التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — البقرة 2:219 – البقرة 2:280
المحتويات
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
البقرة 2:219
ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215].
كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم،
وأنذر عشيرتك الأقربين
[الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "
على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم
" في كل كبد حراء أجر "
، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم.
ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى:
وجاهدوا في الله حق جهاده
[الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا } [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم } [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال:
أقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياتي
ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: 217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى
[النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: 218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله.
ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم:
فتهجرك من لفظي هو الوصل كله
وسكرك من لحظي فسح لك الشرب
فما مل ساقينا وما مل شارب
غفار لحاط كأسها يسكر اللب
فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي كقولهم:
فأسكر القوم دور كأس
وكان سكري من المدير
وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى "
وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى:
خذ العفو
[الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى:
وأن تعفوا أقرب للتقوى
[البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم
في الدنيا والآخرة
[آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز } [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.
البقرة 2:220
ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215].
كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم،
وأنذر عشيرتك الأقربين
[الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "
على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم
" في كل كبد حراء أجر "
، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم.
ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى:
وجاهدوا في الله حق جهاده
[الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا } [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم } [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال:
أقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياتي
ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: 217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى
[النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: 218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله.
ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم:
فتهجرك من لفظي هو الوصل كله
وسكرك من لحظي فسح لك الشرب
فما مل ساقينا وما مل شارب
غفار لحاط كأسها يسكر اللب
فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي كقولهم:
فأسكر القوم دور كأس
وكان سكري من المدير
وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى "
وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى:
خذ العفو
[الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى:
وأن تعفوا أقرب للتقوى
[البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم
في الدنيا والآخرة
[آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز } [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.
البقرة 2:221
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:222
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:223
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:224
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:225
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:226
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:227
ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق.
ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222].
والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى:
" أنا جليس من ذكرني "
وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود.
ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223].
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.
ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله تعالى:
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
[النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدا.
وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما، كقوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح "
، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم.
البقرة 2:228
ثم أخبر عن المطلقات، وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقدارا من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقا في ذمة كرم الربوبية كما أن لله حقا في ذمة عباده فمهما راعى العبد حق الربوبية بتقربه إليه شبرا، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعا، ولله عز وجل في رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى:
" إن أتاني يمشي أتيته هرولة "
، قال الله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيدا لفضل الألوهية بزيادة الرؤية توفية لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم "
أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] { والله عزيز } [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته { حكيم } [البقرة: 228]، لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل.
وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: { الطلق مرتان } [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال:
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229]، إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، في رعاية الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، من الحظوظ لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } [البقرة: 229]، من الحظوظ والحقوق { فلا تعتدوها } [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ { ومن يتعد حدود الله } [البقرة: 229]، في تلك الحقوق { فأولئك هم الظلمون } [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق.
ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } [البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله { فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله } [البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، وفي الآية أيضا إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال الله تعالى:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
[الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى درجات الجنان، ويجعله من أهل القربات والعرفان كما قال تعالى:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60].
ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين عموما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده "
، ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا.
فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير جفاء، أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء { ومن يفعل ذلك } [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ظلم نفسه } [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا قال الله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: 231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها يدل على هذا سياق الآية { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن { واتقوا الله } [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } [البقرة: 231]، تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون { عليم } [البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31].
ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [البقرة: 232]، والإشارة فيها أنها وإن تضمنت نهي الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضا خصوصا لمن أملى بالفرقة، وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران { إذا تراضوا بينهم } [البقرة: 232]، بقية الأخوان { ذلك يوعظ به } [البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر { من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان { ذلكم أزكى لكم } [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة { وأطهر } [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية { والله يعلم } [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232].
البقرة 2:229
ثم أخبر عن المطلقات، وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقدارا من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقا في ذمة كرم الربوبية كما أن لله حقا في ذمة عباده فمهما راعى العبد حق الربوبية بتقربه إليه شبرا، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعا، ولله عز وجل في رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى:
" إن أتاني يمشي أتيته هرولة "
، قال الله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيدا لفضل الألوهية بزيادة الرؤية توفية لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم "
أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] { والله عزيز } [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته { حكيم } [البقرة: 228]، لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل.
وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: { الطلق مرتان } [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال:
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229]، إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، في رعاية الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، من الحظوظ لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } [البقرة: 229]، من الحظوظ والحقوق { فلا تعتدوها } [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ { ومن يتعد حدود الله } [البقرة: 229]، في تلك الحقوق { فأولئك هم الظلمون } [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق.
ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } [البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله { فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله } [البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، وفي الآية أيضا إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال الله تعالى:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
[الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى درجات الجنان، ويجعله من أهل القربات والعرفان كما قال تعالى:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60].
ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين عموما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده "
، ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا.
فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير جفاء، أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء { ومن يفعل ذلك } [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ظلم نفسه } [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا قال الله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: 231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها يدل على هذا سياق الآية { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن { واتقوا الله } [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } [البقرة: 231]، تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون { عليم } [البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31].
ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [البقرة: 232]، والإشارة فيها أنها وإن تضمنت نهي الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضا خصوصا لمن أملى بالفرقة، وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران { إذا تراضوا بينهم } [البقرة: 232]، بقية الأخوان { ذلك يوعظ به } [البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر { من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان { ذلكم أزكى لكم } [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة { وأطهر } [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية { والله يعلم } [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232].
البقرة 2:230
ثم أخبر عن المطلقات، وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقدارا من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقا في ذمة كرم الربوبية كما أن لله حقا في ذمة عباده فمهما راعى العبد حق الربوبية بتقربه إليه شبرا، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعا، ولله عز وجل في رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى:
" إن أتاني يمشي أتيته هرولة "
، قال الله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيدا لفضل الألوهية بزيادة الرؤية توفية لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم "
أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] { والله عزيز } [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته { حكيم } [البقرة: 228]، لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل.
وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: { الطلق مرتان } [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال:
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229]، إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، في رعاية الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، من الحظوظ لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } [البقرة: 229]، من الحظوظ والحقوق { فلا تعتدوها } [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ { ومن يتعد حدود الله } [البقرة: 229]، في تلك الحقوق { فأولئك هم الظلمون } [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق.
ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } [البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله { فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله } [البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، وفي الآية أيضا إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال الله تعالى:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
[الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى درجات الجنان، ويجعله من أهل القربات والعرفان كما قال تعالى:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60].
ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين عموما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده "
، ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا.
فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير جفاء، أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء { ومن يفعل ذلك } [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ظلم نفسه } [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا قال الله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: 231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها يدل على هذا سياق الآية { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن { واتقوا الله } [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } [البقرة: 231]، تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون { عليم } [البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31].
ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [البقرة: 232]، والإشارة فيها أنها وإن تضمنت نهي الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضا خصوصا لمن أملى بالفرقة، وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران { إذا تراضوا بينهم } [البقرة: 232]، بقية الأخوان { ذلك يوعظ به } [البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر { من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان { ذلكم أزكى لكم } [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة { وأطهر } [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية { والله يعلم } [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232].
البقرة 2:231
ثم أخبر عن المطلقات، وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقدارا من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقا في ذمة كرم الربوبية كما أن لله حقا في ذمة عباده فمهما راعى العبد حق الربوبية بتقربه إليه شبرا، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعا، ولله عز وجل في رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى:
" إن أتاني يمشي أتيته هرولة "
، قال الله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيدا لفضل الألوهية بزيادة الرؤية توفية لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم "
أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] { والله عزيز } [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته { حكيم } [البقرة: 228]، لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل.
وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: { الطلق مرتان } [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال:
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229]، إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، في رعاية الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، من الحظوظ لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } [البقرة: 229]، من الحظوظ والحقوق { فلا تعتدوها } [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ { ومن يتعد حدود الله } [البقرة: 229]، في تلك الحقوق { فأولئك هم الظلمون } [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق.
ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } [البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله { فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله } [البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، وفي الآية أيضا إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال الله تعالى:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
[الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى درجات الجنان، ويجعله من أهل القربات والعرفان كما قال تعالى:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60].
ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين عموما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده "
، ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا.
فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير جفاء، أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء { ومن يفعل ذلك } [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ظلم نفسه } [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا قال الله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: 231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها يدل على هذا سياق الآية { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن { واتقوا الله } [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } [البقرة: 231]، تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون { عليم } [البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31].
ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [البقرة: 232]، والإشارة فيها أنها وإن تضمنت نهي الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضا خصوصا لمن أملى بالفرقة، وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران { إذا تراضوا بينهم } [البقرة: 232]، بقية الأخوان { ذلك يوعظ به } [البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر { من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان { ذلكم أزكى لكم } [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة { وأطهر } [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية { والله يعلم } [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232].
البقرة 2:232
ثم أخبر عن المطلقات، وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقدارا من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقا في ذمة كرم الربوبية كما أن لله حقا في ذمة عباده فمهما راعى العبد حق الربوبية بتقربه إليه شبرا، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعا، ولله عز وجل في رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى:
" إن أتاني يمشي أتيته هرولة "
، قال الله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيدا لفضل الألوهية بزيادة الرؤية توفية لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم "
أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] { والله عزيز } [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته { حكيم } [البقرة: 228]، لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل.
وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: { الطلق مرتان } [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال:
هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229]، إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، في رعاية الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، من الحظوظ لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } [البقرة: 229]، من الحظوظ والحقوق { فلا تعتدوها } [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ { ومن يتعد حدود الله } [البقرة: 229]، في تلك الحقوق { فأولئك هم الظلمون } [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق.
ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } [البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله { فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله } [البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، وفي الآية أيضا إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال الله تعالى:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
[الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى درجات الجنان، ويجعله من أهل القربات والعرفان كما قال تعالى:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60].
ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين عموما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده "
، ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا.
فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير جفاء، أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء { ومن يفعل ذلك } [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ظلم نفسه } [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا قال الله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: 231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها يدل على هذا سياق الآية { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن { واتقوا الله } [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } [البقرة: 231]، تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون { عليم } [البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31].
ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } [البقرة: 232]، والإشارة فيها أنها وإن تضمنت نهي الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضا خصوصا لمن أملى بالفرقة، وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران { إذا تراضوا بينهم } [البقرة: 232]، بقية الأخوان { ذلك يوعظ به } [البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر { من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان { ذلكم أزكى لكم } [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة { وأطهر } [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية { والله يعلم } [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232].
البقرة 2:233
ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث مثل ذلك } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده:
" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [البقرة: 234].
والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله
[النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي
" ألا من طلبني وجدني "
، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 140].
ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم } [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه } [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.
ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان " دع نفسك وتعال " ،
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237].
ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال:
" ولعبدي ما سأل ".
البقرة 2:234
ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث مثل ذلك } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده:
" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [البقرة: 234].
والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله
[النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي
" ألا من طلبني وجدني "
، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 140].
ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم } [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه } [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.
ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان " دع نفسك وتعال " ،
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237].
ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال:
" ولعبدي ما سأل ".
البقرة 2:235
ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث مثل ذلك } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده:
" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [البقرة: 234].
والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله
[النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي
" ألا من طلبني وجدني "
، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 140].
ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم } [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه } [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.
ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان " دع نفسك وتعال " ،
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237].
ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال:
" ولعبدي ما سأل ".
البقرة 2:236
ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث مثل ذلك } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده:
" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [البقرة: 234].
والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله
[النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي
" ألا من طلبني وجدني "
، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 140].
ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم } [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه } [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.
ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان " دع نفسك وتعال " ،
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237].
ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال:
" ولعبدي ما سأل ".
البقرة 2:237
ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث مثل ذلك } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده:
" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [البقرة: 234].
والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله
[النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي
" ألا من طلبني وجدني "
، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 140].
ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم } [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه } [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.
ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان " دع نفسك وتعال " ،
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237].
ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال:
" ولعبدي ما سأل ".
البقرة 2:238
ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث مثل ذلك } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده:
" إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [البقرة: 234].
والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله
[النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي
" ألا من طلبني وجدني "
، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 140].
ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم } [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه } [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.
ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان " دع نفسك وتعال " ،
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237].
ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:
" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل "
؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى:
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
[ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال:
" ولعبدي ما سأل ".
البقرة 2:239
وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدا لكيلا تقع عن الصراط { فإن خفتم } [البقرة: 239]، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ففروا إلى الله { فرجالا } [البقرة: 239]، على قدم العبودية { أو ركبانا } [البقرة: 239]، على نجائب جذبات الربوبية فإنه قال تعالى:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، فإنك محمول العناية:
وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70] إشارة إلى أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم العبودية في طلب هداية الربوبية { فإذآ أمنتم } [البقرة: 239]، من خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: { فاذكروا الله كما علمكم } [البقرة: 239]، في الفاتحة: { ما لم تكونوا تعلمون } [البقرة: 239]، بقوله تعالى:
إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 5-6]، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال:
" يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل "
حديث صحيح.
ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاءه بعده بالعدة حولا ولا تخرجه من بيته سنة إظهارا للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى:
ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به
[التوبة: 111]، وتحقيق قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40].
ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } [البقرة: 241]، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء، والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
، فيكون للطالب الملهوف متاعا بالمعروف { كذلك يبين الله } [البقرة: 242] يظهر الله: { لكم آياته } [البقرة: 242]، أصناف ألطافه وأوصاف إعطائه: { لعلكم تعقلون } [البقرة: 242]، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.
البقرة 2:240
وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدا لكيلا تقع عن الصراط { فإن خفتم } [البقرة: 239]، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ففروا إلى الله { فرجالا } [البقرة: 239]، على قدم العبودية { أو ركبانا } [البقرة: 239]، على نجائب جذبات الربوبية فإنه قال تعالى:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، فإنك محمول العناية:
وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70] إشارة إلى أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم العبودية في طلب هداية الربوبية { فإذآ أمنتم } [البقرة: 239]، من خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: { فاذكروا الله كما علمكم } [البقرة: 239]، في الفاتحة: { ما لم تكونوا تعلمون } [البقرة: 239]، بقوله تعالى:
إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 5-6]، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال:
" يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل "
حديث صحيح.
ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاءه بعده بالعدة حولا ولا تخرجه من بيته سنة إظهارا للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى:
ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به
[التوبة: 111]، وتحقيق قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40].
ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } [البقرة: 241]، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء، والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
، فيكون للطالب الملهوف متاعا بالمعروف { كذلك يبين الله } [البقرة: 242] يظهر الله: { لكم آياته } [البقرة: 242]، أصناف ألطافه وأوصاف إعطائه: { لعلكم تعقلون } [البقرة: 242]، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.
البقرة 2:241
وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدا لكيلا تقع عن الصراط { فإن خفتم } [البقرة: 239]، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ففروا إلى الله { فرجالا } [البقرة: 239]، على قدم العبودية { أو ركبانا } [البقرة: 239]، على نجائب جذبات الربوبية فإنه قال تعالى:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، فإنك محمول العناية:
وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70] إشارة إلى أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم العبودية في طلب هداية الربوبية { فإذآ أمنتم } [البقرة: 239]، من خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: { فاذكروا الله كما علمكم } [البقرة: 239]، في الفاتحة: { ما لم تكونوا تعلمون } [البقرة: 239]، بقوله تعالى:
إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 5-6]، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال:
" يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل "
حديث صحيح.
ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاءه بعده بالعدة حولا ولا تخرجه من بيته سنة إظهارا للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى:
ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به
[التوبة: 111]، وتحقيق قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40].
ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } [البقرة: 241]، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء، والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
، فيكون للطالب الملهوف متاعا بالمعروف { كذلك يبين الله } [البقرة: 242] يظهر الله: { لكم آياته } [البقرة: 242]، أصناف ألطافه وأوصاف إعطائه: { لعلكم تعقلون } [البقرة: 242]، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.
البقرة 2:242
وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدا لكيلا تقع عن الصراط { فإن خفتم } [البقرة: 239]، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ففروا إلى الله { فرجالا } [البقرة: 239]، على قدم العبودية { أو ركبانا } [البقرة: 239]، على نجائب جذبات الربوبية فإنه قال تعالى:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، فإنك محمول العناية:
وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70] إشارة إلى أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم العبودية في طلب هداية الربوبية { فإذآ أمنتم } [البقرة: 239]، من خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: { فاذكروا الله كما علمكم } [البقرة: 239]، في الفاتحة: { ما لم تكونوا تعلمون } [البقرة: 239]، بقوله تعالى:
إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 5-6]، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال:
" يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل "
حديث صحيح.
ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاءه بعده بالعدة حولا ولا تخرجه من بيته سنة إظهارا للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى:
ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به
[التوبة: 111]، وتحقيق قوله تعالى:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40].
ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } [البقرة: 241]، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء، والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة:
" أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي "
، فيكون للطالب الملهوف متاعا بالمعروف { كذلك يبين الله } [البقرة: 242] يظهر الله: { لكم آياته } [البقرة: 242]، أصناف ألطافه وأوصاف إعطائه: { لعلكم تعقلون } [البقرة: 242]، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.
البقرة 2:243
ثم أخبر عن فضل الجهاد وبالتعريض حث عليها العباد بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم } [البقرة: 243]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوما لما أمروا بالجهاد في سبيل الله وهو الجهاد الأصغر فجنبوا وخالفوا الأمر وهربوا حذرا من مقاسات شدائد الجهاد، وابتلاهم الله تعالى بموت الأجساد فكيف بقوم أمروا بالجهاد في الله وهو الجهاد الأكبر بقوله تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69].
ثم أخبر أن نفع جهادهم إلى أنفسهم وقال تعالى:
ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه
[العنكبوت: 6]، فإن جنبوا وخالفوا الأمر وفروا من محل مشقة المجاهدة وأعرضوا عن طلب الحق واتبعوا الهوى واشتغلوا بالشهوات واللذات فلا يبتليهم الله بموت القلب بل ولعمري لو لم يمت قلوبهم ما أعرضوا عن الحق في طلب الباطل وفي قوله تعالى:
إن الله لذو فضل على الناس
[غافر: 61]، والإشارة أن الله تعالى بفضله وكرمه أحيا قلوب المؤمنين بنور الإيمان قال تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، فقليل منهم أقدموا على أداء شكر الإيمان بالقيام في الأوامر والنواهي كما هو الواجب فاستحقوا بذلك المزيد كما قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، وأكثرهم كفروا بنعمة الإيمان، وركنوا بالخذلان في مخالفة الرحمن فكذبوا بحرمان الجنان وأغرقوا في بحار العصيان، وفي قوله تعالى: { وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } [البقرة: 244]، إشارة إلى أن إحياء القلوب الميتة مضمر في قتل النفس الأمارة كما قال تعالى:
ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون
[البقرة: 154] يعني: قتلوا أنفسهم ولكن الله أحيى قلوبهم وأرواحهم فقاتلوا في سبيل الله مع نفوسكم، فإنها أعدى عدوكم واعلموا أن الله سميع دعائكم وتضرعكم إليه في الاستغاثة به والاستعانة به على قتل نفوسكم وإحياء قلوبكم كما سمع دعاء نبيهم عليه السلام في إحياء قومه عليم بصدق نياتكم وبذل جهدكم في جهادكم فيعينكم على قتل نفوسكم ويحيي بأنوار فضله قلوبكم.
ثم أخبر عن طرق من حقيقة القتال مع النفس بطريق بذل المال بقوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]، والإشارة فيها أن من كمال فضله وكرمه مع عباده أنه خلق أنفسهم ومدهم الأموال ثم اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ثم ردها لهم بالعارية، ثم أكرمهم فيها بالاستقراض ثم شرط بأضعاف كثيرة عليها فقال تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]؛ يعني: يقرض إلى الله لا إلى الفقير ويعطي لله لا للجنة قرضا حسنا فالقرض الحسن ما لا يقصد في عوضه غير الله { فيضعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: 245]؛ يعني: أن العبد لا يطلب إلا على قدره فيعطيه ما هو مطلوبه ما أخفى لهم من قرة أعين أضعافا كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع الدنيا بأسرها قليلا، فانظر ما يكون له ثم ما يكون أضعافا كثيرة وقال تعالى: { والله يقبض ويبسط } [البقرة: 245]؛ يعني: هو القابض والباسط هو يقبض الصدقة عن الأغنياء ليطهرهم بها عن أنجاس الدنيا وأدناسها ويبسط على الفقراء لئلا يتقلدوا المنة من الأغنياء ويعظمونهم بقبض؛ لئلا يرى الأغنياء غيره ويبسط لئلا يرى الفقراء غيره بقبض قلوب الأحباء عن الدنيا والآخرة، ويبسط الجود ويقبض الفاني ويبسط الباقي عنك بقاء يفنيه ويبسط به عن باسطيه، وهذا هو معنى: { وإليه ترجعون } [البقرة: 245].
البقرة 2:244
ثم أخبر عن فضل الجهاد وبالتعريض حث عليها العباد بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم } [البقرة: 243]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوما لما أمروا بالجهاد في سبيل الله وهو الجهاد الأصغر فجنبوا وخالفوا الأمر وهربوا حذرا من مقاسات شدائد الجهاد، وابتلاهم الله تعالى بموت الأجساد فكيف بقوم أمروا بالجهاد في الله وهو الجهاد الأكبر بقوله تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69].
ثم أخبر أن نفع جهادهم إلى أنفسهم وقال تعالى:
ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه
[العنكبوت: 6]، فإن جنبوا وخالفوا الأمر وفروا من محل مشقة المجاهدة وأعرضوا عن طلب الحق واتبعوا الهوى واشتغلوا بالشهوات واللذات فلا يبتليهم الله بموت القلب بل ولعمري لو لم يمت قلوبهم ما أعرضوا عن الحق في طلب الباطل وفي قوله تعالى:
إن الله لذو فضل على الناس
[غافر: 61]، والإشارة أن الله تعالى بفضله وكرمه أحيا قلوب المؤمنين بنور الإيمان قال تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، فقليل منهم أقدموا على أداء شكر الإيمان بالقيام في الأوامر والنواهي كما هو الواجب فاستحقوا بذلك المزيد كما قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، وأكثرهم كفروا بنعمة الإيمان، وركنوا بالخذلان في مخالفة الرحمن فكذبوا بحرمان الجنان وأغرقوا في بحار العصيان، وفي قوله تعالى: { وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } [البقرة: 244]، إشارة إلى أن إحياء القلوب الميتة مضمر في قتل النفس الأمارة كما قال تعالى:
ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون
[البقرة: 154] يعني: قتلوا أنفسهم ولكن الله أحيى قلوبهم وأرواحهم فقاتلوا في سبيل الله مع نفوسكم، فإنها أعدى عدوكم واعلموا أن الله سميع دعائكم وتضرعكم إليه في الاستغاثة به والاستعانة به على قتل نفوسكم وإحياء قلوبكم كما سمع دعاء نبيهم عليه السلام في إحياء قومه عليم بصدق نياتكم وبذل جهدكم في جهادكم فيعينكم على قتل نفوسكم ويحيي بأنوار فضله قلوبكم.
ثم أخبر عن طرق من حقيقة القتال مع النفس بطريق بذل المال بقوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]، والإشارة فيها أن من كمال فضله وكرمه مع عباده أنه خلق أنفسهم ومدهم الأموال ثم اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ثم ردها لهم بالعارية، ثم أكرمهم فيها بالاستقراض ثم شرط بأضعاف كثيرة عليها فقال تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]؛ يعني: يقرض إلى الله لا إلى الفقير ويعطي لله لا للجنة قرضا حسنا فالقرض الحسن ما لا يقصد في عوضه غير الله { فيضعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: 245]؛ يعني: أن العبد لا يطلب إلا على قدره فيعطيه ما هو مطلوبه ما أخفى لهم من قرة أعين أضعافا كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع الدنيا بأسرها قليلا، فانظر ما يكون له ثم ما يكون أضعافا كثيرة وقال تعالى: { والله يقبض ويبسط } [البقرة: 245]؛ يعني: هو القابض والباسط هو يقبض الصدقة عن الأغنياء ليطهرهم بها عن أنجاس الدنيا وأدناسها ويبسط على الفقراء لئلا يتقلدوا المنة من الأغنياء ويعظمونهم بقبض؛ لئلا يرى الأغنياء غيره ويبسط لئلا يرى الفقراء غيره بقبض قلوب الأحباء عن الدنيا والآخرة، ويبسط الجود ويقبض الفاني ويبسط الباقي عنك بقاء يفنيه ويبسط به عن باسطيه، وهذا هو معنى: { وإليه ترجعون } [البقرة: 245].
البقرة 2:245
ثم أخبر عن فضل الجهاد وبالتعريض حث عليها العباد بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم } [البقرة: 243]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوما لما أمروا بالجهاد في سبيل الله وهو الجهاد الأصغر فجنبوا وخالفوا الأمر وهربوا حذرا من مقاسات شدائد الجهاد، وابتلاهم الله تعالى بموت الأجساد فكيف بقوم أمروا بالجهاد في الله وهو الجهاد الأكبر بقوله تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69].
ثم أخبر أن نفع جهادهم إلى أنفسهم وقال تعالى:
ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه
[العنكبوت: 6]، فإن جنبوا وخالفوا الأمر وفروا من محل مشقة المجاهدة وأعرضوا عن طلب الحق واتبعوا الهوى واشتغلوا بالشهوات واللذات فلا يبتليهم الله بموت القلب بل ولعمري لو لم يمت قلوبهم ما أعرضوا عن الحق في طلب الباطل وفي قوله تعالى:
إن الله لذو فضل على الناس
[غافر: 61]، والإشارة أن الله تعالى بفضله وكرمه أحيا قلوب المؤمنين بنور الإيمان قال تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، فقليل منهم أقدموا على أداء شكر الإيمان بالقيام في الأوامر والنواهي كما هو الواجب فاستحقوا بذلك المزيد كما قال تعالى:
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13]، وأكثرهم كفروا بنعمة الإيمان، وركنوا بالخذلان في مخالفة الرحمن فكذبوا بحرمان الجنان وأغرقوا في بحار العصيان، وفي قوله تعالى: { وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } [البقرة: 244]، إشارة إلى أن إحياء القلوب الميتة مضمر في قتل النفس الأمارة كما قال تعالى:
ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون
[البقرة: 154] يعني: قتلوا أنفسهم ولكن الله أحيى قلوبهم وأرواحهم فقاتلوا في سبيل الله مع نفوسكم، فإنها أعدى عدوكم واعلموا أن الله سميع دعائكم وتضرعكم إليه في الاستغاثة به والاستعانة به على قتل نفوسكم وإحياء قلوبكم كما سمع دعاء نبيهم عليه السلام في إحياء قومه عليم بصدق نياتكم وبذل جهدكم في جهادكم فيعينكم على قتل نفوسكم ويحيي بأنوار فضله قلوبكم.
ثم أخبر عن طرق من حقيقة القتال مع النفس بطريق بذل المال بقوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]، والإشارة فيها أن من كمال فضله وكرمه مع عباده أنه خلق أنفسهم ومدهم الأموال ثم اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ثم ردها لهم بالعارية، ثم أكرمهم فيها بالاستقراض ثم شرط بأضعاف كثيرة عليها فقال تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]؛ يعني: يقرض إلى الله لا إلى الفقير ويعطي لله لا للجنة قرضا حسنا فالقرض الحسن ما لا يقصد في عوضه غير الله { فيضعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: 245]؛ يعني: أن العبد لا يطلب إلا على قدره فيعطيه ما هو مطلوبه ما أخفى لهم من قرة أعين أضعافا كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع الدنيا بأسرها قليلا، فانظر ما يكون له ثم ما يكون أضعافا كثيرة وقال تعالى: { والله يقبض ويبسط } [البقرة: 245]؛ يعني: هو القابض والباسط هو يقبض الصدقة عن الأغنياء ليطهرهم بها عن أنجاس الدنيا وأدناسها ويبسط على الفقراء لئلا يتقلدوا المنة من الأغنياء ويعظمونهم بقبض؛ لئلا يرى الأغنياء غيره ويبسط لئلا يرى الفقراء غيره بقبض قلوب الأحباء عن الدنيا والآخرة، ويبسط الجود ويقبض الفاني ويبسط الباقي عنك بقاء يفنيه ويبسط به عن باسطيه، وهذا هو معنى: { وإليه ترجعون } [البقرة: 245].
البقرة 2:246
ثم أخبر عن قتال أهل المال وجدال أهل الضلال بقوله تعالى: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى } [البقرة: 246] والإشارة فيها أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا أعرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان: { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } [البقرة: 246]؛ يعني: أنكم هو شمول إذا ادعيتهم دعوى عريضا تصريحا لا تعريضا أن تقاتل في سبيل الله وإن القتال في سبيل الله من شأن الأنبياء وخواص الأولياء وليس من منيع أهل الطباع والهوى فأنا أتوقع إن كتب عليكم القتال أن تقاتلوا فيما ادعيتم كالرجال وتكون أفعالكم دون أقوالكم وأعمالكم { قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } [البقرة: 246]، فكان أول مقالهم دعوى إخلاص لله في قتالهم فظهر عن المقصود وأخرجا لهم معنى الذب عن أولادهم وأموالهم، فهذا حال أكثر مدعي الإسلام والإيمان يزعمون يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويعمل ويصنع لله وفي الله، فإذا امتحنوا بصدق الجنان وعرضوا النقود على الميزان فيكشف الغطاء ويظهر الخفاء ففي كفتي الميزان يرى ما كان لله، وما كان للهوى فيقال هذا أثر الحياة، فإن الجنة هي المأوى، وهذا لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى { فلما كتب عليهم القتال } [البقرة: 246]، تبين الأبطال من البطال واسودت وجوه أصحاب الدعاوي، وابيضت وجوه أرباب المعاني: { تولوا إلا قليلا منهم } [البقرة: 246]، ولا شك أن أهل الحق في كل زمان وإن كان أعز من العتقاء وأعوز من الكيمياء، قال بعضهم:
تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا
عزير وجار الأكثرين ذليل
وإنما لم ينل المدعون مقصدهم؛ لأنه لم يخلص بالحق لله مقصودهم، ولو أنهم قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وإنه سيدنا ومولانا، فالله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم، كما قال قوم من السعداء في أثناء التضرع والبكاء بالنفس الصعداء:
وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين
[المائدة: 84]، لا جرم
فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار
[المائدة: 85]،
كذلك نجزي الظالمين
[الأنبياء: 29] على قدر ظلمهم
والله عليم بالظالمين
[الجمعة: 7].
ثم أخبر عن إجابة سؤالهم وبعد الإجابة بين مع النبي أحوالهم وأخلاقهم وأفعالهم بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]، والإشارة فيها أن الحكمة الإلهية الأزلية جلت وتجلت جلباب تعاليها عن أن تكون العقول القاصرة الخلقية مدركة لكل معنى من معانيها وأنه ليس العجب في أن العقول البشرية المشوبة بظلمة الهوى والغضب كبني إسرائيل حارت عند سماع قوله: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } حتى
قالوا
[القلم: 29]، متحيرين { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247]، ولكن العجب أن العقول الكاملة المؤيدة بالأنوار القدسية للملائكة المقربين طارت عند استماع خطابه:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، حتى قالوا مدهوشين:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30]، فالله تعالى أخبرهم عن قصور عقولهم في إدراك حقائق حكمه وقال:
قال إني أعلم ما لا تعلمون
[البقرة: 30]، ثم اصطفى آدم عليه السلام على الملائكة بالعلم والجسم، وقال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، وقال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وكذلك اصطفى طالوت على بني إسرائيل، قال: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء } [البقرة: 247]، أعطى ملك بني إسرائيل لطالوت كما أعطى ملك الخلافة لآدم وإنما حرم بنو إسرائيل عن الملك؛ لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم متكبرين على طالوت ناظرين إليه بنظر الحقارة ومن عجبهم قالوا: { نحن أحق بالملك منه } [البقرة: 247]، ومن تكبرهم عليه قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } [البقرة: 247] ومن تحقيرهم إياه قالوا: { ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247] فلما تكبروا وضعهم الله تعالى وحرموا من الملك ولما عرض صمويل على طالوت تواضع لله تعالى، وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ فرفعه الله تعالى وأعطاه الملك وقال: { والله يؤتي ملكه من يشآء } كذلك الملائكة إنما حرموا من الخلافة لأنهم كانوا محتجبين بحجب الأنانية والتحتية متفوقين على آدم ناظرين إليه بالحقارة حتى قالوا:
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30]، وقد أضمروا في هذا القول: ونحن أحق بالخلاف منه وإن لم يظهروا فتفوقوا عليه في حضرته وقالوا:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فلما تفوقوا عليه وترفعوا أمرهم بسجوده، ولما جاء جبريل عليه السلام ليقبضه من أديم الأرض وقال له: أحب ربك، فقال: إيش يريد مني؟ عرض عليه الخلافة وقال: يريد أن يجعلك خليفة فتواضع لله تعالى وقال: ما للتراب ورب الأرباب وأقسم على جبريل برب العزة ألا يقبضه وأن يستعفي له من الحضرة، فالله تعالى أكرمه بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة وأعطاه ملك الخلافة ورفعه على أكناف الملائكة إلى دار المقامة والكرامة وقال: { والله واسع عليم } [البقرة: 247]؛ أي: واسع الرحمة حتى رحمته وسعت كل شيء، ولكنه عليم بمستحقي خلافته وملكه.
ثم أخبر عن آيات استحقاق ملكية طالوت في إتيانه التابوت بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } [البقرة: 248]، والإشارة فيها أن آية تلك الخلافة للعبد أن يظفر بتابوت قلبه فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله كقوله تعالى:
وتطمئن قلوبهم
[الرعد: 28]، وقوله تعالى:
ولكن ليطمئن قلبي
[البقرة: 260]؛ أي: بازدياد الإيمان مع الإيمان وهي السكينة لقوله تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم
[الفتح: 4]، { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } [البقرة: 248]، وهو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التقوى وهي الثعبان الذي إذا قرعت فإنها تلقف سحر عظيم السحرة صفات فرعون النفس، فإن الله جعل سكينة بني إسرائيل تعينهم في تابوت السماء وهو عصا موسى، فقد جعل سكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته عصا الذكر وكلمته في تابوت القلوب.
كما قال تعالى:
فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[الفتح: 26]، وألزمهم كلمة التقوى ثم شرفهم بتخصيص هذه الكرامة على سائر الأمم وقال تعالى:
وكانوا أحق بها وأهلها
[الفتح: 26] وإن تابوتهم الذي كانت سكينتهم فيه تتداوله الأيدي من الأعداء وغيرهم فمرة كان يدنس وتارة كان يغلب عليه فيحمل ويوضع على الصنم أما تابوت قلوب المؤمنين خال بين أربابها وبينها ولم يستودعها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وأودعها بين أصبعي جلاله وجماله كما قال صلى الله عليه وسلم:
" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "
فشتان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليهم تسلط وبين أمة سكينتهم فيما ليس للأولياء ولا للأنبياء عليه تسلط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر "
، وإن كان في تابوتهم رضاض ألواح كتبت عليه التوراة فالله تعالى كتب في قلوبهم الإيمان، وإن كان في ذلك التابوت بعض التوراة موضوعا ففي تابوت قلوبهم هذه الأمة جميع القرآن محفوظا، وإن كان في تابوت بيوت فيها صور الأنبياء ففي تابوت قلوبهم خلوات لا يسع فيها معهم غير الله كما قال تعالى:
" لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن "
، فإذا تيسر لطالوت روح الإنساني أن يؤتى تابوت القلوب الرباني فسلم إليه ملك الخلافة وسرير السلطان واستوثق عليه جميع أسباط الإنساني فلا يركن إلى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويبرز لقتال جالوت النفس الأمارة { إن في ذلك } [البقرة: 248]، الإشارة { لآية لكم } [البقرة: 248] لنبينها لكم وأعلاما عن أحوالكم: { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 248]، بحقائق القرآن وإشاراته.
البقرة 2:247
ثم أخبر عن قتال أهل المال وجدال أهل الضلال بقوله تعالى: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى } [البقرة: 246] والإشارة فيها أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا أعرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان: { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } [البقرة: 246]؛ يعني: أنكم هو شمول إذا ادعيتهم دعوى عريضا تصريحا لا تعريضا أن تقاتل في سبيل الله وإن القتال في سبيل الله من شأن الأنبياء وخواص الأولياء وليس من منيع أهل الطباع والهوى فأنا أتوقع إن كتب عليكم القتال أن تقاتلوا فيما ادعيتم كالرجال وتكون أفعالكم دون أقوالكم وأعمالكم { قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } [البقرة: 246]، فكان أول مقالهم دعوى إخلاص لله في قتالهم فظهر عن المقصود وأخرجا لهم معنى الذب عن أولادهم وأموالهم، فهذا حال أكثر مدعي الإسلام والإيمان يزعمون يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويعمل ويصنع لله وفي الله، فإذا امتحنوا بصدق الجنان وعرضوا النقود على الميزان فيكشف الغطاء ويظهر الخفاء ففي كفتي الميزان يرى ما كان لله، وما كان للهوى فيقال هذا أثر الحياة، فإن الجنة هي المأوى، وهذا لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى { فلما كتب عليهم القتال } [البقرة: 246]، تبين الأبطال من البطال واسودت وجوه أصحاب الدعاوي، وابيضت وجوه أرباب المعاني: { تولوا إلا قليلا منهم } [البقرة: 246]، ولا شك أن أهل الحق في كل زمان وإن كان أعز من العتقاء وأعوز من الكيمياء، قال بعضهم:
تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا
عزير وجار الأكثرين ذليل
وإنما لم ينل المدعون مقصدهم؛ لأنه لم يخلص بالحق لله مقصودهم، ولو أنهم قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وإنه سيدنا ومولانا، فالله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم، كما قال قوم من السعداء في أثناء التضرع والبكاء بالنفس الصعداء:
وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين
[المائدة: 84]، لا جرم
فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار
[المائدة: 85]،
كذلك نجزي الظالمين
[الأنبياء: 29] على قدر ظلمهم
والله عليم بالظالمين
[الجمعة: 7].
ثم أخبر عن إجابة سؤالهم وبعد الإجابة بين مع النبي أحوالهم وأخلاقهم وأفعالهم بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]، والإشارة فيها أن الحكمة الإلهية الأزلية جلت وتجلت جلباب تعاليها عن أن تكون العقول القاصرة الخلقية مدركة لكل معنى من معانيها وأنه ليس العجب في أن العقول البشرية المشوبة بظلمة الهوى والغضب كبني إسرائيل حارت عند سماع قوله: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } حتى
قالوا
[القلم: 29]، متحيرين { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247]، ولكن العجب أن العقول الكاملة المؤيدة بالأنوار القدسية للملائكة المقربين طارت عند استماع خطابه:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، حتى قالوا مدهوشين:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30]، فالله تعالى أخبرهم عن قصور عقولهم في إدراك حقائق حكمه وقال:
قال إني أعلم ما لا تعلمون
[البقرة: 30]، ثم اصطفى آدم عليه السلام على الملائكة بالعلم والجسم، وقال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، وقال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وكذلك اصطفى طالوت على بني إسرائيل، قال: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء } [البقرة: 247]، أعطى ملك بني إسرائيل لطالوت كما أعطى ملك الخلافة لآدم وإنما حرم بنو إسرائيل عن الملك؛ لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم متكبرين على طالوت ناظرين إليه بنظر الحقارة ومن عجبهم قالوا: { نحن أحق بالملك منه } [البقرة: 247]، ومن تكبرهم عليه قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } [البقرة: 247] ومن تحقيرهم إياه قالوا: { ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247] فلما تكبروا وضعهم الله تعالى وحرموا من الملك ولما عرض صمويل على طالوت تواضع لله تعالى، وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ فرفعه الله تعالى وأعطاه الملك وقال: { والله يؤتي ملكه من يشآء } كذلك الملائكة إنما حرموا من الخلافة لأنهم كانوا محتجبين بحجب الأنانية والتحتية متفوقين على آدم ناظرين إليه بالحقارة حتى قالوا:
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30]، وقد أضمروا في هذا القول: ونحن أحق بالخلاف منه وإن لم يظهروا فتفوقوا عليه في حضرته وقالوا:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فلما تفوقوا عليه وترفعوا أمرهم بسجوده، ولما جاء جبريل عليه السلام ليقبضه من أديم الأرض وقال له: أحب ربك، فقال: إيش يريد مني؟ عرض عليه الخلافة وقال: يريد أن يجعلك خليفة فتواضع لله تعالى وقال: ما للتراب ورب الأرباب وأقسم على جبريل برب العزة ألا يقبضه وأن يستعفي له من الحضرة، فالله تعالى أكرمه بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة وأعطاه ملك الخلافة ورفعه على أكناف الملائكة إلى دار المقامة والكرامة وقال: { والله واسع عليم } [البقرة: 247]؛ أي: واسع الرحمة حتى رحمته وسعت كل شيء، ولكنه عليم بمستحقي خلافته وملكه.
ثم أخبر عن آيات استحقاق ملكية طالوت في إتيانه التابوت بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } [البقرة: 248]، والإشارة فيها أن آية تلك الخلافة للعبد أن يظفر بتابوت قلبه فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله كقوله تعالى:
وتطمئن قلوبهم
[الرعد: 28]، وقوله تعالى:
ولكن ليطمئن قلبي
[البقرة: 260]؛ أي: بازدياد الإيمان مع الإيمان وهي السكينة لقوله تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم
[الفتح: 4]، { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } [البقرة: 248]، وهو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التقوى وهي الثعبان الذي إذا قرعت فإنها تلقف سحر عظيم السحرة صفات فرعون النفس، فإن الله جعل سكينة بني إسرائيل تعينهم في تابوت السماء وهو عصا موسى، فقد جعل سكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته عصا الذكر وكلمته في تابوت القلوب.
كما قال تعالى:
فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[الفتح: 26]، وألزمهم كلمة التقوى ثم شرفهم بتخصيص هذه الكرامة على سائر الأمم وقال تعالى:
وكانوا أحق بها وأهلها
[الفتح: 26] وإن تابوتهم الذي كانت سكينتهم فيه تتداوله الأيدي من الأعداء وغيرهم فمرة كان يدنس وتارة كان يغلب عليه فيحمل ويوضع على الصنم أما تابوت قلوب المؤمنين خال بين أربابها وبينها ولم يستودعها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وأودعها بين أصبعي جلاله وجماله كما قال صلى الله عليه وسلم:
" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "
فشتان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليهم تسلط وبين أمة سكينتهم فيما ليس للأولياء ولا للأنبياء عليه تسلط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر "
، وإن كان في تابوتهم رضاض ألواح كتبت عليه التوراة فالله تعالى كتب في قلوبهم الإيمان، وإن كان في ذلك التابوت بعض التوراة موضوعا ففي تابوت قلوبهم هذه الأمة جميع القرآن محفوظا، وإن كان في تابوت بيوت فيها صور الأنبياء ففي تابوت قلوبهم خلوات لا يسع فيها معهم غير الله كما قال تعالى:
" لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن "
، فإذا تيسر لطالوت روح الإنساني أن يؤتى تابوت القلوب الرباني فسلم إليه ملك الخلافة وسرير السلطان واستوثق عليه جميع أسباط الإنساني فلا يركن إلى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويبرز لقتال جالوت النفس الأمارة { إن في ذلك } [البقرة: 248]، الإشارة { لآية لكم } [البقرة: 248] لنبينها لكم وأعلاما عن أحوالكم: { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 248]، بحقائق القرآن وإشاراته.
البقرة 2:248
ثم أخبر عن قتال أهل المال وجدال أهل الضلال بقوله تعالى: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى } [البقرة: 246] والإشارة فيها أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا أعرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان: { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } [البقرة: 246]؛ يعني: أنكم هو شمول إذا ادعيتهم دعوى عريضا تصريحا لا تعريضا أن تقاتل في سبيل الله وإن القتال في سبيل الله من شأن الأنبياء وخواص الأولياء وليس من منيع أهل الطباع والهوى فأنا أتوقع إن كتب عليكم القتال أن تقاتلوا فيما ادعيتم كالرجال وتكون أفعالكم دون أقوالكم وأعمالكم { قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } [البقرة: 246]، فكان أول مقالهم دعوى إخلاص لله في قتالهم فظهر عن المقصود وأخرجا لهم معنى الذب عن أولادهم وأموالهم، فهذا حال أكثر مدعي الإسلام والإيمان يزعمون يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويعمل ويصنع لله وفي الله، فإذا امتحنوا بصدق الجنان وعرضوا النقود على الميزان فيكشف الغطاء ويظهر الخفاء ففي كفتي الميزان يرى ما كان لله، وما كان للهوى فيقال هذا أثر الحياة، فإن الجنة هي المأوى، وهذا لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى { فلما كتب عليهم القتال } [البقرة: 246]، تبين الأبطال من البطال واسودت وجوه أصحاب الدعاوي، وابيضت وجوه أرباب المعاني: { تولوا إلا قليلا منهم } [البقرة: 246]، ولا شك أن أهل الحق في كل زمان وإن كان أعز من العتقاء وأعوز من الكيمياء، قال بعضهم:
تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا
عزير وجار الأكثرين ذليل
وإنما لم ينل المدعون مقصدهم؛ لأنه لم يخلص بالحق لله مقصودهم، ولو أنهم قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وإنه سيدنا ومولانا، فالله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم، كما قال قوم من السعداء في أثناء التضرع والبكاء بالنفس الصعداء:
وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين
[المائدة: 84]، لا جرم
فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار
[المائدة: 85]،
كذلك نجزي الظالمين
[الأنبياء: 29] على قدر ظلمهم
والله عليم بالظالمين
[الجمعة: 7].
ثم أخبر عن إجابة سؤالهم وبعد الإجابة بين مع النبي أحوالهم وأخلاقهم وأفعالهم بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]، والإشارة فيها أن الحكمة الإلهية الأزلية جلت وتجلت جلباب تعاليها عن أن تكون العقول القاصرة الخلقية مدركة لكل معنى من معانيها وأنه ليس العجب في أن العقول البشرية المشوبة بظلمة الهوى والغضب كبني إسرائيل حارت عند سماع قوله: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } حتى
قالوا
[القلم: 29]، متحيرين { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247]، ولكن العجب أن العقول الكاملة المؤيدة بالأنوار القدسية للملائكة المقربين طارت عند استماع خطابه:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، حتى قالوا مدهوشين:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30]، فالله تعالى أخبرهم عن قصور عقولهم في إدراك حقائق حكمه وقال:
قال إني أعلم ما لا تعلمون
[البقرة: 30]، ثم اصطفى آدم عليه السلام على الملائكة بالعلم والجسم، وقال تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، وقال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وكذلك اصطفى طالوت على بني إسرائيل، قال: { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء } [البقرة: 247]، أعطى ملك بني إسرائيل لطالوت كما أعطى ملك الخلافة لآدم وإنما حرم بنو إسرائيل عن الملك؛ لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم متكبرين على طالوت ناظرين إليه بنظر الحقارة ومن عجبهم قالوا: { نحن أحق بالملك منه } [البقرة: 247]، ومن تكبرهم عليه قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } [البقرة: 247] ومن تحقيرهم إياه قالوا: { ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247] فلما تكبروا وضعهم الله تعالى وحرموا من الملك ولما عرض صمويل على طالوت تواضع لله تعالى، وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ فرفعه الله تعالى وأعطاه الملك وقال: { والله يؤتي ملكه من يشآء } كذلك الملائكة إنما حرموا من الخلافة لأنهم كانوا محتجبين بحجب الأنانية والتحتية متفوقين على آدم ناظرين إليه بالحقارة حتى قالوا:
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
[البقرة: 30]، وقد أضمروا في هذا القول: ونحن أحق بالخلاف منه وإن لم يظهروا فتفوقوا عليه في حضرته وقالوا:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30]، فلما تفوقوا عليه وترفعوا أمرهم بسجوده، ولما جاء جبريل عليه السلام ليقبضه من أديم الأرض وقال له: أحب ربك، فقال: إيش يريد مني؟ عرض عليه الخلافة وقال: يريد أن يجعلك خليفة فتواضع لله تعالى وقال: ما للتراب ورب الأرباب وأقسم على جبريل برب العزة ألا يقبضه وأن يستعفي له من الحضرة، فالله تعالى أكرمه بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة وأعطاه ملك الخلافة ورفعه على أكناف الملائكة إلى دار المقامة والكرامة وقال: { والله واسع عليم } [البقرة: 247]؛ أي: واسع الرحمة حتى رحمته وسعت كل شيء، ولكنه عليم بمستحقي خلافته وملكه.
ثم أخبر عن آيات استحقاق ملكية طالوت في إتيانه التابوت بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } [البقرة: 248]، والإشارة فيها أن آية تلك الخلافة للعبد أن يظفر بتابوت قلبه فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله كقوله تعالى:
وتطمئن قلوبهم
[الرعد: 28]، وقوله تعالى:
ولكن ليطمئن قلبي
[البقرة: 260]؛ أي: بازدياد الإيمان مع الإيمان وهي السكينة لقوله تعالى:
هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم
[الفتح: 4]، { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } [البقرة: 248]، وهو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التقوى وهي الثعبان الذي إذا قرعت فإنها تلقف سحر عظيم السحرة صفات فرعون النفس، فإن الله جعل سكينة بني إسرائيل تعينهم في تابوت السماء وهو عصا موسى، فقد جعل سكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته عصا الذكر وكلمته في تابوت القلوب.
كما قال تعالى:
فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
[الفتح: 26]، وألزمهم كلمة التقوى ثم شرفهم بتخصيص هذه الكرامة على سائر الأمم وقال تعالى:
وكانوا أحق بها وأهلها
[الفتح: 26] وإن تابوتهم الذي كانت سكينتهم فيه تتداوله الأيدي من الأعداء وغيرهم فمرة كان يدنس وتارة كان يغلب عليه فيحمل ويوضع على الصنم أما تابوت قلوب المؤمنين خال بين أربابها وبينها ولم يستودعها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وأودعها بين أصبعي جلاله وجماله كما قال صلى الله عليه وسلم:
" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "
فشتان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليهم تسلط وبين أمة سكينتهم فيما ليس للأولياء ولا للأنبياء عليه تسلط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر "
، وإن كان في تابوتهم رضاض ألواح كتبت عليه التوراة فالله تعالى كتب في قلوبهم الإيمان، وإن كان في ذلك التابوت بعض التوراة موضوعا ففي تابوت قلوبهم هذه الأمة جميع القرآن محفوظا، وإن كان في تابوت بيوت فيها صور الأنبياء ففي تابوت قلوبهم خلوات لا يسع فيها معهم غير الله كما قال تعالى:
" لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن "
، فإذا تيسر لطالوت روح الإنساني أن يؤتى تابوت القلوب الرباني فسلم إليه ملك الخلافة وسرير السلطان واستوثق عليه جميع أسباط الإنساني فلا يركن إلى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويبرز لقتال جالوت النفس الأمارة { إن في ذلك } [البقرة: 248]، الإشارة { لآية لكم } [البقرة: 248] لنبينها لكم وأعلاما عن أحوالكم: { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 248]، بحقائق القرآن وإشاراته.
البقرة 2:249
ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } [البقرة: 249]، والإشارة فيها: { إن الله } [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق { مبتليكم بنهر } [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربي وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أنا من الله والمؤمنون مني "
{ إلا من اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول:
" اللهم أرزق آل محمد قوتا "
أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: { فشربوا منه } [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى { إلا قليلا منهم } [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:
" ما لي وللدنيا "
والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا
[الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن كل من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولا مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } [البقرة: 249]؛ أي: بنصره { والله مع الصابرين } [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127].
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا } [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثا به مستعينا به مستدعيا منه { ربنآ أفرغ علينا صبرا } [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا { وثبت أقدامنا } [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك { وانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقرونا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.
{ فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { وقتل داود } [البقرة: 251]، القلب { جالوت } [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، { وآتاه الله الملك والحكمة } [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية { وعلمه مما يشآء } [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها { ولكن الله ذو فضل على العالمين } [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: { نتلوها عليك } [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك { بالحق } [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: { وإنك لمن المرسلين } [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9] خصصت، بسهم
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعد ما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبدية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: " لي مع الله وقت " ، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتا دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول:
" ما أوذي بي مثل ما أوذيت "
فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئا لك ما نلت ومريئا لك ما قلت:
" لو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا اتباعي "
وقولك:
" الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم "
بل قولك:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم "
؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نورا وأتم في الرفعة وقورا فرفعة درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم
" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل "
فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلا لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 11].
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بلفظ الواحد أن
يخرجهم من الظلمات إلى النور
[المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جدا.
ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: " ازدياد العلم رفعة الدرجة " فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده، باقيا بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نورا وقال:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم.
ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات } [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصا بعد ما جاءتهم البينات، { ولكن اختلفوا } [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض { فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله } [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل } [البقرة: 253]، إلى الأبد { ما يريد } [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علوا كبيرا.
البقرة 2:250
ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } [البقرة: 249]، والإشارة فيها: { إن الله } [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق { مبتليكم بنهر } [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربي وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أنا من الله والمؤمنون مني "
{ إلا من اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول:
" اللهم أرزق آل محمد قوتا "
أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: { فشربوا منه } [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى { إلا قليلا منهم } [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:
" ما لي وللدنيا "
والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا
[الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن كل من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولا مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } [البقرة: 249]؛ أي: بنصره { والله مع الصابرين } [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127].
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا } [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثا به مستعينا به مستدعيا منه { ربنآ أفرغ علينا صبرا } [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا { وثبت أقدامنا } [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك { وانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقرونا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.
{ فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { وقتل داود } [البقرة: 251]، القلب { جالوت } [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، { وآتاه الله الملك والحكمة } [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية { وعلمه مما يشآء } [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها { ولكن الله ذو فضل على العالمين } [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: { نتلوها عليك } [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك { بالحق } [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: { وإنك لمن المرسلين } [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9] خصصت، بسهم
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعد ما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبدية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: " لي مع الله وقت " ، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتا دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول:
" ما أوذي بي مثل ما أوذيت "
فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئا لك ما نلت ومريئا لك ما قلت:
" لو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا اتباعي "
وقولك:
" الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم "
بل قولك:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم "
؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نورا وأتم في الرفعة وقورا فرفعة درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم
" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل "
فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلا لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 11].
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بلفظ الواحد أن
يخرجهم من الظلمات إلى النور
[المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جدا.
ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: " ازدياد العلم رفعة الدرجة " فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده، باقيا بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نورا وقال:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم.
ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات } [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصا بعد ما جاءتهم البينات، { ولكن اختلفوا } [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض { فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله } [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل } [البقرة: 253]، إلى الأبد { ما يريد } [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علوا كبيرا.
البقرة 2:251
ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } [البقرة: 249]، والإشارة فيها: { إن الله } [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق { مبتليكم بنهر } [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربي وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أنا من الله والمؤمنون مني "
{ إلا من اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول:
" اللهم أرزق آل محمد قوتا "
أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: { فشربوا منه } [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى { إلا قليلا منهم } [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:
" ما لي وللدنيا "
والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا
[الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن كل من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولا مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } [البقرة: 249]؛ أي: بنصره { والله مع الصابرين } [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127].
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا } [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثا به مستعينا به مستدعيا منه { ربنآ أفرغ علينا صبرا } [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا { وثبت أقدامنا } [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك { وانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقرونا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.
{ فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { وقتل داود } [البقرة: 251]، القلب { جالوت } [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، { وآتاه الله الملك والحكمة } [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية { وعلمه مما يشآء } [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها { ولكن الله ذو فضل على العالمين } [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: { نتلوها عليك } [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك { بالحق } [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: { وإنك لمن المرسلين } [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9] خصصت، بسهم
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعد ما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبدية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: " لي مع الله وقت " ، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتا دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول:
" ما أوذي بي مثل ما أوذيت "
فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئا لك ما نلت ومريئا لك ما قلت:
" لو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا اتباعي "
وقولك:
" الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم "
بل قولك:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم "
؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نورا وأتم في الرفعة وقورا فرفعة درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم
" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل "
فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلا لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 11].
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بلفظ الواحد أن
يخرجهم من الظلمات إلى النور
[المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جدا.
ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: " ازدياد العلم رفعة الدرجة " فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده، باقيا بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نورا وقال:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم.
ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات } [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصا بعد ما جاءتهم البينات، { ولكن اختلفوا } [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض { فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله } [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل } [البقرة: 253]، إلى الأبد { ما يريد } [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علوا كبيرا.
البقرة 2:252
ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } [البقرة: 249]، والإشارة فيها: { إن الله } [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق { مبتليكم بنهر } [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربي وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أنا من الله والمؤمنون مني "
{ إلا من اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول:
" اللهم أرزق آل محمد قوتا "
أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: { فشربوا منه } [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى { إلا قليلا منهم } [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:
" ما لي وللدنيا "
والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا
[الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن كل من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولا مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } [البقرة: 249]؛ أي: بنصره { والله مع الصابرين } [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127].
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا } [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثا به مستعينا به مستدعيا منه { ربنآ أفرغ علينا صبرا } [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا { وثبت أقدامنا } [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك { وانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقرونا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.
{ فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { وقتل داود } [البقرة: 251]، القلب { جالوت } [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، { وآتاه الله الملك والحكمة } [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية { وعلمه مما يشآء } [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها { ولكن الله ذو فضل على العالمين } [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: { نتلوها عليك } [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك { بالحق } [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: { وإنك لمن المرسلين } [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9] خصصت، بسهم
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعد ما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبدية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: " لي مع الله وقت " ، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتا دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول:
" ما أوذي بي مثل ما أوذيت "
فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئا لك ما نلت ومريئا لك ما قلت:
" لو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا اتباعي "
وقولك:
" الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم "
بل قولك:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم "
؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نورا وأتم في الرفعة وقورا فرفعة درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم
" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل "
فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلا لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 11].
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بلفظ الواحد أن
يخرجهم من الظلمات إلى النور
[المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جدا.
ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: " ازدياد العلم رفعة الدرجة " فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده، باقيا بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نورا وقال:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم.
ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات } [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصا بعد ما جاءتهم البينات، { ولكن اختلفوا } [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض { فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله } [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل } [البقرة: 253]، إلى الأبد { ما يريد } [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علوا كبيرا.
البقرة 2:253
ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود } [البقرة: 249]، والإشارة فيها: { إن الله } [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق { مبتليكم بنهر } [البقرة: 249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى:
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربي وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أنا من الله والمؤمنون مني "
{ إلا من اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249]؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول:
" اللهم أرزق آل محمد قوتا "
أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: { فشربوا منه } [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى { إلا قليلا منهم } [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:
" ما لي وللدنيا "
والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا
[الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن كل من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولا مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } [البقرة: 249]؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } [البقرة: 249]؛ أي: بنصره { والله مع الصابرين } [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى:
واصبر وما صبرك إلا بالله
[النحل: 127].
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا } [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثا به مستعينا به مستدعيا منه { ربنآ أفرغ علينا صبرا } [البقرة: 250]، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا { وثبت أقدامنا } [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك { وانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 250]، وهم أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقرونا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.
{ فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { وقتل داود } [البقرة: 251]، القلب { جالوت } [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، { وآتاه الله الملك والحكمة } [البقرة: 251]؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية { وعلمه مما يشآء } [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [البقرة: 251]؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها { ولكن الله ذو فضل على العالمين } [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى:
فبما رحمة من الله لنت لهم
[آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء
[النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: { نتلوها عليك } [البقرة: 252]؛ أي: نجلوها لديك { بالحق } [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: { وإنك لمن المرسلين } [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى:
والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9] خصصت، بسهم
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعد ما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبدية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: " لي مع الله وقت " ، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتا دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول:
" ما أوذي بي مثل ما أوذيت "
فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئا لك ما نلت ومريئا لك ما قلت:
" لو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا اتباعي "
وقولك:
" الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم "
بل قولك:
" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم "
؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نورا وأتم في الرفعة وقورا فرفعة درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.
كما قال: صلى الله عليه وسلم
" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل "
فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود العباد والمقبولين قابلا لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم بقوله تعالى:
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
[الأنبياء: 11].
وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور فإنه موصوف بالوحدة لا تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر الله تعالى النور في مواضع من القرآن بلفظ الواحد أن
يخرجهم من الظلمات إلى النور
[المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جدا.
ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: " ازدياد العلم رفعة الدرجة " فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه مكان؛ لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده، باقيا بنور جوده ولهذا سماه الله تعالى: نورا وقال:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم.
ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات } [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصا بعد ما جاءتهم البينات، { ولكن اختلفوا } [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض { فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله } [البقرة: 253]، السعادة في حق الجميع { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل } [البقرة: 253]، إلى الأبد { ما يريد } [البقرة: 253]، في الأزل بل اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما يشركون به علوا كبيرا.
البقرة 2:254
ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم } [البقرة: 254]، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونه بمكنوناته فقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } يخبر عن ذات منفرد بالألوهية والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفا بجميع صفات الجلال والجمال فلا يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية في الربوبية بقوله تعالى: { لا إله } [البقرة: 255]، ثم أثبت بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بوصف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ضدية ولا ندية بقوله تعالى: { إلا هو } [البقرة: 255].
ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: { الحي } [البقرة: 255]، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: { القيوم } [البقرة: 255]؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم
" يا قيوم السماوات والأرض "
وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأن اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا، واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم.
وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دعي أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
ثم الله تعالى نزه نفسه عن صفات النقص بعد ما أتيت له صفات الكمال وقال: { لا تأخذه سنة } [البقرة: 255]، لأن النوم أخو الموت بل سمى الله تعالى النوم بالموت وقال:
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
[الزمر: 42] أي: منامها والموت ضد الحياة وهو الحي الحقيقي فلا يخلفه ضد الحياة، ففي هذا أشار إلى أن ذاته سبحانه وتعالى كأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقصان.
ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: { ولا نوم له ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 255]، ملكا وملكا خلقا وعبدية كما قال تعالى:
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93] قائما عبدا ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ملكه فقال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255]، قلت: هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى:
أن يبعثك ربك مقاما محمودا
[الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في حديث الشفاعة إذ تعينه الأنباء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [البقرة: 255]؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم
" أول ما خلق الله نوري "
وفي رواية
" روحي "
، و
" أول ما خلق الله العقل "
، و
" أول ما خلق الله القلم "
و
" أول ما خلق الله جوهرة "
، و
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
وأمثال هذا كثير { وما خلفهم } من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذلة الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
{ ولا يحيطون بشيء من علمه } [البقرة: 255]، وكذلك يحتمل أن يكون إلها كناية عنه صلى الله عليه وسلم يعني هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم عن سير معاملاتهم وقصصهم كما قال تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120] وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئا من معلوماته { إلا بما شآء } [البقرة: 255]، أن يخبرهم عن ذلك فأحمل على علم الله فهو ظاهر وقد سبق ذكره، ولا يحيطون يعني الخلق بشيء من علمه؛ لأن علمه قديم أزلي لا يكون مسبوقا بالعلم المحدث إلا بما شاء أن يخبرهم عن بعض معلوماته.
{ وسع كرسيه السموت والأرض } [البقرة: 255]، فهذا مما يخبر عن جمال مكنوناته بمكوناته يعني ذلك سيد هذا الكمال أن يكون محيطا بالسماوات والأرض والنار، وهو مع عظم شأنه كخلقه حلقات في فلات بالنسبة إلى العرش، فانظر إن كمالية جمال العرش كم يكون، أما القول معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانات لا يؤول شيئا من الأعيان مما نطلق به القرآن والحديث بالمعاني لا بصورها كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققا خصه الله تعالى بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاص وإشارة وتحقيق بقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط، وما في الجنة من الحور القصور والأنهار مجرى المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعاينها، فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة الأولى نظير في عالم المعاني وما خلق الله شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، فافهم جدا.
وما خلق الله في العالمين شيئا إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة الله، ومثال الكرسي سر الإنسان وسنبينها في تحقيق
الرحمن على العرش استوى
[طه: 5] إن شاء الله تعالى. فالعجب كل العجب أن العرش مع سعته باستواء الرحمانية فقد قيل هو كخلقه حلقات بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى.
قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255]، فتحقيقه أن لا تؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها في السر الإنساني بقوله تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، فالله تعالى بعد ما أظهر وأثبت لمخلوقاته من العرش والكرسي والقلب الإنساني وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهار الكمال القدرة والحكمة، ترد برداء الكبرياء والعزة والعلاء، واتزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال عز وجل وعلا: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] عين له العلو في الشأن والعظمة والسلطان فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه قد علا، ومن عظم فبتعظيم قد عظم واستعلى فسبحان ربنا العظيم وسبحان ربنا الأعلى.
ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله تعالى: { لا إكراه في الدين } والإشارة فيها أن الله هو محب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم ويخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور الهداية حتى آمنوا، ويدل على هذا التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل "
فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلا ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين بقوله تعالى:
فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين
[البقرة: 64].
ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى
[محمد: 17]، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى:
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله
[الرعد: 28]، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى:
رضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها
[يونس: 7]، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك
[الفجر: 27-28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة
راضية مرضية * فادخلي في عبادي
[الفجر: 28-29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى:
فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا
[الكهف: 13-14]، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى:
زادهم هدى
[محمد: 17]؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء.
كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدء به كان حبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم:
وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا
[الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مربيا من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار ليخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه.
كما قال تعالى:
وربطنا على قلوبهم
[الكهف: 14]، أي: أفناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم، والنشر هو الأحياء ينشر لكم ربكم من رحمته، أي: يحببكم ربكم بصفات رحمته بعد أن يميتكم عن صفاتكم ويهيئ لكم من أمركم مرفقا، يعني: إذ نحن ما نعلم طريق السير إلى الله، ولم نجد من يسيرنا إليه بالتربية، فالله تعالى يتولى أمرهم بنهي أسبابها بالرفق، فلا جرم من تهيئ أسباب تربيتهم فأنامهم نومة العروس بعزل الحواس، فإنها أصل معتبر في تصفية القلب وسرعته إلى التوبة بالكلية إلى الحق في قبول فيض النور الإلهي، ولئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب المجاهدة، وتولى تربيتهم بلا واسطة، فقال تعالى:
ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال
[الكهف: 18]، تقلبهم عن صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين، وكلبهم عين كلب نفوسهم
باسط ذراعيه بالوصيد
[الكهف: 18] أي: نائم باسط ذراعيه عنهم، ولا يزاحمهم بدواعي البشرية حتى تمده مدة تربيتهم في أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية فإفنائهم عنهم وإبقائهم به من أمارات هذا المقام، وهو الولاية التي يكرم الله بها خواص عباده إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده فأظهر الله عليهم هيبة من آثار صفات جلاله، كما قال تعالى:
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا
[الكهف: 18].
وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت } [البقرة: 257]، ذكر الطاغوت بلفظ الواحد والأولياء بلفظ الجمع؛ ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبل الطاغوت لهم فلو كان من قبله لقال: وليهم الطاغوت أو الطاغوت وليهم فمعناه والذين كفروا هم أولياء الطاغوت، دليله قوله تعالى:
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله
[البقرة: 165]، ولأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنه بمعزل عن الولاية والمحبة، وإن حملنا على الشيطان والنفس فإنهم أعداء لا الأولياء وإن حملنا على الرؤيا المتقدمين، فإن لهم فراغة عن ولايتهم ومحبتهم وإن كانوا يقطعون الطريق عليهم ويمنعونهم عن الإسلام ويدعونهم إلى الكفر، فهذا من العداوة لا من الولاء فثبت أنهم أولياء للطاغوت، ولهذا الفرق ذكر الأولياء بلفظ الجميع، ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من الله تعالى ابتداء لا منهم قال الله عز وجل: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]، دليله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بدع بمحبته إياهم قوله تعالى: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، فليس لكل طاغوت في العالم قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء "
، وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتا يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: { يخرجونهم } ، كقوله:
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس
[إبراهيم: 35-36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم الطاغوت أخرجوا من النور، ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البهيمية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها.
وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية، فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة العلويات فتدعى بقوله تعالى:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي
[الفجر: 27-28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين
[التين: 4-5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى
إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
[التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين
أولئك
[البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار
أصحب النار
[البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت
هم فيها خلدون
[البقرة: 39]؛ أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوما فهو منهم ومن أحب قوما فهو معهم خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
البقرة 2:255
ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم } [البقرة: 254]، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونه بمكنوناته فقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } يخبر عن ذات منفرد بالألوهية والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفا بجميع صفات الجلال والجمال فلا يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية في الربوبية بقوله تعالى: { لا إله } [البقرة: 255]، ثم أثبت بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بوصف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ضدية ولا ندية بقوله تعالى: { إلا هو } [البقرة: 255].
ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: { الحي } [البقرة: 255]، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: { القيوم } [البقرة: 255]؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم
" يا قيوم السماوات والأرض "
وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأن اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا، واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم.
وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دعي أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
ثم الله تعالى نزه نفسه عن صفات النقص بعد ما أتيت له صفات الكمال وقال: { لا تأخذه سنة } [البقرة: 255]، لأن النوم أخو الموت بل سمى الله تعالى النوم بالموت وقال:
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
[الزمر: 42] أي: منامها والموت ضد الحياة وهو الحي الحقيقي فلا يخلفه ضد الحياة، ففي هذا أشار إلى أن ذاته سبحانه وتعالى كأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقصان.
ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: { ولا نوم له ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 255]، ملكا وملكا خلقا وعبدية كما قال تعالى:
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93] قائما عبدا ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ملكه فقال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255]، قلت: هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى:
أن يبعثك ربك مقاما محمودا
[الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في حديث الشفاعة إذ تعينه الأنباء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [البقرة: 255]؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم
" أول ما خلق الله نوري "
وفي رواية
" روحي "
، و
" أول ما خلق الله العقل "
، و
" أول ما خلق الله القلم "
و
" أول ما خلق الله جوهرة "
، و
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
وأمثال هذا كثير { وما خلفهم } من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذلة الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
{ ولا يحيطون بشيء من علمه } [البقرة: 255]، وكذلك يحتمل أن يكون إلها كناية عنه صلى الله عليه وسلم يعني هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم عن سير معاملاتهم وقصصهم كما قال تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120] وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئا من معلوماته { إلا بما شآء } [البقرة: 255]، أن يخبرهم عن ذلك فأحمل على علم الله فهو ظاهر وقد سبق ذكره، ولا يحيطون يعني الخلق بشيء من علمه؛ لأن علمه قديم أزلي لا يكون مسبوقا بالعلم المحدث إلا بما شاء أن يخبرهم عن بعض معلوماته.
{ وسع كرسيه السموت والأرض } [البقرة: 255]، فهذا مما يخبر عن جمال مكنوناته بمكوناته يعني ذلك سيد هذا الكمال أن يكون محيطا بالسماوات والأرض والنار، وهو مع عظم شأنه كخلقه حلقات في فلات بالنسبة إلى العرش، فانظر إن كمالية جمال العرش كم يكون، أما القول معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانات لا يؤول شيئا من الأعيان مما نطلق به القرآن والحديث بالمعاني لا بصورها كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققا خصه الله تعالى بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاص وإشارة وتحقيق بقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط، وما في الجنة من الحور القصور والأنهار مجرى المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعاينها، فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة الأولى نظير في عالم المعاني وما خلق الله شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، فافهم جدا.
وما خلق الله في العالمين شيئا إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة الله، ومثال الكرسي سر الإنسان وسنبينها في تحقيق
الرحمن على العرش استوى
[طه: 5] إن شاء الله تعالى. فالعجب كل العجب أن العرش مع سعته باستواء الرحمانية فقد قيل هو كخلقه حلقات بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى.
قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255]، فتحقيقه أن لا تؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها في السر الإنساني بقوله تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، فالله تعالى بعد ما أظهر وأثبت لمخلوقاته من العرش والكرسي والقلب الإنساني وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهار الكمال القدرة والحكمة، ترد برداء الكبرياء والعزة والعلاء، واتزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال عز وجل وعلا: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] عين له العلو في الشأن والعظمة والسلطان فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه قد علا، ومن عظم فبتعظيم قد عظم واستعلى فسبحان ربنا العظيم وسبحان ربنا الأعلى.
ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله تعالى: { لا إكراه في الدين } والإشارة فيها أن الله هو محب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم ويخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور الهداية حتى آمنوا، ويدل على هذا التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل "
فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلا ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين بقوله تعالى:
فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين
[البقرة: 64].
ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى
[محمد: 17]، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى:
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله
[الرعد: 28]، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى:
رضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها
[يونس: 7]، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك
[الفجر: 27-28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة
راضية مرضية * فادخلي في عبادي
[الفجر: 28-29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى:
فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا
[الكهف: 13-14]، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى:
زادهم هدى
[محمد: 17]؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء.
كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدء به كان حبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم:
وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا
[الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مربيا من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار ليخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه.
كما قال تعالى:
وربطنا على قلوبهم
[الكهف: 14]، أي: أفناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم، والنشر هو الأحياء ينشر لكم ربكم من رحمته، أي: يحببكم ربكم بصفات رحمته بعد أن يميتكم عن صفاتكم ويهيئ لكم من أمركم مرفقا، يعني: إذ نحن ما نعلم طريق السير إلى الله، ولم نجد من يسيرنا إليه بالتربية، فالله تعالى يتولى أمرهم بنهي أسبابها بالرفق، فلا جرم من تهيئ أسباب تربيتهم فأنامهم نومة العروس بعزل الحواس، فإنها أصل معتبر في تصفية القلب وسرعته إلى التوبة بالكلية إلى الحق في قبول فيض النور الإلهي، ولئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب المجاهدة، وتولى تربيتهم بلا واسطة، فقال تعالى:
ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال
[الكهف: 18]، تقلبهم عن صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين، وكلبهم عين كلب نفوسهم
باسط ذراعيه بالوصيد
[الكهف: 18] أي: نائم باسط ذراعيه عنهم، ولا يزاحمهم بدواعي البشرية حتى تمده مدة تربيتهم في أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية فإفنائهم عنهم وإبقائهم به من أمارات هذا المقام، وهو الولاية التي يكرم الله بها خواص عباده إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده فأظهر الله عليهم هيبة من آثار صفات جلاله، كما قال تعالى:
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا
[الكهف: 18].
وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت } [البقرة: 257]، ذكر الطاغوت بلفظ الواحد والأولياء بلفظ الجمع؛ ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبل الطاغوت لهم فلو كان من قبله لقال: وليهم الطاغوت أو الطاغوت وليهم فمعناه والذين كفروا هم أولياء الطاغوت، دليله قوله تعالى:
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله
[البقرة: 165]، ولأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنه بمعزل عن الولاية والمحبة، وإن حملنا على الشيطان والنفس فإنهم أعداء لا الأولياء وإن حملنا على الرؤيا المتقدمين، فإن لهم فراغة عن ولايتهم ومحبتهم وإن كانوا يقطعون الطريق عليهم ويمنعونهم عن الإسلام ويدعونهم إلى الكفر، فهذا من العداوة لا من الولاء فثبت أنهم أولياء للطاغوت، ولهذا الفرق ذكر الأولياء بلفظ الجميع، ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من الله تعالى ابتداء لا منهم قال الله عز وجل: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]، دليله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بدع بمحبته إياهم قوله تعالى: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، فليس لكل طاغوت في العالم قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء "
، وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتا يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: { يخرجونهم } ، كقوله:
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس
[إبراهيم: 35-36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم الطاغوت أخرجوا من النور، ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البهيمية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها.
وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية، فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة العلويات فتدعى بقوله تعالى:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي
[الفجر: 27-28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين
[التين: 4-5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى
إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
[التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين
أولئك
[البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار
أصحب النار
[البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت
هم فيها خلدون
[البقرة: 39]؛ أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوما فهو منهم ومن أحب قوما فهو معهم خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
البقرة 2:256
ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم } [البقرة: 254]، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونه بمكنوناته فقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } يخبر عن ذات منفرد بالألوهية والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفا بجميع صفات الجلال والجمال فلا يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية في الربوبية بقوله تعالى: { لا إله } [البقرة: 255]، ثم أثبت بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بوصف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ضدية ولا ندية بقوله تعالى: { إلا هو } [البقرة: 255].
ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: { الحي } [البقرة: 255]، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: { القيوم } [البقرة: 255]؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم
" يا قيوم السماوات والأرض "
وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأن اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا، واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم.
وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دعي أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
ثم الله تعالى نزه نفسه عن صفات النقص بعد ما أتيت له صفات الكمال وقال: { لا تأخذه سنة } [البقرة: 255]، لأن النوم أخو الموت بل سمى الله تعالى النوم بالموت وقال:
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
[الزمر: 42] أي: منامها والموت ضد الحياة وهو الحي الحقيقي فلا يخلفه ضد الحياة، ففي هذا أشار إلى أن ذاته سبحانه وتعالى كأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقصان.
ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: { ولا نوم له ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 255]، ملكا وملكا خلقا وعبدية كما قال تعالى:
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93] قائما عبدا ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ملكه فقال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255]، قلت: هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى:
أن يبعثك ربك مقاما محمودا
[الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في حديث الشفاعة إذ تعينه الأنباء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [البقرة: 255]؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم
" أول ما خلق الله نوري "
وفي رواية
" روحي "
، و
" أول ما خلق الله العقل "
، و
" أول ما خلق الله القلم "
و
" أول ما خلق الله جوهرة "
، و
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
وأمثال هذا كثير { وما خلفهم } من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذلة الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
{ ولا يحيطون بشيء من علمه } [البقرة: 255]، وكذلك يحتمل أن يكون إلها كناية عنه صلى الله عليه وسلم يعني هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم عن سير معاملاتهم وقصصهم كما قال تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120] وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئا من معلوماته { إلا بما شآء } [البقرة: 255]، أن يخبرهم عن ذلك فأحمل على علم الله فهو ظاهر وقد سبق ذكره، ولا يحيطون يعني الخلق بشيء من علمه؛ لأن علمه قديم أزلي لا يكون مسبوقا بالعلم المحدث إلا بما شاء أن يخبرهم عن بعض معلوماته.
{ وسع كرسيه السموت والأرض } [البقرة: 255]، فهذا مما يخبر عن جمال مكنوناته بمكوناته يعني ذلك سيد هذا الكمال أن يكون محيطا بالسماوات والأرض والنار، وهو مع عظم شأنه كخلقه حلقات في فلات بالنسبة إلى العرش، فانظر إن كمالية جمال العرش كم يكون، أما القول معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانات لا يؤول شيئا من الأعيان مما نطلق به القرآن والحديث بالمعاني لا بصورها كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققا خصه الله تعالى بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاص وإشارة وتحقيق بقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط، وما في الجنة من الحور القصور والأنهار مجرى المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعاينها، فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة الأولى نظير في عالم المعاني وما خلق الله شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، فافهم جدا.
وما خلق الله في العالمين شيئا إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة الله، ومثال الكرسي سر الإنسان وسنبينها في تحقيق
الرحمن على العرش استوى
[طه: 5] إن شاء الله تعالى. فالعجب كل العجب أن العرش مع سعته باستواء الرحمانية فقد قيل هو كخلقه حلقات بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى.
قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255]، فتحقيقه أن لا تؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها في السر الإنساني بقوله تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، فالله تعالى بعد ما أظهر وأثبت لمخلوقاته من العرش والكرسي والقلب الإنساني وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهار الكمال القدرة والحكمة، ترد برداء الكبرياء والعزة والعلاء، واتزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال عز وجل وعلا: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] عين له العلو في الشأن والعظمة والسلطان فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه قد علا، ومن عظم فبتعظيم قد عظم واستعلى فسبحان ربنا العظيم وسبحان ربنا الأعلى.
ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله تعالى: { لا إكراه في الدين } والإشارة فيها أن الله هو محب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم ويخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور الهداية حتى آمنوا، ويدل على هذا التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل "
فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلا ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين بقوله تعالى:
فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين
[البقرة: 64].
ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى
[محمد: 17]، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى:
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله
[الرعد: 28]، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى:
رضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها
[يونس: 7]، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك
[الفجر: 27-28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة
راضية مرضية * فادخلي في عبادي
[الفجر: 28-29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى:
فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا
[الكهف: 13-14]، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى:
زادهم هدى
[محمد: 17]؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء.
كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدء به كان حبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم:
وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا
[الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مربيا من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار ليخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه.
كما قال تعالى:
وربطنا على قلوبهم
[الكهف: 14]، أي: أفناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم، والنشر هو الأحياء ينشر لكم ربكم من رحمته، أي: يحببكم ربكم بصفات رحمته بعد أن يميتكم عن صفاتكم ويهيئ لكم من أمركم مرفقا، يعني: إذ نحن ما نعلم طريق السير إلى الله، ولم نجد من يسيرنا إليه بالتربية، فالله تعالى يتولى أمرهم بنهي أسبابها بالرفق، فلا جرم من تهيئ أسباب تربيتهم فأنامهم نومة العروس بعزل الحواس، فإنها أصل معتبر في تصفية القلب وسرعته إلى التوبة بالكلية إلى الحق في قبول فيض النور الإلهي، ولئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب المجاهدة، وتولى تربيتهم بلا واسطة، فقال تعالى:
ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال
[الكهف: 18]، تقلبهم عن صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين، وكلبهم عين كلب نفوسهم
باسط ذراعيه بالوصيد
[الكهف: 18] أي: نائم باسط ذراعيه عنهم، ولا يزاحمهم بدواعي البشرية حتى تمده مدة تربيتهم في أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية فإفنائهم عنهم وإبقائهم به من أمارات هذا المقام، وهو الولاية التي يكرم الله بها خواص عباده إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده فأظهر الله عليهم هيبة من آثار صفات جلاله، كما قال تعالى:
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا
[الكهف: 18].
وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت } [البقرة: 257]، ذكر الطاغوت بلفظ الواحد والأولياء بلفظ الجمع؛ ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبل الطاغوت لهم فلو كان من قبله لقال: وليهم الطاغوت أو الطاغوت وليهم فمعناه والذين كفروا هم أولياء الطاغوت، دليله قوله تعالى:
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله
[البقرة: 165]، ولأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنه بمعزل عن الولاية والمحبة، وإن حملنا على الشيطان والنفس فإنهم أعداء لا الأولياء وإن حملنا على الرؤيا المتقدمين، فإن لهم فراغة عن ولايتهم ومحبتهم وإن كانوا يقطعون الطريق عليهم ويمنعونهم عن الإسلام ويدعونهم إلى الكفر، فهذا من العداوة لا من الولاء فثبت أنهم أولياء للطاغوت، ولهذا الفرق ذكر الأولياء بلفظ الجميع، ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من الله تعالى ابتداء لا منهم قال الله عز وجل: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]، دليله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بدع بمحبته إياهم قوله تعالى: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، فليس لكل طاغوت في العالم قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء "
، وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتا يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: { يخرجونهم } ، كقوله:
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس
[إبراهيم: 35-36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم الطاغوت أخرجوا من النور، ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البهيمية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها.
وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية، فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة العلويات فتدعى بقوله تعالى:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي
[الفجر: 27-28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين
[التين: 4-5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى
إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
[التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين
أولئك
[البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار
أصحب النار
[البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت
هم فيها خلدون
[البقرة: 39]؛ أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوما فهو منهم ومن أحب قوما فهو معهم خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
البقرة 2:257
ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم } [البقرة: 254]، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونه بمكنوناته فقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } يخبر عن ذات منفرد بالألوهية والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفا بجميع صفات الجلال والجمال فلا يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية في الربوبية بقوله تعالى: { لا إله } [البقرة: 255]، ثم أثبت بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بوصف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ضدية ولا ندية بقوله تعالى: { إلا هو } [البقرة: 255].
ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: { الحي } [البقرة: 255]، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: { القيوم } [البقرة: 255]؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم
" يا قيوم السماوات والأرض "
وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأن اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا، واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم.
وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دعي أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.
ثم الله تعالى نزه نفسه عن صفات النقص بعد ما أتيت له صفات الكمال وقال: { لا تأخذه سنة } [البقرة: 255]، لأن النوم أخو الموت بل سمى الله تعالى النوم بالموت وقال:
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
[الزمر: 42] أي: منامها والموت ضد الحياة وهو الحي الحقيقي فلا يخلفه ضد الحياة، ففي هذا أشار إلى أن ذاته سبحانه وتعالى كأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقصان.
ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: { ولا نوم له ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 255]، ملكا وملكا خلقا وعبدية كما قال تعالى:
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93] قائما عبدا ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ملكه فقال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255]، قلت: هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى:
أن يبعثك ربك مقاما محمودا
[الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في حديث الشفاعة إذ تعينه الأنباء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [البقرة: 255]؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم
" أول ما خلق الله نوري "
وفي رواية
" روحي "
، و
" أول ما خلق الله العقل "
، و
" أول ما خلق الله القلم "
و
" أول ما خلق الله جوهرة "
، و
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
وأمثال هذا كثير { وما خلفهم } من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذلة الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
{ ولا يحيطون بشيء من علمه } [البقرة: 255]، وكذلك يحتمل أن يكون إلها كناية عنه صلى الله عليه وسلم يعني هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم عن سير معاملاتهم وقصصهم كما قال تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120] وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئا من معلوماته { إلا بما شآء } [البقرة: 255]، أن يخبرهم عن ذلك فأحمل على علم الله فهو ظاهر وقد سبق ذكره، ولا يحيطون يعني الخلق بشيء من علمه؛ لأن علمه قديم أزلي لا يكون مسبوقا بالعلم المحدث إلا بما شاء أن يخبرهم عن بعض معلوماته.
{ وسع كرسيه السموت والأرض } [البقرة: 255]، فهذا مما يخبر عن جمال مكنوناته بمكوناته يعني ذلك سيد هذا الكمال أن يكون محيطا بالسماوات والأرض والنار، وهو مع عظم شأنه كخلقه حلقات في فلات بالنسبة إلى العرش، فانظر إن كمالية جمال العرش كم يكون، أما القول معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانات لا يؤول شيئا من الأعيان مما نطلق به القرآن والحديث بالمعاني لا بصورها كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققا خصه الله تعالى بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاص وإشارة وتحقيق بقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط، وما في الجنة من الحور القصور والأنهار مجرى المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعاينها، فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة الأولى نظير في عالم المعاني وما خلق الله شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، فافهم جدا.
وما خلق الله في العالمين شيئا إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة الله، ومثال الكرسي سر الإنسان وسنبينها في تحقيق
الرحمن على العرش استوى
[طه: 5] إن شاء الله تعالى. فالعجب كل العجب أن العرش مع سعته باستواء الرحمانية فقد قيل هو كخلقه حلقات بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى.
قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255]، فتحقيقه أن لا تؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها في السر الإنساني بقوله تعالى:
وعلم ءادم الأسمآء كلها
[البقرة: 31]، فالله تعالى بعد ما أظهر وأثبت لمخلوقاته من العرش والكرسي والقلب الإنساني وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهار الكمال القدرة والحكمة، ترد برداء الكبرياء والعزة والعلاء، واتزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال عز وجل وعلا: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] عين له العلو في الشأن والعظمة والسلطان فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه قد علا، ومن عظم فبتعظيم قد عظم واستعلى فسبحان ربنا العظيم وسبحان ربنا الأعلى.
ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله تعالى: { لا إكراه في الدين } والإشارة فيها أن الله هو محب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم ويخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور الهداية حتى آمنوا، ويدل على هذا التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل "
فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلا ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين بقوله تعالى:
فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين
[البقرة: 64].
ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى
[محمد: 17]، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى:
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله
[الرعد: 28]، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى:
رضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها
[يونس: 7]، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك
[الفجر: 27-28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة
راضية مرضية * فادخلي في عبادي
[الفجر: 28-29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى:
فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا
[الكهف: 13-14]، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى:
زادهم هدى
[محمد: 17]؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء.
كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدء به كان حبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم:
وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا
[الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مربيا من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار ليخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه.
كما قال تعالى:
وربطنا على قلوبهم
[الكهف: 14]، أي: أفناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم، والنشر هو الأحياء ينشر لكم ربكم من رحمته، أي: يحببكم ربكم بصفات رحمته بعد أن يميتكم عن صفاتكم ويهيئ لكم من أمركم مرفقا، يعني: إذ نحن ما نعلم طريق السير إلى الله، ولم نجد من يسيرنا إليه بالتربية، فالله تعالى يتولى أمرهم بنهي أسبابها بالرفق، فلا جرم من تهيئ أسباب تربيتهم فأنامهم نومة العروس بعزل الحواس، فإنها أصل معتبر في تصفية القلب وسرعته إلى التوبة بالكلية إلى الحق في قبول فيض النور الإلهي، ولئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب المجاهدة، وتولى تربيتهم بلا واسطة، فقال تعالى:
ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال
[الكهف: 18]، تقلبهم عن صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين، وكلبهم عين كلب نفوسهم
باسط ذراعيه بالوصيد
[الكهف: 18] أي: نائم باسط ذراعيه عنهم، ولا يزاحمهم بدواعي البشرية حتى تمده مدة تربيتهم في أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية فإفنائهم عنهم وإبقائهم به من أمارات هذا المقام، وهو الولاية التي يكرم الله بها خواص عباده إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده فأظهر الله عليهم هيبة من آثار صفات جلاله، كما قال تعالى:
لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا
[الكهف: 18].
وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت } [البقرة: 257]، ذكر الطاغوت بلفظ الواحد والأولياء بلفظ الجمع؛ ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبل الطاغوت لهم فلو كان من قبله لقال: وليهم الطاغوت أو الطاغوت وليهم فمعناه والذين كفروا هم أولياء الطاغوت، دليله قوله تعالى:
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله
[البقرة: 165]، ولأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنه بمعزل عن الولاية والمحبة، وإن حملنا على الشيطان والنفس فإنهم أعداء لا الأولياء وإن حملنا على الرؤيا المتقدمين، فإن لهم فراغة عن ولايتهم ومحبتهم وإن كانوا يقطعون الطريق عليهم ويمنعونهم عن الإسلام ويدعونهم إلى الكفر، فهذا من العداوة لا من الولاء فثبت أنهم أولياء للطاغوت، ولهذا الفرق ذكر الأولياء بلفظ الجميع، ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من الله تعالى ابتداء لا منهم قال الله عز وجل: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]، دليله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بدع بمحبته إياهم قوله تعالى: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، فليس لكل طاغوت في العالم قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء "
، وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتا يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: { يخرجونهم } ، كقوله:
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس
[إبراهيم: 35-36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم الطاغوت أخرجوا من النور، ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البهيمية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها.
وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية، فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة العلويات فتدعى بقوله تعالى:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي
[الفجر: 27-28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين
[التين: 4-5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى
إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت
[التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين
أولئك
[البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار
أصحب النار
[البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت
هم فيها خلدون
[البقرة: 39]؛ أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوما فهو منهم ومن أحب قوما فهو معهم خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
البقرة 2:258
ثم أخبر عن الكافر أنه إذا عجز عن العبودية كيف عارض الربوبية بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه } [البقرة: 258]، الإشارة فيها أن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكا ما أعطى لأحد قبله، وذلك لأن الله تعالى أعطى الإنسان حسن استعداد لطلب الكمال ما أعطى لأحد من العالمين كقوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
[التين: 4]، يعني: حسن استعداد في طلب الكمال فمن حسن استعداده في الطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال فحيث ما توهم جهة الكمال يأخذ في السير فيها إلى أقصى مراتبها في العلوي أو السفلي لا يتوقف لحظة إلا لما هي، ولكن الإنسان جبل على الصفة الظلومية والجهولية كقوله تعالى:
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فإن وكل إلى نفسه في طلب الكمال فينظر بنظر الحواس الخمس إلى المحسوسات وهي الدنيا فلا يتصور الكمال إلا فيها، فيأخذ في السير لطلب الكمال فيها، وهذا السير موافق لبشرية الطبيعة لأنه خلق من تراب، والتراب سفلي الطبع فيميل إلى السفليات طبعا والدنيا هي السفل فيسير فيها بقدر الطبع ويطلب الكمال، وفي البداية يرى الكمال في جميع المال فيجمعه، ثم الكمال في الجاه فيصرف المال في طلب الجاه، ثم يرى الكمال في المناصب والحكم، ثم يرى في الأمارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع إلى أن يملك الدنيا بأسرها كما كان حل نمرود، ثم لا يسكن جوهر الإنسان في طلب الكمال كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه إلى أن لا يبقى شيء من السفليات أن ملكه بقصد العلويات، وإلى الآن كان ينازع ملك الملوك ومالك الملك، وكان سبب طغيانه استغناؤه كما قال تعالى:
إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]، فإذا كمل كمال الله أتاه الملك وكان سبب طغيانه حتى يكفر بالنعمة
إن الإنسان لربه لكنود
[العاديات: 6]
إن الإنسان لظلوم كفار
[إبراهيم: 34]، فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل إلى نفسه، فبحسن استعداده أينما تصور الكمال توجه إليه لتحصيله إلى أنه رأى الكمال في الربوبية قصدها وادعى الربوبية ولكن جوهر الإنسان إذا صلح بالتربية ولم يوكل إلى نفسه هدي إلى جهة الكمال المستعد له، كقوله:
أهدكم سبيل الرشاد
[غافر: 38] فصاحب التربية وهو النبي أو بنيابته وخلافته الولي وهو الشيخ يربيه وتربيته في تربية عما سوى الله، وعداوته لتحقق تولية الله ومحبته، كما كان حال إبراهيم عليه السلام في طلب الحق بقوله:
أني بريء مما تشركون
[هود: 54]،
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، إلى أن يبلغ الإنسان حد كماله في طلب الكمال، وهو إفناء الوجود في وجود الموجود الموجد؛ ليكون مفقودا عن وجوده موجودا بوجوده، فكما كان يقول عند فساد الجوهر وإبطال حسن الاستعداد للكمال: { أنا أحيي وأميت } [البقرة: 258] وليس للعالم رب إلا أنا جهلا بهذا الكمال، فيقول عند صلاح الجوهر وصرف حسن الاستعداد في طلب الكمال وحصوله: " ليس في الوجود سوى الله " ، وهذا هو حقيقة
فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك
[محمد: 19]؛ يعني: كن فانيا عن وجودك بالكلية، فإذا فنيت عنك به علمت ما في الوجود سوى الله واستغفر لذنبك حسبان وجود غير وجوده، فافهم جدا.
وإن لم تكن مجدا، فإن المجد من يدق بمطرقة لا إله إلا الله دماغ نمرود دماغ النفس إلى أن يؤمن بالله، ويكفر بالطاغوت وجوده وجود كل موجود سوى الله، { والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258] يعني إلى عالم التوحيد والوحدة القوم المشركين فإن الشرك لظلم عظيم بالشرك ضل من ضل عن الصراط المستقيم.
البقرة 2:259
ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في محبته عقيب الدعوى بقوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } [البقرة: 259].
والإشارة فيها: أن قوما أنكروا حشر الأجساد مع أنهم اعتقدوا وأقروا بحشر الأرواح، وقالوا: الأرواح كان تعلقها بالأجساد ولاستكمالها في عالم المحسوس كالصبي يبعث إلى المكتب لتعلم الأدب، فلما حصل مقصوده من التعلم بقدر استعداده وخرج من المكتب ودخل محفل أهل الفضل وصاحبهم سنين كثيرة، واستفاد منهم أنواع العلوم التي لم توجد في المكتب واستفاد العلوم من الفضلاء بقوة أدبه التي تعلم في المكتب، وصار فاضلا في العلوم فما حاجته بعد أن كبر شأنه وعظم قدره أن يرجع إلى المكتب وحالة صباه. فلذلك الأرواح لما خرجت من سجن الأشباح واتصلت بالأرواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات التي حصلتها من عالم الحس مستفادة عن الأرواح العلوية علم الكليات التي لم توجد في عالم الحسن فما حاجتها أن ترجع إلى سجن الأجساد، فكانت نفسهم تسولت بهذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات، فالله سبحانه وتعالى من كمال فضله ورحمته على عباده المسلمين أمت عزيزا مائة سنة وحماره ثم أحياهما جميعا ليستدل به العقلاء على أن الله مهما يحيي عزيز الروح يحيي معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان وشبهات المتفلسفين في حشر الأجساد كما قال تعالى: { وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } [البقرة: 259]؛ يعني: انظر إلى حمارك الميت والعظام الرميمة، ثم انظر إلى العظام ننشزها لنجعل حالك وحال حمارك في الأحياء آية، والآية واضحة وأمارة لائحة للعاقل المؤيد عقله بنور الإيمان { فلما تبين له } [البقرة: 259]، بعد كشف الحجاب برؤية مشاهدة أنوار الغيب { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 259]، يقر ويؤمن بأن الله يحيي عزيز الروح ويحيي معه حمار جسده، فكما أن عزيز الروح يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر يكون حمار عزيز الروح، وهو جسده ونفسه في الجنة، فلعزيز الروح مشرب من كئوس تجلي صفات الجمال والجلال عن ساقي
وسقاهم ربهم شرابا طهورا
[الإنسان: 21] والحمار الجسد مشرب من أنهار الجنان وحياض رياض،
وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
[الزخرف: 71]
قد علم كل أناس مشربهم
[البقرة: 60] مشربنا، وأهرقنا على الأرض سؤرنا وللأرض من كأس الكرام نصيب، وإن لحشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها فوائد وحكما سنبينها في موضعه إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن إراءة كيفية الإحياء لخليله " شيخ الأنبياء " عليهم الصلاة والسلام بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } [البقرة: 260]، والإشارة فيها أن في قوله:
رب أرني
[الأعراف: 143]، تفوح رائحة معنى قول موسى عليه السلام
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ولكن موسى عليه السلام كان الغالب عليه السكر فإذا أديرت عليه كاسات المكالمات وأثر فيه شراب ملاطفات المحاورات، وسكر قلبه بشراب الذوق وطاش لبه عن غلبات الشوق وارتفعت الحشمة والحياد، وانقطعت الكلفة والعناد أرويت الآذان بالإصغاء تعطشت العيون إلى اللقاء فانبسط على بساط البسط، وأطلق عنان اللسان بالتصريح في ميدان البيان لسبق رؤية العيان وقال:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، فلم يحفظ الأدب في الطلب فما أرى غير النصب والتعب وأدب تأديب الخاطئ الجاني وعرك بتعريك
لن تراني
[الأعراف: 143] فأما الخليل عليه السلام فكان الغالب عليه الصحو على أنه أسقي بأقداح الخلة ما لو سقى موسى عليه السلام بقطرة منه لم يفق أبدا لأنه كان صاحب شرب، وكان الخليل عليه السلام صاحب ري، فصاحب الشرب سكران وصاحب الري صاح كما قيل شعر:
شرب الحب كأسا بعد كأس
فما نفد الشراب وما رويت
كان شرب موسى عليه السلام من شراب الكلام بأقداح السماع في أفواه السماع أحيانا فكان دائما سكرانا فتارة ينبسط مع الحق بقوله
أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143] وأجري يعربد بقوله
إن هي إلا فتنتك
[الأعراف: 155] وتارة يعربد مع هارون
وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه
[الأعراف: 150]، وتارة يعربد مع الخضر عليه السلام
لقد جئت شيئا نكرا
[الكهف: 74]، وتارة يعربد مع ملك الموت فلطمه ففقأ عينه، وأما القبطي وقتله فوكزه موسى فلا يقربه به.
والخليل عليه السلام شرب من شراب الخلة بكاسات الوصلة في أفواه الأرواح ومع هذا ما زلت قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة من كمال صحوه بسطوات الهيبة، فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة: " إن أول من شاب شيبة إبراهيم عليه السلام " ويحترم غدا بالكسوة أما أول من بكى إبراهيم عليه السلام ولما ابتلي في ماله بذل الضيفان وابتلي في ولده
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103]، للقربان وابتلي في نفسه استسلم لمنجنيق ابن كنعان وابتلي بجبريل عليه السلام فقال: أما إليك فلا عند الامتحان فلا جرم على قضيته عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، أكرمه بالإمامة للإنسان قال الله تعالى:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]، ومن إمامته أنه كان أول من دق باب الطلب للحق، وقال:
قال هذا ربي
[الأنعام: 76]، وأول من سلك طريق الحق، وقال:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99] وأول من نطق بمحبته وقال:
قال لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، وأول من أظهر الشوق، وقال:
لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين
[الأنعام: 77]، وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب وقال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، أول من اشتاق إلى الرب سأل الرؤية وقال: { رب أرني } [البقرة: 260]، ولا تحسبن أن اشتياقه إلى الرب وتعطشه للرؤية، إنما كان وقت سؤال رب أرني، كما قيل شعر:
ولست حديث العهد شوقا لوعة
حديث هواكم في حشاي قديم
فإنه كان برهة من الدهر مستغرقا في هذا البحر؛ ولكن من غاية الحلم والحياء في مقام الصدق والوفاء يراعي حق إجلال العظمة والكبرياء، ومن حفظ أدب الإجلال لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول: " حسبي من سؤالي علمه بحالي " والله تعالى يرى قلبه وتقلبه والعشق وليسمع تحنثه وتأوهه من الحرقة والشوق، ويشاء تحلمه وتحمله وتخلده إجلالا لمولاه، فيقول الله تعالى:
إن إبراهيم لأواه حليم
[التوبة: 114]، وهو في ذلك يترصد فرصته يجد للسؤال فيها رخصة إلى أن يساقه التقدير إلى حسن التدبير وسأله نمرود: من ربك؟ فأجرى الحق على لسانه من فضله وإحسانه:
الذي يحيي ويميت
[البقرة: 258]، قال نمرود: وهي رأيت منه ما تقول أو رميت برمية ما به رأيت فوجد الخليل عليه السلام فرصة بهذا المقال لحق رخصته السؤال فأدرج في السؤال، فطلب بهذا الطريق مأموله فأخفى سره وهو: أرني في علته، وهو كيف يحيي الموتى بحفظ الأدب مع الرب، وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى، وكان يعلم الجليل ما هو مقصود الخليل وأول باب فتح عليه من مقصوده بأن خاطبه واسمعه بكلامه بفضله وجوده، وقال تعالى: { أولم تؤمن } [البقرة: 260]، وكان فيه هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة أجوبة مضمرة وثلاثة معان مدرجة مناسبة للسؤال.
وأما الأجوبة: فظاهر السؤال كان دالا على طلب إحياء الموتى.
فأجابه وقال: { أولم تؤمن } يعني ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت، فما كان إيمانك حقيقيا.
والجواب الثاني: وذلك أن الخليل أخفى سره وهو طلب الرؤية وعين سؤاله، فكذلك الرب تعالى أخفى سره، وقال: { أولم تؤمن } بميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة.
والجواب الثالث: أن الخليل ما كان شاكا فيما التمس ظاهرا؛ ولكنه أرى نفسه مشككا تعللا لسؤال المرام في ثناء الكلام، فكذلك الرب تعالى ما كان شاكا في مقصود الخليل المضمر في سؤاله؛ ولكنه أجاب تشككه في إراءة نفسه كالمتشكك في المقصود والمضمر في سؤاله وقال: { أولم تؤمن } يعني بما طلبت من الإحياء وتغافل عن مرام الجليل من كلامه مجيبا فيما صنع.
وأما المعاني الثلاثة: فالأول: أنه أضمر معنى الإثبات في لفظة النفي قال: { أولم تؤمن } أي: بل تؤمن، كقوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172] أي: أنا ربكم، والثاني: أنه درج فيها معاني جواز الرؤية يعني { أولم تؤمن } بأني أرى يوم الميعاد، فتراني أنت أيضا، فتتضمر في سؤالك طلب رؤيتي.
والثالث: أنه أحيى فيها معنى معالجة الخليل بالبصر يعني: { أولم تؤمن } بإنجاز وعدي لك بالرؤية فاصبر فإن الميعاد لخواص العباد، ثم قال الخليل في الاستفهام للمبالغة في تحصيل المرام: { بلى ولكن ليطمئن قلبي } عن الاستفهامات ببلى السر بالسر، وقرر المضمرات في السؤال بقوله: { ولكن } يعني ولكن مع الحديث اعلم واضمر في لفظه: { ليطمئن قلبي } ضرورات السؤال وحقائقها إضمار بإضمار، فأما الجواب عن الاستفهام الأول في جواب المفهوم الأول منه طلب الأحياء، ومعنى الاستفهام أي: ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت قال: { بلى } وكان إيماني حقيقيا، ولكن كان مقصودي من السؤال عن إحياء الموتى الإيمان والإيقان، فإنه حاصل لي ولا إحياء الموتى، فإني فارغ من الموتى وإحيائهم ولي اضطراب قلبي بمثل هذه الأشياء حتى تطمئن، وإنك تعلم ما نريد.
والجواب عن مفهوم الثاني بالاستفهام، وهو قوله: { أولم تؤمن } بميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة، فقال: أؤمن بهذا ولكن لا يسكن اضطراب قلبي في الطلب وقلقه في الشوق أرني ليطمئن قلبي، فإن سبب اضطراب القلب عين الإيمان، وكلما ازداد يقينه بالرؤية ازداد شوقه وقلقه.
والجواب الثالث { بلى }: اعلم أنك أبهمت الجواب عن سؤال الرؤية وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك في معنى الإحياء، وقلت: { أولم تؤمن } بقدرتي على الإحياء، ولكن ما سألتك عن الإحياء مسألتك عن كيفية الإحياء أن ترني كيف { تحيي الموتى } ففي ذلك تحصيل مقصودي، وهذا كما أن العاشق معشوقا احتياطا وهو يريد أن يرى مشاهدة معشوقه، ويحتشم منه أن يقول له: { أرني } وجهك لأنظر إليك؛ لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن الحسرة والحسن توءمان، وفي مذهب الملاح الطلب والسبيل سر، وغلبات الشوق مزعجة، وطلبات العشق تخرجه حتى يضطرب إلى السؤال، فيتصنع في طلب المقصود من صاحب الكمال، فيقول: { رب أرني كيف } يختط الثياب، وكل صانع فاخر في صنعه يريد أن يرى جودة صنعه صاحب بصيرة وتمييز، ويحب أن يظهر كماله في ذلك فلا يبخل أن يريه كيفية خياطة الثوب ولا يستنكف عن هذا المعنى ليريه بأن يحضره عنده بلا حجاب، وهو يخيط الثوب ويقول: انظرني كيف أخيطه، فالعاشق يصل بعله الصنع إلى الصانع، ويخطى منه بلا مانع ولا دافع ويطمئن قلبه بذلك؛ فالخليل لما اعتذر عن الخليل من استعمال الاضطرار حاله في سؤاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو من يجيب المضطر إذا دعاه وحقق رجاه: { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا } [البقرة: 260].
والإشارة فيها أنك محجوب بك عني فحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، ولحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تجئ بصفاتي، وإذا فنيت عن ذاتك أبقيت ببقاء ذاتي: { فخذ أربعة من الطير } وهي الصفات الأربعة التي تولدت من العناصر الأربعة التي تخمرت طينة الإنسان منها، وهي التراب والماء والنار والهوى، فتولدت من أزواج كل عنصر مع قرينة صفتان منها، وهي التراب وقرينه وهو الماء تولد الحرص والبخل، ومن النار وقرينه، وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، وهو قرينان يوجدان معا، ولكن واحد من هذه الصفة زوج خلق منها ليسكن إليها كحواء وآدم.
وتتولد منها صفات أخرى فالحرص زوجة الحسد، والبخل زوجة الحقد، والغضب زوجة الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات، فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها، فهي الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم التي لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعني: من الخلق، فمن كان الغالب عليه صفة منها، فيدخل النار بذلك الباب فافهم جدا.
فأمر الله تعالى خليله عليه السلام بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة: طاووس البخل، فلو لم يزين المال في نظر البخيل كما يزين الطاووس بألوانه ما بخل به، وغراب الحرص، وهو من حرصه يكثر في الطلب، وديك الشهوة وهو بها معروف، ونسر الغضب ونسبته إليه لتصريفه في الطيران فوق الطيور وهذه صفة الغضب، فلما ذبح الخليل عليه السلام بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار، فلما ألقي فيها بالمنجنيق قهرا ووقرا صارت عليه
بردا وسلما
[إبراهيم: 69]، تفهم إن شاء الله تعالى وحده.
والإشارة في تقطيعهن بالمبالغة ونتف ريشها، وتفريق أجزائها، وتخليط ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض، إشارة إلى: محو آثار الصفات الأربعة المذكورة، وهدم قواعدها على يد إبراهيم الروح بأمر الشرع ونائب الحق وهو الشيخ، والأمر بتقسيم أجزائها وجعلها { على كل جبل منهن جزءا } [البقرة: 260]، فالجبال الأربعة هي النفوس التي جبل الإنسان عليها:
أولها: النفس النامية وتسمى النفس النباتية.
وثانيها: النفس الأمارة وتسمى الروح الحيواني.
وثالثها: قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعي.
ورابعها: قوة الملكية وهو الروح الإنساني.
وطيور الصفات لما ذبحت وقطعت وخلطت أجزاء بعضها ببعض، ووضعت على كل جبل روح ونفس منهما جزءا بأمر الشرع، يكون بمثابة أشجار وزرع يجعل عليها اقتراب المخلوط بالزبل والقاذورات، باستصواب دهقان ذي بصارة في الدهقنة بمقدار معلوم ووقت معلوم، ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة التراب والزبل، وتتصرف النفس النامية النباتية في التراب المخلوط الميتة فيحيها بإذن الله تعالى بقوله:
فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ
[الروم: 50].
فكذلك الصفات الأربع وهي: الحرص والبخل والشهوة والغضب، فمهما كانت كل واحدة منها على حالها غالبة على الجواهر الروحاني تكدر صفاؤه وتمنعه من الرجوع إلى مقامه الأصلي ووطنه الحقيقي، فإذا كسرت صورتها وذهبت قوتها، وأميتت شعلتها، ومحيت آثار طباعها بأمر الشرع، وخلطت أجزاؤها المتفرقة بعضها ببعض، ثم قسمت بأربعة أجزاء وجعل كل جزء منها على جبل قوة أو نفس أو روح، فيتقوى كل واحد من هؤلاء بتقويتها، ويتربى بتربيتها، فيتصرف فيها الروح الإنساني بقوة الملك فيحييها، ويبدل تلك الظلمات التي هي من خصائص تلك الصفات المذمومة بنور هو من خصائص الروح الإنساني والملكي، كقوله:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]، فتكون تلك الصفة ميتة عن أوصافها، حية بأخلاق الروحانيات، هذا لخواص الخلق الذين غلبت على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص، ولمن أدركته العناية
والله غالب على أمره
[يوسف: 21]، كما كان حال الخليل عليه السلام، فإن الله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى لها بصفة المحيي، فيحيي هذه الصفات الغالبية عن أوصافها بنور صفة المحيية، فيكون العبد في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته، وهذا المقام مخصوص بأهل الجنة والمحبة كما قال جل جلاله:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش "
، ففي هذا المقام تجلى الحق تبارك وتعالى لإبراهيم عليه السلام؛ لينعم عليه بما ولاه، ويكرمه بإعطاء سؤاله، فيتجلى له بصفة المحيي، فكان في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته، وكان ينطق بالحق، فقال له الحق:
" قلت لي: { رب أرني كيف تحيي الموتى } [البقرة: 260]، فأريك كيف أحيي الموتى، قل لهن: تعالين { يأتينك سعيا } [البقرة: 260]؛ لأنك عنك فان وبي باق فبي تقول: تعالين لا بك ".
ومثال هذا كما أن أميا يقول لكاتب: أرني كيف تكتب؟ فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي، ويأخذ يده ويمد بقوة يده بيد الأمي على الصحيفة، فيقول: أنا الكاتب، رأيت كتابي، هكذا أكتب، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتبا إذا رأى الكتابة تكتب من يده، فيقول: أنا الكاتب، وفي هذا المقام قال من قال:
عجبت منك ومني
يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى
ظننت أنك أني
فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب، ثم يستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى إن تجلى لخليله عليه السلام بصفة واحدة وهي المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج، كما قال تعالى:
لنريه من آياتنآ
[الإسراء: 1]؛ أي: لنريه جميع آياتنا.
واعلم أن آيات الله تنقسم إلى قسمين:
قسم منها: هي صفاته القديمة القائمة بذاته.
وقسم هي: آثار صفاته وهي المخلوقات: كالشمس والقمر وقال تعالى:
وجعلنا اليل والنهار آيتين
[الإسراء: 12]، وأمثالها كثيرة وهي آثار صفات القدرة، كما قال تعالى:
فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ
[الروم: 50]، فالرحمة صفة الحق، والماء الذي يحيي الأرض آثار الرحمة، والآيات التي هي صفاته مثل آيات القرآن، فالله تعالى
أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1]، وهي ليلة المعراج؛ ليريه جميع صفاته، كما سأل الحبيب بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
، فإنه أيضا طلب الرؤية؛ ولكن بقدر علو همته، ورفعة مرتبة، وكمال معرفته، فعلى قدر علو همته قال: " أرنا الأشياء كما هي لي " ، والأمي كان يرى أن سر الناس من كل وحده برفعة مرتبته، وقال: الأشياء راعى فيها معنيين:
حفظ الأدب وإخفاء مقصوده غاية الإخفاء: في قوله: " الأشياء " ، ما قاله الخليل بالنسبة إلى قول الكليم كان تعريضا، وبالنسبة إلى قول الحبيب كان تصريحا، والمعنى الثاني: طلب كمال الرؤية بجميع الصفات؛ لأنه لا يبقى شيء إلا في الأشياء داخلها، فافهم.
ولكمال المعرفة طلب رؤية الماهية، فقال: " كما هي " ، ولعمري هذا هو الملك الحقيقي الذي لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده، وتجلى له الرب تبارك وتعالى تلك الليلة بجميع صفاته، كما قال تعالى:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، وإنما خص الآيات بالكبرى؛ ليفهم أن الآيات الصغرى هي: الآثار، والآيات الكبرى هي: الصفات العليا، ثم قال تعالى له:
فاعلم أنه لا إله إلا الله
[محمد: 19]، هذا إخبار عن إفناء ذاته وصفاته بالكلية عند تجلي الإلوهية، فبعث وحده بإفناءه بالماهية عن العبدية وإبقاءه بالوحدة؛ ليعلم ماهية
أنه لا إله إلا الله
[محمد: 19]، فما بقي غير الحق، وما رأى الحق إلا الحق،
واستغفر لذنبك
[محمد: 19]؛ أي: لذنب حسبانك أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي لست بكاتب، وهذه إشارات وبشارات عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولعلي ما سبقت بهذا التقرير، والله أعلم.
ثم قال لخليله حتى يعلم أنه ليس بكاتب { واعلم أن الله عزيز حكيم } [البقرة: 260]؛ يعني: بعد أن أحييتك بحياتي وأكرمتك بصفاتي، فأحييت الطيور وعلمت كيفية إحيائي الموتى على قدر استعدادك واستحقاقك، فاعلم أني أعز من أن يعرف كنه صفة من صفاتي أو كيفيتها أو ماهيتها،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، وأنا حيكم لا يحيط بعلمي إلا حكمتي، ولا يحيط بحكمتي إلا علمي، لأنهما موصوفان بإحاطة القدم.
البقرة 2:260
ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في محبته عقيب الدعوى بقوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } [البقرة: 259].
والإشارة فيها: أن قوما أنكروا حشر الأجساد مع أنهم اعتقدوا وأقروا بحشر الأرواح، وقالوا: الأرواح كان تعلقها بالأجساد ولاستكمالها في عالم المحسوس كالصبي يبعث إلى المكتب لتعلم الأدب، فلما حصل مقصوده من التعلم بقدر استعداده وخرج من المكتب ودخل محفل أهل الفضل وصاحبهم سنين كثيرة، واستفاد منهم أنواع العلوم التي لم توجد في المكتب واستفاد العلوم من الفضلاء بقوة أدبه التي تعلم في المكتب، وصار فاضلا في العلوم فما حاجته بعد أن كبر شأنه وعظم قدره أن يرجع إلى المكتب وحالة صباه. فلذلك الأرواح لما خرجت من سجن الأشباح واتصلت بالأرواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات التي حصلتها من عالم الحس مستفادة عن الأرواح العلوية علم الكليات التي لم توجد في عالم الحسن فما حاجتها أن ترجع إلى سجن الأجساد، فكانت نفسهم تسولت بهذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات، فالله سبحانه وتعالى من كمال فضله ورحمته على عباده المسلمين أمت عزيزا مائة سنة وحماره ثم أحياهما جميعا ليستدل به العقلاء على أن الله مهما يحيي عزيز الروح يحيي معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان وشبهات المتفلسفين في حشر الأجساد كما قال تعالى: { وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } [البقرة: 259]؛ يعني: انظر إلى حمارك الميت والعظام الرميمة، ثم انظر إلى العظام ننشزها لنجعل حالك وحال حمارك في الأحياء آية، والآية واضحة وأمارة لائحة للعاقل المؤيد عقله بنور الإيمان { فلما تبين له } [البقرة: 259]، بعد كشف الحجاب برؤية مشاهدة أنوار الغيب { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 259]، يقر ويؤمن بأن الله يحيي عزيز الروح ويحيي معه حمار جسده، فكما أن عزيز الروح يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر يكون حمار عزيز الروح، وهو جسده ونفسه في الجنة، فلعزيز الروح مشرب من كئوس تجلي صفات الجمال والجلال عن ساقي
وسقاهم ربهم شرابا طهورا
[الإنسان: 21] والحمار الجسد مشرب من أنهار الجنان وحياض رياض،
وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
[الزخرف: 71]
قد علم كل أناس مشربهم
[البقرة: 60] مشربنا، وأهرقنا على الأرض سؤرنا وللأرض من كأس الكرام نصيب، وإن لحشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها فوائد وحكما سنبينها في موضعه إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن إراءة كيفية الإحياء لخليله " شيخ الأنبياء " عليهم الصلاة والسلام بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } [البقرة: 260]، والإشارة فيها أن في قوله:
رب أرني
[الأعراف: 143]، تفوح رائحة معنى قول موسى عليه السلام
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ولكن موسى عليه السلام كان الغالب عليه السكر فإذا أديرت عليه كاسات المكالمات وأثر فيه شراب ملاطفات المحاورات، وسكر قلبه بشراب الذوق وطاش لبه عن غلبات الشوق وارتفعت الحشمة والحياد، وانقطعت الكلفة والعناد أرويت الآذان بالإصغاء تعطشت العيون إلى اللقاء فانبسط على بساط البسط، وأطلق عنان اللسان بالتصريح في ميدان البيان لسبق رؤية العيان وقال:
رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، فلم يحفظ الأدب في الطلب فما أرى غير النصب والتعب وأدب تأديب الخاطئ الجاني وعرك بتعريك
لن تراني
[الأعراف: 143] فأما الخليل عليه السلام فكان الغالب عليه الصحو على أنه أسقي بأقداح الخلة ما لو سقى موسى عليه السلام بقطرة منه لم يفق أبدا لأنه كان صاحب شرب، وكان الخليل عليه السلام صاحب ري، فصاحب الشرب سكران وصاحب الري صاح كما قيل شعر:
شرب الحب كأسا بعد كأس
فما نفد الشراب وما رويت
كان شرب موسى عليه السلام من شراب الكلام بأقداح السماع في أفواه السماع أحيانا فكان دائما سكرانا فتارة ينبسط مع الحق بقوله
أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143] وأجري يعربد بقوله
إن هي إلا فتنتك
[الأعراف: 155] وتارة يعربد مع هارون
وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه
[الأعراف: 150]، وتارة يعربد مع الخضر عليه السلام
لقد جئت شيئا نكرا
[الكهف: 74]، وتارة يعربد مع ملك الموت فلطمه ففقأ عينه، وأما القبطي وقتله فوكزه موسى فلا يقربه به.
والخليل عليه السلام شرب من شراب الخلة بكاسات الوصلة في أفواه الأرواح ومع هذا ما زلت قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة من كمال صحوه بسطوات الهيبة، فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة: " إن أول من شاب شيبة إبراهيم عليه السلام " ويحترم غدا بالكسوة أما أول من بكى إبراهيم عليه السلام ولما ابتلي في ماله بذل الضيفان وابتلي في ولده
فلما أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103]، للقربان وابتلي في نفسه استسلم لمنجنيق ابن كنعان وابتلي بجبريل عليه السلام فقال: أما إليك فلا عند الامتحان فلا جرم على قضيته عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، أكرمه بالإمامة للإنسان قال الله تعالى:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]، ومن إمامته أنه كان أول من دق باب الطلب للحق، وقال:
قال هذا ربي
[الأنعام: 76]، وأول من سلك طريق الحق، وقال:
وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99] وأول من نطق بمحبته وقال:
قال لا أحب الآفلين [الأنعام: 76]، وأول من أظهر الشوق، وقال:
لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين
[الأنعام: 77]، وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب وقال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، أول من اشتاق إلى الرب سأل الرؤية وقال: { رب أرني } [البقرة: 260]، ولا تحسبن أن اشتياقه إلى الرب وتعطشه للرؤية، إنما كان وقت سؤال رب أرني، كما قيل شعر:
ولست حديث العهد شوقا لوعة
حديث هواكم في حشاي قديم
فإنه كان برهة من الدهر مستغرقا في هذا البحر؛ ولكن من غاية الحلم والحياء في مقام الصدق والوفاء يراعي حق إجلال العظمة والكبرياء، ومن حفظ أدب الإجلال لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول: " حسبي من سؤالي علمه بحالي " والله تعالى يرى قلبه وتقلبه والعشق وليسمع تحنثه وتأوهه من الحرقة والشوق، ويشاء تحلمه وتحمله وتخلده إجلالا لمولاه، فيقول الله تعالى:
إن إبراهيم لأواه حليم
[التوبة: 114]، وهو في ذلك يترصد فرصته يجد للسؤال فيها رخصة إلى أن يساقه التقدير إلى حسن التدبير وسأله نمرود: من ربك؟ فأجرى الحق على لسانه من فضله وإحسانه:
الذي يحيي ويميت
[البقرة: 258]، قال نمرود: وهي رأيت منه ما تقول أو رميت برمية ما به رأيت فوجد الخليل عليه السلام فرصة بهذا المقال لحق رخصته السؤال فأدرج في السؤال، فطلب بهذا الطريق مأموله فأخفى سره وهو: أرني في علته، وهو كيف يحيي الموتى بحفظ الأدب مع الرب، وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى، وكان يعلم الجليل ما هو مقصود الخليل وأول باب فتح عليه من مقصوده بأن خاطبه واسمعه بكلامه بفضله وجوده، وقال تعالى: { أولم تؤمن } [البقرة: 260]، وكان فيه هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة أجوبة مضمرة وثلاثة معان مدرجة مناسبة للسؤال.
وأما الأجوبة: فظاهر السؤال كان دالا على طلب إحياء الموتى.
فأجابه وقال: { أولم تؤمن } يعني ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت، فما كان إيمانك حقيقيا.
والجواب الثاني: وذلك أن الخليل أخفى سره وهو طلب الرؤية وعين سؤاله، فكذلك الرب تعالى أخفى سره، وقال: { أولم تؤمن } بميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة.
والجواب الثالث: أن الخليل ما كان شاكا فيما التمس ظاهرا؛ ولكنه أرى نفسه مشككا تعللا لسؤال المرام في ثناء الكلام، فكذلك الرب تعالى ما كان شاكا في مقصود الخليل المضمر في سؤاله؛ ولكنه أجاب تشككه في إراءة نفسه كالمتشكك في المقصود والمضمر في سؤاله وقال: { أولم تؤمن } يعني بما طلبت من الإحياء وتغافل عن مرام الجليل من كلامه مجيبا فيما صنع.
وأما المعاني الثلاثة: فالأول: أنه أضمر معنى الإثبات في لفظة النفي قال: { أولم تؤمن } أي: بل تؤمن، كقوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172] أي: أنا ربكم، والثاني: أنه درج فيها معاني جواز الرؤية يعني { أولم تؤمن } بأني أرى يوم الميعاد، فتراني أنت أيضا، فتتضمر في سؤالك طلب رؤيتي.
والثالث: أنه أحيى فيها معنى معالجة الخليل بالبصر يعني: { أولم تؤمن } بإنجاز وعدي لك بالرؤية فاصبر فإن الميعاد لخواص العباد، ثم قال الخليل في الاستفهام للمبالغة في تحصيل المرام: { بلى ولكن ليطمئن قلبي } عن الاستفهامات ببلى السر بالسر، وقرر المضمرات في السؤال بقوله: { ولكن } يعني ولكن مع الحديث اعلم واضمر في لفظه: { ليطمئن قلبي } ضرورات السؤال وحقائقها إضمار بإضمار، فأما الجواب عن الاستفهام الأول في جواب المفهوم الأول منه طلب الأحياء، ومعنى الاستفهام أي: ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت قال: { بلى } وكان إيماني حقيقيا، ولكن كان مقصودي من السؤال عن إحياء الموتى الإيمان والإيقان، فإنه حاصل لي ولا إحياء الموتى، فإني فارغ من الموتى وإحيائهم ولي اضطراب قلبي بمثل هذه الأشياء حتى تطمئن، وإنك تعلم ما نريد.
والجواب عن مفهوم الثاني بالاستفهام، وهو قوله: { أولم تؤمن } بميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة، فقال: أؤمن بهذا ولكن لا يسكن اضطراب قلبي في الطلب وقلقه في الشوق أرني ليطمئن قلبي، فإن سبب اضطراب القلب عين الإيمان، وكلما ازداد يقينه بالرؤية ازداد شوقه وقلقه.
والجواب الثالث { بلى }: اعلم أنك أبهمت الجواب عن سؤال الرؤية وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك في معنى الإحياء، وقلت: { أولم تؤمن } بقدرتي على الإحياء، ولكن ما سألتك عن الإحياء مسألتك عن كيفية الإحياء أن ترني كيف { تحيي الموتى } ففي ذلك تحصيل مقصودي، وهذا كما أن العاشق معشوقا احتياطا وهو يريد أن يرى مشاهدة معشوقه، ويحتشم منه أن يقول له: { أرني } وجهك لأنظر إليك؛ لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن الحسرة والحسن توءمان، وفي مذهب الملاح الطلب والسبيل سر، وغلبات الشوق مزعجة، وطلبات العشق تخرجه حتى يضطرب إلى السؤال، فيتصنع في طلب المقصود من صاحب الكمال، فيقول: { رب أرني كيف } يختط الثياب، وكل صانع فاخر في صنعه يريد أن يرى جودة صنعه صاحب بصيرة وتمييز، ويحب أن يظهر كماله في ذلك فلا يبخل أن يريه كيفية خياطة الثوب ولا يستنكف عن هذا المعنى ليريه بأن يحضره عنده بلا حجاب، وهو يخيط الثوب ويقول: انظرني كيف أخيطه، فالعاشق يصل بعله الصنع إلى الصانع، ويخطى منه بلا مانع ولا دافع ويطمئن قلبه بذلك؛ فالخليل لما اعتذر عن الخليل من استعمال الاضطرار حاله في سؤاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو من يجيب المضطر إذا دعاه وحقق رجاه: { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا } [البقرة: 260].
والإشارة فيها أنك محجوب بك عني فحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، ولحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تجئ بصفاتي، وإذا فنيت عن ذاتك أبقيت ببقاء ذاتي: { فخذ أربعة من الطير } وهي الصفات الأربعة التي تولدت من العناصر الأربعة التي تخمرت طينة الإنسان منها، وهي التراب والماء والنار والهوى، فتولدت من أزواج كل عنصر مع قرينة صفتان منها، وهي التراب وقرينه وهو الماء تولد الحرص والبخل، ومن النار وقرينه، وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، وهو قرينان يوجدان معا، ولكن واحد من هذه الصفة زوج خلق منها ليسكن إليها كحواء وآدم.
وتتولد منها صفات أخرى فالحرص زوجة الحسد، والبخل زوجة الحقد، والغضب زوجة الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات، فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها، فهي الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم التي لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعني: من الخلق، فمن كان الغالب عليه صفة منها، فيدخل النار بذلك الباب فافهم جدا.
فأمر الله تعالى خليله عليه السلام بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة: طاووس البخل، فلو لم يزين المال في نظر البخيل كما يزين الطاووس بألوانه ما بخل به، وغراب الحرص، وهو من حرصه يكثر في الطلب، وديك الشهوة وهو بها معروف، ونسر الغضب ونسبته إليه لتصريفه في الطيران فوق الطيور وهذه صفة الغضب، فلما ذبح الخليل عليه السلام بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار، فلما ألقي فيها بالمنجنيق قهرا ووقرا صارت عليه
بردا وسلما
[إبراهيم: 69]، تفهم إن شاء الله تعالى وحده.
والإشارة في تقطيعهن بالمبالغة ونتف ريشها، وتفريق أجزائها، وتخليط ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض، إشارة إلى: محو آثار الصفات الأربعة المذكورة، وهدم قواعدها على يد إبراهيم الروح بأمر الشرع ونائب الحق وهو الشيخ، والأمر بتقسيم أجزائها وجعلها { على كل جبل منهن جزءا } [البقرة: 260]، فالجبال الأربعة هي النفوس التي جبل الإنسان عليها:
أولها: النفس النامية وتسمى النفس النباتية.
وثانيها: النفس الأمارة وتسمى الروح الحيواني.
وثالثها: قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعي.
ورابعها: قوة الملكية وهو الروح الإنساني.
وطيور الصفات لما ذبحت وقطعت وخلطت أجزاء بعضها ببعض، ووضعت على كل جبل روح ونفس منهما جزءا بأمر الشرع، يكون بمثابة أشجار وزرع يجعل عليها اقتراب المخلوط بالزبل والقاذورات، باستصواب دهقان ذي بصارة في الدهقنة بمقدار معلوم ووقت معلوم، ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة التراب والزبل، وتتصرف النفس النامية النباتية في التراب المخلوط الميتة فيحيها بإذن الله تعالى بقوله:
فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ
[الروم: 50].
فكذلك الصفات الأربع وهي: الحرص والبخل والشهوة والغضب، فمهما كانت كل واحدة منها على حالها غالبة على الجواهر الروحاني تكدر صفاؤه وتمنعه من الرجوع إلى مقامه الأصلي ووطنه الحقيقي، فإذا كسرت صورتها وذهبت قوتها، وأميتت شعلتها، ومحيت آثار طباعها بأمر الشرع، وخلطت أجزاؤها المتفرقة بعضها ببعض، ثم قسمت بأربعة أجزاء وجعل كل جزء منها على جبل قوة أو نفس أو روح، فيتقوى كل واحد من هؤلاء بتقويتها، ويتربى بتربيتها، فيتصرف فيها الروح الإنساني بقوة الملك فيحييها، ويبدل تلك الظلمات التي هي من خصائص تلك الصفات المذمومة بنور هو من خصائص الروح الإنساني والملكي، كقوله:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]، فتكون تلك الصفة ميتة عن أوصافها، حية بأخلاق الروحانيات، هذا لخواص الخلق الذين غلبت على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص، ولمن أدركته العناية
والله غالب على أمره
[يوسف: 21]، كما كان حال الخليل عليه السلام، فإن الله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى لها بصفة المحيي، فيحيي هذه الصفات الغالبية عن أوصافها بنور صفة المحيية، فيكون العبد في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته، وهذا المقام مخصوص بأهل الجنة والمحبة كما قال جل جلاله:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش "
، ففي هذا المقام تجلى الحق تبارك وتعالى لإبراهيم عليه السلام؛ لينعم عليه بما ولاه، ويكرمه بإعطاء سؤاله، فيتجلى له بصفة المحيي، فكان في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته، وكان ينطق بالحق، فقال له الحق:
" قلت لي: { رب أرني كيف تحيي الموتى } [البقرة: 260]، فأريك كيف أحيي الموتى، قل لهن: تعالين { يأتينك سعيا } [البقرة: 260]؛ لأنك عنك فان وبي باق فبي تقول: تعالين لا بك ".
ومثال هذا كما أن أميا يقول لكاتب: أرني كيف تكتب؟ فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي، ويأخذ يده ويمد بقوة يده بيد الأمي على الصحيفة، فيقول: أنا الكاتب، رأيت كتابي، هكذا أكتب، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتبا إذا رأى الكتابة تكتب من يده، فيقول: أنا الكاتب، وفي هذا المقام قال من قال:
عجبت منك ومني
يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى
ظننت أنك أني
فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب، ثم يستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى إن تجلى لخليله عليه السلام بصفة واحدة وهي المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج، كما قال تعالى:
لنريه من آياتنآ
[الإسراء: 1]؛ أي: لنريه جميع آياتنا.
واعلم أن آيات الله تنقسم إلى قسمين:
قسم منها: هي صفاته القديمة القائمة بذاته.
وقسم هي: آثار صفاته وهي المخلوقات: كالشمس والقمر وقال تعالى:
وجعلنا اليل والنهار آيتين
[الإسراء: 12]، وأمثالها كثيرة وهي آثار صفات القدرة، كما قال تعالى:
فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ
[الروم: 50]، فالرحمة صفة الحق، والماء الذي يحيي الأرض آثار الرحمة، والآيات التي هي صفاته مثل آيات القرآن، فالله تعالى
أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1]، وهي ليلة المعراج؛ ليريه جميع صفاته، كما سأل الحبيب بقوله:
" أرنا الأشياء كما هي "
، فإنه أيضا طلب الرؤية؛ ولكن بقدر علو همته، ورفعة مرتبة، وكمال معرفته، فعلى قدر علو همته قال: " أرنا الأشياء كما هي لي " ، والأمي كان يرى أن سر الناس من كل وحده برفعة مرتبته، وقال: الأشياء راعى فيها معنيين:
حفظ الأدب وإخفاء مقصوده غاية الإخفاء: في قوله: " الأشياء " ، ما قاله الخليل بالنسبة إلى قول الكليم كان تعريضا، وبالنسبة إلى قول الحبيب كان تصريحا، والمعنى الثاني: طلب كمال الرؤية بجميع الصفات؛ لأنه لا يبقى شيء إلا في الأشياء داخلها، فافهم.
ولكمال المعرفة طلب رؤية الماهية، فقال: " كما هي " ، ولعمري هذا هو الملك الحقيقي الذي لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده، وتجلى له الرب تبارك وتعالى تلك الليلة بجميع صفاته، كما قال تعالى:
إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى
[النجم: 16-18]، وإنما خص الآيات بالكبرى؛ ليفهم أن الآيات الصغرى هي: الآثار، والآيات الكبرى هي: الصفات العليا، ثم قال تعالى له:
فاعلم أنه لا إله إلا الله
[محمد: 19]، هذا إخبار عن إفناء ذاته وصفاته بالكلية عند تجلي الإلوهية، فبعث وحده بإفناءه بالماهية عن العبدية وإبقاءه بالوحدة؛ ليعلم ماهية
أنه لا إله إلا الله
[محمد: 19]، فما بقي غير الحق، وما رأى الحق إلا الحق،
واستغفر لذنبك
[محمد: 19]؛ أي: لذنب حسبانك أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي لست بكاتب، وهذه إشارات وبشارات عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولعلي ما سبقت بهذا التقرير، والله أعلم.
ثم قال لخليله حتى يعلم أنه ليس بكاتب { واعلم أن الله عزيز حكيم } [البقرة: 260]؛ يعني: بعد أن أحييتك بحياتي وأكرمتك بصفاتي، فأحييت الطيور وعلمت كيفية إحيائي الموتى على قدر استعدادك واستحقاقك، فاعلم أني أعز من أن يعرف كنه صفة من صفاتي أو كيفيتها أو ماهيتها،
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]، وأنا حيكم لا يحيط بعلمي إلا حكمتي، ولا يحيط بحكمتي إلا علمي، لأنهما موصوفان بإحاطة القدم.
البقرة 2:261
ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فكيف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدا.
فإن قوما بذلوا المال في سبيل الله، وقوما بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
[الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، { والله يضاعف لمن يشآء } [البقرة: 261] فضله وكرمه { والله واسع } [البقرة: 261] بالفضل والكرم { عليم } ، يا أهل فضله.
ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله تعالى:
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا
[الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا.
وقال الله تعالى:
إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا
[المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنة لا له منة على الله كقوله تعالى:
يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
[الحجرات: 17]، فإذا من العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله شيئا لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال تعالى:
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات: 96]، وقال تعالى:
وما تشآءون إلا أن يشآء الله
[التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع الثواب وخوف العذاب.
وقوله تعالى: { ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز وجل غير الله، رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال: " يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني " ، ثم قال تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262] طمعا في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، فافهم جدا.
{ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى } [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب المعروف { ومغفرة } [البقرة: 263] له وإن لم يكن له مال يتصدق به { خير } [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام { من صدقة يتبعهآ } [البقرة: 263]، من الجهل { أذى } [البقرة: 263] طلب غير الحق { والله غني } [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغن عنكم لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، { حليم } [البقرة: 263]، يحلم على العبد بحلمه أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره عليه، ويطلب منه غيره.
ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال
فماذا بعد الحق إلا الضلال
[يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق والإقبال على الباطل بقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك في الصدقة إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" لولا الفقراء لهلك الأغنياء "
؛ يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق.
وقد فسر بعضهم قوله:
" اليد العليا خير من اليد السفلى "
، بأن اليد العليا هي: يد الفقير، والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتأخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل؛ لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل "
، فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدا.
كما ضرب الله به مثلا قال: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب } [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ومن ينفق المال رئاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمنا؛ لأنه لو كان مؤمنا بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمنا للآخرة ينفق للآخرة، فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمنا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمل المرء { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل } [البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان { فتركه صلدا } [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، { فتركه صلدا } [البقرة: 264]، مفلسا خائبا خاسرا، { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق { والله لا يهدي } [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله { القوم الكافرين } [البقرة: 264]، قوما كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفراق ووباله.
ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء مرضات الله } [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، { وتثبيتا من أنفسهم } [البقرة: 265]، وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، { كمثل جنة بربوة أصابها وابل } [البقرة: 265]، الوارد فظل إلهامات { فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل } [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعة الدرجات في الجنان، فإن حظه يكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفا واحدا، وأما معنى آخر { فآتت أكلها ضعفين } [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخلصين من { وابل } [البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو { فطل } [البقرة: 265]، الجذبات والإلهامات الربانية، { والله بما تعملون بصير } [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟
البقرة 2:262
ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فكيف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدا.
فإن قوما بذلوا المال في سبيل الله، وقوما بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
[الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، { والله يضاعف لمن يشآء } [البقرة: 261] فضله وكرمه { والله واسع } [البقرة: 261] بالفضل والكرم { عليم } ، يا أهل فضله.
ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله تعالى:
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا
[الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا.
وقال الله تعالى:
إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا
[المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنة لا له منة على الله كقوله تعالى:
يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
[الحجرات: 17]، فإذا من العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله شيئا لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال تعالى:
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات: 96]، وقال تعالى:
وما تشآءون إلا أن يشآء الله
[التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع الثواب وخوف العذاب.
وقوله تعالى: { ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز وجل غير الله، رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال: " يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني " ، ثم قال تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262] طمعا في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، فافهم جدا.
{ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى } [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب المعروف { ومغفرة } [البقرة: 263] له وإن لم يكن له مال يتصدق به { خير } [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام { من صدقة يتبعهآ } [البقرة: 263]، من الجهل { أذى } [البقرة: 263] طلب غير الحق { والله غني } [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغن عنكم لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، { حليم } [البقرة: 263]، يحلم على العبد بحلمه أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره عليه، ويطلب منه غيره.
ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال
فماذا بعد الحق إلا الضلال
[يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق والإقبال على الباطل بقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك في الصدقة إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" لولا الفقراء لهلك الأغنياء "
؛ يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق.
وقد فسر بعضهم قوله:
" اليد العليا خير من اليد السفلى "
، بأن اليد العليا هي: يد الفقير، والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتأخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل؛ لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل "
، فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدا.
كما ضرب الله به مثلا قال: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب } [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ومن ينفق المال رئاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمنا؛ لأنه لو كان مؤمنا بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمنا للآخرة ينفق للآخرة، فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمنا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمل المرء { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل } [البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان { فتركه صلدا } [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، { فتركه صلدا } [البقرة: 264]، مفلسا خائبا خاسرا، { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق { والله لا يهدي } [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله { القوم الكافرين } [البقرة: 264]، قوما كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفراق ووباله.
ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء مرضات الله } [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، { وتثبيتا من أنفسهم } [البقرة: 265]، وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، { كمثل جنة بربوة أصابها وابل } [البقرة: 265]، الوارد فظل إلهامات { فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل } [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعة الدرجات في الجنان، فإن حظه يكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفا واحدا، وأما معنى آخر { فآتت أكلها ضعفين } [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخلصين من { وابل } [البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو { فطل } [البقرة: 265]، الجذبات والإلهامات الربانية، { والله بما تعملون بصير } [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟
البقرة 2:263
ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فكيف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدا.
فإن قوما بذلوا المال في سبيل الله، وقوما بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
[الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، { والله يضاعف لمن يشآء } [البقرة: 261] فضله وكرمه { والله واسع } [البقرة: 261] بالفضل والكرم { عليم } ، يا أهل فضله.
ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله تعالى:
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا
[الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا.
وقال الله تعالى:
إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا
[المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنة لا له منة على الله كقوله تعالى:
يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
[الحجرات: 17]، فإذا من العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله شيئا لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال تعالى:
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات: 96]، وقال تعالى:
وما تشآءون إلا أن يشآء الله
[التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع الثواب وخوف العذاب.
وقوله تعالى: { ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز وجل غير الله، رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال: " يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني " ، ثم قال تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262] طمعا في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، فافهم جدا.
{ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى } [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب المعروف { ومغفرة } [البقرة: 263] له وإن لم يكن له مال يتصدق به { خير } [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام { من صدقة يتبعهآ } [البقرة: 263]، من الجهل { أذى } [البقرة: 263] طلب غير الحق { والله غني } [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغن عنكم لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، { حليم } [البقرة: 263]، يحلم على العبد بحلمه أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره عليه، ويطلب منه غيره.
ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال
فماذا بعد الحق إلا الضلال
[يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق والإقبال على الباطل بقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك في الصدقة إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" لولا الفقراء لهلك الأغنياء "
؛ يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق.
وقد فسر بعضهم قوله:
" اليد العليا خير من اليد السفلى "
، بأن اليد العليا هي: يد الفقير، والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتأخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل؛ لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل "
، فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدا.
كما ضرب الله به مثلا قال: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب } [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ومن ينفق المال رئاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمنا؛ لأنه لو كان مؤمنا بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمنا للآخرة ينفق للآخرة، فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمنا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمل المرء { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل } [البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان { فتركه صلدا } [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، { فتركه صلدا } [البقرة: 264]، مفلسا خائبا خاسرا، { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق { والله لا يهدي } [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله { القوم الكافرين } [البقرة: 264]، قوما كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفراق ووباله.
ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء مرضات الله } [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، { وتثبيتا من أنفسهم } [البقرة: 265]، وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، { كمثل جنة بربوة أصابها وابل } [البقرة: 265]، الوارد فظل إلهامات { فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل } [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعة الدرجات في الجنان، فإن حظه يكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفا واحدا، وأما معنى آخر { فآتت أكلها ضعفين } [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخلصين من { وابل } [البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو { فطل } [البقرة: 265]، الجذبات والإلهامات الربانية، { والله بما تعملون بصير } [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟
البقرة 2:264
ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فكيف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدا.
فإن قوما بذلوا المال في سبيل الله، وقوما بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
[الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، { والله يضاعف لمن يشآء } [البقرة: 261] فضله وكرمه { والله واسع } [البقرة: 261] بالفضل والكرم { عليم } ، يا أهل فضله.
ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله تعالى:
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا
[الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا.
وقال الله تعالى:
إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا
[المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنة لا له منة على الله كقوله تعالى:
يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
[الحجرات: 17]، فإذا من العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله شيئا لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال تعالى:
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات: 96]، وقال تعالى:
وما تشآءون إلا أن يشآء الله
[التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع الثواب وخوف العذاب.
وقوله تعالى: { ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز وجل غير الله، رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال: " يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني " ، ثم قال تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262] طمعا في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، فافهم جدا.
{ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى } [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب المعروف { ومغفرة } [البقرة: 263] له وإن لم يكن له مال يتصدق به { خير } [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام { من صدقة يتبعهآ } [البقرة: 263]، من الجهل { أذى } [البقرة: 263] طلب غير الحق { والله غني } [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغن عنكم لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، { حليم } [البقرة: 263]، يحلم على العبد بحلمه أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره عليه، ويطلب منه غيره.
ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال
فماذا بعد الحق إلا الضلال
[يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق والإقبال على الباطل بقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك في الصدقة إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" لولا الفقراء لهلك الأغنياء "
؛ يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق.
وقد فسر بعضهم قوله:
" اليد العليا خير من اليد السفلى "
، بأن اليد العليا هي: يد الفقير، والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتأخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل؛ لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل "
، فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدا.
كما ضرب الله به مثلا قال: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب } [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ومن ينفق المال رئاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمنا؛ لأنه لو كان مؤمنا بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمنا للآخرة ينفق للآخرة، فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمنا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمل المرء { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل } [البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان { فتركه صلدا } [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، { فتركه صلدا } [البقرة: 264]، مفلسا خائبا خاسرا، { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق { والله لا يهدي } [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله { القوم الكافرين } [البقرة: 264]، قوما كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفراق ووباله.
ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء مرضات الله } [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، { وتثبيتا من أنفسهم } [البقرة: 265]، وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، { كمثل جنة بربوة أصابها وابل } [البقرة: 265]، الوارد فظل إلهامات { فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل } [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعة الدرجات في الجنان، فإن حظه يكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفا واحدا، وأما معنى آخر { فآتت أكلها ضعفين } [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخلصين من { وابل } [البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو { فطل } [البقرة: 265]، الجذبات والإلهامات الربانية، { والله بما تعملون بصير } [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟
البقرة 2:265
ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فكيف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدا.
فإن قوما بذلوا المال في سبيل الله، وقوما بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
[الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، { والله يضاعف لمن يشآء } [البقرة: 261] فضله وكرمه { والله واسع } [البقرة: 261] بالفضل والكرم { عليم } ، يا أهل فضله.
ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله تعالى:
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا
[الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا.
وقال الله تعالى:
إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا
[المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنة لا له منة على الله كقوله تعالى:
يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
[الحجرات: 17]، فإذا من العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله شيئا لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال تعالى:
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات: 96]، وقال تعالى:
وما تشآءون إلا أن يشآء الله
[التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع الثواب وخوف العذاب.
وقوله تعالى: { ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز وجل غير الله، رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال: " يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني " ، ثم قال تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262] طمعا في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، فافهم جدا.
{ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى } [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب المعروف { ومغفرة } [البقرة: 263] له وإن لم يكن له مال يتصدق به { خير } [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام { من صدقة يتبعهآ } [البقرة: 263]، من الجهل { أذى } [البقرة: 263] طلب غير الحق { والله غني } [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغن عنكم لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، { حليم } [البقرة: 263]، يحلم على العبد بحلمه أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره عليه، ويطلب منه غيره.
ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال
فماذا بعد الحق إلا الضلال
[يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق والإقبال على الباطل بقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى } [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك في الصدقة إلى الحق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" لولا الفقراء لهلك الأغنياء "
؛ يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق.
وقد فسر بعضهم قوله:
" اليد العليا خير من اليد السفلى "
، بأن اليد العليا هي: يد الفقير، والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتأخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل؛ لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل "
، فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدا.
كما ضرب الله به مثلا قال: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب } [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ومن ينفق المال رئاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمنا؛ لأنه لو كان مؤمنا بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمنا للآخرة ينفق للآخرة، فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمنا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمل المرء { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل } [البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان { فتركه صلدا } [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، { فتركه صلدا } [البقرة: 264]، مفلسا خائبا خاسرا، { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق { والله لا يهدي } [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله { القوم الكافرين } [البقرة: 264]، قوما كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفراق ووباله.
ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء مرضات الله } [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، { وتثبيتا من أنفسهم } [البقرة: 265]، وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، { كمثل جنة بربوة أصابها وابل } [البقرة: 265]، الوارد فظل إلهامات { فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل } [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعة الدرجات في الجنان، فإن حظه يكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفا واحدا، وأما معنى آخر { فآتت أكلها ضعفين } [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخلصين من { وابل } [البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو { فطل } [البقرة: 265]، الجذبات والإلهامات الربانية، { والله بما تعملون بصير } [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟
البقرة 2:266
ثم أخبر عن حال النفاق في الإنفاق بقوله تعالى: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } [البقرة: 266]، إشارة في تحقيق الآية، إن الله تعالى ضرب مثلا لروح الإنسان وقلبه بجنة { له فيها من كل الثمرات } [البقرة: 266]، إذ خلق في أحسن تقويم مستعدا لجميع الكرامات والكمالات، مزينا بجميع الفضائل وحسن الشمائل، مكرما بعلم جميع الأسماء، منورا بأنوار العقل والحواس، متوحدا بحمل الأمانة، متفردا برتبة الخلافة، جنة هي منظور نظر العناية، { تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر } [البقرة: 266]، أنهار الهداية وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، { وله ذرية ضعفآء } [البقرة: 266]، من متولدات البشرية، وهم في غاية الاحتياج للتربية بأغذية ثمراتها، { فأصابهآ إعصار } [البقرة: 266]، من أعمال البر، { فيه نار } [البقرة: 266]، من الرياء والنفاق { فاحترقت } [البقرة: 266]، الروحانية بنار صفات البشرية، وأبطلت جميع استعدادها، وقابلته الكمالات فيها بتبديل أخلاق الروحاني النفساني وأوصاف الملكي الشيطاني والحيواني، فأهبط من أعلى عليين إلى أسفل سافلين الطبع، { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 266]، ألطافه وإحسانه معكم في أصل الخلقة من حسن استعداد الفطرة، { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 266]، في الآية ونعمائه معكم لا تبطلوا حسن حالكم بقبيح أفعالكم، ولا تفسدوا صالح خصالكم بفساد أعمالكم، وتوبوا إلى الله بصدق نياتكم، وأخلصوا لله معاملاتكم في طاعتكم، ولا تضيعوا أعمالكم في طلب آمالكم، واستعدوا للموت قبل حلول آجالكم.
ثم أخبر عن إنفاق المال من كسب الحلال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]، الإشارة فيها: أن الله تعالى لما أمر للتصدق بإنفاق الطيب من ماله، راعى صلاحه أكثر مما راعى صلاح الفقير؛ لأن صلاح الفقير مقصور على ما يقول: راجع إلى نفسه، وإن صلاح المتصدق راجع إلى سبعة أمور:
أحدها: لو فسرنا الطيب بالحلال فيقبل الله منه، وإن لم يكن طيبا فلا يقبل الله منه، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب "
، ولو فسرناه بالجودة.
وثانيها: أن يكون في إنفاق الطيب جانب الحق تعالى مرعيا بالتعظيم، وقد أمر بالتعظيم لأمر الله، فيثاب على ذلك أيضا.
وثالثها: فيه رعاية جانب الفقير بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة على خلق الله، فيثاب على ذلك أيضا.
ورابعها: أن يكون به مؤثرا على الفقير، فيثاب أيضا.
وخامسها: يستحق بذلك البر من الله تعالى، كقوله تعالى:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
[آل عمران: 92]، والبر مزيد على الثواب؛ لأن الثواب يحصل بإنفاق أدنى شيء وأدون شيء، والبر لا يحصل إلا بإنفاق الأحب، والطيب هو أحب من الرديء، فيحصل له ثواب الإنفاق مع مزيد البر بالإنفاق الأحب.
وسادسها: أنه موجب لزيادة إيمان مع إيمانه؛ لأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته، فإن للزارع إيمانا بأن له من زراعته البذر ثمرة أوفى من البذر، ولكنه مما يجد موجبا لزيادة هذا الإيمان بحصول الثمرة، فيبالغ في الزراعة بجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة موجبة بجودة الثمرة وكثرتها، وكذلك المتصدق فكلما ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد في الصدقة وجودتها لتحققه
إن الله لا يظلم مثقال ذرة
[النساء: 40]،
ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
وسابعها: إنه لما يعطي الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده، كما قال:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60]، وأما تقديم كسب العبد على ذكر ما أحبه من الأرض واحتضنه بالطيب ففيه إشارة إلى:
" إن الطيب ما يأكل الرجال من كسب يده "
كما قال صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } [البقرة: 267]، إشارة إلى معنى آخر في غاية اللطائف؛ يعني: أنفقوا من طيبات نياتكم، من تزكية النفوس وتصفية القلوب عن خيانة صفات النفس الخبيثة وتصرفات الشيطان الخبيث، { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } [البقرة: 267]، طينتكم في تجلية سرائركم بمكارم الأخلاق وأنوار الوفاق؛ لتكون الشفقة طيبة من خباثة الشبهات في نفسها، طيبا إنطاقها من خباثة الأغراض والعلل الدنيوية والأخروية، طيبا منفقها من خيانة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله تعالى، { ولا تيمموا الخبيث } [البقرة: 267]؛ يعني: النفقة الخبيثة في نفسها، بخباثة الشبهات بالنية الخبيثة، بخباثة الغلات من النفس الخبيثة، بخباثة الصفات الذميمة عن المنفق الخبيث؛ وهو: القلب الملوث بخباثة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله { منه تنفقون } [البقرة: 267]؛ يعني: لا تنفقوا إلا من الوجوه الطيبات كما قررنا، حتى يكون مقبولا
" فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا "
، وإن الله تعالى بحسب كل طيب قبولا طيبا، فإذا كانت الصدقة طيبة في نفسها لله قبول طيب عن الوسائط، فيأخذها بيده فيزيدها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت النية في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيبا عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأخيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، فها هنا يتحقق لذوي البصائر الطيبة: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ، ومن هنا تبين حقيقة
الطيبات للطيبين
[النور: 26].
ثم قال: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } [البقرة: 267]؛ يعني: وأنتم لستم بآخذي هذه الخبائث في أصل الفطرة، ولا في عهد الخلقة من النية الخبيثة؛ لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة، والروح من أطيب الأطايب؛ لأنها أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين لكرامة شريف إضافة
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، فمن أطيب ممن منشأه نفخة الحق والجسد من التراب الطيب قد خلق، كقوله تعالى:
فتيمموا صعيدا طيبا
[النساء: 43]، ثم أحيا لكم بالإيمان حياة طيبة؛ لقوله تعالى:
فلنحيينه حياة طيبة
[النحل: 97]، ثم رزقكم من الطيبات.
وقال تعالى:
كلوا من طيبات ما رزقناكم
[طه: 81]، فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن، { ولستم بآخذيه } [البقرة: 267] بالطبع { إلا أن تغمضوا فيه } [البقرة: 267] بالتكلف والقهر في قراءات من قرأ بضم التاء وفتح الميم، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه ويلوناه بخباثة الكفر قهرا وجبرا "
، فلم تكن الخيانة ذاتية للإنسان إلا طارئة عليه عارية لديه، أنزل الله تعالى كلمة طيبة وعفي لا إله إلا الله، وأمركم بالمواظبة عليها بقوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
[الأحزاب: 70-71]؛ يعني: قولوا هذه الكلمة، يبالي أن يتقي بتنقيتها خباثة قد أخذتموها من التكليف عن قومكم، ويثبت بإثباتها طيب التوحيد والمعرفة، فتطيب أعمالكم وتغفر لكم ذنوبكم بتطيب أخلاقكم، فلما سلمتم من خباثة أعمالكم بتطيب أخلاقكم نوديتم من سرادقات الجلال عن حرثه جنات عالم الجمال،
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73].
ثم قال تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد } [البقرة: 267]؛ يعني: من كمال غناه يسد فقركم جميعا بشظية من كمال غناه ويفنيكم كلكم، وما ينقص من كمال غناه مثقال ذرة، وظاهر قوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]، يقتضي أنه يطلب من غناكم، وباطنه يبقى عن مطالبة إياكم، يفنيكم بلا علة وغرض يرجع إليه، بأن تشكروا له على نعمه، أو تحمدوه على فضله وكرمه، فإنه في ذاته حميد بصفاته مجيد.
البقرة 2:267
ثم أخبر عن حال النفاق في الإنفاق بقوله تعالى: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } [البقرة: 266]، إشارة في تحقيق الآية، إن الله تعالى ضرب مثلا لروح الإنسان وقلبه بجنة { له فيها من كل الثمرات } [البقرة: 266]، إذ خلق في أحسن تقويم مستعدا لجميع الكرامات والكمالات، مزينا بجميع الفضائل وحسن الشمائل، مكرما بعلم جميع الأسماء، منورا بأنوار العقل والحواس، متوحدا بحمل الأمانة، متفردا برتبة الخلافة، جنة هي منظور نظر العناية، { تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر } [البقرة: 266]، أنهار الهداية وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، { وله ذرية ضعفآء } [البقرة: 266]، من متولدات البشرية، وهم في غاية الاحتياج للتربية بأغذية ثمراتها، { فأصابهآ إعصار } [البقرة: 266]، من أعمال البر، { فيه نار } [البقرة: 266]، من الرياء والنفاق { فاحترقت } [البقرة: 266]، الروحانية بنار صفات البشرية، وأبطلت جميع استعدادها، وقابلته الكمالات فيها بتبديل أخلاق الروحاني النفساني وأوصاف الملكي الشيطاني والحيواني، فأهبط من أعلى عليين إلى أسفل سافلين الطبع، { كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 266]، ألطافه وإحسانه معكم في أصل الخلقة من حسن استعداد الفطرة، { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 266]، في الآية ونعمائه معكم لا تبطلوا حسن حالكم بقبيح أفعالكم، ولا تفسدوا صالح خصالكم بفساد أعمالكم، وتوبوا إلى الله بصدق نياتكم، وأخلصوا لله معاملاتكم في طاعتكم، ولا تضيعوا أعمالكم في طلب آمالكم، واستعدوا للموت قبل حلول آجالكم.
ثم أخبر عن إنفاق المال من كسب الحلال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]، الإشارة فيها: أن الله تعالى لما أمر للتصدق بإنفاق الطيب من ماله، راعى صلاحه أكثر مما راعى صلاح الفقير؛ لأن صلاح الفقير مقصور على ما يقول: راجع إلى نفسه، وإن صلاح المتصدق راجع إلى سبعة أمور:
أحدها: لو فسرنا الطيب بالحلال فيقبل الله منه، وإن لم يكن طيبا فلا يقبل الله منه، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب "
، ولو فسرناه بالجودة.
وثانيها: أن يكون في إنفاق الطيب جانب الحق تعالى مرعيا بالتعظيم، وقد أمر بالتعظيم لأمر الله، فيثاب على ذلك أيضا.
وثالثها: فيه رعاية جانب الفقير بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة على خلق الله، فيثاب على ذلك أيضا.
ورابعها: أن يكون به مؤثرا على الفقير، فيثاب أيضا.
وخامسها: يستحق بذلك البر من الله تعالى، كقوله تعالى:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
[آل عمران: 92]، والبر مزيد على الثواب؛ لأن الثواب يحصل بإنفاق أدنى شيء وأدون شيء، والبر لا يحصل إلا بإنفاق الأحب، والطيب هو أحب من الرديء، فيحصل له ثواب الإنفاق مع مزيد البر بالإنفاق الأحب.
وسادسها: أنه موجب لزيادة إيمان مع إيمانه؛ لأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته، فإن للزارع إيمانا بأن له من زراعته البذر ثمرة أوفى من البذر، ولكنه مما يجد موجبا لزيادة هذا الإيمان بحصول الثمرة، فيبالغ في الزراعة بجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة موجبة بجودة الثمرة وكثرتها، وكذلك المتصدق فكلما ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد في الصدقة وجودتها لتحققه
إن الله لا يظلم مثقال ذرة
[النساء: 40]،
ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
وسابعها: إنه لما يعطي الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده، كما قال:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60]، وأما تقديم كسب العبد على ذكر ما أحبه من الأرض واحتضنه بالطيب ففيه إشارة إلى:
" إن الطيب ما يأكل الرجال من كسب يده "
كما قال صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } [البقرة: 267]، إشارة إلى معنى آخر في غاية اللطائف؛ يعني: أنفقوا من طيبات نياتكم، من تزكية النفوس وتصفية القلوب عن خيانة صفات النفس الخبيثة وتصرفات الشيطان الخبيث، { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } [البقرة: 267]، طينتكم في تجلية سرائركم بمكارم الأخلاق وأنوار الوفاق؛ لتكون الشفقة طيبة من خباثة الشبهات في نفسها، طيبا إنطاقها من خباثة الأغراض والعلل الدنيوية والأخروية، طيبا منفقها من خيانة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله تعالى، { ولا تيمموا الخبيث } [البقرة: 267]؛ يعني: النفقة الخبيثة في نفسها، بخباثة الشبهات بالنية الخبيثة، بخباثة الغلات من النفس الخبيثة، بخباثة الصفات الذميمة عن المنفق الخبيث؛ وهو: القلب الملوث بخباثة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله { منه تنفقون } [البقرة: 267]؛ يعني: لا تنفقوا إلا من الوجوه الطيبات كما قررنا، حتى يكون مقبولا
" فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا "
، وإن الله تعالى بحسب كل طيب قبولا طيبا، فإذا كانت الصدقة طيبة في نفسها لله قبول طيب عن الوسائط، فيأخذها بيده فيزيدها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت النية في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيبا عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأخيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، فها هنا يتحقق لذوي البصائر الطيبة: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ، ومن هنا تبين حقيقة
الطيبات للطيبين
[النور: 26].
ثم قال: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } [البقرة: 267]؛ يعني: وأنتم لستم بآخذي هذه الخبائث في أصل الفطرة، ولا في عهد الخلقة من النية الخبيثة؛ لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة، والروح من أطيب الأطايب؛ لأنها أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين لكرامة شريف إضافة
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، فمن أطيب ممن منشأه نفخة الحق والجسد من التراب الطيب قد خلق، كقوله تعالى:
فتيمموا صعيدا طيبا
[النساء: 43]، ثم أحيا لكم بالإيمان حياة طيبة؛ لقوله تعالى:
فلنحيينه حياة طيبة
[النحل: 97]، ثم رزقكم من الطيبات.
وقال تعالى:
كلوا من طيبات ما رزقناكم
[طه: 81]، فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن، { ولستم بآخذيه } [البقرة: 267] بالطبع { إلا أن تغمضوا فيه } [البقرة: 267] بالتكلف والقهر في قراءات من قرأ بضم التاء وفتح الميم، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه ويلوناه بخباثة الكفر قهرا وجبرا "
، فلم تكن الخيانة ذاتية للإنسان إلا طارئة عليه عارية لديه، أنزل الله تعالى كلمة طيبة وعفي لا إله إلا الله، وأمركم بالمواظبة عليها بقوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
[الأحزاب: 70-71]؛ يعني: قولوا هذه الكلمة، يبالي أن يتقي بتنقيتها خباثة قد أخذتموها من التكليف عن قومكم، ويثبت بإثباتها طيب التوحيد والمعرفة، فتطيب أعمالكم وتغفر لكم ذنوبكم بتطيب أخلاقكم، فلما سلمتم من خباثة أعمالكم بتطيب أخلاقكم نوديتم من سرادقات الجلال عن حرثه جنات عالم الجمال،
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73].
ثم قال تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد } [البقرة: 267]؛ يعني: من كمال غناه يسد فقركم جميعا بشظية من كمال غناه ويفنيكم كلكم، وما ينقص من كمال غناه مثقال ذرة، وظاهر قوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]، يقتضي أنه يطلب من غناكم، وباطنه يبقى عن مطالبة إياكم، يفنيكم بلا علة وغرض يرجع إليه، بأن تشكروا له على نعمه، أو تحمدوه على فضله وكرمه، فإنه في ذاته حميد بصفاته مجيد.
البقرة 2:268
ثم أخبر عن عدة الشيطان وعدة الرحمن بقوله تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر } [البقرة: 268]، والإشارة فيها: أن الشيطان حين يعدكم بالفقر ظاهر، فهو يأمركم بالفحشاء حقيقة، والفحشاء: اسم جامع لكل سوء؛ لأن عدته بالفقر تضمن معاني الفحشاء، وهي البخل والحرص، واليأس من الخلق، والشك في وعد الحق للخلق بالرزق، والخلف للمتفق ومضاعفة الحسنات، وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه، وتكذيب قول الحق، ونسيان فضله وكرمه، وكفران النعمة، والإعراض عن الحق، والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من الله وتعلق القلب بغيره، ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ وترك العفة والقناعة، والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية؛ ولهذا القوم بالتخصيص الانحطاط من كل مقام علي إلى كل منزل دنىء، مثل الخروج عن حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوتها، والنزول عن التسليم والتفويض إلى التدبير والاختيار، ومن العزائم إلى الرخص والتأويلات، والركون إلى غير الله تعالى بعد السكون معه، والرجوع إلى ما تركه الله بعد بذله في الله، فهذه كلها وأضعافها مما تضمنت عدة الشيطان بالفقر، فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات.
{ والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } [البقرة: 268]، ومن سد على نفسه باب وسوسة بالعدة، يفتح على نفسه باب عدة الحق بالمغفرة، ويفيض الله تعالى من بحار فضله سجال ثوابه، ويحفظه من هذه الآفات ويخطه على عسكها من أنواع الكرامات ورفعة الدرجات، { والله واسع } [البقرة: 268]، فضله وكرمه وعطاؤه وملكه وغناؤه ورحمته ومغفرته، { عليم } [البقرة: 268]، بمن سد باب وسوسة الشيطان على نفسه، وفتح باب الفضل والمغفرة والرضوان من ربه، فينعم عليه بأنواع مما لديه عاجلا وآجلا، فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى على قلبه بابا من خزائن حكمته عاجلا، وهي مختصة بمشيئة إلا مشيئة الخلق كما ظن الفلاسفة والأطباء، فإنه تبارك وتعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء } [البقرة: 269].
فظن قوم أن الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار وهي نتائج الأفكار، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات والإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، وبين المقبول والمردود، فالمعقول ما يحكم عليه ببرهان عقلي، وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وبالقوة، فمن صفي عقله عن شوائب الوهم والخيار بدرك عقله المعقول بالبرهان ورأيه عقلية، ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات، فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد، فإن الحكمة ليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتسبة، والبراهين العقلية والنقلية عنها مخنسة، فإنها مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معان أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت القرآن وما يعدله "
، أشار بهذه إلى الحكمة، ولهذا قال سهل رضي الله عنه في تأويل الحكمة: هي السنة، فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده، فيكون له كما قال:
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور، وأوتي مع الحكمة خيرا كثيرا، كما قال تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]؛ يعني: لذلك النور فوائد وخيرات كثيرة، فمن جملتها الحكمة، فمن يؤت الحكمة فقد أعطي ذلك النور { فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]، فافهم جدا.
واغتنم واجتهد أن تتعظ به وتكون من ذويه؛ لأنه تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } [البقرة: 269]؛ وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانية، بل سعوا في طلب لبها بمتابعة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نور لب المواهب الربانية، فتحقق لهم أن
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور: 40]، فانتبه أيها مغرور المفتون بدار الغرور،
ولا يغرنكم بالله الغرور
[لقمان: 33].
ثم أخبر عن توفية الأجور للمتفق في الفروض والنذور بقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار } [البقرة: 270]، الإشارة فيها: أن تقرب العبد إلى الله إنما يكون بفرض أوجبه عليه أو بنقل أوجبه العبد على نفسه، فعلى كلا التقديرين إن الله عليم بهما، فيجازي العبد بهما، كما قال تعالى في حديث رباني:
" لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش "
، ولكن الشأن في إخلاص العمل لله تعالى من غير شوبة بعلة دنيوية أو أخروية، فإنها شرك،
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13].
فقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة } [البقرة: 270]؛ أي: مفروضة، { أو نذرتم من نذر } [البقرة: 270]؛ أي: من نقل أوجبتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم إنكم تقربتم به إلى الله خالصا مخلصا بلا شوبة بشرك أم لا، فإن كان غير مشوب بشرك فيجازيكم بجزاء المخلصين، وإن كان مشوبا بشرك فأنتم ظلمتم بوضع طاعة الله في غير موضعها، { فإن الله يعلمه } [البقرة: 270]؛ يعني: الظلم منكم، { وما للظالمين } [البقرة: 270]، من أشار بأن يتقرب إليهم بأنواع ألطافه؛ لأنهم ما تقربوا إليه بطاعتهم، ومن سنة ما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ".
البقرة 2:269
ثم أخبر عن عدة الشيطان وعدة الرحمن بقوله تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر } [البقرة: 268]، والإشارة فيها: أن الشيطان حين يعدكم بالفقر ظاهر، فهو يأمركم بالفحشاء حقيقة، والفحشاء: اسم جامع لكل سوء؛ لأن عدته بالفقر تضمن معاني الفحشاء، وهي البخل والحرص، واليأس من الخلق، والشك في وعد الحق للخلق بالرزق، والخلف للمتفق ومضاعفة الحسنات، وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه، وتكذيب قول الحق، ونسيان فضله وكرمه، وكفران النعمة، والإعراض عن الحق، والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من الله وتعلق القلب بغيره، ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ وترك العفة والقناعة، والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية؛ ولهذا القوم بالتخصيص الانحطاط من كل مقام علي إلى كل منزل دنىء، مثل الخروج عن حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوتها، والنزول عن التسليم والتفويض إلى التدبير والاختيار، ومن العزائم إلى الرخص والتأويلات، والركون إلى غير الله تعالى بعد السكون معه، والرجوع إلى ما تركه الله بعد بذله في الله، فهذه كلها وأضعافها مما تضمنت عدة الشيطان بالفقر، فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات.
{ والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } [البقرة: 268]، ومن سد على نفسه باب وسوسة بالعدة، يفتح على نفسه باب عدة الحق بالمغفرة، ويفيض الله تعالى من بحار فضله سجال ثوابه، ويحفظه من هذه الآفات ويخطه على عسكها من أنواع الكرامات ورفعة الدرجات، { والله واسع } [البقرة: 268]، فضله وكرمه وعطاؤه وملكه وغناؤه ورحمته ومغفرته، { عليم } [البقرة: 268]، بمن سد باب وسوسة الشيطان على نفسه، وفتح باب الفضل والمغفرة والرضوان من ربه، فينعم عليه بأنواع مما لديه عاجلا وآجلا، فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى على قلبه بابا من خزائن حكمته عاجلا، وهي مختصة بمشيئة إلا مشيئة الخلق كما ظن الفلاسفة والأطباء، فإنه تبارك وتعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء } [البقرة: 269].
فظن قوم أن الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار وهي نتائج الأفكار، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات والإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، وبين المقبول والمردود، فالمعقول ما يحكم عليه ببرهان عقلي، وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وبالقوة، فمن صفي عقله عن شوائب الوهم والخيار بدرك عقله المعقول بالبرهان ورأيه عقلية، ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات، فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد، فإن الحكمة ليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتسبة، والبراهين العقلية والنقلية عنها مخنسة، فإنها مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معان أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت القرآن وما يعدله "
، أشار بهذه إلى الحكمة، ولهذا قال سهل رضي الله عنه في تأويل الحكمة: هي السنة، فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده، فيكون له كما قال:
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور، وأوتي مع الحكمة خيرا كثيرا، كما قال تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]؛ يعني: لذلك النور فوائد وخيرات كثيرة، فمن جملتها الحكمة، فمن يؤت الحكمة فقد أعطي ذلك النور { فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]، فافهم جدا.
واغتنم واجتهد أن تتعظ به وتكون من ذويه؛ لأنه تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } [البقرة: 269]؛ وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانية، بل سعوا في طلب لبها بمتابعة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نور لب المواهب الربانية، فتحقق لهم أن
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور: 40]، فانتبه أيها مغرور المفتون بدار الغرور،
ولا يغرنكم بالله الغرور
[لقمان: 33].
ثم أخبر عن توفية الأجور للمتفق في الفروض والنذور بقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار } [البقرة: 270]، الإشارة فيها: أن تقرب العبد إلى الله إنما يكون بفرض أوجبه عليه أو بنقل أوجبه العبد على نفسه، فعلى كلا التقديرين إن الله عليم بهما، فيجازي العبد بهما، كما قال تعالى في حديث رباني:
" لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش "
، ولكن الشأن في إخلاص العمل لله تعالى من غير شوبة بعلة دنيوية أو أخروية، فإنها شرك،
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13].
فقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة } [البقرة: 270]؛ أي: مفروضة، { أو نذرتم من نذر } [البقرة: 270]؛ أي: من نقل أوجبتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم إنكم تقربتم به إلى الله خالصا مخلصا بلا شوبة بشرك أم لا، فإن كان غير مشوب بشرك فيجازيكم بجزاء المخلصين، وإن كان مشوبا بشرك فأنتم ظلمتم بوضع طاعة الله في غير موضعها، { فإن الله يعلمه } [البقرة: 270]؛ يعني: الظلم منكم، { وما للظالمين } [البقرة: 270]، من أشار بأن يتقرب إليهم بأنواع ألطافه؛ لأنهم ما تقربوا إليه بطاعتهم، ومن سنة ما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ".
البقرة 2:270
ثم أخبر عن عدة الشيطان وعدة الرحمن بقوله تعالى: { الشيطان يعدكم الفقر } [البقرة: 268]، والإشارة فيها: أن الشيطان حين يعدكم بالفقر ظاهر، فهو يأمركم بالفحشاء حقيقة، والفحشاء: اسم جامع لكل سوء؛ لأن عدته بالفقر تضمن معاني الفحشاء، وهي البخل والحرص، واليأس من الخلق، والشك في وعد الحق للخلق بالرزق، والخلف للمتفق ومضاعفة الحسنات، وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه، وتكذيب قول الحق، ونسيان فضله وكرمه، وكفران النعمة، والإعراض عن الحق، والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من الله وتعلق القلب بغيره، ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ وترك العفة والقناعة، والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية؛ ولهذا القوم بالتخصيص الانحطاط من كل مقام علي إلى كل منزل دنىء، مثل الخروج عن حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوتها، والنزول عن التسليم والتفويض إلى التدبير والاختيار، ومن العزائم إلى الرخص والتأويلات، والركون إلى غير الله تعالى بعد السكون معه، والرجوع إلى ما تركه الله بعد بذله في الله، فهذه كلها وأضعافها مما تضمنت عدة الشيطان بالفقر، فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات.
{ والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } [البقرة: 268]، ومن سد على نفسه باب وسوسة بالعدة، يفتح على نفسه باب عدة الحق بالمغفرة، ويفيض الله تعالى من بحار فضله سجال ثوابه، ويحفظه من هذه الآفات ويخطه على عسكها من أنواع الكرامات ورفعة الدرجات، { والله واسع } [البقرة: 268]، فضله وكرمه وعطاؤه وملكه وغناؤه ورحمته ومغفرته، { عليم } [البقرة: 268]، بمن سد باب وسوسة الشيطان على نفسه، وفتح باب الفضل والمغفرة والرضوان من ربه، فينعم عليه بأنواع مما لديه عاجلا وآجلا، فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى على قلبه بابا من خزائن حكمته عاجلا، وهي مختصة بمشيئة إلا مشيئة الخلق كما ظن الفلاسفة والأطباء، فإنه تبارك وتعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء } [البقرة: 269].
فظن قوم أن الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار وهي نتائج الأفكار، وما فرقوا بين المعقولات والحكميات والإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، وبين المقبول والمردود، فالمعقول ما يحكم عليه ببرهان عقلي، وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وبالقوة، فمن صفي عقله عن شوائب الوهم والخيار بدرك عقله المعقول بالبرهان ورأيه عقلية، ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات، فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد، فإن الحكمة ليست من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتسبة، والبراهين العقلية والنقلية عنها مخنسة، فإنها مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، فيكاشف الأسرار بحقائق معان أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت القرآن وما يعدله "
، أشار بهذه إلى الحكمة، ولهذا قال سهل رضي الله عنه في تأويل الحكمة: هي السنة، فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده، فيكون له كما قال:
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور، وأوتي مع الحكمة خيرا كثيرا، كما قال تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]؛ يعني: لذلك النور فوائد وخيرات كثيرة، فمن جملتها الحكمة، فمن يؤت الحكمة فقد أعطي ذلك النور { فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]، فافهم جدا.
واغتنم واجتهد أن تتعظ به وتكون من ذويه؛ لأنه تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } [البقرة: 269]؛ وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانية، بل سعوا في طلب لبها بمتابعة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نور لب المواهب الربانية، فتحقق لهم أن
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور: 40]، فانتبه أيها مغرور المفتون بدار الغرور،
ولا يغرنكم بالله الغرور
[لقمان: 33].
ثم أخبر عن توفية الأجور للمتفق في الفروض والنذور بقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار } [البقرة: 270]، الإشارة فيها: أن تقرب العبد إلى الله إنما يكون بفرض أوجبه عليه أو بنقل أوجبه العبد على نفسه، فعلى كلا التقديرين إن الله عليم بهما، فيجازي العبد بهما، كما قال تعالى في حديث رباني:
" لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش "
، ولكن الشأن في إخلاص العمل لله تعالى من غير شوبة بعلة دنيوية أو أخروية، فإنها شرك،
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13].
فقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة } [البقرة: 270]؛ أي: مفروضة، { أو نذرتم من نذر } [البقرة: 270]؛ أي: من نقل أوجبتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم إنكم تقربتم به إلى الله خالصا مخلصا بلا شوبة بشرك أم لا، فإن كان غير مشوب بشرك فيجازيكم بجزاء المخلصين، وإن كان مشوبا بشرك فأنتم ظلمتم بوضع طاعة الله في غير موضعها، { فإن الله يعلمه } [البقرة: 270]؛ يعني: الظلم منكم، { وما للظالمين } [البقرة: 270]، من أشار بأن يتقرب إليهم بأنواع ألطافه؛ لأنهم ما تقربوا إليه بطاعتهم، ومن سنة ما قال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ".
البقرة 2:271
ثم شرح أحوال العباد في نياتهم بالصدقات بقوله تعالى: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم } [البقرة: 271]، وإخفاء الصدقة أشار به إلى تخليصها من شوب الحظوظ، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث:
" سبعة يظلهم الله في ظله "
، وقال صلى الله عليه وسلم:
" رجل تصدق بيمينه فأخفى حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه إلى إخفاء الصدقة عن شماله "
؛ يعني: يخفيها عن حظوظ نفسه فتكون خالصة لله تعالى، فصاحبها يكون في ظل الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة "
؛ يعني: إن كانت صدقته الله تعالى فيكون في ظل الله، وإن كانت صدقته للجنة فيكون في ظل الجنة، وإن كانت صدقته للهوى فيكون في ظل الهاوية، فافهم جدا.
فلما علموا إخفاء الصدقات فأدوها أن تكون مشوبة بحظ الثواب، فقال تعالى: { إن تبدوا الصدقات } [البقرة: 271]، نظروها لطمع ثواب الجنة { فنعما هي } [البقرة: 271]، فإنها مرتبة الأبرار،
إن الأبرار لفي نعيم
[الانفطار: 13] { وإن تخفوها } [البقرة: 271]، عن كل حظ ونصيب، { وتؤتوها الفقرآء } [البقرة: 271]؛ أي: تعطوها لوجه الله تعالى إلى الفقراء لا حظ النفس، { فهو خير لكم } [البقرة: 271]؛ يعني: كما زدتم على الصدقة بالإخفاء عن الحظوظ، وهي أن يكون في ظل الله وهو مقام المقربين، لقوله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] الحسنى؛ أي: جزاء أهل الحسنات، فأما من أحسن الحسنة فهو الذي يكون مقامه مقام الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ يعني: نظرك في الطاعة لا يكون إلا الى الله، فيكون جزاؤه بعد الجنة الزيادة، وهي لقاء الله عز وجل { والله بما تعملون } [البقرة: 271]، كل طائفة من الأبرار والمقربين، { خبير } [البقرة: 271]، فيجازيكم على قدر خلوص نياتكم، ف
" إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى "
من عمله.
ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها ولاية، وأن الله فيها ولي الكفاية بقوله تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء } [البقرة: 272]، الإشارة فيها: إن يا محمد لك المحمود واللواء المعقود، ولك الوسيلة، وعلى الأنبياء الفضيلة، ولك ليلة المعراج والقربة الواصلة، ولك يوم القيامة الشفاعة والرفعة، وأنت سيد الأولين والآخرين، وأنت أكرم على رب العالمين، ولكن { ليس عليك هداهم } [البقرة: 272]،
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء
[القصص: 56]، { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، وهو عالم بخفيات سرائركم وجلبات ضمائركم من غير فطور وقصور، { وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، قطميرا ولا نقيرا.
ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول:
" لي حرفتان: الفقر والجهاد "
، وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]؛ يعني: الفقير أحصره حب الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد محدقة بهم، كما قيل:
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها
عليه فما تزداد طولا ولا عرضا
{ لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273]؛ لأنهم واقفون مع الله لله بالله، سقط عنهم السكون والحركات، فإنهم مجذبون عنهم بالجذبات، مضروب عليهم قباب الغيرات، لا إشراف للأجانب عليهم، ولا سبيل للأغيار إليهم، حجبهم العزة عن الجاهل بحجاب العفة، فيراهم الأغنياء بنظر الأغنياء، { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273]؛ لأنهم مستورون قباب الغيرة، محجوبون عن معرفة أهل الغيرة، كما قال تعالى:
" أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد ".
{ تعرفهم بسيماهم } [البقرة: 273]؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وإن سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على رؤية الله عن شهود سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، { لا يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273]، لا بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار غني قلوبهم، { وما تنفقوا من خير } [البقرة: 273]؛ يعني: من كل معاملة فيها خير من المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقا وإجلالا وإذلالا، { فإن الله به } [البقرة: 273]، بجميع معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، { عليم } [البقرة: 273]، فإن تقربتم إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذراع يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالا، فلا يبيعوا عزة الفقر به.
البقرة 2:272
ثم شرح أحوال العباد في نياتهم بالصدقات بقوله تعالى: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم } [البقرة: 271]، وإخفاء الصدقة أشار به إلى تخليصها من شوب الحظوظ، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث:
" سبعة يظلهم الله في ظله "
، وقال صلى الله عليه وسلم:
" رجل تصدق بيمينه فأخفى حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه إلى إخفاء الصدقة عن شماله "
؛ يعني: يخفيها عن حظوظ نفسه فتكون خالصة لله تعالى، فصاحبها يكون في ظل الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة "
؛ يعني: إن كانت صدقته الله تعالى فيكون في ظل الله، وإن كانت صدقته للجنة فيكون في ظل الجنة، وإن كانت صدقته للهوى فيكون في ظل الهاوية، فافهم جدا.
فلما علموا إخفاء الصدقات فأدوها أن تكون مشوبة بحظ الثواب، فقال تعالى: { إن تبدوا الصدقات } [البقرة: 271]، نظروها لطمع ثواب الجنة { فنعما هي } [البقرة: 271]، فإنها مرتبة الأبرار،
إن الأبرار لفي نعيم
[الانفطار: 13] { وإن تخفوها } [البقرة: 271]، عن كل حظ ونصيب، { وتؤتوها الفقرآء } [البقرة: 271]؛ أي: تعطوها لوجه الله تعالى إلى الفقراء لا حظ النفس، { فهو خير لكم } [البقرة: 271]؛ يعني: كما زدتم على الصدقة بالإخفاء عن الحظوظ، وهي أن يكون في ظل الله وهو مقام المقربين، لقوله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] الحسنى؛ أي: جزاء أهل الحسنات، فأما من أحسن الحسنة فهو الذي يكون مقامه مقام الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ يعني: نظرك في الطاعة لا يكون إلا الى الله، فيكون جزاؤه بعد الجنة الزيادة، وهي لقاء الله عز وجل { والله بما تعملون } [البقرة: 271]، كل طائفة من الأبرار والمقربين، { خبير } [البقرة: 271]، فيجازيكم على قدر خلوص نياتكم، ف
" إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى "
من عمله.
ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها ولاية، وأن الله فيها ولي الكفاية بقوله تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء } [البقرة: 272]، الإشارة فيها: إن يا محمد لك المحمود واللواء المعقود، ولك الوسيلة، وعلى الأنبياء الفضيلة، ولك ليلة المعراج والقربة الواصلة، ولك يوم القيامة الشفاعة والرفعة، وأنت سيد الأولين والآخرين، وأنت أكرم على رب العالمين، ولكن { ليس عليك هداهم } [البقرة: 272]،
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء
[القصص: 56]، { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، وهو عالم بخفيات سرائركم وجلبات ضمائركم من غير فطور وقصور، { وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، قطميرا ولا نقيرا.
ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول:
" لي حرفتان: الفقر والجهاد "
، وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]؛ يعني: الفقير أحصره حب الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد محدقة بهم، كما قيل:
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها
عليه فما تزداد طولا ولا عرضا
{ لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273]؛ لأنهم واقفون مع الله لله بالله، سقط عنهم السكون والحركات، فإنهم مجذبون عنهم بالجذبات، مضروب عليهم قباب الغيرات، لا إشراف للأجانب عليهم، ولا سبيل للأغيار إليهم، حجبهم العزة عن الجاهل بحجاب العفة، فيراهم الأغنياء بنظر الأغنياء، { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273]؛ لأنهم مستورون قباب الغيرة، محجوبون عن معرفة أهل الغيرة، كما قال تعالى:
" أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد ".
{ تعرفهم بسيماهم } [البقرة: 273]؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وإن سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على رؤية الله عن شهود سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، { لا يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273]، لا بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار غني قلوبهم، { وما تنفقوا من خير } [البقرة: 273]؛ يعني: من كل معاملة فيها خير من المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقا وإجلالا وإذلالا، { فإن الله به } [البقرة: 273]، بجميع معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، { عليم } [البقرة: 273]، فإن تقربتم إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذراع يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالا، فلا يبيعوا عزة الفقر به.
البقرة 2:273
ثم شرح أحوال العباد في نياتهم بالصدقات بقوله تعالى: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم } [البقرة: 271]، وإخفاء الصدقة أشار به إلى تخليصها من شوب الحظوظ، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث:
" سبعة يظلهم الله في ظله "
، وقال صلى الله عليه وسلم:
" رجل تصدق بيمينه فأخفى حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه إلى إخفاء الصدقة عن شماله "
؛ يعني: يخفيها عن حظوظ نفسه فتكون خالصة لله تعالى، فصاحبها يكون في ظل الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة "
؛ يعني: إن كانت صدقته الله تعالى فيكون في ظل الله، وإن كانت صدقته للجنة فيكون في ظل الجنة، وإن كانت صدقته للهوى فيكون في ظل الهاوية، فافهم جدا.
فلما علموا إخفاء الصدقات فأدوها أن تكون مشوبة بحظ الثواب، فقال تعالى: { إن تبدوا الصدقات } [البقرة: 271]، نظروها لطمع ثواب الجنة { فنعما هي } [البقرة: 271]، فإنها مرتبة الأبرار،
إن الأبرار لفي نعيم
[الانفطار: 13] { وإن تخفوها } [البقرة: 271]، عن كل حظ ونصيب، { وتؤتوها الفقرآء } [البقرة: 271]؛ أي: تعطوها لوجه الله تعالى إلى الفقراء لا حظ النفس، { فهو خير لكم } [البقرة: 271]؛ يعني: كما زدتم على الصدقة بالإخفاء عن الحظوظ، وهي أن يكون في ظل الله وهو مقام المقربين، لقوله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] الحسنى؛ أي: جزاء أهل الحسنات، فأما من أحسن الحسنة فهو الذي يكون مقامه مقام الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ يعني: نظرك في الطاعة لا يكون إلا الى الله، فيكون جزاؤه بعد الجنة الزيادة، وهي لقاء الله عز وجل { والله بما تعملون } [البقرة: 271]، كل طائفة من الأبرار والمقربين، { خبير } [البقرة: 271]، فيجازيكم على قدر خلوص نياتكم، ف
" إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى "
من عمله.
ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها ولاية، وأن الله فيها ولي الكفاية بقوله تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء } [البقرة: 272]، الإشارة فيها: إن يا محمد لك المحمود واللواء المعقود، ولك الوسيلة، وعلى الأنبياء الفضيلة، ولك ليلة المعراج والقربة الواصلة، ولك يوم القيامة الشفاعة والرفعة، وأنت سيد الأولين والآخرين، وأنت أكرم على رب العالمين، ولكن { ليس عليك هداهم } [البقرة: 272]،
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء
[القصص: 56]، { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، وهو عالم بخفيات سرائركم وجلبات ضمائركم من غير فطور وقصور، { وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، قطميرا ولا نقيرا.
ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول:
" لي حرفتان: الفقر والجهاد "
، وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]؛ يعني: الفقير أحصره حب الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد محدقة بهم، كما قيل:
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها
عليه فما تزداد طولا ولا عرضا
{ لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273]؛ لأنهم واقفون مع الله لله بالله، سقط عنهم السكون والحركات، فإنهم مجذبون عنهم بالجذبات، مضروب عليهم قباب الغيرات، لا إشراف للأجانب عليهم، ولا سبيل للأغيار إليهم، حجبهم العزة عن الجاهل بحجاب العفة، فيراهم الأغنياء بنظر الأغنياء، { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273]؛ لأنهم مستورون قباب الغيرة، محجوبون عن معرفة أهل الغيرة، كما قال تعالى:
" أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد ".
{ تعرفهم بسيماهم } [البقرة: 273]؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وإن سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على رؤية الله عن شهود سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، { لا يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273]، لا بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار غني قلوبهم، { وما تنفقوا من خير } [البقرة: 273]؛ يعني: من كل معاملة فيها خير من المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقا وإجلالا وإذلالا، { فإن الله به } [البقرة: 273]، بجميع معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، { عليم } [البقرة: 273]، فإن تقربتم إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذراع يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالا، فلا يبيعوا عزة الفقر به.
البقرة 2:274
{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } [البقرة: 274]، فإذا نفذ المال لم يفتروا عن شهوده لحظة ليلا ونهارا، بل
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
[الأنعام: 52]، { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274]؛ يعني: في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 274]، من عذاب القطيعة؛ لأنهم قد استمسكوا بالفقر والمحبة؛ وهي العروة الوثقى،
لا انفصام لها
[البقرة: 256]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 274]، عاجلا وآجلا:
فأما عاجلا: فلا يحزنون على ما يفوتهم من الدنيا، فإنهم تركوها بطيب قلوبهم في الله، وهو لهم خلف عن كل تلف من كان الله له، وأما آجلا: كما قال تعالى:
لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة
[الأنبياء: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور ".
ثم أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم: أكلة الربا، بعد ما ذكر قناعة أهل الآخرة وشكر المولى بقوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]، الإشارة فيهما: أن آكل الربا يحرص على الدنيا، مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع، حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقدر عليه أن يقوم، { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]؛ يعني: إلا كما يقوم المصروع، وكلما يقوم يصرعه نقل بطنه، وهذا كمثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للحريص، لقوله:
" إن هذا المال خضرة حلوة إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا، أو يلم إلا آكلة الخضر تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت إن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع "
، حديث متفق على صحته، وفيه مثلان:
ضرب أحدهما: للحريص المفرط في جميع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: ضرب للمقصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
" ينبت الربيع وما يقتل حبطا "
، فهو مثل للحريص الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أنواع العشب فيستكثر منها الماشية حتى ينتفخ منها بطونها، كما قد جاوزنا حد الاحتمال فيشق أمعاؤها فيهلك، كذلك الحريص الذي يجمع الدنيا من حلها ويمنع ذا الحق حقه، فينتفخ بطنه يوم القيامة وهو آكل الربا، فلا يقوم ويكون عاقبته النار، وأما مثل المقصد قوله: صلى الله عليه وسلم
" إلا أكلة الخضرة "
، وذلك أن الخضرة ليست من إضراب البقول التي ينبتها الربيع فيستكثر منها الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعها المواشي بعد هيج العقول شيئا فشيئا من غير استكثار، فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص المفرط على أخذها بغير حقها، وإن كان له حرص مثلا من الطلب والجمع، ولكن لما كان بأمر الشرع وطريقه ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به كما أضر بأكل الربا، كقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: في طلب الربح والزيادة.
وقال تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة الحرص الذي فيه عصيان الأمر، فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة
بعضها فوق بعض
[النور: 40]، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، { فمن جآءه موعظة من ربه } البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق { فانتهى } [البقرة: 275]، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، { فله ما سلف } [البقرة: 275]، من المعصية فتجاوز عنه الحق.
{ وأمره إلى الله } [البقرة: 275]، بأن يرزقه بدل الربا من حيث لا يحتسب { ومن عاد } [البقرة: 275]، إلى شؤم فعاله ومذموم خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال { يمحق الله الربوا } [البقرة: 276]، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، { ويربي الصدقت } [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق المأمورات، { والله لا يحب كل كفار } [البقرة: 276]، بنعمة الشرع وأنواره، { أثيم } [البقرة: 276]، عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.
ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، { آمنوا } [البقرة: 277]، إيمان التصديق بالتخفيف مقرونا بالتوفيق، { وعملوا الصلحت } [البقرة: 277]، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة واقتراب المولى، { وأقاموا الصلوة } [البقرة: 277]، فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة والفطام عن المألوفات، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 277]، فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم } [البقرة: 277]، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة.
البقرة 2:275
{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } [البقرة: 274]، فإذا نفذ المال لم يفتروا عن شهوده لحظة ليلا ونهارا، بل
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
[الأنعام: 52]، { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274]؛ يعني: في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 274]، من عذاب القطيعة؛ لأنهم قد استمسكوا بالفقر والمحبة؛ وهي العروة الوثقى،
لا انفصام لها
[البقرة: 256]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 274]، عاجلا وآجلا:
فأما عاجلا: فلا يحزنون على ما يفوتهم من الدنيا، فإنهم تركوها بطيب قلوبهم في الله، وهو لهم خلف عن كل تلف من كان الله له، وأما آجلا: كما قال تعالى:
لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة
[الأنبياء: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور ".
ثم أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم: أكلة الربا، بعد ما ذكر قناعة أهل الآخرة وشكر المولى بقوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]، الإشارة فيهما: أن آكل الربا يحرص على الدنيا، مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع، حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقدر عليه أن يقوم، { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]؛ يعني: إلا كما يقوم المصروع، وكلما يقوم يصرعه نقل بطنه، وهذا كمثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للحريص، لقوله:
" إن هذا المال خضرة حلوة إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا، أو يلم إلا آكلة الخضر تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت إن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع "
، حديث متفق على صحته، وفيه مثلان:
ضرب أحدهما: للحريص المفرط في جميع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: ضرب للمقصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
" ينبت الربيع وما يقتل حبطا "
، فهو مثل للحريص الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أنواع العشب فيستكثر منها الماشية حتى ينتفخ منها بطونها، كما قد جاوزنا حد الاحتمال فيشق أمعاؤها فيهلك، كذلك الحريص الذي يجمع الدنيا من حلها ويمنع ذا الحق حقه، فينتفخ بطنه يوم القيامة وهو آكل الربا، فلا يقوم ويكون عاقبته النار، وأما مثل المقصد قوله: صلى الله عليه وسلم
" إلا أكلة الخضرة "
، وذلك أن الخضرة ليست من إضراب البقول التي ينبتها الربيع فيستكثر منها الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعها المواشي بعد هيج العقول شيئا فشيئا من غير استكثار، فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص المفرط على أخذها بغير حقها، وإن كان له حرص مثلا من الطلب والجمع، ولكن لما كان بأمر الشرع وطريقه ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به كما أضر بأكل الربا، كقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: في طلب الربح والزيادة.
وقال تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة الحرص الذي فيه عصيان الأمر، فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة
بعضها فوق بعض
[النور: 40]، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، { فمن جآءه موعظة من ربه } البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق { فانتهى } [البقرة: 275]، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، { فله ما سلف } [البقرة: 275]، من المعصية فتجاوز عنه الحق.
{ وأمره إلى الله } [البقرة: 275]، بأن يرزقه بدل الربا من حيث لا يحتسب { ومن عاد } [البقرة: 275]، إلى شؤم فعاله ومذموم خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال { يمحق الله الربوا } [البقرة: 276]، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، { ويربي الصدقت } [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق المأمورات، { والله لا يحب كل كفار } [البقرة: 276]، بنعمة الشرع وأنواره، { أثيم } [البقرة: 276]، عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.
ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، { آمنوا } [البقرة: 277]، إيمان التصديق بالتخفيف مقرونا بالتوفيق، { وعملوا الصلحت } [البقرة: 277]، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة واقتراب المولى، { وأقاموا الصلوة } [البقرة: 277]، فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة والفطام عن المألوفات، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 277]، فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم } [البقرة: 277]، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة.
البقرة 2:276
{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } [البقرة: 274]، فإذا نفذ المال لم يفتروا عن شهوده لحظة ليلا ونهارا، بل
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
[الأنعام: 52]، { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274]؛ يعني: في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 274]، من عذاب القطيعة؛ لأنهم قد استمسكوا بالفقر والمحبة؛ وهي العروة الوثقى،
لا انفصام لها
[البقرة: 256]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 274]، عاجلا وآجلا:
فأما عاجلا: فلا يحزنون على ما يفوتهم من الدنيا، فإنهم تركوها بطيب قلوبهم في الله، وهو لهم خلف عن كل تلف من كان الله له، وأما آجلا: كما قال تعالى:
لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة
[الأنبياء: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور ".
ثم أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم: أكلة الربا، بعد ما ذكر قناعة أهل الآخرة وشكر المولى بقوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]، الإشارة فيهما: أن آكل الربا يحرص على الدنيا، مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع، حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقدر عليه أن يقوم، { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]؛ يعني: إلا كما يقوم المصروع، وكلما يقوم يصرعه نقل بطنه، وهذا كمثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للحريص، لقوله:
" إن هذا المال خضرة حلوة إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا، أو يلم إلا آكلة الخضر تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت إن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع "
، حديث متفق على صحته، وفيه مثلان:
ضرب أحدهما: للحريص المفرط في جميع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: ضرب للمقصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
" ينبت الربيع وما يقتل حبطا "
، فهو مثل للحريص الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أنواع العشب فيستكثر منها الماشية حتى ينتفخ منها بطونها، كما قد جاوزنا حد الاحتمال فيشق أمعاؤها فيهلك، كذلك الحريص الذي يجمع الدنيا من حلها ويمنع ذا الحق حقه، فينتفخ بطنه يوم القيامة وهو آكل الربا، فلا يقوم ويكون عاقبته النار، وأما مثل المقصد قوله: صلى الله عليه وسلم
" إلا أكلة الخضرة "
، وذلك أن الخضرة ليست من إضراب البقول التي ينبتها الربيع فيستكثر منها الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعها المواشي بعد هيج العقول شيئا فشيئا من غير استكثار، فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص المفرط على أخذها بغير حقها، وإن كان له حرص مثلا من الطلب والجمع، ولكن لما كان بأمر الشرع وطريقه ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به كما أضر بأكل الربا، كقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: في طلب الربح والزيادة.
وقال تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة الحرص الذي فيه عصيان الأمر، فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة
بعضها فوق بعض
[النور: 40]، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، { فمن جآءه موعظة من ربه } البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق { فانتهى } [البقرة: 275]، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، { فله ما سلف } [البقرة: 275]، من المعصية فتجاوز عنه الحق.
{ وأمره إلى الله } [البقرة: 275]، بأن يرزقه بدل الربا من حيث لا يحتسب { ومن عاد } [البقرة: 275]، إلى شؤم فعاله ومذموم خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال { يمحق الله الربوا } [البقرة: 276]، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، { ويربي الصدقت } [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق المأمورات، { والله لا يحب كل كفار } [البقرة: 276]، بنعمة الشرع وأنواره، { أثيم } [البقرة: 276]، عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.
ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، { آمنوا } [البقرة: 277]، إيمان التصديق بالتخفيف مقرونا بالتوفيق، { وعملوا الصلحت } [البقرة: 277]، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة واقتراب المولى، { وأقاموا الصلوة } [البقرة: 277]، فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة والفطام عن المألوفات، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 277]، فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم } [البقرة: 277]، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة.
البقرة 2:277
{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } [البقرة: 274]، فإذا نفذ المال لم يفتروا عن شهوده لحظة ليلا ونهارا، بل
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
[الأنعام: 52]، { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274]؛ يعني: في مقام العندية
عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 274]، من عذاب القطيعة؛ لأنهم قد استمسكوا بالفقر والمحبة؛ وهي العروة الوثقى،
لا انفصام لها
[البقرة: 256]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 274]، عاجلا وآجلا:
فأما عاجلا: فلا يحزنون على ما يفوتهم من الدنيا، فإنهم تركوها بطيب قلوبهم في الله، وهو لهم خلف عن كل تلف من كان الله له، وأما آجلا: كما قال تعالى:
لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة
[الأنبياء: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور ".
ثم أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم: أكلة الربا، بعد ما ذكر قناعة أهل الآخرة وشكر المولى بقوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]، الإشارة فيهما: أن آكل الربا يحرص على الدنيا، مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع، حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقدر عليه أن يقوم، { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]؛ يعني: إلا كما يقوم المصروع، وكلما يقوم يصرعه نقل بطنه، وهذا كمثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للحريص، لقوله:
" إن هذا المال خضرة حلوة إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا، أو يلم إلا آكلة الخضر تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت إن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع "
، حديث متفق على صحته، وفيه مثلان:
ضرب أحدهما: للحريص المفرط في جميع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: ضرب للمقصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
" ينبت الربيع وما يقتل حبطا "
، فهو مثل للحريص الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أنواع العشب فيستكثر منها الماشية حتى ينتفخ منها بطونها، كما قد جاوزنا حد الاحتمال فيشق أمعاؤها فيهلك، كذلك الحريص الذي يجمع الدنيا من حلها ويمنع ذا الحق حقه، فينتفخ بطنه يوم القيامة وهو آكل الربا، فلا يقوم ويكون عاقبته النار، وأما مثل المقصد قوله: صلى الله عليه وسلم
" إلا أكلة الخضرة "
، وذلك أن الخضرة ليست من إضراب البقول التي ينبتها الربيع فيستكثر منها الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعها المواشي بعد هيج العقول شيئا فشيئا من غير استكثار، فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص المفرط على أخذها بغير حقها، وإن كان له حرص مثلا من الطلب والجمع، ولكن لما كان بأمر الشرع وطريقه ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به كما أضر بأكل الربا، كقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: في طلب الربح والزيادة.
وقال تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة الحرص الذي فيه عصيان الأمر، فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة
بعضها فوق بعض
[النور: 40]، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، { فمن جآءه موعظة من ربه } البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق { فانتهى } [البقرة: 275]، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، { فله ما سلف } [البقرة: 275]، من المعصية فتجاوز عنه الحق.
{ وأمره إلى الله } [البقرة: 275]، بأن يرزقه بدل الربا من حيث لا يحتسب { ومن عاد } [البقرة: 275]، إلى شؤم فعاله ومذموم خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال { يمحق الله الربوا } [البقرة: 276]، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، { ويربي الصدقت } [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق المأمورات، { والله لا يحب كل كفار } [البقرة: 276]، بنعمة الشرع وأنواره، { أثيم } [البقرة: 276]، عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.
ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، { آمنوا } [البقرة: 277]، إيمان التصديق بالتخفيف مقرونا بالتوفيق، { وعملوا الصلحت } [البقرة: 277]، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة واقتراب المولى، { وأقاموا الصلوة } [البقرة: 277]، فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة والفطام عن المألوفات، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 277]، فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم } [البقرة: 277]، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة.
البقرة 2:278
فلما أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي ومعاملاتهم، أخبر عن أهل الإيمان المجازي وامتحانهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، والإشارة فيها: أن من شروط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر الدين، بل تكون شاغلة له عن الترقي في مراتب الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278]؛ أي: الذي يدعون الإيمان { اتقوا الله } [البقرة: 278]؛ أي: اتقوا الله، وهذا كما جاء لنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: جعلناه قدامنا، { وذروا ما بقي من الربوا } [البقرة: 278]، إشارة إلى ترك ما سوى الله في طلبه، كما قال الله تعالى:
ثم ذرهم
[الأنعام: 91]، { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، بإيمان حقيقي، وتوقنون بأن الله خلقكم لنفسه، كما قال:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41]، وما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم، لقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29].
{ فإن لم تفعلوا } [البقرة: 279]؛ أي: إن لم تزكوا كل زيادة تمنعكم من الله، ولم تتقوا عنها بالله { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279]، في طلب غير الله { وإن تبتم } [البقرة: 279]؛ أي: رجعتم إلى الله وتركتم غيره { فلكم رؤوس أمولكم } [البقرة: 279]، وهي الكرامة التي أكرمكم بها على العالمين قبل وجودكم، كما قال:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وأعطاكم رأس مال ما أعطي لأحد من خلقه ولا الملائكة المقربين، وهو قوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فإذا تقربتم إليه بترك ما سواه، يتقرب إليكم برد رؤوس أموالكم الأصلية إليكم وهي المحبة، كقوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه "
، قوله تعالى: { لا تظلمون ولا تظلمون } [البقرة: 279]؛ يعني: خلقتكم لتحبوني وأحبكم، فإذا لا تظلمون بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات، ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها، فافهم جدا.
{ وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280]؛ يعني: وإن كان في وصول ما عدا الله لكم عاجلا عسرة { فنظرة إلى ميسرة } [البقرة: 280]؛ أي: معدة لكم إلى أوان الميسر يصل إليكم آجلا، كما قال تعالى:
سيجعل الله بعد عسر يسرا
[الطلاق: 7]، وقال تعالى:
فإن مع العسر يسرا
[الشرح: 5]، { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } البقرة: 280]؛ يعني: ما تتمنون من أنواع برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم الإنسانية، فإن تصدقوا بها ببذلها فهو خير لكم، لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا الربانية، إن كنتم تعلمون قدرها وتتقون بنا، كما قال تعالى:
" من شغله ذكر عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3].
ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، ثم نقول: إن علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين:
أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والأخلاق الحميدة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته.
فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى: { واتقوا } [البقرة: 281]، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي
[النحل: 90]، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، هاهنا ينتهي سير العوام؛ لأنها نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها.
فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات،
لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فهاهنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل
عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى
[النجم: 14-15]، فينتفعون من مواهب،
إذ يغشى السدرة ما يغشى
[النجم: 16]، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17]، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى
قاب قوسين
[النجم: 9]، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم
[البقرة: 257]، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى.
ثم بسير
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، يشير إلى هذه الحقائق معناه: { واتقوا } [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، { يوما } [البقرة: 281]؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال:
أولئك هم خير البرية
[البينة: 7].
وفي قوله تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70]، سر عظيم أنه قال تعالى:
بني ءادم
[الإسراء: 70]، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال بقوله تعالى:
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37]، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى.
ثم في قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله تعالى: { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، شاملة لكلتا الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر والخذلان، فقال لأهل العناية:
نرفع درجت من نشآء
[الأنعام: 83].
وقال لأهل الخذلان: يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } [البقرة: 281]، فهو بشارة لأهل العناية؛ يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، وبإبقائه ببقاء هويته، { وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وهذا كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها سبعون زراعا، بالإهانة والإذلال،
ثم توفى كل نفس ما كسبت
[آل عمران: 161]، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار الكبرى،
لا يموت فيها ولا يحيى
[طه: 74]، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، وقربة حضرة المولى
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى
[النازعات: 25].
البقرة 2:279
فلما أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي ومعاملاتهم، أخبر عن أهل الإيمان المجازي وامتحانهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، والإشارة فيها: أن من شروط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر الدين، بل تكون شاغلة له عن الترقي في مراتب الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278]؛ أي: الذي يدعون الإيمان { اتقوا الله } [البقرة: 278]؛ أي: اتقوا الله، وهذا كما جاء لنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: جعلناه قدامنا، { وذروا ما بقي من الربوا } [البقرة: 278]، إشارة إلى ترك ما سوى الله في طلبه، كما قال الله تعالى:
ثم ذرهم
[الأنعام: 91]، { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، بإيمان حقيقي، وتوقنون بأن الله خلقكم لنفسه، كما قال:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41]، وما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم، لقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29].
{ فإن لم تفعلوا } [البقرة: 279]؛ أي: إن لم تزكوا كل زيادة تمنعكم من الله، ولم تتقوا عنها بالله { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279]، في طلب غير الله { وإن تبتم } [البقرة: 279]؛ أي: رجعتم إلى الله وتركتم غيره { فلكم رؤوس أمولكم } [البقرة: 279]، وهي الكرامة التي أكرمكم بها على العالمين قبل وجودكم، كما قال:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وأعطاكم رأس مال ما أعطي لأحد من خلقه ولا الملائكة المقربين، وهو قوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فإذا تقربتم إليه بترك ما سواه، يتقرب إليكم برد رؤوس أموالكم الأصلية إليكم وهي المحبة، كقوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه "
، قوله تعالى: { لا تظلمون ولا تظلمون } [البقرة: 279]؛ يعني: خلقتكم لتحبوني وأحبكم، فإذا لا تظلمون بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات، ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها، فافهم جدا.
{ وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280]؛ يعني: وإن كان في وصول ما عدا الله لكم عاجلا عسرة { فنظرة إلى ميسرة } [البقرة: 280]؛ أي: معدة لكم إلى أوان الميسر يصل إليكم آجلا، كما قال تعالى:
سيجعل الله بعد عسر يسرا
[الطلاق: 7]، وقال تعالى:
فإن مع العسر يسرا
[الشرح: 5]، { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } البقرة: 280]؛ يعني: ما تتمنون من أنواع برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم الإنسانية، فإن تصدقوا بها ببذلها فهو خير لكم، لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا الربانية، إن كنتم تعلمون قدرها وتتقون بنا، كما قال تعالى:
" من شغله ذكر عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3].
ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، ثم نقول: إن علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين:
أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والأخلاق الحميدة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته.
فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى: { واتقوا } [البقرة: 281]، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي
[النحل: 90]، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، هاهنا ينتهي سير العوام؛ لأنها نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها.
فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات،
لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فهاهنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل
عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى
[النجم: 14-15]، فينتفعون من مواهب،
إذ يغشى السدرة ما يغشى
[النجم: 16]، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17]، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى
قاب قوسين
[النجم: 9]، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم
[البقرة: 257]، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى.
ثم بسير
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، يشير إلى هذه الحقائق معناه: { واتقوا } [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، { يوما } [البقرة: 281]؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال:
أولئك هم خير البرية
[البينة: 7].
وفي قوله تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70]، سر عظيم أنه قال تعالى:
بني ءادم
[الإسراء: 70]، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال بقوله تعالى:
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37]، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى.
ثم في قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله تعالى: { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، شاملة لكلتا الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر والخذلان، فقال لأهل العناية:
نرفع درجت من نشآء
[الأنعام: 83].
وقال لأهل الخذلان: يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } [البقرة: 281]، فهو بشارة لأهل العناية؛ يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، وبإبقائه ببقاء هويته، { وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وهذا كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها سبعون زراعا، بالإهانة والإذلال،
ثم توفى كل نفس ما كسبت
[آل عمران: 161]، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار الكبرى،
لا يموت فيها ولا يحيى
[طه: 74]، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، وقربة حضرة المولى
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى
[النازعات: 25].
البقرة 2:280
فلما أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي ومعاملاتهم، أخبر عن أهل الإيمان المجازي وامتحانهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، والإشارة فيها: أن من شروط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر الدين، بل تكون شاغلة له عن الترقي في مراتب الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278]؛ أي: الذي يدعون الإيمان { اتقوا الله } [البقرة: 278]؛ أي: اتقوا الله، وهذا كما جاء لنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: جعلناه قدامنا، { وذروا ما بقي من الربوا } [البقرة: 278]، إشارة إلى ترك ما سوى الله في طلبه، كما قال الله تعالى:
ثم ذرهم
[الأنعام: 91]، { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، بإيمان حقيقي، وتوقنون بأن الله خلقكم لنفسه، كما قال:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41]، وما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم، لقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29].
{ فإن لم تفعلوا } [البقرة: 279]؛ أي: إن لم تزكوا كل زيادة تمنعكم من الله، ولم تتقوا عنها بالله { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279]، في طلب غير الله { وإن تبتم } [البقرة: 279]؛ أي: رجعتم إلى الله وتركتم غيره { فلكم رؤوس أمولكم } [البقرة: 279]، وهي الكرامة التي أكرمكم بها على العالمين قبل وجودكم، كما قال:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وأعطاكم رأس مال ما أعطي لأحد من خلقه ولا الملائكة المقربين، وهو قوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فإذا تقربتم إليه بترك ما سواه، يتقرب إليكم برد رؤوس أموالكم الأصلية إليكم وهي المحبة، كقوله تعالى:
" لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه "
، قوله تعالى: { لا تظلمون ولا تظلمون } [البقرة: 279]؛ يعني: خلقتكم لتحبوني وأحبكم، فإذا لا تظلمون بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات، ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها، فافهم جدا.
{ وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280]؛ يعني: وإن كان في وصول ما عدا الله لكم عاجلا عسرة { فنظرة إلى ميسرة } [البقرة: 280]؛ أي: معدة لكم إلى أوان الميسر يصل إليكم آجلا، كما قال تعالى:
سيجعل الله بعد عسر يسرا
[الطلاق: 7]، وقال تعالى:
فإن مع العسر يسرا
[الشرح: 5]، { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } البقرة: 280]؛ يعني: ما تتمنون من أنواع برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم الإنسانية، فإن تصدقوا بها ببذلها فهو خير لكم، لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا الربانية، إن كنتم تعلمون قدرها وتتقون بنا، كما قال تعالى:
" من شغله ذكر عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين "
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3].
ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، ثم نقول: إن علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين:
أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والأخلاق الحميدة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته.
فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى: { واتقوا } [البقرة: 281]، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي
[النحل: 90]، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، هاهنا ينتهي سير العوام؛ لأنها نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها.
فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات،
لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فهاهنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل
عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى
[النجم: 14-15]، فينتفعون من مواهب،
إذ يغشى السدرة ما يغشى
[النجم: 16]، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17]، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى
قاب قوسين
[النجم: 9]، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم
[البقرة: 257]، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى.
ثم بسير
فأوحى إلى عبده
[النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، يشير إلى هذه الحقائق معناه: { واتقوا } [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، { يوما } [البقرة: 281]؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال:
أولئك هم خير البرية
[البينة: 7].
وفي قوله تعالى:
ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر
[الإسراء: 70]، سر عظيم أنه قال تعالى:
بني ءادم
[الإسراء: 70]، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال بقوله تعالى:
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37]، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى.
ثم في قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله تعالى: { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، شاملة لكلتا الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر والخذلان، فقال لأهل العناية:
نرفع درجت من نشآء
[الأنعام: 83].
وقال لأهل الخذلان: يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } [البقرة: 281]، فهو بشارة لأهل العناية؛ يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، وبإبقائه ببقاء هويته، { وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وهذا كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها سبعون زراعا، بالإهانة والإذلال،
ثم توفى كل نفس ما كسبت
[آل عمران: 161]، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار الكبرى،
لا يموت فيها ولا يحيى
[طه: 74]، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، وقربة حضرة المولى
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى
[النازعات: 25].