التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — البقرة 2:107 – البقرة 2:169
المحتويات
- البقرة 2:107
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:110
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
البقرة 2:107
ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا.
ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى
[الأحزاب: 69]، كما خاطب النار:
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية.
ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
كان ذلك في الكتاب مسطورا
[الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.
ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "
وقال الخليل عليه السلام:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
البقرة 2:108
ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا.
ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى
[الأحزاب: 69]، كما خاطب النار:
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية.
ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
كان ذلك في الكتاب مسطورا
[الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.
ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "
وقال الخليل عليه السلام:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
البقرة 2:109
ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا.
ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى
[الأحزاب: 69]، كما خاطب النار:
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية.
ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
كان ذلك في الكتاب مسطورا
[الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.
ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "
وقال الخليل عليه السلام:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
البقرة 2:110
ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا.
ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى
[الأحزاب: 69]، كما خاطب النار:
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية.
ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
كان ذلك في الكتاب مسطورا
[الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.
ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "
وقال الخليل عليه السلام:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
البقرة 2:111
ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا.
ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى
[الأحزاب: 69]، كما خاطب النار:
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية.
ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
كان ذلك في الكتاب مسطورا
[الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.
ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "
وقال الخليل عليه السلام:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
البقرة 2:112
ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } [البقرة: 107]، ينصركم على هذا.
ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور
يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب
يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى
[الأحزاب: 69]، كما خاطب النار:
ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية.
ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه.
كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
كان ذلك في الكتاب مسطورا
[الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر { وما تقدموا لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات.
ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه "
وقال الخليل عليه السلام:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
البقرة 2:113
ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: 113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل.
ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك.
فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات.
وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام:
" حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ".
وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات.
وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات.
وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم.
ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى:
ألا إنه بكل شيء محيط
[فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:
" لا يسعني قلب عبدي المؤمن ".
ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم
[الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى:
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
[النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله:
سبحانك هذا بهتان عظيم
[النور: 16].
وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، وقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1].
والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا
[الزخرف: 13].
ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36].
وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى:
سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم
[الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي:
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى:
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر:
بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد
[الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله:
لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كما أسمع قوما أخبر عنهم، كما أخبر عنهم
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة.
وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق
[فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن
لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
البقرة 2:114
ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: 113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل.
ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك.
فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات.
وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام:
" حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ".
وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات.
وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات.
وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم.
ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى:
ألا إنه بكل شيء محيط
[فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:
" لا يسعني قلب عبدي المؤمن ".
ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم
[الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى:
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
[النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله:
سبحانك هذا بهتان عظيم
[النور: 16].
وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، وقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1].
والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا
[الزخرف: 13].
ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36].
وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى:
سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم
[الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي:
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى:
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر:
بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد
[الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله:
لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كما أسمع قوما أخبر عنهم، كما أخبر عنهم
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة.
وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق
[فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن
لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
البقرة 2:115
ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: 113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل.
ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك.
فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات.
وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام:
" حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ".
وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات.
وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات.
وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم.
ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى:
ألا إنه بكل شيء محيط
[فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:
" لا يسعني قلب عبدي المؤمن ".
ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم
[الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى:
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
[النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله:
سبحانك هذا بهتان عظيم
[النور: 16].
وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، وقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1].
والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا
[الزخرف: 13].
ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36].
وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى:
سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم
[الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي:
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى:
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر:
بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد
[الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله:
لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كما أسمع قوما أخبر عنهم، كما أخبر عنهم
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة.
وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق
[فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن
لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
البقرة 2:116
ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: 113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل.
ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك.
فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات.
وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام:
" حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ".
وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات.
وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات.
وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم.
ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى:
ألا إنه بكل شيء محيط
[فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:
" لا يسعني قلب عبدي المؤمن ".
ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم
[الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى:
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
[النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله:
سبحانك هذا بهتان عظيم
[النور: 16].
وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، وقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1].
والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا
[الزخرف: 13].
ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36].
وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى:
سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم
[الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي:
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى:
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر:
بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد
[الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله:
لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كما أسمع قوما أخبر عنهم، كما أخبر عنهم
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة.
وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق
[فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن
لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
البقرة 2:117
ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: 113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل.
ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك.
فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات.
وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام:
" حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ".
وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات.
وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات.
وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم.
ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى:
ألا إنه بكل شيء محيط
[فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:
" لا يسعني قلب عبدي المؤمن ".
ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم
[الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى:
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
[النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله:
سبحانك هذا بهتان عظيم
[النور: 16].
وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، وقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1].
والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا
[الزخرف: 13].
ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36].
وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى:
سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم
[الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي:
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى:
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر:
بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد
[الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله:
لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كما أسمع قوما أخبر عنهم، كما أخبر عنهم
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة.
وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق
[فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن
لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
البقرة 2:118
ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: 113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل.
ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك.
فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات.
وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام:
" حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ".
وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات.
وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات.
وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم.
ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى:
ألا إنه بكل شيء محيط
[فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:
" لا يسعني قلب عبدي المؤمن ".
ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم
[الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى:
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة
[النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله:
سبحانك هذا بهتان عظيم
[النور: 16].
وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى:
ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك
[آل عمران: 191]، وقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1].
والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى:
سبحان الذي سخر لنا هذا
[الزخرف: 13].
ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36].
وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83].
وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى:
سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم
[الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى:
سبحانك تبت إليك
[الأعراف: 143].
وسابعها: الدعاء أي:
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى:
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44].
ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر:
بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد
[الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله:
لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كما أسمع قوما أخبر عنهم، كما أخبر عنهم
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
[المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة.
وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة
أو من كان ميتا فأحيينه
[الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق
[فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن
لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
البقرة 2:119
ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم.
ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: 120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية.
ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيناهم الكتاب دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى:
ولقد آتينا موسى الكتاب
[البقرة: 87]، وقوله تعالى:
وآتينا عيسى ابن مريم البينات
[البقرة: 253]، وقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني
[الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى:
أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19]، كقوله تعالى:
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19].
وقوله تعالى:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب
[البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]،
أفلا يتدبرون القرآن
[النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
[الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121].
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى:
يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
[البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين
واتقوا يوما
[البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم
لا تجزي نفس عن نفس شيئا
[البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله
ولا يقبل منها شفعة
[البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلا للشفاعة
ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.
ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى { فأتمهن } [البقرة: 124].
أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.
وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.
أما التبرؤ فقوله:
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده
إن ابني من أهلي
[هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان:
أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
[السجدة: 24].
والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31].
ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
البقرة 2:120
ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم.
ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: 120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية.
ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيناهم الكتاب دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى:
ولقد آتينا موسى الكتاب
[البقرة: 87]، وقوله تعالى:
وآتينا عيسى ابن مريم البينات
[البقرة: 253]، وقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني
[الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى:
أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19]، كقوله تعالى:
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19].
وقوله تعالى:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب
[البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]،
أفلا يتدبرون القرآن
[النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
[الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121].
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى:
يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
[البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين
واتقوا يوما
[البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم
لا تجزي نفس عن نفس شيئا
[البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله
ولا يقبل منها شفعة
[البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلا للشفاعة
ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.
ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى { فأتمهن } [البقرة: 124].
أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.
وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.
أما التبرؤ فقوله:
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده
إن ابني من أهلي
[هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان:
أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
[السجدة: 24].
والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31].
ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
البقرة 2:121
ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم.
ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: 120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية.
ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيناهم الكتاب دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى:
ولقد آتينا موسى الكتاب
[البقرة: 87]، وقوله تعالى:
وآتينا عيسى ابن مريم البينات
[البقرة: 253]، وقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني
[الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى:
أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19]، كقوله تعالى:
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19].
وقوله تعالى:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب
[البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]،
أفلا يتدبرون القرآن
[النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
[الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121].
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى:
يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
[البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين
واتقوا يوما
[البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم
لا تجزي نفس عن نفس شيئا
[البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله
ولا يقبل منها شفعة
[البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلا للشفاعة
ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.
ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى { فأتمهن } [البقرة: 124].
أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.
وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.
أما التبرؤ فقوله:
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده
إن ابني من أهلي
[هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان:
أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
[السجدة: 24].
والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31].
ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
البقرة 2:122
ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم.
ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: 120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية.
ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيناهم الكتاب دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى:
ولقد آتينا موسى الكتاب
[البقرة: 87]، وقوله تعالى:
وآتينا عيسى ابن مريم البينات
[البقرة: 253]، وقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني
[الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى:
أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19]، كقوله تعالى:
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19].
وقوله تعالى:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب
[البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]،
أفلا يتدبرون القرآن
[النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
[الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121].
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى:
يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
[البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين
واتقوا يوما
[البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم
لا تجزي نفس عن نفس شيئا
[البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله
ولا يقبل منها شفعة
[البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلا للشفاعة
ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.
ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى { فأتمهن } [البقرة: 124].
أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.
وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.
أما التبرؤ فقوله:
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده
إن ابني من أهلي
[هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان:
أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
[السجدة: 24].
والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31].
ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
البقرة 2:123
ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم.
ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: 120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية.
ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيناهم الكتاب دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى:
ولقد آتينا موسى الكتاب
[البقرة: 87]، وقوله تعالى:
وآتينا عيسى ابن مريم البينات
[البقرة: 253]، وقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني
[الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى:
أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19]، كقوله تعالى:
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19].
وقوله تعالى:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب
[البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]،
أفلا يتدبرون القرآن
[النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
[الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121].
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى:
يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
[البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين
واتقوا يوما
[البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم
لا تجزي نفس عن نفس شيئا
[البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله
ولا يقبل منها شفعة
[البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلا للشفاعة
ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.
ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى { فأتمهن } [البقرة: 124].
أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.
وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.
أما التبرؤ فقوله:
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده
إن ابني من أهلي
[هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان:
أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
[السجدة: 24].
والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31].
ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
البقرة 2:124
ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
[الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم.
ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: 120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية.
ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيناهم الكتاب دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى:
ولقد آتينا موسى الكتاب
[البقرة: 87]، وقوله تعالى:
وآتينا عيسى ابن مريم البينات
[البقرة: 253]، وقوله تعالى:
ولقد آتيناك سبعا من المثاني
[الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى:
أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19]، كقوله تعالى:
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
[آل عمران: 19].
وقوله تعالى:
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب
[البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]،
أفلا يتدبرون القرآن
[النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
[المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
[الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121].
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى:
يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
[البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين
واتقوا يوما
[البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم
لا تجزي نفس عن نفس شيئا
[البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله
ولا يقبل منها شفعة
[البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلا للشفاعة
ولا هم ينصرون
[البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.
ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى { فأتمهن } [البقرة: 124].
أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء.
وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل.
أما التبرؤ فقوله:
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده
إن ابني من أهلي
[هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله:
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان:
أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا
[السجدة: 24].
والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31].
ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت:
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر
[البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
البقرة 2:125
ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال:
" يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك "
وكذلك قوله تعالى:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن "
فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى:
يوسوس في صدور الناس
[الناس: 5].
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد:
أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى.
وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام.
وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده.
ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه.
وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى:
وهدى للعالمين
[آل عمران: 96].
وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره.
وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى:
حرما آمنا
[القصص: 57].
وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال:
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144]، وقبلة أمته
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144].
وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله:
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97].
وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ".
والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة.
والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة.
والثالث عشر: جعل جواره جوار الله.
والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات.
والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد.
والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].
السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى:
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
[إبراهيم: 37].
والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام.
والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك.
وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الحجر الأسود يمين الله في أرضه "
شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى.
ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية.
ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من الأنبياء لقوله تعالى:
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[التوبة: 26].
وقال تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
[الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.
ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }.
ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيا كما قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
لينذر من كان حيا
[يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" واعظ الله في قلب كل مؤمن "
فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
[البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
[النحل: 125].
وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، وقال تعالى:
وإنك لتهدي
[الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21].
{ إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله
وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72]، فافهم جدا.
البقرة 2:126
ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال:
" يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك "
وكذلك قوله تعالى:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن "
فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى:
يوسوس في صدور الناس
[الناس: 5].
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد:
أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى.
وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام.
وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده.
ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه.
وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى:
وهدى للعالمين
[آل عمران: 96].
وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره.
وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى:
حرما آمنا
[القصص: 57].
وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال:
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144]، وقبلة أمته
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144].
وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله:
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97].
وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ".
والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة.
والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة.
والثالث عشر: جعل جواره جوار الله.
والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات.
والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد.
والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].
السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى:
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
[إبراهيم: 37].
والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام.
والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك.
وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الحجر الأسود يمين الله في أرضه "
شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى.
ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية.
ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من الأنبياء لقوله تعالى:
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[التوبة: 26].
وقال تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
[الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.
ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }.
ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيا كما قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
لينذر من كان حيا
[يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" واعظ الله في قلب كل مؤمن "
فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
[البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
[النحل: 125].
وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، وقال تعالى:
وإنك لتهدي
[الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21].
{ إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله
وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72]، فافهم جدا.
البقرة 2:127
ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال:
" يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك "
وكذلك قوله تعالى:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن "
فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى:
يوسوس في صدور الناس
[الناس: 5].
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد:
أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى.
وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام.
وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده.
ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه.
وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى:
وهدى للعالمين
[آل عمران: 96].
وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره.
وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى:
حرما آمنا
[القصص: 57].
وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال:
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144]، وقبلة أمته
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144].
وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله:
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97].
وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ".
والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة.
والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة.
والثالث عشر: جعل جواره جوار الله.
والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات.
والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد.
والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].
السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى:
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
[إبراهيم: 37].
والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام.
والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك.
وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الحجر الأسود يمين الله في أرضه "
شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى.
ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية.
ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من الأنبياء لقوله تعالى:
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[التوبة: 26].
وقال تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
[الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.
ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }.
ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيا كما قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
لينذر من كان حيا
[يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" واعظ الله في قلب كل مؤمن "
فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
[البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
[النحل: 125].
وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، وقال تعالى:
وإنك لتهدي
[الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21].
{ إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله
وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72]، فافهم جدا.
البقرة 2:128
ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال:
" يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك "
وكذلك قوله تعالى:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن "
فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى:
يوسوس في صدور الناس
[الناس: 5].
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد:
أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى.
وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام.
وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده.
ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه.
وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى:
وهدى للعالمين
[آل عمران: 96].
وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره.
وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى:
حرما آمنا
[القصص: 57].
وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال:
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144]، وقبلة أمته
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144].
وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله:
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97].
وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ".
والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة.
والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة.
والثالث عشر: جعل جواره جوار الله.
والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات.
والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد.
والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].
السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى:
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
[إبراهيم: 37].
والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام.
والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك.
وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الحجر الأسود يمين الله في أرضه "
شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى.
ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية.
ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من الأنبياء لقوله تعالى:
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[التوبة: 26].
وقال تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
[الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.
ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }.
ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيا كما قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
لينذر من كان حيا
[يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" واعظ الله في قلب كل مؤمن "
فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
[البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
[النحل: 125].
وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، وقال تعالى:
وإنك لتهدي
[الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21].
{ إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله
وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72]، فافهم جدا.
البقرة 2:129
ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال:
" يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك "
وكذلك قوله تعالى:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن "
فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى:
يوسوس في صدور الناس
[الناس: 5].
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد:
أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى.
وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام.
وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده.
ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه.
وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى:
وهدى للعالمين
[آل عمران: 96].
وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره.
وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى:
حرما آمنا
[القصص: 57].
وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال:
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144]، وقبلة أمته
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144].
وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله:
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97].
وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ".
والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة.
والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة.
والثالث عشر: جعل جواره جوار الله.
والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات.
والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد.
والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].
السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى:
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
[إبراهيم: 37].
والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام.
والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك.
وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الحجر الأسود يمين الله في أرضه "
شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى.
ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية.
ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من الأنبياء لقوله تعالى:
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[التوبة: 26].
وقال تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
[الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.
ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }.
ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيا كما قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
لينذر من كان حيا
[يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" واعظ الله في قلب كل مؤمن "
فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
[البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
[النحل: 125].
وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، وقال تعالى:
وإنك لتهدي
[الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21].
{ إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله
وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72]، فافهم جدا.
البقرة 2:130
ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال:
" يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك "
وكذلك قوله تعالى:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن "
فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى:
يوسوس في صدور الناس
[الناس: 5].
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد:
أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى.
وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام.
وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده.
ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه.
وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى:
وهدى للعالمين
[آل عمران: 96].
وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره.
وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى:
حرما آمنا
[القصص: 57].
وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال:
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144]، وقبلة أمته
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144].
وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله:
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
[آل عمران: 97].
وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ".
والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة.
والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة.
والثالث عشر: جعل جواره جوار الله.
والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات.
والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد.
والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].
السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى:
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
[إبراهيم: 37].
والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام.
والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك.
وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الحجر الأسود يمين الله في أرضه "
شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى.
ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية.
ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من الأنبياء لقوله تعالى:
أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[التوبة: 26].
وقال تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
[الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم.
ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }.
ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حيا كما قال تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
لينذر من كان حيا
[يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
" واعظ الله في قلب كل مؤمن "
فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى:
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
[البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
[النحل: 125].
وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى:
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
[التغابن: 11]، وقال تعالى:
وإنك لتهدي
[الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21].
{ إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله
وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72]، فافهم جدا.
البقرة 2:131
ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول.
ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب.
{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب.
ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولده وولد ولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله.
ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
وكقوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13]، قال تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله:
وهو السميع العليم
[البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق { وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } [البقرة: 136]، السر.
{ وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].
البقرة 2:132
ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول.
ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب.
{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب.
ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولده وولد ولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله.
ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
وكقوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13]، قال تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله:
وهو السميع العليم
[البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق { وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } [البقرة: 136]، السر.
{ وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].
البقرة 2:133
ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول.
ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب.
{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب.
ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولده وولد ولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله.
ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
وكقوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13]، قال تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله:
وهو السميع العليم
[البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق { وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } [البقرة: 136]، السر.
{ وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].
البقرة 2:134
ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول.
ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب.
{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب.
ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولده وولد ولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله.
ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
وكقوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13]، قال تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله:
وهو السميع العليم
[البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق { وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } [البقرة: 136]، السر.
{ وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].
البقرة 2:135
ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول.
ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب.
{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب.
ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولده وولد ولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله.
ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
وكقوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13]، قال تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله:
وهو السميع العليم
[البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق { وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } [البقرة: 136]، السر.
{ وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].
البقرة 2:136
ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول.
ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى:
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
[فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب.
{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب.
ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال:
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولده وولد ولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "
فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله.
ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
وكقوله تعالى:
وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه
[الإسراء: 13]، قال تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله:
وهو السميع العليم
[البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق { وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } [البقرة: 136]، السر.
{ وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].
البقرة 2:137
{ فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى.
ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم.
ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له عابدون } [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون.
{ وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية { وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذة نفسانية
قد علم كل أناس مشربهم
[الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
[الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الأنعام: 164].
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
البقرة 2:138
{ فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى.
ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم.
ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له عابدون } [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون.
{ وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية { وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذة نفسانية
قد علم كل أناس مشربهم
[الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
[الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الأنعام: 164].
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
البقرة 2:139
{ فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى.
ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم.
ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له عابدون } [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون.
{ وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية { وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذة نفسانية
قد علم كل أناس مشربهم
[الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
[الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الأنعام: 164].
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
البقرة 2:140
{ فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى.
ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم.
ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له عابدون } [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون.
{ وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية { وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذة نفسانية
قد علم كل أناس مشربهم
[الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
[الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الأنعام: 164].
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
البقرة 2:141
{ فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى.
ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم.
ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له عابدون } [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون.
{ وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية { وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذة نفسانية
قد علم كل أناس مشربهم
[الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
[الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الأنعام: 164].
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
البقرة 2:142
{ فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى.
ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم.
ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له عابدون } [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون.
{ وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية { وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5].
ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذة نفسانية
قد علم كل أناس مشربهم
[الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق
[الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
[الأنعام: 164].
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
البقرة 2:143
ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنتم شهداء الله في أرضه "
وقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته.
ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله تعالى إليه:
" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة:
" فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي "
، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام.
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم } [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا للأولياء وتهويلا للأعداء.
ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان.
ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قلبه منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم.
كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى:
فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، بعدما حق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين:
أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.
{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدا.
البقرة 2:144
ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنتم شهداء الله في أرضه "
وقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته.
ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله تعالى إليه:
" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة:
" فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي "
، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام.
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم } [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا للأولياء وتهويلا للأعداء.
ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان.
ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قلبه منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم.
كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى:
فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، بعدما حق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين:
أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.
{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدا.
البقرة 2:145
ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنتم شهداء الله في أرضه "
وقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته.
ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله تعالى إليه:
" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة:
" فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي "
، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام.
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم } [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا للأولياء وتهويلا للأعداء.
ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان.
ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قلبه منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم.
كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى:
فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، بعدما حق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين:
أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.
{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدا.
البقرة 2:146
ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنتم شهداء الله في أرضه "
وقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته.
ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله تعالى إليه:
" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة:
" فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي "
، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام.
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم } [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا للأولياء وتهويلا للأعداء.
ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان.
ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قلبه منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم.
كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى:
فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، بعدما حق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين:
أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.
{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدا.
البقرة 2:147
ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنتم شهداء الله في أرضه "
وقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته.
ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله تعالى إليه:
" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة:
" فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي "
، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام.
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم } [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا للأولياء وتهويلا للأعداء.
ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان.
ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قلبه منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم.
كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى:
فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، بعدما حق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين:
أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.
{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدا.
البقرة 2:148
ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنتم شهداء الله في أرضه "
وقال:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته.
ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله تعالى إليه:
" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة:
" فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي "
، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام.
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم } [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا للأولياء وتهويلا للأعداء.
ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان.
ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى:
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا
[الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قلبه منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم.
كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:
تعرفهم بسيماهم
[البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى:
فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون
[الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، بعدما حق الحق
فلا تكونن من الممترين
[الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين:
أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات.
{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدا.
البقرة 2:149
ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا.
ثم عمم الخطاب وقال:
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{ إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ".
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{ يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى:
رضي الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
" وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "
وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وكما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنها خمر ولا قدح
وكأنها قدح ولا خمر
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حلنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش "
، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ
[النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:
" إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل:
" يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا "
فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
البقرة 2:150
ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا.
ثم عمم الخطاب وقال:
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{ إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ".
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{ يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى:
رضي الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
" وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "
وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وكما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنها خمر ولا قدح
وكأنها قدح ولا خمر
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حلنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش "
، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ
[النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:
" إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل:
" يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا "
فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
البقرة 2:151
ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا.
ثم عمم الخطاب وقال:
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{ إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ".
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{ يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى:
رضي الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
" وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "
وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وكما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنها خمر ولا قدح
وكأنها قدح ولا خمر
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حلنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش "
، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ
[النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:
" إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل:
" يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا "
فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
البقرة 2:152
ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا.
ثم عمم الخطاب وقال:
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{ إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ".
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{ يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى:
رضي الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
" وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "
وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وكما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنها خمر ولا قدح
وكأنها قدح ولا خمر
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حلنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش "
، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ
[النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:
" إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل:
" يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا "
فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
البقرة 2:153
ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا.
ثم عمم الخطاب وقال:
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{ إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ".
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{ يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى:
رضي الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
" وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "
وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وكما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنها خمر ولا قدح
وكأنها قدح ولا خمر
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حلنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش "
، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ
[النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:
" إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل:
" يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا "
فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
البقرة 2:154
ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من حجب الجهات.
فول وجهك شطر المسجد الحرام
[البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين:
أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى:
ومن دخله كان آمنا
[آل عمران: 97]، من الخروج.
والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا.
ثم عمم الخطاب وقال:
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، وفيه معنيان:
أحدهما: وحيثما كنتم أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب أو لم تخرجوا
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عنه.
والثاني:
فولوا وجوهكم شطره
[البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: 150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة.
{ إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: 150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ".
ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو السر.
{ يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: 151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } [البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين:
أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في الأزل.
والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه أذكركم فاذكروني كقوله تعالى:
رضي الله عنهم ورضوا عنه
[المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.
فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:
" وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "
وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وكما قال قائلهم:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنها خمر ولا قدح
وكأنها قدح ولا خمر
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حلنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش "
، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى:
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
[لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ
[النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:
" إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني ".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه فقيل:
" يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا "
فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون والنصرة.
ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على حالهم.
البقرة 2:155
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: 155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى:
إنه كان عبدا شكورا
[الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد
[ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
[الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى:
والله مع الصابرين
[البقرة: 249]، وقال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر بالخوف كقوله تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
" أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك "
ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول "
، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:
هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر
وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ".
{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
[هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا من معنى، وإن كثيرا من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
البقرة 2:156
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: 155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى:
إنه كان عبدا شكورا
[الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد
[ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
[الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى:
والله مع الصابرين
[البقرة: 249]، وقال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر بالخوف كقوله تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
" أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك "
ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول "
، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:
هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر
وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ".
{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
[هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا من معنى، وإن كثيرا من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
البقرة 2:157
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: 155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى:
إنه كان عبدا شكورا
[الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد
[ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
[الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى:
والله مع الصابرين
[البقرة: 249]، وقال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر بالخوف كقوله تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
" أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك "
ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول "
، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:
هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر
وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ".
{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
[هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا من معنى، وإن كثيرا من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
البقرة 2:158
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: 155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى:
إنه كان عبدا شكورا
[الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد
[ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
[الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى:
والله مع الصابرين
[البقرة: 249]، وقال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر بالخوف كقوله تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
" أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك "
ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول "
، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:
هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر
وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ".
{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
[هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا من معنى، وإن كثيرا من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
البقرة 2:159
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: 155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى:
إنه كان عبدا شكورا
[الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد
[ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
[الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى:
والله مع الصابرين
[البقرة: 249]، وقال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر بالخوف كقوله تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
" أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك "
ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول "
، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:
هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر
وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ".
{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
[هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا من معنى، وإن كثيرا من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
البقرة 2:160
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: 155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، والأعمال من نتائج أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر وقال تعالى:
إنه كان عبدا شكورا
[الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى:
إنا وجدناه صابرا نعم العبد
[ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد.
ولهذا قال تعالى:
وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى:
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
[الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر يدل على هذا قوله تعالى:
والله مع الصابرين
[البقرة: 249]، وقال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر بالاختيار، وصبر الاضطرار.
أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر بالخوف كقوله تعالى:
وخافون إن كنتم مؤمنين
[آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.
وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء } [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:
" أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك "
ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.
وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.
ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.
ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
[النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول "
، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل والرحال، كما قال قائلهم:
هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي هم ولا وطر
وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب.
ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ".
{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: 160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه
[هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا من معنى، وإن كثيرا من الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع.
البقرة 2:161
ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، وقال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
يصلي عليكم وملائكته
[الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض "
، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد... "
في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله "
، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى:
قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين:
" كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ".
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولاك لما خلقت الأكوان "
وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "
، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
" كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "
، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:
أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[الأنفال: 28]، وبقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يختص جارحة
أكلي إليك على الحالات مشتاق
{ ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم { أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى:
وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين
[الزخرف: 38]، وقوله تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].
وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[البقرة: 256]، وقال تعالى:
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.
البقرة 2:162
ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، وقال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
يصلي عليكم وملائكته
[الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض "
، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد... "
في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله "
، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى:
قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين:
" كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ".
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولاك لما خلقت الأكوان "
وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "
، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
" كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "
، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:
أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[الأنفال: 28]، وبقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يختص جارحة
أكلي إليك على الحالات مشتاق
{ ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم { أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى:
وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين
[الزخرف: 38]، وقوله تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].
وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[البقرة: 256]، وقال تعالى:
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.
البقرة 2:163
ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، وقال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
يصلي عليكم وملائكته
[الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض "
، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد... "
في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله "
، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى:
قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين:
" كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ".
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولاك لما خلقت الأكوان "
وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "
، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
" كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "
، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:
أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[الأنفال: 28]، وبقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يختص جارحة
أكلي إليك على الحالات مشتاق
{ ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم { أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى:
وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين
[الزخرف: 38]، وقوله تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].
وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[البقرة: 256]، وقال تعالى:
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.
البقرة 2:164
ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، وقال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
يصلي عليكم وملائكته
[الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض "
، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد... "
في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله "
، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى:
قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين:
" كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ".
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولاك لما خلقت الأكوان "
وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "
، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
" كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "
، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:
أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[الأنفال: 28]، وبقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يختص جارحة
أكلي إليك على الحالات مشتاق
{ ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم { أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى:
وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين
[الزخرف: 38]، وقوله تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].
وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[البقرة: 256]، وقال تعالى:
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.
البقرة 2:165
ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، وقال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
يصلي عليكم وملائكته
[الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض "
، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد... "
في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله "
، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى:
قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين:
" كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ".
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولاك لما خلقت الأكوان "
وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "
، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
" كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "
، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:
أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[الأنفال: 28]، وبقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يختص جارحة
أكلي إليك على الحالات مشتاق
{ ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم { أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى:
وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين
[الزخرف: 38]، وقوله تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].
وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[البقرة: 256]، وقال تعالى:
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.
البقرة 2:166
ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ومهلكة الإصرار كقوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
[السجدة: 13]، وقال تعالى:
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى:
يصلي عليكم وملائكته
[الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض "
، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله العبد... "
في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين الإنكار كقوله تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله "
، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى:
قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد: 13].
ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }.
ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن يكون لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين:
" كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ".
فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات لقوله تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لولاك لما خلقت الأكوان "
وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، وما يظهر فيه كما قال تعالى:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله
" من عرف نفسه فقد عرف ربه "
لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين.
ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله "
، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع.
ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال:
" كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف "
، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } ، ولهذا أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله:
أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[الأنفال: 28]، وبقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية شعر:
الشوق أكثر أن يختص جارحة
أكلي إليك على الحالات مشتاق
{ ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم { أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى:
وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي.
ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى:
يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين
[الزخرف: 38]، وقوله تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].
وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى:
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[البقرة: 256]، وقال تعالى:
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا يزدادون إلا محبة كلما قلب.
البقرة 2:167
ولهذا قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه معنى آخر أن الله يراهم حاصل أعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات الرفيقة ليزيدهم حسرات:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب ومازو
ودت غير الحسرات
{ وما هم بخارجين من النار } [البقرة: 167]، الحسرة والقطيعة أبد الآباد.
ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } [البقرة: 168]، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا
[المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيه أن العمل الصالح نتيجة أكل الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالا على ما أدلنا هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ،
" ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك "
ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } [البقرة: 169]، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره { إنه لكم عدو مبين } [البقرة: 168]، واتبعوا أوامر الله ورسوله
إنما وليكم الله ورسوله
[المائدة: 55].
ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء } [البقرة: 169]، النفس { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 169]، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى:
إن النفس لأمارة بالسوء
[يوسف: 53]، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله:
فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82] وقال:
ولأضلنهم
[النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال:
ولأمنينهم
[النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ذلك ولهذا قال تعالى:
الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء
[البقرة: 268]، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة بآفات الحسن والوهم والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئا بين الكفر والإباحة والزندقة، فضلوا كثيرا وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى تلفظوا بها، كما قال تعالى:
وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون
[الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري
فطرت الله التي فطر الناس عليها
[الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه بمثابة كيده كقوله:
وأملي لهم إن كيدي متين
[الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهلهم في الاقتداء بتقليد الآباء بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } [البقرة: 170]، والإشارة فيها أنه لا عبرة من أمر الدين بتقليد الآباء، واتباع مذاهبهم كقوله تعالى: { بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ، بل الواجب على العبد اتباع ما أنزل الله بصدق النية في الطلب، وخلوص الطوية في العمل، وفي قوله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } [البقرة: 170]، إشارة إلى قطع النظر عن أسلافه وأتباعهم واتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيئا من طريق الحق، وضلوا في تيه محبة الدنيا، ويدعون أنهم أهل العلم وأهل الخرقة، وليسوا من أهل الخرقة، واتخذوا العلم والخرقة حرفة ومكسبا للمال والجاه، ويقطعون الطريق على أهل الطلب للطلب، كما قال في بعض الكتب المنزلة: لا تسألن عني عالم أسكرته حب الدنيا، فأولئك قطاع الطريق على عبادي { ولا يهتدون } طريق الحق لأنفسهم ليرجعوا عما هم فيه من الحرص على الدنيا ومتابعة الهوى، وفيه إشارة أن من يكن على عبادة جادة الحق، وقدمه ثابتة على صراط مستقيم الشريعة، وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة، فيجوز الاقتداء به إذ هو من أهل الاهتداء على عالم الحقيقة دون مدعي الشيخوخة بطريق من الآباء، ولا حظ لهم من طريق الاهتداء، فإنهم لا يصلحون للاقتداء وهذا حال أكثر المشايخ في زماننا تاب الله عليهم وأصلح بالهم.
البقرة 2:168
ولهذا قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه معنى آخر أن الله يراهم حاصل أعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات الرفيقة ليزيدهم حسرات:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب ومازو
ودت غير الحسرات
{ وما هم بخارجين من النار } [البقرة: 167]، الحسرة والقطيعة أبد الآباد.
ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } [البقرة: 168]، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا
[المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيه أن العمل الصالح نتيجة أكل الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالا على ما أدلنا هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ،
" ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك "
ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } [البقرة: 169]، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره { إنه لكم عدو مبين } [البقرة: 168]، واتبعوا أوامر الله ورسوله
إنما وليكم الله ورسوله
[المائدة: 55].
ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء } [البقرة: 169]، النفس { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 169]، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى:
إن النفس لأمارة بالسوء
[يوسف: 53]، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله:
فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82] وقال:
ولأضلنهم
[النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال:
ولأمنينهم
[النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ذلك ولهذا قال تعالى:
الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء
[البقرة: 268]، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة بآفات الحسن والوهم والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئا بين الكفر والإباحة والزندقة، فضلوا كثيرا وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى تلفظوا بها، كما قال تعالى:
وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون
[الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري
فطرت الله التي فطر الناس عليها
[الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه بمثابة كيده كقوله:
وأملي لهم إن كيدي متين
[الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهلهم في الاقتداء بتقليد الآباء بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } [البقرة: 170]، والإشارة فيها أنه لا عبرة من أمر الدين بتقليد الآباء، واتباع مذاهبهم كقوله تعالى: { بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ، بل الواجب على العبد اتباع ما أنزل الله بصدق النية في الطلب، وخلوص الطوية في العمل، وفي قوله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } [البقرة: 170]، إشارة إلى قطع النظر عن أسلافه وأتباعهم واتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيئا من طريق الحق، وضلوا في تيه محبة الدنيا، ويدعون أنهم أهل العلم وأهل الخرقة، وليسوا من أهل الخرقة، واتخذوا العلم والخرقة حرفة ومكسبا للمال والجاه، ويقطعون الطريق على أهل الطلب للطلب، كما قال في بعض الكتب المنزلة: لا تسألن عني عالم أسكرته حب الدنيا، فأولئك قطاع الطريق على عبادي { ولا يهتدون } طريق الحق لأنفسهم ليرجعوا عما هم فيه من الحرص على الدنيا ومتابعة الهوى، وفيه إشارة أن من يكن على عبادة جادة الحق، وقدمه ثابتة على صراط مستقيم الشريعة، وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة، فيجوز الاقتداء به إذ هو من أهل الاهتداء على عالم الحقيقة دون مدعي الشيخوخة بطريق من الآباء، ولا حظ لهم من طريق الاهتداء، فإنهم لا يصلحون للاقتداء وهذا حال أكثر المشايخ في زماننا تاب الله عليهم وأصلح بالهم.
البقرة 2:169
ولهذا قال تعالى:
والذين آمنوا أشد حبا لله
[البقرة: 165]، { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه معنى آخر أن الله يراهم حاصل أعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات الرفيقة ليزيدهم حسرات:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب ومازو
ودت غير الحسرات
{ وما هم بخارجين من النار } [البقرة: 167]، الحسرة والقطيعة أبد الآباد.
ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } [البقرة: 168]، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا
[المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيه أن العمل الصالح نتيجة أكل الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالا على ما أدلنا هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ،
" ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك "
ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } [البقرة: 169]، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره { إنه لكم عدو مبين } [البقرة: 168]، واتبعوا أوامر الله ورسوله
إنما وليكم الله ورسوله
[المائدة: 55].
ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء } [البقرة: 169]، النفس { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 169]، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى:
إن النفس لأمارة بالسوء
[يوسف: 53]، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله:
فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82] وقال:
ولأضلنهم
[النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال:
ولأمنينهم
[النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ذلك ولهذا قال تعالى:
الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء
[البقرة: 268]، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة بآفات الحسن والوهم والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئا بين الكفر والإباحة والزندقة، فضلوا كثيرا وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى تلفظوا بها، كما قال تعالى:
وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون
[الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري
فطرت الله التي فطر الناس عليها
[الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه بمثابة كيده كقوله:
وأملي لهم إن كيدي متين
[الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ثم أخبر عن جهلهم في الاقتداء بتقليد الآباء بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } [البقرة: 170]، والإشارة فيها أنه لا عبرة من أمر الدين بتقليد الآباء، واتباع مذاهبهم كقوله تعالى: { بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ، بل الواجب على العبد اتباع ما أنزل الله بصدق النية في الطلب، وخلوص الطوية في العمل، وفي قوله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } [البقرة: 170]، إشارة إلى قطع النظر عن أسلافه وأتباعهم واتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيئا من طريق الحق، وضلوا في تيه محبة الدنيا، ويدعون أنهم أهل العلم وأهل الخرقة، وليسوا من أهل الخرقة، واتخذوا العلم والخرقة حرفة ومكسبا للمال والجاه، ويقطعون الطريق على أهل الطلب للطلب، كما قال في بعض الكتب المنزلة: لا تسألن عني عالم أسكرته حب الدنيا، فأولئك قطاع الطريق على عبادي { ولا يهتدون } طريق الحق لأنفسهم ليرجعوا عما هم فيه من الحرص على الدنيا ومتابعة الهوى، وفيه إشارة أن من يكن على عبادة جادة الحق، وقدمه ثابتة على صراط مستقيم الشريعة، وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة، فيجوز الاقتداء به إذ هو من أهل الاهتداء على عالم الحقيقة دون مدعي الشيخوخة بطريق من الآباء، ولا حظ لهم من طريق الاهتداء، فإنهم لا يصلحون للاقتداء وهذا حال أكثر المشايخ في زماننا تاب الله عليهم وأصلح بالهم.