Lafzullah

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — البقرة 2:281 – آل عمران 3:95

المؤلف / المصدر: نجم الدين أحمد بن عمر الرازي المعروف بـ«داية» (ت 618هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 0618NajmDinAhmadIbnCumar.Tawilat.Tafsir03097-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. البقرة 2:281
  2. البقرة 2:282
  3. البقرة 2:283
  4. البقرة 2:284
  5. البقرة 2:285
  6. البقرة 2:286
  7. آل عمران 3:1
  8. آل عمران 3:2
  9. آل عمران 3:3
  10. آل عمران 3:4
  11. آل عمران 3:5
  12. آل عمران 3:6
  13. آل عمران 3:7
  14. آل عمران 3:8
  15. آل عمران 3:9
  16. آل عمران 3:10
  17. آل عمران 3:11
  18. آل عمران 3:12
  19. آل عمران 3:13
  20. آل عمران 3:14
  21. آل عمران 3:15
  22. آل عمران 3:16
  23. آل عمران 3:17
  24. آل عمران 3:18
  25. آل عمران 3:19
  26. آل عمران 3:20
  27. آل عمران 3:21
  28. آل عمران 3:22
  29. آل عمران 3:23
  30. آل عمران 3:24
  31. آل عمران 3:25
  32. آل عمران 3:26
  33. آل عمران 3:27
  34. آل عمران 3:28
  35. آل عمران 3:29
  36. آل عمران 3:30
  37. آل عمران 3:31
  38. آل عمران 3:32
  39. آل عمران 3:33
  40. آل عمران 3:34
  41. آل عمران 3:35
  42. آل عمران 3:36
  43. آل عمران 3:37
  44. آل عمران 3:38
  45. آل عمران 3:39
  46. آل عمران 3:40
  47. آل عمران 3:41
  48. آل عمران 3:42
  49. آل عمران 3:43
  50. آل عمران 3:44
  51. آل عمران 3:45
  52. آل عمران 3:46
  53. آل عمران 3:47
  54. آل عمران 3:48
  55. آل عمران 3:49
  56. آل عمران 3:50
  57. آل عمران 3:51
  58. آل عمران 3:52
  59. آل عمران 3:53
  60. آل عمران 3:54
  61. آل عمران 3:55
  62. آل عمران 3:56
  63. آل عمران 3:57
  64. آل عمران 3:58
  65. آل عمران 3:59
  66. آل عمران 3:60
  67. آل عمران 3:61
  68. آل عمران 3:62
  69. آل عمران 3:63
  70. آل عمران 3:64
  71. آل عمران 3:65
  72. آل عمران 3:66
  73. آل عمران 3:67
  74. آل عمران 3:68
  75. آل عمران 3:69
  76. آل عمران 3:70
  77. آل عمران 3:71
  78. آل عمران 3:72
  79. آل عمران 3:73
  80. آل عمران 3:74
  81. آل عمران 3:75
  82. آل عمران 3:76
  83. آل عمران 3:77
  84. آل عمران 3:78
  85. آل عمران 3:79
  86. آل عمران 3:80
  87. آل عمران 3:81
  88. آل عمران 3:82
  89. آل عمران 3:83
  90. آل عمران 3:84
  91. آل عمران 3:85
  92. آل عمران 3:86
  93. آل عمران 3:87
  94. آل عمران 3:88
  95. آل عمران 3:89
  96. آل عمران 3:90
  97. آل عمران 3:91
  98. آل عمران 3:92
  99. آل عمران 3:93
  100. آل عمران 3:94
  101. آل عمران 3:95

البقرة 2:281

فلما أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي ومعاملاتهم، أخبر عن أهل الإيمان المجازي وامتحانهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، والإشارة فيها: أن من شروط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر الدين، بل تكون شاغلة له عن الترقي في مراتب الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278]؛ أي: الذي يدعون الإيمان { اتقوا الله } [البقرة: 278]؛ أي: اتقوا الله، وهذا كما جاء لنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: جعلناه قدامنا، { وذروا ما بقي من الربوا } [البقرة: 278]، إشارة إلى ترك ما سوى الله في طلبه، كما قال الله تعالى: ثم ذرهم [الأنعام: 91]، { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، بإيمان حقيقي، وتوقنون بأن الله خلقكم لنفسه، كما قال: واصطنعتك لنفسي [طه: 41]، وما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم، لقوله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا [البقرة: 29]. { فإن لم تفعلوا } [البقرة: 279]؛ أي: إن لم تزكوا كل زيادة تمنعكم من الله، ولم تتقوا عنها بالله { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279]، في طلب غير الله { وإن تبتم } [البقرة: 279]؛ أي: رجعتم إلى الله وتركتم غيره { فلكم رؤوس أمولكم } [البقرة: 279]، وهي الكرامة التي أكرمكم بها على العالمين قبل وجودكم، كما قال: ولقد كرمنا بني ءادم [الإسراء: 70]، وأعطاكم رأس مال ما أعطي لأحد من خلقه ولا الملائكة المقربين، وهو قوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فإذا تقربتم إليه بترك ما سواه، يتقرب إليكم برد رؤوس أموالكم الأصلية إليكم وهي المحبة، كقوله تعالى: " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " ، قوله تعالى: { لا تظلمون ولا تظلمون } [البقرة: 279]؛ يعني: خلقتكم لتحبوني وأحبكم، فإذا لا تظلمون بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات، ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها، فافهم جدا. { وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280]؛ يعني: وإن كان في وصول ما عدا الله لكم عاجلا عسرة { فنظرة إلى ميسرة } [البقرة: 280]؛ أي: معدة لكم إلى أوان الميسر يصل إليكم آجلا، كما قال تعالى: سيجعل الله بعد عسر يسرا [الطلاق: 7]، وقال تعالى: فإن مع العسر يسرا [الشرح: 5]، { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } البقرة: 280]؛ يعني: ما تتمنون من أنواع برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم الإنسانية، فإن تصدقوا بها ببذلها فهو خير لكم، لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا الربانية، إن كنتم تعلمون قدرها وتتقون بنا، كما قال تعالى: " من شغله ذكر عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين " ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3]. ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، ثم نقول: إن علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين: أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والأخلاق الحميدة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته. فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى: { واتقوا } [البقرة: 281]، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي [النحل: 90]، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، هاهنا ينتهي سير العوام؛ لأنها نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها. فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات، لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69]، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فهاهنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى [النجم: 14-15]، فينتفعون من مواهب، إذ يغشى السدرة ما يغشى [النجم: 16]، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17]، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين [النجم: 9]، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم [البقرة: 257]، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى. ثم بسير فأوحى إلى عبده [النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، يشير إلى هذه الحقائق معناه: { واتقوا } [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، { يوما } [البقرة: 281]؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى: ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال: أولئك هم خير البرية [البينة: 7]. وفي قوله تعالى: ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر [الإسراء: 70]، سر عظيم أنه قال تعالى: بني ءادم [الإسراء: 70]، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال بقوله تعالى: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [النور: 37]، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى. ثم في قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله تعالى: { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، شاملة لكلتا الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر والخذلان، فقال لأهل العناية: نرفع درجت من نشآء [الأنعام: 83]. وقال لأهل الخذلان: يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } [البقرة: 281]، فهو بشارة لأهل العناية؛ يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، وبإبقائه ببقاء هويته، { وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وهذا كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها سبعون زراعا، بالإهانة والإذلال، ثم توفى كل نفس ما كسبت [آل عمران: 161]، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار الكبرى، لا يموت فيها ولا يحيى [طه: 74]، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، وقربة حضرة المولى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى [النازعات: 25].

البقرة 2:282

ثم أخبر عن إباحة السلم بعد تحريم الربا بالفضل والكرم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل } [البقرة: 282]، والإشارة فيها: أن الله عز وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستظهار؛ لئلا يجري من بعضهم على بعض حيف؛ ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض، فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة، وأمر الكاتب أن يكتب علمه الله بالعدل ورعى في ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها، فيشير بهذه المعاني إلى ثلاثة أحوال: أولها: حال الله مع عباده، فيظهر آثار ألطافه معهم وغاية عنايته في حقهم أنه تبارك وتعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية، حتى لا يكونوا في خسران من أمر دنياهم، ولا يكون فيها بينهم عداوة وحقد وخصومة تودي إلى تنقيص عينهم في الدنيا، ووبال عقوبة في الآخرة، فيستدلوا بها أن تكاليف الشرع التي أمروا بها أيضا من كمال عاطفته ورحمته واستعملهم بها؛ ليفيض عليهم سجال نعمه ويسبغ عليهم ظلال كرمه، كقوله: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم [المائدة: 6]. وثانيها: حال العباد مع الله تعالى؛ ليعلموا هذه الدقائق للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم أن للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم، إن للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم، وبين الله تعالى أيضا دقائق أكثر منها وأدق، والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خير مثابون، وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون، وأنها بالرعاية أحرى وأولى، وأخروي من أمور الدنيا، وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليهم العدول، كذلك كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]، وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه، ثم رقم في الكتاب أن ياقوتة من الجنة وديعة وهي الحجر الأسود. ثم قال تعالى: ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به [التوبة: 111]، واليوم أنتم مطالبون بالثمن، فإن تسلموا إليه بالتمام فقد سلم إليكم المبيع، وإن حوسبتم غدا وبقي عليكم مثقال ذرة من الثمن، فتحبسون في سجن السجين حتى تخرجوا من عهدته، وإن الله تعالى أمركم أن { ولا تسأموا } [البقرة: 282]، أن تكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلونه في أعناقكم، فتبعثون يوم القيامة، وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا [الإسراء: 13]، ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال، إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 14]. فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49]، فما بال العالمين مع الله تعالى ينامون غافلين عن الله، وقد أسكرتهم مشارب الآمال حتى نسوا قرب الآجال، فرحم الله امرؤ تنبه عن نوم غفلته، ويعلم أن الكتاب بأمر الله يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون الآن إملائه وأنه بالقليل والكثير فيما علا يخاطب، وبالنقير والقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويعرف على نفسه ما هو حق الحق فيمليه على كاتبه بلسان صدق من غير ثوان وفتور ولا نقصان، وقصوركما أشير إليه في إملاء ما عليه { الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } [البقرة: 282]، فعليه أن على الحق بالحق كما على الحق للحق. { فإن كان الذي عليه الحق } [البقرة: 282]؛ أي: حق الحق { سفيها } [البقرة: 282]؛ أي: جاهلا بإملاء الحق للحق من اشتغاله بالباطل للباطل { أو ضعيفا } [البقرة: 282]؛ أي: عاجزا مغلوبا بغلبات سفاهة نفسه { أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه } [البقرة: 282]؛ أي: ممنوع بالموانع، معوق بالعوائق، ومغلوب بالعلائق، لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يجوز، وبشره { فليملل وليه بالعدل } [البقرة: 282]؛ أي: فليرجع إلى وليه وليشك إليه ما يسره ويحزنه مما لديه، ويستعين به على إملاء ما له وعليه، فإن لكل قوم وليا يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور. { بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [البقرة: 282]؛ أي: استصبحوا من أرباب القلوب، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: 37] من الذين هم بالنسبة رجالكم وأنتم نساؤهم، { فإن لم يكونا رجلين } [البقرة: 282] من أرباب القلوب { فرجل } [البقرة: 282] منهم، { وامرأتان } [البقرة: 282]؛ يعني: رجلين منكم وإن لم يكونا من الرجال البالغين، ليكون صلاحية الرجلين من أهل الصلاح، بمثابة قوة رجل من أهل الولاية في بدء الصحبة { ممن ترضون من الشهدآء } [البقرة: 282]؛ يعني: أن يكون من شهداء الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: " أنتم شهداء الله في أرضه " ، { أن تضل إحداهما } [البقرة: 282]، وطريق الحق عن جادة الاستقامة. { فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهدة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } [البقرة: 282]، فإن الذكرى تنفع المؤمنين [الذاريات: 55]، كما قيل الرفيق ثم الطريق، فإن بادية النفس مملوءة من أعراب الهوى والشياطين، ولا تسلك إلا في حضارة من ركب هواه، ويقر الشيطان من ظلالهم أعلام الإسلام، وسلاطين الدين، وأئمة الهدى، ومن في هذا الشأن بهم يقتدى؛ لأنهم جروا على ترك الدنيا وعبروا عن الدرجات العلا وما زاغ بصرهم بنعيم جنة المأوى وما طغى، فكوشفوا بحقائق آيات ربهم الكبرى وصاروا أئمة الهدى وقادة الطلاب إلى المولي، كما قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24]. أما الحال الثالث: فهو حال العباد فيما بينهم، فليعبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم؛ ليتخلق بأخلاق الحق في مخالفتهم؛ وليتوسل إلى الله بحسن مرافقتهم؛ وليحفظ حدود الله في موافقتهم ومخالفتهم؛ وليتمسك بعروة محبتهم في الله وخدمتهم الله وصحبتهم إلى الله، ويصحبهم بالله؛ ليجوزوا في رفقتهم صراطا مستقيما [النساء: 68] ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما، وفي جميع الأحوال كونوا مع الله، كما قال تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله } [البقرة: 282]؛ أي: اتقوا الله في الأحوال الثلاثة، كما يعلمكم بالعبادات والإشارات { والله بكل شيء } [البقرة: 282]، تعلمون في جميع الأحوال من الأقوال والأفعال، { عليم } [البقرة: 282]، يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملاتكم بقدر خلوصكم، وصفاء نياتكم، وصدق طواياتكم. ثم أخبر عن الوثيقة في القروض بالرهن المقبوض بقوله: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } [البقرة: 283]، والإشارة في الآيتين: أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون، والواقف: من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب عالم المعنى فهو: كالفرخ المحبوس في قشر البيضة، فيكون مشربه من عالم المعاملات البدنية، فلا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته، فهو محبوس في سجن الجسد وعليه الموكلان من الكرام الكاتبين، يكتبان عليه من أعمال الظاهرة بالسعير والقطمير، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 18]، والسائرين: من لا نعيم في محل ولا ينزل في منزل فهو يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، من مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح، وهم صنفان: صنف سيار، وصنف طيار، فالسائر: من يسير يقتدي الشرع والعقل على جادة الطريقة، والطيار: من يطير بجناحي العتيق والهمة في قضاء الحقيقة ورجليه خلخال الشريعة والطريقة. والإشارة في قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا } [البقرة: 283]، إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس ورحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتبا يكتب عليه قال بعضهم: ما كتب علي صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي اليمين، وقال لي: أملي علي شيئا من معاملات قلبك لأكتبه، فإني أريد أن أتقرب إلى الله، قال: فقلت له: حسبك الفرائض، فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يرد حق صاحب الحق، أو يكون هاربا منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه، فأما الذي آناء والليل وأطراف النهار ويغدو أو يروح في طلب غريمه، وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو كل على الهارب يكون للطالب وكيلا وحفيظا له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد: 11]، فافهم جدا. فيما يكتب على السائرين إلى الله كاتبهم ولهم رهان مقبوضة عند الله، رهان وأي رهان، فأرهان قلوب ليس فيها غير الله، وقبض وأي قبض، فمقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمان، فالإشارة في قوله تعالى: { ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } [البقرة: 283]، إلى اليسار الذي له قلب فرهنه، فأما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مسلوب العقل، مجذوب السير، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش يبطشه الشديد. مستهام ضاق مذهبه في هوى من عز مطلبه كل أمري في الهوى عجب وخلاصي منه أعجبه وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن الحمل أعباء أمانته؛ إلا العاشق المسكين، فإنها لم عرضت على الخليقة فنظر إليها الجلي من ليس بعاشق أشفق منها وحار فيها وأبى إن يحملها، والعاشق المسكين لما نظر إلى فراش تلك الشمعة تعشق بها وطار فيها، وأتى أن يحملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه زيدت له من الحضرة ألقاب، فإنه قد نسب في البداية إلى من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، فلقب في النهاية، إنه كان ظلوما جهولا [الأحزاب: 72]. هذا أمر عجيب ونقش غريب، أنه من لم يطمع في حمل الأمانة، وأبى فنسب إلى المكان والطاعة والأمانة، ويقال له: مكين مطاع، ثم أمين، ومن أطاع فينسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة نعم، إنما يكون ذلك بوجهين: أحدهما: أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق، كما أن العزة والعظمة وقعت في قسم المعشوق؛ بل جمال عزة المعشوق لا يظهر كماله إلا في مرآة ذلة العاشق. وثانيها: إن من كمال العزة الأمانة، يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر واستهتاره بتهمة الظلم والخيانة؛ لكتمان صلاح أمر الأمانة، ولا ينسب إلى غير المؤمن بحسن الثناء عليه بهمة الأمانة، فيأتمنون عزته في الظاهر ذلته في الحقيقة بذلك على حقيقة هذا السر خطاب: اسجدوا لأدم [البقرة: 34]، وعتاب: إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30]؛ يعني: لظاهر حالكم وحاله، ولحقيقة نشأتكم وشأنه سر مخفي، إني عالم به في الحقيقة غير ما تعلمون في الظاهر، فلما أمرتم بسجوده لو كنتم أصحاب الكياسة لعرفتموه بالفراسة، أنه المستحق لخلافتنا والمستعد لأمانتنا، ولاستحقاقه بالخلافة خاطبناكم أن اسجدوا لأدم [البقرة: 34]، ولاستعداده بالأمانة طالبناه، { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه } [البقرة: 283]؛ يعني: لما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على تحمل الأمانة، فليؤد الذي أؤتمن الأمانة إلى أهلها، كما صرح به وقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [النساء: 58]. ثم أشار إلى كيفية أداء الأمانة إلى أهلها بقوله تعالى: { ولا تكتموا الشهدة } [البقرة: 283]، التي أشهدتكم على أنفسكم عند قبول حقيقة الأمانة، وكتمان الشهادة أن يكون شهودك من غير شواهد ربك، وهذا من نتائج حياة قلبك في أمانة ربك؛ فلهذا قال تعالى: { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } [البقرة: 283]، فمهما يكون اتقاء قلبك في حفظ أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤذي شرك حقيقة أمانتك إلا إلى ربك، فافهم جدا، واجتهد لعلك تؤدي بعض حقوقها فتكون في زمرتهم، إن لم تكن من حملتهم { والله بما تعملون } [البقرة: 283]، في حفظ الأمانة وأداء حقوقها { عليم } [البقرة: 283].

البقرة 2:283

ثم أخبر عن إباحة السلم بعد تحريم الربا بالفضل والكرم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل } [البقرة: 282]، والإشارة فيها: أن الله عز وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستظهار؛ لئلا يجري من بعضهم على بعض حيف؛ ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض، فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة، وأمر الكاتب أن يكتب علمه الله بالعدل ورعى في ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها، فيشير بهذه المعاني إلى ثلاثة أحوال: أولها: حال الله مع عباده، فيظهر آثار ألطافه معهم وغاية عنايته في حقهم أنه تبارك وتعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية، حتى لا يكونوا في خسران من أمر دنياهم، ولا يكون فيها بينهم عداوة وحقد وخصومة تودي إلى تنقيص عينهم في الدنيا، ووبال عقوبة في الآخرة، فيستدلوا بها أن تكاليف الشرع التي أمروا بها أيضا من كمال عاطفته ورحمته واستعملهم بها؛ ليفيض عليهم سجال نعمه ويسبغ عليهم ظلال كرمه، كقوله: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم [المائدة: 6]. وثانيها: حال العباد مع الله تعالى؛ ليعلموا هذه الدقائق للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم أن للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم، إن للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم، وبين الله تعالى أيضا دقائق أكثر منها وأدق، والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خير مثابون، وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون، وأنها بالرعاية أحرى وأولى، وأخروي من أمور الدنيا، وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليهم العدول، كذلك كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق، إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111]، وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه، ثم رقم في الكتاب أن ياقوتة من الجنة وديعة وهي الحجر الأسود. ثم قال تعالى: ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به [التوبة: 111]، واليوم أنتم مطالبون بالثمن، فإن تسلموا إليه بالتمام فقد سلم إليكم المبيع، وإن حوسبتم غدا وبقي عليكم مثقال ذرة من الثمن، فتحبسون في سجن السجين حتى تخرجوا من عهدته، وإن الله تعالى أمركم أن { ولا تسأموا } [البقرة: 282]، أن تكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلونه في أعناقكم، فتبعثون يوم القيامة، وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا [الإسراء: 13]، ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال، إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 14]. فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49]، فما بال العالمين مع الله تعالى ينامون غافلين عن الله، وقد أسكرتهم مشارب الآمال حتى نسوا قرب الآجال، فرحم الله امرؤ تنبه عن نوم غفلته، ويعلم أن الكتاب بأمر الله يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون الآن إملائه وأنه بالقليل والكثير فيما علا يخاطب، وبالنقير والقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويعرف على نفسه ما هو حق الحق فيمليه على كاتبه بلسان صدق من غير ثوان وفتور ولا نقصان، وقصوركما أشير إليه في إملاء ما عليه { الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } [البقرة: 282]، فعليه أن على الحق بالحق كما على الحق للحق. { فإن كان الذي عليه الحق } [البقرة: 282]؛ أي: حق الحق { سفيها } [البقرة: 282]؛ أي: جاهلا بإملاء الحق للحق من اشتغاله بالباطل للباطل { أو ضعيفا } [البقرة: 282]؛ أي: عاجزا مغلوبا بغلبات سفاهة نفسه { أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه } [البقرة: 282]؛ أي: ممنوع بالموانع، معوق بالعوائق، ومغلوب بالعلائق، لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يجوز، وبشره { فليملل وليه بالعدل } [البقرة: 282]؛ أي: فليرجع إلى وليه وليشك إليه ما يسره ويحزنه مما لديه، ويستعين به على إملاء ما له وعليه، فإن لكل قوم وليا يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور. { بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [البقرة: 282]؛ أي: استصبحوا من أرباب القلوب، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق: 37] من الذين هم بالنسبة رجالكم وأنتم نساؤهم، { فإن لم يكونا رجلين } [البقرة: 282] من أرباب القلوب { فرجل } [البقرة: 282] منهم، { وامرأتان } [البقرة: 282]؛ يعني: رجلين منكم وإن لم يكونا من الرجال البالغين، ليكون صلاحية الرجلين من أهل الصلاح، بمثابة قوة رجل من أهل الولاية في بدء الصحبة { ممن ترضون من الشهدآء } [البقرة: 282]؛ يعني: أن يكون من شهداء الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: " أنتم شهداء الله في أرضه " ، { أن تضل إحداهما } [البقرة: 282]، وطريق الحق عن جادة الاستقامة. { فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهدة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } [البقرة: 282]، فإن الذكرى تنفع المؤمنين [الذاريات: 55]، كما قيل الرفيق ثم الطريق، فإن بادية النفس مملوءة من أعراب الهوى والشياطين، ولا تسلك إلا في حضارة من ركب هواه، ويقر الشيطان من ظلالهم أعلام الإسلام، وسلاطين الدين، وأئمة الهدى، ومن في هذا الشأن بهم يقتدى؛ لأنهم جروا على ترك الدنيا وعبروا عن الدرجات العلا وما زاغ بصرهم بنعيم جنة المأوى وما طغى، فكوشفوا بحقائق آيات ربهم الكبرى وصاروا أئمة الهدى وقادة الطلاب إلى المولي، كما قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [السجدة: 24]. أما الحال الثالث: فهو حال العباد فيما بينهم، فليعبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم؛ ليتخلق بأخلاق الحق في مخالفتهم؛ وليتوسل إلى الله بحسن مرافقتهم؛ وليحفظ حدود الله في موافقتهم ومخالفتهم؛ وليتمسك بعروة محبتهم في الله وخدمتهم الله وصحبتهم إلى الله، ويصحبهم بالله؛ ليجوزوا في رفقتهم صراطا مستقيما [النساء: 68] ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما، وفي جميع الأحوال كونوا مع الله، كما قال تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله } [البقرة: 282]؛ أي: اتقوا الله في الأحوال الثلاثة، كما يعلمكم بالعبادات والإشارات { والله بكل شيء } [البقرة: 282]، تعلمون في جميع الأحوال من الأقوال والأفعال، { عليم } [البقرة: 282]، يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملاتكم بقدر خلوصكم، وصفاء نياتكم، وصدق طواياتكم. ثم أخبر عن الوثيقة في القروض بالرهن المقبوض بقوله: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } [البقرة: 283]، والإشارة في الآيتين: أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون، والواقف: من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب عالم المعنى فهو: كالفرخ المحبوس في قشر البيضة، فيكون مشربه من عالم المعاملات البدنية، فلا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته، فهو محبوس في سجن الجسد وعليه الموكلان من الكرام الكاتبين، يكتبان عليه من أعمال الظاهرة بالسعير والقطمير، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 18]، والسائرين: من لا نعيم في محل ولا ينزل في منزل فهو يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، من مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح، وهم صنفان: صنف سيار، وصنف طيار، فالسائر: من يسير يقتدي الشرع والعقل على جادة الطريقة، والطيار: من يطير بجناحي العتيق والهمة في قضاء الحقيقة ورجليه خلخال الشريعة والطريقة. والإشارة في قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا } [البقرة: 283]، إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس ورحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتبا يكتب عليه قال بعضهم: ما كتب علي صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي اليمين، وقال لي: أملي علي شيئا من معاملات قلبك لأكتبه، فإني أريد أن أتقرب إلى الله، قال: فقلت له: حسبك الفرائض، فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يرد حق صاحب الحق، أو يكون هاربا منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه، فأما الذي آناء والليل وأطراف النهار ويغدو أو يروح في طلب غريمه، وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو كل على الهارب يكون للطالب وكيلا وحفيظا له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [الرعد: 11]، فافهم جدا. فيما يكتب على السائرين إلى الله كاتبهم ولهم رهان مقبوضة عند الله، رهان وأي رهان، فأرهان قلوب ليس فيها غير الله، وقبض وأي قبض، فمقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمان، فالإشارة في قوله تعالى: { ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } [البقرة: 283]، إلى اليسار الذي له قلب فرهنه، فأما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مسلوب العقل، مجذوب السير، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش يبطشه الشديد. مستهام ضاق مذهبه في هوى من عز مطلبه كل أمري في الهوى عجب وخلاصي منه أعجبه وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن الحمل أعباء أمانته؛ إلا العاشق المسكين، فإنها لم عرضت على الخليقة فنظر إليها الجلي من ليس بعاشق أشفق منها وحار فيها وأبى إن يحملها، والعاشق المسكين لما نظر إلى فراش تلك الشمعة تعشق بها وطار فيها، وأتى أن يحملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه زيدت له من الحضرة ألقاب، فإنه قد نسب في البداية إلى من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، فلقب في النهاية، إنه كان ظلوما جهولا [الأحزاب: 72]. هذا أمر عجيب ونقش غريب، أنه من لم يطمع في حمل الأمانة، وأبى فنسب إلى المكان والطاعة والأمانة، ويقال له: مكين مطاع، ثم أمين، ومن أطاع فينسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة نعم، إنما يكون ذلك بوجهين: أحدهما: أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق، كما أن العزة والعظمة وقعت في قسم المعشوق؛ بل جمال عزة المعشوق لا يظهر كماله إلا في مرآة ذلة العاشق. وثانيها: إن من كمال العزة الأمانة، يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر واستهتاره بتهمة الظلم والخيانة؛ لكتمان صلاح أمر الأمانة، ولا ينسب إلى غير المؤمن بحسن الثناء عليه بهمة الأمانة، فيأتمنون عزته في الظاهر ذلته في الحقيقة بذلك على حقيقة هذا السر خطاب: اسجدوا لأدم [البقرة: 34]، وعتاب: إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30]؛ يعني: لظاهر حالكم وحاله، ولحقيقة نشأتكم وشأنه سر مخفي، إني عالم به في الحقيقة غير ما تعلمون في الظاهر، فلما أمرتم بسجوده لو كنتم أصحاب الكياسة لعرفتموه بالفراسة، أنه المستحق لخلافتنا والمستعد لأمانتنا، ولاستحقاقه بالخلافة خاطبناكم أن اسجدوا لأدم [البقرة: 34]، ولاستعداده بالأمانة طالبناه، { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه } [البقرة: 283]؛ يعني: لما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على تحمل الأمانة، فليؤد الذي أؤتمن الأمانة إلى أهلها، كما صرح به وقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [النساء: 58]. ثم أشار إلى كيفية أداء الأمانة إلى أهلها بقوله تعالى: { ولا تكتموا الشهدة } [البقرة: 283]، التي أشهدتكم على أنفسكم عند قبول حقيقة الأمانة، وكتمان الشهادة أن يكون شهودك من غير شواهد ربك، وهذا من نتائج حياة قلبك في أمانة ربك؛ فلهذا قال تعالى: { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } [البقرة: 283]، فمهما يكون اتقاء قلبك في حفظ أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤذي شرك حقيقة أمانتك إلا إلى ربك، فافهم جدا، واجتهد لعلك تؤدي بعض حقوقها فتكون في زمرتهم، إن لم تكن من حملتهم { والله بما تعملون } [البقرة: 283]، في حفظ الأمانة وأداء حقوقها { عليم } [البقرة: 283].

البقرة 2:284

ثم أخبر عن محاسبة ما يبدوا من الضمائر وما تخفي في السرائر، بقوله تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 284]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يطالب العباد باستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة؛ لئلا يغفلوا عن حفظ الحركات الظاهرة وضبط خطرات الباطن، فبقوا في آفة ترك آداب العبودية فيهلكوا بسطوات قهر الإلوهية، ففي بداية الآية نية العباد على مالكية وملكية في السماوات والأرض بقوله تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 284]، ملكا وملكا، ثم خصهم على رعاية آداب العبودية على بساط الملوك، ووعدهم عليها وأوعدهم بقوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]. واعلم أن الإنسان مركب من عالم الأمر والخلق، فله روح نوراني علوي من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى، وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق، ولكل واحد منها نزاع وشوق وحيل إلى عالمه، فقصد الروح وميله راغبه، وشوقه أبدا إلى عالمه، وهو جوار رب العالمين وقربه، وميل النفس وقصدها إلى عالمها، وهي أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليزكي النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها، ويحليها بحلية أنوار الأرواح بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها، فهذا مقام الأولياء مع الله، يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، وبعث الشياطين إلى أوليائه وهم أعداء الله؛ ليخرج أرواحهم من النور الروحاني إلى الظلمات النفسانية، في إخفاء أنوار خالقها في إبداء أخلاق النفس عليها، استحق بها دركة أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق؛ فمعنى الآية في التحقيق: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } [البقرة: 284]، مودع من أنوار أخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة، أو تخفوه بتصرفات الطبيعة في موافقات الشريعة، ومخالفات الطريقة { يحاسبكم به الله } [البقرة: 284]، بطهارة النفس بقبول أنوار الروح أخلاقه، أو بتلوث الروح بقول ظلمات النفس وأخلاقها، { فيغفر لمن يشآء } [البقرة: 284]، فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق، { ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]، فيعاقب نفسه بنار دركات السعير ونوره بنار فرقة العلي الكبير، { والله على كل شيء } [البقرة: 284]، من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر { قدير } [البقرة: 284]. ثم أخبر عن كمال لطفه بالعباد لهم على السبيل الرشاد بقوله تعالى: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، والإشارة في الآيتين: أن الله تعالى إنما قال: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، وما قال آمن بالله، وقال: { والمؤمنون كل آمن بالله } [البقرة: 285]، أو أن يظهر الفرق بين الرسول والمؤمنين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل المعراج كان يؤمن بالله، { بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا } [البقرة: 285]؛ أي: بعد ما آمنوا بما أنزل قالوا: سمعنا وأطعنا ما أمرتنا، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال إيمان المؤمنين في تلك الحالة؛ لأن ما بدأ به من الكلام في ذلك المقام إن أكرم بالسلام، ولهذا كان يقول: السلام قبل الكلام، فلما سمع السلام عليك إيها النبي رحمة الله وبركاته، فأجاب بقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ففي المرتبة الثانية لما أوحى إليه: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، فبدأ بذكر المؤمنين وعرض أحوالهم بالإيمان والسمع والطاعة ليت، استحقاقهم السلام والرحمة فرحمهم الله عليهم، وقال: وما يطلبون مني بجزاء الإيمان والسمع والطاعة حتى أجار بهم به قال النبي صلى الله عليه وسلم: { غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]؛ يعني: ما يطلبون منك شيئا دونك إلا مغفرتك؛ لتسترهم عنهم بسريان صفة { غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]، ويكون مصيرهم ومرجعهم إليك لا إلى الدارين؛ يعني: كما كان مصيري إليك يكون مصيرهم في متابعتي إليك، فقال الله في جوابه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]؛ يعني: ليس لهم استعداد منازل هذا المقام معك، فكيف أكلفهم بشيء لا وسع لهم به؟ فإنك في مقام معي لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف بهم؟ ألم تر أن جبريل عليه السلام حين أردت أن أترحم عليه؛ ليوافي موافقتك وتبعية مرافقتك بساط قرب خطوة فقلت له: تقدم، فقال: ونوة أنملة لاحترقت، وإن الأنبياء والمرسلين اصطفيناهم على العالمين، كل طائفة منهم واقفين إنما سبقتهم رحمتي، ثمة كي لا تحرقهم سبحات وجهي ويمحقهم سطوات قهري، فكيف أكلف في أسماء أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعيف حالهم بصير، ولكن الذي ملك هذا المقام حتى جاوزت الأنبياء والرسل الكرام ووطأت موطأ ما وطأ أحد قبلك؛ إني خلقتك وخلقت الكون لمجيئك؛ لولاك لما خلقت الكون وإنك مخصوص بهذا المقام المحمود، وإن أمتك أكرم الأمم علي لمحبتك، وأحبهم إلي ولهم سبب شفاعتك اختصاص بكرامة محبتي إياهم في ظل متابعتك، فقل لهم: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31]، فإن على قدره ما اكتسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق نيل محبتي، فبقدر جريان عدم محبتي لهم يكون مصيرهم إلى حضرة جلاله. { لها ما كسبت } [البقرة: 286]، من شواهد جمالنا، وعلى قدر ما كسبت بالثواني في ظل متابعتك والتقصير في مشايعتك، ونقض عهد مبايعتك تستحق المصير إلى السعير، { وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجواب فتارة أكسرته لذة هذا الخطاب وأخرى أخذته سطوات هذا العتاب، قال: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } [البقرة: 286]؛ يعني: لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك التي عاهدتم في الميثاق على أن يعبدوك ولا يعبدوا غيرك، ويطلبوك ولا يطلبوا غيرك، ويحبوك ولا يحبوا غيرك، وأخطأت طريق طلبك وطلبوا غيرك، وطريق محبتك فأحبوا غيرك، ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فما عبدوا غيرك ولا أشركوا بعبادتك، وأنت قلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء [النساء: 48]، { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } [البقرة: 286]، بأن تكلنا إلى أنفسنا قبضتي أسير النفس الأمارة بالسوء، أو محبوسي الأشخاص من مقتدى الخواص، فتعبد عجل الهوى والنار الشهوات، كما عبد الذين من قبلنا، { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } [البقرة: 286]، وبالصبر عن شهود جمالك وأرجاء أستار جلالك على أبواب وصالك، { واعف عنا } [البقرة: 286]، شواهد هويتك { واغفر لنا } [البقرة: 286]، برفع البينونة من بيننا { وارحمنآ } [البقرة: 286]، بجذبات { أنت مولنا } [البقرة: 286]، بجذبات { فانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 286]، أخرجنا عنا إليك، وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الإثنينية، التي تمنعنا من وحدتك بيني وبينك إني يزاحمني، فارفع بجودك إني من البين.

البقرة 2:285

ثم أخبر عن محاسبة ما يبدوا من الضمائر وما تخفي في السرائر، بقوله تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 284]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يطالب العباد باستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة؛ لئلا يغفلوا عن حفظ الحركات الظاهرة وضبط خطرات الباطن، فبقوا في آفة ترك آداب العبودية فيهلكوا بسطوات قهر الإلوهية، ففي بداية الآية نية العباد على مالكية وملكية في السماوات والأرض بقوله تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 284]، ملكا وملكا، ثم خصهم على رعاية آداب العبودية على بساط الملوك، ووعدهم عليها وأوعدهم بقوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]. واعلم أن الإنسان مركب من عالم الأمر والخلق، فله روح نوراني علوي من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى، وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق، ولكل واحد منها نزاع وشوق وحيل إلى عالمه، فقصد الروح وميله راغبه، وشوقه أبدا إلى عالمه، وهو جوار رب العالمين وقربه، وميل النفس وقصدها إلى عالمها، وهي أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليزكي النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها، ويحليها بحلية أنوار الأرواح بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها، فهذا مقام الأولياء مع الله، يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، وبعث الشياطين إلى أوليائه وهم أعداء الله؛ ليخرج أرواحهم من النور الروحاني إلى الظلمات النفسانية، في إخفاء أنوار خالقها في إبداء أخلاق النفس عليها، استحق بها دركة أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق؛ فمعنى الآية في التحقيق: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } [البقرة: 284]، مودع من أنوار أخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة، أو تخفوه بتصرفات الطبيعة في موافقات الشريعة، ومخالفات الطريقة { يحاسبكم به الله } [البقرة: 284]، بطهارة النفس بقبول أنوار الروح أخلاقه، أو بتلوث الروح بقول ظلمات النفس وأخلاقها، { فيغفر لمن يشآء } [البقرة: 284]، فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق، { ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]، فيعاقب نفسه بنار دركات السعير ونوره بنار فرقة العلي الكبير، { والله على كل شيء } [البقرة: 284]، من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر { قدير } [البقرة: 284]. ثم أخبر عن كمال لطفه بالعباد لهم على السبيل الرشاد بقوله تعالى: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، والإشارة في الآيتين: أن الله تعالى إنما قال: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، وما قال آمن بالله، وقال: { والمؤمنون كل آمن بالله } [البقرة: 285]، أو أن يظهر الفرق بين الرسول والمؤمنين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل المعراج كان يؤمن بالله، { بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا } [البقرة: 285]؛ أي: بعد ما آمنوا بما أنزل قالوا: سمعنا وأطعنا ما أمرتنا، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال إيمان المؤمنين في تلك الحالة؛ لأن ما بدأ به من الكلام في ذلك المقام إن أكرم بالسلام، ولهذا كان يقول: السلام قبل الكلام، فلما سمع السلام عليك إيها النبي رحمة الله وبركاته، فأجاب بقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ففي المرتبة الثانية لما أوحى إليه: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، فبدأ بذكر المؤمنين وعرض أحوالهم بالإيمان والسمع والطاعة ليت، استحقاقهم السلام والرحمة فرحمهم الله عليهم، وقال: وما يطلبون مني بجزاء الإيمان والسمع والطاعة حتى أجار بهم به قال النبي صلى الله عليه وسلم: { غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]؛ يعني: ما يطلبون منك شيئا دونك إلا مغفرتك؛ لتسترهم عنهم بسريان صفة { غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]، ويكون مصيرهم ومرجعهم إليك لا إلى الدارين؛ يعني: كما كان مصيري إليك يكون مصيرهم في متابعتي إليك، فقال الله في جوابه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]؛ يعني: ليس لهم استعداد منازل هذا المقام معك، فكيف أكلفهم بشيء لا وسع لهم به؟ فإنك في مقام معي لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف بهم؟ ألم تر أن جبريل عليه السلام حين أردت أن أترحم عليه؛ ليوافي موافقتك وتبعية مرافقتك بساط قرب خطوة فقلت له: تقدم، فقال: ونوة أنملة لاحترقت، وإن الأنبياء والمرسلين اصطفيناهم على العالمين، كل طائفة منهم واقفين إنما سبقتهم رحمتي، ثمة كي لا تحرقهم سبحات وجهي ويمحقهم سطوات قهري، فكيف أكلف في أسماء أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعيف حالهم بصير، ولكن الذي ملك هذا المقام حتى جاوزت الأنبياء والرسل الكرام ووطأت موطأ ما وطأ أحد قبلك؛ إني خلقتك وخلقت الكون لمجيئك؛ لولاك لما خلقت الكون وإنك مخصوص بهذا المقام المحمود، وإن أمتك أكرم الأمم علي لمحبتك، وأحبهم إلي ولهم سبب شفاعتك اختصاص بكرامة محبتي إياهم في ظل متابعتك، فقل لهم: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31]، فإن على قدره ما اكتسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق نيل محبتي، فبقدر جريان عدم محبتي لهم يكون مصيرهم إلى حضرة جلاله. { لها ما كسبت } [البقرة: 286]، من شواهد جمالنا، وعلى قدر ما كسبت بالثواني في ظل متابعتك والتقصير في مشايعتك، ونقض عهد مبايعتك تستحق المصير إلى السعير، { وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجواب فتارة أكسرته لذة هذا الخطاب وأخرى أخذته سطوات هذا العتاب، قال: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } [البقرة: 286]؛ يعني: لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك التي عاهدتم في الميثاق على أن يعبدوك ولا يعبدوا غيرك، ويطلبوك ولا يطلبوا غيرك، ويحبوك ولا يحبوا غيرك، وأخطأت طريق طلبك وطلبوا غيرك، وطريق محبتك فأحبوا غيرك، ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فما عبدوا غيرك ولا أشركوا بعبادتك، وأنت قلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء [النساء: 48]، { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } [البقرة: 286]، بأن تكلنا إلى أنفسنا قبضتي أسير النفس الأمارة بالسوء، أو محبوسي الأشخاص من مقتدى الخواص، فتعبد عجل الهوى والنار الشهوات، كما عبد الذين من قبلنا، { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } [البقرة: 286]، وبالصبر عن شهود جمالك وأرجاء أستار جلالك على أبواب وصالك، { واعف عنا } [البقرة: 286]، شواهد هويتك { واغفر لنا } [البقرة: 286]، برفع البينونة من بيننا { وارحمنآ } [البقرة: 286]، بجذبات { أنت مولنا } [البقرة: 286]، بجذبات { فانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 286]، أخرجنا عنا إليك، وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الإثنينية، التي تمنعنا من وحدتك بيني وبينك إني يزاحمني، فارفع بجودك إني من البين.

البقرة 2:286

ثم أخبر عن محاسبة ما يبدوا من الضمائر وما تخفي في السرائر، بقوله تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 284]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يطالب العباد باستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة؛ لئلا يغفلوا عن حفظ الحركات الظاهرة وضبط خطرات الباطن، فبقوا في آفة ترك آداب العبودية فيهلكوا بسطوات قهر الإلوهية، ففي بداية الآية نية العباد على مالكية وملكية في السماوات والأرض بقوله تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 284]، ملكا وملكا، ثم خصهم على رعاية آداب العبودية على بساط الملوك، ووعدهم عليها وأوعدهم بقوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]. واعلم أن الإنسان مركب من عالم الأمر والخلق، فله روح نوراني علوي من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى، وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق، ولكل واحد منها نزاع وشوق وحيل إلى عالمه، فقصد الروح وميله راغبه، وشوقه أبدا إلى عالمه، وهو جوار رب العالمين وقربه، وميل النفس وقصدها إلى عالمها، وهي أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليزكي النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها، ويحليها بحلية أنوار الأرواح بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها، فهذا مقام الأولياء مع الله، يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، وبعث الشياطين إلى أوليائه وهم أعداء الله؛ ليخرج أرواحهم من النور الروحاني إلى الظلمات النفسانية، في إخفاء أنوار خالقها في إبداء أخلاق النفس عليها، استحق بها دركة أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق؛ فمعنى الآية في التحقيق: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } [البقرة: 284]، مودع من أنوار أخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة، أو تخفوه بتصرفات الطبيعة في موافقات الشريعة، ومخالفات الطريقة { يحاسبكم به الله } [البقرة: 284]، بطهارة النفس بقبول أنوار الروح أخلاقه، أو بتلوث الروح بقول ظلمات النفس وأخلاقها، { فيغفر لمن يشآء } [البقرة: 284]، فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق، { ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]، فيعاقب نفسه بنار دركات السعير ونوره بنار فرقة العلي الكبير، { والله على كل شيء } [البقرة: 284]، من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر { قدير } [البقرة: 284]. ثم أخبر عن كمال لطفه بالعباد لهم على السبيل الرشاد بقوله تعالى: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، والإشارة في الآيتين: أن الله تعالى إنما قال: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، وما قال آمن بالله، وقال: { والمؤمنون كل آمن بالله } [البقرة: 285]، أو أن يظهر الفرق بين الرسول والمؤمنين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل المعراج كان يؤمن بالله، { بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا } [البقرة: 285]؛ أي: بعد ما آمنوا بما أنزل قالوا: سمعنا وأطعنا ما أمرتنا، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال إيمان المؤمنين في تلك الحالة؛ لأن ما بدأ به من الكلام في ذلك المقام إن أكرم بالسلام، ولهذا كان يقول: السلام قبل الكلام، فلما سمع السلام عليك إيها النبي رحمة الله وبركاته، فأجاب بقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ففي المرتبة الثانية لما أوحى إليه: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، فبدأ بذكر المؤمنين وعرض أحوالهم بالإيمان والسمع والطاعة ليت، استحقاقهم السلام والرحمة فرحمهم الله عليهم، وقال: وما يطلبون مني بجزاء الإيمان والسمع والطاعة حتى أجار بهم به قال النبي صلى الله عليه وسلم: { غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]؛ يعني: ما يطلبون منك شيئا دونك إلا مغفرتك؛ لتسترهم عنهم بسريان صفة { غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]، ويكون مصيرهم ومرجعهم إليك لا إلى الدارين؛ يعني: كما كان مصيري إليك يكون مصيرهم في متابعتي إليك، فقال الله في جوابه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]؛ يعني: ليس لهم استعداد منازل هذا المقام معك، فكيف أكلفهم بشيء لا وسع لهم به؟ فإنك في مقام معي لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف بهم؟ ألم تر أن جبريل عليه السلام حين أردت أن أترحم عليه؛ ليوافي موافقتك وتبعية مرافقتك بساط قرب خطوة فقلت له: تقدم، فقال: ونوة أنملة لاحترقت، وإن الأنبياء والمرسلين اصطفيناهم على العالمين، كل طائفة منهم واقفين إنما سبقتهم رحمتي، ثمة كي لا تحرقهم سبحات وجهي ويمحقهم سطوات قهري، فكيف أكلف في أسماء أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعيف حالهم بصير، ولكن الذي ملك هذا المقام حتى جاوزت الأنبياء والرسل الكرام ووطأت موطأ ما وطأ أحد قبلك؛ إني خلقتك وخلقت الكون لمجيئك؛ لولاك لما خلقت الكون وإنك مخصوص بهذا المقام المحمود، وإن أمتك أكرم الأمم علي لمحبتك، وأحبهم إلي ولهم سبب شفاعتك اختصاص بكرامة محبتي إياهم في ظل متابعتك، فقل لهم: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31]، فإن على قدره ما اكتسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق نيل محبتي، فبقدر جريان عدم محبتي لهم يكون مصيرهم إلى حضرة جلاله. { لها ما كسبت } [البقرة: 286]، من شواهد جمالنا، وعلى قدر ما كسبت بالثواني في ظل متابعتك والتقصير في مشايعتك، ونقض عهد مبايعتك تستحق المصير إلى السعير، { وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجواب فتارة أكسرته لذة هذا الخطاب وأخرى أخذته سطوات هذا العتاب، قال: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } [البقرة: 286]؛ يعني: لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك التي عاهدتم في الميثاق على أن يعبدوك ولا يعبدوا غيرك، ويطلبوك ولا يطلبوا غيرك، ويحبوك ولا يحبوا غيرك، وأخطأت طريق طلبك وطلبوا غيرك، وطريق محبتك فأحبوا غيرك، ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فما عبدوا غيرك ولا أشركوا بعبادتك، وأنت قلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء [النساء: 48]، { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } [البقرة: 286]، بأن تكلنا إلى أنفسنا قبضتي أسير النفس الأمارة بالسوء، أو محبوسي الأشخاص من مقتدى الخواص، فتعبد عجل الهوى والنار الشهوات، كما عبد الذين من قبلنا، { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } [البقرة: 286]، وبالصبر عن شهود جمالك وأرجاء أستار جلالك على أبواب وصالك، { واعف عنا } [البقرة: 286]، شواهد هويتك { واغفر لنا } [البقرة: 286]، برفع البينونة من بيننا { وارحمنآ } [البقرة: 286]، بجذبات { أنت مولنا } [البقرة: 286]، بجذبات { فانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 286]، أخرجنا عنا إليك، وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الإثنينية، التي تمنعنا من وحدتك بيني وبينك إني يزاحمني، فارفع بجودك إني من البين.

آل عمران 3:1

{ الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: علمه البيان [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]، وصار مصدقا لما بين يديه [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي بين يدي الله [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست " ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: قد جآءكم من الله نور [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب مبين [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده [غافر: 15]. وقال تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.

آل عمران 3:2

{ الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: علمه البيان [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]، وصار مصدقا لما بين يديه [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي بين يدي الله [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست " ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: قد جآءكم من الله نور [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب مبين [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده [غافر: 15]. وقال تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.

آل عمران 3:3

{ الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: علمه البيان [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]، وصار مصدقا لما بين يديه [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي بين يدي الله [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست " ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: قد جآءكم من الله نور [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب مبين [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده [غافر: 15]. وقال تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.

آل عمران 3:4

{ الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: علمه البيان [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]، وصار مصدقا لما بين يديه [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي بين يدي الله [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست " ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: قد جآءكم من الله نور [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب مبين [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده [غافر: 15]. وقال تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.

آل عمران 3:5

{ الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: علمه البيان [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]، وصار مصدقا لما بين يديه [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي بين يدي الله [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست " ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: قد جآءكم من الله نور [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب مبين [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده [غافر: 15]. وقال تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.

آل عمران 3:6

{ الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: علمه البيان [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب. ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]. ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19]، وصار مصدقا لما بين يديه [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي بين يدي الله [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين. ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا [الشورى: 52]، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست " ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: قد جآءكم من الله نور [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب مبين [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22]. فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة. ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده [غافر: 15]. وقال تعالى: كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.

آل عمران 3:7

ثم أخبر عن آيات بينات أنها محكمات ومتشابهات بقوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } [آل عمران: 7]، إشارة في تحقيق الآية: إن الله تعالى أنزل الكتاب على قسمين: قسم منه: { آيات محكمات هن أم الكتاب } [آل عمران: 7]؛ أي ظاهر واضح، تنزيله فيه مشرب الخواص والعوام؛ لبسط الشرع والاهتداء، وقسم: { متشابهات } [آل عمران: 7]، غامض مشكل تأويله فيه مشرب الخواص وخواص الخواص؛ لاختفاء الأسرار عن الأغيار للابتلاء، { فأما الذين في قلوبهم زيغ } [آل عمران: 7]، ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب؛ وهم أهل الهواء والبدع، { فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } [آل عمران: 7]؛ ليضلوا بأهوائهم، { وابتغاء تأويله } [آل عمران: 7]؛ ليضلوا الناس بآرائهم، والفتنة أكبر من القتل [البقرة: 217]، وأما الذين أيدوا بأنوار الفضل وجردوا عن أطمار الجهل هم: { والراسخون في العلم } [آل عمران: 7]، فيلقون السمع بحضور نفسه فيما يسنح لفهومهم من لوائح التعريفات بلوامع أنوار الحق، { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به } [آل عمران: 7]، في تحقيق التأويل { كل من عند ربنا } [آل عمران: 7]، التعريف للتحقيق، والتفهيم للتأويل، { وما يذكر إلا أولوا الألباب } [آل عمران: 7]، ففي التذكير إشارة إلى: إن العلوم التي تحصل للراسخين في العلم من تأويل القرآن وغيره؛ إنما هي من تعليم الله لهم في عهده الميثاق، إذا تجلى بصفة الربوبية للذات. وأشهدهم على أنفسهم [الأعراف: 172] بشواهد الربوبية ألست بربكم [الأعراف: 172]، فشهدوا، وتلك الشهادة ركزت في جبلة الذرات علم التوحيد فيه، قالوا بلى [الأعراف: 172]، فتعلمت النفوس على التوحيد ونطقت به في ذلك العهد، والعلوم كلها مدرجة في علم التوحيد، كما قال تعالى: وعلم ءادم الأسمآء كلها [البقرة: 31]، فلما ردت الذرات إلى الأصلاب وأصبحت بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرواح وحبست فيها تسعة أشهر، ففي كل أربعين تمر عليها تنقل من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن حضرة الحق، إلى أن كملت عليها سبعة أطوار كمل الطفل، ووضع الحمل فرده النفس العاملة بعلم التوحيد الناطقة بها مع الذرة إلى أسفل سافلين القالب، محجبة بحجب البشرية وأطوار السبعة ناسية تلك العلوم التي تنطق بها، ثم أبواه يذكر أنه تلك العلوم بالرموز والإشارات وينطقانه بها بالتدريج، حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية أستار أطوار، وينطق بها باللسان الأبوين، ولا بلسان الذي أجاب الرب وقال: بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك، فكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المسمع المجيب في الميثاق، فسمعه قشر ذلك السمع الذي خاطب الحق وبصره، قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق وقلبه، قشر ذلك القلب الذي قصه خطاب الحق وعقله، قشر ذلك العقل الذي عقل بها معنى خطاب الحق ونفسه، قشر تلك النفس التي أدرك خطاب الحق وتمكنت لجوابه وعلومه، قشرتك العلوم التي تعلمت من الحق، فكما أن أبويه كانا يذكران الطفل من تلك العلوم وينطقان بها من وراء الحجب والقشور، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتذكرة حقيقة تلك العلوم، كما قال تعالى: فذكر إنمآ أنت مذكر [الغاشية:21]، وقال تعالى: وذكرهم بأيام الله [إبراهيم: 5]، فالتذكير عام، ولكن التذكير خاص، { وما يذكر إلا أولوا الألباب } [آل عمران: 7]، وقال تعالى: إنما يتذكر أولوا الألباب [الرعد: 19]، وهم الذين أخرجوا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في قشور العلوم الواصلون إلى حقائق لباب العلوم الدينية، التي تعلم من لدن خبير بلا واسطة، كما قال تعالى: الرحمن * علم القرآن [الرحمن: 1-2]، فافهم جيدا، وما أراك أن تفهم وأنت محبوس في قشر الوجود المجازي، والله اعلم.

آل عمران 3:8

ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية { ربنا لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظا للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، { ربنا } [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، { لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، { بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لدنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلابا، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار دارا وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر { ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]. ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [آل عمران: 10]، إشارة في تحقيق الآيتين: { إن الذين كفروا } [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة [آل عمران: 14]، والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257]، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15]، { وأولئك هم وقود النار } [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية { وقود النار } [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد { كدأب آل فرعون } [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، { والذين من قبلهم } [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبروا بهم وقال تعالى: { كذبوا بآياتنا } [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم عموا وصموا [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم { والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر { جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.

آل عمران 3:9

ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية { ربنا لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظا للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، { ربنا } [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، { لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، { بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لدنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلابا، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار دارا وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر { ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]. ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [آل عمران: 10]، إشارة في تحقيق الآيتين: { إن الذين كفروا } [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة [آل عمران: 14]، والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257]، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15]، { وأولئك هم وقود النار } [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية { وقود النار } [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد { كدأب آل فرعون } [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، { والذين من قبلهم } [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبروا بهم وقال تعالى: { كذبوا بآياتنا } [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم عموا وصموا [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم { والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر { جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.

آل عمران 3:10

ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية { ربنا لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظا للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، { ربنا } [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، { لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، { بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لدنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلابا، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار دارا وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر { ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]. ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [آل عمران: 10]، إشارة في تحقيق الآيتين: { إن الذين كفروا } [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة [آل عمران: 14]، والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257]، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15]، { وأولئك هم وقود النار } [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية { وقود النار } [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد { كدأب آل فرعون } [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، { والذين من قبلهم } [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبروا بهم وقال تعالى: { كذبوا بآياتنا } [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم عموا وصموا [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم { والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر { جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.

آل عمران 3:11

ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية { ربنا لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظا للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، { ربنا } [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، { لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، { بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لدنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلابا، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار دارا وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر { ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]. ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [آل عمران: 10]، إشارة في تحقيق الآيتين: { إن الذين كفروا } [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة [آل عمران: 14]، والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257]، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15]، { وأولئك هم وقود النار } [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية { وقود النار } [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد { كدأب آل فرعون } [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، { والذين من قبلهم } [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبروا بهم وقال تعالى: { كذبوا بآياتنا } [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم عموا وصموا [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم { والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر { جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.

آل عمران 3:12

ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية { ربنا لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظا للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، { ربنا } [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، { لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، { بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لدنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلابا، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار دارا وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر { ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، { إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]. ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [آل عمران: 10]، إشارة في تحقيق الآيتين: { إن الذين كفروا } [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة [آل عمران: 14]، والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: 257]، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15]، { وأولئك هم وقود النار } [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية { وقود النار } [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد { كدأب آل فرعون } [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، { والذين من قبلهم } [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام. ثم أخبروا بهم وقال تعالى: { كذبوا بآياتنا } [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم عموا وصموا [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم { والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر { جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.

آل عمران 3:13

ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: { ثم قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله } [آل عمران: 13]، إشارة في الآية: إن الله تعالى { فئتين } [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، { وأخرى كافرة } [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيرا، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، فيولون وينهزمون، { والله يؤيد بنصره من يشآء } [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و { آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب فيه النفس، سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلا، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، كأنهم بنيان مرصوص [الصف: 4]، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلا من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه ولو شآء الله ما اقتتلوا [البقرة: 253] وفق المشيئة ولكن الله يفعل ما يريد [البقرة: 253]، { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة { لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]. ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء } [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: يأيها الناس [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: { زين للناس } [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن يأيها الذين آمنوا [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنون كل آمن بالله [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: { للناس حب الشهوات... } [آل عمران: 14]، الآية. ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حفت النار بالشهوات " ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: { من النساء } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، { والبنين } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، { والقناطير المقنطرة من الذهب } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، { والفضة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، { والخيل المسومة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، { والأنعام } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، { والحرث } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، { ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]. ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية والولاية بقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]، { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه { للذين اتقوا } [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص { عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله } [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلا، ثم يصلونها عاجلا، كما قال تعالى: وإن الفجار لفي جحيم [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلا، وما هم عنها بغآئبين [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلا، ثم يدخلونها أجلا، كما قال تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: { والصادقين } [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: { والقانتين } [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: { والمنفقين } [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: ورضوان من الله [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص { تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات { وأزواج } [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، { مطهرة } [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب [الشورى: 13]، قال تعالى: فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا [النبأ: 39]، { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، ما هم من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران: 167] بل إنما هم من الذين قالوا ربنا [فصلت: 30] بأفواههم، ثم استقاموا [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، { الصابرين } [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، { والصادقين } [آل عمران: 17]، بصدق اللسان والأركان والجنان، { والقانتين } [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، { والمنفقين } [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا { وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، { والصادقين } [آل عمران: 17]، فيك { والقانتين } [آل عمران: 17]، لك بك { والمنفقين } [آل عمران: 17]، منا عليك، { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عنا عنك.

آل عمران 3:14

ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: { ثم قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله } [آل عمران: 13]، إشارة في الآية: إن الله تعالى { فئتين } [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، { وأخرى كافرة } [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيرا، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، فيولون وينهزمون، { والله يؤيد بنصره من يشآء } [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و { آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب فيه النفس، سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلا، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، كأنهم بنيان مرصوص [الصف: 4]، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلا من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه ولو شآء الله ما اقتتلوا [البقرة: 253] وفق المشيئة ولكن الله يفعل ما يريد [البقرة: 253]، { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة { لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]. ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء } [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: يأيها الناس [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: { زين للناس } [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن يأيها الذين آمنوا [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنون كل آمن بالله [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: { للناس حب الشهوات... } [آل عمران: 14]، الآية. ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حفت النار بالشهوات " ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: { من النساء } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، { والبنين } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، { والقناطير المقنطرة من الذهب } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، { والفضة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، { والخيل المسومة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، { والأنعام } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، { والحرث } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، { ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]. ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية والولاية بقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]، { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه { للذين اتقوا } [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص { عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله } [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلا، ثم يصلونها عاجلا، كما قال تعالى: وإن الفجار لفي جحيم [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلا، وما هم عنها بغآئبين [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلا، ثم يدخلونها أجلا، كما قال تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: { والصادقين } [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: { والقانتين } [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: { والمنفقين } [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: ورضوان من الله [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص { تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات { وأزواج } [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، { مطهرة } [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب [الشورى: 13]، قال تعالى: فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا [النبأ: 39]، { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، ما هم من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران: 167] بل إنما هم من الذين قالوا ربنا [فصلت: 30] بأفواههم، ثم استقاموا [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، { الصابرين } [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، { والصادقين } [آل عمران: 17]، بصدق اللسان والأركان والجنان، { والقانتين } [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، { والمنفقين } [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا { وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، { والصادقين } [آل عمران: 17]، فيك { والقانتين } [آل عمران: 17]، لك بك { والمنفقين } [آل عمران: 17]، منا عليك، { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عنا عنك.

آل عمران 3:15

ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: { ثم قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله } [آل عمران: 13]، إشارة في الآية: إن الله تعالى { فئتين } [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، { وأخرى كافرة } [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيرا، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، فيولون وينهزمون، { والله يؤيد بنصره من يشآء } [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و { آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب فيه النفس، سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلا، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، كأنهم بنيان مرصوص [الصف: 4]، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلا من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه ولو شآء الله ما اقتتلوا [البقرة: 253] وفق المشيئة ولكن الله يفعل ما يريد [البقرة: 253]، { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة { لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]. ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء } [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: يأيها الناس [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: { زين للناس } [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن يأيها الذين آمنوا [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنون كل آمن بالله [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: { للناس حب الشهوات... } [آل عمران: 14]، الآية. ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حفت النار بالشهوات " ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: { من النساء } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، { والبنين } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، { والقناطير المقنطرة من الذهب } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، { والفضة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، { والخيل المسومة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، { والأنعام } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، { والحرث } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، { ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]. ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية والولاية بقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]، { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه { للذين اتقوا } [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص { عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله } [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلا، ثم يصلونها عاجلا، كما قال تعالى: وإن الفجار لفي جحيم [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلا، وما هم عنها بغآئبين [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلا، ثم يدخلونها أجلا، كما قال تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: { والصادقين } [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: { والقانتين } [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: { والمنفقين } [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: ورضوان من الله [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص { تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات { وأزواج } [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، { مطهرة } [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب [الشورى: 13]، قال تعالى: فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا [النبأ: 39]، { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، ما هم من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران: 167] بل إنما هم من الذين قالوا ربنا [فصلت: 30] بأفواههم، ثم استقاموا [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، { الصابرين } [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، { والصادقين } [آل عمران: 17]، بصدق اللسان والأركان والجنان، { والقانتين } [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، { والمنفقين } [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا { وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، { والصادقين } [آل عمران: 17]، فيك { والقانتين } [آل عمران: 17]، لك بك { والمنفقين } [آل عمران: 17]، منا عليك، { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عنا عنك.

آل عمران 3:16

ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: { ثم قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله } [آل عمران: 13]، إشارة في الآية: إن الله تعالى { فئتين } [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، { وأخرى كافرة } [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيرا، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، فيولون وينهزمون، { والله يؤيد بنصره من يشآء } [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و { آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب فيه النفس، سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلا، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، كأنهم بنيان مرصوص [الصف: 4]، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلا من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه ولو شآء الله ما اقتتلوا [البقرة: 253] وفق المشيئة ولكن الله يفعل ما يريد [البقرة: 253]، { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة { لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]. ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء } [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: يأيها الناس [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: { زين للناس } [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن يأيها الذين آمنوا [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنون كل آمن بالله [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: { للناس حب الشهوات... } [آل عمران: 14]، الآية. ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حفت النار بالشهوات " ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: { من النساء } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، { والبنين } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، { والقناطير المقنطرة من الذهب } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، { والفضة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، { والخيل المسومة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، { والأنعام } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، { والحرث } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، { ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]. ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية والولاية بقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]، { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه { للذين اتقوا } [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص { عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله } [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلا، ثم يصلونها عاجلا، كما قال تعالى: وإن الفجار لفي جحيم [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلا، وما هم عنها بغآئبين [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلا، ثم يدخلونها أجلا، كما قال تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: { والصادقين } [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: { والقانتين } [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: { والمنفقين } [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: ورضوان من الله [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص { تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات { وأزواج } [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، { مطهرة } [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب [الشورى: 13]، قال تعالى: فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا [النبأ: 39]، { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، ما هم من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران: 167] بل إنما هم من الذين قالوا ربنا [فصلت: 30] بأفواههم، ثم استقاموا [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، { الصابرين } [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، { والصادقين } [آل عمران: 17]، بصدق اللسان والأركان والجنان، { والقانتين } [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، { والمنفقين } [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا { وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، { والصادقين } [آل عمران: 17]، فيك { والقانتين } [آل عمران: 17]، لك بك { والمنفقين } [آل عمران: 17]، منا عليك، { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عنا عنك.

آل عمران 3:17

ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: { ثم قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله } [آل عمران: 13]، إشارة في الآية: إن الله تعالى { فئتين } [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته الحميدة، { وأخرى كافرة } [آل عمران: 13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ويريهم في أعين فئة النفس كثير، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين فئة القلب كثيرا، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، فيولون وينهزمون، { والله يؤيد بنصره من يشآء } [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين و { آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب فيه النفس، سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلا، ينهزم الشيطان والدنيا والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، كأنهم بنيان مرصوص [الصف: 4]، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة إلا قليلا من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه ولو شآء الله ما اقتتلوا [البقرة: 253] وفق المشيئة ولكن الله يفعل ما يريد [البقرة: 253]، { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]، من رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة { لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]. ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء } [آل عمران: 14]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: يأيها الناس [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: { زين للناس } [آل عمران: 14]، والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن يأيها الذين آمنوا [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنون كل آمن بالله [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: { للناس حب الشهوات... } [آل عمران: 14]، الآية. ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حفت النار بالشهوات " ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: { من النساء } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الفرج، { والبنين } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، { والقناطير المقنطرة من الذهب } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، { والفضة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، { والخيل المسومة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، { والأنعام } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، { والحرث } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، { ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم [محمد: 12]. ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية والولاية بقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]، { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15]؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه { للذين اتقوا } [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص { عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله } [آل عمران: 15]، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلا، ثم يصلونها عاجلا، كما قال تعالى: وإن الفجار لفي جحيم [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلا، وما هم عنها بغآئبين [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلا، ثم يدخلونها أجلا، كما قال تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله تعالى: { والصادقين } [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: { والقانتين } [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: { والمنفقين } [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: ورضوان من الله [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص { تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها جنات الأخلاق الجنات { وأزواج } [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، { مطهرة } [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم العوام؛ لقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب [الشورى: 13]، قال تعالى: فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا [النبأ: 39]، { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15]؛ أي: بعوامهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال تعالى: إن إلى ربك الرجعى [العلق: 8]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، ما هم من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران: 167] بل إنما هم من الذين قالوا ربنا [فصلت: 30] بأفواههم، ثم استقاموا [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، { الصابرين } [آل عمران: 17]، على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، { والصادقين } [آل عمران: 17]، بصدق اللسان والأركان والجنان، { والقانتين } [آل عمران: 17]، لله وبالله في كل زمان ومكان، { والمنفقين } [آل عمران: 17]، من وجودهم في الله بقدر الإمكان { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا { وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، { والصادقين } [آل عمران: 17]، فيك { والقانتين } [آل عمران: 17]، لك بك { والمنفقين } [آل عمران: 17]، منا عليك، { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، عنا عنك.

آل عمران 3:18

ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا العبادة بقوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن الشهادة الحقيقية؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه [الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص أولوا العلم منهم بمشربه، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26]. شيء خصصت به من دونهم وحدي لي سكرتان وللندمان واحدة فحقيقة معنى الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم فائدة التكرار بقوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } [آل عمران: 18]، { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة { لا إله إلا هو العزيز } [آل عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين البرية، { الحكيم } [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من بين الخليقة. ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم } [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضا عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: { إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالا فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، { ومن يكفر بآيات الله } [آل عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا وعلو المرتبة على الإخوان، { فإن الله سريع الحساب } [آل عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعا في الدنيا عاجلا بأن يعاقبه بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، واستيلاء الدنيا والحرص عليها، ومتابعة النفس وهواها، وآجلا: بأن يعذبه بعذاب الحجاب وشدة العقاب. ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضيا بقضائه صابرا على بلائه، شاكرا للنعماء به، منقادا لأوامره، منزجرا لنواهيه، محكوما لأحكامه الأزلية، مريدا لإرادته القديمة، مفوضا إليه أمر الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا } [آل عمران: 20]، بهذا الشرائط { فقد اهتدوا وإن تولوا } [آل عمران: 20]، عن هذه الشرائط { فإنما عليك البلغ } [آل عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهرا وباطنا { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة. ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]، الإشارة في الآيتين: إن لقلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يمحو ما قبله " ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أن تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو النفس التي حرم الله إلا بالحق [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيما عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، قال: " إن جازاه "؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22]؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدا؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان الإنسان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

آل عمران 3:19

ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا العبادة بقوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن الشهادة الحقيقية؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه [الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص أولوا العلم منهم بمشربه، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26]. شيء خصصت به من دونهم وحدي لي سكرتان وللندمان واحدة فحقيقة معنى الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم فائدة التكرار بقوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } [آل عمران: 18]، { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة { لا إله إلا هو العزيز } [آل عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين البرية، { الحكيم } [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من بين الخليقة. ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم } [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضا عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: { إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالا فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، { ومن يكفر بآيات الله } [آل عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا وعلو المرتبة على الإخوان، { فإن الله سريع الحساب } [آل عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعا في الدنيا عاجلا بأن يعاقبه بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، واستيلاء الدنيا والحرص عليها، ومتابعة النفس وهواها، وآجلا: بأن يعذبه بعذاب الحجاب وشدة العقاب. ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضيا بقضائه صابرا على بلائه، شاكرا للنعماء به، منقادا لأوامره، منزجرا لنواهيه، محكوما لأحكامه الأزلية، مريدا لإرادته القديمة، مفوضا إليه أمر الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا } [آل عمران: 20]، بهذا الشرائط { فقد اهتدوا وإن تولوا } [آل عمران: 20]، عن هذه الشرائط { فإنما عليك البلغ } [آل عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهرا وباطنا { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة. ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]، الإشارة في الآيتين: إن لقلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يمحو ما قبله " ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أن تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو النفس التي حرم الله إلا بالحق [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيما عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، قال: " إن جازاه "؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22]؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدا؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان الإنسان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

آل عمران 3:20

ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا العبادة بقوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن الشهادة الحقيقية؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه [الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص أولوا العلم منهم بمشربه، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26]. شيء خصصت به من دونهم وحدي لي سكرتان وللندمان واحدة فحقيقة معنى الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم فائدة التكرار بقوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } [آل عمران: 18]، { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة { لا إله إلا هو العزيز } [آل عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين البرية، { الحكيم } [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من بين الخليقة. ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم } [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضا عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: { إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالا فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، { ومن يكفر بآيات الله } [آل عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا وعلو المرتبة على الإخوان، { فإن الله سريع الحساب } [آل عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعا في الدنيا عاجلا بأن يعاقبه بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، واستيلاء الدنيا والحرص عليها، ومتابعة النفس وهواها، وآجلا: بأن يعذبه بعذاب الحجاب وشدة العقاب. ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضيا بقضائه صابرا على بلائه، شاكرا للنعماء به، منقادا لأوامره، منزجرا لنواهيه، محكوما لأحكامه الأزلية، مريدا لإرادته القديمة، مفوضا إليه أمر الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا } [آل عمران: 20]، بهذا الشرائط { فقد اهتدوا وإن تولوا } [آل عمران: 20]، عن هذه الشرائط { فإنما عليك البلغ } [آل عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهرا وباطنا { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة. ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]، الإشارة في الآيتين: إن لقلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يمحو ما قبله " ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أن تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو النفس التي حرم الله إلا بالحق [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيما عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، قال: " إن جازاه "؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22]؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدا؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان الإنسان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

آل عمران 3:21

ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا العبادة بقوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن الشهادة الحقيقية؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه [الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص أولوا العلم منهم بمشربه، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26]. شيء خصصت به من دونهم وحدي لي سكرتان وللندمان واحدة فحقيقة معنى الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم فائدة التكرار بقوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } [آل عمران: 18]، { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة { لا إله إلا هو العزيز } [آل عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين البرية، { الحكيم } [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من بين الخليقة. ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم } [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضا عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: { إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالا فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، { ومن يكفر بآيات الله } [آل عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا وعلو المرتبة على الإخوان، { فإن الله سريع الحساب } [آل عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعا في الدنيا عاجلا بأن يعاقبه بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، واستيلاء الدنيا والحرص عليها، ومتابعة النفس وهواها، وآجلا: بأن يعذبه بعذاب الحجاب وشدة العقاب. ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضيا بقضائه صابرا على بلائه، شاكرا للنعماء به، منقادا لأوامره، منزجرا لنواهيه، محكوما لأحكامه الأزلية، مريدا لإرادته القديمة، مفوضا إليه أمر الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا } [آل عمران: 20]، بهذا الشرائط { فقد اهتدوا وإن تولوا } [آل عمران: 20]، عن هذه الشرائط { فإنما عليك البلغ } [آل عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهرا وباطنا { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة. ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]، الإشارة في الآيتين: إن لقلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يمحو ما قبله " ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أن تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو النفس التي حرم الله إلا بالحق [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيما عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، قال: " إن جازاه "؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22]؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدا؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان الإنسان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

آل عمران 3:22

ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا العبادة بقوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن الشهادة الحقيقية؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه [الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو { أنه لا إله إلا هو } [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص أولوا العلم منهم بمشربه، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26]. شيء خصصت به من دونهم وحدي لي سكرتان وللندمان واحدة فحقيقة معنى الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم فائدة التكرار بقوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } [آل عمران: 18]، { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة { لا إله إلا هو العزيز } [آل عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين البرية، { الحكيم } [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من بين الخليقة. ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم } [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضا عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: { إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم } [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالا فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، { ومن يكفر بآيات الله } [آل عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا وعلو المرتبة على الإخوان، { فإن الله سريع الحساب } [آل عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعا في الدنيا عاجلا بأن يعاقبه بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، واستيلاء الدنيا والحرص عليها، ومتابعة النفس وهواها، وآجلا: بأن يعذبه بعذاب الحجاب وشدة العقاب. ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضيا بقضائه صابرا على بلائه، شاكرا للنعماء به، منقادا لأوامره، منزجرا لنواهيه، محكوما لأحكامه الأزلية، مريدا لإرادته القديمة، مفوضا إليه أمر الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا } [آل عمران: 20]، بهذا الشرائط { فقد اهتدوا وإن تولوا } [آل عمران: 20]، عن هذه الشرائط { فإنما عليك البلغ } [آل عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهرا وباطنا { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة. ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]، الإشارة في الآيتين: إن لقلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يمحو ما قبله " ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أن تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو النفس التي حرم الله إلا بالحق [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيما عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ فجزآؤه جهنم خلدا فيها [النساء: 93]، قال: " إن جازاه "؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22]؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدا؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان الإنسان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

آل عمران 3:23

ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]، { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: إن من أوتي نصيبا إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. { فكيف إذا جمعناهم } [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا جمعهم الله { ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت } [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات السفلي، { وهم لا يظلمون } [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنما خص { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيبا من العلم الظاهر ولم يؤت نصيبا من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا له؛ لأنه ملك له ملك العدم والوجود بالمالكية فإنه كان مالكا، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود قابل البقاء غير فان ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: { تؤتي الملك من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي الذي لا يقبل الفناء { من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، { وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. { وتعز من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، دليله قوله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8]، فافهم جيدا. { وتذل من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود الحقيقي، دليله قوله تعالى: وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله... [البقرة: 61]، وفي قوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع والإعزاز والإذلال قدير. وقوله: { تولج الليل في النهار } [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، { وتولج النهار في الليل } [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات الصفات النفسانية، { وتخرج } [آل عمران: 27] القلب { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الميت وتخرج } [آل عمران: 27]، القلب { الميت } [آل عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية { وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناه، ولا يدخل تحت العدد والحساب.

آل عمران 3:24

ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]، { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: إن من أوتي نصيبا إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. { فكيف إذا جمعناهم } [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا جمعهم الله { ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت } [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات السفلي، { وهم لا يظلمون } [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنما خص { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيبا من العلم الظاهر ولم يؤت نصيبا من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا له؛ لأنه ملك له ملك العدم والوجود بالمالكية فإنه كان مالكا، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود قابل البقاء غير فان ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: { تؤتي الملك من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي الذي لا يقبل الفناء { من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، { وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. { وتعز من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، دليله قوله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8]، فافهم جيدا. { وتذل من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود الحقيقي، دليله قوله تعالى: وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله... [البقرة: 61]، وفي قوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع والإعزاز والإذلال قدير. وقوله: { تولج الليل في النهار } [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، { وتولج النهار في الليل } [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات الصفات النفسانية، { وتخرج } [آل عمران: 27] القلب { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الميت وتخرج } [آل عمران: 27]، القلب { الميت } [آل عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية { وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناه، ولا يدخل تحت العدد والحساب.

آل عمران 3:25

ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]، { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: إن من أوتي نصيبا إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. { فكيف إذا جمعناهم } [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا جمعهم الله { ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت } [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات السفلي، { وهم لا يظلمون } [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنما خص { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيبا من العلم الظاهر ولم يؤت نصيبا من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا له؛ لأنه ملك له ملك العدم والوجود بالمالكية فإنه كان مالكا، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود قابل البقاء غير فان ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: { تؤتي الملك من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي الذي لا يقبل الفناء { من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، { وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. { وتعز من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، دليله قوله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8]، فافهم جيدا. { وتذل من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود الحقيقي، دليله قوله تعالى: وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله... [البقرة: 61]، وفي قوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع والإعزاز والإذلال قدير. وقوله: { تولج الليل في النهار } [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، { وتولج النهار في الليل } [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات الصفات النفسانية، { وتخرج } [آل عمران: 27] القلب { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الميت وتخرج } [آل عمران: 27]، القلب { الميت } [آل عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية { وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناه، ولا يدخل تحت العدد والحساب.

آل عمران 3:26

ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]، { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: إن من أوتي نصيبا إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. { فكيف إذا جمعناهم } [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا جمعهم الله { ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت } [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات السفلي، { وهم لا يظلمون } [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنما خص { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيبا من العلم الظاهر ولم يؤت نصيبا من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا له؛ لأنه ملك له ملك العدم والوجود بالمالكية فإنه كان مالكا، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود قابل البقاء غير فان ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: { تؤتي الملك من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي الذي لا يقبل الفناء { من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، { وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. { وتعز من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، دليله قوله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8]، فافهم جيدا. { وتذل من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود الحقيقي، دليله قوله تعالى: وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله... [البقرة: 61]، وفي قوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع والإعزاز والإذلال قدير. وقوله: { تولج الليل في النهار } [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، { وتولج النهار في الليل } [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات الصفات النفسانية، { وتخرج } [آل عمران: 27] القلب { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الميت وتخرج } [آل عمران: 27]، القلب { الميت } [آل عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية { وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناه، ولا يدخل تحت العدد والحساب.

آل عمران 3:27

ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]، { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: إن من أوتي نصيبا إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. { فكيف إذا جمعناهم } [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا جمعهم الله { ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت } [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات السفلي، { وهم لا يظلمون } [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنما خص { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيبا من العلم الظاهر ولم يؤت نصيبا من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا له؛ لأنه ملك له ملك العدم والوجود بالمالكية فإنه كان مالكا، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود قابل البقاء غير فان ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: { تؤتي الملك من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي الذي لا يقبل الفناء { من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، { وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. { وتعز من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، دليله قوله تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8]، فافهم جيدا. { وتذل من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود الحقيقي، دليله قوله تعالى: وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله... [البقرة: 61]، وفي قوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع والإعزاز والإذلال قدير. وقوله: { تولج الليل في النهار } [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، { وتولج النهار في الليل } [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات الصفات النفسانية، { وتخرج } [آل عمران: 27] القلب { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الميت وتخرج } [آل عمران: 27]، القلب { الميت } [آل عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية { وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناه، ولا يدخل تحت العدد والحساب.

آل عمران 3:28

ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا يتخذ المؤمنون الكافرون { أوليآء من دون المؤمنين } [آل عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبدا؛ لقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ الكافرين أولياء { فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]؛ أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، { إلا أن تتقوا منهم تقة } [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من المصير إليه، ففي يوم يكون { وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد وعقاب الهجران. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } [آل عمران: 29]، من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، { أو تبدوه } [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات دواعي النفس وشهواتها ومتابعة هواها، { يعلمه الله } [آل عمران: 29]، بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، { ويعلم ما في السموت } [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق { وما في الأرض والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]، نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة والمعاداة بقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، وكذلك ما عملت من شر، وذلك الأشر كان معها في الدنيا محضرا، ولكن نظر النفس كان محجوبا بحجاب الغفلة، لم تكن تجده محضرا معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضرا معها، كما قال تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد [ق: 22]، وقال تعالى: ووجدوا ما عملوا حاضرا [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيرا يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه قلبه، ومن عمل شرا يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ في غفلة من هذا [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: فذوقوا العذاب [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالا وأحوالا تمنعهم عن الوصول إليه، وينذرهم إكراما عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حبا لله عما سواه، والحب على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات: فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. أما درجات محبة المحب: فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجرا على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب وما أنا بالباغي على الحب رشوة والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاما وإجلالا له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجا بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالا وإعظاما، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال. والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. قال بعضهم: غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: أتينا طآئعين [فصلت: 11]. وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار لا تبقي ولا تذر [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدا فصدرت المحبة عن محل " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء... [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة { يحببكم الله } [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على خلاف المتابعة { والله غفور } [آل عمران: 31]، لمن أطاعه { رحيم } [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ببذل الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ويجذبكم عنكم به الله، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: " فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، بي يسمع وبي يبصر، وبي يتعلق وبي يبطش " ، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور صدا مرآة المحبين والعارفين برحمته، فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، في كل واد يهيمون [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير أموات، فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبة الحق وصدق رد محبته لكم، { فإن تولوا } [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب { فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]؛ يعني: لا يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة.

آل عمران 3:29

ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا يتخذ المؤمنون الكافرون { أوليآء من دون المؤمنين } [آل عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبدا؛ لقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ الكافرين أولياء { فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]؛ أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، { إلا أن تتقوا منهم تقة } [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من المصير إليه، ففي يوم يكون { وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد وعقاب الهجران. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } [آل عمران: 29]، من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، { أو تبدوه } [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات دواعي النفس وشهواتها ومتابعة هواها، { يعلمه الله } [آل عمران: 29]، بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، { ويعلم ما في السموت } [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق { وما في الأرض والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]، نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة والمعاداة بقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، وكذلك ما عملت من شر، وذلك الأشر كان معها في الدنيا محضرا، ولكن نظر النفس كان محجوبا بحجاب الغفلة، لم تكن تجده محضرا معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضرا معها، كما قال تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد [ق: 22]، وقال تعالى: ووجدوا ما عملوا حاضرا [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيرا يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه قلبه، ومن عمل شرا يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ في غفلة من هذا [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: فذوقوا العذاب [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالا وأحوالا تمنعهم عن الوصول إليه، وينذرهم إكراما عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حبا لله عما سواه، والحب على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات: فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. أما درجات محبة المحب: فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجرا على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب وما أنا بالباغي على الحب رشوة والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاما وإجلالا له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجا بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالا وإعظاما، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال. والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. قال بعضهم: غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: أتينا طآئعين [فصلت: 11]. وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار لا تبقي ولا تذر [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدا فصدرت المحبة عن محل " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء... [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة { يحببكم الله } [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على خلاف المتابعة { والله غفور } [آل عمران: 31]، لمن أطاعه { رحيم } [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ببذل الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ويجذبكم عنكم به الله، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: " فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، بي يسمع وبي يبصر، وبي يتعلق وبي يبطش " ، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور صدا مرآة المحبين والعارفين برحمته، فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، في كل واد يهيمون [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير أموات، فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبة الحق وصدق رد محبته لكم، { فإن تولوا } [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب { فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]؛ يعني: لا يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة.

آل عمران 3:30

ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا يتخذ المؤمنون الكافرون { أوليآء من دون المؤمنين } [آل عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبدا؛ لقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ الكافرين أولياء { فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]؛ أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، { إلا أن تتقوا منهم تقة } [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من المصير إليه، ففي يوم يكون { وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد وعقاب الهجران. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } [آل عمران: 29]، من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، { أو تبدوه } [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات دواعي النفس وشهواتها ومتابعة هواها، { يعلمه الله } [آل عمران: 29]، بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، { ويعلم ما في السموت } [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق { وما في الأرض والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]، نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة والمعاداة بقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، وكذلك ما عملت من شر، وذلك الأشر كان معها في الدنيا محضرا، ولكن نظر النفس كان محجوبا بحجاب الغفلة، لم تكن تجده محضرا معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضرا معها، كما قال تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد [ق: 22]، وقال تعالى: ووجدوا ما عملوا حاضرا [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيرا يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه قلبه، ومن عمل شرا يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ في غفلة من هذا [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: فذوقوا العذاب [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالا وأحوالا تمنعهم عن الوصول إليه، وينذرهم إكراما عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حبا لله عما سواه، والحب على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات: فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. أما درجات محبة المحب: فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجرا على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب وما أنا بالباغي على الحب رشوة والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاما وإجلالا له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجا بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالا وإعظاما، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال. والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. قال بعضهم: غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: أتينا طآئعين [فصلت: 11]. وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار لا تبقي ولا تذر [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدا فصدرت المحبة عن محل " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء... [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة { يحببكم الله } [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على خلاف المتابعة { والله غفور } [آل عمران: 31]، لمن أطاعه { رحيم } [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ببذل الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ويجذبكم عنكم به الله، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: " فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، بي يسمع وبي يبصر، وبي يتعلق وبي يبطش " ، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور صدا مرآة المحبين والعارفين برحمته، فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، في كل واد يهيمون [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير أموات، فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبة الحق وصدق رد محبته لكم، { فإن تولوا } [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب { فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]؛ يعني: لا يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة.

آل عمران 3:31

ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا يتخذ المؤمنون الكافرون { أوليآء من دون المؤمنين } [آل عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبدا؛ لقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ الكافرين أولياء { فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]؛ أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، { إلا أن تتقوا منهم تقة } [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من المصير إليه، ففي يوم يكون { وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد وعقاب الهجران. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } [آل عمران: 29]، من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، { أو تبدوه } [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات دواعي النفس وشهواتها ومتابعة هواها، { يعلمه الله } [آل عمران: 29]، بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، { ويعلم ما في السموت } [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق { وما في الأرض والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]، نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة والمعاداة بقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، وكذلك ما عملت من شر، وذلك الأشر كان معها في الدنيا محضرا، ولكن نظر النفس كان محجوبا بحجاب الغفلة، لم تكن تجده محضرا معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضرا معها، كما قال تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد [ق: 22]، وقال تعالى: ووجدوا ما عملوا حاضرا [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيرا يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه قلبه، ومن عمل شرا يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ في غفلة من هذا [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: فذوقوا العذاب [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالا وأحوالا تمنعهم عن الوصول إليه، وينذرهم إكراما عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حبا لله عما سواه، والحب على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات: فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. أما درجات محبة المحب: فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجرا على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب وما أنا بالباغي على الحب رشوة والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاما وإجلالا له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجا بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالا وإعظاما، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال. والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. قال بعضهم: غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: أتينا طآئعين [فصلت: 11]. وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار لا تبقي ولا تذر [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدا فصدرت المحبة عن محل " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء... [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة { يحببكم الله } [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على خلاف المتابعة { والله غفور } [آل عمران: 31]، لمن أطاعه { رحيم } [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ببذل الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ويجذبكم عنكم به الله، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: " فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، بي يسمع وبي يبصر، وبي يتعلق وبي يبطش " ، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور صدا مرآة المحبين والعارفين برحمته، فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، في كل واد يهيمون [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير أموات، فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبة الحق وصدق رد محبته لكم، { فإن تولوا } [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب { فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]؛ يعني: لا يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة.

آل عمران 3:32

ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين } [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا يتخذ المؤمنون الكافرون { أوليآء من دون المؤمنين } [آل عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبدا؛ لقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ الكافرين أولياء { فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]؛ أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، { إلا أن تتقوا منهم تقة } [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من المصير إليه، ففي يوم يكون { وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد وعقاب الهجران. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } [آل عمران: 29]، من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، { أو تبدوه } [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات دواعي النفس وشهواتها ومتابعة هواها، { يعلمه الله } [آل عمران: 29]، بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، { ويعلم ما في السموت } [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق { وما في الأرض والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]، نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة والمعاداة بقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، وكذلك ما عملت من شر، وذلك الأشر كان معها في الدنيا محضرا، ولكن نظر النفس كان محجوبا بحجاب الغفلة، لم تكن تجده محضرا معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضرا معها، كما قال تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد [ق: 22]، وقال تعالى: ووجدوا ما عملوا حاضرا [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيرا يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه قلبه، ومن عمل شرا يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ في غفلة من هذا [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: فذوقوا العذاب [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه { ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالا وأحوالا تمنعهم عن الوصول إليه، وينذرهم إكراما عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حبا لله عما سواه، والحب على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الإتباع ثلاث درجات: فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى الله عليه وسلم. والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. أما درجات محبة المحب: فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجرا على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب وما أنا بالباغي على الحب رشوة والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاما وإجلالا له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجا بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالا وإعظاما، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال. والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. قال بعضهم: غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: أتينا طآئعين [فصلت: 11]. وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار لا تبقي ولا تذر [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدا فصدرت المحبة عن محل " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء... [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة { يحببكم الله } [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على خلاف المتابعة { والله غفور } [آل عمران: 31]، لمن أطاعه { رحيم } [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ببذل الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ويجذبكم عنكم به الله، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: " فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، بي يسمع وبي يبصر، وبي يتعلق وبي يبطش " ، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور صدا مرآة المحبين والعارفين برحمته، فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، في كل واد يهيمون [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير أموات، فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبة الحق وصدق رد محبته لكم، { فإن تولوا } [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب { فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]؛ يعني: لا يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة.

آل عمران 3:33

ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم { على العالمين } [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله خلق آدم على صورته " أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن خلق آدم فتجلى فيه " ، ويشير في قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: " آلي كل مؤمن تقي ونقي ". قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: يرثني ويرث من آل يعقوب [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: " فخلقت الخلق؛ لأعرف " { والله سميع } [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم { عليم } [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون. ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران } [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسرارا لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائرا بطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولدا كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم { قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريرا إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، { إنك أنت السميع } [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ } [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي { أنثى } [آل عمران: 36]، فعاملها الله، { والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]، يعني مريم { بقبول حسن } [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: { فتقبل مني } [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضا أن يقال: { وأنبتها نباتا حسنا } [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتا حسنا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { وكفلها زكريا } [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [آل عمران: 37]؛ إظهارا لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: { قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقا من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، قال لي: { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه { إن الله يرزق من يشآء } [آل عمران: 37]، مريم { بغير حساب } [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2-3].

آل عمران 3:34

ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم { على العالمين } [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله خلق آدم على صورته " أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن خلق آدم فتجلى فيه " ، ويشير في قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: " آلي كل مؤمن تقي ونقي ". قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: يرثني ويرث من آل يعقوب [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: " فخلقت الخلق؛ لأعرف " { والله سميع } [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم { عليم } [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون. ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران } [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسرارا لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائرا بطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولدا كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم { قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريرا إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، { إنك أنت السميع } [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ } [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي { أنثى } [آل عمران: 36]، فعاملها الله، { والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]، يعني مريم { بقبول حسن } [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: { فتقبل مني } [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضا أن يقال: { وأنبتها نباتا حسنا } [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتا حسنا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { وكفلها زكريا } [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [آل عمران: 37]؛ إظهارا لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: { قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقا من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، قال لي: { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه { إن الله يرزق من يشآء } [آل عمران: 37]، مريم { بغير حساب } [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2-3].

آل عمران 3:35

ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم { على العالمين } [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله خلق آدم على صورته " أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن خلق آدم فتجلى فيه " ، ويشير في قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: " آلي كل مؤمن تقي ونقي ". قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: يرثني ويرث من آل يعقوب [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: " فخلقت الخلق؛ لأعرف " { والله سميع } [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم { عليم } [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون. ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران } [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسرارا لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائرا بطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولدا كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم { قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريرا إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، { إنك أنت السميع } [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ } [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي { أنثى } [آل عمران: 36]، فعاملها الله، { والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]، يعني مريم { بقبول حسن } [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: { فتقبل مني } [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضا أن يقال: { وأنبتها نباتا حسنا } [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتا حسنا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { وكفلها زكريا } [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [آل عمران: 37]؛ إظهارا لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: { قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقا من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، قال لي: { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه { إن الله يرزق من يشآء } [آل عمران: 37]، مريم { بغير حساب } [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2-3].

آل عمران 3:36

ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم { على العالمين } [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله خلق آدم على صورته " أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن خلق آدم فتجلى فيه " ، ويشير في قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: " آلي كل مؤمن تقي ونقي ". قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: يرثني ويرث من آل يعقوب [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: " فخلقت الخلق؛ لأعرف " { والله سميع } [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم { عليم } [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون. ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران } [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسرارا لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائرا بطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولدا كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم { قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريرا إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، { إنك أنت السميع } [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ } [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي { أنثى } [آل عمران: 36]، فعاملها الله، { والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]، يعني مريم { بقبول حسن } [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: { فتقبل مني } [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضا أن يقال: { وأنبتها نباتا حسنا } [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتا حسنا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { وكفلها زكريا } [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [آل عمران: 37]؛ إظهارا لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: { قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقا من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، قال لي: { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه { إن الله يرزق من يشآء } [آل عمران: 37]، مريم { بغير حساب } [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2-3].

آل عمران 3:37

ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم { على العالمين } [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله خلق آدم على صورته " أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وقال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن خلق آدم فتجلى فيه " ، ويشير في قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: " آلي كل مؤمن تقي ونقي ". قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: يرثني ويرث من آل يعقوب [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: " فخلقت الخلق؛ لأعرف " { والله سميع } [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم { عليم } [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون. ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران } [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسرارا لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائرا بطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولدا كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم { قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريرا إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، { إنك أنت السميع } [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ } [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي { أنثى } [آل عمران: 36]، فعاملها الله، { والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]، يعني مريم { بقبول حسن } [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: { فتقبل مني } [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضا أن يقال: { وأنبتها نباتا حسنا } [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتا حسنا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { وكفلها زكريا } [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [آل عمران: 37]؛ إظهارا لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: { قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقا من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ، قال لي: { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه { إن الله يرزق من يشآء } [آل عمران: 37]، مريم { بغير حساب } [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2-3].

آل عمران 3:38

ثم أخبر عن آياته بعد أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { هنالك دعا زكريا ربه } [آل عمران: 38]، الإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل بعض الأشياء سبب البعض، فكما أنه جعل إطعام الطائر فرخة، سبب تحريك قلب زكريا لطلب الولد، هنالك دعا زكريا ربه { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء } [آل عمران: 38]، والإشارة في قوله: { من لدنك } [آل عمران: 38]، إلى أن الأرواح التي هي جنود مجندة بعضها في الصف الأول؛ وهي أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء ليس بينها وبين الله حجاب، وبعضها في الصف الثاني؛ وهي أرواح الأولياء وخواص المؤمنين، وبينها وبين الله حجاب الصف الأول، وبعضها في الصف الثالث؛ وهي أرواح المؤمنين وخواص المسلمين، وبينها وبين الله حجاب الصف الأول والصف الثاني، وبعضها في الصف الرابع؛ وهي أرواح المنافقين من مدعي الإسلام والكفار والمشركين، فقوله: { رب هب لي من لدنك } [آل عمران: 38]؛ أي: من الصف الأول الذي لا واسطة بينه وبينك، { ذرية طيبة } [آل عمران: 38]؛ أي: ولدا يكون روحه من أهل الصف الأول مطهرا من آل يعقوب عليه السلام؛ يعني: النبوة كم وهبت لحنة مريم ولمريم رزق الجنة { إنك سميع الدعآء } [آل عمران: 38]؛ أي: مجيب الدعاء، كما أجبت دعاء حنة. { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي } [آل عمران: 39]، سائرة سره في الملكوت، فسمع نداء الملائكة وهو محارب نفسه وهواه { في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } [آل عمران: 39]؛ أي: بغلام اسمه يحيى، وإنما سمي يحيى؛ لأنه منذ خلق ما ابتلي بالمعصية؛ لئلا يموت القلب بالمعاصي كما مر ذكره، الحديث أنه ما هم بمعصية قط ولا بموت الصورة؛ لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران: 169]، فهو حي يحيى في حال الدنيوي والاستقبال الأخروي { مصدقا بكلمة من الله } [آل عمران: 39]؛ وهي قوله: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، { وسيدا } [آل عمران: 39]؛ أي: حرا من رق الكونين، بل سيدا لرفعتي الكونين { وحصورا } [آل عمران: 39]، نفسه عن تعلق بالكونين، { ونبيا من الصالحين } [آل عمران: 39]؛ لقبول فيض الإلوهية بلا واسطة؛ لأنه كان من أهل الأول.

آل عمران 3:39

ثم أخبر عن آياته بعد أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { هنالك دعا زكريا ربه } [آل عمران: 38]، الإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل بعض الأشياء سبب البعض، فكما أنه جعل إطعام الطائر فرخة، سبب تحريك قلب زكريا لطلب الولد، هنالك دعا زكريا ربه { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء } [آل عمران: 38]، والإشارة في قوله: { من لدنك } [آل عمران: 38]، إلى أن الأرواح التي هي جنود مجندة بعضها في الصف الأول؛ وهي أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء ليس بينها وبين الله حجاب، وبعضها في الصف الثاني؛ وهي أرواح الأولياء وخواص المؤمنين، وبينها وبين الله حجاب الصف الأول، وبعضها في الصف الثالث؛ وهي أرواح المؤمنين وخواص المسلمين، وبينها وبين الله حجاب الصف الأول والصف الثاني، وبعضها في الصف الرابع؛ وهي أرواح المنافقين من مدعي الإسلام والكفار والمشركين، فقوله: { رب هب لي من لدنك } [آل عمران: 38]؛ أي: من الصف الأول الذي لا واسطة بينه وبينك، { ذرية طيبة } [آل عمران: 38]؛ أي: ولدا يكون روحه من أهل الصف الأول مطهرا من آل يعقوب عليه السلام؛ يعني: النبوة كم وهبت لحنة مريم ولمريم رزق الجنة { إنك سميع الدعآء } [آل عمران: 38]؛ أي: مجيب الدعاء، كما أجبت دعاء حنة. { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي } [آل عمران: 39]، سائرة سره في الملكوت، فسمع نداء الملائكة وهو محارب نفسه وهواه { في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } [آل عمران: 39]؛ أي: بغلام اسمه يحيى، وإنما سمي يحيى؛ لأنه منذ خلق ما ابتلي بالمعصية؛ لئلا يموت القلب بالمعاصي كما مر ذكره، الحديث أنه ما هم بمعصية قط ولا بموت الصورة؛ لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران: 169]، فهو حي يحيى في حال الدنيوي والاستقبال الأخروي { مصدقا بكلمة من الله } [آل عمران: 39]؛ وهي قوله: ييحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]، { وسيدا } [آل عمران: 39]؛ أي: حرا من رق الكونين، بل سيدا لرفعتي الكونين { وحصورا } [آل عمران: 39]، نفسه عن تعلق بالكونين، { ونبيا من الصالحين } [آل عمران: 39]؛ لقبول فيض الإلوهية بلا واسطة؛ لأنه كان من أهل الأول.

آل عمران 3:40

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:41

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:42

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:43

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:44

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:45

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:46

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء [الحديد: 21]. { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: إن الله اصطفى ءادم [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: " لولاك ما خلقت الأفلاك ". وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: 42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي { واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، كقوله تعالى: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من عرف نفسه عرف ربه ". والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

آل عمران 3:47

ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر من بشرها بما بشرها ولم يمسها البشر بقوله تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47]، الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهارا للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا } [آل عمران: 47]؛ يعني: في الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [آل عمران: 47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، { ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48]، { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، من غير واسطة، كما وعلم ءادم الأسمآء كلها [البقرة: 31]. واعلم أن الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، كما قال تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، بأن الله هو مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: 50]، ومحلا لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال لهم: { فاتقوا الله } [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا أمري، { إن الله ربي } [آل عمران: 51]، خلقني مستعدا؛ لإظهار هذه الآيات { وربكم } [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها { فاعبدوه } [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به { هذا صراط مستقيم } [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه.

آل عمران 3:48

ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر من بشرها بما بشرها ولم يمسها البشر بقوله تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47]، الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهارا للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا } [آل عمران: 47]؛ يعني: في الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [آل عمران: 47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، { ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48]، { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، من غير واسطة، كما وعلم ءادم الأسمآء كلها [البقرة: 31]. واعلم أن الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، كما قال تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، بأن الله هو مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: 50]، ومحلا لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال لهم: { فاتقوا الله } [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا أمري، { إن الله ربي } [آل عمران: 51]، خلقني مستعدا؛ لإظهار هذه الآيات { وربكم } [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها { فاعبدوه } [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به { هذا صراط مستقيم } [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه.

آل عمران 3:49

ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر من بشرها بما بشرها ولم يمسها البشر بقوله تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47]، الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهارا للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا } [آل عمران: 47]؛ يعني: في الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [آل عمران: 47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، { ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48]، { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، من غير واسطة، كما وعلم ءادم الأسمآء كلها [البقرة: 31]. واعلم أن الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، كما قال تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، بأن الله هو مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: 50]، ومحلا لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال لهم: { فاتقوا الله } [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا أمري، { إن الله ربي } [آل عمران: 51]، خلقني مستعدا؛ لإظهار هذه الآيات { وربكم } [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها { فاعبدوه } [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به { هذا صراط مستقيم } [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه.

آل عمران 3:50

ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر من بشرها بما بشرها ولم يمسها البشر بقوله تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47]، الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهارا للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا } [آل عمران: 47]؛ يعني: في الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [آل عمران: 47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، { ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48]، { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، من غير واسطة، كما وعلم ءادم الأسمآء كلها [البقرة: 31]. واعلم أن الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، كما قال تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، بأن الله هو مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: 50]، ومحلا لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال لهم: { فاتقوا الله } [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا أمري، { إن الله ربي } [آل عمران: 51]، خلقني مستعدا؛ لإظهار هذه الآيات { وربكم } [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها { فاعبدوه } [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به { هذا صراط مستقيم } [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه.

آل عمران 3:51

ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر من بشرها بما بشرها ولم يمسها البشر بقوله تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47]، الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهارا للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا } [آل عمران: 47]؛ يعني: في الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [آل عمران: 47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59]، { ويعلمه الكتب والحكمة والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48]، { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، من غير واسطة، كما وعلم ءادم الأسمآء كلها [البقرة: 31]. واعلم أن الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، كما قال تعالى: يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، بأن الله هو مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: 50]، ومحلا لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال لهم: { فاتقوا الله } [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا أمري، { إن الله ربي } [آل عمران: 51]، خلقني مستعدا؛ لإظهار هذه الآيات { وربكم } [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها { فاعبدوه } [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به { هذا صراط مستقيم } [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه.

آل عمران 3:52

ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، { قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، أعواني في الله { قال الحواريون } [آل عمران: 52]؛ يعني: القلب وصفاته { نحن أنصار الله } [آل عمران: 52]؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق { آمنا بالله } [آل عمران: 52]؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره { واشهد بأنا مسلمون } [آل عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق { واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك { فاكتبنا } [آل عمران: 53]، فاجعلنا { مع الشهدين } [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك { ومكروا } [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح { ومكر الله } [آل عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها { والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبا وهو المتوفى بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي } [آل عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إلي بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } [آل عمران: 55]؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم { وجاعل الذين اتبعوك } [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، { فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء ربا وابن الله، { ثم إلي مرجعكم } [آل عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، { فأحكم بينكم } [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، { فيما كنتم فيه تختلفون } [آل عمران: 55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. { فأما الذين كفروا } [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، { والآخرة } [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.

آل عمران 3:53

ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، { قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، أعواني في الله { قال الحواريون } [آل عمران: 52]؛ يعني: القلب وصفاته { نحن أنصار الله } [آل عمران: 52]؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق { آمنا بالله } [آل عمران: 52]؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره { واشهد بأنا مسلمون } [آل عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق { واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك { فاكتبنا } [آل عمران: 53]، فاجعلنا { مع الشهدين } [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك { ومكروا } [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح { ومكر الله } [آل عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها { والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبا وهو المتوفى بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي } [آل عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إلي بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } [آل عمران: 55]؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم { وجاعل الذين اتبعوك } [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، { فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء ربا وابن الله، { ثم إلي مرجعكم } [آل عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، { فأحكم بينكم } [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، { فيما كنتم فيه تختلفون } [آل عمران: 55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. { فأما الذين كفروا } [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، { والآخرة } [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.

آل عمران 3:54

ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، { قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، أعواني في الله { قال الحواريون } [آل عمران: 52]؛ يعني: القلب وصفاته { نحن أنصار الله } [آل عمران: 52]؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق { آمنا بالله } [آل عمران: 52]؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره { واشهد بأنا مسلمون } [آل عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق { واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك { فاكتبنا } [آل عمران: 53]، فاجعلنا { مع الشهدين } [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك { ومكروا } [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح { ومكر الله } [آل عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها { والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبا وهو المتوفى بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي } [آل عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إلي بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } [آل عمران: 55]؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم { وجاعل الذين اتبعوك } [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، { فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء ربا وابن الله، { ثم إلي مرجعكم } [آل عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، { فأحكم بينكم } [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، { فيما كنتم فيه تختلفون } [آل عمران: 55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. { فأما الذين كفروا } [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، { والآخرة } [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.

آل عمران 3:55

ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، { قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، أعواني في الله { قال الحواريون } [آل عمران: 52]؛ يعني: القلب وصفاته { نحن أنصار الله } [آل عمران: 52]؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق { آمنا بالله } [آل عمران: 52]؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره { واشهد بأنا مسلمون } [آل عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق { واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك { فاكتبنا } [آل عمران: 53]، فاجعلنا { مع الشهدين } [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك { ومكروا } [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح { ومكر الله } [آل عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها { والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبا وهو المتوفى بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي } [آل عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إلي بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } [آل عمران: 55]؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم { وجاعل الذين اتبعوك } [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، { فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء ربا وابن الله، { ثم إلي مرجعكم } [آل عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، { فأحكم بينكم } [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، { فيما كنتم فيه تختلفون } [آل عمران: 55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. { فأما الذين كفروا } [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، { والآخرة } [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.

آل عمران 3:56

ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، { قال من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52]، أعواني في الله { قال الحواريون } [آل عمران: 52]؛ يعني: القلب وصفاته { نحن أنصار الله } [آل عمران: 52]؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق { آمنا بالله } [آل عمران: 52]؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره { واشهد بأنا مسلمون } [آل عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق { واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك { فاكتبنا } [آل عمران: 53]، فاجعلنا { مع الشهدين } [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك { ومكروا } [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح { ومكر الله } [آل عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها { والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبا وهو المتوفى بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي } [آل عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إلي بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين أو أدنى [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } [آل عمران: 55]؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم { وجاعل الذين اتبعوك } [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، { فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء ربا وابن الله، { ثم إلي مرجعكم } [آل عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، { فأحكم بينكم } [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، { فيما كنتم فيه تختلفون } [آل عمران: 55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. { فأما الذين كفروا } [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، { والآخرة } [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.

آل عمران 3:57

{ وأما الذين آمنوا } [آل عمران: 57]، واختاروا الحق على الباطل { وعملوا الصالحات } [آل عمران: 57]، اتبعوا عن طريق الهدى، ونهوا ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40]، { فيوفيهم أجورهم } [آل عمران: 57] عن جنة المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، { والله لا يحب الظالمين } [آل عمران: 57]، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله. { ذلك نتلوه عليك } [آل عمران: 58]؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ عيسى عليه السلام وقومه { من الآيات والذكر الحكيم } [آل عمران: 58]، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 6-7]، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارا لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقا للعادة؛ ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيا عن شك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من الممترين، ولا يكون إلى الأبد. { فمن حآجك فيه } [آل عمران: 61]، جاد لك في أم عيسى أنه ليس بعبد مخلوق، { من بعد ما جآءك من العلم } [آل عمران: 61]، بحقيقة حاله { فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل عمران: 61]، وحيا وكشفا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم.

آل عمران 3:58

{ وأما الذين آمنوا } [آل عمران: 57]، واختاروا الحق على الباطل { وعملوا الصالحات } [آل عمران: 57]، اتبعوا عن طريق الهدى، ونهوا ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40]، { فيوفيهم أجورهم } [آل عمران: 57] عن جنة المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، { والله لا يحب الظالمين } [آل عمران: 57]، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله. { ذلك نتلوه عليك } [آل عمران: 58]؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ عيسى عليه السلام وقومه { من الآيات والذكر الحكيم } [آل عمران: 58]، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 6-7]، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارا لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقا للعادة؛ ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيا عن شك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من الممترين، ولا يكون إلى الأبد. { فمن حآجك فيه } [آل عمران: 61]، جاد لك في أم عيسى أنه ليس بعبد مخلوق، { من بعد ما جآءك من العلم } [آل عمران: 61]، بحقيقة حاله { فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل عمران: 61]، وحيا وكشفا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم.

آل عمران 3:59

{ وأما الذين آمنوا } [آل عمران: 57]، واختاروا الحق على الباطل { وعملوا الصالحات } [آل عمران: 57]، اتبعوا عن طريق الهدى، ونهوا ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40]، { فيوفيهم أجورهم } [آل عمران: 57] عن جنة المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، { والله لا يحب الظالمين } [آل عمران: 57]، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله. { ذلك نتلوه عليك } [آل عمران: 58]؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ عيسى عليه السلام وقومه { من الآيات والذكر الحكيم } [آل عمران: 58]، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 6-7]، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارا لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقا للعادة؛ ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيا عن شك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من الممترين، ولا يكون إلى الأبد. { فمن حآجك فيه } [آل عمران: 61]، جاد لك في أم عيسى أنه ليس بعبد مخلوق، { من بعد ما جآءك من العلم } [آل عمران: 61]، بحقيقة حاله { فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل عمران: 61]، وحيا وكشفا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم.

آل عمران 3:60

{ وأما الذين آمنوا } [آل عمران: 57]، واختاروا الحق على الباطل { وعملوا الصالحات } [آل عمران: 57]، اتبعوا عن طريق الهدى، ونهوا ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40]، { فيوفيهم أجورهم } [آل عمران: 57] عن جنة المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، { والله لا يحب الظالمين } [آل عمران: 57]، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله. { ذلك نتلوه عليك } [آل عمران: 58]؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ عيسى عليه السلام وقومه { من الآيات والذكر الحكيم } [آل عمران: 58]، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 6-7]، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارا لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقا للعادة؛ ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيا عن شك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من الممترين، ولا يكون إلى الأبد. { فمن حآجك فيه } [آل عمران: 61]، جاد لك في أم عيسى أنه ليس بعبد مخلوق، { من بعد ما جآءك من العلم } [آل عمران: 61]، بحقيقة حاله { فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل عمران: 61]، وحيا وكشفا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم.

آل عمران 3:61

{ وأما الذين آمنوا } [آل عمران: 57]، واختاروا الحق على الباطل { وعملوا الصالحات } [آل عمران: 57]، اتبعوا عن طريق الهدى، ونهوا ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40]، { فيوفيهم أجورهم } [آل عمران: 57] عن جنة المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، { والله لا يحب الظالمين } [آل عمران: 57]، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله. { ذلك نتلوه عليك } [آل عمران: 58]؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ عيسى عليه السلام وقومه { من الآيات والذكر الحكيم } [آل عمران: 58]، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب والترآئب [الطارق: 6-7]، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارا لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقا للعادة؛ ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيا عن شك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: { فلا تكن من الممترين } [آل عمران: 60]، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من الممترين، ولا يكون إلى الأبد. { فمن حآجك فيه } [آل عمران: 61]، جاد لك في أم عيسى أنه ليس بعبد مخلوق، { من بعد ما جآءك من العلم } [آل عمران: 61]، بحقيقة حاله { فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل عمران: 61]، وحيا وكشفا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم.

آل عمران 3:62

{ إن هذا لهو القصص الحق } [آل عمران: 62]، وما دونه الباطل { وما من إله } [آل عمران: 62]، خالق { إلا الله } [آل عمران: 62]، يخلق ما يشاء كما يشاء أجزاء على السنة، أو على إظهار القدرة، { إلا الله } [آل عمران: 62]، الذي هو خلق كل شيء [الأنعام: 102]، ولا خالق له { وإن الله لهو العزيز } [آل عمران: 62]، ليس له ضد ولا ند { الحكيم } [آل عمران: 62]، فيما يخلق ويحكم، ولا عبث في خلقه وحكمه { فإن تولوا } [آل عمران: 63]، عن حكم من أحكامه واعرضوا عنه { فإن الله عليم بالمفسدين } [آل عمران: 63] الذين شهد عليهم الملائكة بالفساد في قوله: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30]، فأجابهم بقوله تعالى: إني أعلم المصلح منهم والمفسد، ولا تعلمون منهم إلا المفسد، كقوله تعالى: والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: 220]، فيجعل المفسد فداء المصلح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة لم يبق أحد منكم، إلا أعطى يهوديا، فقيل: هذا فداؤك من النار " ، صحيح أخرجه مسلم. ثم أخبر عن جواب أهل الإعراض بقوله تعالى: { يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } [آل عمران: 64]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أشار بقوله: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم } [آل عمران: 64]، إلى أن أصول الأديان كلها، إخلاص العبودية في التوحيد، ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5]، وقال: { ألا نعبد إلا الله } [آل عمران: 64]، لا نطلب منه غيره { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } [آل عمران: 64]، في طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط، { فإن تولوا } [آل عمران: 64]؛ يعني: من أعرض عن هذا الأصل { فقولوا اشهدوا } [آل عمران: 64]، أنتم لنا { بأنا مسلمون } [آل عمران: 64]، مستسلمون لما دعانا الله إليه من التوحيد والإخلاص في العبودية، ونفي الشرك والسر في الإشهاد على الإسلام؛ ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما شهد لهم المسلمون كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن وإنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة " ، وفي رواية أخرى " لا يسمع صوتك شجر ولا حجر، ولا جن ولا إنس، إلا شهد لك " ، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه " فإن المؤذن يغفر له مدى صوته، وشهد له كل رطب ويابس " ، وليكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة، حجة على أنفسهم، والله أعلم.

آل عمران 3:63

{ إن هذا لهو القصص الحق } [آل عمران: 62]، وما دونه الباطل { وما من إله } [آل عمران: 62]، خالق { إلا الله } [آل عمران: 62]، يخلق ما يشاء كما يشاء أجزاء على السنة، أو على إظهار القدرة، { إلا الله } [آل عمران: 62]، الذي هو خلق كل شيء [الأنعام: 102]، ولا خالق له { وإن الله لهو العزيز } [آل عمران: 62]، ليس له ضد ولا ند { الحكيم } [آل عمران: 62]، فيما يخلق ويحكم، ولا عبث في خلقه وحكمه { فإن تولوا } [آل عمران: 63]، عن حكم من أحكامه واعرضوا عنه { فإن الله عليم بالمفسدين } [آل عمران: 63] الذين شهد عليهم الملائكة بالفساد في قوله: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30]، فأجابهم بقوله تعالى: إني أعلم المصلح منهم والمفسد، ولا تعلمون منهم إلا المفسد، كقوله تعالى: والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: 220]، فيجعل المفسد فداء المصلح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة لم يبق أحد منكم، إلا أعطى يهوديا، فقيل: هذا فداؤك من النار " ، صحيح أخرجه مسلم. ثم أخبر عن جواب أهل الإعراض بقوله تعالى: { يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } [آل عمران: 64]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أشار بقوله: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم } [آل عمران: 64]، إلى أن أصول الأديان كلها، إخلاص العبودية في التوحيد، ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5]، وقال: { ألا نعبد إلا الله } [آل عمران: 64]، لا نطلب منه غيره { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } [آل عمران: 64]، في طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط، { فإن تولوا } [آل عمران: 64]؛ يعني: من أعرض عن هذا الأصل { فقولوا اشهدوا } [آل عمران: 64]، أنتم لنا { بأنا مسلمون } [آل عمران: 64]، مستسلمون لما دعانا الله إليه من التوحيد والإخلاص في العبودية، ونفي الشرك والسر في الإشهاد على الإسلام؛ ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما شهد لهم المسلمون كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن وإنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة " ، وفي رواية أخرى " لا يسمع صوتك شجر ولا حجر، ولا جن ولا إنس، إلا شهد لك " ، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه " فإن المؤذن يغفر له مدى صوته، وشهد له كل رطب ويابس " ، وليكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة، حجة على أنفسهم، والله أعلم.

آل عمران 3:64

{ إن هذا لهو القصص الحق } [آل عمران: 62]، وما دونه الباطل { وما من إله } [آل عمران: 62]، خالق { إلا الله } [آل عمران: 62]، يخلق ما يشاء كما يشاء أجزاء على السنة، أو على إظهار القدرة، { إلا الله } [آل عمران: 62]، الذي هو خلق كل شيء [الأنعام: 102]، ولا خالق له { وإن الله لهو العزيز } [آل عمران: 62]، ليس له ضد ولا ند { الحكيم } [آل عمران: 62]، فيما يخلق ويحكم، ولا عبث في خلقه وحكمه { فإن تولوا } [آل عمران: 63]، عن حكم من أحكامه واعرضوا عنه { فإن الله عليم بالمفسدين } [آل عمران: 63] الذين شهد عليهم الملائكة بالفساد في قوله: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30]، فأجابهم بقوله تعالى: إني أعلم المصلح منهم والمفسد، ولا تعلمون منهم إلا المفسد، كقوله تعالى: والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: 220]، فيجعل المفسد فداء المصلح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة لم يبق أحد منكم، إلا أعطى يهوديا، فقيل: هذا فداؤك من النار " ، صحيح أخرجه مسلم. ثم أخبر عن جواب أهل الإعراض بقوله تعالى: { يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } [آل عمران: 64]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أشار بقوله: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم } [آل عمران: 64]، إلى أن أصول الأديان كلها، إخلاص العبودية في التوحيد، ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5]، وقال: { ألا نعبد إلا الله } [آل عمران: 64]، لا نطلب منه غيره { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } [آل عمران: 64]، في طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط، { فإن تولوا } [آل عمران: 64]؛ يعني: من أعرض عن هذا الأصل { فقولوا اشهدوا } [آل عمران: 64]، أنتم لنا { بأنا مسلمون } [آل عمران: 64]، مستسلمون لما دعانا الله إليه من التوحيد والإخلاص في العبودية، ونفي الشرك والسر في الإشهاد على الإسلام؛ ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما شهد لهم المسلمون كما قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن وإنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة " ، وفي رواية أخرى " لا يسمع صوتك شجر ولا حجر، ولا جن ولا إنس، إلا شهد لك " ، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه " فإن المؤذن يغفر له مدى صوته، وشهد له كل رطب ويابس " ، وليكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة، حجة على أنفسهم، والله أعلم.

آل عمران 3:65

وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلا منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، يدل عليه قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: 20]، قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئا. { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

آل عمران 3:66

وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلا منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، يدل عليه قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: 20]، قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئا. { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

آل عمران 3:67

وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلا منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، يدل عليه قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: 20]، قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئا. { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

آل عمران 3:68

وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلا منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، يدل عليه قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: 20]، قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئا. { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

آل عمران 3:69

وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلا منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، يدل عليه قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: 20]، قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئا. { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

آل عمران 3:70

وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلا منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، يدل عليه قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: 20]، قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئا. { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

آل عمران 3:71

{ يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } [آل عمران: 71]، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده هدى الله هو الهدى [البقرة: 120]، من يهدي فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له [الأعراف: 186]، ثم قال تعالى: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } [آل عمران: 71]؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81]. ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزا في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها " أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب وهي أخبارهم لأتباعهم: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، { وجه النهار } [آل عمران: 72]، مكرا وخداعا { واكفروا آخره لعلهم يرجعون } [آل عمران: 72]؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسدا على ما أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين: أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم. والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } [آل عمران: 73]؛ أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسدا من عند أنفسهم، فقال تعالى زعما لا فهما وردا على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: { قل إن الهدى هدى الله } [آل عمران: 73]، إن الهدى الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلا ورحمة، كما هداكم به، وما { أن يؤتى أحد } [آل عمران: 73]، من أهل الملل والأديان { مثل مآ أوتيتم } [آل عمران: 73]، كما قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110]، { أو يحآجوكم عند ربكم } [آل عمران: 73]، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء } [آل عمران: 73]، يا محمد { والله واسع } [آل عمران: 73]، عطاءه { عليم } [آل عمران: 73]، بمستحق عطائه، وأهل رحمته { يختص برحمته من يشآء } [آل عمران: 74]، مشيئة أزلية { والله ذو الفضل العظيم } [آل عمران: 74]، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113].

آل عمران 3:72

{ يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } [آل عمران: 71]، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده هدى الله هو الهدى [البقرة: 120]، من يهدي فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له [الأعراف: 186]، ثم قال تعالى: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } [آل عمران: 71]؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81]. ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزا في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها " أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب وهي أخبارهم لأتباعهم: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، { وجه النهار } [آل عمران: 72]، مكرا وخداعا { واكفروا آخره لعلهم يرجعون } [آل عمران: 72]؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسدا على ما أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين: أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم. والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } [آل عمران: 73]؛ أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسدا من عند أنفسهم، فقال تعالى زعما لا فهما وردا على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: { قل إن الهدى هدى الله } [آل عمران: 73]، إن الهدى الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلا ورحمة، كما هداكم به، وما { أن يؤتى أحد } [آل عمران: 73]، من أهل الملل والأديان { مثل مآ أوتيتم } [آل عمران: 73]، كما قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110]، { أو يحآجوكم عند ربكم } [آل عمران: 73]، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء } [آل عمران: 73]، يا محمد { والله واسع } [آل عمران: 73]، عطاءه { عليم } [آل عمران: 73]، بمستحق عطائه، وأهل رحمته { يختص برحمته من يشآء } [آل عمران: 74]، مشيئة أزلية { والله ذو الفضل العظيم } [آل عمران: 74]، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113].

آل عمران 3:73

{ يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } [آل عمران: 71]، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده هدى الله هو الهدى [البقرة: 120]، من يهدي فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له [الأعراف: 186]، ثم قال تعالى: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } [آل عمران: 71]؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81]. ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزا في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها " أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب وهي أخبارهم لأتباعهم: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، { وجه النهار } [آل عمران: 72]، مكرا وخداعا { واكفروا آخره لعلهم يرجعون } [آل عمران: 72]؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسدا على ما أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين: أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم. والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } [آل عمران: 73]؛ أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسدا من عند أنفسهم، فقال تعالى زعما لا فهما وردا على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: { قل إن الهدى هدى الله } [آل عمران: 73]، إن الهدى الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلا ورحمة، كما هداكم به، وما { أن يؤتى أحد } [آل عمران: 73]، من أهل الملل والأديان { مثل مآ أوتيتم } [آل عمران: 73]، كما قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110]، { أو يحآجوكم عند ربكم } [آل عمران: 73]، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء } [آل عمران: 73]، يا محمد { والله واسع } [آل عمران: 73]، عطاءه { عليم } [آل عمران: 73]، بمستحق عطائه، وأهل رحمته { يختص برحمته من يشآء } [آل عمران: 74]، مشيئة أزلية { والله ذو الفضل العظيم } [آل عمران: 74]، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113].

آل عمران 3:74

{ يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } [آل عمران: 71]، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده هدى الله هو الهدى [البقرة: 120]، من يهدي فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له [الأعراف: 186]، ثم قال تعالى: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } [آل عمران: 71]؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء: 81]. ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزا في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها " أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب وهي أخبارهم لأتباعهم: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } [آل عمران: 72]، { وجه النهار } [آل عمران: 72]، مكرا وخداعا { واكفروا آخره لعلهم يرجعون } [آل عمران: 72]؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسدا على ما أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين: أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم. والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } [آل عمران: 73]؛ أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسدا من عند أنفسهم، فقال تعالى زعما لا فهما وردا على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: { قل إن الهدى هدى الله } [آل عمران: 73]، إن الهدى الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلا ورحمة، كما هداكم به، وما { أن يؤتى أحد } [آل عمران: 73]، من أهل الملل والأديان { مثل مآ أوتيتم } [آل عمران: 73]، كما قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110]، { أو يحآجوكم عند ربكم } [آل عمران: 73]، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء } [آل عمران: 73]، يا محمد { والله واسع } [آل عمران: 73]، عطاءه { عليم } [آل عمران: 73]، بمستحق عطائه، وأهل رحمته { يختص برحمته من يشآء } [آل عمران: 74]، مشيئة أزلية { والله ذو الفضل العظيم } [آل عمران: 74]، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: 113].

آل عمران 3:75

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: 78] ولا يعلمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

آل عمران 3:76

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: 78] ولا يعلمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

آل عمران 3:77

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: 78] ولا يعلمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

آل عمران 3:78

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: 78] ولا يعلمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

آل عمران 3:79

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: 78] ولا يعلمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

آل عمران 3:80

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون. { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47]، فافهم جيدا. ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: 78] ولا يعلمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226]. ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل القصة، كما قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين { بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.

آل عمران 3:81

ثم أخبر عن أخذ الميثاق لنصرة أهل الوفاق بقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } [آل عمران: 81]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم عليه السلام من صلبه كما أخذ الميثاق عليهم بالوحدانية لنفسه، فكذلك أخذ الميثاق عليهم بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه الأنبياء والأمم، وإن قال: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } [آل عمران: 81]، فإن الخطاب مع الأنبياء وأممهم يدل عليه قوله: { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]، بعض الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، وفي قوله تعالى: { ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } [آل عمران: 81]، فالخطاب مع أمة النبي بالإيمان به والنصر له، وإن ناصر كل نبي أمته بالإيمان والنصر له بأن يؤمنوا به وإن لم يدركوا زمانه ويواصوا أولادهم بأن يؤمنوا به، إن أدركوه فإن لم يدركوه فينصرونه نية في الغيبة والحضور، كقوله تعالى: ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب [البقرة: 132]، فلما أخذ الله تعالى على جميعهم الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا } [آل عمران: 81]؛ يعني: الأنبياء والأمم { أقررنا } [آل عمران: 81]؛ يعني للأنبياء على أنفسكم وعلى بعضكم بعضا وعلى الأمم كلها ولهذه الأمة خاصة وعلى الناس كافة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء لله في أرضه { قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } [آل عمران: 81]؛ يعني: مع كل طائفة منكم في كل زمان من الحاضرين معكم، أسمع وأرى ما تقولون فيه وتفطنون معه، { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]؛ يعني: عن الإيمان، والنصر له منكم معاشر الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، الخارجون عن عهدي والناكثون { أفغير دين الله يبغون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الذين يتولون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الإسلام، فإن دينه هو دين الله كقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19]، فمن تمسك بغير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ضل عن طريق الحق وابتغى غير دين الله، فإن الدين هو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع الإسلام لله تعالى بالوحدانية { وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها } [آل عمران: 83] يوم الميثاق، فمن شاهد الجمال أسلم له طوعا، ومن شاهد الجلال أسلم له كرها، فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري، بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم طوعا وكرها، كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]، قال تعالى: { وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الكافر والمؤمن يرجع إلى الله تعالى طوعا وكرها، فإن الذي يرجع إليه طوعا؛ فهو الذي يتمسك بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر عن سريرته صلى الله عليه وسلم؛ ليتمسك بسيرته بقوله تعالى: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا } [آل عمران: 84]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد مالك وإن لم يعتبر الحال بالقال؛ ليقتدوا بك وليعرفوا دينك آمنا بالله ليلة المعراج إيمانا عيانيا لأبياتنا، وما أنزل علينا حين فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، { ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [آل عمران: 84]، وأتاني { وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم } [آل عمران: 84]، إيتاء حقيقيا حتى فضلت على الأنبياء بما أوتيت جوامع الكلام وما أوتي أحد قبلي { لا نفرق بين أحد } [آل عمران: 84]؛ أي: لا نفرق بين أحد أنا وأمتي { منهم } [آل عمران: 84]، من الأنبياء بالإيمان لهم { ونحن له مسلمون } [آل عمران: 84]؛ أي: مستسلمون لجميع أوامره ونواهيه وأحكامه وقضائه في الدنيا والآخرة.

آل عمران 3:82

ثم أخبر عن أخذ الميثاق لنصرة أهل الوفاق بقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } [آل عمران: 81]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم عليه السلام من صلبه كما أخذ الميثاق عليهم بالوحدانية لنفسه، فكذلك أخذ الميثاق عليهم بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه الأنبياء والأمم، وإن قال: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } [آل عمران: 81]، فإن الخطاب مع الأنبياء وأممهم يدل عليه قوله: { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]، بعض الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، وفي قوله تعالى: { ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } [آل عمران: 81]، فالخطاب مع أمة النبي بالإيمان به والنصر له، وإن ناصر كل نبي أمته بالإيمان والنصر له بأن يؤمنوا به وإن لم يدركوا زمانه ويواصوا أولادهم بأن يؤمنوا به، إن أدركوه فإن لم يدركوه فينصرونه نية في الغيبة والحضور، كقوله تعالى: ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب [البقرة: 132]، فلما أخذ الله تعالى على جميعهم الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا } [آل عمران: 81]؛ يعني: الأنبياء والأمم { أقررنا } [آل عمران: 81]؛ يعني للأنبياء على أنفسكم وعلى بعضكم بعضا وعلى الأمم كلها ولهذه الأمة خاصة وعلى الناس كافة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء لله في أرضه { قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } [آل عمران: 81]؛ يعني: مع كل طائفة منكم في كل زمان من الحاضرين معكم، أسمع وأرى ما تقولون فيه وتفطنون معه، { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]؛ يعني: عن الإيمان، والنصر له منكم معاشر الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، الخارجون عن عهدي والناكثون { أفغير دين الله يبغون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الذين يتولون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الإسلام، فإن دينه هو دين الله كقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19]، فمن تمسك بغير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ضل عن طريق الحق وابتغى غير دين الله، فإن الدين هو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع الإسلام لله تعالى بالوحدانية { وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها } [آل عمران: 83] يوم الميثاق، فمن شاهد الجمال أسلم له طوعا، ومن شاهد الجلال أسلم له كرها، فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري، بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم طوعا وكرها، كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]، قال تعالى: { وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الكافر والمؤمن يرجع إلى الله تعالى طوعا وكرها، فإن الذي يرجع إليه طوعا؛ فهو الذي يتمسك بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر عن سريرته صلى الله عليه وسلم؛ ليتمسك بسيرته بقوله تعالى: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا } [آل عمران: 84]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد مالك وإن لم يعتبر الحال بالقال؛ ليقتدوا بك وليعرفوا دينك آمنا بالله ليلة المعراج إيمانا عيانيا لأبياتنا، وما أنزل علينا حين فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، { ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [آل عمران: 84]، وأتاني { وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم } [آل عمران: 84]، إيتاء حقيقيا حتى فضلت على الأنبياء بما أوتيت جوامع الكلام وما أوتي أحد قبلي { لا نفرق بين أحد } [آل عمران: 84]؛ أي: لا نفرق بين أحد أنا وأمتي { منهم } [آل عمران: 84]، من الأنبياء بالإيمان لهم { ونحن له مسلمون } [آل عمران: 84]؛ أي: مستسلمون لجميع أوامره ونواهيه وأحكامه وقضائه في الدنيا والآخرة.

آل عمران 3:83

ثم أخبر عن أخذ الميثاق لنصرة أهل الوفاق بقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } [آل عمران: 81]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم عليه السلام من صلبه كما أخذ الميثاق عليهم بالوحدانية لنفسه، فكذلك أخذ الميثاق عليهم بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه الأنبياء والأمم، وإن قال: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } [آل عمران: 81]، فإن الخطاب مع الأنبياء وأممهم يدل عليه قوله: { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]، بعض الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، وفي قوله تعالى: { ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } [آل عمران: 81]، فالخطاب مع أمة النبي بالإيمان به والنصر له، وإن ناصر كل نبي أمته بالإيمان والنصر له بأن يؤمنوا به وإن لم يدركوا زمانه ويواصوا أولادهم بأن يؤمنوا به، إن أدركوه فإن لم يدركوه فينصرونه نية في الغيبة والحضور، كقوله تعالى: ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب [البقرة: 132]، فلما أخذ الله تعالى على جميعهم الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا } [آل عمران: 81]؛ يعني: الأنبياء والأمم { أقررنا } [آل عمران: 81]؛ يعني للأنبياء على أنفسكم وعلى بعضكم بعضا وعلى الأمم كلها ولهذه الأمة خاصة وعلى الناس كافة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء لله في أرضه { قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } [آل عمران: 81]؛ يعني: مع كل طائفة منكم في كل زمان من الحاضرين معكم، أسمع وأرى ما تقولون فيه وتفطنون معه، { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]؛ يعني: عن الإيمان، والنصر له منكم معاشر الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، الخارجون عن عهدي والناكثون { أفغير دين الله يبغون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الذين يتولون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الإسلام، فإن دينه هو دين الله كقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19]، فمن تمسك بغير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ضل عن طريق الحق وابتغى غير دين الله، فإن الدين هو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع الإسلام لله تعالى بالوحدانية { وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها } [آل عمران: 83] يوم الميثاق، فمن شاهد الجمال أسلم له طوعا، ومن شاهد الجلال أسلم له كرها، فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري، بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم طوعا وكرها، كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]، قال تعالى: { وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الكافر والمؤمن يرجع إلى الله تعالى طوعا وكرها، فإن الذي يرجع إليه طوعا؛ فهو الذي يتمسك بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر عن سريرته صلى الله عليه وسلم؛ ليتمسك بسيرته بقوله تعالى: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا } [آل عمران: 84]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد مالك وإن لم يعتبر الحال بالقال؛ ليقتدوا بك وليعرفوا دينك آمنا بالله ليلة المعراج إيمانا عيانيا لأبياتنا، وما أنزل علينا حين فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، { ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [آل عمران: 84]، وأتاني { وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم } [آل عمران: 84]، إيتاء حقيقيا حتى فضلت على الأنبياء بما أوتيت جوامع الكلام وما أوتي أحد قبلي { لا نفرق بين أحد } [آل عمران: 84]؛ أي: لا نفرق بين أحد أنا وأمتي { منهم } [آل عمران: 84]، من الأنبياء بالإيمان لهم { ونحن له مسلمون } [آل عمران: 84]؛ أي: مستسلمون لجميع أوامره ونواهيه وأحكامه وقضائه في الدنيا والآخرة.

آل عمران 3:84

ثم أخبر عن أخذ الميثاق لنصرة أهل الوفاق بقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } [آل عمران: 81]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم عليه السلام من صلبه كما أخذ الميثاق عليهم بالوحدانية لنفسه، فكذلك أخذ الميثاق عليهم بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه الأنبياء والأمم، وإن قال: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } [آل عمران: 81]، فإن الخطاب مع الأنبياء وأممهم يدل عليه قوله: { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]، بعض الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، وفي قوله تعالى: { ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } [آل عمران: 81]، فالخطاب مع أمة النبي بالإيمان به والنصر له، وإن ناصر كل نبي أمته بالإيمان والنصر له بأن يؤمنوا به وإن لم يدركوا زمانه ويواصوا أولادهم بأن يؤمنوا به، إن أدركوه فإن لم يدركوه فينصرونه نية في الغيبة والحضور، كقوله تعالى: ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب [البقرة: 132]، فلما أخذ الله تعالى على جميعهم الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا } [آل عمران: 81]؛ يعني: الأنبياء والأمم { أقررنا } [آل عمران: 81]؛ يعني للأنبياء على أنفسكم وعلى بعضكم بعضا وعلى الأمم كلها ولهذه الأمة خاصة وعلى الناس كافة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء لله في أرضه { قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } [آل عمران: 81]؛ يعني: مع كل طائفة منكم في كل زمان من الحاضرين معكم، أسمع وأرى ما تقولون فيه وتفطنون معه، { فمن تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]؛ يعني: عن الإيمان، والنصر له منكم معاشر الأمم { فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، الخارجون عن عهدي والناكثون { أفغير دين الله يبغون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الذين يتولون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الإسلام، فإن دينه هو دين الله كقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19]، فمن تمسك بغير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ضل عن طريق الحق وابتغى غير دين الله، فإن الدين هو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع الإسلام لله تعالى بالوحدانية { وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها } [آل عمران: 83] يوم الميثاق، فمن شاهد الجمال أسلم له طوعا، ومن شاهد الجلال أسلم له كرها، فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري، بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم طوعا وكرها، كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65]، قال تعالى: { وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]؛ يعني: الكافر والمؤمن يرجع إلى الله تعالى طوعا وكرها، فإن الذي يرجع إليه طوعا؛ فهو الذي يتمسك بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر عن سريرته صلى الله عليه وسلم؛ ليتمسك بسيرته بقوله تعالى: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا } [آل عمران: 84]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد مالك وإن لم يعتبر الحال بالقال؛ ليقتدوا بك وليعرفوا دينك آمنا بالله ليلة المعراج إيمانا عيانيا لأبياتنا، وما أنزل علينا حين فأوحى إلى عبده مآ أوحى [النجم: 10]، { ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } [آل عمران: 84]، وأتاني { وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم } [آل عمران: 84]، إيتاء حقيقيا حتى فضلت على الأنبياء بما أوتيت جوامع الكلام وما أوتي أحد قبلي { لا نفرق بين أحد } [آل عمران: 84]؛ أي: لا نفرق بين أحد أنا وأمتي { منهم } [آل عمران: 84]، من الأنبياء بالإيمان لهم { ونحن له مسلمون } [آل عمران: 84]؛ أي: مستسلمون لجميع أوامره ونواهيه وأحكامه وقضائه في الدنيا والآخرة.

آل عمران 3:85

{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا } [آل عمران: 85]؛ أي: غير الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، { فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ويهتدوا إلى الله به { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله { وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات } [آل عمران: 86]، إيمانهم الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها { والله لا يهدي القوم الظالمين } [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } [آل عمران: 87]، الطرد والبعد { والملائكة } ، الطعن فيهم، كما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة { والناس } [آل عمران: 87]، نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم { أجمعين } [آل عمران: 87]، { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88]؛ أي: عذاب الطرد والبعد واللعن { ولا هم ينظرون } [آل عمران: 88]، لحظة من لمحة من العذاب { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه { من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، { وأصلحوا } [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى { فإن الله غفور رحيم } [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه.

آل عمران 3:86

{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا } [آل عمران: 85]؛ أي: غير الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، { فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ويهتدوا إلى الله به { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله { وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات } [آل عمران: 86]، إيمانهم الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها { والله لا يهدي القوم الظالمين } [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } [آل عمران: 87]، الطرد والبعد { والملائكة } ، الطعن فيهم، كما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة { والناس } [آل عمران: 87]، نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم { أجمعين } [آل عمران: 87]، { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88]؛ أي: عذاب الطرد والبعد واللعن { ولا هم ينظرون } [آل عمران: 88]، لحظة من لمحة من العذاب { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه { من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، { وأصلحوا } [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى { فإن الله غفور رحيم } [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه.

آل عمران 3:87

{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا } [آل عمران: 85]؛ أي: غير الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، { فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ويهتدوا إلى الله به { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله { وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات } [آل عمران: 86]، إيمانهم الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها { والله لا يهدي القوم الظالمين } [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } [آل عمران: 87]، الطرد والبعد { والملائكة } ، الطعن فيهم، كما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة { والناس } [آل عمران: 87]، نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم { أجمعين } [آل عمران: 87]، { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88]؛ أي: عذاب الطرد والبعد واللعن { ولا هم ينظرون } [آل عمران: 88]، لحظة من لمحة من العذاب { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه { من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، { وأصلحوا } [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى { فإن الله غفور رحيم } [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه.

آل عمران 3:88

{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا } [آل عمران: 85]؛ أي: غير الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، { فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ويهتدوا إلى الله به { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله { وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات } [آل عمران: 86]، إيمانهم الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها { والله لا يهدي القوم الظالمين } [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } [آل عمران: 87]، الطرد والبعد { والملائكة } ، الطعن فيهم، كما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة { والناس } [آل عمران: 87]، نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم { أجمعين } [آل عمران: 87]، { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88]؛ أي: عذاب الطرد والبعد واللعن { ولا هم ينظرون } [آل عمران: 88]، لحظة من لمحة من العذاب { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه { من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، { وأصلحوا } [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى { فإن الله غفور رحيم } [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه.

آل عمران 3:89

{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا } [آل عمران: 85]؛ أي: غير الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، { فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ويهتدوا إلى الله به { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله { وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات } [آل عمران: 86]، إيمانهم الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها { والله لا يهدي القوم الظالمين } [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } [آل عمران: 87]، الطرد والبعد { والملائكة } ، الطعن فيهم، كما قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة { والناس } [آل عمران: 87]، نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم { أجمعين } [آل عمران: 87]، { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88]؛ أي: عذاب الطرد والبعد واللعن { ولا هم ينظرون } [آل عمران: 88]، لحظة من لمحة من العذاب { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه { من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، { وأصلحوا } [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى { فإن الله غفور رحيم } [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه.

آل عمران 3:90

ثم أخبر عن الإمعان في الكفر بعد الإيمان بقوله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: 90]، إشارة في الآيتين: إن الذين ستروا أنوار الأرواح بأستار الصفات البشرية، وحجب الأوصاف الحيوانية بعد إيمانهم بإقرار التوحيد عند الميثاق، إذا قال: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، { ثم ازدادوا كفرا } [آل عمران: 90]، بمتابعة الهوى ومخالفة الشرع والحق، وتربية الصفات السبعية والشيطانية، { لن تقبل توبتهم } [آل عمران: 90]، الصادرة منهم باللسان دون إنابة القلب وسلامته من أوصاف الكفر؛ وهي من أحب الدنيا وإتباع الهوى والإقبال على شهوات النفس والإعراض عن الحق، { وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: 90]، في نية البهيمية والأخلاق السبعية حالة التوبة، ولا يهيمون أن يخرجوا منها بقدم الأنانية. { إن الذين كفروا } [آل عمران: 91]، وضلوا في هذا النية { وماتوا } [آل عمران: 91]؛ أي: ماتت قلوبهم { وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } [آل عمران: 91]؛ أي: بملء الأرض ذهبا من عذاب موت القلب { أولئك لهم عذاب أليم } [آل عمران: 91]، بموت القلب وفقد المعرفة { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 91]، على إحياء القلب بنور المعرفة، كما أحيى الله تعالى قلب المؤمن بنور المعرفة كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا [الأنعام: 122]. ثم أخبر عن نيل البر وإنه من إنفاق ما أحب إلى البر بقوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، إشارة في الآية: إنكم { لن تنالوا البر } [آل عمران: 92]، والبار هو صفته، { حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: 92]؛ أي: من أنفسكم؛ وهي أحب الأشياء إلى الخلق، { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]؛ يعني: أنفسكم في الله { فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، فبقدر ما تكونون له يكون لكم، كما قال: " من كان لله كان الله له " ، إن الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلة حتى أنفق مما أحبه؛ وهو نفسه، فافهم جيدا.

آل عمران 3:91

ثم أخبر عن الإمعان في الكفر بعد الإيمان بقوله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: 90]، إشارة في الآيتين: إن الذين ستروا أنوار الأرواح بأستار الصفات البشرية، وحجب الأوصاف الحيوانية بعد إيمانهم بإقرار التوحيد عند الميثاق، إذا قال: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، { ثم ازدادوا كفرا } [آل عمران: 90]، بمتابعة الهوى ومخالفة الشرع والحق، وتربية الصفات السبعية والشيطانية، { لن تقبل توبتهم } [آل عمران: 90]، الصادرة منهم باللسان دون إنابة القلب وسلامته من أوصاف الكفر؛ وهي من أحب الدنيا وإتباع الهوى والإقبال على شهوات النفس والإعراض عن الحق، { وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: 90]، في نية البهيمية والأخلاق السبعية حالة التوبة، ولا يهيمون أن يخرجوا منها بقدم الأنانية. { إن الذين كفروا } [آل عمران: 91]، وضلوا في هذا النية { وماتوا } [آل عمران: 91]؛ أي: ماتت قلوبهم { وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } [آل عمران: 91]؛ أي: بملء الأرض ذهبا من عذاب موت القلب { أولئك لهم عذاب أليم } [آل عمران: 91]، بموت القلب وفقد المعرفة { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 91]، على إحياء القلب بنور المعرفة، كما أحيى الله تعالى قلب المؤمن بنور المعرفة كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا [الأنعام: 122]. ثم أخبر عن نيل البر وإنه من إنفاق ما أحب إلى البر بقوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، إشارة في الآية: إنكم { لن تنالوا البر } [آل عمران: 92]، والبار هو صفته، { حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: 92]؛ أي: من أنفسكم؛ وهي أحب الأشياء إلى الخلق، { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]؛ يعني: أنفسكم في الله { فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، فبقدر ما تكونون له يكون لكم، كما قال: " من كان لله كان الله له " ، إن الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلة حتى أنفق مما أحبه؛ وهو نفسه، فافهم جيدا.

آل عمران 3:92

ثم أخبر عن الإمعان في الكفر بعد الإيمان بقوله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: 90]، إشارة في الآيتين: إن الذين ستروا أنوار الأرواح بأستار الصفات البشرية، وحجب الأوصاف الحيوانية بعد إيمانهم بإقرار التوحيد عند الميثاق، إذا قال: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172]، { ثم ازدادوا كفرا } [آل عمران: 90]، بمتابعة الهوى ومخالفة الشرع والحق، وتربية الصفات السبعية والشيطانية، { لن تقبل توبتهم } [آل عمران: 90]، الصادرة منهم باللسان دون إنابة القلب وسلامته من أوصاف الكفر؛ وهي من أحب الدنيا وإتباع الهوى والإقبال على شهوات النفس والإعراض عن الحق، { وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: 90]، في نية البهيمية والأخلاق السبعية حالة التوبة، ولا يهيمون أن يخرجوا منها بقدم الأنانية. { إن الذين كفروا } [آل عمران: 91]، وضلوا في هذا النية { وماتوا } [آل عمران: 91]؛ أي: ماتت قلوبهم { وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } [آل عمران: 91]؛ أي: بملء الأرض ذهبا من عذاب موت القلب { أولئك لهم عذاب أليم } [آل عمران: 91]، بموت القلب وفقد المعرفة { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 91]، على إحياء القلب بنور المعرفة، كما أحيى الله تعالى قلب المؤمن بنور المعرفة كقوله تعالى: أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا [الأنعام: 122]. ثم أخبر عن نيل البر وإنه من إنفاق ما أحب إلى البر بقوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، إشارة في الآية: إنكم { لن تنالوا البر } [آل عمران: 92]، والبار هو صفته، { حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: 92]؛ أي: من أنفسكم؛ وهي أحب الأشياء إلى الخلق، { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]؛ يعني: أنفسكم في الله { فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، فبقدر ما تكونون له يكون لكم، كما قال: " من كان لله كان الله له " ، إن الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلة حتى أنفق مما أحبه؛ وهو نفسه، فافهم جيدا.

آل عمران 3:93

ثم أخبر عما كان حلالا من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [آل عمران: 93]، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف: صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة. وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف: فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه، أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179]، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه وأسر في قوة روحه، أولئك هم خير البرية [البينة: 7]، فكان كل الطعام حلا كما كان حلالا للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69]. { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك } [آل عمران: 94]، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس { فأولئك هم الظالمون } [آل عمران: 94]، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد قال تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]، { قل صدق الله } [آل عمران: 95]، فيما قال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92]، { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } [آل عمران: 95]، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان، وهذه ملة الخلة، { وما كان من المشركين } [آل عمران: 95]، من الذين يتخذون مع الله إلها أخرا ويجعلون الشركة في الخلة. ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمنا لأهل الإفلاس بقوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } [آل عمران: 96]، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجا منه في الإنسان، وإن نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركا عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، { فيه ءايت بينت } [آل عمران: 97]، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: { مقام إبرهيم } [آل عمران: 97]؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: 97]؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد في رحمتي خليله كان أمنا من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه السلام مع النار، وكان عليه بردا وسلما [الأنبياء: 69]. ومنها: شهود الحق، وخلوه بالخروج عن نفسه كان أمنا من عذاب الحجاب. ثم أخبر عن وجوب زيارة البيت الخليل إن استطاع إليه سبيلا بقوله { ولله على الناس حج البيت } [آل عمران: 97]، إشارة في الآية: إن الله تعالى جعل البيت والحج إليه، وأركان الحج والمناسك كلها إشارات إلى السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه، فمن أركانه: الإحرام: وهو إشارة إلى الخروج من الرسوم، وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها التطهير عن الأخلاق، وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه. ومنها: الوقوف بعرفة: وهو إشارة إلى الوقوف بعرفان المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف: وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالطواف السبعة حول كعبة الربوبية. ومنها السعي: وهو إشارة إلى السير بين صفات ومروة الذات. ومنها الخلق: وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بمرسى الأنوار الإلوهية وعلى هذا فقس المناسك كلها، هذا البيت هادها إلى الله وفضله وطلبه بخلاف سائر أركان الإسلام، فإن قيل كل ركن منه يشير إلى طرف استعداد الطلب والقصد إلى الله، فالله خاطب العباد بقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97]، وما قال في شيء أخر من الأركان والواجبات { ولله على الناس } [آل عمران: 97]، وفائدته إن المقصود المشار إليه من الحج هو الله تعالى، وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات والاستطاعة في قوله تعالى: { من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97] هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها، { ومن كفر } [آل عمران: 97]؛ أي: لا يؤمن بوجدان الحق، ولا يتعرض لنفحات ألطافه، ولا يترقب لجذبات الإلوهية كما يشير إليها أركان الحج، { فإن الله غني عن العلمين } [آل عمران: 97]، بأن يستكمل بهم، وإنما الاستكمال للعالمين به والأغنى بهم عنه، ثم إليه عن كفر أهل الكتاب بعد هذا الخطاب بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 98]، إشارة في الآيات أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب، وباطنه من علماء السوء الذين يتبعون الدين بالدنيا وما يعملون. { لم تكفرون } [آل عمران: 98]؛ يعني: من طريق المعاملة { بآيات الله } [آل عمران: 98]؛ أي: بما جاء به القرآن من الزهد في الدنيا والورع والتقوى، ونهي النفس عن الهوى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود، { والله شهيد على ما تعملون } [آل عمران: 98]، حاضر معكم ناظر إلى نياتكم في أعمال الخير ويجازيكم بها، { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 99]؛ أي: علماء السوء { لم تصدون عن سبيل الله من آمن } [آل عمران: 99]؛ أي: لم تصرفون بحرصكم عن الدنيا وإتباعكم الهوى المؤمنين الذين يتبعونكم بحسن الظن، ويحسبون أن أعمالكم وأحوالكم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الدين، أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه كما قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]؛ والحكمة هي: الدعوة بطريق المعاملة وسلوك سبيل الله ليتخلق التابع بإتباع المتبوع، { تبغونها عوجا } [آل عمران: 99]؛ أي: وتطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل { وأنتم شهدآء } [آل عمران: 99]، تعلمون فساد أحوالكم ما لكم فيما تعملون { وما الله بغافل عما تعملون } [آل عمران: 99] بعلمه كما تعلمون وهو الذي قضى عليكم به في البداية ويجازيكم عليه في النهاية.

آل عمران 3:94

ثم أخبر عما كان حلالا من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [آل عمران: 93]، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف: صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة. وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف: فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه، أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179]، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه وأسر في قوة روحه، أولئك هم خير البرية [البينة: 7]، فكان كل الطعام حلا كما كان حلالا للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69]. { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك } [آل عمران: 94]، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس { فأولئك هم الظالمون } [آل عمران: 94]، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد قال تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]، { قل صدق الله } [آل عمران: 95]، فيما قال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92]، { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } [آل عمران: 95]، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان، وهذه ملة الخلة، { وما كان من المشركين } [آل عمران: 95]، من الذين يتخذون مع الله إلها أخرا ويجعلون الشركة في الخلة. ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمنا لأهل الإفلاس بقوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } [آل عمران: 96]، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجا منه في الإنسان، وإن نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركا عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، { فيه ءايت بينت } [آل عمران: 97]، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: { مقام إبرهيم } [آل عمران: 97]؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: 97]؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد في رحمتي خليله كان أمنا من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه السلام مع النار، وكان عليه بردا وسلما [الأنبياء: 69]. ومنها: شهود الحق، وخلوه بالخروج عن نفسه كان أمنا من عذاب الحجاب. ثم أخبر عن وجوب زيارة البيت الخليل إن استطاع إليه سبيلا بقوله { ولله على الناس حج البيت } [آل عمران: 97]، إشارة في الآية: إن الله تعالى جعل البيت والحج إليه، وأركان الحج والمناسك كلها إشارات إلى السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه، فمن أركانه: الإحرام: وهو إشارة إلى الخروج من الرسوم، وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها التطهير عن الأخلاق، وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه. ومنها: الوقوف بعرفة: وهو إشارة إلى الوقوف بعرفان المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف: وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالطواف السبعة حول كعبة الربوبية. ومنها السعي: وهو إشارة إلى السير بين صفات ومروة الذات. ومنها الخلق: وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بمرسى الأنوار الإلوهية وعلى هذا فقس المناسك كلها، هذا البيت هادها إلى الله وفضله وطلبه بخلاف سائر أركان الإسلام، فإن قيل كل ركن منه يشير إلى طرف استعداد الطلب والقصد إلى الله، فالله خاطب العباد بقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97]، وما قال في شيء أخر من الأركان والواجبات { ولله على الناس } [آل عمران: 97]، وفائدته إن المقصود المشار إليه من الحج هو الله تعالى، وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات والاستطاعة في قوله تعالى: { من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97] هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها، { ومن كفر } [آل عمران: 97]؛ أي: لا يؤمن بوجدان الحق، ولا يتعرض لنفحات ألطافه، ولا يترقب لجذبات الإلوهية كما يشير إليها أركان الحج، { فإن الله غني عن العلمين } [آل عمران: 97]، بأن يستكمل بهم، وإنما الاستكمال للعالمين به والأغنى بهم عنه، ثم إليه عن كفر أهل الكتاب بعد هذا الخطاب بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 98]، إشارة في الآيات أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب، وباطنه من علماء السوء الذين يتبعون الدين بالدنيا وما يعملون. { لم تكفرون } [آل عمران: 98]؛ يعني: من طريق المعاملة { بآيات الله } [آل عمران: 98]؛ أي: بما جاء به القرآن من الزهد في الدنيا والورع والتقوى، ونهي النفس عن الهوى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود، { والله شهيد على ما تعملون } [آل عمران: 98]، حاضر معكم ناظر إلى نياتكم في أعمال الخير ويجازيكم بها، { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 99]؛ أي: علماء السوء { لم تصدون عن سبيل الله من آمن } [آل عمران: 99]؛ أي: لم تصرفون بحرصكم عن الدنيا وإتباعكم الهوى المؤمنين الذين يتبعونكم بحسن الظن، ويحسبون أن أعمالكم وأحوالكم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الدين، أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه كما قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]؛ والحكمة هي: الدعوة بطريق المعاملة وسلوك سبيل الله ليتخلق التابع بإتباع المتبوع، { تبغونها عوجا } [آل عمران: 99]؛ أي: وتطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل { وأنتم شهدآء } [آل عمران: 99]، تعلمون فساد أحوالكم ما لكم فيما تعملون { وما الله بغافل عما تعملون } [آل عمران: 99] بعلمه كما تعلمون وهو الذي قضى عليكم به في البداية ويجازيكم عليه في النهاية.

آل عمران 3:95

ثم أخبر عما كان حلالا من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [آل عمران: 93]، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف: صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة. وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف: فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه، أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179]، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه وأسر في قوة روحه، أولئك هم خير البرية [البينة: 7]، فكان كل الطعام حلا كما كان حلالا للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69]. { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك } [آل عمران: 94]، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس { فأولئك هم الظالمون } [آل عمران: 94]، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد قال تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده [الحج: 78]، { قل صدق الله } [آل عمران: 95]، فيما قال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92]، { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } [آل عمران: 95]، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان، وهذه ملة الخلة، { وما كان من المشركين } [آل عمران: 95]، من الذين يتخذون مع الله إلها أخرا ويجعلون الشركة في الخلة. ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمنا لأهل الإفلاس بقوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } [آل عمران: 96]، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجا منه في الإنسان، وإن نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركا عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، { فيه ءايت بينت } [آل عمران: 97]، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: { مقام إبرهيم } [آل عمران: 97]؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: 97]؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد في رحمتي خليله كان أمنا من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه السلام مع النار، وكان عليه بردا وسلما [الأنبياء: 69]. ومنها: شهود الحق، وخلوه بالخروج عن نفسه كان أمنا من عذاب الحجاب. ثم أخبر عن وجوب زيارة البيت الخليل إن استطاع إليه سبيلا بقوله { ولله على الناس حج البيت } [آل عمران: 97]، إشارة في الآية: إن الله تعالى جعل البيت والحج إليه، وأركان الحج والمناسك كلها إشارات إلى السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه، فمن أركانه: الإحرام: وهو إشارة إلى الخروج من الرسوم، وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها التطهير عن الأخلاق، وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه. ومنها: الوقوف بعرفة: وهو إشارة إلى الوقوف بعرفان المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف: وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالطواف السبعة حول كعبة الربوبية. ومنها السعي: وهو إشارة إلى السير بين صفات ومروة الذات. ومنها الخلق: وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بمرسى الأنوار الإلوهية وعلى هذا فقس المناسك كلها، هذا البيت هادها إلى الله وفضله وطلبه بخلاف سائر أركان الإسلام، فإن قيل كل ركن منه يشير إلى طرف استعداد الطلب والقصد إلى الله، فالله خاطب العباد بقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97]، وما قال في شيء أخر من الأركان والواجبات { ولله على الناس } [آل عمران: 97]، وفائدته إن المقصود المشار إليه من الحج هو الله تعالى، وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات والاستطاعة في قوله تعالى: { من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97] هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها، { ومن كفر } [آل عمران: 97]؛ أي: لا يؤمن بوجدان الحق، ولا يتعرض لنفحات ألطافه، ولا يترقب لجذبات الإلوهية كما يشير إليها أركان الحج، { فإن الله غني عن العلمين } [آل عمران: 97]، بأن يستكمل بهم، وإنما الاستكمال للعالمين به والأغنى بهم عنه، ثم إليه عن كفر أهل الكتاب بعد هذا الخطاب بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 98]، إشارة في الآيات أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب، وباطنه من علماء السوء الذين يتبعون الدين بالدنيا وما يعملون. { لم تكفرون } [آل عمران: 98]؛ يعني: من طريق المعاملة { بآيات الله } [آل عمران: 98]؛ أي: بما جاء به القرآن من الزهد في الدنيا والورع والتقوى، ونهي النفس عن الهوى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود، { والله شهيد على ما تعملون } [آل عمران: 98]، حاضر معكم ناظر إلى نياتكم في أعمال الخير ويجازيكم بها، { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 99]؛ أي: علماء السوء { لم تصدون عن سبيل الله من آمن } [آل عمران: 99]؛ أي: لم تصرفون بحرصكم عن الدنيا وإتباعكم الهوى المؤمنين الذين يتبعونكم بحسن الظن، ويحسبون أن أعمالكم وأحوالكم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الدين، أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه كما قال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]؛ والحكمة هي: الدعوة بطريق المعاملة وسلوك سبيل الله ليتخلق التابع بإتباع المتبوع، { تبغونها عوجا } [آل عمران: 99]؛ أي: وتطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل { وأنتم شهدآء } [آل عمران: 99]، تعلمون فساد أحوالكم ما لكم فيما تعملون { وما الله بغافل عما تعملون } [آل عمران: 99] بعلمه كما تعلمون وهو الذي قضى عليكم به في البداية ويجازيكم عليه في النهاية.