Lafzullah

التفسير المظهري — الواقعة 56:1 – الجمعة 62:11

المؤلف / المصدر: القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225هـ) — تحقيق: غلام نبي تونسي · مكتبة الرشدية - الباكستان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-284)

المحتويات
  1. الواقعة 56:1
  2. الواقعة 56:9
  3. الواقعة 56:11
  4. الواقعة 56:15
  5. الواقعة 56:20
  6. الواقعة 56:23
  7. الواقعة 56:28
  8. الواقعة 56:31
  9. الواقعة 56:36
  10. الواقعة 56:38
  11. الواقعة 56:41
  12. الواقعة 56:53
  13. الواقعة 56:60
  14. الواقعة 56:66
  15. الواقعة 56:74
  16. الواقعة 56:76
  17. الواقعة 56:80
  18. الواقعة 56:83
  19. الواقعة 56:87
  20. الواقعة 56:93
  21. الحديد 57:1
  22. الحديد 57:4
  23. الحديد 57:8
  24. الحديد 57:9
  25. الحديد 57:11
  26. الحديد 57:14
  27. الحديد 57:16
  28. الحديد 57:17
  29. الحديد 57:20
  30. الحديد 57:21
  31. الحديد 57:22
  32. الحديد 57:25
  33. الحديد 57:27
  34. الحديد 57:28
  35. الحديد 57:29
  36. المجادلة 58:1
  37. المجادلة 58:2
  38. المجادلة 58:3
  39. المجادلة 58:5
  40. المجادلة 58:6
  41. المجادلة 58:8
  42. المجادلة 58:10
  43. المجادلة 58:12
  44. المجادلة 58:13
  45. المجادلة 58:15
  46. المجادلة 58:20
  47. الحشر 59:1
  48. الحشر 59:3
  49. الحشر 59:6
  50. الحشر 59:7
  51. الحشر 59:8
  52. الحشر 59:9
  53. الحشر 59:10
  54. الحشر 59:11
  55. الحشر 59:15
  56. الحشر 59:16
  57. الحشر 59:17
  58. الحشر 59:22
  59. الممتحنة 60:1
  60. الممتحنة 60:3
  61. الممتحنة 60:5
  62. الممتحنة 60:8
  63. الممتحنة 60:10
  64. الممتحنة 60:11
  65. الممتحنة 60:12
  66. الممتحنة 60:13
  67. الصف 61:1
  68. الصف 61:6
  69. الصف 61:8
  70. الصف 61:12
  71. الصف 61:14
  72. الجمعة 62:1
  73. الجمعة 62:4
  74. الجمعة 62:6
  75. الجمعة 62:10
  76. الجمعة 62:11

الواقعة 56:1

سورة الواقعة مكيّة وهى ست وتسعون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ يعنى إذا حدثت القيامة سماها واقعة لتحقق وقوعها متعلق بمحذوف مثل اذكر او كان كيت وكيت. لَيْسَ لِوَقْعَتِها اللام فيه للتوقيت كما فى قوله تعالى قدمت لحيوتى يعنى ليس وقت وقوعها كاذِبَةٌ من نفس كاذبة تكذب على الله او تكذب فى نفيها كما تكذب الان وجاز ان يكون اللام للاجل اى ليس لاجل وقعتها نفس كاذبة فان من اخبر عنها صدق او ليس لها نفس تحدث صاحبها باطاقة شدتها واحتمالها من قولهم كذبت فلانا نفسه فى الخطب العظيم إذا اشجعته عليه وسولت انه يطيقه وجاز ان يكون كاذبة مصدرا كالعافية والنازلة واللاغية قال الله تعالى لا يسمع فيها لاغية اى لغوا والمعنى ليس لمجيئها كذب يعنى انها تقع صدقا وحقا. خافِضَةٌ لاعداء الله الذين استكبروا فى الدنيا وعتوا عتوّا كبيرا رافِعَةٌ لاولياءه الذين تواضعوا لله والاسناد مجازى الى الزمان يعنى يوجد فيها خفض أقوام ورفع آخرين صفتان للواقعة بعد توصيفها لجملة ليس لوقعتها كاذبة على طريقه ولقد امر على اللئيم يسبنى. إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا اى حركت تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل والظرف متعلق بخافضة او بدل من إذا وقعت. وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا اى سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها كذا قال الكلبي والحسن وابن كيسان او المعنى فتت فتا حتى صارت كالسويق المبسوس وهو الملتوت كذا قال عطاء ومقاتل. فَكانَتْ الجبال هَباءً اى غبارا يرى فى شعاع إذا دخل الكوة مُنْبَثًّا متفرقا. وَكُنْتُمْ يا امة محمد - ﷺ - لان الخطاب معهم أَزْواجاً أصنافا كل صنف يكون او يذكر مع صنف اخر زوج ثَلاثَةً ط الجمل الثلث معطوف على رجت ثم فسر الأصناف الثلاثة فقال. فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مبتداء يعنى الذين يوخذ بهم ذات اليمين الى الجنة وقال ابن عباس هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وقال الله لهم هؤلاء فى الجنة ولا أبالي وقال الضحاك هم الذين يعطون كتبهم بايمانهم فالميمنة على هذه الأقوال من اليمين ضد اليسار وقال الربيع والحسن هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم وكانت أعمارهم فى طاعة الله

الواقعة 56:9

فاليمين على هذا من اليمن ضد الشوم ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ط استفهام للتعجب من عظمة شانهم عند الله وكمال يمنهم مبتداء وخبر والجملة خبر لما قبلة العائد المظهر موضع الضمير يعنى ما هم. وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ يعنى اصحب الشمال والعرب يسمى اليد اليسرى الشؤمي ومنه يسمى الشام واليمن لان اليمن عن يمين الكعبة والشام عن يساره وهم الذين يوخذ بهم ذات الشمال الى النار او كانوا على شمال آدم عند إخراج ذرية وقال الله تعالى لهم هولاء للنار ولا أبالي او الذين يعطون كتبهم بشمائلها او الشائم على أنفسهم وكانت أعمارهم فى المعاصي على اختلاف الأقوال ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ط نحو ما ذكر. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ الى الإسلام والطاعة ومراتب القرب الى الله تعالى وهم الأنبياء عليهم السلام فانهم مقدموا اهل الأديان الى الايمان والطاعات والأمم تبع لهم ومن لحق هم من الأمم بكمال متابعتهم واكتسابهم كمالات النبوة بالتبعية والوراثة وتشرفهم بالتجليات الذاتية الصرفة الداعية وهم الصحابة رض وبعض التابعين لهم بإحسان ومن ثم قال ابن عباس السابقون الى الهجرة هم السابقون فى الاخرة وقال عكرمة قال السابقون الأولون الى الإسلام يعنى الصحابة وقال ابن سيرين هم الذين صلوا الى قبلتين من المهاجرين والأنصار وقال الربيع بن انس السابقون الى اجابة الرسول فى الدنيا هم السابقون الى الجنة وقال على كرم الله وجهه السابقون الى الصلوات الخمس فان مال الأقوال كلها انهم هم الصحابة قال على رض سبقتكم الى الإسلام طراء؍ غلاما ما بلغت أوان حلمى؍ قال المجدد رح الصحابة رض كلهم كانوا مستغرقين فى كمالات النبوة ومن التابعين أكثرهم ومن اتباع التابعين أقلهم ثم انطمس أنوار النبوة واختفى اثارها وظهر كمالات الولاية واستعلى أنوارها السكر والشطح وكثرة الخوارق المستفادة من التجليات الصفاتية والظلية حتى إذا مضى بعد الهجرة الف سنة تدارك رحمة الله الواسعة أفاض كمالات النبوة بمقتضى طينة النبي - ﷺ - على بعض اتباعه حتى اشتبه اخر الامة باولها فقال النبي - ﷺ - مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى اوله خير أم آخره رواه الترمذي عن انس وروى رزين عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه الباقر عن جده قال قال رسول الله - ﷺ - ابشروا ابشروا انما مثل أمتي مثل الغيث لا يدرى آخره خير أم اوله او كحديقة اطعم منها فوج عاما ثم اطعم منها فوج عاما لعل آخرها فوجا ان يكون اعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا وعن الدرداء عن النبي - ﷺ - قال خير أمتي أولها وآخرها وفى أوسطها

الواقعة 56:11

الكدر رواه الحكيم الترمذي السابقون خير لما تقدم اللام فيما تقدم للجنس وهاهنا للعهد الذهني كما يقال صديقى زيد والمعنى السابقون هم الذين عرفت حالهم وكمالهم ومالهم كقول الشاعر انا ابو النجم وشعرى شعرى او المعنى هم السابقون الى الجنة. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ج الى الله تعالى جملة مستانفة فى جواب ما شانهم وجاز ان يكون السابقون الاول مبتداء والسابقون الثاني تأكيد له وهذه الجملة خبر. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ متعلق بقوله المقربون وجاز ان يكون ظرفا مستقرا خبر لاولئك او خبر بعد خبر لقوله السابقون. ثُلَّةٌ خبر مبتداء محذوف هم ثلة اى كثير مِنَ الْأَوَّلِينَ يعنى من الصدر الاول من هذه الامة وهم القرون الثلاثة الصحابة والتابعين واتباعهم قال رسول الله - ﷺ - خيرا متى قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم ان بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخوفون ولا يأتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم من حصين السمن متفق عليه من حديث عمران بن حصين وكذا روى مسلم عن ابى هريرة وكذا روى النسائي عن عمر رض وعند الترمذي والحاكم عن عمران بلفظ خير الناس قرنى الحديث وفى الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ خير الناس وروى مسلم نحوه عن عائشة والطبراني والحاكم عن جعدة بن هبيرة فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري مرفوعا لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ط وهم ارباب كمال النبوة الذين وجدوا بعد الف سنة كما ذكرنا من قبل وقال اكثر المفسرين ثلة من الأولين يعنى من الأمم الماضية من لدن آدم الى محمد - ﷺ - وقليل من الآخرين يعنى من امة محمد - ﷺ - قال الزجاج الذين عاينوا جميع النبيين من لدن آدم وصدقوهم اكثر ممن عاينوا النبي - ﷺ - قلت وهذا التأويل بعيد جدا لاستلزامه كون الأمم السابقة اقرب الى الله تعالى وأفضل من هذه الامة فان فضل الامة بكثرة الأفاضل وهذا لايتان قوله تعالى كنتم خير امة أخرجت للناس وقوله تعالى تكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وقوله عليه الصلاة والسلام أنتم تنمون سبعين امة أنتم خيرها وأكرمها على الله رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال الترمذي حديث حسن وروى احمد والبزاز والطبراني بسند صحيح عن جابر انه سمع النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم يقول انى لارجو ان يكون من تبعني ربع اهل الجنة فكبرنا ثم قال أرجو ان

الواقعة 56:15

يكون ثلث الناس فكبرنا ثم قال أرجو ان يكون الشطر وروى البخاري عن ابن مسعود مرفوعا أترضون ان تكونوا ربع اهل الجنة قلنا نعم قال والذي نفسى بيده انى لارجو ان تكونوا نصف اهل الجنة وروى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي عن بريدة قال قال رسول الله - ﷺ - اهل الجنة عشرون ومائة صفا ثمانون منها من هذه الامة وأربعون من ساير الأمم واخرج الطبراني من حديث ابى موسى وابن عباس ومعوية ابن جيدة وابن مسعود نحوه. عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ خبر اخر للضمير المحذوف والوضن نسج الدرع ويستعار لكل نسج محكم اخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي من طريق مجاهد عن ابن عباس فى هذه الاية قال موضونة بالذهب قال المفسرون هى موصولة منسوجة بالذهب والجواهر وقال الضحاك موضونة مصفوفة. مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ حالان من الضمير فى على اخرج هناد عن مجاهد فى قوله متقابلين قال لا يرى بعضهم قفا بعض وكذا قال البغوي وصفهم الله سبحانه بحسن العشيرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ قيل غلمان ممن ينشأ للخدمة الجملة حال اخر من الضمير مُخَلَّدُونَ اى لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون يبقون ابدا على شكل الولدان قال القراء يقول العرب لمن كبر ولمن شمط انه مخلد وقال ابن كيسان يعنى ولدانا لا يحولون من حالة الى حالة وقال سعيد بن جبير مقرطون يقال خلد جارية إذا خلاها بالخلد وهو القرط وقال الحسن هم أولاد اهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيات فيعاقبوا عليها فهم خدم اهل الجنة اخرج ابن المبارك وهناد والبيهقي عن ابن عمر قال ان ادنى اهل الجنة منزلا من يسعى عليه الف خادم على عمل ليس عليه صاحبه واخرج ابن ابى الدنيا عن انس مرفوعا ان أسفل اهل الجنة أجمعين من يقوم على راسه عشرة آلاف خادم وعن ابى هريرة ان ادنى اهل الجنة منزلة وليس فيها دنى من يغدو ويروح عليه خمس آلاف خادم ليس منهم خادم الا ومعه ظرف ليس مع صاحبه. بِأَكْوابٍ الجار والمجرور مع ما عطف عليه متعلق بيطوف والأكواب جمع كوب وهى الأقداح المستديرة الأفواه لا اذن لها ولا عرى كذا اخرج هناد عن مجاهد واخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس الأكواب الجرار من الفضة وَأَبارِيقَ وهى الأقداح ذات الخراطيم سميت أباريق لبروق لونها فى الصفاء وَكَأْسٍ اى قدح فيه شراب وما لا شراب فيه فليس بكأس مِنْ مَعِينٍ خمر جارية من منبع لا ينقطع ابدا. لا يُصَدَّعُونَ عَنْها

الواقعة 56:20

اى لا يصدع روسهم من شربها كما يصدع من شرب خمر الدنيا الجملة مع ما عطف عليه صفة كاس وَلا يُنْزِفُونَ قرأ الكوفيون بكسر الزاء من الافعال والباقون بفتحها فى القاموس نزف كعنى ذهب عقله او سكر ومنه ولا ينزفون وفى الصحاح انزف القوم ينزف ماء بيرهم يعنى نزحه كله وانزف الشيء ابلغ من نزفه فمعنى قرائة الكوفيين لا ينفذ شرابهم ومعنى قراءة غيرهم لا يذهب عقولهم. وَفاكِهَةٍ عطف على كاس مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ اى يختارون ما يشتهون. وَلَحْمِ طَيْرٍ عطف على فاكهة مِمَّا يَشْتَهُونَ قال البغوي قال ابن عباس يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى اخرج البزار وابن ابى الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله - ﷺ - انك لتنظر الى الطير فى الجنة فتشتهيه فتخير بين يديك مشويا واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة ان الرجل من اهل الجنة ليشتهى الطير فى الجنة فيخر مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولا تمسه نار فياكل منه حتى يشبع ثم يطير واخرج البيهقي عن حذيفة قال قال رسول الله - ﷺ - ان فى الجنة طيرا أمثال البخت قال ابو بكر انها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر واخرج احمد والترمذي مثله من حديث انس واخرج هناد عن الحسن قال قال رسول الله - ﷺ - ان فى الجنة طير كامثال البخت يأتي الرجل فياكل منها ثم يذهب كان لم ينقص منها شىء واخرج هناد وابن ابى الدنيا بسند حسن عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ - ان فى الجنة لطيرا فيه سبعون الف ريشا فيحبى فيقع على صحفة الرجل من اهل الجنة ثم ينتغض فيخرج من كل ريشة لون ابيض من الثلج وألين من الزيد واحلى من العسل ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير ويذهب واخرج هناد عن مغيث بن سمى قال طوبى شجرة فى الجنة ليس فى الجنة دار الا يظلهم غصن من أغصانها فيه ألوان الثمرة ويقع عليها طير أمثال البخت فاذا تمنى الرجل طير ادعاه فيقع على خوانه فياكل من أحد جانبيه شواء والاخر قديدا ثم يعود طايرا يطير فتذهب. وَحُورٌ جمع حوراء عِينٌ جمع عيناء قرأ ابو جعفر وحمزة والكسائي بالجر عطفا على جنات بتقدير مضاف اى هم فى جنات ومضاجعة حور عين او على أكواب لان معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب وبحور عين والباقون بالرفع على انه مبتداء محذوف الخبر اى فيها حور عين أولهم حور عين كذا قال الأخفش او معطوف على ولدان اى يطوف عليهم حور عين اخرج مجاهد قال الحور التي يجاور فيه الطرف باد مخ ساقها من

الواقعة 56:23

وراء ثيابها واخرج فى حور عين قال سواد الحدقة عظم العين واخرج البيهقي عن أم سلمة قالت قلت أخبرني يا رسول الله عن قوله تعالى حور عين قال بيض ضخام شعر العيون بمنزلة الحور اجناح النسر قالت أخبرني يا رسول الله عن قوله تعالى. كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ قال رسول الله - ﷺ - صفاءهن كصفاء الدر الذي فى الاصداف لم تسمه الأيدي وقوله كامثال اللؤلؤ صفة بعد صفة لحور الْمَكْنُونِ المخزون فى الصدف لم تمسه الأيدي قال البغوي يروى انه سطع نور فى الجنة قالوا ضوء ثغر حوراء ضحكت فى وجه زوجها ويروى ان الحور إذا مشت سمعت تقديس الخلاخيل من ساقها وتمجيد الا سورة من ساعديها وان عقد الياقوت يضحك من نحرها وفى رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ منصوب على المصدرية بفعل محذوف اى يجزون جزاء او على العلية اى يفعل ذلك بهم جزاء لاعمالهم. لا يَسْمَعُونَ فِيها اى فى الجنة حال اخر من الضمير فى على لَغْواً اى باطلا كذا اخرج البيهقي عن ابن عباس واخرج هناد عن الضحاك انه قال هزلا وَلا تَأْثِيماً اى نسبة الى الإثم يعنى لا يقال لهم أثمتم وسىء ما صنعتم واخرج البيهقي عن ابن عباس وهناد عن الضحاك انه الكذب. إِلَّا استثناء منقطع قِيلًا اى قولا سَلاماً سَلاماً ذا سلامة منصوبة على البدلية على فشوا السلام بينهم اخرج احمد والبزاز وابن حبان عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال أول من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تستربهم الثغور وتنفى بهم المكاره ويموت وحاجة فى صدره لا يستطيع بها قضاء فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته ايتوهم فحيوهم فيقول الملائكة نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك فتامرنا ان ناتى هؤلاء وتسلم عليهم قال انهم كانوا عبادا يعبدوننى ولا يشركون بي شيئا وتستربهم الثغور وينفى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجة فى صدره ولا يستطيع بها قضاء قال فياتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار اخرج سعيد بن منصور فى سننه والبيهقي فى البعث عن العطاء ومجاهد قال لما سال اهل الطائف الوادي يحمى لهم عسل ففعل وهو واد معجب فسمعوا الناس يقولون فى الجنة كذا وكذا قالوا يا ليت لنافى الجنة مثل هذا الوادي فانزل الله تعالى. وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما اصحاب اليمين فى سدر مخضود الآيات واخرج البيهقي من وجه اخر عن مجاهد قال كانوا يعجبون بوجّ ظلاله من طلح وسدر فانزل الله واصحاب اليمين ما اصحاب اليمين فى سدر مخضود وطلح منضود

الواقعة 56:28

وظل ممدود واصحاب اليمين هم اصحاب القلوب الصافية والنفوس المطمئنة اولياء الله المتقون ويلحق بهم فى الاخرة عصاة المؤمنين اما بعد مغفرة ذنوبهم بفضل الله تعالى وشفاعة الأنبياء والصلحاء واما بعد تعذيبهم بالنار وتخليصهم من الذنوب يلتحقون بالمتقين الصالحين فان جهنم يخلص المؤمنين وينفى عنه خبث ذنوبه ورزائله كما ينفى الكبر خبث الحديد ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ط اى عظيم شانهم عند الله الجملة خبر مبتداء بتأويل يقال فى شانهم ما اصحاب اليمين او جملة معترضة للتعجب والتفخيم. فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ خبر المبتدا او خبر بعد خبر اى مقطوع شوكه او مثنى أغصانه من كثرة الحمل فى القاموس خضد الشجر قطع شوكه ويقال خضد الغصن إذا ثناة وهو رطب اخرج البيهقي عن ابى امامة قال سال أعرابي يا رسول الله لقد ذكر الله فى القران شجرة يوذى صاحبها فقال رسول الله - ﷺ - وما هى قال السدر فان لها شوكا فقال رسول الله - ﷺ - يقول الله تعالى فى سدر مخضود ويخضد الله شوكها فيجعل مكان كل شوكة ثمرة انها تنبت ثمر اثم تفتق لثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من الطعام ما منها لون يشبه الاخر واخرج الطبراني مثله من حديث عتبة بن عبد واخرج البيهقي عن مجاهد فى قوله تعالى مخضود قال موفر حملا وطلح منضود الموز المتراكم. وَطَلْحٍ قال القراء وابو عبيدة الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك وفى القاموس شجر عظام والموز وفى الصحاح شجر الواحد طلحة وفى البيضاوي موزاوام غيلان قال البغوي روى خالد عن الحسن قال قرأ رجل عند على رض عنه وطلح منضود قال وما شان الطلح انما هو وطلع منضود ثم قرأ طلعها هضيم قلت انها فى المصحف بالحاء أفلا تحولها فقال ان القران لا يحاج اليوم ولا يحول مَنْضُودٍ يعنى متراكم بثمره بعضها على بعض اخرج ابن المبارك وهناد والبيهقي عن مسروق قال نخل الجنة نضيد من أصلها الى فرعها وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها اخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا وذكر البغوي قول مسروق بلفظ أشجار الجنة من عروقها الى أفنانها ثمر كله فى القاموس نضيد متاعه ان جعل بعضه فوق بعض وفى الصحاح النضيد السرير الذي ينضد عليه المتاع ومنه استعير طلح نضيد. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ممتد منبسطة كظل قبل طلوع الشمس من الصبح او دائم لا ينسخه الشمس والعرب يقول للشىء الذي لا ينقطع ممدودا وفى الصحيحين عن ابى هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال ان فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها ماية عام لا يقطعها اقرأوا ان شيئتم وظل ممدود وأخرجه احمد وزاد فى آخره وان ورقها ليحمر الجنة واخرج هناد بن سرى فى الزهد وزاد

الواقعة 56:31

فى آخره فبلغ ذلك كعبا فقال والذي انزل التوراة على موسى والقران على محمد لو ان رجلا راكبا على حقة او جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغه حتى يسقط هرما ان الله غرسها بيده وان أفنانها من وراء سدر الجنة وما فى الجنة نهر الا وهو يخرج من اصل تلك الشجرة قال البغوي وروى عكرمة عن ابن عباس فى قوله تعالى وظل ممدود وقال شجرة فى الجنة على ساق العرش يخرج إليها اهل الجنة فيتحدثون فى أصلها ويشتهى بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عز وجل عليها ريحا من الجنة فتتحرك تلك الشجرة بكل لهو فى الدنيا. وَماءٍ مَسْكُوبٍ اى منصب يجرى دايما من غير أخدود كانه لما شبه حال السابقين المقربين فى التنعيم بأعلى ما يتصور لاهل المدن شبه حال اصحاب اليمين أكمل ما يتمناه اهل البوادي اشعارا بالتفاوت بين الحالين. وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ الأجناس. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ قال البغوي قال ابن عباس لا تنقطع إذا جنيت ولا تمنع من أحد أراد أخذها ويؤيده حديث ثوبان انه سمع رسول الله - ﷺ - يقول لا ينزع رجل من اهل الجنة من ثمرها الا أعيد مكانها مثلها رواه البزاز والطبراني وذكر البغوي الحديث بلفظه ما قطعت من ثمار الجنة الا أبدل الله مكانها ضعفين وقال بعضهم لا مقطوعة بالا زمان ولا ممنوعة بالأثمان كما ينقطع اكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء ولا يتوصل إليها الا بثمن. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ط قال البغوي قال على رض وفرش مرفوعة على اسرة وقال جماعة المفسرين مرفوعة عالية اخرج احمد والترمذي وحسنه وابن ماجة والبيهقي وابن ابى الدنيا عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ - فى هذه الاية قال ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض ولفظ الترمذي ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيره ما بينهما خمس مائة عام وذكر البغوي نحوه عن ابى هريرة وقال الترمذي قال بعض اهل العلم فى تفسيره معناه ان تفاوت الفراشين فى الدرجات كما بين السماء والأرض واخرج ابن ابى الدنيا عن ابى امامة فى هذه الاية قال لو ان أعلاها سقط ما بلغ أسفلها أربعين خريفا واخرج الطبراني عنه مرفوعا لو طرح منها فراش من أعلاها لهوى الى قرارها ماية خريف وقيل أراد بالفرش النساء والعرب تسمى المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة مرفوعة رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا او ارتفاعهن على الأرائك يدل عليه قوله تعالى فى عقبه. إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ الضمير عايد الى الفرش ان المراد به النساء والا فالى غير مذكور معلوم للسامع إِنْشاءً يعنى خلقناهن جديدا اما ابتداء من غير ولادة واما إعادة قال البغوي قال ابن عباس

الواقعة 56:36

يعنى الآدميات العجوز الشمط يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا اخر. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع واخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي واخرج الترمذي والبيهقي عن انس عن النبي - ﷺ - انا أنشأناهن إنشاء قال عجايز كن فى الدنيا شمطاء رمصاء واخرج ابن جرير والبيهقي عن مسلمة بن يزيد سمعت النبي - ﷺ - يقول انا أنشأناهن إنشاء قال الشيب والابكار التي كن فى الدنيا اخرج البيهقي وابن المنذر عن الحسن قال قال رسول الله - ﷺ - لا يدخل الجنة عجوز فبكت عجوز فقال رسول الله - ﷺ - اخبروها انها ليست يومئذ بعجوز انها يومئذ شابة إنشاء الله تعالى ان الله تعالى يقول انا أنشأناهن إنشاء واخرج البيهقي عن عائشة قالت دخل النبي - ﷺ - على وعندى عجوز فقال من هذه قلت احدى خالتى قال اما انه لا تدخل الجنة عجوز فدخل العجوز من ذلك ما شاء الله فقال رسول الله - ﷺ - قال الله تعالى انا أنشأنا خلقا أخر وروى الطبراني فى الأوسط من وجه اخر عنها ان النبي - ﷺ - أتته عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله ان يدخلنى الجنة فقال ان الجنة لا يدخلها عجوز فذهب فصلى ثم رجع فقالت عائشة لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة فقال ان ذلك كذلك إنشاء الله إذا أراد ادخالهن الجنة حولهن أبكارا وقال مقاتل وغيره هن الحور العين أنشأهن الله لم يقع عليهن ولادة فجعلناهن أبكارا عذارى وليس وجع هناك. عُرُباً قرأ حمزة واسمعيل عن نافع وابو بكر بإسكان الراء والباقون بضمها وهى جمع عروب اى عواشق لازواجهن متحببات إليهم اخرج ابن ابى حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال رسول الله - ﷺ - عربا قال كلامهن عربى أَتْراباً مستويات فى السن فى حديث أم سلمة عند البيهقي قالت قلت يا رسول الله عربا قال اترابا قالهن اللواتى قبضهن الله عجايز فى الدنيا ومصاء شمطاء خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى قال عربا معشقا محببات اترابا على ميلاد واحد فان كلهن بنات ثلث وثلاثين وكذا أزواجهن وعن ابى هريرة رض عن النبي - ﷺ - قال يدخل اهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعدا أبناء ثلث وثلثين وهم على خلق آدم طوله ستون ذراعا فى عرضة سبعة اذرع رواه احمد والطبراني فى الأوسط وابن ابى الدنيا والبغوي بسند حسن وعن ابى سعيد عن رسول الله - ﷺ - من مات من اهل الدنيا من صغير او كبير يردد بين ثلث وثلثين سنة فى الجنة لا يزيدون ابدا وكذلك اهل النار رواه الترمذي وابو يعلى وابن ابى الدنيا وعن معاذ بن جبل ان النبي - ﷺ - قال يدخل اهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بنى ثلث وثلثين

الواقعة 56:38

سنة وعن انس قال قال رسول الله - ﷺ - يدخل اهل الجنة الجنة على طول آدم ستون ذراعا بذراع الملك وعلى حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى وثلث وثلثين سنة وعلى لسان محمد جردا مردا مكحلين رواه الطبراني فى الأوسط بسند جيد وعن المقداد بن الأسود مرفوعا يحشر الناس ما بين السقط وبين الشيخ الفاني أبناء ثلث وثلثين وخلق آدم وحسن يوسف وقلب أيوب وذى أفانين رواه الطبراني. لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ع متعلق بانشانا او جعلنا او صفة لابكارا وخبر لمحذوف اعنى هن. ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ط خبر محذوف اى هم كثيرون من الأولين من هذه الامة وكثيرون من الآخرين منهم كذا قال ابو العالية ومجاهد وعطاء بن ابى رباح والضحاك روى البغوي بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى هذه الاية ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قال قال رسول الله - ﷺ - هما جميعا من أمتي واخرج مسدد فى مسنده والطبراني وابن مردوية من حديث ابى بكرة عن النبي - ﷺ - فى قوله ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قال هما جميعا من أمتي لكن قال الدارقطني فى علله هذا حديث ابى بكرة لم يثبت فمقتضى هذه الاية على هذا التأويل ان امة محمد - ﷺ - لن يخلو عن اصحاب اليمين كما روى الشيخان فى الصحيحين عن معاوية قال سمعت النبي - ﷺ - يقول لا يزال من أمتي قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك متفق عليه فان قيل يعارضه ما روى البغوي بسنده عروة بن رويم مرسلا قال لما انزل الله على رسوله ثلة من الأولين وقليل من الآخرين بكى عمر رض فقال يا رسول الله أمنا بالله وبرسوله وصدقناه ومن ينجومنا قليل فانزل الله عز وجل ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فدعا رسول الله - ﷺ - فقال قد انزل الله فيما قلت فقال عمر رضينا عن ربنا وتصديق نبيّنا فقال رسول الله - ﷺ - من آدم إلينا ثلة ومنى الى القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل من قال لا اله الا الله وكذا اخرج ابن ابى حاتم عنه مرسلا واخرج ابن عساكر فى تاريخ دمشق من طريق عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله واخرج احمد وابن المنذر وابن ابى حاتم بسند فيه من لا يعرف عن ابى هريرة قال لما نزلت ثلة من الأولين وقليل من الآخرين شق ذلك على المؤمنين فنزلت ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فان مقتضى هذا الحديث ان الثلة من الأولين من آدم عليه السلام الى محمد - ﷺ - وقلت لا وجه للحمل على التعارض بين الحديثين فان قوله عليه الصلاة والسلام من آدم إلينا ثلة ومني الى القيامة ثلة لا ينافى قوله عليه الصلاة والسلام هما جميعا من أمتي فانه يمكن ان يقال ان الثلة التي من محمد - ﷺ - الى القيامة ينقسم الى الثلّتين ثلة من أوليهم وثلة من أخريهم والمراد بالآية كلا الثلتين من امة محمد - ﷺ - فان قيل لو كان ثلة من الأولين فى امة محمد - ﷺ - فما وجه لبكاء عمر بعد نزول قوله تعالى ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ولما شق ذلك من المسلمين قلت وجه بكائه رض الترحم على اخر هذه الامة وزعم ان الناجي من اخرى هذه الامة قليل ولذلك سلى بنزول قوله تعالى ثلة من الأولين وثلة من الآخرين يعنى الى المقربين فى هذه الامة وان كانوا قليلا لكن اصحاب اليمين منهم كثير وكلا وعد الله الحسنى وليس قوله تعالى ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ناسخا لقوله تعالى ثلة من الأولين وقليل من الآخرين كما يدل عليه ظاهر الحديث فان الاخبار لا يحتمل النسخ ولان النسخ لا بد له من اتحاد المحل والاية الاولى فى المقربين من اصناف الثلاثة والثانية فى اصحاب اليمين فكيف يقال بالنسخ ويمكن ان يقال ثلة من الأولين يشتمل أصحابا لجميع الأنبياء واصحاب محمد - ﷺ - ومن لحقهم من التابعين فانهم السابقون الى الإسلام الأولون فيه ممن بعدهم الذين يقتقون اثارهم فى اتباع الأنبياء يؤيده قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان والآخرون هم المتأخر وهذه الامة عند قرب الساعة فالمقربون منهم قليل واما اصحاب اليمين فكثير منهم وكذا من غيرهم كما ذكرنا قول رسول الله - ﷺ - انى لارجو ان يكونوا نصف اهل الجنة وقوله عليه السلام ثمانون صفا من هذه الامة وأربعون من ساير الأمم روى البخاري عن ابن عباس قال خرج علينا رسول الله - ﷺ - يوما فقال عرضت على الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه رجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ورايت سوادا كثير اسد الأفق فقيل لهؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب فقال عليه السلام الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فتقدم عكاشة ابن محصن فقال أمتهم انا يا رسول الله قال نعم فقام اخر فقال امنهم انا قال سبقك بها عكاشة قال البغوي وروى عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله - ﷺ - قال عرضت على الأنبياء الليلة باتباعها حتى اتى على موسى فى كبكة بنى إسرائيل راينهم اعجبونى فقلت اى من رب هؤلاء قيل هذا أخوك موسى ومن معه من بنى إسرائيل قلت رب فاين أمتي قيل انظر عن يمينك فاذا ظراب مكة قد سدت بوجوه الرجال فقيل هؤلاء أمتك أرضيت فقال رضيت ربى فقيل انظر عن يسارك فاذا الأفق قل اهل؟؟؟

الواقعة 56:41

بوجوه الرجال فقيل هؤلاء أمتك أرضيت فقلت ربى رضيت رضيت فقيل ان مع هؤلاء سبعين الفا يدخلون الجنة بغير حساب عليهم فقال النبي - ﷺ - ان استطعتم ان تكونوا من السبعين فكونوا وان عجزتم وقصرتم فتكونوا من اهل الظراب فان اعجزتم فكونوا من اهل الأفق فانى قد رأيت ثمه أناسا يتهلوشون كثيرا. وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ نحو ما مر فى التركيب والسموم الريح حارة تنفذ المسام وَحَمِيمٍ متناه فى الحرارة. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ اى دخان شديد السواد بفعول من الحمة تقول العرب اسود يحموم إذا كان شديد السواد قال الضحاك النار سوداء واهله سود وكل شىء فيها اسود وقال ابن كيسان اليحموم اسم من اسماء النار. لا بارِدٍ كساير الظل وَلا كَرِيمٍ اى لا نافع بوجه ما او كريم المنظر دفع بذلك ما ادلهم الظل من الاستراح. إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ فى الدنيا مُتْرَفِينَ اى متنعمين منهمكين فى الشهوات لا يتعبون أنفسهم فى الطاعات. وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ج اى الذنب العظيم يعنى الشرك وقال الشعبي الحنث العظيم اليمين الغموس ومعنى هذا انهم كانوا يحلفون انهم لا يبعثون وكذبوا. وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ قرأ نافع والكسائي وابو جعفر ويعقوب أإذا مستفهما انا بتركه والباقون بالاستفهام فيها وهم على أصولهم فى التخفيف والتليين وقولهء إنا لمبعوثون خبرا لإذا او كررت الهمزة على قراءة الجمهور للدلالة على انكار البعث مطلقا وخصوصا فى هذا الوقت كما ادخلت على العاطف فى قوله. أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ للدلالة على ان ذلك أشد إنكارا فى حقهم لتقاوم زمانهم معطوف على محل اسم ان بعد مضى الخبر او على المستكن فى مبعوثون والفصل بالهمزة حسن العطف على المستكن وقرأ نافع وابن عمرو او بالسكون والعامل فى الظرف ما دل عليه مبعوثون لا هؤلاء للفصل بان والهمزة تقديره انبعث إذا متنا. قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ للحساب والجزاء إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ اى ما وقت به الدنيا من يوم معلوم والاضافة بمعنى من كخاتم فضة والميقات ما وقت به الشيء الى حد ومنه مواقيت الإحرام وهى الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة الا محرما كلمة الى بمعنى اللام يعنى مجموعون لميقات يوم القيامة المعلوم المتيقن مجيئه. ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا اى يا ايها الضَّالُّونَ

الواقعة 56:53

الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ من الاولى للابتداء والثانية للبيان قال ابن عباس لوان قطرة من الزقوم قطرت فى بحار الدنيا لفسدت على اهل الأرض معاشهم فكيف من يكون طعامه رواه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وقال عمرو الخولاني بلغنا ان ابن آدم لا ينهش من الزقوم نهشة الا نهشت منه مثلها رواه عبد الله بن احمد فى روائد الزهد وابو نعيم. فَمالِؤُنَ مِنْهَا اى من الشجر نظرا الى معناه فان معناه الشجرة الْبُطُونَ من شدة الجوع. فَشارِبُونَ لغلبة العطش عَلَيْهِ اى على الشجر نظرا الى لفظه او على الزقوم مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ قرأ نافع وعاصم وحمزة بضم الشين والباقون بفتحها وهما لغتان وقال البغوي الفتح على المصدر والضم على انه اسم بمعنى المصدر كالضعف والضعف الْهِيمِ يعنى الإبل العطاش كذا روى ابن ابى حاتم من طريق ابى طلحة عن ابن عباس جميع هيمان للذكر وهيمى للانثى كعطشان وعطشى وقيل الإبل التي بها الهيام وهوداء يصيب الإبل لا تروى معه ولا يزال يشرب حتى يهلك كذا اخرج البيهقي عن مجاهد وذكر البغوي عن عكرمة وقتادة وقال الضحاك وابن عيينة الهيم الأرض السهلة ذات الرمل قال البيضاوي هو جمع هيام بالفتح وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على هيم كسحب وسحاب ثم خفف وفعل به ما فعل يجمع ابيض وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الاخر من وجه فلا اتحاد و. هذا نُزُلُهُمْ فيه تهكم كما فى قوله تعالى فبشرهم بعذاب اليم لان النزل ما يعد للنازل تكرمة له يعنى هذا أول ما يصيبهم يَوْمَ الدِّينِ ط يوم الجزاء فما ظنك بما يصيبهم بعد ما استقروا فى الجحيم. نَحْنُ خَلَقْناكُمْ بعد مالم تكونوا شيئا وأنتم تعرفون بذلك فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ اى هلا تصدقون على البعث بعد الموت فان من قدر على الإبداء قدر على الإعادة او المعنى هلا تصدقون بالخلق متقنين محققين للتصديق بالأعمال الدالة عليه. أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ اى ما تقذفونه فى الأرحام من النطف. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ يجعلونه بشرا سويا أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ الفاء العاطفة للعطف على محذوف والروية يعنى العلم ومفعوله الاول الموصول مع الصلة وهاهنا معطوف عليه ومحذوف مقدر وجملة ءانتم تخلقونه أم نحن الخالقون مفعوله الثاني لكنه معلق بالاستفهام وتقديم المسند اليه على الخبر الفعلى فى ءانتم تخلقونه لافادة التخصيص ولان محل الإنكار والتقرير بالاستفهام هو المسند اليه دون النفس الخلق وتعريف الخبر

الواقعة 56:60

فى نحن الخالقون ايضا لافادة التخصيص تقدير الكلام أنظرتم فعلمتم ما تمنون فى الأرحام فيصير بشرا أبكم مختص خلقه أم بنا والاستفهام لانكار نسبة الخلق الى المخاطبين والإقرار لله سبحانه يعنى تعلمون ان الخلق المختص بنا لا بكم. نَحْنُ قَدَّرْنا قرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها وهما لغتان بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ يعنى قسمنا الموت عليكم كما قسمنا أرزاقكم على حسب ارادتنا فاختلف اعماركم من قصير وطويل ومتوسط او المعنى وقتنا موت كل بوقت معين لا يستاخرون منه ولا يستقدمون وتقديم المسند اليه على الخبر الفعلى لافادة التخصيص يعنى تقدير الموت وتوقيتها مختص بنا كما ان خلق كل مختص بنا فهذه الجملة مقررة لمضمون ما سبق وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ حال من فاعل قدرنا يعنى حال كوننا غير مسبوتين اى لم يسبقنا أحد فى تقديره او حال كوننا غير مقلوبين من سبقته على كذا إذا غلبته عليه وأعجزته او جملة معترضة والمعنى لا يسبقنا ولا معجزنا أحد فيهرب من الموت او بغير دفنه. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ متعلق بمحذوف حال من فاعل قدرنا تقديره قدرنا بينكم الموت قادرين على ان نبدل منكم أمثالكم مكانكم او متعلق بقدرنا علة له وعلى بمعنى اللام يعنى قدرنا الموت لان نبدل منكم أمثالكم وجاز ان يكون متعلقا بمسبوقين والمعنى ما نحن بمسبوقين غير قادرين على ان نبدل أمثالكم فتخلق بدلكم وجاز ان يراد ان نبدل صفاتكم على ان أمثال جمع مثل بمعنى الصفة كما فى قوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون وقوله تعالى للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء ولله المثل الا على وَنُنْشِئَكُمْ عطف على نبدل يعنى قادرين على ان ننشأكم بعد الموت فِي ما لا تَعْلَمُونَ اى فى احوال وصفات لا تعلمونها من الثواب والعذاب. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ عطف على قوله أفرأيتم ما تمنون النَّشْأَةَ الْأُولى يعنى خلقة الإنسان من المنى ووجوده بعد ما لم يكن شيئا مذكورا فَلَوْلا الفاء للسببية يعنى إذا علمتم النشأة الاولى فهلا تَذَكَّرُونَ ان منشىء النشأة الاولى قادر على ان ينشأ نشأة الاخرى فانها اقل صنعا لحصول المراد ولتخصيص الاجزاء وسبق المثال وفيه دليل على حجة القياس. أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ط تبذرون حبة. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ المنبتون. لَوْ نَشاءُ جعله حطاما لَجَعَلْناهُ اى الزرع حُطاماً قال عطاء تبنالا قمح فيه وقيل هشيما لا ينتفع به فى مطعم وغذاء فَظَلْتُمْ أصله ظللتم حذف أحد اللامين تخفيفا تَفَكَّهُونَ اى تعجبون مما ينزل بكم فى زرعكم وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل وقيل تندمون على اجتهادكم ونفقاتكم وهو قول يمان وقال الحسن تندمون على ما سلف منكم من المعصية

الواقعة 56:66

التي أوجبت تلك العقوبة وقال عكرمه تلاومون وقال ابن كيسان تحزنون وقال الكسائي هو التلهف على ما فات وهو من الاضداد قال العرب تفكهت اى فرحت وتفكهت اى حزنت قلت هو مستعار من أكل الفاكهة والتجنب عن الفاكهة قال فى القاموس تفكه تندم وبه تمتع وأكل الفاكهة وتجنب عن الفاكهة ضد. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قرأ ابو بكر عن عاصم أإنا بهمزتين على الاستفهام للتقرير والباقون بهمزة واحدة على الخبر والجملة بتقدير القول حال من فاعل تفكهون تقديره فظلتم تفكهون قايلون انا لمغرمون اى ملزمون غرامة ما أنفقنا والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض نكرا قال الضحاك وابن كيسان وقال البغوي قال ابن عباس وقتادة لمعذبون والغرام العذاب. بَلْ نَحْنُ قوم مَحْرُومُونَ اى حرمنا رزقنا إضراب بذكر الأهم فان غرامة المال أسهل من حرمان الرزق المفضى الى الهلاك. أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ العذب الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ من السحاب واحده مزنة قيل المزن السحاب الأبيض ماءه أعذب أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لقدرتنا. لَوْ نَشاءُ جعلناه أجاجا جَعَلْناهُ أُجاجاً ملحا مرا كذا فى القاموس قيل هو مشتق من الأجيج وهو تلهب النار فان الماء الأجاج يحرق الفم وحذف اللام الفاصل بين جواب ما يتمحض للشروط وهو ان وبين ما يتضمن معناه وهو لو فانها ليست لشرط المحض بل سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها فى مضمونى جملتها ان الثاني امتنع لامتناع الاول لعلم السامع بمكانه او للاكتفاء لسبق ذكرها فى قوله تعالى لجعلنه حطاما ولم يحذف فيما سبق اختصاصا لما يصدق لذاته ويكون أهم وفقده أصعب لمزيد التأكيد فَلَوْلا هلا تَشْكُرُونَ أمثال هذه النعم الضرورية من إيجاد الإنسان وابقائه. أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ط اى توقدون من وارى النار وريا وأوريته اتقدت يعنى تخرجونها من الزناد والعرب يقدح العودين تحك أحدهما على الاخرى يسمون الأعلى زند والأسفل زندة شبهوها بالفحل والطروقة. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي منها الزناد وهى المرخ والعقاد يستحق المرخ على العقاد وهما خضرا وان ينقطر منهما الماء فينقدح النار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ الخالقون لها ابتداء. نَحْنُ جَعَلْناها اى نار الزناد تَذْكِرَةً فى امر البعث فان من قدر على احداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفية كان اقدر على إعادة الحيوة والرطوبة الغريزية فيما كان حيا رطبا من العظام فيبس وبلى او تذكرة للطرق فى الظلام او تذكرة لنار جهنم حيث علقنا بها

الواقعة 56:74

اسباب المعاش وعممنا إليها الحاجة لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون بها نار جهنم فانها أنموذج لها عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال ناركم جزء من سبعين جزء من نار جهنم قيل يا رسول الله ان كانت لكافية قال فانها فضلت عليهن بتسعة وستين جزأ كلهن مثل حرها متفق عليه وَمَتاعاً ومنفعة لِلْمُقْوِينَ ج قيل يعنى للمسافرين النازلين بالقواء وهى الأرض القفر الخالية البعيدة من العمران وانما خص ذكرهم بالانتفاع لان انتفاعهم بها اكثر من انتفاع المقيم فانهم يوقدونها ليلا ليهرب منهم السباع ويهتدى بها الضال ويستدفئون بها؟؟؟ فى البرد وغير ذلك من المنافع وهذا قول اكثر المفسرين وقال مجاهد وعكرمة المراد بالمقوين المستمتعون بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين يستضيئون بها فى الظلمة ويصطلون فى البرد ويطبخون بها وقال ابن زيد معناه للجايعين يعنى للذين خلت بطونهم من الطعام من أقوات الدار إذا خلت من سكانها يقول العرب أقويت مند كذا وكذا يعنى ما أكلت شيئا منذ كذا وقيل المراد بالمقوين الأغنياء يقال أقوى الرجل إذا قويت دابته وكثر ماله وصار الى حالة القوة ولا شك ان فيها متاعا للاغنياء والفقراء جميعا لا إغناء بأحد عنها ولعل وجه تخصيص الذكر بالأغنياء لكثرة الطبخ عندهم ومن هاهنا قيل فلان كثير الرماد اى كثير الطبخ كثير الضيافة والله تعالى اعلم. فَسَبِّحْ الفاء للسببية كما تذكرت بدايع صنايعه وانعاماته فتنزهه عما يقول المنكر لوحدانيته الكافرون لنعمه او فسبحه شكرا على نعمائه او تعجيبا من امر الظالمين فى كفران نعمائه بِاسْمِ رَبِّكَ الباء زائدة ولفظ الاسم مقحم والمعنى سبح ربك جاز ان يكون الفاء للسببية والتقدير فسبح بذكر اسمه او بذكره فان اطلاق اسم الشيء ذكره والله اعلم الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ إذ الأمر ظاهر أوضح من ان يحتاج الى قسم والفاء للسببية او المعنى ذا قسم ولا مزيدة للتاكيد كما فى لئلا يعلم والتقرير فلانا اقسم فحذف المبتدا وأشبع فتحة لام الابتداء ويدل عليه قراءة عيسى بن عمر فلا قسم وقيل قوله لارد لما قال الكفار فى القران انه سحر او شعر او كهانة يعنى ليس الأمر كما تقولون اقسم بِمَواقِعِ النُّجُومِ قرأ حمزة والكسائي بموقع بإسكان الواو من غير الف على الافراد والباقون بفتح الواو والف بعدها على الجمع والمراد بمواقع النجوم ساقطها وتخصيص المغارب فى الذكر لما فى غروبها من زوال اثرها الذي هو أول على إمكانها وحدوثها ووجود موثر لا يزول تاثيره وقال عطاء بن ابى رباح أراد منازلها ومجاريها وقال الحسن أراد انكدارها وانتشارها يوم القيمة وقال ابن عباس النجوم نجوم القران وموضعها اوقات نزولها

الواقعة 56:76

فانه كان ينزل على النبي - ﷺ - نجوما متفرقا. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ جملة معترضة بين القسم وجوابه لَوْ تَعْلَمُونَ اخرى معترضة بين الصفة والموصوف لكمال الاستعظام ولو للتمنى ومفعول تعلمون محذوف يعنى ليتكم تعلمون عظمته عَظِيمٌ لما فى المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة ومن مقتضيات رحمته انه لا يترك عباده سدى. إِنَّهُ يعنى ما يتلوه محمد - ﷺ - لَقُرْآنٌ منزل من الله تعالى غير منقول كَرِيمٌ عزيز مكرم لانه كلام الله وفضل كلام الله على ساير الكلام كفضل الله تعالى على خلقه رواه الترمذي والمعنى كثير الخير والنفع لاشتماله على اصول العلوم المهمة فى إصلاح المعاد والمعاش قال اهل المعاني الكريم الذي من شانه ان يعطى الخير الكثير او المعنى حسن مرضى فى جنسه. فِي كِتابٍ ظرف مستقر صفة لقران مَكْنُونٍ مصؤن وهو اللوح المحفوظ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قيل الضمير فى لا يمسه راجع الى الكتاب لقربه فالمعنى لا يطلع على اللوح الا المطهرون من الكدورات الجسمانية الباعثة غالبا على المعاصي وهم الملائكة وهذا القول غير مرضى فان الانسلاخ من الكدورات الجسمانية ليس من فضائل ولا يعد تطهرا والا يلزم فضل الملائكة على البشر وهو خلاف الإجماع بل الكدورات الجسمانية هى الحاملة للتجليات الذاتية الصرفة ولذلك اختص النبوة بالبشر فالقول الصحيح ان الضمير راجع الى القران فالمعنى لا يمس القران الا المطهرون من الأحداث فيكون بمعنى النهى والمراد بالقران المصحف سمى قرانا على قرب الجوار مجازا كما فى الحديث انه - ﷺ - نهى ان يسافر بالقران الى الأرض العدو متفق عليه من حديث ابن عمر والمراد به المصحف وقد انعقد الإجماع على انه لا يجوز مس المصحف للجنب والحائض ولا لنفساؤ لا لمحدث خلافا لداود محتجا بحديث ابى سفيان انه عليه الصلاة والسلام كتب كتابا الى هرقل وكان فيه يا اهل الكتاب تعالوا الاية ولا شك ان الكافر نجس قلنا كتب رسول الله - ﷺ - ذلك العبارة من قبل نفسه امتثالا لامر الله تعالى لا من حيث انه كلام الله تعالى ومن ثم حذف لفظة قل من صدر الاية ولو كان كتب من حيث انه كلام الله لما حذف لفظة قل بل لا يجوز له حذفها كما لا يجوز حذفها فى الصلاة والتلاوة ولنا حديث عمرو بن حزم ان رسول الله - ﷺ - كتب الى اهل اليمن كتابا وكان فيه لا يمس القران الا طاهر رواه الدارقطني والحاكم فى المعرفة والبيهقي فى الخلافيات وروى الطبراني من حديث حكيم بن حزام قال لما بعثني رسول الله - ﷺ - الى اليمن قال لا يمس القران الا وأنت طاهر تفرد به سويد بن حاتم وهو ضعيف وحسن الحار فى اسناده وفى الباب عن ابن عمر مرفوعا رواه الدارقطني والطبراني واسناده لا بأس به (مسئله) يجوز مس القران وحمله بغلاف متجاف عند ابى حنيفة رح وقال مالك والشافعي لا يجوز مع الغلاف ايضا لانه قال الله تعالى انه لقران كريم وقال الله تعالى فى صحف مكرمة ومن التكريم ان لا يمسه غير الطاهر ولو كان عليه غلاف قلنا التكريم اثبت حرمة المس والمس لا يطلق الا إذا كان بلا حجاب وستر وانما التكريم ما ثبت بالشرع والزائد عليه تكلف (مسئله) يكره مسه بالكم او الذيل لانهما تابعان لليد لا يجوز مس درهم فيه سورة الا بصرة لان المصحف ما كتب عليه القران (مسئله) ويثبت بهذه الاية بدلالة النص اعنى بالطريق الاولى عدم جواز قراءة القران للجنب وعليه انعقد الإجماع فان المصحف وهو القرطاس الذي كتب عليه نقوش وضع للدلالة على ألفاظ القران ولما ورد لا يمسه الا المطهرون فالفاظ القران اولى وأحرى ان لا يجرى الا على لسان المطهرين والحائض والنفساء كالخبث عند ابى حنيفة رح والشافعي واحمد لما ذكرنا وعن مالك روايتان إحداهما انها تقرء الآيات اليسيرة والتي نقلها الأكثرون من أصحابه انها تقرأ ما شاءت وهو مذهب داود هو محجوج بما ذكرنا وبحديث ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - لا تقرء الحائض ولا الجنب شيئا من القران رواه الدارقطني والترمذي وابن ماجة وفى اسناده اسمعيل ابن عياش وهو ضعيف وقيل انه قوى وتابعه مغيرة بن عبد الرحمن وابو معشر بن موسى بن عقبة قال ابن الجوزي مغيرة ايضا ضعيف وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أخطأ ابن الجوزي ان ضعف مغيرة ابن عبد الرحمن وهو ثقة لكن فى طريق مغيرة عبد الملك بن مسلم ضعيف واما طريق ابو معشر ففيه منهم وابو معشر ضعيف وله شاهد من حديث جابر رواه الدارقطني مرفوعا وفيه محمد بن الفضل متروك- (مسئله) كان القياس عدم جواز قراءة القران للمحدث ايضا لما ذكر لكن الاستحسان يقتضى جواز القراءة للمحدث لان الحدث لا يسرى فى الفم ولذلك لم يجب المضمضة فى الوضوء بخلاف الجنابة ويدل على جواز القراءة للمحدث حديث ابن عباس انه بات ليلة عند ميمونة وهى خالته قال فاضطجعت فى عرض الوسادة ورسول الله - ﷺ - واهله فى طولها فنام رسول الله - ﷺ - حتى انتصف الليل او قبله قليلا او بعده بقليل استيقظ رسول الله - ﷺ - فجلس يمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشرة الآيات الخواتيم من سورة ال عمران ثم قام الى شن معلق فتوضأ منها الحديث متفق عليه وحديث على بن ابى طالب لم يكن يحجب النبي - ﷺ - شىء من القران سوى الجنابة رواه احمد وابن خزيمة واصحاب السنن وابن حبان والحاكم

الواقعة 56:80

وابن الجار وصححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي فى شرح السنة (مسئله) قال البغوي وروى محمد بن الفضل عن الكلبي فى تفسير الاية قال لا يقرأ الا الموحدون قلت الموحد فى اصطلاح الصوفية من لا يكون له مقصود غير الله سبحانه وقال المجدد ما هو مقصود لك فهو معبود لك فان المرء يتحمل كل ذل وانكسار ومشقة لتحصيل مقصوده وذلك هو التعبد وقد قال رسول الله - ﷺ - لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به رواه النووي فى اربعينه وقال عكرمة كان ابن عباس رض ينهى ان يمكن اليهود والنصارى من قراءة القران وقال الفراء معنى الاية لا يجد طعم القران ونفعه الامن أمن به ومن هاهنا قال المجدد الالف الثاني ان الصوفي لا يجد بركات القران الا بعد فناء نفسه وتطهر من الرذائل واما قبل الغناء فقراءة القران له داخل فى عمل الأبرار وبعد فناء النفس وزوالها عينها واثرها فمراتب القرب الى الله سبحانه منوط بتلاوة القران وكذا فى الاخرة بعد دخول الجنة يرتقى ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين وقال رسول الله - ﷺ - يقال لصاحب القران اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فان منزلتك عند اخر اية تقرأها رواه احمد والترمذي وابى داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمر. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ صفة رابعة للقران وهو مصدر بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ يعنى القران أَنْتُمْ يا اهل مكة مُدْهِنُونَ الادهان فى الأصل استعمال الدهن المتليين ثم استعير للمدارة والملاينة فى الظاهر قال الله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون ثم استعمل فى النفاق وهو المراد هاهنا قال فى الفارس دهن نافق والمداهنة اظهار خلاف ما فى الضمير كالادهان وقال البغوي هو من الادهان وهو الجري فى الباطن على خلاف الظاهر ثم قيل للمكذب مدهن وان صرح بالكفر والتكذيب وكذا قال ابن عباس يعنى يكذبون وقال مقاتل بن حبان كافرون. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ اى حظكم ونصيبكم من القران أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال الحسن فى هذه الاية خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله الا التكذيب به وقال جماعة من المفسرين معناه وتجعلون شكركم انكم تكذبون كذا اخرج احمد والترمذي عن على رض عن النبي - ﷺ - قال هيثم بن عدى ان من لغته ازدشنوة لارزق فلان بمعنى فاشكر وقيل هذا المعنى بحذف المضاف وتقديره تجعلون شكر رزقكم والمراد بالرزق حينئذ المطر وذلك انهم كانوا إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا ولا يرون ذلك من الله تعالى فقيل لهم تجعلون رزقكم اى شكر رزقكم انكم تكذبون

الواقعة 56:83

يعنى انكم تأتون بالكفر مكان الشكر عن زيد بن خالد الجهني قال صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلوة الصبح الحديبية فى اثر السماء كانت من الليل فلما انصرف اقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله اعلم قال قال الله تعالى من عبادى مومن لى وكافر فاما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومومن بالكواكب واخرج مسلم عن ابن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله - ﷺ - فقال أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر وقال بعضهم هذه رحمته وضعها الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الاية فلا اقسم بمواقع النجوم حتى بلغ وتجعلون رزقكم انكم تكذبون واخرج ابن ابى حاتم عن ابى هريرة قال نزلت هذه الآيات فى رجل من الأنصار فى غزوة تبوك نزلوا الحجر فامرهم رسول الله - ﷺ - ان لا يحملوا من مائها شيئا ثم ارتحل ونزل منزلا اخر وليس معهم ماء فشكوا ذلك الى النبي - ﷺ - فصلى ركعتين ثم دعى فارسل الله سبحانه فامطرت عليهم حتى استقوا منها فقال رجل من الأنصار لاخر من قومه متهم بالنفاق ويحك قد ترى ما دعى النبي - ﷺ - فامطر الله علينا السماء فقال انما مطرنا بنوء كذا وكذا فنزلت وذكر ابن إسحاق ان هذه القصة كانت بالحجر وروى مسلم عن ابى هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال ما انزل الله من السماء من بركة الا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا. فَلَوْلا فهلا إِذا بَلَغَتِ الضمير المرفوع عايد الى غير مذكور لفظا بل حكما فانه معلوم يقينا يعنى إذا بلغت نفس أحدكم الْحُلْقُومَ عند الموت. وَأَنْتُمْ ايها الحاضرون حول المحتضر حِينَئِذٍ متعلق بقوله تَنْظُرُونَ حاله فى خروج الروح وحالكم معه من العجز حيث لا يمكنكم الدفع عنه ولا تملكون شيئا الجملة حال من فاعل بلغت والعائد المفعول المحذوف لتنظروا. وَنَحْنُ أَقْرَبُ قال البيضاوي معناه نحن اعلم إِلَيْهِ اى الى المحتضر مِنْكُمْ عبر عن العلم بالقرب الذي هو أقوى اسباب الاطلاع وقال البغوي اقرب بالعلم والقدرة والروية وقيل معناه ورسلنا الذين يقبضون روحه اقرب اليه منكم وهذه التأويلات مبنية على زعمهم بان القرب منحصر فى المكانيات والزمانيات وعدم دركهم قربا غير متكيف لكنه ثابت بالشرع مدرك بفراسة المؤمن لا يدركه العوام ولذلك استدرك بقوله وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ قربى وجملة ونحن اقرب حال ثان لفاعل بلغت. فَلَوْلا فهلا تأكيد لما سبق من حروف التحضيض إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ اى غير مجرمين غير محاسبين بالبعث يوم القيامة يعنى غير مبعوثين بزعمكم او غير مملوكين

الواقعة 56:87

غير مقهورين من دانه إذا اذله واستبعده واصل التركيب للذل والانقياد. تَرْجِعُونَها اى النفس الى مقرها حتى ينتفى عن محلها الموت كالبعث او المعنى ترجونها لكونكم غير مقهورين وهذا عامل الظرف وما ورد به التخصيص بلولا وهى بما فى خيزها ودليل على جواب الشرط إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما زعمتم شرط مستغن عن الجزاء بما سبق وهو فى المعنى تأكيد للشرط السابق يعنى ان كنتم صادقين فى انكم غير مدينين كما يدل عليه حجدكم افعال الله وتكذيبكم باياته فلولا ترجعون النفس الى مقرها إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ولما سبق ذكر المحتضر المتوفى وانه مجزى مقهور لله سبحانه غير مقدور لاحد غيره توجه النفس الى انه ماذا يصنع به القاهر المالك القريب المسلط عليه فقال تفصيلا لمجمل أحواله. فَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ اما حرف شرط تقديره مهما يكن من شىء فالمتوفى ان كان من المقربين يعنى السابقين الذين هم أفضل الأصناف الثلاثة المذكورة فى صدر السورة فله روح فروح مبتداء خبره ظرف محذوف والجملة الظرفية جزاء للشرط والجملة الشرطية لمبتداء محذوف والجملة الاسمية جزاء لشرط حذف بعد اما وأقيم جزاء الجزاء مقامه يعنى ان كان من المقربين وحذف الفاء كراهة توالى حرفى الشرط والجزاء او اكتفى بالفاء الجزائية التي كانت فى الجزاء للشرط الثاني قرأ يعقوب فروح بضم الراء والباقون بفتحها فمن قرأ بالضم قال الحسن يخرج روحه فى الريحان وقال قتادة الروح الرحمة لانها كالسبب لحيوة المرحوم وقيل المراد به الحيوة الدائمة ومن قرأ بالفتح فمعناه الفرح والراحة كذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقال الضحاك المغفرة والرحمة وَرَيْحانٌ يعنى رزق طيب كذا قال مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل قال مقاتل هو بلسان حمير وقال آخرون الريحان الذي يشم قال ابو العاليه لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يوتى بعض من ريحان الجنة فبشم ثم يقبض روحه وقال أبو بكر الرزاق الروح النجاة من النار والريحان دخول دار القرار. وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وهو ثانى اصناف الثلاثة المذكورة. فَسَلامٌ لَكَ اى عليك يا صاحب اليمين مِنْ اخوانك أَصْحابِ الْيَمِينِ يسلمون عليك وقال البغوي معناه سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتهم لهم فانهم سلموا من عذاب الله وانك ترى فيهم ما تحب من السلامة فترضى قال مقاتل هو ان الله يتجاوز عن سياتهم ويقبل حسناتهم وقال القراء وغيره فسلام لك يا محمد انهم من اصحاب اليمين او يقال لصاحب اليمين سلام لك انك من اصحاب اليمين. وَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى

الواقعة 56:93

مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالقران والنبي ﷺ الضَّالِّينَ لا عن طريق الهدى يعنى اصحاب الشمال والمشامة الثالث من اصناف الثلاثة المذكورة وصفهم هاهنا بأفعالهم زجرا عنها واشعارا بما أوجب لهم أوعدهم به. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ لا فالذى يعذبهم حميم جهنم. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إدخال نار عظيمة. إِنَّ هذا المذكور فى شان المحتضرين لَهُوَ حَقُّ الخبر الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ع اى فصل بذكر ربك وامره او فنزهه بذكر اسمه عما لا يليق بعظمة شانه او نزه ربك العظيم وسيجيئ مثل هذين الآيتين اخر سورة الحاقة وقد سبق منى تفسيرها وذكرت هناك مسائل تسبيحات الركوع والسجود وما ورد فيهما من الأحاديث واختلاف الائمة فلا نعيدها والله اعلم عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم يصبه فاقة ابدا رواه البغوي وابو يعلى فى مسنده والبيهقي بسند ضعيف فى شعب الايمان.

الحديد 57:1

سورة الحديد مدنية وهى تسع وعشرون واية واربع ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ذكر هاهنا وفى الحشر والصف بلفظ الماضي وفى الجمعة والتغابن بلفظ المضارع اشعارا بان التسبيح لله تعالى من مخلوقاته مستغرق بجميع الأوقات لا يختلف باختلاف الحالات ومجىء المصدر مطلقا فى بنى إسرائيل ابلغ فى هذه الدلالة والتسبيح يتعدى بنفسه لان معناه التنزيه والتبعيد من السوء منقول من سبح إذا ذهب وبعد وقد يتعدى باللام مثل نصحته ونصحت له وجاز ان يكون تعديته باللام للاشعار بان إيقاع الفعل ثبت لاجل الله وخالصا لوجهه الكريم ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط يعم ذوى العقول وغيرهم وقيل المراد منه ما يأتي منه التسبيح ويصح وقيل المراد بالتسبيح من الجمادات ونحوها التسبيح الحالي يعنى دلالتها على تنزه الصانع تعالى عن السوء والصحيح ان شيئا من الموجودات لا يخلو عن نوع من الحيوة والعلم كما حققناه فى تفسير سورة البقر فى قوله تعالى وان منها لما يهبط من خشية الله فالتسبيح منها مقالى ايضا وان من شىء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حال يشعر بما هو المبتدا للتسبيح. لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ج فانه هو الموجد لها والمتصرف فيها والجملة اما حال من مفعول سبح او مستانفة يُحْيِي وَيُمِيتُ استيناف او خبر لمحذوف اى هو او حال من المجرور فى له وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الاحياء والاماتة وغيرهما قَدِيرٌ تام القدرة. هُوَ الْأَوَّلُ قبل كل شىء ليس قبله شىء فانه هو الموجد للاشياء محدثها كلها وَالْآخِرُ الباقي بعد فناء الأشياء ولو بالنظر الى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها فان وجوده تعالى اصل لا يحتمل الانفكاك والزوال ووجود غيره مستعار فى حكم الله وجود بالنظر الى ذاته فهو الاخر بعد كل شىء ليس بعده شىء وَالظَّاهِرُ فوق كل شىء ليس فوقه فى الفهور شىء فان منشاء الظهور الوجود ولا ظهور للمعدوم ووجود كل شىء مستفاد منه وظل لوجوده فظهور كل شىء فرع لظهوره غير انه تعالى لكمال ظهوره وشعشان وجوده اختفى عن الابصار لقصورها كما اختفى الشمس عن عين الخفاش واختفى الشمس ايضا فى تصف النهار لشدة الظهور وكمال النور عن أعين الناس فمن ادنى تميز يعترف بوجوده تعالى

الحديد 57:4

حتى الصبيان والمجانين كما يعترف الناس لوجود الشمس فى النهار وَالْباطِنُ ج لكمال ظهوره وايضا باطن كنه ذاته دون كل شىء ليس دونه شىء حتى عجز من دركه بصائر اولى الابصار من النبيين والصديقين الأخيار روى مسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن ابى شيبة عن ابى هريرة وابو يعلى الموصلي عن عائشة انه - ﷺ - كان يقول وهو مضطجع اللهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شىء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شىء أنت أخذ بناصيته اللهم أنت الاول فليس قبلك شىء وأنت الاخر فليس يعدك شىء وأنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء اقض عنا الدين واغننا عن الفقر قال البغوي وسئل عمر رض عن هذه الاية فقال معناها ان علمه بالأول كعلمه بالاخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يستوى عنده الظاهر والخفي. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ط هذا من المتشابهات والأسلم فيه تفويض تأويله الى الله تعالى والايمان بما أراد يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ كالبذور والقطر والكنوز والأموات وغير ذلك وَما يَخْرُجُ مِنْها كالزروع والانجرة والندور والمعادن والأموات عند الحشر وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالامطار والملائكة والاحكام والبركات وَما يَعْرُجُ فِيها كالانجرة والملائكة باعمال العباد وأرواحهم وَهُوَ مَعَكُمْ معية غير متكيفة أَيْنَ ما كُنْتُمْ ط فان نسبة جميع الامكنة الى الله تعالى على السواء وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم عليه. لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط ذكره مع الاعادة كما ذكر مع الإبداء لانه كالمقدمة لهما وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ط بان ينقص من أحدهما ويزيد فى الاخر وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بمكنوناتها ذكر السيوطي فى جمع الجوامع عن على رض فى الدعاء لقضاء الحوائج ان يقرأ الفواتح من سورة الحديث وثلث آيات من اخر الحشر ثم يقول يا من كذلك وليس أحد غيره كذلك اقض حاجتى كذلك. آمِنُوا ايها الناس بِاللَّهِ الذي شانه كما ذكرنا وَرَسُولِهِ فان الايمان بالله على ما ينبغى لا يمكن الا بتوسط الرسل وَأَنْفِقُوا فى سبيل الله مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ط اى بعض الأموال التي جعلكم الله خلفاء فى التصرف فيها وهو مخلوق

الحديد 57:8

مملوك الله تعالى او التي استخلفكم عمن قبلكم فى تملكها والتصرف فيها وسيخلفكم فيها غيركم ذكرها الله سبحانه بهذا العنوان للحث على الانفاق وتوهينه على النفس فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا فى سبيله لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ الفاء للتعليل وفيه مبالغات فى الوعد حيث أورد الجملة الاسمية وأعاد ذكر الايمان والانفاق وبنى الحكم على الضمير ونكر الاجر ووصفه الكبير. وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ج جملة لا تومنون حال من ضمير المخاطبين والعامل فيه معنى الفعل فى مالكم اى تصنعون غير مومنين به وجملة ما لكم معترضة للتوبيخ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ حال من الضمير فى لا تؤمنون يعنى اى عذر لكم فى ترك الايمان والحال ان الرسول يدعوكم اليه بالحجج والآيات والبينات وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ حال مرادف لما سبق او من مفعول يدعوكم يعنى والحال انه قد أخذ الله ميثاقكم بالايمان قبل ذلك حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام وقال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا على أنفسنا الاية او المعنى قد أخذ الله ميثاقكم على لسان من قبلكم من الأنبياء وفيما سبق من الكتب ان إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قالء أقررتم وأخذتم على ذلك اصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين وقيل أخذ ميثاقكم باقامة الحجج والتمكين من المنظر قرأ ابو عمرو وأخذ بضم الهمزة وكسر الخاء على البناء للمفعول وميثاقكم بالرفع والاسناد اليه والباقون على البناء للفاعل ونصب ميثاقكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط حذف جزاءه تقديره عندى ان كنتم مؤمنين بالله على زعمكم فامنوا بالله والرسول فان الايمان بالله على ما ينبغى لا يتصور الا بتوسط الرسول وذلك ان الكفار ايضا كانوا مقرين بالله تعالى ويزعمون الأصنام شفعاء اليه تعالى فى الصحيحين عن ابن عباس قال وفد عبد القيس لما أتوا النبي - ﷺ - أمرهم بأربع ونهاهم بأربع أمرهم بالايمان بالله وحده وقال أتدرون ما الايمان بالله وحده قالوا الله ورسوله اعلم قال شهادة ان لا اله الا الله ومحمد رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة وصيام رمضان وان تعطوا من المغنم الخمس ونهاهم عن اربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت وقال احفظوهن وأخبروهن من وراءكم قلت تقدير الكلام عندى أمرهم بأربع ونهاهم عن اربع بعد ما أمرهم بالايمان وحده ثم فسر الايمان بالشهادتين وفسر الأربع المامورة بقوله واقام الصلاة يعنى أمرهم باقام الصلاة الحديث هذا الحديث يدل ان الايمان بالله وحده لا يتصور الا بعد الايمان بالرسول وقال البيضاوي

الحديد 57:9

تقدير الاية ان كنتم مؤمنين بموجب ما فان هذا موجب له لا مزيد له وقال البغوي ان كنتم مؤمنين يوما تاما فالان أحرى الأوقات ان تومنوا لقيام الحجج والاعلام ببعثه محمد - ﷺ - ونزول القران. هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ محمد - ﷺ - آياتٍ بَيِّناتٍ يعنى القران او غير ذلك من المعجزات الباهرة لِيُخْرِجَكُمْ هو او عبده مِنَ الظُّلُماتِ اى الكفر والجهل إِلَى النُّورِ ط اى الايمان او العلم وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث أرسل إليكم رسوله فانزل عليه آياته ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية. وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا واى فائدة لكم يعنى لا فائدة لكم فى عدم الانفاق فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى فيما يكون قربة اليه تعالى وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ط يعنى والحال ان الله يرث كل شىء فيها ولا يبقى لاحد مال وإذا كان كذلك فانفاقه بحيث انه يستخلف عوضا يبقى وهو الثواب اولى وترك الانفاق وجمع الأموال حتى ينتفع بها غيركم لا يفيدكم أصلا عن عائشة انهم ذبحوا شاة فقال النبي - ﷺ - ما بقي منها يعنى بعد الانفاق قالت ما بقي منها إلا كتفا قال بقي كلها غير كتفها رواه الترمذي وصححه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله - ﷺ - أيكم مال وارثه أحب اليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر رواه البخاري والنسائي لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ اى فتح مكة فى قول اكثر المفسرين وقال الشعبي هو صلح الحديبية وَقاتَلَ ط قبله لا يستوى افتعال بمعنى التفاعل وفاعله من أنفق مع ما عطف عليه المحذوف يعنى لا يستوى من أنفق قبل الفتح وقاتل قبله ومن أنفق بعد الفتح وقاتل بعده أُولئِكَ الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا فيه أَعْظَمُ دَرَجَةً عند الله ثوابا وتقربا مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ الفتح وَقاتَلُوا ط حينئذ قال البغوي روى محمد ابن فضل عن الكلبي ان هذه الاية نزلت فى ابى بكر الصديق رض فانه أول من اسلم وأول من أنفق فى سبيل الله وروى البغوي بسند فى تفسيره المعالم عن ابن عمر قال كنت عند رسول الله - ﷺ - وعنده ابو بكر الصديق رض وعليه عباءة فدخلنا فى صدرها بخلال فنزل عليه جبرئيل فقال مالى ارى أبا بكر عليه عباءة فدخلها فى صدرها بخلال فقال أنفق ماله على قبل الفتح قال فان الله عز وجل يقول اقرأ عليه السلام وقل له أراض أنت عنى فى فقرك هذا أم ساخط فقال رسول الله - ﷺ - يا أبا بكر ان الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك أراض أنت عنى فى فقرك هذا أم ساخط فقال ابو بكر أسخط على ربى وانى عن ربى راض وكذا روى الواحدي فى تفسيره قلت هذه الاية بمنطوقه تدل على افضلية السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على من أمن بعد الفتح وأنفق حينئذ وبمفهومه وسياقه يدل على افضلية الصديق على ساير الصحابة وافضلية الصحابة على سائر الناس فان مدار الفضل على السبقة فى الإسلام والانفاق والجهاد كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام من سن حسنة فاجرها واجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شىء وقد اجمع العلماء على ان أبا بكر أول من اسلم واظهر إسلامه على يده اشراف قريش وأول من أنفق الأموال العظام فى سبيل الله وأول من احتمل الشدائد من الكفار ومن ثم قال رسول الله - ﷺ - مالا حد عندنا يد الا وقد كافيناه ما خلا ابى بكر فان له عندنا يد يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال ابى بكر رواه الترمذي من حديث ابى هريرة وعن ابن الزبير عن أبيه قال اسلم ابو بكر وله أربعون الفا أنفقها كلها على رسول الله - ﷺ - وفى سبيل الله رواه ابو عمر وروى البخاري فى حديث طويل ثم يدا لابى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القران وروى البخاري ان عقبة بن معيط لما راى النبي - ﷺ - يصلى جعل رداءه فى عنقه وخنقه فاطلع ابو بكر فدفع عنه وقال أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات وروى ابو عمر نحوه وزاد فاخذ الكفار أبا بكر فضربوه ضربا شديدا فلما رجع ابو بكر الى داره فكان كلما وضع يده على شعره سقط شعره مع يده ويقول تباركت يا ذا الجلال وروى ابو عمرو فى الاستيعاب انه أعتق ابو بكر سبعة كانوا يعذبون فى الله منهم بلال وعامر بن فهيرة وقال ابو اسحق انه لما اسلم ابو بكر اظهر إسلامه ودعى الناس الى الله عز وجل والى رسوله وكان ابو بكر رجلا مولفا لقومه مجيبا سهلا فجعل يدعو الى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس اليه فاسلم بدعائه فيما بلغني عثمان بن عفان رئيس بنى عبد الشمس وزبير بن العوام رئيس بنى اسد وسعد ابن ابى وقاص وعبد الرحمن بن عوف رئيسا لبنى زهرة وطلحة بن عبد الله رئيس بنى تميم فجاء بهم الى رسول الله - ﷺ - حين استجابوا له واسلموا وصلوا وانكسر شوكة قبائل قريش بإسلامهم قال ابو الحسن الأشعري تفضيل ابى بكر على غيره من الصحابة قطعى قلت قد اجمع عليه السلف وما حكى عن ابن عبد البر ان السلف اختلفوا فى تفضيل ابى بكر وعلى فهو شىء غريب الفرد به عن غيره ممن هو أجل منه علما واطلاعا منهم الشافعي وقد ذكرنا ادلة تفضيل الشيخين نقلا وعقلا فى السيف المسلول

الحديد 57:11

وله مواقف رفيعة فى الإسلام كثباته على كمال تصديقه ليلة الاسراء وجوابه للكفار فى ذلك وهجرته مع رسول الله - ﷺ - وترك عياله وأطفاله وملازمته له فى الغار وساير الطريق وكلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر فى تأخير دخول مكة وثباته مع كمال حزنه فى وفات رسول الله - ﷺ - وخطبه الناس وتسكينهم ثم قيامه فى قصة البيعة لمصالح المسلمين واهتمامه فى بعث جيش اسامة وقيامه فى قتال اهل الردة وتجهيزه الجيوش الى العراق والشام واخر مناقبه انه فوض الخلافة الى عمر رض وَكُلًّا قرأ ابن عامر بالرفع والباقون بالنصب اى كل واحد من الفريقين من الصحابة الذين أنفقوا قبل الفتح والذين أنفقوا بعده وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ط لا يحل الطعن فى أحد منهم ولا بد حمل مشاجراتهم على محامل حسنة واغراض صحيحه او خطأ فى الاجتهاد وايضا يدل صدر الاية على افضلية الصحابة على من بعدهم بسبقهم فى الإسلام والانفاق والجهاد وروى الشيخان فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ع عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر فيجازى كلا على حسبه. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ اى يقرض عباد الله بحذف المضاف او المعنى ينفق ماله فى سبيل الله رجاء ان يعوضه فصار كمن يقرضه فاستعير لفظ القرض لبدل على التزام الجزاء قَرْضاً حَسَناً بالإخلاص وتحرى أكرم المال وأفضل الجهات له فَيُضاعِفَهُ لَهُ اى يعطى اجره ضعافا قرأ عاصم فيضاعفه من المفاعلة منصوبا على جواب الاستفهام باعتبار المعنى فكانه قال يقرض الله أحد فيضاعفه له وقرأ ابن عامر ويعقوب فيضعفه من التفعيل منصوبا وقرأ ابن كثير فيضعفه من التفعيل مرفوعا عطفا على يقرض والباقون فيضاعفه من المفاعلة مرفوعا وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ حال من الضمير المنصوب فى فيضاعفه يعنى والحال ان ذلك الاجر المضموم اليه الأضعاف كريم فى نفسه ينبغى ان يطلب وان لم يضاعف فكيف وقد يضاعف أضعافا. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ظرف لقوله او فيضاعفه او متعلق بمقدر يعنى اذكر يَسْعى نُورُهُمْ اى يضىء نور التوحيد والطاعات معهم على الصراط وأينما كانوا ويكون ذلك دليلهم الى الجنة وجملة يسعى حال من المؤمنين والمؤمنات بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ قال بعض المفسرين أراد جميع جوانبهم فعبر بالبعض عن الكل ويؤيد هذا التأويل الدعاء المأثورة عن النبي - ﷺ - فانه كان يقول إذا خرج للصلوة اللهم اجعل فى قلبى نورا وفى بصرى نورا وفى سمعى نورا وعن يمينى نورا وعن شمالى نورا وخلفى نورا واجعلنى نورا رواه الشيخان وابو داود والنسائي وروى ابن ماجة عن ابن عباس وفى رواية عند مسلم وابى داود والنسائي وزاد فى لسانى نورا واجعل من خلفى نورا ومن امامى نورا واجعل من فوقى نورا ومن تحتى نورا اللهم أعطني نورا فان هذا الدعاء يقتضى احاطة النور من جميع جوانبه ولعل وجه تخصيص الجهتين بالذكران السعداء يوتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين وقال الضحاك ومقاتل يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم كتبهم وقيل يجعل الله لهم نورا فى الجهتين اشعارا بانهم بحسناتهم سعدوا بصحايفهم البيض أفلحوا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن مسعود قال يوتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نورا من كان فى إبهامه يتقدمرة ويطفى اخرى وقال قتادة ذكر لنا ان النبي - ﷺ - قال من المؤمنين من يضىء نوره من المدينة الى عدن والى الصنعاء فدون ذلك حتى ان من المؤمنين من لا يضىء نوره الا بين القدمين- (فصل) فى موجبات النور والظلمة اخرج ابو داود والترمذي عن بريدة وابن ماجة عن انس كليهما عن النبي - ﷺ - قال بشر المشائين فى الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة وورد مثله فى حديث سهل بن سعد وزيد بن الحارثة وابن عباس وابن عمر وحارثة بن وهب وابى امامة وابى الدرداء وابى سعيد وابى موسى وابى هريرة وعائشة رض وروى احمد والطبراني عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - من حافظ على الصلوات كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وروى الطبراني عن ابى سعيد مرفوعا من قرأ سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة من مقامه الى مكة وروى ابن مردوية عن ابن عمر من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدميه الى عنان السماء يضىء له يوم القيامة وروى احمد عن ابى هريرة مرفوعا من تلا اية كانت له نورا يوم القيامة وروى الديلمي عن ابى هريرة مرفوعا الصلاة علىّ نور على الصراط واخرج الطبراني فى الأوسط من ذهب بصره فى الدنيا جعل الله له نورا يوم القيامة ان كان صالحا- وروى الطبراني عن عبادة بن صامت مرفوغا فى الحج اما حلق راسك فانه ليس من شعره يقع فى الأرض الا كانت له نورا يوم القيامة وروى البزاز عن ابن مسعود مرفوعا إذا رميت الجمار كانت به نورا يوم القيامة وروى الطبراني بسند جيد عن ابى امامة مرفوعا من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورا يوم القيامة روى البزاز بسند جيد عن ابى هريرة مرفوعا من رمى بسهم فى سبيل الله كان له نورا يوم القيامة وروى البيهقي فى شعب الايمان بسند منقطع عن ابن عمر مرفوعا ذاكر لله فى السوق له بكل شعرة نور يوم القيمة وروى الطبراني عن ابى هريرة مرفوعا من فرج عن مسلم كربه جعل الله له يوم القيمة شعبتين من نور على الصراط يستضىء بهما عالم لا يحصيهم الا رب العزة واخرج الشيخان عن ابن عمر ومسلم عن جابر والحاكم عن ابى هريرة وابن عمرو الطبراني عن ابن زياد قالوا قال رسول الله - ﷺ - إياكم والظلم فانه هو الظلمات يوم القيامة والله تعالى اعلم بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ يعنى يقول لهم ذلك من يلقيهم من الملائكة كانت الجملة فى الأصل فعلية تقديره يبشركم اليوم بجنات فعدلت الى الاسمية للدلالة على الاستمرار بشرى مبتدا وجنات خبره واليوم ظرف البشرى اى المبشر به جنات او بشركم دخول جنت تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة لجنات خالِدِينَ فِيها ط حال من الجملة التي يفهم من الكلام السابق يعنى يدخلونها خالدين فيها ولا يجوز ان يكون حالا من جنات وإلا لزم جريانه على غير من هو له ذلِكَ النور والبشرى بالجنات المخلدة هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بدل من يوم ترى انْظُرُونا قرأ حمزة بهمزة القطع وفتحها فى الحالين وكسر الظاء من الافعال من النظرة بمعنى المهلة كما فى قوله تعالى حكاية عن إبليس رب أنظرني الى يوم يبعثون يعنى مهلونا جعل ثانيهم فى المشي حتى يلحقوا بهم امهالا لهم مجازا والباقون بحذف الالف فى الوصل وضمها فى الابتداء بمعنى الانتظار فى القاموس نظره وانتظره وتنظره تأنى عليه ونظرة كفرجة التأخير قال الله تعالى فنظرة الى ميسرة والله تعالى اعلم نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ومجزوم فى جواب الأمر اى تستضىء بكم ونمشى فى نوركم ولا يكون للمنافقين والكافرين نور يوم القيامة حيث لم يكن لهم نور الايمان فى الدنيا وهو المستفاد من القران ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور وبه قال الكلبي واخرج ابن ابى حاتم عن ابى امامة الباهلي قال يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور اى المؤمن بقدر أعمالهم فيتبعه المنافقون ويقولون انظرونا نقتبس من نوركم واخرج عنه من وجه اخر فى حديث طويل فيه فيغشى الناس ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا او يترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا وهو مثل ضرب الله فى كتابه او كظلمات فى بحر لّجّىّ يغشاه من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور فلا يستضىء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضىء الأعمى ببصر البصير ويقول المنافقون للذين أمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا وهى خدعة الله التي خدع بها المنافقين قال يخدعون الله وهو خادعهم فيرجعون الى المكان الذي قسم الله فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب الاية اخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال بينهما الناس فى ظلمة إذ بعث الله نورا فلما راى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان دليلا لهم من الله الى الجنة فلما راى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا الى النور تبعوهم فاظلم على المنافقين فقالوا حينئذ للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فانا كنا معكم فى الدنيا قالوا ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا نورا هناك واخرج ابن المبارك من طريق مجاهد عن يزيد بن شجرة قال انكم تكتبون عند الله باسمائكم وسيماكم وو نجواكم ومجالسكم فاذا كان يوم القيامة نودى يا فلان بن فلان لا نور لك وقال البغوي ان الله يعطى المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ويعطى المنافقين ايضا نورا خديعة لهم وهو قوله عز وجل وهو خادعهم فبينماهم يمشون إذا بعث الله ريحا وظلمة فاطفأ نور المنافقين فذلك قوله تعالى يوم لا يخزى الله النبي والذين أمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبايمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا مخافة ان يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين كذا اخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس بلفظ ليس أحد من الموحدين الا يعطى نورا يوم القيامة فاما المنافق فيطفىء نوره واما المؤمن فيشقق مما راى من اطفأ نور المنافق فهو يقول ربنا أتمم لنا نورنا والطبراني عنه نحوه واخرج مسلم واحمد والدارقطني فى الرواية من طريق ابن الزبير انه سمع جابر بن عبد الله فذكر حديثا طويلا وفيه ويعطى كل انسان منهم منافق او مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وخسك تأخذ ما شاء الله ثم يطفىء نور المنافقين- والمختار عندى ان المنافقين لا يكون لهم نورا أصلا كما يدل عليه القران وما تقدم من الأحاديث ولعل المراد بالمنافقين الذين يعطى لهم نورا فيطفى

الحديد 57:14

قبل بلوغهم الى الجنة فى الأحاديث المتاخرة اصحاب الهواء من المؤمنين كالروافض والخوارج والقرينة على هذا المراد قوله عليه السلام فى حديث ابن عباس ليس أحد من الموحدين الا يعطى نورا والموحد لا يكون الا بالشهادتين بإخلاص كما مر فى حديث وفد عبد القيس أتدري ما الايمان بالله وحده والله اعلم قيل قال ابن عباس يقول لهم المؤمنون وقال قتادة يقول لهم الملائكة ارْجِعُوا وَراءَكُمْ اى الى المكان الذي قسم فيه النور كما يدل عليه حديث ابى امامة وابن عباس وذلك خديعة بهم او المعنى ارجعوا ورائكم الى الدنيا فَالْتَمِسُوا هناك نُوراً بتحصيل الايمان والمعارف الالهية والأخلاق الفاضلة وكسب الطاعات فان هذا النور ظهور ذلك فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بين المؤمنين والمنافقين بِسُورٍ بحائط لَهُ بابٌ ط يدخل فيه المؤمنون باطِنُهُ اى باطن السور او الباب فِيهِ الرَّحْمَةُ لانه يلى الجنة وَظاهِرُهُ اى خارج السور او الباب مِنْ قِبَلِهِ اى من جهة الظاهرة الْعَذابُ لانه يلى النار- قال البغوي روى عن عبد الله بن عمر قال ان السور الذي ذكر الله فى القران بسور له باب هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم وقال ابن شريح وكان كعب يقول فى الباب الذي يسمى باب الرحمة فى البيت المقدس انه الباب الذي قال الله تعالى عز وجل فضرب بينهم بسور له باب الاية. يُنادُونَهُمْ يعنى ينادى المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجب بينهم بالسور وبقوا فى الظلمة أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ط فى الدنيا نصلى ونصوم قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ اى اهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملوها فى المعاصي والشهوات وكلها فتنة وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدواير بمحمد - ﷺ - الموت وقلتم يوشك ان يموت فنستريح منه وَارْتَبْتُمْ شككتم فى الدين وفيما أوعدكم به وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ الأباطيل وما نكتم تتمنون من نزول الدواير بالمؤمنين حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعنى الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الشيطان او الدنيا بان الله كريم لا يعذبكم او بانه لا بعث ولا حساب وقال قتادة ما زالوا على خدعتهم من الشيطان حتى قذفهم فى النار. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ قرأ ابو جعفر وابن عامر ويعقوب بالتاء لتانيث المسند اليه والباقون بالياء لان التأنيث غير حقيقى وقد وقع الفصل ايضا مِنْكُمْ فِدْيَةٌ بدل وعوض وَلا مِنَ الَّذِينَ

الحديد 57:16

كَفَرُوا ط جهارا ومَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ اى مكانكم الذي يقال فيه وهو اولى بكم او ناصركم على طريقة قولهم تحية بينهم ضرب وجيع او متوليكم اى يتولكم كما توليتم موجباتها فى الدنيا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار اخرج ابن ابى شيبة فى المصنف عن عبد العزيز بن رواد وابن ابى حاتم عن مقاتل بن حبان ان اصحاب النبي - ﷺ - ظهر فيهم المزاح والضحك فنزلت. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا من انى الأمر يانى إذا جاء اناه وقته أَنْ تَخْشَعَ اى ترق وتلين وتخضع قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ قال البغوي قال عبد الله ابن مسعود وما كان بين اسلامنا وبين ان عاتبنا الله بهذه الاية الا اربع سنين وقال ابن عباس ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على راس ثلثة عشر سنة من نزول القران واخرج ابن المبارك فى الزهد عن سفيان عن الأعمش قال لما قدم اصحاب رسول الله - ﷺ - المدينة فاصابوا من العيش بعد ما كان بهم من الجهد مكانهم وفتروا عن بعض ما كانوا فنزلت ألم يأن الاية واخرج ابن ابى حاتم عن السدى عن القاسم قال ملّ اصحاب رسول الله - ﷺ - ملة فقالوا فنزل الله نزل احسن الحديث ثم ملواملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فانزل الله ألم يأن للذين أمنوا الاية وقال البغوي قال الكلبي ومقاتل نزلت فى المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك انهم سالوا السلمان الفارسي ذات يوم فقالوا حدثنا عن التورية فان فيه العجائب فنزلت نحن نقص عليك احسن القصص فاخبرهم ان القران احسن من غيره فكفوا عن سوال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسالوا سلمان عن مثل ذلك فنزل الله نزل احسن الحديث فكفوا عن سواله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا حدثنا عن التوراة فان فيها العجائب فنزلت هذه الاية وعلى هذا فتاويل الاية ألم يأن للذين أمنوا فى العلانية وباللسان تخشع سرايرهم وقلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ قرأ نافع وحفص ويعقوب بتخفيف الزاء والباقون بالتشديد مِنَ الْحَقِّ اى القران الموصول معطوف على ذكر الله عطف أحد الوصفين على الاخر ويجوز ان يراد بالذكر ذكر الله سوى القران وَلا يَكُونُوا اى الذين أمنوا منصوب بان معطوف على تخشع وجاز ان يكون مجزوما على انه نهى معطوف على امر مفهومه مما سبق فان المفاد من قوله تعالى ألم يأن للذين أمنوا ان تخشع قلوبهم ليخشع قلوب الذين أمنوا ولا يكونوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعنى اليهود والنصارى والمراد بالنهى عن مماثلة

الحديد 57:17

اهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى فَطالَ معطوف على أوتوا عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ اى الزمان بينهم وبين أنبيائهم أو طال عليهم الزمان بطول أعمارهم فى الكفر والمعاصي فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ط معطوف على طال وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم رافضون لما فى كتابهم لفرط القساوة جملة اسمية معطوف على فعلية وجاز ان يكون حالا وجملة ألم يأن مستانفة. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ط تمثيل لاحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة او لاحياء الأموات ترغيبا فى الخشوع وزجرا عن القسوة قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكى يكمل عقولكم. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق اى المؤمنين والمؤمنات والباقون بالتشديد اى المتصدقين أدغمت التاء فى الصاد وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بطيب النفس والإخلاص عطف على معنى الفعل لان المعنى الذين صدقوا او تصدقوا وعطف القرض الحسن على التصدق للدلالة على ان المعتبر هو التصدق بالإخلاص فان قيل عطف اقرضوا على الصلة فى المصدقين وعطف المصدقات على الموصول ويلزم فيه العطف على الموصول قبل تمام الصلة وذلك غير جائز قلنا المصدقين والمصدقات اعتبر من حيث المعنى موصولا واحد عطف على صلة اقرضوا والتقدير الناس تصدقوا واقرضوا من الرجال والنساء وجاز ان يقدر للمصدقين والمصدقات خبرا ثم يقدر موصولا اخر معطوفا عليه فيقال ان المصدقين والمصدقات يدخلون الجنة والذين اقرضوا الله الاية وجاز ان يكون اقرضوا معطوفا على خبر مقدر تقديره ان المصدقين والمصدقات أنفقوا أموالهم واقرضوا الله قرضا حسنا وعلى هذا يضاعف اما صفة لقرض او مستانف وجاز ان يكون التقدير ان المصدقين والمصدقات فازوا وقد اقرضوا وعلى هذا يكون واقرضوا حالا ولا يرد على هذه الوجوه إشكال والله تعالى اعلم يُضاعَفُ لَهُمْ قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعف لهم من التفعيل والباقون من المفاعلة ولم يجزم يضاعف لانه خبر ان وهو مسند الى لهم او الى ضمير المصدر وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ عطف على يضاعف او حال من الضمير فى لهم وقد مر مثله فيما سبق. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ اى المبالغون فى الصديق او الصدق فانهم صدقوا

الحديد 57:20

جميع اخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - وهذه الاية تدل على جواز اطلاق الصديق على كل مؤمن ومن هاهنا قال مجاهد كل من أمن بالله ورسوله فهو صديق وشهيد- وكذا قال عمرو بن ميمون وللصديق اطلاق اخر أخص منه وهو من اكتسب كمالات النبوة بالوراثة والتبعية وهو المعنى من قوله تعالى فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قلت ويمكن ان يراد فى هذه الاية ايضا هو المعنى والمراد بالموصول المعهود يعنى الصحابة رض فانهم هم الذين كانوا موجودين فى زمن النبي - ﷺ - والحصر المستفاد من الضمير الفصل يدل على انحصار الصديقية فى الصحابة ويكون الحصر إضافيا بالنسبة الى اكثر الناس قال المجدد رح الصحابة كلهم كانوا فى كمالات النبوة كان كل من راى النبي - ﷺ - نظرة مع الايمان يستغرق فى كمالات النبوة وللصديق اطلاق اخر أخص من ذلك وبذلك المعنى قال على رض انا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي الاكاذب وبذلك الإطلاق قال الضحاك هم ثمانية نفر من هذه الامة سبقوا اهل الأرض فى زمانهم الى الإسلام ابو بكر وعلى وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب الحقه الله بهم لما عرف من صدق نية ومعنى الحقه بهم ان الله تعالى جعله صديقا بعدهم بستة سنة لا بمعنى انه دونهم فى الرتبة بل هو أفضل غير ابو بكر رضى الله عنه وَالشُّهَداءُ لله وللرسول او على الأمم يوم القيمة عطف على الصديقين وقيل مبتداء خبره عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة فقيل هم الأنبياء لقوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يروى ذلك عن ابن عباس وقول مقاتل ابن حبان وقال مقاتل بن سليمان هم الذين استشهدوا فى سبيل الله لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ اى الاجر والنور الموعد ان لهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى خالدين فيها دون غيرهم فان الصحة تدل على الملازمة والتركيب يشعر بالاختصاص. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا مبتداء المراد ما يرغب فيه الناس فى الحيوة الدنيا بما لا يتوصل به الى المنافع الاخرة لَعِبٌ مع ما عطف عليه خبر يعنى لا فائدة فيها فانها كانت قليلة النفع نظرا الى ما يفيد فى الاخرة شريعة الزوال عد لعبا كانه لا فائدة فيها أصلا وَلَهْوٌ يمنع الناس عمايهم لهم من الأمور الاخروية وَزِينَةٌ يتزينون به كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ بالأنساب وغير ذلك مما لا مزية بها عند الله تعالى

الحديد 57:21

وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ط اى مباهات بكثرة الأموال والأولاد وجملة انما الحيوة الدنيا إلخ قايم مقام مفعولى اعلموا كَمَثَلِ غَيْثٍ خبر اخر للمبتداء والكاف فى محل الرفع أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ صفة الغيث تمثيل لامور الدنيا فى سرعة زوالها وقلة جدواها وانما خض الاعجاب بالكفار لان المؤمن إذا راى شيئا معجبا انتقل فكره الى قدرة صانعه فاعجب بها والان مطمح نظره الى محاسن الاخروية فلا يمد عينه الى زهرة الحيوة الدنيا وقيل المراد بالكفار والزراع ذكر فى القاموس فى معنى الكافر الزراع لان معنى الكفر الستر والزراع يستر البذر فى الأرض ثُمَّ يَهِيجُ عطف على اعجب اى ثم يبس بعاهة فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ط الحطام ما يكسر باليبس كذا فى القاموس وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لاعداء الله لاشتغالهم عما يفيدهم فى الاخرة بما هو لعب ولهو وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ ط لاوليائه لتجافيهم عن دار الغرور وتهيئهم لدار الخلود وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ لمن لم يستعملها الطلب الاخرة واما من استعملها الطلب الاخرة فله متاع بلاغ الى ما هو خير منه. سابِقُوا اى سارعوا مسارعة السابقين فى المضمار بالايمان والخوف والرجاء والأعمال الصالحة إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها اى بسطها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وقال السدى كعرض سبع سموات وسبع ارضين يعنى لو وصل بعضا ببعض وإذا كان العرض كذلك نطولها اكثر منه أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ط فيه دليل على ان الجنة مخلوقة وان الايمان وحده كاف فى استحقاقها وان الايمان بالله لا يعتد به مالم يومن برسوله ذلِكَ الموعود فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ط يتفضل به على من يشاء من غير إيجاب فيه دليل على ان إدخال المؤمنين الجنة انما هو بفضل الله تعالى ومبنى على وعده غير واجب على الله تعالى كما قال به المعتزلة خذلهم الله اخرج ابو نعيم عن على رض قال قال رسول الله - ﷺ - ان الله تبارك وتعالى اوحى الى نبى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا اناصب عبد الحساب يوم القيامة ان شاء أعذبه إلا عذبته وقل لاهل معصيتى من أمتك لا تلقوا بايديهم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - ان لا ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى برحمة منه وفضل وعن عائشة عن النبي - ﷺ - قال سددوا قاربوا بشروا

الحديد 57:22

فانه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله بمغفرة ورحمته- ولمسلم من حديث جابر نحوه وقد ورد هذا من حديث ابى سعيد أخرجه احمد وابى موسى وشريك بن طارق أخرجهما البزاز وشريك بن ظريف واسامة بن شريك واسد بن كدر أخرجها الطبراني وستشكل هذا مع نحو قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وأجيب بان درجات الجنة متفاوتة تنال بتفاوت الأعمال واصل دخولها والخلود فيها بفضل الله ورحمته ويؤيده ما أخرجه هناد فى الزهد عن ابن مسعود قال تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقيمون المنازل بأعمالكم واخرج ابو نعيم عن عون بن عبد الله مثله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فانه لا يبعد منه التفضل بذلك وان عظم قدره-. ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ كجدب وعاهة وكائنة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ كمرض وافة وموت الأحباب صفة لمصيبة إِلَّا فِي كِتابٍ فى موضع الحال اى كاينة فى حال من الأحوال إلا حال كونها مكتوبة فى اللوح مثبة فى علم الله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ط اى نخلقها والضمير للمصيبة او للارض او للانفس إِنَّ ذلِكَ الإثبات مع كثرتها عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ هين. لِكَيْلا تَأْسَوْا اى كتب فيه لئلا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ من نعم الدنيا وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ط منها فان من علم ان الكل مقدر لا يجوز تغيره بان عليه الأمر قرأ ابو عمر وبقصر الالف من الإتيان معا ولا بقوله تعالى ما فاتكم والباقون بالمد أي بما اعطاكم الله وفى قراءة الجمهور اشعار بان الفوات لا يستدعى علة فانه عدم أصلي اما الوجود والبقاء فلا يتصور إلا بعلة والمراد به نفى الاسى المانع من التسليم لامر الله والصبر والفرح الموجب للنظر والاختيال ولذلك عقبه بقوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الجملة منصوبة على الحال كُلَّ مُخْتالٍ متكبر بنعم الدنيا فَخُورٍ به على الناس قال عكرمة ليس أحد الا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا قال جعفر الصادق يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت ومالك تفرح بموجود لا يتركه فى يدك الموت. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ط منصوب على انه بدل من كل مختال او مرفوع على انه مبتدا خبره محذوف دل عليه قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّ اى يعرض عن الانفاق فى سبيل الله فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عنه عن إنفاقه لا يضره الاعراض عن شكره لا ينفعه التقرب اليه لشكر نعمة قرأ نافع وابن عامر بغير هو وكذلك فى مصاحفهم والباقون بضمير الفصل

الحديد 57:25

الْحَمِيدُ محمود فى ذاته. لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا من الملائكة الى الأنبياء ومنهم الى الأمم بِالْبَيِّناتِ بالحجج والمعجزات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ لتبين الحق من الباطل والعمل الصالح من الفاسد والحلال من الحرام وَالْمِيزانَ اى العدل وقال مقاتل بن سليمان وهو ما يوزن به وانزاله إنزال الأمر بالاستعمال ليسوى به الحقوق وقيل ان جبرئيل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه الى نوح وقال مرقومك يزنوا به لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ج بالعدل وان لا يظلم أحد أحدا علة لانزال الكتاب والميزان وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ روى عن ابن عمر يرفعه ان الله انزل اربع بركات من السماء الى الأرض الحديد والنار والماء والملح وقال اهل المعاني معنى قوله تعالى أنزلنا الحديد انشأنا وأحدثنا اى اخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه وقال قطرب هذا من النزل كما يق انزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الاية جعل ذلك نزلا لهم ومثله قوله تعالى وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج فِيهِ بَأْسٌ اى حرب شَدِيدٌ فان آلات الحرب متخذة منه وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إذ ما من صنعة الا والحديد آلتها وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ عطف على محذوف اى لتقاتلوا فى سبيل الله أعدائه وليعلم الله مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ وجاز ان يكون اللام صلة لمحذوف اى وأنزله ليعلم الله وجاز ان يكون معطوفا على مفهوم فيه بأس شديد تقديره وأنزلنا الحديد لان فيه بأسا شديدا وليعلم الله بِالْغَيْبِ ط حال من المستكن فى ينصره إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على إهلاك من أراد هلاكه عَزِيزٌ ع لا يحتاج الى نصره أحد وانما امر الناس بالجهاد تفضلا على الناس ليبتغوا به مرضات الله واستوجبوا ثواب امتثال الأمر وإعزاز الدين او الشهادة. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ بيان وتفسير لما سبق من قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلنا وخصا بالذكر بفضلهما وكثرة ذريتهما وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ يعنى فضلناهما بجعل النبوة والكتاب فى ذريتهما فان الكتب الاربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان أنزلت فى ذرية ابراهيم وهو من ذرية نوح عليهما السلام وذكر فى المدارك عن ابن عباس ان المراد بالكتاب الخط بالقلم يقال كتبت كتابا فَمِنْهُمْ اى من الذرية او من المرسل إليهم وقد دل عليهم الإرسال والفاء للسببية مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ اى اثار نوح وابراهيم من أرسل إليهم ولا يجوز إرجاع الضمير الى الذرية لان الرسل المقفى بهم كانوا من ذريتهما.

الحديد 57:27

بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا الرسل أجمعين قبل محمد - ﷺ - بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وكان اخر أنبياء بنى إسرائيل وكان بعده فترة الرسل حتى بعث الله خاتم النبيين محمدا - ﷺ - وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً مودة ولينا وَرَحْمَةً ط تعطفا على إخوانهم وعلى المؤمنين كما قال الله تعالى لتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا انا نصارى وكما قال فى صفة اصحاب النبي - ﷺ - رحماء بينهم وَرَهْبانِيَّةً وهى المبالغة فى العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس وترك الشهوات حتى المباحة منها كالاكل بالنهار والنوم بالليل والنكاح وغيرها منسوبة الى الرهبان فعلان من الرهب بمعنى خاف كخشيان من خشى معطوف على رافة جعلنا فى قلوبهم الميل الى رهبانية ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم صفة لرهبانية وابتداعهم إياها لا ينافى جعل الله تعالى ميلها فى قلوبهم وجاز ان يكون رهبانية منصوبا بالفعل يفسره قوله تعالى ابتدعوها والجملة معطوفة على جعلنا فى قلوبهم رافة ورحمة وابتدعوا من قبل أنفسهم رهبانية ما كَتَبْناها اى ما كتبنا شيئا من خصائل الرهبانية عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فالاستثناء حينئذ متصل وقيل الاستثناء منقطع لعدم دخول ابتغاء مرضات الله فى الرهبانية والمعنى ولكن كتبنا عليهم ابتغاء مرضات الله فَما رَعَوْها اى الرهبانية النفي لسلب العموم لا لعموم السلب والمعنى فمارعوها جميعهم حَقَّ رِعايَتِها ج بل ضيعها بعضهم بترك ما التزموا على أنفسهم من المبالغة فى الرياضة او لقصد الرياء والسمعة والميل الى الدنيا او بكفرهم وقولهم ثالث ثلثة او قولهم بالاتخاذ او بتهودهم وكفرهم بعيسى ومحمد او بكفرهم بمحمد - ﷺ - بعد ما استقاموا على دين عيسى قبل مبعثه فهؤلاء كلهم مارعوها حق رعايتها- فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ايمانا صحيحا وحافظوا حقوقها حتى أمنوا بمحمد - ﷺ - على ما وصى به عيسى عليه السلام مِنْهُمْ اى ممن ادعى باتباع عيسى عليه السلام أَجْرَهُمْ ج اى الاجر الموعود لهم على حسب أعمالهم فمن رعى حق رعاية الترهيب كما التزم أتاه اجر عمله ومن استقام على الدين الايمان ولكن لم يراع الرهبانية حقها أتاه اجر عمله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن اتباع عيسى وهم الذين قالوا بالتثليث وللاتخاذ او التهود او دخلوا فى دين الملوك واثبتوا على دين عيسى لكنهم كفروا بمحمد - ﷺ - روى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال دخلت على رسول الله فقال يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على ثنتين وسبعين فرقة نحا منهم ثلثة وهلك سايرهن فوقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فاخذوهم وقتلوهم وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بان يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم الى دين الله ودين عيسى فساحوا فى البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم فقال النبي - ﷺ - من أمن بي وصدقنى واتبعنى فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فاولئك هم الهالكون وقال البغوي روى عن ابن مسعود قال كنت رديف رسول الله - ﷺ - على حمار فقال يا ابن أم عبد هل تدرى من اين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية قلت الله ورسوله اعلم قال ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب اهل الايمان فقاتلوهم فهزم اهل الايمان ثلث مرات فلم يبق منهم الا قليل فقالوا ان ظهرنا هؤلاء أفتونا ولم يبق للدين أحد يدعوا اليه فقالوا تعالوا فتفرق فى الأرض الى ان يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى يعنون محمدا - ﷺ - فتفرقوا فى غير ان الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الاية ورهبانية ابتدعوها الاية فاتينا الذين أمنوا منهم يعنى ثبتوا عليها أجرهم ثم قال النبي - ﷺ - يا ابن أم عبدا تدرى ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله اعلم قال الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلال قال وروى عن انس عن النبي - ﷺ - ان لكل امة رهبانية ورهبانية هذه الامة الجهاد فى سبيل الله وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت الملوك بعد عيسى عليه السلام بدلوا التورية والإنجيل وكان فيهم مومنون يقرؤن التوراة والإنجيل ويدعونهم الى دين الله فقيل لملوكهم لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم او دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل او يتركوا قراءة التوراة والإنجيل الا ما بدلوا منها فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طايفة ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا ترفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم وقالت طايفة دعونا نسيح فى الأرض ونهيم ونشرب كما نشرب الوحش فان قدرتم علينا بأرض فاقتلونا وقالت طايفة ابنوا لنا دورا فى الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم ففعلوا ذلك فمعنى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فجعل الرجل يقول نكون نحن فى مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذدورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بايمان الذين اقتدوا بهم فلك قومه؟؟؟ عز وجل وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها اى ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها يعنى الآخرين الذين جاؤا من بعدهم فاتينا الذين أمنوا منهم أجرهم يعنى الذين ابتدعوها ابتغاء مرضات الله وكثير منهم فاسقون

الحديد 57:28

هم الذين جاؤا من بعدهم قال فلما بعث النبي - ﷺ - ولم يبق منهم الا قليل حط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحة وصاحب الدير من ديره وأمنوا به واخرج الطبراني فى الأوسط بسند فيه من لا يعرف عن ابن عباس ان أربعين من اصحاب النجاشي قدموا فشهدوا وقعة أحد فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا يا رسول الله انا اهل ميسرة فاذن لنا نجىء باموالنا نواسى بها المسلمين فانزل الله تعالى الذين آتيناهم الكتب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا أمنا به انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبرو فلما نزلت قالوا يا معشر المسلمين اما من أمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله اجر كاجوركم فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد - ﷺ - يُؤْتِكُمْ هو وما عطف عليه مجزوم فى جواب الأمر كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ وكذا اخرج ابن ابى داود خاتم عن مقاتل قال لما نزلت أولئك يؤتون أجرهم مرتين الاية فخرمو من اهل الكتاب على اصحاب النبي - ﷺ - فقالوا لنا أجران ولكم اجر فشق ذلك على الصحابة فانزل الله تعالى هذه الاية فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمنى اهل الكتاب وعلى هذه الرواية الخطاب فى قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا لاصحاب النبي - ﷺ - عامة وحينئذ قوله وأمنوا برسوله تأكيد لما سبق يعنى أمنوا لجميع ما جاء به الرسول حق الايمان وقال البغوي واكثر المفسرين هذا خطاب اهل الكتابين من اليهود والنصارى يقول الله تعالى يايها الذين أمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله فى محمد أمنوا برسوله محمد - ﷺ - يؤتكم كفلين من رحمته يعنى يوتكم أجرين لايمانكم بعيسى والإنجيل وبحمد والقران وقال البيضاوي لا يبعد ان يثابوا اى اليهود ايضا على دين السابق وان كان منسوخا ببركة الإسلام وقيل الخطاب للنصارى الذين كانوا فى عصره وفى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله - ﷺ - ثلثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب أمن بنبيه وأمن بمحمد - ﷺ - والعبد المملوك ادى حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده امة يطاها فادبها فاحسن تأديبها وعلمها فاحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ على الصراط كذا قال ابن عباس ومقاتل فهذه الاية نظيره قوله تعالى يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم ويروى عن ابن عباس ان النور هو القران وقال مجاهد هو الهدى والبيان اى يجعل لكم سبيلا واضحا فى الدين تهتدون به الى جناب القدس وجنات الفردوس وَيَغْفِرْ لَكُمْ ط ما سبق من ذنوبكم

الحديد 57:29

وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اخرج ابن جرير عن قتادة قال بلغنا انه لما نزلت يؤتكم كفلين من رحمته حسد اهل الكتاب المسلمين عليها فانزل الله تعالى. لِئَلَّا يَعْلَمَ متعلق بافعال واقعة فى جواب الأمر على التنازع قيل متعلق بمحذوف تقديره أعلمكم بذلك لئلا يعلم ولا مزيدة والمعنى ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ان هى المخففة والمعنى انه لا ينالون شيئا من فضل الله الا بمشية الله تعالى ولا يقدرون على نيله باختيارهم هذه الرواية عن قتادة يناسب ما روى الطبراني عن ابن عباس وابن ابى حاتم عن مقاتل ان الخطاب فى قوله تعالى يايها الذين أمنوا اتقوا الله وأمنوا برسوله للمؤمنين عامة لا لاهل الكتاب وذكر البغوي قول قتادة انه حسد الذين لم يؤمنوا من اهل الكتاب المؤمنين منهم فانزل الله تعالى لئلا يعلم اهل الكتاب ان لا يقدرون على شىء من فضل الله على خلاف ما زعموا انهم أبناء الله وأحبائه واهل رضوانه وانهم لا يتمكنون من نيل شىء من الاجر والثواب لانهم لم يؤمنوا برسله وهو مشروط بالايمان به وعلى هذا يناسب ما ذكر المفسرون فى الاية خطاب لاهل الكتابين وقيل لا غير مزيدة والمعنى لئلا يعتقد اهل الكتاب انه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شىء من فضل الله ولا ينالون واخرج ابن المنذر عن مجاهد وكذا ذكر البغوي ان لا يقدرون على شىء من فضل الله على خلاف ما زعموا انهم أبناء الله وأحبائه واهل رضوانه وانهم لا يتمكنون من نيل شىء من الاجر والثواب لانهم لم يومنوا برسله وهو مشروط بالايمان به وعلى عنه انه قال قالت اليهود يوشك ان يخرج منا نبى فيقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فانزل الله لئلا يعلم اهل الكتاب اى ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم انه لا يقدرون على شىء من فضل الله فضلا ان يتصرفوا فى أعظمه وهو النبوة ويؤيده قوله تعالى وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ط خبر بعد خبر لان وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ روى البخاري فى صحيحه عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال انما اجلكم فى أجل من خلا من الأمم ما بين صلوة العصر الى مغرب الشمس وانما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عملا فقال من يعمل لى الى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود الى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل من نصف النهار الى العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار الى صلوة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لى من صلوة العصر الى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين الا فانتم الذين تعملون من صلوة العصر الى مغرب الشمس الا لكم الاجر مرتين فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن اكثر عملا واقل عطاء فقال الله تعالى فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال الله تعالى فانه فضل أعطيه من شئت وروى البخاري عن ابى موسى عن النبي - ﷺ - قال مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استاجر قوما يعملون عملا يوما الى الليل على اجر معلوم فعملوا الى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا الى أجرك الذي شرطت لنا فهو باطل فقال لهم الا تفعلوا بقية عملكم وخذوا اجركم كاملا فابوا وتركوا واستاجر آخرين بعدهم فقال اكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت من الاجر فعملوا حتى إذا كان صلوة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الاجر الذي جعلت لنا فيه فقال اكملوا بقية عملكم فانما بقي من النهار شىء يسير فابوا فاستاجر قوما ان يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غاب الشمس فاستكملوا اجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور والله تعالى اعلم قلت حديث ابن عمر حكاية عن اليهود والنصارى الذين عملوا على ما أمرهم الله تعالى قبل ان ينسخ دينهم فلهم أجرهم على ما وعدهم الله تعالى وحديث ابى موسى حكاية عن اليهود الذين كفروا بعيسى والنصارى الذين كفروا بمحمد - ﷺ - وتركوا ما أمرهم الله تعالى وقد أخذ منهم الميثاق انه إذا جاءكم رسول مصدقا لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه فهؤلاء لا اجر لهم أصلا وحبط ما كانوا يعملون وفى الحديثين بشارة لامة محمد - ﷺ - بانهم يوتون الأجور على أضعاف أجور الصالحين من الأمم الماضيين وبانهم لا يزالوا على الحق الى يوم القيامة إنشاء الله تعالى وعن معاوية قال سمعت النبي ﷺ يقول لا يزال من أمتي قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ولا خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك متفق عليه اللهم اجعلنى من الامة القائمة بامرك المويدة لدينك وبحرمة نبيك واله وأصحابه أجمعين صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه أجمعين برحمتك يا ارحم الراحمين روى ابو داود والترمذي والنسائي عن عرباض بن سارية انه ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل ان يرقد ويقول ان فيهن اية خير من الف اية قلت لعل ذلك الاية التسبيح روى النسائي عن معاوية موقوفا انهن الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى قلت ومنها على بنى إسرائيل ولم يذكرها معاوية وقد روى الترمذي والنسائي والحاكم وحتى يقرأ بنى إسرائيل والزمر خشيت ان النبي ﷺ كان يقرأ المسبحات السبع قبل ان يرقد.

المجادلة 58:1

سورة المجادلة مدنية وهى اثنتان وعشرون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت تبارك الذي وسع سمعه كل شىء انى لا سمع كلام خولة ابن ثعلبة ويخفى على بعضه وهى تشتكى زوجها الى الرسول - ﷺ - وهى تقول يا رسول الله أكل مالى ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سنى وانقطع ولدي ظاهر منى اللهم انى أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبرئيل بهؤلاء الآيات قَدْ سَمِعَ اللَّهُ أدغمت حمزة والكسائي وابو عمر وهشام الدال فى السين وكلمة قد لتقريب الماضي الى الحال ويشعر بان الرسول - ﷺ - او المرأة يتوقع ان الله يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وهو أوس بن الصامت والمجادلة الشدة فى الخصومة والمراد هاهنا شدتها فى مراجعة الكلام مثل شدة الخصمين وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ عطف على تجادلك وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ط تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ للاقوال بَصِيرٌ بالأحوال قال البغوي نزلت فى خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن صامت وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فارادها فابت فقال لها أنت على كظهر أمي ثم ندم على ما قال كان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية فقال لها ما أظنك الا قد حرمت على فقالت والله ما ذاك طلاق فاتت رسول الله - ﷺ - وعائشة رض تغسل شق راسه فقالت يا رسول الله ان زوجى أوس بن الصامت تزوجنى وانا شابة غنية ذات مال واهل حتى أكل مالى وأفنى شبابى وتفرق أهلي وكبرت سنى ظاهر منى وقد ندم فهل من شىء يجمعنى وإياه تنعشنى به فقال رسول الله - ﷺ - حرمت عليه فقالت أشكو الى الله فافتى ووحدتي قد طالت صحبتى ونفضت له بطني فقال رسول الله - ﷺ - ما أراك الا حرمت عليه ولم اومر فى شانك بشىء فجعلت تراجع رسول الله - ﷺ - وإذا قال - ﷺ - حرمت عليه امتنعت وقالت أشكو الى الله فاقتى وشدة حالى وان بي صبية صغار ان ضممتهم اليه ضاعوا وان ضممتهم الىّ جاعوا وجعلت ترفع راسها الى الله وتقول اللهم انى أشكو إليك اللهم فانزل على لسان نبيك وكان هذا أول ظهار فى الإسلام فقامت عائشة تغسل شق راسه الاخر فقالت انظر فى امرى جعلنى الله فداك يا نبي الله فقالت عائشة اقصرى حديثك ومجادلتك اما ترين وجه رسول الله - ﷺ - وكان رسول الله - ﷺ - إذا انزل عليه اخذه السبات فلما قضى الوحى

المجادلة 58:2

ادعى زوجك فجاء فتلى عليه رسول الله - ﷺ - قد سمع الله قول التي تجادلك فى زوجها الآيات قالت عائشة تبارك الذي وسع سمعه الأصوات ان المرأة لتحاور رسول الله - ﷺ - وانا فى ناحية البيت اسمع بعض كلامها ويخفى على بعضه إذ انزل الله تعالى قد سمع الله الاية. الَّذِينَ يُظاهِرُونَ قرأ عاصم فى الموضعين بضم الياء وتخفيف الظاء والف بعدها وكسر الهاء من المفاعلة وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظاء والف بعدها من الافاعل أصله يتظاهرون ادغم التاء فى الظاء والباقون من غير الالف من الافعل أصله تفعل- والظهار ان يقول الرجل لامرأته أنت على كظهر أمي كان ذلك طلاقا فى الجاهلية مثبتا للحرمة المؤبدة فنقله الشرع الى الحرمة المنتهية بالكفارة مشتق من الظهر والحق به الفقهاء تشبيها بجزء منها لا يحل له النظر اليه كان يقول أنت على كظهر أمي او فخذها او كفرجها وعند الشافعي لو شبهها بجزء لا يحرم نظره اليه كاليد والعين يكون الظهار ايضا كذا لو شبهها بالجدة او العمة او الخالة او البنت او بامرأة اخرى محرمة عليه بالتابيد وشرط الشافعي ان يكون تحريمها غير طارية فلاظهار عند الشافعي لو قال أنت على كظهر مرضعتى وزوجة ابى وعند ابى حنيفة يكون ظهارا لانها فى الحرمة المؤبدة كالام وكذا لو شبه من امرأته جزءا شايعا او جزأ يعبر به عن الكل كان قال راسك على كظهر أمي او فرجك او وجهك او رقبتك او بدنك او جسمك او روحك او نفسك او نصفك او ثلثك لانها اما يعبر بها عن جميع البدن او يثبت الحكم فى الشائع فيتعدى الى الكل وان قال يدك او رجلك على كظهر أمي لا يكون ظهارا خلافا للشافعى فى اظهر أقواله وان قال أنت على كامى او مثل أمي يرجع الى نيته لينكشف حكمه فان قال نويت الكرامة صدق لان التكريم بالتشبيه فاش فى الكلام وان قال أردت الظهار يكون ظهارا لانه تشبيه بجميعها وفيه تشبيه بالعضو لكنه ليس بصريح فيفتقر الى النية وان قال أردت الطلاق كان طلاقا بائنا لانه تشبيه بالأم فى الحرمة فكانه قال أنت على حرام ونوى به الطلاق وان لم ينو أصلا فليس بشىء لاحتمال الكرامة وقال محمد ظهار والله تعالى اعلم (مسئله) لو قال أنت على كظهر أمي الى شهر مثلا لا يكون ظهارا عند الشافعي فى رواية بل لغوا وفى رواية عنه يكون ظهارا وبه قال ابو حنيفة واحمد ويلزم الكفارة على هذا القول بالعزم على الوطي فى المدة وان لم يعزم حتى مضت المدة فلا كفارة عليه غير انه عند احمد ولو وطى المظاهر المظاهر منها فى المدة قبل الكفارة يا ثم ويستقر عليه الكفارة وعند ابى حنيفة يأثم ولا تستقر عليه الكفارة بل لو عزم الوطي ثانيا فى المدة كفر ولو مضت المدة حلت عليه بلا كفارة ولو أبانها فى المدة لا كفارة عليه وعند مالك وهو رواية عن الشافعي انه ظهار موبد وفى الباب حديث سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال كنت امرا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يوت غيرى فلما دخل رمضان تظهرت من امراتى حتى ينسلخ رمضان فرقا من ان أصيب وفى ليلتى شيئا فاتتابع فى ذلك حتى يدركنى النهار وانا لا اقدر ان انزع فبينما هى تخدمنى إذ تكشف منها شىء فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومى فاخبرتهم خبرى وقلت انطلقوا معى الى رسول الله - ﷺ - فاخبروه بامرى فقالوا لا والله لا تفعل نتخرف ان ينزل فينا القران او يقول فينا رسول الله - ﷺ - مقالة يبقى علينا عارها ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدأ لك فخرجت حتى أتيت النبي - ﷺ - فاخبرته خبرى فقال لى أنت بذاك فقلت انا بذاك قال أنت بذاك فقلت انا بذاك قال أنت بذاك قلت نعم فقال لى أنت بذاك فقلت انا بذاك فامض فى حكم الله عز وجل فانى صابر له قال أعتق رقبه قال فضربت صفحة رقبتى بيدي فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت املك غيرها قال فصم شهرين قلت يا رسول الله وهل اصلبني ما أصابني الا فى الصيام قال فتصدق فقلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشيا ما لنا عشا قال اذهب الى صاحبه صدقة بنى زريق فقل له فليدفعها إليك فاطعم عنك منها وستامن تمر ستين مسكينا ثم استعن سايرها عليك وعلى عيالك قال فرجعت الى قومى فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله - ﷺ - السعة والبركة قد أمرني بصدقتكم الى فادفعوها الى رواه احمد والحاكم واصحاب السنن الا النسائي وأعله عبد الحق بالانقطاع وابن سليمان لم يدرك سلمة حكى ذلك الترمذي عن البخاري ورواه الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وابى سلمة بن عبد الرحمن بلفظ ان سلمة بن صخر جعل امرأته على نفسه كظهر أمي ان غشيها حتى يمضى رمضان فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال أعتق رقبة الحديث احتج ابن الجوزي لهذا الحديث على كون الظهار الموقت موقتا وعلى انه إذا وطى المظاهر قبل التكفير اثم واستقرت الكفارة فى ذمته وليس فى الحديث حجة على كونها الظهار الموقت لكنه حجة على انه لا يلغو سواء كان فى الشرع موقتا او مويدا ثم احتجاج ابن الجوزي لا يخلو عن المصادرة على المطلوب فانه لو قلنا ان الظهار الموقت لا يكون موقتا بل يكون مويدا فلا يكون الحديث حجة على استقرار الكفارة بالوطى قبل الكفارة لجواز ان النبي - ﷺ - امره بالكفارة لتحصيل الحل بعد رمضان ولفظنا ان الكفارة لا تستقر فى الذمة بالوطى قبل التكفير بل التكفير انما هى لرفع الحرمة الثابتة بالظهار والوطي قبل التكفير موجب للاثم فقط والحرمة باقية بعد ذلك ولا يحتاج الى التكفير الا من عزم على الوطي وأراد الاستباحة بعد ذلك واما من طلقها بعد الوطي فلا حاجة الى الكفارة كما هو مذهب ابى حنيفة رح فالحديث حجة على كون الظهار الموقت موبدا لانه - ﷺ - امره بصيام شهرين ان صيام شهرين لا يتصور منه الا بعد انقضاء رمضان الذي ظاهر فيه موقة الى انسلاخه فلو كان حرمة الظهار منتهية بانتهاء رمضان لا يحتاج الى الكفارة بعد ذلك فلا يصح قول ابى حنيفة فى الظهار الموقت ان يكون موقتا والله تعالى اعلم (مسئله) الظهار المعلق بشرط يصح احتج الرافعي بحديث سلمة بن صخر المذكور على صحة تعليق الظهار وتعقبه ابن الرافعة بان الذي فى السنن لا حجة فيه على جواز التعليق وانما هو ظهار موقت لا تعليق فيه لكن اللفظ المذكور عند البيهقي يشهد بما قال الرافعي (مسئله) لو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط فى العدة لا يصير مظاهرا كذا قال ابن همام (مسئله) يصح الظهار بشرط النكاح عند ابى حنيفة فاذا قال لاجنبية ان تزوجتك فانت على كظهر أمي فتزوجها ولزم كفارة الظهار ولو قال أنت على كظهر أمي فى رجب ورمضان وكفر فى رجب أجزأه عنها (مسئله) لو ظاهر فجن ثم أفاق فهو على حكم الظهار ولا يكون عائدا بالافاقة ما لم يعزم على الوطي خلافا لاجد الوجهين للشافعى والله تعالى اعلم- (مسئله) من قال لنسائه أنتن على كظهر أمي كان مظاهرا منهن جميعا اجماعا وهل يتعدد الكفارة فعند ابى حنيفة والشافعي يتعدد بتعدد هن وبه قال الحسن والطبراني والثوري وغيرهم وقال مالك واحمد كفارة واحدة روى ذلك عن عمر رواه البيهقي من رواية سعيد بن المسيب عنه ومن رواية مجاهد عن ابن عباس عنه وكذا روى عن على وعروة وطاؤس اعتبروه باليمين بالله فى الإيلاء قلنا الكفارة لرفع الحرمة الثابتة بالظهار وهى متعددة بتعدد هن وكفارة اليمين لهتك حرمة اسم الله تعالى وهى واحدة (مسئله) لو كرر الظهار من امرأة واحدة فى مجلس واحد او مجالس متعددة يتكرر الكفارة عند ابى حنيفة وغيره لان الظهار يثبت الحرمة والنكاح باق فيصح الظهار الثاني والثالث ولا منافاة فى اجتماع اسباب الحرمة كالخمر يحرم على الصائم بعينها وللصوم واليمين الا انه إذا نوى بما بعد الاول تأكيدا فيصدق قضاء وديانة بخلاف الطلاق بانه لو نوى تأكيد الا يصدق قضاء لان حكم الظهار بينه وبين الله تعالى وأورد عليه انه لما ثبت بالظهار الاول الحرمة فلا يثبت بالثاني والا يلزم تحصيل الحاصل والأسباب إذا كانت من جنس واحد لا يستدعى تعدد الحرمة فلا بد ان ترتفع حرمة الظهارات المتعددة بكفارة واحدة كما ان الحدث الثابت بأسباب متعددة ترفع بوضوء واحد والله تعالى اعلم مِنْكُمْ حال من فاعل تظاهرون وفيه تهجين لعادة العرب فانه كان من ايمان اهل الجاهلية قيل التقييد بقوله منكم يفيد انه لا يصح الظهار من الذمي وبه قال ابو حنيفة ومالك خلافا للشافعى واحمد وهى رواية البرامكة عن ابى حنيفة لان الكافر ليس منا والحاقة بالقياس متعذر لان الظهار جناية حكمها تحريم يرتفع بالكفارة وشرك الكافر يمنع من رفع اثر الجنابة عنه بالكفارة ولانه ليس أهلا للكفارة لانها عبادة حتى اشترطت النية فلا يصح من الكافر فيبقى تحريما مؤبدا او هو غير حكمه بالنص ولقائل ان يقول ان هذه الاية غير موجبة للتحريم ولا للكفارة بل تقتضى اثم المظاهر وارتكابه منكرا من القول وزورا وانما يوجب التحريم والكفارة الاية التالية اعنى قوله تعالى الذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا وليس فيه التقييد بقوله منكم ويلزم منه صحة ظهار الذمي فالاولى ان يقال ان الحرمة بالظهار لا يمكن إثباتها الا حقا للشرع وهم غير مخاطبين بحقوق الشرع فلا يصح ظهاره كما يجوز نكاحه بلا شهودا وفى عدة كافر وإذا لم يثبت الحرمة وقت الظهار لكفره فان اسلم بعد ذلك لا يثبت الحرمة بفقد سببه والله تعالى اعلم- مِنْ نِسائِهِمْ التقييد بالنساء المضافة الى المظاهرين يفيد انه لاظهار الا بالمنكوحة دون الامة المملوكة موطؤة كانت او غيرها وهو مذهبنا ومذهب الشافعي واحمد وجمع كثير من الصحابة والتابعين خلافا لمالك والثوري فى الامة مطلقا وسعيد بن جبير وعكرمة وطاؤس وقتادة والزهري فى الامة الموطوءة لنا ان اطلاق نسائهم على الإماء وان صح لغة لكن صحة الإطلاق لا يستلزم الحقيقة بل اضافة النساء الى رجل او رجال حقيقة انما يتحقق فى الزوجات لانه المتبادر ولانه يصح ان يقال لهؤلاء جواريه لا نساءه ولانه قال الله تعالى يايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن والمراد بنساء المؤمنين الزوجات دون الإماء فان أولاء الجلباب على الإماء غير واجب كيف وقد قال عمر رض ألقي عنك الخمار يا دفار أتشبهين بالحرائر ولان الظهار كان فى الجاهلية طلاقا فنقل عنه الى تحريم منته بالكفارة ولاطلاق فى الامة ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ط على الحقيقة حتى يحرمن عليكم كما تحرم الأمهات إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وقرأ قالون وقنبل هاهنا وفى الأحزاب والطلاق اللاء بالهمزة من غير ياء وورش اللائي بياء مختلفة الكسر خلفا عن الهمزة وإذا وقف صيرها ياء ساكنة والبذي وابو عمرو بياء ساكنة بدلا من الهمزة فى الحالين والباقون بالهمزة وياء بعدها

المجادلة 58:3

فى الحالين وحمزة إذا وقف ساكنة والبذي ساكنة بدلا من الهمزة فى الحالين والباقون جعل الهمزة بين بين على أصله وَلَدْنَهُمْ تعليل لقوله ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ... وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ فان الشرع أنكره وَزُوراً ط كذبا فان قيل الزور الكذب انما يطلق على الخبر والظهار إنشاء للتحريم لا يحتمل الصدق والكذب قلنا الظهار وان كان إنشاء لكنه فى الأصل اخبار لزعمه حرمة مويدة اطلق على قوله بالزور والله تعالى اعلم وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لما سلف منه مطلقا وإذا أنيب عليه. وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ الاختلاف فيه كما مر مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا اختلف اهل العلم فى معنى الاية فقال اهل الظاهر معنى الاية يعودون لما قالوا من لفظ الظهار يعنى كرر والفظ الظهار فلا يجب الكفارة عندهم الا بتكرار اللفظ وهو قول ابى العالية وهذا القول يرده الإجماع والأحاديث الواردة فى الباب فانه لم يرد فيه شىء من الأحاديث تعليق الكفارة بتكرار اللفظ وقال مجاهد انهم كانوا فى الجاهلية يظاهرون فمن ظاهر بعد الإسلام فقد عاد الى ما قاله فى الجاهلية اما حقيقة او حكما فانه من اعتقد هذا القول فكانه قاله ويرد على هذا القول ان العطف يقتضى التغاير وكلمة ثم يوجب التراخي فكيف يقال العود هو الظهار بنفسه وفسر ابن عباس العود بالندم يعنى ندموا لما قالوا وأرادوا التحليل وانما فسر العود بالندم لان معنى العود الرجوع الى الشيء بعد الانصراف عنه كذا فى الصحاح والرجل كان راضيا بالحل ثم إذا انصرف عنه الى التحريم فاذا ندم عن التحريم فكانه رجع الى الحالة الاصلية من الرضاء بالحل وقال اكثر المفسرين الاية مصروفة عن الظاهر فقيل اللام بمعنى عن ومعنى يعودون لما قالوا يرجعون عما قالوا والرجوع عن هذا القول انما هو ارادة التحصيل فالمعنى أرادوا التحليل وقيل المضاف محذوف والتقدير يعودون لنقض ما قالوا ولتدارك ما قالوا او لضد ما قالوا قال البيضاوي ويعودون لما قالوا اى الى قولهم بالتدارك ومنه مثل عاد الغيث على ما أفسدوا معنى العود على هذا التقديرات الصيرورة عن حال اعنى عن حال السخط الى حالة الرضا كما فى قوله تعالى حتى عاد كالعرجون القديم وحاصل معنى الاية حينئذ ثم يريدون التحليل قال الفراء يقال عاد فلان لما قال اى فيما قال وفى نقض ما قال وهذا القول يحتمل التأويلين المذكورين وعن ثعلب معناه ثم يعودون لتحليل ما حرموا وعلى هذا التقدير ايضا المضاف محذوف غير انه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول بمنزلة المقول فيه كقوله تعالى ونرثه ما يقول أراد المقول فيه وهو المال لولد وقال ابو مسلم يعودون الى المقول منها بامساكها واستباحتها ثم العود والرجوع عن القول المذكور يحصل بالوطى على قول الحسن وقتادة والزهري وطاؤس قالوا لا كفارة عليه ما لم يطاها كما ان لا كفارة بعد اليمين ما لم يحنث وهذا القول يرده قوله تعالى من قبل ان يتماسا فانه يوجب الكفارة قبل الوطي وعند الشافعي رحمه الله تعالى إذ أمسكها عقيب الظهار زمانا يمكنه ان يفارقها ولم يطلقها فقد عاد ورجع عن القول المذكور ووجب عليه الكفارة وان علقها عقيب الظهار فى الحال او مات أحد فى الوقت فلا كفارة عليه لان العود للقول هو المخالفة وانه قصد بالظهار التحريم فاذا أمسكها فقد خالف قوله ورجع عما قاله فيلزمه الكفارة حتى قال لو ظاهر عن امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها فان راجعها صار عايدا ولزمه الكفارة قلنا لا نسلم ان مقتضى الظهار التحريم بالطلاق عقيبه حتى يكون عدم إتيانه بالطلاق وإمساكها على النكاح نقضا المقتضى الظهار كما قال ومخالفته لمقتضى الظهار بل كان مقتضى الظهار فى الجاهلية الحرمة المطلقة المنافية للحل الثابت بالنكاح كما هو مقتضى الطلاق ثم صار فى الشرع مقتضاه حرمة الوطي مع بقاء النكاح المنتهية بالكفارة وشرع الكفارة رفع ذلك الحرمة فالسكوت بعد الظهار إرادته استباحة المرأة والعزم على وطيها ويمكن ان يقال المراد بالعود الوطي كما قال الحسن ومن معه لكن لما جعل الله تعالى الكفارة شرطا لحل الوطي لقوله تعالى من قبل ان يتماسا ظهران معنى قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا يريدون العود لما قالوا كما فى قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ المعنى إذا أردتم القيام الى الصلاة فلا يجوز القول بانه لا كفارة عليه مالم يطاها فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ اى فعليهم تحرير رقبة شرطا للوطى والفاء للتعقيب المجرد دون السببية وقال اكثر العلماء انها للسببية واختلفوا فى ان سبب وجوب كفارة الظهار ماذا فقال الشافعي هو الظهار والعود يعنى إمساكها عقب الظهار زمانا يمكنه ان يفارقها شرط لان فى الاية ترتب الحكم على الامرين والكفارة يتكرر بتكرر الظهار فهو السبب وقالت الحنفية الظهار لا يصلح سببا للكفارة لانها عبادة او يغلب فيها العبادة والظهار منكر من القول وزورا ولا يكون الحظور سببا للعبادة والله سبحانه علق وجوبها بالأمرين الظهار والعود فالسبب مجموعهما والظهار معصية يصلح ان يكون سببا للعقوبة والعود الذي هو إمساك بالمعروف عبادة والكفارة دايرة بين العقوبة والعبادة مجموع الامرين يصلح ان يكون سببا لها وقال فى المحيط سبب وجوبها العود فقط فانه هو المستأخر من المذكورين وعليه رتب الكفارة والظهار شرط وإذا أمكن البساطة فى العلة صير إليها لانها الأصل بالنسبة الى التركيب والحكم قد يتكرر بتكرر الشرط كما يتكرر صدقة الفطر وسببها راس يمونه ويلى عليه ويرد هاهنا انه لو كان العزم على الوطي فقط سببا لوجوب الكفارة او الظهار والعزم مجموعهما سببا للوجوب لزم ان يجب الكفارة على من ظاهر ثم عزم على الوطي ثم أبانها او ماتت بعد العزم لوجوب السبب لكن لا يجب إذ لو وجبت لما سقطت وقد نص فى المبسوط انه لو أبانها او ماتت بعد العزم لا كفارة عليه والتحقيق ان اطلاق الواجب فى مثل هذا المقام انما هو مجازى وقد ذكر فى اصول الفقه فى تعريف الحكم انه خطاب الله تعالى المتعلق بافعال المكلفين للاقتضاء او التخيير او الوضع فخطاب الاقتضاء الإيجاب او الندب وخطاب التخيير الإباحة وخطاب الوضع جعل الشيء شرطا لشىء او سببا له او ركنا له او مانعا عنه وخطاب الوضع دون الاقتضاء فان الله سبحانه جعل بهذه الكفارة سببا لرفع الحرمة الثابتة بالظهار وشرطا لاباحة الوطي كما جعل بقوله تعالى إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الوضوء شرطا لاباحة الصلاة وسببا للطهارة عن الحدث وبقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجولكم صدقة الصدقة شرطا لاباحة المناجاة فليس الظهار فى الحقيقة سببا لوجوب الكفارة بل هو سبب لرفع حرمة الوطي ولا ارادة الوطي سبب لها بل النكاح سبب لوجوب حقوق الزوجية ومنها الوطي والحرمة الثابتة بالظهار مانع عنها وما هو مانع عن الحقوق الواجبة يجب إزالتها فالنكاح كما هو سبب لوجوب حقوق الزوجية سبب لازالة ما هو مانع عنها والكفارة سبب لازالة الحرمة فالنكاح السابق صار بعد الظهار سببا لوجوب الكفارة كما ان اليمين سبب للمنع عن المحلوف عليه وبعد الحنث يكون سببا للكفارة وبهذه العلاقة يطلق على الظهار انه سبب للكفارة كما يطلق على الحنث انه سبب للكفارة ولا تزوج ثان حتى لو طلقها بعد الظهار ثلاثا فعادت عليه بعد زوج اخر او كانت امة فملكها بعد ما ظهر منها لا يحل قربانها حتى يكفر فيها- (مسئله) يحرم على المظاهر دواعى الوطي ايضا كالقبلة واللمس عندنا وعند مالك والشافعي قولان الجديد الاباحة وعن احمد روايتان اظهرهما التحريم لنا ان الوطي إذا حرم حرم بدواعيه كيلا يقع فيه كما فى الاستبراء والإحرام بخلاف الحائض والصائم لانه يكثر وجودهما ولو حرم الدواعي يفضى الى الحرج ولا كذلك الظهار والاستبراء والإحرام ولان الحرمة الثابتة بالظهار مشابهة بحرمة المحارم فيحرم الدواعي ايضا كما فيهن (مسئله) للمرأة ان يطالبه بالوطى وعليها ان تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر وعلى القاضي ان يجره على التكفير دفعا للضرب عنها بحبسه فان ابى يضربه ولا يضرب فى الدين ولو قال قد كفرت صدق مالم يعرف بالكذب كذا فى الفتح القدير (مسئله) يجزء الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى والصغيرة والكبيرة لاطلاق الرقبة وقال مالك والشافعي واحمد فى رواية لا يجزى اعتاق الرقبة الكافرة حملا للمطلق هاهنا على المقيد الوارد فى كفارة القتل قلنا المطلق يجرى على إطلاقه والمقيد على تقييده ولا وجه لحمل أحدهما على الاخرى وبسط هذا الكلام فى اصول الفقه (مسئله) لا يجزى العميا ولا مقطوعة اليدين او الرجلين او يد ورجل من جهة واحدة او مقطوعة ابهامى اليدين او مقطوعة ثلث أصابع سوى الإبهام من كل يد ومقطوعة احدى اليدين واحدي الرجلين من خلاف والصماء التي تسمع إذا صيح يجزى والا لا والحاصل ان فائت جنس المنفعة لا يجزى والمختلة تجزى (مسئله) لا يجوز عتق المدبر من الكفارة ولا أم الولد لكون رقهما ناقصا وكذا المكاتب الذي ادى بعض كتابت وان لم يرد شيئا جاز خلافا للشافعى (مسئله) من اشترى أباه او ابنه ينوى بالشراء الكفارة جاز عنها وكذا لو وهب له ونوى عند قبول الهبة خلافا للشافعى ولو ورث ونوى عند موت مورثه لا يجوز اتفاقا والحاصل انه إذا دخل فى ملكه بصنعه ونوى عند صنعه ذلك انه للكفارة اجزاء والا لا مسئله لو قال ان دخلت الدار فانت حرونوى عن الكفارة فان نوى وقت اليمين جاز وان نوى وقت الدخول لا يجوز مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا الضمير يرجع الى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها المراد بالتماس المجامعة وفيه دليل على ان الكفارة شرط لحل الاستمتاع وان الظهار يوجب الحرمة ذلِكُمْ اى الحكم بالكفارة قبل المسيس تُوعَظُونَ بِهِ أيزيل الحرمة الثابتة بالظهار او لئلا يعودوا الى الظهار مخافة الفرقة او لان إيجاب الكفارة دليل على ارتكاب الجناية فيتعظوا بايجاب الكفارة عن ارتكاب الظهار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة ولا يقدر على اكتسابها بالشراء اما بفقد قيمتها او بفقد رقبة يمكن تملكها بالشراء او لكون ماله مشغولا بالدين او محتاجا اليه لنفقته او لنفقة عياله عند ابى حنيفة والشافعي واحمد خلافا لمالك والأوزاعي فعندهما من ملك قيمة رقبة ويمكنه شراها يلزمه الاعتاق وان كانت قيمة مشغولة بدينه او محتاجا اليه لنفقته ولا يجوز له الانتقال الى الصوم لنا انه مشغول بحاجة الاصلية فكانه ليس فى ملكه (مسئله) ومن كانت له رقبة لكنه محتاج الى خدمته فعند الشافعي واحمد له ان ينتقل الى الصوم اعتبارا بالماء المعد للعطش يجوز له التيمم والمال المشغول بالدين وعندنا يلزمه الاعتاق ولا يجوز الانتقال الى الصوم والفرق لنا ان الماء مامور بامساكه لعطشه واستعماله محظور عليه وكذا الدين مامور بادائه بخلاف الخادم فانه غير مامور بامساكه لخدمته (مسئله) المعتبر اليسار والعسار وقت التكفير اى الأداء وبه قال مالك وقال احمد والظاهرية وقت الوجوب وللشافعى اقوال كالقولين والثالث يعتبرا غلظ الحالين فَصِيامُ شَهْرَيْنِ اى فعليه صيام شهرين ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر والنحر وايام التشريق لان صوم رمضان لا يقع من الظهار لما فيه من ابطال ما أوجبه الله وصوم الأيام المنهية لا ينوب عن الوجوب الكامل وقد قيد الله تعالى مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ط فان فاتت التتابع بعذرا وبلا عذر يجب الاستيناف اجماعا وان وطى المظاهر فى خلال الشهرين ليلا عامدا او نهارا ناسيا لا يجب الاستيناف عند الشافعي وابى يوسف رحمهما الله تعالى وهى رواية عن احمد لعدم فوات التتابع وهو الشرط وان كان تقديمه على المسيس شرطا ففى عدم الاستيناف تقديم البعض وفى الاستيناف تأخيرا لكل عنه وقال ابو حنيفة ومالك واحمد فى اظهر رواية يستانف لان الشرط فى الصوم ان يكون قبل المسيس وان يكون خاليا عن الجماع فيستانف فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام لمرض او كبرا وفرط شهوة لا يصبر عن الجماع او خوف حدوث مرض فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ط كل مسكين مدان عند اهل العراق وهو نصف صاع من اى جنس كان قال البغوي يروى ذلك عن عمرو على وعند ابى حنيفة نصف صاع من بر او صاع من شعيرا وتمرو هو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والحاكم ومجاهد والكرخي بإسناده الى مجاهد انه قال كل كفارة فى القران فهو نصف صاع من برو قال مالك مد وهو رطلان بالبغدادي وقال احمد مد بغدادى من حنطة او دقيق ومدان من شعيرا وتمر ورطلان من خبزاى خبز حنطة وقال الشافعي مد بمد النبي - ﷺ - وهو رطل وثلث رطل من غالب قوت البلد روى ابن الجوزي فى التحقيق بسنده عن سليمان بن يسار قال أدركت الناس وهم يعطون فى طعام المساكين مدا مدا ويروى ان ذلك يجزى عنهم والحجة لابى حنيفة مامر من حديث سلمة بن صخر وفيه اطعم منك وسقا من تمر ستين مسكينا لكن الحديث منقطع كما ذكرنا وقد روى الترمذي من حديث ابى سلمة ان سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته كظهر امه حتى يمضى رمضان الحديث وفيه قال اطعم ستين مسكينا قال لا أجد قال رسول الله - ﷺ - لعروة بن عمر واعطه الفرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا ليطعم ستين مسكينا ويمكن ان يقال ان قوله وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا او ستة عشر صاعا من كلام الراوي والمرفوع انما هو أعطه الفرق والفرق فى اللغة الزنبيل سواء كان صغيرا او كبيرا وعند الطبراني فى حديث أوس بن الصامت قال فاطعم ستين مسكينا ثلثين صاعا قال لا املك ذلك الا ان تعينينى فاعانه النبي - ﷺ - بخمسة عشر صاعا وأعانه الناس حتى بلغ ثلثين صاعا وروى ابو داود عن خولة بنت مالك قالت ظاهر منى زوجى أوس بن الصامت فجئت رسول الله - ﷺ - أشكو اليه ورسول الله - ﷺ - يجادلنى فيه ويقول اتقى الله فانه ابن عمك فما برحت حتى نزل القران قد سمع الله قول التي تجادلك الاية فقال يعتق رقبة فقلت لا يجد فقال يصوم شهرين متتابعين قلت يا رسول الله انه شيخ كبير ما به من صيام قال فيطعم ستين مسكينا قلت ما عنده شىء يتصدق به قال فانى ساعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله وانى ساعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله انى ساعينه بفرق اخر قال قد أحسنت فاذهبى فاطعمى هما عنه ستين مسكينا وارجعي الى ابن عمك قال والفرق ستون صاعا وقيل هو مكتل يسع ثلثين صاعا قال ابو داود وهذا أصح قال ابن همام وجه الاصحية انه لو كان ستين لم يحتج الى معاونتها بفرق اخرى فى الكفارة واحتج الشافعي ومن معه بحديث ابى هريرة فى كفارة الصوم جاء رجل الى النبي - ﷺ - أفطر فى رمضان الحديث قال فاتى بفرق قدر خمسة عشر صاعا قال كله أنت وأهلك وصم يوما واستغفر الله رواه ابو داود من طريق هشام بن سعد عن ابى سلمة بن عبد الرحمن عنه وهشام بن سعد ضعفه النسائي وغيره ورواه ابو داود من حديث اسمعيل قال وقعت امرأتى الحديث وفيه قال خمسة عشر صاعا وكذا وقع فى رواية ابن ابى حفصة ومومل قال البخاري منكر الحديث لكن قال الذهبي ومحمد بن ابى حفصة او سلمة ضعفه النسائي وغيره وقواه غير واحد وفى رواية حجاج بن ارطاة عن الزهري عند الدارقطني بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا وحجاج بن ارطاة ضعيف مدلس وروى عبد الله بن احمد عن أبيه عن يحى انه لم ير الزهري ويؤيد هذا الحديث حديث على رض عند الدارقطني يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مدو فيه فان بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين قلنا قال البخاري فى الحديث اضطراب ففى بعض الروايات خمسة عشر صاعا وعند ابن خزيمة من طريق مهران خمسة عشر او عشرون فى الصحيحين ذكر حديث ابى هريرة وليس فيه تقدير الصيعان بل فيه اتى بفرق فيه تمرو الفرق المكتل الضخم وفى مرسل سعيد بن المسيب ما بين خمسة عشر الى عشرين وفيه عطاء الخراسانى ذكره العقيلي فى الضعفاء وقال البخاري عامة أحاديثه مقلوبة وفى بعض الروايات عشرون صاعا بالجزم كذا عند الدارمي فى مرسل سعيد بن المسيب وفى حديث عائشة عند ابن خزيمة اتى بفرق فيه عشرون صاعا وهذه الأحاديث واردة فى كفارة الصوم ما احتج به ابو حنيفة وارد فيما نحن فيه والشافعي رحمه الله تعالى ذهب الى اقل ما ورد فى مقدار الطعام احتياطا ولكن أصح ما ورد فى تقدير طعام المسكين حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ او نسك رواه الشيخان فى الصحيحين وفيه امره رسول الله - ﷺ - ان يطعم فرقا بين ستة مساكين او يهدى شاة او يصوم ثلثة ايام والفرق ثلثة أصوع وفى هذا الحديث عند الطبراني لكل مسكين نصف صاع تمر ولاحمد عن نهر نصف صاع طعام ولبشر بن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة ورواية الحكم عن ابن ابى ليلى يقتضى نصف صاع من زبيب فانه قال يطعم فرقا من زبيب بين ستة مسالكين قال ابن حزم لا بد من ترجيح احدى الروايات لانها قصة واحدة فى مقام واحد قال الحافظ المحفوظ عن شعبة نصف صاع من طعام والاختلاف على كونه تمر او حنطة لعله من تصرف الرواة اما الزبيب فلم أره الا فى رواية الحكم وقد أخرجها ابو داود وفى اسناده ابو اسحق وهو فى المغازي لا فى الاحكام إذا خالف وقيل المحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق ابى قلابة ولم يختلف فيه على ابى قلابة وكذا اخرج الطبراني من طريق الشعبي عن كعب وقال الحافظ وما وقع فى بعض النسخ عند مسلم لكل مسكين صاع تحريف فمن دون مسلم والصواب ما فى النسخ الصحيحة لكل مسكين نصف صاع ولما كان الإطعام فى الاية مجملا فى مقدار الواجب وما ورد من الأحاديث فى باب الظهار والصوم مضطربة فى المقدار فالحمل على هذا الحديث الصحيح المتفق عليه اولى من الحمل على صدقة الفطر فان الأمر فيه بالأداء دون الإطعام فعلى هذا مذهب اهل العراق أقوى ومذهب ابى حنيفة أحوط والله تعالى اعلم (مسئله) لو غداهم وعشاهم اكلتين مشبعتين بخبز حنطة ولو بغير ادام او بخبز شعير بادام سواء كانت غداء وعشاء او غدائين او عشائين بعد اتحاد ستين جاز ولو غدا ستين وعشا آخرين لم يجز ولو كان ممن اطعم صبيا فطيما او رجلا شبعان لم يجز ويشترط الإشباع قليلا أكلوا او كثيرا ولا يشترط التمليك خلافا للشافعى ولو اعطى مسكينا واحدا ستين يوما جاز عند ابى حنيفة خلافا للجمهور وقد مرت المسائل اختلافا واستدلالا فى كفارة اليمين فى سورة المائدة (فائدة) لم يذكر الله تعالى قيد من قبل ان يتماسا فى الإطعام كما ذكر فى أخويه ومن هاهنا قال ابو حنيفة انه جامع المظاهر التي ظاهر منها فى خلال الإطعام لا يجب عليه الاستيناف لان الله سبحانه ما شرط فى الإطعام ان يكون قبل المسيس ونظر الى عدم تقيد الإطعام بقبلية المسيس قال مالك انه من أراد التكفير بالاطعام جاز له الوطي والجمهور على انه لا يجوز له ذلك والوطي قبله الجمهور على انه يجوز له ذلك والوطي قبل التكفير حرام مطلقا لان الظهار موجب للحرمة والكفارة سبب لازالة الحرمة فما لم توجد الكفارة لا يحل له الوطي سواء كانت بالاطعام او غير ذلك لعموم قوله - ﷺ - فاعتزلها حتى يكفر فيما روى اصحاب السنن الاربعة عن ابن عباس رض ان رجلا ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل ان يكفر فقال عليه السلام ما حملك

المجادلة 58:5

على هذا قال رايت خلخالها فى ضوء القمر وفى لفظ بياض ساقيها قال فاعتزلها حتى تكفر قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب قال المنذر رجاله ثقات مشهور سماع بعضهم عن بعض قال البغوي الإطلاق فى الطعام محمول على المقيد فى العتق والصيام وهذا مبنى على أصلهم من حمل المطلق على المقيد قلت قوله تعالى من قبل ان يتماسا فى الاعتاق والصيام ليس شرطا لجواز الكفارة وإلا لزم ان من جامع امرأته بعد الظهار قبل الكفارة ثم كفر بعد ذلك لا يجوز كفارته ولا تحل له المرأة بل هو بيان لحرمة الوطي قبل الكفارة ولعله سبحانه ترك القيد بعد الإطعام حذرا من التطويل واكتفاء بما سبق فى أخويه ولم يقتصر على أحدهما لدفع توهم اختصاصه بالخصلة الاولى لو اقتصر عليه معها وتوهم اختصاصه لو اقتصر معها فذكره مرتين تنبيه على ارادة تكريره مطلقا والله تعالى اعلم (مسئله) لو جامع المظاهر قبل التكفير استغفر الله لوقوعه فى الحرم ويكفر بعد ذلك ليحصل له الحل بعد ذلك ويرتفع الحرمة الثابتة بالظهار ولا يجب عليه بالجماع قبل التكفير كفارة اخرى وقال بعض اهل العلم يجب عليه كفارتان لنا ما مر من حديث سلمة بن صخران النبي - ﷺ - أمرها بكفارة واحدة بعد ما جامعها قبل التكفير وحديث ابن عباس مثل ذلك وروى الترمذي وابن ماجة حديث سلمة بن صخر عن النبي - ﷺ - فى مظاهر يواقع قبل ان يكفر قال كفارة واحدة وقال الترمذي حديث حسن غريب وقال مالك فى المؤطأ فيمن يظاهر ثم يمسها قبل ان يكفر يكف عنها حتى يستغفر الله ويكفر ثم قال وذلك احسن ما سمعت ذلِكَ منصوب بفعل مقدر اى بينا ذلك الاحكام لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ط ذكر الله سبحانه الايمان وأراد به شرايعه كما فى قوله تعالى ان الله لا يضيع ايمانكم اى صلوتكم يعنى لتعملوا بشرائع الإسلام ترفضوا ما كنتم عليه فى الجاهلية وَتِلْكَ الكفارات حُدُودُ اللَّهِ ط يمتنع بها المكلف عن إتيان المحرمات من الظهار ونحوه او المعنى تلك الاحكام حدود الله لا يجوز تعديها وَلِلْكافِرِينَ الذين لا يقبلون احكام الله تعالى ولا يمتنعون عن المحرمات ويتجاوزون عن حدوده عَذابٌ أَلِيمٌ وهو نظير قوله تعالى ومن كفر فان الله غنى عن العالمين. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اى يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما فان كلا من المتعادين فى حد غير حد الاخر والمعنى يضعون او يختارون حدودا غير حدودهما كُبِتُوا قال فى القاموس كبته يكبته صرعه وأخزاه وصرفه وكسره ورد العد وبغيظه إذ له المكت الممتلى غما كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الكفار الأمم الماضية وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ دالة على صدق الرسول - ﷺ - وَلِلْكافِرِينَ

المجادلة 58:6

عَذابٌ مُهِينٌ يذهب عزهم وتكبرهم. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ منصوب بالظرف المستقر اعنى للكافرين او بمهين او باضمارا ذكر تعظيما لليوم جَمِيعاً تأكيد للضمير المنصوب فى يبعثهم او حال منه اى مجتمعين فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ط على رؤس الاشهاد تفضيحا لهم وتقريرا لعذابهم أَحْصاهُ اللَّهُ يعنى أحاط الله ما عملوا علما لم يغب منه شىء وَنَسُوهُ ط لكثرته او لتهاونهم به عند ارتكابه وانما يحفظ من الأمور ما يستعظم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ع لا يعزب عنه شىء. أَلَمْ تَرَ استفهام انكار بمعنى تعلم أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ط كليا وجزئيا ما يَكُونُ من كان التامة اى ما يقع مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ قرأ ابو جعفر تكون بتاء التأنيث نجوى والباقون بالياء لاجل الفصل بمن الزائدة والنجوى اسم مصدر كذا فى القاموس مشتق من النجوة وهى ما ارتفع من الأرض فان السرائر مرفوع الى الذهن لا يتيسر لكل أحد ان يطلع عليه والمعنى ما يقع من تناجى من الرجال ويجوز ان يقدر مضاف او باول نجرى بمتناجين ويجعل صفة لها إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ استثناء مفرغ حال من ثلثة يعنى فى حال من الأحوال إلا حال كون الله تعالى جاعلهم اربعة من حيث انه معهم معية غير متكيفة وشريكهم فى الاطلاع وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ تخصيص العددين اما لخصوص الواقعة فان الاية نزلت فى تناجى المنافقين او لان الله وترو الله يحب الوتر والثلاثة أول الأوتار التي يمكن فيها التشاور لان التشاور لا بد له غالبا من المتنازعين وواحد يتوسط بينهما ويرجح راى أحدهما والمتنازعين اما يكون من كل جانب واحدا فالمجموع ثلثة واما يكون جماعة وادنى الجماعات اثنان فالمجموع خمسة فذكر العددين وأشار الى غيرهما من الاعداد بقوله وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ يعنى اقل عددا من الثلاثة كالاثنين وَلا أَكْثَرَ من الثلاثة او من الخمسة كالاربعة والستة وما فوقها قرأ يعقوب بالرفع عطفا على محل نجوى قبل دخول من او محل ادنى ان جعلت لا لنفى الجنس إِلَّا هُوَ يعنى الله سبحانه مَعَهُمْ معية غير متكيفة مقتضية للاطلاع على ما يجرى بينهم أَيْنَ ما كانُوا ج فان علمه تعالى ليس لقرب المكاني حتى يتفاوت باختلاف الامكنة ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ط تفضيحا لهم وتقريرا لما يستحقونه من الجزاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فانه تعالى هو الخالق للذات والصفات من العلوم وغيرها والمقلب للاحوال اخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل بن حبان قال كان بين اليهود وبين النبي - ﷺ - موادعة

المجادلة 58:8

فكانوا إذا مر بهم رجل من اصحاب جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن انهم يتناجون بقتله او بما يكره وذكر البغوي نحوه وزاد وان المؤمنين حين يرونهم يتناجون كانوا يقولون ما نريهم الا وقد بلغتهم من إخواننا الذين خرجوا فى السرايا بقتل او موت او هزيمة فيقع ذلك فى قلوبهم فيحزنهم فلما طال ذلك وكثر شكوا الى رسول الله - ﷺ - فنهاهم النبي - ﷺ - عن النجوى فلم ينتهوا فانزل الله تعالى. أَلَمْ تَرَ الم تنظرنا يا محمد إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى اى المناجاة ثُمَّ يَعُودُونَ مضارع بمعنى الماضي اى عادوا عطف على نهوا وإيراد صيغة المضارع لاستحضار صورة العود الشنيعة لِما نُهُوا عَنْهُ ولم ينتهوا يَتَناجَوْنَ عطف على يعودون قرأ حمزة يتنجون وهو يفتعلون من النجوى والباقون على وزن يتفاعلون بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ اى بما هو اثم عند الله وعدوان على المؤمنين وتواص بمعصية الرسول وكان نفس النجوى ايضا معصية للرسول فانه عليه الصلاة والسلام نهاهم عنه اخرج احمد والبزاز بسند جيد عن ابن عمران اليهود كانوا يقولون لرسول الله - ﷺ - سام عليكم ثم يقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول فنزلت هذه الاية وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وهو قولهم السام عليكم والسام الموت وهم يوهمونه انهم يقولون السلام عليكم وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعنى فيما بينهم إذا خرجوا من عند النبي - ﷺ - او يقولون فى قلوبهم لَوْلا هلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ من التحية وانه ليس نبى ان كان نبيا لعذبنا الله به قال الله عز وجل حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ ج عذابا يَصْلَوْنَها ج حال من ضمير حسبهم فَبِئْسَ الْمَصِيرُ جهنم عن عائشة قالت استاذن رهط من اليهود على النبي - ﷺ - فقال السام عليكم فقلت بل عليكم السام واللعنة فقال يا عائشة ان الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله قلت او لم تسمع ما قالوا قال قد قلت وعليكم وفى رواية عليكم ولم يذكر الواو متفق عليه وفى رواية البخاري قالت ان اليهود أتوا النبي - ﷺ - فقالوا السام عليكم قال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله - ﷺ - مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش قالت او لم تسمع ما قالوا قال او لم تسمعى ما قلت رددت عليهم فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فى وفى رواية لمسلم لا تكونى فاحشة فان الله لا يحب الفحش وعن ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - إذ اسلم عليكم اليهود فانما يقول أحدهم السام عليكم فقل وعليك متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله - ﷺ - إذا سلم عليكم اهل الكتاب فقولوا وعليكم متفق عليه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل يعنى الذين

المجادلة 58:10

أمنوا بألسنتهم دون قلوبهم وهم المنافقون وقال عطاء يريد الذين أمنوا بزعمهم إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ كما يفعله اليهود وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ بأداء الفرائض والطاعات وما يتضمن خير المؤمنين وَالتَّقْوى ج اى الاحتراز من معصية الرسول وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيما تفعلون وتتركون فانه مجازيكم اخرج ابن جرير عن قتادة قال كان المنافقون يتناجون بينهم وكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم فانزل الله تعالى. إِنَّمَا النَّجْوى الذي يأتونه لغيظ المؤمنين وحزنهم مِنَ الشَّيْطانِ فانه المزين لها وحاملهم عليها لِيَحْزُنَ متعلق بفعل محذوف تقديره يتناجون ليحزن او يزين الشيطان النجوى ليحزن او متعلق بالظرف المستقر يعنى كاين من الشيطان ليحزن الَّذِينَ آمَنُوا بتوهمهم لوصول مكروه وَلَيْسَ النجوى او الشيطان بِضارِّهِمْ اى المؤمنين شَيْئاً من الضرر- إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ط اى بقضائه ومشيته الجملة حال من فاعل الظرف المستقر وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ الفاء فى فليتوكل جواب اما المحذوفة تقديره واما على الله فليتوكل المؤمنون ولا يبالوا بنجوهم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا كنتم ثلثة فلا تتناجى اثنان دون الثالث الا باذنه فان ذلك يحزنه رواه البغوي وروى احمد والشيخان والترمذي وصححه وابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعا إذا كنتم ثلثة فلا تتناجى رجلان دون الاخرى حتى يختلطوا بالناس فان ذلك يحزنه قال البغوي قال مقاتل بن حبان كان النبي - ﷺ - يكرم اهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء الناس منهم يوما وقد سبقوا الى المجلس فقاموا حيال النبي - ﷺ - فرد عليهم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون ان يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على النبي - ﷺ - فقال لمن حوله قم يا فلان وأنت يا فلان فاقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من اهل بدر فشق ذلك من أقيم من مجلسه وعرف النبي - ﷺ - الكراهية فى وجوههم فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ الاية واخرج ابن ابى حاتم عنه انها أنزلت يوم جمعة وقد جاء ناس من اهل بدر فذكر نحوه وقال البغوي قال الكلبي نزلت فى ثابت بن قيس بن شماس وقد ذكر فى سورة الحجرات قصته واخرج ابن جرير عن قتادة قال كانوا إذا راوا من جائهم مقبلا بمجلسهم عند رسول الله - ﷺ - فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا توسعوا وليقسحوا بعضكم عن بعض من قولهم افسح عنى اى تنح فِي الْمَجالِسِ قرأ عاصم على صيغة الجمع بالألف والباقون المجلس بغير الف على التوحيد والمراد بالمجلس حينئذ الجنس او مجلس رسول الله - ﷺ - فانهم كانوا يتنافسون على القرب من النبي ويحرصون على استماع كلامه فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ج مجزوم فى جواب الأمر اى يوسع الله لكم فيما تريدون الوسعة من المكان والرزق والصدر ويوسع لكم الجنة روى البغوي بسنده عن عبد الله ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا وروى ايضا من طريق الشافعي عن جابر بن عبد الله ان النبي - ﷺ - قال لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا وقال ابو العالية والقرظي والحسن هذا فى مجالس الحرب ومقاعد القتال كان الرجل يأتي القوم فى الصف فيقول توسعوا فيابون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم فى الشهادة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قرأ نافع وابن عمرو وعاصم بخلاف عن ابى بكر بضم الشين فيها ويبتدون بهمزة الوصل والباقون بكسر الشين ويبتدون بكسر الهمزة والمعنى ارفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لاخوانكم وقال البغوي قال عكرمة والضحاك كان رجال يتناقلون عن الصلاة إذا نودى بها فانزل الله هذه الاية معناه إذا نودى للصلوة فانهضوا لها وقال مجاهد واكثر المفسرين معناه إذا قيل لكم انهضوا الى الصلاة والى الجهاد والى كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا يَرْفَعِ اللَّهُ مجزوم فى جواب الأمر الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالنصر وحسن الذكر ومهابتهم فى أعين الناس وغير ذلك فى الدنيا وايوائهم فى غرف الجنان فى الاخرة الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ العلماء منهم خاصة دَرَجاتٍ ط تميز من نسبة الرفع الى المفعول تقديره يرفع الله درجات الذين أمنوا فى الجنة بما جمعوا من العلم والعمل فان العمل إذا صدر من اهل العلم يوتى من الاجر ما لا يوتى غيره لانه يقتدى به دون الجاهل فله اجره واجر من يقتدى به من غير ان ينقص من أجورهم شيئا قال رسول الله - ﷺ - من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من بعده من غير ان ينقص من أجورهم شى الحديث رواه مسلم من حديث جرير قال عليه الصلاة والسلام فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينار او لا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر رواه احمد واصحاب السنن عن كثير بن قيس وسماه الترمذي قيس ابن كثير قال قال عليه الصلاة والسلام فضل العالم على العابد كفضل الأعلى على أدناكم رواه الترمذي

المجادلة 58:12

من حديث ابى امامة الباهلي عن عبد الله بن عمر ان رسول الله - ﷺ - من مجلسين فى مسجده فقال كلاهما على خير واحدهما أفضل من صاحبه اما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون اليه فان شاء أعطاهم وإنشاء منعهم اما هؤلاء فيتعمون الفقه او العلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل وانما بعثت معلما ثم جلس فيهم رواه الدارمي قال الحسن قرأ ابن مسعود هذه الاية وقال ايها الناس افهموا هذه الاية ولترغبكم فى العلم فان الله يقول يرفع الله المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات وفى هذه الاية اشارة الى ان النفر من اهل بدر مستحقون لما عوملوا من الإكرام والنبي - ﷺ - مصيب فيما امر وأولئك المؤمنون مثابون فيما ايتمروا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم عليه فيه ترغيب لمن عمل وتهديد لمن لم يمتثل الأمر واستكرهه اخرج ابن ابى حاتم عن طريق على بن ابى طلحة عن ابن عباس ان مسلمين أكثروا المسائل على رسول الله - ﷺ - حتى شقوا عليه فاراد الله ان يخفف عن نبيه فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ اى إذا أردتم مناجاته فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ الرسول صَدَقَةً ط قال البغوي قال مقاتل بن حبان نزلت فى الأغنياء وذلك انهم يأتون النبي - ﷺ - فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره النبي - ﷺ - طول جلوسهم ومناجاتهم وقال ابن عباس فى رواية ابن ابى حاتم انه لما نزلت هذه الاية صبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة قال البغوي انتهوا عن مناجاته فاما اهل العسرة فلم يجدوا شيئا واما اهل اليسرة فضنوا واشتد ذلك على اصحاب رسول الله - ﷺ - فنزلت الرخصة قال مجاهد نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه الا على رض تصدق بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة وكان على يقول اية فى كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلى ولا يعمل أحد بعدي وهى اية المناجاة وروى ابن ابى شيبة فى مصنفه والحاكم فى المستدرك عن على رض ان فى كتاب الله اية فما عمل بها أحد غيرى كان بي دينارا فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وذكر فى المدارك عن على رض عنه قال كنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسالت رسول الله - ﷺ - عشر مسائل فاجابتنى عنها قلت يا رسول ما الوفا قال التوحيد وشهادة ان لا اله الا الله قلت ما الفساد قال الكفر بالله والشرك قلت ما الحق قال الإسلام والقران والولاية وإذا اهتبت إليك قلت ما الحيلة قال ترك الحيلة قلت ما علىّ قال طاعة الله ورسوله قلت وكيف ادعو الله قال بالصدق واليقين قلت وماذا أسأل قال العافيه قلت ما اصنع لنجاة نفسى قال كل حلالا

المجادلة 58:13

وقل صدقا قلت ما السرور قال الجنة قلت ما الراحة قال لقاء الله فلما فرغت منها نزلت نسخها ذلِكَ التصدق خَيْرٌ لَكُمْ من حب المال وَأَطْهَرُ ط لذنوبكم فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الصدقة لاجل الفقر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ رخص للفقراء وأجاز لهم المناجاة من غير تصدق كان هذه الجملة مخصص لما سبق من عموم الحكم واخرج الترمذي وحسنه عن على رض قال لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال لى النبي - ﷺ - ما ترى دينار قلت لا يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة قال انك لزهيه فنزلت. أَأَشْفَقْتُمْ الاستفهام للتقرير والمعنى خفتم الفقر من أَنْ تُقَدِّمُوا او المعنى خفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ط ما جمع الصدقات لجمع المخاطبين او لكثرة التناجي قال على فيما روى الترمذي عنه فخفف الله عن هذه الاية فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا التصدق لاجل الفقر او البخل وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ تجاوز عنكم ولم يعاقبكم او المعنى رجع بكم عنها وخفف بنسخ الصدقة ورخص لكم ان لا تفعلوه وفيه اشعار بان اشفاقكم ذنب تجاوز الله عنه وإذ هنا بمعناه وقيل تقدير الكلام فاذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم تجاوز عنكم ونسخ الصدقة قال مقاتل بن حبان كان ذلك عشر ليال وقال الكلبي ما كانت الا ساعة من النهار- فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبة وَآتُوا الزَّكاةَ المفروضة ولا تهاونوا فى أدائها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى ساير الأوامر ودوموا عليها فان القيام بها كالجابر للتفريط فى ذلك وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ع ظاهرا وباطنا فيجازيكم عليه روى احمد والبزاز وابن جرير والطبراني والحاكم من حديث ابن عباس رض انه ﷺ كان فى حجرة من حجراته وفى رواية كان فى ظل حجرة وقد كان الظل يتقلص فقال يدخل عليكم رجل جبار وفى رواية قلبه قلب جبار وينظر بعيني الشيطان فاذا جاءكم فلا تكلموه فلم يلبثوا ان طلع عليهم رجل ازرق اعور فدعاه رسول الله - ﷺ - فقال حين راه على ما تشتمتى أنت وأصحابك فقال ذرنى آتك فانطلق فدعاهم فحلفوا له ما قالوا وما فعلوا فانزل الله هذه الاية. أَلَمْ تَرَ اى تنظر استفهام للانكار وانكار النفي تقدير للاثبات إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ط والمراد بالموصول المنافقون وهم عبد الله ابن نبتل وأصحابه وبقوم غضب الله عليهم اليهود فهم والوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسراء النبي - ﷺ -

المجادلة 58:15

ما هُمْ يعنى المنافقين مِنْكُمْ فى الدين والولاية وَلا مِنْهُمْ اى اليهود جملة ما هم منكم حال من الموصول وَيَحْلِفُونَ عطف على تولوا عَلَى الْكَذِبِ وهو ادعاء الإسلام وَهُمْ يَعْلَمُونَ ج حال من فاعل يحلفون يعنى يحلفون عالمين بانهم كاذبون لا كمن يحلف خطاء زعما منه انه صادق فيما يقول قال السدى ومقاتل نزلت فى عبد الله المنافق كان يجالس رسول الله - ﷺ - ثم يرفع حديثه الى اليهود فبينما رسول الله - ﷺ - فى حجرة فذائر نحو حديث ابن عباس المذكور وفيه فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً ط نوعا من العذاب متفاقما إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ج فى الماضي فتحزنوا على سوء العمل وأصروا عليه. اتَّخَذُوا جملة مستانفة او حال من فاعل يحلفون بتقدير قد أَيْمانَهُمْ الكاذبة جُنَّةً وقاية لدمائهم وأموالهم فَصَدُّوا الناس فى خلال امنهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن طاعته والايمان به وقيل المعنى فصدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وعيد ثان بوصف اخر بعذابهم او وعيد اخر بعذابهم فوق عذابهم الاول لكفرهم والثاني لصدهم كما فى قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب وقيل الاول عذاب القبر وهذا عذاب الاخرة. لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ يوم القيمة أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ اى من عذابه شَيْئاً ط من الإغناء جملة لن تغنى صفة اخرى بعذاب بحذف الرابط تقديره لهم عذاب مهين لن تغنى عنهم فى دفعه أموالهم او مستانفة أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الظرف متعلق بقوله فلهم عذاب مهين فَيَحْلِفُونَ لَهُ اى لله تعالى يقولون والله ربنا ما كنا مشركين كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ انهم منكم وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ ط من الحيلة للنجاة ويزعمون ان الايمان الكاذبة ترفع على الله كما تروح عليكم فى الدنيا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ البالغون الغاية فى الكذب فانهم يكذبون مع عالم الغيب حيث لا ينفعهم الكذب. اسْتَحْوَذَ غلب واستولى عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ جملة مستانفة فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ط واغفلهم عند تعالى بحيث لا يخافون عذاب الله ولا يزعمون ان الله مجازيهم وانه يعلم سرهم وخفاياهم أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ط جنوده واتباعه أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ لانهم فوتوا حظهم وبدلوا نصيبهم من الجنة بالنار الموبدة وقد ورد فى الحديث الطويل عن ابى هريرة مرفوعا ان الكافر فى القبر يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر الى زهرتها

المجادلة 58:20

وما فيها فيقال له انظر الى ما صرفه الله عنك ثم يفرج له فرجة الى النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له هذا مقعدك رواه ابن ماجة وعنه قال قال رسول الله - ﷺ - ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار فاذا مان فدخل النار ورث اهل الجنة منزلته فذلك قوله تعالى أولئك هم الوارثون. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ اى فى جملة من هو أذل خلق الله تعالى لا يرى أحد أذل منهم. كَتَبَ اللَّهُ فى اللوح قضاء ثابتا لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي قرأ نافع وابن عامر بفتح الياء والباقون بالإسكان قوله لاغلبن جواب قسم محذوف او يقر لما كان كتب لافادة اللزوم بمعنى القسم أورد فى جواب اللام قال الزجاج غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم بالحرب فهو غالب فى الحرب ومن لم يومر بالحرب فهو غالب بالحجة إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ لا يمتنع عنه ما يريد عَزِيزٌ لا يغلب عليه أحد. لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مفعول ثان لتجدلن كان بمعنى العلم وان كان بمعنى المصادفة فهو حال او صفة مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هذه الاية تدل على ان ايمان المؤمن يفسد بموادة الكافرين وان المؤمن لا يوالى الكفار وان كان قريبه قيل نزلت الاية فى ابى حاطب بن بلتعة حين كتب الى اهل مكة وسياتى القصة فى سورة الممتحنة إنشاء الله تعالى واخرج ابن المنذر عن ابى جريج قال حدثنا ان أبا قحافة سب النبي - ﷺ - فصكه ابو بكر صكة فسقط فذكر ذلك للنبى - ﷺ - فقال أفعلت يا أبا بكر فقال والله لو كان السيف قريبا منى لضربته به فنزلت لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ اخرج ابن ابى حاتم عن ابن شودة قال نزلت هذه الاية فى ابى عبيدة بن الجراح حين قتل أباه يوم الهدر وأخرجه الطبراني والحاكم فى المستدرك بلفظ جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لابى عبيدة يوم بدر وجعل ابو عبيدة تحيد عنه فلما كثر قصده ابو عبيدة فقتله فنزلت وروى مقاتل بن حبان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود فى هذه الاية ولو كانوا ابائهم يعنى أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد أَوْ أَبْناءَهُمْ يعنى أبا بكر دعا ابنه يوم بدر الى البراز فقال دعنى يا رسول الله أكن فى الرعلة الاولى فقال له رسول الله - ﷺ - متعناه بنفسك يا أبا بكر أَوْ إِخْوانَهُمْ يعنى مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ط يعنى عمر قتل خاله العاص بن هشام ابن المغيرة يوم بدر وعليا وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة أُولئِكَ الذين لم يوادوهم كَتَبَ اى اثبت فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ اى التصديق فهى موقنة لا تدخل فيها الشك وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ اى بنور من عند الله وبنصره سمى بنصره إياهم روحالان أمرهم يحيى به وقال السدى يعنى بالايمان وقال الربيع يعنى بالقران وحججه وقيل برحمة منه وقيل أيدهم لجبرئيل وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بطاعة والجملة بتقدير قد حال من فاعل يدخلهم او من مفعوله وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه بحسبهم فى الاخرة او بما قضى الله تعالى عليهم فى الدنيا أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ وجنده وأنصار دينه يتبعون امره وينهون عما نهى عنه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بخير الدنيا والاخرة الآمنون من كل مرهوب

الحشر 59:1

فى الصحيحين عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رض سورة الحشر قال قل سورة النضير واخرج البخاري عنه ان سورة أنفال نزلت فى بدر وسورة الحشر نزلت فى بنى النضير. سورة الحشر مدنية وهى اربع وعشرون اية وثلث ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ بيان للموصول يعنى بنى النضير كانوا من أولاد هارون عليه السلام مِنْ دِيارِهِمْ التي كانت لهم بالمدينة قال ابن اسحق كان اجلاء بنى نضير عند مرجع النبي - ﷺ - من أحد وفتح قريظة عند مرجعه عن الأحزاب وبينهما سنتان وسبب إخراجهم ان النبي - ﷺ - لما دخل المدينة صالح بنو النضير على ان لا تقاتلوه ولا تقاتلوهن معه فقبل ذلك رسول الله - ﷺ - منهم فلما غزا رسول الله - ﷺ - بدرا وظهر على المشركين قالت بنو النضير والله النبي الذي وجدنا نعته فى التوراة لا ترد له راية فلما غزا أحد وانهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله - ﷺ - والمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - وركب كعب بن الأشرف من بنى النضير فى أربعين راكبا من اليهود الى مكة فاتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على ان يكون كلمتهم واحدة على محمد ودخل ابو سفيان فى أربعين من قريش وكعب فى أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة ثم رجع كعب وأصحابه الى المدينة فنزل جبرئيل فاخبر النبي - ﷺ - بما تعاقد عليه كعب وابو سفيان وامر النبي - ﷺ - بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلم ذكرنا قصة قتله فى سورة ال عمران فى قوله تعالى لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وكان النبي - ﷺ - اطلع منهم على خيانات منها انهم أرسلوا الى رسول الله - ﷺ - ان اخرج إلينا فى ثلثين من أصحابك وليخرج منا ثلثون حبرا حتى نلتقى بمكان نصف بيننا وبينك فسمعوا منك فان صدقوك وأمنوا بك أمنا بك كلنا فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله - ﷺ - فى ثلثين من أصحابه وخرج اليه ثلثون حبرا من يهود حتى إذا برزوا فى براز من الأرض قال بعضهم لبعض كيف تخلصون اليه ومعه ثلثون رجلا من أصحابه كلهم يحب ان يموت قبله فارسلوا اليه كيف نفهم ونحن ستون رجلا اخرج فى ثلثة من أصحابك ويخرج إليك ثلثة من علمائنا فيسمعون منك فان صدقوك وأمنوا بك أمنا بك فخرج رسول الله - ﷺ - فى ثلثة من أصحابه وخرجت ثلثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله - ﷺ - فارسلت امرأة ناصحة من بنى النضير الى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فاخبرته ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله - ﷺ - فاقبل أخوها سريعا حتى أدرك رسول الله - ﷺ - فساره بخبرهم قبل ان يصل إليهم فرجع رسول الله - ﷺ - الى المدينة روى القصة ابو داود والبيهقي وعبد ابن حميد وعبد الرزاق بإسناد صحيح وذكروا حديثا طويلا وفيه ان بنى النضير فعلوا ذلك الغدر حين كتب إليهم قريش بعد وقعة بدر انكم اهل الحلقة والحصون وانكم لتقاتلن صاحبنا او لتفعلن كذا وذكر البغوي هذه القصة وقال بعد ذلك فلما كان الغد غدا إليهم رسول الله - ﷺ - بالكتاب فحاصرهم احدى وعشرين ليلة ومن خياناتهم ان النبي - ﷺ - لما أتاهم يستعين فى دية الرجلين الذين قتلهما عمرو بن امية الضميري فى منصرفه من بيرمعونة فهمت اليهود ان يطرحوا على رسول الله - ﷺ - حجرا من فوق الحصن فعصمه الله تعالى وأخبره به ذكرنا القصة فى سورة المائدة فى تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ الاية ذكر ابن حميد عن عكرمة ان الله سبحانه لما اخبر نبيه بذلك ورجع نبى الله - ﷺ - الى المدينة قال لهم كنانة بن صوريا هل تدرون لم قام محمد قالوا لا والله ما ندرى وما تدرى أنت قال بلى والتوراة انى لا درى قد اخبر محمد بما هممتم به من الغدر فلا تخدعوا أنفسكم والله انه رسول الله وما قام الا انه اخبر بما هممتم وانه لاخر الأنبياء وكنتم تطمعون ان يكون من بنى هارون فجعله الله حيث شاء وان كتبنا والذي درسنا فى التوراة التي لم تغير ولم تبدل ان مولده بمكة وان دار هجرته يثرب وصفته بعينها ما يخالف حرفا مما فى كتابنا ولكانى انظر إليكم طاعنين يتضاعى صبيانكم قد تركتم دوركم خلوفا أموالكم وانما هى شرفكم فاطيعونى فى خصلتين والثلاثة لا خير فيها قال مادبا؟؟؟ يسلمون وتدخلون مع محمد فتامنوا على أموالكم وأولادكم وتكونوا على ما عليه أصحابه ويبقى بايديكم أموالكم ولا تخرجون من دياركم قالوا لا نفارق التوراة وعهد موسى قال فانه مرسل إليكم اخرجوا من بلدي فقولوا نعم فانه لا يستحل لكم دما ولا مالا ويبقى أموالكم ان شئتم بعتم وان شئتم امسكتم قالوا اما هذه فنعم قال سلام بن مشكم قد كنت لما صنعتم كارها وهو مرسل إلينا ان اخرجوا من دارى فلا تعقب ماضىء كلامه وأنعم له بالخروج من بلده فلما دخل النبي - ﷺ - المدينة أرسل الى محمد بن مسلمة فلما جاء قال اذهب الى اليهود بنى النضير فقل لهم ان رسول الله - ﷺ - أرسلني إليكم ان اخرجوا من بلدي فلما جائهم قال ان رسول الله - ﷺ - أرسلني برسالة ولست اذكرها لكم حتى أعرفكم بشىء تعرفونه فقالوا ما هو فقال أنشدكم بالتوراة التي انزل على موسى هل تعلمون انى جئتكم قبل ان يبعث محمد - ﷺ - وبينكم التوراة فقلتم لى فى مجالسكم هنايا ابن المسلم ان شئت ان نعذبك عذبناك وان شئت نهودك هودناك فقلت بل عذبونى ولا تهودونى فانى والله ما اتهود ابدا فعذبتمونى فى صفحة لكم والله لكانى انظر إليها كانها جذعة فقلتم لى ما يمنعك من ديننا الا انه دين يهود كانك تريد الحنيفة التي سمعت بها اما ان أبا عامر الراهب ليس بصاحبها بل صاحبها الضحوك القتال فى عينيه حمرة ويأتي من قبل اليمن يركب البعير ويلبس الشملة وتجزى بالكسرة وسيفه على عاتقه ينطق بالحكمة كانه وسنحيكم هذه والله ليكونن بقريتكم هذه سلب وقتل ومثل قالوا اللهم نعم قد قلنا وليس به فاقد فقلت ان رسول الله - ﷺ - أرسلني إليكم انكم قد نقضتم الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغد ربى وأخبرهم بما كانوا هموا به وظهور عمرو بن حجاش على البيت ليطرح عليه الصخرة ويقول اخرجوا من بلدي وقد أجلتكم عشرا فمن راى بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا الى ظهرهم بالحد فبيناهم على ذلك إذا جائهم رسول عبد الله بن ابى بن سلول سويد واعس فقالا يقول عبد الله بن ابى لا تخرجوا من دياركم وأموالكم واقيموا مع حصونكم فان معى الفين من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل ان يوصل إليكم ويمدكم قريظة فانهم لم يخذ لو كم يمدكم حلفائكم من غطفان وأرسل ابن ابى كعب بن اسد القرظي يكلمه ان يمده أصحابه فقال لا ينقض رجل واحد العهد فيئس ابن ابى اخطب بن قريظة وأراد ان يلحم الأمر فيما بين النضير ورسول الله - ﷺ - فلم يزل يرسل الى حيى بن اخطب فقال حيى انا أرسل الى محمدا علمه ان لا يخرج من ديارنا فليضع ما بدا له وطمع حيى فيما قال ابن ابى فقال له سلام بن مشكم لولا ان يسفه رايك لاعتزلتك بمن أطاعني من يهود فلا تغفل يا حيى فو الله انك لتعلم ونعلم من معك انه لرسول الله وان صفته عندنا وانما لم نتبعه لانا حسدناه حيث خرج النبوة من بنى هارون فلتقبل ما أعطانا من الأمر وتخرج من بلاده وقد عرفت انك حالفننى فى العذر به فاذا كان او ان التمر جئنا او جائنا الى تمرة او صنع ما بدا له ثم انصرف إلينا فلم يقبل حيى قوله وأرسل حيى أخاه جدى بن اخطب الى رسول الله - ﷺ - يقوله انا لا نبرح من ديارنا وأموالنا فاصنع ما أنت صانع وامره ان يأتي ابن ابى فيخبره برسالته الى رسول الله - ﷺ - ويأمره ان يتعمل ما وعد من النضير فلما سمع رسول الله - ﷺ - رسالة قول جدى بن اخطب اظهر التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود ثم دخل جدى على ابن ابى وهو فى بيته ومعه نفر من جلسائه وقد نادى منادى رسول الله - ﷺ - يأمرهم بالسير الى بنى النضير فدخل عبد الله بن عبد الله بن ابى على ابنه وعلى النضر الذين معه وعنده جدى بن اخطب فليس درعه وأخذ سيفه وخرج بعد فجاء جدى الى حيى فقال ما ورائك قال الشر ساعة أخبرت محمدا ما أرسلت به اظهر التكبير وقال حاربت يهود قال وجئت ابن ابى فلم ار عنده خبرا قال انا أرسل الى حلفاء من غطفان فيدخلون معكم فسار النبي - ﷺ - الى بنى النضير واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وصلى رسول الله - ﷺ - العصر بفناء النضير فلما أراد رسول الله - ﷺ - وأصحابه قاموا على جدر حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلهم بنو قريظة فلم يعينوهم فلما صلى رسول الله - ﷺ - العشاء رجع الى بيته فى عشرة من أصحابه استعمل على العسكر عليا ويقال أبا بكر وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا ثم اذن بلال فغدا رسول الله - ﷺ - فى أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس فى قضاء بنى حطم فارسل حيى الى رسول الله - ﷺ - نحن نعطيك الذي سالت ونخرج من بلادك فقال رسول الله - ﷺ - لا اقبله اليوم ولكن اخرجوا منها ولكم ما حملت الإبل الا الحلفة فقال سلام بن مشكم اقبل ويحك قبل ان تقبل شرا من ذلك قال حيى ما يكون شرا من هذا قال يسبى الذرية ويقتل القاتل مع الأموال والأموال أهون علينا فابى حيى ان يقبل يوما او يومين فلما راى ذلك يامين بن عمير وابو سعيد ابن وهب قال أحدهما لصاحبه والله انك لتعلم انه رسول الله فما تنظران نسلم فتامن على دمائنا وأموالنا فنزلا من الليل فاسلما وحرز أموالهما ودمائهما وحاصر رسول الله - ﷺ - على قول محمد بن عمرو بن سعد والبلاذري وابو معشر وابن حبان خمسة عشر يوما وقال ابن اسحق وابو عمرو ست ليال وقال سليمان التيمي قريبا من عشرين ليلة وقال ابن الطلاع ثلث وعشرين ليلة وعن عائشة خمسة وعشرين وكانوا فى حصارهم يخربون بيوتهم بايديهم مما يليهم وكان المسلمون يخربون بايديهم ويحرقون حتى وقع الصلح ونزلت اليهود على ان لهم ما حملت الإبل الا الحلقة وجعل ما بين الرجل من قيس عشرة دنانير ويقال خمسة اوسق من تمر حتى قتل عمرو بن حجاش غيلة فسر رسول الله - ﷺ - فقال بنو النضير ان لنا ديونا على الناس فقال عليه السلام تعجلوا فكان لابى رافع على أسيد بن حضير عشرين ومائة دينارا الى سنة فصالحة على ثمانين فخرجت بنو النضير جملوا النساء والذرية وما استقلت به الإبل من الامتعة فكان الرجل يهدم بيته عن إيجاف بابه وقبض رسول الله - ﷺ - الأموال والحلقة فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا قال ابن عباس صالحهم رسول الله - ﷺ - على ان يحمل كل اهل ثلثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم وللنبى - ﷺ - ما بقي وقال الضحاك اعطى كل ثلثة نفر بعيرا ففعلوا ذلك فخرجوا من المدينة الى الشام اى أذرعات وأريحا الا اهل ستين ال حقيق وال حيى بن اخطب فانهم لحقوا الخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة فذلك قوله تعالى هو الذي اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ط اللام بمعنى الوقت كما فى قوله تعالى قَدَّمْتُ لِحَياتِي قال الزهري كانوا فى سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم فى الدنيا وقال ابن عباس ومن شك ان المحشر بالشام فليقرأ هذه فكان هذا أول حشر الى الشام قال لهم النبي - ﷺ - اخرجوا قالوا الى اين قال الى ارض المحشر ثم يحشر الخلق يوم القيامة الى ارض الشام وقال الكلبي انما قال لاول الحشر لانهم كانوا أول من اجلى من اهل الكتاب من جزيرة العرب- ثم اجلى آخرهم عمر بن الخطاب رض وقال مرة الهمداني كان أول الحشر من المدينة والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب الى أذرعات وأريحا من الشام فى ايام عمر وقال قتادة كان هذا أول الحشر والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق الى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا روى البخاري من حديث انس أول اشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق الى المغرب من غير ذكر الاية والحشر إخراج جمع من مكان الى اخر ما ظَنَنْتُمْ ايها المؤمنون أَنْ يَخْرُجُوا لشدة بأسهم ومنعتهم حال من فاعل اخرج وَظَنُّوا اى بنو النضير عطف على ما ظننتم أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ يعنى ان حصونهم تمنعهم من بأس الله وسلطانه حصونهم مبتداء وما نعتهم خبر مقدم عليه والجملة خبر ان وتغير النظم وتقديم الخبر واسناد الجملة الى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها وزعم انهم فى عزة ومنعة لسببها ويجوز ان يكون ما نعتهم مبتداء من القسم الثاني صفة وحصونهم فاعل له والجملة خبر ان ايضا فَأَتاهُمُ اللَّهُ اى امر الله وعذابه وهو الاضطرار الى الجلاء مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا حيث القى الرعب فى قلوبهم وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الفزع والخوف كذا فى القاموس او المعنى القى فيها الخوف الذي يرعيها اى يملاها كذا قال البيضاوي وفى القاموس رعبه كمنعه ملاه عطف تفسيرى على اتبعهم بيان لجهة إتيان عذابهم يُخْرِبُونَ صفة مصارع بمعنى الماضي أورد لاستحضار صورة بديعة بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ عطف على أيديهم من حيث ان تخريب المؤمنين سبب لبغضهم ونقض عهدهم فكانهم استعملوهم فيه والجملة حال من الموصول المفعول لا خرج فى قوله تعالى هو الذي اخرج الذين كفروا او بدل اشتمال من قوله تعالى قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ كانه تفسير له او مستانفة فى جواب ما صنعوا قرأ ابو عمرو يخربون بالتشديد من التفعيل وهو ابلغ لما فيه من التكثير والباقون بالتخفيف من للافعال وقيل الأحزاب؟؟؟ التعطيل وترك الشيء خرابا والتخريب ان النبي - ﷺ - صالحهم على ان لهم ما أقلت الإبل فكانوا ينظرون الى الخشب فى منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يحتسنونه فيحملونه على بلهم ويخرب المؤمنون باقيها وقال ابن زيد كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدر ان ويقلعون الخشب حتى الأوتاد ويخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا او بغضا وقال قتادة كان المسلمون يخربون ما يليهم ويخربها اليهود ومن داخلها قال ابن عباس كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم المقاتل وجعلوا اعداء الله ينقبون دورهم فى أدبارها فيخرجون الى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرن ما يليهم ويرمون بالتي خرجوا منها اصحاب رسول الله - ﷺ - فذلك قوله تعالى يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ الاية فَاعْتَبِرُوا فانظروا واتعظوا بما نزل بهم ولا تفعلوا من الكفر والفسوق مثل ما فعلوا كيلا ينزل بكم مثل ما نزل بهم من العذاب استدلوا بهذه الاية على حجة القياس من حيث انه تعالى امر بالاعتبار والمجاوزة من اصل الى فرع لمشاركة بينهما فى وصف يصلح سبا لذلك الحكم يا أُولِي الْأَبْصارِ يا ذوى العقول والبصائر قال محمد بن يوسف الصالحي فى سبيل الرشاد انه قال محمد بن عمر حدثنى ابراهيم بن جعفر عن أبيه قال لما خرجت بنو النضير اقبل عمرو بن سعد اليهود فاطاف بمنازلهم فراى خرابا ففكر ثم رجع الى بنى قريظة فقال رايت اليوم عبر ارايت دار إخواننا خالية بعد ذلك العز والشرف والجلد والرأي الفاضل والعقل البارع قد تركوا أموالهم وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل وقد وقع قبل ذلك بابن الأشرف بيانا فى بيته افتادا وقع بابن سنية سيد يهود واجلدهم وانجدهم ووقع ببني قينقاع واجلاءهم وهم جد يهود كانوا اهل عدة وسلاح ونحده فحصرهم فلم يخرج انسان راسه حتى سباهم فكلهم فيهم فتركهم على ان اجلائهم من يثرب يا قوم لقد رايتم فاطيعونى وتعالوا نتبع محمدا فو الله انكم لتعلمون انه بنى وقد بشرنا به علمائنا آخرهم ابن السيان ابو عمير وابن حواس هما اعلم يهود جاءا من بيت المقدس يتوكفان قدومه ثم أمرنا باتباعه وان نقربه منهما السلام ثم ماتا على دينه ودفنا لحبرتنا هذه فاسكنت القوم فلم يتكلم منهم متكلم فاعاد الكلام او نحوه وخوفهم بالحرب والسبي والجلاء فقال الزبير بن باطا والتوراة قد قرأت صفة فى كتاب باطا التوراة التي نزلت على موسى ليس فى المثاني التي أحدثنا فقال له كعب بن سعد ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه قال أنت قال فلم والتوراة ما جعلت بينك وبينه قط قال الزبير بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فان اتبعته اتبعناك وان أبيت أبينا فاقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال اما والتوراة التي نزلت على موسى يوم طور سينا انه للعز والشرف فى الدنيا انه لعلى منهاج موسى ونزل معه أمته فى منزله غدا فى الجنة قال كعب نقيم على عهدنا وعقدنا فلا يخضر محمد ذمتكم وننظر ما يصنع حيى فقد اخرج إخراج ذل وصغار ذلا فلا أراه يغزو محمدا فان ظفر بمحمد فهو ما أردنا وأقمنا على ديننا وان ظفر بحيي فما فى العيش خير نحو لنا من جراره قال عمرو بن سعدى ولم تؤخر الأمر وهو مقبل قال كعب ما على هذا فوات متى أردت هذا

الحشر 59:3

من محمدا جابنى اليه قال عمرو بلى والتوراة انه عليه نعوتا إذا سار إلينا محمد فيخبانا فى حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا قال كعب بن اسد ما عندى فى امره الا ما قلت ما نطيب نفسى ان أصير تابعا يقول هذا لاسرائيلى ولا يعرف لى فضل النبوة لا قدر الفعال قال عمرو بن سعدى بل لعمرى ليعرفن ذلك لك فبينماهم على ذلك لم يزعم الا بمقدم النبي - ﷺ - قد حلت بساحتهم فقال هذا الذي قلت لك وذلك انهم نقضوا عهد رسول الله - ﷺ - وحاربوه فى وقعة الخندق. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ فى اللوح المحفوظ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ اى الخروج من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ط بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ جملة مستانفة يعنى ان نجوا من عذاب الدنيا لا ينجون من عذاب النار فى الاخرة البتة. ذلِكَ لحقهم فى الدنيا وما كانوا يصدده وما استحقوه من عذاب الاخرة بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يعذبه عذابا شديدا لانه شَدِيدُ الْعِقابِ اخرج ابن اسحق عن يزيد بن رومان قال لما نزل رسول الله - ﷺ - بنى النضير تحصنوا منه فى الحصون فامر بقطع النخل والتحريق فيها وذكر محمد بن يوسف الصالحي انه - ﷺ - استعمل على قطعها أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام وكان ابو ليلى بقطع العجوة وكان عبد الله بن سلام بقطع اللون فقيل لهما ذلك فقال ابو ليلى العجوة احرق لهم وقال عبد الله بن سلام قد عرفت ان الله سيغنم أموالهم العجوة خير أموالهم فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل فجعل سلام بن مشكم يقول يا حيى العذق من العجوة بفرس فلا يطعم ثلثين سنة تقطع فارسل حيى الى رسول الله - ﷺ - كنت تنهى عن الفساد فلم تقطع النخل ووجد بعض المسلمين فى أنفسهم من قولهم وخشوا ان يكون فسادا فقال بعضهم لا تقطعوا فانه مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل نغيضهم بقطعها فانزل الله تعالى. ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ كما فعل ابو ليلى ما شرطية منصوب المحل مفعول لقطعتم ومن لينة بيان له يعنى اى شىء قطعتم حال كونه من لينة فعلتم من اللون ويجمع على الألوان وقيل هو من اللين كذا ذكر فى الصحاح قال البغوي اختلفوا فى معنى اللينة فقال قوم النخل كلها لينة داخلا العجوة وهو قول عكرمة وقتادة ورواية زاذان عن ابن عباس قال كان النبي - ﷺ - يقطع نخلهم الا العجوة واهل المدينة ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لين ولينة وقال الزهري هو ألوان النخل كلها الا العجوة والبرنية وقال مجاهد وعطية هى النخل كلها من غير استثناء وقال العوفى عن ابن عباس من النخل وقال سفيان هى كرام النخل وقال مقاتل هى ضرب من النخل يقال لتمرها اللون وهى شديد الصفرة يرى نواة من خارج يغيب فيالضرس وكان من أجود تمر هى اعجب إليهم

الحشر 59:6

وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن رصيف وأحب إليهم من رصيف أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها كما فعل عبد الله بن سلام فَبِإِذْنِ اللَّهِ خبر مبتداء محذوف يعنى فقطعه وتركه بإذن الله ليس فى شىء من ذلك اثم اخرج البخاري عن ابن عمران رسول الله - ﷺ - حرق نخل بنى نضير وقطع وهى البويرة هذه الاية كذا روى اصحاب الكتب واخرج ابو يعلى بسند ضعيف عن جابر قال رخص وقطع النخل ثم شدد عليهم فاتوا النبي - ﷺ - قالوا يا رسول الله هل علينا اثم فيما قطعنا وتركنا فانزل الله هذه الاية وَلِيُخْزِيَ الله بالاذن فى القطع الْفاسِقِينَ اليهود عطف على بإذن الله وعلة لمحذوف والجملة معطوفة على جملة تقريره وفعلتم او اذن لكم لنخزى هم على فسقهم بما غاظهم منه (مسئله) من هاهنا قال ابو حنيفة رح إذا حاصر الامام حصنا للكفار جاز ان يقطع أشجارهم ويفسد زروعهم وهدم بيوتهم ويحرقها قال ابن همام هذا إذا لم يغلب على الظن انهم ماخذون بغير ذلك فان كان الظاهر انهم مغلوبون وان الفتح لا بد منه كره ذلك لانه إفساد وفى غير محل الحاجة وما أبيح الا لها وقال احمد لا يجوز قطع أشجارهم الا بأحد الشرطين أحدهما ان يفعلوا بنا مثل ذلك ثانيهما ان يكون لنا حاجة الى قطع ذلك لنتمكن من قتالهم وقال الشافعي يجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم وكذا ان لم يرج حصولها لنا فان رجى ندب الترك والدليل على جواز قطع الأشجار هذا الاية والحديثين المذكورين وما روى احمد عن اسامة بن زيد قال بعثني رسول الله - ﷺ - الى قرية قال أيتها صباحا ثم حرق قال ابن الجوزي احتجاجا لمذهبه انه قد روى أصحابنا ان النبي - ﷺ - كان إذا بعث جيشا قال لا تعود واعينا ولا تعقروا شجرا إلا شجر يمنعكم من القتال والحديثان يعنى حديث ابن عمر وحديث اسامة بن زيد محمولان على ما ذكرنا انتهى كلامه قلنا لا يجوز على ما ذكر ابن الجوزي لان بنى نضير لم يقطعوا أشجار المدينة قط ولا دليل على كون القطع لحاجة القتال بل الاية صريحة فى ان الأمر بالقطع كان لخزى الفاسقين وكبت اعداء الله وكسر شوكتهم لا لغرض اخر لكن الظاهر ان الفتح لم يكن غالبا فى الظن حين امر النبي - ﷺ - بقطع أشجارهم يدل على قوله تعالى ما ظننتم ان يخرجوا وظنوا ما نعتهم حصونهم وما روى اصحاب احمد حجة على عدم جواز القطع ان صح لا يمكن ان يكون معارضا لكتاب الله المستلزم للجواز والله اعلم قال البغوي فلما ترك بنو النضير رياعهم وضياعهم طلب المسلمون تقسيمها بيتهم كما فعل لغنايم خيبر فبين الله تعالى حكمها وقال. وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ القى الرجوع وأفاء بمعنى عاد وقال الجوهري الفى الرجوع الى حالة محمودة قال الله تعالى حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا... فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولما كان الرجوع يقتضى سبق الملك قال البيضاوي أفاء بمعنى صير مجازا او بمعنى رده عليه فانه كان حقيقا بان يكون له عليه السلام لان الله خلق الإنسان لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به الى طاعة فهو جدير بان يكون للمطيعين مِنْهُمْ اى من بنى النضير فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ اى ما أجريتم على تحصيله من الوجيف بمعنى سرعة السير مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه والمعنى انه لم يلحق المؤمنين فى تحصيل ما أفاء الله من بنى النضير من المشقة بالحرب وإيجاف الخيل والركاب حتى يستحقوا الغنائم وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ط يقذف الرعب فى قلوبهم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيفعل ما يريد تارة بالوسايط فى الظاهر وتارة بلا وسائط هذه الاية والأحاديث الصحيحة تدل على ان مال بنى نضير كان خالصا لرسول الله - ﷺ - ثم صرفه عليه السلام حيث شاء روى الشيخان فى الصحيحين عن مالك بن أوس ابن الجدثان النضيري انه قال عمر بن الخطاب ان الله قد خص رسول الله - ﷺ - فى هذا الفيء بشىء لم يعط أحدا غيره ثم قرأ ما أفاء الله على رسوله منهم الى قوله قدير فكانت هذه خالصة لرسول الله - ﷺ - يتفق عليه وعلى اهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذه ما بقي فيجعله فجعل مال الله وايضا فى الصحيحين عنه انه جاء عمر حاجبه يرفا فقال هل لك فى عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد رض يستاذنون قال نعم فادخلهم فلبث قليلا ثم جاء فقال هل لك فى عباس وعلى رض يستاذنان قال نعم فلما دخلا قال عباس يا امير المؤمنين اقض بينى وبين هذا وهما يختصمان فى التي أفاء الله على رسوله من بنى النضير فقال الرهط يا امير المؤمنين اقض بينهما وارح أحدهما من الاخر قال اتئدوا أنشدكم الله الذي باذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون ان رسول الله - ﷺ - قال لا نورث ما تركناه صدقة يريد بذلك نفسه قالوا قد قال ذلك فاقبل عمر على علىّ وعباس فقال أنشدكما بالله هل تعلمون ان رسول الله - ﷺ - قال ذلك قالا نعم قال فانى أحدثكم عن هذا الأمر ان الله قد خص رسول الله - ﷺ - فى هذا الفيء بشىء لم يعطه أحدا غيره فقال وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ الى قوله قدير فكانت هذه خالصة لرسول الله - ﷺ - ثم والله ما اختارها دونكم ولا استاثرها عليكم فقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي المال منها فكان رسول الله - ﷺ - ينفق على اهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله فجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله - ﷺ - حيوته ثم توفى رسول الله - ﷺ - فقال ابو بكر فانا ولى رسول الله - ﷺ - فقبضه ابو بكر فعمل فيه بما عمل رسول الله - ﷺ - وأنتم حينئذ جميع واقبل على على وعباس يذكران ان أبا بكر فيه كما يقولان والله يعلم انه فيها لصادق بارر أشد ثم توفى الله أبا بكر فقلت انا ولى رسول الله - ﷺ - وابى بكر

الحشر 59:7

فقبضتها سنين من امارتى اعمل فيه بما عمل رسول الله - ﷺ - وابو بكر والله يعلم انى فيه صادق بارر أشد تابع للحق ثم جئتمانى كلا كما وكلمتكما واحدة وامر كما جميع فقلت لكما ان رسول الله - ﷺ - قال لا نورث ما تركنا صدقة فلما بدا الىّ ان ادفعه اليكما قلت ان شئتما دفعت اليكما على ان عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله - ﷺ - وابو بكر وما عملت فيه منذ وليت وإلا فلا تكلمانى فقلتما ادفعه إلينا بذلك فدفعته اليكما افتلتمسان منى قضاء غير ذلك فو الله الذي تقوم باذنه السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فان عجزتما عنه فادفعا الى فانا أكفيكما هما وايضا فى الصحيحين عن عمر قال كانت اموال بنى نضير مما أفاء الله على رسوله مالم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة ينفق على اهله نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي فى السلاح والكراع عدة فى سبيل الله . ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى اى اموال اهل القرى بيان للاول ولذلك لم يعطف لكنه يعم الاول يعنى بنى النضير وغيره فان قيل لو كان هذا بيانا للاول لكان للانصار ايضا حقا فى فىء بنى النضير مع ان النبي - ﷺ - لم يعط من فىء بنى النضير شيئا للانصار غير ثلثة منهم قلنا كان للانصار ايضا فيه حقا لكنهم اثروا المهاجرين على أنفسهم وجعل حقهم لهم كما سياتى قال ابن عباس فى تفسير اهل القرى وهى قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة وقال جلال الدين المحلى كان الصفراء ووادي القرى وينبع قلت والصحيح ان خيبر فتحت عنوة وقسمت بين اهل الحديبية على ثمانية عشر سهما كما مر فى سورة الفتح فَلِلَّهِ افتتاح كلام للتبرك واضافة هذا المال الى نفسه لشرفه وليس المراد منه ان سهما منه له تعالى مفردا فان الدنيا والاخرة كلها لله تعالى وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وابراهيم والشعبي وعامة الفقهاء وعامة المفسرين وقال بعضهم يصرف سهم الله تعالى فى عمارة الكعبة والمساجد وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى يعنى أقرباء رسول الله - ﷺ - وهم بنو هاشم وبنو المطلب لحديث جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله - ﷺ - سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب أتيته انا وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بنى هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم ارايت إخواننا من بنى المطلب اعطيتهم وتركتنا وانما قرابتنا وقرابتهم واحدة فقال رسول الله - ﷺ - انما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد هكذا وشبك بين أصابعه رواه الشافعي وفى رواية ابو داود والنسائي نحوه وفيه انا وبنو المطلب لا نفترق فى الجاهلية ولا اسلام وانما نحن وهم شىء واحد وشبك بين أصابعه وَالْيَتامى الصغار الذين لا اب لهم وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ المسافر البعيد من ماله كان المستفاد فيما مر من الاية

الحشر 59:8

ان الفيء مختص بالنبي - ﷺ - وضم هاهنا مع رسول الله - ﷺ - الأصناف المذكورة اشعارا بما يفعل الرسول - ﷺ - فى ذلك المال ولما كان مال الفيء بحيث لا نصيب فيه لرجال بعينهم كما فى الغنائم للغانمين بل قسمة مفوض الى رسول الله - ﷺ - والى خلفائه من بعده وجاز لهم اختيار اشخاص من الأصناف المذكورة به عليه السلام منافيا لاختصاص المال به عليه السلام والله تعالى اعلم كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً متعلق بالظرف المستقر اعنى فلله وللرسول قرأ هشام بخلاف عنه تكون بالتاء الفوقانية على التأنيث ودولة بالرفع على الفاعلية وكان حينئذ تامة والباقون بالياء التحتانية على التذكير على ان ضمير الفاعل راجع الى الموصول ودولة منصوب على انه خبر كان الناقصة بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ط يعنى لا يكون ما يتداوله الأغنياء بينهم دون الفقراء كما كان فى الجاهلية بل جعل الله لرسوله - ﷺ - ان يقسمه على ما يراه مصلحة فيما امر به ثم قال وَما آتاكُمُ اعطاكم الرَّسُولُ من الفيء فَخُذُوهُ ولا تطعموا فيما زاد على ما طابت نفسه وَما نَهاكُمْ عَنْهُ من الغلول وغيره فَانْتَهُوا ج ذكر هذه الجملة معترضة كيلا يطمع الناس من الرسول ما لا يرضاه وهذا نازل فى الفيء وهو عام فى كل ما امر به النبي - ﷺ - ونهى عنه عن عبد الله بن مسعود قال لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بنى اسد يقال لها أم يعقوب فجائت فقالت انه قد بلغني انك لعنت كيت وكيت فقال مالى لا العن من لعن رسول الله - ﷺ - ومن هو فى كتاب الله فقالت لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال لئن كنت قراتيه لقد وجدتيه اما قرأت ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قالت بلى قال فانه قد نهى عنه رواه البخاري وَاتَّقُوا اللَّهَ ط فى مخالفة رسوله - ﷺ - معترضة اخرى إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ج لمن خالفه تعليل لما سبق. لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ بدل من لذى القربى وما عطف عليه فان الرسول لا يسمى فقيرا وقد اخرج الله رسوله من الفقراء لقوله ينصرون الله ورسوله قبل هذا بدل الكل من الكل واللام فى للفقراء للعهد والمراد منه هم المذكورون اعنى ذوى القربى واليتامى والمساكين فلا يلزم ان لا يكون المذكورون سابقا مصرفا نظرا الى المبدل منه لا يكون مقصودا بالنسبة بل البدل هو المقصود بالنسبة وعندى ان الفقراء المهاجرون وما عطف عليه أعم مطلقا مما سبق فانهم استوعبوا المؤمنين الى يوم القيامة أجمعين غنيهم وفقيرهم على ما ستذكر إنشاء الله تعالى فهذا بدل الكل من البعض وهو من قبيل الاشتمال وعلى كلا التقديرين فما سبق فى الذكر من ذوى القربى وما عطف عليه وان لم يكن مقصودا بالنسبة لفظا لكنها داخلة فى المقصود اعنى البدل او عينه والله تعالى اعلم الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ التي بمكة وَأَمْوالِهِمْ فان كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم وفى الاية دليل على ان كفار مكة ملكوا اموال المهاجرين التي خلفوها وهاجروا عنها لان الله تعالى اطلق عليهم الفقراء والفقير من لا يملك شيئا وليس من لا يملك مالا وهو فى مكان لا يصل اليه فقيرا بل هو مخصوص باسم ابن السبيل ولذا عطفوا عليه فى نص الصدقة ومن هاهنا قال ابو حنيفة ومالك الكفار إذا استولت على اموال المسلمين ملكوها بشرط الاحراز بدارهم عند ابى حنيفة وبمجرد الاستيلاء عند مالك وقال الشافعي لا يملكونها وذكر ابن همام لاحمد فيه روايتين كقول ابى حنيفة وكقول الشافعي وذكر ابن الجوزي قول احمد كقول الشافعي لا غير ويويد مذهب ابى حنيفة من الأحاديث ما رواه ابو داود فى مراسيله عن تميم بن طرفة قال وجد رجل مع رجل ناقة له فارتفعا الى النبي - ﷺ - فاقام البينة انها له واقام الاخر البينة انه اشتراها من العدو فقال رسول الله - ﷺ - ان شئت ان تأخذ بالثمن الذي اشتراها به فانت أحق والا فخل عنه ناقة والمرسل عندنا وعند اكثر اهل العلم حجة واخرج الطبراني مسندا عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة وفى سنده ياسين الزيات مضعف واخرج الدارقطني ثم البيهقي فى سننهما عن ابن عباس عنه ﷺ قال فى ما احرز العدو فاستنفذه المسلمون منهم ان وجده صاحبه قبل ان يقسم فهو أحق به وان وجد قد قسم فانشاء اخذه بالثمن فيه حسن بن عمارة قال الدارقطني متروك واخرج الدارقطني عن ابن عمر سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من وجد ماله فى الفيء قيل ان يقسم فهو له وان وجده بعد ما قسم فليس له شىء وفيه اسحق بن عبد الله بن فروة ضعيف وفى طريقة الاخر رشدين ضعيف ايضا أخرجه الطبراني عن ابن عمر مرفوعا من أدرك ماله فى الفيء قبل ان يقسم فهو له فان أدركه بعد ان يقسم فهو أحق به بالثمن وفيه ياسين ضعيف وبه قال الشافعي واحتجوا ايضا بان عمر بن الخطاب قال من أدرك ما أخذ العد وقبل ان يقسم فهو له وما قسم فلاحق له فيه الا بالقيمة وقال هذا انما روى عن الشعبي عن عمرو عن رجا بن حيوة عن عمر مرسلا وكلاهما لم يدرك عمر وروى الطحاوي بسنده الى قبيصة بن ذويب ان عمر بن الخطاب قال فيما اخذه المشركون فاصابه المسلمون فعرفه صاحبه اى أدرك قبل ان يقسم فهو له وان جرت فيه السهام فلا شىء له وروى فيه ايضا عن ابى عبيدة مثل ذلك وروى بإسناده الى سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت مثله وروى ايضا بإسناده الى قتادة عن جلاس ان علىّ ابن ابى طالب رض قال من اشترى ما احرز العد وفهو جائز وهذه الأحاديث وان كانت بعضها ضعيفة وبعضها مرسلة لكنها اعتضد بعضها ببعض وصارت حجة وعملا بهذه الأحاديث شرط ابو حنيفة الاحراز وقال ان ظهر عليها المسلمون فوجدها المالكون قبل ان يقسم فهى لهم بغير شىء وان وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة ان أحبوا وكذا ان دخل دار الحرب تاجر فاشترى ذلك فاخرجه الى دار الإسلام فمالكه الاول بالخيار ان شاء اخذه بالثمن الذي اشتراه وان شاء تركه وكذا لو وهبوا لمسلم يأخذه المالك بقيمته واستدل بعض الحنفية بما فى الصحيحين انه - ﷺ - لما سئل يوم الفتح اين تنزل غدا بمكة قال هل ترك لنا عقيل من منزل وجه الاحتجاج ان عقيلا استولى عليه وهو على كفره وقيل ان الحديث انما هو دليل على ان المسلم لا يرث الكافر فان عقيلا استولى على الرباع بإرثه إياها أبا طالب فانه مات وترك عليا وجعفر مسلمين وعقيلا وطالبا كافرين فورثاه والله تعالى اعلم احتج الشافعي بحديث رواه احمد ومسلم فى صحيحه عن عمران بن حصين قال كانت العضباء لرجل من بنى عقيل وكانت من سوابق الحاج فاسر الرجل وأخذت العضباء معه فحبسها رسول الله - ﷺ - لرجله ثم ان المشركين أغاروا على سرج المدينة وفيه العضباء وأسروا امرأة من المسلمين وكانوا إذا نزلوا يريحون إبلهم فى أفنيتهم فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد نوموا فجعلت لا تضع يدها على بعير الا رغا حتى أتت على العضباء فاتت على ناقة ذلول فركبتها ثم توجهت قبل المدينة ونذرت لئن الله عز وجل نجاها عليها لنحر بها فلما قدمت عرفت الناقة فاتوا بها النبي - ﷺ - فاخبرت المرأة نذرها فقال رسول الله - ﷺ - تبسما خبريتها او وفيتها ان الله أنجاها عليها لتنحر بها ثم قال رسول الله - ﷺ - لا وفاء لنذر فى معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم وجه الاحتجاج انه لو ملكها المشركون ما أخذها رسول الله - ﷺ - وما بطل نذرها وحديث رواه داود عن ابن عمر قال ذهب فرس له فاخذها الكفار فظهر عليهم المسلمون فرد عليه فى زمن رسول الله - ﷺ - وابق عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون فرد عليه خالد بن وليد وفاة رسول الله - ﷺ - والجواب عن الحديث الاول ان ظاهر هذا الحديث يدل على ان الكفار لم يحرزوا العضباء بديارهم حيث قال وكانوا إذا نزلوا يريحون أهلهم فى أفنيتهم وعن الحديث الثاني انا نقول على حسب مقتضى هذا الحديث حيث نقول ان المشركين إذا غلبوا على أموالنا وملكوها فظهر عليهم المسلمون ووجدها ملاكها قبل القسمة ردت تلك الأموال عليها بلا شىء وبعد القسمة ردت بالقيمة وان عبدا إذا ابق فدخل إليهم فاخذوه لم يملكوه عند ابى حنيفة رح ثم إذا ظهر عليهم المسلمون يأخذ المالك القديم بغير شىء موهوبا كان او مشترى مغنوما قبل القسمة وبعده والله تعالى اعلم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ يعنى ثوابا زايدا على قدر أعمالهم أضعافا كثيرة وَرِضْواناً جملة يبتغون حال مقيدة لاخراجهم بما يوجب

الحشر 59:9

تفخيم شانهم وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ يعنى دينه عطف على يبتغون وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فى ادعاء ايمانهم وحالهم على صدق دعواهم فمن قال من الروافض انهم كانوا منافقين وكانوا كاذبين فى ادعاء الايمان كفر لاستلزام انكار هذه الاية وقال قتادة هؤلاء المهاجرين الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبّا لله ولرسوله واختاروا الإسلام على ما كانت فيه من شدة حتى ذكران الرجل كان يعصب الحجر على بطنه يقيم به صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة فى الشتاء ماله دثار غيرها قلت وكانوا يحبون القتل فى سبيل الله روى البغوي فى المعالم وشرح السنة من امية بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن النبي - ﷺ - انه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله - ﷺ - ان فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة الى الجنة بأربعين خريفا وروى ابو داود عن ابى سعيد الخدري رض عن النبي - ﷺ - قال ابشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل اغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة قلت لعلهم يدخلون الجنة قبل اغنياء المهاجرين بأربعين خريفا وقبل اغنياء سائر الناس بخمسمائة سنة والله تعالى اعلم اخرج ابن المنذر عن يزيد بن الأصم ان الأنصار قالوا يا رسول الله اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض يعنى الأرض المملوكة للانصار نصفين قال لا ولكن تكفونهم المئونة وتقاسمونهم الثمرة والأرض أرضكم قالوا رضينا فانزل الله تعالى يعنى انزل فيهم قوله. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ الاية وروى البخاري عن ابى هريرة بلفظ قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخل قال لا تكفونا المؤن وتشرككم فى الثمر قالوا سمعنا واطعنا وليس ذكر نزول الاية صحيح والمعنى تبوء وادارا بحره وتمكنوا فى الايمان وهم أنصار شبه الايمان بالمقر لدوام اثباتهم عليه واثبت التبوء على الاستعارة التخييلية وجاز ان يكون الايمان منصوبا بالفعل المقدر يعنى وأخلصوا الايمان من قبيل علفتها تبنا وماء باردا يعنى وسقيتها ماء باردا وقيل المعنى تبؤوا دار الهجرة ودار الايمان وهى المدينة فحذف المضاف من الثاني والمضاف اليه من الاول وعوض عنه اللام سمى المدينة دار الايمان لانها مظهره عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ان الله تعالى سمى المدينة طابة رواه مسلم وعن جابر بن عبد الله فى حديث قال قال رسول الله - ﷺ - انما المدينة كالكير تنفى خبثها وتنصع طيبها متفق عليه وروى مسلم عن ابى هريرة بمعناه مِنْ قَبْلِهِمْ اى من قبل هجرة المهاجرين وقيل تقدير الكلام والذين تبوء الدار من قبلهم والايمان يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ فى أنفسهم حاجَةً قيل المحتاج اليه يسمى حاجة والمعنى طلب حاجة وقيل المراد ما يحمل عليه الحاجة من الطلب والحسد والغيظ مِمَّا أُوتُوا اى من أجل ما اعطى المهاجرون دونهم من الفيء وذلك ان النبي - ﷺ - قسم اموال بنى النضير بين المهاجرين ولم يعط أحدا من الأنصار الا ثلثة منهم فطابت انفس الأنصار بذلك قال محمد بن يوسف الصالحي فى سبيل الرشاد ان رسول الله - ﷺ - لما تحول من بنى عوف بن عمر الى المدينة تحول المهاجرون فتنافست فيهم الأنصار ان ينزلوا عليهم اقترعوا فيهم بالسهمان فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار الا بقرعة بينهم فكان المهاجرون فى دور الأنصار وأموالهم فلما غنم رسول الله - ﷺ - بنى النضير دعا ثابت بن قيس بن شماس فقال ادع لى قومك قال ثابت الخزرج يا رسول الله - ﷺ - الأنصار كلها فدعى الأوس والخزرج فتكلم رسول الله - ﷺ - فحمد الله تعالى واثنى عليه بما هو اهله ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم إياهم فى منازلهم وأموالهم وإيثارهم على أنفسهم ثم قال رسول الله - ﷺ - ان احببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله تعالى على من بنى النضير وكان المهاجرون على مالهم من السكنى ومساكنكم وأموالكم وان احببتم اعطيتهم وخرجوا من دوركم فتكلم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ رض وخيراهما خيرا فقالا يا رسول الله بل تقسمه بين المهاجرين ويكونوا فى دورنا كما كانوا ونادت الأنصار رض وجزاهم الله خيرا رضينا وسلمنا يا رسول الله فقال رسول الله - ﷺ - اللهم ارحم الأنصار فقسم رسول الله - ﷺ - ما أفاء الله عليه واعطى المهاجرين ولم يعط أحدا من الأنصار من ذلك الفيء شيئا إلا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف وأبا دجانة واعطى سعه ابن معاذ رض عنهم سيف بن ابى الحقيق وكان سيفا له ذكر عندهم وذكر البلاذري فى فتوح البلدان له ان رسول الله - ﷺ - قال للانصار ليس لاخوانكم من المهاجرين اموال فان شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعا وان شئتم امسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة قالوا بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت وَيُؤْثِرُونَ اى يقدمون المهاجرين باموالهم ومنازلهم عَلى أَنْفُسِهِمْ حتى ان من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ فاقة وحاجة الى ما يؤثر قال البغوي روى عن ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - يوم النضير للانصار فذكر نحو ما ذكر البلاذري وروى البخاري عن ابى هريرة قال اتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله أصابني الجهد فارسل الى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال انا يا رسول الله فذهب الى اهله فقال لامرأته هذا ضيف رسول الله - ﷺ - لا تدخريه شيئا قالت والله ما عندى إلا قوت الصبية قال فاذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالى فاطقى السراج ونطوى بطوننا الليلة ففعلت وفى رواية فهيات

الحشر 59:10

طعامها ونومت صبيانها ثم قامت كانها تصلح سراجها فاطفأت فجعلا يريانه انهما يأكلان فباتا لهاويين؟؟؟ ثم غدا الرجل على رسول الله - ﷺ - فقال لقد اعجب الله أو ضحك من فلان وفلانة فانزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ واخرج مسدد فى مسنده وابن المنذر عن ابى المتوكل الناجي ان رجلا من المسلمين فذكر نحوه وفيه ان الرجل الذي أضاف ثابت بن قيس بن شماس فنزلت فيه هذه الاية واخرج الواحدي من طريق محارب ابن دثار عن ابن عمر قال اهدى لرجل من اصحاب رسول الله - ﷺ - راس شاة فقال ان أخي فلان وعياله أحوج الى هذا منا فبعث به إليهم فلم يزل يبعث به واحد الى اخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت الى أولئك فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وروى البخاري عن انس بن مالك قال دعى النبي - ﷺ - الأنصار الى ان يقطع لهم البحرين فقالوا لا ان نقطع لاخواننا من المهاجرين مثلنا قال فاصبروا حتى تلقونى فانه سيصيبكم اثره بعدي وذكر البلاذري فى فتوح البلدان انه قال ابو بكر رض جزاكم الله يا معشر الأنصار فو الله ما مثلنا ومثلكم الا كما قال الغنوي جزا الله عنا جعفرا حين ارتعت بنا تعلنا فى الوطنين فنزلت أبوا ان يحلونا ولو ان أمنا تلقى الذي يلقون مناطلت- وروى الآجري فى كتاب الشريعة عن قيس بن ابى حازم نحوه وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الانفاق فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الشح البخل والحرص كذا فى القاموس وفى الصحاح بخل مع حرص قال البغوي فرق العلماء بين الشح والبخل روى ان رجلا قال لعبد الله بن مسعود انى أخاف ان أكون قد هلكت قال وما ذاك قال اسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون وانا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدى شىء قال عبد الله ليس ذاك بالشح الذي ذكره الله عز وجل ولكن الشح ان تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل وقال عمر ليس الشح ان يمنع الرجل ماله انما الشح ان تطمع عين الرجل الى ما ليس له وقال سعيد بن جبير الشح هو أخذ الحرام ومنع الزكوة وقبل الشح الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم وقال ابن زيد من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ولم يدعه الشح الى ان يمنع شيئا من شىء امره الله به فقدوقى شح نفسه عن جابر بن عبد الله ان رسول الله - ﷺ - قال اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فان الشح أهلك من كان قبلكم حملهم ان يسفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم واحمد وعن ابى هريرة انه سمع رسول الله - ﷺ - يقول لا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان فى جوف عبد ابدا ولا يجتمع الشح والايمان فى قلب عبد ابدا رواه البغوي وكذا روى النسائي. وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ اى بعد المهاجرين والأنصار وهم الذين اسلموا من الصحابة بعد الفتح والمؤمنون بعد الفريقين الى يوم القيامة يَقُولُونَ حال من فاعل جاؤا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا فى الدين الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ فان السابقين لهم حق على اللاحقين حيث اهتدوا بالايمان والشرائع يتوسطهم كما اهتدوا أولئك بتوسط النبي - ﷺ - وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا حقد او حسد او بغضا لِلَّذِينَ آمَنُوا من قبل من المهاجرين والأنصار رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ع فكل من كان فى قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فانه ليس ممن عناه الله بهذه الاية قال ابن ابى ليلى الناس على ثلثة منازل الفقراء المهاجرين والذين تبوؤ الدار والايمان والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان فاجهد ان لا يكون خارجا من هذه المنازل روى البغوي بسنده عن عائشة قالت أمرتم بالاستغفار لاصحاب محمد - ﷺ - يسموهم سمعت نبيكم - ﷺ - يقول لا يذهب هذه الامة حتى تلعن آخرها أولها وروى صاحب الفصول من الامامية الاثنا عشرية الى جعفر محمد بن على الباقر انه قال لجماعة خاضوا فى ابى بكر وعمر وعثمان انا اشهد انكم لستم من الذين قال الله فيهم والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الّذين سبقونا بالايمان الاية- وفى الصحيفة الكاملة انه كان من دعاء الامام على بن الحسين رض اللهم وصل على اصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصيحة والذين ابلوا البلاء الحسن فى نصره وكافئوه واسرعوا الى وفادته وسابقوا الى دعوته واستجابوا له حيث استمعهم حجة رسالاته وفارقوا الأزواج والأولاد فى اظهار كلمة وقاتلوا الآباء والأبناء فى تثبيت نبوته وانتصروا به ومن كانوا منطوين فى محبة يرجون تجارة لن تبور فى مودته والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروة وانتقت منهم القرابات او سكنوا فى ظل قرابته فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك وارضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش الى ضيقة اللهم وصل على التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان خير جزائك الحديث قال مالك بن معول قال عامر بن شرحبيل الشعبي يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير اهل ملتكم فقالوا اصحاب موسى وسئلت النصارى من خير اهل ملتكم فقالوا حوارى عيسى وسئلت الرفضة من شر اهل ملتكم فقالوا اصحاب محمد - ﷺ - أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلولا الى يوم القيامة لا يقوم لهم راية ولا يثبت لهم اقدم ولا يجتمع لهم كلمة كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأ الله يسفك دمائهم وتفريق شملهم وادحاض جهنم أعاذنا الله وإياكم من الهواء المضلة قال مالك بن انس من يبغض أحدا من اصحاب رسول الله - ﷺ - او كان فى قلبه عليهم غل فليس لهم حق فى فىء المسلمين ثم تلا ما أفاء الله على رسوله من اهل القرى حتى اتى على هذه الاية لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ... وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ... وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الى قوله تعالى رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال اكثر المفسرين الذين تبوّء الدار والايمان وللفقراء الذين جاؤا من بعدهم وعلى هذا وصف الفقر شرط لاستحقاق الفرق الثلاثة وعندى الذين تبوؤا معطوف على الفقراء ووصف الفقر ليس شرطا لاستحقاق واحد منهم كيف وابن السبيل مصرف اتفاقا مع انه لا يسمى فقيرا او انما ذكر وصف الفقر فى المهاجرين جريا على الغالب لان اكثر المهاجرين حينئذ كانوا فقراء لا للاحتراز كما ان فى قوله تعالى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ كونهن فى الحجور ليس للاحتراز بل خرج مخرج العادة جريا على الغالب وانما قلت هكذا للاجماع على ان مال الفيء هو للمسلمين كافة غنيهم وفقيرهم يصرف فى مصالحهم ويعطى لقضاة المسلمين وعمالهم وعلمائهم وان كانوا اغنياء وكذا للمقاتلة سواء كانوا غنيا او فقيرا- وكان ابو بكر رض يقسم المال بين الناس على السوية وكان عمر رض يفضل فى القسمة بفضلهم قال ابو يوسف فى كتاب الخراج حدثنى ابن ابى نجيح قال قدم على ابى بكر الصديق رض مال فقال من كان له عند النبي - ﷺ - عدة فليات فجاء جابر بن عبد الله فقال قال لى رسول الله - ﷺ - لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا يشير بكفيه فقال له ابو بكر خذ فاخذ بكفيه ثم عده فوجده خمسمائة فقال خذ إليها الفا فاخذ الفا ثم اعطى كل انسان كان رسول الله - ﷺ - وعده شيئا وبقي بقية من المال فقسمه بين الناس بالسوية على الصغير والكبير والحر والمملوك والأنثى فخرج على تسعة دراهم وثلث لكل انسان فلما كان العام المقبل جال اكثر من ذلك فقسمه بين الناس فاصاب كل انسان عشرون درهما فجاء ناس من المسلمين قالوا يا خليفة رسول الله انك قسمت هذا فسويت بين الناس وعن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم فلو فضلت اهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم قال فقال اما ما ذكرتم من السوابق والقدم فما أعرفني بذلك وانما ذلك شىء ثواب على الله هذا معاش فالاسوة فيه خير من الاثرة فلما كان عمر بن الخطاب رض وجائته الفتوح فضل وقال لا اجعل من قاتل رسول الله - ﷺ - كمن قاتل معه ففرض اهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار فمن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف ولمن كان له اسلام كاسلام بدر دون ذلك أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق قال ابو يوسف وحدثنى ابو معشر قال حدثنى عمر مولى عفرة وغيره قال لما جائت عمر بن الخطاب الفتوح وجائته الأموال قال ان أبا بكر رض راى فى هذا المال رايا ولى فيه راى اخر لا اجعل من قاتل رسول الله - ﷺ - كمن قاتل معه ففرض للمهاجرين والأنصار فمن شهد بدرا اربعة آلاف اربعة آلاف وفرض لازواج النبي - ﷺ - اثنى عشر الفا إلا صفية وجويرية فانه فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف فابيا ان يقبلا فقال لهما انما فرضت لهن للهجرة فقالتا لا انما فرضت لهن لمكانهن من رسول الله - ﷺ - وكان لنا مثله فعرف ذلك عمر ففرض لهما اثنى عشر الفا اثنى عشر الفا وفرض للعباس عم رسول الله - ﷺ - اثنى عشر الفا وفرض لاسنامة بن زيد اربعة آلاف وفرض لعبد الله بن عمر ثلثة آلاف فقال يا أبت لم زدته على الفا ما كان لابيه من الفضل ما لم يكن لابى وما كان له مالم يكن لى فقال ان أبا اسامة كان أحب الى رسول الله - ﷺ - من أبيك وكان اسامة أحب الى رسول الله - ﷺ - منك وفرض للحسن والحسين خمسة آلاف خمسة آلاف اطفهما بابيهما لمكانهما من رسول الله - ﷺ - وفرض لابناء المهاجرين والأنصار الفين الفين فمر به عمرو بن ابى سلمة فقال زيدوه الفا فقال له محمد بن عبد الرحمن بن جحش ما كان لابيه ابى سلمة ما لم يكن لا بائنا وما كان له مالم يكن لنا فقال عمرانى فرضت له بابيه ابى سلمة الفين وزدته بامه أم سلمة الفا فان كانت لك أم مثل أم سلمة زدتك الفا وفرض لاهل والناس ثمانمائة فجائه طلحة بن عبيد الله بأخيه ففرض له ثمانمائة فمر به النضر بن انس فقال عمر افرضوا له الفين فقال ان أبا هذا يفنى يوم أحد فقال ما فعل رسول الله - ﷺ - فقلت ما أراه الا قد قتل فسل سيفه وكسر غمده وقال ان كان رسول الله - ﷺ - قد قتل فان الله حى لا يموت فقاتل حتى قتل وهذا يرعى الشاء فى مكان كذا كذا فعمل عمر بهذا خلافته قال ابو يوسف وحدثنى محمد بن اسحق عن ابى جعفر ان عمر لما أراد ان يفرض للناس وكان رايه اخر من رايهم قالوا له ابدا بنفسك فقال لا فبدأ بالاقرب فالاقرب من رسول الله - ﷺ - ففرض للعباس ثم لعلى حتى والى بين خمس... حتى انتهى الى عدى بن كعب قال حدثنا المخالد ابن سعيد عن الشعبي عمن شهد عمر بن الخطاب قال لما فتح الله عليه الفارس والروم جمع ناسا من اصحاب النبي - ﷺ - فقال ما ترون فانى ارى ان اجعل عطاء الناس فى كل سنة واجمع المال فانه أعظم للبركة قالوا أضع ما رايت فانك إنشاء الله موفق ففرض الاعطيات فقال بمن ابدأ فقال عبد بن عوف ابدأ بنفسك فقال لا والله ولكن ابدأ ببني هاشم رهط النبي - ﷺ - فكتب من شهد بدرا من بنى هاشم من مولى او عربى لكل رجل منهم خمسة آلاف وللعباس بن عبد المطلب اثنى عشر الفا ثم فرض لمن شهد بدرا من بنى امية بن عبد الشمس ثم الأقرب فالاقرب الى بنى هاشم ففرض للبدريين أجمعين عربيهم ومولاهم خمسة آلاف وللانصار اربعة آلاف اربعة آلاف وكان أول انصارى فرض له محمد بن مسلمة ولازواج النبي - ﷺ - عشرة آلاف ولعائشة اثنى عشر الفا ولمهاجرة حبشة اربعة آلاف اربعة آلاف ولعمر بن ابى سلمة لمكان أم سلمة اربعة آلاف فقال محمد بن عبد الله بن حجش لم تفضل علينا فذكر نحو ما ذكر فى الحديث السابق وللحسن والحسين خمسة آلاف لمكانهما من رسول الله - ﷺ - ثم فرض للناس ثلاثمائة واربعمائة للعربى والمولى وفرض لنساء المهاجرين والأنصار ستماية واربعمائة وثلاثمائة ومائتين وفرض لا ناس من المهاجرين الفين الفين وفرض للبرقيل حين اسلم الفين وقال له دع ارضى فى يدى اعمرها وأؤدي عنها الخراج ما كانت تودى فض قال ابو يوسف وحدثنى محمد بن عمرو بن علقمة عن ابى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن ابى هريرة فذكر حديثا وفيه فرض للمهاجرين خمسة خمسة آلاف وللانصار ثلثة ثلثة آلاف ولازواج النبي - ﷺ - اثنا عشر اثنا عشر الفا فلما اتى زينب بنت حجش مالها قالت يغفر الله امير المؤمنين لقد كان فى صواحباتى من هو أقوى على قسمة هذا منى فقيل ان هذا كله لك ناصرت به فصب وعطته بثوب ثم قالت لبعض من عندها ادخلى يدك لان فلان الفلان فلم تزل تعطى حتى قالت لها التي قلت تدخل يدها لا أراك تذكيرينى ولى عليك حق قالت لك ما تحت الثوب فكشفت فاذا ثمه خمسة وثمانون درهما ثم رفعت يدها فقالت اللهم لا يدركنى عطاء لعمر بن الخطاب بعد عامى هذا ابدا فكانت أول ازواج النبي - ﷺ - طوقابه زينب وذكر لنا انها أسخى ازواج النبي - ﷺ - وحمل عمر زيد بن ثابت عطاء الأنصار فبدأ باهل العوالي فبدأ بينى عبد الأشهل ثم الأوس لبعد منازلهم ثم الخزرج حتى كان هو اخر الناس وهم بنو مالك بنى نجاروهم حول المسجد وقال ابو يوسف وحدثنى شيخ من اهل المدينة عن اسمعيل بن السائب بن يزيد عن أبيه قال سمعت عمر ابن الخطاب رض يقول والله الذي لا اله الا هو ما أحد الا وله فى هذا المال حق أعطيه او منعته وما أحدا حق به من أحد الا عبد مملوك وما انا فيه الا كاحدكم ولكن على منازلهم لنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله - ﷺ - فالرجل وتلاده فى الإسلام والرجل وقدمه فى الإسلام والرجل وغناه فى الإسلام والرجل وحاجته فى الإسلام والله لئن بقيت لياتين الراعي لجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل ان يحمر وجهه يعنى فى طلبه وكان ديوان حمير على حدة وكان يفرض لامير الجيوش والعرى فى العطاء ما بين تسعة آلاف وثمانية آلاف وسبعة آلاف على قدر ما يصلحهم من الطعام وما يقومون به من الأمور قال وكان يفرض للمنفوس إذا ترحته امه فاذا ترعرع بلغه به مائتين فاذا بلغ زاده قال ولما راى المال قد كثر قال لئن عشت الى هذه الليلة من قابل لا لحقن اخرى الناس باولادهم حتى يكونوا فى العطاء سواء قال فتوفى قبل ذلك (مسئله) اختلف الائمة ان المال الذي يحصل بلا قتال كجزية وعشر تجارة وما جلوا عنه خوفا وما صولحوا عليه ومال مرتد قتل او مات ومال ذمى مات بلا وارث وزكوة بنى تغلب وما أهداه اهل الحرب الى الامام وكذا خراج الأرض هل يخمس أم لا فقال ابو حنيفة ومالك واحمد فى اظهر قوليه لا يخمس بل جميعه لمصالح لما صلح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطير والجسور ويعطى قضاة المسلمين والمختسبين وعمالهم وعلماءهم منه ما يكفيهم ويدنو منه أرزاق المقاتلة وذراريهم كذا فى الهداية وفى التجنسن يعطى المعلمين والمتعلمين ويدخل فيه طلبة العلم ايضا وقال الشافعي فى القديم لا يخمس الا ما تركوه فزعا وهربوا وفى الجديد انه يخمس جميع ذلك ثم يجعل الخمس خمسة أسهم سهم منها لبنى هاشم وبنى المطلب يشرك فيه الغنى والفقير ويعطى للذكر مثل حظ الأنثيين وسهم لليتامى او هو صغير لا اب له ويشترط فقره على المشهور وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل ويعم الأصناف الاربعة المذكور وقيل يخص بالحاصل فى كل ناحية من فيها منهم وسهم لمصالح المسلمين كسد الثغوز والقضاة والعلماء ويقدم الأهم واما الأخماس الاربعة فالاظهر انها للمرتزفة وهم أجناد المرصدون للجهاد فيضع الامام ديوانا فيعطى كل واحد منهم كفاية ويقدم فى الإعطاء قريشا ومنهم بنى هاشم والمطلب ثم عبد الشمس ثم نوفل ثم عبد العزى ثم ساير البطون الأقرب فالاقرب الى رسول الله - ﷺ - ثم الأنصار ثم ساير العرب ثم العجم ولا يثبت فى الديوان أعمى ولا زمنا ولا من لا يصلح للقتال فان فضلت الأخماس الاربعة عن حاجات المرتزفة وزع عليهم على قدر مؤنتهم والأصلح انه يجوز ان يصرف بعضه فى إصلاح الثغور والكراع هذا حكم منقول الفيء واما عقارة فالمذهب ان يجعل وقفا ويقسم غلته كذلك كذا فى المنهاج ويؤيد مذهب الجمهور فى عدم التخميس ما ذكره محمد بن يوسف الصالحي فى سبيل الرشاد فى اموال بنى النضير انه قال عمر بن خطاب يا رسول الله الا تخمس ما أصبت فقال رسول الله - ﷺ - لا اجعل شيئا جعله الله تعالى دون المؤمنين بقوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من اهل القرى الاية كهيئته ما وقع فيه السهمان قال ابن همام ذكروا ان قول الشافعي فى تخميس الجزية مخالف للاجماع قال الكرخي ما قال به أحد قبله ولا بعده ولا فى عصره ووجه قوله القياس على الغنيمة قال ابن همام انه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر ونصارى نجران وفرض الجزية على اهل اليمن ولم ينقل منه التخميس ولو كان لنقل وروى ابو داود بسند فيه ضعف ان عمر بن عبد العزيز كتب الى عماله ان ما حكم عمر بن الخطاب فراه المؤمنون عدلا موافقا لقول النبي - ﷺ - والله تعالى اعلم.

الحشر 59:11

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يعنى عبد الله بن سلول وأصحابه يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ فى الكفر او الصداقة والموالات الَّذِينَ كَفَرُوا جهارا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم اليهود من بنى النضير والقريظة وقد ذكرنا قصة عبد الله بن سلول انه أرسل الى بنى النضير رسولين وقال لا تخرجوا ان معى الفين يدخلون معكم حصنكم واخرج ابن ابى حاتم عن السدى انه قال اسلم ناس من بنى قريظة وكان منهم منافقون نزلت فيهم هذه الاية وعلى هذا المراد بالاخوة فى النسب فكان المنافقون يقولون لبنى النضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ اى فى قتالكم او خذلانكم أَحَداً يعنى رسول الله - ﷺ - والمؤمنين أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ يعنى ان قاتلكم الرسول - ﷺ - والمؤمنون لَنَنْصُرَنَّكُمْ عليهم وَاللَّهُ يَشْهَدُ حال من فاعل يقولون إِنَّهُمْ اى المنافقون لَكاذِبُونَ منصوب بتقدير القول يعنى والله يشهد ويقول انهم لكاذبون او هو متعلق بيشهد بتضمن القول ثم بين كذبهم بقوله. لَئِنْ أُخْرِجُوا اى اليهود لا يَخْرُجُونَ اى المنافقون جواب للقسم لفظا وجزاء للشرط معنى وكذا قوله تعالى لا ينصرونهم مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ج وفيه معجزة حيث كان الأمر فى المستقبل كذلك فان بنى نضير اخرجوا ولم يخرج معهم عبد الله بن ابى بن سلول ولا منافقوا قريظة وقريظة قوتلوا وقتلوا لم ينصرهم منافقوا مدينة وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ على الفرض والتقدير وقال الزجاج معناه لو قصدوا نصر اليهود لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ اى كفار اليهود ولا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصروهم وجاز ان يكون ضمير لا ينصرون راجعا الى المنافقين. لَأَنْتُمْ ايها المسلمون أَشَدُّ رَهْبَةً اى مرهوبة فِي صُدُورِهِمْ اى المنافقين مِنَ اللَّهِ حيث يومنون باللسان دون القلب مخافة الناس دون الله تعالى العالم بما فى الصدور ذلِكَ الخوف منكم دون الله تعالى بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ اى لا يعرفون الله تعالى وعظمته وان الله تعالى هو النافع والضار وافعال العباد انما هى مخلوقة له تعالى فهو الحقيق بان يخشى دون غيره. لا يُقاتِلُونَكُمْ اى الكفار والمنافقون جَمِيعاً اى مجتمعين على عزم واجتهاد ولا لقاء الله تعالى الرعب فى قلوبهم إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ بالاروب والخناديق يعنى لا يبرزون لقتالكم رهبة منكم أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ط قرأ ابن كثير وابو عمرو جدارا بكسر الجيم وفتح الدال والف بعدها على التوحيد وامال ابو عمر وفتح الدال والباقون بضم الجيم والدال على الجمع بَأْسُهُمْ يعنى صبرهم وشجاعتهم بَيْنَهُمْ يعنى فى مقابلة

الحشر 59:15

الكفار بعضهم بعضا شَدِيدٌ يعنى ليس ذلك الرهبة منكم لضعفهم وجنبهم فانهم أشد بأسا ان حارب بعضهم بعضا بل لقذف الله الرعب فى قلوبهم معجزة لرسوله وإظهارا لدينه فان الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله تَحْسَبُهُمْ يا محمد جَمِيعاً مجتمعين متفقين على حربكم وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى اى متشتة بسبب إلقاء الرعب فان فى حالة شدة الخوف لا يتقرر قلبه على نهج مستقيم بل قد يريد الحرب نظرا الى مصالح دنيوية وقد يريد الفرار لاستيلاء الرعب والخوف ذلِكَ التشتت بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ج الحق من الباطل ولا يتدبرون ولا يفهمون ان هذا الرعب انما استولى عليهم لكفرهم ومحاربتهم بالنبي المحق - ﷺ -. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعنى مثلهم اى بنى النضير كمثل الذين من قبلهم قَرِيباً يعنى اهل بدر من مشركى مكة كذا قال مجاهد وقال ابن عباس يعنى ببني قينقاع من اليهود هم قوم عبد الله بن سلام رض كانوا حلفاء عبد الله بن ابى بن سلول او عبادة بن الصامت وغيرهما من قومهما وكانوا أشجع يهود وكانوا صاغة ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ج يعنى سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله - ﷺ - فى الدنيا وذلك انه لما قدم النبي - ﷺ - مهاجرا وادعته اليهود كلها كتب بينه وبينهم كتابا والحق كل قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أمانا وشرط عليهم شروطا منهما ان لا يظاهروا عليه عدوا فلما كانت يوم بدر كانت قينقاع أول يهود ونقضوا العهد وأظهروا البغي والحسد فبينماهم على ما هم عليه من اظهار العداوة ونبذ العهد قدمت امرأة من العرب يحلب لها فباعت بسوق بنى قينقاع وجلست الى صايغ بها لحلى فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فلم تفعل فعمد الصانع الى طرف ثوبها من ورائها فخله بشوكة وهى لا تشعر فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصانع فقتله وكان يهوديا وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ونبذوا العهد الى النبي - ﷺ - واستصرخ اهل المسلم المسلمين على اليهود وغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع وانزل الله سبحانه وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ على سواء فقال ﷺ انما أخاف من بنى قينقاع فسار إليهم رسول الله - ﷺ - بهذه الاية وحمل لوائه حمزة بن عبد المطلب واستخلف على المدينة أبا لبابة فتحصنوا فحاصرهم أشد الحصار فقاموا على ذلك خمسة عشر ليلة حتى قذف الله فى قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - على ان للرسول - ﷺ - أموالهم وان لهم النساء والذرية فكتفوا واستعمل على كنا فهم المنذرين قرامة السلمى ومشى عبادة بن الصامت الى رسول الله - ﷺ - وقالوا يا رسول الله انوى الله ورسوله وابرأ من حلف هؤلاء الكفار فقام الى رسول الله - ﷺ -

الحشر 59:16

عبد الله بن ابى بن سلول حين امكنه الله منهم وقال يا محمد احسن فى موالى فاعرض عنه فادخل يده فى جيب درع رسول الله - ﷺ - من خلفه فقال له رسول الله - ﷺ - ويحك أرسلني وغضب رسول الله - ﷺ - حتى رأوا بوجهه ظللا قال ويحك أرسلني قال والله لا أرسلك حتى تحسن الى فى موالى اربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد صغرنى من الأحمر والأسود وتحصدهم فى الغداة واحدة انى والله امرأ أخشى الدوائر فقال رسول الله - ﷺ - خلوهم لعنهم الله ولعن من معهم وتركهم من القتل وأمرهم ان يجلوا من المدينة فخرجوا بعد ثلث وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت وقال محمد بن مسلمة فجلعوا بأذرعات وأخذ رسول الله - ﷺ - من سلاحهم ثلثة فسع ودر عين وثلثة رماح وثلثة اسياف ووجد فى منازلهم سلاحا كثيرا وفمعز الدولة الصناعة فاخذ رسول الله - ﷺ - صيغة والخمس وقسم اربعة أخماسه على اصحاب فكان أول خمس بعد بدر وكان هذه الواقعة يوم السبت لنصف من شوال سنه هـ على راس عشرين شهرا من مهاجرته - ﷺ - ونزل فى عبادة بن الصامت وعبد الله بن ابى بن سلول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ آيات من سورة المائدة الى قوله هم الغالبون الاية وقد ذكرنا فى المائدة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فى الاخرة يعنى لا ينقص عذابهم فى الاخرة بما أصابهم وبال أمرهم فى الدنيا. كَمَثَلِ الشَّيْطانِ اى مثل المنافقين عبد الله بن ابى بن سلول وأشباهه فى اغترار اليهود على القتال كمثل الشيطان إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ قال البغوي روى عطاء وغيره عن ابن عباس قال كان راهب فى الفترة يقال له برصيصا يعبد فى صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة وان إبليس اعياه فى امره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال الا أجد أحدا يكفينى امر برصيصا فقال الأبيض وهو صاحب الأنبياء وهو الذي تصدى للنبى - ﷺ - وجاءه فى صورة جبرئيل ليوسوس على وجه الوحى فدفعه جبرئيل الى أقصى ارض الهند فقال الأبيض لابليس انا أكفيك فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط راسه واتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه وكان لا ينقتل من صلوته الا فى عشرة ايام ولا يفطر الا فى عشرة ايام مرة فلما راى الأبيض انه لا يجيبه اقبل على العبادة فى اصل صومعته فلما انفتل برصيصا اطلع من صومعة فراى الأبيض قايما يصلى فى هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما راى ذلك من حاله ندم فى نفسه حين لم يجبه فقال له انك ناديتنى وكنت مشتغلا عنك فما حاجتك قال حاجتى انى أحببت ان أكون معك فاتاوب بك واقتبس من علمك وعملك ونجتمع على العبادة فتدعو لى وادعو لك فقال برصيصا انى لفى شغل عنك فان كنت مؤمنا فان الله سيجعل لك فيما ادعو للمؤمنين نصيبا ان استجاب لى ثم اقبل على صلوته وترك الأبيض واقبل الأبيض يصلى فلم يلتفت اليه برصيصا أربعين يوما بعدها فلما انفتل راه قايما يصلى فلما راى برصيصا شدة اجتهاده قال ما حاجتك قال حاجتى ان تأذن لى فارتفع إليك فاذن له فارتفع اليه فى صومعته فاقام معه حولا يتعبد لا يفطر الا فى كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلوته الا فى كل أربعين يوما مرة وربما مد الى الثمانين فلما راى برصيصا اجتهاده تقاصرت اليه نفسه وأعجبه شان الأبيض فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا انى منطلق فان لى صاحبا غيرك ظننت انك أشد اجتهادا مما ارى وكان بلغنا عنك غير الذي رايت فدخل من ذلك على برصيصا امر شديد وكره مفارقته للذى راى منه شدة اجتهاده فلما ودعه قال له الأبيض ان عندى دعوات اعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه يشفى الله به السقيم ويعافى به المبتلى والمجنون قال برصيصا اكره هذه المنزلة لان لى فى نفسى شغلا انى أخاف ان علم به الناس شغلونى عن العبادة فلم يزل به الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى اتى إبليس فقال قد والله أهلكت الرجل قال فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء فى صورة رجل متطيب فقال لاهله ان لصاحبكم جنونا أفا عالجه قالوا نعم فقال لهم انى لا أقوى على جنبته ولكن أرشدكم الى من يدعو الله فيعا فيه انطلقوا الى برصيصا قال عنده الاسم الأعظم الذي إذا دعا به أجاب فانطلقوا اليه فسائوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان فكان الأبيض يفعل مثل ذلك بالناس ويرشدهم الى برصيصا فيعافون وانطلق الأبيض الى جارية من بنات ملوك بنى إسرائيل بين ثلثة اخوة وكان أبوهم ملكهم فمات واستخلف أخاه فكان عمها ملك بنى إسرائيل فجاء الأبيض الى تلك الجارية فعذبها وخنقها ثم جاء إليهم فى صورة متطيب فقال لهم أتريدون ان أعالجها قالوا نعم قال ان الذي عرض لها مارد ولا يطلق ولكن سارشدكم الى رجل تثقون به تدعونها عنده إذا جاء شيطانها دعالها حتى تعلموا انها قد عوفيت وتردونها صحيحة قالوا ومن هو قال برصيصا الزاهد قالوا وكيف لنا ان يجيبنا الى هذا وهو أعظم شانا من هذا قال ابنوا صومعة الى جنب صومعة حتى تشرفوا عليه فان قبلها والا فضعوها فى صومعة ثم قولوا هى امانة عندك فاحتسب فيها قال انطلقوا اليه فسالوه فابى عليهم فبنوا صومعة على ما أمرهم به الأبيض فوضعوا الجارية فى صومعة فقالوا هذه أختنا هذه امانة فاحتسب فيها ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا من صلوته عاهن الجارية وما بها من جمال فوقعت فى قلبه ودخل عليه امر عظيم فجاءها شيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب الشيطان ثم اقبل على صلوته ثم جاءها فخنقها وكانت تكشف عن نفسها فجاءه الشيطان وقال واقعها فستتوب بعد ذلك والله تعالى غفار الذنوب والخطايا فتدرك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت فظهر حملها فقال له الشيطان ويحك قد افتضحت يا برصيصا فهل لك ان تقتلها وتتوب فان سالوك فقل ذهب بها شيطانها فلم اقدر عليه فقتلها ثم انطلق بها فدفنها الى جانب الجبل فجاء الشيطان وهو يدفنها ليلا فاخذ بطرف إزارها فبقى طرفة خارجها من التراب ثم رجع برصيصا الى صومعة فاقبل على صلوته إذ جاءه إخوتها يتعاهدون أختهم وكانوا يجيئون فى فرط الأيام يسألون عنها ويصونه بها فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه فصدقوه فانصرفوا فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان الى أكبرهم فى منامه فقال ويحك ان برصيصا قد فعل بأختك كذا وكذا وانه دفنها فى موضع كذا فقال الأخ فى نفسه هذا حلم وهو من عمل الشيطان فان برصيصا خير من ذلك قال فتتابغ عليه ثلث ليال مرات ليلا فلم يكترث فانطلق الى الأوسط بمثل ذلك فقال الأوسط مثل ما قال الأكبر فلم يخبربه أحدا فانطلق الى أصغرهم بمثل ذلك فقال أصغرهم لاخويه والله لقد رايت كذا وكذا وقال الأوسط وانا والله قد رايت مثله... فانطلقوا الى برصيصا وقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال أليس قد أعلمتكم بحالها فكانكم اتهمتموني فقالوا والله ما نتهمك واستحيوا منه فانصرفوا فجائهم الشيطان وقال ويحكم انها لمدفونة فى موضع كذا وان طرف إزارها خارج من التراب فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا فى النوم فمشوا فى مواليهم وغلمانهم معهم الفئوس والمساجى فهدموا صومعة فانزلوه ثم كتفوه فانطلقوا به الى الملك فاقر على نفسه وذلك ان الشيطان أتاه فقال تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران قتل ومكابرة اعترف فلما اعترف امر الملك بقتله وصلبه على خشية فلما صلب أتاه الأبيض قال يا برصيصا أتعرفني قال لا قال انا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب لك ويحك ما اتقيت الله فى أمانتك خنت أهلها فانك زعمت انك اعبد بنى إسرائيل اما استحييت فلم يزل يعيره ثم قال فى اخر ذلك الم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت اشياهك من الناس فان مت على هذه الحالة فلم يفلح أحد من نظرايك قال فكيف اصنع قال تطيعنى فى خصلة واحدة حتى انجيك مما أنت فيه فاخذ باعينيهم واخرجك من مكانك قال وما هى قال تسجد لى قال افعل فسجد له فقال يا برصيصا هذا الذي أردت منك صار عاقبة أمرك الى ان كفرت

الحشر 59:17

بربك انى برىء منك إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ انما قال ذلك رياء والا فالخشية من الله تعالى لم يخلق فى الشياطين وقيل المراد بالإنسان الجنس ويقول الشيطان اكفر اغراءه على الكفر إغراء الأمر المأمور وقوله انى برىء بقوله فى الاخرة مخافة ان يشاركه فى العذاب وينفعه ذلك نظيره قوله تعالى وقال الشيطان لما قضى الأمر إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ وقيل المراد بالإنسان ابو جهل قال له إبليس يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ يعنى من الهلاك فى الدنيا. فَكانَ عاقِبَتَهُما اى الإنسان والشيطان أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ اى نفس كل أحدكم ما قَدَّمَتْ يعنى اى شىء قدمت من عمل صالح ينجيه او سىء يوبقه فينزع عنه ويستغفر منه لِغَدٍ ج اى ليوم القيامة سماه غدا لدنوه أو لأن الدنيا كيوم واحد والاخرة غد فى الحديث الدنيا يوم ولنا فيها صوم وَاتَّقُوا اللَّهَ ط تكرير للتاكيد او الاول لاداء الواجبات والثاني لترك المحارم لاقترانه لقوله إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وهو كالوعيد على المعاصي. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فلا يبالون بإتيان مناهيه وترك أوامره فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ اى حظوظ أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرا او أراهم يوم القيامة من الهول ما أنساهم أنفسهم أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الكاملون فى الفسق. لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ اى الذين استمهنوا أنفسهم فاستحقوا النار والذين استكملوا أنفسهم فاستحقوا الجنة استدل الشافعية بهذه الاية ان المسلم لا يقتل بالكافر قصاصا وليس شىء فان المراد عدم مساواتهم فى الاخرة حيث قال الله تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم. لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ط قيل هذا تمثيل وتخييل يعنى لو جعل فى الجبل تميزا وانزل عليه القران تخشع وتشقق وتصدع من خشية الله مع صلابته ورزانته حذرا من ان لا يؤدى حق الله عز وجل فى تعظيم القران والكافر يعرفن عما فيه من العبر كان لم يسمعها وجاز ان يقال ان الجمادات ان كانت فى الظاهر عديمات الشعور لكنها بالنسبة الى خالقها ذات شعور وخشية قال الله تعالى وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقال النبي - ﷺ - الجبل

الحشر 59:22

ينادى الجبل اى فلان جبل هل مربك أحد يذكر الله فاذا قال نعم استبشر الحديث وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فى الاية توبيخ على عدم تفكر الإنسان وتدبره وعدم تخشعه عند تلاوة القران لقساوة قلبه. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ج قد بسطنا الكلام فى تفسير الغيب والشهادة فى سورة الجن فى تفسير قوله تعالى لا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الظاهر من كل عيب البليغ فى النزاهة عما لا يليق به السَّلامُ ذو السلامة من كل نقص وافة مصدر وصف به للمبالغة الْمُؤْمِنُ قال ابن عباس الذي أمن الناس من ظلم وأمن من أمن به من عذاب فهو من الامان ضد التخويف وقيل معناه المصدق لرسله بإظهار المعجزات الْمُهَيْمِنُ الشهيد على عباده بأعمالهم يقال همن يهمن إذا كان رقيبا على الشيء كذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدى ومقاتل كذا قال فى القاموس حيث قال همن على كذا إذا صار رقيبا عليه حافظا وكذا قال الخليل وقيل أصله ما من من الا من قلبت همزة الثانية ياء او الاولى هاء ومعناه المؤمن كذا قال ابن زيد ان معناه المصدق وقال سعيد بن المسيب والضحاك وابن كيسان هو اسم من اسماء الله تعالى فى الكتب السماوية الله تعالى اعلم بتأويله الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ قال ابن عباس هو العظيم وجبروت الله عظيمه فهو صفة ذات وقيل هو من الجبر بمعنى الإصلاح يقال جبرت الأمر وجبرت العظم إذا أصلحته بعد الكسر فهو يغنى الفقير ويصلح الكسر فى الحديث جابر العظم الكسير وقال السدى ومقاتل هو الذي يقهر الناس ويجبر على ما أراد سئل بعضهم عن معنى الجبار قال هو القهار الذي إذا أراد امرا فعل لا يقدر أحد على ان يحجره الْمُتَكَبِّرُ ط التفعل للمبالغة والكبر والكبرياء الامتناع فهو الممتنع عن كل ما يوجب حاجة او نقصانا وقيل المتكبر المتعظم وقيل ذو الكبرياء وهو الملك سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ إذ لا يشاركه أحد فى شىء من ذلك. هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ المقدر للاشياء كما قال يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق وفى القاموس المبدء الشيء المخترع على غير مثال سبق الْبارِئُ الموجد للاشياء بريا من التفاوت فى القاموس برأ الله الحق كجعل برءا وبروءا خلقهم الْمُصَوِّرُ قال البغوي المماثل للمخلوق بالعلامات التي يتميز بها بعضها عن بعض يقال هذه صورة الأمر اى مثاله فاولا يكون خلقا ثم برأ ثم تصوير او فى الصحاح ما يتنقش به الأعيان ويتميز بها عن غيرها وذلك ضربان أحدهما محسوس يدركه الخاصة والعامة بل يدركه الإنسان وكثير من الحيوانات كصورة الإنسان والفرس والجماد بالمعاينة قلت ومنه وما امتاز به زيد من عمرو الثاني معقول يدركه الخاصة دون العامة كالصورة التي اختص بها الإنسان من الفعل والمعاني التي خص بها شىء دون شىء والى الصورتين أشار الله تعالى بقوله خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ وقال صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وقال فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ وقال هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ وقال عليه الصلاة والسلام ان الله تعالى خلق آدم على صورته فالصورة أراد بها ما خص الإنسان به من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة وبها فضله على كثير من الخلق واضافة الى الله على سبيل الملك لا على سبيل البعضية والتشبيه تعالى عن ذلك وذلك على سبيل التشريف كقوله بيت الله وناقة الله قلت ويمكن ان يراد به خلقه تعالى على صفاته من العلم والقدرة والارادة ونحو ذلك التي بها لبس خلعة الخلافة وامتاز به عما عداه واحتمل ثقل الامانة وجاز ان يكون ضمير صورته راجعا الى آدم يعنى خلقه على صورة لم يعط أحدا غيره والله تعالى اعلم لَهُ تعالى الْأَسْماءُ الْحُسْنى ط الدالة على محاسن الصفات والمعاني يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لتنزهه عن النقائص كلها وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ع الجامع للكمالات كلها فانها راجعة الى الكمالات فى القدرة والعلم عن المعقل بن يسار ان رسول الله - ﷺ - قال من قال حين يصبح ثلث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقرأ ثلث آيات من اخر سورة الحشر وكل الله به سبعين الف ملك يصلون عليه حتى يمسى فان مات فى ذلك اليوم مات شهيدا ومن قال حين يمسى كان بتلك المنزلة رواه الترمذي وقال حديث غريب وعن ابى امامة قال قال رسول الله - ﷺ - من قرأ خواتيم الحشر من ليلة او نهار فقبض فى ذلك اليوم او ليلة فقد أوجب الجنة رواه ابن عدى والبيهقي وسنده ضعيف. سورة الممتحنة مكّيّة وهى ثلث عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ذكر البغوي وغيره ان سارة مولاة ابى عمرو بن صفى بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة ورسول الله - ﷺ - يتجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله - ﷺ - أمسلمة جئت قالت لا قال أمهاجرة جئت قالت لا قال فما جاء بك قالت كنتم الأهل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالى فاحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى وتحملوني فقال اين أنت من شبان مكة وكانت مغنية نايحة قالت ما طلب منى شىء بعد وقعة بدر فحث رسول الله - ﷺ - بنى عبد المطلب وبنى المطلب فاعطوها نفقة وكسوها وحملوها فاتاها حاطب بن ابى بلتعة حليف بنى اسد بن عبد العزى فكتب معها الى اهل مكة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا على ان توصل الكتاب الى اهل مكة وكتب فى الكتاب من حاطب بن ابى بلتعة الى اهل مكة ان رسول الله - ﷺ - يريدكم فخذوا حذركم فخرجت سارة ونزل جبرئيل فاخبر النبي صلى الله تعالى عليه واله وسلم بما فعل حاطب فبعث رسول الله - ﷺ - عليا وعمارا والزبير وطلحة ومقداد بن الأسود وأبا مرثد فرسانا فقال لهم انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فان بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن ابى بلتعة الى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها وان لم تدفع إليكم فاضربوا عنقها قال فخرجوا حتى أدركوها فى ذلك المكان الذي قال رسول الله - ﷺ - فقالوا لها اين الكتاب فحلفت بالله ما معها كتاب فبحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع فقال على والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله وسل سيفه وقال اخرجى الكتاب والا لاجزدنك؟؟؟ ولاضربن عنقك فلما رأت الجد أخرجته من ذوابتها قد خباها فى شعرها فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها فرجعوا بالكتاب الى رسول الله - ﷺ - فارسل رسول الله - ﷺ - الى حاطب فاتاه فقال هل تعرف الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت قال والله ما كفرت منذ أسلمت ولاغششتك منذ نصحتك ولا احببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريبا فيهم وكان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فاردت ان اتخذ عندهم يدا وقد علمت ان الله ينزل بهم بأسه وان كتابى لا يغنى عنهم من الله شيئا فصدقه رسول الله - ﷺ - وعذره فقام عمر بن الخطاب فقال دعنى يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله - ﷺ - وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على اهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وفى الصحيحين

الممتحنة 60:1

عن على قال بعثنا رسول الله - ﷺ - انا والزبير والمقداد بن الأسود فقال انطلقوا حتى ناتوا روضة خاخ فان بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فايتونى به فخرجنا حتى اتينا الروضة فاذا نحن بالظعينة فقلنا اخرجى الكتاب فقالت ما معى من الكتاب فقلنا لتخرجن الكتاب او لتلقين الثياب قال فاخرجته عن عقاصها فاتينا به رسول الله - ﷺ - فاذا هو من حاطب بن ابى بلتعة الى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض امر النبي - ﷺ - فقال ما هذا يا حاطب قال لا تعجل على يا رسول الله انى كنت امرأ ملصقا من قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فاحببت إذ فاتنى ذلك من النسب منهم ان ناخذ منهم يدا يحمون بها قرابتى وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن دينى ولا رضا بالكفر فقال النبي - ﷺ - صدقت وفيه أنزلت هذه السورة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ قيل الباء زائدة كما فى قوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ والمعنى تلقون إليهم بالمودة بالمكاتبة وقال الزجاج معناه تلقون إليهم اخبار النبي - ﷺ - بالمودة التي بينكم وبينهم والجملة حال من فاعل لا تتخذوا او صفة لاولياء جرت على غير من هى له فلا حاجة فيها الى إبراز الضمير لانه مشروط فى الاسم دون الفعل وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ج يعنى القران والجملة حال من فاعل أحد الفعلين يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة وهو حال من فاعل كفروا استيناف لبيانه أَنْ تُؤْمِنُوا اى لان أمنتم بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ط فيه تغليب المخاطب والالتفات من التكلم الى الغيبة إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ من أوطانكم جهادا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي علة للخروج وعمدة للتعليق او حال من فاعل خرجتم يعنى خرجتم مجاهدين او ظرف بتقدير الوقت اى خرجتم فى وقت الجهاد او مفعول مطلق من قبيل ضربته سوطا اى خرجتم خروج جهاد وجواب الشرط محذوف دل عليه لا تتخذوا تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ق قال مقاتل بالنصيحة بدل من تلقون او استيناف والباء زائدة صلة لتسرون او للسببية والمعنى انه لا طايل لكم فى اسرار المودة وإلقاء الاخبار إليهم سرا بسبب المودة وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وقيل اعلم بفعل مضارع والباء زائدة وما موصولة او مصدرية وَمَنْ يَفْعَلْهُ اى اتخاذ المودة مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اى أخطأ طريق الهدى. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ اى ياخذوكم ويظفروا بكم فى القاموس ثقفه كمنعه صادفه او اخذه او ظفر به او أدركه يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً اى لا ينفعكم إلقاء المودة إليهم وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ اى بما يسوئكم كالقتل والضرب

الممتحنة 60:3

والشتم وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ط لو للتمنى والجملة بيان الوداد والماضي فى جواب ان الشرطية وان كان يفيد معنى الاستقبال ولكن أورد صيغة الماضي للاشعار بانهم ودوا ذلك قبل كل شىء وان ودادهم حاصل بالفعل. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ اى قرباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ ج الذين أشركوا والذين توالون المشركين لاجلهم يَوْمَ الْقِيامَةِ ج فيه رد لعذر الحاطب بن بلتعة ومن كان يعتذر بنحو ذلك يَفْصِلُ قرأ عاصم على البناء للفاعل من الثلاثي المجرد ونافع وابن كثير وابو عمرو على البناء للفاعل من باب التفعيل وابن عامر على البناء للمفعول منه بَيْنَكُمْ اى ليفرق الله بينكم حين يفر بعضكم من بعض لشدة الهول ويصير الأخلاء يومئذ اعداء الا المتقين او المعنى يفصل بينكم اى يدخل المؤمنين الجنة والمشركين النار فمالكم تتوالونهم اليوم وترفضون حق الله ونبيه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم عليه. قَدْ كانَتْ لَكُمْ ايها المؤمنون أُسْوَةٌ اسم لما يوتسى به اى اقتداء حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين متعلق بالظرف المستقر اعنى لكم الذي هو خبر او صفة ثانية لاسوة إِذْ قالُوا ظرف لخبر كان او خبر لكان لِقَوْمِهِمْ الكفار إِنَّا بُرَآؤُا جمع برىء كظريف وظرفاء مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام كَفَرْنا بِكُمْ الكفر بالحقيقة ضد الايمان لانه ستر الحق والنعمة لكن اطلق هاهنا للتبرى كما فى قوله تعالى ويوم القيامة يكفر بعضكم عن بعض وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ فينقلب العداوة والبغضاء الفة ومحبة إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ قال البيضاوي وغيره استثناء من قوله أسوة حسنة وفيه إشكال فان أسوة نكرة لا يتيقن دخول المستثنى فيه حتى يكون متصلا ولا عدم دخوله حتى يكون منقطعا نظيره قوله تعالى لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا فالاولى ان يقال انه استثناء من محذوف تقديره اتبعوا اقوال ابراهيم الا قوله لابيه لاستغفرن لك كذا قال صاحب البحر المواج وعندى انه استثناء من قوله فى ابراهيم بتقدير المضاف تقديره قد كانت لكم أسوة حسنة فى قول ابراهيم الا قوله لابيه لاستغفرن لك ولعل هذا هو المراد من كلام البيضاوي فان استغفاره لابيه الكافر لا ينبغى فيه التأسي والاتباع وانما كان ذلك قبل النهى لموعدة وعدها إياه وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ط هذا من تمام المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء كل جزء منه وكلمة من زائدة وشىء فى محل النصب على المفعولية لا ملك رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا فى محل النصب بتقدير

الممتحنة 60:5

القول يعنى قال ابراهيم ومن معه ربنا عليك توكلنا وهو متصل بما قبل الاستثناء إذ هو امر من الله للمؤمنين تتميما لما وصّهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار تقديره قولوا ربنا عليك توكلنا وتركنا موالاة الكفار والاستنصار بهم وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ المرجع. رَبَّنا كرّ النداء بربنا لتاكيد المناجاة والاستعطاف لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعنى لا تسلطهم علينا فيعذبونا فيواخذونا بذلك فتكون فتنة لهم اى سببا لعذابهم وقال الزجاج يعنى لا تظهرهم علينا فيظنوا انهم على الحق وقال مجاهد لا تعذبنا بايديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك وَاغْفِرْ لَنا ما فرط منا فان المعاصي قد يكون سببا لتسليط الكفار على المؤمنين رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يقدر أحد على إيصال الشر بمن يجيره ويتوكل عليه الْحَكِيمُ الحاكم العالم المقتدر على اجابة الدعاء. لَقَدْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فِيهِمْ اى فى ابراهيم ومن معه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تكرير لتاكيد الحث على التأسي ولذلك صدر بانفسهم لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ اى يرجوا لقاء الله وثوابه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ط اى يرجوا إتيان يوم القيامة وقوله لمن كان بدل من لكم وفيه ايماء الى ان الايمان يقتضى التأسي به عليه السلام وتركه يوذن بسوء العقيدة ولذلك عقبه بقوله وَمَنْ يَتَوَلَّ عن تأسي الأنبياء ويوالى الكفار فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة وعن تأسي رسله وعن كل شىء وانما منفعة التأسي بالأنبياء راجع الى المتاسى الْحَمِيدُ ع لاوليائه ولاهل طاعة قال البغوي قال مقاتل فلما امر الله تعالى بعداوة الكفار دعادى المؤمنون اقربائهم وأظهروا لهم العداوة والبراءة علم الله تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك انزل الله بتسليتهم قوله. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ يعنى كفار مكة مَوَدَّةً ط فانجز الله وعده قريبا فان الاية نزلت قبل الفتح كما ذكرنا وبعد الفتح اسلم كل من كان بمكة وصاروا اولياء الا من قتل منهم يوم الفتح كالحو يرث بن نفيد وغيره وسميناهم فى سورة النصر فان قيل كلمة الذين عاديتم عام تقتضى موالاة جميعهم وقد قتل منهم كافرا قلنا قد يطلق العام ويراد به الخاص مجازا ألم تسمع قولهم ما من عام إلا وقد خص منه البعض وقد يسند الفعل الى الكل مجازا لوجود المسند اليه فيهم كما فى قوله تعالى فكذبوه فعقروها وَاللَّهُ قَدِيرٌ ط على ذلك وعلى كل شىء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما فرط من موالاتهم قبل النهى ولما بقي من قلوبهم من ميل الرحم اخرج البخاري عن اسماء بنت ابى بكر قالت أتتني أمي راغبة فسالت النبي - ﷺ - أصلها قال نعم

الممتحنة 60:8

فانزل الله تعالى. لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ الاية واخرج احمد والبزاز والحاكم وصححه عن عبد الله بن الزبير قال قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها اسماء بنت ابى بكر وكان ابو بكر طلقها فى الجاهلية فقدمت بنتها بهدايا فابت اسماء ان تقبل منها او تدخلها منزلها حتى أرسلت الى عائشة ان سلى عن رسول الله - ﷺ - فاخبرته ان تقبل هداياها وتدخلها منزلها فانزل الله لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ اى تكرموهم وتحسنوا إليهم قولا وفعلا بدل من الذين بدل اشتمال اى لاينهكم الله عن مبرتهم وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ط اى تقضوا إليهم القسط والعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وقال ابن عباس نزلت الاية فى خزاعة كانوا قد صالحوا النبي - ﷺ - ان لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا فرخص الله تعالى فى مبرهم ومن هاهنا يظهر انه يجوز دفع الصدقة النافلة الى الذمي وقد مر المسألة فى سورة البقر فى تفسير قوله تعالى ليس عليك هداهم ومن ثم امر النبي - ﷺ - بإعطاء سارة مولاة ابى عمرو كما ذكرنا فى أول السورة والله اعلم. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وهم الرجال المشركون من اهل مكة بعضهم سعوا فى إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا المخرجين أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ج بدل من الموصول بدل اشتمال ومن هاهنا يظهران المنهي عنه انما هو موالاة اهل الحرب دون مبرتهم يشرط ان لا يضربا لمومنين وقد قال الله تعالى فى الأسارى من اهل الحرب امامنا بعد واما فداء والمن نوع من البر فعلى هذا يجوز دفع الصدقة النافلة لاهل الحرب ايضا ان لم يكن فى ذلك تقويتهم على الحرب وقد قال رسول الله - ﷺ - فى الكبد الحارة اجر رواه البيهقي بسند صحيح فى شعب الايمان عن سراقة بن مالك وروى عنه احمد بسند صحيح وابن ماجة بلفظ فى كل ذات كبد حرى اجر وكذا روى احمد عن ابن عمر اما دفع الزكوة الى الكفار فلا يجوز اجماعا وسند الإجماع حديث معاذ وفيه قد فرض عليهم صدقة توخذ من أغنيائهم فترد الى فقرائهم وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ اى اهل الحرب فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولا مفهوم لهذه الاية فانه لا يجوز موالاة اهل الذمة ايضا لعموم قوله تعالى لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء وقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء وقوله - ﷺ - المرء مع من أحب والله تعالى اعلم روى البخاري وكذا مسلم عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يخبر ان عن اصحاب رسول الله - ﷺ -

الممتحنة 60:10

انهم قالوا كان فيما اشترط سهيل بن عمر على النبي - ﷺ - انه لا يأتيك منا أحد وان كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك وابى سهيل الا ذلك فكاتبه النبي - ﷺ - فرده يومئذ أبا جندل الى سهيل بن عمرو لم يأته أحد من الرجال إلا رده فى تلك المدة وان كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط ممن خرج الى رسول الله - ﷺ - يومئذ وهى عاتق فجاء أهلها يسئلون النبي - ﷺ - ان يرجعها إليهم فلم يرجعها لما انزل الله فيهن. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ج اى فاختبروهن بما غلب على ظنكم موافقة قلوبهن ألسنتهن فى الايمان فان الايمان صفة القلب ولا يعلم بما فى الصدور الا الله تعالى فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ علما يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالخلق وظهور الأمارات وسماه علما إيذانا بان الظن كالعلم فى وجواب العمل به فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى أزواجهن الْكُفَّارِ ط لانه لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ لحصول الفرقة بين الكافر والمسلمة وقد مر فى سورة النساء فى تفسير قوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ انه يقع الفرقة بين المهاجرة وبين زوجها الكافر لمجرد الخروج من دار الحرب عند ابى حنيفة لاختلاف الدارين وعند الائمة الثلاثة بعد ثلث حيض من وقت إسلامه ان دخل بها والا فمن وقت إسلامها وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ط بتجديد النكاح لعدم جواز نكاح الكافر بالمسلمة وجاز ان يكون التكرير للتاكيد قال عروة فى الحديث السابق فاخبرتنى عائشة رض ان رسول الله - ﷺ - كان يمتحنهن هذه الاية يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الى قوله غفور رحيم قال عروة قالت عائشة رض فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله - ﷺ - قد بايعناك كلاما يكلمها به والله ما مست يده يد امرأة قط فى المبايعة ما بايعهن الا بقوله وقال البغوي قال ابن عباس اقبل رسول الله - ﷺ - معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركوا مكة على ان ما أتاه من اهل مكة رده إليهم ومن اتى اهل مكة من اصحاب رسول الله - ﷺ - لم يردوه اليه وكتبوا عليه كتابا وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحارث الا سلميه مسلمة بعد الفراغ من الكتاب فاقبل زوجها مسافر من بنى مخزوم وقيل صيفى بن الراهب فى طلبها وكان كافرا فقال يا محمد اردد علىّ امراتى فانك قد شرطت ان ترد علينا من أتاك منا وهذا طينة الكتاب ولم تجف بعد فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مهاجرات من دار الكفر الى دار الإسلام فامتحنوهن قال ابن عباس امتحانهن ان نستحلف ما خرجت لبغض زوجها ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة عن ارض الى ارض ولا لحدث أحدثته ولا التماس للدنيا ولاخرجت الا رغبة فى الإسلام وحبا لله ولرسوله - ﷺ - فاستحلفها رسول الله - ﷺ - على ذلك فحلفت فلم يردها واعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها فتزوجها عمر وكان يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطى أزواجهن مهورهن واخرج الطبراني بسند ضعيف عن عبد الله بن ابى احمد قال هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط فى الهدنة فخرج أخواها عمارة والوليد بن عقبة حتى قد ما رسول الله - ﷺ - وكلماه فى أم كلثوم ان يردها إليهم فنقض الله العهد بينه وبين المشركين فى النساء خاصة ومنع ان يردون الى المشركين فانزل الله اية الامتحان واخرج ابن ابى حاتم عن يزيد بن ابى حبيب انه بلغه انها نزلت فى اميمة بنت بشر او امرأة ابى حسان بن الدحداحة واخرج عن مقاتل ان امرأة تسمى سعيدة كانت تحت صيفى بن الراهب وهو مشرك جاءت زمن الهدنة فقالوا ردها علينا واخرج ابن جرير عن الزهري انها نزلت عليه وهو بأسفل الحديبية كان صالحهم انه من أتاه منهم رد إليهم فلما جاءت النساء نزلت هذه الاية وَآتُوهُمْ الضمير عايد الى الكفار والمراد أزواجهن ما أَنْفَقُوا عليهن يعنى المهور التي دفعوا إليهن وذلك لان الصلح كان جرى على ردهن فلما تعذر ردهن لو رود النهى عنه لزم رد مهورهن فلو راى الامام مصلحة على صلح مثل ما صالح النبي - ﷺ - بالحديبية وجب رد مهر مهاجرة جاءت من الكفار قال البغوي قال الزهري ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش يوم الحديبية لامسك النساء لم يرد الصداق وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد والله تعالى اعلم وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ اى المهاجرات وان كان لهن ازواج فى دار الحرب لوقوع الفرقة بينهم وبينهن والاية تدل على عدم اشتراط مضى العدة كما هو فى مذهب ابى حنيفة رح خلافا لصاحبه إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن شرط إيتاء المهر فى نكاحهن إيذانا بان اعطى أزواجهن الكفار لا يقوم مقام المهر اخرج ابن ابى منيع من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال اسلم عمر بن الخطاب وتأخرت امرأته فى المشركين فانزل الله تعالى وَلا تُمْسِكُوا قرأ ابو عمر ويعقوب بالتشديد من التفعيل والباقون بالتخفيف من الافعال بِعِصَمِ جمع عصمة وهو ما اعتصم به من عقد الموالات والنكاح ونحو ذلك الْكَوافِرِ جمع الكافرة نهى الله سبحانه عن المقام على نكاح المشركات قال البغوي قال الزهري فلما نزلت هذه الاية طلق عمر بن الخطاب امرأتين بمكة مشركتين قرينة بنت ابى امية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن ابى سفيان وهما

الممتحنة 60:11

على شركهما بمكة والاخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جردل الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها ابو جهيم بن حذافة ابن غانم وهما على شركهما وكانت اروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله فهاجر طلحة وهى على دين قومها ففرق الإسلام بينهما فتزوجها فى الإسلام خالد بن سعد بن العاص بن امية قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول الله - ﷺ - امرأة ابى العاص بن الربيع أسلمت ولحقت بالنبي - ﷺ - واقام ابو العاص بمكة مشركا ثم اتى المدينة واسلم فردها على رسول الله - ﷺ - وَسْئَلُوا ايها المسلمون ما أَنْفَقْتُمْ من مهر امرأة منكم لحقت بالمشركين مرتدة إذا منعوها ممن تزوجها منهم وَلْيَسْئَلُوا اى الكفار من مهور أزواجهم المهاجرات ما أَنْفَقُوا ط ممن تزوجها منكم ذلِكُمْ اى جميع ما ذكر فى الاية حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ استيناف او حال من الحكم على حذف الضمير او جعل الحكم حاكما على المبالغة والضمير فى يحكم عايد اليه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يشرع ما يعلم خيرا لكم وما تقتضيه الحكمة قال البغوي فى قول الزهري فلما نزلت هذه الاية أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل وادوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم وابى المشركون ان يقروا بحكم الله فبما أمروا من أداء نفقات المسلمين فانزل الله. وَإِنْ فاتَكُمْ اى ان سبقكم وانفلت منكم شَيْءٌ اى أحد مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فلحقت بهم مرتدة وإيقاع شىء موقع أحد للتحقير والمبالغة فى التعميم او المعنى شىء من مهور أزواجكم الى الكفار فلم يودوها اخرج ابن ابى حاتم عن الحسن قال نزلت هذه الاية فى أم الحكم بنت ابى سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفى ولم ترتد امرأة من قريش غيرها فَعاقَبْتُمْ قال البغوي قال المفسرون معناه غنمتم فاصبتم من الكفار عقبى وهى الغنيمة وقيل معناه ظفرتم وكانت العاقبة لكم وقيل معناه اجتمعوهم فى القتال بعقوبة حتى غنمتم فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مرتدات الى الكفار منكم من الغنائم التي صارت فى ايديكم من الكفار مِثْلَ ما أَنْفَقُوا اى مثل ما أنفق المؤمنون الذين ذهب أزواجهم مرتدات عليهن قال البغوي روى ابن عباس انه قال لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة رجعن الى الإسلام فاعطى رسول الله - ﷺ - أزواجهن مهورهن من الغنيمة أم الحكم بنت ابى سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة بنت ابى امية بن المغيرة اخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر ان يهاجر أبت وارتدت وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزى بن فضلة وتزوجها عمر بن عبد ود وهندة بنت ابى جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل وأم كلثوم بنت خردل كانت تحت

الممتحنة 60:12

عمر بن الخطاب وقال البيضاوي وفى تفسير الاية فعاقبتم اى فجاءت عقبتكم اى نوبتكم لاداء المهر شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء اخرى بامر يتعاقبون فيه كما يتعاقب فى الركوب وغيره فاتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من المهر المهاجرة ولا توتوا زوجها الكافر قلت والصحيح هو التفسير الاول قال البغوي اختلف القول فى ان أداء مهر من أسلمت أزواجهن هل كان واجبا او مندوبا وأصله ان الصلح هل كان وقع على رد النساء اولا فيه قولان أحدهما انه وقع على رد الرجال والنساء جميعا لما روى انه لا يأتيك منا أحد إلا رددته ثم صار الحكم فى رد النساء منسوخا بقوله تعالى فلا ترجعوهن الى الكفار فعلى هذا كان رد المهر واجبا عوضا عن المرأة ثانيهما ان الصلح لم يقع على رد النساء لما روى انه لا يأتيك منا رجل وان كان على دينك إلا رددته ذلك لان الرجل لا يخشى عليه من الفتنة فى الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وانه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها الى المخرج فيه بإظهار كلمة الكفر تقية مع إخفاء الايمان فعلى هذا كان الرد مندوبا قلت والظاهر ان الصلح على رد الرجال والنساء جميعا ومن ثم إذا هاجرت نساء مؤمنات نزل قوله تعالى لا ترجعوهن الى الكفار ولولا ذلك فلم يكن وجه لارجاعهن الى الكفار ولا لنزول الحكم وان رد المهر كان واجبا كما يدل عليه صيغ الأمر وقوله تعالى ذلك حكم الله الاية وقوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ فان الايمان يقتضى إتيان ما امر الله به فان قيل فعلى هذا يلزم نقض العهد وهو حرام وقلنا نسخت حرمة نقض العهد فى مادة مخصوصة بقوله تعالى لا ترجعوهن الى الكفار او تقول هذا من قبيل نبذ العهد على السؤال قال البغوي واختلفوا فى انه هل يجب العمل به اليوم فى رد المهور إذا شرط رد النساء فى معاقدة الكفار فقال يوم لا يجب وزعموا ان الاية منسوخة وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة قلت لا وجه لهذا القول ما لم يثبت بهذا الحكم ناسخ مثله فى القوة وقال قوم غير منسوخة ويرد إليهم ما أنفقوا. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ حال من المؤمنات عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً متعلق بيبايعنك وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ على عادة الجاهلية فانهم كانوا يوادون البنات وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ اى بكذب يبهت السامع يَفْتَرِينَهُ اى يختلقته بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ يعنى لا يكون له مصداق تختلقه من عند أنفسها قبل قيد بهذا توبيخا وتخويفا بان الأيدي والأرجل يشهدون يوم القيامة بما صدر من اللسان من المعاصي فلا تفترين بين الشهود قيل المراد به ان تلتقط ولدا وتقول لزوجها هذا ولدي منك فهو البهتان بين الأيدي والأرجل لان الولد تحمله أمها فى بطنها بين يديها وتضعه من فرجها بين رجليها وصفه بصفة الولد الحقيقي واللفظ يعم كل بهتان وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعنى فى إتيان حسنة فامرهن بها او لانتهاء عن سيئة تنهاهن والتقييد بالمعروف مع ان الرسول - ﷺ - لا يأمر بالمعروف تنبيها على انه لا يجوز طاعة المخلوق فى معصية الخالق قال مجاهد المراد بالمعروف ان لا يخلو المرأة بالرجال وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمان بن زيد هو النهى عن النوح والدعاء بالويل وتحريق الثياب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه عند المصيبة ولا تحدث المرأة الرجال الا ذا محرم ولا تخلوا برجل غير ذى محرم ولا تسافر الا مع ذى محرم واخرج ابن الجرير والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أم سلمة ولا يعصينك فى معروف قال النوح روى البخاري عن أم عطية قالت بايعنا رسول الله - ﷺ - فقرأ علينا لا تشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت أسعدتني فلانة أريد ان اجزيها فما قال لها النبي - ﷺ - شيئا فانطلقت ورجعت وبايعها وروى مسلم عن ابى مالك الأشعري قال قال رسول الله - ﷺ - اربع من أمتي من امر الجاهلية لا يتركونهن الفخر فى الاحساب والطعن فى الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النياحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال قطران ودرع من جرب وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله - ﷺ - ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعى بدعاء الجاهلية وروى ابو داود عن ابى سعيد الخدري قال لعن رسول الله - ﷺ - النائحة والمستمعة فَبايِعْهُنَّ بضمان الثواب على الوفاء بهذه الشروط جزاء لقوله إذا جاءك المؤمنات وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ عما مضى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يمحق ما سلف من العبد عصيانه رَحِيمٌ يوفق فيما يأتي روى البخاري عن عائشة قالت كان النبي - ﷺ - يبايع النساء بالكلام بهذه الاية لا يشركن بالله شيئا قالت وما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة الا امرأة يملكها وروى البغوي بسنده عن محمد بن المنكدر انه سمع اميمة بنت رقيقة تقول بايعت رسول الله - ﷺ - فى نسوة فقال فيما استطعتن واطقتن فقلت رسول الله - ﷺ - ارحم بنا من أنفسنا قلت يا رسول الله صافحنا فقال انى لا أصافح النساء انما قولى لامرأة كقوله لمائة امرأة قيل نزلت هذه الاية يوم الفتح وليس كك لما ذكرنا فى تفسير اية الامتحان حديث عائشة ان رسول الله - ﷺ - كان يمتحنهن

الممتحنة 60:13

بهذه الاية يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات الى قوله غفور رحيم واية الامتحان قد نزلت بعد صلح الحديبية ولكن النبي - ﷺ - يوم فتح مكة فرغ من بيعة الرجال وهو على الصفاء بايع النساء وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بامر رسول الله - ﷺ - يبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة ابى سفيان مقنعة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله - ﷺ - ان يعرفها فقال رسول الله - ﷺ - أبايعكن على ان تشركن بالله شيئا فرفعت هند راسها فقالت والله انك لتاخذ امرا ما رايناك أخذته على الرجال وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي - ﷺ - ولا يسرقن فقالت هند ان أبا سفيان رجل شحيح وانى أصبت من ماله هناة فلا أدرى أتحل لى أم لا فقال ابو سفيان ما أصبت من شىء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال فضحك رسول الله - ﷺ - فقال لها وانك لهند بنت عتبة قالت نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال ولا تزنين فقالت هند او تزنى الحرة فقال ولا تقتلن أولادهن فقالت هند ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فانتم وهم اعلم وكان ابنها حنظلة بن ابى سفيان قد قتل يوم بدر فضحك فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله - ﷺ - فقال ولا تأتين ببهتان يغترينه بين أيديهن وأرجلهن فقالت هند والله ان البهتان قبيح وما تأمرنا الا بالرشد ومكارم الأخلاق فقال ولا يعصينك فى معروف قالت هند ما جلنا مجلسنا هذا ولى أنفسنا ان تعصينك فى شىء فاقر النسوة بما أخذ عليهن وانما خصت النساء فى البيعة بهذا التفصيل مع ان بيعة الرجال على الإسلام يشتمل انقياد رسول الله - ﷺ - فى جميع ما امر به لضعف عقلهن وقلة تفقههن لاستنباط التفصيل من الإجمال ولكثرة وقوع الأمور المذكورة من النساء الا ترى الى كثير من النساء المسلمات يعتقدن ما يستلزم الشرك ويسرقن كثيرا من اموال الأزواج ويقتلن أولادهن بالواد والزنا من النساء أقبح من الرجال غالبا لان فيه تفويت حق الزوج مع حق الله تعالى ونسبة أولاد الغير الى أزواجهن وايراثهن إياهم اموال الأزواج وانهن تأتين كثيرا بالبهتان والكذب ويكثرن اللعن ويكفرن العشير ويكثرن النياحة الدعاء بالويل وضرب الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك مالا يفعله الرجال غالبا فلذا خصهن بتفصيل هذه الشروط كما خص الرجال بشرط الجهاد الذي يختص به والله تعالى اعلم اخرج ابن المنذر من طريق ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة او سعيد عن ابن عباس قال كان عبد الله بن عمرو زيد بن الحارث يوادون رجالا من يهود فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعنى اليهود كما يدل عليه قول ابن عباس المذكور وكذا قال البغوي ان ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود اخبار المسلمين يتواصلونهم فيصيبون من ثمارهم فنهاهم الله تعالى عن ذلك وقيل المراد به عامة الكفار قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ ان كان المراد بهم اليهود فهم ليعلمهم يكون محمد - ﷺ - نبيا حقا مؤيدا بالمعجزات مكتوبا عندهم فى التورية وكفرهم به - ﷺ - عنادا وحسدا بتسلط الشيطان وما كتب الله عليهم الشقاوة يئسوا من نعماء الاخرة وعلموا يقينا انه لا حظ لهم فى الاخرة مع اعتقادهم بالاخرة ونعمائها فما أصبرهم على النار أعوذ بالله منها وان كان المراد به عامة الكفار فهم يئسوا من الاخرة بعدم ايمانهم بالغيب والثواب والعذاب كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ اى المشركين مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ان يبعثوا ويثابوا او ينالهم خيرا بينهم وعلى تقدير كون المراد بقوم غضب الله عليهم عامة الكفار وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ان الكفرا يسهم فالجار والمجرور ظرف لغو متعلق بيئس وقيل هو ظرف مستقر بيان للكفار حال منه والمعنى كما يئس الكفار الذين صاروا فى القبور من ان يكون لهم حظ وثواب فى الاخرة كذلك يئس اليهود من الاخرة حيا فى الدنيا كذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والله تعالى اعلم.

الصف 61:1

سورة الصّف مدنيّة وهى اربع عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال قعدنا نفرا من اصحاب رسول الله - ﷺ - فشداكرنا فقلنا لو نعلم اى الأعمال أحب الى الله لعلمناه فانزل الله تعالى سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قرأها علينا رسول الله - ﷺ - حتى ختمها واخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه وذكر البغوي قول المفسرين ان المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال الى الله عز وجل لعملنا وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فانزل الله تعالى ان الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين فانزل الله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون واخرج ابن جرير عن ابى صالح قال قالوا لو كنا نعلم اى الأعمال أحب الى الله وأفضل لعملنا فنزلت يايّها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة الاية فكرهوا الجهاد فنزلت يايّها الذين لم تقولون ما لا تفعلون واخرج ابن ابى حاتم من طريق على عن عباس نحوه واخرج ابن ابى حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس وابن جرير عن الضحاك قال أنزلت لم تقولون مالا تفعلون فى الرجل فى القتال ما لا يفعله من الضرب والطعن والقتل واخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل انها نزلت فى قوليهم يوم أحد وقال محمد بن كعب لما اخبر الله رسوله - ﷺ - ثواب شهداء بدر قالت الصحابة لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا خفروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الاية وقال ابن زيد نزلت فى المنافقين كانوا يعدون النصر للمومنين وهم كاذبون. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ المقت أشد الغضب ونصبه على التميز من نسبة كبر الى فاعله وهو ان تقولوا وفيه دلالة على ان قولهم هذا مقت خالص كبير عند الله الذي يحقر دونه كل عظيم مبالغة فى المنع من ان يقولوا كذبا ما لا يفعلوه او يعدوا شيئا ثم لا يفوابه. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا اى مصطفين مصدر بمعنى الفاعل او وصف به مبالغة وجاز ان يكون صفا مصدر بفعل محذوف والجملة حال من فاعل يقاتلون تقديره يصفون فى أنفسهم صفا لا يزالون فى القتال عن أماكنهم كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ فى تراصهم من غير فرجة وبلا تحرك للفرار حال من المستكن فى الحال الاول والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه. وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بنى إسرائيل يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي

الصف 61:6

بالعصيان والرمي بالادرة وهى نفخة فى الخصيتين وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ بما جئتكم بالمعجزات وانجيتكم من اهل فرعون يسومونكم سوء العذاب وجاوزت بكم البحر والعلم بالنبوة يوجب التعظيم ويمنع الإيذاء فَلَمَّا زاغُوا اى عدلوا عن الحق ولم يمتنعوا عن الإيذاء أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ صرفها عن قبول الحق والميل الى الصواب وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ هداية موصولة الى معرفة الحق او الجنة قال الزجاج لا يهدى من سبق فى علمه انه فاسق. وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ لعله لم يقل يا قوم كما قال موسى لانه لا نسب له فيهم إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ اى من قبلى مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسكن الياء ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي وفتحها الباقون ومصدقا ومبشرا حالان من ضمير انى رسول الله والعامل فيهما وفى الرسول من معنى الإرسال لا الجار والمجرور فانه ظرف لغوصلة للرسول فلا يعمل اسْمُهُ أَحْمَدُ وهو أحد اسمى رسول الله - ﷺ - افعل من الحمد يعنى اكثر حامدية لله تعالى من غيره والأنبياء كلهم حمادون واكثر محمودية من غيره من المخلوقات والأنبياء كلهم محمودون موصوفون بالخصال الحميدة وهو - ﷺ - اكثر مناقبا واجمع فضايلا ومحاسنا بها يستحق الحمد من غيره قال المجدد اسمه - ﷺ - أحمد له خصوصية بنشإ الروحانية ولذلك سماه عيسى بذلك الاسم قبل نشاء العنصرية بالجسمانية واسمه عليه السلام محمد له خصوصية بنشاء الجسمانية وله ولايتان ولاية محمدية وهى المحبوبية الممتزجة بالمحبة وولاية احمدية وهى المحبوبية الخالصة فعلى هذا الاولى ان يقال اشتقاه من المحمودية والله تعالى اعلم ذكر عيسى عليه السلام تصديقه بالأنبياء حتى يكون دليلا على صدق دعواة الرسالة فان الحق يطابق الحق والأنبياء شهداء بعضهم لبعض فذاك أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين الذي بشر به الأنبياء كلهم والتورية وغيرها من الكتب السماوية فَلَمَّا جاءَهُمْ عيسى او احمد - ﷺ - بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرة من احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبالقران المعجز الباقي بمعنى الدهور والأزمان وشق القمر وغير ذلك ما لا يحصى والظرف متعلق بقوله تعالى قالُوا يعنى كفار بنى إسرائيل او كفار قريش وغيرهم هذا سِحْرٌ قرأ حمزة ساحر اشارة الى عيسى او محمد - ﷺ - وقرأ الباقون سحر اشارة الى ما جاء به المعجزات مُبِينٌ ظاهر. وَمَنْ يعنى لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ نسبة الشريك والولد اليه وبان قالوا

الصف 61:8

ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ او قالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ او قال شريعة موسى شريعة موبدة الى يوم القيمة وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ الظاهر حقيقه المقتضى له خير الدارين فيضع موضع الاجابة الافتراء على الله ويكذب رسله ويسمى آياته سحرا حال من فاعل افترى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعنى من كان فى علمه القديم ظالما فالله لا يرشده الحق والى ما فيه فلاحه. يُرِيدُونَ حال للقوم الظالمين او استيناف فى جواب قايل يقول ما شانهم لِيُطْفِؤُا ان يطفؤا واللام مزيدة لما فيه من معنى الارادة كما زيدت فى لا أبا لك لما فيه من معنى الاضافة او للتعليل والمفعول به محذوف اى يريدون الافتراء ليطفؤا نُورَ اللَّهِ اى دينه بِأَفْواهِهِمْ اى بمقالاتهم الكاذبة المفتراة كمن يريد ان يطفئ نور الشمس والقمر يطفه بفيه ففيه اشارة الى تمثيل لطيف وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ اى مبلغ غايته بنشره واعلائه قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بالاضافة والباقون بالتنوين والنصب وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ كلمة لو متصلة للتسوية والجملة حال اى مستويا كراهة المشركين وعدمها يعنى انه تعالى لا يبالى فى إعلاء دينه كراهة المشركين. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ، محمدا - ﷺ - بِالْهُدى اى بما يهتدى به الناس الى الحق من القران والمعجزات الباهرة وَدِينِ الْحَقِّ اى دين الله وهو الملة الحنيفة البيضاء لِيُظْهِرَهُ بالسيف والحجة عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ اى جميع الأديان وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قد مر نظيره. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ قرأ ابن عامر بالتشديد من التفصيل للتكثير والباقون مخففا من الافعال مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ كما ان تجارة الدنيا تنجى من الفقر وعذاب الجوع ونحو ذلك اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير قال لما نزلت يايّها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم قال المسلمون لو علمنا ما هذه التجارة لاعطينا فيها الأموال والأهلين فنزل قوله تعالى. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ بيان للتجارة يعنى هى الجمع بين الايمان وبين المجاهدة بالأموال والأنفس سمى تجارة لان فيه مبادلة الأموال والا نفس بنعيم الاخرة ورضوان الله ومبادلة الأهواء يعنى العقائد الباطلة بالعلوم الحقة المكنى عنها بالايمان وفيه مرابحة صريحة او رد لفظ الخبر والمراد به الأمر إيذانا بان هذا الشيء لا يترك واشعارا بمدح الصحابة بانهم معتادون بذاك ذلِكُمْ الجمع بين الايمان والمجاهدة خَيْرٌ لَكُمْ من الأهواء والأنفس والأموال إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شرط مستغن عن الجزاء بما مضى ان كنتم تعلمون كونه خيرا فاتوا به ولا تتركوه

الصف 61:12

والمعنى ان كنتم تعلمون انه خير لكم كان حينئذ خيرا لكم حيث تحبون الايمان والجهاد وفوق كل شىء. يَغْفِرْ لَكُمْ اى الله سبحانه ذُنُوبَكُمْ جواب للامر المدلول عليه بقوله تؤمنون وتجاهدون تقديره ان تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم او للاستفهام المدلول عليه للاستفهام المذكور تقديره هل تقبلون ان أدلكم ان تقبلوا يغفر لكم ولا يجوز ان يكون جوابا لهل أدلكم لان مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة الا ان يقال ان الدلالة سبب للعمل والعمل يوجب المغفرة فقد رتب المسبب على سبب السبب إيذانا بقوة سببية دلالته وإرشاده - ﷺ - للاهتداء بقوة تأثير نفسه الشريفة ووضوح امره بحيث لا يضل بعدها الا من هو أشقى الناس فى علم الله تعالى وأخبث الاستعداد وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً عطف الجزء على الكل فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ اى استقرار وثبات يقال عدن بمكان كذا اى استقر ومنه المعدن المستقر للجوهر قال القرطبي قيل الجنات سبع دار الحلال ودار السلام ودار الخلد وجنة عدن وجنة المأوى وجنة نعيم وجنة الفردوس وقيل اربع فقط كما يدل عليه قوله تعالى وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ؍ وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وفى الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله - ﷺ - جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن والاربعة كلها يوصف بالمأوى والخلد والعدن والسلام وهذا ما اختاره الحكيم اخرج ابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابن عمر قال خلق الله تبارك وتعالى أربعا بيده العرش وعدن والقلم وآدم ثم قال لكل شىء كن فكان واخرج ابن المبارك والطبراني وابو الشيخ والبيهقي عن عمران بن حصين وابى هريرة قال سئل رسول الله - ﷺ - عن هذه الاية وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قال قصر من اللؤلؤ فى ذلك القصر دارا من ياقوت حمراء فى كل دار سبعون بيتا من زمرد خضراء فى كل بيت سرير على كل سرير سبعون لو نأمن الطعام فى كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة ويعطى المؤمن فى كل غداة من القوة ما يأتي على ذلك كله اجمع ذلِكَ المغفرة وإدخال الجنة الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يستحقر بالنسبة اليه كل فوز.؍ وَأُخْرى مرفوع على الابتداء والخبر محذوف اى ذلكم نعمة عاجلة او منصوب بإضمار يعطيكم او تحبون او مجرور عطف على تجارة يعنى هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ وتجارة اخرى تُحِبُّونَها صفة لاخرى وفيه تعريض ان الناس يوثرون العاجل على الاجل نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ عاجل يعنى النصرة على قريش وفتح مكة او فتح خيبر وقال عطاء يريد فتح فارس والروم قلت والظاهر

الصف 61:14

ان المراد جنس النصرة والفتح فانهما يترتبان على السعى والمجاهدة من العبد قال الله تعالى ولينصرن الله من ينصره فان كان اخرى مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف فقوله نصر وفتح بدل او بيان وجاز ان يكون اخرى مبتداء وهذا خبره وعلى قول النصب والخبر هذا خبر مبتداء محذوف اى هى نصر وفتح والجملة صفة لاخرى او استيناف وَبَشِّرِ ايها الرسول الْمُؤْمِنِينَ بما وعدهم عليها عاجلا واحدا عطف على محذوف تقديره قل يا محمد يايّها الذين أمنوا هل أدلكم وبشرهم او على تؤمنون فانه فى معنى الأمر كانه قال أمنوا وجاهدوا ايها المؤمنون وبشرهم ايها الرسول. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ اى أنصار دينه قرأ الكوفيون وابن عامر بالاضافة والحجازيون وابو عمرو بالتنوين ولام فى لله على ان المعنى كونوا بعض أنصار الله كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ تشبيه باعتبار المعنى والمراد قل يا محمد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى او كونوا أنصار الله كما كان الحواريون حين قال عيسى ابن مريم لِلْحَوارِيِّينَ قد مر تحقيق الحواريين فى سورة ال عمران مَنْ أَنْصارِي فتح الياء نافع وأسكنها الباقون اى جندى متوجها إِلَى اللَّهِ اى الى نصر دينه قالَ الْحَوارِيُّونَ وهم أول من أمن به وكانوا اثنا عشر رجلا كما مر هناك نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ اضافة الأنصار الى عيسى اضافة أحد المتشاركين الى الاخرى لما بينهما من الاختصاص والاضافة الى الله اى الى دينه اضافة الفاعل الى المفعول فَآمَنَتْ بعيسى طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ اسبقهم الى الايمان الحواريون وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ معهم فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بالحجة او بالحرب عَلى عَدُوِّهِمْ بعد رفع عيسى عليه السلام فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ غالبين قال البغوي قال ابن عباس لما رفع عيسى تفرق قومه ثلث فرق فرقة قالوا كان الله فارتفع وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه الله وفرقة قالوا كان عبد الله ورسوله فرفعه اليه واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمدا - ﷺ - فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة وذلك قوله تعالى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا قال وروى المغيرة عن ابراهيم قال أصبحت حجة من أمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد - ﷺ - ان عيسى كلمة الله وروحه قلت لكن عطف قوله تعالى فَآمَنَتْ وقوله تعالى فَأَيَّدْنَا وفَأَصْبَحُوا على قوله قال الحواريون بكلمة الفاء التي للتعقيب بلا تراخ يدل على ان بعضهم كفر من بعض وتأيده الله تعالى للمؤمنين وظهورهم على الكافرين بعد قول الحواريين ذلك بلا مهلة والله تعالى اعلم.

الجمعة 62:1

سورة الجمعة مدنية وهى احدى عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ المنزه عما لا يليق الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فى ملكه وصنعه فان كل شىء يدل على وجوده وينزهه عما لا يليق بشانه وايضا كل شىء وان كان جمادا فله نوع من الحيوة والشعور فيقر بوحدانيته ويسبحه ولكن لا تفقهون تسبيحهم. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعنى العرب كان أكثرهم لا يكتبون ولا يقرون رَسُولًا مِنْهُمْ اى من جملتهم اميا مثلهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ تعالى مع كونه أميا لم يعهد منه قراءة ولا تعلما وَيُزَكِّيهِمْ يظهرهم من الشرك والخبائث وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ المعجز البليغ الذي لو اجتمع الانس والجن على ان يأتون بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وَالْحِكْمَةَ الشريعة الحكمة المطابقة بشرائع الأنبياء فى الأصول المشهود عليها بالكتب السماوية بالقبول وَإِنْ كانُوا يعنى وانهم يعنى العرب كانوا مِنْ قَبْلُ بعثته - ﷺ - لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر بطلانه حيث يعهدون الحجارة ويأكلون الجيفة ويقولون ويعتقدون مالا يقبل العقل والنقل. وَآخَرِينَ عطف على الضمير المنصوب فى يعلمهم اى ويعلم اما؟؟؟ آخرين مِنْهُمْ اى كائنين من جنس الأولين حيث يدينون بدينهم ويسلكون على طريقهم قال عكرمة ومقاتل هم التابعون وقال ابن زيدهم جميع من دخل فى الإسلام الى يوم القيمة وهى رواية ابن نجيح عن مجاهد وقال عمرو بن سعيد بن جبير وليث عن مجاهدهم العجم لحديث ابى هريرة قال كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال رجل من هؤلاء يا رسول الله فلم يراجعه رسول الله - ﷺ - حتى سال مرتين او ثلاثا قال فينا سلمان الفارسي قال فوضع النبي - ﷺ - يده على سلمان ثم قال لو كان الايمان عند الثريا لنا له رجال من هؤلاء متفق عليه وفى رواية عنه قال قال رسول الله - ﷺ - لو كان الدين عند الثريا لذهب اليه رجل او قال رجال من أبناء فارس حتى يتناولوه قلت هذا الحديث يدل على فضل رجال من العجم وانهم ممن أريد بهذه الاية ولا دليل على نفى خيرهم على ما يدل عليه عموم الاية ولعل المراد لقوله - ﷺ - رجال من هؤلاء أبناء فارس أكابر النقشبندية فانهم من ال بخارا وسمرقند ونحو ذلك وهم منتسبون فى الطريقة

الجمعة 62:4

الى سلمان الفارسي فانهم ينتسبون الى جعفر الصادق عن القاسم بن محمد عن سلمان عن أبى بكر الصديق عن رسول الله - ﷺ - لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ اى لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم وقيل لما يلحقوا بهم فى الفضل والثواب لان التابعين ومن بعدهم لا يدركون فضل الصحابة حيث قال رسول الله - ﷺ - لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه متفق عليه من حديث ابى سعيد ويرد على هذا التأويل ان المراد لو كان كذلك لورد بصيغة المضارع اى لا يلحقوا بهم فى المستقبل من الزمان دون الماضي فان لما يقتضى نفى اللحوق فى لماضى والتوقع فى المستقبل الا ان يقال الإيراد بصيغة الماضي للدلالة على تحقيق وجودهم ونفى للحوق المستفاد من كلمة لا نظرا الى الأكثر وتوقع اللحوق نظرا الى بعض من يأتي بعدهم ولو بعد الف سنة فكانه اشارة الى المجدد الف ثانى وكمل خلفائه فانهم بلغوا بكمال متابعة النبي - ﷺ - ووراثته تبعا وطفيلا أقصى كمالاته واكتسبوا كمالات النبوة والرسالة واولى العزم والخلة والمحبة والمحبوبية التي لم يتحقق بعد الصدر الاول فاشتبهوا بالصحابة فصار مثل لامة المرهومة كمثل المطر لا يدرى اوله خيرا وآخره كما قال رسول الله - ﷺ - مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى اوله خير او آخره او كحديقة اطعم فوج منها عاما ونوج منها عاما لعل آخرها فوجا هى اعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا رواه رزين وَهُوَ الْعَزِيزُ فى تمكينه رجلا اميا من ذلك الأمر العظيم الخارق للعادة وتائيده عليه الْحَكِيمُ فى اختياره وإياه من بين كافة البشر وتعليمه. ذلِكَ اى بعثة محمد - ﷺ - وتعليمه وتزكية الضالين فَضْلُ اللَّهِ على محمد - ﷺ - حيث اصطفاه وجعله هاديا وعلى من اتبعه حيث هداهم وزكّهم به عليه السلام يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ عطائه ويقتضيه حكمته وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي يستحقر دونه كل نعمة. مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ علموها وكلفوا بالعمل بها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها اى لم يعملوا بما فيها ولم ينتفعوا بها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً كتبا من العلم يتعب فى حملها ولا ينتفع بها وجملة يحمل حال من الحمار والعامل فيه معنى المثل او صفة له إذ ليس المراد الحمار المعين نظيره ولقد امر على اللئيم يسبنى وهكذا كل عالم لا يعمل بعلمه قال رسول الله - ﷺ - اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع رواه بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وهم اليهود كذبوا بالقران وبايات التوراة الدالة على نبوة محمد - ﷺ - والمخصوص بالذم محذوف اى بئس مثل القوم المكذبين مثلهم او هو

الجمعة 62:6

الموصول بحذف المضاف اى بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اى وقت اختيارهم الظلم او لا يهدى من سبق فى علمه انه يكون ظالما. قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا اى تهودوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ فانهم كانوا يقولون نحن اولياء الله وأحباءه مِنْ دُونِ النَّاسِ يعنى محمدا - ﷺ - وأصحابه فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ اى ادعوه من دون الله تعالى على أنفسكم حتى تنقلوا من دار البلية الى دار الكرامة فان الموت جسر توصل الحبيب الى الحبيب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى زعمكم فتمنوه وقد ذكرنا مسئلة جواز تمنى الموت وعدمه فى صورة البقر فى مثل هذه الاية. وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فانهم يعلمون علما يقينا انهم استحقوا النار الكبرى بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي وتحريف آيات التورية الناطقة ببعث محمد - ﷺ - فكيف يتمنون الموت الموصلة الى النار فانهم احرص الناس على حيوة يود أحدهم لو يعمر الف سنة وأشد خوفا وفرارا من الموت وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فيجازيهم على ما قدموا. قُلْ يا محمد إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ايها اليهود اى تخافون أشد المخافة من ان يصيبكم فتوخذوا بأعمالكم ولا تجزون على تمنيه فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ لا حق بكم لا محالة لا ينفعكم الفرار منه الجملة خبر ان ذكر الله سبحانه ان الموكدة فى الجملة مكررا لكمال التأكيد نظرا الى كمال إصرارهم على الكفر والمعاصي الذي كانه هو الدليل على شدة انكارهم الموت والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف كانه فرارهم يسرع لحوقه بهم فكانه سبب اللحوق وذلك ان الفرار من الموت موجب للغفلة عنه وفى الغفلة لا يظهر طول البقاء فى الدنيا ويظهر كانه الموت جاء سريعا ومن كان ذكر الموت مشتاقا له يشق عليه البقاء فى الدنيا وينتظر الموت غالبا فيظهر عليه طول الحيوة وبعد الموت لشدة اشتياقه وجاز ان يكون الخبر محذوفا والفاء للتعليل والتقدير ان الموت الذي تفرون منه لا ينفعكم الفرار منه فانه اى لانه ملقيكم البتة وحينئذ لا يلزم تكرار ان على حكم واحد وجاز ان يكون الموصول خبرا لان الفاء عاطفة يعطف على الخبر او على الجملة ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيجازيكم عليه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ اى إذا اذن مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بيان لاذا وقيل من هاهنا بمعنى فى كما فى قوله تعالى أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ اى فى الأرض اختلف العلماء فى تسمية هذا اليوم بالجمعة مع الاتفاق على انه كان يسمى فى الجاهلية بالعروبة معناه اليوم البين المعظم من أعرب إذا بين قيل أول من سماه جمعة كعب بن لوى وهو أول من قال اما بعد كانت تجمع اليه قريش فى هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي - ﷺ - ويعلمهم بانه من مولده ويأمرهم باتباعه والايمان به وينشد فى ذلك أبياتا منها قوله يا ليتنى شاهدا نجواء دعوته إذا قريش تبتغى الحق خذلانا وكان بنو اسمعيل يورخون ببناء الكعبة فلما مات كعب بن لوى ارخ الناس من موته حتى كان عام الفيل وهو مولد النبي - ﷺ - فارخ الناس منه الى ان هاجر النبي - ﷺ - وكان بين موت كعب ومبعث النبي - ﷺ - خمسمائة وستون سنة كذا فى شرح خلاصة السير وقيل سمى بالجمعة لان الخلائق يجمع فيه كذا ذكر ابو حذيفة البخاري فى المبتدا عن ابن عباس واسناده ضعيف وقيل لانه جمع فيه خلق آدم عليه السلام روى احمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان عن سلمان رض ان رسول الله - ﷺ - قال أتدري ما يوم الجمعة قلت الله ورسوله اعلم قالها ثلث مرأة قال فى الثالثة هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم الحديث وله شاهد عن ابى هريرة رواه ابن ابى حاتم موقوفا بإسناد قوى واحمد موقوفا بإسناد ضعيف قال الحافظ ابن حجر وهذا أصح ويليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين بإسناد صحيح اليه فى قصة اجتماع الأنصار مع اسعد بن زرارة رض وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة صلى بهم وذكرهم فسموه يوم الجمعة وذلك قبل قدوم النبي - ﷺ - فقيل كان ذلك بإذن النبي - ﷺ - كما رواه الدار قطنى عن ابن عباس رض قال اذن رسول الله - ﷺ - ان يجمع فكتب الى مصعب بن عمير رض اما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسنتهم فاجمعوا فيه نساءكم وابناءكم فاذا مال النهار عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا الى الله بركعتين قال أول من جمع مصعب حتى قدم رسول الله - ﷺ - وفى سنده احمد بن محمد بن غالب الباهلي وهو متهم بالوضع قال الزهري والمعروف فى هذا المتن الإرسال وقيل كان ذلك باجتهاد الصحابة روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال جمع اهل المدينة قبل ان يقدمها رسول الله - ﷺ - وقبل ان ينزل الجمعة فقالت الأنصار ان لليهود يوما يجمعون فيه كل سبعة ايام وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل يوما نجمع فيه فنذكر الله ونصلى ونشكر فجعلوا يوم العروبة واجتمعوا الى اسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ وانزل الله عز وجل بعد ذلك إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة قال الحافظ هذا وان كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن رواه ابو داود وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك رض عنه قال كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم النبي - ﷺ - المدينة اسعد بن زرارة الحديث او كان كعب إذا سمع نداء الجمعة ترحم لا سعد بن زرارة قال عبد الرحمن بن كعب قلت لكعب كم كنتم يومئذ قال أربعون فمرسل ابن سيرين يدل على ان أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد ولا يمنع ذلك ان يكون النبي - ﷺ - علم بالوحى وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها كما فى حديث ابن عباس والمرسل بعد ذلك ولذلك جمع بهم رسول الله - ﷺ - أول ما قدم المدينة- (قصّة) مقدم النبي - ﷺ - المدينة وأول جمعة صلى روى البخاري عن عائشة رض وابن سعد عن جماعة من الصحابة ان المسلمين بالمدينة لما سمعوا بمخرج رسول الله - ﷺ - من مكة كانوا يخرجون إذا صلح الصبح الى الحرة ينتظرونه حتى تعليهم الشمس على الظلال ويوذيهم والظهيرة وذلك فى ايام حارة حتى كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - ﷺ - حين دخلوا البيوت فاذا رجل من اليهود على أطم من اطامهم لامر ينظر اليه فنظر رسول الله - ﷺ - فنادى بأعلى صوته يا بنى قبيلة يعنى الأنصار هذا صاحبكم الذي تنتظرون فثاء المسلمون فتلقوا رسول الله - ﷺ - ذلك يوم الاثنين لهلال ربيع الاول اى أول ليلة وفى رواية جرير بن حازم عن ابى إسحاق لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول وفى رواية ابراهيم بن سعد عن ابن اسحق لاثنى عشر ليلة خلت وعند ابى سعيد لثلث عشرة من ربيع الاول قال الحافظ الأكثر انه قدم نهارا وقع فى رواية لمسلم ليلا ويجمع بان القدوم كان اخر الليل فدخل بها نهارا فنزل رسول الله - ﷺ - بهم قبا فى بنى عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم وابو بكر حبيب بن اساف أحد بنى الحارث فصاح كلثوم بغلام له يا نجيع فقال رسول الله - ﷺ - نجحت يا أبا بكر وكان لكلثوم بن هدم بقبا مربد يعنى الموضع الذي يبسط فيه التمر ليجف فاخذه رسول الله - ﷺ - وبناه مسجدا فى الصحيح اقام رسول الله - ﷺ - فى بنى عمرو بن عوف وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وفى رواية عبد الرزاق بنى المسجد بنو عمرو بن عوف وفى الصحيح انه - ﷺ - اقام فيهم بضع عشر ليلة وفيه عن انس اقام فيهم اربع عشرة ليلة وقال ابن اسحق خمس ليال وقال ابن حبان اقام بها الثلثاء والارباع والخميس وخرج يوم الجمعة وقال ابن عباس وابن عقبة ثلث ليال فكانهما لم يعتد اليوم الخروج ولا الدخول وعن قوم من بنى عمرو بن عوف انه اقام اثنين وعشرين يوما روى احمد والشيخان عن ابى بكر وسعد بن منصور عن ابن الزبير وابن إسحاق عن عويمر بن ساعد وغيرهم ان رسول الله - ﷺ - أرسل الى بنى النجار وكانوا إخوانهم لان أم عبد المطلب كانت منهم فجاؤا متقلدين بالسيوف فقالوا لرسول الله - ﷺ - وأصحابه اركبوا امنين مطاعين وكان اليوم يوم الجمعة فركب رسول الله - ﷺ - ناقته القصوى والناس معه عن يمينه وشماله وخلفه منهم الراكب والماشي فاجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا يا رسول الله أخرجت حلالا أم تريد دارا خيرا من دارنا قال انى أمرت بقرية تأكل القرى فخلوها اى ناقة فانها مامورة فخرج رسول الله - ﷺ - من قبا يريد المدينة فتلقاه الناس يقولون الله اكبر جاء رسول الله - ﷺ - روى البيهقي عن عائشة جعل النساء والولائد والصبيان يقلن مطلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعى الله داع ايها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع- وروى احمد عن انس انه لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة بعث الحبشة بحرا بها فرحا برسول الله - ﷺ - روى البخاري عن البراء قال ما رايت اهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله - ﷺ - فلم يمر رسول الله - ﷺ - بدار من دور الأنصار الا قالوا هلم يا رسول الله اتى للفرد المنعة والثروة فيقول لهم خيرا ويدعوا ويقول انها مامورة خلوا سبيلها فمر ببني سالم فقام اليه عتبان بن مالك ونوفل بن عبد الله بن مالك وهو أخذ بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله انزل فينا العدد والعدة والحلقة ونحن اصحاب العصباء والحدائق والدرك يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا يلجأ إلينا فجعل رسول الله - ﷺ - يتبسم ويقول خلوا سبيلها فانها مامورة فقام اليه عبد الله بن الصامت وعباس بن فضلة فجعلا يقولان يا رسول الله - ﷺ - انزل فينا فيقول بارك الله عليكم انها مامورة فلما اتى مسجد بنى سالم وهو المسجد الذي فى الوادي وادي وانونا قال البغوي أدركته الجمعة فى بنى سالم بن عمرو بن عوف فى بطن واد لهم قد اتخذ اليوم فى ذلك مسجدا فصلاها فى ذلك الوادي قيل كانت أول جمعة صلاها فى المدينة وأول خطبة خطبها فى الإسلام وقيل انه كان يصلى فى مسجد قباء عند ابن سعد انه - ﷺ - لما صلى صلى معه الجمعة ماية نفس ثم أخذ رسول الله - ﷺ - عن يمين الطريق فمر ببني ساعدة فقال سعد بن عبادة والمنذر بن عمر وابو دجانة هلم يا رسول الله الى العز والثروة والقوة والجلد وسعد يقول يا رسول الله ليس من قومى اكثر غدقا ولاقم بير منى مع الثروة والجلد والعد وفيقول رسول الله - ﷺ - يا أبا ثابت خل سبيلها فانها مامورة فمضى واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وشبر بن سعد فقالا اين يا رسول الله لا تجاوزنا واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمر يقولان نحو ذلك فقال خلوا سبيلها فانها مامورة ثم مر ببني عدى النجاري وهم أخواله فقال ابو سليط وصرفة بن ابى أنيس يا رسول الله نحن أخوالك هلم الى العدد والمنعة مع القرابة لا تجاوزنا الى غيرنا يا رسول الله ليس أحد من قومنا اولى بك لقرابتنا بك فقال خلوا سبيلها فانها مامورة فصارت حتى وازيت دار بنى عدى ابن النجار قامت اليه وجوههم ثم مضى حتى انتهى الى باب المسجد فبركت على باب مسجد النبي - ﷺ - فجعل جبار ابن صخر ينجسفها رجاء ان تقوم فلم يفعل فنزل رسول الله - ﷺ - فقال عليه الصلاة والسلام اى بيوت أهلنا اقرب فقال ابو أيوب هذا المنزل إنشاء الله تعالى فنزل رسول الله - ﷺ - وقال اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين قال اربع مرات روى الطبراني عن ابن الزبير ينزل رسول الله - ﷺ - فى منزل ابى أيوب ونزل معه زيد بن حارثة قال ابن اسحق فى المبتدا وابن هشام فى التيجان ان بيت ابى أيوب الذي نزل فيه رسول الله - ﷺ - مقدمة المدينة بناه تبع الاول وكان معه اربعمائة أحبار فتعاقدوا على ان لا تخرجوا منها فسالهم تبع عن سر ذلك فقالوا انا نجد فى كتابنا ان نبيا اسمه محمد - ﷺ - هذه دار هجرته فنحن نقيم لعلنا نلقاه فاراد تبع الاقامة معهم ثم بدأ له فعمر لكل واحد من أولئك دارا او اشترى له جارية وزوجها منه وأعطاه ما لا جزيلا وكتب كتابا فيه إسلامه وفيه شهد على احمد انه رسول الله - ﷺ - بارى النسم فلولا عمرى الى عمره لكنت وزيرا او ابن عمرو ختم بالذهب ودفعه الى كبيرهم وساله ان يدفعه الى النبي - ﷺ - ان أدركه والا فمن أدركه من ولده وولد ولده وبنى للنبى - ﷺ - دارا لينزلها إذا قدم المدينة فدار الدار الى اعلائك الى ان صارت لابى أيوب وهو من ولد ذلك العالم واهل المدينة الذين نصروه من أولاد أولئك العلماء ويقال ان الكتاب الذي فيه الشعر كان عند ابى يوسف حتى دفعه الى رسول الله - ﷺ - وهو غريب فيما نزل رسول الله - ﷺ - الفاء فى بيته والله تعالى اعلم- (مسئلة) قيل المراد بهذا النداء فى الاية الاذان عند قعود الامام على المنبر للخطبة لحديث ابن يزيد قال كان النداء يوم الجمعة اوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي - ﷺ - وابى بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وتسميته ثالثا باعتداد الاقامة ثانيا فعلى هذا قيل السعى الى الجمعة وترك البيع ونحوه انما يجب بالنداء الثاني والصحيح ان السعى وترك البيع ونحوه يجب بالأذان الاول لعموم قوله تعالى إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة وصدقه على الاذان الاول ايضا فَاسْعَوْا يعنى فامضوا وكان عمر بن الخطاب يقرأ فامضوا وكذلك هى فى قراءة ابن مسعود وقال الحسن اما والله ما هو بالسعي عن الاقدام ولقد نهوا ان يأتوا الصلاة الا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع وعن قتادة فى هذه الاية انه قال السعى ان تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال الله تعالى فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ يعنى فلما مشى معه وقال الله تعالى وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ وقال الله تعالى ان سعيكم اى عملكم لشتى وقد نهى رسول الله - ﷺ - السعى بمعنى العدو عن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ايتوها تمشون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا رواه الستة فى كتبهم وروى احمد وما فاتكم فاقضوا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعنى الصلاة وقال سعيد بن المسيب هو موعظة الامام يعنى الخطبة وَذَرُوا الْبَيْعَ أراد ترك ما يشغل عن الصلاة والخطبة وانما خص البيع بالذكر لاشتغالهم غالبا بعد الزوال فى الأسواق بالبيع والشراء فلو عقد البيع فى الطريق وهو يمشى الى الجمعة لا بأس به ذلِكُمْ اى السعى الى الصلاة وترك ما يشغل عنه خَيْرٌ لَكُمْ من البيع والشراء وغير ذلك إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مصالح أنفسكم شرط مستغن عن الجزاء بما مضى (مسئله) يحرم البيع عند أذان الجمعة اجماعا حيث يوجب الإثم وهل يصح انعقادا قال مالك واحمد لا ينعقد وقال ابو حنيفة والشافعي ينعقد وهذه المسألة مبنية على مسئلة اصولية فان النهى عن الافعال التي لا وجود لها الا باعتبار الشرع كالصلوة فى الأرض المغصوبة والبيع ونحو ذلك بالشرط الفاسد يوجب القبح بغيره فيقتضى صحة العقد حتى يتحقق الابتلاء عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لا سيما فى البيع وقت النداء فان القبح هاهنا انما هو لامر مجاور لا فى صلب العقد أصلا فلا يكون البيع فاسدا ايضا كما يكون فاسدا بالشروط الفاسدة وعند اكثر الائمة يوجب القبح لذاته كما ان النهى عن الافعال الحسية كالزنا والسرقة يوجب القبح لذاته اتفاقا لانه الأصل فى المنهي عنه لكن الشافعي فى هذه المسألة وافق أبا حنيفة وقال صح البيع نظرا الى ان النهى انما هو لامر مجاور وهو الاشتغال عن الصلاة والله تعالى اعلم (فصل) اعلم ان الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة والإجماع يكفر جاحدها اما الكتاب فهذه الاية امر فيها بالسعي ورتب الأمر بالسعي للذكر على النداء للصلوة فالظاهر ان المراد بالذكر الصلاة ويجوز ان يراد به الخطبة والاولى ان يراد به الخطبة والصلاة جميعا لصدقه عليها معا واما السنة فحديث ابى هريرة قال قال رسول الله نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد انهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم يعنى الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا له والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد متفق عليه وعن ابى عمرو ابى هريرة قالا سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد المنبر لينتهين أقوام على ودعهم الجمعات او ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم وعن ابن مسعود ان النبي - ﷺ - قال لقوم يتخلفون عن الجمعة لقد هممت ان امر رجلا يصلى بالناس ثم احرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم رواه مسلم وعن طارق بن شهاب قال قال رسول الله - ﷺ - الجمعة حق واجب على كل مسلم فى الجمعة الا على اربعة مملوك او امرأة او صبى او مريض رواه ابو داود وقال طارق راى النبي - ﷺ - ولم يسمع منه قلت فالحديث مرسل صحابى وهو حجة اتفاقا قال النووي الحديث صحيح على شرط الشيخين واخرج البيهقي من طريق البخاري عن تميم الداري قال الجمعة واجبة الأعلى صبى او مملوك او مسافر رواه الطبراني عن الحاكم وابن مردوية وزاد فيه المرأة والمريض وعن ابى جعد الضميري وكانت له صحبة عن النبي - ﷺ - قال من ترك ثلث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وحسنه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما وعن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال من ترك الجمعة من غير عذر كتب منافقا فى كتاب لا يمجى ولا يبدل وفى بعض الروايات ثلثا رواه الشافعي ورواه ابو يعلى بلفظ من ترك ثلث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره ورجاله ثقات وعن جابر ان رسول الله - ﷺ - قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فعليه الجمعة الا مريض او مسافر او المرأة او صبى او مملوك فمن استغنى بلهو او تجارة استغنى الله عنه والله غنى حميد رواه الدار قطنى فاجمع العلماء انه فرض على الأعيان وغلط من قال هى فرض كفاية (مسئله) لا يجب الجمعة على المسافر اجماعا وحكى عن الزهري والنخعي وجوبها على المسافر إذا سمع النداء ولا عبد ولا امرأة الا فى رواية عن احمد فى العبد خاصة وقال داود ويجب واختلفوا فى المكاتب والمأذون والعبد الذي حضر مع مولاه على باب المسجد لحفظ الدابة إذا لم تخل بالحفظ والحجة فى عدم وجوب الجمعة على العبد مطلقا ما مر فى الأحاديث من الاستثناء للمملوك (مسئله) لا تجب الجمعة على الأعمى إذا لم يجد قايدا إليها بالاتفاق فان وجده وجبت عليه عند مالك والشافعي واحمد وابى يوسف ومحمد وقال ابو حنيفة لا تجب احتج الجمهور بما مر من الأحاديث إذ ليس فيه استثناء الأعمى قلنا هو داخل فى المريض والمريض وكل من كان له عذر او خوف لا تجب عليه الجمعة اجماعا وكذلك الشيخ الكبير ومن كان متعهد المريض قالوا الأعمى إذا وجد قايدا صار قادرا كالبصير قلنا انه غير قادر بنفسه وقدرته بغيره لا يعتبر كالزمن إذا وجد من يحمله (مسئله) يجوز ترك الجمعة بعذر المطر والوحل روى البخاري فى الصحيح عن محمد بن سيرين قال قال ابن عباس لموذنه يوم المطر إذا قلت اشهد ان محمد رسول الله فلا تقل حى على الصلاة فقل صلوا فى بيوتكم فكان الناس استنكروا فقال فعله من هو خير منى ان الجمعة عزيمة وانى كرهت ان أخرجكم فتمشوا فى الطين والدحض (مسئله) إذا حضر الجمعة عبدا ومسافر او امرأة او مريض صح عنه الجمعة وسقط عنه الظهر اجماعا (مسئله) تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين إذا لم يكن فيهم حرا ومقيم إذا كانوا فى مصر عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لا بالنساء والصبيان اجماعا وعند الثلاثة لا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين ولا يتم بهم العدد بل لا بد للجمعة أربعين أحرارا مقيمين او خمسين او ثلثة على اختلاف الأقوال واما المعذورون بالمرض او الخوف او المطر والأعمى او الزمانة فيتم بهم العدد اتفاقا لنا ان الجمعة واجبة على الرجال كلهم دون النساء اجماعا ودون الصبيان لكونهم غير مكلفين لعموم قوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله ولكن رخص فى تركها العبيد والمسافرين واصحاب العذر فمن اتى منهم بالجمعة فقد اتى بالعزيمة فيصح جمعته كالمسافر إذا صام رمضان يتادى من صومه فرضه (مسئله) كره ظهر المعذور والمسبحون فى المصر بجماعة عند ابى حنيفة وقال مالك والشافعي واحمد انه لا يكره بل يسن وكذا من فاته الجمعة بلا عذر والله اعلم (مسئله) الخطبة شرط لانعقاد الجمعة اجماعا لقوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله إذ المراد به الخطبة ومن هاهنا قال ابو حنيفة لو اقتصر فى الخطبة على تسبيحة او تحميدة لكفى لان ذكر الله يعم الطويل والقصير ولا إجمال فيه وهذا الاستدلال ضعيف لاحتمال كون المراد بذكر الله الصلاة فالاولى ان يقال سند الإجماع على اشتراط الخطبة مواظبة النبي - ﷺ - كما نقل إلينا متواترا او مواظبته يقتضى اشتراط ذكر طويل يسمى فى العرب خطبة وبه قال ابو يوسف ومحمد ومالك والشافعي واحمد على انه لو كان المراد بذكر الله الخطبة فالاضافة للعهد والمعنى فاسعوا الى ذكر الله الذي يفعله النبي - ﷺ - فعلى هذا ايضا يشترط ان يكون ذكرا طويلا وما روى ان عثمان صعد المنبر فى أول جمعة وولى الخلافة قال الحمد لله فارتج عليه فقال ابو بكر وعمر كان يعد ان لهذا المقام مقالات وأنتم الى امام فعال أحوج منكم الى امام قوال وسياتيكم الخطب بعد واستغفر الله لى ولكم ونزل وصلى بهم ولم ينكر عليه أحد منهم فاهل الحديث لا يعرفونه والله اعلم (مسئلة) يجب عند الشافعي ومالك الخطبة قايما ويجب الجلسة بين الخطبتين عند الشافعي وقال ابو حنيفة واحمد لا يجب القيام فى الخطبة ولا الجلوس بينهما والدليل على الوجوب النقل المستفيض روى مسلم عن جابر بن سمرة انه راى رسول الله - ﷺ - يخطب قايما على المنبر ثم يجلس ثم يخطب قايما فقال جابر فمن أنبأك انه كان يخطب قاعدا فقد كذب فقد والله صليت معه اكثر من الفى صلوة وروى الشافعي عن جابر بن عبد الله كان النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس وروى مسلم عن جابر بن سمرة كانت للنبى - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القران ويذكر الناس عن ابن عمر قال كان النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة مرتين بينهما جلسة متفق عليه وروى مسلم عن كعب بن عجرة انه دخل المسجد يوم الجمعة وابن أم الحكم يخطب قاعدا فقال انظروا الى هذا الخبيث يخطب قاعدا والله تعالى يقول وإذا رؤا تجارة او لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما احتج ابن همام بهذا الحديث ان القيام ليس بواجب حيث لم يحكم كعب ولا غيره بفساد صلوة ابن الحكم فعلم انه ليس بشرط عندهم والله تعالى اعلم (مسئله) سن ان يشتمل الخطبة على خمسة أشياء حمد الله تعالى والصلاة على رسوله - ﷺ - والوصية بالتقوى وقراءة القران والدعاء للمؤمنين والمؤمنات وكلها واجبة عند الشافعي ويشترط الطهارة فى الخطبتين على الراجح من مذهب الشافعي وعند الجمهور لا يشترط (مسئله) يشترط فى الخطبة حضور واحد عند ابى حنيفة لتحقيق معنى التخاطب وعند الشافعي وغيره لا يجوز للامام ان يبدئ بالخطبة قبل اجتماع العدد وهو الأربعون عند الشافعي او خمسون او ثلثة عند غيره فان نفر واحد منهم قبل افتتاح الصلاة لا يجوز ان يصلى الجمعة بل يصلى الظهر وان عادوا بعد قبل طول الفصل بنى على ذلك الخطبة وبعد طوله استأنف الخطبة (مسئله) يحرم الكلام فى حال الخطبة لمن حضر الخطبة عند ابى حنيفة ومالك سواء سمع الخطبة او لا يسمع وقال احمد يحرم لمن يسمعها لا من لا يسمعها والمستحب الإنصات وقال الشافعي لا يحرم على من يسمع ايضا لكنه يكره وهل يحرم الكلام على الخاطب فقال ابو حنيفة يحرم الا ان يكون امر المعروف كقصة عمر مع عثمان كذا قال ابن همام وكذا قال الشافعي فى القديم وقال مالك رح جاز الكلام للمخاطب بما فيه مصلحة الصلاة نحو ان يزجر الداخلين عن تخطى الرقاب وان خاطب إنسانا بعينه جاز لذلك الإنسان ان يجيبه كما وقع فى قصة كلام عمر وهو يخطب مع عثمان وسنذكر الحديث فى مسئلة غسل الجمعة وقال احمد يجوز للمخاطب الكلام مطلقا وقد تعارضت الأحاديث فى الباب فى الصحيحين عن ابى هريرة عن النبي - ﷺ - قال إذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة انصت فقد لغوت وروى احمد عن ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا فهذين الحديثين يدلان على الحرمة وكذا قوله تعالى وإذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون واما ما يدل على الإباحة فما روى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن كعب ان الرهط الذي بعثهم رسول الله - ﷺ - الى ابن ابى الحقيق بخيبر ليقتلوه فقدموا على رسول الله - ﷺ - وهو قائم على المنبر يوم الجمعة فقال لهم حين رائهم افلحت الوجوه فقالوا أفلح وجهك يا رسول الله قال أقتلتموه قالوا نعم فدعى بالسيف الذي قتل به وهو قائم على المنبر فسله فقال أجل هذا طعامه فى ذباب سيفه الحديث قال البيهقي مرسل جيد وروى عن عروة نحوه ثم روى من طريق ابن عبد الله بن انس عن أبيه قال بعثني رسول الله - ﷺ - الى ابن ابى الحقيق نحوه وروى مسلم من حديث ابى رفاعة العدوى قال انتهيت الى النبي - ﷺ - وهو يخطب فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه قال فاقبل على وترك خطبة وجعل يعلمنى ثم اثم الخطبة وروى اصحاب السنن الاربعة وابن الخزيمة والحاكم من حديث بريدة قال كان النبي - ﷺ - يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان احمر ان يمشيان ويعثران فنزل رسول الله - ﷺ - من المنبر فحملهما فوضعها بين يديه ثم قال صدق الله ورسوله انما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت الى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم اصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما وروى ابو داود عن جابر قال لما استوى رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة على المنبر قال اجلسوا فسمع ذلك ابن مسعود فجلس على باب المسجد فراه رسول الله - ﷺ - فقال تعال يا عبد الله ابن مسعود عن انس ان رجلا دخل والنبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة فقال متى الساعة فاومى الناس اليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام فقال النبي - ﷺ - ماذا اعددت لها قال حب الله ورسوله قال انك مع من أحببت رواه احمد والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وعن انس بينما النبي - ﷺ - يوم الجمعة فقام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال فذكر حديث الاستسقاء متفق عليه قال الشافعي رح تعارض الأحاديث يقتضى الكراهة فى المستمع وقال ابو حنيفة أحاديث الآحاد لا يصادم قوله تعالى فاستمعوا له وانصتوا لا سيما إذا تعارضت فقال بالتحريم وذلك أحوط وقال احمد رح الاية والأحاديث لا يدل على تحريم الكلام للمخاطب والله تعالى اعلم (مسئله) لا بأس بالكلام قبل الخطبة وبعد الفراغ لحديث انس قال كان رسول الله - ﷺ - ينزل من المنبر يوم الجمعة فيكلم الرجل فى الحاجة فيكلم ثم يقدم الى مصلاه رواه احمد وقال ابو حنيفة رح يكره مطلقا محتجا بالآثار اخرج ابن ابى شيبة عن على وابن عباس وابن عمر كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الامام (مسئله) إذا جاء رجل والامام يخطب يصلى ركعتين عند الجمهور وينجوز فيهما وقال ابو حنيفة رح لا يصلى لما ذكرنا اثر على وابن عباس وابن عمرو نحو ذلك عن عروة والزهري ولقوله - ﷺ - إذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب فقد لغوت قالوا هذا الحديث بدلالة النص يمنع عن الصلاة وتحية المسجد لان المنع عن الأمر بالمعروف وهو أعلى من سنة الجمعة وتحية المسجد منع عنهما بالطريق الأعلى واولى ويرد عليه ان الأمر بالمعروف ان كان ذلك المعروف امرا واجبا فهو اولى من السنة واما إذا كان المعروف مستحبا فليس اولى من السنة والسكوت حين استماع الخطبة غير واجب عند الشافعي فكيف يحتج عليه بدلالة النص وللجمهور حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله - ﷺ - إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين ويتجوز فيهما متفق عليه وفى لفظ مسلم جاء سليك العطفانى يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب فجلس فقال له يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما وفى الباب عن ابى سعيد لابن حبان وغيره واخرج الطبراني عن ابى ذر انه اتى رسول الله - ﷺ - وهو يخطب فقعد فقال رسول الله - ﷺ - هل ركعت فقال لا قال قم فاركع ركعتين وأجاب ابن همام بان الدار قطنى روى فى سننه عن انس قال رجل دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - يخطب فقال له النبي - ﷺ - قم فاركع ركعتين وامسك عن الخطبة حتى فرغ عن صلوته ثم قال أسنده عبيد بن محمد العبدى قولهم فبه ثم اخرج عن احمد بن حنبل ثنا معتمر عن أبيه قال جاء رجل الحديث وفيه ثم انتظروه حتى صلى قال وهذا المرسل وهو الصواب قال ابن همام والمرسل حجة قلت لو صح المرسل فهو واقعة حال لا يعارض اطلاق قوله - ﷺ - إذا جاء أحدكم والامام يخطب فليركع وايضا لا يجوز الصلاة عند ابى حنيفة رح بعد خروج الامام مطلقا ولو بعد الفراغ عن الخطبة فعلى تقدير الصلاة حين سكت رسول الله صامم ايضا لا يطابق الحديث مذهب ابى حنيفة رح والله تعالى اعلم (مسئله) اتفقوا على انه لا يجوز الجمعة فى الصحراء الا عند ابى حنيفة رح فى فناء المصر قال حيث له حكم المصر وعلى ان الجماعة شرط فى الجمعة وذلك ماخوذ من لفظ الجمعة واختلفوا فى موضع يقام فيه الجمعة وفى عدد الجماعة الذين ينعقد بهم الجمعة فقال الشافعي واحمد واسحق كل قرية استوطنها أربعون رجلا أحرارا عاقلين بالغين لا يظعنون عنها شيئا ولا ضيفا الا ظعن حاجة يجب عليهم اقامة الجمعة ولا تنعقد الجمعة باقل من أربعين رجلا على هذه الصفة وقال مالك القرية إذا كانت بيوتها متصلة وفيها مسجد وسوق يجب فيها الجمعة ويعتبر فى انعقاد الجمعة عدد الغبراء بهم قرية عادة وقال ابو حنيفة رح لا يصح الجمعة الا فى مصر جامع والمصر هو كل بلد فيها سكك وأسواق ولها رساتيق ووال ينصف المظلوم من الظالم اى بقيد على الانصاف وان كان جابر او عالم يرجع اليه فى الحوادث وقيل ما لا يسع اكبر مساجده اهله مصر والحجة لاشتراط المصر رواه ابن ابى شيبة موقوفا عن على رض لا جمعة ولا تشريق ولا صلوة فطر ولا اضحى الا فى مصر جامع او مدينة عظيمة صححه ابن حزم وضعفه احمد ويمكن الاحتجاج لاشتراط المصر وعدم جوازه فى القرى ان اهل العوالي كانوا يصلون الجمعة مع النبي - ﷺ - كما فى الصحيح واهل قبا كانوا يصلون معه كذا روى ابن ماجة وابن خزيمة واخرج الترمذي من طريق رجل من اهل قبا من لبيه قال أمرنا النبي - ﷺ - ان نشهد الجمعة من قباء روى البيهقي ان اهل ذى الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة ولم ينقل عن الصحابة انهم حين فتحوا البلاد واستغلوا بنصب المنابر والجمع الا فى الأمصار دون القرى ولو كان لنقل وصلوته - ﷺ - أول جمعة فى بنى عمرو بن سليم يدل على جواز الجمعة فى قرية قريبة من المصر كما يجوز ان يصلى الجمعة فى اى ناحية من نواحى المصر فكذا يجوز فى فناء المصر والله تعالى اعلم ومحصل الكلام ان قوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله ليس على إطلاقه اجماعا حيث لا يجوز فى البراري ولا فى كل قرية بل فى بعضها فقدره شافعى رح وغيره وقرية مخصوصة كما ذكرنا وقدر ابو حنيفة بالمصر والمصر أخص فاذا صلى الجمعة فى المصر صح الجمعة وسقط الظهر عن الذمة اجماعا وإذا صلى فى قربة دون المصر يقع الشك فى صحة الجمعة ووجوبها وسقوط الظهر فلا يجب الجمعة بالشك ولا بسقط الظهر الثابت فى الذمة يقينا بالشك والله اعلم وما روى الطبراني وابن عدى عنه - ﷺ - انه قال الجمعة واجبة على كل قرية فيها امام وان لم يكونوا الا اربعة وفى رواية الا ثلثة فليس مما يجوز به الاحتجاج لانه من رواية الحكم بن عبد الله ومن رواية الوليد بن محمد كلاهما عن الزهري عن أم عبد الله الدوسية قال الدار قطنى لا يصح هذا عن الزهري وكل من رواه عنه متروك الوليد والحكم متروكان قال احمد أحاديث الحكم كلها موضوعة وفى سند الحكم مسلمة بن على قال يحيى ليس بشئ وقال النسائي متروك وكذا حديث جابر ابن عبد الله مضت السنة ان فى كل أربعين فما فوق ذلك جمعة واضحى وفطر فى سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن قال احمد اضرب على أحاديثه فانها كذب او قال موضوعة وكذا حديث ابى امامة الجمعة على خمسين رجلا وليس على ما دون الخمسين جمعة رواه الطبراني وفى اسناده جعفر بن الزبير وهو متروك وهيياج من نظام وهو متروك ايضا ورواه البيهقي وفى سنده النحاش وهو واه ايضا واما حديث ابن عباس أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله - ﷺ - بجواثا قرية بالبحرين رواه البخاري فلا يدل على جواز الجمعة فى كل قرية فان اسم القرية يشتمل المصر وغيره قال الله تعالى لولا انزل هذا القران على رجل من القريتين عظيم يعنى مكة وطائف ولا شك ان مكة مصر وفى الصحاح ان جواثا حصن بالبحرين فهى مصر إذ لا يخلو الحصن عن حاكم عليهم وعالم وفى المبسوط انها مدينة بالبحرين ولما لم يروا عددا معينا للجماعة شرطا للجمعة فى حديث صالح للاحتجاج قال الحسن وابو ثور تنعقد الجمعة باثنين لان اثنين فما فوقه جماعة وقال ابو يوسف ومحمد والأوزاعي ينعقد بثلاثة إذا كان فيهم دال وقال ابو حنيفة رح اربعة لان قوله تعالى فاسعوا يقتضى ثلثة وقوله الى ذكر الله يقتضى ذاكرا فذلك اربعة قلت وهذا الاستدلال غير صحيح فان صيغة الجمع انما هو لكون الخطاب عامة لا لاشتراط عدد الجماعة وإلا لزم اشتراط الجماعة فى جميع المأمورات بقوله تعالى واقيموا الصلاة وأتوا الزكوة ونحو ذلك ويمكن ان يقال لا بد فى الجمعة فوق جماعة سائر الصلوات لاشتراط الجماعة فيها ولدلالة لفظ الجمعة عليه ولذا قيل الجمعة جامعة للجماعات واولى الجماعات فى الصلاة اثنان فلا بد ان يكون فى الجمعة ثلثة كما قال ابو يوسف رح ولما كان عند ابى حنيفة الجماعة شرطا والامام اخر قال لا بد ان يكون ثلثة سوى الامام والله تعالى اعلم (مسئله) الوالي او اذنه شرط بصحة الجمعة عند ابى حنيفة رح خلافا لمالك والشافعي واحمد وليس على اشتراط السلطان او اذنه دليلا يعتمد عليه وقد روى مالك رح والشافعي رح عنه وابن حبان بسنده الى ابى عبيدة مولى بنى نظير قال شهدت العيد مع على وعثمان محصور قال الحافظ ابن حجران مدة الحصار كانت أربعون يوما وكان يصلى بهم تارة طلحة وتارة عبد الرحمن ابن عديس وتارة غيرهما قال ابن همام هذا وقعة حال فيجوز كونه عن اذنه كما يجوز كونه بغير اذنه فلا حجة فيه لفريق فيبقى قوله - ﷺ - من تركها وله امام جائرا وعادل الا فلا جمع الله شمله ولا بارك له فى امره الا ولا صلوة له رواه ابن ماجة وغيره حيث شرط فى لزومها الامام كما يفيده قيد الجملة الواقعة حالا قلت هذا حديث رواه ابن ماجة عن جابر مرفوعا وفيه عبد الله العدوى وهو واه وأخرجه البزار من وجه اخر وفيه على بن زيد بن الجدعان قال الدار قطنى ان الطريقين كلاهما غير ثابت وقال ابن عبد البر هذا الحديث واهي الاسناد (مسئله) وقت الظهر شرط لاداء الجمعة عند الجمهور لانها تنوب عن الظهر ويسقط فريضة الظهر بأداء الجمعة فلا يجب ما لم يجب الظهر وما لم يجب لا يقع من الفرض وقال احمد يجوز الجمعة قبل الزوال لحديث سهل بن سعد قال ما كنا نتغدى ولا تقيل الا بعد الجمعة وحديث سلمة بن اكوع كنا نصلى مع رسول الله - ﷺ - الجمعة ثم نرجع فلا نجد للحيطان فيئا نستظل الحديثان فى الصحيحين وحديث انس بن مالك قال كنا نصلى مع رسول الله - ﷺ - الجمعة ثم نرجع للقايلة رواه البخاري والجواب ان نفى التغدي لا يستلزم كون الجمعة قبل الزوال والاستثناء مبنى على المجاز والمعنى لا نجد للحيطان فيئا نستظل عدم طول الظل بحيث يمشى فيه الراكب والماشي وذلك لا يكون فى أول الوقت ولنا من الأحاديث ما ذكرنا سابقا ان النبي - ﷺ - كتب الى مصعب بن عمير اما بعد فانظر اليوم الذي يجهر فيه اليهود بالزبور فاجمعوا نساءكم وابناءكم فاذا مال النهار عن نظره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا الى الله بركعتين حديث انس ان النبي - ﷺ - كان يصلى الجمعة حين يميل الشمس رواه البخاري والترمذي وقال صحيح وحديث جابر بن عبد الله قال كنا نصلى الجمعة ثم تذهب الى حجالنا حين تزول الشمس رواه مسلم وحديث سلمة بن الأكوع كنا نجمع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس الحديث رواه مسلم وعن يوسف بن مالك قال قدم معاذ بن جبل على اهل مكة وهم يصلون الجمعة والفيء فى الحجر فقال لا تصلوا حتى تفئ الكعبة من وجهها رواه الشافعي (مسئله) لو شرع الجمعة فى الوقت وحدها حتى خرج الوقت أتمها ظهرا عند الشافعي رح وقال ابو حنيفة رح يبطل صلوته ويبتدى بالظهر لان الجمعة غير الظهر لا يجوز بناء أحدهما على الاخر وسقوط الظهر بالجمعة يثبت على خلاف القياس فيراعى فيه جميع ما ورد ومنها الوقت وقال مالك رح إذا لم يصل الجمعة حتى دخل وقت العصر صلى فيه الجمعة ما لم تغرب الشمس وان كان لا يفرغ الا بعد غروبها وهو قول احمد ومذهب مالك مبنى على وقت الضروري للظهر الى غروب الشمس كالعصر- (مسئله) يشترط عند ابى حنيفة رح لاداء الجمعة الاذن العام حتى لو ان واليا اغلق باب بلد وجمع بحشمه ومنع الناس من الدخول لا يصح الجمعة عنده خلافا لجمهور العلماء احتج ابن همام فى هذه المسألة باشارة قوله تعالى نودى للصلوة فان النداء يقتضى الاذن وهذا الاستدلال ضعيف فانه تعالى جعل النداء سببا لوجوب السعى الى الجمعة ولا يلزم منه كون النداء شرطا لادائها كما ان قوله تعالى إذا قرئ القران فاستمعوا له وانصتوا يدل على وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القران لا على كون الاستماع والإنصات شرطا لجواز القراءة حتى لا يجوز قراءة الامام فى الصلاة والخطبة ان قرأ المقتدى والله تعالى اعلم قلت ويمكن الاستدلال على اشتراط الإعلان والاذن العام بما مران النبي - ﷺ - كتب الى مصعب بن عمير ليصلى بالناس الجمعة فى المدينة ولم يصل بنفسه الكريمة بمكة مع إمكان صلوته الجمعة بأصحابه فى بيته فذلك دليل على ان الإعلان والاذن العام شرط لاداء الجمعة ولم يكن ذلك مقدورا بمكة والله تعالى اعلم (مسئله) من كان مقيما فى قرية لا يقام فيها الجمعة او فى برية هل يجب عليهم حضور الجمعة بالمصر قال ابو حنيفة رح ومحمد رح لا يجب عليه الجمعة مطلقا وقال ابو يوسف رح والشافعي رح واحمد رح واسحق رح ان كان يبلغهم نداء مؤذن جهورى الصوت يوذن فى وقت تكون الأصوات هادنة والرياح يجب عليهم حضور الجمعة كذا قال مالك رح لكن حده بفرسخ وربيعة باربعة أميال وقال ابن همام قال بعض العلماء قدر ميل وقيل قدر ميلين ولم يجده الشافعي رح وعن احمد فى التحديد نحو قولهما والحجة بهذا القول عموم قوله تعالى إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا وقوله عليه السلام انما الجمعة على من سمع النداء رواه ابو داود وغيره من عبد الله بن عمرو فى رواية بلفظ الجمعة على من سمع النداء وقال سعيد بن المسيب يجب الجمعة على من اواه الليل وقال الزهري يجب على من كان على ستة أميال وهى رواية عن مالك وفى رواية عن ابى يوسف يجب على ثلثة فراسخ قال فى البدائع هذا حسن ولعل هذين القولين تحديد لمن اواه الليل فانه من كان على ستة أميال او تسعة كان ذهابه ومجيئه اثنا عشرا وثمانية عشر ميلا وذلك مرحلة فان اثنى عشر ميلا ادنى المراحل غالبا وثمانية عشر أكثرهما والحجة لهذا القول حديث ابى هريرة عن النبي - ﷺ - الجمعة على من اواه الليل الى اهله رواه الترمذي والحديث غير قابل للاحتجاج قال احمد لما سمع هذا الحديث استغفر ربك وفى سنده حجاج بن نصير قال ابو حاتم الرازي تركوا حديثه يروى عن معارك بن عباد وقال ابو حاتم أحاديثه منكرة وقال ابو درعة واهي الحديث يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري قال يحيى بن سعيد الشيباني كذبه فى مجلس وقال يحيى بن معين ليس بشئ لا يكتب حديثه والاحتجاج على وجوب الجمعة على من سمع النداء وعلى من اواه الليل بصلوة اهل العوالي مع النبي - ﷺ - وصلوة اهل قبا معه كما ذكرنا وبما روى البيهقي ان اهل ذى الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة لا يجوز لانه لا يدل على وجوب الجمعة عليهم والظاهر انهم كانوا يجمعون مع النبي - ﷺ - إحراز الفضيلة من غير وجوب واماما رواه الترمذي من طريق رجل من اهل قبا عن أبيه وكان من الصحابة قال أمرنا النبي - ﷺ - ان نشهد الجمعة من قبا ففيه رجل مجهول (مسئله) إذا وقع العيد يوم الجمعة قال احمد اخر حضور صلوة العيد عنا الجمعة ويصلون الظهر وقال عطاء يسقط الجمعة والظهر معا فى ذلك اليوم فلا صلوة بعد العيد الا العصر والأصح عند الشافعي رح ان من حضر العيد من اهل القرى جاز لهم ان ينصرفوا بعد العيد ويتركوا الجمعة واما اهل البد وفلا يسقط عنهم الجمعة وقال ابو حنيفة رح ومالك لا يسقط الجمعة بصلوة العيد عمن وجب عليه الجمعة أصلا واحتج احمد بحديث زيد بن أرقم قال رسول الله - ﷺ - العيد أول النهار ثم رخص فى الجمعة ثم قال من شاء ان يجمع الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع لا يجوز ان يسقط بحديث احاد وكيف ينوب النافلة عن الفريضة وفى الباب عن ابن عمر اجتمع عيد ان على عهد رسول الله - ﷺ - فصلى بالناس ثم قال من شاء ان يأتي الجمعة فلياتها ومن شاء ان يتخلف فليتخلف وفيه مبدل بن على ضعيف وقبازة بن المفلس قال يحيى بن معين كذاب وحديث ابى هريرة نحوه وفيه بقية مدلس روى الحديثين ابن الجوزي (مسئله) من كان من اهل الجمعة وأراد السفر بعد الزوال لم يجز له الخروج الا إذا تمكن الجمعة فى طريقه او يتضرر تخلفه عن الرفقة وقبل الزوال جاز له السفر عند ابى حنيفة رح ومالك رح وقال الشافعي رح لا يجوز مطلقا وقال احمد رح لا يجوز الا ان يكون سفر جهاد واحتج من قال بعدم الجواز بحديث ابن عمر مرفوعا من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملئكة ان لا يصحب فى سفره وفيه ابن بهيعة ضعيف واحتج من جواز السفر لمن أراد الغزو بحديث ابن عباس انه - ﷺ - بعث عبد الله بن رواحة فى سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وتخلف هو ليصلى ويلحقهم فلما صلى قال له رسول الله - ﷺ - ما خلفك قال أردت ان أصلي معك وألحقهم فقال لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم رواه احمد والترمذي وأعله الترمذي بالانقطاع وقال البيهقي انفرد به الحجاج ابن ارطاة وهو ضعيف واحتج من قال بالجواز بما روى ابو داود فى المراسيل عن الزهري انه أراد ان يسافر يوم الجمعة ضحوة فقيل له فى ذلك فقال ان النبي - ﷺ - سافر يوم الجمعة وروى الشافعي من عمر انه راى رجلا عليه هيئة السفر فسمعه يقول لولا ان اليوم يوم الجمعة لخرجت فقال له عمر اخرج فان الجمعة لا يحبس عن سفر وروى سعيد بن منصور ان أبا عبيد بن الجراح سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة قال ابو حنيفة رح الجمعة يجب بعد الزوال فلا يجوز الخروج بعد الوجوب ويجوز قبله يدل على ذلك حديث الزهري وابن عمرو الله تعالى اعلم (مسئله) لا يجوز فى بلدة وان عظم اكثر من جمعة واحده عند ابى حنيفة رح وبه قال الطحاوي رح وهو مذهب مالك رح والقول القديم للشافعى رح وكذا روى اصحاب الافلاء عن ابى يوسف رح انه لا يجوز فى مصر الا ان يكون فيه نهر كبير حتى يكون كمصرين ولذا كان يأمر بقطع الجسر تبعدا فان لم يكن فالجمعة لمن سبق فان صلوا معا فسدتا وعنه انه يجوز فى موضعين إذا كان المصر عظيما لا فى ثلثة وقال احمد إذا عظم البلد وكثر اهله كبغداد جاز فيه جمعتان وان لم يكن بهم حاجة الى اكثر من جمعة لم يجز وقيل ان البغداد كان فى الأصل قرى متفرقة فى كل قرية جمعة ثم اتصلت العمارة بينها فبقيت الجمعة على حالها والراجح المتأخر من اقوال الشافعي رح ان البلد إذ اكبر وعسر اجتماع اهله فى موضع واحد جاز اقامة جمعة اخرى بل يجوز التعدد بحسب الحاجة وعن محمد بن الحسن انه يجوز تعددها مطلقا ورواه عن ابى حنيفة رح قال السرخسي رح الصحيح من مذهب ابى حنيفة رح جواز إقامتها فى مصر واحد فى مسجدين واكثر قال ابن همام وبه ناخذ لاطلاق لا جمعة الا فى مصر شرط المصر فاذا تحقق تحقق فى كل ناحية منها وجه رواية المنع انها سميت جمعة لاستدعائها استجماع الجماعات فهى جامعة لها قال الأثرم لاحمد اجمع جمعتين فى مصر قال لا اعلم أحدا فعله قال ابن المنذر لم يختلف الناس ان الجمعة لم يكن تصلى فى عهد النبي - ﷺ - وفى عهد الخلفاء الراشدين الا فى مسجد النبي - ﷺ - وفى تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم فى مسجد واحد من البيان بان الجمعة خلاف ساير الصلوات وانه لا يصلى الا فى مكان واحد ولا اعلم أحدا قال بتعدد الجمعة غير عطاء وذكر الخطيب فى تاريخ بغداد ان أول جمعة أحدثت فى الإسلام فى بلد مع قيام الجمعة القديمة فى ايام المعتم فى دار الخلافة من غير بناء مسجد لاقامة الجمعة وسبب ذلك خشية الخلفاء على أنفسهم فى المسجد العام وذلك فى سنة ثمانين ومائتين ثم بنى فى ايام المكتفي مسجد فجمعوا فيه وذكر ابن عساكر فى تاريخ دمشق ان عمر كتب الى ابى موسى والى عمرو بن العاص والى سعد بن ابى وقاص ان يتخذوا مسجدا جامعا ومساجد للقبائل فاذا كان يوم الجمعة انضموا الى المسجد الجامع فشهد الجمعة (فائدة) قال ابن همام إذا اشتبه على الناس وجود شرائط الجمعة ينبغى ان يصلى أربعا بعد الجمعة ينوى بها اخر فرض ظهر أدركت وقته ولم أود بعد فان لم يصح الجمعة وقعت ظهره فرضا وان صحت كانت نفلا (باب) ما ورد من الاخبار فى سنن الجمعة وفى ساعة الجمعة (مسئله) غسل يوم الجمعة سنة وحكى عن مالك وداود انه واجب لحديث ابى سعيد الخدري ان رسول الله - ﷺ - قال غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه وحديث ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - إذا جاء أحدكم الى الجمعة فليغتسل متفق عليه والحديث مشهور بل متواتر عد ابو القاسم بن مندة من رواه عن نافع عن ابن عمر فبلغوا فوق ثلاثمائة وعد من رواه عن ابن عمر فبلغوا اربعة عشر صحابيا وأجيب بان الأمر للاستحباب ومعنى الوجوب اللزوم على وجه السنة بقرينة اقترانه بما لا يجب فيما رواه احمد من حديث ابى سعيد مرفوعا ان الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك وان يمس من الطيب ما يقدر عليه وفى الصحيحين عن عائشة كان الناس عمال أنفسهم فكانوا يروحون كهيئتهم فقيل لهم لو اغتسلوا والدليل على عدم وجوب الغسل حديث الحسن عن سمرة قال قال رسول الله - ﷺ - من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فذلك أفضل رواه احمد واصحاب السنن وابن خزيمة وقال الترمذي حديث حسن ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلا وحديث ابى هريرة مرفوعا من توضأ فاحسن الوضوء ثم اتى الجمعة فاستمع وانصت غفر له ما بين الجمعة الى الجمعة وزيادة ثلثة ايام رواه مسلم ولا شك ان الأحاديث الدالة على عدم الوجوب ليست فى القوة مثل أحاديث الوجوب لكن عمل الصحابة واجماع الامة على عدم الوجوب يثبت ان أحاديث الوجوب اما منسوخة او ماولة روى الشيخان فى الصحيحين عن ابن عمران عمر بينما هو قائم فى الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين فناداه عمر اية ساعة هذه قال انى شغلت فلم انقلب الى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على ان توضأت فقال والوضوء ايضا وقد علمت ان رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل قال ابن الجوزي والرجل عثمان ولم ينكر عمر على عثمان فى ترك الغسل ولم ينكر أحد فظهر ان الغسل سنة ليس بواجب وأحاديث التي يحتج بها للوجوب ماولة وليست بمنسوخة ولو كانت منسوخة لم يقل عمران رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل فان المنسوخ لا يحتج به فظهر ان الأمر للاستحباب والسنية والله تعالى اعلم (مسئله) سن يوم الجمعة اربع ركعات قبل الجمعة واربع بعدها عند ابى حنيفة رح وقال ابو يوسف رح بعدها ست ركعات ومحمد قيل مع ابى يوسف ولا دليل على اربع قبل الجمعة الا عموم انه كان - ﷺ - يصلى إذا زالت الشمس أربعا ويقول هذه الساعة يفتح فيها أبواب السموات فاحب ان يصعد لى فيها عمل صالح رواه ابن ماجة عن ابى يوسف بإسناد حسن والقياس على الظهر وقد صح انه - ﷺ - كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة رواه البخاري وابو داود والنسائي عن عائشة واما الصلاة بعد الجمعة فقد صح عن ابن عمران النبي - ﷺ - كان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين فى بيته رواه مالك والشيخان فى الصحيحين وابو داود والنسائي وفى سنن ابى داود عن ابن عمر انه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم يتقدم فيصلى أربعا وإذا كان بالمدينة فصلى الجمعة ثم رجع الى بيته فصلى ركعتين فقيل له كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك قال ابن همام فالظاهر ان السنة سنة غير ان ابن عمر لم يعلم كل ما كان يفعله النبي - ﷺ - بمكة فاذا كان مسافرا كان يصليها فى المسجد فيعلم ابن عمرو به قال ابو يوسف رح وابو حنيفة رح أخذا بما روى عن ابن مسعود انه كان يصلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا قاله الترمذي فى الجامع واليه ذهب ابن المبارك والثوري وفى صحيح مسلم عن ابى هريرة عن النبي - ﷺ - إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها اربع ركعات والله تعالى اعلم (مسئله) عن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - قال من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب ان كان عنده ولبس من احسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله ان يركع فانصت إذا خرج الامام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها رواه ابو داود ورواه البغوي وقال قال ابو هريرة وزيادة ثلثة ايام لان الله تعالى يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وروى البخاري نحوه عن سلمان بغير زيادة ثلثة ايام وعن أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الامام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة اجر صيامها وقيامها رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الاول فالاول فاذا خرج الامام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجر الى الصلاة كالمهدى بدنة ثم الذي يليه كالمهدى بقرة ثم الذي يليه كالمهدى كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة رواه البغوي وفى الصحيحين نحوه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ادخل الجنة وفيه اخرج منها ولا تقوم الساعة الا فى يوم الجمعة رواه مسلم وعنه قال قال رسول الله - ﷺ - ان فى الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسال الله فيها خيرا الا أعطاه إياه متفق عليه وزاد مسلم قال وهى ساعة خفيفة وفى رواية لهما قال ان فى الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلى يسال الله خيرا فيها الا أعطاه إياه وعن ابى موسى الأشعري قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فى شان ساعة الجمعة هى ما بين ان يجلس الامام الى ان يقضى الصلاة رواه مسلم وعن ابى هريرة قال خرجت الى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثنى عن التورية وحدثته عن رسول الله - ﷺ - فكان مما حدثته ان قلت قال رسول الله - ﷺ - خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه اهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة الا وهى مصيحة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة الا الجن والانس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى يسأل الله شيئا الا أعطاه إياه قال كعب ذلك فى كل سنة يوم فقلت بل فى كل جمعة فقرأ كعب التورية فقال صدق رسول الله - ﷺ - قال ابو هريرة فلقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسى مع كعب الأحبار وما حدثته فى يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك فى كل سنة قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت له ثم قرأ كعب التورية فقال هى فى كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت اية ساعة هى قال ابو هريرة فقلت أخبرني ولا تضن على فقال عبد الله بن سلام هى اخر ساعة فى يوم الجمعة قال ابو هريرة فقلت له وكيف يكون اخر ساعة فى يوم الجمعة وقال رسول الله - ﷺ - لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى فيها وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام الم يقل رسول الله - ﷺ - من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو فى صلوة حتى يصلى قال ابو هريرة فقلت بلى قال فهو ذاك رواه مالك وابو داود والترمذي والنسائي وعن أوس بن أوس قال قال رسول الله - ﷺ - أن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فاكثروا على من الصلاة فان صلوتكم معروضة على قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلوتنا عليك وقد رمت قال ان الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والبيهقي وعن ابى لبابة عن ابن المنذر قال قال النبي - ﷺ - ان يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله آدم واهبط الله فيه آدم الى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا الا أعطاه ما لم يسال حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولاسماء ولا ارض ولا رياح ولا جبال ولا بحير الا وهى مشفق من يوم الجمعة رواه ابن ماجة وروى احمد عن سعد بن معاذ ان رجلا من الأنصار اتى النبي - ﷺ - فقال أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير قال فيه خمس خلال وساق الى اخر الحديث وعن ابى هريرة قال قيل لاى شىء سمى الجمعة قال ان فيها طبقت طينة أبيك أدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفى آخرها ثلث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له رواه احمد وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله - ﷺ - أكثروا الصلاة علىّ يوم الجمعة فانه مشهود يشهده الملائكة وان أحدا لم يصل علىّ الا عرضت علىّ صلوته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت قال ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء فبنى الله حى يرزق رواه ابن ماجة وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله - ﷺ - ما من مسلم يموت يوم الجمعة او ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر رواه احمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وليس اسناده بمتصل وعن انس قال كان رسول الله - ﷺ - يقول ليلة الجمعة ليلة أغر ويوم الجمعة يوم أزهر رواه البيهقي فى الدعوات الكبير (فائدة) ذكر الحافظ ابن حجر فى فتح الباري فى ساعة الجمعة بضعة وأربعين قولا واختار الجزري صاحب الحصن منها ما رواه مسلم من حديث ابى موسى هى ما بين ان يخرج الامام الى ان يقضى الصلاة واختار اكثر العلماء ما ذكر من حديث ابى هريرة عن عبد الله بن سلام هى اخر ساعة من يوم الجمعة

الجمعة 62:10

وكذا روى النسائي وغيره من حديث جابر التمسوها اخر ساعة بعد العصر قال البيهقي كان النبي - ﷺ - يعلم هذه الساعة بعينها ثم انسيها كما انسى ليلة القدر روى ذلك ابن خزيمة فى صحيحه عن ابى سعيد قال سالنا عنها النبي - ﷺ - فقال انى علمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر قال الأثرم لا يخلو هذه الأحاديث من أحد وجهين اما ان يكون بعضها أصح من بعض واما ان يكون هذه الساعة منتقلة فى الأوقات المذكورة كما تنتقل ليلة القدر فى ليالى العشر الأخير قلت ويمكن الجمع بين حديثى ابى موسى وعبد الله بن سلام بان عبد الله بن سلام كان يحكى عن التورية ولم يكن فى زمن موسى عليه السلام يصلى صلوة الجمعة بل كانوا يعظمون السبت ويصلون فيه فاذا لم يصل صلوة الجمعة فى قرية او بادية فالساعة فى حقهم اخر ساعة من الجمعة وإذا يصلى صلوة الجمعة فالساعة فى حقهم ساعة الصلاة كما يدل عليه حديث ابى موسى وليس غير هذين القولين قولا له سند معتمد عليه والله تعالى اعلم (فصل) عن ابى هريرة انه صلى الله تعالى عليه واله وسلم كان يقرأ فى الركعة الاولى من صلوة الجمعة سورة الجمعة وفى الركعة الثانية سورة المنافقين رواه مسلم وعن النعمان بن بشير قال كان النبي - ﷺ - يقرأ فى العيدين وفى الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية وربما اجتمعا فى يوم واحد فيقرء بهما رواه مسلم ولابى داود والنسائي وابن حبان من حديث سمرة انه - ﷺ - كان يقرأ فى صلوة الجمعة سبح اسم وهل أتاك حديث الغاشية وروى البغوي انه سئل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة على اثر سورة الجمعة فقال كان يقرأ هل أتاك حديث الغاشية وعن ابى سعيد مرفوعا من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين وله شاهد من حديث ابن عمر فى تفسير ابن مردوية (فصل) عن جابر مرفوعا لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه فى مقعده ولكن ليقل افسحوا رواه مسلم عن أرقم بن أرقم مرفوعا الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الامام كالجار فصيه رواه البيهقي وعن عبد الله بن عمر من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهر رواه ابو داود. فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ اى أديت صلوة الجمعة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ اى الرزق امر اباحة بعد المنع لاجل الصلاة قال ابن عباس ان شئت فاخرج وان شئت فاقعد وان شئت فصل الى العصر وقيل فانتشروا فى الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ فى الله أخرجه ابن جرير من حديث انس مرفوعا وابن مردوية عن ابن عباس موقوفا

الجمعة 62:11

وقال البغوي قال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم فعلى هذه الأقوال الأمر للاستحباب وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً فى مجامع أحوالكم ولا تحصوا ذكره بالصلوة عن عمر بن الخطاب ان رسول الله - ﷺ - قال من دخل السوق فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحى ويميت وهو حى لا يموت بيده الخير وهو على كل شىء قد يركتب الله له الف الف حسنة ومحى عنه الف الف سيئة ورفع له الف الف درجة رواه الترمذي وقال غريب رواته ثقات الا أزهر بن سنان ففيه خلاف وعن عصمة قال قال رسول الله - ﷺ - أحب الأعمال الى الله سبحانه الحديث وابغض الأعمال الى الله التحريف قلنا يا رسول الله ما سبحانه قال يكون القوم يتحدثون والرجل يسبح قلنا يا رسول الله وما التحريف قال القوم يكونوا بخير فيسالهم الجار والصاحب فيقولون نحن بشر رواه الطبراني لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى لكى تفلحوا بخير الدارين اخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله قال كان النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة إذا قبلت عير قد قدمت فخرجوا إليها حتى لم يبق الا اثنا عشر رجلا وقال ابن عباس فى رواية الكلبي لم يبق فى المسجد الا ثمانية رهط وفى صحيح ابى عوانة ان جابرا قال كنت فيمن بقي رواه الدار قطنى بلفظ فلم يبق الا أربعون رجلا واسناده ضعيف تفرد به على بن عاصم وخالف اصحاب حصين فيه وروى العقيلي من حديث جابر ايضا وزاد كان من الباقين ابو بكر وعمر وعثمن وعلى وطلحة والزبير وسعد وسعيد وابو عبيدة او عمار الشك من اسد بن عمر الراوي وبلال وابن مسعود وهؤلاء أحد عشر رجلا وجابر ثانى عشر فانزل الله تعالى. وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا اى تفرقوا إِلَيْها الجملة الشرطية معطوفة على الشرطية السابقة وفيها التفات من الخطاب الى الغيبة أفرد الضمير للتجارة برد الكناية إليها لانها المقصود فان المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير والترديد للدلالة على ان منهم من انفض لمجرد سماع ورويته واخرج ابن جرير عن جابر ايضا قال كان الجواري إذا نكحوا كانوا يموون بالكبر والمزامير ويتركون النبي - ﷺ - قائما على المنبر فينفضون إليها فنزلت قال صاحب لباب النقول فكانها نزلت فى الامرين معا قال ثم رايت ابن المنذر أخرجه عن جابر بقصة النكاح وقدوم العير معا من طريق واحد وانها نزلت فى الامرين فلله الحمد وعلى هذا فالوجه لافراد الضمير راجعا الى التجارة للدلالة على ان الانفضاض الى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما كان الانفضاض الى اللهو أول بذلك وقيل تقديره إذا راوا تجارة انفضوا إليها وإذا راوا لهوا انفضوا اليه وقال الحسن وابو مالك أصاب اهل المدينة جوع وغلا سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة فلما راوه قاموا اليه بالبقيع خشوا ان يسبقوا اليه فلم يبق مع النبي - ﷺ - الارهط منهم ابو بكر وعمر رض فنزلت هذه الاية فقال رسول الله - ﷺ - والذي نفس محمد بيده لو نتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد سال بكم الوادي نارا وقال مقاتل بينا رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة إذ اقبل دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة فكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق الا أتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج اليه من دقيق ويرو غيره فنزل عند أحجار الزيت وهو مكان من سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج اليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل ان يسلم ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر يخطب فخرج اليه الناس فلم يبق فى المسجد الا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال رسول الله - ﷺ - كم بقي فى المسجد فقالوا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي - ﷺ - لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء فانزل الله هذه الاية وأراد باللهو الطبل قيل كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق وَتَرَكُوكَ قائِماً تخطب كذا صرح مسلم فى رواية انهم انفضوا وهو يخطب ورجحه البيهقي على رواية من روى وهو يصلى يجمع بينهما بان يراد من قال وهو يصلى يخطب مجازا وقد مر فيما سبق حديث كعب بن عجرة وقال علقمة سئل عبد الله كان النبي - ﷺ - قائما او قاعدا قال اما تقرأ وتركوك قائما وفى قصة انفضاض الناس فى حالة الخطبة وبقاء اثنى عشر رجلا دليل على جواز الجمعة باقل من أربعين رجلا واحتمال انه - ﷺ - لم يصل بهم الجمعة وصلى الظهر او انهم رجعوا الى النبي - ﷺ - بعد الانفضاض او اجتمع اليه رجال آخرون غيرهم فصلى بهم امر لا يقتضيه سياق القصة ولا دليل عليه ولو كان شىء من الاحتمالات المذكورة لنقل والله تعالى اعلم وليس فى القصة دليل على اشتراط اثنى عشر رجلا كما قال بعضهم كما انه لا دليل فى قصة اسعد بن زرارة انه صلى أول جمعة جمع بأربعين رجلا على اشتراط أربعين رجلا ولا فى صلوته ﷺ فى بنى سالم بن عمرو بماية رجل على اشتراط الماية والله تعالى اعلم (مسئله) لو شرع الامام الصلاة بعدد ينعقد بهم الجمعة على اختلاف الأقوال فذهب منهم واحد ولم يبق ذلك العدد قال ابو حنيفة رح ان ذهب قبل سجود الامام فى الركعة الاولى بطلت الجمعة ويستانف بالظهر وان ذهب بعد سجوده أتمها جمعة وقال مالك ان انفضوا بعد تمام الركعة بسجدتيها أتمها جمعة وقال احمد ان انفضوا بعد إحرام أتمها جمعة وقال الشافعي رح فى أصح أقواله ان بقاء الأربعين الى اخر الصلاة شرط كما ان بقاء الوقت شرط الى اخر الصلاة ولو نقص من الأربعين واحد قبل أن يسلم الامام يجب على الباقين أن يصلوها أربعا ظهرا وفى قول للشافعى أن بقي معه اثنان أتمها جمعة وفى قول له ان بقي واحد أتمها جمعة وعند المزني ان انفضوا بعد ما صلى بهم الامام ركعة أتمها جمعة وان لم يبق مع الامام واحد وان كان فى الركعة الاولى يتمها أربعا ان انتقص من أربعين واحد وقال زفران نفروا قبل القعده بطلت الجمعة واستأنف ظهرا (مسئله) إذا أدرك المسبوق مع الامام شيئا من الصلاة سواء أدرك قعدة او سجدة سهو أتمها جمعة عند ابى حنيفة رح وعند مالك والشافعي واحمد ان أدرك ركعة أدرك الجمعة وأتمها وان أدرك دونها أتمها ظهرا وقال طاؤس لا يدرك الجمعة ما لم يدرك الخطبتين والله تعالى اعلم قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي - ﷺ - خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ فان ذلك محقق قوى محلا بخلاف ما يتوهمون من نفعها وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لانه يوجب الأرزاق فاياه فاسئلوا ومنه اطلبوا (مسئله) يستجب الإجمال فى طلب الرزق والاقتصاد ويكره الحرص وحب المال عن ابى حميدى الساعدي ان رسول الله - ﷺ - قال اجملوا فى طلب الدنيا فان كلكم ميسر لما كتب له رواه الحاكم وابو الشيخ وابن ماجة نحوه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - يا ايها الناس ان الغنى ليس عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس وان الله يؤتى عبده ما كتب له من الرزق فاجملوا فى الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم رواه ابو يعلى وسنده حسن واوله متفق عليه وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله - ﷺ - ان الرزق ليطلب العبد كما يطلب الاجل رواه ابن حبان والبزاز والطبراني ولفظه ان الرزق ليطلب العبد اكثر مما يطلبه وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ - لوفر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه رواه الطبراني فى الأوسط والصغير بسند حسن وعن سعد بن ابى وقاص يقول سمعت رسول الله - ﷺ - يقول خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفى رواه ابو عوانة وابن حبان وعن ابى ذر قال قال رسول الله - ﷺ - من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله فى شىء ومن لم يهتم بالمسلمين فليس منهم ومن اعطى الذلة فى نفسه طايعا غير مكره فليس منا رواه الطبراني وعن كعب بن مالك قال قال رسول الله - ﷺ - ما ذئبان جايعان أرسلا فى غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف رواه الترمذي وصححه هو وابن حبان وعن ابى هريرة ان رسول الله - ﷺ - يقول اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع رواه النسائي وهو عند مسلم والترمذي من حديث زيد بن أرقم عن انس قال قال رسول الله - ﷺ - لو كان لابن آدم واديان من مال لا تبغى إليهما ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب. سورة المنافقون مدنية وهى احدى عشرة اية وفيها ركوعان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج البخاري وغيره عن زيد بن أرقم قال سمعت عبد الله بن ابى يقول لاصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمى فذكر ذلك عمى لرسول الله - ﷺ - فدعانى النبي - ﷺ - فحدثته فارسل رسول الله - ﷺ - الى عبد الله بن ابى وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبنى وصدقه فاصابنى شىء لم يصبنى قط مثله فقال عمى ما أردت الا ان كذبك رسول الله - ﷺ - ومقتك فانزل الله عز وجل إذا جاءك المنافقون فبعث الى رسول الله - ﷺ - فقرأها ثم قال ان الله صدقك وذكر محمد بن اسحق وغيره من اهل السير أن رسول الله - ﷺ - بلغه ان بنى المصطلق يجتمعون لحربه وقايدهم الحارث بن ضرار ابو جويرية زوج النبي - ﷺ - فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - استخلف على المدينة زيد بن الحارثة فيما قال محمد بن عمرو وابن سعد وقال ابن هشام أبا ذر الغفاري وخرج رسول الله - ﷺ - وقاد المسلمون ثلثين فرسا منه عشرة للمهاجرين منهما فرسان لرسول الله - ﷺ - وخرج مع رسول الله - ﷺ - بشر كثير من المنافقين ليصيبوا من عرض الدنيا فلقى رسول الله - ﷺ - بنى المصطلق على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قد يد الى الساحل وتهيا الحارث للحرب فصف رسول الله - ﷺ - عمر بن الخطاب فهادى فى الناس قولوا لا اله الا الله تمتعوا بها أنفسكم وأموالكم ففعل ذلك عمر قالوا فتراموا بالنبل وتزاحف الناس فاقتتلوا فهزم الله سبحانه بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول الله - ﷺ - أبنائهم ونسائهم وأموالهم فافاءها الله عليه فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جبجاه؟؟؟ وسنان بن وبرة الجهني حليف ابن عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا وضرب جهجاه سنانا فسال الدم فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين وأعان جهجاه رجل من المهاجرين يقال له جعال فاقبل جمع من الحنين وشهر السلاح حتى كادت ان يكون فتنة عظيمة فخرج رسول الله - ﷺ - فقال ما بال دعوى الجاهلية فاخبرها بالحال فقال دعوها فانها فتنة اى مذمومة فى الشرع ولينصر الرجل أخاه ظالما كان او مظلوما ان كان ظالما فلينهه فانه ناصر وان كان مظلوما فلينصره ثم ان جماعة من المهاجرين كلموا عبادة بن الصامت وجماعة من الأنصار فكلموا سنانا فترك حقه وكان عبد الله بن ابى بن سلول جالسا وعنده عشرة من المنافقين مالك وسويد وقاعس وو أوس بن قبطى وزيد بن الصلت وعبد الله بن نبيل ومعتب بن قشير وفى القوم زيد بن أرقم رض غلام حديث السن فقال ابن ابى افعلوها فقد نافرونا وتكاثرونا فى بلادنا والله ما مثلنا ومثلهم الا كما قال القائل سمن كلبك يا كلك أنا والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله - ﷺ - ثم اقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بانفسكم اجللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم والله لو امسكتم من جعال ودونه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم وليتحولوا الى غير بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينقضوا من حول محمد فقال زيد بن أرقم رض أنت والله الذليل القليل المبغض فى قومك ومحمد - ﷺ - فى عز من الرحمن ومودة من المسلمين فقال عبد الله بن ابى اسكت فانما كنت العب فمشى زيد بن أرقم الى رسول الله - ﷺ - فاخبره الخبر وكره رسول الله - ﷺ - خبره وتغير وجهه فقال يا غلام لعلك كذبت عليه فقال لا والله يا رسول الله لقد سمعت فقال لعله اخطأ سمعك فقال لا والله يا رسول الله قال لعله شبه عليك قال لا والله يا رسول الله وشاع فى العسكر قول ابن ابى وليس فى الناس حديث الا ما قال ابن ابى وجعل الرهط من الأنصار يلومون الغلام ويقولون عمدت الى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل وقد ظلمت وقطعت الرحم فقال زيد رض والله لقد سمعت ما قال والله ما كان فى الخزرج رجل أحب الى ابى من عبد الله بن ابى ولو سمعت هذه المقالة من ابى لنقلتها الى رسول الله - ﷺ - وانى لا رجو ان ينزل الله على نبيه ما يصدق حديثى فقال عمر بن الخطاب رض دعنى اضرب عنقه يا رسول الله وفى رواية قال عمر مر عباد بن بشيرا وقال محمد بن مسلمة فلياتك راسه قال رسول الله - ﷺ - فكيف يا عمر إذا يحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه ولكن اذن بالرحيل وذلك فى ساعة لم يكن رسول الله - ﷺ - يرتحل فيها فانه كان فى حر شديد ولم يكن يرتحل حتى يبرد ولم يشعر العسكر الا ورسول الله - ﷺ - قد طلع على ناقته القصوى فارتحل الناس وأرسل رسول الله - ﷺ - الى عبد الله بن ابى فاتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني فقال عبد الله والله الذي انزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك وان زيد الكاذب وكان عبد الله فى قومه شريفا عظيما فقال من حضر من الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى ان يكون الغلام او هم فى حديثه ولم يحفظ ما قاله فعذره النبي - ﷺ - وفشت الملامة من الأنصار لزيد رض وكذبوه فقال له عمه وكان زيد معه ما أردت الا ان كذبك رسول الله - ﷺ - والناس ومقتوك وكان زيد بسائر النبي - ﷺ - فاستحى بعد ذلك ان يدنوا من النبي - ﷺ - فلما استقبل رسول الله - ﷺ - وسار فكان أول من لقيه سعد بن عبادة ويقال أسيد بن حضير وبه جزم بن اسحق فقال السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته فقال عليه السلام وعليك ورحمة الله وبركاته قال يا رسول الله قد رحلت فى ساعة منكرة لم تكن نزحل فيها فقال او لم يبلغك ما قال صاحبك قال اى صاحب يا رسول الله قال ابن ابى زعم انه ان رجع الى المدينة اخرج الأعز منها الأذل فقال فانت يا رسول الله تخرجه ان شئت فهو الأذل وأنت أعز والعزة لله ولك وللمؤمنين ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك وان قومه ينظمون له الخرز فما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي فدارب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه فجاء الله بك على هذا الحديث فلا يرى الا ان قد سلبته ملكه وبلغ عبد الله ابن ابى مقالة عمر بن الخطاب فجاء الى رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله ان كنت تريد ان تقتل فيما بلغك عنه فمرنى به فو الله لاحملن إليك راسه قبل ان تقوم من مجلسك هذا والله لقد علمت الخزرج ما كان رجل فيها ابر بوالديه منى وانى لا خشى يا رسول الله ان تامر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى انظر الى قاتل ابى يمشى فى الناس فاقتله فاقتل مومنا بكافر فادخل النار وعفوك أفضل منك وأعظم فقال رسول الله - ﷺ - يا عبد الله ما أردت قتله وما أمرت به ونحسن صحبة ما كان بين أظهرنا فقال عبد الله يا رسول الله ان ابى كانت اهل هذه البحيرة قد اتقوا عليه ليتوجوه عليهم فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك ومعه قوم يطوفون به يذكرون أمورا قد غلب الله تعالى عليهم ثم سار رسول الله - ﷺ - بالناس يومهم ذلك حتى امسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم حتى اذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا ان وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما وانما فعل ذلك ليشغل الناس عما كان من قول ابن ابى ثم راح رسول الله - ﷺ - حتى نزل على ماء بالحجاز فوق البقيع يقال له البقعاء روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال قدم رسول الله - ﷺ - فلما كانت قربت المدينة فهاجت الريح تكاد تدفن الراكب فقال رسول الله - ﷺ - بعثت هذه الريح لموت منافق فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين قال محمد بن عمر ولما اخذتهم الريح قالوا لم تهج هذه الريح الا لامر قد حدث بالمدينة وانما بالمدينة الذراري والصبيان وكان بين النبي - ﷺ - وبن عيينة بن حصين مده وكان ذلك عند انقضائها فقال رسول الله - ﷺ - ليس عليكم منها بأس ما بالمدينة درب إلا ملك يحرسها وما كان يدخلها عدد حتى تأتوها ولكن قد مات الذي بالمدينة منافق عظيم النفاق ولذلك عصفت الريح وكان المنافقين بموته غيظ شديد وهو زيد بن رفاعة بن التابوت مات ذلك اليوم كان كهفا للمنافقين قال محمد بن عمر عن جابر كانت الريح أشد ما كانت قط الى ان زالت الشمس ثم سكنت اخر النهار وذكر اهل المدينة انهم وجدوا مثل ذلك الريح حتى دفن عدو الله ثم سكنت قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن ابى مات مات خليلك الذي من موته فتح للاسلام واهله زيد بن رفاعة بن التابوت قال يا ويلاء كان والله كان قال من أخبرك يا أبا وليد قال رسول الله - ﷺ - أخبرنا انه مات هذه الساعة فسقط فى يديه وانصرف كيبا حزينا قال محمد بن عمر من حديث ابن عمر انه فقدت ناقة رسول الله - ﷺ - القصوى من بين الإبل فجعل المسلمون يطلبونها من كل وجه فقال زيد بن الصلت وكان منافقا وهو فى جماعة والأنصار منهم عبادة ابن بشر بن وقس وأسيد بن حضير فقال اين يذهب هؤلاء فى كل وجه قالوا يطلبون ناقة رسول الله - ﷺ - قد ضلت قال أفلا يخبره الله تعالى بمكانها فانكر عليه القوم فقالوا قاتلك الله يا عدو الله نافقت ثم اقبل عليه أسيد بن حضير فقال فو الله لولا انى لا أدرى ما يوافق رسول الله - ﷺ - من ذلك لانفذت حصك بالرمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا فى نفسك قال خرجت لا طلب عرض الدنيا ولعمرى ان محمدا ليخبرنا بأعظم من شان الناقة يخبر عن امر السماء وتعودوا به جميعا فقالوا والله لا يكون منك سبيل ابدا ولا يظلنا وإياك أظل ابدا ولو علمنا ما فى نفسك ما صبحنا فوثب هاربا منهم ان يقعوا به ونبذوا متاعه فعمد الى رسول الله - ﷺ - فجلس معه فرارا من أصحابه متعوذا به وقد جاء رسول الله - ﷺ - جبرئيل بالوحى فقال رسول الله - ﷺ - والمنافق يسمع ان رجلا من المنافقين قال ألا ضلت ناقة رسول الله - ﷺ - وقال لا يخبر الله بمكانها فلعمرى ان محمدا يخبرنا بأعظم من شان الناقة ولا يعلم الغيب الا الله وان الله سبحانه قد أخبرني بمكانها وانها فى الشعب مقابلكم قد تعلق زمامها بشجرة فاعمدوا نحوها فاتوا بها من حيث قال رسول الله - ﷺ - فلما نظر إليها سقط فى يده فقام سريعا الى رفقائه الذين كانوا معه فاذا رجله منبوذ وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه فقالوا له حين دنى لا تدن منا أكلمكم فدنى فقال أنشدكم الله هل اتى منكم أحد محمدا فاخبره بالذي قلت قالوا لا والله ولا قمنا من مجلسنا قال انى قد وجدت عند القوم ما تكلمت به وتكلم به رسول الله - ﷺ - فاخبرهم عما قال رسول الله - ﷺ - وانى كنت فى شك فى شان محمد فاشهد ان محمدا رسول الله فكانى لم اسلم الا اليوم قالوا له فاذهب الى رسول الله - ﷺ - يستغفر لك فذهب الى رسول الله - ﷺ - واستغفر له واعترف بذنبه ولما انتهى رسول الله ﷺ الى وادي العقيق تقدم عبد الله بن عبد الله بن ابى فجعل يتصفح الركاب حتى مر أبوه فاناخ به ثم وطى يد راحلته فقال أبوه ما تريد يا لكع قال والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله وتعلم أيهما الأعز من الأذل أنت او رسول الله - ﷺ - فمن مر به من المسلمين يسرع عبد الله ويمر غير ذلك فيقول تصنع هذا بأبيك حتى مر به رسول الله - ﷺ - فسال عنه فقيل عبد الله بن أبى يابى لابيه حتى تأذن له فمر رسول الله - ﷺ - وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه وابن ابى يقول لانا أذل من الصبيان لانا أذل من النساء فقال له رسول الله - ﷺ - خل عن أبيك فخلى عنه روى محمد بن عمر عن رافع بن خديج قال سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن ابى قبل ان ينزل فيه القران ايت رسول الله - ﷺ - يستغفر لك قال فرايت يلوى راسه معرضا يقول عبادة والله لينزلن الله تعالى فى لى راسك قرانا يصلى به قال فبينا رسول الله - ﷺ - يسير من يومه وزيد بن أرقم يعارض رسول الله - ﷺ - راحلته يريد وجهه فى السير إذا نزل عليه الوحى قال زيد ابن أرقم فما هو الا رسول الله - ﷺ - يأخذ البرحات ويعرق جبينه ويثقل يد راحلته عرفت ان رسول الله - ﷺ - يوحى اليه ورجوت ان ينزل الله لصدقى قال زيد فسرى عن رسول الله - ﷺ - فاخذ بأذني وانا على راحلتى حتى ارتفعت عن مقعدى ويرفعهما الى السماء وهو يقول وفت اذنك يا غلام وصدق الله حديثك ونزلت سورة المنافقين فى ابن ابى من أولها الى آخرها وحده وجعل بعد ذلك ابن ابى إذا حدث حدثا كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب حين بلغه شانهم كيف ترى يا عمر قال انى والله لقد علمت لامر رسول الله - ﷺ - بركة أعظم من بركته فهذه الرواية تدل على ان سورة المنافقين نزلت فى السفر قبل حلول المدينة وقال البغوي فلما وافى رسول الله - ﷺ - بالمدينة قال زيد بن أرقم جلست فى البيت لما بي من الهم والحياء فانزل الله تعالى سورة المنافقين فى تصديق زيد وتكذيب عبد الله بن ابى فلما نزلت أخذ رسول الله - ﷺ - بإذن زيد وقال يا زيد ان الله صدقك واوفى بإذنك قالوا فلما نزلت الاية وبان كذب عبد الله بن ابى قيل له يا أبا خباب انه قد نزل فيك آي شداد فاذهب الى رسول الله - ﷺ - يستغفر لك فلوى راسه قال أمرتموني ان أومن فامنت فامرتمونى ان اعطى زكوة مالى فقد أعطيت فما بقي الا ان اسجد لمحمد فانزل الله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم الاية ولما دخل ابن ابى المدينة لم يلبث الا أياما قلائل حتى اشتكى ومات (فائده) كانت تلك الوقعة فى شعبان سنة ست كذا قال ابن اسحق وبه جزم خليفة بن خياط والطبري وقال قتادة وعروة كانت فى شعبان سنة خمس وفى ذلك الوقعة تزوج رسول الله - ﷺ - جويرية بنت الحارث بن ابى ضرار روى محمد بن اسحق واحمد وابو داود ومحمد بن عمر عن عائشة قالت كانت جويرية امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحدا لا أخذت بنفسه فبينا النبي - ﷺ - عندى على الماء إذ دخلت جويرية تساله فى كتابتها فو الله ما هو ان زيتها فكرهت دخولها على النبي - ﷺ - وعرفت انه سيرى منها مثل الذي رايت فقالت يا رسول الله انى امرأة مسلمة اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله وانا جويرية بنت الحارث بن ابى ضرار سيد قومه أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت فى سهم ثابت بن قيس ابن شماس وابن عمه فتخلصنى من ابن عمه يتخلدت بالمدينة فكاتبنى على ما لا طاقة لى ولا بد ان وما اكرينى الا انى رجوتك - ﷺ - فاعنى فى مكاتبتى فقال رسول الله - ﷺ - او خير من ذلك فقالت ما هو يا رسول الله قال أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك فقالت نعم يا رسول الله قد فعلت فارسل رسول الله - ﷺ - الى ثابت بن قيس فطلبها منه فقال ثابت هى لك بابى وأمي فادى رسول الله - ﷺ - ما كان من كتابتها وأعتقها وتزوجها وخرج الى الناس ورجال بنى المصطلق قد اقتسموا وملكوا وطى نسائهم فقال المسلمون اصهار رسول الله - ﷺ - فاعتقوا ما بايديهم من ذلك الشيء قالت عائشة فاغتق ماية اهل بيت بتزويج رسول الله - ﷺ - إياها فلا امرأة أعظم بركة على قومها منها روى محمد بن عمر عن حرام بن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت جويرية رايت قبل قدوم النبي - ﷺ - بثلاث ليال كان القمر يسير من يثرب حتى وقع فى حجرى فكرهت ان أخبرها أحدا من الناس حتى قدم رسول الله - ﷺ - فلما سبينا رجوت الرؤيا فلما أعتقني وتزوجنى فو الله ما كلمت فى قومى حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت الا بجارية من بنات عمى تخبرني الخبر فحمدت الله ثم روى الحافظ بن عايد انه اقبل الحارث بن ابى ضرار ابو جويرية فى فدائها فلما كان بالعقيق نظر الى ابله التي يفدى بها ابنته فرغب فى بعيرين منها كانا من أفضلها تغيبهما فى شعب من شعاب العقيق ثم اقبل الى رسول الله - ﷺ - فقال يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فدائها فقال رسول الله - ﷺ - فاين البعيرين الذين غيبت بالعقيق يشعب كذا وكذا فقال الحارث اشهد انك رسول الله