Lafzullah

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — البقرة 2:170 – البقرة 2:218

المؤلف / المصدر: نجم الدين أحمد بن عمر الرازي المعروف بـ«داية» (ت 618هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 0618NajmDinAhmadIbnCumar.Tawilat.Tafsir03097-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. البقرة 2:170
  2. البقرة 2:171
  3. البقرة 2:172
  4. البقرة 2:173
  5. البقرة 2:174
  6. البقرة 2:175
  7. البقرة 2:176
  8. البقرة 2:177
  9. البقرة 2:178
  10. البقرة 2:179
  11. البقرة 2:180
  12. البقرة 2:181
  13. البقرة 2:182
  14. البقرة 2:183
  15. البقرة 2:184
  16. البقرة 2:185
  17. البقرة 2:186
  18. البقرة 2:187
  19. البقرة 2:188
  20. البقرة 2:189
  21. البقرة 2:190
  22. البقرة 2:191
  23. البقرة 2:192
  24. البقرة 2:193
  25. البقرة 2:194
  26. البقرة 2:195
  27. البقرة 2:196
  28. البقرة 2:197
  29. البقرة 2:198
  30. البقرة 2:199
  31. البقرة 2:200
  32. البقرة 2:201
  33. البقرة 2:202
  34. البقرة 2:203
  35. البقرة 2:204
  36. البقرة 2:205
  37. البقرة 2:206
  38. البقرة 2:207
  39. البقرة 2:208
  40. البقرة 2:209
  41. البقرة 2:210
  42. البقرة 2:211
  43. البقرة 2:212
  44. البقرة 2:213
  45. البقرة 2:214
  46. البقرة 2:215
  47. البقرة 2:216
  48. البقرة 2:217
  49. البقرة 2:218

البقرة 2:170

ولهذا قال تعالى: والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]، { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه معنى آخر أن الله يراهم حاصل أعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات الرفيقة ليزيدهم حسرات: أيها القانص ما أح سنت صيد الظبيات فاتك السرب ومازو ودت غير الحسرات { وما هم بخارجين من النار } [البقرة: 167]، الحسرة والقطيعة أبد الآباد. ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } [البقرة: 168]، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى: يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا [المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيه أن العمل الصالح نتيجة أكل الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالا على ما أدلنا هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يأيها الرسل كلوا من الطيبات [المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، " ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } [البقرة: 169]، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره { إنه لكم عدو مبين } [البقرة: 168]، واتبعوا أوامر الله ورسوله إنما وليكم الله ورسوله [المائدة: 55]. ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء } [البقرة: 169]، النفس { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 169]، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى: إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53]، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ص: 82] وقال: ولأضلنهم [النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال: ولأمنينهم [النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ذلك ولهذا قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء [البقرة: 268]، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة بآفات الحسن والوهم والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئا بين الكفر والإباحة والزندقة، فضلوا كثيرا وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى تلفظوا بها، كما قال تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه بمثابة كيده كقوله: وأملي لهم إن كيدي متين [الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم أخبر عن جهلهم في الاقتداء بتقليد الآباء بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } [البقرة: 170]، والإشارة فيها أنه لا عبرة من أمر الدين بتقليد الآباء، واتباع مذاهبهم كقوله تعالى: { بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ، بل الواجب على العبد اتباع ما أنزل الله بصدق النية في الطلب، وخلوص الطوية في العمل، وفي قوله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } [البقرة: 170]، إشارة إلى قطع النظر عن أسلافه وأتباعهم واتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيئا من طريق الحق، وضلوا في تيه محبة الدنيا، ويدعون أنهم أهل العلم وأهل الخرقة، وليسوا من أهل الخرقة، واتخذوا العلم والخرقة حرفة ومكسبا للمال والجاه، ويقطعون الطريق على أهل الطلب للطلب، كما قال في بعض الكتب المنزلة: لا تسألن عني عالم أسكرته حب الدنيا، فأولئك قطاع الطريق على عبادي { ولا يهتدون } طريق الحق لأنفسهم ليرجعوا عما هم فيه من الحرص على الدنيا ومتابعة الهوى، وفيه إشارة أن من يكن على عبادة جادة الحق، وقدمه ثابتة على صراط مستقيم الشريعة، وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة، فيجوز الاقتداء به إذ هو من أهل الاهتداء على عالم الحقيقة دون مدعي الشيخوخة بطريق من الآباء، ولا حظ لهم من طريق الاهتداء، فإنهم لا يصلحون للاقتداء وهذا حال أكثر المشايخ في زماننا تاب الله عليهم وأصلح بالهم.

البقرة 2:171

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:172

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:173

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:174

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:175

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:176

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:177

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:178

ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } [البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء } ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء روحها، فخاطبهم الحق ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا من أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } [البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }. ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } [البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم: عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: 173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني " من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اليسير من الرياء شرك " { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } [البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة. ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } [البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } [البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10]، فافهم جدا. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: وجزآء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: { شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } [البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك } [البقرة: 176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } [البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم الأزلي والكلام السرمدي: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة المحبوب لقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق { واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } [البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: 177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } [البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } [البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { وأقام الصلاة } [البقرة: 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق { والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود كقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم وأعلى في المعنى. ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } [البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان، هل جزآء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة.

البقرة 2:179

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:180

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:181

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:182

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:183

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:184

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:185

ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } [البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة الإنسانية؛ لقوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: " موتوا قبل أن تموتوا " أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } [البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، { بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من الشهوات، وفي الأعمال متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا واحدا، كما قيل: وكل له سؤال ودين ومذهب ووصلكم مسئولي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمي مناي مناكم واختياري رضاكم وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، حقا على المتقين [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: هدى للمتقين [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: ما دمت حيا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، { إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم } [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: لينذر من كان حيا [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة ما عندكم ينفد وما عند الله [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: " كفى بالموت واعظا " ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } [البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { والفرقان } [البقرة: 185]. الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال تعالى لأهل العزائم: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية } [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } [البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول: " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " من استوى يوماه فهو مغبون " وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان خلقه القرآن " فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: 185]. ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن } كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه }؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة رضي الله عنه " أصبت فالزم " ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } [البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من فيض جودك ما علمتني الطلبا حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } [البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] أهل الكمال.

البقرة 2:186

ثم أخبر أنه مع عظم الشأن قريب بالإحسان بقوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } [البقرة: 186]، والإشارة فيها أن من يكون مخصوصا بخصوصية عبادي يكون سؤالهم عني لا عن غيري؛ ولأنه { إذا سألك عبادي عني فإني قريب }؛ أي: إنما كان سؤالهم عني حين سألوك؛ لأني كنت قريبا باللطف إليهم أقرب إليهم منهم بهم كقوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16]، { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]؛ أي: صفتي أني أجيب دعوة الداع إذا دعان، { فليستجيبوا لي } [البقرة: 186]، كما إني أجيب لهم إذا دعوني؛ ليكونوا موصوفين بصفتي في الإجابة؛ { وليؤمنوا } [البقرة: 186]، إجابتهم أن يؤمنوا { بي } [البقرة: 186] بمعني الطلب؛ أي: يطلبوني ولا يطلبون من غيري، { لعلهم يرشدون } [البقرة: 186]؛ لكي يهتدوا بي؛ إذ يسألونك عني ولا يسألونك عن غيري، كما أن قوما يسألونك عن الأنفال [الأنفال: 1]، وقوما يسألونك عن اليتامى [البقرة: 220]، وقوما يسألونك عن الروح [الإسراء: 85] فإن قيل فلم لا تستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله الإجابة بقوله: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]، وبقوله: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60]، فالجواب عنه إنما لا تستجاب بعض الأدعية؛ لأن الداعي ترك بعض أركانه وشروطه، فإن للدعاء المستجاب أسبابا وشرائطا وهي كثيرة منها ما يتعلق بالعموم كما مر ذكر بعضها وليس هاهنا موضعه، ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية والتحلية، والإجابة موثوقة على تزكية الداعي فعليه أن يزكى البدن أولا فليصلحه ولو بلقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقم الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ويزكي نفسه ويطهرها عن أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة فإنه هو الأصل في الاستجابة؛ لكونها قاطعات لطريق الدعاء وفي الحديث: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ، ويزكي نفسه عن رين تعلقات الإنسان من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار، وينوره بنور الأخلاق الرباني، فإن هذه أسباب القربة؛ لرفع الدعاء إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ويزكي الروح عن دنس التفات لغيره؛ ليتعرض لنفحات ألطاف الحق، ويزكي السر عن وخيمة الشرك بتوجهه إلى الحق في الدعاء؛ لطلب الحق لا لطلب غير الحق؛ ليستجاب دعاؤه ولا يخيب رجاؤه، كما قال تعالى: " ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني " ، وإن الله تعالى وعد الإجابة بالدعاء فإني { أجيب دعوة الداع }؛ أي: دعاءه، { إذا دعان }؛ أي: إذا طلبني، وكذا قال تعالى: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60]؛ أي أطلبوني. وقال تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه [النمل: 62]، والمضطر من لم يكن له غير الله أن يطلبه من الله فيكون مضطرا في طلب الله من الله فلا يطلب من الله غير الله، فمن أضل ببعض هذه الشرائط في الدعاء فلم يلزمه الإجابة كمن أضل بركن من أركان الصلاة، لم يلزمه القبول إلا أنه الجبار فيجبر كل خليل وكسر يكون في أعمال العباد وبفضله وكرمه، وفي الحقيقة أن إفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم، وإنه ليعطي قبل السؤال ويتحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال. ثم أخبر عن تفضله بالنوال قبل السؤال بقوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } [البقرة: 187]، والإشارة في تحقيق الآية أن لخواص الإنسان بحسب تزكيهم من الروحاني والحيواني تلونا في الأحوال لا بد لهم منه، فتارة يكونون بحكم غلبات الصفات الروحانية والواردات الربانية في ضياء نهار الروحانية النورانية، ففي تلك الحالة لهم سكر يغنيهم عن المشارب النفسانية، فيصومون عن الحظوظ الإنسانية، وبقوا مع تلك الحالة لتلاشت نفوسهم بسطوات صفات الجلال، وطاشت أرواحهم، وما عاشت أبدانهم، كما من الله عليهم بقوله: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه [القصص: 72]. وتارة يكون بحسب الدواعي والحاجات الحيوانية مردودين إلى ليلة ظلمات الصفات الإنسانية، وفي تلك الحالة لهم صحو يعيدهم إلى أحكام عادات طبائع الحيوانية، ولو بقوا على تلك الحالة لماتت قلوبهم بهجوم الآفات وفات لهم من الحقوق ما فات، كما قال تعالى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة [القصص: 72]، فخصهم الله تعالى بنهار في كشف أستار الرحمة؛ ليسكنوا فيها ويستريحوا بها. وقال تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام } [البقرة: 187]؛ أي: ليلة تستريحون فيها وتستعدون لصيام غداتها؛ يعني: إن لم يكن ليلة الصيام ما أحل لكم فيها { الرفث إلى نسآئكم } ، وهي التمتعات النفسانية من الأمتعة الدنياوية المسخرة للنفس؛ لنفوذ تصرفها فيها تصرف الرجال في النساء لاستيفاء الحظوظ تقوية على أداء الحقوق ولا تكون مسخرة لها؛ لينفذ فيها تصرفها، { هن لباس لكم } [البقرة: 187]؛ أي: التمتعات بالحظوظ الإنسانية ستر لكم؛ ليحميكم عن حرارة شموس الشهود بلباس ظلمات صفات الوجود؛ كيلا تحرقكم سطوات تجلي صفات الجلال، { وأنتم لباس لهن } [البقرة: 187]؛ أي: بلباس صفاتكم الحميدة وأنوار أعمالكم الصالحة تسترون معايب الدنيا وتمتعاتكم بمتاع شهوات النفس ولذاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " نعم المال الصالح للرجل الصالح " ، والمال هو الملعون الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه " ، فصار الملعون صالحا ولقب بنعم إذا آمن بصلاح الرجل الصالح. { علم الله أنكم كنتم } [البقرة: 187] في خصوصية البشرية، { تختانون أنفسكم } [البقرة: 187] باستيفاء حظوظكم الحيوانية في ليالي الطلب من ضعفكم واستيلاء شهواتكم، { فتاب عليكم } [البقرة: 187] بنظر العناية إلى قلوبكم، { وعفا عنكم } [البقرة: 187]؛ أي: محا آثار ظلمات صفاتكم بأنوار هدايته عنكم، { فالآن } [البقرة: 187]؛ أي: في هذه الحالة، { بشروهن } [البقرة: 187]، رخص لكم في مباشرة الحظوظ النفسانية بقدر الحاجة للضرورة الإنسانية بالأمر لا بالطبع، { وابتغوا } [البقرة: 187] بقوة هذه المباشرة، { ما كتب الله لكم } [البقرة: 187] من المقامات العلية والدرجات الرفيعة، { وكلوا واشربوا } [البقرة: 187]؛ أي: تمتعوا بالحظوظ؛ لرفع الحاجات الإنسانية في ليالي الصحو، { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } [البقرة: 187]؛ أي: تظهر آثار أنوار شمس صفات الجلال وتمحو ظلمات الصفات والآمال في نهار السكر، { ثم أتموا الصيام } [البقرة: 187]، بالامتناع عن الاستمتاع عن المشارب الروحانية والحيوانية، { إلى الليل } [البقرة: 187]؛ أي: ليل الصحو بعد السكر. فكما أن الرزق منقسم إلى حالة قبض وإلى حالة بسط، فالأحوال أيضا تنقسم إلى قبض وبسط وزيادة ونقص وجدب وخصب وفرق وجمع وأخذ ورد وكشف وستر وصحو وإثبات ومحو وفناء وبقاء وتلوين وتمكين، قال قائلهم: كان سناء لم يزل إذا أبدا كان سناء لم يكن إذا مضى وقيل: إذا أكرمتني تجلى لطف كأني لم أزل منكم سقيما فإن فاجأني بخفي مكر كأني لم أجد منكم نسيما { ولا تبشروهن } أي: وتشغلوا القلوب بالحظوظ، ولا الأرواح بالاسترواح، ولا الأسرار بالاستظهار عن الأغيار، { وأنتم عكفون في المسجد } [البقرة: 187]؛ أي: مقيمون في مقامات القربة والوصلة، مجاورون في حظائر القدس ومجالس الأنس؛ يعني: عند احتياج النفس بالضروريات الإنسانية في بعض الأوقات وإشغالها بها، كونوا بالضرورة فيها، وبالقلوب والأرواح والأسرار كائنين مع الحق بعيدين عن الخلق، وهذا مقام أهل التمكين، فإنكم إن كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين فيكم بكم عنا، وإذا كنتم قائمين بنا فينا فلا تعودوا منا إليكم، { تلك حدود الله } [البقرة: 187]؛ أي: تلك القربة والوصلة والاعتكاف والتبتل إلى الله حدود الله، { فلا تقربوها } [البقرة: 187]، بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف، ولا تقربوها بالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف. بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم وأنتم ملوك ما لقصدكم نحو { كذلك يبين الله } [البقرة: 187] يظهر الله، { ءايته } [البقرة: 187] ودلائله وبراهينه، { للناس } [البقرة: 187] أهل الصدق والطلب، { لعلهم يتقون } [البقرة: 187] بأنوار العواطف والجود عن ظلمات شركة الوجود. ثم أخبر عن فساد الأحوال من أكل الأموال بقوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } [البقرة: 188]، والإشارة فيها أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس، وأن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]؛ ليعلموا أن ليس لهم الأموال والأنفس وإنما هي لله، فلا تتصرفوا في الأموال والأنفس إلا بأمر الله تعالى، ثم قال تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم } [البقرة: 188]؛ أي: الأموال التي اشترى الله منكم بالباطل؛ أي: بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف على الغفلة، وكلوا بالحق بالأمر بالقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية. { وتدلوا بها إلى الحكام } [البقرة: 188]؛ أي: ولا تدلوا إلى الحكام؛ وهي: النفس الأمارة بالسوء، { لتأكلوا فريقا من أموال الناس } [البقرة: 188]؛ أي: من الأموال التي خلقت للاستعانة على العبودية، { بالإثم } [البقرة: 188]؛ أي: بالقطيعة والغفلة مستعينا بها على المعصية كالحيوانات والبهائم؛ لتأكلوا بحظ النفس البهيمية فيكون حالكم ومرجعكم ومثواكم النار؛ لقوله تعالى: ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]، { وأنتم تعلمون } حاصل الأمر ولا تعملون.

البقرة 2:187

ثم أخبر أنه مع عظم الشأن قريب بالإحسان بقوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } [البقرة: 186]، والإشارة فيها أن من يكون مخصوصا بخصوصية عبادي يكون سؤالهم عني لا عن غيري؛ ولأنه { إذا سألك عبادي عني فإني قريب }؛ أي: إنما كان سؤالهم عني حين سألوك؛ لأني كنت قريبا باللطف إليهم أقرب إليهم منهم بهم كقوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16]، { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]؛ أي: صفتي أني أجيب دعوة الداع إذا دعان، { فليستجيبوا لي } [البقرة: 186]، كما إني أجيب لهم إذا دعوني؛ ليكونوا موصوفين بصفتي في الإجابة؛ { وليؤمنوا } [البقرة: 186]، إجابتهم أن يؤمنوا { بي } [البقرة: 186] بمعني الطلب؛ أي: يطلبوني ولا يطلبون من غيري، { لعلهم يرشدون } [البقرة: 186]؛ لكي يهتدوا بي؛ إذ يسألونك عني ولا يسألونك عن غيري، كما أن قوما يسألونك عن الأنفال [الأنفال: 1]، وقوما يسألونك عن اليتامى [البقرة: 220]، وقوما يسألونك عن الروح [الإسراء: 85] فإن قيل فلم لا تستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله الإجابة بقوله: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]، وبقوله: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60]، فالجواب عنه إنما لا تستجاب بعض الأدعية؛ لأن الداعي ترك بعض أركانه وشروطه، فإن للدعاء المستجاب أسبابا وشرائطا وهي كثيرة منها ما يتعلق بالعموم كما مر ذكر بعضها وليس هاهنا موضعه، ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية والتحلية، والإجابة موثوقة على تزكية الداعي فعليه أن يزكى البدن أولا فليصلحه ولو بلقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقم الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ويزكي نفسه ويطهرها عن أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة فإنه هو الأصل في الاستجابة؛ لكونها قاطعات لطريق الدعاء وفي الحديث: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ، ويزكي نفسه عن رين تعلقات الإنسان من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار، وينوره بنور الأخلاق الرباني، فإن هذه أسباب القربة؛ لرفع الدعاء إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ويزكي الروح عن دنس التفات لغيره؛ ليتعرض لنفحات ألطاف الحق، ويزكي السر عن وخيمة الشرك بتوجهه إلى الحق في الدعاء؛ لطلب الحق لا لطلب غير الحق؛ ليستجاب دعاؤه ولا يخيب رجاؤه، كما قال تعالى: " ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني " ، وإن الله تعالى وعد الإجابة بالدعاء فإني { أجيب دعوة الداع }؛ أي: دعاءه، { إذا دعان }؛ أي: إذا طلبني، وكذا قال تعالى: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60]؛ أي أطلبوني. وقال تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه [النمل: 62]، والمضطر من لم يكن له غير الله أن يطلبه من الله فيكون مضطرا في طلب الله من الله فلا يطلب من الله غير الله، فمن أضل ببعض هذه الشرائط في الدعاء فلم يلزمه الإجابة كمن أضل بركن من أركان الصلاة، لم يلزمه القبول إلا أنه الجبار فيجبر كل خليل وكسر يكون في أعمال العباد وبفضله وكرمه، وفي الحقيقة أن إفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم، وإنه ليعطي قبل السؤال ويتحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال. ثم أخبر عن تفضله بالنوال قبل السؤال بقوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } [البقرة: 187]، والإشارة في تحقيق الآية أن لخواص الإنسان بحسب تزكيهم من الروحاني والحيواني تلونا في الأحوال لا بد لهم منه، فتارة يكونون بحكم غلبات الصفات الروحانية والواردات الربانية في ضياء نهار الروحانية النورانية، ففي تلك الحالة لهم سكر يغنيهم عن المشارب النفسانية، فيصومون عن الحظوظ الإنسانية، وبقوا مع تلك الحالة لتلاشت نفوسهم بسطوات صفات الجلال، وطاشت أرواحهم، وما عاشت أبدانهم، كما من الله عليهم بقوله: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه [القصص: 72]. وتارة يكون بحسب الدواعي والحاجات الحيوانية مردودين إلى ليلة ظلمات الصفات الإنسانية، وفي تلك الحالة لهم صحو يعيدهم إلى أحكام عادات طبائع الحيوانية، ولو بقوا على تلك الحالة لماتت قلوبهم بهجوم الآفات وفات لهم من الحقوق ما فات، كما قال تعالى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة [القصص: 72]، فخصهم الله تعالى بنهار في كشف أستار الرحمة؛ ليسكنوا فيها ويستريحوا بها. وقال تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام } [البقرة: 187]؛ أي: ليلة تستريحون فيها وتستعدون لصيام غداتها؛ يعني: إن لم يكن ليلة الصيام ما أحل لكم فيها { الرفث إلى نسآئكم } ، وهي التمتعات النفسانية من الأمتعة الدنياوية المسخرة للنفس؛ لنفوذ تصرفها فيها تصرف الرجال في النساء لاستيفاء الحظوظ تقوية على أداء الحقوق ولا تكون مسخرة لها؛ لينفذ فيها تصرفها، { هن لباس لكم } [البقرة: 187]؛ أي: التمتعات بالحظوظ الإنسانية ستر لكم؛ ليحميكم عن حرارة شموس الشهود بلباس ظلمات صفات الوجود؛ كيلا تحرقكم سطوات تجلي صفات الجلال، { وأنتم لباس لهن } [البقرة: 187]؛ أي: بلباس صفاتكم الحميدة وأنوار أعمالكم الصالحة تسترون معايب الدنيا وتمتعاتكم بمتاع شهوات النفس ولذاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " نعم المال الصالح للرجل الصالح " ، والمال هو الملعون الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه " ، فصار الملعون صالحا ولقب بنعم إذا آمن بصلاح الرجل الصالح. { علم الله أنكم كنتم } [البقرة: 187] في خصوصية البشرية، { تختانون أنفسكم } [البقرة: 187] باستيفاء حظوظكم الحيوانية في ليالي الطلب من ضعفكم واستيلاء شهواتكم، { فتاب عليكم } [البقرة: 187] بنظر العناية إلى قلوبكم، { وعفا عنكم } [البقرة: 187]؛ أي: محا آثار ظلمات صفاتكم بأنوار هدايته عنكم، { فالآن } [البقرة: 187]؛ أي: في هذه الحالة، { بشروهن } [البقرة: 187]، رخص لكم في مباشرة الحظوظ النفسانية بقدر الحاجة للضرورة الإنسانية بالأمر لا بالطبع، { وابتغوا } [البقرة: 187] بقوة هذه المباشرة، { ما كتب الله لكم } [البقرة: 187] من المقامات العلية والدرجات الرفيعة، { وكلوا واشربوا } [البقرة: 187]؛ أي: تمتعوا بالحظوظ؛ لرفع الحاجات الإنسانية في ليالي الصحو، { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } [البقرة: 187]؛ أي: تظهر آثار أنوار شمس صفات الجلال وتمحو ظلمات الصفات والآمال في نهار السكر، { ثم أتموا الصيام } [البقرة: 187]، بالامتناع عن الاستمتاع عن المشارب الروحانية والحيوانية، { إلى الليل } [البقرة: 187]؛ أي: ليل الصحو بعد السكر. فكما أن الرزق منقسم إلى حالة قبض وإلى حالة بسط، فالأحوال أيضا تنقسم إلى قبض وبسط وزيادة ونقص وجدب وخصب وفرق وجمع وأخذ ورد وكشف وستر وصحو وإثبات ومحو وفناء وبقاء وتلوين وتمكين، قال قائلهم: كان سناء لم يزل إذا أبدا كان سناء لم يكن إذا مضى وقيل: إذا أكرمتني تجلى لطف كأني لم أزل منكم سقيما فإن فاجأني بخفي مكر كأني لم أجد منكم نسيما { ولا تبشروهن } أي: وتشغلوا القلوب بالحظوظ، ولا الأرواح بالاسترواح، ولا الأسرار بالاستظهار عن الأغيار، { وأنتم عكفون في المسجد } [البقرة: 187]؛ أي: مقيمون في مقامات القربة والوصلة، مجاورون في حظائر القدس ومجالس الأنس؛ يعني: عند احتياج النفس بالضروريات الإنسانية في بعض الأوقات وإشغالها بها، كونوا بالضرورة فيها، وبالقلوب والأرواح والأسرار كائنين مع الحق بعيدين عن الخلق، وهذا مقام أهل التمكين، فإنكم إن كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين فيكم بكم عنا، وإذا كنتم قائمين بنا فينا فلا تعودوا منا إليكم، { تلك حدود الله } [البقرة: 187]؛ أي: تلك القربة والوصلة والاعتكاف والتبتل إلى الله حدود الله، { فلا تقربوها } [البقرة: 187]، بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف، ولا تقربوها بالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف. بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم وأنتم ملوك ما لقصدكم نحو { كذلك يبين الله } [البقرة: 187] يظهر الله، { ءايته } [البقرة: 187] ودلائله وبراهينه، { للناس } [البقرة: 187] أهل الصدق والطلب، { لعلهم يتقون } [البقرة: 187] بأنوار العواطف والجود عن ظلمات شركة الوجود. ثم أخبر عن فساد الأحوال من أكل الأموال بقوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } [البقرة: 188]، والإشارة فيها أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس، وأن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]؛ ليعلموا أن ليس لهم الأموال والأنفس وإنما هي لله، فلا تتصرفوا في الأموال والأنفس إلا بأمر الله تعالى، ثم قال تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم } [البقرة: 188]؛ أي: الأموال التي اشترى الله منكم بالباطل؛ أي: بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف على الغفلة، وكلوا بالحق بالأمر بالقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية. { وتدلوا بها إلى الحكام } [البقرة: 188]؛ أي: ولا تدلوا إلى الحكام؛ وهي: النفس الأمارة بالسوء، { لتأكلوا فريقا من أموال الناس } [البقرة: 188]؛ أي: من الأموال التي خلقت للاستعانة على العبودية، { بالإثم } [البقرة: 188]؛ أي: بالقطيعة والغفلة مستعينا بها على المعصية كالحيوانات والبهائم؛ لتأكلوا بحظ النفس البهيمية فيكون حالكم ومرجعكم ومثواكم النار؛ لقوله تعالى: ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]، { وأنتم تعلمون } حاصل الأمر ولا تعملون.

البقرة 2:188

ثم أخبر أنه مع عظم الشأن قريب بالإحسان بقوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } [البقرة: 186]، والإشارة فيها أن من يكون مخصوصا بخصوصية عبادي يكون سؤالهم عني لا عن غيري؛ ولأنه { إذا سألك عبادي عني فإني قريب }؛ أي: إنما كان سؤالهم عني حين سألوك؛ لأني كنت قريبا باللطف إليهم أقرب إليهم منهم بهم كقوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16]، { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]؛ أي: صفتي أني أجيب دعوة الداع إذا دعان، { فليستجيبوا لي } [البقرة: 186]، كما إني أجيب لهم إذا دعوني؛ ليكونوا موصوفين بصفتي في الإجابة؛ { وليؤمنوا } [البقرة: 186]، إجابتهم أن يؤمنوا { بي } [البقرة: 186] بمعني الطلب؛ أي: يطلبوني ولا يطلبون من غيري، { لعلهم يرشدون } [البقرة: 186]؛ لكي يهتدوا بي؛ إذ يسألونك عني ولا يسألونك عن غيري، كما أن قوما يسألونك عن الأنفال [الأنفال: 1]، وقوما يسألونك عن اليتامى [البقرة: 220]، وقوما يسألونك عن الروح [الإسراء: 85] فإن قيل فلم لا تستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله الإجابة بقوله: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]، وبقوله: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60]، فالجواب عنه إنما لا تستجاب بعض الأدعية؛ لأن الداعي ترك بعض أركانه وشروطه، فإن للدعاء المستجاب أسبابا وشرائطا وهي كثيرة منها ما يتعلق بالعموم كما مر ذكر بعضها وليس هاهنا موضعه، ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية والتحلية، والإجابة موثوقة على تزكية الداعي فعليه أن يزكى البدن أولا فليصلحه ولو بلقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقم الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ويزكي نفسه ويطهرها عن أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة فإنه هو الأصل في الاستجابة؛ لكونها قاطعات لطريق الدعاء وفي الحديث: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ، ويزكي نفسه عن رين تعلقات الإنسان من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار، وينوره بنور الأخلاق الرباني، فإن هذه أسباب القربة؛ لرفع الدعاء إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ويزكي الروح عن دنس التفات لغيره؛ ليتعرض لنفحات ألطاف الحق، ويزكي السر عن وخيمة الشرك بتوجهه إلى الحق في الدعاء؛ لطلب الحق لا لطلب غير الحق؛ ليستجاب دعاؤه ولا يخيب رجاؤه، كما قال تعالى: " ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني " ، وإن الله تعالى وعد الإجابة بالدعاء فإني { أجيب دعوة الداع }؛ أي: دعاءه، { إذا دعان }؛ أي: إذا طلبني، وكذا قال تعالى: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60]؛ أي أطلبوني. وقال تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه [النمل: 62]، والمضطر من لم يكن له غير الله أن يطلبه من الله فيكون مضطرا في طلب الله من الله فلا يطلب من الله غير الله، فمن أضل ببعض هذه الشرائط في الدعاء فلم يلزمه الإجابة كمن أضل بركن من أركان الصلاة، لم يلزمه القبول إلا أنه الجبار فيجبر كل خليل وكسر يكون في أعمال العباد وبفضله وكرمه، وفي الحقيقة أن إفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم، وإنه ليعطي قبل السؤال ويتحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال. ثم أخبر عن تفضله بالنوال قبل السؤال بقوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } [البقرة: 187]، والإشارة في تحقيق الآية أن لخواص الإنسان بحسب تزكيهم من الروحاني والحيواني تلونا في الأحوال لا بد لهم منه، فتارة يكونون بحكم غلبات الصفات الروحانية والواردات الربانية في ضياء نهار الروحانية النورانية، ففي تلك الحالة لهم سكر يغنيهم عن المشارب النفسانية، فيصومون عن الحظوظ الإنسانية، وبقوا مع تلك الحالة لتلاشت نفوسهم بسطوات صفات الجلال، وطاشت أرواحهم، وما عاشت أبدانهم، كما من الله عليهم بقوله: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه [القصص: 72]. وتارة يكون بحسب الدواعي والحاجات الحيوانية مردودين إلى ليلة ظلمات الصفات الإنسانية، وفي تلك الحالة لهم صحو يعيدهم إلى أحكام عادات طبائع الحيوانية، ولو بقوا على تلك الحالة لماتت قلوبهم بهجوم الآفات وفات لهم من الحقوق ما فات، كما قال تعالى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة [القصص: 72]، فخصهم الله تعالى بنهار في كشف أستار الرحمة؛ ليسكنوا فيها ويستريحوا بها. وقال تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام } [البقرة: 187]؛ أي: ليلة تستريحون فيها وتستعدون لصيام غداتها؛ يعني: إن لم يكن ليلة الصيام ما أحل لكم فيها { الرفث إلى نسآئكم } ، وهي التمتعات النفسانية من الأمتعة الدنياوية المسخرة للنفس؛ لنفوذ تصرفها فيها تصرف الرجال في النساء لاستيفاء الحظوظ تقوية على أداء الحقوق ولا تكون مسخرة لها؛ لينفذ فيها تصرفها، { هن لباس لكم } [البقرة: 187]؛ أي: التمتعات بالحظوظ الإنسانية ستر لكم؛ ليحميكم عن حرارة شموس الشهود بلباس ظلمات صفات الوجود؛ كيلا تحرقكم سطوات تجلي صفات الجلال، { وأنتم لباس لهن } [البقرة: 187]؛ أي: بلباس صفاتكم الحميدة وأنوار أعمالكم الصالحة تسترون معايب الدنيا وتمتعاتكم بمتاع شهوات النفس ولذاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " نعم المال الصالح للرجل الصالح " ، والمال هو الملعون الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه " ، فصار الملعون صالحا ولقب بنعم إذا آمن بصلاح الرجل الصالح. { علم الله أنكم كنتم } [البقرة: 187] في خصوصية البشرية، { تختانون أنفسكم } [البقرة: 187] باستيفاء حظوظكم الحيوانية في ليالي الطلب من ضعفكم واستيلاء شهواتكم، { فتاب عليكم } [البقرة: 187] بنظر العناية إلى قلوبكم، { وعفا عنكم } [البقرة: 187]؛ أي: محا آثار ظلمات صفاتكم بأنوار هدايته عنكم، { فالآن } [البقرة: 187]؛ أي: في هذه الحالة، { بشروهن } [البقرة: 187]، رخص لكم في مباشرة الحظوظ النفسانية بقدر الحاجة للضرورة الإنسانية بالأمر لا بالطبع، { وابتغوا } [البقرة: 187] بقوة هذه المباشرة، { ما كتب الله لكم } [البقرة: 187] من المقامات العلية والدرجات الرفيعة، { وكلوا واشربوا } [البقرة: 187]؛ أي: تمتعوا بالحظوظ؛ لرفع الحاجات الإنسانية في ليالي الصحو، { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } [البقرة: 187]؛ أي: تظهر آثار أنوار شمس صفات الجلال وتمحو ظلمات الصفات والآمال في نهار السكر، { ثم أتموا الصيام } [البقرة: 187]، بالامتناع عن الاستمتاع عن المشارب الروحانية والحيوانية، { إلى الليل } [البقرة: 187]؛ أي: ليل الصحو بعد السكر. فكما أن الرزق منقسم إلى حالة قبض وإلى حالة بسط، فالأحوال أيضا تنقسم إلى قبض وبسط وزيادة ونقص وجدب وخصب وفرق وجمع وأخذ ورد وكشف وستر وصحو وإثبات ومحو وفناء وبقاء وتلوين وتمكين، قال قائلهم: كان سناء لم يزل إذا أبدا كان سناء لم يكن إذا مضى وقيل: إذا أكرمتني تجلى لطف كأني لم أزل منكم سقيما فإن فاجأني بخفي مكر كأني لم أجد منكم نسيما { ولا تبشروهن } أي: وتشغلوا القلوب بالحظوظ، ولا الأرواح بالاسترواح، ولا الأسرار بالاستظهار عن الأغيار، { وأنتم عكفون في المسجد } [البقرة: 187]؛ أي: مقيمون في مقامات القربة والوصلة، مجاورون في حظائر القدس ومجالس الأنس؛ يعني: عند احتياج النفس بالضروريات الإنسانية في بعض الأوقات وإشغالها بها، كونوا بالضرورة فيها، وبالقلوب والأرواح والأسرار كائنين مع الحق بعيدين عن الخلق، وهذا مقام أهل التمكين، فإنكم إن كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين فيكم بكم عنا، وإذا كنتم قائمين بنا فينا فلا تعودوا منا إليكم، { تلك حدود الله } [البقرة: 187]؛ أي: تلك القربة والوصلة والاعتكاف والتبتل إلى الله حدود الله، { فلا تقربوها } [البقرة: 187]، بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف، ولا تقربوها بالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف. بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم وأنتم ملوك ما لقصدكم نحو { كذلك يبين الله } [البقرة: 187] يظهر الله، { ءايته } [البقرة: 187] ودلائله وبراهينه، { للناس } [البقرة: 187] أهل الصدق والطلب، { لعلهم يتقون } [البقرة: 187] بأنوار العواطف والجود عن ظلمات شركة الوجود. ثم أخبر عن فساد الأحوال من أكل الأموال بقوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } [البقرة: 188]، والإشارة فيها أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس، وأن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية؛ لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]؛ ليعلموا أن ليس لهم الأموال والأنفس وإنما هي لله، فلا تتصرفوا في الأموال والأنفس إلا بأمر الله تعالى، ثم قال تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم } [البقرة: 188]؛ أي: الأموال التي اشترى الله منكم بالباطل؛ أي: بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف على الغفلة، وكلوا بالحق بالأمر بالقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية. { وتدلوا بها إلى الحكام } [البقرة: 188]؛ أي: ولا تدلوا إلى الحكام؛ وهي: النفس الأمارة بالسوء، { لتأكلوا فريقا من أموال الناس } [البقرة: 188]؛ أي: من الأموال التي خلقت للاستعانة على العبودية، { بالإثم } [البقرة: 188]؛ أي: بالقطيعة والغفلة مستعينا بها على المعصية كالحيوانات والبهائم؛ لتأكلوا بحظ النفس البهيمية فيكون حالكم ومرجعكم ومثواكم النار؛ لقوله تعالى: ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]، { وأنتم تعلمون } حاصل الأمر ولا تعملون.

البقرة 2:189

ثم أخبر عن سير الأخيار وسير الأبرار بقوله تعالى: { يسألونك عن الأهلة } [البقرة: 189]، والإشارة فيها أن الأهلة { قل هي مواقيت للناس } [البقرة: 189]؛ أي: للناس فيها اختيار كاشتغال كل طائفة بما هو أهله في تلك المواقيت على تفاوت أعمالهم، ومواقيت هذا القوم في تفاوت أهوالهم، فللزاهدين مواقيت أورادهم، وللصادقين مواقيت مراقباتهم، { والحج } [البقرة: 189]، إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت على الصديقين من غير أخيارهم، ومن المحبوب على المحبين من غير اختيارهم بل باضطرارهم، فللصديقين مواقيت أوقاتهم، فمن كان وقته الصحو كان قياما بالشريعة، ومن كان وقته المحو، فالغالب أحكام الحقيقة، وللمحبين مواقيت أوصاف محبوبهم، فإن خرجوا عن وصف وجودهم ودخلوا في حكم وصف محبوبهم والله غالب على أمرهم؛ فهو من إحساس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا. { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } [البقرة: 189]، فيه إشارة إلى أن لكل شيء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول إليه ولا الدخول إلا باتباع ذلك السبب والدخول؛ لقوله تعالى: وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا [الكهف: 84-85]، نسب الوصول إلى حضرة الربوبية، والمدخل فيها هو التقوى اسم جامع لكل بر من أعمال الظاهر وأحوال الباطن، والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر، فبقدر السلوك في مراتب القوى يكون الوصول إلى حضرة المولى كقوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: " عليكم بتقوى الله فإنه جامع كل خير ". وقوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } [البقرة: 189]؛ أي: غير مدخلها بمحافظة ظواهر الأعمال من رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال، { ولكن البر من اتقى } [البقرة: 189]؛ أي: حق التقوى؛ لقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]، وقيل في معناه أن يطاع فلا يحصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، { وأتوا البيوت من أبوابها } [البقرة: 189]؛ أي: ادخلوا الأمور من مداخلها. ثم ذكر مدخل القبول وقال: { واتقوا الله } [البقرة: 189]؛ أي: اتقوا بالله عما سواه، يقال: فلان اتقى بربه؛ يعني: اجعلوا نحوركم ومتقاكم مفركم ومفزعكم ومرجعكم منه إليه، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أعوذ بك منك " ، { لعلكم تفلحون } [البقرة: 189]؛ لكي تنجو وتتخلصوا من مهالك النفوس بإعانة الملك القدوس. ثم أخبر عن النجاة وطريق نيل الدرجات بقوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } [البقرة: 190]، والإشارة في تحقيق الآية أن قاتلوا من يمنعكم عن السير في سبيل الله، أو أراد أن يقطع عليكم طريقه من شياطين الأنس والجن حتى نفوسكم، وإن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رجع من جهاد: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، { ولا تعتدوا } [البقرة: 190]؛ أي: لا تجاوزوا عن حد الشرع، فتجاهدوا بالطبع ولكن كونوا قانتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة، وهو أن تقفوا حيث ما توقفون، وتفعلوا ما به تؤمرون، { إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة: 190]، فلا تجمعون طرفي الإفراط والتفريط.

البقرة 2:190

ثم أخبر عن سير الأخيار وسير الأبرار بقوله تعالى: { يسألونك عن الأهلة } [البقرة: 189]، والإشارة فيها أن الأهلة { قل هي مواقيت للناس } [البقرة: 189]؛ أي: للناس فيها اختيار كاشتغال كل طائفة بما هو أهله في تلك المواقيت على تفاوت أعمالهم، ومواقيت هذا القوم في تفاوت أهوالهم، فللزاهدين مواقيت أورادهم، وللصادقين مواقيت مراقباتهم، { والحج } [البقرة: 189]، إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت على الصديقين من غير أخيارهم، ومن المحبوب على المحبين من غير اختيارهم بل باضطرارهم، فللصديقين مواقيت أوقاتهم، فمن كان وقته الصحو كان قياما بالشريعة، ومن كان وقته المحو، فالغالب أحكام الحقيقة، وللمحبين مواقيت أوصاف محبوبهم، فإن خرجوا عن وصف وجودهم ودخلوا في حكم وصف محبوبهم والله غالب على أمرهم؛ فهو من إحساس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا. { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } [البقرة: 189]، فيه إشارة إلى أن لكل شيء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول إليه ولا الدخول إلا باتباع ذلك السبب والدخول؛ لقوله تعالى: وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا [الكهف: 84-85]، نسب الوصول إلى حضرة الربوبية، والمدخل فيها هو التقوى اسم جامع لكل بر من أعمال الظاهر وأحوال الباطن، والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر، فبقدر السلوك في مراتب القوى يكون الوصول إلى حضرة المولى كقوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: " عليكم بتقوى الله فإنه جامع كل خير ". وقوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } [البقرة: 189]؛ أي: غير مدخلها بمحافظة ظواهر الأعمال من رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال، { ولكن البر من اتقى } [البقرة: 189]؛ أي: حق التقوى؛ لقوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102]، وقيل في معناه أن يطاع فلا يحصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، { وأتوا البيوت من أبوابها } [البقرة: 189]؛ أي: ادخلوا الأمور من مداخلها. ثم ذكر مدخل القبول وقال: { واتقوا الله } [البقرة: 189]؛ أي: اتقوا بالله عما سواه، يقال: فلان اتقى بربه؛ يعني: اجعلوا نحوركم ومتقاكم مفركم ومفزعكم ومرجعكم منه إليه، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أعوذ بك منك " ، { لعلكم تفلحون } [البقرة: 189]؛ لكي تنجو وتتخلصوا من مهالك النفوس بإعانة الملك القدوس. ثم أخبر عن النجاة وطريق نيل الدرجات بقوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } [البقرة: 190]، والإشارة في تحقيق الآية أن قاتلوا من يمنعكم عن السير في سبيل الله، أو أراد أن يقطع عليكم طريقه من شياطين الأنس والجن حتى نفوسكم، وإن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رجع من جهاد: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، { ولا تعتدوا } [البقرة: 190]؛ أي: لا تجاوزوا عن حد الشرع، فتجاهدوا بالطبع ولكن كونوا قانتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة، وهو أن تقفوا حيث ما توقفون، وتفعلوا ما به تؤمرون، { إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة: 190]، فلا تجمعون طرفي الإفراط والتفريط.

البقرة 2:191

ثم أخبر عن إقامة حق الاستقامة بقوله تعالى: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } [البقرة: 191]، إلى قوله تعالى: فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193] والإشارة فيها: { واقتلوهم حيث }؛ أي: اقتلوا الكافر النفس وهواها من قلوبكم كما أخرجتكم من جمعية القلب وحضوره، { والفتنة أشد من القتل } [البقرة: 191]؛ يعني: المحنة التي ترد على القلوب من طوارق فتنة النفس؛ لتحجبها عن الله أشد من المحن التي ترد على النفوس من القتل بمخالفة هواها، فإن حياتها بمألوفاتها، وحياة القلب لا تكون إلا بالله، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } [البقرة: 191]؛ يعني: لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها حتى تكونوا آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح، ولا تنازعوهم مما نازعوكم، وكونوا مراقبين أحوالكم وحضور قلوبكم مع الله، { حتى يقاتلوكم فيه } [البقرة: 191]؛ أي: يزاحكمونكم في الحضور، ويسمونكم بالهواجس ودواعي الهوى، { فإن قاتلوكم } [البقرة: 191]، نازعوكم في الجمعية والحضور، { فاقتلوهم كذلك جزآء الكافرين } [البقرة: 191]، بسيف الصدق، واقطعوا ثائرة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن؛ لئلا تبقى لكم علاقة تصدكم عن ذكر الله. { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } [البقرة: 192]؛ يعني: إذا انقطع عنكم مزاحمة النفس وهواها وانخمدت نار شهواتها وسكنت دواعيها وقنعت بما لا بد لها فصارت كالذمي لا يجوز أذيتها، فدعوها مع ذاتها وإعطاء جزيتها بأداء الحقوق وترك الفضول في الحظوظ، ولا تؤذوها بالقلق في مجاهداتها، وإن من طولب بحفظه الأسرار لا يفرغ إلى مجاهدات النفوس بل المطلوب فراغ القلب عما سواه وحضوره مع مولاه.

البقرة 2:192

ثم أخبر عن إقامة حق الاستقامة بقوله تعالى: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } [البقرة: 191]، إلى قوله تعالى: فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193] والإشارة فيها: { واقتلوهم حيث }؛ أي: اقتلوا الكافر النفس وهواها من قلوبكم كما أخرجتكم من جمعية القلب وحضوره، { والفتنة أشد من القتل } [البقرة: 191]؛ يعني: المحنة التي ترد على القلوب من طوارق فتنة النفس؛ لتحجبها عن الله أشد من المحن التي ترد على النفوس من القتل بمخالفة هواها، فإن حياتها بمألوفاتها، وحياة القلب لا تكون إلا بالله، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } [البقرة: 191]؛ يعني: لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها حتى تكونوا آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح، ولا تنازعوهم مما نازعوكم، وكونوا مراقبين أحوالكم وحضور قلوبكم مع الله، { حتى يقاتلوكم فيه } [البقرة: 191]؛ أي: يزاحكمونكم في الحضور، ويسمونكم بالهواجس ودواعي الهوى، { فإن قاتلوكم } [البقرة: 191]، نازعوكم في الجمعية والحضور، { فاقتلوهم كذلك جزآء الكافرين } [البقرة: 191]، بسيف الصدق، واقطعوا ثائرة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن؛ لئلا تبقى لكم علاقة تصدكم عن ذكر الله. { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } [البقرة: 192]؛ يعني: إذا انقطع عنكم مزاحمة النفس وهواها وانخمدت نار شهواتها وسكنت دواعيها وقنعت بما لا بد لها فصارت كالذمي لا يجوز أذيتها، فدعوها مع ذاتها وإعطاء جزيتها بأداء الحقوق وترك الفضول في الحظوظ، ولا تؤذوها بالقلق في مجاهداتها، وإن من طولب بحفظه الأسرار لا يفرغ إلى مجاهدات النفوس بل المطلوب فراغ القلب عما سواه وحضوره مع مولاه.

البقرة 2:193

وإنما تعذب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، { ويكون } [البقرة: 193]، استسلامها، { الدين لله } [البقرة: 193]، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، { فإن انتهوا } [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس { فلا عدوان } [البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، { إلا على الظالمين } [البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى. ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } [البقرة: 194]، أشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، { والحرمات قصاص } [البقرة: 194]، واقضوا الغاية، واقتصوا الحقوق. { فمن اعتدى عليكم } [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، { فاعتدوا عليه } [البقرة: 194]، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، { بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، { واتقوا الله } [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتنابا من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، { واعلموا أن الله مع المتقين } [البقرة: 194]، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء. { وأنفقوا في سبيل الله } [البقرة: 195]، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم [الصف: 11]، { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفريطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الاثنين، وأيضا: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضا: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضا: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضا: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضا: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور. { وأحسنوا } [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، { إن الله يحب المحسنين } [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة. ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، والإشارة فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده، كما قال الخليل: وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته إليه، وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدوا، وقال: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج وأذن في الناس بالحج [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهرا، وحقيقة مقامه عليه السلام كقوله تعالى: فيه ءايت بينت مقام إبرهيم [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم حالا، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: سبحان الذى أسرى بعبده [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة { أحصرتم } الحج والعمرة، وقيل له: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، فأتم حجه بإذن ربه، فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا [المائدة: 3]. ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وذا التعلق والآفات، وأصحاب الحوائج والموانع: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصا لله تعالى، وأما إتمامه في الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس [النحل: 7]، { فإن أحصرتم } بعداوة النفس، وغلبة الهوى، وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } [البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا المقصد والمقصود. { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب { أو به أذى من رأسه } [البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: { ففدية من صيام } [البقرة: 196]؛ أي: الإمساك عن المشارب، { أو صدقة } [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، { أو نسك } [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود. { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } [البقرة: 196]؛ يعني: إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتا، وليفرش للقربة بساطا، وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطا، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، { فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين. أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجها إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين. { فمن لم يجد } [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يسارا أو سعة، { فصيام ثلاثة أيام في الحج } [البقرة: 196]، فعليه الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، { وسبعة إذا رجعتم } [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، { تلك عشرة كاملة } [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } [البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن مقيما في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: " فطوبى للغرباء ". { واتقوا الله } [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة أو وقفة، أو تركنوا في مشرب من هذه الشرائط، { واعلموا أن الله شديد العقاب } [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب.

البقرة 2:194

وإنما تعذب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، { ويكون } [البقرة: 193]، استسلامها، { الدين لله } [البقرة: 193]، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، { فإن انتهوا } [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس { فلا عدوان } [البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، { إلا على الظالمين } [البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى. ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } [البقرة: 194]، أشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، { والحرمات قصاص } [البقرة: 194]، واقضوا الغاية، واقتصوا الحقوق. { فمن اعتدى عليكم } [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، { فاعتدوا عليه } [البقرة: 194]، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، { بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، { واتقوا الله } [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتنابا من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، { واعلموا أن الله مع المتقين } [البقرة: 194]، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء. { وأنفقوا في سبيل الله } [البقرة: 195]، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم [الصف: 11]، { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفريطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الاثنين، وأيضا: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضا: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضا: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضا: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضا: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور. { وأحسنوا } [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، { إن الله يحب المحسنين } [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة. ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، والإشارة فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده، كما قال الخليل: وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته إليه، وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدوا، وقال: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج وأذن في الناس بالحج [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهرا، وحقيقة مقامه عليه السلام كقوله تعالى: فيه ءايت بينت مقام إبرهيم [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم حالا، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: سبحان الذى أسرى بعبده [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة { أحصرتم } الحج والعمرة، وقيل له: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، فأتم حجه بإذن ربه، فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا [المائدة: 3]. ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وذا التعلق والآفات، وأصحاب الحوائج والموانع: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصا لله تعالى، وأما إتمامه في الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس [النحل: 7]، { فإن أحصرتم } بعداوة النفس، وغلبة الهوى، وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } [البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا المقصد والمقصود. { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب { أو به أذى من رأسه } [البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: { ففدية من صيام } [البقرة: 196]؛ أي: الإمساك عن المشارب، { أو صدقة } [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، { أو نسك } [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود. { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } [البقرة: 196]؛ يعني: إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتا، وليفرش للقربة بساطا، وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطا، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، { فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين. أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجها إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين. { فمن لم يجد } [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يسارا أو سعة، { فصيام ثلاثة أيام في الحج } [البقرة: 196]، فعليه الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، { وسبعة إذا رجعتم } [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، { تلك عشرة كاملة } [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } [البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن مقيما في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: " فطوبى للغرباء ". { واتقوا الله } [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة أو وقفة، أو تركنوا في مشرب من هذه الشرائط، { واعلموا أن الله شديد العقاب } [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب.

البقرة 2:195

وإنما تعذب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، { ويكون } [البقرة: 193]، استسلامها، { الدين لله } [البقرة: 193]، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، { فإن انتهوا } [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس { فلا عدوان } [البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، { إلا على الظالمين } [البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى. ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } [البقرة: 194]، أشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، { والحرمات قصاص } [البقرة: 194]، واقضوا الغاية، واقتصوا الحقوق. { فمن اعتدى عليكم } [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، { فاعتدوا عليه } [البقرة: 194]، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، { بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، { واتقوا الله } [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتنابا من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، { واعلموا أن الله مع المتقين } [البقرة: 194]، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء. { وأنفقوا في سبيل الله } [البقرة: 195]، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم [الصف: 11]، { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفريطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الاثنين، وأيضا: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضا: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضا: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضا: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضا: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور. { وأحسنوا } [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، { إن الله يحب المحسنين } [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة. ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، والإشارة فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده، كما قال الخليل: وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته إليه، وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدوا، وقال: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج وأذن في الناس بالحج [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهرا، وحقيقة مقامه عليه السلام كقوله تعالى: فيه ءايت بينت مقام إبرهيم [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم حالا، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: سبحان الذى أسرى بعبده [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة { أحصرتم } الحج والعمرة، وقيل له: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، فأتم حجه بإذن ربه، فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا [المائدة: 3]. ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وذا التعلق والآفات، وأصحاب الحوائج والموانع: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصا لله تعالى، وأما إتمامه في الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس [النحل: 7]، { فإن أحصرتم } بعداوة النفس، وغلبة الهوى، وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } [البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا المقصد والمقصود. { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب { أو به أذى من رأسه } [البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: { ففدية من صيام } [البقرة: 196]؛ أي: الإمساك عن المشارب، { أو صدقة } [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، { أو نسك } [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود. { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } [البقرة: 196]؛ يعني: إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتا، وليفرش للقربة بساطا، وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطا، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، { فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين. أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجها إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين. { فمن لم يجد } [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يسارا أو سعة، { فصيام ثلاثة أيام في الحج } [البقرة: 196]، فعليه الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، { وسبعة إذا رجعتم } [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، { تلك عشرة كاملة } [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } [البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن مقيما في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: " فطوبى للغرباء ". { واتقوا الله } [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة أو وقفة، أو تركنوا في مشرب من هذه الشرائط، { واعلموا أن الله شديد العقاب } [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب.

البقرة 2:196

وإنما تعذب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، { ويكون } [البقرة: 193]، استسلامها، { الدين لله } [البقرة: 193]، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، { فإن انتهوا } [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس { فلا عدوان } [البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، { إلا على الظالمين } [البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى. ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } [البقرة: 194]، أشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، { والحرمات قصاص } [البقرة: 194]، واقضوا الغاية، واقتصوا الحقوق. { فمن اعتدى عليكم } [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، { فاعتدوا عليه } [البقرة: 194]، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، { بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، { واتقوا الله } [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتنابا من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، { واعلموا أن الله مع المتقين } [البقرة: 194]، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء. { وأنفقوا في سبيل الله } [البقرة: 195]، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم [الصف: 11]، { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفريطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الاثنين، وأيضا: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضا: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضا: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضا: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضا: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور. { وأحسنوا } [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، { إن الله يحب المحسنين } [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة. ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، والإشارة فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده، كما قال الخليل: وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته إليه، وقال: وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدوا، وقال: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج وأذن في الناس بالحج [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهرا، وحقيقة مقامه عليه السلام كقوله تعالى: فيه ءايت بينت مقام إبرهيم [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم حالا، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: سبحان الذى أسرى بعبده [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة { أحصرتم } الحج والعمرة، وقيل له: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، فأتم حجه بإذن ربه، فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا [المائدة: 3]. ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وذا التعلق والآفات، وأصحاب الحوائج والموانع: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصا لله تعالى، وأما إتمامه في الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس [النحل: 7]، { فإن أحصرتم } بعداوة النفس، وغلبة الهوى، وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } [البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا المقصد والمقصود. { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب { أو به أذى من رأسه } [البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: { ففدية من صيام } [البقرة: 196]؛ أي: الإمساك عن المشارب، { أو صدقة } [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، { أو نسك } [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود. { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } [البقرة: 196]؛ يعني: إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتا، وليفرش للقربة بساطا، وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطا، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، { فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين. أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجها إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين. { فمن لم يجد } [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يسارا أو سعة، { فصيام ثلاثة أيام في الحج } [البقرة: 196]، فعليه الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، { وسبعة إذا رجعتم } [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، { تلك عشرة كاملة } [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } [البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن مقيما في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: " فطوبى للغرباء ". { واتقوا الله } [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة أو وقفة، أو تركنوا في مشرب من هذه الشرائط، { واعلموا أن الله شديد العقاب } [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب.

البقرة 2:197

ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63]. { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]، وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 17]. فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: " اللهم واقية كواقية الوليد " ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول } [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: يمحوا الله ما يشآء ويثبت [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

البقرة 2:198

ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63]. { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]، وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 17]. فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: " اللهم واقية كواقية الوليد " ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول } [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: يمحوا الله ما يشآء ويثبت [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

البقرة 2:199

ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63]. { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]، وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 17]. فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: " اللهم واقية كواقية الوليد " ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول } [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: يمحوا الله ما يشآء ويثبت [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

البقرة 2:200

ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63]. { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]، وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 17]. فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: " اللهم واقية كواقية الوليد " ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول } [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: يمحوا الله ما يشآء ويثبت [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

البقرة 2:201

ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63]. { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]، وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 17]. فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: " اللهم واقية كواقية الوليد " ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول } [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: يمحوا الله ما يشآء ويثبت [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

البقرة 2:202

ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63]. { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى وتنتفع به. ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير صفات الحق تعالى. والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا القسم من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]، وقال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء [النور: 21]. والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } [البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق بعد وقوفه بعرفات فكان قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9] ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 17]. فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199]، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته وجلال قدره بقوله إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى الله تعالى ويقول: " اللهم واقية كواقية الوليد " ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول } [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: 200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي العافية، والصحة، والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } [البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: 202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: وآتاكم من كل ما سألتموه [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها دليله قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله تعالى: يمحوا الله ما يشآء ويثبت [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ".

البقرة 2:203

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: 204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: استكبر وكان من الكافرين [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.

البقرة 2:204

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: 204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: استكبر وكان من الكافرين [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.

البقرة 2:205

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: 204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: استكبر وكان من الكافرين [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.

البقرة 2:206

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: 204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: استكبر وكان من الكافرين [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.

البقرة 2:207

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: 204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: استكبر وكان من الكافرين [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.

البقرة 2:208

ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: 204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: استكبر وكان من الكافرين [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.

البقرة 2:209

{ فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا. اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم ووجدك ضآلا فهدى [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية { مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " تلا هذه الآية: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس } [البقرة: 213]؛ أي: هذا الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.

البقرة 2:210

{ فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا. اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم ووجدك ضآلا فهدى [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية { مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " تلا هذه الآية: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس } [البقرة: 213]؛ أي: هذا الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.

البقرة 2:211

{ فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا. اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم ووجدك ضآلا فهدى [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية { مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " تلا هذه الآية: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس } [البقرة: 213]؛ أي: هذا الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.

البقرة 2:212

{ فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا. اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم ووجدك ضآلا فهدى [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية { مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " تلا هذه الآية: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس } [البقرة: 213]؛ أي: هذا الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.

البقرة 2:213

{ فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا. اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم ووجدك ضآلا فهدى [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية { مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " تلا هذه الآية: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس } [البقرة: 213]؛ أي: هذا الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.

البقرة 2:214

{ فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا. اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم ووجدك ضآلا فهدى [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية { مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " تلا هذه الآية: فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس } [البقرة: 213]؛ أي: هذا الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.

البقرة 2:215

ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215]. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم " في كل كبد حراء أجر " ، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم. ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا } [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم } [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: 217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: 218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله. ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم: فتهجرك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي فسح لك الشرب فما مل ساقينا وما مل شارب غفار لحاط كأسها يسكر اللب فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي كقولهم: فأسكر القوم دور كأس وكان سكري من المدير وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى " وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: خذ العفو [الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم في الدنيا والآخرة [آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز } [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.

البقرة 2:216

ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215]. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم " في كل كبد حراء أجر " ، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم. ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا } [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم } [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: 217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: 218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله. ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم: فتهجرك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي فسح لك الشرب فما مل ساقينا وما مل شارب غفار لحاط كأسها يسكر اللب فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي كقولهم: فأسكر القوم دور كأس وكان سكري من المدير وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى " وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: خذ العفو [الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم في الدنيا والآخرة [آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز } [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.

البقرة 2:217

ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215]. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم " في كل كبد حراء أجر " ، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم. ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا } [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم } [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: 217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: 218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله. ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم: فتهجرك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي فسح لك الشرب فما مل ساقينا وما مل شارب غفار لحاط كأسها يسكر اللب فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي كقولهم: فأسكر القوم دور كأس وكان سكري من المدير وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى " وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: خذ العفو [الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم في الدنيا والآخرة [آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز } [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.

البقرة 2:218

ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215]. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم " في كل كبد حراء أجر " ، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم. ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا } [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم } [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال: أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: 217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: 218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله. ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم: فتهجرك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي فسح لك الشرب فما مل ساقينا وما مل شارب غفار لحاط كأسها يسكر اللب فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي كقولهم: فأسكر القوم دور كأس وكان سكري من المدير وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى " وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: خذ العفو [الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم في الدنيا والآخرة [آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز } [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.