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذلال، فكيف بها على أكرم موضع منه ؟ ولقد وسم العباس أباعره في وجوهها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكرموا الوجوه، فوسمها في جواعرها ».

القلم 68:17

ولما ذكر تعالى في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال، وختم هنا بعيب من يغتر بالمال والبنين، وهو يعلم أن الموت وراءه، أعاد ذكر الابتلاء وأكده بقوله تعالى :﴿إنا﴾ أي : بما لنا من القهر والعظمة ﴿بلوناهم﴾ أي : عاملنا أهل مكة بما وسعنا عليهم به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، فغرّهم ذلك وظنوا أنهم أحباب، ومن قترنا عليهم من أوليائنا أعداء، واستهانوا بهم ونسبوهم لأجل تقللهم من الدنيا إلى السفة والجنون، وكان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي دعا عليهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكلوا الجيف، ﴿كما بلونا﴾ أي : اختبرنا ﴿أصحاب الجنة﴾ بأن عاملناهم معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر. وحاصله : أنه استخراج ما في البواطن ليعلمه العباد في عالم الشهادة، كما يعلم الخالق في عالم الغيب، أو أنه كناية عن الجزاء، وعرف الجنة لأنها كانت شهيرة عندهم، وهي بستان عظيم كان دون صنعاء بفرسخين يقال له : الضروان، يطؤه أهل الطريق، كان صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام، ويترك لهم ما أخطأ المنجل، أو ألقته الريح، أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة، وكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات شح بنوه بذلك وقالوا : إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر، ونحن ذوو عيال، فحلفوا على أن يجذوها قبل الشمس، حتى لا تأتي الفقراء إلا بعد فراغهم، وذلك معنى قوله تعالى :﴿إذ﴾ أي : حين ﴿أقسموا﴾ ودل على تأكيد القسم بالتأكيد فقال :﴿ليصرمنها﴾ عبر به عن الجذاذ، لدلالته على القطع البائن المستأصل المانع للفقراء، من الصريم الذي يعرض على فم الجدي لئلا يرضع، أو من الصرماء للمفازة التي لا ماء بها، والناقة القليلة اللبن. ﴿مصبحين﴾ داخلين في أول وقت الصباح، لئلا تشعر بهم المساكين فلا يعطوهم منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها.

القلم 68:18

﴿ولا﴾ أي : والحال أنهم لا ﴿يستثنون﴾ في يمينهم، أي : ولا يقولون : إن شاء الله. فإن قيل : لم سمي استثناء وإنما هو شرط ؟ أجيب : بأنه سمي استثناء، لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولاً، وكان الأصل فيه إلا أن يشاء الله، فألحق به إن شاء الله، لرجوعه إليه في اتحاد الحكم.

القلم 68:19

﴿فطاف﴾ أي : فتسبب عن فعلهم هذا أن طاف ﴿عليها﴾ أي : جنتهم ﴿طائف﴾ أي : عذاب مهلك محيط وهو نار أحرقتها ليلاً لم تدع منها شيئاً، والطائف غلب في الشر. وقال الفراء : هو الأمر الذي يأتي ليلاً ورد عليه بقوله :﴿إذا مسهم طائف من الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠١] وذلك لا يختص بليل ولا نهار، وقوله تعالى :﴿من ربك﴾ يجوز أن يتعلق بطاف وأن يتعلق بمحذوف صفة لطائف ﴿وهم﴾ أي : والحال أن أصحاب الجنة المقسمين ﴿نائمون﴾ وقت إرسال الطائف.

القلم 68:20

﴿فأصبحت﴾ أي : فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ينام على مال من لا يزال أسير العجز والنوم فعلاً أو قوة ﴿كالصريم﴾ أي : كالأشجار التي صرم عنها ثمرها، أو كالليل المظلم الأسود لأنه يقال : الصريم لسواده والصريم أيضاً النهار، وقيل : الصبح لأنه انصرم من الليل، قاله الأخفش. وهو من الأضداد. وقيل : كالرماد الأسود ليس بها ثمرة بلغة خزيمة، قاله ابن عباس، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئاً لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق لضدّ ما كان لأبيهم من ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله. قال القرطبي : والآية دليل على أنّ العزم مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم ونظيره قوله تعالى :﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه » وهذا محمول على العزم المصمم، أما ما كان يخطر بالبال من غير عزم فلا يؤاخذ به.

القلم 68:21

﴿فتنادوا مصبحين﴾ أي : في حال أول دخولهم في الإصباح.

القلم 68:22

وقوله تعالى :﴿أن اغدوا﴾، أي : بكروا جداً مقبلين ومستولين وقادرين، ويجوز أن تكون أن المفسرة لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول ﴿على حرثكم﴾، أي : محل فائدتكم الذي أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم، قال مقاتل : لما أصبحوا قال بعضهم لبعض : اغدوا على حرثكم يعني بالحرث الثمار والزروع والأعناب، ولذلك قال : صارمين لأنهم أرادوا قلع الثمار من الأشجار. قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قال : اغدوا إلى حرثكم وما معنى على ؟ قلت : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول : غدا عليهم العدو. قال الزمخشري : ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال، أي : فأقبلوا على حرثكم. ﴿إن كنتم صارمين﴾ أي : مريدين القطع، وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي : فاغدوا، ويجوز أن تكون أن المصدرية، أي : تنادوا بهذا الكلام. تنبيه : مقتضى كلام الزمخشري أن غدا متعدّ في الأصل بإلى فاحتاج إلى تأويل فقدره بعلى، قال ابن عادل : وفيه نظر لورود تعديه بعلى في غير موضع كقوله : وقد أغدوا على ثبة كرامٍ؍ نشاوى واجدين لما نشاء؍ وإذا كانوا قد عدوا مرادفه بعلى فليعدوه، وقرأ : أن اغدوا أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر النون والباقون بضمها واتفقوا على الابتداء بالهمزة بالضم.

القلم 68:23

﴿فانطلقوا﴾ أي : فتسبب عن هذا الحث عقبه كأنهم كانوا متهيئين ﴿وهم﴾ أي : والحال أنهم ﴿يتخافتون﴾ أي : يقولون في حال انطلاقهم قولاً هو في غاية السر، كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في غاية الحراسة من الخفوت وهو الهمود وخفا وخفت وخفد ثلاثتها في معنى الكتم، ومنه الخفدود للخفاش.

القلم 68:24

ثم فسر ما يتخافتون به بقوله تعالى :﴿أن لا يدخلنها﴾ وأن لا هاهنا مقطوعة كما ترى، وأكدوه لأنه لا يصدق أن أحداً يصل إلى هذه الوقاحة وأن جذاذاً يخلو من سائل ﴿اليوم﴾ أي : في جميع النهار بما دل عليه نزع الخافض لتكروا عليه مراراً وتفتشوه فلا تدعوا به ثمرة واحدة ولا موضعاً يطمع فيه أحد في قصدكم ﴿عليكم﴾ وأنتم بها ﴿مسكين﴾ وهي نهي للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهى أنفسهم أن لا يدعوه يدخل عليهم، أي : لا يمكنوه من الدخول حتى يدخل كقولك : لا أرينك هاهنا، فقال لهم أوسطهم سناً وخيرهم نفساً وأعدلهم طبعاً بما يدل عليه ما يأتي : لا تقولوا هكذا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم، قال البقاعي : وكأنه طواه سبحانه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئاً.

القلم 68:25

﴿وغدوا﴾ أي : ساروا إليها غدوة ﴿على حرد﴾ أي : منع للمساكين. قال أبو عبيدة : على حرد، أي : منع من حاردت الإبل حراداً، أي : قل لبنها، والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السنة قل مطرها وخيرها. وقال الشعبي وسفيان : على حنق وغضب من المساكين، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : على قدرة ﴿قادرين﴾ عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينهم وبينها أحد، أي : بدليل عدم استثنائهم، فإن الجزم على الفعل في المستقبل فضلاً عن أن يكون مع الحلف فعل من لا كفء له. وقال الحسن وقتادة : على جد وجهد. وقال القرطبي وعكرمة : على أمر مجتمع.

القلم 68:26

ودل على قربها من منزلتهم بالفاء فقال تعالى :﴿فلما رأوها﴾ أي : بعد سير يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر ﴿قالوا إنا لضالون﴾ عن طريق جنتنا لأنها صارت لسوء حالها من ذلك الطائف بعيدة عن حال ما كانت عليه عند تواعدهم وتغيير نياتهم، فأدهشهم منظرها وحيرهم خبرها، وأكدوا لأن ضلالهم لا يصدق مع قرب عهدهم وكثرة ملابستهم لها وقوة معرفتهم بها.

القلم 68:27

ولما انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال ﴿بل نحن محرومون﴾ أي : ثابت حرماننا ما كنا فيه من الخير الذي لم نغب عنه إلا سواد الليل، فحرمنا الله تعالى إياه بما عزمنا عليه من حرمان المساكين ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١] وقرأ الكسائي بإدغام اللام في النون والباقون بالإظهار.

القلم 68:28

﴿قال : أوسطهم﴾ أي : رأياً وعقلاً وسناً وفضلاً منكراً عليهم ﴿ألم أقل لكم﴾ أي : ما فعلتموه لا ينبغي وإن الله تعالى بالمرصاد لمن غير ما في نفسه وحاد ﴿لولا﴾ أي : هلا ولم لا ﴿تسبحون﴾ أي : تستثنون، فكان استثناؤهم تسبيحاً، قال مجاهد وغيره : وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان يأمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه. قال أبو صالح : كان استثناؤهم سبحان الله، فقال لهم : هلا تسبحون الله، أي : تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقال النحاس : أصل التسبيح التنزيه للّه عز وجل، فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء الله لأن المعنى : تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقال الرازي : التسبيح عبارة عن تنزيهه عن كل سوء، فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله تعالى لنسب النقص إلى قدرة الله تعالى، فقولك : إن شاء الله يزيل هذا النقص فكان ذلك تسبيحاً، وقيل : المعنى هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث نيتكم، قيل : إن القوم لما عزموا على منع الزكاة فاغتروا بالمال والقوة، قال لهم أوسطهم : توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا العذاب ذكرهم أوسطهم كلامه الأول وقال :﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ فحينئذ اشتغلوا بالتوبة بأن.

القلم 68:29

﴿قالوا﴾ أي : من غير تلعثم بما عاد عليهم من بركة أبيهم ﴿سبحان ربنا﴾ أي : تنزه المحسن إلينا التنزيه الأعظم أن يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم، وأكدوا قباحة فعلهم هضماً لأنفسهم وخضوعاً لربهم وتحقيقاً لتوبتهم بقولهم :﴿إنا كنا﴾ أي : بما في جبلاتنا من الفساد ﴿ظالمين﴾ أي : مجاوزين الحدود فيما فعلنا من التقاسم على منع المساكين وعلى جذها في الصباح من غير استثناء.

القلم 68:30

﴿فأقبل بعضهم﴾ أي : في الحال مبادرة في الخضوع ﴿على بعض يتلاومون﴾ أي : يلوم بعضهم بعضاً يقول هذا لهذا : أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذلك لهذا : أنت الذي خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث لغيره : أنت رغبتني في جمع المال.

القلم 68:31

ثم نادوا على أنفسهم بالويل بأن ﴿قالوا﴾ منادين لما شغلهم قربه منهم وملازمته لهم عن كل شيء ﴿يا ويلنا﴾ أي : هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ومنادمتك لنا، فإنه لا نديم لنا الآن غيرك، والويل الهلاك والإشراف عليه ﴿إنا كنا﴾ أي : جبلة وطبعاً ﴿طاغين﴾ أي : عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. وقال ابن كيسان : طاغين نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل.

القلم 68:32

ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا ﴿عسى ربنا﴾ أي : الذي أحسن إلينا بتربية هذه الجنة وإهلاك ثمرها الآن تأديباً لنا ﴿أن يبدلنا﴾ من جنتنا شيئاً ﴿خيراً منها﴾ يقيم لنا أمر معايشنا فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة بسرور ولذاذة، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال والباقون بسكون الموحدة وتخفيف الدال ﴿إنا إلى ربنا﴾ أي : المحسن إلينا والمربي لنا بالإيجاد، ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره ﴿راغبون﴾ أي : ثابتة رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام. وقد قيل : إن الله تعالى قبل رجوعهم وأخلف عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان، كان القطف الواحد منها يحمله وحده من كبره البغل، رواه البغوي عن ابن مسعود، وقال أبو خالد اليماني : دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم، وقال الحسن : قول أهل الجنة ﴿إنا إلى ربنا راغبون﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم أو على حدّ ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة فتوقف في كونهم مؤمنين، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ قال : لقد كلفتني تعباً، والأكثرون يقولون : إنهم تابوا وأخلصوا حكاه القشيري.

القلم 68:33

ولما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله تعالى ولم يجلهم بجلاله طوى ذكر ما أنعم به عليهم وذكر ما يخوفهم، فقال تعالى مرهباً :﴿كذلك﴾ أي : مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كان عند أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان لفعلهم والاستصواب، وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب. ﴿العذاب﴾ أي : الذي نحذرهم منه ونخوفهم به في الدنيا، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت ﴿ولعذاب الآخرة﴾ أي : الذي يكون فيها للعصاة ﴿أكبر﴾ أي : من كل ما يتوهمون ﴿لو كانوا﴾ أي : الكفار ﴿يعلمون﴾ أي : لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات لرجعوا عما هم فيه.

القلم 68:34

ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات ذكر تعالى أضدادهم، فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم : ﴿إن للمتقين﴾ أي : العريقين في صفة التقوى ﴿عند ربهم﴾ أي : المحسن إليهم في موضع دوم أولئك وجنة آمالهم ﴿جنات﴾ جمع جنة وهي لغة : البستان الجامع، وفي عرف الشرع : مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى عنه جميع الشرور ﴿النعيم﴾ أي : جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا.

القلم 68:35

قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بدّ وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه : ﴿أفنجعل المسلمين﴾ أي : الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلباً لمرضاتنا، فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم ﴿كالمجرمين﴾ أي : الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون بمثل هذا، ففي ذلك إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا يقولون أيضاً : إن صح أننا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالاً منهم كما نحن عليه في الدنيا.

القلم 68:36

وقوله تعالى :﴿ما لكم﴾ أي : أيّ شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب ﴿كيف تحكمون﴾ أي : أيّ عقل دعاكم إلى هذا الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء مع التفاوت، فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر عن اختلال فكر واعوجاج رأي.

القلم 68:37

﴿أم﴾ أي : بل الله ﴿لكم كتاب﴾ أي : سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم ﴿فيه﴾ أي : لا في غيره من أساطير الأولين ﴿تدرسون﴾ أي : تقرؤون قراءة أيقنتكم.

القلم 68:38

﴿إن لكم﴾ أي : خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه ﴿لما تخيرون﴾ أي : ما تختارونه وتشتهونه، وكسرت وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما بعدها هو المدروس، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية.

القلم 68:39

﴿أم لكم أيمان﴾ أي : عهود ومواثيق ﴿علينا﴾ قد حملتمونا إياها ﴿بالغة﴾ أي : واثقة لأيمان، وقوله تعالى :﴿إلى يوم القيامة﴾ متعلق بما تعلق به لكم من الاستقرار، أي : ثابتة لكم إلى يوم القيامة، أي : مبالغة، أي : تبلغ إلى ذلك اليوم وتنتهي إليه. وقوله تعالى :﴿إن لكم لما تحكمون﴾ جواب القسم لأن معنى ﴿أم لكم أيمان علينا﴾ أي : أقسمنا لكم.

القلم 68:40

ولما عجب منهم وتهكم بهم ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف فقال تعالى :﴿سلهم﴾ يا أشرف الرسل ﴿أيهم بذلك﴾ أي : الأمر العظيم الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين ﴿زعيم﴾ أي : كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو باطل التزم في ادعائه صحة ذلك.

القلم 68:41

﴿أم لهم شركاء﴾ موافقون لهم في هذا القول يكفلونه لهم فإن كانوا كذلك ﴿فليأتوا بشركائهم﴾ أي : الكافلين لهم به ﴿إن كانوا صادقين﴾ أي : عريقين في هذا الوصف كما يدعونه.

القلم 68:42

وقوله تعالى :﴿يوم﴾ منصوب بقوله تعالى :﴿فليأتوا﴾ أي : فليأتوا بشركائهم يوم ﴿يكشف﴾ أي : يحصل الكشف فيه، بني للمفعول لأن المخيف وقوع الكشف الذي هو كناية عن تفاقم الأمر وخروجه عن حدّ الطوق لا كونه من معين، مع أنه من المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه وتعالى ﴿عن ساق﴾ أي : يشتدّ فيه الأمر غاية الاشتداد، لأنّ من اشتدّ عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه لأجله وشمرت حرمه عن سوقهنّ غير محتشمات فهو كناية عن هذا، ولذلك نكره تهويلاً له وتعظيماً، نقل هذا التأويل عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما، وعن انكشاف جميع الخلائق وظهور الجلائل فيه والدقائق من الأهوال وغيرها، كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه، فتركت السامع لها في مثل ضوء النهار، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار : اذكر فيكون على هذا مفعولاً به وعلى الأول لا يوقف على صادقين. تنبيه : علم مما تقرر أن كشف الساق كناية عن الشدة، قال الراجز : عجبت من نفسي ومن إشفاقها؍ ومن طرادي الطير عن أرزاقها؍ في سنة قد كشفت عن ساقها؍ حمراء تبرى اللحم عن عراقها؍ وقال : الطائي : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها؍ وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا؍ وقال : آخر : قد شمرت عن ساقها فشدوا؍ وجدّت الحرب بكم فجدّوا؍ وقال أبو عبيدة : إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل : كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه : أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة، وقال القرطبي : وأما ما روي أن الله تعالى يكشف عن ساقه، فإنه تعالى متعال عن الأعضاء والأبعاض وأن ينكشف ويتغطى، ومعناه : أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل : يكشف عن نوره عز وجل، وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :﴿عن ساق﴾ قال :«يكشف عن نور عظيم يخرون له سجداً » وروى أبو بردة عن أبي موسى قال : حدثني أبو موسى قال :«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم : ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون : إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره قال : أو تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم فيقال : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون الله تعالى فيخرون له سجداً، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى :﴿يوم يكشف عن ساق﴾ ». ﴿ويدعون﴾ أي : من داعي الملك الديان ﴿إلى السجود﴾ توبيخاً على تركه الآن وتنديماً وتعنيفاً لا تعبداً وتكليفاً، فيريدونه ليفدوا أنفسهم مما يرون من المخاوف ﴿فلا﴾ أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا ﴿يستطيعون﴾ لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم فيقول الله تعالى أي : للساجدين : عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار، قال أبو بردة : فحدثت هذا الحديث عبر بن عمر العزيز، فقال لي : والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث، فحلف له ثلاثة أيمان فقال : ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا الحديث، وأما غير الساجدين فعن ابن مسعود تعقم أصلابهم، أي : ترد عظامها بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض، وفي الحديث وتبقى أصلابهم طبقاً واحداً، أي : فقارة واحدة.

القلم 68:43

وقوله تعالى :﴿خاشعة﴾ حال من مرفوع يدعون وقوله تعالى :﴿أبصارهم﴾ فاعل به ونسب الخشوع للأبصار، لأنّ ما في القلب يعرف في العين وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم من السجود ووجوههم أضوأ من الشمس، ووجوه الكافرين والمنافقين سود مظلمة. ﴿ترهقهم﴾ أي : تغشاهم ﴿ذلة﴾ أي : عظمية لأنهم استعملوا الأعضاء التي أعطاهموها الله سبحانه ليتقرّبوا بها إليه في دار العمل في غير طاعته ﴿وقد﴾ أي : والحال أنهم قد ﴿كانوا يدعون إلى السجود﴾ أي : في الدنيا من كل داع يدعو إلينا، وقال إبراهيم التيمي : أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون. وقوله تعالى :﴿وهم سالمون﴾ أي : معافون أصحاء، حال من مرفوع يدعون الثانية. وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون، وقال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات.

القلم 68:44

ولما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف بما عنده وفي قدرته فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿فذرني﴾ أي : اتركني على أيّ حالة اتفقت ﴿ومن يكذب﴾ أي : يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على أيّ حالة كان إيقاعه، وأفرد الضمير نصاً على تهديد كل واحد من المكذبين ﴿بهذا الحديث﴾ أي : القرآن، أي : خل بيني وبينهم لا تشغل قلبك به، فإني أكفيك أمره لأنه لا مانع منه فلا تهتم به أصلاً. ﴿سنستدرجهم﴾ أي : سنأخذهم بعظمتنا على التدريج لا على غرّة إلى عذاب لا شك فيه ﴿من حيث﴾ أي : من جهات ﴿لا يعلمون﴾ أي : لا يتجدد لهم علم ما في وقت من الأوقات فعذبوا يوم بدر، وقال أبو روق : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار. وقال سفيان الثوري : نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر، وقال الحسن : كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه، وقال ابن عباس : سنمكر بهم، وروي أن رجلاً من بني إسرائيل قال : يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له : كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر أن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو عقلت، والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرج، ومنه قيل : درجات وهي منزلة بعد منزلة واستدرج فلان فلاناً، أي : استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال : درجه إلى كذا واستدرجه معناه : أدناه منه على التدريج فتدرج. ومعنى الآية : إنا لما أنعمنا عليهم اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة والواقع سبب لهلاكهم.

القلم 68:45

﴿وأملي لهم﴾ أي : أمهلهم وأطيل المدة كقوله تعالى :﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] والملاوة المدة من الدهر وأملى الله له، أي : أطال له، والملوان الليل والنهار. وقيل : لا أعاجلهم بالموت. والمعنى واحد، والملا مقصوراً الأرض الواسعة سميت بها لامتدادها ﴿إن كيدي﴾ أي : ستري لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان ﴿متين﴾ أي : قويّ شديد فلا يفوتني أحد، وسمي إحسانه كيداً كما سماه استدارجاً لكونه في صورة الكيد، ووصفه بالمتانة لقوة أثر استحسانه في التسبب للهلاك.

القلم 68:46

﴿أم تسألهم﴾ أي : أنت يا أعف الخلق وأعلاهم همماً ﴿أجراً﴾ على تبليغ الرسالة ﴿فهم﴾ أي : فتسبب عن ذلك وتعقب أنهم ﴿من مغرم﴾ أي : غرامة كلفتهم بها ﴿مثقلون﴾ أي : ثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال فثبطهم ذلك عن الإيمان. والمعنى : ليس عليهم كلفة في متابعتك بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم.

القلم 68:47

﴿أم عندهم﴾ أي : خاصة ﴿الغيب﴾ أي : علمه عن اللوح المحفوظ أو غيره ﴿فهم﴾ أي : بسبب ذلك ﴿يكتبون﴾ أي : ما يريدون منه ليكونوا قد أطلعوا على أن هذا الذكر ليس من عند الله، أو أنهم لا درك عليهم في التكذيب به فقد علم من هذا أنهم لا شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة، وإنما كيدهم مجرد خبث طباع وظلمة نفوس وأماني فارغة وأطماع.

القلم 68:48

﴿فاصبر﴾ أي : أوقع الصبر وأوجده على كل ما يقولونه فيك وعلى غير ذلك من كل ما يقع منهم ومن غيرهم من ممر القضاء ﴿لحكم ربك﴾ أي : القضاء الذي قضاه وقدره المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ألزمك من البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومدّ لهم على ذلك في الأجل، وأسبغ عليهم النعم وأخر ما وعدك به من النصر. وقال ابن بحر : فاصبر لنصر ربك، وقيل : إن ذلك منسوخ بآية السيف. وقال قتادة : إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر ولا يعجل. ﴿ولا تكن﴾ أي : ولا يكن حالك يا أشرف الخلق في الضجر والعجلة ﴿كصاحب﴾ أي : كحال صاحب ﴿الحوت﴾ وهو يونس عليه السلام. وقوله تعالى :﴿إذ﴾ منصوب بمضاف محذوف، أي : ولا يكن حالك كحاله أو قصتك حين ﴿نادى﴾ أي : ربه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة وظلمة اللجج ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبّ عليها النهي إنما ينصب على أحوالها وصفاتها، وقوله تعالى :﴿وهو مكظوم﴾ جملة حالية من الضمير من نادى والمكظوم الممتلئ حزناً أو غيظاً، ومنه كظم السقاء إذا ملأه، قال ذو الرمة : وأنت من حب ميّ مضمر حزناً؍ غالي الفؤاد قريح القلب مكظوم؍ وقال القرطبي : ومعنى وهو مكظوم، أي : مملوء غماً. وقيل : كرباً فالأول قول ابن عباس ومجاهد، والثاني : قول عطاء وأبي مالك. قال الماوردي : والفرق بينهما أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس. وقيل : مكظوم : محبوس، والكظم : الحبس. ومنه قولهم : كظم غيظه، أي : حبس غضبه. والمعنى : لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة فتبلى ببلائه.

القلم 68:49

ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال تعالى :﴿لولا أن تداركه﴾ أي : أدركه إدراكاً عظيماً ﴿نعمة﴾ أي : عظيمة جداً. تنبيه : حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. ﴿من ربه﴾ أي : الذي أحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه والرحمة. وقال الضحاك : النعمة هنا النبوة، وقال ابن جبير : عبادته التي سلفت، وقال ابن زيد : نداؤه بقوله : ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، وقال ابن بحر : إخراجه من بطن الحوت. وقوله تعالى :﴿لنبذ﴾ أي : لولا هذه الحالة السنية التي أنعم الله تعالى عليه بها لطرح طرحاً هيناً جداً ﴿بالعراء﴾ أي : الأرض القفراء الواسعة التي لا بناء فيها ولا جبال ولا نبات، البعيدة عن الأنس جواب لولا. وقيل : جوابها مقدر، أي : لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿مذموم﴾ أي : ملوم على الذنب. وقيل : مبعد من كل خير. وقال الرازي : وهو مذموم على كونه فاعلاً للذنب، قال : والجواب من ثلاثة أوجه : الأول : إن كلمة لولا دالة على أن هذه المذمومية لم تحصل. الثاني : لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

القلم 68:50

الثالث : لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله تعالى :﴿فاجتباه﴾ أي : اختاره لرسالته ﴿ربه﴾ والفاء للتعقيب، قيل : إن هذه الآية نزلت بأحد حين حلّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا، وقيل : حين أراد أن يدعو على ثقيف. ثم سبب عن اجتبائه قوله تعالى :﴿فجعله من الصالحين﴾ أي : الذين رسخوا في رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة، وصلح بهم غيرهم فنبذ حينئذ بالعراء وهو محمود. قال ابن عباس : ردّ الله تعالى إليه الوحي وشفعه في نفسه وفي قومه وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون بسبب صبره، فمن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجراً من أجره وأنت كذلك فأنت أشرف العالمين. تنبيه : استدل أهل السنة على أن فعل العبد خلق لله تعالى بقوله سبحانه :﴿فجعله من الصالحين﴾ لأن الصلاح إنما حصل بجعل الله تعالى وخلقه، وقال الجبائي : يحتمل أن يكون معنى جعل أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني، والجواب : أن ذلك مجاز والأصل في الكلام الحقيقة.

القلم 68:51

﴿وإن﴾ هي المخففة، أي : وإنه ﴿يكاد الذين كفروا﴾ أي : ستروا ما قدروا عليه مما جئت به من الدلائل، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف. ولما كانت إن مخففة أتى باللام التي هي عَلَمها فقال :﴿ليزلقونك بأبصارهم﴾ أي : ينظرون إليك نظراً شديداً يكاد أن يصرعك من قامتك إلى الأرض كما يزلق الإنسان فينطرح لما يتراءى في عيونهم، أو يهلكونك من قولهم : نظر إلي نظراً يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أي : لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعل قال القائل : يتقارضون إذا التقوا في موطن؍ نظرا يزل مواطئ الأقدام؍ وقيل : أرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا : ما رأينا مثله ولا مثل حجمه، وقيل : كانت العين في بني إسرائيل فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول : لم أر كاليوم مثله إلا عانه حتى أن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها، ثم يقول : يا جارية خذي المكتل والدرهم، فائتينا من لحم هذه الناقة فما تبرح الناقة حتى تقع للموت فتنحر. وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم، فيقول : لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه فلا تذهب إلا قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد : قد كان قومك يحسبونك سيدا؍ وأخال أنك سيد معيون؍ فعصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية، وذكر الماوردي أن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً بعين في نفسه أو ماله يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول : تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكبر منه ولا أحسن، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى أبو نعيم أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ». وعن أسماء بنت عميس قالت : يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم قال :«نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين ». وقال الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية، وقرأ نافع بفتح الياء والباقون بضمها وهما لغتان يقال : زلقه يزلقه زلقاً، وأزلقه يزلقه إزلاقاً. وقال ابن قتيبة : ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك. ﴿لما سمعوا الذكر﴾ أي : القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، وقال الزجاج : يعني من شدة عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك ﴿ويقولون﴾ أي : قولاً لا يزالون يجددونه حسداً وبغضاً على أنهم لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقاً ﴿إنه لمجنون﴾ أي : ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن.

القلم 68:52

فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه :﴿وما هو﴾ أي : القرآن ﴿إلا ذكر للعالمين﴾ قال ابن عباس : موعظة للمؤمنين، قال الجلال المحلي : الإنس والجن، وظاهره : إخراج الملائكة، وهو ما جرى عليه في شرحه على جمع الجوامع، وظاهر الآية : أنه أرسل لجميع الخلائق، وهو كما قال بعض المتأخرين : الظاهر، ويدل له قول البيضاوي لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ذكر عام لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلاً وأثبتهم رأياً.

الحاقة 69:1

وقوله تعالى :﴿الحاقة﴾ مبتدأ.

الحاقة 69:2

وقوله تعالى :﴿ما الحاقة﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر الأول، والأصل الحاقة ما هي، أي : أي شيء هي تفخيماً لشأنها وتعظيماً لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه أهول لها. والحاقة الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ريب فيها، أو التي فيها حواق الأمور من البعث والحساب والثواب والعقاب، أو التي تحق فيها الأمور، أي : تعرف على الحقيقة من قولك : لا أحق هذا، أي : لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل : سميت القيامة بذلك لأنها أحقت لأقوام الجنة ولأقوام النار.

الحاقة 69:3

وقوله تعالى :﴿وما أدراك﴾ أي : أيّ شيء أعلمك ﴿ما الحاقة﴾ زيادة تعظيم لشأنها، فما الأولى مبتدأ وما بعدها خبره، وما الثانية خبرها في محل المفعول الثاني لأدري يعني : إنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها على أنه من العظم والشدة بحيث لا تبلغه دراية أحد ولا وهمه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالقيامة ولكن لا علم له بكنهها وصفتها، فقيل له ذلك تفخيماً لشأنها، كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيى بن سلام : بلغني أن كل شيء في القرآن ﴿وما أدراك﴾ فقد دراه وعلمه، وكل شيء قال :﴿وما يدريك﴾ فإنه مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة : كل شيء قال فيه :﴿وما أدراك﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه :﴿وما يدريك﴾ فإنه لم يخبر به، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح.

الحاقة 69:4

ولما ذكر الساعة وفخمها أتبع ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تذكيراً لأهل مكة وتخويفاً لهم من عاقبة تكذيبهم فقال تعالى :﴿كذبت ثمود﴾ قدمهم لأن بلادهم أقرب إلى قريش وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في الصورة المبعثرة لما في القبور﴿وعاد بالقارعة﴾ أي : القيامة سميت بذلك لأنها تقرع قلوب العباد بالمحاقة أو لأنها تقرع الناس بأهوالها يقال : أصابتهم قوارع الدهر، أي : أهواله وشدائده. وقوارع القرآن : الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فزع من الإنس أو الجن نحو : آية الكرسي، كأنه يقرع الشيطان بها. وقال المبرَّد : القارعة مأخوذة من القرعة من رفع قوم وحط آخرين وقوارع القيامة انفطار السماء بانشقاقها، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار، ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع في الحاقة زيادة في وصف شدتها، وقيل : عنى بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في الدنيا، وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. وثمود قوم صالح وكانت منازلهم بالحجر فيما بين الشام والحجاز، قال ابن إسحاق : وهو وادي القرى وكانوا عرباً، وأما عاد فقوم هود وكانت منازلهم بالأحقاف رمل بين عمان إلى حضرموت واليمن كله وكانوا عرباً ذوي بسطة في الخلق.

الحاقة 69:5

﴿فأمّا ثمود فأهلكوا﴾ أي : بأيسر أمر من أوامرنا ﴿بالطاغية﴾ أي : الواقعة التي جاوزت الحدّ في الشدة فرجفت منها القلوب، واختلف فيها فقيل : الرجفة، وعن ابن عباس : الصاعقة، وعن قتادة : بعث الله تعالى عليهم صيحة فأهمدتهم. وقال مجاهد : بالذنوب، وقال الحسن : بالطغيان فهو مصدر كالكاذبة والعاقبة، أي : أهلكوا بطغيانهم وكفرهم قال الزمخشري : وليس بذاك لعدم الطباق بينها وبين قوله تعالى :﴿بريح صرصر﴾ لكن قال ابن عادل : ويوضحه ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ [الشمس: ١١] أهلكوا بها ولأجلها. قال : والباء سببية على الأقوال كلها إلا على قول قتادة، فإنها فيه للاستعانة كعملت بالقدّوم.

الحاقة 69:6

﴿وأمّا عاد فأهلكوا﴾ أي : بأشق ما يكون عليهم وبأيسر ما يكون علينا ﴿بريح صرصر﴾ أي : شديدة الصوت لها صرصرة، وقيل : هي الباردة من الصرّ كأنها التي كرر فيها البرد وكثر، فهي تحرق بشدة بردها. وقال مجاهد : هي الشديدة السموم ﴿عاتية﴾ أي : مجاوزة للحدّ في شدة عصفها، والعتو استعارة، أو عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة، من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكم، وقيل : عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«ما أرسل الله تعالى سفينة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال، إلا يوم عاد ويوم نوح فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه سبيل ثم قرأ ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١] وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ :﴿بريح صرصر عاتية﴾.

الحاقة 69:7

﴿سخرها﴾ أرسلها ﴿عليهم﴾ وقال مقاتل رضي الله عنه : سلطها عليهم ﴿سبع ليال﴾ أي : لا تفتر فيها الريح لحظة ﴿وثمانية أيام﴾ كذلك. قال وهب : هي الأيام التي تسميها العرب العجوز ذات برد وريح شديدة قيل : سميت عجوزاً لأنها في عجز الشتاء، وقيل : سميت بذلك لأنّ عجوزاً من قوم عاد دخلت سرباً فتبعتها الريح فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب ﴿حسوماً﴾ قال مجاهد وقتادة رضي الله عنهما : متتابعة ليس فيها قترة، فعلى هذا هو من حسم الكي، وهو أن يتابع على موضع الداء المكواة حتى يبرأ، ثم قيل لكل شيء يقطع : حاسم وجمعه حسوم مثل شاهد وشهود. وقال الكلبي : حسوماً دائماً، وقال النضر بن شميل : حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، والحسم القطع والمنع ومنه : حسم الداء، وقال عطية : حسوماً شؤماً كأنها حسمت الخير عن أهلها. تنبيه : في إعراب حسوماً أوجه : أحدها : أن ينتصب نعتاً لما قبله. ثانيها : أن ينتصب على الحال، أي : ذات حسوم. ثالثها : أن ينتصب على المصدر بفعل من لفظها، أي : تحسمهم حسوماً. واختلفوا في أولها فقال السدي : غداة يوم الأحد، وقال الربيع بن أنس رضي الله عنه : غداة يوم الجمعة، وقال يحيى بن سلام ووهب بن منبه رضي الله عنهم : غداة يوم الأربعاء وهو اليوم النحس المستمر قيل : كان آخر أربعاء في السنة وآخرها يوم الأربعاء. وقال البقاعي : وهي من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر وقد لزم من زيادة عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعاً وإلا لم تكن الليالي سبعاً فتأمل ذلك ا. ه. وهو ظاهر. ولما كان الحاسم المهلك تسبب عنه قوله تعالى مصوراً لحالهم الماضية :﴿فترى القوم﴾ أي : الذين هم غاية في القدرة على ما يحاولونه ﴿فيها﴾ أي : تلك المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنهم ﴿صرعى﴾ أي : مجندلين على الأرض موتى جمع صريع وهي حال نحو قتيل وقتلى وجريح وجرحى، والضمير فيها للأيام والليالي كما مر أو للبيوت أو للريح قال ابن عادل : والأول أظهر لقربه. ﴿كأنهم أعجاز﴾ أي : أصول ﴿نخل﴾ قد شاخت وهرمت فهي في غاية العجز ﴿خاوية﴾ أي : متأكلة الأجواف ساقطة من خوى النجم إذا سقط للغروب، ومن خوى المنزل إذا خلا من قطّانه. قالوا : كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم، والوصف بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم.

الحاقة 69:8

﴿فهل ترى﴾ أي : أيها المخاطب الخبير بالناس في جميع الأقطار ﴿لهم﴾ أي : خصوصاً. وأغرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق بالهاء مبالغة فقال تعالى :﴿من باقية﴾ فيكون المراد بالباقية البقاء كالطاغية بمعنى الطغيان، أي : من باق، والأحسن أن تكون صفة لفرقة أو لطائفة أو نفس أو بقية أو نحو ذلك. وقيل : فاعلة بمعنى المصدر كالعافية والباقية. قال المفسرون : والمعنى هل ترى لهم أحداً باقياً، قال ابن جريج : كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله تعالى من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر، فذلك قوله تعالى :﴿فهل ترى لهم من باقية﴾. وقوله تعالى :﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥]. ونجى الله تعالى صالحاً عليه السلام ومن آمن به من بين ثمود ولم تضرّهم الصاعقة، وهوداً عليه السلام ومن آمن به من عاد ولم يهلك منهم أحد، فدل ذلك دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات، كما أن له تمام الإحاطة بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته، فلا يجعل المسلم كالمجرم ولا المسيء كالمحسن، وجواب هل لم يبق منهم أحد.

الحاقة 69:9

﴿وجاء فرعون﴾ أي : الذي ملكناه طائفة من الأرض وتجبر وادعى الإلهية ناسياً نعمتنا وقدرتنا. وقوله تعالى :﴿ومن قبله﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، أي : ومن عنده من أتباعه، وقرأه الباقون بفتح القاف وسكون الباء الموحدة على أنه ظرف، أي : ومن تقدمه من الأمم الكافرة ﴿والمؤتفكات﴾ أي : أهلكها وهي قرى قوم لوط، أي : المنقلبات بأهلها حتى صار عاليها سافلها لما حصل لأهلها من الانقلاب ﴿بالخاطئة﴾، أي : بالفعلات ذات الخطأ الذي يتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق.

الحاقة 69:10

ولما كانت الرسل كالفرد الواحد لاتفاقهم وتعاضدهم في الدعاء إلى الله تعالى والحمل على طاعته قال مسبباً عن مجيئهم بذلك موحداً في اللفظ ما هو صالح لكثير بإرادة الجنس :﴿فعصوا﴾ أي : خالفوا ﴿رسول ربهم﴾ أي : خالفت كل أمة من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإبداعها القوى وترزيقها وبعث رسولها لإرشادها اغتراراً بإحسانه، ولم يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما قدر على النفع لأنه الضار كما أنه النافع فللتنبيه على مثل ذلك لا يجوز فصل أحد الاسمين عن الآخر، وسبب عن العصيان قوله تعالى :﴿فأخذهم﴾ أي : ربهم، أخذ قهر وغضب ﴿أخذة﴾ لم تبق من أمة منهم أحداً ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ينصر على عدو من المؤمنين لابدّ أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب، وما ذاك إلا لتمام علمه سبحانه بالجزئيات والكليات وشمول قدرته وتلك الأخذة مع كونها بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة جعلها سبحانه ﴿رابية﴾ أي : عالية عليهم زائدة في الشدة على غيرها وعلى عذاب الأمم، يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد. ومنه : الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى، والمعنى أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار، وقيل لأن عقوبة آل فرعون متعلقة بعذاب الآخرة لقوله تعالى :﴿اغرقوا فأدخلوا ناراً﴾ [نوح: ٢٥] وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا فتلك العقوبة كانت كأنها تنمو وتربو.

الحاقة 69:11

ثم ذكر تعالى قصة نوح عليه السلام وهي قوله تعالى :﴿أنا﴾ أي : على عظمتنا ﴿لما طغى الماء﴾ أي : زاد على الحد حتى علا على أعلى جبل في الأرض بقدر ما يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح عليه السلام به، فلم يطيقوا ضبطه ولا فوره بوجه من الوجوه. وقال صلى الله عليه وسلم «طغى على خزانه من الملائكة غضباً لربه تعالى فلم يقدروا على حبسه ». قال المفسرون : زاد على كل شيء خمسمائة ذراع وقال ابن عباس رضي الله عنهما :«طغى الماء زمن نوح عليه السلام على خزانه فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج، وليس من الماء قطرة تنزل قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم ». والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حل بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ثم منّ الله عليهم بأن جعلهم ذرية من نجى من الغرق بقوله تعالى :﴿حملناكم﴾ أي : في ظهور آبائكم ﴿في الجارية﴾ أي : السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه الإغراق، والمحمول في الجارية إنما هو نوح عليه السلام وأولاده وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك، والجارية من أسماء السفينة ومنه قوله تعالى :﴿وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: ٢٤] وغلب استعمال الجارية في السفينة كقولهم في بعض الألغاز : رأيت جارية في بطن جارية؍ في بطنها رجل في بطنها جمل؍ ونوح عليه السلام أول من صنع السفينة، وإنما صنعها بوحي من الله تعالى وبحفظه له قال : اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقارباً لما يجري في الهواء وأغرقنا سوى من كان في تلك السفينة من جميع أهل الأرض من آدمي وغيره.

الحاقة 69:12

﴿لنجعلها﴾ أي : هذه الفعلة العظيمة وهي إنجاء المؤمنين بحيث لا يهلك منهم بهذا العذاب أحد، وإهلاك الكافرين بحيث لا يشذ منهم أحد، وكذا السفينة التي حملنا فيها نوحاً عليه السلام ومن معه ﴿لكم﴾ أيها الناس ﴿تذكرة﴾ أي : عبرة ودلالة على قدرته تعالى وعظمته ورحمته وقهره فيقودكم ذلك إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه. وقوله تعالى :﴿وتعيها﴾ عطف منصوب على لنجعلها، أي : ولتحفظ قصة السفينة وغيرها مما تقدم حفظاً ثابتاً مستقراً كأنه محوي في وعاء ﴿أذن﴾ أي : عظيمة النفع ﴿واعية﴾ أي : من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله تعالى كما كان نوح عليه السلام ومن معه وهم قليل سبباً لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه الأرض، والوعي : الحفظ في النفس، والإيعاء : الحفظ في الوعاء. قال الزمخشري : فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير ؟ قلت : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت عقلت عن الله تعالى فهو السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم بالة وإن ملؤوا ما بين الخافقين ا. ه. وقرأ نافع بسكون الذال والباقون بضمها.

الحاقة 69:13

ولما ذكر تعالى القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها شرع سبحانه وتعالى في تفاصيل أحوالها وبدأ بذكر مقدماتها بقوله تعالى :﴿فإذا نفخ﴾ وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأن ما يتأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين بل من أقامه لذلك من جنده تأثر عنه ما يريده ﴿في الصور﴾ أي : القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. قال البقاعي : كأنه عبر عنه به دون القرن مثلاً ؛ لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصورة، وتارة إيجادها وردها إلى أشكالها وسعته كما بين السماء والأرض ﴿نفخة واحدة﴾ للفصل بين الخلائق. قال الزمخشري : فإن قلت : هما نفختان، فلم قيل : واحدة ؟ قلت : معناه أنها لا تثنى في وقتها. ثم قال : فإن قلت : فأي النفختين هي ؟ قلت : الأولى لأن عندها فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد روي عنه أنها الثانية ا. ه. قال البقاعي : وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث وخراب ما ذكر بعد قيامهم أنسب لأنه أهيب وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما ا. ه. واقتصر البيضاوي على أنها الأولى والجلال المحلي على أنها الثانية وهو الأنسب كما قاله البقاعي. ثم إن الزمخشري سأل سؤالاً على أنها النفخة الأولى بقوله : فإن قلت : أما قال بعد :﴿يومئذ تعرضون﴾ والعرض إنما هو عند النفخة الثانية، قلت : جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة والنشور والوقوف للحساب، فلذلك قيل :﴿يومئذ تعرضون﴾ كما تقول : جئتك عام كذا، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته ا. ه.

الحاقة 69:14

ولما ذكر التأثير في الأحياء أتبعه التأثير في الجمادات وبدأ منها بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر، فقال تعالى :﴿وحملت الأرض والجبال﴾ أي : التي بها ثباتها حملتهما الريح أو الملائكة أو القدرة من أماكنهما ﴿فدكتا﴾ أي : مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطت ودق بعضها ببعض ﴿دكة واحدة﴾ أي : فصارتا كثيباً مهيلاً بأيسر أمر، فلم يميز شيء منهما عن الآخر بل صارتا في غاية الاستواء، ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره، وقال الفراء : لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة والأرض كالجملة الواحدة، ومثله ﴿أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما﴾ [الأنبياء: ٣٠] ولم يقل كن وهذا الدك كالزلزلة لقوله تعالى :﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ [الزلزلة: ١].

الحاقة 69:15

وقوله تعالى :﴿فيومئذ﴾ منصوب بوقعت وقوله تعالى :﴿وقعت الواقعة﴾ لابد فيه من تأويل، وهو أن تكون الواقعة صارت علماً بالغلبة على القيامة أو الواقعة العظيمة وإلا فقام القائم لا يجوز إذ لا فائدة فيه، والتنوين في يومئذ للعوض من الجملة تقديره : يوم إذ نفخ في الصور، ونوع تعالى أسماء القيامة بالحاقة والواقعة والقارعة تهويلاً لها.

الحاقة 69:16

ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي بقوله تعالى :﴿وانشقت السماء﴾ أي : ذلك الجنس لشدة هول ذلك اليوم، أي : انصدعت وتفطرت، وقيل : انشقت لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥]. ﴿فهي يومئذ واهية﴾ أي : ضعيفة متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش بعدما كانت محكمة يقال : وهي البناء يهي وهياً فهو واه إذا ضعف جداً ويقال : كلام واه، أي : ضعيف وقيل : واهية، أي : متخرّقة مأخوذ من قولهم : وهى السقاء إذا تخرّق ومن أمثالهم : خل سبيل من وهى سقاؤه؍ ومن هريق بالفلاة ماؤه؍ أي : من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه، وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء والباقون بكسرها.

الحاقة 69:17

﴿والملك﴾ أي : هذا النوع ﴿على أرجائها﴾ أي : نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم ينشق منها قال الضحاك : يكونون بها حتى يأمرهم الله تعالى فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها، وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : المعنى والملك على حافات الدنيا، أي : ينزلون إلى الأرض ويحرسون أطرافها، وقيل : إذا صارت السماء قطعاً تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها، والأرجاء في اللغة : النواحي والأقطار بلغة هذيل واحدها رجا مقصور وتثنيته رجوان، مثل عصا وعصوان قال القائل : فلا ترمي بي الرجوان إني؍ أقل القوم من يغني مكاني؍ قال ابن عادل : ورجا هنا يكتب بالألف عكس رحى لأنه من ذوات الواو. فإن قيل : الملائكة يموتون في الصعقة الأولى لقوله تعالى :﴿فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ [الزمر: ٦٨]. فكيف يقال لهم : إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ أجيب : من وجهين : الأول : إنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون، والثاني : المراد الذين استثنوا في قوله تعالى :﴿إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]. وقيل : إن الناس إذا رأوا جهنم هالهم أمرها فيندّوا كما تندوا الإبل فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا رأوا الملائكة فيرجعوا من حيث جاؤوا. وقيل : على أرجائها ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها. وفي أهل الجنة من التحية والكرامة، وهذا كله يرجع إلى قول ابن جبير رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى :﴿ونزل الملائكة تنزيلا﴾ [الفرقان: ٢٥]. قال الزمخشري : فإن قلت ما الفرق بين قوله :﴿والملك﴾ وبين أن يقال : والملائكة ؟ قلت : الملك أعمّ من الملائكة ألا ترى أنّ قولك : ما من ملك إلا وهو شاهد أعمّ من قولك : ما من ملائكة ا. ه. قال أبو حيان : ولا يظهر أن الملك أعم من الملائكة لأن المفرد المحلى بالألف واللام قصاراه أن يكون مراداً به الجمع المحلى ولذلك صح الاستثناء منه، ثم قال : ولأن قوله :﴿على أرجائها﴾ يدل على الجمع، لأن الواحد لا يمكن أن يكون على أرجائها في وقت واحد بل في أوقات، والمراد والله أعلم أن الملائكة على أرجائها لا أنه ملك واحد ينتقل على أرجائها في أوقات. ولما كان الملك يظهر في يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال تعالى :﴿ويحمل عرش ربك﴾ أي : المحسن إليك بكل ما تريد لاسيما في ذلك اليوم بما يقع من رفعتك على سائر الخلق، والضمير في قوله تعالى :﴿فوقهم يومئذ﴾ أي : في يوم وقعت الواقعة يجوز أن يعود على الملك لأنه بمعنى الجمع كما تقدم، وأن يعود على الحاملين في قوله تعالى :﴿ثمانية﴾، وقيل : يعود على جميع العالم، أي : إن الملائكة تحمل عرش الله تعالى فوق العالم كله. واختلف في هذه الثمانية فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وقال ابن زيد : هم ثمانية أملاك، وعن الحسن رضي الله عنه : الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف أم ثمانية صفوف، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال :«إن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدّهم الله تعالى بأربعة أخرى فكانوا ثمانية على صورة الأوعال ». وفي رواية : ثمانية أوعال من أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء، وفي حديث آخر :«لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس ». فإن قيل : إذا لم يكن فيهم صورة الوعل فكيف سموا أوعالاً ؟ أجيب : بأن وجه الثور إذا كانت له قرون أشبه الوعل. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :«أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش : إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ». أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : حملة العرش ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينه خمسمائة عام. وفي الخبر أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش، وفي حديث مرفوع أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً للطائر المسرع، وروي أن أرجلهن في الأرض السابعة، وإضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت إليه وليس البيت للسكنى فكذلك العرش ليس للجلوس تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فإنه الخالق للعرش ولحملة العرش ولا تحيط به جهة وهو العلي العظيم. وعن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية : أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.

الحاقة 69:18

ولما بلغ تعالى النهاية في تحذير العباد من يوم التناد وكان لهم حالتان عامة وخاصة، فالعامة العرض والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء زاده عظماً بقوله تعالى :﴿يومئذ﴾ أي : إذ كان جميع ما تقدم ﴿تعرضون﴾ على الله للحساب كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للتقريب والإكرام، والمفسد للإبعاد والتعذيب، عبر بالعرض عن الحساب الذي هو جزؤه، والمحسن لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش. ﴿لا تخفى منكم﴾ أي : في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية ؛ لأن التأنيث مجازي والباقون بالتاء وهو ظاهر، ﴿خافية﴾ أي : من السرائر التي كان من حقها أن تخفى في دار الدنيا، فإنه عالم بكل شيء من أعمالكم. ونظيرة قوله تعالى :﴿لا يخفى على الله منهم شيء﴾ [غافر: ١٦]. قال الرازي : والعرض للمبالغة في التهديد يعني تعرضون على من لا تخفى عليه خافية، قال القرطبي : هذا هو العرض على الله تعالى ودليله ﴿وعرضوا على ربك صفاً﴾ [الكهف: ٤٨] وليس ذلك عرضاً ليعلم ما لم يكن عالماً به، بل ذلك العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة قال صلى الله عليه وسلم «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ».

الحاقة 69:19

قال تعالى :﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ أي : الذي أثبتت فيه أعماله ﴿فيقول﴾ لما رأى من سعادته تبجعاً بحاله وإظهاراً لنعمة ربه ؛ لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه الله تعالى من خير تكميلاً للذته قيل : إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر، فإذا أنهاه قيل له : قد غفرها الله تعالى اقلب الصحيفة، فحينئذ يكون قوله :﴿هاؤم اقرؤوا﴾ أي : خذوا اقرؤوا ﴿كتابيه﴾ يقول ذلك ثقة بالإسلام وسروراً بنجاته ؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح قال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد؍ تلقاها عرابة باليمين؍ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله شعاع كشعاع الشمس قيل : فأين أبو بكر ؟ قال : هيهات زفته الملائكة إلى الجنة، وقال ابن زيد : معنى هاؤم : تعالوا، فيتعدى بإلى. وقال مقاتل : هلمّ، وقال غيره : خذوا، ومنه الحديث في الربا «إلا هاء وهاء »، أي : يقول كل لصاحبه : خذ، وهذا هو المشهور، ولذلك فسرت به الآية الكريمة. وقيل : هي كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط، وفي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم هاؤم بصولة صوته ». وقيل : معناها اقصروا وزعم هؤلاء أنها مركبة من ها التنبيه وأموا أمر من الأمّ وهو القصد فصيّره التخفيف والاستعمال إلى هاؤم، وقيل : الميم ضمير جماعة الذكور وزعم العتبي أن الهمزة بدل من الكاف، قال ابن عادل : فإن عنى أنها تحل محلها فصحيح، وإن عني البدل الصناعي فليس بصحيح. تنبيه : كتابيه منصوب بهاؤم عند الكوفيين، وعند البصريين باقرؤوا لأنه أقرب العاملين، والأصل : كتابي فأدخل الهاء لتتبين صحة الياء والهاء في ﴿كتابيه﴾ و ﴿حسابيه﴾ و ﴿سلطانيه﴾ و ﴿ماليه﴾ للسكت وكان حقها أن تحذف وصلاً وتثبت وقفاً، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف أو وصل بنية الوقف في كتابيه وحسابيه اتفاقاً، فأثبت الهاء وكذا في ﴿ماليه﴾ [الحاقة: ٢٨] و﴿سلطانيه﴾ [الحاقة: ٢٩] و﴿ماهيه﴾ [القارعة: ١٠] في القارعة عند القراء كلهم إلا حمزة، فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاثة وصلاً وأثبتها وقفاً ؛ لأنها في الوقف محتاج إليها لتحصين حركة الموقوف عليه، وفي الوصل مستغنى عنها. فإن قيل : فلم لم يفعل ذلك في ﴿كتابيه﴾ و ﴿حسابيه﴾ ؟ أجيب : بأنه جمع بين اللغتين.

الحاقة 69:20

﴿إني ظننت﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : أيقنت وعلمت. وقيل : ظننت بأن يؤاخذني الله بسيئاتي فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني بها. وقال الضحاك : كل ظن من المؤمن في القرآن فهو يقين ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد رضي الله عنه : ظن الآخرة يقين وظن الدنيا شك. وقال الحسن رضي الله عنه في هذه الآية : إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء بربه الظن فأساء العمل. ﴿أني ملاق﴾، أي : ثابت لي ثباتاً لا ينفك أني ألقى ﴿حسابيه﴾، أي : في الآخرة ولم ينكر البعث يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب لأنه تيقن أن الله تعالى يحاسبه فعمل للآخرة فحقق الله تعالى رجاءه وأمن خوفه فعلم الآن أنه لا يناقش الحساب، وإنما حسابه بالعرض وهو الحساب اليسير فضلاً من الله تعالى ونعمة.

الحاقة 69:21

﴿فهو في عيشة﴾ أي : حالة من العيش، وقوله تعالى :﴿راضية﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على النسب، أي : ذات رضا نحو لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر، أي : ثابت لها الرضا ودائم لها ؛ لأنها في غاية الحسن والكمال، والعرب لا تعبر عن أكبر السعادات بأكثر من العيشة لراضية بمعنى أن أهلها راضون بها، والمعتبر في كمال اللذة الرضا. الثاني : أنه على إظهار جعل العيشة راضية لمحلها وحصولها في مستحقها، وأنه لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها. الثالث : قال أبو عبيدة والفراء : إن هذا مما جاء فيه فاعل بمعنى : مفعول نحو : ماء دافق بمعنى : مدفوق، كما جاء مفعول بمعنى : فاعل كما في قوله تعالى :﴿حجاباً مستوراً﴾ [الإسراء: ٤٥]، أي : ساتراً وقال صلى الله عليه وسلم «إنهم يعيشون فلا يموتون أبداً ويصحون فلا يمرضون أبداً وينعمون فلا يرون بأساً أبداً ويشبون فلا يهرمون أبداً ».

الحاقة 69:22

﴿في جنة﴾ أي : بساتين جامعة لجميع ما يراد منها ﴿عالية﴾ أي : مرتفعة في المكان والمكانة والأبنية والدرجات والأشجار وكل اعتبار.

الحاقة 69:23

وقوله تعالى :﴿قطوفها﴾ جمع كثرة لقطف بالكسر وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح وهو ما يجنيه الجاني من الثمار، وأما القطف بالفتح فالمصدر، والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف ﴿دانية﴾، أي : قريبة المأخذ سهلة التناول جداً للراكب والقائم والقاعد والمضطجع كل ذلك على حدّ سواء دائماً من غير انقطاع لا كلفة على أحد في تناوله شيئاً من ذلك.

الحاقة 69:24

وقوله تعالى :﴿كلوا واشربوا﴾ على إضمار القول، أي : يقال لهم ذلك وجمع الضمير للمعنى ؛ لأن قوله تعالى :﴿فأما من أوتي كتابه﴾. يتضمن معنى الجمع وهذا أمر امتنان لا أمر تكليف، ﴿هنيئاً﴾ أي : أكلاً طيباً لذيذاً شهياً مع البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ولا بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا وهن ولا صداع ولا ثقل، والباء في قوله تعالى :﴿بما أسلفتم﴾ سببية وما مصدرية أو اسمية، أي : بما قدّمتم من الأعمال الصالحة ﴿في الأيام الخالية﴾ أي : الماضية في الدنيا التي انقضت وذهبت واسترحتم من تعبها وعن مجاهد رضي الله عنه : أيام الصيام، أي : كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى. وروي : يقول الله تعالى : يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية.

الحاقة 69:25

ولما كانت العادة جارية بأن أهل العرض ينقسمون إلى مقبول ومردود وذكر سبحانه المقبول بإدنائه تشويقاً إلى حاله، وتغبيطاً بعاقبته وحسن حاله أتبعه المردود تنفيراً عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله فقال تعالى :﴿وأما من أوتي كتابه﴾ أي : صحيفة حسابه ﴿بشماله فيقول﴾ أي : لما يرى من سوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها لما رأى من قبائحه التي قدمها ﴿يا ليتني﴾ تمنياً للمحال ﴿لم أوت﴾ أي : من أي مؤت ما. ﴿كتابيه﴾ أي : هذا الذي ذكرني خبائث أعمالي وعرفني جزاءها.

الحاقة 69:26

﴿ولم﴾ أي : ويا ليتني لم ﴿أدر ما﴾ حقيقة ﴿حسابيه﴾ من ذكر العمل وذكر جزائه، بل استمريت جاهلاً لذلك كما كنت في الدنيا.

الحاقة 69:27

ثم يتمنى الموت ويقول :﴿يا ليتها﴾ أي : الموتة الأولى وإن لم تكن مذكورة إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة ﴿كانت القاضية﴾ أي : القاطعة لحياتي بأن لا أبعث بعدها، ولم ألق ما وصلت إليه. قال قتادة رضي الله عنه : يتمنى الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب منه الموت، قال الشاعر : وشر من الموت الذي إن لقيته؍ تمنيت منه الموت والموت أعظم؍

الحاقة 69:28

والمعنى : يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي. وقوله :﴿ما أغنى عني ماليه﴾ يجوز أن يكون نفياً تأسفاً على فوات ما كان يرجو من نفعه، والمفعول على هذا التقدير محذوف للتعميم ويجوز أن يكون استفهام توبيخ لنفسه حيث سولت له ما أثر له كل سوء وكل محال، أي : أيّ شيء أغنى ما كان لي من اليسار الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد الله تعالى.

الحاقة 69:29

﴿هلك عني سلطانيه﴾ أي : ملكي وتسلطي على الناس، وبقيت فقيراً ذليلاً. وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن هذه الآية نزلت في الأسود بن عبد الأشد، وعن فناخسرو الملقب بالعضد، إنه لما قال : عضد الدولة وابن ركنها؍ ملك الأملاك غلاب القدر؍ لم يفلح بعده وجنّ، فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ضلت عني حجتي، ومعناه : بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا، وذكر الضحاك أن الآية الأولى في أخي الأسود عبد الله بن عبد الأسد المخزومي.

الحاقة 69:30

ولما كان كأنه قيل : هذا ما قال فما يقال له ؟ أجيب : بأنه يقال للزبانية على رؤوس الأشهاد ﴿خذوه﴾ أي : أيتها الزبانية الذين كان يستهزئ بهم عند سماع ذكرهم ﴿فغلوه﴾ أي : اجمعوا يديه إلى عنقه ورجليه إلى وراء قفاه إلى ناصيته.

الحاقة 69:31

﴿ثم الجحيم﴾ أي : النار العظمى التي تحجم على من يريد دفاعها ويحجم عنها من رآها، لأنها في غاية الحمو والتوقد والتغيظ والتشدد ﴿صلوه﴾ أي : بالغوا في تصليته إياها وكرروها بغمسة في النار كالشاة المصلية مرة بعد أخرى ؛ لأنه كان يتعاظم على الناس فناسب أن يصلى أعظم النيران، وعبر أيضاً بأداة التراخي لعلو رتبة مدخولها فقال مؤذناً بعدم الخلاص، وتقديم المفعول يفيد الاختصاص عند بعضهم ولذلك قال الزمخشري : ثم لا يصلوه إلا الجحيم. قال أبو حيان : وليس ما قاله مذهباً لسيبويه ولا لحذاق النجاة، اه. لكن كلام النحاة لا يأبى ما قاله.

الحاقة 69:32

﴿ثم في سلسلة﴾ أي : عظيمة جداً، وقوله تعالى :﴿ذرعها سبعون ذراعاً﴾ يحتمل أن يكون هذا العدد حقيقة وعلى هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : سبعون ذراعاً بذراع الملك، فتدخل في دبره وتخرج من منخره، وقيل : تدخل من فيه وتخرج من دبره. وقال نوف البكالي : سبعون ذراعاً كل ذراع سبعون باعاً كل باع أبعد مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان : كل ذراع سبعون ذراعاً. وقال الحسن رضي الله عنه : الله أعلم أيّ ذراع هو، ويحتمل أن يكون مبالغة كما قال تعالى :﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة: ٨٠] يريد مرات كثيرة ؛ لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد. والذي يدل على هذا ما رواه الترمذي وقال : إسناده حسن عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها وقعرها ». وعن كعب رضي الله عنه أنه قال :«لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها ». أجارنا الله تعالى ومحبينا منها وجميع المسلمين، فأشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال تعالى :﴿فاسلكوه﴾ أي : أدخلوه بحيث يكون كأنه السلك، أي : الحبل الذي يدخل في ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأنه تلف، قال الزمخشري : والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية، أي : لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم، ومعنى ثم الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية وما بينهما وبين السلك في السلسلة لا على تراخى المدة ا. ه. ولما ذكر سبحانه على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه فقال تعالى :﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم﴾.

الحاقة 69:33

﴿إنه كان﴾ أي : جبلة وطبعاً وأن أظهر شيئاً يلبس به على الضعفاء ويدلس على الأغبياء ﴿لا يؤمن﴾ أي : الآن ولا في مستقبل الزمان ﴿بالله﴾ أي : الملك الأعلى الذي يعلم السر وأخفى ﴿العظيم﴾ أي : الكامل العظم، وهذا تعليل على طريق الاستئناف وهو أبلغ كأنه قيل : ماله يعذب هذا العذاب الشديد ؟ أجيب بذلك.

الحاقة 69:34

وفي قوله تعالى :﴿ولا يحض﴾ أي : يحث ﴿على﴾ بذل ﴿طعام المسكين﴾ دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين : أحدهما : عطفه على الكفر وجعله قرينة له. والثاني : ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل، وما أحسن قول القائل : إذا نزل الأضياف كان عذوّرا؍ على الحيّ حتى تستقل مراجله؍ يريد حضهم على القرى واستعجالهم، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول : خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع نصفها الثاني بالطعام. وقيل : هو منع الكفار وقولهم :﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ [يس: ٤٧] والمعنى على بذل طعام المسكين. ولما وصفه سبحانه بأقبح العقائد وأشنع الرذائل تسبب عنه قوله تعالى :﴿فليس له اليوم هاهنا حميم﴾.

الحاقة 69:35

﴿فليس له اليوم هاهنا﴾ أي : في مجمع القيامة كله ﴿حميم﴾ أي : صديق خالص يحميه من العذاب، لأنهم كلهم له أعداء كما أنه كان لا يرق على الضعفاء لما هم فيه من الإقلال من حطام الأموال.

الحاقة 69:36

﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾ أي : غسالة أهل النار وصديدهم وقيحهم، فعلين من الغسل.

الحاقة 69:37

﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ أي : أصحاب الخطايا، من خطئ الرجل : إذا تعمد الذنب وهم المشركون، لا من الخطأ المضاد للصواب، وهذا الطعام يغسل ما في بطونهم من الأعيان والمعاني التي بها قوام صاحبها وهي بمنزلة ما كانوا يشحون من أموالهم التي أبطنوها وادّخروها في خزائنهم واستأثروا بها على الضعفاء.

الحاقة 69:38

﴿فلا أقسم﴾ أي : لا يقع مني إقسام ﴿بما تبصرون﴾ من المخلوقات.

الحاقة 69:39

﴿وما لا تبصرون﴾ منها، أي : بكل الموجودات واجبها وجائزها ؛ معقولها ومحسوسها، لأنها لا تخرج عن قسمين مبصر وغير مبصر، وقيل : الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجنّ والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة، لأنّ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى إقسام وإن كنت أقسم في غير هذا الموضع بما شئت، ولو قيل بهذا في الواقعة لكان حسناً، وقيل : لا زائدة وجرى على ذلك الجلال المحلي.

الحاقة 69:40

﴿إنه﴾ أي : القرآن ﴿لقول﴾ أي : تلاوة ﴿رسول﴾ أي : أنا أرسلته به وعني أخذه وليس فيه شيء من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جداً أنا شاهد بها بما له من الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي ﴿كريم﴾ أي : على الله تعالى فهو في غاية الكرم الذي هو البعد من مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف الآباء وهو محمد صلى الله عليه وسلم وكرم الشيء اجتماع الكمالات فيه اللائقة به. وقيل : هو جبريل عليه السلام، قاله الحسن والكلبي رضي الله عنهما لقوله تعالى :﴿رسول كريم ١٩ ذي قوة﴾ [ التكوير : ١٩ ٢٠ ].

الحاقة 69:41

واستدل للأول بقوله تعالى :﴿وما هو بقول شاعر﴾ أي : يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن. قال مقاتل رضي الله عنه : سبب نزول هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال : إن محمداً صلى الله عليه وسلم ساحر، وقال أبو جهل : شاعر، وقال عقبة : كاهن، فردّ الله تعالى عليهم بذلك. فإن قيل : كيف يكون كلاماً لله تعالى ولجبريل عليه السلام ولمحمد صلى الله عليه وسلم أجيب : بأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فالله سبحانه وتعالى أظهره في اللوح المحفوظ وجبريل عليه السلام بلغه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بلغه للأمّة. ﴿قليلاً ما تؤمنون﴾ منصوب نعتاً لمصدر أو زمان محذوف، أي : إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً والناصب يؤمنون وما مزيدة للتأكيد، وقال ابن عطية : ونصب قليلاً بفعل مضمر يدل عليه يؤمنون وما يحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة، ويحتمل أن تكون مصدرية وتتصف بالقلة فهو الإيمان اللغوي لا الشرعي، لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئاً وهو إخلاصهم بالوحدانية عند الاضطرار، وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية.

الحاقة 69:42

﴿ولا بقول كاهن﴾ وهو المنجم الذي يخبر عن الأشياء وأغلبها ليس له صحة، وقوله تعالى :﴿قليلاً ما تذكرون﴾ يأتي فيه ما تقدم في ﴿قليلاً ما تؤمنون﴾ وقال البغوي : أراد بالقليل نفي إسلامهم أصلاً كقولك لمن لا يزورك : قلما تأتينا وأنت تريد ما تأتينا أصلاً، وقرأ :﴿قليلاً ما يؤمنون﴾ ﴿قليلاً ما يذكرون﴾ ابن كثير وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالياء التحتية فيهما، والباقون بالفوقية، وخفف الذال حمزة والكسائي وحفص وشددها الباقون.

الحاقة 69:43

وقوله تعالى :﴿تنزيل﴾ خبر لمبتدأ مضمر، أي : هو تنزيل على وجه التنجيم، قال البقاعي : وأشار إلى الرسالة إلى جميع الخلق من أهل السماوات والأرض بقوله تعالى :﴿من رب العالمين﴾ أي : موجدهم ومدبرهم بالإحسان إليهم بما يفهم كل منهم من هذا الذكر الذي رباهم به ورتب سبحانه نظمه على وجه سهل على كل منهم يكفي في هدايته ا. ه. وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أرسل للملائكة وهو الذي ينبغي وإن لم يكونوا مكلفين تشريفاً لهم زيادة في شرفه بإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم.

الحاقة 69:44

﴿ولو تقوّل﴾، أي : كلف نفسه أن يقول مرة من الدهر كذباً ﴿علينا﴾ أي : على ما لنا من العظمة ﴿بعض الأقاويل﴾ أي : التي لم نقلها أو قلناها ولم نأذن له فيها قال الزمخشري : التقوّل افتعال القول لأن فيه تكلفاً من المفتعل وسمى الأقوال المنقولة أقاويل تصغيراً لها وتحقيراً، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك، كأنها جمع أفعولة من القول. والمعنى : لو نسب إلينا قولاً لم نقله أو لم نأذن له في قوله :﴿لأخذنا منه باليمين﴾.

الحاقة 69:45

﴿لأخذنا﴾ أي : لنلنا ﴿منه﴾ أي : عقاباً ﴿باليمين﴾ أي : بالقوة والقدرة. تنبيه : الباء على أصلها غير مزيدة، والمعنى : لأخذناه بقوة منا، فالباء حالية والحال من الفاعل وتكون منه في حكم الزائدة، واليمين هنا مجاز عن القوة والغلبة، فإن قوة كل شيء في ميامنه، وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم، ومنه قول الشماخ : إذا ما راية رفعت لمجد؍ تلقاها عرابة باليمين؍ وقال أبو جعفر الطبري : هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب، ويجوز أن تكون الباء مزيدة، والمعنى : لأخذنا منه يمينه، والمراد باليمين الجارحة كما يفعل بالمقتول صبراً يؤخذ بيمينه ويضرب بالسيف في جيده مواجهة وهو أشد عليه، وقال الحسن رضي الله عنه : لقطعنا يده اليمنى. وقال الزمخشري : المعنى : ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراً كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، وهو أن يؤخذ بيده فتضرب رقبته وخص اليمين عن اليسار، لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذه بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف أخذ بيمينه ا. ه. وقال نفطويه : المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف، وقال السّدي ومقاتل رضي الله عنهما : المعنى انتقمنا منه بالحق واليمين على هذا بمعنى الحق كقوله تعالى :﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ [الصافات: ٢٨]، أي : من قبل الحق.

الحاقة 69:46

﴿ثم لقطعنا﴾ أي : بما لنا من العظمة قطعاً يتلاشى عنده كل قطع ﴿منه الوتين﴾ أي : نياط القلب وهو يتصل من الرأس إذا انقطع مات صاحبه، قال أبو زيد : وجمعه الوتن وثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه. وقال الكلبي : هو عرق بين العلباء والحلقوم وهما علباوان بينهما العرق والعلباء عصب العنق، وقيل : عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر، وقال مجاهد رضي الله عنه : هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع، فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه. وقال محمد بن كعب رضي الله عنه : إنه القلب ومراقه وما يليه، وقال عكرمة رضي الله عنه : إن الوتين إذا قطع، لا إن جاع عرف ولا إن شبع عرف، وقيل : الوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين الترقوتين، ثم تنقسم منه سائر العروق إلى سائر الجسد، ولا يمكن في العادة الحياة بعد قطعه. وقال ابن قتيبة : لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه، فكان كمن قطع وتينه. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري ». والأبهر : عرق متصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال : هذا أوان يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره.

الحاقة 69:47

﴿فما منكم﴾ أي : أيها الناس، وأغرق في النفي فقال :﴿من أحد عنه﴾ أي : القتل ﴿حاجزين﴾ أي : لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه، أي : الرسول صلى الله عليه وسلم أي : لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا بينه وبينه. تنبيه :﴿من أحد﴾ اسم ما ومن زائدة لتأكيد النفي، ومنكم حال من أحد وعنه حاجزين خبر ما وجمع لأن أحداً في سياق النفي بمعنى الجمع وضمير عنه للقتل أو النبي كما مرّ.

الحاقة 69:48

﴿وإنه﴾ أي : القرآن ﴿لتذكرة للمتقين﴾ أي : لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد.

الحاقة 69:49

﴿وإنا﴾ أي : بمالنا من العظمة ﴿لنعلم﴾ أي : علماً عظيماً محيطاً ﴿أن منكم﴾ أي : أيها الناس ﴿مكذبين﴾ بالقرآن ومصدقين، فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل لنظهر منكم إلى عالم الشهادة ما كنا نعلم في الأزل غيباً من تكذيب وتصديق فتستحقون بذلك الثواب والعقاب، فلذلك وجب في الحكمة أن نعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلاً بما يليق به إظهاراً للعدل.

الحاقة 69:50

﴿وإنه﴾ أي : القرآن ﴿لحسرة﴾ أي : ندامة ﴿على الكافرين﴾ أي : إذا رأوا ثواب المصدقين وعقاب المكذبين به.

الحاقة 69:51

﴿وإنه﴾ أي : القرآن أو الجزاء يوم الجزاء ﴿لحق اليقين﴾ أي : الأمر الثابت الذي لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق من إضافة الصفة إلى الموصوف وهو فوق علم اليقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين.

الحاقة 69:52

﴿فسبح﴾ أي : أوقع التنزيه الكامل عن كل شائبة نقص ﴿باسم﴾ أي : بسبب عملك بصفات ﴿ربك﴾ أي : الموجد والمربي لك والمحسن إليك بأنواع الإحسان ﴿العظيم﴾ أي : الذي ملأت الأقطار كلها عظمته وزادت على ذلك بما شاءه سبحانه مما لا تسعه العقول، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أي : فصلّ لربك العظيم.