التفسير المظهري — الحجرات 49:1 – الرحمن 55:77
المحتويات
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:16
- ق 50:1
- ق 50:3
- ق 50:6
- ق 50:11
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:20
- ق 50:24
- ق 50:29
- ق 50:31
- ق 50:35
- ق 50:37
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:43
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الطور 52:1
- الطور 52:7
- الطور 52:16
- الطور 52:22
- الطور 52:25
- الطور 52:31
- الطور 52:39
- الطور 52:46
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:23
- النجم 53:26
- النجم 53:29
- النجم 53:31
- النجم 53:33
- النجم 53:35
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:43
- النجم 53:48
- النجم 53:53
- النجم 53:62
- القمر 54:1
- القمر 54:4
- القمر 54:8
- القمر 54:13
- القمر 54:20
- القمر 54:26
- القمر 54:36
- القمر 54:43
- القمر 54:47
- القمر 54:50
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:34
- الرحمن 55:38
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:77
الحجرات 49:1
سورة الحجرات
مدنيّة وهى ثمانى عشرة اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وتمّم بالخير روى البخاري وغيره من طريق ابن جريج عن ابى مليكة ان عبد الله بن الزبير أخبره انه قدم ركب من بنى تميم على رسول الله ﷺ فقال ابو بكر امر القعقاع بن معبد وقال عمر بل امر الأقرع بن الحابس فقال ابو بكر ما أردت إلا خلافي وقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا اى قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا الاية قرأ يعقوب لا تقدموا بفتح التاء والدال من التقدم بحذف أحد التاءين والجمهور بضم التاء وكسر الدال من التقديم- قال البغوي هو ايضا لازم بمعنى التقديم مثل بين وتبين وقيل انه متعد والمفعول محذوف ليذهب الوهم الى كل ما يمكن اى لا تقدّموا قولا ولا فعلا- او متروك ونزل الفعل منزلة اللازم يعنى لا يصدر منكم التقديم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ- بين يدى مستعارة مما بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه ففيه تمثيل للتقدم الزمانى بالتقدم المكاني والمعنى لا تقولوا قولا ولا تفعلوا شيئا قبل ان يحكمانه قال الضحاك يعنى فى القتال وشرائع الدين لا تقضوا امرا دون الله ورسوله قال ابو عبيدة يقول العرب لا تقدم بين يدى الامام وبين يدى الأب اى لا تعجل بالأمر والنهر والنهى دونه- قيل المراد بين يدى رسول الله وذكر الله تعظيما له واشعارا بان التقديم على رسول الله كانه تقديم على الله تعالى فانه من الله بمكان يوجب إجلاله إجلالا به وسوء الأدب به سوء ادب بالله كما قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ واخرج ابن المنذر عن الحسن ان ناسا ذبحوا قبل رسول الله - ﷺ - يوم النحر أمرهم ان يعيدوا ذبحا فانزل الله تعالى هذه الاية كذا اخرج ابن الدنيا فى كتاب الأضاحي بلفظ ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت وعن البراء بن عازب قال خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر قال ان أول ما ابتدأ فى يومنا هذا ان نصلى ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ان يصلى فانما هو لحم عجله لاهله ليس من النسك فى شىء متفق عليه- وعن جندب بن عبد الله بلفظ صلى النبي - ﷺ - يوم النحر ثم خطب ثم ذبح ثم قال من كان ذبح قبل ان يصلى فليذبح مكانها اخرى متفق عليه وبما ذكرنا من الأحاديث احتج ابو حنيفة ومالك واحمد على انه لا يجوز ذبح الاضحية قبل صلوة الامام خلافا للشافعى حيث قال يجوز ذبح الاضحية بعد طلوع الشمس من يوم النحر إذ مضى قدر صلوة العيد والخطبتين صلى الامام او لم يصل وقال عطاء يجوز بعد طلوع الشمس فقط وهما محجوجان بما روينا ولا دلالة فى الحديثين على ما قال مالك ان لا يجوز الذبح الا بعد الصلاة وبعد ذبح الامام ولعل مالك أخذ هذا القول من قوله تعالى لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعنى لا تذبحوا قبل ذبح الرسول والامام نايب الرسول - ﷺ - قلنا الحديث بيان للاية فلا يشترط ما لا يستفاد من الحديث (مسئلة) قال ابو حنيفة يجوز لاهل السواد حيث لا يصلى هناك صلوة العيد ذبح الأضحية بعد طلوع الفجر الثاني خلافا للائمة الثلاثة فانهم قالوا لا يجوز الا بعد حصول اليقين بصلوة الامام عند احمد والصلاة وذبحه عند مالك وبعد مضى قدر صلوة العيد والخطبتين بعد طلوع الشمس عند الشافعي لاطلاق النصوص- وجه قول ابى حنيفة ان التأخير لاحتمال تشاغل به عن الصلاة ولا معنى للتاخير فى حق القرى ولا صلوة عليه والله اعلم- واخرج الطبراني فى الأوسط عن عائشة ان ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي - ﷺ - فانزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا الاية وقد قال رسول الله - ﷺ - لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين الا رجل كان يصوم صوما فيصومه رواه اصحاب الصحاح والسنن الستة وروى اصحاب السنن الاربعة وعلقه البخاري عن عمار قال من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم عليه السلام وقال عليه الصلاة والسلام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غم عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلثين يوما وهو فى الصحيحين وعنه ابى داود والترمذي وحسنه وان حال بينكم وبين سحاب فكملوا العدة ثلثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا والله تعالى اعلم
الحجرات 49:2
واخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا ان ناسا كانوا يقولون لو انزل فى كذا وكذا فانزل الله لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ- وَاتَّقُوا اللَّهَ ط فى تضيع حقه وحق رسول ومخالفة امره إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاقوالكم عَلِيمٌ بنياتكم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كرر النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة فى الألفاظ وزيادة اهتمام ما امر به لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إذا كلمتموه وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ يعنى لا ترفعوا أصواتكم عنده ولا تنادوه كما ينادى بعضكم بعضا بان تخاطبوه باسمه او كنيته بل يجب عليكم تبجيله وتعظيمه ومراعات آدابه وخفض الصوت بحضرته وخطابه بالنبي والرسول ونحو ذلك أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ اى كراهة ان تحبط او لئلا يحبط فيكون علة للنهى وجاز ان يكون تقديره لان تحبط متعلق بالنهى واللام للعاقبة فان رفع الصوت فوق صوت النبي - ﷺ - والجهر عليه استخفافا يؤدى الى الكفر فعاقبته حبط العمل إذا قصد الاهانة نعوذ بالله منها وعدم المبالات وترك المراقبة فى آدابه لا يخلوا من الحرمان من بركات صحبته فبطل عمل المصاحبة إذا لم يترتب عليه فائدته وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ حال من الضمير المجرور فى أعمالكم قال البغوي قال ابو هريرة وابن عباس لما نزلت هذه الاية كان ابو بكر لا يكلم النبي - ﷺ - الا كاخى السرار وقال ابن الزبير فيما مر من حديث رواه البخاري فى سبب نزول قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا الآية قال فما كان عمر يسمع رسول الله - ﷺ - بعد هذه الاية حتى يستفهمه- وروى مسلم فى الصحيح عن انس بن مالك قال لما نزلت هذه الاية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية جلس ثابت بن قيس فى بيته وقال انا من اهل النار واحتبس عن النبي - ﷺ - فسال النبي - ﷺ - سعد بن معاذ فقال يا أبا عمر ما شان ثابت اشتكى فقال سعد انه لجارى وما علمت له شكوى فاتاه سعد فذكره قول النبي - ﷺ - قال ثابت أنزلت هذه الاية ولقد علمتم انى من ارفعكم أصواتا على رسول الله - ﷺ - فانا من اهل النار فذكر ذلك سعد لرسول الله - ﷺ - فقال بل هو من اهل الجنة واخرج ابن جرير عن محمد ابن ثابت بن قيس بن شماس وكذا ذكر البغوي انه لما نزلت هذه الاية قعد ثابت فى الطريق يبكى فمر به عاصم بن عدى فقال ما يبكيك يا ثابت قال هذه الاية أتخوف ان نكون نزلت فى وانا رفيع الصوت أخاف ان يحبط عملى وان أكون من اهل النار فمضى عاصم الى رسول الله - ﷺ - وغلب ثابت البكاء فاتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن ابى بن سلول فقال لها إذا دخلت بيت فرسى فشدى على الضبة بمسمار فضربته
الحجرات 49:3
بمسمار وقال لا اخرج حتى تتوفانى الله او يرضى عنى رسول الله - ﷺ - فاتى عاصم رسول الله - ﷺ - فاخبره خبره فقال اذهب فادعه لى فجاء عاصم الى المكان الذي راه فلم يجده فجاء الى اهله فوجده فى بيت الفرس فقال ان رسول الله - ﷺ - يدعوك فقال اكسر الضبة فاتيا رسول الله - ﷺ - فقال له رسول الله ﷺ ما يبكيك يا ثابت قال أنا صيت وأتخوف ان تكون هذه الاية نزلت فىّ فقال رسول الله - ﷺ - اما ترضى ان تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فقال رضيت ببشرى الله ورسوله لا ارفع صوتى ابدا على رسول الله - ﷺ - فانزل الله.
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ اى يخفضونها- عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إجلالا له أُولئِكَ مبتداء خبره الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ط والجملة خبر ان فى القاموس امتحن الله قلوبهم اى شرحها ووسعها وفيه ايضا محنه كمنعه وضربه واختبره كامتحنه قال البيضاوي اى جر لها للتقوى ومرتها عليها يعنى عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة او عرفها كاينة للتقوى خالصة لها فان الامتحان سبب المعرفة- واللام صلة محذوف او للفعل باعتبار الأصل او المعنى ضرب الله قلوبهم بانواع المحن والتكاليف الشاقة لاجل ظهور التقوى فانه لا يظهر الا بالاصطبار عليها او أخلصه للتقوى من امتحن الذهب إذا إذا به او ميز بريزه من خبثه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ بغضهم الأصوات تادبا لرسول الله ولسائر طاعاتهم والتنكير للتعظيم والجملة خبر ثان لان او استيناف لبيان ما هو جزائهم اخبارا لها لهم كما اخبر عنهم بجملة مونلفة من معرفتين والمبتدا اسم الاشارة المتضمن لما جعل عنوانا لهم والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة فى الاعتداد بغضهم والارتضاء له تعريضا بشناعة الرفع والجهر وان حال المرتكب لهما على خلاف ذلك وقال البغوي قال انس فكنا ننظر الى رجل من اهل الجنة يمشى بين أيدينا يعنى ثابت بن قيس الذي نزل فيه هذه الاية وقال له عليه السلام تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قال فلما كان يوم اليمامة من حرب مسيلمة الكذاب راى ثابت فى المسلمين انكسارا وانهزمت طايفة منهم فقال أف لهؤلاء وقال لسالم مولى حذيفة ما كنا نقاتل اعداء الله مع رسول الله - ﷺ - مثل ذلك ثم ثبتا وقاتلا حتى استشهد ثابت وعليه درع فراه رجل من الصحابة بعد موته فى المنام انه قال له اعلم ان فلانا رجلا من المسلمين ينزع درعى فذهب به وهى فى ناحية من العسكر عند فرس يستن؟؟؟ به فى طوله وقد وضع علّى درعى برمة فأت خالد بن الوليد فاخبره حتى يسترد درعى وأت أبا بكر
الحجرات 49:4
خليفة رسول الله - ﷺ - وقل له ان علىّ دين حتى يقضى وفلان من رفيقى عتيق- فاخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وضعه فاسترد الدرع واخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فاجاز ابو بكر وصيته قال مالك بن انس لا اعلم وصية اجيزت بعد موت صاحبها الا هذه والله تعالى اعلم واخرج الطبراني وابو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم رض قال جاء ناس من العرب الى حجر النبي - ﷺ - فجعلوا ينادون يا محمد ﷺ فانزل الله تعالى.
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ الاية وما بعدها قرأ الجمهور بضم الجيم وابو جعفر بفتح الجيم وهما لغتان فى جمع حجرة وقال البغوي هى جمع حجر والحجر جمع حجرة فهى جمع الجمع والحجرة قطعة من الأرض احاطتها الجدر ان من الحجر بمعنى المنع والمراد حجرات نساء النبي ﷺ ومن ابتدائية فان المناداة نشأت من جهة الوراء وفيه دلالة على رسول الله - ﷺ - كان داخل حجرة منها إذ لا بد ان يختلف المبدأ والمنتهى وان مناداتهم كان من ورائها فان تعدد القصة يحمل على ان مناداتهم وقع تارة وراء بعض وتارة وراء بعض اخر منها وان اتحد القصة فمناداتهم من ورائها. اما بانهم أتوه حجرة حجرة فنادوه من ورائها او بانهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فانهم كانوا أعرابا من اهل البادية او المعنى لا يعقلون عظمتك ومراعات الحشمة وحسن الأدب والظاهر منه ان بعضهم كانوا من العقلاء ولم يرتض بالتعجيل وانما أسند فعل البعض الى الكل مجازا ويحتمل ان يراد بالنفي القلة إذا لقلة تقع موقع النفي العام- اخرج الثعلبي من حديث جابر ان الذي ناداه عيينة بن حصن واقرع ابن حابس وفدا على رسول الله - ﷺ - فى سبعين رجلا وقت الظهيرة وكان النبي - ﷺ - راقدا فى بعض حجرات نسائه فقالا يا محمد اخرج علينا- واخرج ابن جرير عنه لا قرع بن حابس انه اتى النبي - ﷺ - فقال يا محمد اخرج إلينا فنزلت واخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ان رجلا جاء الى النبي - ﷺ - فقال يا محمد ان مدحى زين وان شتمى شين فقال النبي - ﷺ - ذاك وهو الله فنزلت هذه الاية وهذا مرسل وله شاهد مرفوع من حديث البراء دون نزول الاية واخرج ابن جريج نحوه عن الحسن وذكر البغوي حديث قتادة وجابر بلفظ قال قتادة نزلت يعنى هذه الاية وما بعدها فى ناس من اعراب بنى تميم جاؤا الى النبي ﷺ فنادوا على الباب ويروى ذلك عن جابر قال جاءت بنو تميم فنادوا على الباب اخرج علينا يا محمد فان مدحنا زين وذمنا شين فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول انما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين فقالوا نحن ناس من بنى تميم حبسئنا وشاعرنا وخطيبنا فقال النبي - ﷺ - لثابت بن قيس ابن شماس وكان خطيب النبي - ﷺ - قم فاجبه فقام فاجابه فقام شاعرهم فذكرا بياتا فقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت قم فاجبه فقام فاجابه فقام الأقرع بن حابس فقال ان محمدا ليؤتى له بكل خير تكلم خطيبنا فكان شاعركم أشعروا حسن قولا ثم دنا من النبي - ﷺ - فقال اشهد ان لا اله الا الله واشهد انك رسول الله- فقال رسول الله - ﷺ - ما يضرك ما كان قبل هذا ثم أعطاهم رسول الله - ﷺ - وكساهم وقد كان تخلف فى ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه فاعطاه رسول الله - ﷺ - مثل ما أعطاهم وازرى به بعضهم وكثر اللغط عند رسول الله ﷺ فنزل فيهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآيات الأربع الى غَفُورٌ رَحِيمٌ- وذكر البغوي عن ابن عباس انه قال بعث رسول الله ﷺ سرية الى بنى العنبر وامر عليهم عيينة ابن حصن الفرازي فلما علموا انه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم فسباهم عيينة وقدمهم على رسول الله - ﷺ - فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله - ﷺ - قائلا فى اهله فلما رأتهم الذراري اجهشوا الى ابائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله - ﷺ - حجرة فعجلوا قبل ان يخرج إليهم رسول الله - ﷺ - فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم فقالوا يا محمد فادنا عيالنا فنزل جبرئيل عليه السلام فقال ان الله يأمرك ان تجعل بينك وبينهم رجلا فقال لهم رسول الله - ﷺ - أترضون ان يكون بينى وبينكم سيرة بن عمرو وهو غلى دينكم فقالوا نعم فقال سيرة انا لا احكم بينهم الا وعمى شاهد وهو الأعور بن بشامة فرضوا به فقال الأعور ارى ان تفادى نصفهم وتعتق نصفهم فقال - ﷺ - قد رضيت ففادى نصفهم وأعتق بعضهم وانزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا يعنى
لو ثبت صبرهم يعنى حبس نفوسهم عما تشتهيه الأهواء من التعجيل فى قضاء الحوائج بخلاف ما يقتضيه العقل من تعظيم المحتاج اليه لا سيما من هو من الله بمنزلة من لا يوازيه أحد حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ يعنى صبرا مغيا بالخروج إليهم- فيه اشعار الى ان مطلق الخروج لا يصلح غاية للصبر بل ينبغى ان يصبروا حتى يتوجه إليهم ويفاتحهم بالكلام لَكانَ الصبر خَيْراً لَهُمْ من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول - ﷺ - الموجبتين للثناء والثواب واسعاف المرام قال مقاتل لكان خيرا لهم لانك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فاقتصر على النصح والتقريع للمسببين للادب التاركين تعظيم الرسول - ﷺ - بناء على جهلهم وقلة عقلهم وذكر محمد بن
الحجرات 49:6
يوسف الصالحي ان سرية عيينة بن حصن كان الى بنى تميم فى المحرم سنة تسع بعث إليهم رسول الله ﷺ حين منعوا الزكوة وكان السبايا على ما ذكر محمد بن عمر احدى عشر امرأة وثلثين صبيا واخرج احمد وغيره بسند جيد عن الحارث بن الضرار الخزاعي قال قدمت الى رسول الله - ﷺ - فدعانى الى الإسلام فاقررت به ودخلت فيه ودعائى الى الزكوة فاقررت بها وقلت يا رسول الله ارجع الى قومى فادعوهم الى الإسلام وأداء الزكوة فمن استجاب لى جمعت زكوته فترسل الى الإبان كذا وكذا لياتيك فلما جمع الحارث الزكوة وبلغ الإبان احتبس الرسول فلم يأته فظن الحارث انه قد حدث فيه سخطة فدعى سروات قومه فقال لهم ان رسول الله - ﷺ - كان وقت وقتا يرسل رسوله ليقبض ما عندى من الزكوة وليس من رسول الله - ﷺ - الخلف ولا ارى حبس رسوله الا من سخطه فانطلقوا فناتى رسول الله - ﷺ - وبعث رسول الله - ﷺ - الوليد بن عقبة ليقبض ما كان عنده فلما ان سار الوليد فرق فرجع فقال ان الحارث منع الزكوة وأراد قتلى فضرب رسول الله - ﷺ - البعث الى الحارث فاقبل الحارث بأصحابه إذا استقبل البعث قال لهم الى اين بعثتم قالوا إليك قال لم قالوا ان رسول الله - ﷺ - بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم انك منعت الزكوة وأردت قتله قال لا والذي بعث محمدا بالحق ما رايته ولا أتاني فلما دخل على رسول الله - ﷺ - قال منعت الزكوة وأردت قتل رسولى قال لا والذي بعثك بالحق فنزلت.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الى قوله غفور رحيم وروى الطبراني نحوه من حديث جابر بن عبد الله وعلقمة ابن ناحية وأم سلمة وابن جرير نحوه من طريق العوفى عن ابن عباس ومن طرق اخرى وسلمة وفى حديث أم سلمة عند الطبراني وكذا ذكر البغوي ان الاية نزلت فى وليد بن عقبة بن ابى معيط بعثه رسول الله - ﷺ - الى بنى المصطلق مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة فى الجاهلية فلما سمعه القوم تلقوه تعظيما لامر رسول الله - ﷺ - فحدثه الشيطان انهم يرون قتله فهابهم فرجع من الطريق الى رسول الله - ﷺ - وقال ان بنى المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلى فغضب رسول الله - ﷺ - وهم ان يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فاتوا رسول الله - ﷺ - قالوا يا رسول الله لما سمعنا برسولك خرجنا نتلقاه ونكرمه ونودى اليه ما قبلناه من حق الله عز وجل فبدأ له الرجوع فخشينا انه انما رده من الطريق كتاب جاء منك بغضب غضبته علينا وانا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله قال البغوي فاتهمهم رسول الله - ﷺ - وبعث خالد بن الوليد خفية فى عسكر وامره ان يخفى عليهم وقال له انظر فان رأيت
الحجرات 49:7
منهم ما يدل على ايمانهم فخذ منهم زكوة أموالهم وان لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل فى الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلوة المغرب والعشاء وأخذ صدقاتهم ولم ير فيهم الا الطاعة والخير فانصرف الى رسول الله - ﷺ - وأخبره الخبر فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ يعنى الوليد ابن عقبة بِنَبَإٍ
اى بخبر ارتداد القوم وتنكير الفاسق ولنبأ لشيوع الحكم كانه قال اى فاسق جاءكم باى نبأ- فَتَبَيَّنُوا قرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة ثم الباء الموحدة ثم التا المثناة من الفوق من التثبت بمعنى التوقف فى الحكم مالم يظهر الحال والباقون بالباء الموحدة ثم الياء المثناة من تحت ثم النون من التبين بمعنى طلب البيان وظهور الحال والقراءتان متقاربان معنى وتعليق التثبت والتبين يخبر الفاسق يقتضى جواز قبول خبر الواحد العدل لعدم المانع من قبول خبره والفسق فى اللغة الخروج يقال فسقت الرطبة عن قشرها وفى اصطلاح الشرع قد يطلق على الكافر لخروجه عن الايمان وهو الغالب فى محاورة القران وقد يطلق على من ارتكب الكبيرة او أصر على الصغيرة مالم يتب وهو المراد فى هذه الاية اجماعا قلت والوليد ابن عقبة رض كان صاحبا لرسول الله - ﷺ - ولم يكن فسقه ظاهرا قبل هذا الكذب المبنى على فساد ظنه واتهامه من كان له اعداء فى الجاهلية فلعل المراد بالفاسق هاهنا من لم يظهر صدقه وعدالته فيدخل فيه مستور الحال ايضا او المراد بالفاسق من كان مخبر الشيء يدل القرينة على كذبه وان كان المخبر ظاهر العدالة فان ارتداد بنى المصطلق بعد ايمانهم عند رسول الله - ﷺ - طوعا وقبولهم أحكامه ابعد احتمالا من كذب الوليد عمدا او زعما فاسدا- أَنْ تُصِيبُوا اى كراهة ان تصيبوا او لئلا تصيبوا بالقتل والقتال قَوْماً براء من العصيان بِجَهالَةٍ حال من فاعل تصيبوا يعنى جاهلين بحقيقة الأمر وحال القوم فَتُصْبِحُوا اى تصيروا عطف على تصيبوا عَلى ما فَعَلْتُمْ متعلق بقوله نادِمِينَ وهو خبر لتصبحوا يعنى تصيروا نادمين على أصابتكم قونا براء والندامة نوع من الغم على ما صدر منك بحيث تتمنى انه لم يصدر الظاهر من سياق الاية ان بعض المؤمنين كانوا زينوا رسول الله - ﷺ - الإيقاع بينى المصطلق وتصديق قول الوليد والنبي - ﷺ - لم يطعهم وبعث خالدين الوليد للتثبت وتبيين الحال قال الله سبحانه خاطبهم بهذه الاية وأمرهم بالتثبت والتبيين كما فعله رسول الله - ﷺ - كيلا يصبحوا نادمين وبينهم على انه لا ينبغى لهم تحريص النبي - ﷺ - وإلجاؤه الى ما تهوى به نفوسهم بل يجب عليهم ان يطيعوه فيما أحبوا وفيما كرهوا يدل عليه قوله تعالى.
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ
الحجرات 49:8
مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ اى وقعتم فى الإثم والهلاك قال البيضاوي جملة لو يطيعكم حال من أحد ضميرى فيكم وان مع اسمه وخبره مقيدا بالحال المذكور ساد مسد مفعولى اعلموا والمعنى ان فيكم رسول الله فى حال يجب تغيرها وهى انكم تريدون ان يتبع رايكم ولو فعل ذلك لعنتم ولما كان غضبهم على بنى المصطلق انما هو لما سمعوا من الوليد ارتدادهم بغضا فى الله لا لانفسهم وكان ما سبق من الكلام موهما لوقوعهم فى الإثم واللوم استدرك الله سبحانه ببيان عذرهم وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ط الظاهر من سياق الاية ان الفسوق أخف من الكفر وأقبح من العصيان فالمراد به الخروج من الجماعة وارتكاب البدعة فى العقائد بحد لا يكفر فهو دون من الكفر وأخبث من عصيان الجوارح ومعنى الاية لكن ما صدر منكم من ترك التثبت انما كان لحبكم الايمان وبغضكم الكفر فلا لوم عليكم ولا اثم أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ جملة معترضة وفيه التفات من الخطاب الى الغيبة اشعارا بان من كان صفته مثل صفتكم فهم الراشدون.
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ط منصوبان على العلية من حبب وكره لا من الراشدون فان الفضل فعل الله والراشدون كان مسببا بفعله لكنه أسند الى ضميرهم او على المصدرية فان تحبب الايمان فضل من الله وانعام وقال بعض ائمة التفسير معنى قوله ان فيكم رسول الله فلا تكذبوه فان الله يخبره فيهتك ستر الكاذب وقوله لو يطيعكم فى كثير من الأمر كلام مستانف يعنى لو يطيعكم الرسول فيما يخبرونه كاذبا لعنتم وهذا التأويل يقتضى ان يكون قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ خطابا بالوليد وأمثاله وليس كك فان الكاذب غير مخاطب بالتثبت بل السامع مخاطب به وقال بعضهم واعلموا ان فيكم رسول الله معناه كما مر ان لا تكذبوا ولو يطيعكم كلام مستانف خطاب لبعض المؤمنين الذين زينوا رسول الله - ﷺ - الإيقاع ببني المصطلق والاستدراك خطاب لبعض اخر من المؤمنين الذين يريدون التثبت وهم المعينون بقوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ وهذا القول يفيد جد الا لاستلزامه انتشار الضمائر فى كلام واحد من غير قرينة وامر داع اليه والأحسن ما قال البيضاوي وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال المؤمنين حَكِيمٌ يفضل وينعم بالتوفيق عليهم اخرج الشيخان عن انس ان النبي - ﷺ - ركب حمارا وانطلق الى عبد الله بن ابى فقال إليك عنى فو الله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار والله لحماره أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتما وغضب لكل واحد أصحابه
الحجرات 49:9
فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت فيهم.
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مرفوع بفعل مضمر اعنى اقتتل يفسره قوله تعالى اقْتَتَلُوا يعنى تقاتلوا أورد صيغة الجمع حملا على المعنى فان كل طائفة جمع فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ج شرطية جزائه إنشاء ولدا عطف على الانشائيات وثنى الضمير هاهنا نظرا الى لفظ الطائفتين والإصلاح ان يمنع المبطل منها من الظلم ويدفع شبهة ويدعوهما الى كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - وترك التحاسد والتباغض فَإِنْ بَغَتْ اى تعدت إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى وأبت الاجابة الى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ولا يمكن دفع ظلمها بالحبس والمنع بان كان لها منعة فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اى ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ ج عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - انصر أخاك ظالما او مظلوما فقال الرجل يا رسول الله انصره مظلوما فكيف انصره ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه متفق عليه فَإِنْ فاءَتْ الى امر الله بعد المقاتلة فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ فيه الإصلاح بالعدل هاهنا اشعارا بان المقاتلة الواقع قبل ذلك لا يجرمنكم على ان لا تعدلوا وَأَقْسِطُوا ط فى الأمور كلها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ فيحسن جزاؤه القسط الجور والاقساط ازالة الجور بالعدل والهمزة للسلب.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ لانتسابهم الى اصل واحد وهو الايمان الموجب للحيوة الابدية ولما كان منشأ هذا الأصل هو النبي - ﷺ - كان أبا المؤمنين وأزواجه أمهاتهم وهذه الجملة تعليل وتقرير للامر بالإصلاح ولذلك كرره مرتبا عليه فقال فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وضع الظاهر موضع المضمر مضافا الى المأمورين للمبالغة فى التقرير والفاء للسببية قرأ يعقوب بين إخوتكم بالتاء الفوقانية على الجمع والباقون بالياء التحتانية على التثنية وخض الأنثيين بالذكر لانهما اقل من يقع بينهما الخلاف وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تخالفوا امره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ على تقوكم فان التقوى سبب للتواصل والايتلاف والتراحم بينكم والتراحم موجب رحمة الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام انما يرحم الله من عباده الرحماء رواه المجدد رضى الله تعالى عنه وفى الصحيحين لا يرحم الله من لا يرحم الناس من حديث جرير بن عبد الله قال البغوي يروى انها لما نزلت قرأها رسول الله - ﷺ - فاصطلحما وكف بعضهم عن بعض واخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابى مالك قال تلاحى رجلان من المسلمين فغضب قوم هذا لهذا وقوم هذا لهذا فاقتتلوا بالأيدي والنعال فانزل الله تعالى تلك الاية ولعل هذه القصة بعينه هى السابقة- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وكذا ذكر البغوي عن السدى قال كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد وان المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها فى علية له وان المرأة بعثت الى أهلها فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها وكان الرجل قد خرج فاستعان اهله فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم فبعث إليهم رسول الله - ﷺ - فاصلح بينهم وفاؤا الى امر الله واخرج ابن جرير وذكر البغوي عن قتادة قال ذكر لنا ان هذه الاية نزلت فى رجلين من الأنصار وكانت بينهما مداراة فى حق بينهما فقال أحدهما لاخر لاخذن عنوة لكثرة عشيرته او الاخر دعاه للتحاكم الى النبي - ﷺ - فابى فلم يزل الأمر حتى تدافعوا وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف- واخرج ابن جرير عن الحسن قال كانت الخصومة بين الحيين فيدعوهم الى الحكم فيابون ان يجيبوا فانزل الله تلك الاية ولعل هذه القصة ما ذكر قتادة روى البغوي وغيره عن سالم عن أبيه ان رسول الله - ﷺ - قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجة ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستر الله يوم القيامة وروى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذ له ولا يحقره التقوى هاهنا وأشار الى صدره ثلث مرار يحسب امرا عن الشر ان يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وفى الآيتين دليل على ان البغي لا يزيل اسم الايمان قال البغوي ويدل عليه ما روى عن الحارث الأعور أن على بن ابى طالب رض سئل عن الحمل والصفين أمشركون هم فقال لا من الشرك فروا فقيل منافقين هم فقال لا ان المنافقين لا يذكرون الله الا قليلا فما حالهم قال إخواننا بغوا علينا- (مسئلة) إذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة وخرجوا عن إطاعة الامام دعاهم الى العود وكشف شبهتهم فان ابد واما يجوز لهم القتال كان ظلمهم الامام او ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه يجب على الناس ان يعينوهم حتى ينصفهم الامام ويرجع عن جوره كذا قال ابن الهمام وان لم يبدوا ذلك وتحيزوا للقتال مجتمعين حل لنا قتالهم بدا وقال الشافعي لا يجوز قتالهم حتى ابتدأ وبالقتال وهو قول مالك واحمد واكثر اهل العلم لان قتل المسلم لا يجوز الا دفعا وهم مسلمون قال الله تعالى فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا قلنا البغي فى اللغة الطلب قال الله تعالى ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ- والمراد هاهنا طلب ما يخل من الجور والظلم والإباء عن قبول احكام الشرع كما فى قوله تعالى فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يعنى لا تطلبوا عليهن ظلما فلا يشترط فى جواز قتالهم بداية القتال منهم وانما شرطنا منعتهم لانه إذا لم يكن لهم منعة نقدر على
إلزامهم بالحبس والضرب ونحو ذلك فلا حاجة على القتال ولو شرطنا بداية القتال منهم فربما لا يمكن دفعهم لتقوى شوكتهم وتكثر جمعهم (مسئلة) يجهز على الجريح من البغاة ويتبع مولهم ان كان لهم فيئة يخاف ان يلحق بالفيئة وان لم يكن له فئة لا يجهز ولا يتبع وقال الشافعي ومالك واحمد لا يجهز ولا يتبع فى الحالين لان القتال إذا تركوه بالتولية والجراحة لم يبق قتلهم دفعا ولا يجوز قتلهم الا دفعا لشرهم روى ابن ابى شيبة عن عبد خير عن على انه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا ومن القى سلاحه فهو أمن وأسند ايضا لا يقتل أسير قلنا احتمال شرهم باق إذا خيف لحوقهم بالفيئة واصحاب الجمل لم يكن لهم فئة حين قال ذلك وما رواه الحاكم فى المستدرك والبزار فى مسنده من حديث كوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمران رسول الله - ﷺ - قال هل تدرى يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الامة قال الله تعالى ورسوله اعلم قال لا تجهز على جريحها ولا يقتل أسيرا ولا يقسم فيئها فاعله البزار بكوثر بن حكيم وتعقب الذهبي على الحاكم- (مسئلة) ولا مسى ذريتهم ولا يقسم مالهم اجماعا بل يحبس مالهم حتى يتوبوا روى ابن ابى شيبة ان عليا لما هزم طلحة وأصحابه امر مناديا فنادى ان لا يقتل مقبل ولا مدبر يعنى بعد الهزيمة ولا يفتح باب ولا يستحل فرج ولا مال وروى عبد الرزاق نحوه وزاد وكان على لا يأخذ مال المقتول ويقول من اعترف شيئا فلياخذه وفى تاريخ واسط بإسناده عن على انه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا وإياكم والنساء وان شتمن اعراضكم وسبين امراؤكم (مسئلة) ولا بأس ان تقاتلوا بسلاحهم ان احتاج اليه اهل العدل وكذا الكراع يقاتلون عليه وقال الشافعي ومالك واحمد لا يجوز استعمال سلاحهم وكراعهم لنا ما روى ابن ابى شيبة فى اخر مصنفه فى باب وقعة الجمل ان عليا قسم الجمل فى العسكر ما اجافوا عليه من كراع وسلاح قال صاحب الهداية وكان قسمة للحاجة لا للتمليك لانعقاد الإجماع على عدم تملك أموالهم- (مسئلة) ما أتلف اهل البغي على اهل العدل فى حال القتال من نفس او مال فان كان لهم منعة وتاويل مالك وابو حنيفة واحمد فى رواية والشافعي فى الجديد الراجح انه لا يضمن وقال الشافعي فى رواية الاخرى واحمد يضمن قال البغوي قال ابن شهاب كانت فى تلك
الحجرات 49:11
الفتنة دماء يعرف فى بعضها القاتل والمقتول وأتلف اموال ثم صار الناس الى ان سكت الحرب وجرى الحكم عليهم فما علمة اقتص من أحد ولا أغرم مالا اتلفه (مسئلة) باغ قتل عادلا مدعيا حقيقة يرثه وان اقرانه على الباطل لا يرث عند ابى حنيفة وعند ابى يوسف والشافعي لا يرث الباغي العادل سواء ادعى حقيقة او اقرانه على باطل وعادل قتل باغيا يرث اجماعا- (مسئلة) الخارجون عن إطاعة الامام إذا لم يكن لهم تاويل سواء كان لهم منعة أو لا ويأخذون اموال الناس ويقتلونهم الطريق فهم قطاع الطريق وقد مر حكمهم فى سورة المائدة ان يقتلوا ويصلبوا او تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وينفوا من الأرض (مسئلة) من كان خارجا من حكم الامام ولا منعة له يلزمه حكم الله بالحبس والضرب ونحو ذلك ولا يجوز قتله- قال البغوي روى ان عليا سمع رجلا يقول فى ناحية المسجد لا حكم الا الله فقال على كلمة حق أريد به الباطل لكم علينا ثلث لانمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله عز وجل ولانمنعكم الفيء ما دامت ايديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال كذا قال محمد بلغنا عن على رض فذكر نحوه والله اعلم- وذكر البغوي عن ابن عباس انه كان ثابت بن قيس بن شماس فى اذنه وقرو كان إذا اتى رسول الله ﷺ وقد سبقوا بالمجلس وسعوا له حتى يجلس الى جنبه فسمع ما يقول فاقبل ذات يوم وفاتته ركعة من صلوة الفجر فلما انصرف رسول الله - ﷺ - من صلوة أخذ أصحابه مجالسهم فضيق كل رجل بمجلسه فلا يكاد
يوسع أحد لاحد فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا قام قايما كما هو فلما فرغ ثابت من الصلاة اقبل نحو رسول الله - ﷺ - يتخطى رقاب الناس ويقول تفسحوا فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى الى رسول الله - ﷺ - بينه وبينه رجل فقال له تفسح فقال الرجل قد أصبت مجلسا فاجلس فجلس ثابت خلفه مغضبا فلما انجلت الظلمة عمر ثابت الرجل فقال من هذا قال انا فلان فقال ثابت ابن فلانة فذكرا ماله كان يغير بها فى الجاهلية فنكس الرجل راسه واستحى فانزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ فى القاموس القوم الجماعة من الرجال والنساء معا او الرجال خاصة وتدخله النساء على التبجية وفى الصحاح القوم جماعة الرجال فى الأصل دون النساء واستدل بهذه الاية حيث عطف النساء عليه ويقول الشاعر وما أدرى لست إخال أدرى أقوم ال حصن أم نساء وفى عامة القران أريد به الرجال والنساء جميعا وحقيقة للرجال لقوله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ على النساء كذا قال صاحب المدارك وقال البيضاوي هو مصدر نعت به فشاع فى الجمع او جمع لقايم كزائر وزور والقيام بالأمور وظيفة الرجال وحيث فسر بالقبيلتين كقوم هود وقوم فرعون وقوم نوح وقوم لوط فاما على التغليب او الاكتفاء بذكر الرجال عن ذكرهن لانهن توابع واختيار الجمع لان السخرية تغلب فى المجامع عَسى أَنْ يَكُونُوا اى من يسخر به خَيْراً مِنْهُمْ اى من يسخر استيناف وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عطف النساء على الرجال ولم يكتف بما سبق مبالغة فى النهى ولان السخرية والاستهزاء يكون فى النساء غالبا لضعف عقلهن وجهلهن قال البغوي روى عن انس انها نزلت فى نساء رسول الله - ﷺ - عيّرن أم سلمة بالقصر وعن عكرمة عن ابن عباس انها نزلت فى صفية بنت حيى بن اخطب قالت لها النساء يهودية بنت يهوديين وفى رواية فقال لها رسول الله - ﷺ - هلا قلت ان ابى هارون وعمى موسى وزوجى محمد عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ المز الطعن باللسان يعنى لا يعب بعضكم بعضا وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ ط التنابز التفاعل من النبز بمعنى اللقب قال البيضاوي النبز مختص باللقب السوء وفى القاموس التنابز التعاير والتداعي بالألقاب يعنى لا تدع بعضكم بعضا للقب السوء قال البغوي قال عكرمة هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر قال الحسن كان اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه يا يهودى يا نصرانى فنهو عن ذلك قال عطاء هو ان تقول لاخيك يا حمار يا خنزير وروى عن ابن عباس رض قال التنابز ان يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهى ان يعير بما سلف من عمله اخرج اصحاب السنن الاربعة عن ابى حبيرة بن الضحاك قال كان الرجل منها يكون له اسمان او ثلثة فيدعى ببعضها فعسى ان يكره فنزلت ولا تنابزوا بالألقاب قال الترمذي حسن وروى احمد عنه بلفظ قال فينا نزلت بنى سلمة ولا تنابزوا بالألقاب قدم رسول الله - ﷺ - للمدينة وليس فيها إلا وله اسمان او ثلثة فكان إذا دعاه أحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا يا رسول الله انه يغضب من هذا فنزلت بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ ج اى بئس الاسم ان يقال له يهودى او يا فاسق او يا شارب الخمر بعد ما ان تاب عن ابى ذر قال قال رسول الله - ﷺ - لا يرمى رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر الا ارتدت عليه ان لم يكن صاحبه كذلك رواه البخاري عن ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - أيما رجل قال لاخيه كافر فقد باء بها أحدهما متفق عليه وعن ابى ذر قال قال رسول الله - ﷺ - من دعى رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس ذلك إلا جاء عليه متفق عليه وقيل معنى الاية ان السخرية واللمز والنبز فسوق وبئس الاسم الفسوق بعد الايمان فلا تفعلوا شيئا توصفوا فيه باسم الفسوق عن ابن مسعود قال قال رسول الله - ﷺ - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه ورواه ابن ماجة عن ابى هريرة وعن سعد والطبراني عن عبد الله بن مغفل وعن عمر بن النعمان بن مقرن والدارقطني عن جابر وزاد الطبراني عن ابن مسعود وحرمة ماله كحرمة دمه وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عما نهى عنه من السخرية واللمز والنبز فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب وحد ضمير لم يتب نظرا الى لفظة من وجمع ضميرهم الظالمون نظرا الى معناها نسبة المحصن الى الزنا يوجب حد القذف اجماعا وسنذكر مسائل حد القذف فى سورة النور إنشاء الله تعالى ونسبة غير المحصن كالعبد والكافر الى الزنا لا يوجب الحد لانحطاط درجتها بل يوجب التعزير لا شاعة الفاحشة ونسبة المحصن الى غير الزنا لا يوجب حد القذف ويوجب التعذير ان كانت النسبة الى فعل اختياري يحرم فى الشرع
ويعد عارا فى العرف والا لا الا ان يكون تحقيرا للاشراف فمن قال لمسلم يا فاسق يا كافر يا خبيث يا سارق يا فاجر يا مخنث يا خائن يا زنديق يا لص يا ديوث يا قرطبان يا شارب الخمر يا أكل الربوا يعزر قال ابن همام روى انه عليه السلام عزر رجلا قال لغيره يا مخنث ولو قال يا حمار يا خنزير يا كلب يا تيس يا حجام لا يعزر وقيل يعزر وقيل لا الا ان يقر لعالم او علوى او رجل صالح ولو قال يا لاعب بالنرد ويا عشار لا يعزر لانها لا يعد عارا عرفا وان كان محرما شرعا- (مسئلة) لا يبلغ بالتعزير ادنى الحدود عند ابى حنيفة والشافعي عفى الله عنهما وادنى الحدود عند ابى حنيفة رح أربعون سوطا حد الشرب فى العبد وعند ابى يوسف ثمانون حد الأحرار وعند الشافعي واحمد عشرون وقال مالك للامام ان يضرب فى التعزير اى عدد ادى اليه اجتهاده وقال احمد يعزر فى الوطي فيما دون الفرج بشبهة اكثر من ادنى الحدود ولا يبلغ أعلاها وفى قبلة اجنبية او شتم او سرقة دون النصاب لا يبلغ ادنى فى الحدود والله تعالى اعلم وذكر البغوي ان رسول الله - ﷺ - إذا غزى او سافر ضم الرجل المحتاج الى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدم لهما الى المنزل فيهىء لهما وما يصلحها من الطعام والشراب فضم سلمان الفارسي رض الى رجلين فى بعض أسفاره فتقدم سلمان الى المنزل فغلبته عيناه فلم يهىء لهما شيئا فلما قالا له ما صنعت شيأ قال لا اغلبتنى عيناى قالا له انطلق الى رسول الله - ﷺ - فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان الى رسول
الحجرات 49:12
الله - ﷺ - وساله طعاما فقال رسول الله - ﷺ - انطلق الى اسامة بن زيد وقل له ان كان عنده فضل من طعام وادام فليعطك وكان اسامة خازن رسول الله - ﷺ - وعلى رحله فاتاه فقال ما عندى شىء فرجع سلمان إليهما وأخبرهما فقالا كان عند اسامة ولكن بخل فبعثا سلمان الى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالا لو بعثنا إلى بئر سميحة يغار مائها ثم انطلقا يتجسسان هل عند اسامة ما امر لهما به رسول الله - ﷺ - فلما جاء الى رسول الله قال لهما مالى ارى خضرة اللحم فى أفواهكما قالا والله يا رسول الله ماتنا ولنا يومنا هذا لحما قال ضللتم تأكلون لحم سلمان واسامة فانزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ الاية قال السيوطي رواه الثعلبي بغير اسناد وروى معناه الاصبهانى فى الترغيب عن عبد الرحمن بن ابى ليلى واخرج ابن المنذر عن ابن جريج قالوا زعموا ان قوله تعالى لا يغتب بعضكم بعضا نزلت فى سلمان الفارسي أكل ثم رقد فنفخ فذكر رجلان أكله رقادة والله تعالى اعلم إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ تعليل مستانف للامر والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه والهمزة بدل من الواو كانه يثم الأعمال ويكسرها والمراد بالظن هاهنا ما يقابل اليقين سواء كان جانب الوجود فيه راجحا أو لا وتحقيق المقام ان الظن على اقسام منها ما يجب اتباعه وهو حسن الظن بالله تعالى والمؤمنين والمؤمنات وما يحصل بدليل شرعى فيه شبهة حيث لا قاطع فيه من العمليات وكذا فى العلميات ان لم يعارضه قاطع من احوال المبدأ والمعاد ومنها ما يحرم اتباعه كسوء الظن بالمؤمنين والمؤمنات لا سيما بالصالحين منهم والظن فى الإلهيات والنبوات وحيث يخالفه قاطع ومنها ما ليس من القسمين المذكورين كالظن فى الأمور المعاشية ونحوها- والإثم انما هو بعض الظن يعنى قسم الثاني منها والله سبحانه امر بالاجتناب عن كثير من الظن احتياطا ومبالغة فى اجتناب الإثم وفيجتنب عما هو اثم وعما هو يشبه به قال رسول الله - ﷺ - الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهة الحديث وَلا تَجَسَّسُوا الجس فى اللغة المس باليد والتجسس تفحص الاخبار باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس والمراد هاهنا لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوا عوراتهم حتى لا يظهر عليكم ما ستره الله منها عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافروا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح او ينزل رواه ملك واحمد وابن ماجة وابو داود والترمذي وصححه وعن ابن عمران النبي ﷺ قال يا معشر من أمن بلسانه ولم يفض الايمان الى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فانه من تتبع عورات المسلمين يتبع الله عوراته فيفضحه ولو فى جوف رحله رواه الترمذي وحسنه وابن حبان قال زيد بن وهب قيل لابن مسعود هل لك فى الوليد بن عقبة تقطر لحية خمرا قال نهينا عن التجسس فان يظهر لنا شىء ناخذ به وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ط اى لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء فى غيبته عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال أتدرون ما الغيبة- قال الله ورسوله اعلم قال ذكر أخاك بما يكره قيل ارايت ان كان فى أخي ما أقول قال ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهته متفق عليه وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده انهم ذكروا عند رسول الله - ﷺ - رجلا قال لا يأكل حتى يطعم ولا يرحل حتى يرحل فقال النبي - ﷺ - اغتبتموه فقالوا انما حدثنا بما فيه قال حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه رواه البغوي- أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على افحش وجه مع مبالغات الاستفهام الذي معناه الإنكار المستلزم لتقرير النفي واسناد الفعل الى أحد للتعليق وتعليق المحبة بما هو فى غاية الكراهة وتمثيل الاغتياب يأكل لحم الإنسان ولم يقتصر عليه حتى جعله أخا ولم يقتصر عليه حتى جعله ميتا وتعقب ذلك يقوله فَكَرِهْتُمُوهُ ط تقريرا وتحقيقا لذلك وجملة فكرهتموه جزاء شرط محذوف تقديره ان صح ذلك إذ عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم انكار كراهة او هى معطوف على الاستفهام المذكور فان معناه نفى المحبة الموهوم عدم الكراهة فلدفع ذلك الوهم عطف عليه- وجاز ان تكون الفاء للسببية والماضي بمعنى المستقبل والمعنى انه لا يحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا انكم تكرهونه وقال مجاهد لما قيل لهم أيحب أحدهم ان يأكل إلخ فكانهم قالوا لا فقيل كرهتموه فكانه معطوف على محذوف والحاصل انكم كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غايبا عن انس بن مالك عن رسول الله - ﷺ - قال لما خرج بي مررت بقوم لهم اظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم
قلت من هؤلاء فقال هؤلاء الذين يأكلون لحرم الناس ويقعون فى اعراضهم- رواه البغوي قال ميمون بيننا انا نائم إذا انا بجيفة زنجى وقائل يقول كل قلت يا عبد الله ولم أكل قال بما اغتبت عبد فلان قلت والله ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا قال لكنك استمعت ورضيت وكان ميمون لا يغتاب أحدا ولا يدع أحدا ان يغتاب عنده عن عائشة رضى الله عنها قلت للنبى - ﷺ - حسبك من صفية كذا وكذا يعنى قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته رواه احمد والترمذي وابو داود عن ابى سعيد وجابر قالا قال رسول الله - ﷺ -
الحجرات 49:13
الغيبة أشد من الزنا قالوا يا رسول الله وكيف الغيبة أشد من الزنا قال ان الرجل يزنى فيتوب الله فيغفر له وان صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه (فائدة) فى كفارة الغيبة عن انس رض ان رسول الله - ﷺ - قال ان من كفارة الغيبة ان يستغفر لمن اغتبته تقول اللهم اغفر لنا وله رواه البيهقي- (فائدة) عن خالد ابن معدان عن معاذ قال قال رسول الله - ﷺ - من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله يعنى من ذنب قد تاب منه رواه الترمذي وخالد لم يدرك معاذا وَاتَّقُوا اللَّهَ ط بترك ما نهيتم عنه والندم على ما وجد منكم منه إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ يقبل توبتكم مبالغ فى قبول التوبة حيث يجعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له- رَحِيمٌ بالعباد لا يرضى ان يقع بعضكم فى عرض بعض- ذكر البغوي انه قال مقاتل لما كان يوم فتح مكة امر رسول الله - ﷺ - بلالا حتى اتى على ظهر الكعبة واذن فقال عباد بن أسيد الحمد لله الذي قبض ابى حتى لم ير هذا اليوم وقال الحارث بن هشام اما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا وقال سهيل بن عمرو ان يرد الله شيئا يغيره وقال ابو سفيان انى لا أقول شيئا أخاف ان يخبر به رب السماء فاتاه جبرئيل عليه السلام فاخبر رسول الله - ﷺ - بما قالوا فدعاهم وسألهم عما قالوا فاقروا فانزل الله تعالى هذه الاية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقر وقال.
يا أَيُّهَا النَّاسُ الاية ولم يقل يايّها الذين أمنوا لانهم لم يكونوا أمنوا فى ذلك الوقت واخرج ابن ابى حاتم عن ابى مليكة هذه القصة مختصرا وقال ابن عساكر فى مبهماته وجدت بخط ابن بشكو الى ان أبا بكر بن ابى داود اخرج فى تفسير له انها نزلت فى اى هذا امر رسول الله - ﷺ - بنى بياضة ان يزوجوه امراة منهم فقالوا يا رسول الله تزوج بناتنا موالينا فنزلت الاية وقال البغوي قال ابن عباس تزلت فى ثابت بن قيس وقومه للرجل الذي لم ينفسح له ابن فلانة فقال النبي - ﷺ - من الذاكر فلانة فقال ثابت انا يا رسول الله فقال انظر وجه القوم فقال ما رايت يا ثابت فقال رايت ابيض وو احمر واسود فانك لا تفضلهم الا فى الدين والتقوى فنزلت فى ثابت هذه الاية وفى الذي لم يفسح يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا- إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يعنى نوع البشر من آدم وحواء او كل واحد منكم من اب وأم فلا مزية لاحد على غيره ولا وجه للتفاخر وجاز ان يكون تقريرا للاخوة المانعة من الاغتياب وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ كانت العرب يعتبر فى النسب ست طبقات أعلاها الشعب وهى الجمع العظيم المنتسبون الى اصل واحد وهى تجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطن تجمع الا فخاذ والفخذ تجمع الفصائل والفصيلة تجمع العشائر وليس بعد العشيرة حى يوصف به وقيل الشعوب من العجم والقبائل من العرب والأسباط من بنى إسرائيل وقال ابو رواق الشعوب من الذين لا يعتزون الى أحد بل ينتسبون الى المدن والقرى والقبائل من العرب الذين ينتسبون الى ابائهم- لِتَعارَفُوا ط حذف أحد التاءين اى لتعرف بعضهم بعضا فى قرب النسب وبعده لا ليتفاخروا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ط قال قتادة فى هذه الاية ان أكرم الكرم التقوى وآلام اللوم الفجور عن سمرة قال قال رسول الله - ﷺ - الحسب المال الكرم التقوى رواه احمد وترمذى وصححه وابن ماجة والحاكم وقال ابن عباس كرم الدنيا الغنا وكرم الاخرة التقوى وعن ابن عمران النبي - ﷺ - طاف يوم الفتح على راحلة يستلم الأركان بمجحنه؟؟؟ فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ثم قام فخطب بهم فحمد الله واثنى عليه وقال الحمد لله الذي اذهب عنكم غبية الجاهلية وتكبرها الناس رجلان بر تقى كريم على الله وفاجر شقى هين على الله ثم تلى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى الاية ثم قال أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم رواه الترمذي والبغوي واخرج الطبراني فى الأوسط عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - إذا كان يوم القيامة امر الله مناديا ينادى الا انى جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فابيتم الا ان تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم ارفع نسبى واضع نسيكم اين المتقون وعن ابى هريرة قال سئل رسول الله - ﷺ - اى الناس أكرم على الله قال أكرمهم عند الله اتقاهم قالوا ليس عن هذا نسئلكم قال فاكرم الناس يوسف نبى الله ابن نبى الله بن نبى الله بن نبى الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألون قالوا نعم قال فخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا رواه البخاري وغيره وعنه قال قال رسول الله - ﷺ - ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم رواه مسلم وابن ماجة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ببواطنكم وفضائلكم ذكر البغوي ان نفرا من بنى اسد قدموا على رسول الله - ﷺ - فى سنة جدبة فاظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين فى السر فافسدوا طرق المدينة بالقذرات واغلوا اشعارها وكانوا يغدون ويروحون الى رسول الله - ﷺ - ويقولون اتتك العرب بانفسها على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان يمنون على النبي - ﷺ - ويريدون الصدقة
الحجرات 49:14
ويقولون أعطنا فانزل الله تعالى.
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ط الاية قال السدى نزلت فى الاعراب الذي ذكرهم الله فى سورة الفتح وهم اعراب جهينة ومزينة واسلم وأشجع وغفار كانوا يقولون أمنا ليامنوا على أنفسهم وأموالهم فلما استنفر لهم رسول الله - ﷺ - الى الحديبية تخلفوا فنزلت قالت الاعراب أمنا يعنى صدقنا قُلْ يا محمد ﷺ لَمْ تُؤْمِنُوا فان الايمان صفة القلب عبارة عن تصديقه والإقرار ركن زائد عن الاختيار لاجراء الاحكام قال رسول الله - ﷺ - الايمان ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وتؤمن بالقدر خيره وشره كذا فى الصحيحين من حديث عمر ابن الخطاب مرفوعا فى حديث سوال جبرئيل- وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا والمراد بالإسلام الانقياد الظاهري وكان مقتضى نظم الكلام ان يقال لا تقولوا أمنا ولكن قولوا اسلمنا او يقال لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل عنه الى هذا النظم احترازا عن النهى عن القول بالايمان وعن الجزم بإسلامهم مع فقد لشرط اعتباره عند الله تعالى- وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ط حال من فاعل قولوا او معطوف على لم تؤمنوا للتاكيد على نفى الايمان فى الماضي والتوقع فى المستقبل وليس فى لم تؤمنوا التوقع فلا يلزم التكرار وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فى الايمان بالقلوب مخلصين والامتثال كما يدل على قوله تعالى ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا اى لم يشكوا فيما جاء به الرسول - ﷺ - وكلمة ثم للاشعار باشتراط عدم الارتباط فى شىء من الازمنة المتراخية الى اخر اجزاء الحيوة كاشتراط فى بداية الايمان فهى كقوله تعالى ثم استقاموا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ط اى فى طاعة يجوز ان يكون مفعول جاهدوا محذوفا منويا يعنى جاهدوا العدو المحارب او الشيطان او الهوى وجاز ان يجعل لازما مبالغة فى الجهد وجاز ان يراد بالمجاهدة العبادات القلبية والسرية والبدنية والمالية فهذه الآية لامتثال جميع الأوامر والانتهاء عن جميع المناهي اما عبارة ان كان المراد مطلق المجاهدة واما دلالة ان كان المراد به القتال مع الكفار فان من بذل نفسه وماله لاصلاح العالم واخلائه من الفساد وإعلاء كلمة الله وافشاء الدين فانه يصلح او لا نفسه بإتيان المأمورات وانتهاء المناهي بالطريق الاولى أُولئِكَ الموصوفين بتلك الصفات هُمُ الصَّادِقُونَ فى ادعاء الايمان جملة مستانفة وجاز ان يكون الموصول مع صلته صفة للمبتدأ
الحجرات 49:16
وهذه الجملة خبرا له فلما نزلت هاتان الآيتان أتت الاعراب رسول الله - ﷺ - يحلفون بالله انهم مومنون صادقون وعرف الله غير ذلك فانزل الله تعالى.
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه بقولكم آمَنَّا... وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ط حال من الله تعالى فى أتعلمون الله- وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ عطف على الله يعنى ان الله يعلم حقيقة أسراركم ولا يحتاج الى اخباركم فعليكم بإصلاح بواطنكم اخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن ابى اوفى والبزار من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن ابى حاتم مثله عن الحسن ان ناسا من العرب قالوا يا رسول الله اسلمنا ولم نقاتلك وقاتلك بنو فلان قال الحسن كان ذلك لما فتحت مكة فنزلت.
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ط منصوب بنزع الخافض اى بان اسلموا وبتضمين الفعل معنى الاعتداد وكذا إسلامكم فى قوله تعالى قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ج وكذا ان هدكم فى قوله تعالى بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ بخلق التصديق فى قلوبكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى ادعاء الايمان وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله يعنى ان كنتم صدقين فى ادعاء الايمان فلله المنة عليكم وفيه اشارة الى ان كلهم ليسوا صادقين فيما ادعوا ولذلك عقبه بقوله.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط يعنى ما غاب فيهما وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فى سركم وعلانيتكم ولا يخفى عليه ما فى ضمايركم قرأ ابن كثير بالتاء خطابا للاعراب داخلا فى مقولة قل والباقون بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الاعراب فهو كلام مستانف من الله تعالى- واخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي وسعيد بن منصور فى سننه عن سعيد بن جبير نحوه وانه قدم عشرة نفر من بنى اسد على رسول الله ﷺ سنة تسع وفيهم طلحة بن حويلة ورسول الله ﷺ مع أصحابه فسلموا وقال متكلمهم يا رسول الله انا اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثا ونحن لمن ورائنا سلم فانزل الله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا الآية-.
ق 50:1
سورة ق
مكيّة وهى خمس وأربعون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وتمّم بالخير.
ق قف والصحيح انه من الحروف المقطعة فقيل اسم للسورة وقيل اسم من اسماء القران وقال القرطبي هو مفتاح اسم الله القدير والقادر والقاهر والقريب والقابض وقيل اشارة الى قضى الأمر او قضى ما هو كائن والحق انه رمز بين الله ورسوله - ﷺ - لا يعلم تأويله الا الله وبعض الراسخين فى العلم وقد مر الكلام فى أوائل سورة البقرة قال قال عكرمة والضحاك هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضر من خضر السماء والسماء مقبية عليه وعليه كتفاها يقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة وَالْقُرْآنِ الواو للقسم وقال ابن عباس كلمة ق قسم يعنى حذف حرف القسم بايصال الفعل اليه او إضماره وهذا الواو للعطف الْمَجِيدِ اى ذو المجد والشرف على سائر الكتب او لكونه كلام المجيد او لانه من تعلمه وعلم معانيه وامتثال أحكامه بمجد وجواب القسم محذوف تقديره لقد صدق الرسول المنذر لتبعثن او نحو ذلك وقيل جوابه قوله تعالى وما يلفظ من قول وقيل قد علمنا وقال اهل الكوفة جوابه.
بَلْ عَجِبُوا بمعنى قد عجبوا اى كفار مكة وعلى التقدير الاول هذا معطوف على محذوف تقديره والقران المجيد لقد صدق الرسول وقد أنكره الكفار بل عجبوا أَنْ جاءَهُمْ منصوب بنزع الخافض يعنى عجبوا من ان جاءهم مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ليعجبهم مما ليس هو بعجب وهو ان تنذرهم أحد من جنسهم او من قومهم
ق 50:3
ممن عرفوا عدالته واعترفوا بها ومن كان كذلك لا يكون الا ناصحا لقومه خايفا عليهم ان ينالهم مكروه وإذا علم ان امرا مخافا أظلهم لزمه ان ينذرهم فكيف ما هو غاية المخاف وقد قال لهم رسول الله - ﷺ - إذا اجتمع اليه بطون قريش ارايتكم ان أخبرتكم ان خيلا يخرج بالوادي يريد ان يغير عليكم انكم مصدقى قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال فانى نذير لكم بين يدى عذاب شديد الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ والفاء للتفسير فهو بيان لتعجبهم وهذا اشارة الى اختيار الله تعالى محمدا - ﷺ - للرسالة وإضمار ذكرهم فى عجبوا او إظهاره هاهنا للتسجيل على كفرهم بذلك وجاز ان يكون الفاء للتعقيب وهذا اشارة الى البعث بعد الموت فهو عطف لتعجبهم مما انذروا به على عجبهم ببعث المنذر وللمبالغة فى انكار هذا التعجب وضع المظهر موضع المضمر فانهم مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السموات والأرض وما بينهما أول مرة وإقرارهم بالنشأة الاول أنكروا النشأة الاخرى مع شهادة العقل بانه لا بد من الجزاء وجاز ان يكون عذا اشارة الى المبهم يفسره.
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ج الظرف متعلق بمحذوف دل عليه ما بعده تقديره أنرجع الى الحيوة إذا متنا وصرنا ترابا ذلِكَ الرجع رَجْعٌ بَعِيدٌ عن الوهم والعادة او الإمكان وانما أورد هذا اولا مبهما وثانيا مفسرا لانه ادخل فى الإنكار او الاول استبعاد لان يتفضل عليهم مثلهم والثاني استقصاء بقدرة الله تعالى عما هو أهون عليه مما يشاهدون من صنعه ثم رد الله تعالى انكارهم للبعث فقال.
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ج يعنى ما يأكل الأرض من أجسادهم بعد الموت يعنى لا يغرب من علمنا شىء فلا يتعذر علينا جمع ما نقص منها وبعثهم بعد الموت ومن قال هذه الجملة جواب للقسم قالوا للام محذوف لطول الكلام- وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ اى محفوظ من الشياطين ومن ان يندرس ويتغير وقيل معناه حافظ التفاصيل الأشياء يعلم به من عنده من الملائكة وهذه الجملة حال من فاعل علمنا ثم رد الله تعالى انكارهم نبوة النبي - ﷺ - فقال.
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعنى النبوة الثابتة بالمعجزات إضراب من الاضراب الاول فان التكذيب بالشيء الثابت بالادلة القطعية فوق من التعجب والاستبعاد لَمَّا جاءَهُمْ ظرف متعلق بكذبوا فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ الفاء للسببية المريج المضطرب الملتبس فان تكذيبهم سبب لاضطرابهم فى القول قال قتادة والحسن من ترك الحق مرج عليه امره والتبس عليه دينه وذكر الزجاج معنى اختلاط أمرهم انهم يقولون مرة شاعر ومرة ساحر ومرة معلم ومرة مجنون ومرة مفتر والأقوال متناقصة
ق 50:6
غالبا تم رد تكذيبهم وارشدهم الى الاستدلال على قدرته على البعث بخلق العالم فقال.
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا الهمزة للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على محذوف تقديره اكذبوا بالبعث فلم ينظروا حين كذبوا به إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ حال من السماء او ظرف متعلق بلم ينظروا كَيْفَ حال من مفعول بَنَيْناها ورفعناها بلا عمد وَزَيَّنَّاها بالكواكب وجملتى بنيناها وزيناها بتأويل المفرد بدل من السماء والاستفهام بكيف للتقرير والمعنى الم ينظروا الى بنائنا السماء فوقهم وتزيينا إياها بالكواكب متكيفة بكيفية بديعة راسخة وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ اى شقوق ومن زايدة والجملة حال من مفعول بنيناها اى كابنة على حال ليس لها عيوب وشقوق.
وَالْأَرْضَ منصوب بفعل مقدر يفسره مَدَدْناها بطناها والجملة معطوفة على بنينها فان قيل جملة بنينها بتأويل المفرد بدل من السماء كما ذكرنا ولا يتصور ذلك فى المعطوف قلنا فى الكلام حذف وإضمار تقديره اما ان يقال أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها والى الأرض تحتهم كيف مددناها واما ان يقال والأرض مددناها تحتها وجاز ان يقال الجملة بتأويل المفرد معطوفة على السماء والمعنى الم ينظروا الى مددنا الأرض وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ اى جبال ثوابت وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ اى من كل صنف من النباتات بَهِيجٍ حسن ذا بهجة وسرور.
تَبْصِرَةً وَذِكْرى منصوبان على العلة الفائية فان المقصود من خلق الأشياء كونها تبصرة وذكرى دالة على وجود الخالق القديم القدير العليم الواجب وجوده وصفاته الكمال المنزه عن النقص والزوال لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ راجع الى ربه بالتفكر فى خلقه خص هذا لعبد لكونه هو المنتفع به.
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً كثير النفع فَأَنْبَتْنا بِهِ اى بذلك الماء فى الأرض جَنَّاتٍ بساتين وَحَبَّ الْحَصِيدِ اضافة العام الى الخاص على طريقة حق اليقين وكل الدراهم وعين الشيء يعنى الحب الذي يحصد كالبر والشعير ونحو ذلك مما يزرع ويقتات به وانما خص الحب باضافة الى الحصيد لان المقصود من الحبوب والمنتفع به كمال الانتفاع ما يحصد ويقتات به وقيل هذه الاضافة من قبيل مسجد الجامع وصلوة الاولى بتأويل الصلاة الجامع وصلوة الساعة الاولى فالمعنى حب الزرع الذي من شانه ان يحصد كالبر والشعير ونحوهما.
وَالنَّخْلَ معطوف على جنات باسِقاتٍ طويلات او حاملات من بسقت الشاة إذا حملت أفردها بالذكر لكثرة منافعها وفرط ارتفاعها قال رسول الله - ﷺ - ان من الشجر شجرة لا تسقط ورقها وان مثلها
ق 50:11
كمثل المسلم فانبئونى ما هى فوقع الناس فى شجر البوادي فقال رسول الله - ﷺ - هى النخلة رواه البخاري من حديث ابن عمرو قال عليه الصلاة والسلام أكرموا عمتكم النخل فانها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر رواه ابن ابى حاتم وابو يعلى فى مسنده وابن عدى فى الكامل والعقيلي وابن انسى وابو نعيم فى الطب وابن مردوية عن على رض لَها طَلْعٌ اى ثمر ومحل مسمى بذلك لانه تطلع والطلع أول ما يظهر من قبل ان ينشق نَضِيدٌ منضود بعضه فوق بعض والمراد تراكم الطلع او كثرة ما فيه من الثمر جملة لها طلع نضيد حال ثان من النخيل.
رِزْقاً لِلْعِبادِ علته للانبات او مصدر من غير لفظه فان الإنبات رزق وَأَحْيَيْنا بِهِ اى بالماء عطف على أنبتنا بَلْدَةً مَيْتاً اى أرضا جدبة لانماء لها كَذلِكَ اى مثل ذلك الخروج للنبات من الأرض بعد سببها الْخُرُوجُ للاموات من القبور فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - ما بين النفخين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت ثم ينزل الله من السماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شىء الا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة واخرج ابن ابى داود نحوه وفيه ما بين النفختين أربعون عاما واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال يسيل واد من تحت العرش من ماء فيما بين الصيحتين ومقدار ما بينهما أربعون عاما فينبت منه كل خلق بلى من انسان او طيرا ودابة ولو مر عليهم ما رقد عرفهم قبل ذلك ما عرفهم على وجه الأرض فينبتون ثم يرسل الأرواح فيزوج بالأجساد وذلك قوله تعالى إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ واخرج احمد وابو يعلى والبيهقي عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - يبعث الناس يوم القيامة والسماء طش عليهم ثم أورد تسليته للنبى - ﷺ - ووعيدا للكافرين بمثل ما أصاب أمثالهم بقوله.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ اى ذو طش اى قبل كفار مكة قَوْمُ نُوحٍ انذر قومه الف سنة الا خمسين عاما فكذبوه فاخذهم الطوفان وهم ظالمون وأنجاه الله ومن أمن معه فى الفلك المشحون وَأَصْحابُ الرَّسِّ فى القاموس الرس ابتداء الشيء والبير المطوية بالحجارة وبير كانت لبقيته من ثمود كذبوا نبيهم درسوه فى بير والحفر ودفن الميت وقال البغوي الرس البير وكل ركية لم تطو بالحجارة والاجر فهو رس وقيل الرس المعدن والجمع رسائس واختلفوا فى اصحاب الرس فقال بعضهم كما قال صاحب القاموس
ق 50:13
هم بقية ثمود وقال البغوي روى ابو روق عن الضحاك ان بيرا كان بحضر موت فى بلدة يقال لها حاصورا وان اربعة آلاف ممن أمن لصالح نجوا من العذاب فاتوا بحضر موت معهم صالح فلما حضروه مات صالح فسمى حضر موت لان صالحا لما حضره مات فبنوا حاصورا وقعدوا على هذا البير وأمروا عليهم رجلا فاقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا ثم عبدوا الأصنام وكفروا فارسل الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان وكان حمالا فيهم فقتلوه فى السوق فاهلكهم الله وعطلت بيرهم وخربت قصورهم وفيهم قال الله تعالى وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال سعيد بن جبير كان لاصحاب الرس نبى يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فاهلكهم الله وقال وهب بن منبه كانوا اهل بير واصحاب مواش يعبدون الأصنام فوجه الله إليهم شعيبا عليه السلام يدعوهم الى الإسلام فتمادوا فى طغيانهم وفى أذى شعيب عليه السلام فبيناهم حول البير فى منازلهم انهارت البير فخسف الله بهم وبديارهم ورباعهم فهلكوا جميعا وقال قتادة والكلبي الرس بير بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فاهلكهم الله عز وجل وقال كتب والمقاتل والسدى الرس بير بانطاكية قتل فيها حبيب النجار وهم الذين ذكرهم فى سورة يسين وقيل هم اصحاب أخدود الذين حفروها وقال عكرمة هم رسوا نبيهم فى البير وَثَمُودُ كذبت المرسلين إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ... قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فجاء بناقة عشر أخرجت من صخرة فولدت ولدا مثلها وو كانت تشرب الماء كله يوما وتذر يوما فقال صالح هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فياخذكم عذاب يوم عظيم- فعقروها فاصبحوا نادمين فقال لهم صالح تمتعوا فى داركم ثلثة ايام ذلك وعد غير مكذوب فانجى الله صالحا والذين أمنوا معه وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا فى ديارهم جاثمين.
وَعادٌ كذبت المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود الا تتقون انى لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون فاهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ايام حسوما فصاروا صرعى كانهم اعجاز نخل خاوية وَفِرْعَوْنُ وقومه العمالقة بعث الله اليه موسى وهارون وقال اذهب الى فرعون انه طفى فقل هل لك الى ان تزكى وأهديك الى ربك فتخشى فاراه الاية الكبرى- القى عصاه فاذا هى حية تسعى وادخل يده فى جيبه خرجت بيضاء من غير سوء اية اخرى فكذب وتولى وقال انا ربكم الأعلى فاوحى الله الى موسى ان اسر بعبادي ليلا واضرب بعصاك
ق 50:14
البحر فكان كل فرق كالطود العظيم فسار فى البحر موسى ببني إسرائيل وأنجى الله موسى وبنى إسرائيل واتبعهم فرعون وجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم فلما أدركه الغرق قال امنت انه لا اله الّا الذي امنت به بنو إسرائيل وانا من المسلمين فقال الله تعالى الان وقد عصبت من قبل وكنت من المفسدين فاليوم ينجيك ربك لتكونن لمن خلفك اية وَإِخْوانُ لُوطٍ كذبوا المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط الا تتقون انى لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون أتأتون الذكر ان من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم بل أنتم قوم عادون قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال انى لعملكم من القالين فانجاه الله واهله الا امرأته كانت من الغابرين وأمطر الله عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين.
وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ كذب المرسلين إذ قال لهم شعيب الا تتقون انى لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين قالوا انما أنت من المسحرين وما أنت الا بشر مثلنا وان نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء ان كنت من الصادقين فكذبوه فاخذهم عذاب يوم الظلة إذ كانوا فى حر شديد وكانوا يدخلون الا سراب فاذا دخلوها وجدوها أشد حرا فاظلهم الله سبحانه وهى الظلة فاجتمعوا إليها فامطرت عليهم نارا فاحترقوا وَقَوْمُ تُبَّعٍ ط قال البغوي قال قتادة هو تبع الحميرى كان من ملوك اليمن وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة وبنى سمرقند سمى تبعا لكثرة اتباعه وكل واحد منهم سمى تبعا لانه يتبع صاحبه وكان هذا الملك يعبد النار فاسلم ودعا قومه الى الإسلام فكذبوه ذكر محمد بن اسحق وغيره عن عكرمة عن ابن عباس وغيره قالوا كان تبع الاخر وهو ابو كرب اسعد بن مليك بن يكرب حين اقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة وقد كان حين مر بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لاخرابها واستيصال أهلها فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك من امره فخرجوا لقتاله فكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه باللّيل فاعجبه ذلك وقال ان هؤلاء لكرام فبينما هو كذلك إذ جاءه حبران اسمهما كعب واسد من أحبار بنى قريظة عالمان وكانا ابني عم حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالا له ايها الملك لا تفعل فانك ان أبيت الا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نامن عليك عاجل العقوبة فانها مهاجر بنى يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد - ﷺ - مولده مكة وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت به يكون به
ق 50:15
من القتل والجراح امر كبير فى أصحابه وفى عدوهم قال تبع من يقاتله وهو نبى قالا يسير اليه قومه فيقتتلون هاهنا فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة ثم انهما دعواه الى دينهما فاجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين الى اليمن فاتاه فى الطريق نفر من هذيل وقالوا انا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة قال اى بيت قالوا بيت بمكة وانما تريد هذيل هلاكه لانهم عرفوا انه لم يرده أحد قط بسوء الا هلك فذكر ذلك للاحبار فقالوا ما نعلم لله فى الأرض بيتا غير هذا البيت فاتخذه مسجد او انسك عنده وانحروا حلق راسك وما أراد القوم إلا هلاكك لانه ما ناوأه أحد قط إلا هلك فاكرمه واصنع عنده ما يصنع اهله فلما قالوا له ذلك أخذ النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم فلما قدم مكة نزل الشعب شعب البطائح وكسا البيت الوصائل وهو أول من كسى البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة واقام به ستة ايّام وطاف به وحلق وانصرف فلما دنى من اليمن ليدخلها حالت حمير بين ذلك وبينه وقالوا لا تدخل علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم الى دينه وقال انه دين خير من دينكم قالوا فحاكمنا الى النار وكانت باليمن نار فى أسفل جبل يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه فتاكل الظالم ولا تضر المظلوم قال تبع أنصفتم فخرج القوم باوثانهم وما يتقربون به فى دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه فخرجت النار فاقبلت حتى غشيتهم فاكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما يتلوان التوراة تعرق جباهما لم تضرهما ونكصت النار حتى رجعت الى مخرجها الذي خرجت منه فاصفقت عند ذلك حمير على دينهما فمن هنالك كان اصل اليهودية فى اليمن وذكر ابو حاتم عن الرقاشي قال كان ابو كرب اسعد الحميرى من التبابعة أمن بالنبي - ﷺ - قبل ان يبعث بسبعمائة سنة وذكر لنا ان كعبا كان يقول ذم الله قومه ولم يذمه وكانت عائشة تقول لا تسبوا تبعا فانه كان رجلا صالحا وقال سعيد بن جبير هو الذي كسا البيت روى البغوي بسنده عن سهل بن سعد قال سمعت النبي ص يقول لا تسبوا تبعا فانه
كان قد اسلم روى البغوي بسنده عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - ما أدرى تبع أكان نبيا او غير نبى انتهى كلام البغوي فى سورة الدّخان كُلٌّ اى كل واحدا وكل قوم منهم او جميعهم كَذَّبَ أفرد الضمير للفظة كل الرُّسُلَ أورد صيغة الجمع لان من كذب واحدا فقد كذب جميعهم او لانهم كانوا كلهم لا يومنون بالله وحده وكانوا ينكرون إرسال الرسل بالطريق الاولى فَحَقَّ وجب وحل وَعِيدِ اى وعيدي اى عذابى الموعود كل ذلك يحل بهؤلاء الكفار مكذبى الرسل اثبت الياء وصلا ورش والباقون حذفوها فى الحالين.
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ فى القاموس عى بالأمر لم يهتد لوجه مراده او عجز عنه ولم يطلق أحكامه
ق 50:16
والهمزة للانكار والفاء للعطف والتعقيب على مضمون قوله تعالى أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ قوله تعالى كذبت قبلهم قوم نوح الى آخره معترضات والمستفاد انكار تعقب الخلق ما سبق ذكره والمعنى بنينا السماء بلا فروج ومددنا الأرض وألقينا فيها رواسى وأنزلنا من السماء ماء فانبتنا بها ما ذكر فلم نعى بخلقها أول مرة كما ترونه تعرفون به كيف نعى بالاعادة وليس أول الخلق باهون من إعادته والكفار مع اعترافهم بذلك وقيام الدليل لا يعترفون بالاعادة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ اى خلط وشبهة والمراد به الشك واصل اللبس الستر وفى حالة الشك يختلط الحق بالباطل ويستر الحق مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ اى معاد وقال رسول الله - ﷺ - قال الله تعالى كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك شتمنى ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدنى كما بدأنى وليس أول الخلق باهون له علىّ من إعادته واما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وانا الله أحد الصمد الذي لم الد ولم اولد ولم يكن لى كفوا أحد رواه البخاري عن ابى هريرة وعن ابن عباس نحوه.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ اى تحدث بِهِ نَفْسُهُ صلى الوسوسة الصوت الخفي والمراد ما يخطر بالبال وما فيما توسوس موصولة والباء فى به صلة يقال صوت بكذا والضمير عايد الى ما او مصدرية والباء للتعدية والضمير عائد الى الإنسان ونعلم خبر مبتداء محذوف والجملة الاسمية حال من فاعل خلقنا او مفعوله او كليهما وتقديره ونحن نعلم ما تحدث به نفسه به فان الله تعالى خلق الإنسان ووسوسة ولكل شىء عرض وجوهر والخلق بالاختيار والارادة مسبوق بالعلم ضرورة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ اى الى الإنسان مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ الحبل العرق وإضافته الى الوريد من قبيل شجرة الأراك ويوم الجمعة للبيان والجملة حال ثان من فاعل خلقنا والوريد ان عرقان مكتنفان بصفحتى العنق متصلان بالوتين يرد ان من الراس اليه قيل سمى وريد ان لان الروح يرده واختلف اقوال العلماء فى تصوير هذه الا قربية فقال علماء الظاهر المراد قرب علمه منه قال البيضاوي معناه نحن اعلم بحاله ممن كان اقرب اليه من حبل الوريد ففيه تجوز لقرب الذات لقرب العلم لانه موجبه وحبل الوريد مثل يضرب لكمال القرب يقال الموت ادنى لى من الوريد قال البغوي معناه نحن اعلم به منه لان أبعاضه واجزائه يحجب بعضها بعضا ولا يحجب عن علم الله شىء وعلى هذا التأويل يلزم جواز ان يقال الطبيب اقرب الى المريض من حبل الوريد فان المريض لا يعلم بعض أحواله من الصحة والمرض ما يعلمه الطبيب ولو بالاستدلال لا سيما إذا كان شىء عديم العلم والعقل يعلم بعض أحواله وهو لا يعلم شيئا من احوال نفسه فيجوز ان يقال انا اقرب من السماء من نفسه فالاقتصار فى القول باقر بيته سبحانه
ق 50:17
الى خلقه بهذا المعنى غير مرضى عندى وقالت الصوفية العلية بل الله سبحانه اقرب الى المخلوقات من أنفسها قربا ذاتيا لا زمانيا ولا مكانيا ولا متكيّفا بكيفية أصلا- يدرك ذلك القرب بنور الفراسة لا بالمشاعر او الاستدلال وغاية ما يقال فى هذا المقام ان العالم من حيث انه محتاج فى الوجود والبقاء الى الواجب يشبه نسبته الى الواجب بنسبة الظل الى الأصل فان الظل لا وجود له ولا بقاء الا بوجود أصله فالاصل اقرب الى الظل من نفسه والواجب اقرب الى الممكن من نفسه بالذات الا ترى ان الممكن ما لم ينتسب الى الواجب لم يجب بالغير وما لم يجب لم يوجد وما لم يوجد لا يجوز حمله على نفسه حملا أوليا غلا يقال زيد ما لم يوجد يجوز حينئذ سلبه عن نفسه إذ يشترط وجود الموضوع للحمل الإيجابي وان كان حملا أوليا فوجود الممكن اقرب الى ذات الممكن من ذاته لجواز سلب الشيء عن نفسه ما لم يوجد والمراد بالوجود هاهنا ما به الموجودية لا المعنى المصدرية فذات الله سبحانه اقرب الى الممكن من ذاته فهو ابعد فى الوجدان واقرب بالذات ولما كانت الصوفية ينسبون العالم الى دائرة الظلال والظلال الى الصفات والصفات الى الذات وفى الظلال مراتب كثيرة كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام ان لله سبعون الف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لا حرقت صبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه وكذا فى الصفات قال الله تعالى ولو ان ما فى الأرض من شحرة أقلام والبحر يمده من بعده لسبعة أبحر ما نفدت كلمات الله وقال الله تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق فنبأ على هذا- قال المجدد قدس سره العزيز انه سبحانه وراء الوراء ثم وراء الوراء ثم وراء الوراء فى جهته القرب دون البعد يعنى ظلال الصفات اقرب الى الممكن من الممكن وصفات الله تعالى اقرب الى الممكن من ذاته ومن الظلال والله سبحانه اقرب الى الممكن من ذاته ومن الظلال ومن الصفات والله تعالى اعلم (فائدة) هذا النوع من القرب المستفاد من هذه الاية يعم الخلائق كلها حتى الكافرين ولله سبحانه بخواص عباده قرب اخر لا يشارك النوع الاول من القرب الا اشتراكا اسميا لا حقيقيا وذلك القرب ايضا يدرك بالفراسة الصحيحة ويستفاد من الكتاب والسنة قال الله تعالى واسجد واقترب وقال الله تعالى الله معنا ان معى ربى عند ذى العرش مكين عند مليك مقتدر وفى فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى ونحو ذلك
وقال عليه الصلاة والسلام لا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل ونحو ذلك وهذا القرب يسمى بالولاية ولها مراتب لا تعدو لا نحصى ولا يدل عليه كلمة لا يزال ويضاده البعد المختص بالكفار قال الله تعالى الا بعد العاد قوم هود الا بعد الثمود الا بعدا للقوم الظالمين-.
إِذْ يَتَلَقَّى اى يأخذ الملكان الْمُتَلَقِّيانِ الموكلان بالإنسان ومفعول يتلقى محذوف مراد يعنى يتلقى عمله ومنطقه
ق 50:18
يحفظانه ويكتبانه عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ الجار والمجرور متعلق بقعيد وقعيد بدل من المتلقيان والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد اى مقاعد كالجليس بمعنى المجالس فحذف الاول لدلالة الثاني عليه وقيل يطلق الفعيل على الواحد والكثير كقوله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير والمراد بالقعيد اللازم الذي لا يبرح الا القاعد الذي هو ضد القائم وقال مجاهد القعيد الرصيد والظرف متعلق با ذكر يعنى اذكر إذ يتلقى او متعلق بأقرب إيذانا بانه تعالى غنى عن استحفاظ الملكين فانه اعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما لكنه لحكمة اقتضته والزام حجة يوم يقوم الاشهاد و.
ما يَلْفِظُ الإنسان من فيه مِنْ قَوْلٍ من زائدة وقول مفعول به إِلَّا لَدَيْهِ ملك رَقِيبٌ يرقب عمله ليكتب عَتِيدٌ حاضر معه الاستثناء مفرغ والمستثنى صفة لقول قال الحسن انما الملئكة يجتنبون الإنسان على حالين عند غايطه وعند جماعة وقال مجاهد يكتبان عليه حتى آتيناه فى مرضه وقال عكرمة لا يكتبان الا ما يوجر عليه او يوزر فيه روى البغوي بسنده عن ابى امامة قال قال رسول الله - ﷺ - كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات امير على كاتب السيئات فاذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه لسبع ساعات لعله يسبح ويستغفر ورواه ابن راهويه فى مسنده والبيهقي فى شعب الايمان لما ذكر الله تعالى استبعادهم البعث للجزاء وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه ببيان مبدأ خلق العالم من بناء السماء والأرض ومبدأ خلق الإنسان ومعاشه بقوله ولقد خلقنا الإنسان الى هاهنا عقب ذلك قرب الموت وقيام الساعة تهديدا وتوعيدا فقال.
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ اى غمرته وشدته التي يغشى الإنسان ويزيل عقله جاء جاءت وما عطف عليه اعنى نفخ وجاءت وكشفنا وقال بصيغة الماضي ومعناه المستقبل للدلالة على قربه وتحقق وقوعه بِالْحَقِّ ط الباء للتعدية والمعنى أحضرت سكرات الموت الأمر المتحقق الثابت فان الدنيا وما فيها كانها سراب لا تحقق لها وما كان بعد الموت فهو امر ثابت لا مردّ له او الوعد الحق الذي لا يحتمل تخلفه من الموت او الجزاء فان الإنسان خلق له وجاز ان يكون حالا متلبسا بالحق ومستصحبا له والحق هو الموت وما بعده وجاز ان يكون بالحق حملة مؤكدة لما سبق يعنى هذا القول متلبس بالحق ذلِكَ اشارة الى الحق بمعنى الموت او الجزاء ما كُنْتَ ايها الإنسان مِنْهُ تَحِيدُ اى تميل وتفر عنه يعنى تكره الموت وتنكر الجزاء وهذه الجملة بتقدير القول حال من مقدر
ق 50:20
تقديره جاءت سكرة موت الإنسان بالحق يقال له ذلك ما كنت منه تحيد فان المراد بالموت موت الإنسان-.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ نفخة البعث ذلِكَ اشارة الى يوم يقول لجهنم ان كان ظرفا لنفخ والا فهو اشارة الى مصدر نفخ والمضاف محذوف يعنى وقت ذلك النفخ يَوْمُ تحقق الْوَعِيدِ والجملة مفعول يقال المحذوف يعنى يقال ذلك يوم الوعيد اخرج ابو النعيم فى الحلية عن عكرمة قال ان الذين يفرقون فى البحر فتقسم لحومهم الحيتان فلا يبقى منهم شىء الا العظام فيلقها الأمواج على البر فيمكث العظام حتى تصير نخرة فتمر بها الإبل فياكل ثم يسير؟؟؟ الإبل فتبحرها ثم يجىء بعدهم قوم فينزلون منزلا فياخذون ذلك البعر فيوقدونه ثم تخمد ذلك النار فتجىء ريح فيلقى ذلك الرماد على الأرض فاذا جاءت النفخة خرج أولئك واهل القبور.
وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مؤمنة وكافرة مَعَها محلها النصب على الحال من كل لاضافة الى ما هو فى حكم المعرفة سائِقٌ وَشَهِيدٌ اخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن جرير وابن ابى حاتم فى تفاسيرهم عن عثمان بن عفان فى الاية قال سائق يسوقها الى امر الله تعالى وشهيد يشهد عليها بما عملت واخرج ابن ابى حاتم والبيهقي عن ابى هريرة قال السائق الملك والشهيد العمل ذكر السيوطي فى كتاب البرزخ من حديث جابر مرفوعا فاذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فانتشطا كتابا معقودا فى عنقه ثم حضرا معه أحدهما سائق واخر شهيد أخرجه ابو نعيم وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا وقال البغوي وقال الضحاك السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والا رجل وهو رواية العوفى عن ابن عباس.
لَقَدْ كُنْتَ على إضمار القول يعنى يقال له لقد كنت فى الدنيا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا الذي نزل بك هذا اليوم فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ الحاجب لامور المعاد وهو الغفلة والانهماك فى المحسوسات والالف بها وقصور النظر عليها والرين واسودا والقلب المكي عنه بقوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وقوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ نافذ تبصر ما كنت تنكره فى الدنيا قال البغوي روى عن مجاهد يعنى نظرك الى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيّئاتك حديد.
وَقالَ قَرِينُهُ اى الملك الموكل عليه عطف على يقال المحذوف هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ اى حاضرها اما موصوفة والظرف صفة له وعتيد صفة بعد صفة واما موصولة خبر مبتداء والظرف صلتها وعتيد بدل منها او خبر بعد خبر او خبر مبتداء محذوف والاشارة اما الى الشخص او الى ديوان عمله يصفى هذا شىء كاين عندى حاضرا وهذا الذي هو كائن عندى حاضرا وهذا حاضر فيقول الله تعالى.
ق 50:24
أَلْقِيا خطاب من الله تعالى للسايق والشهيد او للملكين من خزنة النار او الواحد وتثنية الفاعل بمنزلة تثنية الفعل للتاكيد او الالف بدل من نون التأكيد الخفيفة للوصل مجرى الوقف ويؤيده ما قرىء بالنون الخفيفة- فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ معاند للحق.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ اى للزكوة المفروضة وكل حق وجب فى ماله مُعْتَدٍ ظالم لا يقر بتوحيد الله تعالى مُرِيبٍ شاك فى الله وفى دينه.
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الموصول مبتداء متضمن معنى الشرط وخبره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ وهو النار او الموصول بدل من كل كفار فالقياه تكرير للتاكيد الموصول مفعول يفسره فالقياه.
قالَ قَرِينُهُ يعنى الملك الموكل به كذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل قال سعيد بن جبير يقول الملك ذلك حين يقول الكافر رب ان الملك زاد على فى الكتابة فيقول الملك رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ يعنى ما نسبته الى الكفر والطغيان وما زدت عليه فى الكتابة ولكون هذه الجملة جوابا بالمحذوف اعنى قول الكافر هو أطغاني وكذب على استونفت هذه الجملة كما تستانف الجمل الواقعة فى حكاية التقاؤل بخلاف الاولى اعنى وقال قرينه فانها واجبة العطف ما قبلها للدلالة على جميع مفهوماتهما فى الحصول اعنى مجىء كل نفس وقول قرينه بما قال وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ وقال بعض المفسرين المراد بالقرين الشيطان الذي قيض لهذا الكافر يعنى ان الكافر يقول أطغاني شيطانى فيقول الشيطان ربنا ما أضللته ولا اغويته ولكن كان فى ضلال بعيد فاعنته فان إغواء الشيطان انما يوثر فيمن كان مختل الرأي مايلا الى الفجور كما قال وما كان لى عليك سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لى ولا تلومونى ولوموا أنفسكم ولهذا ترى المخلصين الكرام الصوفية العلية شمر واذيلهم وبذلوا جهدهم فى مجاهدة أنفسهم وتزكيتها كيلا تتطرق إليهم الشيطان والله اعلم لكن ما ذكره علماء العربية ان المعرفة إذا أعيدت فالثانى غير الاول كما فى قوله تعالى فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا معناه ان مع عسر واحد يسرين وان الأصل فى الاضافة العهد الخارجي يقتضى ان يكون المراد بقرينته ثانيا ايضا الملك الموكل به كما قال سعيد بن جبير وغيره وقال بعض المتأخرين المراد بالقرين فى كلا القرينتين الشيطان الذي قيض مع الكافر فهو له قرين ومعنى قوله هذا مالدى عتيد هذا الشخص ما عندى وفى سلطانى عتيد لجهنم هيّئته لها باغوائى ومعنى قوله ما أطغيته ولكن كان فى ضلال بعيد ان ما أطغيته كرها ولكن كان فى ضلال بعيد فاتبعنى باختياره واستجاب لى دعوتى إياه الى الكفر والمعاصي ولم يستجب دعوة رسلك.
قالَ الله تعالى لا تَخْتَصِمُوا
ق 50:29
لَدَيَ
اى موقف الحساب بحيث لا فائدة فيه وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ على الطغيان فى كتبى وعلى السنة رسلى فلم يبق لكم حجة وهو حال وفيه تعليل للنهى اى لا تختصموا عاملين بان اوعدتكم والباء زائدة وجاز ان يكون بالوعيد حالا والمفعول به قوله تعالى.
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ يعنى لا يتخلف قولى بانّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فلا تطمعوا غفرانى وقال الكلبي واختاره القراء أن المعنى لا يكذب عندى ولا يغير القول عن وجهه لانى اعلم الغيب وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ليس المراد نفى مبالغة الظلم بل نفى اصل الظلم وانما أورد صيغة المبالغة تعريضا للمخاطبين يعنى ان الكافرين فى الظلم كما فى قوله تعالى أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ-.
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ قرأ نافع وابو بكر يقول بالياء على الغيبة والضمير عايد الى الله سبحانه على نسق قوله تعالى قال لا تختصموا والباقون بالنون على التكلم ولما سبق من الله تعالى انه يملأ جهنم من الجنة والناس فهذا سوال منه تعالى لتصديق خبره وتحقيق وعده وَتَقُولُ يعنى جهنم فى الجواب هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان استفهام انكار ومعناه قد امتلأت فلم يبق فى موضع لم يمتل يعنى لا يتصور المزيد على هذا الامتلاء الذي حصل والصحيح انه استفهام للاستزادة لما روى الشيخان فى الصحيحين عن انس عن النبي - ﷺ - قال لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزت فيها قدمه فينزوى بعضها الى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشىء الله تعالى لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة واخرج ابن ابى عاصم فى الستة عن ابى بن كعب قال قال رسول الله - ﷺ - جهنم تسال المزيد حتى يضع الجبار تعالى قدمه فيها فينزوى بعضها الى بعض وتقول قط قط وقال البغوي روى عن ابن عباس رض ان الله تعالى سبقت كلمته لاملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين فلما سيق اعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج الا ذهب فيها ولا يملأ هاشى فتقول الست قد أقسمت لتملأنى فيضع قدمه عليها ثم يقول هل امتلأت فتقول قط قط فليس مزيد وقال البيضاوي هذا السؤال والجواب جىء بهما التخييل والتصوير يعنى انها مع اتساعها تطرح فيها من الجنة والناس فوجا فوجا حتى تمتلى لقوله تعالى لاملأن هذا على تقدير كون الاستفهام للانكار او انها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ او انها من شدة زفيرها وحدتها وتشبثها بالعصاة كالمستكثر لهم والطالب للزيادة وهذين التوجهين على تقدير كون الاستفهام للاستزادة
ق 50:31
ولكن لا ضرورة الى هذا التأويل والاولى الحمل على حقيقة السؤال والجواب ولا استبعاد فى انطاقها كانطاق الجوارح ويوم اما منصوب بتقديرا ذكر مقدرا او ظرف لنفخ وما عطف عليه على سبيل التنازع.
وَأُزْلِفَتِ اى أدنيت عطف على نفخ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ من الشرك غَيْرَ بَعِيدٍ منصوب على الظرف اى مكانا غير بعيدا وزمانا غير بعيد وعلى الحال وتذكيره لانه صفة محذوف اى شيئا غير بعيد او لان الجنة بمعنى البستان والغرض من هذا التقييد التوكيد كما يقال قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل.
هذا الثواب او الا زلاف مبتداء خبره ما تُوعَدُونَ قرأ ابن كثير بالياء على الغيبة والضمير للمتقين والباقون بالتاء على الخطاب للمتقين بإضمار القول يعنى يقال لهم هذا ما توعدون لِكُلِّ أَوَّابٍ بدل من المتقين باعادة الجار وجاز ان يكون هذا مبتداء وما توعدون صفة ولكل أواب خبره والمعنى رجاع الى الله عما سواه ظاهر او باطنا وقيل رجاع من المعاصي الى الطاعات وقال سعيد بن المسيب الذي يذنب ثم يتوب وقال الشعبي ومجاهد الذي يذكر ذنوبه فى الخلاء فيستغفر منها وقال الضحاك هو التواب وقال ابن عباس وعطاء المسبح كما فى قوله تعالى يا جبال اوّبى وقال قتادة المصلى وعن زيد بن أرقم ان رسول الله - ﷺ - قال صلوة الأوابين حين ترمض الفصال رواه مسلم حَفِيظٍ يعنى دايم الحضور لا يغفل عن الله طرفة عين وقال ابن عباس الحافظ لامر الله وعند ايضا انه هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع ويستغفر منها يعنى لا يرى ذنوبه سهلا وقال قتادة حفيظ لما استودعه الله من حقه وقال الضحاك هو المحافظ على نفسه المتعهد لها وقال الشعبي المراقب وقال سهيل بن عبد الله هو المحافظ على الطاعات.
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مخلص مقبل على الطاعة ومحل من مجرور على انه بدل بعد بدل للمتقين او بدل من موصوف أواب او مرفوع على الابتداء خبره.
ادْخُلُوها على تاويل يقال لهم ادخلوها فان من معناه الجمع وبالغيب حال من الفاعل او المفعول او صفة لمصدر اى خشية متلبسة بالغيب يعنى خشى عقابه وهو غايب من الله تعالى يعنى فى الدنيا حين لم يره او غايب عن عقابه او هو غايب عن الأعين لا يراه أحد قال الضحاك والسدى والحسن يعنى فى الخلوة حيث لا يراه أحد وتخصيص الرحمن للاشعار بانهم رجوا رحمته وخافوا عذابه او بانهم يخشون عذابه مع علمهم بسعة رحمته لا يغترون برحمة ولا يجئرون على معاصية ووصف القلب بالانابة لان المعتبر وانما هى الانابة بالقلب بِسَلامٍ ط اى متلبسين بسلامة يعنى سالمين من العذاب والهموم وزوال النعمة او بسلام يعنى مسلما عليكم
ق 50:35
من الله وملائكته ذلِكَ اشارة الى الدخول بتقدير المضاف يعنى وقت ذلك الدخول فى الجنة يَوْمُ الْخُلُودِ يوم تقدير الخلود كقوله تعالى فَادْخُلُوها خالِدِينَ روى الشيخان من ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال يدخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا اهل النار لا موت ويا اهل الجنة لا موت كل خالد فيما هو فيه وروى البخاري عن ابى هريرة مرفوعا يقال يا اهل الجنة خلود ولا موت ويا اهل النار خلود ولا موت.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ وهو مما لا يخطر ببالهم ممالا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال ان ادنى مقعد أحدكم من الجنة ان يقول له تمن فيتمنى ويتمنى فيقول هل تمنيت فيقول نعم فيقول لك ما تمنيت ومثله معه رواه مسلم واخرج نهاد عن ابى سعيد قال قال رسول الله - ﷺ - وذكر حديثا طويلا قال فيه ثم يقول الله تعالى انى اعهدت الى عبادى انى لا ادخل الجنة رجلا الا جعلت له فيها ما اشتهت نفسه لكم فيها ما سالتم ومثله وقال جابر وانس والمراد بالمزيد النظر الى وجه الله الكريم اخرج مسلم وابن ماجة عن صهيب عن النبي - ﷺ - قال إذا دخل اهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون شيأ أزيدكم فيقولون الم تبيض وجوهنا الم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيكشف الحجاب فما اعطوا شيئا أحب إليهم من النظر الى ربهم ثم تلا هذه الاية- للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وروى ابن خزيمة وابن مردوية عن ابى موسى الأشعري وكعب بن عجرة وابى بن كعب وابن مردوية وابو الشيخ عن انس وابو الشيخ عن ابى هريرة وكذا عن ابى بكر الصديق وابن عباس وحذيفة وابن مسعود وغيرهم عن رسول الله - ﷺ - قال ان الله تعالى يبعث يوم القيامة مناديا ينادى الصوت يسمعه أولهم وآخرهم يا اهل الجنة ان الله وعدكم الحسنى وزيادة الحسنى الجنة والزيادة النظر الى وجه الرحمن والله تعالى اعلم.
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ اى قبل قومك مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ اى من قومك بَطْشاً قوة كعاد وفرعون وغيرهم وجملة هم أشد صفة لقرن فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ فى القاموس نقب فى الأرض اى ذهب كانقب ونقب قلت التشديد للتكثير والمعنى اذهبوا فى البلاد للتصرف فيها والتمتع وحينئذ الفاء للسببية فان شدة بطشهم سبب للتصرف فى البلاد او المعنى جالوا فى الأرض كل مجال حذر الموت والفاء حينئذ لمجرد التعقيب هَلْ مِنْ مَحِيصٍ من زائدة محيص فى محل الرفع على الفاعلية او النصب على المفعولية بفعل محذوف والاستفهام للانكار تقديره بل كان لهم محيص او هل وجدوا لهم محيصا
ق 50:37
فكيف يغفل اهل مكة ويلههم الأمل وجاز ان يكون نقبوا معطوفا على أهلكنا والضمير عايد الى اهل مكة والمعنى انهم ساروا فى بلاد القرون الخالية فتشوا اخبارهم ورأوا اثارهم فهل محيصا حتى يتوقعوا مثلهم.
إِنَّ فِي ذلِكَ السورة وان كان ضمير نقبوا راجعا الى اهل مكة فيجوز ان يكون المشار اليه مصدر نقبوا يعنى فى سيرهم فى البلاد لَذِكْرى تذكرة وعظة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ اى قلب صاف عن الكدورات صالح لتجليات الصفات له لعينه غير متكفية بالذات مشتغل بالله فارغ عن غيره مصدق لحديث قدسى لا يسعنى ارضى ولا سمائى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمن ولا يكون القلب هكذا الا بعد الفناء المصطلح للصوفية وقال ابن عباس معناه كان له عقل تسمية الحال باسم المحل وقيل المراد قلب داع يتفكر فى حقائق الأمور وكان ان كان ناقصة بمعناه او بمعنى صار فقلب اسمه وله خبر وان كان تامة فقلب فاعله وله حال من الفاعل والجار والمجرور اعنى لمن كان إلخ متعلق بذكرى او بالظرف المستقر اعنى فى ذلك أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ عطف على صلة من وَهُوَ شَهِيدٌ قال من فاعل القى يعنى ان السورة موعظة لمن كان له قلب سليم او استمع القران وهو شهيد حاضر قلبه ولو بتكلف لا بتغافل او شاهد يصدقه فيتعظ بظواهره وينزجر بزواجره قلت فالاول بيان الكاملين والثاني بيان المريدين المخلصين نظيره قوله عليه الصلاة والسلام الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك يعنى- يتصور الحضور بتكلف اخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ان اليهود أتت رسول الله - ﷺ - فسالت عن خلق السموات والأرض فقال خلق الله الأرض يوم الأحد والبحار يوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلثاء وما فى هن من المنافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمداين والعمران والخراب وخلق الله يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة الى ثلث ساعات بقين منه فخلق فى أول ساعة الآجال حين يموت من مات وفى الثانية التي الآفة على كل شىء ينتفع به الناس وفى الثالثة آدم واسكنه الجنة وامر إبليس بالسجود له وأخرجه منها فى اخر الساعة قالت اليهود ثم ماذا يا محمد قال ثم استوى على العرش قالوا قد أصبت لو أتممت قالوا ثم استراح فغضب النبي - ﷺ - غضبا شديدا فنزلت.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ من تعب واعيا. -.
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ اى اليهود ان الله تعالى أعيى فاستراح او المشركون فى امر البعث فانه من قدر على خلق العالم فهو قادر على بعثهم والانتقام منهم وروى مسلم عن ابى هريرة من غير ذكر اليهود
ق 50:40
ولا ذكر نزول الاية ولفظه أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة فى اخر الخلق فى اخر الساعة من النهار بين العصر الى الليل قلت لعل ذكر خلق التربة يوم السبت من غلط بعض الرواية والصحيح ان بدأ خلق العالم من يوم الأحد وتمامه يوم الجمعة كما يدل عليه قوله تعالى خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ والسبت اليوم السابع فان قيل قد صح من الأحاديث ما يدل على ان خلق آدم بعد خلق السموات والأرض والملائكة والجن بزمان طويل وكان قبل ذلك سلطنة الجن وكان إبليس فى الملائكة وكان له ملك الأرض وملك سماء الدنيا والجنة يعبد الله تارة فى الأرض وتارة فى السماء وتارة فى الجنة وفسر قوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً انه قد اتى على آدم أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل ان ينفخ فيه الروح لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به كذا قال البغوي وغيره وهذا الحديث يدل على ان آدم خلق فى اخر الساعة من جمعة خلق فيها الملائكة والفلكيات فكيف التوفيق قلت لعل المراد بخلق آدم تقديره فى اللوح المحفوظ يدل عليه وقوله خلق فى أول ساعة الآجال حين يموت من مات وفى الثانية القى الآفة على كل شى ينتفع به الناس فانه لا يتصور ذلك بمعنى التقدير- وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يعنى صل متلبسا بحمد ربك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعنى صلوة الفجر وَقَبْلَ الْغُرُوبِ يعنى صلوة العصر وروى عن ابن عباس قال قبل الغروب الظهر والعصر هذا لعل قول ابن عباس مبنى على ان وقت الضروري للصلوتين واحد كما قال به مالك وغيره.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ يعنى صلوة المغرب والعشاء وقال مجاهد المراد منه صلوة الليل اىّ وقت صلى يعنى نوافل وَأَدْبارَ السُّجُودِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة بكسر الهمزة مصدر أدبر ادبار او قرأ الآخرون بفتحها على انه جمع دبر قال البغوي قال عمر بن الخطاب وعلى بن ابى طالب والحسن والشعبي والنخعي والأوزاعي ادبار السجود ركعتان قبل صلوة المغرب وادبار النجوم ركعتان قبل صلوة الفجر وهى رواية العوفى عن ابن عباس ورواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعا هكذا قال اكثر المفسرين ولم يظهر لى وجه اطلاق ادبار السجود على صلوة قبل صلوة المغرب مع ان وقت الغروب تبيلها؟؟؟ ليس وقت السجود والظن ان يكون المراد من ادبار السجود النوافل الراتبة بعد الفرائض وجاز ان يكون معنى قوله تعالى سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قل سبحان الله و
ق 50:41
بحمده روى الشيخان عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من قال حين يصبح وحين يمسى سبحان الله مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به الا أحد قال مثل ما قال او زاد عليه روى الشيخان عنه مرفوعا من قال سبحان الله وبحمده فى يوم مائة مرة حطت خطاياه وان كانت مثل زبد البحر وهما عنه قال قال رسول الله - ﷺ - كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان جيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان العظيم وقال مجاهد قوله تعالى ادبار السجود هو التسبيح باللسان فى ادبار الصلوات المكتوبات عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من سبح فى دبر كل صلوة مكتوبة ثلثا وثلثين وحمد الله ثلثا وثلثين وكبر الله ثلثا وثلثين فذلك تسعة وتسعون ثم قال تمام الاية لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير غفرت خطاياه وانى كانت مثل زبد البحر رواه المسلم والبخاري ونحوه اخرج مالك وابن خزيمة.
وَاسْتَمِعْ صيغة امره ما بعده بتأويل المفرد او بتقدير المضاف مفعول به يعنى اسمع ما يملى عليك او اسمع حديث يَوْمَ يُنادِ وفائدة قوله تعالى استمع التنبيه والتهويل وتعظيم المخبر به والظرف على التأويل الاول متعلق بفعل محذوف دل عليه يوم الخروج تقديره يخرج الناس كلهم من القبور يوم ينادى قال النقاش عن ابى ربيعة عن البزي وابن مجاهد عن قنبل ينادى بالياء فى الوقف فقط والباقون يقفون بغير ياء الْمُنادِ اثبت الياء فى الحالين ابن كثير وفى الوصل خاصة نافع وابو عمرو والباقون حذفوها فى الحالين قال مقاتل ينادى اسرافيل بالحشر أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المقمزقة والشعور المتفرقة ان الله يأمركم ان تجتمعوا الفصل القضاء وكذا اخرج ابن عساكر عن زيد بن جابر الشافعي فى هذه الاية قال يقف اسرافيل على صخرة بيت المقدس فيقول يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والاشعار المنقطعة ان الله يأمركم ان تجتمع لفصل الخطاب مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ متعلق بيناد يعنى من صخرة بيت المقدس وهو قريب من القبور لكونها من الأرض وهما فى وسط الأرض وقال الكلبي هى اقرب الأرض الى السماء ثمانية عشر ميلا.
يَوْمَ يَسْمَعُونَ بدل من يوم يناد اى الأموات يسمعون بإذن الله تعالى فان الأموات والجمادات فى الاستماع إذا أراد الله تعالى كالاحياء فان الموجودات لا تخلو عن نوع من الحيوة كما حققناه فى تفسير سورة الملك وكذا انعقد الإجماع على عذاب القبر على الروح والجسد جميعا اخرج الشيخان عن انس ان النبي - ﷺ - وقف على قتلى بدر فقال يا فلان بن فلان يا فلان بن فلان وهل وجدتم ما وعد ربكم حقا فانى وجدت ما وعدني ربى حقا قال عمر يا رسول الله كيف تكلم اجراما لا أرواح فيها فقال ما أنتم باسمع لما أقول منهم غير انهم لا يستطيعون ان يرد وأعلى شيئا وقال القرطبي نفخة الاحياء تمتد وتطول فيكون أوايلها
ق 50:43
للاحياء وما بعدها للازعاج من القبور فلا يسمعون ما كان للاحياء ويستمعون ما كان للازعاج وقال السيوطي يحتمل السماع من أول وهلة للارواح وهى فى الصور قلت ما ذكر من كلام اسرافيل خطاب للعظام والجلود لا للارواح فلا فائدة فى سماع الأرواح والله تعالى اعلم الصَّيْحَةَ يعنى صيحة اسرافيل المذكور وقال البيضاوي لعله فى إعادة نظير كن يعنى امر تكوينى لا يشترط فيه السماع قلت لكن قوله تعالى يوم يسمعون صريح فى اثبات السماع فالاولى ما قلت بِالْحَقِّ ط متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من القبور.
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ فى الاخرة.
يَوْمَ تَشَقَّقُ قرأ الكوفيون وابو عمرو بتخفيف الشين بحذف أحد التاءين والباقون بالتشديد بابدال التاء شينا والإدغام واصله يتشقق الْأَرْضُ عَنْهُمْ اى عن الأموات إذا ادعوا الى الحساب والظرف اعنى يوم تتشقق متعلق بفعل دل عليه قوله تعالى ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ تقديره يحشرون يوم تشقق الأرض عنهم سِراعاً ط جمع سريع حال من الضمير المرفوع فى الفعل المقدر يعنى يحشرون سراعا وقيل من الضمير المجرور فى عنهم يعنى تشقق الأرض عنهم حال كونهم مسرعين فى الخروج ذلِكَ الحشر دفعة واحدة المفهوم مما سبق حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ الظرف متعلق بيسير قدم عليه للاختصاص فان ذلك لا تيسير الا على العالم القادر لذاته الذي لا يشغله شان عن شان كما قال ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ يعنى كفار مكة فى تكذيبه فيه تسلية لرسول الله ﷺ وتهديد لهم- وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ قف تجبرهم على الإسلام انما بعثت مذكرا وداعيا- اخرج ابن جرير من طريق عمرو بن قيس الملائى عن ابن عباس قال قالوا يا رسول الله ﷺ لو خوفتنا فنزلت فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ثم اخرج عن عمر مثله مرسلا قرأ ورش وعيدي وصلا فقط والباقون يحذفونها فى الحالين يعنى لا ينفع تذكيرك بالقران الا من يخاف ما أوعدت به من عصانى من العذاب يعنى المسلمين والله تعالى اعلم.
الذاريات 51:1
سورة الذاريات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وتمّم بالخير.
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً مصدر يعنى الرياح تذر والتراب وغيره او النساء والمولود فانهن يذرين أولاد او الأسباب التي تذرى الخلائق من الملائكة وغيرها قرأ ابو عمرو بإدغام التاء فى الذال.
فَالْحامِلاتِ وِقْراً اى ثقلا مفعول به يعنى الرياح الحاملات للسحاب او النساء الحاملات النطف والاجنة او السحب الحاملة للمطرا واسباب ذلك.
فَالْجارِياتِ يُسْراً صفة مصدر محذوف يعنى جريا سهلا وهى الرياح الجارية فى مهابها والنساء الجاريات فى خدمته الأزواج يسرا لكونهن حاملات او السفن الجارية فى البحر سهلا او الكواكب التي تجرى فى منازلها.
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً مفعول به يعنى الرياح التي تقسم الأمطار بتصرف السحاب او الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها او ما يعمها من اسباب القسمة فان حملت على ذوات مختلفة فالفاء لترتيب الاقسام بها باعتبار ما بينها من التفاوت فى الدلالة على كمال القدرة والا فالفاء للترتيب افعال وجواب القسم.
إِنَّما تُوعَدُونَ من البعث ما موصولة والعائد محذوف او مصدرية- لَصادِقٌ يعنى وعد صادق كعيشة راضية اى ذات رضاء.
وَإِنَّ الدِّينَ اى الجزاء من الثواب والعقاب لَواقِعٌ لكائن لا محالة من الله سبحانه كانه استدلال بما اقسم به من الأشياء
الذاريات 51:7
العجيبة الدالة على كمال قدرة الصانع المختار على الاقتدار على البعث الذي أوقعه جوابا للقسم ثم عطف على الجملة القسمية الاخرى فقال.
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ جمع حبيكة كطريقة وطرق او حباك كمثال ومثل فى القاموس الحبك الشداد الاحكام وتحسين اثر الصنعة فى الثواب وحبك الرمل بضمتين حروفه الواحدة حباك ككتاب ومن الماء والشعير الجعد المنكسر منها ومن السماء طريق النجوم قال البغوي قال ابن عباس وقتادة وعكرمة ذات الخلق الحسن المستوي يقال للنساج إذا نسج الثوب فاجاد ما احسن حبكه وقال سعيد ابن جبير ذات الزينة قال الحسن حبكت بالنجوم قال مجاهد هى المتقن البنيان وقال مقاتل والكلبي والضحاك ذات الطريق كحبك الماء إذا ضربته الريح وحبك الرمل والشعر الجعد ولكنها لا يرى لبعدها من الناس قال البيضاوي معناه ذات الطرائق والمراد اما الطرائق المحسوسة التي هى مسير الكواكب او المعقولة التي يسلكها النظار ويتوسل بها الى المعارف او النجوم فان لها طرايق او انها تزينها كما يزين المواشي طرايق الوشي وجواب القسم.
إِنَّكُمْ يا كفار مكة لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ فى الرسول يعنى قولهم تارة انه شاعر وتارة انه ساحر وتارة انه مجنون او فى القران انه سحرا وكهانة او أساطير الأولين او شعر قاله من تلقاء نفسه او فى القيامة فبعضهم شك فيه وبعضهم استحالة وأنكره قال البيضاوي لعل النكتة فى هذا القسم تشبيه أقوالهم فى اختلافها وتنافى أغراضها بالطريق للسموات فى تباعدها واختلاف غاياتها وجاز ان يكون خطابا لاهل مكة يعم المؤمنين والكفار يعنى منكم مصدق ومنكم مكذب.
يُؤْفَكُ عَنْهُ اى يصرف عن الرسول والقران مَنْ أُفِكَ اى صرف فى علم الله تعالى يعنى من حرمه الله تعالى عن الايمان بمحمد - ﷺ - والقران وجاز ان يكون ضمير عنه راجعا الى القول المختلف ويكون عن بمعنى من يعنى يصدر افك من افك عن القول المختلف سببه ذلك ان كفار مكة إذا أراد رجل الايمان يتلقونه ويقولون انه ساحر كاذب كاهن مجنون فيصرفونه عن الايمان وهذا معنى قول مجاهد وهذه الجملة معترضة لبيان خيبة من لم يؤمن.
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ اى الكذابون وهم اصحاب القول المختلف من الكفار والخرص الظن والتخمين من غير دليل موجب لليقين وكلمان مبنيا على دليل صحيح لا يتصور فيه الاختلاف وذكرهم بعنوان الخراصين والجملة فى الأصل دعاء بالقتل اجرى مجرى اللعن.
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ اى جهل وغفلة يغمرهم ساهُونَ غافلون عما أمروا به.
يَسْئَلُونَ محمدا صلى الله تعالى عليه واله وسلم استعجالا إنكارا او استهزاء أَيَّانَ اى متى يَوْمُ الدِّينِ يوم الجزاء جملة
الذاريات 51:13
يسالون فى محل النصب على الحالية من الخراصين وجاز ان يكون لبيان علة لعنهم.
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ اى يحرقون بالنار كما يفتن الذهب بالنار وعلى بمعنى الباء والظرف اما بدل من يوم الدين والمعنى يسالون متى يوم تعذبنا بالتاء يا محمد فحينئذ محله الرفع على الابتداء وفتح للاضافة الى غير متمكن وجاز ان يكون جوابا من الله تعالى لسوالهم يوم حينئذ خبر لمبتداء محذوف اى هو يوم هم على النار يفتنون او منصوب على الظرفية بفعل محذوف يعنى يقع الدين يوم هم يفتنون فعلى تقدير كونه داخلا فى السؤال قوله تعالى ذوقوا فتنتكم مرتبط بقوله تعالى قتل الخراصون يعنى يقال لهم.
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ط اى عذابكم او جزاء كفركم وعلى التأويل الثاني حال من الضمير المرفوع فى يفتنون بتقدير مقولا لهم هذا القول هذَا بدل من فتنتكم موصوف لقوله الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ فى الدنيا تكذيبا وجاز ان يكون هذا مبتداء والموصول خبر يعنى هذا هو الذي كنتم تستعجلون والجملة تعليل لقوله ذوقوا ثم ذكر الله سبحانه حال المؤمنين المصدقين النبي - ﷺ - والقران.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ اى انهار جارية.
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ من الخير والكرامة حال من الضمير فى الظرف يعنى قابلين لما أعطاهم ربهم راضين به يعنى كل ما يأتيهم يكون حسنا مرضيا مقبولا- إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ اى قبل دخول الجنة فى الدنيا مُحْسِنِينَ عابدين لله تعالى بالحضور والإخلاص طالبين رضاه خالصة سبحانه يطلب رضاهم فهذه الجملة تعليل لما سبق ثم فسر إحسانهم وعللها بقوله.
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ما زائده ويهجعون خبر لكان والهجوع النوم ليلا وقليلا منصوب على الظرفية ومن الليل صفة له مبينة او على المصدرية ومن للتبعيض ومعناه كانوا ينامون زمانا قليلا كائنا من الليل او هجوعا قليلا فى بعض الليل وجاز ان يكون ما موصولة والعائد محذوف او مصدرية وعلى التقديرين قليلا اما منصوب على انه خبر كان وما يهجعون بدل اشتمال من الضمير المرفوع فى كانوا واما منصوب ظرف مستقر فى محل النصب على الخبر وما يهجعون فاعل للظرف والمعنى كان ما يهجعون فيه او هجوعهم قليلا كائنا من الليل او كانوا قليلا من الليل هجوعهم او ما يهجعون فيه ويصلون اكثر الليل وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس معناه كانوا اقل ليلة تمر بهم الا صلوا فيها شيئا اما من أولها اما من أوسطها او من آخرها يعنى كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا كذا قال مطرف بن عبد الله وقال الضحاك ومقاتل كانوا من الناس قليلا من الليل تهجعون يعنى لا ينامون
الذاريات 51:18
فعلى هذا قليلا خبر كان وجملة من الليل ما يهجعون مستانفة وما نافية قال البيضاوي وغيره هذا لا يجوز لان ما بعد ما لا تعمل فيما قبلها.
وَبِالْأَسْحارِ يعنى فى الاسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ السحر السدس الاخر من الليل وفى القاموس قبيل الصبح وطرف كل شىء يعنى انهم مع قلة هجوعهم وكثرة صلوتهم بالليل إذا سحروا أخذوا فى الاستغفار هضما لانفسهم واستقصارا لعملهم كانهم اسلفوا فى ليلتهم الجرائم ووقع عنهم التقصير فى الطاعات وفى بناء الفعل على الضمير اشعار بانهم أحقاء بذلك لوفور علمهم بالله العظيم وخشيتهم من الله تعالى اللهم انى أسئلك خشية العالمين وعلم الخائفين منك ويقين المتوكلين عليك قال الحسن معناه لا ينامون من الليل إلا قلة وربما نشطوا فمدوا الى السحر ثم أخذوا فى الاستغفار عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال ينزل الله الى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول انا الملك من الذي يدعونى فاستجيب له من الذي يسالنى فاعطيه من الذي يستغفرنى فاغفر له متفق عليه وفى رواية المسلم ثم يبسط يديه ويقول من يعترض غير عدوم ولا ظلوم حتى ينفجر الفجر وقد صح عن النبي - ﷺ - انه كان إذا قام من الليل يتهجد يستغفر يقول اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق وعدك الحق بقاؤك حق وقولك حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك امنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت أنت ربنا وإليك المصير فاغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما اعلنت وما أنت اعلم به منى أنت المقدم وأنت المؤخر لا اله الا أنت ولا اله غيرك متفق عليه من حديث ابن عباس وعن عبادة بن صامت قال قال رسول الله - ﷺ - من تعار من الليل فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير وسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم ثم قال رب اغفر لى او قال ثم دعا استجيب له فان توضأ وصلى قبلت صلوته رواه البخاري وعن عائشة قالت كان رسول الله - ﷺ - إذا استيقظ من الليل قال لا اله الا أنت سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك لذنبى واسألك رحمتك اللهم زدنى علما ولا تزغ قلبى بعد إذ هديتنى وهب لى من لدنك رحمة انك أنت الوهاب رواه ابو داود.
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ يعنى يعطون من أموالهم السائلين الذين يسألون الناس والمحرومين يعنى المتعففين عن السؤال الذين يحسبهم
الذاريات 51:20
الجاهل بحالهم اغنياء من التعفف فالمحسنين يعطونهم إذا يعرفونهم بسيماهم بفقد أحوالهم كذا قال قتادة والزهري وغيرهما وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب المحروم الذي ليس له سهم من الغنيمة ولا يجرى عليه من الفيء شىء اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن الحسن بن محمد بن الحنيفة ان رسول الله - ﷺ - بعث سرية فاصابوا غنما فجاء قوم بعد ما فرغوا يعنى من القسمة فاعطاهم الغانمون منها فنزلت هذه الاية وقال زيد بن اسلم المحروم هو المصاب ثمره او زرعه او نسل ماشيته كذا قال محمد بن كعب القرظي وقرأ انا لمغرمون بل نحن محرومون.
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ قال اكثر المفسرين هذه الجملة وما عطف عليه متصل بقوله تعالى انكم لفى قول مختلف وما بينهما معترضات وعندى هى معطوفة على ما سبق فى تفسير المحسنين والثناء عليهم لكن فيه وضع المظهر موضع المضمر الراجع الى المحسنين إيذانا لتحصيل الإيقان بالاستدلال والتفكر فى الآيات تقديره وفى الأرض ايت لهم فانهم إذا ذكروا بايات ربهم لم يحبروا عليها صما وعميانا بل ينظرون بأبصارهم ويتفكرون فى خلق الأرض ودحوها كالبساط وارتفاع بعضها على الماء ليسكن عليها عباد الرحمن واختلاف اجزائها فى الكيفيات والمنافع وما خلق الله فيها من المعادن والنباتات والحيوانات والعيون والأنهار ويستدلون بها على وجود الصانع الواجب وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته وحكمته ثم ينظرون ببصائرهم ما يترشح عليها وعلى ما فيها من الله تعالى وبركات وجودها وبقائها ورحمته ويسال من فيها ما يحتاج اليه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ....
وَفِي أَنْفُسِكُمْ عطف على فى الأرض يعنى وفى أنفسكم ايها الناس آيات لهم فان فى العلم الصغير اعنى نفس الإنسان كاين من الآيات كما فى العالم الكبير من بدو خلقه الى مماته حيث كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسيت لحما فم نفخ فيه الروح ثم يسر الله سبيله الى الخروج ثم هدى الى سبيل معاشه رضيعا وفطاما واكتساب أقواته والتغذي بالأكل والشرب ودفع الفضول بالبول والغائط وسبيل ابقاء نوعه بالنكاح والى سبيل معاده بإرسال وإنزال الكتب واظهر فيه بدائع صنعه من اختلاف الالسنة والصور والألوان والطبائع والعقول والافهام واختلاف استعداداتهم فى قبول الحق وسلوك سبيل الرشاد وصعود مدارج القرب ومعارج العرفان فينظر العارف بعض هذه الأمور بالأبصار ويقول تبارك الله احسن الخالقين وبعضها بالبصائر وينظر بالبصائر ما يتجلى على السرائر من التجليات الذاتية والصفاتية والظلالية ولا يتطرق
الذاريات 51:22
اليه مجال المقال وعبر عنه بالحديث القدسي لا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحببته فاذا أحببت كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث فيقول العارف الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا نهتدي لولا ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق أَفَلا تُبْصِرُونَ ايها الخراصون ما يبصره المحسنون الموقنون والفاء للعطف على محذوف تقديره أتنكرون قدرة الله على البعث فلا تبصرون وهذه الجملة معترضة.
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ قال ابن عباس ومقاتل يعنى المطر الذي سبب رزق وهذا مبنى على ما ورد فى الشرع ان المطر ينزل من السماء وقال البيضاوي قيل المراد بالسماء السحاب وبالرزق المطر وهذا مبنى على مذهب الفلاسفة وقال ايضا اسباب رزقكم او تقديره عندى ان رزقكم خطاب للمحسنين الموقنين على سبيل الالتفات من الغيبة الى الخطاب وفى السماء عطف على فى الأرض وفى أنفسكم عطف مفرد على مفرد ورزقكم بدل من الآيات وجاز ان يكون عطف جملة على جملة والمراد بالرزق اما الحظ والنصيب كما فى قوله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ المراد بالرزق هاهنا اما الآيات الدالة على الله سبحانه من الشمس والقمر والكواكب وحركاتها وما يترتب عليها من اختلاف الفصول والمنافع والمضار بدليل ذكر الآيات فى الأرض والا نفس فان الاستدلال بها والتفكر فيها حظ المحسنين الموقنين لا غير وكذا ما يترتب على الاستدلال بها والتفكر فيها من الرحمة والبركات وما ينزل على العارف من التجليات فان كل ذلك رزق المحسنين وحظ للموقنين دون من ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وهم يعمهون قال العارف الرومي قدس سره
گر نخواهد بى بدن جان تو زيست؍ فى السماء رزقكم روزى كيست؍
واما الرزق المأكول وحينئذ يراد بالآية التنبه والاشعار بان رزقكم بيد الله مكتوب فى السماء فينبغى ان لا تطلبوا الرزق من غير الله تعالى واعبدوا الله مخلصين له الدين من غير رياء وسمعة قائلين لا نسألكم عليه اجرا ان اجرى الا على الله لا تريد منكم جزاء ولا شكورا فعلى هذا التقدير ايضا فى الاية اشارة الى تفسير المحسنين والثناء عليهم يعنى هم يتفكرون فى خلق السموات والأرض ويخلصون الله الأعمال موقنين بان رزقهم فى السماء متوكلين على الله وَما تُوعَدُونَ عطف على رزقكم قال البغوي قال عطاء وما توعدون من الثواب والعقاب وقال مجاهد من الخير والشر وقال الضحاك من الجنة والنار قلت تفاسير هؤلاء الكرام مبنى على ان الخطاب عام للمؤمنين والكافرين ولا يصح هذا التأويل الإبان يقال مكتوب فى السماء وما توعدون لان يقال كاين فى السماء وما توعدون قان الجنة فوق سبع سموات
الذاريات 51:23
دون النار فانها تحت الأرضين السبع كما نطقت به الأحاديث وعلى ما قلت من التأويل ان الخطاب مختص بالمحسنين يصح القول بان ما توعدون من الثواب والجنة كاين فى السماء وقيل وما توعدون كلام مستانف وما موصولة او مصدرية مبتداء خبره.
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ وعلى هذا فالضمير المنصوب لما وعلى الاول يحتمل له ولما ذكر سابقا من البعث والجزاء والرزق والوعد والوعيد مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ قرأ ابو بكر وحمزة والكسائي مثل بالرفع على انه صفة لحق والباقون بالنصب على انه حال من المستكن فى لحق او وصف لمصدر محذوف يعنى انه لحق حقا مثل نطقكم وقيل انه مبنى على الفتح لاضافة الى غير متمكن وهو ما ان كانت بمعنى شىء وان مع جملتها ان كانت ما زائدة ومحله الرفع شبه الله سبحانه الرزق وغيره مما وعد واخبر به ينطق الإنسان قال البغوي ما انكم تنطقون فتقولون لا اله الا الله يعنى المراد بالنطق المنطوق والخطاب ان كان للمحسنين فمنطوقه غالبا لا اله الا الله وان كان الخطاب عاما فشبه تحقق ما اخبر عنه يتحقق نطق الآدمي كما يقال انه لحق كما أنت هاهنا وانه لحق كما أنت تتكلم والمعنى انه فى صدقه ووجوده كالذى تعرفه ضرورة وقال بعض الحكماء يعنى ان كل انسان ينطق بلسان نفسه ولا يمكنه ان يأكل رزق غيره حكى فى المدارك عن الأصمعي انه قال أقبلت من جامع البصرة فطلع علىّ أعرابي فقال ممن الرجل قلت من بنى اصمع قال من اين أقبلت أقلت من موضع يتلى فيه كلام الله الرحمن قال اتل علىّ فتلوت والذّاريات فلما بلغت قوله فى السماء رزقكم قال حسبك فقام الى ناقة فنحرها ووزعها على من اقبل وأدبر وعمد الى قوسه وسيفه فكسرهما وولى فلما حججت مع امر الرشيد طفقت أطوف فاذا انا بمن يستهنف بصوت رفيق فالتفت فاذا انا بالأعرابي فسلّم علىّ واستقرأ السورة فلما بلغت الاية صاح قال قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ثم قال وهل غير هذا فقرأت فورب السماء والأرض انه لحق فصاح فقال سبحان الله من ذا الذي اغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى إلجاؤه الى اليمين قالها ثلثا وخرجت معها نفسه يعنى مقتضى البلاغة ان يؤكد الكلام على حسب انكار المخاطب فالله سبحانه أورد الكلام بكمال المبالغة فى التأكيد حيث اقسم عليه وأكد بكلمة ان ولام التأكيد والاخبار بانه حق والتشبيه بما هو اجلى البديهيات وليس هذه الاشارة الى ان الناس كانهم فى غاية الإنكار فى تقدير الرزق الموعود كاد حين فى اكتساب ما التزم الله سبحانه على نفسه بقوله وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها غافلين عما كلفهم الله به وعلق به الثواب والعقاب الأيدي
الذاريات 51:24
لا حول ولا قوة الا بالله.
هَلْ أَتاكَ استفهام للتقرير يعنى قد أتاك والغرض منه تفخيم شان الحديث والتنبيه على انه اوحى اليه قبل ذلك حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ضيف فى الأصل مصدر ولذا يطلق على الواحد والمتعدد قال البغوي اختلفوا فى عددهم فقال ابن عباس وعطاء كانوا ثلثة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وقال محمد بن كعب كان جبرئيل ومعه سبعة وقال الضحاك كانوا تسعة وقال مقاتل كانوا اثنى عشر ملكا وقال السدى كانوا أحد عشر ملكا على سورة الغلمان الوضاء وجوههم الْمُكْرَمِينَ فيه اشارة الى ان ابراهيم عليه السلام أكرمهم قبل ان يعرفهم حيث خدمهم بنفسه واهله وعجل إليهم قرا هم وذلك سنة المرسلين وداب المهتدين قال رسول الله - ﷺ - من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحسن الى جاره وفى رواية فلا يوذ جاره ومن كان يومن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليسكت رواه احمد والشيخان فى الصحيحين والترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة وفى الصحيحين من حديث ابى شريح الكعبي بلفظ من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جايزته يوم وليلة والضيافة ثلثة ايام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يثوى عنده حتى يحرجه وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ان رجلا سال رسول الله - ﷺ - اى الإسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وقيل سماهم مكرمين لانهم كانوا ملائكة كراما على الله تعالى قال الله تعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ....
إِذْ دَخَلُوا الظرف متعلق بالحديث او الضيف او المكرمين والضمير راجع الى الضيف من حيث المعنى عَلَيْهِ اى على ابراهيم عليه السلام فَقالُوا سَلاماً اى نسلم عليك قالَ ابراهيم سَلامٌ ج اى عليكم سلام عدل الى الرفع بالابتداء لقصد الثبات حتى تكون تحية احسن من تحيتهم قال الله تعالى وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً وجملة قال سلام استيناف كانه فى جواب ماذا قال ابراهيم حين سلموا عليه قرأ حمزة والكسائي سلم بكسر السين وسكون اللام بغير الف والباقون بفتح السين واللام والف بعدها المعنى واحد قَوْمٌ مُنْكَرُونَ اى أنتم قوم منكرون لا نعرفكم قال ابن عباس قال فى نفسه هؤلاء قوم منكرون لا نعرفهم قال ابو العالية أنكر سلامهم فى ذلك الزمان فى تلك الأرض لان السلام علم الإسلام.
فَراغَ اى ذهب ومال عطف على قال إِلى أَهْلِهِ مبادرة فى القرى فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ مشوى لانه كان عامة ماله البقر.
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ بان وضع بين أيديهم لياكلوا فلم يأكلوا قالَ ابراهيم أَلا تَأْكُلُونَ
الذاريات 51:28
الهمزة للانكار ان كان بعد ما راى انهم لا يأكلون وان كان فى أول الأمر فالهمزة للعرض والحث على الاكل على طريقة الأدب.
فَأَوْجَسَ يعنى أضمر مِنْهُمْ خِيفَةً ط اى خوفا لما راى اعراضهم عن طعامه عن ابن عباس انه وقع فى نفسه انهم ملائكة أرسلوا للعذاب قالُوا لا تَخَفْ ط انا رسل الله وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ يعنى اسحق عليه السلام عَلِيمٍ يكمل علمه إذا بلغ.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة فِي صَرَّةٍ اى صيحة قيل لم يكن ذلك إقبالا من مكان الى مكان وانما هو كقول القائل اقبل يشتمنى اى أخذت تصيح وعلى هذا التأويل قوله فى صرة فى محل النصب على المفعولية وان كان المراد الإقبال من مكان الى مكان فهى فى محل النصب على الحال فَصَكَّتْ وَجْهَها قال ابن عباس لطمت وجهها يعنى جمعت أصابعها فضربت وجهها كما هو عادة النساء عند التعجب إذا انكرن شيئا وقيل وجدت حرارة دم الحيض فلطمت وجهها من الحياء وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ يعنى أتلد عجوز عقيم وكانت سارة لم تلد قبل ذلك وكانت بنت تسعين سنة.
قالُوا اى الملائكة كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ ط يعنى قال ربك قولا مثل ذلك الذي قلنا وانما نخبرك من الله إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ فى صنعه الْعَلِيمُ بما كان وما يكون فيكون قوله حقا وفعله محكما ولما علم ابراهيم انهم ملائكة وانهم لا ينزلون مجتمعين الا لامر عظيم.
قالَ فَما خَطْبُكُمْ اى ما شانكم وفيم أرسلتم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعنى قوم لوط كانوا يعملون الخبائث التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ويقطعون السبيل ويأتون فى ناديهم المنكر فارسل الله إليهم أخاهم لوطا فكفروا به وقالوا اتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين قال رب نجنى من القوم الظالمين وانصرني على القوم المفسدين فارسل الله إليهم الملائكة.
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ متحجر وهو السجيل-.
مُسَوَّمَةً معلمة على كل واحد منها اسم من يهلك به عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ المجاوزين الحد فى الفجور قال ابن عباس يعنى للمشركين فان الشرك أسرف الذنوب وأعظمها.
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها اى فى قرى قوم لوط واضمارها مع عدم سبق ذكرها لكونها معلوما بالسياق مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بلوط عليه السلام وذلك قوله تعالى قالوا يعنى الملائكة يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر باهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم-.
فَما وَجَدْنا فِيها اى فى قرى قوم لوط غَيْرَ اهل بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
الذاريات 51:37
يعنى لوطا وبناته وصفهم الله تعالى بالايمان والإسلام جميعا لانه ما من مؤمن الا وهو مسلم.
وَتَرَكْنا فِيها آيَةً علامة لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ المعتبرين بها وهى تلك الحجارة الواقعة فى تلك القرى او صخر منضود فيها او ماء اسود منتن.
وَفِي مُوسى عطف على قوله وتركنا فيها على معنى وجعلنا فى إرسال موسى اية وهذا كقوله علفتها تبنا وماء باردا يعنى وسقيتها ماء باردا وهذا اقرب وانسب مما قيل انه معطوف على قوله وفى الأرض لبعده وعدم المناسبة فى القصة إِذْ أَرْسَلْناهُ هذا الظرف متعلق بما تعلق به فى موسى يعنى جعلنا فى موسى وقت ارسالنا إياه إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة ظاهرة يعنى معجزاته كالعصاء واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين وفلق البحر.
فَتَوَلَّى اى اعرض فرعون عن الايمان بِرُكْنِهِ اى بجمعه وجنوده الذين كان ينضوبهم وَقالَ فرعون هواى موسى ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ قال ابو عبيدة او بمعنى الواو والظاهر انها بمعناه فانه لما راى على يديه الخوارق قال ساحر ولما سمعه يقول ما لا يدركه عقله السقيم زعم انه مجنون وبين كلاميه منافاة وقال البيضاوي كانه جعل ما ظهر منه من الخوارق منسوبا الى الجن وتردونى انه هل حصل ذلك باختياره وسعيه او بغيرهما يعنى ان كان باختياره فهو ساحر والا فهو مجنون.
َخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ
فاغرقناهم فى اليم هُوَ مُلِيمٌ
اى ات بما يلام عليه من الكفر والعناد والتكبر والجملة حال من الضمير المنصوب فى أخذناه.
وَفِي عادٍ يعنى تركنا فى إهلاك عاد اية إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وهى التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا وكانت دبورا لقوله عليه الصلاة والسلام نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور.
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ يعنى جعلت الأشياء كالرماد من الرم وهى البنى؟؟؟ والتفتت.
وَفِي ثَمُودَ يعنى وتركنا فى إهلاك ثمود اية إِذْ قِيلَ لَهُمْ قال لهم صالح لما عقروا لناقة تَمَتَّعُوا فى دياركم حَتَّى حِينٍ يعنى ثلثة ايام.
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ استكبروا عن امتثاله واتباع صالح والايمان به- فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ قرأ الكسائي الصعقة بإسكان العين من غير الف والباقون بالألف بعد العين والصاعقة الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب والصعق معركة شدة الصوت كذا فى القاموس اخذتهم بعد مضى الأيام الثلاثة وَهُمْ يَنْظُرُونَ اى يرون ذلك العذاب
الذاريات 51:45
عيانا فاصبحوا فى ديارهم جاثمين.
فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ للهرب بعد نزول العذاب قال قتادة لم ينهضوا من تلك الصرعة وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ اى ممتنعين منه او منتقمين منا.
وَقَوْمَ نُوحٍ قرأ ابو عمر وحمزة والكسائي قوم بالجر عطفا على ثمود يعنى تركنا فى إهلاك قوم نوح اية والباقون بالنصب على انه مفعول بفعل محذوف دل عليه السياق تقديره وأهلكنا قوم نوح مِنْ قَبْلُ اى من قبل قوم لوط وفرعون وجنوده وعاد وثمود إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ خارجين عن الاستقامة بالكفر والمعاصي.
وَالسَّماءَ منصوب بفعل مضمر يفسره بَنَيْناها بِأَيْدٍ اى بقوة وقدرة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قال ابن عباس اى قادرون ومطيقون من الوسع بمعنى الطاقة كما فى قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها والجملة حال من فاعل بنينا وجملة والسماء عطف على وفى موسى وقال الضحاك معناه به الأغنياء كما فى قوله تعالى عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وفى رواية عن ابن عباس انا لموسعون الرزق على خلقنا وقيل معناه لموسعون السماء او ما بنينها وبين الأرض.
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها اى مهدناها ليستقروا عليها والتركيب نحو ما سبق فَنِعْمَ الْماهِدُونَ نحن.
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين قلت ليس المراد تعين تعدد التثنية بل المراد تعدد اصناف المخلوقات يعنى خلقنا من كل شىء اصناف ذات عدد فوق الواحد أدناه المثنى بل كل فرد منه ذو جهتين خير من وجه وشر من وجه معدوم بالذات واجب بالغير عاجز بالذات قادر بالغير لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ لكى تذكروا وتعلموا ان التعدد من خواص الممكنات والواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام واجب وجوده لا يصادم وجوده العدم قادر لا عجز له.
فَفِرُّوا من كل شىء إِلَى اللَّهِ ط بالتوجه والمحبة والاستغراق وامتثال الأوامر وكسب السعادات حتى تخلصوا من النقائص والشرور وتفوزوا بالخيرات وتصعدوا مصاعد القرب والكمال والفاء للسببية فان التذكر والتدبر فى شان الممكنات والواجب تعالى يوجب الفرار منها اليه تعالى وهذه الجملة بتقدير القول من كلام الرسول - ﷺ - ليرتبط بما بعده يعنى قل يا محمد ففروا الى الله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ اى من عذابه المترتب على غضبه وهجرانه وبعده وعصيانه نَذِيرٌ مُبِينٌ بين كونه نذيرا من الله تعالى بالمعجزات او مبين ما يجب ان يحذر عنه.
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ شريكا له فى وجوب الوجود او فى استحقاق العبودية او فى كونه مقصودا لكم ومجبوبا مستغلا به إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ للتاكيدا والاول لتحذير الخواص عن مطلق التوجه والمحبة بغيره تعالى والثاني
الذاريات 51:52
لتحذير العوام عن الشرك والمعاصي كما يدل عليه السياق يعنى ان لم تقدروا على الفرار من كل شىء حتى من أنفسكم الى الله تعالى فلا تجعلوا مع الله الها اخر فى العبادة وامتثال الأوامر.
كَذلِكَ خبر مبتدا محذوف اى شانك مع قولك كذلك الشان للرسل من قبلك مع أقوامهم ولما كان فى التشبيه إبهاما فسره بقوله ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الضمير عايد الى كفار مكة والمراد بالموصول كفار الأمم السابقة مفعول لاتى وفاعله مِنْ رَسُولٍ من زائدة فى النفي للاستغراق إِلَّا قالُوا استثناء مفرغ والمستثنى فى محل النصب على الحالية من فاعل اتى او مفعوله او كليهما يعنى ما أتاهم رسول فى حال الا حال قولهم ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ خبر مبتدا محذوف والجملة مقولة- قالوا يعنى قالوا هذا ساحرا ومجنون كما يقول لك قومك وجاز ان يكون مشار اليه بذلك تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه ساحرا او مجنونا وجملة ما اتى علة للتشبيه.
أَتَواصَوْا اى الأولون والآخرون من الكفار بِهِ بهذا القول يعنى اوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوا جميعا والاستفهام للانكار والتوبيخ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ إضراب عن التواصي من جميعهم بهذا القول لتباعد ايامهم الى ان الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم فى الطغيان الحامل عليه وقوله كذلك الى قوله طاغون معترضات لتسلية النبي - ﷺ - وقوله فتول عنهم اى عن الكفار عطف على قل المقدرة يعنى قل ففروا إلخ.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ اى اعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فابوا للاصرار والعناد فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ على الاعراض بعد ما بذلت جهدك فى البلاغ واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابن منيع وابن راهويه والهثيم بن كليب فى مسانيدهم من طريق مجاهد عن على رض عنه قال لما نزلت فتول عنهم فما أنت بملوم لم يبق منا أحد الا أيقن بالهلاكة إذا مر النبي - ﷺ - ان يتولى عنا فنزلت.
وَذَكِّرْ الاية فطابت أنفسنا واخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا انه لما نزلت فتول عنهم الاية اشتد على اصحاب رسول الله - ﷺ - وراوا ان الوحى قد انقطع وان العذاب قد حضر فانزل الله تعالى وذكر الاية كذا ذكر البغوي قول المفسرين وقوله تعالى ذكّر عطف على قوله تولّ يعنى لا تدع التذكير والموعظة فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ تعليل لقوله تعالى ذكر يعنى ان الذكر ينفع المؤمنين ويزداد لهم البصيرة وان لم ينتفع الكفار او المعنى تنفع من قدر الله إيمانه.
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ اى الا لامرهم بعبادتي وادعوهم اليه يعنى للتكليف يؤيده قوله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً
الذاريات 51:57
كذا ذكر البغوي قول على رض قال مجاهد الا ليعرفوا والكفار ايضا يعرفون وجوده تعالى حيث قال الله تعالى ولئن سالتهم من خلقهم ليقولن الله وقيل معناه الا ليكونوا عباد الى او ليخضعوا لى ويتذللوا ومعنى العبادة فى اللغة التذلل والانقياد وكل مخلوق من الجن والانس خاضع لقضاء الله تعالى متذلل لمشيته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له وقيل الا ليوحدون اما المؤمنون فيوحدون فى الشدة والرخاء اما الكافرون فيوحدونه فى الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء قال الله تعالى وإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين قال صاحب المدارك الكفار كلهم يوحدون الله فى الاخرة قال الله تعالى ثم لم تكن فتنتهم الا ان قالوا والله ربنا ما كنا مشركين واشراكهم فى الدنيا وهى بعض أحيان وجودهم لا ينافى كونهم مخلوقين للتوحيد قلت والقول ما قال على رض ما سواه اقوال ضعيفة واهية والذي حملهم على ما قالوا ان ظاهر الاية يقتضى انهم خلقوا مرادا منهم الطاعة وتخلف مراد الله تعالى محال وقد قال رسول الله - ﷺ - كل ميسّر لما خلق له وقال الله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس وقال الكلبي والضحاك والسفيان هذا خاص لاهل الطاعة من الفريقين يدل عليه قراءة ابن عباس ما خلقت الجن والانس من المؤمنين الا ليعبدون وعندى تاويل الاية ما خلقت الجن والانس الا مستعدين العبادة صالحين لها نظيره قوله - ﷺ - ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهود انه وينصرانه ويمجسانه كما تنتهج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول فطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله متفق عليه من حديث ابى هريرة وهذا التأويل يناسب تاويل على رض ومقتضى هذه الاية ذم الكفار لاجل اضاعتهم الفطرة السليمة هى اصل الخلقة.
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ المراد ان شانه تعالى مع عباده ليس شان السادة مع عبيدهم فانهم انما يملكونهم ليستعينوا بهم فى تحصيل رزقهم وكسب طعامهم والله تعالى منزه عن ذلك وقيل معناه ما أريد منهم ان يرزقوا أحدا من خلقى ولا ان يرزقوا أنفسهم وان يطعموا أحدا من خلقى وينافى هذا التأويل اسناد الطعام الى نفسه وأجيب بان الخلق عيال الله ومن اطعم عيال أحد فقد أطعمه كما جاء فى الحديث يقول الله يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال اما علمت انه استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه انك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى رواه مسلم من حديث ابى هريرة فى حديث ذكر فيه مرضت فلم تعدنى واستسقيتك فلم تسقنى قلت هذا قول بالتجوز ومع ذلك
الذاريات 51:58
يرد عليه ان الله تعالى أراد من المؤمنين وامر الناس أجمعين بأداء زكوة أموالهم رزقا للفقراء وان يطعموا أنفسهم وأهليهم ومن وجب عليهم نفقاتهم فكيف يقال ما أريد منهم ان يرزقوا اللهم الا ان يقال المقص من إيجاب الزكوة امتثال الأمر وفعل الأداء دون الترزيق ومن هاهنا قال ابو حنيفة لا يجب الزكوة على الصبى والمجنون ولكن هذا الجواب لا يستقيم فى العشر والخراج ونفقة الآباء والأولاد والزوجات فان المقصود إيصال الرزق الى العباد ولذا تجرى فيها النيابة ويتادى بأداء ولى الصبى.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ لجميع خلقه مستغن عنه ذُو الْقُوَّةِ على الترزيق وعلى كل ما أراد الْمَتِينُ شديدة المبالغ فى القدرة قيل فى تاويل الاية ان قوله تعالى ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ إلخ من كلام رسول الله - ﷺ - مقدر بقل يعنى قل يا محمد ما أريد منهم اى من الناس من رزق نظيره لا أسألكم عليه اجرا قال بعض المحققين قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ بتقدير قل عطف على ذَكِّرْ والى قوله تعالى ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ داخل فى مقولة قل لا يقال كيف يصح ما خَلَقْتُ الْجِنَّ إلخ كلاما للرسول لانا نقول هو على طريقة قول الملك للسفير قل ان أمركم بكذا فيقول السفير بقول الملك انى أمركم بكذا وان الأمير يأمركم بكذا ومثل هذا متعارف.
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالشرك والمعاصي واضاعة الفطرة السليمة ووضع الكفران موضع العبادة التي كلفوا بها وخلقوا مستعدين لها ذَنُوباً اى نصيبا من العذاب وهو فى الأصل الدلو العظيم الذي له ذنب واستعير للنصيب أخذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء وقال الزجاج الذنوب فى اللغة النصيب مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ اى مثل نصيب نظرائهم من الأمم السابقة كعاد وثمود وفرعون وقوم نوح وقوم لوط والفاء للسببية تعليل لقوله فتول عنهم- فَلا يَسْتَعْجِلُونِ الفاء ايضا للسببية يعنى إذا سمعت وعيدي لكفار فهو يكفيك للتسلية فلا تستعجلون فى تعذيبهم وجاز ان يكون هذا خطابا بالكفار جوابا لقولهم متى هذا الوعد ان كنتم صادقين.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يعنى يوم القيامه وقيل يوم بدر الفاء للسببية مسبب لتحقق الوعيد والله تعالى اعلم.
الطور 52:1
سورة الطّور
مكّيّة وهى تسع وأربعون اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وَالطُّورِ وهو الجبل بالسريانية والمراد به طور سينين جبل بمدين سمع موسى فيها كلام الله تعالى.
وَكِتابٍ مَسْطُورٍ السطر ترتيب الحروف المكتوب والمراد به مكتوب.
فِي رَقٍّ الرق الجلد الذي يكتب استعير لما كتب فيه الكتاب مَنْشُورٍ لاجل التلاوة صفة لرق والظرف متعلق بمسطور وتقيد الكتاب بكونه مكتوبا فى زق منشور يابى كونه لوحا محفوظا فالمراد به اما القران او جنس ما كتب فيه الشرائع وقال الكلبي هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم ومقتضى هذا القول مناسبته وعطفه على الطور وقيل المراد به دواوين الحفظة يخرج لهم يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا.
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ هو بيت فى السماء السابعة حيال الكعبة يقال له الصراح حرمته فى السماء كحرمة الكعبة فى الأرض روى مسلم عن انس فى حديث المعراج وقال عليه السلام فى السماء السابعة فاذا انا بإبراهيم مسند أظهره الى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون الف لا يعودون اليه قال البغوي يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون اليه ابدا عمارته كثرة غاشية من الملائكة قال البيضاوي المراد به الكعبة وعمارتها بالحجاج والمجاورين او قلب المؤمن وعمارته بالمعرفة والإخلاص.
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعنى السماء قال الله تعالى وجعلنا السماء سقفا محفوظا.
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فى القاموس سجر التنور حماه والنهر ملأه وقال محمد بن إسحاق والضحاك يعنى الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور وهو قول ابن عباس وذلك ما روى ان الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزداد بها فى نار جهنم واخرج البيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا او معتمرا او حاجا فان تحت البحر نارا او تحت النار بحرا وعن يعلى بن امية ان النبي - ﷺ - قال البحر جهنم واخرج ابو الشيخ فى العظمة والبيهقي من طريق سعيد بن المسيب عن على بن ابى طالب رض قال ما رايت يهود يا اصدق من فلان زعم ان نار الله الكبرى هى البحر فاذا كان يوم القيامة جمع الله فيه الشمس والقمر والنجوم ثم بعث عليه الدبور فسعرته واخرج ابو الشيخ عن كعب فى قوله تعالى والبحر المسجور قال قال البحر يسجر فيصير نار جهنم واخرج البيهقي فى الشعب عن وهب قال إذا قامت القيامة
الطور 52:7
امر بالفلق فيكشف عن سقر وهى غطاءها فيخرج منه نار فاذا وصلت الى البحر المطبق على شفير جهنم وهو البحر المسجور اسرع من طرفة عين وهو حاجزيين جهنم والأرضين السبع فيدعها جمرة واحدة وقال مجاهد والكلبي المسجور المملو ويقال سجرت الإناء إذا ملاته وقال الحسن وقتادة وابو العالية هو اليابس الذي قد ذهب ماءه وقال الربيع بن انس المختلط العذب بالملح وروى الضحاك عن النزال بن سيرة عن على رض انه قال فى البحر المسجور وهو بحر تحت العرش عمقه كما بين سبع سموات الى سبع ارضين فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد بعد النفخة الاولى منه أربعون صباحا فينبتون فى قبورهم وهذا قول مقاتل اقسم الله تعالى بهذه الأشياء وجواب القسم.
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ بالكفار.
ما لَهُ مِنْ دافِعٍ يدفعه الجملة صفة الواقع قال جبير بن مطعم قدمت المدينة لا كلم رسول الله ﷺ فى أسارى بدر فدفعت اليه وهو يصلى بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ والطور الى قوله ان عذاب ربك لواقع ماله من دافع فكانما صدع قلبى حين سمعته ولم أكن اسلم يومئذ قال فاسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن الا ان أقوم من مكانى حتى يقع بي العذاب.
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً اى تدور كدور ان الرحى وتنكفا باهلها تكفاء السفينة وقال قتادة تتحرك وقال عطاء الخراسانى تختلف اجزاءها بعضها فى بعض وقيل تضطرب وكل ذلك جاء معانى مور فى اللغة الذهاب المجيء والتردد والدوران والاضطراب كذا فى القاموس وهذه الاية تدل على ان السماء غير متحرك كالارض والجبال خلافا للفلاسفة والظرف متعلق لواقع.
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً عطف على تمور يعنى تسير عن وجه الأرض فتصير هباء.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ اى إذا وقع ذلك الفاء للسببية فان وقوع العذاب الغير المدفوع سبب للويل لِلْمُكَذِّبِينَ بالعذاب.
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ غافلين لاهين.
يَوْمَ يُدَعُّونَ بدل من يوم تمور الى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا اى دفعا بعنف وجفوة وذلك ان خزنة جهنم يغسلون أيديهم الى أعناقهم ويجمعون نواصيهم الى أقدامهم تم يدفعون الى النار دفعا على وجوههم ويزعجون إزعاجا حتى إذا دنوا منها يقول لهم خزنتها.
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ وجاز ان يكون يوم يدعون ظرفا ليقول مقدر هاهنا وهذه الجملة بتقدير يقول لهم حال من المكذبين.
أَفَسِحْرٌ هذا عطف على هذه النار التي كنتم بها تكذبون والاستفهام للانكار والتوبيخ والفاء للتعقيب
الطور 52:16
والمعنى اى يتعقب مشاهدة النار كونها سحرا يعنى كنتم تقولون للوحى وما يشهد من المعجزات هذا سحر وهذا مصداقه فلو كان ذلك سحرا فهذا ايضا سحر على زعمكم وتقديم الخبر لانه المقصر بالإنكار والتوبيخ- أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ هذه النار كما كنتم لا تبصرون ما يدل عليه فى الدنيا وتقولون انما سكرت أبصارنا وهذا الكلام نهيكم بهم.
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ج كلمة او للتسوية والجملتان بتقدير مستويا لكم صبركم وعدمه حال من الضمير المستكن فى اصلوها- سَواءٌ عَلَيْكُمْ ط سواء مصدر بمعنى الفاعل خبر مبتداء محذوف الأمر ان مستويان عليكم والجملة تأكيد لما سبق إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل للاستواء فانه لما كان جزاء الكفر واجب الوقوع بايجاب الله تعالى ووعيده كان الصبر وعدمه سيئان فى عدم النفع.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ وتنكيرهما للتعظيم يعنى جنات عظيم ونعيم فخيمه.
فاكِهِينَ ناعمين متلذذين حال من الضمير فى الظرف بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إيهام ما اتهم واسناده الى ربهم للتفخيم والتعظيم يعنى ناعمين بشىء عظيم او بالذي هو عظيم الشان اتهم أكرم الأكرمين وأعظم العظماء وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ عطف على أتاهم ان جعل ما مصدرية او على فى جنات او حال من فاعل اتى او من مفعوله او كليهما.
كُلُوا وَاشْرَبُوا بتقدير يقال لهم خبر بعد خبر لان او حال من المستكن فى الظرف او الحال هَنِيئاً اى أكلا وشربا هنيئا او طعاما وشرابا هنيا والهنيء ما لا يلحق فيه مشقة ولا يعقبه خامة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بسببه او مقابلته وقيل الباء زائدة وما فاعل لهنيأ والمعنى هنيئكم هنيا ما كنتم تعملون اى جزاؤه وحينئذ هنيئا جملة معطوفة على كلوا مقولة قال المقدر.
مُتَّكِئِينَ حال من المستكن فى الظرف اى فى جنات او فى فاكهين او من الضمير فى كلوا واشربوا على التنازع عَلى سُرُرٍ متعلق بمتكئين مَصْفُوفَةٍ اى مصطفة- وَزَوَّجْناهُمْ عطف على خبران او على ان والماضي فى معنى المستقبل بِحُورٍ عِينٍ الباء للالصاق فان فى التزويج معنى الوصل او للسببية يعنى صيرناهم أزواجا بسببهن.
وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتداء وَاتَّبَعَتْهُمْ قرأ ابو عمرو اتبعناهم بقطع الالف واسكان التاء والعين من الافعال وضمير المتكلم مع الغير تعظيما والباقون بوصل الالف وفتح التاء والعين من الافتعال وتاء التأنيث الساكنة ذُرِّيَّتُهُمْ قرأ ابو عمرو ابن عامر ويعقوب ذرياتهم للمبالغة فى كثرتهم فكسر ابو عمرو التاء منصوبا على انه مفعول ثان لاتبعناهم وضم ابن عامر ويعقوب مرفوعا على الفاعلية وقرأ الباقون ذريتهم بالتوحيد مرفوعا على الفاعلية والذرية يقع على الواحد والكثير بِإِيمانٍ حال من الضمير المنصوب او من الذرية او منهما وتنكيره للاشعار بانه يكفى للالحاق المتابعة فى اصل الايمان بل يكفيه الايمان الحكمي كايمان الصغر والجنون تبعا لغير الأبوين دينا أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر ذرياتهم بالجمع وكسر التاء والباقون بالتوحيد وفتح التاء عن ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - ان الله يرفع ذرية المؤمنين فى درجة وان كانوا دوية؟؟؟ فى العمل ليقربهم عينه ثم قرأ هذه الاية رواه الحاكم والبيهقي فى سننه والبزاز وابو نعيم فى الحلية وابن المنذر وابن جرير وابن ابى حاتم وعن على رض قال سالت خديجة النبي - ﷺ - عن ولدين لها ماتا فى الجاهلية فقال رسول الله - ﷺ - هما فى النار فلما راى الكراهة فى وجهها قال لو رأيت مكانها لا بغضتها قالت يا رسول الله فولدى منك قال فى الجنة ثم قال رسول الله - ﷺ - ان المؤمنين وأولادهم فى الجنة وان المشركين وأولادهم فى النار ثم قرأ رسول الله - ﷺ - والذين أمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم رواه عبد الله بن احمد فى زوايد المسند وفيه مجهول وانقطاع- (فصل) هذا الحديث يدل على ان أطفال المشركين فى النار والصحيح انهم فى الجنة وهذا الحديث ضعيف فيه مجهول وانقطاع وكذا ما روى احمد عن عايشة انها ذكرت لرسول الله - ﷺ - عن أطفال المشركين فقال ان شئت أسمعتك تصاعدهم فى النار سنده ضعيف جدا وقيل هذا الحديث منسوخ فى حق أطفال المشركين لما روى ابن عبد البر بسند ضعيف عن عائشة قالت سالت خديجة رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين فقال هم من ابائهم ثم سالت بعد ذلك فقال الله اعلم بما كانوا عالمين ثم سالته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت ولا تزر وازرة وزر اخرى فقال هم على الفطرة او قال فى الجنة وما روى ابن ابى شيبة عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - سالت ربى اللاهين من ذريات البشر فاعطانيهم قال ابن عبد البرهم الأطفال لان أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقل ولا عزم واخرج ابن جرير عن سمرة قال سالنا رسول الله - ﷺ - عن أطفال المشركين فقال هم خدم اهل الجنة واخرج مثله عن ابن مسعود موقوفا وكذا روى الطيالسي عن انس مرفوعا معناه وقال بعض العلماء أطفال المشركين يمتحنون لانه سئل رسول الله - ﷺ - عن أطفال المشركين فقال الله اعلم
الطور 52:22
بما كانوا عاملين متفق عليه من حديث ابى هريرة والله اعلم وَما أَلَتْناهُمْ قرأ ابن كثير بكسر اللام من باب سمع يسمع والباقون بفتح اللام من ضرب يضرب وكلاهما لغتان فى ألت يالت يعنى ما نقصنا الآباء مِنْ عَمَلِهِمْ من للتبعيض اى بعض ثواب أعمالهم مِنْ شَيْءٍ ط من زائدة وشىء فى محل النصب على انه مفعول ثانى لالتنا ومن عملهم خال عنه قدم عليه لتنكيره يعنى لا ينقص ثواب الآباء بإعطاء الأبناء فى إلحاقهم بهم والجملة معطوفة على الحقنا ولما كان هاهنا مظنة سوال السائل يسئل ان هذا شان من أمن واتبعه ذريته بايمان فما شان من كسب سيئة قال الله تعالى كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ قال مقاتل كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن محبوس فى النار لا يجاوز جزاء السيئة ممن كسب الى غيره فلا يلحق بالكافر والفاسق ذريته من غير ان يعملوا.
وَأَمْدَدْناهُمْ عطف على زوجناهم يعنى زدناهم يعنى المتقين وقتا بعد وقت بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ من انواع التنعم.
يَتَنازَعُونَ من النزع يعنى الاخذ من يد الغير والتفاعل هاهنا بمعنى المجرد من عاقبت اللص وترافعنا الى القاضي وجعلنا من المزيد فيه للدلالة من الكثرة يعنى ينزعون الى اهل الجنة من يد الساقي فِيها اى فى الجنة كَأْساً الكأس الإناء بما فيها من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كاسا يقال كاس حال وقال شربت كاسا والمراد هاهنا كاس مملو من شراب لا لَغْوٌ وهو الباطل قال قتادة وقال مقاتل بن حيان لا فضول فِيها وقال سعيد بن المسيب لا رفث فيها وقال ابن زيد لاسباب ولا تخاصم فيها وقال القتيبي لا يذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا وَلا تَأْثِيمٌ قال الزجاج لا يجرى بينهم ما يلغى ولا ما فيه اثم كما يجرى فى الدنيا بشرب الخمر وقيل لا يأثمون فى شربها قرأ ابن كثير وابو عمرو لا لغو ولا تأثيم بالفتح فيها أعمالا للاو الباقون بالرفع فيهما الفاء لعمل لا لاجل لتكرير.
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ لاجل الخدمة غِلْمانٌ لَهُمْ اى مماليك مخصوص بهم اخرج ابن ابى الدنيا عن انس رض قال قال رسول الله - ﷺ - ان أسفل اهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على راسه عشرة آلاف خادم واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى هريرة ان ادنى اهل الجنة منزلة وليس فيها دنى من تغدو ويروح عليه خمسة آلاف خادم ليس منهم خادم الا ومعه ظرف ليس مع صاحبه كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مستور فى الصدف شبهوا باللؤلؤ فى بياضهم وصفائهم وحسنهم قال البغوي روى عن الحسن انه تلا هذه الاية وقال قالوا يا رسول الله الخادم كاللؤلؤ فكيف المخدوم
الطور 52:25
وعن قتادة ايضا ذكر لنا ان رجلا قال يا نبى الله - ﷺ - هذا الخادم فكيف المخدوم قال فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على ساير الكواكب واخرج عبد الرزاق وابن جرير فى تفسيرهما من مرسل قتادة نحوه.
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعنى يسال بعضهم بعضا عن أحواله واعماله فى الدنيا قال ابن عباس يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف فى الدنيا واقبل صيغة ماض بمعنى المستقبل حال بتقدير قد من الضمير المجرور فى يطوف عليهم.
قالُوا يعنى يقولون جملة مستانفة كانها فى جواب- ماذا يقول المسئولون إِنَّا كُنَّا قَبْلُ اى قبل هذا فى الدنيا فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ اى خائفين من عذاب الله.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالتوفيق والمغفرة والرحمة وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ اى عذاب النار النافذة فى المسام نفوذ السموم وقال الحسن السموم اسم من اسماء جهنم.
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ اى قبل ذلك فى الدنيا نَدْعُوهُ ط نعبده اى الله تعالى ونساله الوقاية إِنَّهُ قرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة يعنى ندعوه بانه والباقون بالكسر على الاستيناف هُوَ الْبَرُّ اى المحسن وقال ابن عباس اللطيف وقال الضحاك الصادق فيما وعد الرَّحِيمُ الكثير الرحمة.
فَذَكِّرْ الفاء للسببية فان تحقيق الوعد والوعيد من الله تعالى باعث على التذكير والموعظة فَما أَنْتَ الفاء للتعليل يعنى ذكر الناس لانك نبى من الله ولست بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اى متلبسا بنعمة ربك حال من الضمير المرفوع فان قوله ما أنت بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ فى معنى انتفى كونك كاهنا او مجنونا والمراد بنعمة ربك النبوة والعقل السليم يعنى نبوتك ودينك يتلقى الكهانة وعقلك السليم البالغ ينافى الجنون والاية نزلت فى الذين اقتسموا أعقاب مكة يرمون رسول الله - ﷺ - بالكهانة والسحر والجنون والشعر اخرج ابن جرير عن ابن عباس ان قريشا اجتمعوا فى دار الندوة فى امر النبي - ﷺ - قال قائل منهم احبسوه فى اوثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء ما زهير والنابغة فانما هو كاحدهم فانزل الله تعالى.
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ صفة شاعر او خبر بعد خبر لمبتداء محذوف اى هو منتظر به رَيْبَ الْمَنُونِ اى ما يتعلق النفوس من حوادث الدهر او حوادث الموت يعنى الحوادث التي يقضى الى الموت قالت الكفار انه يموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء ويتفرق أصحابه وان أباه مات شابا ونحن نرجو ان يكون موته موت أبيه او المنون مفعول من منه إذا قطعه يكون بمعنى الدهر وبمعنى الموت سميا بذلك لانهما
الطور 52:31
تقطعان الاجل..
قُلْ يا محمد تَرَبَّصُوا هلاكى فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ط حتى يأتي امر الله فيكم فتعذبوا بالسيف يوم البدر.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ اى عقولهم بِهذا التناقض فى القول فان الكاهن يكون ذا فطانة ودقة نظر والمجنون مغطى عقله والشاعر ذا كلام موزون منتسق بليغ متخيل ولا يتاقى ذلك من المجنون وذلك ان عظماء قريش كانوا يوصفون بأحلامهم فازرى الله بعقولهم حتى قال انهم لا يتميزون بين الفطان والمجنون ولا يعرفون الحق من الباطل أَمْ هُمْ يعنى بل هم قَوْمٌ طاغُونَ مجاوزون الحد فى العناد فانهم إذا لا يجدون سبيلا الى الإنكار فى القران والنبي - ﷺ - بظهور الحجة وسطوع البرهان يقولون فيه قولا اخر مناقضا للاول.
أَمْ اى بل يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ج اى القران تقوله محمد - ﷺ - يعنى اختلقه من تلقاء نفسه وليس من عند الله وليس الأمر كذلك بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ج بالقران عنادا او استكبارا فيرمون بهذه المطاعن كذبا.
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ اى مثل القران فى البلاغة واخبار الغيب إِنْ كانُوا صادِقِينَ ط فيما قالوا انه كاهن او مجنون او شاعر تقوله إذ فيهم كثير من الكهنة والمجانين والشعراء فهو رد للاقوال الثلاثة المذكورة بالتحدي ويجوز ان يكون ردا للتقول فقط فان ساير الأقوال ظاهر الفساد وهذا شرط مستغن عن الجزاء.
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قال ابن عباس يعنى من غير رب خلقهم وذلك محال فان الحادث الذي لم يكن موجودا قبل ذلك لا يتصور وجوده من غير موجد وقيل معناه أم خلقوا من أجل لا شىء من العبادة والمجازاة يعنى خلقوا عبثا وتركوا سدى لا يومرون ولا ينهون كذا قال ابن كيسان والزجاج أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ط لانفسهم وذلك فى البطلان اظهر من ان يخلقوا من غير شىء وهذه الجملة يؤيد التأويل الاول لما قبلها ولذلك عقبه بقوله.
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ بما يجب به الإيقان ويدل عليه البرهان من ان الله خلقهم وخلق السموات والأرض ولو أيقنوا به لما اعرضوا من عبادته.
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ اى خزائن رزقه فيرزقوا النبوة من يشاء او خزائن علمه فيعلمون من هو أحق بالنبوة من غيره وبقضية الحكمة أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ط المسلطون القاهرون على الأشياء يجعلونها على حسب مشيتهم ولا يكونوا تحت امر ونهى قرأ قتيل وحفص بخلاف عنه وهشام بالسين وحمزة بخلاف عن خلاد بين الصاد والزاء والباقون بالصاد خالصة.
أَمْ لَهُمْ
الطور 52:39
سُلَّمٌ مر تقى الى السماء يَسْتَمِعُونَ صاعدين فِيهِ اى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كاين او يعلموا ما هو حق من الله تعالى فيستمسكون به ولا يتبعوا بمحمد - ﷺ - فان ادعو ذلك فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ط اى بحجة واضحة يصدق استماعه.
أَمْ لَهُ الْبَناتُ اى لله تعالى بنات كما يقولون الملائكة بنات الله وَلَكُمُ ايها الناس- الْبَنُونَ ط فيه تسفيه لهم واشعار بان من هذا رايه لا يعد من العقلاء فضلا ممن يرتقى بروحه الى عالم الملكوت فيطلع على الغيب.
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على تبليغ الرسالة فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ اى من التزام غرم مُثْقَلُونَ ط فلذلك لا يتبعونك مع ظهور الداعي الى الاتباع.
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ قال ابن عباس المراد منه اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات فَهُمْ يَكْتُبُونَ ط منه وقيل معناه عندهم علم ما غاب عنهم حتى علموا ان ما جاء به محمد - ﷺ - من البعث وامر القيامة والثواب والعقاب مع كونه ممكنا فى نفسه واجبا تبوته بالبرهان باطل غير واقع وقال قتادة هذا جواب لقولهم نتربّص به ريب المنون يعنى أعندهم علم الغيب بان محمدا ﷺ يموت قبلهم ولا يبقى له اثر ومعنى قوله فهم يكتبون اى يحكمون والكتاب الحكم كذا قال القعنبي.
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ط بك ليهلكوك وهو كيدهم فى دار الندوة قال الله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يعنى يحيق بهم الكيد أو يعود إليهم وبال كيدهم وجزاؤه وهو قتلهم يوم بدر وعذابهم بالنار فى الاخرة وضع الموصول موضع الضمير للتسجيل على كفرهم والدلالة على انه هو الموجب للحكم المذكور.
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ ط يمنعهم من عذاب الله وينصرهم ويرزقهم سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ عن اشراكهم او عن شركة ما يشركون قال به الخليل ما فى هذه الصورة من أم كله استفهام يعنى الإنكار وليس بعطف.
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً اى قطعة مِنَ السَّماءِ ساقِطاً هذا جواب لقولهم فاسقط علينا كسفا من السماء يَقُولُوا هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ تراكم بعضها على بعض كما ان عادا لما رأو عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا يعنى لو عذبناهم بإسقاط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم حتى يهلكوا لكن الحكمة لا يقتضى استيصالهم.
فَذَرْهُمْ ولا تسال نزول العذاب عليهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ اى يوم عذابهم
الطور 52:46
الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ قرأ عاصم وابن عامر بضم الياء على البناء للمفعول اى يوم يهلكهم الله تعالى من الصعق والباقون بفتح الياء على البناء للفاعل من صعق يصعق اى يوم يموتون قال البيضاوي هو عند النفخة الاولى- قلت هذا ليس بشىء فانه جعل غاية لقوله ذرهم وذا لا يتصور الا ان يراد يوم يموتون.
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إغناء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ط يمنعون من عذاب الله يوم لا يغنى بدل من يومهم.
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يحتمل العموم والخصوص- عَذاباً فى الدنيا دُونَ ذلِكَ اى قبل ذلك اليوم يوم موتهم قال ابن عباس يعنى القتل يوم بدر وقال مجاهد الجوع والقحط سبع سنين وقال البراء بن عازب يعنى عذاب القبر قلت هذا على تقدير ان يراد بيومهم الذي فيه يصعقون يوم نفخة الصعق وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك.
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بامهالهم وابقائك فى عنائهم وقيل معناه واصبر الى ان يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا قال الزجاج يعنى انك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إليك بمكروه والحاصل انك بحفظنا وجمع العين لجمع الضمير وجمع الضمير للتعظيم او يقال جمع العين للمبالغة والدلالة على كثرة اسباب الحفظ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ عطف على واصبر حِينَ تَقُومُ قال سعيد بن جبير وعطاء اى قل حين تقوم من مجلسك سبحانك اللهم وبحمدك فان كان المجلس خيرا ازدادت خيرا وان كان غير ذلك كان كفارة له عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك كان كفارة لما بينهما رواه البغوي ورواه الترمذي والبيهقي فى الدعوات الكبير الا غفر له ما كان فى مجلسه وعن رافع بن خديج قال كان رسول الله - ﷺ - بآخر عمره إذا اجتمع اليه أصحابه فاراد ان ينهض قال سبحان الله وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك عملت سوأ او ظلمت نفسى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا أنت استغفرك وأتوب إليك عملت سوء قال قلنا يا رسول الله ان هذه كلمات احدثتهن قال أجل جاءنى جبرئيل فقال يا محمد هن كفارات المجلس رواه النسائي واللفظ له وصححه الحاكم وأخرجه الطبراني فى المعاجم الثلاثة مختصرا بسند جيد وعن عبد الله ابن عمر بن العاص انه قال كلمات لا يتكلم بها أحد فى مجلس خبر ومجلس ذكر إلا ختم له بهن كما يتختم بالخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك رواه ابو داود
الطور 52:49
وابن حبان فى صحيحه وعن ابى هريرة عن النبي - ﷺ - قال جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم الا كانت عليهم ترة ان شاء عذبهم وان شاء غفر لهم رواه ابو داود والترمذي وحسنه واللفظ له وابن ابى الدنيا والبيهقي وفى رواية ابى داود ومن قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليهم من الله ترة ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة وما مشى أجد مشى لا يذكر الله فيه الا كان عليه ترة وقال ابن عباس معنى الاية صل الله حين تقوم من منامك وقال الضحاك والربيع إذا قمت الى الصلاة فقل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك رواه ابو داود والترمذي ورواه ابن ماجة عن ابى سعيد وقال الترمذي هذا الحديث لا نعرفه الا من حارثة وقد تكلم فيه من قبل حفظه وقال الكلبي المراد بالآية الذكر باللسان حين تقوم من الفراش الى ان تدخل فى الصلاة عن عاصم بن حميد سالت عائشة باى شىء كان يفتتح رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل قالت كان إذا قام كبر الله عشرا وحمد الله عشرا وسبح الله عشرا واستغفر عشرا وقال اللهم اغفر لى واهدني وارزقني وعافنى ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة رواه البغوي ورواه ابو داود عن شريق الهوزلى عن عائشة بلفظ كان إذا ذهب من الليل كبر عشرا وحمد الله عشرا وقال سبحان الله وبحمده عشرا وقال سبحان الملك القدوس عشرا واستغفر عشرا وهلل عشرا ثم قال اللهم انى أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشرا.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ اى صل له قال مقاتل يعنى صلوة المغرب والعشاء قلت والظاهر انه صلوة التهجد خص صلوة الليل بالذكر لان العبادة فى الليل أشق على النفس وابعد عن الريا ولذلك قدم الظرف على الفعل- وَإِدْبارَ النُّجُومِ ع يعنى إذا أدبرت النجوم وغابت بطلوع الصبح وقال الضحاك المراد به صلوة الفجر وقال اكثر المفسرين المراد به ركعتان قبل صلوة الفجر عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها رواه المسلم وعنها قالت لم يكن النبي ﷺ أشد تعاهدا منه على ركعتا الفجر متفق عليه وعن جبير بن مطعم قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ فى المغرب بالطور رواه البغوي.
النجم 53:1
سورة النّجم
مكّيّة وهى اثنان وستّون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال ابن عباس فى رواية الوالبي والعوفى يعنى الثريا إذ أسقطت وهويه مغيبه والعرب يسمى الثريا نجما وجاء فى الحديث عن ابى هريرة مرفوعا ما طلع النجم قط وفى الأرض من العاهة شىء الا رفع وأراد بالنجم الثريا ذكره البغوي ورواه احمد بلفظ ما طلع النجم صباحا قط ويقوم عاهة الا ورفعت عنهم او خفت وسنده ضعيف- وقال مجاهد نجوم السماء كلها حين تغرب واللام للجنس سمى الكواكب نجما بطلوعه وكل طالع نجم يقال نجم السن والقران والسنة وروى عن عكرمة عن ابن عباس انه الرجوم من النجوم يعنى ما يرمى به الشياطين عن استراقهم السمع وقال ابو حمزة الثمالي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة وقال ابن عباس فى رواية عطاء المراد بالنجم القران فسمى نجما لانها نزلت نجوما متفرقة فى ثلثة وعشرين سنة يسمى التفريق تنجيما والمفرق منجما وقال الكلبي الهوى النزول من أعلى الى أسفل وقال الأخفش النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله تعالى والنجم والشجر يسجد ان وهويه سقوط على الأرض وقال جعفر الصادق رض يعنى محمدا - ﷺ - إذا نزل من السماء ليلة المعراج والهوى النزول وقيل المراد بالنجم المسلم وبهويه دفنه فى القبر والظرف لا يجوز ان يكون متعلقا بفعل قسم مقدر لان القسم لا يتعدى بذلك الوقت ولا ان يكون الظرف صفة منجم لانه جثة وظرف الزمان لا يكون صفة للجثه بل هو متعلق بحدث مقدر مضاف الى النجم تقديره وتحرك النجم إذا هوى وقيل إذا هاهنا اسم وليس بظرف وهو بدل اشتمال من النجم مقسم به ووجه تعين هذا الوقت للقسم ان وقت الهوى أفضل اوقات النجم لانه ان كان المراد بالنجم الثريا او مطلق النجم فان أريد بهواه سقوط شعلة منه لرجم الشياطين- فلا شك ان رجم الشياطين مقصود من خلقة النجوم وان أريد به انتشاره يوم القيامة فذلك وقت إتمام المقاصد التي قصد بالنجوم وان أريد به غروبه فغروبه أوضح دليل على إمكانه ووجود صانعه ولذا استدل الخليل عليه السلام بالأفول من الكواكب والقمر والشمس حيث قال فلما أفل لا أحب الآفلين وان أريد به نجم القران وبهويه نزوله او بالنجم محمد - ﷺ - وبهويه نزوله من السماء ليلة المعراج فلا شك ان نزول القران لهداية الناس ونزول محمد - ﷺ - بعد عروجه لهداية الخلق نعمة جليلة من الله تعالى لا نطير لهما وان أريد بالنجم المسلم
النجم 53:2
وبهويه دفنه فى القبر فلا شك ان دفن المسلم مع إيمانه سالما عن تسويلات النفس والشيطان غانما بنعمة الايمان والأعمال الصالحة وقت كماله وزوال حظر زواله والله تعالى اعلم وجواب القسم.
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ محمد - ﷺ - عن طريق الهدى وَما غَوى ج فى اتباع طريق الباطل قيل الضلال ضد الهداية والغى ضد الرشد يعنى هو مهتد راشد وليس كما تزعمون يا معشر قريش وتنسبونه الى الضلال والغى.
وَما يَنْطِقُ بالقران ولا بغيره عطف على ما ضل عَنِ الْهَوى ط صفة لمصدر محذوف يعنى نطقا ناشيئا عن الهوى يعنى لم يتقول القران من تلقاء نفسه كما يتقول الشعراء وكذا كل ما يتكلم ليس منشاؤه الهوى النفسانية بل مستند الى الوحى جلى او خفى وان كان باجتهاد مامور من الله تعالى مقرر من الله عليه فهو ليس عن الهوى البتة.
إِنْ هُوَ الضمير راجع الى القران المعهود فى الدهن والمدلول فيما سبق من الكلام إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فليس فى هذه الاية ما يدل على انه - ﷺ - ما كان يتكلم بالاجتهاد والجملة تعليل بقوله ما ينطق.
عَلَّمَهُ يعنى محمدا - ﷺ - الضمير المنصوب مفعول أول لعلم والقران او ما يوحى اليه عليه السلام مطلقا من حيث انه اسم لكلام تام قايم مقام مفعولية الثاني والثالث وفاعله شَدِيدُ الْقُوى جمع قوة والمراد به الله سبحانه القوى المتين.
ذُو مِرَّةٍ المرة القوة الشدة والاصالة والاحكام كذا فى القاموس والله سبحانه شديد البطش يحكم اصل كل شىء وجملة علمه مع ما عطف عليه حال من الضمير المستكن فى يوحى او صفة بعد صفة فَاسْتَوى عطف على علمه والاستواء من المتشابهات قال السلف فى قوله تعالى الرحمن على العرش استوى ان الاستواء معلوم بلا كيف وقال سهيل بن عبد الله التستري لا يجوز لمومن ان يقول كيف الاستواء لمن خلق الاستواء ولنا عليه الرضا والتسليم وقال مالك بن انس الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والسؤال عنه بدعة وحاصل الاية انه كان لله تعالى إذا علم محمدا - ﷺ - نسبته به عليه السلام مجهول الكيفية كنسبته مع العرش المجيد والكعبة الحسناء وقد تظهر تلك النسبة للصوفية الكرام وتظهر على وجه أكمل منه يوم يرونه كما يرون القمر ليلة البدر.
وَهُوَ يعنى محمدا - ﷺ - بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يعنى كان محمد - ﷺ - إذا يوحى اليه فى كمال رفعة استعداده وعلو مرتبته والأفق الناحية على منتهى دايرة الإمكان حيث يكون وراء ذلك دايرة الوجوب التي لا يتصور هناك للسالك سير قدمى والجملة حال من الضمير المنصوب فى علمه.
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
النجم 53:10
بحذف المضافين ان كان مقدار قربه قاب قوسين او ادنى وجملة ثم دنى عطف على علمه قال البغوي روينافى قصة المعراج عن شريك بن عبد الله بن انس ودنى الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه - ﷺ - قاب قوسين او ادنى قال الشيخ محمد حيات السندي فى رسالته هذا حديث غريب ومثله عن ابن عباس رواه ابو سلمة عنه واو هاهنا ليس للشك بل بمعنى بل كما فى قوله تعالى وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ يعنى بل يزيدون قالت الصوفية العلية المراد بقوسين قوس الوجوب وقوس الإمكان فالصوفى فى مرتبة دنوه قاب قوسين يبقى فى نظره مرتبتى الوجوب والإمكان كلتيهما وفى دنوه أدنى من قوسين يستر عن بصيرته قوس الإمكان مطلقا لا يرى نفسه عينا ولا اثرا والقاب والقيبة والقاد والقيد عبارة عن المقدار وهاهنا كناية عن كمال القرب وأصله ان الحليفين من العرب كانا إذا أراد عقد الصفا والعهد خرجا بقوسيهما وألصقا بينهما يريدان بذلك انهما متظاهران يحامى كل واحد منهما عن صاحبه ومراتب الدنو والتدلي وما كنى بقاب قوسين او بما هو ادنى منه درجات قرب للعهد من الله تعالى فى تجلياته سبحانه يدركه الصوفي ومن لم يذق لم يدر وقد ذكروا هذه الدرجات فى كتب التصوف فى كلماتهم اكثر مما تحصى وقال الضحاك معناه دنى محمد من ربه فتدلى يعنى فاهوى للسجود وهذا يستلزم انتشار الضمائر.
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ
يعنى محمدا - ﷺ - ما أَوْحى
ط من القران وغيره من الوحى الغير المتلو وضمائر اوحى وعبده واوحى راجعة الى شديد القوى وهذا التفسير مروى عن انس وابن عباس وغيرهما من السلف ولا غبار عليه من حيث العربية وقالت عائشة رض واختاره اكثر المفسرين ان المراد بشديد القوى جبرئيل عليه السلام ذو مرة قال ابن عباس فى رواية اى ذو منظر حسن وقال قتادة وخلق طويل حسن فاستوى جبرئيل وهو يعنى محمد ﷺ عطف على الضمير المرفوع المستتر فى استوى على ما اجازه الكوفيون قال البغوي استوى جبرئيل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج وقيل ضمير هو راجع الى جبرئيل كان يأتي رسول الله - ﷺ - فى صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين فساله رسول الله - ﷺ - ان يره نفسه على صورة التي خلقها فاراه مرتين فى الأرض ومرة فى السماء فاما فى الأرض ففى الأفق الأعلى والمراد بالأعلى جانب المشرق وذلك ان محمدا - ﷺ - كان بحراء فطلع له جبرئيل من المشرق فسد الأفق الى المغرب فخر رسول الله - ﷺ - مغشيا عليه فنزل جبرئيل فى صورة الآدميين وضمه - ﷺ - الى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه واما فى السماء فعند سدرة المنتهى ليلة المعراج ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة الا محمد - ﷺ - قوله تعالى ثُمَّ دَنا يعنى جبرئيل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى فنزل الى محمد - ﷺ - لما خرّ رسول الله - ﷺ - مغشيا عليه فكان منه قاب قوسين او ادنى يعنى بل ادنى والقوس ما يرمى به فى قول مجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس فاخبر انه كان بين جبرئيل وبين محمد - ﷺ - مقدار قوسين قال معناه حيث الوتر من القوس وقال ابن مسعود قاب قوسين قدر ذرا عين وهو قول سعيد بن جبير وشفيق بن سلمة والقوس الذراع يقاس بها كل شىء كذا روى البخاري فى تاويل الاية عن عائشة رض وقال البغوي وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة قيل فى الكلام تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى فدنى لان التدلي سبب الدنو والظاهر ان الدنو أعم مطلقا عن التدلي فان الدنو لا يقتضى وصول الشيء الى منتهى مسافة يريد قطعها الى تحت بخلاف التدلي فانه ماخوذ من الدلو فان التدلي وصول الدلو الى قعر البير وايضا يعتبر فى التدلي الوصول الى المنتهى مع بقاء تعلقه بالمبدأ يتال ادلى رجله من السرير وادلى دلوه والدوالي للثمر المعلق فاوحى جبرئيل الى عبده يعنى عبد الله وما اوحى الله اليه وهذا التأويل يأباه العربية والمعقول بوجوه أحدها ان قصة جبرئيل هذه حكاية حال والكلام فى ان القران ليس شيأ منها مما نطقه محمد - ﷺ - من تلقاء نفسه بل كله مما اوحى اليه من ربه وجملة شديد القوى مع ما عطف عليه من قوله فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى حال من الضمير المستكن فى قوله الا وحي يوحى وزمان الحال يتحد مع زمان صاحبه فمقتضى الكلام وقوع تلك القصة فى كل مرة اوحى اليه شىء من القران والا لا يجوز وقوعه حالا او لا يجوز القول بان القران كله كذلك ثانيها انه يلزم حينئذ انتشار الضمائر فى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
ورجوع ضمير عبده الى الله سبحانه قرينة لكونه ضميرا وحي راجعا الى الله تعالى ثالثها ان الدنو او التدلي من جبرئيل عليه السلام وكونه قاب قوسين او ادنى ليس كما لا للنبى - ﷺ - فان النبي - ﷺ - كان أفضل من جبرئيل عليه السلام قال رسول الله - ﷺ - وزير اى فى السماء جبرئيل وميكائيل ووجه القول بالتأويل الثاني انما هو استبعاد الاستواء والدنو والتدلي الى الله تعالى ولما كان القران ناطقا بان منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فلا وجه للقول بهذا التأويل البعيد والاستواء والدنو والتدلي وكونه قاب قوسين او ادنى بلا كيف على ما يليق بالتنزيه مشهود لارباب القلوب كمشاهدة القمر ليلة البدر فالاوجه فى القول ما قالوا والله تعالى اعلم قال سعيد بن جبير فى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
انه اوحى اليه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى الى قوله ورفعنا لك ذكرك
النجم 53:11
وقيل اوحى اليه ان الجنة لحرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت وعلى
الأمم حتى يدخلها أمتك والظاهر أن ما اوحى عام ولا وجه للتخصيص.
ما كَذَبَ الْفُؤادُ اى فواد محمد - ﷺ - ما رَأى قال ابن مسعود راى محمد - ﷺ - جبرئيل له ستمائة جناح وكذا روى عن عائشة رض وأنكرت عائشة روية النبي - ﷺ - وبه روى البخاري عن مسروق قال قلت لعائشة يا أماه هل راى محمد ﷺ ربه فقالت لقد يقف شعرى مما قلت اين أنت من ثلث من حدثكهن فقد كذب من حدثك ان محمد راى ربه فقد كذب ثم قرأت لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا او من وراء الحجاب ومن حدثك انه يعلم ما فى غد فقد كذب ثم قرأت ما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ومن حدثك انه كتم شيأ من الوحى فقد كذب ثم قرأت يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك الاية ولكن راى جبرئيل فى صورته مرتين وقال ابن عباس ما كذب الفؤاد ما راى ولقد راه نزلة اخرى ان محمدا - ﷺ - راى ربه جل وعلى بفؤاده مرتين كذا روى مسلم عنه وفى رواية الترمذي قال ابن عباس راى محمد ربه قال عكرمة قلت أليس الله يقول لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وقال ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره وقد راى محمد ربه مرتين واخرج ابن جرير عن ابن عباس انه - ﷺ - سئل هل رايت ربك قال رايت بفؤادى وقال انس والحسن وعكرمة راى محمد - ﷺ - ربه يعنى بعينه قال البغوي قال عكرمة عن ابن عباس قال ان الله اصطفى ابراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمد ﷺ بالروية وروى الترمذي عن الشعبي ان كعب الأحبار قال لابن عباس ان الله قسم رويته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين وراى محمد - ﷺ - مرتين قلت المراد بالروية المختلف فيها اما الروية بالبصر واما الروية القلبية المعبر عنها بالمشاهدة فغير مختص بالنبي - ﷺ - بل يتشرف اولياء أمته - ﷺ - ايضا وقد ادعى بعض الأولياء الروية البصرية وذلك خلاف اجماع فى حق غير النبي - ﷺ - وهذا الدعوى مبنى على الاشتباه ووجه الاشتباه ان الصوفي قد يرى ربه بقلبه وهو يقظان ويتعطل حينئذ بصره لكنه يزعم فى غلبة الحال انه يراه ببصره وانما هو يراه بقلبه وبصره معطل وقوله عليه السلام رايته بفؤادى لو ثبت لا يدل على انفى الروية بالبصر الا بالمفهوم قلت وقول ابن مسعود وعائشة شهادة على النفي وشهادة الإثبات أرجح وما احتج به عائشة على نفى رويته - ﷺ - فلا يخفى ضعفه واما قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فقد ذكرنا فى تفسير تلك الاية فى سورة الانعام ان الدرك أخص من الروية ونفى الدرك لا يستلزم نفى الروية قال الله تعالى فلما تراء الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون قال كلا ان معى ربى وايضا مفهوم الاية سلب عموم الدرك لا عموم سلب الدرك واما قوله ما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا او من وراء حجاب ترديد بين الوحى من وراء الحجاب والوحى بلا حجاب فلا استدلال به والله تعالى اعلم وروى مسلم عن ابى ذر قال سالت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربك قال نورانى أراه انى بفتح الهمزة للاستفهام يعنى كيف أراه وفى بعض الروايات نورانى منسوب الى النور أراه فعلى الرواية الثانية يثبت الروية وعلى الرواية الاولى ليس الحديث صريحا فى نفى الروية مطلقا قلت وبعد ثبوت روية - ﷺ - ربه بالعين كما يدل عليه حديث ابن عباس وكعب ايضا ان المراد بالروية فى الاية الروية القلبية فانها هى المتصورة عند كل وحي يوحى اليه دون الروية البصرية فانها مختصة بليلة المعراج قرأ ابو جعفر وهشام عن ابى عباس كذب بتشديد الذال من التكذيب يعنى ما كذب قلب محمد - ﷺ - ما راى بعينه او بقلبه بل صدقه وايقنه وهو حققه فان الأمور القدسية تدرك او لا بالقلب ثم ينتقل منه الى البصر والبصيرة فان ابصر مثل ما أدرك بالقلب وان قصر بصره او بصيرته عما أدركه القلب وراى بخلافه كذبه وهذا هو المصداق الفارق بين العلوم الحقة الفائضة من الرحمن وبين الخيالات الوهمية وملتبسات الشيطانية فان الصوفي قد يلتبس عنده العلوم والإلهامات والمكاشفات القدسية المفاضة عليه من الله سبحانه بما يتخيله الوهم والخيال وبما القى
الشيطان فى أمنيته والفارق بينهما ان يرجع الصوفي الى قلبه فان صدقه قلبه واطمأن به ورأى فى قلبه منه برد اليقين علم انه من الله سبحانه وان كذبه قلبه واضطرب عنده وابى عرف انه من النفس او الشيطان قال رسول الله - ﷺ - إذا جاءك فى صدرك شىء فدعه رواه احمد عن ابى امامة او قال عليه السلام استفت قلبك وان أفتاك المفتون وقرأ الجمهور بتخفيف الذال والكذب يجىء متعديا بمعنى كذب له ومجازه ما كذب الفؤاد لمحمد - ﷺ - فيما راى يعنى أخبره على ما فى نفس الأمر فان قيل هذه الاية يقتضى ان تصديق القلب يغاير روية القلب قلنا نعم وتحقيق المقام ان قلب المؤمن يدرك الله سبحانه وصفاته يمعية ذاتية غير متكيفة مترتبة على محبة ذاتية غير متكيفة ولا يراه بل روية مقتصرة على مراتب الظلال بل القلب لا يرى شيئا من ذوات الممكنات ايضا فان حصول الأشياء فى الأذهان انما هى باشباهها وظلالها لا بانفسها وما يرى ذات شىء مما يراه الا يتوسط الباصرة فروية الله سبحانه تيسير للمومنين فى الاخرة بتوسط الحاسة لا فى الدنيا الا ما ذكرنا من الخلاف فى حق النبي - ﷺ - خاصة ودركه تعالى مختص بالقلوب دون الابصار فانه تعالى لا تدركه الابصار
النجم 53:12
لا فى الدنيا ولا فى الاخرة فروية القلب سواء كانت بتوسط البصر او بلا توسط قد يعتبر به الغلط بتخليط الوهم او تلبيس الشيطان او زيغ البصر وطغيانه عما يراه واما دركه البسيط فلا يعتبر به شىء من ذلك ويتفرع عليه الاطمينان بالحق وتصديقه والإباء عن الباطل وتكذيبه والله تعالى اعلم بحقيقة الحال.
أَفَتُمارُونَهُ معطوف على محذوف قرأ حمزة والكسائي أفتمارونه على وزن تدعونه بمعنى تغلبونه فى المرأ يقال ماريته فمريته بمعنى حادلته فغلبته وعلى هذا التقدير الكلام أتمارونه فتمرونه عَلى ما يَرى عدى بعلى لان الفعل بمعنى الغلبة وقيل تمرون تجحدون يقال مريت الرجل حقه يعنى جحدته والمعنى أتجادلون محمدا فتحجدون صدقه على ما يرى والتعدية بعلى حينئذ ايضا لتضمن الفعل مع الغلبة فان المجادل والجاحد يقصدان يفعلهما للغلبة على الخصم وقرأ جمهور القراء أفتمارونه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة اى استخرج لبنها فان كلا من المتجادلين بمرى ما عند صاحبه يستخرجه وتقدير الكلام حينئذ تنكرون قول محمد فتمارونه عن ما يرى والاستفهام للتوبيخ والإنكار يعنى لا ينبغى....... الإنكار والجدال فيما يدعى محمد - ﷺ - رويته وأورد صيغة المضارع استحضارا للحال الماضي وحكاية عنه وجاز ان يراد به التوبيخ على انكار كل ما أراه محمد - ﷺ - فى الحال او الاستقبال-.
وَلَقَدْ رَآهُ يعنى والله لقد راى محمد - ﷺ - ربه جل وعلا او جبرئيل على صورته التي خلق عليها على اختلاف القولين المذكورين نَزْلَةً فعلة من النزول كجلسة من الجلوس منصوب على الظرفية من راه تقديره وقت نزلة اخرى او على المصدرية تقديره نازلا نزلة اخرى وفى إيراد نزلة اشعار بان الروية فى هذه المرة كانت ايضا بالنزول والدنو فان روية البشر الممكن الواجب جل سلطانه انما يتصور إذا كان البشر الرائي فى الأفق الأعلى والدرجة الانس من درجات الإمكان والله تعالى يتنزل من مراتب التنزيه الى نوع من درجات التشبيه فيرى من وراء حجب الظلال او الصفات ولا يذهب عليك من مقالتى هذا حدوث امر فى جانبه تعالى ذلك علوا كبيرا بل النزول والعروج كلها فى مرتبة العلم يظهر بحدوث صفاء فى مراة قلب المتجلى له وقد مر البحث عن مثله فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ أُخْرى هذا يدل على تعدد الروية ولا يدل على الانحصار فى المرتين فما روى عن ابن عباس وكعب الأحبار انه راى ربه مرتين محمول على بيان ادنى ما يتصور فيه التعدد وهذه الاية حكاية عن روية النبي - ﷺ - ربه ليلة المعراج.
النجم 53:14
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى والظاهران ما حكى عن ابن عباس وكعب رويته - ﷺ - ربه بعينه هو هذه الروية وقوله عند سدرة المنتهى ظرف متعلق يراه او اضافة السدر الى المنتهى اضافة موصوف الى صفة نحو جانب الغرب ومسجد الجامع اجازه الكوفيون وتأويله عند البصريين سدرة المكان منتهى وجعل المنتهى صفة لها لانه ينتهى إليها ما يعرج به من الأرض فيقبض منها ويهبط به من فوقها فيقبض منها وينتهى إليها علم الخلائق وما خلقها غيب ويدل عليه ما يورد عليك من حديث ابن مسعود وكعب (قصة المعراج) فى الصحيحين عن انس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي - ﷺ - قال بينما انا فى الحطيم مضطجعا إذا تأنى ات فشق بين هذه وهذه يعنى من ثغرة نحره الى شعرته فاستخرج قلبى ثم أتيت بطست من ذهب مملو ايمانا فغسل قلبى ثم حشى ثم أعيد وفى رواية ثم غسل البطن بماء زمزم ثم صلى ايمانا وحكمة ثم أتيت بداية دون البغل وفوق الحمار يقال له البراق ليضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبرئيل حتى اتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا قال جبرئيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسلت اليه قال نعم قيل مرحبايه فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فاذا فيها آدم فقال هذا أبوك وآدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالا بن الصالح ثم صعد بي حتى اتى السماء الثانية فاستفتح فذكر نحو ما ذكر فى السماء الدنيا وكذا ذكر كل السماء قال فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحيى وهذا عيسى فسلم فسلمت عليهما فردا ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وذكر فى السماء الثالثة يوسف وفى الرابعة إدريس وفى الخامسة هارون وفى السادسة موسى كل قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال عليه السلام فلما جاوزت بكى يعنى موسى قيل له ما يبكيك قال ابكى لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته اكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي الى السماء السابعة فذكر الاستفتاح وغير ذلك نحو ما مرو ذكر هناك ابراهيم قال جبرئيل هذا أبوك ابراهيم فسلم عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح ثم رفعت الى سدرة المنتهى فاذا نبقها مثل قلال هجروا ذا ورقها مثل أذان القيلة قال هذه سدرة المنتهى فاذا اربعة انهار نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذا يا جبرئيل قال اما الباطنان فنهران فى الجنة واما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع بي الى البيت المعمور ثم أتيت باناء من خمر واناء من لبن واناء من عسل فاخذت اللبن فقال هى الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علىّ الصلاة خمسين صلوة كل يوم فرجعت ومررت على موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمسين صلوة كل يوم قال ان أمتك لا تستطيع خمسين صلوة كل يوم وانى والله قد جربت الناس قبلك عالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فاسئله التخفيف لامتك فرجعت فوضع عنى عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عنى عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فامرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فامرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت الى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال ان أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وانى قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فاسئله التخفيف لامتك قلت سالت ربى حتى استحييت ولكنى ارضى واسلم قال فلما جاوزت نادى منادى أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى وروى مسلم عن ثابت البناني عن انس ان رسول الله - ﷺ - قال أتيت بالبراق وهو دابة ابيض طويل فوق الحمار دون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء وقال ابن جرير عن أبيه قال قال رسول الله - ﷺ - لما انتهينا الى بيت المقدس قال جبرئيل بإصبعه فخرق بها الحجر وشد به البراق قال رسول الله - ﷺ - ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرج فجاءنى جبرئيل باناء من خمر واناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبرئيل اخترت الفطرة ثم عرج بنا الى السماء وساق مثل معنى ما ذكر من الحديث قال فاذا انا بآدم فرحب بي ودعا بي بخير وقال فى السماء الثالثة فاذا
انا بيوسف إذا هو قد اعطى شطر الحسن فرحب بي ودعا بي بخير ولم يذكر بكاء موسى وقال فى السماء السابعة فاذا انا بإبراهيم مسند أظهره الى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون الف ملك لا يعودون اليه وفى رواية قال جبرئيل هذا البيت المعمور يصلى فيه كل يوم سبعون الف ملك إذا خرجوا لا يعودوا اخر ما عليهم ثم ذهب بي الى السدرة المنتهى فاذا اورقها كاذان القبلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشّها من امر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع ان ينعتها من حسنها واوحى الى ما اوحى ففرض علىّ خمسين صلوة فى كل يوم وليلة فنزلت الى موسى قال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلوة فى كل يوم وليلة قال ارجع الى ربك فسئله التخفيف فان أمتك لا يطيق ذلك فانى بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت الى ربى فقلت يا رب خفف عن أمتي فحط عنى خمسا فرجعت الى موسى فقلت حط عنى خمسا قال ان أمتك لا تطيق ذلك فارجع الى ربك فسئله التخفيف قال فلم ازل ارجع بين ربى وبين موسى حتى قال يا محمد انهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلوة عشر فلذلك خمسون من عمّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فان عمل بها كتبت له عشرا من همّ بسيئه فلم يعملها لم يكتب له بشى فان عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت الى موسى فاخبرته فقال ارجع الى ربك فسئله التخفيف فقال رسول الله - ﷺ - فقلت قد رجعت الى ربى حتى استحييت منه وفى الصحيحين عن ابن عباس عن ابى ذر يحدث عن النبي - ﷺ - فقال ففرج عنى سقف بيتي وانا بمكة فذكر شق الصدر نحو ما ذكر ولم يذكر البراق قال ثم أخذ بيدي فعرج بي الى السماء فلما جئت الى السماء الدنيا فقال جبرئيل لخازن السماء افتح فذكر نحوه فلما فتح علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه اسودة وعلى يساره اسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبرئيل من هذا قال هذا آدم وهذه الاسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فاهل اليمين منهم اهل الجنة والاسودة التي عن شماله اهل النار فاذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى فذكر انه وجد فى السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وابراهيم ولم يثبت كيف منازلهم غير انه قال وجد آدم فى السماء الدنيا وابراهيم فى السادسة قال ابن شهاب فاخبرنى ابن حزم ان ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال النبي - ﷺ - ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى اسمع فيه صريف الأقلام وقال ابن حزم وانس ففرض الله على أمتي خمسين صلوة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى قال ما فرض الله لك قلت خمسين صلوة قال فارجع الى ربك فان أمتك لا يطيق فراجعنى فوضع شطرها فرجعت الى موسى فقلت وضع الله شطرها فقال ارجع الى ربك فان أمتك لا يطيق فراجعته فقال هى خمس وهى خمسون لا يبدل القول لدىّ فرجعت الى موسى فقال راجع ربك فقلت استحييت من ربى فانطلق بي حتى انتهى بي الى السدرة وغشيها ألوان لا أدرى ما هى ثم ادخلت الجنة فاذا فيها جنابذا اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وروى معمر عن قتادة عن انس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم اتى البراق ليلة اسرى به مسرجا ملجما فاصعب عليه فقال جبرئيل أبمحمد تفعل هذا فما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفض عرقا وروى مسلم عن ابن مسعود قال لما اسرى برسول الله ﷺ انتهى به الى السدرة المنتهى وهى فى السماء السادسة إليها ينتهى ما يعرج بها من الأرض فيفيض منها وإليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وذكر البغوي انه قال هلال بن يسار سال ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وانا حاضر فقال انها سدرة فى اصل العرش وإليها ينتهى علم الخلائق وما خلقها غيب لا يعلمه الا الله قلت ومعنى قوله إليها ينتهى علم الخلائق يعنى ان بعض المخلوقات اعنى الملائكة يحضرون الى سدرة المنتهى
النجم 53:15
ولا يتجاوزها أحد من الخلائق فما ورائها غيب من كل وجه واما سدرة المنتهى فهى وان كان غيبا بالنسبة الى البشر
فليس يغيب بالنسبة الى بعض الملائكة وروى البغوي بسنده عن اسماء بنت ابى بكر قالت سمعت النبي - ﷺ - يدكر سدرة المنتهى قال يسير الراكب فى ظل الغصن مائة عام ويستظل فى الغصن منها ماية الف راكب فيها فراش من ذهب كان ثمرها القلال وقال مقاتل هى شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار وجميع الألوان لوان ورقة منها وضعت فى الأرض أضاءت لاهل الأرض وهى طوبى التي ذكرها الله فى سورة الرعد.
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ط واضافة جنة الى المأوى ايضا من قبيل اضافة الموصوف الى الصفة جوزها الكوفيون ويؤله البصريون بجنة المكان المأوى قال عطاء عن ابن عباس معناه جنة يأوي إليها جبرئيل والملائكة وقال مقاتل والكلبي فاوى إليها أرواح الشهداء وجنة المأوى مبتدا او فاعل للظرف والجملة صفة لسدرة ان كانت الاضافة للعهد الذهني فى قوة النكرة والا فهى حال عنها.
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى الظرف متعلق يراه الموصول مع الصلة فاعل يغشى استعمال الموصول للتفخيم وصيغة المضارع بمعنى الماضي والمعنى غشيها ما لا يستطيع أحد ان ينعبتها لحسنها او لكثرة عددها او لعدم درك كنهها وقد مر فى حديث المعراج عن انس فلما غشيتها من امر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق يستطيع ان ينعتها من حسنها وروى مسلم عن ابن مسعود قال إذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب وكذا ذكر البغوي قول ابن عباس قال البغوي عن الحسن قال غشيتها نور رب العزت فاستنارت قلت لعل نور رب العزة كعزة كنى عنها بفراش من ذهب وقال مقاتل تغشيها الملائكة أمثال الغربان- وقال السدى من الطيور وروى عن ابى العالية عن ابى هريرة رض او غيره قال غشيتها نور الخلائق وغشيها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حتى يقعن على الشجر قلت ولا منافات بين تغشية نور رب العزة وتغشية الملائكة فان تغشية الملائكة انما هى لأجل تغشية نور رب العزة كما يدل عليه قوله غشيها من الملائكة من حب الله أمثال الغربان وتغشية النور من قبيل التجليات النورية والله تعالى اعلم قال البغوي يروى فى الحديث رايت على كل ورقة منها ملكا قايما يسبح الله تعالى.
ما زاغَ الْبَصَرُ يعنى ما مال بصر النبي - ﷺ - يمينا ولا شمالا وما أخطى فى النظر بل أثبته اثباتا صحيحا وَما طَغى اى ما جاوز عن الجيوب؟؟؟ الى يثيره اه من العشق وحالاته احرق قلبى بحراراته ما نظر العين الى غيركم اقسم بالله وآياته قيل معناه ما عدل عن روية العجائب التي امر برويتها-.
لَقَدْ رَأى اى لقد راى محمد - ﷺ - مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى مفعول لراى ومن ايت ربه حال منه مقدم عليه ومن للتبعيض يعنى والله لقد راى محمد الكبرى من آيات ربه وجاز ان يكون من زائدة وآيات ربه مفعول به الكبرى صفة لها وجاز ان يكون المفعول محذوفا تقديره لقد راى شيئا من آيات ربه الكبرى والمراد بالآيات العجائب الملكوتية التي راى ها فى ليلة المعراج فى مسيره وعوده من البراق والسموات والأنبياء والملائكة والسدرة المنتهى وجنة المأوى- روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال لقد راى من آيات ربه الكبرى قال راى جبرئيل فى صورته له ستمائة جناح وروى البخاري عنه لقد راى من آيات ربه الكبرى قال راى رفر فاخضر اسد الأفق وانما وصف تلك الآيات بالكبرى لتجليات مخصوصة فى تلك الآيات وكونها مهبط الرحمة والبركة والأفكل ممكن اية كبرى على وجود صانعه ودليل واضح مكتفى لا يحقر منها شىء قال الله تعالى ان الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له فان قيل هذه الاية تؤيد قول من قال ان النبي - ﷺ - انما راى مرتين جبرئيل عليه السلام دون الله سبحانه لان روية الآيات غير روية الذات قلنا روية الآيات لا ينافى روية الذات بل الآيات قد ينجلى فيه الذات كما ان الشمس يتجلى فى المرآة فان قيل قد ذكرت فى تفسير قوله تعالى ما طَغى يعنى ما جاوز بصره عن المحبوب الى غيره فكيف يتصور روية الآيات قلنا المقصود من روية الآيات انما هى الذات ومن ثم تكون الآيات مرأة للذات فحين راى الآيات جاوز نظره عنها الى الذات وحين راى الذات لم يتجاوز عنه الى غيره أصلا- (مسئلة) اجمع المؤمنون من اهل السنة والجماعة ان معراجه - ﷺ - فى اليقظة حق فقيل مسراه - ﷺ - من المسجد الحرام الى الأقصى قطعى ثابت بقوله تعالى سبحانه الذي اسرى بعبده الاية فيكفر جاحده واما معراجه الى السماء السابعة وما فوقها فثبت بأحاديث صحاح فيفسق جاحده ولا يكفر والصحيح ان معراجه - ﷺ - الى السدرة المنتهى قطعى ثابت بهذه الاية يكفر جاحده فان قيل ما رواه الشيخان فى الصحيحين عن شريك بن عبد الله قال سمعت انس بن مالك يقول ليلة اسرى برسول الله - ﷺ - من مسجد الكعبة انه جاء ثلثة نفر قبل ان يوحى اليه وهو نائم فى المسجد الحرام وساق حديث المعراج بقصته قال فاذا هو فى السماء الدنيا بنهرين يطروان قال هذا النيل والفرات ثم مضى به فى السماء فاذا هو بنهر أخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فاذا هو مسك ازفر قال ما هذا يا جبرئيل قال هذا الكوثر الذي هيّا لك ربك وساق الحديث
النجم 53:19
وقال ثم عرج بي الى السماء السابعة وقال قال موسى رب لم أظن ان يرفع على أحد ثم علابه فوق ذلك بمالا يعلمه الا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين او ادنى فاوحى اليه ما اوحى اوحى الله خمسين صلوة كل يوم وليلة قال فلم يزل يردده موسى الى ربه حتى صارت الى خمس صلوات ثم أجبته موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت بنى إسرائيل قومى على ادنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه فامتك أضعف أجساد او قلوبا وأبدانا وابصارا وسماعا فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتقت النبي - ﷺ - الى جبرئيل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبرئيل فرفعه عند الخامسة فقال يا رب ان أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم فخفف عنا فقال الجبار يا محمد فقال لبيك وسعديك قال انه لا يبدل القول لدى كما فرضت عليك فى أم الكتب فكل حسنة بعشر أمثالها فهى خمسون فى أم الكتاب وهى خمس عليك فقال موسى ارجع الى ربك فسئله فليخفف عنك ايضا قال رسول الله - ﷺ - قد والله استحييت من ربى مما اختلف اليه قال فاهبط باسم الله فاستيقظ وهو فى المسجد الحرام هذا لفظ البخاري ورواه مسلم مختصرا يدل على كون المعراج فى المنام قلنا طعن بعض اهل الحديث على هذا الحديث وقالوا وجدنا لمحمد بن اسمعيل ولمسلم فى كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا الا هذا وأحال الآفة فيه الى شريك بن عبد الله وذلك انه ذكر فيه ان ذلك قبل ان يوحى اليه واتفق اهل العلم على
ان المعراج كان بعد الوحى بنحو من اثنى عشر سنة قبل الهجرة بسنة وقال بعض اهل الحديث ان هذا كان رويا فى المنام أراه عز وجل قبل الوحى وهو فى المسجد الحرام ثم عرج به فى اليقظة بعد الوحى قبل الهجرة تحقيقا لرؤياه من قبل كما انه راى فتح مكة فى المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق والله تعالى اعلم ولما ذكر الله سبحانه روية النبي - ﷺ - ربه وآيات ربه وتعلمه - ﷺ - منه تعالى وتصديق قلبه اردفه بذلك تقبيح الكفار بقصر نظرهم على مجازه لا حقيقة لها فقال.
أَفَرَأَيْتُمُ الاستفهام للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على محذوف تقديره انظر تم ما تعبدونه فرايتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى هذه اسماء أصنام اتخذوها الهة يعبدونها ويزعمون الملائكة بنات الله ويزعمون الأصنام هياكل الملائكة ويقولون الأصنام استوطنها جنيات هن بنات الله واشتقوا لها اسماء من اسماء الله تعالى فاشتقوا من الله اللات ومن العزيز العزى تأنيث الأعز وقيل اللات أصله لوية على وزن فعلة
النجم 53:20
من لوى يلوى لانهم كانوا يلوون عليها اى يطوفون حولها قلبت الواو الفا وحذفت الياء على خلاف قياس ووضعت تاء التأنيث مكانها فكتبت طويلا قرأ ابن عباس ومجاهد وابو صالح ورويس بتشديد التاء على انه سمى به لانه صورة رجل كان يلت السويق بالسمن ويطعم الحاج فلما مات كانوا عكرنا على قبره ثم كانوا يعبدونه وقال قتادة كانت اللات صنما لثقيف بالطائف وقال ابن زيد كانت بيت بنخلة تعبده قريش واما العزى قال مجاهد هى شجرة بغطفان كانوا يعبدونها وقال ابن إسحاق كانت بيتا بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بنى شيبان حلفاء بنى هاشم كانت أعظم أصنام قريش وجميع كنانة كان عمرو بن لحى قد أخبرهم ان الرب يشتى بالطائف عند اللات ويصيف بالعزى فعظموهما وبنوالهما بيتا وكانوا يهدون اليه كما يهدون الى الكعبة وروى البيهقي عن ابى الطفيل بعث رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة خالد بن وليد فاتاها خالد فقطع السمرات وهدمها ثم رجع الى رسول الله - ﷺ - فقال هل رايت شيئا قال لا قال فانك لم تهدمها فرجع خالد وهو مستيقظ فلما رات السدنة خالدا انبعثوا فى الحيل وهم يقولون يا عزى خليه يا عزى عوربه والا فموتى برغم فخرجت اليه سوداء عريانة ناشرة الراس تحثوا لتراب على راسها ووجهها فجرد سيفه وهو يقول كفرانك لا سبحانك انى رايت الله قد أهانك فضربها بالسيف فخبر بها باثنين ثم رجع الى رسول الله - ﷺ - فاخبره قال نعم تلك العزى قد يئست ان تعبد ببلدكم ابدا وقال الضحاك هى صنم بغطفان وضعها سعد بن ظالم الغطفاني وذلك انه قدم مكة فراى صفا والمروة وراى اهل مكة يطوفون بينهما فعاد الى بطن نخلة وقال لقومه ان لاهل مكة الصفا والمروة وليست لكم ولهم اله يعبدونه وليس لكم قالوا فما تأمرنا قال انا اصنع لكم كذلك فاخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة نقلها الى النخلة فوضع الذي أخذ من الصفا فقال هذا الصفا ثم وضع الذي أخذ من المروة فقال هذه المروة ثم أخذ ثلثة أحجار فاسندها الى شجرة فقال هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله - ﷺ - مكة فامر برفع الحجارة وبعث خالد بن الوليد الى العزى فقطعها.
وَمَناةَ قرأ ابن كثير بمد وهمزة على انه مفعلة من النوع كانهم يستمطرون الأنواع عندها تبركا بها أصله منواة قلبت الواو الفا بعد نقل حركتها الى ما قبلها والباقون بلا مد وهمزة فهى فعلة من مناة إذا قطعه فانهم كانوا يذبحون عندها القرابين قال قتادة هى لخزاعة كانت بقديد وقالت عائشة رض فى الأنصار كانوا يهلون لمناة
النجم 53:21
وكانت حذو؟؟؟ قديد وقال ابن زيد بيت كان ما لمشلل تعبده بنو كعب وقال الضحاك صنم لهذيل وخزاعة يعبدها اهل مكة وقال بعضهم اللات والعزى ومناة كانت فى جوف الكعبة يعبدونها ذكر محمد بن يوسف الصالحي فى سبيل الرشاد انه بعث رسول الله - ﷺ - حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي الى مناة وهو بالمشلل وهو الجبل الذي يهبط منه الى قديد لست بقين من رمضان فى فتح مكة وكانت مناة للاوس والخزرج وغسان فخرج سعد فى عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن فقال السادن ما تريد قال هدم مناة قال وأنت ذاك فاقبل سعد يمشى إليها ويخرج امراة عريانة سوداء ثائرة الراس تدعوا بالويل وتضرب صدرها فقال السادن مناة دونك بعض غضبانك ويضربها سعد بن زيد الاشهيلى فقتلها ويقبل الى الصنم معه أصحابه فهدموه اختلف القراء فى الوقف على اللات ومناة فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء وقال بعضهم ما كتب فى المصحف بالتاء يعنى اللات يوقف بالتاء وما كتب بالهاء يعنى مناة يوقف عليه بالهاء الثَّالِثَةَ صفة لمناة اى الثالثة للصنمين المذكورين الْأُخْرى صفة لمناة بعد صفة للتاكيد او الاخرى من التأخير فى الرتبة واللات والعزى ومناة منصوبان على انها مفعول أول لرأيتم ومفعوله الثاني محذوف تقديره انظر تم ما تعبدونه فرأيتم اللات والعزى ومناة بنات الله تعالى البتة مستحقة للعبادة يعنى ليس كذلك والله تعالى اعلم قال الكلبي كان المشركون بمكة يقولون الأصنام والملائكة بنات الله وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره فقال الله تعالى منكرا عليهم.
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى قال ابن عباس وقتادة اى قسمة جايرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لانفسكم وقال مجاهد ومقاتل اى قسمة عوجا وقال الحسن غير معتدل قرأ ابن كثير ضئزى بالهمزة من ضئزة إذا ظلمه على انه مصدر لعت به مبالغة يعنى قسمة ظالمة والباقون بالياء قال الكسائي يقال ضاز يضيز ضازا وضاز يضوز ضوزا وضاز يضاز ضازا إذا ظلم ونقض قلت ليس هذا ضاز ويضوز بل هو يائي من ضاز يضير على وزن باع يبيع او ضاز يضاز على وزن نال ينال واصل ضيزى فعلى بضم الفاء لانها صفة والصفات لا تكون الأعلى فعلى بضم الفاء كحبلى وأنثى او فعلى بفتح الفاء نحو غضبى وسكرى وعطشى وليس فى كلام العرب فعلى بكسر الفاء فى النعوت وانما يكون فى الأسماء كذكرى وشعرى وانما كسر الضاد هاهنا لئلا يتقلب الياء واوا فيلتبس بناءه كذا قالوا فى جمع الأبيض بيض والأصل بضم الفاء مثل حمر وصفر.
النجم 53:23
إِنْ هِيَ الضمير للاصنام فان كان المراد بالأصنام اجرام الحجارة فالمعنى ما تلك الحجارة باعتبار الالوهية شيئا مستحقا للالوهية إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ط جملة سميتموها إلخ وجملة ما انزل الله صفتان لاسماء والضمير للاصنام مبتداء والمستثنى المفرغ خبره والمعنى ما تلك الحجارة الهة الا الهة اسمية باصطلاحكم من غير داع اليه وما جعل الله على الوهيتها واستحقاقها للعبادة حجة وجاز ان يكون الضمير للاصنام باعتبار ما يدعى الكفار انها حقائق ملكيته او غير ذلك حالة فتلك الأصنام وهى بنات الله وشفعاء فالمعنى ما هى شيئا فى الواقع الا اسماء بلا مسمى تخيلتم وجودها وسميتموها بأسماء مثل اللات والعزى وبنات الله وشفعاء وحالة فى الأصنام ما انزل الله على وجودها برهانا وجاز ان يكون الضمير راجعا الى الأسماء المذكورة والمعنى ليست الأسماء المذكورة من اللات والعزى شيا الا اسماء مجعولة لكم من غير استحقاق ومنشأ انتزاع فانهم يطلقون اللات باعتبار استحقاقها الالوهية والعكوف عليها والعزى بعزتها ومناة لاستحقاقها التقرب إليها بالقرابين وجاز ان الضمير راجعا الى الصفة التي يصفونها بها من كونها الهة وبنات الله وشفعاء يعنى ليست تلك الصفات التي تصفونها بها الا اسماء من غير حقيقة وصدق فى نفس الأمر إِنْ يَتَّبِعُونَ اى الكفار فى تسميتها إِلَّا الظَّنَّ الحاصل بتقليد الآباء من غير دليل صحيح او المعنى الا توهما بإطلاق وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ج يعنى فاتشتهيه أنفسهم الجملة بيان او بدل من قول ما انزل الله بها من سلطن فيه التفات من الخطاب الى الغيبة واشارة الى ترك مخاطبة هولاء السفهاء كما يصرح فيما بعد بقوله فاعرض عمن تولى وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى اى ما يهتدى به الى الحق القطعي يعنى الرسول والكتاب فلم يتبعوه وتركوه والجملة معترضة.
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى أم منقطعة ومعنى بل فيه للابتداء ومعنى الهمزة للانكار يعنى ليس للانسان كل ما يتمناه والمراد نفى طمعهم فى شفاعة الأصنام وقولهم لئن رجعت الى ربى ان لى عنده للحسنى وقولهم لولا نزل هذا القران على رجل من القريتين عظيم ونحوها.
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ع الفاء للسببية والجملة تعليل للنفى المفهوم مما سبق يعنى ليس للانسان كل ما يتمناه بان الدار الاخرة والدار الاولى كل واحدة منهما مملوكة لله مختص به يعطيهما من يشاء ويمنعهما ممن يشاء لادخل فى منعه وإعطائه لتمنى متمن ولا لشىء اخر
النجم 53:26
غير إرادته تعالى.
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ كاين فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من الغناء ولا ينفع فى حين من الأحيان إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فى الشفاعة لِمَنْ يَشاءُ من الملائكة ان يشفع او من الناس ان يشفع له وَيَرْضى بشفاعة له مع كونهم عباد الله المكرمين المقربين فكيف يرجون هؤلاء شفاعة الأصنام والاية رد لقولهم هؤلاء شفعاءنا عند الله وقال البغوي معناه كم من ملك فى السموات ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله يعنى شفاعتهم.
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعنى كفار مكة والتعبير بالموصول لبيان جهلهم لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ اى كل واحد منهم تَسْمِيَةَ الْأُنْثى حيث يقولون انها بنات الله لما كان هذا القول فى غاية الاستبعاد وجريا بالإنكار أورد الكلام بالاستيناف والتأكيد بان واللام جريا للسامع مجرى المنكر.
وَما لَهُمْ بِهِ اى بهذا القول مِنْ عِلْمٍ ط الجملة حال من فاعل يسمون إِنْ يَتَّبِعُونَ اى لهؤلاء الكفار الجهال إِلَّا الظَّنَّ ج الحاصل بالتقليد او التوهم الباطل من غير دليل وهذه الجملة بيان وتأكيد لقوله ومالهم به من علم وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ج اما منصوب على المصدرية ومن الحق ظرف لغو متعلق بلا يغنى واما منصوب على المفعولية ومن الحق حال منه والمراد بالحق العلم لانه عبارة عن الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع والواقع هو الحق والمعنى ان الظن لا يغنى من العلم شيئا من الغناء او لا يفيد شيئا من العلم يعنى لا يقوم الظن الحاصل بالتقليد ونحوه مقام العلم الحاصل بدليل قطعى سمعى او عقلى فلا يجوز للعاقل اتباع الظن بل يجب طلب اليقين والجملة معترضة لتقبيح الكفار فى اتباع الظن ولما كان صلابتهم فى اتباع الظن والتقليد امارة انكارهم لهذه الجملة أورد هذه الجملة بالتاكيد فان قيل جاز فى الشرع اتباع الظن فى العمليات وغالبا مسائل الفقه مستنبطة من الادلة الظنية وايضا ثبت بأحاديث الآحاد ونحو ذلك كثير من القصص الماضية وتفاصيل نعم الجنة وعذاب جهنم وتفاصيل اخبار يوم المعاد فلو كان الظن لا يفيد شيئا من العلم لكان تعليمها عبثا ولا يجوز القول بها ولا العمل بالفقه والاعتقاد بها- قلنا معنى هذه الاية انه لا يجوز اتباع الظن فيما يعارضه العلم الحاصل بدليل قطعى وان الظن لا يفيد فائدة العلم إذ لا شك ان الأضعف لا يصادم الا قوى فمقتضى هذه الاية ان العقائد الحقة الثابتة بالادلة القطعية العقلية او الآيات المحكمات والاخبار المتواترات السمعية لا يجوز تركها باتباع الظن
النجم 53:29
ويجب ما أمكن تحصيل العلم من الادلة القطعية والعمل بها وفيما لا يوجد دليل قطعى فالعقل يحكم الجزم والاحتياط يوجب العمل بدليل ظنى اى ما يفيد غلبة الظن بطريق صحيح مثلا إذا ثبت بدليل ظنى ان الوتر واجب وان صلوة الضحى سنة وان البنج حرام وان البيع بشرط فاسد ممنوع وليس هاهنا دليل قطعى يعارض هذا الظن فالعقل يحكم ان لا يترك الوتر ولا يشرب البنج ولا يباع بالشرط الفاسد مخافة العذاب وان يصلى الضحى رجاء للثواب لان احتمال جلب المنفعة عند تيقن عدم المضرة كان للاتيان واحتمال المضرة كاف للاجتناب كما ان احتمال الحية فى الحجر كاف للاجتناب عن وضع الأصابع هناك وايضا ثبت بالادلة القطعية من الأحاديث المتواترة بالمعنى بإجماع الامة وبقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين وقوله تعالى فاعتبروا يا اولى الابصار وجوب اتباع أحاديث الآحاد والقياس عند عدم معارضة ما هو أقوى منه فالظن فى المسائل الفقهية انما هى فى الطريق وبعد ثبوت الظن الصحيح وجوب العمل بها ثابت بدليل قطعى واخبار المبتدا والمعاد الثابتة بالنصوص الظنية قطعيات فى القدر المشترك منها موجبة للعلم واما تفاصيلها فغير معارضة بدليل أقوى منه فيجوز استفادة الترغيب او الترهيب منها والله تعالى اعلم وقيل المراد بالحق فى الاية العذاب واللام فى الظن للعهد ومعنى الاية ان ظن الكفار الحاصل بتقليد الآباء او التوهم لا يدفع شيئا من العذاب او لا يدفع العذاب شيئا من الدفع.
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعنى القران او الايمان او عن الاشتغال بذكر الله وَلَمْ يُرِدْ شيئا إِلَّا شهوات الْحَياةَ الدُّنْيا ط اتهمك فيها بحيث كان منتهى همته مبلغ علمه الدنيا فحسب الفاء للسببية والموصول وضع موضع المضمر لتاكيد سببية الاعراض يعنى إذا علمت جهلهم وسفاهتهم وسخافت عقلهم انهم يتبعون الظن ويتركون ما جاءهم من ربهم الهدى ويختارون عبادة حجارة لا تضر ولا تنفع ويتولون عن الاشتغال بالرحمن الواحد القهار فاعرض عنهم حيث لا تفيد دعوتك فيهم فانهم كالانعام بل هم أضل ولما كان بعض حركاتهم وسكناتهم مفيدة فى الدنيا دالة على ادراكاتهم موهمة لهم نصيبا من العقل قال الله تعالى لدفع ذلك الوهم قوله.
ذلِكَ يعنى امر الدنيا وكونها شبهة مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ط يعنى لا يتجاوز علمهم وعقلهم من العلم بالأمور المعاشية والتعقل بها وذلك غير معته به عند الله اعلم ان العلم والعقل كل منهما مخلوقة لله تعالى على حسب ما أراد وليست الأسباب الا أسبابا عادية وليست الأسباب أسبابا حقيقة كما زعمته الفلاسفة فالله تعالى انشأ يخلق العلم
النجم 53:31
بعد ما أراد الآيات والا فلا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى فيجازى كلا على حسب الضلالة واهتدائه هذه الجملة وعد ووعيد تعليل لما سبق من الأمر بالاعراض يعنى لا تهتم بهم نحن نكفيهم للجزاء.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لا ملكا وخلقا عطف على الجملة السابقة يعنى هو الا علم بهم وهو إلهكم وخالقهم يفعل بهم ما يشاء وما يقتضيه الحكمة لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى اللام متعلق بمضمون الجملتين السابقتين يعنى خلق العالم وميز الضال من المهتدى وحفظ أحوالهم ليجزى الذين أساءوا بالشرك والعصيان بسبب أعمالهم من الإشراك والمعاصي يجزى الذين أحسنوا أعمالهم بالإخلاص بالحسنى اى بالمثوبة الحسنى يعنى الجنة او بالأحسن من أعمالهم وهى الإخلاص او لسبب الأعمال الحسنى.
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ بدل من الذين أحسنوا او خبر لمبتداء محذوف اى هم الذين يجتنبون كَبائِرَ الْإِثْمِ قرأ حمزة والكسائي وخلف كبير الإثم على صيغة الاخر او على ارادة الجنس فهو اضافة صفة الى موصوفها نحو اخلاق ثياب والمراد بكبير الإثم الشرك فان الشرك لظلم عظيم وقرأ الباقون كبائر بصيغة الجمع اصناف افراد الكبائر الى جنسه على طريقة كرام البشر وجياد الدرهم وقد ذكرنا تحقيق الكبائر من الذنوب فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ... وَالْفَواحِشَ اما عطف تفسيرى او المراد ما فحش من الكبائر خصوصا قيل أريد به ما شرع فيه الحد إِلَّا اللَّمَمَ يعنى ما صدر من العبد بلا اصرار ثم تاب عنه ولا يكون له عادة واقامة عليه بل حينا بعد حين يقال فلان يفعل كذا اى حينا بعد حين كذا قال الجوهري قال البغوي وهو قول ابى هريرة ومجاهد والحسن ورواية عن عطاء عن ابن عباس قال السدى قال ابو صالح سئلت عن قول الله عز وجل الا اللمم فقلت هو الرجل يلم بالذنب اى يقربه ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال لقد اعانك عليها الملك الكريم قال البغوي وروينا عن عطاء عن ابن عباس فى قوله تعالى الا اللمم قال قال رسول الله - ﷺ - ان تغفر اللهم تغفر جما واى عبد لك لا الما فالاستثناء متصل كما هو الأصل وقيل اللمم الصغار من الذنوب كذا فى القاموس فهو كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا قال البغوي وهو قول ابن مسعود وابى هريرة ومسروق والشعبي ورواته طاؤس عن ابن عباس روى البخاري عن ابن عباس قال ما رايت أشبه باللمم بما قال ابو هريرة عن النبي - ﷺ - ان الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهى والفرج يصدق ذلك ويكذبه ورواه سهل بن ابى صالح عن أبيه عن ابى هريرة عن النبي - ﷺ - وزاد والعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا وقال الحسن بن الفضل اللمم النظرة من غير تعمد فهو مغفور فان عاد النظرة فليس بلمم وعلى هذا اللمم أخص من صغاير الذنوب وقال سعيد بن المسيب ما لم على القلب اى خطر وهذا يناسب ما قال الجوهري من قولك ألممت بكذا اى أنزلت به وقاربته من غير مواقعة وعلى هذه الأقوال الاستثناء منقطع وقال الكلبي اللمم على وجهين كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا فى الدنيا ولا عذابا فى الاخرة فذلك الذي تكفره الصلاة ما لم تبلغ الكبائر والفواحش والوجه الاخر هو الذنب العظيم الذي يلم به المسلم مرة فيتوب منه قلت وقول الكلبي هذا ليس قولا مغايرا للاقوال والا يلزم عموم المشترك او الجمع بين الحقيقة والمجاز بل هو اختيار للقولين الأولين على وجه الاحتمال كما روى القولين المذكورين عن ابى ابى هريرة وابن عباس رض والله تعالى اعلم إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يغفر لمن يشاء ما يشاء من الذنوب صغائرها وكبائرها بتوبة وبلا توبة عقب الله تعالى وعيد المسيئين ووعد المحسنين بهذه الاية لئلا ييئس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى كما قال به اهل الهواء من المعتزلة اخرج ابو نعيم عن على رض قال قال رسول الله - ﷺ - ان الله تبارك وتعالى اوحى الى بنى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا اناصب عند الحساب يوم القيامة ما شاء ان أعذبه إلا عذبته وقل لاهل معصبتى من أمتك لا تلقوا بايديهم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي والله تعالى اعلم ثم عقب ذلك قوله هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ اى بصنيعكم وسعادتكم وشقائكم وما يصير اليه أموركم وافعل هاهنا بمعنى الفعيل إذ لا اعلم لاحد غير الله تعالى بما يصدر من الإنسان قبل وجوده كما يدل عليه قوله تعالى إِذْ أَنْشَأَكُمْ اى انشأ أباكم آدم مِنَ الْأَرْضِ فان علمه تعالى بالأشياء قديم وقد قال رسول الله - ﷺ - كتب الله تقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة قال وعرشه على الماء رواه مسلم من حديث عبد الله
بن عمرو قال رسول الله - ﷺ - ان أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال ما اكتب قال اكتب القدر فكتب ما كان وما هو كاين الى الابد رواه الترمذي من حديث عبادة بن الصامت وقال هذا حديث غريب اسناده وقال رسول الله - ﷺ -
النجم 53:33
ان الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل اهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره واستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل اهل النار فقال رجل ففيم العمل يا رسول الله فقال رسول الله - ﷺ - ان الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنة حتى يموت على عمل من اعمال اهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من اعمال اهل النار فيدخله به النار رواه مالك والترمذي وابو داود من حديث عمر بن الخطاب وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ج معطوف على إذا نشاكم وكلا الظرفين متعلق بأعلم عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضفة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقى او سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذى لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها متفق عليه فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ اى لا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير او بالطهارة عن المعاصي والرذائل إذ لا علم لكم بعواقب أموركم- قال الحسن علم الله من كل نفس ما هى صانعة والى ما هى صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبروها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها وكذا قال ابن عباس قال الكلبي ومقاتل كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون صلوتنا وصيامنا وحجنا فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج الواحدي والطبراني وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبى صغير هو صديق فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله فى بطن امه الا انه شقى او سعيد فانزل الله تعالى عند ذلك هذه الاية هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ الاية هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى فانه يعلم من يختم له منكم على التقوى واخلاص العمل قبل ان يخرجكم من صلب آدم عليه السلام.
أَفَرَأَيْتَ الاستفهام للتعجب والفاء للعطف على محذوف يعنى أنظرت يا محمد الَّذِي تَوَلَّى عن اتباع الحق والثبات عليه يعنى الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبي - ﷺ - على دينه فعيره بعض المشركين وقال لم تركت دين الأشياخ وضللتهم قال انى خشيت عذاب الله فضمن الذي عاتبه ان هو أعطاه كذا من ماله ورجع الى شركه ان يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد الى الشرك.
وَأَعْطى الذي غيره بعض ذلك
النجم 53:35
المال الذي ضمنه ومنعه فانزل الله تعالى أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ادبرا عن الايمان واعطى صاحبه قَلِيلًا وَأَكْدى اى بخل بالباقي كذا قال البغوي واخرج ابن جرير عن ابن زيد نحوه قال ان رجلا اسلم فلقيه بعض من يعيره فقال تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت انهم فى النار قال انى خشيت عذاب الله قال أعطني شيئا وانا احمل كل عذاب كان عليك فاعطاه شيئا فقال زدنى فتفا سر حتى أعطاه شيئا وكتب له كتابا واشهد له ففيه نزلت أفرأيت الذي تولى الاية وقال مقاتل اعطى الوليد قليلا من الخير بلسانه ثم أكدى قطعه وامسك ولم يتم على العطية وقال السدى نزلت فى العاص بن وائل السهمي وذلك انه ربما يوافق النبي - ﷺ - فى بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي نزلت فى ابى جهل وذلك انه قال ما يأمرنا محمد إلا مكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى وَأَعْطى قَلِيلًا من الإقرار بالحق وَأَكْدى اى لم يؤمن ومعنى أكدى قطع وأصله من الكدية وهى حجر صلب يظهر فى البير يمنع من الحفر يقول العرب أكدى الحافر واجبل إذا بلغ فى الحفر الكدية والجبل.
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ استفهام للانكار فَهُوَ يَرى الفاء للسببية يعنى ان كان عنده علم الغيب فهو يعلم ان صاحبه يتحمل عنه إذا اشركه لما أخذ من ماله-.
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ اى لم يخبر بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعنى اسفار التوراة.
وَصحف إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ما امره الله به وإثمه حتى قام يذبح ابنه وبلغ رسالات ربه واحتمل من الخلق أذى حتى صبر على نار نمرود وابتلاه ربه بكلمات فاتمهن والتوصية الإتمام وروى البغوي بسنده عن ابى امامة عن النبي - ﷺ - قال وابراهيم الذي وفى قال صلى اربع ركعات أول النهار واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن معاذ بن انس عن رسول الله - ﷺ - قال الا أخبركم لم سمى ابراهيم خليل الله الذي وفى انه كان يقول كلما أصبح وامسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون حتى ختم الاية وروى الترمذي عن ابى الدرداء وابى ذر عن رسول الله - ﷺ - عن الله تبارك وتعالى انه قال يا ابن آدم اركع لى اربع ركعات أول النهار أكفك آخره ورواه ابو داود والدارمي عن نعيم الفطفانى واحمد عنهم وقدم موسى لان صحفه يعنى التوراة كان أشهر وأم قيل منقطعة لان من شرط المتصلة ان يليه أحد المتساويين والاخر الهمزة وهاهنا ليس كذلك قلت جاز ان يقال فى تاويل الاية أعنده علم الغيب بتوسط الانباء او بلا توسط بانه يتحمل عنه غيره أم ليس عنده علم الغيب الحاصل بتوسط الانباء والكتب ايضا بانه لا بتحمل أحد عن غيره والاستفهام للانكار يعنى ليس عنده علم الغيب يتحصل أحد عن غيره وعنده علم حصل بالتواتر والشهرة
النجم 53:38
بما فى الكتب السماوية بعدم التحمل.
أَلَّا تَزِرُ اى لا تحمل نفس وازِرَةٌ نفس حاملة وِزْرَ نفس أُخْرى يعنى لا يوخذ نفس يأثم غيره ان مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشان محذوف والجملة خبره وهى مع اسمها وخبرها فى محل الجر بدلا مما فى صحف موسى او الرفع على انه خبر مبتدا محذوف اى هو كانه قيل ما فى صحفها فاجاب به قال البغوي روى عكرمة عن ابن عباس قال كانوا قبل ابراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره وكان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده حتى جاء ابراهيم فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله ان لا تزر وازرة وزر اخرى قلت لم يكن ذلك حكما شرعيا بل حكما جاهليا كما كان قبل مبعث النبي - ﷺ - ايضا فى الأوس والخزرج كان أحد الحيين شريفا ذا ثروة من الاخرى فكانوا يقتلون بامرأة من الشريف رجلا من الاخر وبعبد حرا وبواحد اثنين حتى نزلت الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى وقد ذكرنا القصة فى سورة البقرة- وهذه الاية لا يخالف قوله تعالى وكتبنا على بنى إسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الأرض فكانما قتل الناس جميعا وقوله - ﷺ - من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة أخرجه احمد ومسلم من حديث جرير بن عبد الله رض فان ذلك للدلالة والتسبب الذي هو وزره ولذا ورد فى الحديث من غير ان ينقص من أوزارهم شيئا وكذا قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وقوله - ﷺ - إذا انزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم متفق عليه من حديث ابن عمر محمول على ترك الأمر بالمعروف نحو قوله - ﷺ - ان الناس إذا رد الظالم فلم يأخذوه على يديه او شك ان يعمهم الله بعقاب رواه اصحاب السنن الاربعة من حديث ابى بكر الصديق (مسئلة) اختلف اقوال السلف فى تعذيب الميت ببكاء اهله عليه وقد ورد فى الصحيحين عن عبد الله بن مليكة قال توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة فجئنا لنشهدها وحضر ابن عمرو ابن عباس فقال ابن عمر لعمر بن عثمان وهو مواجهه الا تلتهى عن البكاء فان رسول الله - ﷺ - قال ان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه فقال ابن عباس قد كان يقول بعض ذلك ثم حدث وقال لما ان أصيب عمر دخل صهيب يبكى يقول وا أخاه وا صاحباه فقال عمر يا صهيب أتبكي على وقد قال رسول الله - ﷺ - ان الميت ليعذب ببعض بكاء اهله عليه فقال ابن عباس فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله عمر لا والله ما حدث رسول الله ﷺ ان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه ولكن ان الله يزيد الكافر عذابا ببكاء اهله عليه وقالت عائشة حسبكم القران ولا تزر
النجم 53:39
وازرة وزر اخرى قال ابن عباس عند ذلك والله اضحك وابكى قال ابن ابى مليكة فما قال ابن عمر شيئا قلت وتخطية عائشة عمر رض ضعيف وقد كان عمرا فقه من عائشة وكان شهادته شهادة الإثبات وتايدت حديث عمر بأحاديث اخر منها حديث المغيرة بن شعبة قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من نيح عليه فانه يعذب بما نيح عليه- منها حديث ابى بكر الصديق عن النبي - ﷺ - أخرجه ابو يعلى بلفظ الميت ينضج عليه الحميم ببكاء الحي ومنها حديث انس وعمر ان بن حصين عن ابن حبان فى صحيحه وحديث سمرة بن جندب عند الطبراني فى الكبير وحديث ابى هريرة عند ابى يعلى فظهران الحديث صحيح بتى الكلام فى تعارض الحديث بقوله تعالى لا تزر وازرة وزر اخرى فقال بعض العلماء ان التعذيب بالبقاء مختص بالكافر او بمن اوصى به لا بسبب البكاء والباء للحال اى يعذب حال بكائهم عليه والقولان عن عائشة لا يصحان لان القول باختصاص التعذيب بالكافر لا يدفع التعارض لان قوله تعالى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعم المؤمن والكافر وألفاظ الحديث ببعض طرقها يابى عن كون الباء للحال الا ترى ان قوله ينضج الحميم ببكاء الحي صريح فى التعذيب فى الاخرة فان الحميم انما هو فى الجحيم لا فى الغير فكيف يتحد زمان التعذيب زمان بكاء الحي فلا يتصور كونه حالا وقيل المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة له بما يندب به اهله الحديث الترمذي والحاكم وابن ماجة مرفوعا ما من ميت
يموت فتقوم نادية فتقول واجبلاه واسيداه وشبه ذلك من القول الا وكل به ملكان ينهرانه وهكذا كنت قلت وهذا التأويل ايضا لا يدفع التعارض فان التوبيخ بفعل غيره ايضا مما يمنعه لا تزر وازرة وزر اخرى وقيل المراد بالتعذيب تألم الميت بما يقع من اهله الحديث الطبراني وابن ابى شيبة عن قيلة بنت محترمة انها ذكرت عند رسول الله - ﷺ - ولدا لها مات ثم بكت فقال رسول الله - ﷺ - أيغلب أحدكم ان يصاحب صويحية فيا عباد الله لا تعذبوا امواتكم وهذا القول عليه ابن جرير واختاره الائمة آخرهم ابن تيمية واخرج سعيد ابن منصور عن ابن مسعود انه راى نسوة فى جنازة فقال ارجعن ما زورات غير ما جورات انكن لا تفتن الاحياء وتوذين الأموات والقول الصحيح فى دفع التعارض ان الحديث فيمن كان النوح من سنته او فيمن اوصى به او فيمن لم يوص بتركه إذا علم ان من شان اهله انهم يفعلون فيكون التعذيب على وزره دون وزر غيره واختار البخاري هذا القول.
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى اى الا سعيه يعنى كما لا يوخذ أحد بذنب غيره لا يثاب بفعل غيره ايضا عطف على ان لا تزر كلا الحكمين كانا فى صحف ابراهيم وموسى ومستدلا بهذه الاية قال الشافعي لا يثاب أحد بعمل غيره وقال ابو حنيفة ومالك واحمد وجمهور الخلف والسلف بخلاف ذلك فقال ابن عباس الاية منسوخة بقوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وقال عكرمة انها خاصة بقوم ابراهيم وموسى فاما هذه الامة فلها ما سعت وما سعى لها- وقال الربيع بن انس المراد بالإنسان هاهنا الكافر وهذا ليس بشىء فان الكافر لا يثاب بعمل نفسه ايضا حيث قال الله تعالى حبطت أعمالهم وقيل اللام هاهنا بمعنى على اى ليس على الإنسان الا ما سعى وعلى هذا بكون عطف لا تزر وازرة وزر اخرى عطفا تفسير يا احتج الجمهور على وصول الثواب من غيره بالأحاديث والإجماع اما الأحاديث فمنها حديث ابى سعيد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول إذا قبض الله روح عبده المؤمن صعد ملكان الى السماء قالا ربنا وكلتنا بعهدك المؤمن نكتب عمله وقد قبضته إليك فاذن لنا ان نسكن الأرض فيقول ارضى مملوة من خلقى يسبحون ولكن قوما على قبر عبدى فسبحانى وهللانى وكبرانى الى يوم القيامة واكتباه لعبدى أخرجه ابو نعيم- وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له رواه مسلم وكذا اخرج احمد عن ابى امامة وجه الاحتجاج بهذا الحديث ان الصدقة الجارية وعلم ينتفع به وان كانا من سعيه ولكن دعاء الولد ليس من عمله وهو ينفعه وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - ان الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح فى الجنة فيقول يا رب انى لى هذه فيقول باستغفار ولدك لك رواه الطبراني وروى نحوه عن ابى سعيد مرفوعا وحديث ابن عباس قال قال النبي - ﷺ - ما الميت فى قبره الا شبه الغريق المتفوت ينتظر دعوة ملحقة من اب وأم او ولد او صديق ثقة فاذا ألحقته كانت أحب اليه من الدنيا وما فيها وان الله ليدخل على القبور من دعاء اهل الأرض أمثال الجبال وان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم رواه البيهقي والديلمي وحديث مرفوعا أمتي امة مرحومة تدخل قبورها بذنوبها وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها يمحض عنها باستغفار المؤمنين لها رواه الطبراني فى الأوسط قال السيوطي وقد نقل غير واحد الإجماع على ان الدعاء ينفع الميت ودليله من القران قوله تعالى وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
قلت والظاهران انتفاع الأموات والاحياء بدعاء الاحياء غير مختصة بهذه الامة وقد قال نوح عليه السلام رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتي مومنا وللمؤمنين والمؤمنات وقال ابراهيم عليه السلام ساستغفر لك ربى انه كان بي حفيا وقال يوسف لاخوته لا تثريب عليكم اليوم ليغفر الله لكم قال اخوة يوسف لابيهم يا أبت استغفر لنا ذنوبنا انا كنا خاطئين قال سوف استغفر لكم ربى انه هو الغفور رّحيم وقال موسى رب اغفر لى ولاخى وأدخلنا فى رحمتك فالظ ان المراد بقوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى المذكور فى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى انه لا يصل لاحد ثواب حسنات غيره من الصلاة والصوم والصدقة والحج ونحو ذلك ويكون من خصوصيات هذه الامة المرحومة نسخ ذلك الحكم بقوله الحقنا بهم ذريتهم من الأحاديث حديث عائشة ان رجلا قال يا رسول الله ان أمي افتلتت نفسها لم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجران تصدقت عنها قال نعم متفق عليه وحديث ابن عباس ان سعد بن عبادة توفيت امه وهو غائب فاتى رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله ان أمي ماتت وانا غائب فهل ينفعها ان تصدقت عنها قال نعم قال فانى أشهدك ان حايطى صدقة عنها رواه البخاري واخرج احمد واربعة عن سعد بن عبادة انه قال يا رسول الله ان أمي ماتت فاى صدقة أفضل قال الماء فحفر بيرا وقال هذه لام سعد واخرج الطبراني بسند صحيح عن انس نحوه وحديث ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - إذا
تصدق أحدكم بصدقة تطوعا فليجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرها ولا ينقص من اجره شيئا واخرج الديلمي نحوه من حديث معاوية بن جندة وحديث انس سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما من اهل بيت يموت منهم فيتصدقون عنه بعد موته الا اهدا له جبرئيل على طبق من نور ثم يقف على شفير القبر فيقول يا صاحب القبر العميق هذه هدية أهداها إليك أهلك فاقبلها فيدخل عليه فيفرح بها ويستبشر ويحزن جيرانه الذين لا يهدى إليهم شىء رواه الطبراني فى الأوسط وحديث ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - من حج عن والديه بعد وفاتهما كتب الله لهما عتقا من النار وكان للمحجوج عنهما اجر حجة تامة من غير ان ينقص من اجورهما شىء وقال - ﷺ - ما وصل ذو رحم رحمه بأفضل من حجة يدخلها عليه بعد موته فى قبره رواه البيهقي والاصبهانى بسند فيه مجهولان وعن زيد بن أرقم عن النبي - ﷺ - من حج عن أبويه ولم يحجا فيرى عنهما وبشرت أرواحهما فى السماء وكتب عند الله بزا أخرجه ابو عبد الله الثقفي وحديث عقبة بن عامر ان امرأة جاءت الى رسول الله - ﷺ - فقالت أحج عن أمي وقد ماتت قال ارايت لو كان على أمك دين فقضيته قالت بلى فامرها ان تحج رواه الطبراني وحديث انس قال جاء الى النبي - ﷺ - قال ان ابى مات ولم يحج حجة الإسلام فقال ارايت لو كان على أبيك دين كنت تقضيه عنه قال نعم قال فانه دين عليه فاقضبه رواه البزاز والطبراني بسند حسن وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من حج عن ميت فللذى حج عنه مثل اجره رواه الطبراني فى الأوسط وحديث عطاء وزيد ابن اسلم مرسلا قال جاء رجل الى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله أعتق عن ابى وقد مات قال نعم رواهما ابن ابى شيبة وحديث ابن عباس انه - ﷺ - سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال النبي - ﷺ - ومن شبرمة قال أخ لى او قريب قال أحججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم من شبرمة رواه ابو داود وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وقال البيهقي اسناده صحيح وحديث عمرو بن العاص انه قال يا رسول الله ان العاص اوصى ان يعتق عنه بامه نسمة فاعتق هشام منها خمسين قال لا انما يتصدق ويحج ويعتق عن المسلم وكان مسلما بلغه رواه ابو الشيخ وحديث الحجاج بن دينار قال قال رسول الله - ﷺ - ان من البر بعد البر ان تصلى عنهما مع صلوتك وتصوم عنهما مع صيامك وتصدق عنهما مع صدقتك رواه ابن ابى شيبة وقد مر حديث بريدة ان امرأة قالت يا رسول الله ان كان على أمي صوم شهرين أفيجزى ان أصوم عنها قال نعم قالت فان أمي لم تحج قط أفيجزى ان أحج عنها قال نعم رواه مسلم وحديث عائشة قالت قال رسول الله - ﷺ - من مات وعليه صيام صام عنه وليه متفق عليه وحديث على رض مرفوعا من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد أحد عشر مرة ووهب اجره للاموات اعطى من الاجر بعدد الأموات رواه ابو محمد السمرقندي وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وإلهكم التكاثر ثم قال انى جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لاهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له الى الله رواه ابو القاسم سعد بن على وحديث انس ان رسول الله - ﷺ - قال من دخل المقبر فقرأ سورة يسين خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات أخرجه عبد العزيز صاحب الخلال بسنده وقال السيوطي قد ورد قرائة الفاتحة عند راس الميت وخواتيم البقر عند رجله من حديث ابن عمر مرفوعا وقت الدفن وفواتح البقرة وخواتمها عن حديث العلاء بن اللجلاج مرفوعا وقال القرطبي فى حديث اقرءوا على موتاكم يس فقال الجمهور فى حال موته قال ابن عبد الواحد المقدسي عند القبور وقال المحب الطبري فى الحالتين واخرج ابن ابى شيبة عن عطاء قال يتبع بعد موته العتق والحج والصدقة واخرج عن ابى جعفر ان الحسن والحسين كان يعتقان عن على بعد موته واخرج ابن سعد عن القاسم بن محمد عن عائشة اعتقت عن أخيها عبد
الرحمن رقيقا من تلاده ترجوا ان ينفعه بذلك بعد موته وقال الحافظ شمس الدين ابن عبد الواحد ما زالوا فى كل مصر يجتمعون ويقرؤن لموتاهم من غير نكير فكان ذلك اجماعا واخرج
النجم 53:40
واخرج الخلالى عن الشعبي كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا الى قبره يقرؤن القران وفى الاحياء عن احمد بن حنبل قال إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لاهل المقابر فانه يصل إليهم وقال البيضاوي فى توجيه الاية انه ما جاء فى الاخبار من ان الصدقة والحج ينفعان الميت فلان التاوي له كالتائب عنه وقال بعض العلماء فى توجيهها ان انتفاع المؤمن بسعى غيره مبنى على إيمانه وهو سعى نفسه فكان سعى غيره تابعا لسعى نفسه قايما بقيامه والله تعالى اعلم.
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى فى ميزانه يوم القيامة ان كان مؤمنا واما الكافر فيحبط أعمالهم بفوات شرطها وهى النية الخاصة لله تعالى او يقال الكافر يثاب عليه فى الدنيا من أريته الشيء قلت والاولى ان يقال السعى هاهنا بمعنى القصد قال فى القاموس سعى يسعى سعيا كرعى قصد وعمل ومشى وعدى وتم وكسب وقال بعض المحققين السعى المشي السريع ويستعمل للحمد فى العمل ومعنى الاية ليس للانسان الا ما قصد وأراد بفعله فهذه الاية تفيد ما يفيد قوله - ﷺ - انما الأعمال بالنيات وان لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى الدنيا يصيبها او المرأة نكحها فهجرته الى ما هاجر اليه متفق عليه من حديث عمر ابن خطاب رض فلا تدل هذه الاية على ان عمل أحد لا يفيد غيره كيف وصلوة الجنازة والصلاة على النبي - ﷺ - امورتان واجبتان وضعتا لانتفاع غير الفاعل والله تعالى اعلم.
ثُمَّ يُجْزاهُ اى المؤمن الْجَزاءَ الْأَوْفى الأتم والأكمل.
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى هذا وما عطف عليه كله فى صحف ابراهيم وموسى والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء روى البغوي بسنده عن ابى بن كعب عن النبي - ﷺ - فى قوله تعالى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال لا فكرة فى الرب يعنى الفكرة تنتهى الى الله ويتلاشى هناك قال البغوي وهذا مثل ما روى عن ابى هريرة مرفوعا تفكروا فى الخلق ولا تفكروا فى الخالق فانه لا تحيط به الفكرة كذا ذكر البغوي وروى ابو الشيخ فى العظمة عن ابن عباس تفكروا فى كل شىء ولا تفكروا فى ذات الله فان بين السماء السابعة الى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك قلت يعنى الفكرة لا يصل الى كرسيه فكيف الى ذاته وهو أجل وارفع وفى رواية له عنه تفكروا فى الخلق ولا تفكروا فى الخالق فانكم لا تقدرون قدره وروى ابو نعيم فى الحلية عنه تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى الله وروى ابو الشيخ عن ابى ذر تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى الله قلت الفكر عبارة عن ترتيب مقدمات لتحصيل مطلوب فترتيب المقدمات لا يتصور الّا فى آلاء الله وآياته واثاره والمطلوب ذاته وهناك تنتهى الفكرة فانه ليس وراء العباد ان
النجم 53:43
قربه وذاته هو الصمد الذي لا يتعمق فيه النظر ونفى الفكرة فى ذاته تعالى لا ينافى الوصول اليه بلا كيف بل قوله تعالى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ المنتهى يقتضى نهاية السير الى الذات البحت فى الله فى اصطلاح الصوفية انما هو السير فى الصفات والشيون والاعتبارات دون الذات البحت المعبر باللاتعين لكن هاهنا سير نظرى على ما حققه المجدد وقال اكثر المفسرين معنى الاية ان منتهى الخلق ومصيرهم الى الله تعالى وقيل منه ابتداء المنة واليه انتهاء الآمال والله تعالى اعلم.
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى يعنى خلق كل ما يعمله العباد حتى الضحك والبكاء قال عطاء بن ابى مسلم يعنى افرح واحزن وقال مجاهد اضحك اهل الجنة فى الجنة وابكى اهل النار فى النار وقال الضحاك اضحك الأرض بالنبات وابكى السماء بالمطر روى البغوي بسنده عن جابر بن سمرة قال كان اصحاب النبي - ﷺ - يحلون فيتناشدون الشعر ويذكرون أشياء من امر الجاهلية فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا يعنى النبي - ﷺ - ورواه مسلم بلفظ كانوا يتحدثون فياخذون فى امر الجاهلية فيضحكون ويتبسم - ﷺ - وفى رواية الترمذي يتناشدون الشعر روى البغوي فى شرح السنة عن قتادة قال سئل ابن عمر هل كان اصحاب رسول الله - ﷺ - يضحكون قال نعم والايمان فى قلوبهم أعظم من الجبل وقال بلال بن سعد يشتدون بين الأغراض ويضحك بعضهم الى بعض فاذا كان الليل كانوا رهبانا- وروى البخاري عن عائشة ما رايت النبي - ﷺ - مستجمعا ضاحكا حتى ارى منه لهواته انما كان يتبسم وفى الصحيحين عن جرير قال ما حجبنى النبي - ﷺ - منذ أسلمت ولارانى الا تبسم وروى الترمذي عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال ما رايت أحدا اكثر تبسما من رسول الله - ﷺ - وروى البخاري عن ابى هريرة قال قال ابو القاسم - ﷺ - والذي نفسى بيده لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا وكذا روى احمد والترمذي وابن ماجة عن ابى ذر وزادوا ما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم الى الصعدات تحادون الى الله.
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ما لا روح فيه كالنقطة لنطفة جعله حيوانا والبذر جعله شجرا وقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء وقيل أمات الكافر بالنكرة واحياء المؤمن بالمعرفة.
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى من كل حيوان.
مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ص اى تصب فى الرحم يقال منى الرجل وامنى قاله الضحاك وعطاء بن ابى رباح وقال آخرون إذا يقدر قال منيت الشيء إذا قدرته.
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى قرأ ابن كثير وابو عمرو النشاة بالمد والباقون بسكون الشين بلا مدوهما مصدران
النجم 53:48
من نشأ ينشأ يعنى الخلق الثاني البعث بعد الموت يوم القيامة أورد كلمة على وهى للوجوب على المجاز لتاكيد الوعد.
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى الناس بالأموال وما يدخرونه بعد الكفاية قال فى القاموس تغنى اكتفى بنفقته وفضلت فضله فادخرها والظاهران التقدير اغنى وَأَقْنى أفقر فحذف أفقر استغناء منه بدلالة الحال وقال الضحاك اغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال واقنى بالإبل والبقر والغنم وقال قتادة والحسن اقنى اخدم وقال ابن عباس اغنى واقنى يعنى اعطى فاوصى وقال مجاهد ومقاتل اقنى ارضى بما اعطى وقنع قال ابن زيدا غنى أكثروا قنى اقل وقرأ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وقال الأخفش اقنى أفقر.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وهو كوكب خلف الجوزاء وهما شعر بان يقال لاحدهما العبور وللاخرى القميصا سميت بذلك لانها احقر من الاخرى والمختبرة بينهما وأراد لههنا الشعرى العبور وكانت خزاعة تعبدها وأول من سن لهم ذلك رجل من اشرافهم يقال له ابو كبشة عبدها وخالف قريشا فى عبادة أوثان ولما خالف رسول الله العرب فى الدين سموه ابن ابى كبشة لمناسبة مخالفة القوم وتخصيصها فى الذكر هاهنا للاشعار بانها مخلوقة لله تعالى لا يستحق العبادة مثل اللات والعزى ولعل قوما عبدوها فى زمن ابراهيم عليه السلام ايضا ولذلك ورد التخصيص بذكرها فى صحف ابراهيم وموسى.
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وهو قوم هود اولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح عليه السلام اهلكوا بريح صرصر وكان لهم عقب كانوا عاد الاخرى قرأ نافع وابو عمرو عاد لولى بحذف الهمزة وابقاء ضمتها على اللام وادغام التنوين فيها واتى قالون بعد ضمة اللام بهمزة ساكنة فى موضع الواو والباقون يكسرون التنوين ويسكنون اللام ويخففون الهمزة بعدها ويجوز فى الابتداء بقوله عز وجل الاولى على مذهب ابى عمرو ثلثة أوجه الاولى بإثبات همزة الوصل وضم اللام بعدها والثاني لولى بضم اللام وحذف همزة الوصل قبلها استغناء عنها بتلك الحركة وهذان وجهان جائزان فى مذهب ورش فى مثل هذه الكلمة والثالث الاولى كقراءة الجمهور بإثبات همزة الوصل واسكان اللام وتحقيق همزة فاء الفعل وكذلك يجوز فى الابتداء بهذه الكلمة على مذهب قالون ثلثة أوجه ايضا الاول بإثبات همزة الوصل وضم اللام وهمزة ساكنة عوض الواو والولي بضم اللام وحذف همزة الوصل وهمزة الواو كوجه ابى عمرو الثالث قال الداني وهو عندى احسن الوجوه واقتبسها بمذهبنا.
وَثَمُودَ قرأ عاصم وحمزة بغير تنوين ويقفان بغير الف والباقون بالتنوين ويقفون بالألف وهم قوم صالح اهلكهم الله بالصيحة فَما أَبْقى منهم أحدا.
وَقَوْمَ نُوحٍ اهلكهم-
النجم 53:53
مِنْ قَبْلُ ط عاد وثمود إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ط من الفريقين لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله المعصية والتكذيب وإيذائهم نوحا عليه السلام يضربه حتى لا يكون به حراك ويتنفر الناس عنه.
وَالْمُؤْتَفِكَةَ اى القرى التي ايتفكت اى انقلبت باهلها وهى قرى قوم لوط أَهْوى اى أسقط أهواها جبرئيل عليه السلام بعد رفعها الى السماء.
فَغَشَّاها ما غَشَّى ج يعنى الحجارة المنضودة المسومة فيه تهويل وتعظيم لما أصابهم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى اى تشكك وتجادل وقال ابن عباس تكذب خطاب لكل أحد يعنى لا يجوز الشك والمجادلة فى آلاء ربك الباهرة والنعماء الظاهرة والقدرة القاهرة بعد ما سمعت احوال الأمم السابقة قيل أراد بالخطاب الوليد بن مغيرة.
هذا يعنى محمد - ﷺ - او القران نَذِيرٌ مبين مِنَ جنس النُّذُرِ الْأُولى اى المنذرين الأولين وقال الاولى على تاويل الجماعة اى من جنس النذرات الاولى قرأ حمزة والكسائي اواخر...
هذه السورة من قوله تعالى إِذا هَوى الى النُّذُرِ الْأُولى بالامالة واما ابو عمرو من ذلك ما كان فيه راء كاخرى وشعرى وتتمارى وما عدى ذلك بين بين وورش جميع ذلك بين بين والباقون بإخلاص الفتح.
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ج يعنى دنت الساعة الموصوفة بالدنو فى قوله تعالى اقتربت الساعة-.
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ الجملة حال من الآزفة كاشِفَةٌ ط اى مظهرة نظيره قوله تعالى لا يجليها لوقتها الا هو صفة موصوف محذوف اى نفس كاشفة وجاز ان يكون التاء فيه للمبالغة ويجوز ان يكون الكاشفة مصدرا كالباقية والعافية والمعنى ليس لها من دون الله كشف لا يكشفها ولا يظهرها غيره وقال عطاء وقتادة والضحاك ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها وشدايدها إذ غشيت الا الله تعالى يكشف عمن شاء من المؤمنين.
أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ اى القران عطف على محذوف تقديره أتسمعون فمن هذا الحديث تَعْجَبُونَ إنكارا واستفهام للتوبيخ.
وَتَضْحَكُونَ استهزاء وَلا تَبْكُونَ خشوعا او تضحكون بما تفرحون من اللذات الدنيوية ولا تبكون تحزنا على ما قصرتم فى الطاعة او أفرطتم فى المعصية.
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ اى لاهون غافلون والسمود الغفلة عن الشيء واللهو يقال دع منا سمودك اى لهوك هذا رواية الوالبي والعوفى عن ابن عباس وقال عكرمة السمود عنه الضلو؟؟؟ بلغة اهل اليمن كانوا إذا سمعوا القران تغنوا ولعبوا وقال الضحاك اشرون بطرون وقال مجاهد غضاب معرضون وقيل معناه
النجم 53:62
مستكبرون من سمد البعير فى مسيرة إذا رفع راسه كذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كانوا يمرون على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يصلى شامخين فنزلت وأنتم سامدون قال فى النهاية شمخ بانفه اى ارتفع تكبرا.
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ خشوعا وتواضعا لله وتصديقا بوعده ووعيده واعتبارا وَاعْبُدُوا ع اى اعبدوه دون غيره- الفاء للسببية عطف على ازفت الآزفة عن ابن عباس قال سجد النبي صلى الله عليه واله وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس رواه البخاري وعن ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير ان شيخا من قريش أخذ كفا من حصى او تراب فرفعه الى جبهه وقال يكفينى هذا قال عبد الله فلقد رايته بعد قتل كافرا متفق عليه وزاد البخاري فى رواية وهو امية بن خلف وفى لفظ البخاري أول سورة نزلت فيها سجدة النجم فسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم الحديث وعن زيد بن ثابت قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه واله والنجم فلم يسجد فيها متفق عليه احتج بهذا الحديث من قال ان سجود التلاوة غير واجب وأجيب بانه صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه وسلم لعله لم يكن حينئذ على وضوء او يكون حينئذ مانع من السجدة ولا يدل الحديث على نفى السجود مطلقا لكن هذا تاويل بعيد ولو كان تأخير السجود لعذر لببينه النبي صلى الله عليه واله وسلم ويدل على عدم وجوب السجدة وقول عمر بن الخطاب رض ان الله لم يكتبها علينا الا ان نشاء وقد ذكرنا مسائل سجود التلاوة واختلاف الائمة فيه فى سورة الانشقاق والله تعالى اعلم-.
القمر 54:1
سورة القمر
مكيّة وهى خمس وخمسون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ روى البغوي عن انس بن مالك ان اهل مكة سالوا رسول الله - ﷺ - ان يراهم اية فاراهم القمر شقتين حتى راى حراء بينهما وكذا اخرج الشيخان فى الصحيحين وقال البغوي قال شيبان عن قتادة فاراهم انشقاق القمر مرتين كذا اخرج الترمذي بلفظ فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت اقتربت الساعة والشق القمر الى قوله سحر مستمر واخرج الشيخان والحاكم واللفظ له عن ابن مسعود قال رايت القمر منشقا شقتين بمكة قبل مخرج النبي - ﷺ - فقالوا سحر القمر فنزلت اقتربت الساعة وانشق القمر وكذا اخرج البغوي من طرق البخاري بلفظ انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله - ﷺ - اشهدوا قال البغوي وقال ابو الضحى عن مسروق عن عبد الله انشق القمر بمكة وقال انشق القمر ثم التأم بعد ذلك وروى ابو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فقال سحركم ابن ابى كبشة فاسالوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رايناه فانزل الله تعالى
اقْتَرَبَتِ اى دنت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يعنى قد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر.
وَإِنْ يَرَوْا يعنى الكفار آيَةً معجزة دالة على صدق النبي - ﷺ - يُعْرِضُوا عن التأمل والايمان وَيَقُولُوا هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ اى ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم مر الشيء واستمر بمعنى ذهب كقولهم قر واستقر كذا قال مجاهد وقتادة وقال ابو العالية والضحاك مستمر بمعنى قوى شديد يعلو كل سحر من قولهم مر الحبل إذا صلب واشتدوا مررته إذا أحكمت قتله واستمر الشيء إذا قوى واستحكم وقيل معناه سحر مطرد يوجد متتابعا كثيرا وقيل معناه مستبثع من استمر إذا اشتد مرارته والجملة الشرطية معترضة لبيان عادة الكفار وقوله تعالى.
وَكَذَّبُوا عطف على انشق يعنى كذبوا النبي - ﷺ - والقران وما عاينوا من قدرة الله تعالى وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ولم يتبعوا الوحى بعد ظهوره ذكرهما بلفظ الماضي للاشعار بانهما من عادتهم القديمة وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ اى منبة؟؟؟ اى غاية من خذلان او نصر فى الدنيا وسعادة او شقاوة فى الاخرة فان الشيء إذا انتهى الى غايت ثبت واستقر وكذا قال مقاتل لكل حديث منتهى وقيل معناه كل امر مقدر مستقر يعنى كاين واقع لا محالة وكل امر وعد الله واقع كاين
القمر 54:4
لا محالة وقال الكلبي لكل امر حقيقة ما كان منهم فى الدنيا فسيظهر وما كان منه تعالى فى الاخرة فسيعرف وقال قتادة وكل امر مستقر فى الخير يستقر باهل الخير وكل امر مستقر فى الشر يستقر باهل الشر وقيل كل امر من خير او شر مستقر قراره فالخير مستقر باهله فى الجنة والشر مستقر باهله فى النار وقيل يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب قرأ ابو جعفر مستقر بالجر على انه صفة امر وكل معطوف على الساعة يعنى اقتربت الساعة واقتربت كل امر مستقر باهله.
وَلَقَدْ جاءَهُمْ يعنى كفار مكة فى القران مِنَ الْأَنْباءِ انباء القرون الخالية او انباء الاخرة.
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ما موصولة او موصوفة أصله من تجر بقلب تاء الافتعال مع الزاء والا للتناسب وكذا مع الذال فان التاء حرف مهموس والدال والذال والزاء مهجورات ومخرج التاء والذال واحد مصدر ميمى بمعنى الأزد جار يعنى جائهم ما فيه نهى وعظة بحيث يقتضى الانتهاء من المعاصي والاتعاظ فان هلاك الأمم الطاغية الماضية المواعيد بالنار يقتضى ذلك.
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غايتها لا خلل فيها بدل من ما فاعل جاء او خبر لمبتداء محذوف اى هو فَما تُغْنِ النُّذُرُ نفى او استفهام للانكار اى فلم تغن النذر او فاى غناء يغنى النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر اى الرسول او المصدر منه او مصدر بمعنى الانذار-.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حيث لا ينفعهم إنذارك نسختها اية القتال يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ قرأ البزي الداعي بإثبات الياء وصلا ووقفا وابو عمرو دورش فى الوصل فقط ويوم منصوب با ذكر والجملة مستانف وجملة يخرجون حال من مفعول بدعوا المحذوف تقديره يوم يدعوهم الداعي يخرجون او الظرف متعلق يخرجون وجملة تخرجون مستانفة وذلك يوم القيامة- الداعي اسرافيل عليه السلام يقف على صخرة بيت المقدس يقول يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والاشعار المنقطعة ان الله يأمر كن ان تجمعين لفصل الخطاب رواه ابن عساكر عن زيد بن جابر الشافعي إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ قرأ ابن كثير بإسكان الكاف والباقون بضمه اى شىء منك قطيع لم تعهد مثله تنكره النفوس استعظاما.
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب خاشعا بفتح الخاء والف بعد وكسر الشين على الافراد والتذكير لان فاعله ظاهر غير حقيق التأنيث وقرأ ابن مسعود رض خاشعة على الأصل وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وابو جعفر خشعا على صيغة جمع التكسير وحسن ذلك
القمر 54:8
ولا يحسن مررت برجال قايمين غلمانهم لانه ليس على صيغة يشبه الفعل يعنى ذليلا أبصارهم حال من فاعل يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ اى القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ فى الكثرة والتموج والانتشار فى الامكنة الجملة ايضا حال من فاعل يخرجون.
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قرأ ابن كثير الداعي بإثبات الياء فى الحالين ونافع وابو عمرو فى الوصل فقط يعنى مسرعين مادى أعناقهم الى صوت الداعي او ناظرين اليه يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ صعب شديد جملة مستانفة.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ اى قبل قومك قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا عليه السلام تنازع الفعلان فى المفعولية فاعمل الثاني وحذف من الاول والمعنى كذبت قوم نوح نوحا عليه السلام فكذبوه تكذيبا بعد تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب جاء قرن اخر فكذبوه وهذا الى الف سنة الا خمسين عاما وجازان يقدر المحذوف غير المذكور فلا يكون من باب التنازع والمعنى كذبوه بعد ما كذبوا الرسل وجاز ان ينزل الفعل منزلة اللازم ولا يقدر المفعول فلا يكون من باب التنازع والمعنى صدر التكذيب قبلهم من قوم نوح فكذبوا نوحا والفاء حينئذ للتفصيل بعد الإجمال وَقالُوا عطف على كذبوا مَجْنُونٌ خبر مبتدا محذوف اى هو وَازْدُجِرَ اما عطف على مجنون يعنى قالوا هو مجنون وازدجرته الجن فخبطته وذهب بعقله كذا قال مجاهد او عطف على قالوا يعنى وازدجروه عن التبليغ بانواع الاذية وقالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين- اخرج عبد بن حميد عن مجاهد واحدا منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيفيق ويقول اللهم اغفر لى لقومى فانهم لا يعلمون وكذا اخرج احمد فى الزهد من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير.
فَدَعا نوح رَبَّهُ بعد ما اوحى اليه انه لن يؤمن من قومك الا من قدا من فلا تبتئس بما كانوا يفعلون أَنِّي مَغْلُوبٌ اى بانى مغلوب غلبنى قومى فَانْتَصِرْ اى فانتقم لى منهم لعذاب لبعتهم وقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا.
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصب انصبابا شديدا لم ينقطع أربعين يوما وقيل معناه بماء طبق ما بين السماء والأرض.
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً تميز من النسبة والمعنى فجرنا عيون الأرض لكن غير للمبالغة كانه قال جعلنا الأرض كلها عيونا منفجرة فَالْتَقَى الْماءُ يعنى الافتعال بمعنى التفاعل وذلك يقتضى تعدد الفاعل لكن الماء اسم يطلق
القمر 54:13
على الواحد والكثير وأريد هاهنا فالتقى الماء ان يعنى ماء السماء وماء الأرض كذا قرأ عاصم الجحدري عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ج اى على حسب امر قد قدره الله تعالى فى الأزل وكتب فى اللوح او على حال قدرت وسويت وهو ان قدر ما انزل من السماء على قدرنا اخرج من الأرض او على امر قدره الله وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.
وَحَمَلْناهُ يعنى نوحا عَلى سفينة ذاتِ أَلْواحٍ أخشاب عريضة وَدُسُرٍ اى مسامير دسارا ودسير ذكر النعت وأقيمت مقام الاسم.
تَجْرِي حال من ذات ألواح بِأَعْيُنِنا ج اى محفوظة بحفظنا جَزاءً اى فعلنا ذلك جزاء او جزينا قوم نوح جزاء لِمَنْ كانَ كُفِرَ اى لاجل نوح لانه نعمة كفروها فان كل نبى نعمة من الله ورحمة على أمته وقيل من بمعنى ما اى جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمة عند الكافرين او المعنى حاجزا لما صنع بنوح وأصحابه او المعنى فعلنا ذلك اى أغرقنا قوم نوح وأنجينا نوحا جزاء وثوابا لنوح عليه السلام.
وَلَقَدْ تَرَكْناها اى الفعلة المذكورة يعنى أبقينا قصتها آيَةً على قدرتنا وصدق الأنبياء يعتبر بها من بعدهم وقال قتادة الضمير المنصوب عايد الى السفينة ولقد أبقى الله السفينة بأرض الجزيرة وقيل بالجودي دهرا طويلا حتى نظرها أوائل هذه الامة وهذه جملة معترضة وكذا قوله تعالى فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ اى معتبر الاستفهام للاغراء والتحريض على الادكار والاتعاظ والفاء للسببية أصله مدتكر مفتعل من الدكر قلبت التاء دالا للتناسب ثم أدغمت الدال فى الدال لقرب المخرج.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ الاستفهام للتعظيم والتهويل والفاء للسببية فان القصة السابقة سبب للتهويل ونذر جمع نذير وقال الفراء الانذار والنذر مصدر ان كالانفاق والنفقة والإيقان واليقين وكيف خبر كان قدمت لاقتضائها صدر الكلام قرأ ورش عذابى ونذرى بإثبات الياءات فى ستة مواضع من هذه السورة.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اى سهلنا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ اى للاذكار والاتعاظ بان ذكرنا فيه انواع المواعظ والعبر والوعيد واحوال الأمم السابقة للاعتبار والمعنى يسرنا القران للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ عادٌ قوم هود عليه السلام هودا وجميع الأنبياء فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ اى انذاراتى لهم بالعذاب قبل نزوله او لمن بعدهم فى تعذيبهم.
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً باردا شديد الهبوب وشديد الصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شوم على الأعداء
القمر 54:20
مُسْتَمِرٍّ اى استمر شومه او استمر عليهم حتى اهلكهم الله او على صغيرهم وكبيرهم فلم يبقى منهم أحدا او أشد مرارته قال البغوي قيل كان يوم الأربعاء اخر شهر.
تَنْزِعُ النَّاسَ اى تقلعهم من أماكنهم ثم ترمى بهم على رؤسهم فتدق رقابهم وقال البيضاوي روى انهم دخلوا فى الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فنزعهم الريح منها وصرعتهم موتى وقال البغوي روى انها كانت تنزع الناس من قبورهم كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ اى اصول نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ منقلع من مكانه ساقط على الأرض ذكر الصفة حملا على اللفظ والتأنيث فى قوله اعجاز نخل خاوية ونخل باسقات للمعنى قال البغوي انما قال اعجاز نخل وهى أصولها التي قطعت فروعها لان الريح كانت تبين رؤسهم من أجسادهم فتبقى الأجسام بلا رؤس.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ كرر للتهويل وقيل الاول لما حاق بهم فى الدنيا والثاني لما يحيق بهم فى الاخرة كما قال ايضا فى قصتهم لنذيقهم الخزي فى الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة اخزى.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ بالإنذارات والمواعظ والرسل.
فَقالُوا أَبَشَراً آدميا منصوب على المفعولية بفعل مضمر يفسره ما بعده مِنَّا صفة لبشر اى من جنسنا او من جملتنا لا فضل له علينا بالمال والجاه واحِداً بدل من بشرا وعطف بيان له اى منفرد الا تبع له او من احادنا دون اشرافنا نَتَّبِعُهُ الاستفهام للانكار والإنكار على كون متبوعهم مثلهم فى الجنسية ودونهم فى الانفراد لا على فعل الاتباع فانه لو كان المتبوع من الملائكة او ملوك البشر لم ينكروا اتباعه فلا بد تقدير الفعل موخرا من المفعول فى الإضمار والتفسير تأكيد الإنكار الاتباع إِنَّا إِذاً اى إذا نتبعه لَفِي ضَلالٍ اى خطاء ذهاب عن الصواب وَسُعُرٍ قال وهب معناه بعد من الحق وقال الفراء جنون يقال ناقة مسعودة إذا كانت خفيفة الراس هايمة على وجهها وقال قتادة معناه عناء وعذاب مما يكره منا من طاعة وقيل سعر جمع سعير قال ابن عباس معناه عذاب وقال الحسن شدة عذاب وكانهم عكسوا قول صالح عليه السلام لما قال ان تتبعونى كنتم فى ضلال عن الحق وسعير ونيران فقالوا ان اتبعناك انا إذا لفى ضلال وسعير.
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ الكتاب والوحى مِنْ بَيْنِنا وفينا من هو أحق بذلك يعنون انه لم يلق عليه الذكر من بيننا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ يكذب على الله أَشِرٌ بطر منكر يريد ان يتعظم علينا بادعاء النبوة إضراب من نفى الفضيلة الى ادعاء الرذيلة فيه عليه السلام.
القمر 54:26
سَيَعْلَمُونَ غَداً حين ينزل هم العذاب وقال الكلبي يعنى يوم القيامة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ أهم أم صالح عليه السلام قرأ ابن عامر وحمزة ستعلمون عذابنا الخطاب على الالتفات والباقون بالياء على الغيبة والجملة استيناف فى جواب ما شانهم ولما سالوا معجزة من الصالح عليه السلام على صدقه وقالوا تعنتا ان يخرج لهم ناقة حمراء عشراء من صخرة عينوها قال الله تعالى.
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ اى مخرجوها وباعثوها فِتْنَةً لَهُمْ اى لاجل امتحانهم او حال كونها امتحاناتهم فَارْتَقِبْهُمْ اى فانتظر يا صالح ما يصنعوا بها وَاصْطَبِرْ على اذاهم او اصبر على ارتقابهم.
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ اى مقسوم بَيْنَهُمْ يعنى بين قومك وبين الناقة لها يوم ولهم يوم أورد ضمير الجمع المذكر العاقل تغليبا كُلُّ شِرْبٍ اى نصيب من الماء مُحْتَضَرٌ يحضره من كان نوبته فاذا كان يوم الناقة حضرت شربها وإذا كان يوم نوبتهم حضروه دون الناقة واحتضر وحضر بمعنى واحد وقال مجاهد يحتضرون الماء إذا غابت الناقة فاذا جاءت الناقة حضر واللبن.
فَنادَوْا ثمود صاحِبَهُمْ قدار بن سالف فَتَعاطى فتناول الناقة بسيغه فَعَقَرَ فعذبناهم.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ثم بين عذابهم فقال.
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً صاح بهم جبرئيل عليه السلام فَكانُوا اى صاروا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قال ابن عباس المحتظر الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون السباع فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم وقيل هو الشجر اليابس الذي يتخذه من الحظير لاجل الحظيرة او الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لما شيته فى الشتاء وقال قتادة معناه كالعظام النخرة المحترقة وقال سعيد بن جبير هو التراب يتناشر من الحائط.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً اى ريحا ترميهم بالحصباء وهى الحصى الصغار وقيل الحصباء هى الحجر الذي دون ملأ الكف وقد يكون الحاصب الرامي فيكون على هذا انا أرسلنا عليهم حاصبا يحصبهم اى يرميهم بالحجارة إِلَّا آلَ لُوطٍ استثناء من الضمير المجرور فى عليهم نَجَّيْناهُمْ يعنى ال لوط بِسَحَرٍ اى فى سحر وهى اخر الليل او مسحرين الجملة تعليل للاستثناء.
نِعْمَةً اى انعاما علة لنجينا مِنْ عِنْدِنا ط صفة لنعمة كَذلِكَ نَجْزِي
القمر 54:36
مَنْ شَكَرَ
نعمة الله بالايمان والطاعة يعنى من وحد الله وشكر نعمة نجزيه جزاء....
كما جزينا ال لوط ولم نعذبهم مع المشركين كذا قال مقاتل.
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ يعنى انذر لوط قومه بَطْشَتَنا اى أخذتنا إياهم بالعذاب ان لم يؤمنوا مفعول ثان لانذر فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ يعنى كذبوا لوطا وشكوا بالإنذار.
وَلَقَدْ راوَدُوهُ اى طلبوا لوطا ان يعرض عَنْ ضَيْفِهِ ويسلمهم إليهم حين قصدوا الفجور بهم وكانوا الملائكة فيهم جبرئيل عليه السلام على صورة الامارد أرسلهم الله على قوم لوط ليرسلوا عليهم حجارة من طين مسومة للمسرفين فلما قصد قوم لوط داره وعالجوا الباب ليدخلوا قالت الرسل للوط خل بينهم وبين الدخول فانا رسل ربك لن يصلوا إليك فدخلوا الدار وقال البغوي واخرج ابن إسحاق وابن عساكر من طريق جرير ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ان لوطا اغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما راى الملائكة ما على لوط قالوا انا رسل ربك لن يصلوا إليك فصعقهم جبرئيل بجناحه بإذن الله فتركهم عمياء يترددون متحيرين لا يهتدون الى الباب فاخرجهم لوط عميانا لا يبصرون وذلك قوله تعالى فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ اى صيرناها كساير الوجه لا يرى له شق كذا قال اكثر المفسرين وقال الضحاك طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل فقالوا قد رأيناهم حين دخلوا البيت فاين ذهبوا فلم يرواهم فرجعوا فقال الله تعالى على السنة الرسل فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ اى ما أنذرتكم به على لسان لوط من العذاب.
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ اى جاءهم وقت الصبح بُكْرَةً أول النهار عَذابٌ رمى الحجارة مُسْتَقِرٌّ اى يستقر بهم بعد الموت عذاب القبر حتى يسلمهم الى النار المؤبدة-.
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ع وفائدة التكرير بعد كل قصة ان يستانفوا تنبيها واتعاظا واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه.
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ج يعنى موسى وهارون عليهما السلام ومن معهما وقيل هى الآيات التي انذرهم بها موسى واكتفى بذكر ال فرعون عن ذكره للعلم بانه اولى بذلك.
كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى الآيات التسعة كُلِّها عن صفوان بن عسال قال قال يهودى لصاحبه اذهب بنا الى هذا النبي فقال له صاحبه لا تقل نبى انه لو سمعك لكان له اربع أعين فاتيا رسول الله - ﷺ - فسالا عن تسع آيات بينات فقال رسول الله - ﷺ - لا تشركوا
القمر 54:43
بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولا تمشوا ببرى الى ذى سلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تأكلوا الربوا ولا تقذفوا محصنة ولا تولوا للفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود ان لا تعتدوا فى السبت قال فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد انك بنى قال فما يمنعكم ان تتبعونى قالا ان داود عليه السلام دعى ربه ان لا يزال فى ذريته نبى وانا نخاف ان تبعناك ان يقتلنا اليهود رواه ابو داود والترمذي والنسائي فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب يعنى أغرقناهم فى اليم ثم أدخلناهم فى النار أَخْذَ عَزِيزٍ غالب لا يغلب مُقْتَدِرٍ على الانتقام لا يعجزه ما أراد ولا يمنعه شىء عما أراد.
أَكُفَّارُكُمْ يعنى كفار قومكم ايها المؤمنون من قريش خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعنى من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وال فرعون المذكورين بحلول العذاب بهم قوة وعددا او مكانة ودينا عند الله والاستفهام للانكار يعنى ليسوا خيرا منهم فكيف أمنوا من مثل ما حل بهم من العذاب أَمْ لَكُمْ يا اهل مكة بَراءَةٌ وأمان من العذاب فِي الزُّبُرِ ج اى فى الكتب السماوية ان من كفر منكم وكذب الرسل لا يعذب حتى أمنوا من العذاب.
أَمْ يَقُولُونَ اى هؤلاء الكفار نَحْنُ جَمِيعٌ اى جماعة أمرنا مجتمع مُنْتَصِرٌ ممتنع لا نرام او منتصر من الأعداء لا تغلب او متناصر بعضنا بعضا والتوحيد حملا على لفظ الجميع وموافقة لرؤس الاى اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال قالوا يوم بدر نحن جميع منتصر فنزلت.
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قرأ يعقوب سنهزم بالنون على صيغة المتكلم المعروف والجمع منصوبا على المفعولية والباقون على صيغة الواحد الغائب المجهول والجمع مرفوعا على انه مسند اليه أورد الدبر مفردا فى محل الأدبار بارادة الجمع الجنس موافقة لرؤس الاى كما يقال ضربنا منهم الراس او لان كل واحد منهم يولى دبره روى البخاري عن ابن عباس ان النبي - ﷺ - قال وهو فى قبة يوم بدر أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان تشاء لا تعبد بعد اليوم فقال ابو بكر وأخذ بيده حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب فى الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر كنت لا أدرى اى جمع يهزم فلما كان يوم بدر رايت النبي - ﷺ - يثب فى درعه ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر ذكره البغوي قول سعيد بن المسيب قال سمعته من عمرو اخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ابى حاتم وابن مردوية فى تفاسيرهم من مرسل عكرمة ورواه الطبراني فى مجمعه الأوسط.
بَلِ السَّاعَةُ إضراب على طريقة الانتقال الى الأهم
القمر 54:47
مَوْعِدُهُمْ جميعا للعذاب وما يحيق بهم فى الدنيا فمن طلايعه وكان ليس بعذاب بالنسبة الى ما يحيق بهم يوم القيامة ولذلك لا يعذب بعض الكفار فى الدنيا مع استحقاقهم جميعا للعذاب- وَالسَّاعَةُ أَدْهى اى أشد داهية والداهية امر فظيع لا يهدى الى دفعه وَأَمَرُّ فذاقا من عذاب الدنيا.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ اى الكافرين تعميم بعد تخصيص لبيان حال الكفار مطلقا بعد التخصيص بذكر كفار مكة فِي ضَلالٍ عن الحق فى الدنيا وَسُعُرٍ نيران فى الاخرة وقيل معنى الاية فى ضلال اى ذهاب من طريق الجنة فى الاخرة وسعر اى نار مسعرة كذا قال الحسن بن فضل وقال قتادة فى عناء وعذاب.
يَوْمَ يُسْحَبُونَ اى يجرون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يقال لهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ اى حر النار والمها فان مسها سبب لالمها.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ منصوب بفعل مضمر يفسره خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ والجملة معترضة بين ذكر الكفار نزلت رد المخاصمة قريش روى مسلم والترمذي عن ابى هريرة قال جاءت مشركوا قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - فى القدر فنزلت ان المجرمين فى ضلال وسعر الى قوله انا كل شىء خلقناه بقدر يعنى خلقنا كل شىء بتقدير سابق او مقدرا مكتوبا فى اللوح المحفوظ معلوما قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه قال الحسن قدر الله لكل شىء من خلقه قدره الذي ينبغى له اى يقتضيه الحكمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة قال وكان عرشه على الماء- رواه مسلم وروى البغوي بسنده عن طاؤس بن مسلم اليماني قال أدركت ناسا من اصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون كل شىء بقدر حتى العجز والكيس وعن على بن ابى طالب قال قال رسول الله - ﷺ - لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله بعثني بالحق ويومن بالبعث بعد الموت ويومن بالقدر رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يكون فى أمتي خسف ومسخ وذلك على المكذبين بالقدر رواه ابو داود وروى الترمذي نحوه وعنه قال قال رسول الله - ﷺ - القدرية مجوس هذه الامة ان مرضوا لا تعودوهم وان ماتوا لا تشهدوهم رواه احمد وابو داود وعن ابى خزامة عن أبيه قال قلت يا رسول الله ارايت رقى تسترقى بها ودواء نتداوى بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هى من قدر الله رواه احمد والترمذي وابن ماجة وفى الباب أحاديث كثيرة وانعقد عليه اجماع الصحابة ومن بعدهم من
القمر 54:50
من اهل السنة والجماعة.
وَما أَمْرُنا فى تكوين الأشياء وإعدامها وإعادتها إِلَّا واحِدَةٌ اى إلا فعلة واحدة وهى الإيجاد والامحاء بلا معالجة ومعناه او إلا كلمة واحدة وهى قوله تعالى كن فى الإيجاد والصيحة فى الاعدام والبعث كاينة فى اليسر والسرعة كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ قال الكلبي عن ابن عباس وما أمرنا بمجىء الساعة فى السرعة الا كطرف البصر نظيره قوله تعالى وما امر الساعة الا كلمح البصر او هو اقرب.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ جمع شيع معناه المثل كذا فى القاموس يعنى أهلكنا اشباهكم فى الكفر ممن قبلكم يا اهل مكة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متعظ بالاعتبار ممن قبله الفاء للسببية والاستفهام للحث والتحريض بمعنى الأمر يعنى لقد أهلكنا يا اهل مكة اشباهكم فاذكروا واتعظوا متصل بما سبق فى توبيخ اهل مكة وما بينهما معترضات.
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ صفة لشىء فعله المكلفون ثابت مكتوب فِي الزُّبُرِ اى فى صحائف الحفظة التي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها فيجازى بها يوم القيامة او فى اللوح المحفوظ.
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من اعمال المكلفين او من الخلائق وأعمالهم واجالهم مُسْتَطَرٌ اى مسطور مكتوب فى صحائف الحفظة او فى اللوح المحفوظة فهذه الجملة بيان وتفسير وتأكيد لما سبق او المراد بأحد الجملتين كونها مكتوبا فى صحائف الحفظة وبالأخرى فى اللوح المحفوظ والله تعالى اعلم.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ اى انهار الجنة من الماء والخمر والعسل واللبن او رد لفظ المفرد اكتفاء باسم الجنس موافقة لروس الاى وقال الضحاك يعنى فى الضياء السعة ومنه النهار قال البغوي قرأ الأعرج ونهر بالضمتين جمع نهار يعنى لا ليل لهم.
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ اى فى مكان لا لغو فيه ولا تأثيم يعنى الجنة او فى مكان مرضى قال الجوهري يعبر عن فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصدق ومنه قوله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ الاية وقوله تعالى لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عند ربهم وقوله تعالى أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخرجني مخرج صدق قال البغوي قال الصادق رض مدح الله المكان بالصدق فلا يقعد فيه الا اهل الصدق عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ اى عند الله مالك الأشياء كلها وملكها قادر لا يعجزه شىء عندية غير متكيفة لا تدركه العقول والافهام الا من فتق الله غشاوة بصيرته من الكرام وفايدة التكبير فيها الإيماء الى ان ما من شىء الا تحت ملكه وقدرته والله تعالى اعلم-.
الرحمن 55:1
سورة الرّحمن
مكيّة وهى ثمان وسبعون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ط جواب لقول الكفار وما الرحمن فذكر الله تعالى انه مولى النعم الدنيوية والاخروية كلها من بدء الخلق الى ابد الآبدين على ما يقتضيه لفظ الرحمن المبنى على كمال المبالغة فى الرحمة وقدم فى الدّكر ما هو اصل النعم الدينية وأجلها وهو تنزيل القران وتعليمه فانه أساس الدين وفيه صلاح الدارين ثم ذكر بعده خلق الإنسان اشارة الى ان الإنسان انما خلق لاجل تلقى القران ولذلك علمه البيان ولما كان اشراكهم وعبادتهم لغير الله تعالى وقولهم وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا دليلا على انكارهم آلاء الله تعالى كرر التوبيخ عليهم فى السورة احدى وثلثين مرة بعد ذكر بعض الآلاء ايقاظا وتنبيها واما بعد الوعيد على الكفران زجرا ومنعا عماهم عليه واما بعد الوعد لمن خاف مقام ربه وشكر نعمائه تحريضا وتطميعا وقيل هذه الاية رد لقول الكفار انما يعلمه بشر والمعنى انه لا يستطيع البشر على تعليم مثل هذا القران البليغ المعجز بل علمه الرحمن الذي هو المنعم بالنعم الدنيوية والاخروية كلها بمقتضى رحمة وهذا أجل النعم المفضى الى صلاح الدارين رحمن مبتدا والجملة خبره.
خَلَقَ الْإِنْسانَ قال ابن عباس وقتادة يعنى آدم عليه السلام علمه البيان يعنى اسماء كل شىء علمه اللغات كلها فكان آدم يتكلم بسبعمائة الف لغة أفضلها العربية وقال ابو العالية والحسن المراد جنس الإنسان.
عَلَّمَهُ الْبَيانَ باللسان والكتابة والفهم والافهام حتى يتميز عن سائر الحيوانات وصار قابلا للوحى وتنزيل القران وقال السدى علم كل قوم لسانهم الذين يتكلمون به وجاز ان يقال خلق الإنسان يعنى محمدا - ﷺ - علمه البيان يعنى القران فيه بيان ما كان وما يكون من الأزل الى الابد مطابقا لبيان من مضى من الرسل هداية للناس واية على نبوته كذا قال ابن كيسان فعلى هذا الجملتان الأخيرتان بيان وتفصيل للاولى ولهذا لم يورد العاطف بينها وكلها اخبار مترادفة للرحمن قيل ترك العاطف لكون كل منها مستقلا بالخبرية وقيل بمجيئا على نهج التحديد.
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ الحسبان اما مصدر كفغران وسبحان وكقران ورجحان ونقصان من حسبت حسبانا او جمع للحساب كالنسبان والركبان والمعنى الشمس والقمر يجريان بحساب مقدر معلوم فى منازلهم يتنسق بتلك امور الكائنات
الرحمن 55:6
السفلية ويختلف الفصول والأوقات ويعلم السنون والحساب واوقات الصلاة والصيام والحج والزكوة وآجال الديون.
وَالنَّجْمُ اى ما ليس له ساق من النبات وَالشَّجَرُ ما له ساق يبقى فى الشتاء يَسْجُدانِ اى ينقادان الله طبقا فيما يريد منهما انقياد الساجدين المكلفين طوعا يقال سجودهما سجود ظلمها- قال الله تعالى يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ والجملتان خبران آخران للرحمن وكذا ما بعدهما مما عطف عليهما وكان حق النظم فى الجملتين ان يقال واجرى الشمس والقمر بحسبان واسجد النجم والشجر والشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له الوجوب العائد فى الخبر لكن حذف العائد منهما لوضوحه وادخل العاطف بينهما وبين ما بعدهما لاشتراكهما فى الدلالة على وجود الصانع يحكم الذي يقدر ويدبر ويغير احوال الاجرام العلوية والسفلية على نهج بديع واسلوب حكيم.
وَالسَّماءَ منصوب بفعل مضمر يفسره رَفَعَها اى خلقها مرفوعة وَوَضَعَ الْمِيزانَ قال مجاهد أراد بالميزان العدل والمعنى امر بالعدل وأثبته فى الذمم حتى انتظم امر العالم واستقام وقال الحسن وقتادة والضحاك أراد ما يوزن الأشياء ويعرف به المقادير من الميزان والمكيال والذراع ونحو ذلك فانها سبب الاتصاف والانتصاف واصل الوزن التقدير.
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ اما مضارع منصوب بان فى قوة المصدر متعلق بوضع بتقدير اللام يعنى وضع الميزان لان لا تجاوزوا الحق فى الميزان ولا تظلموا واما صيغة نهى وان مفسرة تقديره أمران لا تطغوا فى الميزان.
وَأَقِيمُوا معطوف على تطغوا على تقدير كونه نهيا وعلى تقدير كونه مضارعا معطوف على وضع بتقدير قال الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ اى قوموا وزنكم بالعدل ولا تنقصوا امر الله تعالى بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ومن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان وكرر لفظ الميزان ثلث مرات ولم يكتف بالضمير تشديد للتوصية وتقوية للامر باستعماله والحث عليه فويل للمطففين- (مسئلة) من اشترى مكيلا مكايلة او موزونا موازنة فاكتاله او اتزنه ثم باعه مكايلة او موازنة لم يجز للمشترى الثاني ان يبيعه ولا ان يأكله حتى يعيد الكيل او الوزن لانه يجعل ان يزيد على المشروط وذلك للبائع والتصرف فى مال الغير حرام يجب التحرز عنه وقد نهى النبي - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشترى رواه ابن ماجة وابن اسحق من حديث جابروا على يعبد الرحمن بن ابى ليلى ورواه البزار
الرحمن 55:10
من حديث ابى هريرة وله طريقان ضعيفان عن انس وابن عباس وروى عبد الرزاق عن يحيى بن كثير ان عثمان بن عفان وحكيم بن حزام كانا يبتاعان الثمر ويجعلان فى الغرائر ثم يبيعانه بذلك الكيل فنهاهما رسول الله ﷺ ان يبيعا حتى يكيلا لمن ابتاعه منهما قال ابن همام هذا الحديث حجة لكثرة طرقه وقبول الائمة إياه فانه قد قال بقولنا هذا مالك والشافعي واحمد- (مسئله) ولا معتبر بكيل البائع قبل البيع وان كان بحضرة المشترى لانه ليس صاع البائع والمشترى وهو المشروط ولا بكيله بعد البيع بغيبة المشترى لان الكيل من باب التسليم لانه يصير به المبيع معلوما ولا تسليم الا بحضرته ولو كان البائع بعد البيع بحضرة المشترى قيل لا يكتفى به بظاهر الحديث فانه اعتبر صاعين والصحيح انه يكتفى به لان المبيع صار معلوما بكيل واحد ولتحقق معنى التسليم ومحل الحديث اجتماع الصفتين كما إذا اشترى المسلم اليه من رجل كرا وأمر رب السلم ان يقبضه فانه لا يصح إلا بصاعين لاجتماع الصفتين بشرط الكيل لشراء المسلم اليه لنفسه وقبض رب السلم.
وَالْأَرْضَ منصوب بفعل مضمرة تفسيره- وَضَعَها اى خلقها وخفضها مدحوة لِلْأَنامِ اى للخلق فى القاموس الأنام كسحاب وسباط داير الخلق او الجن والانس او جميع ما على وجه الأرض قال البيضاوي وقيل الأنام كل ذى روح قلت الظاهر ان المراد به هاهنا الجن والانس لان الخطاب معهما كما يدل عليه قوله تعالى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما فاكِهَةٌ قال ابن كيسان يعنى ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى الجملة تعليل لمضمون قوله تعالى وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ....
وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الثمر.
وَالْحَبُّ وهو ما يوكل من البذور كالحنطة والشعير وساير ما يتغذى به ذُو الْعَصْفِ وهو ورق الزرع والنبات اليابس كالتبن وَالرَّيْحانُ ج اى الرزق وهو اللب كذا قال اكثر المفسرين من قولهم خرجت اطلب ريحان الله قال ابن عباس كل ريحان فى القران فهو الرزق وقال الحسن وابن زيد وهو ريحانكم الذي يشم وهو فعلان من الروح فقلب الواو ياء وادغم ثم خفف وقيل أصله روحان قلب واوها ياء للتخفيف قرأ العامة والنخل ذات الاكمام والحب ذو العصف والريحان برفع الأسماء الثلاثة عطفا على الفاكهة وجاز ان يكون الريحان معطوفا على ذو الصف بتقدير ذو فحذف المضاف وأعرب المضاف اليه باعرابه وقرأ حمزة والكسائي والريحان بالجر عطفا على العصف وما عداه بالرفع عطفا على الفاكهة وقرأ ابن عامر والحبة والنخل ذات الاكمام والحب والعصف والريحان-
الرحمن 55:13
بنصب الثلاثة عطفا على الأرض وضعها على تقدير وخلق النخل ذات الاكمام وخلق الحب والعصف وخلق الريحان ويجوز ان يراد ذالريحان فحذف المضاف وأعرب المضاف اليه باعرابه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله تعالى الأنام وقوله ايها الثقلان وقيل خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب يخاطبون كذلك نظيره قوله تعالى القيا فى جهنم وإلقاء للسببية والاستفهام لتقرير الالاء وانكار تكذيبهما فان ذكر الالاء سبب لاقرارها وشكر منعها والرد عن تكذيبها وكذا الوعيد على الكفران والوعد سببان للاقرار والشكر روى الحاكم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قرأ علينا رسول الله - ﷺ - سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال مالى أراكم سكوتا والجن كانوا احسن منكم رد اما قرأت عليهم هذه الاية من مرة فباىّ آلاء ربكما تكذبن الا قالوا ولا بشىء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
خَلَقَ الْإِنْسانَ يعنى آدم عليه السلام مِنْ صَلْصالٍ اى طين يابس به صلصلة اى تردد صوت وقيل الصلصال السنن من الطين كَالْفَخَّارِ اى الطين المطبوخ بالنار وهو الخذف قيل الفخر المباهات بالأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه ومنه الفخار بمعنى الحراء لصوته إذا تقر كانه تصور بصورة من يكثر التفاخر به ولا اختلاف بين هذه وبين من حماء مسنون ومن طين لازب ومن تراب لاتفاقها معنى لانه تفيد انه خلقه من تراب ثم جعله طينا ثم حماء مسنونا ثم صلصال.
وَخَلَقَ الْجَانَّ اللام للجنس يعنى جنس الجن وقيل هو علم لابى الجن وقال الضحاك هو إبليس مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ج بيان لمارج وهو الصافي من لهب النار الذي لادخلن فيه وهو فى الأصل للمضطرب من مرج إذا اضطرب وقال مجاهد هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي تعلوا النار إذا وقدت من قولهم مرج امر القوم إذا اختلط الجملة خبر اخر للرحمن.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما أفاض عليكما من أطوار خلقنكما حتى صرتما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات.
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ج مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغربيهما خبر اخر للرحمن.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما فى ذلك من الفوائد لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه الى غير ذلك.
مَرَجَ اى أرسل الْبَحْرَيْنِ الملح والعذب من مرجت الدابة إذا أرسلتها خبر اخر للرحمن يَلْتَقِيانِ حال من البحرين اى يتجاوزان ويتملس سطوحهما.
بَيْنَهُما بَرْزَخٌ حاجز
الرحمن 55:21
من قدرة الله تعالى حال اخر لا يَبْغِيانِ حال اخرى اى لا يبغى أحدهما على الاخرى بالممازجة وو ابطال الخاصية وقال قتادة لا يطغيان على الناس بالغرق وقال الحسن مرج البحرين يعنى بحر الروم وبحر الهند وعن قتادة ايضا بحر الفارس وبحر الروم بينهما برزخ يعنى الجزائر وقال المجاهد والضحاك بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما فى ذلك من المنافع وظهور قدرة الله تعالى جملة معترضة وقوله تعالى.
يَخْرُجُ حال اخرى من البحرين قرأ نافع وابو عمر ويعقوب يخرج بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول من الإخراج والباقون بفتح الياء وضم الراء من المجرد مِنْهُمَا اى من البحرين العذب والملح قيل الدر انما يخرج من الملح دون العذب فقيل فى جوابه انه يخرج من مجتمع الملح والعذب وقيل لانهما لما اجتمعا صارا كالشىء الواحد فكان المخرج من أحدهما كالمخرج منهما وقيل انه جايز فى كلام العرب ان يذكر شيئين ثم يخص أحدهما بفعل كما قال الله تعالى يا معشر الجن والانس الم يأتكم رسل منكم وكان الرسل من الانس دون الجن وان كان المراد بالبحرين بحر السماء وبحر الأرض كما قال مجاهد والضحاك فالوجه انه إذا مطرت السماء فتحت الاصداف أفواهها فحيثما وقعت وقعت قطرة كانت لؤلؤ كذا قال ابن جرير اللُّؤْلُؤُ قرأ ابو بكر ويزيد بلا همزة والباقون بهمزة وهى كبار الدرر وَالْمَرْجانُ ج صغارها كذا فى القاموس وقال مقاتل ومجاهد على الضد يعنى اللؤلؤ صغار الدرر والمرجان كبارها وقيل المرجان الخزر الأحمر فهو نوع من الجواهر يشبه النبات والحجر وقال عطاء الخراسانى هو البسد.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَلَهُ تعالى الْجَوارِ السفن الكبار جمع جارية الْمُنْشَآتُ قرأ حمزة وابو بكر بخلاف عنه بكسر الشين اى اللائي ابتدأن وانشأن السير والباقون بفتح الشين اى المرفوعات اللاتي رفع خشبها بعض على بعض وقيل المنشآت المسخرات فِي الْبَحْرِ متعلق بالمنشئات وهى صفة للجوار وقوله كَالْأَعْلامِ ج صفة يعنى كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل الجملة معطوفة على مرج البحرين خبر للرحمن بتبعيتها وانما جعلها تابعة لها لكون الجواري تابعة للبحر.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ كُلُّ مَنْ عَلَيْها اى على الأرض من الحيوانات او المركبات او من كل شىء حتى الجبال والبحار والمعادن ومن للتغليب او من الثقلين فانٍ يوم القيامة او قيل ذلك متى شاء الله تعالى او فان فى حد ذاته موجود بوجود مستعار من الله تعالى.
وَيَبْقى وَجْهُ قيل هو من المتشابهات رَبِّكَ
الرحمن 55:28
ذُو الْجَلالِ
اى ذو العظمة والسلطان والاستغناء المطلق وَالْإِكْرامِ ج الفضل العام قلت العام قلت عطف بقاء وجه ربك على فناء من الأرض وتخصيص ذكر الفناء بهم يقتضى ان المراد بالوجه هاهنا الجهة حتى يحصل المناسبة والمقارنة بين المعطوف والمعطوف عليه فان قيل معنى العطف هاهنا على المقابلة بين فناء الخلق وبقاء الخالق دون المقارنة قلنا لو كان كذلك لم يفد تقييد الفناء بمن على الأرض فالمعنى كل من على الأرض من الثقلين فانه فى حد ذاته لا يعبأ به ويبقى من جهاته جهته الى ربه وتوجهه اليه فانه لا يطرء عليه فناء قال الله تعالى قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاءكم وهذه الصفة من عظيم صفات الله تعالى روى الترمذي عن انس واحمد والنسائي والحاكم بسند صحيح عن ربيعة بن عامر قال قال رسول الله - ﷺ - الظوا بيا ذالجلال والإكرام وفى الحصن الحصين انه - ﷺ - مر برجل وهو يقول يا ذالجلال والإكرام فقال عليه الصلاة والسلام قد استجيب لك فسل والا لظاظ؟؟؟ به من كريم صفات الإنسان الجملتان خبران آخران للرحمن والعائد فى الجملة الاولى محذوف وفى الثانية وضع المظهر موضع المضمر والتقدير كل من عليها فان بافنائه او بقهرمانة ويبقى وجهه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ منها توفيقه للتوجيه اليه تعالى ومنها ما ذكر من بقاء الرب وابقاء ما لا يحصى مما على صدد الفناء رحمة وفضلا ومنها ما يترتب على فناء الكل من الاعادة والحيوة الدائمة والنعيم المقيم.
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط من الملائكة والانس والجن حوايجهم من المغفرة والعافية وتوفيق العبادة والتجليات والبركات والرزق وغير ذلك وقيل المراد بمن فى السموات والأرض الموجودات كلها وأورد كلمة من تغليبا فانها كلها مفتقرة الى الله تعالى فى ذواتها وصفاتها وساير ما يهمها ويهمن لها والمراد بالسؤال ما يدل على الحاجة الى تحصيل الشيء نطقا كان او غيره كُلَّ يَوْمٍ اى وقت منصوب على الظرفية بيسأله او بمقدر دل عليه ما بعده وما قبله يعنى يعطى مسؤلهم ويحدث امور كل يوم هُوَ يعنى الله تعالى فِي شَأْنٍ ج دائما ومن شانه ان يحيى ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل آخرين ويشفى مريضا ويمرض صحيحا ويفك عانيا ويرهن فارغا ويفرج مكروها ويجيب داعيا ويعطى سائلا ويغفر ذنبا للمؤمنين ويدخل جهنم الكافرين ويعذبهم بانواع التعذيب ويدخل الجنة من خاف مقام ربه ويكرمهم بانواع التكريم اى مالا يحصى من انعامه واحداثه فى خلقه ما يشاء قال رسول الله - ﷺ - من شانه ان يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين رواه ابن ماجة وابن حبان
الرحمن 55:30
فى الصحيح من حديث ابى الدرداء واخرج ابن جرير مثله من حديث عبد الله بن منيب والبزاز مثله من حديث ابن عمر رض وروى البغوي بسنده عن ابن عباس قال ان مما خلق الله عز وجل لوحا فى درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله عز وجل كل يوم هو فى شان قال الحسين ابن الفضل هو سوق المقادير الى المواقيت قال ابو سليمان الداراني فى هذه الاية كل يوم له الى العبيد بر جديد وقال سفيان بن عيينة الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة ايام الدنيا والاخر يوم القيامة فالشان الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا الاختيار بالأمر والنهى والاحياء والاماتة والإعطاء والمنع وشان يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب وقيل شانه جل ذكره انه يخرج فى كل يوم وليلة ثلاث عساكر عسكرا من أصلاب الآباء الى أرحام الأمهات وعسكرا من الأرحام الى الدنيا وعسكرا من الدنيا الى القبور ثم يرتحلون جميعا الى الله عز وجل قال مقاتل نزلت الاية فى يهود حيث قالوا ان الله لا يفضى يوم السبت شيئا.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما يسعف سوالكما وما يخرج لكما من ممكن العدم حينا فحينا.
سَنَفْرُغُ لَكُمْ وقرأ حمزة والكسائي بالياء على الغيبة والضمير عايد الى الرب والباقون بالنون على التكلم قيل معناه سنجرد لجزائكم وذلك يوم القيامة فانه تعالى لا يفعل فيه غيره قيل انه تهديد مستعار من قولك لمن تهدده سافرغ لك فان المتجرد للشىء كان أقوى عليه وليس المراد منه الفراغ من شغل فانه تعالى لا يشغله شان عن شان كذا قال ابن عباس والضحاك وقيل معناه سنقصدكم بعد الترك والامهال وناخذ فى أمركم وقيل ان الله وعد اهل التقوى وأوعد اهل الفجور ثم قال سنفرغ لكم مما وعدناكم واخبرناكم يعنى نحاسبكم وننجز لكم ما وعدناكم فيتم ذلك ونفرغ منه والى هذا ذهب الحسن ومقاتل أَيُّهَ قرأ ابن عامر ايها بضم الهاء والباقون بفتح الهاء ووقف ابو عمرو والكسائي بالألف والباقون بغير الالف الثَّقَلانِ اى الانس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتا وقال جعفر الصادق بن محمد الباقر رض لانهما مثقلان بالذنوب وقيل لانهما مثقلان بالتكليف والمناسب لهذه المعاني لثقلين التأويلات المذكورة فى قوله تعالى سنفرغ لكم اعنى التهديد او إتمام الوعد والوعيد وإنجازهما وقال اهل المعاني كل شىء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل قال النبي - ﷺ - انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما
الرحمن 55:32
فانهما مستعدان لصعود مدارج القرب والتجليات والمناسب لهذا المعنى ان يقال فى تاويل قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ انا نخلوا بكم خلوة لا يكون يقره من يخلو به هناك مدخل عن ابى ذر عن العقيلي قال قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة قال بلى قلت وما اية ذلك فى خلقه قال يا أبا ذر أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به قال بلى قال فانما هو خلق من خلق الله والله أجل وأعظم رواه ابو داود واحسن قول الشاعر بالفارسية
جهانى مختصر خواهم كه دروى؍ همين جاى من وجاى تو باشد؍
-.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الأمر ظاهر على تاويل المتأخرين كان المراد بالفراغ التهديد ونحو ذلك فالمعنى انه فلا تكذبا بآلاء ربكما فان التكذيب يوجب التعذيب والمراد بالآلاء كل نعمة بالإنسان وان لم يكن شيئا منها مذكورا فى الاية وقيل التهديد ايضا نعمة يتزجر به المكلف وهذا تكلف.
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى ان قدرتم ان تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من الله فارين من قضائه فَانْفُذُوا فاخرجوا امر تعجيز وقيل معناه ان استطعتم ان تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا والمعنى حيثما كنتم يدرككم الموت وقيل يقال هذا يوم القيامة اخرج ابن جرير وابن مبارك عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة امر الله السماء الدنيا فتشققت باهلها فيكون الملائكة على أرجائها حين يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فصفوا صفا دون صف فينزل الملك الا على بجنته اليسرى جهنم فاذا راها اهل الأرض ندوا فلا يأتوا قطرا من أقطار الأرض الا وجدوا سبعة صفون من الملائكة فرجعوا الى المكان الذي كانوا فيه وذلك قوله تعالى إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وقوله تعالى وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ وقوله تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا وقوله تعالى وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها يعنى ما نشقق منها فبينما كذلك إذا سمعوا الصوت فاقبلوا الى الحساب لا تَنْفُذُونَ اى لا تقدرون على النفوذ والخروج إِلَّا بِسُلْطانٍ ج اى الا بقوة وقهر وانى لكم ذلك او المعنى الا بسلطان منى فانه لا قدرة لاحد الا مستفادة من الله تعالى لا حول ولا قوة الا بالله كما ان النبي - ﷺ - نفذ ببدنه ليلة المعراج من السموات السبع الى سدرة المنتهى والصوفي ينفذ من دايرة الإمكان
الرحمن 55:34
الى مدارج القرب بحول الله وقوته وقيل معناه حيثما توجهتم كنتم فى ملكى وسلطانى اى الى سلطانى كقوله قد احسن بي اى الى وروى عن ابن عباس قال معناه ان استطعتم ان تعلموا ما فى السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموا الا بسلطان اى بينة من الله عز وجل نصبها.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فان التكذيب يوجب التعذيب وأنتم لا تقدرون على الفرار منه وقيل من آلاء الله التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة ومنها ما نصب من المصاعد العقلية والمعارج الثقلية واسباب الترقيات فينفذون لها الى ما فوق السموات قال البغوي وفى الخبر يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا الاية فذلك قوله عز وجل.
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ يعنى حين بعثتم من القبور قرأ ابن كثير بكسر الشين والباقون بضمها وهما لغتان وهو اللهب الذي لا دخان فيه كذا قال اكثر المفسرين وقال مجاهد هو اللهب الأخضر المنقطع من النار مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ قرأ ابن كثير وابو عمرو بالجر عطفا على النار والباقون بالرفع عطفا على شواظ قال سعيد بن جبير والكلبي والنحاس الدخان وهو رواية عن ابن عباس فمعنى الرفع يرسل شواظ تارة ونحاس اخرى ويجوز ان يرسلا معا من غير ان يمتزج أحدهما الاخرى عن ابن جرير يرسل شواظ من نار وشىء من نحاس وجاز ان يكون نحاس فى محل الرفع مجرورا للجوار حكى؟؟؟ ان الشواظ لا يكون الا من النار والدخان جميعا وقال المجاهد وقتادة النحاس هو الصفر المذاب يصب على رؤسهم وهو رواية العوفى عن ابن عباس وقال ابن مسعود النحاس المهل فَلا تَنْتَصِرانِ اى لا تمنعان من الله فلا يكون لكم منه تعالى ناصر حين يسوقكم الى المعشر.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فان التكذيب يوجب التعذيب وقيل من الالاء التهديد على موجبات العذاب فيجتنب منها والتميز بين المطيع والعاصي بالجزاء.
فَإِذَا انْشَقَّتِ اى انفرجت السَّماءُ فصارت أبوابا لنزول الملائكة الفاء تدل على ان إرسال شواظ من نار يكون قبل انشقاق السماء فهذا الانشقاق ليس للافناء بل لنزول الملائكة بعد البعث من القبور كما ذكرنا فى حديث الضحاك فَكانَتْ عطف على انشقت يعنى كانت السماء حينئذ وَرْدَةً اى كلون الورد الأحمر وقيل كلون الفرس الورد وهو بين الكميت والأشقر كذا فى القاموس وقال البغوي هو الأبيض الذي يضرب الحمرة او الصفرة قال قتادة السماء اليوم خضر او يكون لها يومئذ لون اخر الى الحمرة قيل انها تتلون الوانا يومئذ كلون الفرس الورد يكون فى الربيع اصفر وفى أول الشتاء احمر
الرحمن 55:38
فاذا اشتد الشتاء كان اغبر فشبه السماء فى تلونها انشقاقها بهذا الفرس فى تلونه اخرج البيهقي عن ابن مسعود قال السماء تكون الوانا تكون كالمهل وتكون وردة كالدهان وتكون واهية وتشقق فيكون حالا بعد حال كَالدِّهانِ جمع دهن صفة وردة شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل وشبه الورد فى اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه كذا قال الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع وقال عطاء بن ابى رباح كالدهان كعصر الزيت يتلون فى الساعة الوانا وقال مقاتل كدهن الورد الصافي وقال ابن جريج يطير السماء كدهن الزيت وذلك حين يصيبها حرجهنم وقال الكلبي كالدهان كالادم الأحمر وجمعه ادهنته ودهن وجاز ان يكون خبرا بعد خبر لكانت يغنى كانت السماء متلونة كلون الورد الأحمر وكلون الفرس الورد وكانت مذابة كالدهن وهو اسم لما يدهن به وجواب الشرط محذوف المعنى فما أعظم الهول وجاز ان يكون قوله تعالى.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ معترضة بين الشرط والجزاء والجزاء قوله تعالى.
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ الضمير راجع الى قوله إِنْسٌ وَلا جَانٌّ لتقدمهم رتبة يعنى لا يسالون هل عملتم كذا حتى يدخلهم جهنم بعد السؤال لان الله تعالى اعلم بهم منهم والكرام الكاتبون من الملائكة كتبوا عملهم والملائكة العذاب يعرفونهم بسيماهم كما سيجيئ فيما بعد وهذا لا ينافى سوالهم لم عملتم كذا بعد ما نهتكم يدل عليه قوله تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ كذا قال مجاهد عن ابن عباس ونحو ذلك قال الحسن وقتادة وهو المعنى لما روى عن ابن عباس فى الجمع بين الآيتين حيث قال انه لا يسالون سوال شفعة ورحمة وانما يسالون سوال تقريع وتوبيخ وعن عكرمة عن ابن عباس فى الجمع بين الآيتين ان فى القيامة مواطن يسالون فى بعضها ولا يسالون فى بعضها وقال ابو العالية معناه لا يسال غير المجرم عن ذنب المجرم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ جملة مستانفة كانها فى جواب سائل يقول إذا لا يسئل عن ذنبه انس ولا جان فيم يعرف ملائكة العذاب المجرمين فقال يعرفهم بسيماهم وهى سواد الوجوه وزرقة العيون قال الله تعالى يوم تيبض وجوه وتسود وجوه اخرج المختفى؟؟؟ فى الديباج عن ابن عباس مرفوعا أخبرني جبرئيل ان لا اله الا الله انس للمسلم عند موته وفى قبره وحين يخرج من قبره يا محمد لو تراهم حين يقومون من قبورهم هم ينقضون رؤسهم هذا يقول لا اله الا الله والحمد لله فتبيض وجهه وهذا ينادى يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله مسودة فى وجوههم وروى ابو يعلى عن ابن عباس فى قوله تعالى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا الاية قال
الرحمن 55:42
يعرف يوم القيامة بذلك لا تستطيعون القيام الا كما يقوم المتخبط واخرج ابن ابى شيبة وابن ابى حاتم وابو يعلى عن ابى هريرة مرفوعا يبعث الله تعالى يوم القيامة قوما من قبورهم تأجج أفواههم نارا فقيل من هم يا رسول الله قال قال الله تعالى الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما يأكلون فى بطونهم نارا واخرج البزاز عن ابى هريرة ونحوه عن جابر يحشر المتكبرون يوم القيامة فى صورة الذرو فى الباب أحاديث كثيرة واخرج الاربعة والحاكم عن ابن مسعود مرفوعا من سال وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفى وجهه كلاوح؟؟؟ وخناوش؟؟؟ وفى الصحيحين نحوه واخرج ابن ماجة عن ابى هريرة مرفوعا من أعان على قتل مومن بشطر كلمة لفى الله مكتوبا بين عينيه ايس من رحمة الله وروى ابو نعيم عن عمرو البيهقي عن ابنه نحوه واخرج ابن خزيمة وابن حبان وابن عمر يبعث ملقى النخامة فى القبلة يوم القيامة وهو فى وجهه واخرج الطبراني فى الأوسط عن سعد بن وقاص مرفوعا ذو الوجهين فى الدنيا يأتي يوم القيامة وله وجهان من نار والطبراني وابن ابى الدنيا عن انس مرفوعا من كان ذا اللسانين جعل الله يوم القيامة له لسانين من نار والاربعة والحاكم وابن الحبان عن ابى هريرة مرفوعا من كان عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل وفى لفظ ساقط وحديث يحشر أمتي عشرة أفواج صف على صورة القردة الحديث ذكرناه فى تفسير قوله تعالى فتاتون أفواجا فى سورة عم يتساءلون وورد فى الأحاديث الصحاح يحشر الناس حاملين على أعناقهم ما أخذوه بغير حق وفى الصحيحين مرفوعا فى الغلول يجىء يوم القيامة وعلى رقبته بعير الحديث فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ اخرج البيهقي عن ابن عباس هذه الاية قال يجمع بين راسه ورجله ثم يقصف كما يقصف الحطب واخرج هناد عن الضحاك فى الاية قال يجمع بين ناصيته وقدميه فى سلسلة من وراء ظهره.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فان التكذيب بآلاء يفضى الى ما ذكر من التعذيب.
هذِهِ جَهَنَّمُ مبتداء وخبره الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ اى المشركون يكذبونها فى الدنيا الموصول مع الصلة صفة لجهنم والجملة مقولة ليقال المقدر وجملة يقال اما مستانفة او حال بمعنى انه يوخذ نواصيهم وأقدامهم فى حال يقال لهم هذه جهنم التي كنتم تكذبونها-.
يَطُوفُونَ اى المجرمون بَيْنَها اى جهنم يحرقون فيها وَبَيْنَ حَمِيمٍ ماء حار آنٍ بالغ الى النهاية فى الحرارة يعنى يسعون بين الحميم والجحيم اخرج الترمذي والبيهقي عن ابى الدرداء مرفوعا يلقى على اهل النار الجوع فيستغيثون بالطعام فيتغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع ويغاثون بطعام ذى غصة فيذكرون انهم كانوا يخيرون الغصص فى الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب
الرحمن 55:45
فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فاذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فاذا دخلت فى بطونهم الحديث وروى احمد والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابى سعيد الخدري مرفوعا فى قوله تعالى وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ قال تعسكر؟؟؟ الزيت فاذا قرب اليه سقطت فروة وجهه فيه الحديث وقال كعب الأحبار ان واد من اودية جهنم يجتمع فيه صديد اهل النار فينطلق به فى الاغلال فيغمسون فى ذلك الوادي حتى يتخلع او صالهم ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا فيلقون فى النار فذلك قوله تعالى ليطوفون بينها وبين حميم ان.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فان التكذيب بآلاء الله يوجب التعذيب قيل من قوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ الى هاهنا مواعظ ومزاجر وتخويف وكل ذلك نعمة من الله لانها يزجر من المعاصي والظاهر ان هذا القول تكلف والمراد بالآلاء كل نعمة لواحد منهم من الإيجاد والإبقاء والترزيق والهداية ونحو ذلك أورد الله سبحانه التوبيخ بهذه الاية فى هذه السورة احدى وثلثين مرة ثمانى مرة بعد ذكر عجائب الخلقة وبدائع الصنعة على عدد الصفات الثمانية الحقيقية لله تعالى الى قوله كل يوم هو فى شان وتنبيها على انه لا ينبغى تكذيب آلاء من هذا شانه فى الخلق والقدرة وسبع مرات عدد أبواب جهنم بعد ذكر الوعيدات من قوله سنفرغ لكم الى قوله يطوفون بينها وبين حميم ان تنبيها على انه لا ينبغى كفران آلاء قادر فتقم كذلك خوفا من انتقامه وثمانى مرات بعد ذكر نعيم الجنة عدد أبواب الجنة وكذلك ثمان اخر بعد ذكر جنته اخرى تنبيها على انه لا ينبغى كفران آلاء قادر منعم كذلك طمعا فى انعامه والله تعالى اعلم اخرج ابن ابى حاتم وابو الشيخ فى كتاب العظمة عن عطاء ان أبا بكر الصديق رض فكر ذات يوم فى القيامة والموازين والجنة والنار فقال وددت انى كنت خضرا من هذه الخضر يأتي على بهيمة تأكلني وانى لم اخلق فنزلت.
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الاية واخرج ابن ابى حاتم عن ابن سوذب قال نزلت هذه الاية فى ابى بكر الصديق والمقام اما ظرف والمعنى خاف الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب او موقف القائم عند ربه للحساب وقال قتادة ان المؤمنين خافوا ذلك المقام تعملوا لله ودانوا بالليل والنهار او مصدر ميمى والمعنى خاف قيام ربه على أحواله من قام عليه إذا راقبه كما فى قوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت او قيامه عند ربه للحساب فالاضافة الى الرب للتفخيم والتهويل وقيل لفظ المقام مقحم والمعنى لمن خاف ربه جنتان مبتدا خبره لمن خاف او فاعل للظرف والجملة الظرفية معطوفة على قوله يرسل عليكما شواظ من نار فانها مع ما يليها بيان الجزاء للشرار وهذه مع ما بعدها بيان الجزاء للخيار وكلتاهما
الرحمن 55:47
بيان لقوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ الذي هو خبر للرحمن قال الضحاك هذا يعنى الانعام بالجنتين لمن راقب الله فى السر والعلانية بعلمه ما عرض له من محرم تركه من خشية الله تعالى وما عمل من خير افضى به الى الله تعالى لا يحب ان يطلع عليه أحد والاية تحتمل المعنيين أحدهما وهو الظاهران لمجموعهم جنتان قال مقاتل جنته عدن وجنة نعيم وقيل جنة للخائفين من الانس وجنة للخائفين من الجن فان الخطاب للفريقين وثانيهما ان لكل واحد من الخائفين جنتان قال محمد بن على الترمذي جنة لخوفه ربه وجنة لتركه شهوته وقيل جنة بعقيدته واخرى لعمله او جنة يثاب بها واخرى يتفضل بها عليه وهذا التأويل مستبعد جد ويلزم منه ان يكون عدد الجنات على ضعف عدد الخائفين بل على ضعف ضعفهم لان قوله تعالى ومن دونهما جنتان معطوف على هذه الجملة فيكون لكل واحد ممن خاف مقام ربه اربع جنات وقد ورد فى الأحاديث ان الجنات كلها اربعة عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله - ﷺ - جنتان من فضة آنيتها وما فيها وجنتان من ذهب آنيتها وما فيها وما بين القوم وان ينظروا الى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن رواه الشيخان فى الصحيحين ورواه البغوي عن عبد الله بن قيس عن النبي - ﷺ - وروى احمد والطيالسي والبيهقي عن ابى موسى مرفوعا بلفظ جنات الفردوس اربع جنات من ذهب حليهما وآنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة حليهما وآنيتهما وما فيهما وما بينهم ان ينظروا ربهم الحديث نحوه روى البغوي بسنده عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - من خاف ادلج ومن ادلج بلغ الا ان سلعة الله غالية الا ان سلعة الله الجنة ورد ايضا بسنده عن ابى الدرداء انه سمع رسول الله - ﷺ - يقول ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال رسول الله - ﷺ - ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت الثالثة وان زنى وان سرق يا رسول الله قال وان رغم انف ابى الدرداء.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
ذَواتا واصله ذو وللمذكر وذات أصله ذوات للمؤنث وتثنته ذواتا على الأصل ويقال فى الجمع ايضا ذوات تخفيفا ولا يستعمل شيئا منها الا مضافا فانها وضعت ليتوصل بها الى الوصف بأسماء أجناس وهاهنا صفة للجنتان أَفْنانٍ جمع فنن وهى الغصنة التي يتشعب من فروع الشجر وتخصيصها بالذكر لانها تورق وتثمر وتمد الظل وهو قول مجاهد والكلبي وقال عكرمة ظل الاغصان على الحيطان قال الحسن ذواتا ظلال او جمع فن والمراد به ألوان الفواكه وانواع الأشجار والثمار من قولهم افنن فلان فى حديثه إذا أخذ فى فنون منه وضروب وهو قول سعيد بن جبير والضحاك والمروي عن ابن عباس.
فَبِأَيِّ
الرحمن 55:51
آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ
حيث شاؤا الى الا عالى والأسافل والجملة صفة لجنتان يعنى فى كل واحدة من الجنة عين يعنى شىء من هذا الجنس لا ان فى كل واحدة منهما او فى مجموعهما عينان فحسب لا مزيد عليهما وكيف قد قال الله تعالى فيها انهار من ماء غير أسن وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين وانهار من عسل مصفى فلا بد ان يكون من كل نوع من الأنواع الاربعة أنهارا كثيرة وذكر البغوي عن الحسن قال قال رسول الله - ﷺ - اربع عيون فى الجنة عينان تجريان من تحت العرش التي ذكرها الله تعالى يفجرونها تفجيرا والاخرى الزنجبيل والأخريان نضاختان من فوق إحداهما التي ذكر سلسبيلا والاخرى التسنيم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ صنفان غريب ومعروف وقيل رطب ويابس والجملة صفة اخرى لجنتان قال البغوي قال ابن عباس ما فى الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة الا وهى فى الجنة حتى الحنظل الا انه حلو كذا اخرج ابن ابى حاتم وابن المنذر عنه واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم فى مسنده وهناد فى الزهد والبيهقي عن ابن عباس قال ليس فى الدنيا مما فى الجنة الا الأسماء.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ منصوب على المدح لمن خاف او حال منه لان فى معنى الجمع بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ط صفة لفرش والإستبرق ما غلظ من الديباج اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي عن ابن مسعود قال أخبرتم بالبطائن فيكف بالظواهر وذكر البغوي نحوه عنه وعن ابى هريرة واخرج ابو نعيم عن سعيد بن جبير قال ظواهرها من نور جامد وذكر البغوي انه قيل لسعيد بن جبير البطائن من إستبرق فما لظواهر قال هذا كما قال الله عز وجل فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين وذكر البغوي عن ابن عباس قال وصف البطائن وترك الظواهر لانه ليس فى الأرض أحد يعرف ما الظواهر وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ حال من الضمير المستتر فى لمن خاف اسم بمعنى مجنى وهو ما يجتنى من الثمار يعنى ثمارها دانية لا يصعب تناولها واخرج سعيد بن المنصور والبيهقي وهناد عن البراء بن عازب فى قوله تعالى وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا قال ان اهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا او مضطجعين على اى حال شاؤا وذكر البغوي عن ابن عباس قال تدنو الشجرة حتى يجتنبها ولى الله إنشاء قائما وان شاء قاعدا وذكر عن قتادة انه قال لا ترد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِنَّ اى فى أماكن الجنة وقصورها التي دلت عليها الجنتان او فى هذه الالاء المعدودة
الرحمن 55:57
من الجنتين والعينين والفواكه والفرش قاصِراتُ الطَّرْفِ اى نساء قصرت أبصارهن على أزواجهن كذا اخرج البيهقي عن مجاهد لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ اى لم يجامع الا نسيان انس ولا الجنيات جن واصل الطمث الدم ومنه يقال للحيض اخرج ابن ابى حاتم والبيهقي من طرق ابن ابى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ قال لم يدمهن يعنى بالجماع جملة لم يطمثهن حال من قاصرات الطرف وهو فاعل للظرف المستقر والجملة الظرفية صفة للجنتان وقال الزجاج وغيره فيه دليل على ان الجن يتغشى كما يتغشى الانس وقال مجاهد إذا جامع الرجل فلم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه قال مقاتل فى قوله تعالى لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان لانهن خلقن فى الجنة فعلى قوله هؤلاء... من حور الجنة واخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي قال هن نساء اهل الدنيا خلقهن الله فى الخلق الاخرى كما قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لم يطمثهن حين عدن فى الخلق الاخر انس قبلهم ولا جان وذكر البغوي قول الكلبي نحوه قرأ ابو عمرو عن الكسائي لم يطمثهن بضم الميم وابو الحارث عنه فى الثاني كذلك قال الداني هذه قراءتى والذي نص عليه ابو الحارث كرواية الدوري وقال البغوي قرأ الكسائي إحداهما بالضم فان كسر الاولى ضم الثانية وو ان ضم الاولى كسر الثانية لما روى ابو اسحق السبيعي قال كنت أصلي خلف اصحاب على رض...
فاسمعهم يقرؤن لم يطمثهن بالرفع يعنى بالضم وكنت أصلي خلف اصحاب عبد الله بن مسعود فاسمعهم يقرؤن بكسر الميم فكان الكسائي يضم إحداهما ويكسر الاخرى لئلا يخرج عن هذين الأثرين وقرأ الجمهور بكسر الميم.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ قال مرادف للجملة السابقة اخرج البيهقي عن ابى صالح والسدى فى هذه الاية قال بياض اللؤلؤ وصفاء الياقوت والمرجان قال صفاء لهن كصفاء الدر فى الاصداف والذي لا تمسه الأيدي وذكر البغوي عن قتادة قال صفاء الياقوت فى بياض المرجان عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - أول زمرة يلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يتفلون فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون وفى رواية لا يسقمون آنيتهم وامشالمهم من الذهب والفضة ومجامرهم من الالوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن ولا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا متفق عليه واخرج الترمذي وصححه
الرحمن 55:59
هو والبيهقي عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ - أول زمرة تدخل الجنة كالقمر ليلة البدر والزمرة الثانية كاحسن كوكب درى فى السماء لكل امرأ منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقهن من وراء الحلل واخرج الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود قال ان المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة كما يرى الشراب الأحمر فى الزجاجة البيضاء وذكر البغوي نحوه عن عمر بن ميمون واخرج احمد وابن حيان والبيهقي عن ابى سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - كانهن الياقوت والمرجان قال ينظر الى وجهها فى خدرها أصفى من المرآة ولان ادنى لؤلؤ عليها لتضىء ما بين المشرق والمغرب وانه يكون عليها سبعون ثوبا ينقدها بصرة فيرى مخ ساقها من وراء ذلك وروى البغوي بسنده عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - ان المرأة من اهل الجنة ليرى ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ومخها ان الله يقول كانهن الياقوت والمرجان فاما الياقوت فانه حجر لو دخلت فيه سلكا ثم ستصفيته لرايته من ورائه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ فى العمل فى الدنيا إِلَّا الْإِحْسانُ فى الثواب فى الاخرة روى البغوي بسنده عن انس قال قرأ رسول الله - ﷺ - هل جزاء الإحسان الا الإحسان ثم قال هل تدرون ما قال ربكم قالوا الله ورسوله اعلم قال عليه السلام يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد الا الجنة وقال ابن عباس هل جزاء من قال لا اله الا الله وعمل بما جاء به محمد - ﷺ - الا الجنة.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَمِنْ دُونِهِما اى الجنتين المذكورين جَنَّتانِ عطف على جنتان وقوله تعالى لمن خاف مقام ربه جنتان عطف المفرد على المفرد ومن دونهما حال مقدم عليه والمعنى لمن خاف مقام ربه اربع جنات ولم يفعل هكذا ليدل على ان كون الأولين أفضل من الأخريين وجاز ان يكون من دونهما جنتان جملة معطوفة على جملة تقديره ومن دونهما جنتان لاربابهما قال ابن عباس من دونهما فى الدرج وقال ابن زيد من دونهما فى الفضل قال ابو موسى جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين رواه الحاكم والبيهقي عنه واخرج البيهقي عن ابى موسى عن النبي - ﷺ - قال جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من ورق لاصحاب اليمين كذا ذكر البغوي قول ابن جريج واخرج البيهقي عن ابن عباس قال كان عرش الله تعالى على الماء ثم اتخذ لنفسه جنة ثم اتخذ فيها اخرى ثم اطبقها بلؤلؤ واحدة قال ومن دونهما جنتان قال البغوي وقال الكسائي من دونهما اى امامهما وقبلهما يدل عليه
الرحمن 55:63
قول الضحاك الجنتان من ذهب والأخريان من ياقوت.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
مُدْهامَّتانِ اى خضرا وان تضربان الى السواد من شدة الخضرة فيه اشعار بان الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على الأرض وعلى الأولين الأشجار والفواكه دلالة على ما بينهما من التفاوت.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ اى فوارتان بالماء وهو ايضا اقل مما وصف به الأولين لانه ذكر هناك تجريان يعنى من فوق من العرش وهاهنا نضاختان من تحت اخرج ابن ابى حاتم عن البراء بن عازب قال عينان تجريان هما خير من نضاختان.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ قال بعضهم ليس النخل والرمان من الفاكهة فان العطف يدل على المغايرة والفاكهة ما يقصد منها التفكه لا غير وثمرة النخل غذاء وثمر الرمان دواع ولهذا قال ابو حنيفة من حلف لا يأكل فاكهة فاكل رطبا او رمانا لا يحنث وقال أكثرهم هما من الفاكهة وانما عطف تخصيصها بعد تعميم لمزيد فضلها كما عطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال نخل الجنة جذوعها زمرد اخضر ورقها ذهب احمر سعفها كسوة لاهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال او الدلاء أشد بياضا من اللبن واحلى من العسل وألين من الزبد ليس له عجم واخرج ابن ابى الدنيا عن ابن عباس قال ان التمر من ثمر الجنة طولها اثنى عشر ذراعا ليس لها عجم واخرج ايضا عنه قال الرمانة من رمان الجنة يجتمع حولها بشر كثير يأكلون منها فاذا جرى على ذكر أحدهم شىء يريده وجده فى موضع يره حيث يأكل واخرج ابن ابى حاتم عن ابى سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال نظرت الجنة فاذا الرمانة من رمانها مثل البعير المقتب.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ج اى خيرات بالتشديد فخففت لان خير الذي بمعنى أخير لا يجمع والجملة صفة اخرى لجنتان اى فى أماكنها وقصورها قال البغوي روى الحسن عن أبيه عن أم سلمة قال قلت يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى خيرات حسان قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه رواه الطبراني واخرج ابن المبارك عن الأوزاعي قال خيرات بذيات اللسان ولا يعزن ولا يوذين.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
حُورٌ وحوراء بالتحريك ان تشتد بياض العين وسواد سوادها وتشتد سود حدقتها و وبرق جفونها ويبيض ما حولها الا شدة بياضها وسوادها فى شدة بياض الجسد او اسود او العين كلها مثل الظباء ولا يكون فى بنى آدم بل يستعار لها كذا فى القاموس اخرج البيهقي عن أم سلمة قال قلت يا رسول الله أخبرني من قول الله تعالى حور عين قال بياض اضخام شعر العين بمنزلة الحوراء جناح النسر واخرج ابن ابى الدنيا عن ابن عمر قال لشفرات من حور العين أطول من جناح النسر واخرج الطبراني عن ابى امامة قال قال رسول الله - ﷺ - خلق الحور العين من الزعفران واخرج البيهقي مثله عن انس مرفوعا وعن ابن عباس ومجاهد موقوفا واخرج ابن المبارك عن زيد بن اسلم قال ان الله تبارك تعالى لا يخلق الحور العين من تراب انما خلقهن من مسك وكافور وزعفران واخرج ابن ابى الدنيا عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - لو ان حورا بزقت فى بحر لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها واخرج عن ابن عباس قال ان امرأة من نساء اهل الجنة لو بصقت فى سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر كلها احلى من العسل وعن انس عن النبي - ﷺ - لقاب قوس أحدكم فى الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو ان امراة من نساء الجنة اطلعت الى الأرض لاضاءت ما بينها ولملات ما بينها ريحا ولنصيفها على راسها خير من الدنيا وما فيها رواه البخاري واخرج ابن ابى الدنيا عن كعب لو ان يدا؟؟؟ من الحور دليت من السماء لاضاءت بها الأرض كما يضىء الشمس لاهل الدنيا مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ج يعنى محبوسات مستورات فى الحجال قال البغوي قصرن طرفهن وانفسهن على أزواجهن فلا تبغين بهم بدلا وروى البيهقي عن مجاهد فى هذه الاية قال محبوسات لا يبرحنه والخيمة لؤلؤة وقضة واخرج البيهقي عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - لما اسرى بي دخلت الجنة موضعا يسمى البيدح عليه خيام اللؤلؤ والزبرجد الأصفر والياقوت الأحمر فقلن السلام عليك يا رسول الله قلت يا جبرئيل ما هذا النداء قال هؤلاء المقصورات فى الخيام استاذن ربهن فى السلام عليك فاذن لهن فطفقن يقلن نحن الراضيات فلا نسخط ابدا ونحن الخالدات فلا نظعن ابدا وقرأ رسول الله - ﷺ - حور مقصورات فى الخيام والخيام جمع خيمة روى البغوي بسنده عن عبد الله بن قيس ان رسول الله - ﷺ - قال ان فى الجنة خيمة من لؤلؤ مجوفه عرضها ستون ميلا فى كل زاوية منها اهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون وفى الصحيحين نحوه عن ابى موسى الأشعري مرفوعا واخرج ابن ابى الدنيا والبيهقي عن ابن عباس قال الخيمة درة مجوفة فرسخ فى فرسخ لها اربعة آلاف مضارع من ذهب واخرج ابن جرير
الرحمن 55:73
وابن ابى حاتم عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - الخيام درة مجوفة واخرج مثله عن عمر موقوفا وابن جرير مثله عن ابى مجلز مرسلا وقال ابن ابى حاتم عن ابى الدرداء قال الخيمة لؤلؤة فيها سبعون بابا من در واخرج هناد عن عمر بن ميمون قال الخيمة در مجوفة ومثله عن مجاهد وابن احوص واخرج ابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا عن ابن مسور لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة ولكل خيمة اربعة أبواب ندخل عليه كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم يكن قبل ذلك لا مرحات ولا طمحات ولا بخرات ولا دفرات حور عين كانهن بيض مكنون.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ يعنى قبل اصحاب الجنتين دل عليهم ذكر الجنتين وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (فائدة) نساء الدنيا خير من الحور العين لحديث اخرج البيهقي عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم حور العين قال نساء الدنيا أفضل من حور العين كفضل الظهارة على البطانة قلت وبم ذلك قال بصلوتهن وصيامهن البس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وامشاطهن الذهب يقلن الا نحن الخالدات فلا نموت ابدا الا نحن الناعمات فلا نبأس ابدا الا نحن المقيمات فلا نطقن ابدا ونحن الراضيات فلا نسخط ابدا طوبى لمن كنا له وكان لنا قلت يا رسول الله المرأة تزوج الزوجين والثلاثة والاربعة فى الدنيا ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها منهم قال انها تخير فتختار أحسنهم خلقا فى دار الدنيا فزوجته إياه فقالت أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والاخرة واخرج هناد عن حيان بن جبلة قال ان نساء اهل الجنة إذا دخلن الجنة فضلن على الحور العين بأعمالهم فى الدنيا-.
مُتَّكِئِينَ حال من قوله ولمن خاف مقام ربه والمعنى لمن خاف مقام ربه جنتان كذا حال كونهم متكئين فيها على كذا لهم من دون هاتين الجنتين جنتان أخريان كذا حال كونهم متكئين على كذا او حال من أربابهما المقدر يعنى حال كون أربابهما متكئين عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ فى القاموس الرفرف ثياب خضر يتخذ منها المجالس وبسط وفضول المجالس الفرش والوسادة وفى الصحاح ضرب من الثياب شبه بالرياض وقيل طرف الفسطاط والخباء الواقع على الأرض دون الاطناب والأوتاد واخرج البيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى رفرف خضر قال المجالس واخرج هناد والبيهقي عن سعيد بن جبير قال رياض الجنة قال البغوي قيل الرفرف البسط وهو قول الحسن
الرحمن 55:77
ومقاتل والقرطبي روى العوفى عن ابن عباس قال الرفرف فضول المجالس والبسط وقال قتادة هو مجالس خضر فوق الفرش وقال ابن كيسان هى المرافق وقال ابن عيينة الزرابي وقال غيره كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ج عطف على خضر فى القاموس عبقر موضع كثير الجن وثيابها غاية الحسن ولا والعبقري الكامل من كل شىء والسيد والذي ليس فوقه شىء والشديد وضرب من البسط وقال البيضاوي منسوب الى عبقر يزعم العرب انه اسم بلد الجن فينسيون اليه كل شىء عجيب والمراد به الجنس ولذلك جمع حسان حملا على المعنى وكذا ذكر فى الصحاح واخرج البيهقي عن ابن عباس عبقرى حسان قال الزرابي قال القتيبي كل ثوب موشى عند العرب عبقرى وقال ابو عبيدة هو منسوب الى الأرض يعمل بها الوشي قال الخليل كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب عبقرى ومنه قول النبي ﷺ فى عمر رض فلم ار عبقر يا يفرى فريه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ قرأ ابن عامر ذو الجلال بالواو اجراء على الاسم والباقون بالياء والمعنى انه تعالى اسمه من حيث انه مطلق على ذاته فما ظنك بذاته وقيل الاسم بمعنى الصفة او مقحم روى البغوي بسنده عن عائشة قالت كان رسول الله - ﷺ - إذا اسلم من الصلاة لم يقعد الا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تبارك يا ذى الجلال والإكرام وروى مسلم ايضا.