التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — النساء 4:151 – المائدة 5:111
المحتويات
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:84
- المائدة 5:85
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
النساء 4:151
ثم قال تعالى: { إن تبدوا خيرا } [النساء: 149]؛ يعني: مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيها للخلق وأفادت بالحق، { أو تخفوه } [النساء: 149] صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب، وفطامها من المشارب، { أو تعفوا عن سوء } [النساء: 149] مما يدعوكم إليه سوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل إظهاره سوء، فإن الله عفو، فتكون عفوا متخلقا بأخلاقه متصفا بصفاته، وأيضا { فإن الله كان } [النساء: 149] في الأزل، { عفوا } [النساء: 149] عنك بأن لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفوا عما سواه، وكان هو { قديرا } [النساء: 149] على خذلانكم حتى لا يقدر على أن يعفوا عن مثقال ذرة لكفرانك،
إن الإنسان لظلوم كفار
[إبراهيم: 34].
ثم أخبر عن لوم الإحسان وكفرانه، وعن كرم الحق وغفرانه بقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بالله ورسله } [النساء: 150]، إشارة فيها: إن الذين يكفرون بالله ورسله ومنها { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } [النساء: 150]، ومنها { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } [النساء: 150]؛ يعني: بين أنهم يؤمنون ببعض من الكتب والرسل ويكفرون ببعض، فيضعون ذنبا ومذهبا يضلون به الخلق عن الصراط المستقيم والدين القويم، فلما ازدادوا كفر وضلالة حتى آل أمرهم في الكفر إلى أن يصنعوا ذنبا في الضلال؛ ليضلوا الناس به عن طريق الحق، وصار كفرهم حقيقيا فسماهم الله في الكفر حقا، وقال تعالى: { أولئك هم الكافرون حقا } [النساء: 151]؛ يعني: الذين أخطأهم النور عند الرشاش على الأرواح، { وأعتدنا للكافرين } [النساء: 151]، في يوم رش النور { عذابا مهينا } [النساء: 151]؛ لحرمانهم عن تلك السعادة إذا كرم المؤمنين بإصابة ذلك النور، وأهين الكافرين بحرمانهم عنهم، وفي الآية دلالة على أن الإيمان لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص؛ لأنه لو كان متجزئا لكان من يؤمن بالله وببعض الكتب والرسل جزء من الإيمان، فلما لم يكن لهم من الإيمان شيء علمنا إنه لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص فحسب، مثل نور الشمس وضياؤه إذا دخل البيت من كوة فيزيد وينقص بحسب زيادة الكوة ونقصانها، ولكن لا يمكن تجزئتها البتة بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذي الشمس، والآية تدل على أن الإيمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه وإنما يحصل بحصول شرائط نتائجه منه.
النساء 4:152
كما أخبر عن الإيمان ونتائجه فقال تعالى: { والذين آمنوا بالله ورسله } [النساء: 152]، فكان من نتائج إيمانهم { ولم يفرقوا بين أحد منهم } [النساء: 152]؛ أي: من رسله، ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه، كما قال تعالى: { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } [النساء: 152]، ومن شرائط الإيمان ما قال تعالى: { وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 152]، يعني: كان في الأزل غفورا بإصابة النور أرواح المؤمنين، ولولا ذلك لما آمنوا، رحيما بهم بإفاضة النور عليهم.
ثم أخبر عن الكفر ونتائجه بقوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب } [النساء: 153]، والإشارة فيها: إن من نتائج كفرهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم { أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسى } [النساء: 153] من نتائج كفرهم، { أكبر من ذلك } [النساء: 153] من بعد ما سمعوا كلام الله، { فقالوا أرنا الله جهرة } [النساء: 153]، وما طلبوا الرؤية على وجه التعظيم أو على وجه التصديق، ولا حملهم عليه شدة الشوق أو ألم الفراق كما كان الفراق، كما كان لموسى عليه السلام حين
قال رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ولعل ضربة موسى عليه السلام في جواب
لن تراني
[الأعراف: 143]، كانت من شؤم القوم، وما كان في أنفسهم من سوء أدب هذا السؤال؛ لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نيتهم فما اتعظوا بحال نيتهم؛ لأنهم كانوا أشقياء، والسعيد من وعظ بغيره حتى ادركتهم الشقاوة الأزلية، { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } [النساء: 153] بأن طمعوا في فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها، { ثم } [النساء: 153]، من نتائج كفرهم { اتخذوا العجل } [النساء: 153]، العجل إلها وعبدوه، { من بعد ما جآءتهم البينات فعفونا عن ذلك } [النساء: 153]، ما نفعتهم البينات والمعجزات أيضا من نتائج الكفر، من طبع كافرا ولو يرى الله جهرة فإنه لا يؤمن به، ومن طبع مؤمنا عند رشاش النور بإصابته فإنه يؤمن بنبي لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة أو بينة، كما كان الصديق رضي الله عنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بعثت " ، فقال: " صدقت " ولم يتلعثم، وكما كان حال موسى عليه السلام فإنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلام ولا المعجزة فقد آمن به، ثم قال تعالى: { وآتينا موسى سلطانا مبينا } [النساء: 153]؛ وهو ظاهر الآيات التسع، وفي الباطن برهانا من وارد الحق، مظهرا ما تعجز النفس عن تكذيبه، والسلطان المبين الحق الظاهر بحيث لا يحتجب بشيء ولا يحجبه شيء.
النساء 4:153
كما أخبر عن الإيمان ونتائجه فقال تعالى: { والذين آمنوا بالله ورسله } [النساء: 152]، فكان من نتائج إيمانهم { ولم يفرقوا بين أحد منهم } [النساء: 152]؛ أي: من رسله، ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه، كما قال تعالى: { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } [النساء: 152]، ومن شرائط الإيمان ما قال تعالى: { وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 152]، يعني: كان في الأزل غفورا بإصابة النور أرواح المؤمنين، ولولا ذلك لما آمنوا، رحيما بهم بإفاضة النور عليهم.
ثم أخبر عن الكفر ونتائجه بقوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب } [النساء: 153]، والإشارة فيها: إن من نتائج كفرهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم { أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسى } [النساء: 153] من نتائج كفرهم، { أكبر من ذلك } [النساء: 153] من بعد ما سمعوا كلام الله، { فقالوا أرنا الله جهرة } [النساء: 153]، وما طلبوا الرؤية على وجه التعظيم أو على وجه التصديق، ولا حملهم عليه شدة الشوق أو ألم الفراق كما كان الفراق، كما كان لموسى عليه السلام حين
قال رب أرني أنظر إليك
[الأعراف: 143]، ولعل ضربة موسى عليه السلام في جواب
لن تراني
[الأعراف: 143]، كانت من شؤم القوم، وما كان في أنفسهم من سوء أدب هذا السؤال؛ لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نيتهم فما اتعظوا بحال نيتهم؛ لأنهم كانوا أشقياء، والسعيد من وعظ بغيره حتى ادركتهم الشقاوة الأزلية، { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } [النساء: 153] بأن طمعوا في فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها، { ثم } [النساء: 153]، من نتائج كفرهم { اتخذوا العجل } [النساء: 153]، العجل إلها وعبدوه، { من بعد ما جآءتهم البينات فعفونا عن ذلك } [النساء: 153]، ما نفعتهم البينات والمعجزات أيضا من نتائج الكفر، من طبع كافرا ولو يرى الله جهرة فإنه لا يؤمن به، ومن طبع مؤمنا عند رشاش النور بإصابته فإنه يؤمن بنبي لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة أو بينة، كما كان الصديق رضي الله عنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بعثت " ، فقال: " صدقت " ولم يتلعثم، وكما كان حال موسى عليه السلام فإنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلام ولا المعجزة فقد آمن به، ثم قال تعالى: { وآتينا موسى سلطانا مبينا } [النساء: 153]؛ وهو ظاهر الآيات التسع، وفي الباطن برهانا من وارد الحق، مظهرا ما تعجز النفس عن تكذيبه، والسلطان المبين الحق الظاهر بحيث لا يحتجب بشيء ولا يحجبه شيء.
النساء 4:154
ثم أخبر عن بقية نتائج الكفر بقوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } [النساء: 154] والإشارة فيها لأرباب العناية هداية على هداية تكون على أصحاب الجهالة ضلالة على ضلالة قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا } [النساء: 154]، كانت آية عظيمة من الآيات التي ابتلي بها بنو إسرائيل، وكان من خذلانهم وشؤم كفرانهم أنهم كلما رأوا آية في الظاهر زادوا جحدهم في الباطن، فلم ينفعهم زيادة نصب الإعلام لما لم ينفتح لشهودها بصائر قلوبهم قال الله تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101]، فكلما ازداد جحودهم زاد بلاؤهم، فازداد ابتلاؤهم فابتلوا بدخول { الباب سجدا } [النساء: 154]، فما خرجوا عن عهدته فزاد البلاء والابتلاء فابتلوا بترك اصطياد الحوت، { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } [النساء: 154]، فاعتدوا فيه فزادهم البلاء والابتلاء فابتلوا بالأخذ، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } [النساء: 154]، فنقضوا العهد وأرادوا الجحد، فلحقهم شؤم المخالفات بترك الموافقات إلى أن جرهم إلى الكفر بالآيات، ثم بشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا الأنبياء بغير حق، ثم بشؤم ذلك تجاسروا حتى ادعوا بشدة التفهم، { وقولهم قلوبنا غلف } [النساء: 155]، أدعية العلوم رد الله عليهم فقال: { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 155]؛ أي: ختم قلوبهم [بسبب] كفرهم وسوء معاملاتهم كما قال تعالى:
بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14] محجوبون على العرفان حتى بالغوا في الخذلان وأوقعوا في البهتان كما قال تعالى: { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } [النساء: 156]، فقوم تقولوا على مريم فرموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحد في تعظيمها فقالوا: ابنها ابن الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال.
ويقال: مريم عليها السلام كانت ولية الله، فشقي بها فرقتان أهل الإفراط وأهل التفريط، وكذلك كل ولي سبحانه وتعالى، فمنكرهم شقي بترك احترامهم وطلب أذيتهم، والذين يعتقدون فيهم مالا يستوجبون يشقون بزيادة إعظامهم، وعلى هذه الجملة ورج الأكثرون.
النساء 4:155
ثم أخبر عن بقية نتائج الكفر بقوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } [النساء: 154] والإشارة فيها لأرباب العناية هداية على هداية تكون على أصحاب الجهالة ضلالة على ضلالة قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا } [النساء: 154]، كانت آية عظيمة من الآيات التي ابتلي بها بنو إسرائيل، وكان من خذلانهم وشؤم كفرانهم أنهم كلما رأوا آية في الظاهر زادوا جحدهم في الباطن، فلم ينفعهم زيادة نصب الإعلام لما لم ينفتح لشهودها بصائر قلوبهم قال الله تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101]، فكلما ازداد جحودهم زاد بلاؤهم، فازداد ابتلاؤهم فابتلوا بدخول { الباب سجدا } [النساء: 154]، فما خرجوا عن عهدته فزاد البلاء والابتلاء فابتلوا بترك اصطياد الحوت، { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } [النساء: 154]، فاعتدوا فيه فزادهم البلاء والابتلاء فابتلوا بالأخذ، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } [النساء: 154]، فنقضوا العهد وأرادوا الجحد، فلحقهم شؤم المخالفات بترك الموافقات إلى أن جرهم إلى الكفر بالآيات، ثم بشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا الأنبياء بغير حق، ثم بشؤم ذلك تجاسروا حتى ادعوا بشدة التفهم، { وقولهم قلوبنا غلف } [النساء: 155]، أدعية العلوم رد الله عليهم فقال: { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 155]؛ أي: ختم قلوبهم [بسبب] كفرهم وسوء معاملاتهم كما قال تعالى:
بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14] محجوبون على العرفان حتى بالغوا في الخذلان وأوقعوا في البهتان كما قال تعالى: { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } [النساء: 156]، فقوم تقولوا على مريم فرموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحد في تعظيمها فقالوا: ابنها ابن الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال.
ويقال: مريم عليها السلام كانت ولية الله، فشقي بها فرقتان أهل الإفراط وأهل التفريط، وكذلك كل ولي سبحانه وتعالى، فمنكرهم شقي بترك احترامهم وطلب أذيتهم، والذين يعتقدون فيهم مالا يستوجبون يشقون بزيادة إعظامهم، وعلى هذه الجملة ورج الأكثرون.
النساء 4:156
ثم أخبر عن بقية نتائج الكفر بقوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } [النساء: 154] والإشارة فيها لأرباب العناية هداية على هداية تكون على أصحاب الجهالة ضلالة على ضلالة قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا } [النساء: 154]، كانت آية عظيمة من الآيات التي ابتلي بها بنو إسرائيل، وكان من خذلانهم وشؤم كفرانهم أنهم كلما رأوا آية في الظاهر زادوا جحدهم في الباطن، فلم ينفعهم زيادة نصب الإعلام لما لم ينفتح لشهودها بصائر قلوبهم قال الله تعالى:
وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون
[يونس: 101]، فكلما ازداد جحودهم زاد بلاؤهم، فازداد ابتلاؤهم فابتلوا بدخول { الباب سجدا } [النساء: 154]، فما خرجوا عن عهدته فزاد البلاء والابتلاء فابتلوا بترك اصطياد الحوت، { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } [النساء: 154]، فاعتدوا فيه فزادهم البلاء والابتلاء فابتلوا بالأخذ، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } [النساء: 154]، فنقضوا العهد وأرادوا الجحد، فلحقهم شؤم المخالفات بترك الموافقات إلى أن جرهم إلى الكفر بالآيات، ثم بشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا الأنبياء بغير حق، ثم بشؤم ذلك تجاسروا حتى ادعوا بشدة التفهم، { وقولهم قلوبنا غلف } [النساء: 155]، أدعية العلوم رد الله عليهم فقال: { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 155]؛ أي: ختم قلوبهم [بسبب] كفرهم وسوء معاملاتهم كما قال تعالى:
بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14] محجوبون على العرفان حتى بالغوا في الخذلان وأوقعوا في البهتان كما قال تعالى: { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } [النساء: 156]، فقوم تقولوا على مريم فرموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحد في تعظيمها فقالوا: ابنها ابن الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال.
ويقال: مريم عليها السلام كانت ولية الله، فشقي بها فرقتان أهل الإفراط وأهل التفريط، وكذلك كل ولي سبحانه وتعالى، فمنكرهم شقي بترك احترامهم وطلب أذيتهم، والذين يعتقدون فيهم مالا يستوجبون يشقون بزيادة إعظامهم، وعلى هذه الجملة ورج الأكثرون.
النساء 4:157
ثم بلغوا في الكفر حد المنتهى وغاية القصوى حتى هموا بقتل عيسى عليه السلام روح الله وكلمته العليا، { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا } [النساء: 157]، { بل رفعه الله إليه } [النساء: 158]، وأنعم عليه بالإفاضة مما لديه، { وكان الله عزيزا } [النساء: 158]، اعز من أن يتخذ ولدا مثل عيسى عليه السلام أو غيره،
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93]، { حكيما } [النساء: 158]، يخلق بحكمته ما يشاء، ويختار ويرفع إليه من يشاء، ويجير ولا يجار عليه.
ثم أخبر عن نزول عيسى عليه السلام ليعلم أنه ليس في الموتى بقوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]؛ أي: وقت نزوله، والإشارة فيها: إن الله عز وجل لما ذكر من كمال عيسى عليه السلام بقوله: { وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه } [النساء: 157-158]؛ ليعلم قوما من الذين قالوا: المسيح ابن الله إذا سمعوا هذا القول يسبق وهمهم إلى تصديق مقالهم، فالإشارة في قوله: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } [النساء: 159]، إلى نزول عيسى عليه السلام من السماء وإلى موته؛ ليعلم أنه لو كان ابنا كما زعموا لما نزل إلى الأرض بعدما رفع وما مات؛ وفيه معنى آخر: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]، وذلك أن اليهود يؤمنون به بعد نزوله وقتله الدجال، وإظهاره وتقريره دين الإسلام وتقويته المسلمين، ومتابعته النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف المسلمين، وكسره الصليب وقتله الخنزير وأمثال هذا، فيتحقق لهم صدق نبوته بهذه الدلالات وبإظهار العبودية، فيتحقق لهم أنه عبد نبي لو كان ابنا لما كان متابعا لنبي آخر لاستغنائه عنه، { ويوم القيامة يكون عليهم } [النساء: 159] بالإيمان { شهيدا } [النساء: 159].
النساء 4:158
ثم بلغوا في الكفر حد المنتهى وغاية القصوى حتى هموا بقتل عيسى عليه السلام روح الله وكلمته العليا، { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا } [النساء: 157]، { بل رفعه الله إليه } [النساء: 158]، وأنعم عليه بالإفاضة مما لديه، { وكان الله عزيزا } [النساء: 158]، اعز من أن يتخذ ولدا مثل عيسى عليه السلام أو غيره،
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93]، { حكيما } [النساء: 158]، يخلق بحكمته ما يشاء، ويختار ويرفع إليه من يشاء، ويجير ولا يجار عليه.
ثم أخبر عن نزول عيسى عليه السلام ليعلم أنه ليس في الموتى بقوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]؛ أي: وقت نزوله، والإشارة فيها: إن الله عز وجل لما ذكر من كمال عيسى عليه السلام بقوله: { وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه } [النساء: 157-158]؛ ليعلم قوما من الذين قالوا: المسيح ابن الله إذا سمعوا هذا القول يسبق وهمهم إلى تصديق مقالهم، فالإشارة في قوله: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } [النساء: 159]، إلى نزول عيسى عليه السلام من السماء وإلى موته؛ ليعلم أنه لو كان ابنا كما زعموا لما نزل إلى الأرض بعدما رفع وما مات؛ وفيه معنى آخر: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]، وذلك أن اليهود يؤمنون به بعد نزوله وقتله الدجال، وإظهاره وتقريره دين الإسلام وتقويته المسلمين، ومتابعته النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف المسلمين، وكسره الصليب وقتله الخنزير وأمثال هذا، فيتحقق لهم صدق نبوته بهذه الدلالات وبإظهار العبودية، فيتحقق لهم أنه عبد نبي لو كان ابنا لما كان متابعا لنبي آخر لاستغنائه عنه، { ويوم القيامة يكون عليهم } [النساء: 159] بالإيمان { شهيدا } [النساء: 159].
النساء 4:159
ثم بلغوا في الكفر حد المنتهى وغاية القصوى حتى هموا بقتل عيسى عليه السلام روح الله وكلمته العليا، { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا } [النساء: 157]، { بل رفعه الله إليه } [النساء: 158]، وأنعم عليه بالإفاضة مما لديه، { وكان الله عزيزا } [النساء: 158]، اعز من أن يتخذ ولدا مثل عيسى عليه السلام أو غيره،
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93]، { حكيما } [النساء: 158]، يخلق بحكمته ما يشاء، ويختار ويرفع إليه من يشاء، ويجير ولا يجار عليه.
ثم أخبر عن نزول عيسى عليه السلام ليعلم أنه ليس في الموتى بقوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]؛ أي: وقت نزوله، والإشارة فيها: إن الله عز وجل لما ذكر من كمال عيسى عليه السلام بقوله: { وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه } [النساء: 157-158]؛ ليعلم قوما من الذين قالوا: المسيح ابن الله إذا سمعوا هذا القول يسبق وهمهم إلى تصديق مقالهم، فالإشارة في قوله: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } [النساء: 159]، إلى نزول عيسى عليه السلام من السماء وإلى موته؛ ليعلم أنه لو كان ابنا كما زعموا لما نزل إلى الأرض بعدما رفع وما مات؛ وفيه معنى آخر: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]، وذلك أن اليهود يؤمنون به بعد نزوله وقتله الدجال، وإظهاره وتقريره دين الإسلام وتقويته المسلمين، ومتابعته النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف المسلمين، وكسره الصليب وقتله الخنزير وأمثال هذا، فيتحقق لهم صدق نبوته بهذه الدلالات وبإظهار العبودية، فيتحقق لهم أنه عبد نبي لو كان ابنا لما كان متابعا لنبي آخر لاستغنائه عنه، { ويوم القيامة يكون عليهم } [النساء: 159] بالإيمان { شهيدا } [النساء: 159].
النساء 4:160
ثم أخبر عن تتمة نتائج كفرهم بقوله: { فبظلم من الذين هادوا } [النساء: 160]، إلى قوله { أجرا عظيما } [النساء: 162]؛ لكنه قال تعالى لهم: { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وقال تعالى:
ويحل لهم الطيبات
[الأعراف: 157] وقال تعالى:
وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا
[المائدة: 88]، فلم يحرم علينا شيئا بذنوبنا، وكما [عفانا] من تحريم الطيبات في هذه الآية نرجوا أن [يعافينا] في الآخرة من العذاب الأليم؛ لأنه جمع بينهما في الذكر في هذه الآية، وقال أهل الإشارات: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات، وقال الشيخ رحمه الله الإسراف في ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجات، والإشارة فيهما: إن الظلم من شيمة الإنسان؛ يعني: نفس الإنسان؛ لأنه خلق ظلوما جهولا، فالظالم من يظلم غيره، والظلوم من يظلم نفسه، وإلى هذا أشار بقوله تعالى { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [النساء: 160]؛ يعني: لما ظلموا أنفسهم بنقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، والكفر بعيسى وتقول البهتان على مريم،
وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم
[النساء: 157]، { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } [النساء: 160].
{ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } [النساء: 161] وغير ذلك من المخالفات، حرمنا عليهم بإبطال استعدادهم طيبات من مقام القربات والدرجات والغرفات، { أحلت لهم } [النساء: 160]؛ أي: لأرواحهم الطيبين الظاهرين قبل التلوث بقذر المخالفات، فإن
والطيبات للطيبين
[النور: 26]،
" فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب "
، وإنهم لما أشركوا تنجسوا، فإن المشركين نجس، فحرموا من تلك الطيبات، وصدوا عن سبيل الله وكفروا به، { وأعتدنا للكافرين منهم } [النساء: 161]؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم بهذه المخالفات، { عذابا أليما } [النساء: 161]، بالحرمان عن الدرجات والقربات.
{ لكن الراسخون في العلم منهم } [النساء: 162]؛ أي: من الذين هادوا، والراسخون في العلم؛ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية الدينية، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه فإنه كان عالما في النورية وقد قرأ فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان راسخا في العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة، فقال: لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت بأنه ليس بوجه كاذب فآمن به، ولما لم يكن للأحبار رسوخ في العلم وإن قرأوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في النورية فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفوه فكفروا به، كقوله تعالى: فلما جاءهم { لكن الراسخون في العلم } [النساء: 162] مؤمني أهل الكتاب، ووصفهم بقوله تعالى: { والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } [النساء: 162]، والأجر العظيم هو المسبوق بالعناية الأزلية، وهو ثمرة بذر رشاش النور في بدء الخلقة، وقدر عظيم الأجر لكل واحد على قدر كمالية الثمرة وبلاغتها، فافهم جيدا.
النساء 4:161
ثم أخبر عن تتمة نتائج كفرهم بقوله: { فبظلم من الذين هادوا } [النساء: 160]، إلى قوله { أجرا عظيما } [النساء: 162]؛ لكنه قال تعالى لهم: { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وقال تعالى:
ويحل لهم الطيبات
[الأعراف: 157] وقال تعالى:
وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا
[المائدة: 88]، فلم يحرم علينا شيئا بذنوبنا، وكما [عفانا] من تحريم الطيبات في هذه الآية نرجوا أن [يعافينا] في الآخرة من العذاب الأليم؛ لأنه جمع بينهما في الذكر في هذه الآية، وقال أهل الإشارات: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات، وقال الشيخ رحمه الله الإسراف في ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجات، والإشارة فيهما: إن الظلم من شيمة الإنسان؛ يعني: نفس الإنسان؛ لأنه خلق ظلوما جهولا، فالظالم من يظلم غيره، والظلوم من يظلم نفسه، وإلى هذا أشار بقوله تعالى { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [النساء: 160]؛ يعني: لما ظلموا أنفسهم بنقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، والكفر بعيسى وتقول البهتان على مريم،
وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم
[النساء: 157]، { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } [النساء: 160].
{ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } [النساء: 161] وغير ذلك من المخالفات، حرمنا عليهم بإبطال استعدادهم طيبات من مقام القربات والدرجات والغرفات، { أحلت لهم } [النساء: 160]؛ أي: لأرواحهم الطيبين الظاهرين قبل التلوث بقذر المخالفات، فإن
والطيبات للطيبين
[النور: 26]،
" فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب "
، وإنهم لما أشركوا تنجسوا، فإن المشركين نجس، فحرموا من تلك الطيبات، وصدوا عن سبيل الله وكفروا به، { وأعتدنا للكافرين منهم } [النساء: 161]؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم بهذه المخالفات، { عذابا أليما } [النساء: 161]، بالحرمان عن الدرجات والقربات.
{ لكن الراسخون في العلم منهم } [النساء: 162]؛ أي: من الذين هادوا، والراسخون في العلم؛ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية الدينية، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه فإنه كان عالما في النورية وقد قرأ فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان راسخا في العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة، فقال: لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت بأنه ليس بوجه كاذب فآمن به، ولما لم يكن للأحبار رسوخ في العلم وإن قرأوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في النورية فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفوه فكفروا به، كقوله تعالى: فلما جاءهم { لكن الراسخون في العلم } [النساء: 162] مؤمني أهل الكتاب، ووصفهم بقوله تعالى: { والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } [النساء: 162]، والأجر العظيم هو المسبوق بالعناية الأزلية، وهو ثمرة بذر رشاش النور في بدء الخلقة، وقدر عظيم الأجر لكل واحد على قدر كمالية الثمرة وبلاغتها، فافهم جيدا.
النساء 4:162
ثم أخبر عن تتمة نتائج كفرهم بقوله: { فبظلم من الذين هادوا } [النساء: 160]، إلى قوله { أجرا عظيما } [النساء: 162]؛ لكنه قال تعالى لهم: { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وقال تعالى:
ويحل لهم الطيبات
[الأعراف: 157] وقال تعالى:
وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا
[المائدة: 88]، فلم يحرم علينا شيئا بذنوبنا، وكما [عفانا] من تحريم الطيبات في هذه الآية نرجوا أن [يعافينا] في الآخرة من العذاب الأليم؛ لأنه جمع بينهما في الذكر في هذه الآية، وقال أهل الإشارات: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات، وقال الشيخ رحمه الله الإسراف في ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجات، والإشارة فيهما: إن الظلم من شيمة الإنسان؛ يعني: نفس الإنسان؛ لأنه خلق ظلوما جهولا، فالظالم من يظلم غيره، والظلوم من يظلم نفسه، وإلى هذا أشار بقوله تعالى { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [النساء: 160]؛ يعني: لما ظلموا أنفسهم بنقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، والكفر بعيسى وتقول البهتان على مريم،
وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم
[النساء: 157]، { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } [النساء: 160].
{ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } [النساء: 161] وغير ذلك من المخالفات، حرمنا عليهم بإبطال استعدادهم طيبات من مقام القربات والدرجات والغرفات، { أحلت لهم } [النساء: 160]؛ أي: لأرواحهم الطيبين الظاهرين قبل التلوث بقذر المخالفات، فإن
والطيبات للطيبين
[النور: 26]،
" فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب "
، وإنهم لما أشركوا تنجسوا، فإن المشركين نجس، فحرموا من تلك الطيبات، وصدوا عن سبيل الله وكفروا به، { وأعتدنا للكافرين منهم } [النساء: 161]؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم بهذه المخالفات، { عذابا أليما } [النساء: 161]، بالحرمان عن الدرجات والقربات.
{ لكن الراسخون في العلم منهم } [النساء: 162]؛ أي: من الذين هادوا، والراسخون في العلم؛ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية الدينية، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه فإنه كان عالما في النورية وقد قرأ فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان راسخا في العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة، فقال: لما رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت بأنه ليس بوجه كاذب فآمن به، ولما لم يكن للأحبار رسوخ في العلم وإن قرأوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في النورية فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفوه فكفروا به، كقوله تعالى: فلما جاءهم { لكن الراسخون في العلم } [النساء: 162] مؤمني أهل الكتاب، ووصفهم بقوله تعالى: { والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } [النساء: 162]، والأجر العظيم هو المسبوق بالعناية الأزلية، وهو ثمرة بذر رشاش النور في بدء الخلقة، وقدر عظيم الأجر لكل واحد على قدر كمالية الثمرة وبلاغتها، فافهم جيدا.
النساء 4:163
ثم أخبر عن إلجائه إلى الأنبياء للحجة على الأمة بقوله تعالى: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا } [النساء: 163]، والإشارة فيها: إن إفراد النبي بالذكر في الوحي في قوله: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163]؛ لاختصاصه بالفضائل من جملتهم، وأما إفراد نوح عليه السلام واشتراكه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلأنه أول الرسل، والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأما إفراد إبراهيم عليه السلام ومن ذكر بعده فلاختصاصهم على غيرهم بالفضيلة، كما قال تعالى:
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض
[البقرة: 253]؛ ومعناه إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميع الأنبياء؛ ولكن خصصناك بالفضائل دونهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" فضلت على الأنبياء بست ".
وفيه إشارة أخرى: إنا أوحينا إليك في سر
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، أفردناك عن جميعهم { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل } [النساء: 164]؛ أي: ليلة المعراج فيما أوحى إليك قصص جميع الرسل، { ورسلا لم نقصصهم عليك } [النساء: 164] في القرآن بأسمائهم وأحوالهم مفصلة، { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]؛ يعني: كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده أوحينا إليك، وكلمناك كما كلمنا موسى مع اختصاصه بالكلمة عن غيره إلا عنك؛ فكانوا جميعا { رسلا مبشرين } [النساء: 165] بالجنة ونعيمها، { ومنذرين } [النساء: 165] من النار وجحيمها، فلك اشتراك معهم بهذه البشرى والإنذار في الجنة والنار، وانفرد بالتبشير بالوصول إلى الله والإنذار من الانقطاع عن الله تعالى، كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الفتح: 8]،
وداعيا إلى الله
[الأحزاب: 46]؛ يعني: لتدعوهم إلى الله بالانقطاع عن غيره للوصلة إليه بالتبشير بالوصول، والإنذار عن الانقطاع، { لئلا يكون للناس } [النساء: 165]؛ أي: للناس { على الله حجة بعد الرسل } [النساء: 165]، المذكورين لهم بالعهود السابقة والنعم السابقة، بأن يقولوا: إنا نسينا تلك العهود التي جرت بيننا يوم الميثاق، فإن الرسل يذكرونهم، كقوله تعالى:
وذكرهم بأيام الله
[إبراهيم: 5]، وقال تعالى:
فذكر إنمآ أنت مذكر
[الغاشية: 21]، وأيضا { لئلا يكون للناس على الله حجة } [النساء: 165] في الانقطاع عن الله، وعن عبوديته بأن يقولوا: كنا مشتاقين إلى لقائك ومحتاجين إلى نعمائك، ولكن لم يكن لنا دليل يدلنا إليك وبيانا عما لديك يبشرنا بك وبما عندك ويطعمنا بالوصول إليك وبما عندك، وينذرنا ويخوفنا عن الانقطاع عنك والحرمان عما عندك، فإن من طبيعة الإنسان
يدعون ربهم خوفا وطمعا
[السجدة: 16]، فبعث الرسل مبشرين به مطمعين فيما لديه، ومنذرين عن الانقطاع، مخوفين بما أعد لهم من العذاب { وكان الله عزيزا } [النساء: 165]، فيما يعز أوليائه بالوصول، ويتعذر عن إعطائه بالانتقام والانقطاع، { حكيما } [النساء: 165]، فيما يحكم على الأولياء والأعداء بحكمته كيف يشاء، وفيما بعث الأنبياء والرسل شرفا لهم في البعثة، وسعادة للخلق في بعثهم عموما.
النساء 4:164
ثم أخبر عن إلجائه إلى الأنبياء للحجة على الأمة بقوله تعالى: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا } [النساء: 163]، والإشارة فيها: إن إفراد النبي بالذكر في الوحي في قوله: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163]؛ لاختصاصه بالفضائل من جملتهم، وأما إفراد نوح عليه السلام واشتراكه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلأنه أول الرسل، والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأما إفراد إبراهيم عليه السلام ومن ذكر بعده فلاختصاصهم على غيرهم بالفضيلة، كما قال تعالى:
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض
[البقرة: 253]؛ ومعناه إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميع الأنبياء؛ ولكن خصصناك بالفضائل دونهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" فضلت على الأنبياء بست ".
وفيه إشارة أخرى: إنا أوحينا إليك في سر
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، أفردناك عن جميعهم { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل } [النساء: 164]؛ أي: ليلة المعراج فيما أوحى إليك قصص جميع الرسل، { ورسلا لم نقصصهم عليك } [النساء: 164] في القرآن بأسمائهم وأحوالهم مفصلة، { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]؛ يعني: كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده أوحينا إليك، وكلمناك كما كلمنا موسى مع اختصاصه بالكلمة عن غيره إلا عنك؛ فكانوا جميعا { رسلا مبشرين } [النساء: 165] بالجنة ونعيمها، { ومنذرين } [النساء: 165] من النار وجحيمها، فلك اشتراك معهم بهذه البشرى والإنذار في الجنة والنار، وانفرد بالتبشير بالوصول إلى الله والإنذار من الانقطاع عن الله تعالى، كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الفتح: 8]،
وداعيا إلى الله
[الأحزاب: 46]؛ يعني: لتدعوهم إلى الله بالانقطاع عن غيره للوصلة إليه بالتبشير بالوصول، والإنذار عن الانقطاع، { لئلا يكون للناس } [النساء: 165]؛ أي: للناس { على الله حجة بعد الرسل } [النساء: 165]، المذكورين لهم بالعهود السابقة والنعم السابقة، بأن يقولوا: إنا نسينا تلك العهود التي جرت بيننا يوم الميثاق، فإن الرسل يذكرونهم، كقوله تعالى:
وذكرهم بأيام الله
[إبراهيم: 5]، وقال تعالى:
فذكر إنمآ أنت مذكر
[الغاشية: 21]، وأيضا { لئلا يكون للناس على الله حجة } [النساء: 165] في الانقطاع عن الله، وعن عبوديته بأن يقولوا: كنا مشتاقين إلى لقائك ومحتاجين إلى نعمائك، ولكن لم يكن لنا دليل يدلنا إليك وبيانا عما لديك يبشرنا بك وبما عندك ويطعمنا بالوصول إليك وبما عندك، وينذرنا ويخوفنا عن الانقطاع عنك والحرمان عما عندك، فإن من طبيعة الإنسان
يدعون ربهم خوفا وطمعا
[السجدة: 16]، فبعث الرسل مبشرين به مطمعين فيما لديه، ومنذرين عن الانقطاع، مخوفين بما أعد لهم من العذاب { وكان الله عزيزا } [النساء: 165]، فيما يعز أوليائه بالوصول، ويتعذر عن إعطائه بالانتقام والانقطاع، { حكيما } [النساء: 165]، فيما يحكم على الأولياء والأعداء بحكمته كيف يشاء، وفيما بعث الأنبياء والرسل شرفا لهم في البعثة، وسعادة للخلق في بعثهم عموما.
النساء 4:165
ثم أخبر عن إلجائه إلى الأنبياء للحجة على الأمة بقوله تعالى: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا } [النساء: 163]، والإشارة فيها: إن إفراد النبي بالذكر في الوحي في قوله: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163]؛ لاختصاصه بالفضائل من جملتهم، وأما إفراد نوح عليه السلام واشتراكه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلأنه أول الرسل، والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأما إفراد إبراهيم عليه السلام ومن ذكر بعده فلاختصاصهم على غيرهم بالفضيلة، كما قال تعالى:
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض
[البقرة: 253]؛ ومعناه إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميع الأنبياء؛ ولكن خصصناك بالفضائل دونهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" فضلت على الأنبياء بست ".
وفيه إشارة أخرى: إنا أوحينا إليك في سر
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10]، أفردناك عن جميعهم { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل } [النساء: 164]؛ أي: ليلة المعراج فيما أوحى إليك قصص جميع الرسل، { ورسلا لم نقصصهم عليك } [النساء: 164] في القرآن بأسمائهم وأحوالهم مفصلة، { وكلم الله موسى تكليما } [النساء: 164]؛ يعني: كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده أوحينا إليك، وكلمناك كما كلمنا موسى مع اختصاصه بالكلمة عن غيره إلا عنك؛ فكانوا جميعا { رسلا مبشرين } [النساء: 165] بالجنة ونعيمها، { ومنذرين } [النساء: 165] من النار وجحيمها، فلك اشتراك معهم بهذه البشرى والإنذار في الجنة والنار، وانفرد بالتبشير بالوصول إلى الله والإنذار من الانقطاع عن الله تعالى، كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الفتح: 8]،
وداعيا إلى الله
[الأحزاب: 46]؛ يعني: لتدعوهم إلى الله بالانقطاع عن غيره للوصلة إليه بالتبشير بالوصول، والإنذار عن الانقطاع، { لئلا يكون للناس } [النساء: 165]؛ أي: للناس { على الله حجة بعد الرسل } [النساء: 165]، المذكورين لهم بالعهود السابقة والنعم السابقة، بأن يقولوا: إنا نسينا تلك العهود التي جرت بيننا يوم الميثاق، فإن الرسل يذكرونهم، كقوله تعالى:
وذكرهم بأيام الله
[إبراهيم: 5]، وقال تعالى:
فذكر إنمآ أنت مذكر
[الغاشية: 21]، وأيضا { لئلا يكون للناس على الله حجة } [النساء: 165] في الانقطاع عن الله، وعن عبوديته بأن يقولوا: كنا مشتاقين إلى لقائك ومحتاجين إلى نعمائك، ولكن لم يكن لنا دليل يدلنا إليك وبيانا عما لديك يبشرنا بك وبما عندك ويطعمنا بالوصول إليك وبما عندك، وينذرنا ويخوفنا عن الانقطاع عنك والحرمان عما عندك، فإن من طبيعة الإنسان
يدعون ربهم خوفا وطمعا
[السجدة: 16]، فبعث الرسل مبشرين به مطمعين فيما لديه، ومنذرين عن الانقطاع، مخوفين بما أعد لهم من العذاب { وكان الله عزيزا } [النساء: 165]، فيما يعز أوليائه بالوصول، ويتعذر عن إعطائه بالانتقام والانقطاع، { حكيما } [النساء: 165]، فيما يحكم على الأولياء والأعداء بحكمته كيف يشاء، وفيما بعث الأنبياء والرسل شرفا لهم في البعثة، وسعادة للخلق في بعثهم عموما.
النساء 4:166
{ لكن الله يشهد } [النساء: 166] لك خاصة، { بمآ أنزل إليك } [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سرا بسر وإضمار بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]؛ يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون، فافهم جيدا.
{ والملائكة يشهدون } [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، { وكفى بالله شهيدا } [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند الانبساط علي [بقاب قوسين] أو أدنى
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10].
ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
قد كان ما كان سر إلا أبوح به
ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين بهذه القصة بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [النساء: 167]، إلى قوله: { يسيرا } [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، { قد ضلوا } [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، { ضللا بعيدا } [النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالا قريبا من هذا اليوم؛ لأن الضلال اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالا بعيدا عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، { إن الذين كفروا وظلموا } [النساء: 168] على أنفسهم بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، { لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: 168] حين رش على الأرواح نور مغفرته، { ولا ليهديهم } [النساء: 168] اليوم، { طريقا } [النساء: 168] إلى الحق والقربة، { إلا طريق جهنم } [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، { خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } [النساء: 169]، إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله عليه وسلم
" يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان "
، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار.
ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم } [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا السر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري "
، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورا فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نورا كما كان يدعوا الله ويقول:
" اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعلني نورا "
، فلما جعله نورا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
[المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، { فآمنوا } [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن { خيرا لكم } [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى:
يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم
يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى { وإن تكفروا } [النساء: 170]؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - { فإن لله ما في السموت والأرض } [النساء: 170]، عقيب قوله { وإن تكفروا } [النساء: 170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، { وإن تكفروا } [النساء: 170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدا.
{ وكان الله عليما } [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، { حكيما } [النساء: 170]، فيما دبر عند رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلا من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة إلى الخلق بقوله تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107].
النساء 4:167
{ لكن الله يشهد } [النساء: 166] لك خاصة، { بمآ أنزل إليك } [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سرا بسر وإضمار بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]؛ يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون، فافهم جيدا.
{ والملائكة يشهدون } [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، { وكفى بالله شهيدا } [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند الانبساط علي [بقاب قوسين] أو أدنى
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10].
ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
قد كان ما كان سر إلا أبوح به
ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين بهذه القصة بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [النساء: 167]، إلى قوله: { يسيرا } [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، { قد ضلوا } [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، { ضللا بعيدا } [النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالا قريبا من هذا اليوم؛ لأن الضلال اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالا بعيدا عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، { إن الذين كفروا وظلموا } [النساء: 168] على أنفسهم بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، { لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: 168] حين رش على الأرواح نور مغفرته، { ولا ليهديهم } [النساء: 168] اليوم، { طريقا } [النساء: 168] إلى الحق والقربة، { إلا طريق جهنم } [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، { خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } [النساء: 169]، إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله عليه وسلم
" يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان "
، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار.
ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم } [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا السر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري "
، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورا فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نورا كما كان يدعوا الله ويقول:
" اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعلني نورا "
، فلما جعله نورا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
[المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، { فآمنوا } [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن { خيرا لكم } [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى:
يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم
يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى { وإن تكفروا } [النساء: 170]؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - { فإن لله ما في السموت والأرض } [النساء: 170]، عقيب قوله { وإن تكفروا } [النساء: 170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، { وإن تكفروا } [النساء: 170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدا.
{ وكان الله عليما } [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، { حكيما } [النساء: 170]، فيما دبر عند رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلا من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة إلى الخلق بقوله تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107].
النساء 4:168
{ لكن الله يشهد } [النساء: 166] لك خاصة، { بمآ أنزل إليك } [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سرا بسر وإضمار بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]؛ يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون، فافهم جيدا.
{ والملائكة يشهدون } [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، { وكفى بالله شهيدا } [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند الانبساط علي [بقاب قوسين] أو أدنى
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10].
ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
قد كان ما كان سر إلا أبوح به
ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين بهذه القصة بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [النساء: 167]، إلى قوله: { يسيرا } [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، { قد ضلوا } [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، { ضللا بعيدا } [النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالا قريبا من هذا اليوم؛ لأن الضلال اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالا بعيدا عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، { إن الذين كفروا وظلموا } [النساء: 168] على أنفسهم بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، { لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: 168] حين رش على الأرواح نور مغفرته، { ولا ليهديهم } [النساء: 168] اليوم، { طريقا } [النساء: 168] إلى الحق والقربة، { إلا طريق جهنم } [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، { خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } [النساء: 169]، إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله عليه وسلم
" يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان "
، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار.
ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم } [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا السر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري "
، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورا فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نورا كما كان يدعوا الله ويقول:
" اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعلني نورا "
، فلما جعله نورا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
[المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، { فآمنوا } [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن { خيرا لكم } [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى:
يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم
يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى { وإن تكفروا } [النساء: 170]؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - { فإن لله ما في السموت والأرض } [النساء: 170]، عقيب قوله { وإن تكفروا } [النساء: 170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، { وإن تكفروا } [النساء: 170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدا.
{ وكان الله عليما } [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، { حكيما } [النساء: 170]، فيما دبر عند رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلا من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة إلى الخلق بقوله تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107].
النساء 4:169
{ لكن الله يشهد } [النساء: 166] لك خاصة، { بمآ أنزل إليك } [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سرا بسر وإضمار بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]؛ يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون، فافهم جيدا.
{ والملائكة يشهدون } [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، { وكفى بالله شهيدا } [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند الانبساط علي [بقاب قوسين] أو أدنى
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10].
ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
قد كان ما كان سر إلا أبوح به
ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين بهذه القصة بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [النساء: 167]، إلى قوله: { يسيرا } [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، { قد ضلوا } [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، { ضللا بعيدا } [النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالا قريبا من هذا اليوم؛ لأن الضلال اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالا بعيدا عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، { إن الذين كفروا وظلموا } [النساء: 168] على أنفسهم بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، { لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: 168] حين رش على الأرواح نور مغفرته، { ولا ليهديهم } [النساء: 168] اليوم، { طريقا } [النساء: 168] إلى الحق والقربة، { إلا طريق جهنم } [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، { خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } [النساء: 169]، إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله عليه وسلم
" يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان "
، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار.
ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم } [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا السر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري "
، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورا فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نورا كما كان يدعوا الله ويقول:
" اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعلني نورا "
، فلما جعله نورا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
[المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، { فآمنوا } [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن { خيرا لكم } [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى:
يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم
يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى { وإن تكفروا } [النساء: 170]؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - { فإن لله ما في السموت والأرض } [النساء: 170]، عقيب قوله { وإن تكفروا } [النساء: 170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، { وإن تكفروا } [النساء: 170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدا.
{ وكان الله عليما } [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، { حكيما } [النساء: 170]، فيما دبر عند رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلا من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة إلى الخلق بقوله تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107].
النساء 4:170
{ لكن الله يشهد } [النساء: 166] لك خاصة، { بمآ أنزل إليك } [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سرا بسر وإضمار بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]؛ يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون، فافهم جيدا.
{ والملائكة يشهدون } [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، { وكفى بالله شهيدا } [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند الانبساط علي [بقاب قوسين] أو أدنى
فأوحى إلى عبده مآ أوحى
[النجم: 10].
ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
قد كان ما كان سر إلا أبوح به
ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين بهذه القصة بقوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [النساء: 167]، إلى قوله: { يسيرا } [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، { قد ضلوا } [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، { ضللا بعيدا } [النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالا قريبا من هذا اليوم؛ لأن الضلال اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالا بعيدا عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، { إن الذين كفروا وظلموا } [النساء: 168] على أنفسهم بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، { لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: 168] حين رش على الأرواح نور مغفرته، { ولا ليهديهم } [النساء: 168] اليوم، { طريقا } [النساء: 168] إلى الحق والقربة، { إلا طريق جهنم } [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، { خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } [النساء: 169]، إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله عليه وسلم
" يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان "
، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار.
ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم } [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا السر بقوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري "
، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورا فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نورا كما كان يدعوا الله ويقول:
" اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعلني نورا "
، فلما جعله نورا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم
يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
[المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، { فآمنوا } [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن { خيرا لكم } [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون
نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء
[النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى:
يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم
يؤتكم كفلين من رحمته
[الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى { وإن تكفروا } [النساء: 170]؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - { فإن لله ما في السموت والأرض } [النساء: 170]، عقيب قوله { وإن تكفروا } [النساء: 170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، { وإن تكفروا } [النساء: 170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدا.
{ وكان الله عليما } [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، { حكيما } [النساء: 170]، فيما دبر عند رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلا من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة إلى الخلق بقوله تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107].
النساء 4:171
ثم أخبر عن أهل الغلو وهم أهل السلو بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } [النساء: 171]، الإشارة أن الغلو والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حدا غير مرض، كما أن كثير من هذه الأمة غلوا في مذهبهم، فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حتى ادعوا بإلهيته فقال: الشاعر فيهم:
قوم غلوا في علي لا أبالهم
واجتثموا أنفا في عبده نصبا
قالوا هل الله جل خالقنا
عن أن يكون بشيء أو يكون أبا
وكذلك المعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الله، وكذلك المشبهة غلوا حتى في إثبات الصفات حتى جسموه،
وتعالى عما يقولون علوا كبيرا
[الإسراء: 43] ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم "
، فقال تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } [النساء: 171]، وذلك لأن الغلو من العصبية وهي من صفات النفس المذمومة، والنفس هي أمارة بالسوء ولا تأمر إلا بالباطل، والإشارة في قوله تعالى: { لا تغلوا في دينكم } [النساء: 171]، إلى ألا تتكلموا في الدين بأمر النفس؛ لأنها لا تأمركم بالقول الحق، { ولا تقولوا على الله } [النساء: 171] إلا بأمر القلب، فإنه يأمركم بالقول الحق، لأنه بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا يأمر إلا بالقول الحق، { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } [النساء: 171] لا ابن الله وهذا هو القول الحق، وكذلك ما قاله عيسى عليه السلام:
إني عبد الله
[مريم: 30]، وفي قوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } [النساء: 171]، إشارة إلى أن عيسى عليه السلام كان يكلمه الله تعالى، وهي قوله:
كن فيكون
[آل عمران: 59]، بكلمته من غير واسطة أب، فإن تكوين الخلق كلمة بكلمة كن، ولكن بالوسائط بأن يتعلق كن بتكوين الأبناء، فلما كان تعلق أمر كن بعيسى عليه السلام في رحم مريم من غير تعلقه بتكوين أب له فتكون عيسى عليه السلام بأمر كن وكن هي كلمة الله، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم } [النساء: 171]، يدل عليه قوله تعالى:
إن مثل عيسى عند الله
[آل عمران: 59]؛ يعني: في التكوين،
كمثل ءادم خلقه من تراب
[آل عمران: 59]؛ يعني: سوى جسمه من تراب، ثم قال له؛ يعني: عند بعث روحه إلى القلب
كن فيكون
[آل عمران: 59]، وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين؛ لأنه أيضا تكون بكلمة من غير واسطة أب، وشرف الروح على الأشياء بأنه أيضا تكون بأمر كن بلا واسطة شيء آخر، فلما تكون بأمر كن يكون كن سمي روح منه؛ لأن الأمر منه كما قال تعالى:
قل الروح من أمر ربي
[الإسراء: 85]، وكما أن إحياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها، فكذلك كان عيسى عليه السلام من شأنه إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص بإذن الله، وكذلك ينفخ في الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله.
ثم اعلم أن هذا الاستعداد الروحانية الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان وخلق منه؛ أي: من الأمر، وإنما أظهره الله تعالى في عيسى عليه السلام من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه؛ لأن روحه لم تركض أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كأرواحنا، فكان جوهره ظاهرا في معدن جسمه غير مخفي فيه ببشرية أب، وجوهرنا مخفي في معدن جسمنا ببشرية آبائنا إلى آدم عليه السلام، فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته، ونحن نحتاج في استخراج الجوهر الروحاني عن المعدن الجسماني إلى نعل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات من سعادتنا بأوامر الاستاذ هذه الصفة ونواهيه هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7]، فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وإنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله بأنفاسه القلوب الميتة، ويفتح به آذانا صما، وعيونا عميا، فيكون في قومه كالنبي في أمته، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم } [النساء: 171]؛ يعني: إن أردتم التوحيد الحقيقي فآمنوا بالله الذي خلقكم، وجعل بشريتكم معدن جوهر روحانيتكم، وجعل روحانيتكم معدن جوهر وحدانيته، فبنور وحدانيته يتحقق لكم أن { ولا تقولوا ثلاثة } [النساء: 171]؛ يعني: نفوسكم والرسول والله تعالى، فتنتهوا بنظر الوحدة عن رؤيته الثلاثة فيكشف لكم { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } [النساء: 171]؛ أي: إن يتولد من وحدانيته شيء { له ما في السموت وما في الأرض } [النساء: 171]، إيجادا واقتدارا، وبه ظهر ما ظهر ومنه صدر ما صدر، وليس لشيء وجود حقيقي، وله الوجود الحقيقي القائم الدائم أولا وآخرا، أو ظاهرا وباطنا،
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]؛ وهو الوكيل لكل هالك، { وكفى بالله وكيلا } [النساء: 171].
ثم أخبر عمن يتفاخر بربوبيته وعمن يستنكف عن عبوديته بقوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون } [النساء: 172]، إلى قوله:
وليا ولا نصيرا
[النساء: 173]، والإشارة فيهما: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله؛ لأن العبدية كانت من شأنه في رضاعه، وإن نطق بها قبل أوان نطقه بقوله:
إني عبد الله
[مريم: 30]، و " عادة ترضعت برحها تنزعت " ، وكيف يستنكف عن عبوديته وقد أثر عليه آثار ربوبيته بإحياء الموتى، وإبراء الزمني قال تعالى: { ولا الملائكة المقربون } [النساء: 172]، ما ذكرهم للفضيلة على عيسى عليه السلام وإنما ذكر ذكرهم لأن بعض الكفار قالوا بنات الله، كما قالت النصارى المسيح ابن الله، كما قال تعالى:
ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى
[النجم: 21-22]، بل فضل الله تعالى المسيح عليه السلام عليهم بتقديم الذكر؛ لأن المسيح نسب إليه بالنبوة ونسبت الملائكة إليه بالبنتية، وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى:
فللذكر مثل حظ الأنثيين
[النساء: 176]، فقدم الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللأنثى واحدا، فكما أن للذكر فضيلة على الأنثى، فكذلك للمسيح فضل على الملائكة، وفضيلته على الملائكة أكثر وأعظم، يدل عليه ما صح عن جابر عن عبد الله رضي الله عنه أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، قال الله تبارك وتعالى:
" لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فيكون ".
قال الشيخ المصنف - رحمه الله - وهذا من فضيلة عيسى عليه السلام، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } [النساء: 172]، الإشارة: إن المستنكف والمستكبر والمؤمن والولي والنبي محشرهم ومرجعهم إليه جميعا، كما صرح به بقوله تعالى:
ثم إلي مرجعكم
[لقمان: 15]، وقال تعالى:
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فالولي مرجعه إلى لطف الله ورحمته، والعدو مرجعه إلى قهر الله وعقوبته، وصورتهما الجنة والنار.
النساء 4:172
ثم أخبر عن أهل الغلو وهم أهل السلو بقوله تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } [النساء: 171]، الإشارة أن الغلو والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حدا غير مرض، كما أن كثير من هذه الأمة غلوا في مذهبهم، فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حتى ادعوا بإلهيته فقال: الشاعر فيهم:
قوم غلوا في علي لا أبالهم
واجتثموا أنفا في عبده نصبا
قالوا هل الله جل خالقنا
عن أن يكون بشيء أو يكون أبا
وكذلك المعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الله، وكذلك المشبهة غلوا حتى في إثبات الصفات حتى جسموه،
وتعالى عما يقولون علوا كبيرا
[الإسراء: 43] ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم "
، فقال تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } [النساء: 171]، وذلك لأن الغلو من العصبية وهي من صفات النفس المذمومة، والنفس هي أمارة بالسوء ولا تأمر إلا بالباطل، والإشارة في قوله تعالى: { لا تغلوا في دينكم } [النساء: 171]، إلى ألا تتكلموا في الدين بأمر النفس؛ لأنها لا تأمركم بالقول الحق، { ولا تقولوا على الله } [النساء: 171] إلا بأمر القلب، فإنه يأمركم بالقول الحق، لأنه بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا يأمر إلا بالقول الحق، { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } [النساء: 171] لا ابن الله وهذا هو القول الحق، وكذلك ما قاله عيسى عليه السلام:
إني عبد الله
[مريم: 30]، وفي قوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } [النساء: 171]، إشارة إلى أن عيسى عليه السلام كان يكلمه الله تعالى، وهي قوله:
كن فيكون
[آل عمران: 59]، بكلمته من غير واسطة أب، فإن تكوين الخلق كلمة بكلمة كن، ولكن بالوسائط بأن يتعلق كن بتكوين الأبناء، فلما كان تعلق أمر كن بعيسى عليه السلام في رحم مريم من غير تعلقه بتكوين أب له فتكون عيسى عليه السلام بأمر كن وكن هي كلمة الله، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم } [النساء: 171]، يدل عليه قوله تعالى:
إن مثل عيسى عند الله
[آل عمران: 59]؛ يعني: في التكوين،
كمثل ءادم خلقه من تراب
[آل عمران: 59]؛ يعني: سوى جسمه من تراب، ثم قال له؛ يعني: عند بعث روحه إلى القلب
كن فيكون
[آل عمران: 59]، وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين؛ لأنه أيضا تكون بكلمة من غير واسطة أب، وشرف الروح على الأشياء بأنه أيضا تكون بأمر كن بلا واسطة شيء آخر، فلما تكون بأمر كن يكون كن سمي روح منه؛ لأن الأمر منه كما قال تعالى:
قل الروح من أمر ربي
[الإسراء: 85]، وكما أن إحياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها، فكذلك كان عيسى عليه السلام من شأنه إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص بإذن الله، وكذلك ينفخ في الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله.
ثم اعلم أن هذا الاستعداد الروحانية الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان وخلق منه؛ أي: من الأمر، وإنما أظهره الله تعالى في عيسى عليه السلام من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه؛ لأن روحه لم تركض أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كأرواحنا، فكان جوهره ظاهرا في معدن جسمه غير مخفي فيه ببشرية أب، وجوهرنا مخفي في معدن جسمنا ببشرية آبائنا إلى آدم عليه السلام، فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته، ونحن نحتاج في استخراج الجوهر الروحاني عن المعدن الجسماني إلى نعل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات من سعادتنا بأوامر الاستاذ هذه الصفة ونواهيه هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7]، فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وإنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله بأنفاسه القلوب الميتة، ويفتح به آذانا صما، وعيونا عميا، فيكون في قومه كالنبي في أمته، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم } [النساء: 171]؛ يعني: إن أردتم التوحيد الحقيقي فآمنوا بالله الذي خلقكم، وجعل بشريتكم معدن جوهر روحانيتكم، وجعل روحانيتكم معدن جوهر وحدانيته، فبنور وحدانيته يتحقق لكم أن { ولا تقولوا ثلاثة } [النساء: 171]؛ يعني: نفوسكم والرسول والله تعالى، فتنتهوا بنظر الوحدة عن رؤيته الثلاثة فيكشف لكم { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } [النساء: 171]؛ أي: إن يتولد من وحدانيته شيء { له ما في السموت وما في الأرض } [النساء: 171]، إيجادا واقتدارا، وبه ظهر ما ظهر ومنه صدر ما صدر، وليس لشيء وجود حقيقي، وله الوجود الحقيقي القائم الدائم أولا وآخرا، أو ظاهرا وباطنا،
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]؛ وهو الوكيل لكل هالك، { وكفى بالله وكيلا } [النساء: 171].
ثم أخبر عمن يتفاخر بربوبيته وعمن يستنكف عن عبوديته بقوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون } [النساء: 172]، إلى قوله:
وليا ولا نصيرا
[النساء: 173]، والإشارة فيهما: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله؛ لأن العبدية كانت من شأنه في رضاعه، وإن نطق بها قبل أوان نطقه بقوله:
إني عبد الله
[مريم: 30]، و " عادة ترضعت برحها تنزعت " ، وكيف يستنكف عن عبوديته وقد أثر عليه آثار ربوبيته بإحياء الموتى، وإبراء الزمني قال تعالى: { ولا الملائكة المقربون } [النساء: 172]، ما ذكرهم للفضيلة على عيسى عليه السلام وإنما ذكر ذكرهم لأن بعض الكفار قالوا بنات الله، كما قالت النصارى المسيح ابن الله، كما قال تعالى:
ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى
[النجم: 21-22]، بل فضل الله تعالى المسيح عليه السلام عليهم بتقديم الذكر؛ لأن المسيح نسب إليه بالنبوة ونسبت الملائكة إليه بالبنتية، وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى:
فللذكر مثل حظ الأنثيين
[النساء: 176]، فقدم الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللأنثى واحدا، فكما أن للذكر فضيلة على الأنثى، فكذلك للمسيح فضل على الملائكة، وفضيلته على الملائكة أكثر وأعظم، يدل عليه ما صح عن جابر عن عبد الله رضي الله عنه أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، قال الله تبارك وتعالى:
" لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فيكون ".
قال الشيخ المصنف - رحمه الله - وهذا من فضيلة عيسى عليه السلام، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } [النساء: 172]، الإشارة: إن المستنكف والمستكبر والمؤمن والولي والنبي محشرهم ومرجعهم إليه جميعا، كما صرح به بقوله تعالى:
ثم إلي مرجعكم
[لقمان: 15]، وقال تعالى:
إن إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فالولي مرجعه إلى لطف الله ورحمته، والعدو مرجعه إلى قهر الله وعقوبته، وصورتهما الجنة والنار.
النساء 4:173
كما أخبر بقوله تعالى: { فأما الذين آمنوا } [النساء: 173] بالعبودية، { وعملوا الصالحات } [النساء: 173] للتقرب إلى حضرة الربوبية، { فيوفيهم أجورهم } [النساء: 173] بجذبات العناية، { ويزيدهم من فضله } [النساء: 173] بتجلي صفات الإلوهية، { وأما الذين استنكفوا } [النساء: 173]، عن أقسام الناسوتية، { واستكبروا } [النساء: 173] عن الانمحاء للاهوتية، { فيعذبهم عذابا أليما } [النساء: 173] في دركات من الحرمان عن الحضرة الربانية، { ولا يجدون لهم من دون الله } [النساء: 173] اليوم وليا؛ ليخرجهم من الأنانية إلى نور الربوبية، ومن الحرمان عن الحضرة الربانية، { وليا ولا نصيرا } [النساء: 173] ينصرهم على قمع النفس والهوى للوصول إلى المولى.
ثم أخبر عن نصرة وليه ببعثة نبيه بقوله تعالى: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، إلى قوله: { مستقيما } [النساء: 175]، والإشارة فيهما: إن الله تعالى أعطى لكل نبي آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الأمة، وجعل نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا منه وقال: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174] وذلك؛ لأن برهان الأنبياء عليهم السلام كان في الأشياء الخارجة عن أنفسهم، مثل ما كان برهان موسى عليه السلام في عصاه في الحجر التي
فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا
[البقرة: 60] وكان نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا بالكلية، وكان برهان عينه ما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي "
، وبرهان بصره:
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17]، وبرهان أنفه: إنه قال صلى الله عليه وسلم:
" إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن "
، وبرهان بصاقه: قال جابر رضي الله عنه أمرنا صلى الله عليه وسلم يوم الخندق:
" لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق في العجين وبارك فأقسم بالله أنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا "
، وإن برمتنا لتغط؛ أي: تغلي وإن عجيننا ليخبز كما هو، وبرهان تفله: إنه تفل في عين علي رضي الله عنه وهي ترمد فبريء بإذن الله تعالى يوم خيبر، وبرهان يده: ما قال الله تعالى:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وإنه سبح الحصى في يده، وبرهان أصبعيه: إنه أشار بأصابعه إلى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما، وبرهان بين أصابعه: إنه كان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم، وبرهان صدره: إنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، وبرهان قلبه: إنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وقال تعالى:
ما كذب الفؤاد ما رأى
[النجم: 11]، وقال تعالى:
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]، وقال تعالى:
نزل به الروح الأمين * على قلبك
[الشعراء: 193-194]، وأمثال هذه البراهين كثيرة، فمن أعظمها أنه عرج إلى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية، وما أعطى نبي قط وكان بعد أن أوحى إليه ما أوحى أفصح العرب والعجم وكان من قبل أميا لا يدري ما الكتاب والإيمان، فأي برهان أقوى من هذا وأوضح وأظهر، وأن الله تعالى أكرم هذه الأمة به ومن عليهم به فقال: { قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، { وأنزلنآ إليكم } [النساء: 174]؛ يعني: مع هذا البرهان الواضح { نورا مبينا } [النساء: 174]؛ وهو القرآن سماه نورا؛ لأنه من صفاته القديم الذي به يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ وهو صراط الله العظيم وكلمته التي بنورها اهتدى الأشياء من العدم إلى الوجود كما يهتدي بالنور، يدل عليه سياق الآية { فأما الذين آمنوا بالله } [النساء: 175] إيمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد، { واعتصموا به } [النساء: 175]؛ أي: وتخلقوا بخلق القرآن فهو الاعتصام به على التحقيق { فسيدخلهم في رحمة منه } [النساء: 175]؛ يعني: بجذبات العناية يدخلهم في عالم الصفات، فإن رحمته صفته { وفضل } [النساء: 175]؛ أي: في فضل إذ هو أيضا صفته لأنه ذو الفضل العظيم، { ويهديهم } [النساء: 175]؛ يعني: بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه، { إليه } [النساء: 175]؛ أي: إلى الله { صراطا مستقيما } [النساء: 175]؛ وهو في الحقيقة صراط أنزل به القرآن فبالاعتصام به يصعد السالك بهذا الصراط المستقيم إلى حضرة الله الحليم الكريم، فافهم جيدا.
النساء 4:174
كما أخبر بقوله تعالى: { فأما الذين آمنوا } [النساء: 173] بالعبودية، { وعملوا الصالحات } [النساء: 173] للتقرب إلى حضرة الربوبية، { فيوفيهم أجورهم } [النساء: 173] بجذبات العناية، { ويزيدهم من فضله } [النساء: 173] بتجلي صفات الإلوهية، { وأما الذين استنكفوا } [النساء: 173]، عن أقسام الناسوتية، { واستكبروا } [النساء: 173] عن الانمحاء للاهوتية، { فيعذبهم عذابا أليما } [النساء: 173] في دركات من الحرمان عن الحضرة الربانية، { ولا يجدون لهم من دون الله } [النساء: 173] اليوم وليا؛ ليخرجهم من الأنانية إلى نور الربوبية، ومن الحرمان عن الحضرة الربانية، { وليا ولا نصيرا } [النساء: 173] ينصرهم على قمع النفس والهوى للوصول إلى المولى.
ثم أخبر عن نصرة وليه ببعثة نبيه بقوله تعالى: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، إلى قوله: { مستقيما } [النساء: 175]، والإشارة فيهما: إن الله تعالى أعطى لكل نبي آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الأمة، وجعل نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا منه وقال: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174] وذلك؛ لأن برهان الأنبياء عليهم السلام كان في الأشياء الخارجة عن أنفسهم، مثل ما كان برهان موسى عليه السلام في عصاه في الحجر التي
فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا
[البقرة: 60] وكان نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا بالكلية، وكان برهان عينه ما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي "
، وبرهان بصره:
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17]، وبرهان أنفه: إنه قال صلى الله عليه وسلم:
" إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن "
، وبرهان بصاقه: قال جابر رضي الله عنه أمرنا صلى الله عليه وسلم يوم الخندق:
" لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق في العجين وبارك فأقسم بالله أنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا "
، وإن برمتنا لتغط؛ أي: تغلي وإن عجيننا ليخبز كما هو، وبرهان تفله: إنه تفل في عين علي رضي الله عنه وهي ترمد فبريء بإذن الله تعالى يوم خيبر، وبرهان يده: ما قال الله تعالى:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وإنه سبح الحصى في يده، وبرهان أصبعيه: إنه أشار بأصابعه إلى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما، وبرهان بين أصابعه: إنه كان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم، وبرهان صدره: إنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، وبرهان قلبه: إنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وقال تعالى:
ما كذب الفؤاد ما رأى
[النجم: 11]، وقال تعالى:
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]، وقال تعالى:
نزل به الروح الأمين * على قلبك
[الشعراء: 193-194]، وأمثال هذه البراهين كثيرة، فمن أعظمها أنه عرج إلى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية، وما أعطى نبي قط وكان بعد أن أوحى إليه ما أوحى أفصح العرب والعجم وكان من قبل أميا لا يدري ما الكتاب والإيمان، فأي برهان أقوى من هذا وأوضح وأظهر، وأن الله تعالى أكرم هذه الأمة به ومن عليهم به فقال: { قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، { وأنزلنآ إليكم } [النساء: 174]؛ يعني: مع هذا البرهان الواضح { نورا مبينا } [النساء: 174]؛ وهو القرآن سماه نورا؛ لأنه من صفاته القديم الذي به يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ وهو صراط الله العظيم وكلمته التي بنورها اهتدى الأشياء من العدم إلى الوجود كما يهتدي بالنور، يدل عليه سياق الآية { فأما الذين آمنوا بالله } [النساء: 175] إيمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد، { واعتصموا به } [النساء: 175]؛ أي: وتخلقوا بخلق القرآن فهو الاعتصام به على التحقيق { فسيدخلهم في رحمة منه } [النساء: 175]؛ يعني: بجذبات العناية يدخلهم في عالم الصفات، فإن رحمته صفته { وفضل } [النساء: 175]؛ أي: في فضل إذ هو أيضا صفته لأنه ذو الفضل العظيم، { ويهديهم } [النساء: 175]؛ يعني: بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه، { إليه } [النساء: 175]؛ أي: إلى الله { صراطا مستقيما } [النساء: 175]؛ وهو في الحقيقة صراط أنزل به القرآن فبالاعتصام به يصعد السالك بهذا الصراط المستقيم إلى حضرة الله الحليم الكريم، فافهم جيدا.
النساء 4:175
كما أخبر بقوله تعالى: { فأما الذين آمنوا } [النساء: 173] بالعبودية، { وعملوا الصالحات } [النساء: 173] للتقرب إلى حضرة الربوبية، { فيوفيهم أجورهم } [النساء: 173] بجذبات العناية، { ويزيدهم من فضله } [النساء: 173] بتجلي صفات الإلوهية، { وأما الذين استنكفوا } [النساء: 173]، عن أقسام الناسوتية، { واستكبروا } [النساء: 173] عن الانمحاء للاهوتية، { فيعذبهم عذابا أليما } [النساء: 173] في دركات من الحرمان عن الحضرة الربانية، { ولا يجدون لهم من دون الله } [النساء: 173] اليوم وليا؛ ليخرجهم من الأنانية إلى نور الربوبية، ومن الحرمان عن الحضرة الربانية، { وليا ولا نصيرا } [النساء: 173] ينصرهم على قمع النفس والهوى للوصول إلى المولى.
ثم أخبر عن نصرة وليه ببعثة نبيه بقوله تعالى: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، إلى قوله: { مستقيما } [النساء: 175]، والإشارة فيهما: إن الله تعالى أعطى لكل نبي آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الأمة، وجعل نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا منه وقال: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174] وذلك؛ لأن برهان الأنبياء عليهم السلام كان في الأشياء الخارجة عن أنفسهم، مثل ما كان برهان موسى عليه السلام في عصاه في الحجر التي
فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا
[البقرة: 60] وكان نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا بالكلية، وكان برهان عينه ما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي "
، وبرهان بصره:
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17]، وبرهان أنفه: إنه قال صلى الله عليه وسلم:
" إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن "
، وبرهان بصاقه: قال جابر رضي الله عنه أمرنا صلى الله عليه وسلم يوم الخندق:
" لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق في العجين وبارك فأقسم بالله أنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا "
، وإن برمتنا لتغط؛ أي: تغلي وإن عجيننا ليخبز كما هو، وبرهان تفله: إنه تفل في عين علي رضي الله عنه وهي ترمد فبريء بإذن الله تعالى يوم خيبر، وبرهان يده: ما قال الله تعالى:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وإنه سبح الحصى في يده، وبرهان أصبعيه: إنه أشار بأصابعه إلى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما، وبرهان بين أصابعه: إنه كان الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم، وبرهان صدره: إنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، وبرهان قلبه: إنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وقال تعالى:
ما كذب الفؤاد ما رأى
[النجم: 11]، وقال تعالى:
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]، وقال تعالى:
نزل به الروح الأمين * على قلبك
[الشعراء: 193-194]، وأمثال هذه البراهين كثيرة، فمن أعظمها أنه عرج إلى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية، وما أعطى نبي قط وكان بعد أن أوحى إليه ما أوحى أفصح العرب والعجم وكان من قبل أميا لا يدري ما الكتاب والإيمان، فأي برهان أقوى من هذا وأوضح وأظهر، وأن الله تعالى أكرم هذه الأمة به ومن عليهم به فقال: { قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، { وأنزلنآ إليكم } [النساء: 174]؛ يعني: مع هذا البرهان الواضح { نورا مبينا } [النساء: 174]؛ وهو القرآن سماه نورا؛ لأنه من صفاته القديم الذي به يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ وهو صراط الله العظيم وكلمته التي بنورها اهتدى الأشياء من العدم إلى الوجود كما يهتدي بالنور، يدل عليه سياق الآية { فأما الذين آمنوا بالله } [النساء: 175] إيمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد، { واعتصموا به } [النساء: 175]؛ أي: وتخلقوا بخلق القرآن فهو الاعتصام به على التحقيق { فسيدخلهم في رحمة منه } [النساء: 175]؛ يعني: بجذبات العناية يدخلهم في عالم الصفات، فإن رحمته صفته { وفضل } [النساء: 175]؛ أي: في فضل إذ هو أيضا صفته لأنه ذو الفضل العظيم، { ويهديهم } [النساء: 175]؛ يعني: بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه، { إليه } [النساء: 175]؛ أي: إلى الله { صراطا مستقيما } [النساء: 175]؛ وهو في الحقيقة صراط أنزل به القرآن فبالاعتصام به يصعد السالك بهذا الصراط المستقيم إلى حضرة الله الحليم الكريم، فافهم جيدا.
النساء 4:176
ثم أخبر عن الاستفتاء عن أهل البقاء بعد الإخبار عن أهل الفناء بقوله تعالى: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم } [النساء: 176]، والإشارة: إن الله تعالى لم يكل بيان قسم التركات إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه تعالى وكل بيان أركان الإسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والحج إليه صلى الله عليه وسلم وأحكام الشريعة
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7]، وولاه ببيان القرآن العظيم، وقال:
لتبين للناس ما نزل إليهم
[النحل: 44]، وتولى قسم التركات بنفسه جل جلاله كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله لم يرض بملك مقرب ولا نبي مرسل "
، حتى تولى قسم التركات وأعطي كل ذي حق حقه، إلا فلا وصية للوارث، وأنتم لم توله قسم التركات؛ لأن الدنيا مزينة للناس، والمال محبب إلى الطباع، وجبلت النفوس على الشح، فلو لم ينص الله على مقادير الاستحقاق وكان القسم موكولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعل الشيطان أوقع في بعض النفوس كراهة عن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فيكون كفرا، كقوله: صلى الله عليه وسلم
" لا يكون بعدكم مؤمنا حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين "
كما
" أوقع في نفوس بعض شبان الأنصار يوم حنين أفاد الله ورسوله أموال هو أذن وصفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجلا من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تفطر من دمائهم قال أنس رضي الله عنه فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم ولم يدع أحدا من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما حديث بلغني عنكم كذا وكذا الذي " قالوا: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أعطى رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحلكم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ". قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا - صلى الله عليه وآله وسلم - "
فأزال ما وقع الشيطان في نفوسهم بهذه اللطائف، فلو كان قسم التركات إليه لكان كلهم للشيطان إلى آخر الدنيا، أن يوقع الشر في نفوس الأمة ولم يمكن إزالته عن النفوس لتعذر الوصول إلى الخلق في حال الحياة وبعد الوفاة، فتولى تعالى ذلك؛ لأنه
بكل شيء عليم
[التغابن: 11]، ولعباده غفور رحيم، فختم تلك الجملة بما نص على المقادير في الميراث فضلا منه وقطعا لمواد الخصومات بين ذوي الأرحام، ورحمة على النسوان في التوريث لضعفهن وعجزهن على الكسب، وإظهار التفضيل للذكور عليهن في دينهن وتبيانا للمؤمنين؛ لئلا يضلوا بظن السوء بالنبي صلى الله عليه وسلم { يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم } [النساء: 176].
المائدة 5:1
{ يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [المائدة: 1]، والإشارة أن سماع اسم: " الله " فهو اسم ذات الألوهية يوجب الهيبة والعظمة والفناء والغيبة من شأنهما، وسماع: " الرحمن الرحيم " ، وهما من صفات لطفه يوجب الحضور والأوبة، ومن شأنهما البقاء والقربة، فمن أسمعه: بسم الله غيبه في كشف جلاله، ومن أسمعه: " الرحمن الرحيم "؛ غشيه بلطف أفضاله، ثم خاطبهم بخطاب الأولياء وعاتبهم عتاب الأحباء، فقال: { يأيها الذين آمنوا } أي بالتوحيد عند امتحان
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ إذ
قالوا بلى
[الأعراف: 172] { أوفوا بالعقود } [المائدة: 1] التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق، وهذه عهود أهل الوفاق والنفاق أوفوا بالعهود أيها العشاق وعهود قبل وجودهم وإشهادهم وبشهودهم وعقودهم على بذل وجودهم لنيل مقصودهم عاقدوا على عهدهم، يحبهم ويحبونه ولا يحبون معه دونه، فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والحمد فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده.
{ أحلت لكم بهيمة الأنعام } [المائدة: 1] أي: ذبح بهيمة النفس التي هي كالأنعام في طلب المرام، { إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } [المائدة: 1] يعني: أيتها النفس المطمئنة التي تليت عليها:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فإنها تنفرت من الدنيا وما فيها فإنها كالضيف في الحرم وأنتم حرم بالتوجه إلى كعبة الوصال بإحرام الشوق إلى حضرة الجمال، والجمال متجردين من كل مرغوب ومربوب متفردين من كل محبوب ومطلوب.
{ إن الله يحكم } [المائدة: 1] بذبح النفس إذا كانت موصوفة بصفة البهيمية ترتع في مراتع الحيوان السفلية، ويحكم بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع إلى حضرة الربوبية عند اطمئنانها مع الحق واتصافها بالصفات العلوية لمن يريد { ما يريد } [المائدة: 1].
ثم أخبر أن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله } [المائدة: 2]، والإشارة مع سلاطين الدين وملوك السلوك الذين خرجوا عن أوطان الأوطان وسافروا عن ديار الأغيار وسلكوا بوادي الشهوات، وعبروا عن منازل المهلكات، وتجردوا عن حظوظ الدنيا، وتفردوا لحقوق العقبى وأحرموا لطواف كعبة المولى، فقال: يا أيها الذين آمنوا بشهود القلوب لقصد زيارة المحبوب لا تحلوا شعائر الله مناسك الوصول إلى الله تعالى، فهي معالم الدين والشريعة وآداب الطريقة بإشارة أرباب الحقيقة فإنهم أولى بهذا الطريق وحضراء هذا الفريق.
{ ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد } [المائدة: 2]، إشارة إلى تعظيم عظمة الله تعالى من الزمان والمكان والإخوان، { ولا آمين البيت الحرام } [المائدة: 2]، وهم القاصدون إلى الله تعالى، الصادقون في طلب الله، عليكم بالرفق في مرافقتهم والتزام الصدق في موافقتهم، { يبتغون } [المائدة: 2] الوصول، { فضلا من ربهم ورضوانا } [المائدة: 2]، رافقوهم وكونوا إخوانا، أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا من مكر الأعداء الخبيثة، { وإذا حللتم } [المائدة: 2]، لإتمام الحج وقضاء مناسك الوصول، { فاصطادوا } [المائدة: 2]، أرباب الطلب بشبكة الدعوى إلى الله تعالى.
{ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام } [المائدة: 2]، يعني: لا يحملنكم حسد الحساد وقصد القضاء والذين يريدون أن يصدوكم عن الحق ويمنعوكم بالحسد عن دعوة الحق { أن تعتدوا } [المائدة: 2]، على الطالبين الصادقين بالبعد عنهم وردهم عن الإرادة فتكونوا قطاع الطريق في طلب الحق.
{ وتعاونوا على البر } [المائدة: 2]، وهو التفرد للحق بما شرح الله تعالى صدره؛
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضرآء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون
[البقرة: 177].
{ والتقوى } [المائدة: 2]، وهو الخروج عما سوى الله؛ فإن الوصول لا يمكن إلا بها، ولهذا قال من قال: خطوتان وقد وصلت ولا يمكن للمريد الصادق أن يتحلى بهاتين الخطوتين إلا بمعاونة شيخ كامل مكتمل واصل موصل.
{ ولا تعاونوا على الإثم } [المائدة: 2]، بالتهاون في دعوة العوام وتربية الخواص من الطلبة، { والعدوان } [المائدة: 2]، بأن تكلوهم إلى أنفسهم في إضاعة بضاعتهم وإفساد استعدادهم، { واتقوا الله } [المائدة: 2]، في القيام بحقوق التعظيم لأمر الله ورعاية حقوق الشفعة على خلق الله، { إن الله شديد العقاب } [المائدة: 2]، لمن يعاقبه بالخذلان ويعاقبه بالهجران.
المائدة 5:2
{ يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [المائدة: 1]، والإشارة أن سماع اسم: " الله " فهو اسم ذات الألوهية يوجب الهيبة والعظمة والفناء والغيبة من شأنهما، وسماع: " الرحمن الرحيم " ، وهما من صفات لطفه يوجب الحضور والأوبة، ومن شأنهما البقاء والقربة، فمن أسمعه: بسم الله غيبه في كشف جلاله، ومن أسمعه: " الرحمن الرحيم "؛ غشيه بلطف أفضاله، ثم خاطبهم بخطاب الأولياء وعاتبهم عتاب الأحباء، فقال: { يأيها الذين آمنوا } أي بالتوحيد عند امتحان
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ إذ
قالوا بلى
[الأعراف: 172] { أوفوا بالعقود } [المائدة: 1] التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق، وهذه عهود أهل الوفاق والنفاق أوفوا بالعهود أيها العشاق وعهود قبل وجودهم وإشهادهم وبشهودهم وعقودهم على بذل وجودهم لنيل مقصودهم عاقدوا على عهدهم، يحبهم ويحبونه ولا يحبون معه دونه، فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والحمد فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده.
{ أحلت لكم بهيمة الأنعام } [المائدة: 1] أي: ذبح بهيمة النفس التي هي كالأنعام في طلب المرام، { إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } [المائدة: 1] يعني: أيتها النفس المطمئنة التي تليت عليها:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فإنها تنفرت من الدنيا وما فيها فإنها كالضيف في الحرم وأنتم حرم بالتوجه إلى كعبة الوصال بإحرام الشوق إلى حضرة الجمال، والجمال متجردين من كل مرغوب ومربوب متفردين من كل محبوب ومطلوب.
{ إن الله يحكم } [المائدة: 1] بذبح النفس إذا كانت موصوفة بصفة البهيمية ترتع في مراتع الحيوان السفلية، ويحكم بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع إلى حضرة الربوبية عند اطمئنانها مع الحق واتصافها بالصفات العلوية لمن يريد { ما يريد } [المائدة: 1].
ثم أخبر أن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله } [المائدة: 2]، والإشارة مع سلاطين الدين وملوك السلوك الذين خرجوا عن أوطان الأوطان وسافروا عن ديار الأغيار وسلكوا بوادي الشهوات، وعبروا عن منازل المهلكات، وتجردوا عن حظوظ الدنيا، وتفردوا لحقوق العقبى وأحرموا لطواف كعبة المولى، فقال: يا أيها الذين آمنوا بشهود القلوب لقصد زيارة المحبوب لا تحلوا شعائر الله مناسك الوصول إلى الله تعالى، فهي معالم الدين والشريعة وآداب الطريقة بإشارة أرباب الحقيقة فإنهم أولى بهذا الطريق وحضراء هذا الفريق.
{ ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد } [المائدة: 2]، إشارة إلى تعظيم عظمة الله تعالى من الزمان والمكان والإخوان، { ولا آمين البيت الحرام } [المائدة: 2]، وهم القاصدون إلى الله تعالى، الصادقون في طلب الله، عليكم بالرفق في مرافقتهم والتزام الصدق في موافقتهم، { يبتغون } [المائدة: 2] الوصول، { فضلا من ربهم ورضوانا } [المائدة: 2]، رافقوهم وكونوا إخوانا، أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا من مكر الأعداء الخبيثة، { وإذا حللتم } [المائدة: 2]، لإتمام الحج وقضاء مناسك الوصول، { فاصطادوا } [المائدة: 2]، أرباب الطلب بشبكة الدعوى إلى الله تعالى.
{ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام } [المائدة: 2]، يعني: لا يحملنكم حسد الحساد وقصد القضاء والذين يريدون أن يصدوكم عن الحق ويمنعوكم بالحسد عن دعوة الحق { أن تعتدوا } [المائدة: 2]، على الطالبين الصادقين بالبعد عنهم وردهم عن الإرادة فتكونوا قطاع الطريق في طلب الحق.
{ وتعاونوا على البر } [المائدة: 2]، وهو التفرد للحق بما شرح الله تعالى صدره؛
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضرآء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون
[البقرة: 177].
{ والتقوى } [المائدة: 2]، وهو الخروج عما سوى الله؛ فإن الوصول لا يمكن إلا بها، ولهذا قال من قال: خطوتان وقد وصلت ولا يمكن للمريد الصادق أن يتحلى بهاتين الخطوتين إلا بمعاونة شيخ كامل مكتمل واصل موصل.
{ ولا تعاونوا على الإثم } [المائدة: 2]، بالتهاون في دعوة العوام وتربية الخواص من الطلبة، { والعدوان } [المائدة: 2]، بأن تكلوهم إلى أنفسهم في إضاعة بضاعتهم وإفساد استعدادهم، { واتقوا الله } [المائدة: 2]، في القيام بحقوق التعظيم لأمر الله ورعاية حقوق الشفعة على خلق الله، { إن الله شديد العقاب } [المائدة: 2]، لمن يعاقبه بالخذلان ويعاقبه بالهجران.
المائدة 5:3
ثم أخبر عن الحرام علي الخواص والعوام بقوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة والدم } [المائدة: 3]، والإشارة أن ظاهرها كما كان خطابا لأهل الدنيا والآخرة فباطنها عتاب لأهل الله وخاصته حرمت عليكم يا أهل الحق الميتة فهي الدنيا بأسرها، { ولحم الخنزير } [المائدة: 3]، يعني: حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام، والدم بالنسبة إلى اللحم قليل واللحم بالنسبة إلى الدم كثير.
{ ومآ أهل لغير الله به } [المائدة: 3]، يعني: كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية يظهرون به لغير الله، { والمنخنقة والموقوذة } [المائدة: 3]، يعني: الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذونها بأنواع الرياضات نبهها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة، { والمتردية والنطيحة } [المائدة: 3]، الذين يتردون بنفوسهم من أعلى عليين إلى أسفل السافلين بالتناطح مع الأقران، والمماراة مع الإخوان، والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان.
وفي قوله: { ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم } [المائدة: 3]، إشارة إلى أن فيما يحتاجون إليه من القوة الضرورية كونوا محترزين من أكلة السباع وهم الظلمة الذين يتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب، ويتجاذبون بمخالب الأطماع الفاسدة، { إلا ما ذكيتم } بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال.
{ وما ذبح على النصب } [المائدة: 3]، فيه يشير إلى ما تذبح عليه النفوس بأنواع الحد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والأخروية، { وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } [المائدة: 3]، يعني: أن تكونوا مترددين نقالين في طلب المرام متقين بحصول المقصود، متهاونين في بذل الوجود فإذا انتهيتم عن هذه الدواعي وأخلصتم لله في الله وخرجتم عن سجن الأنانية وسجن الإنسانية بجذبات الربانية؛ فقد عاد ليلكم نهارا وظلمتكم أنوارا.
{ اليوم يئس الذين كفروا } [المائدة: 3]، من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها، { من دينكم } [المائدة: 3]، وتيقنوا أن ما بقي لكم الرجوع إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، { فلا تخشوهم } [المائدة: 3]، فإنكم خلصتم من شبكة مكائدهم ونجوتم من عقد مصائدهم، { واخشون } [المائدة: 3]، أي: فإن كيدي متين وصيدي مبين وبطشي شديد، وحسبي مديد، ثم أخبر عن إكمال الدين وإجلال أهل اليقين بقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3]، والإشارة أن اليوم إشارة إلى الأزل، { أكملت لكم دينكم } أي: جعلت الكمالية الآن بإظهار رؤيتكم على الأديان كلها في الظاهر وأنا في الحقيقة، وسيجيء شرحه إن شاء الله.
{ وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3]، تستكملون به إلى الأبد بحيث من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وذلك لأن حقيقة الدين الذي هو سلوك سبيل الله عز وجل بعدم الخروج عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، وأن الإنسان مخصوص به من سائر الموجودات، ولهذا الآية اختصاص بالكمالية في السلوك من سائر الأمم خالدين في عهد آدم عليه السلام كان من التكامل بسلوك الأنبياء عليه سبيل الحق إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكل نبي سلك في الدين مسلكا أنزله بقربة من مقامات القرب؛ لكن بإخراج أحد منهم بالكلية عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90]، فسلك النبي صلى الله عليه وسلم جميع المسالك التي سلكها الأنبياء عليهم السلام أجمعين فلم يتحقق له الخروج أيضا بقدم السلوك عن الوجود المجازي بالكلي حتى تداركته العناية الأزلية لاختصاصه بالمحبوب، وبجذبات الربوبية أخرجه من الوجود المجازي ليلة أسرى بعبده وأعطاه ما تميز به عن الأنبياء كلهم وبلغ في القرب إلى الكمالية في الدنو وهو سر أو أدنى فاستسعد بسعادة الوصول إلى الوجود الحقيقي في سر فأوحى إلى عبده ما أوحى.
وفي الحقيقة قيل له في تلك الحالة { أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3]، ولكن في حجة الوداع يوم عرفة عند وقوفه بعرفات أظهر على الأمة عند إظهاره على الأديان كلها وظهور كمالية الدين نزول الفرائض والأحكام بالتمام فقال: { أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3].
ويدل على هذا التأويل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مثلي ومثل الأنبياء من قبل كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون حولها ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هذه اللبنة، فتم بناؤها، فقال محمد: صلى الله عليه وسلم فأنا اللبنة "
، متفق على صحته.
فصح ما قررناه من مقامات الأنبياء - عليهم السلام - تكامل الدين بهم وكماله بالنبي صلى الله عليه وسلم بخروجه عن الوجود المجازي بالكلية وأن الأنبياء لم يخرجوا عنه بالكلية.
ويدل على هذا المعنى أيضا أن الأنبياء كلهم يوم القيامة يقولون: نفسي نفسي لبقية الوجود، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أمتي أمتي "
؛ لفناء الوجود، فافهم جيدا.
ومن كرامة هذه الأمة لشركهم في كمالية الدين مع النبي صلى الله عليه وسلم فخوطبوا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: { أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3]، ليعلم أن الكمالية فيه مشتركة بينهم لا يتهاونون في طلبها، وقال: { وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3]، وهي أسباب تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: { ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3]، وهو استسلام الوجود المجازي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى خلفائه بعده ليطرح عليه إكسير المتابعة فيبذل الوجود المجازي المجيء بالوجود الحقيقي المحبوبي، كما قال تعالى:
إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم
[آل عمران: 31]، يعني: ويغفر الوجود الحقيقي ذنوب الوجود المجازي، فافهم جيدا وانتبه.
ثم قال تعالى: { فمن اضطر في مخمصة } [المائدة: 3]، فمن ابتلي بالالتفات إلى شيء من الدنيا والآخرة مضطرا إليه فهو في غاية الابتلاء وكثير التربية، { غير متجانف لإثم } [المائدة: 3]، غير قابل إليه بالإعراض عن الحق؛ ولكن فترة تقع للصادقين أو وقفة تكون للسالكين ثم يتداركون بصدق الالتجاء إلى الحق وأرواح المشايخ والاستغاثة بهم وطلب الاستغفار عن ولاية النبوة وإعانته، { فإن الله غفور } [المائدة: 3]، لما ابتلاهم به، { رحيم } [المائدة: 3]، بهم بأن يهديهم إلى الصراط المستقيم بإفاضة الدين القويم.
ثم أخبر عما أحل من الطيبات ومن المحصنات المؤمنات بقوله تعالى: { يسألونك ماذآ أحل لهم } [المائدة: 4]، والإشارة أن أرباب الطلب وأصحاب السلوك يسألونك ماذا أحل لهم؛ إذ حرم عليهم الدنيا والآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا "
، وهما حرمان على أهل الآخرة، { قل أحل لكم الطيبات } [المائدة: 4]، وهي ما لا يقطع عليكم طريق الوصول إلى الله تعالى، فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب فكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومفعول ومعمول طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لونتموه بلون دواعي الوجود فهو من الخبيثات لا يصلح إلا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام بأداء الحقوق مطيبا بنفحات الشهود فهو من الطيب لا يصلح إلا للطيبين.
{ وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } [المائدة: 4]، يشير إلى النفوس المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريق المنورة بأنوار علوم الحقيقة التي تكشف لأسرار الصديقين بتجلي صفات العالمية وهي العلوم اللدنية التي يعلمها الله أخص الخواص من عباده كما قال تعالى:
وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65].
{ فكلوا ممآ أمسكن عليكم } [المائدة: 4]، يشير إلى تناول ما اصطاد نفوس المطمئنة من عالمي الغيب والشهادة بالأمر لا بالطبع فما أمسكن بالقيام للحقوق لا عليهن للقيام بالحفوظ، { واذكروا اسم الله عليه } [المائدة: 4]، يعني: واذكروا عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية اسم الله عليه ولا تتصرفوا فيه إلا لله بالله في الله، { واتقوا الله } [المائدة: 4]، أي: اتقوا به عما سواه: { إن الله سريع الحساب } [المائدة: 4]، يحاسب العباد على أعمالهم قبل أن يفرغوا منها ويجازيهم في المال بالإحسان إحسان القربة ورفعة الدرجة، وجذبة العناية وبالإساءة إساءة العبد والطرد إلى الشغل والخذلان.
المائدة 5:4
ثم أخبر عن الحرام علي الخواص والعوام بقوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة والدم } [المائدة: 3]، والإشارة أن ظاهرها كما كان خطابا لأهل الدنيا والآخرة فباطنها عتاب لأهل الله وخاصته حرمت عليكم يا أهل الحق الميتة فهي الدنيا بأسرها، { ولحم الخنزير } [المائدة: 3]، يعني: حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام، والدم بالنسبة إلى اللحم قليل واللحم بالنسبة إلى الدم كثير.
{ ومآ أهل لغير الله به } [المائدة: 3]، يعني: كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية يظهرون به لغير الله، { والمنخنقة والموقوذة } [المائدة: 3]، يعني: الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذونها بأنواع الرياضات نبهها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة، { والمتردية والنطيحة } [المائدة: 3]، الذين يتردون بنفوسهم من أعلى عليين إلى أسفل السافلين بالتناطح مع الأقران، والمماراة مع الإخوان، والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان.
وفي قوله: { ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم } [المائدة: 3]، إشارة إلى أن فيما يحتاجون إليه من القوة الضرورية كونوا محترزين من أكلة السباع وهم الظلمة الذين يتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب، ويتجاذبون بمخالب الأطماع الفاسدة، { إلا ما ذكيتم } بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال.
{ وما ذبح على النصب } [المائدة: 3]، فيه يشير إلى ما تذبح عليه النفوس بأنواع الحد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والأخروية، { وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } [المائدة: 3]، يعني: أن تكونوا مترددين نقالين في طلب المرام متقين بحصول المقصود، متهاونين في بذل الوجود فإذا انتهيتم عن هذه الدواعي وأخلصتم لله في الله وخرجتم عن سجن الأنانية وسجن الإنسانية بجذبات الربانية؛ فقد عاد ليلكم نهارا وظلمتكم أنوارا.
{ اليوم يئس الذين كفروا } [المائدة: 3]، من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها، { من دينكم } [المائدة: 3]، وتيقنوا أن ما بقي لكم الرجوع إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، { فلا تخشوهم } [المائدة: 3]، فإنكم خلصتم من شبكة مكائدهم ونجوتم من عقد مصائدهم، { واخشون } [المائدة: 3]، أي: فإن كيدي متين وصيدي مبين وبطشي شديد، وحسبي مديد، ثم أخبر عن إكمال الدين وإجلال أهل اليقين بقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3]، والإشارة أن اليوم إشارة إلى الأزل، { أكملت لكم دينكم } أي: جعلت الكمالية الآن بإظهار رؤيتكم على الأديان كلها في الظاهر وأنا في الحقيقة، وسيجيء شرحه إن شاء الله.
{ وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3]، تستكملون به إلى الأبد بحيث من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وذلك لأن حقيقة الدين الذي هو سلوك سبيل الله عز وجل بعدم الخروج عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، وأن الإنسان مخصوص به من سائر الموجودات، ولهذا الآية اختصاص بالكمالية في السلوك من سائر الأمم خالدين في عهد آدم عليه السلام كان من التكامل بسلوك الأنبياء عليه سبيل الحق إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكل نبي سلك في الدين مسلكا أنزله بقربة من مقامات القرب؛ لكن بإخراج أحد منهم بالكلية عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90]، فسلك النبي صلى الله عليه وسلم جميع المسالك التي سلكها الأنبياء عليهم السلام أجمعين فلم يتحقق له الخروج أيضا بقدم السلوك عن الوجود المجازي بالكلي حتى تداركته العناية الأزلية لاختصاصه بالمحبوب، وبجذبات الربوبية أخرجه من الوجود المجازي ليلة أسرى بعبده وأعطاه ما تميز به عن الأنبياء كلهم وبلغ في القرب إلى الكمالية في الدنو وهو سر أو أدنى فاستسعد بسعادة الوصول إلى الوجود الحقيقي في سر فأوحى إلى عبده ما أوحى.
وفي الحقيقة قيل له في تلك الحالة { أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3]، ولكن في حجة الوداع يوم عرفة عند وقوفه بعرفات أظهر على الأمة عند إظهاره على الأديان كلها وظهور كمالية الدين نزول الفرائض والأحكام بالتمام فقال: { أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3].
ويدل على هذا التأويل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مثلي ومثل الأنبياء من قبل كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون حولها ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هذه اللبنة، فتم بناؤها، فقال محمد: صلى الله عليه وسلم فأنا اللبنة "
، متفق على صحته.
فصح ما قررناه من مقامات الأنبياء - عليهم السلام - تكامل الدين بهم وكماله بالنبي صلى الله عليه وسلم بخروجه عن الوجود المجازي بالكلية وأن الأنبياء لم يخرجوا عنه بالكلية.
ويدل على هذا المعنى أيضا أن الأنبياء كلهم يوم القيامة يقولون: نفسي نفسي لبقية الوجود، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" أمتي أمتي "
؛ لفناء الوجود، فافهم جيدا.
ومن كرامة هذه الأمة لشركهم في كمالية الدين مع النبي صلى الله عليه وسلم فخوطبوا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: { أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3]، ليعلم أن الكمالية فيه مشتركة بينهم لا يتهاونون في طلبها، وقال: { وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3]، وهي أسباب تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: { ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3]، وهو استسلام الوجود المجازي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى خلفائه بعده ليطرح عليه إكسير المتابعة فيبذل الوجود المجازي المجيء بالوجود الحقيقي المحبوبي، كما قال تعالى:
إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم
[آل عمران: 31]، يعني: ويغفر الوجود الحقيقي ذنوب الوجود المجازي، فافهم جيدا وانتبه.
ثم قال تعالى: { فمن اضطر في مخمصة } [المائدة: 3]، فمن ابتلي بالالتفات إلى شيء من الدنيا والآخرة مضطرا إليه فهو في غاية الابتلاء وكثير التربية، { غير متجانف لإثم } [المائدة: 3]، غير قابل إليه بالإعراض عن الحق؛ ولكن فترة تقع للصادقين أو وقفة تكون للسالكين ثم يتداركون بصدق الالتجاء إلى الحق وأرواح المشايخ والاستغاثة بهم وطلب الاستغفار عن ولاية النبوة وإعانته، { فإن الله غفور } [المائدة: 3]، لما ابتلاهم به، { رحيم } [المائدة: 3]، بهم بأن يهديهم إلى الصراط المستقيم بإفاضة الدين القويم.
ثم أخبر عما أحل من الطيبات ومن المحصنات المؤمنات بقوله تعالى: { يسألونك ماذآ أحل لهم } [المائدة: 4]، والإشارة أن أرباب الطلب وأصحاب السلوك يسألونك ماذا أحل لهم؛ إذ حرم عليهم الدنيا والآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا "
، وهما حرمان على أهل الآخرة، { قل أحل لكم الطيبات } [المائدة: 4]، وهي ما لا يقطع عليكم طريق الوصول إلى الله تعالى، فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب فكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومفعول ومعمول طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لونتموه بلون دواعي الوجود فهو من الخبيثات لا يصلح إلا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام بأداء الحقوق مطيبا بنفحات الشهود فهو من الطيب لا يصلح إلا للطيبين.
{ وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } [المائدة: 4]، يشير إلى النفوس المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريق المنورة بأنوار علوم الحقيقة التي تكشف لأسرار الصديقين بتجلي صفات العالمية وهي العلوم اللدنية التي يعلمها الله أخص الخواص من عباده كما قال تعالى:
وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65].
{ فكلوا ممآ أمسكن عليكم } [المائدة: 4]، يشير إلى تناول ما اصطاد نفوس المطمئنة من عالمي الغيب والشهادة بالأمر لا بالطبع فما أمسكن بالقيام للحقوق لا عليهن للقيام بالحفوظ، { واذكروا اسم الله عليه } [المائدة: 4]، يعني: واذكروا عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية اسم الله عليه ولا تتصرفوا فيه إلا لله بالله في الله، { واتقوا الله } [المائدة: 4]، أي: اتقوا به عما سواه: { إن الله سريع الحساب } [المائدة: 4]، يحاسب العباد على أعمالهم قبل أن يفرغوا منها ويجازيهم في المال بالإحسان إحسان القربة ورفعة الدرجة، وجذبة العناية وبالإساءة إساءة العبد والطرد إلى الشغل والخذلان.
المائدة 5:5
ثم قال تعالى: { اليوم أحل لكم الطيبت } [المائدة: 5]، وكرر فيه القول وفائدة التكرار، يعني: أحل لكم ما أحل لكم يا أرباب الحقيقة اليوم الذي قدر كمالية الدين لكم في الأزل من جميع الطيبات التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل التخلق بأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله تعالى المتنزهات عن الكميات والكيفيات المتنزهات من النقائص والشبهات، { وطعام الذين أوتوا الكتب } [المائدة: 5]، وفي الحقيقة هم الأنبياء عليهم السلام.
{ حل لكم } [المائدة: 5]، أي: غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة عن حكمي الشريعة والحقيقة، { وطعامكم حل لهم } [المائدة: 5]، يعني: منبع لبن النبوة بالولاية واحد فإن كان الثدي اثنين، فشربتم بشراب ألطافنا من مشرب الولاية، وشرب الأنبياء ألبان أفضالنا من مشرب النبوة، قد علم كل أناس مشربهم، والنبي صلى الله عليه وسلم شركة في المشارب كلها وله اختصاص في مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل { و } ، [المائدة: 5]، كذلك أحل لكم، { المحصنت من المؤمنت } [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق القرآن التي أحصنت من قيام الأرواح المؤمنات بها وهي أرواح العلماء وخواص الأمة.
{ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السابقة التي أحصنت من الذين أنزلت عليهم الكتب وأدرجت في القرآن نور خفيته لكم، كما قال تعالى:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم
[السجدة: 17]، يعني: في القرآن من قرة أعين وهي أبكار حقائق جميع الكتب المنزلة، فافهم جيدا فكلها معدة لكم.
{ إذا ءاتيتموهن أجورهن } [المائدة: 5]، أي: صور هذه الأبكار وهي بذل الوجود { محصنين } [المائدة: 5]، متعففين في بذل الوجود ليكون على وجد الحق بتصرف المشايخ الواصلين، { غير مسفحين } [المائدة: 5]، على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى، { ولا متخذي أخدان } [المائدة: 5]، يعني: في بذل الوجود لا يكون عند فناء إلى شيء من الكونين ولا إلى أحد في الدارين سوى الله تعالى ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريق والشافي.
{ ومن يكفر بالإيمن } [المائدة: 5]، بهذه المقامات والكمالات إذ حرم عن العيان من هذه العادات، { فقد حبط عمله } [المائدة: 5]، الذي عمل على العماء والتقليد، { وهو في الآخرة من الخسرين } [المائدة: 5]، الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى.
ثم أخبر عن أسباب القعود إلى هذه المقامات وآداب القيام إلى الصلاة بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } [المائدة: 6].
والإشارة فإن الخطاب في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } هذا خطاب مع الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عند خطاب: ألست بربكم، بقول: بلى، وهم أهل الصدق الأول يوم الميثاق آمنوا بعدما عاينوا، وأهل الصف الثاني آمنوا إذا شاهدوا، وأهل الصف الثالث آمنوا إذا سمعوا الخطاب، وأهل الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا؛ لأنهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية؛ بل سمعوا سماع الفهم والنكابة فتحيروا في الجواب حتى سمعوا جواب أهل الصفوف الثلاثة إذ قالوا: بلى، فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم بهذا ما آمنوا وهو الكفار وإن آمنوا ما آمنوا على التحقيق؛ بل بالتقليد أو بالنفاق وهم المنافقون، وأهل الصف الثالث هم عوام المسلمين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك هنا آمنوا بالسماع بقوله:
إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا
[آل عمران: 193].
وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ آمنا
[المائدة: 83]، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه، وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى:
ءامن الرسول
[البقرة: 285]، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال:
ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه
[البقرة: 285].
وكان إيمان موسى عليه السلام نوعا من هذا،
فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، فقال علي: رضي الله عنه " لم أعبد ربا لم أره " قال بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله، فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقا ثم أهبطوا عن ممالك القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، { إذا قمتم } من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، { إلى الصلاة } هي معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19].
{ فاغسلوا وجوهكم } [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، { وأيديكم إلى المرافق } [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، { وامسحوا برؤوسكم } [المائدة: 6]، ببذل نفوسكم، { وأرجلكم إلى الكعبين } [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بأنانيتكم.
{ وإن كنتم جنبا } [المائدة: 6]، بالتفات إلى غيرنا، { فاطهروا } [المائدة: 6]، بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات، وبالأسرار عن رؤية الأغيار، وبالأرواح عن الاسترواح عن غيرنا، وبسر الستر عن لون الوجود، { وإن كنتم مرضى } [المائدة: 6]، من حب الدنيا، { أو على سفر } [المائدة: 6]، في متابعة الهوى، { أو جآء أحد منكم من الغائط } [المائدة: 6]، في قضاء حاجة شهوة من الشهوات، { أو لامستم النسآء } [المائدة: 6]، وهي الدنيا في تحصيل لذة من اللذات، { فلم تجدوا مآء } [المائدة: 6]، التوبة والاستغفار، { فتيمموا صعيدا طيبا } [المائدة: 6]، فتمرغوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام، { فامسحوا بوجوهكم } [المائدة: 6]، أي: تراب أقدامهم وشمروا بخدمتهم { وأيديكم منه } [المائدة: 6]، لأن فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب، { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } [المائدة: 6]، بهذه الذلة والصغار، { ولكن يريد ليطهركم } [المائدة: 6]، من الذنوب الكبار وأكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشرك شرك الوجود مع وجود المعبود، وهذا ذنب لا يغفر إلا بالتمرغ في هذا التراب ولوث لم يطهر إلا بالالتجاء إلى هذه الأبواب { وليتم نعمته عليكم } [المائدة: 6] بعد ذوبان نحاس أنانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح إكسير أنوار الهوية { لعلكم تشكرون } [المائدة: 6]، إذ تهتدون بأنوار الهوية إلى رؤية أنوار المنعم.
المائدة 5:6
ثم قال تعالى: { اليوم أحل لكم الطيبت } [المائدة: 5]، وكرر فيه القول وفائدة التكرار، يعني: أحل لكم ما أحل لكم يا أرباب الحقيقة اليوم الذي قدر كمالية الدين لكم في الأزل من جميع الطيبات التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل التخلق بأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله تعالى المتنزهات عن الكميات والكيفيات المتنزهات من النقائص والشبهات، { وطعام الذين أوتوا الكتب } [المائدة: 5]، وفي الحقيقة هم الأنبياء عليهم السلام.
{ حل لكم } [المائدة: 5]، أي: غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة عن حكمي الشريعة والحقيقة، { وطعامكم حل لهم } [المائدة: 5]، يعني: منبع لبن النبوة بالولاية واحد فإن كان الثدي اثنين، فشربتم بشراب ألطافنا من مشرب الولاية، وشرب الأنبياء ألبان أفضالنا من مشرب النبوة، قد علم كل أناس مشربهم، والنبي صلى الله عليه وسلم شركة في المشارب كلها وله اختصاص في مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل { و } ، [المائدة: 5]، كذلك أحل لكم، { المحصنت من المؤمنت } [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق القرآن التي أحصنت من قيام الأرواح المؤمنات بها وهي أرواح العلماء وخواص الأمة.
{ والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السابقة التي أحصنت من الذين أنزلت عليهم الكتب وأدرجت في القرآن نور خفيته لكم، كما قال تعالى:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم
[السجدة: 17]، يعني: في القرآن من قرة أعين وهي أبكار حقائق جميع الكتب المنزلة، فافهم جيدا فكلها معدة لكم.
{ إذا ءاتيتموهن أجورهن } [المائدة: 5]، أي: صور هذه الأبكار وهي بذل الوجود { محصنين } [المائدة: 5]، متعففين في بذل الوجود ليكون على وجد الحق بتصرف المشايخ الواصلين، { غير مسفحين } [المائدة: 5]، على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى، { ولا متخذي أخدان } [المائدة: 5]، يعني: في بذل الوجود لا يكون عند فناء إلى شيء من الكونين ولا إلى أحد في الدارين سوى الله تعالى ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريق والشافي.
{ ومن يكفر بالإيمن } [المائدة: 5]، بهذه المقامات والكمالات إذ حرم عن العيان من هذه العادات، { فقد حبط عمله } [المائدة: 5]، الذي عمل على العماء والتقليد، { وهو في الآخرة من الخسرين } [المائدة: 5]، الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى.
ثم أخبر عن أسباب القعود إلى هذه المقامات وآداب القيام إلى الصلاة بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } [المائدة: 6].
والإشارة فإن الخطاب في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } هذا خطاب مع الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عند خطاب: ألست بربكم، بقول: بلى، وهم أهل الصدق الأول يوم الميثاق آمنوا بعدما عاينوا، وأهل الصف الثاني آمنوا إذا شاهدوا، وأهل الصف الثالث آمنوا إذا سمعوا الخطاب، وأهل الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا؛ لأنهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية؛ بل سمعوا سماع الفهم والنكابة فتحيروا في الجواب حتى سمعوا جواب أهل الصفوف الثلاثة إذ قالوا: بلى، فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم بهذا ما آمنوا وهو الكفار وإن آمنوا ما آمنوا على التحقيق؛ بل بالتقليد أو بالنفاق وهم المنافقون، وأهل الصف الثالث هم عوام المسلمين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك هنا آمنوا بالسماع بقوله:
إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا
[آل عمران: 193].
وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى:
وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ آمنا
[المائدة: 83]، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه، وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى:
ءامن الرسول
[البقرة: 285]، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال:
ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه
[البقرة: 285].
وكان إيمان موسى عليه السلام نوعا من هذا،
فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين
[الأعراف: 143]، فقال علي: رضي الله عنه " لم أعبد ربا لم أره " قال بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله، فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقا ثم أهبطوا عن ممالك القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، { إذا قمتم } من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، { إلى الصلاة } هي معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى:
واسجد واقترب
[العلق: 19].
{ فاغسلوا وجوهكم } [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، { وأيديكم إلى المرافق } [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، { وامسحوا برؤوسكم } [المائدة: 6]، ببذل نفوسكم، { وأرجلكم إلى الكعبين } [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بأنانيتكم.
{ وإن كنتم جنبا } [المائدة: 6]، بالتفات إلى غيرنا، { فاطهروا } [المائدة: 6]، بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات، وبالأسرار عن رؤية الأغيار، وبالأرواح عن الاسترواح عن غيرنا، وبسر الستر عن لون الوجود، { وإن كنتم مرضى } [المائدة: 6]، من حب الدنيا، { أو على سفر } [المائدة: 6]، في متابعة الهوى، { أو جآء أحد منكم من الغائط } [المائدة: 6]، في قضاء حاجة شهوة من الشهوات، { أو لامستم النسآء } [المائدة: 6]، وهي الدنيا في تحصيل لذة من اللذات، { فلم تجدوا مآء } [المائدة: 6]، التوبة والاستغفار، { فتيمموا صعيدا طيبا } [المائدة: 6]، فتمرغوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام، { فامسحوا بوجوهكم } [المائدة: 6]، أي: تراب أقدامهم وشمروا بخدمتهم { وأيديكم منه } [المائدة: 6]، لأن فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب، { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } [المائدة: 6]، بهذه الذلة والصغار، { ولكن يريد ليطهركم } [المائدة: 6]، من الذنوب الكبار وأكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشرك شرك الوجود مع وجود المعبود، وهذا ذنب لا يغفر إلا بالتمرغ في هذا التراب ولوث لم يطهر إلا بالالتجاء إلى هذه الأبواب { وليتم نعمته عليكم } [المائدة: 6] بعد ذوبان نحاس أنانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح إكسير أنوار الهوية { لعلكم تشكرون } [المائدة: 6]، إذ تهتدون بأنوار الهوية إلى رؤية أنوار المنعم.
المائدة 5:7
{ واذكروا نعمة الله } [المائدة: 7]، التي أنعم بها، { عليكم } [المائدة: 7]، في بدء الوجود بإخراجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود قبل كل موجود وخلقكم في أحسن التقويم بقول الدين القويم، وهداكم إلى الصراط المستقيم، واستماع خطاب ألست بربكم وجواب بلى، { وميثاقه الذي واثقكم به } [المائدة: 7]؛ أي: العهد الذي عاهدكم به على التوحيد والعبودية ووفقكم للسمع والطاعة { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } [المائدة: 7]، ولو لم تكن نعمة التوفيق لقلتم سمعنا وعصينا كما قال أهل الخذلان في العصيان { واتقوا الله } [المائدة: 7]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله عليم بذات الصدور } [المائدة: 7]، أي: بالقلوب وما فيها من الاتقاء عن الأشياء.
ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله } [المائدة: 8]، والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، { شهدآء بالقسط } [المائدة: 8]، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } [المائدة: 8]، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى الأعداء، والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم الصفات السبعية والشيطانية.
{ اعدلوا } [المائدة: 8]، هذا أيضا من التلوين للقوامين بالقسط فلا يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء على سمت الربوبية { هو أقرب للتقوى } [المائدة: 8]، يعني: العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه { واتقوا الله } [المائدة: 8]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله خبير بما تعملون } [المائدة: 8]، إنكم لا تقدرون على الاتقاء بالله إلا بجذبات الله.
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [المائدة: 9]، التي تصلحهم بقبول الجذبات { لهم مغفرة وأجر عظيم } [المائدة: 9]، وهو جذبات لتأخذهم عنهم به إليه فافهم جيدا.
المائدة 5:8
{ واذكروا نعمة الله } [المائدة: 7]، التي أنعم بها، { عليكم } [المائدة: 7]، في بدء الوجود بإخراجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود قبل كل موجود وخلقكم في أحسن التقويم بقول الدين القويم، وهداكم إلى الصراط المستقيم، واستماع خطاب ألست بربكم وجواب بلى، { وميثاقه الذي واثقكم به } [المائدة: 7]؛ أي: العهد الذي عاهدكم به على التوحيد والعبودية ووفقكم للسمع والطاعة { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } [المائدة: 7]، ولو لم تكن نعمة التوفيق لقلتم سمعنا وعصينا كما قال أهل الخذلان في العصيان { واتقوا الله } [المائدة: 7]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله عليم بذات الصدور } [المائدة: 7]، أي: بالقلوب وما فيها من الاتقاء عن الأشياء.
ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله } [المائدة: 8]، والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، { شهدآء بالقسط } [المائدة: 8]، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } [المائدة: 8]، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى الأعداء، والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم الصفات السبعية والشيطانية.
{ اعدلوا } [المائدة: 8]، هذا أيضا من التلوين للقوامين بالقسط فلا يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء على سمت الربوبية { هو أقرب للتقوى } [المائدة: 8]، يعني: العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه { واتقوا الله } [المائدة: 8]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله خبير بما تعملون } [المائدة: 8]، إنكم لا تقدرون على الاتقاء بالله إلا بجذبات الله.
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [المائدة: 9]، التي تصلحهم بقبول الجذبات { لهم مغفرة وأجر عظيم } [المائدة: 9]، وهو جذبات لتأخذهم عنهم به إليه فافهم جيدا.
المائدة 5:9
{ واذكروا نعمة الله } [المائدة: 7]، التي أنعم بها، { عليكم } [المائدة: 7]، في بدء الوجود بإخراجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود قبل كل موجود وخلقكم في أحسن التقويم بقول الدين القويم، وهداكم إلى الصراط المستقيم، واستماع خطاب ألست بربكم وجواب بلى، { وميثاقه الذي واثقكم به } [المائدة: 7]؛ أي: العهد الذي عاهدكم به على التوحيد والعبودية ووفقكم للسمع والطاعة { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } [المائدة: 7]، ولو لم تكن نعمة التوفيق لقلتم سمعنا وعصينا كما قال أهل الخذلان في العصيان { واتقوا الله } [المائدة: 7]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله عليم بذات الصدور } [المائدة: 7]، أي: بالقلوب وما فيها من الاتقاء عن الأشياء.
ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله } [المائدة: 8]، والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، { شهدآء بالقسط } [المائدة: 8]، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } [المائدة: 8]، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى الأعداء، والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم الصفات السبعية والشيطانية.
{ اعدلوا } [المائدة: 8]، هذا أيضا من التلوين للقوامين بالقسط فلا يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء على سمت الربوبية { هو أقرب للتقوى } [المائدة: 8]، يعني: العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه { واتقوا الله } [المائدة: 8]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله خبير بما تعملون } [المائدة: 8]، إنكم لا تقدرون على الاتقاء بالله إلا بجذبات الله.
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [المائدة: 9]، التي تصلحهم بقبول الجذبات { لهم مغفرة وأجر عظيم } [المائدة: 9]، وهو جذبات لتأخذهم عنهم به إليه فافهم جيدا.
المائدة 5:10
{ والذين كفروا } [المائدة: 10]، تداركهم الخذلان حتى { وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } [المائدة: 10]، الذين كانوا يوم الميثاق في الصف الرابع فما فهموا أخطابنا ولا صوبوا جوابنا فاستوجبوا عتابنا واستحقوا عقابنا.
ثم ذكر أهل العناية بما أنعم عليهم في البداية فقال تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا } [المائدة: 11]، بما عاينوا { اذكروا نعمت الله عليكم } [المائدة: 11]، في بدء الخلقة حين أراد أن يخرجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود بأمر { كن } { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } [المائدة: 11]؛ ليؤخروكم عن الخروج من العدم ويسبقوكم بالخروج إلى الوجود { فكف أيديهم عنكم } [المائدة: 11]، لتكونوا أنتم السابقون ويباهي به النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون نحن الآخرون السابقون يعني: الآخرون بالصورة، السابقون بالروح في الخروج عن العدم { واتقوا الله } [المائدة: 11]، في الرجوع إلى العدم لتتقوا بالله عما سوى الله، والله يعلم أن رجوعكم إلى العدم ليس لكم ولا إليكم كما لم يكن خروجكم بكم فإن خروجكم كان بجذبة أمر كن فلذلك رجوعكم لا يكون إلا بجذبة أمر
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فكونوا واثقين بكرم الله وفضله شارعين في طلب مرضات الله جاهدين على وفق الأوامر والنواهي في الله؛ ليهديكم إلى جذبات عنايته { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [المائدة: 11]، بهذه الكرامات المجتهدون لنيل هذه السعادات فإنه يبلغهم.
ثم أخبر عن ميثاق اليهود ونقضهم العهود بقوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل } [المائدة: 12]، والإشارة أن الله تعالى لما أخذ ميثاق بني إسرائيل أخذ ميثاق هذه الأمة يوم الميثاق ولكن أخذ ميثاق بني إسرائيل
ألا تعبدوا إلا الله
[هود: 2]، وأخذ ميثاق هذه الأمة أن
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، ولا يحبوا غيره، فلما كان ميثاق بني إسرائيل منهم لا من الله فنقضوا الميثاق وعبدوا العجل وقتلوا الأنبياء، ولما كان ميثاق هذه الأمة من الله ثم منهم بقوله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بذلوا في الله أرواحهم وما بذلوا بعهدوهم ومحبوبهم وما نقضوا ميثاقهم وعهودهم كما قال تعالى:
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا
[الأحزاب: 23]، ومن كمال عنايته مع هذه الأمة أنه تعالى جعل في أمة موسى عليه السلام النقباء المختارين المرجوعين إليهم عند الضرورة اثني عشر لقوله تعالى: { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } [المائدة: 12]، جعل في هذه الآمة من النجباء البدلاء وأعزة الأولياء أربعين رجلا في كل حال وزمان.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم عليه السلام وسبعة على خلق موسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم "
فهم على مراتب رجائهم ومناصب مقاماتهم أمنة هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بهم يرزقون وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلاء "
قال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأمة ثلاثة، والواحد القطب عارف بهم جميعا ويشرف عليهم، ولا يعرفه واحد ولا يشرف عليه، وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة، ويعرفون الأربعين ولا يعرفهم أولئك السبعة، والسبعة هم الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم الأربعون، وهم يعرفون سائر الأولياء من الأمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، فإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي هو واحد في العدد وبه قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة إلى أن يأذن الله في قيام الساعة.
ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، علق المعية معهم بهذا الشرط، وقال تعالى: لهذه الأمة عن غير تعليق بشرط
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4]، والإشارة فيه أن من يقيم بهذه الشرائط إنما يقيم بها لأن الله تعالى وعد بني إسرائيل بتكفير سيئاتهم بعد القيام بهذه الشرائط. وقال: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، ووعد هذه الأمة على القيام بأقل من هذه الشرائط بتبديل سيئاتهم حسنات وقال:
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، وتحقيق قوله تعالى { أقمتم الصلاة } [المائدة: 12] فإقامة الصلاة في أداءها منها بأن تجعل الصلاة معراجك إلى الحق، وقدم العروج بدرجاتها إلى أن تشاهد الحق كما شاهدته يوم الميثاق، ودرجاتها أربع القيام والركوع والسجود والتشهد على دركات نزلت بها من عليين وجوار رب العالمين إلى أسفل سافلين القالب وهو العناصر الأربعة التي خلق منها قالب الإنسان فالمتولدات منها على أربعة أقسام ولكل قسم منها ظلمة خاصة تحجبك عن مشاهدة الحق، وهي الجمادية وخاصيتها التشهد، ثم النباتية وخاصيتها السجود، ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع، ثم الإنسانية وخاصيتها القيام، فالقيام يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع النباتية وأعظمها الحرص على الجذب للنشوء، والنماء وهي خاصية الماء، والتشهد يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع الجمادية وأعظمها الجمود وهي خاصية التراب، ومن هذه الصفات الأربع تنشأ بقية الصفات البشرية فإذا تخلصت عن هذه الدركات والحجب عرجت بهذه المدارج الأربعة إلى جوار رب العالمين وقربه فقط قمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أعبد الله كأنك تراه ".
وفي قوله تعالى: { وآتيتم الزكاة } [المائدة: 12]، إشارة إلى صرف ما زاد على روحانيتك بتعلق القلب بالوجود كله في سبيل الله { وآمنتم برسلي } [المائدة: 12]؛ أي: استسلم بالكل لتصرفات النبوة والرسالة { وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، وهو أن يأخذ منكم وجودا مجازيا فانيا ويعطيكم وجودا حقيقيا باقيا كما يقول: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، أي: لأسترن بالوجود الحقيقي عنكم سيئات الوجود المجازي { ولأدخلنكم جنات } [المائدة: 12]، الوصلة { تجري من تحتها الأنهار } [المائدة: 12]، أنهار الحكمة { فمن كفر بعد ذلك } [المائدة: 12]، يعني: بعد هذه المواعظ الحسنة ولم يعمل بها { منكم فقد ضل سوآء السبيل } [المائدة: 12]، يعني: بضلالته اليوم من نتائج أخطاء النور عند رشاشه على الأرواح في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" فمن أخطأه ذلك النور فقد ضل ".
المائدة 5:11
{ والذين كفروا } [المائدة: 10]، تداركهم الخذلان حتى { وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } [المائدة: 10]، الذين كانوا يوم الميثاق في الصف الرابع فما فهموا أخطابنا ولا صوبوا جوابنا فاستوجبوا عتابنا واستحقوا عقابنا.
ثم ذكر أهل العناية بما أنعم عليهم في البداية فقال تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا } [المائدة: 11]، بما عاينوا { اذكروا نعمت الله عليكم } [المائدة: 11]، في بدء الخلقة حين أراد أن يخرجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود بأمر { كن } { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } [المائدة: 11]؛ ليؤخروكم عن الخروج من العدم ويسبقوكم بالخروج إلى الوجود { فكف أيديهم عنكم } [المائدة: 11]، لتكونوا أنتم السابقون ويباهي به النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون نحن الآخرون السابقون يعني: الآخرون بالصورة، السابقون بالروح في الخروج عن العدم { واتقوا الله } [المائدة: 11]، في الرجوع إلى العدم لتتقوا بالله عما سوى الله، والله يعلم أن رجوعكم إلى العدم ليس لكم ولا إليكم كما لم يكن خروجكم بكم فإن خروجكم كان بجذبة أمر كن فلذلك رجوعكم لا يكون إلا بجذبة أمر
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فكونوا واثقين بكرم الله وفضله شارعين في طلب مرضات الله جاهدين على وفق الأوامر والنواهي في الله؛ ليهديكم إلى جذبات عنايته { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [المائدة: 11]، بهذه الكرامات المجتهدون لنيل هذه السعادات فإنه يبلغهم.
ثم أخبر عن ميثاق اليهود ونقضهم العهود بقوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل } [المائدة: 12]، والإشارة أن الله تعالى لما أخذ ميثاق بني إسرائيل أخذ ميثاق هذه الأمة يوم الميثاق ولكن أخذ ميثاق بني إسرائيل
ألا تعبدوا إلا الله
[هود: 2]، وأخذ ميثاق هذه الأمة أن
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، ولا يحبوا غيره، فلما كان ميثاق بني إسرائيل منهم لا من الله فنقضوا الميثاق وعبدوا العجل وقتلوا الأنبياء، ولما كان ميثاق هذه الأمة من الله ثم منهم بقوله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بذلوا في الله أرواحهم وما بذلوا بعهدوهم ومحبوبهم وما نقضوا ميثاقهم وعهودهم كما قال تعالى:
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا
[الأحزاب: 23]، ومن كمال عنايته مع هذه الأمة أنه تعالى جعل في أمة موسى عليه السلام النقباء المختارين المرجوعين إليهم عند الضرورة اثني عشر لقوله تعالى: { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } [المائدة: 12]، جعل في هذه الآمة من النجباء البدلاء وأعزة الأولياء أربعين رجلا في كل حال وزمان.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم عليه السلام وسبعة على خلق موسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم "
فهم على مراتب رجائهم ومناصب مقاماتهم أمنة هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بهم يرزقون وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلاء "
قال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأمة ثلاثة، والواحد القطب عارف بهم جميعا ويشرف عليهم، ولا يعرفه واحد ولا يشرف عليه، وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة، ويعرفون الأربعين ولا يعرفهم أولئك السبعة، والسبعة هم الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم الأربعون، وهم يعرفون سائر الأولياء من الأمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، فإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي هو واحد في العدد وبه قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة إلى أن يأذن الله في قيام الساعة.
ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، علق المعية معهم بهذا الشرط، وقال تعالى: لهذه الأمة عن غير تعليق بشرط
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4]، والإشارة فيه أن من يقيم بهذه الشرائط إنما يقيم بها لأن الله تعالى وعد بني إسرائيل بتكفير سيئاتهم بعد القيام بهذه الشرائط. وقال: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، ووعد هذه الأمة على القيام بأقل من هذه الشرائط بتبديل سيئاتهم حسنات وقال:
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، وتحقيق قوله تعالى { أقمتم الصلاة } [المائدة: 12] فإقامة الصلاة في أداءها منها بأن تجعل الصلاة معراجك إلى الحق، وقدم العروج بدرجاتها إلى أن تشاهد الحق كما شاهدته يوم الميثاق، ودرجاتها أربع القيام والركوع والسجود والتشهد على دركات نزلت بها من عليين وجوار رب العالمين إلى أسفل سافلين القالب وهو العناصر الأربعة التي خلق منها قالب الإنسان فالمتولدات منها على أربعة أقسام ولكل قسم منها ظلمة خاصة تحجبك عن مشاهدة الحق، وهي الجمادية وخاصيتها التشهد، ثم النباتية وخاصيتها السجود، ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع، ثم الإنسانية وخاصيتها القيام، فالقيام يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع النباتية وأعظمها الحرص على الجذب للنشوء، والنماء وهي خاصية الماء، والتشهد يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع الجمادية وأعظمها الجمود وهي خاصية التراب، ومن هذه الصفات الأربع تنشأ بقية الصفات البشرية فإذا تخلصت عن هذه الدركات والحجب عرجت بهذه المدارج الأربعة إلى جوار رب العالمين وقربه فقط قمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أعبد الله كأنك تراه ".
وفي قوله تعالى: { وآتيتم الزكاة } [المائدة: 12]، إشارة إلى صرف ما زاد على روحانيتك بتعلق القلب بالوجود كله في سبيل الله { وآمنتم برسلي } [المائدة: 12]؛ أي: استسلم بالكل لتصرفات النبوة والرسالة { وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، وهو أن يأخذ منكم وجودا مجازيا فانيا ويعطيكم وجودا حقيقيا باقيا كما يقول: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، أي: لأسترن بالوجود الحقيقي عنكم سيئات الوجود المجازي { ولأدخلنكم جنات } [المائدة: 12]، الوصلة { تجري من تحتها الأنهار } [المائدة: 12]، أنهار الحكمة { فمن كفر بعد ذلك } [المائدة: 12]، يعني: بعد هذه المواعظ الحسنة ولم يعمل بها { منكم فقد ضل سوآء السبيل } [المائدة: 12]، يعني: بضلالته اليوم من نتائج أخطاء النور عند رشاشه على الأرواح في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" فمن أخطأه ذلك النور فقد ضل ".
المائدة 5:12
{ والذين كفروا } [المائدة: 10]، تداركهم الخذلان حتى { وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } [المائدة: 10]، الذين كانوا يوم الميثاق في الصف الرابع فما فهموا أخطابنا ولا صوبوا جوابنا فاستوجبوا عتابنا واستحقوا عقابنا.
ثم ذكر أهل العناية بما أنعم عليهم في البداية فقال تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا } [المائدة: 11]، بما عاينوا { اذكروا نعمت الله عليكم } [المائدة: 11]، في بدء الخلقة حين أراد أن يخرجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود بأمر { كن } { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } [المائدة: 11]؛ ليؤخروكم عن الخروج من العدم ويسبقوكم بالخروج إلى الوجود { فكف أيديهم عنكم } [المائدة: 11]، لتكونوا أنتم السابقون ويباهي به النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون نحن الآخرون السابقون يعني: الآخرون بالصورة، السابقون بالروح في الخروج عن العدم { واتقوا الله } [المائدة: 11]، في الرجوع إلى العدم لتتقوا بالله عما سوى الله، والله يعلم أن رجوعكم إلى العدم ليس لكم ولا إليكم كما لم يكن خروجكم بكم فإن خروجكم كان بجذبة أمر كن فلذلك رجوعكم لا يكون إلا بجذبة أمر
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فكونوا واثقين بكرم الله وفضله شارعين في طلب مرضات الله جاهدين على وفق الأوامر والنواهي في الله؛ ليهديكم إلى جذبات عنايته { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [المائدة: 11]، بهذه الكرامات المجتهدون لنيل هذه السعادات فإنه يبلغهم.
ثم أخبر عن ميثاق اليهود ونقضهم العهود بقوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل } [المائدة: 12]، والإشارة أن الله تعالى لما أخذ ميثاق بني إسرائيل أخذ ميثاق هذه الأمة يوم الميثاق ولكن أخذ ميثاق بني إسرائيل
ألا تعبدوا إلا الله
[هود: 2]، وأخذ ميثاق هذه الأمة أن
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، ولا يحبوا غيره، فلما كان ميثاق بني إسرائيل منهم لا من الله فنقضوا الميثاق وعبدوا العجل وقتلوا الأنبياء، ولما كان ميثاق هذه الأمة من الله ثم منهم بقوله
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، بذلوا في الله أرواحهم وما بذلوا بعهدوهم ومحبوبهم وما نقضوا ميثاقهم وعهودهم كما قال تعالى:
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا
[الأحزاب: 23]، ومن كمال عنايته مع هذه الأمة أنه تعالى جعل في أمة موسى عليه السلام النقباء المختارين المرجوعين إليهم عند الضرورة اثني عشر لقوله تعالى: { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } [المائدة: 12]، جعل في هذه الآمة من النجباء البدلاء وأعزة الأولياء أربعين رجلا في كل حال وزمان.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم عليه السلام وسبعة على خلق موسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم "
فهم على مراتب رجائهم ومناصب مقاماتهم أمنة هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" بهم يرزقون وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلاء "
قال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأمة ثلاثة، والواحد القطب عارف بهم جميعا ويشرف عليهم، ولا يعرفه واحد ولا يشرف عليه، وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة، ويعرفون الأربعين ولا يعرفهم أولئك السبعة، والسبعة هم الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم الأربعون، وهم يعرفون سائر الأولياء من الأمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، فإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي هو واحد في العدد وبه قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة إلى أن يأذن الله في قيام الساعة.
ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، علق المعية معهم بهذا الشرط، وقال تعالى: لهذه الأمة عن غير تعليق بشرط
وهو معكم أين ما كنتم
[الحديد: 4]، والإشارة فيه أن من يقيم بهذه الشرائط إنما يقيم بها لأن الله تعالى وعد بني إسرائيل بتكفير سيئاتهم بعد القيام بهذه الشرائط. وقال: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، ووعد هذه الأمة على القيام بأقل من هذه الشرائط بتبديل سيئاتهم حسنات وقال:
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، وتحقيق قوله تعالى { أقمتم الصلاة } [المائدة: 12] فإقامة الصلاة في أداءها منها بأن تجعل الصلاة معراجك إلى الحق، وقدم العروج بدرجاتها إلى أن تشاهد الحق كما شاهدته يوم الميثاق، ودرجاتها أربع القيام والركوع والسجود والتشهد على دركات نزلت بها من عليين وجوار رب العالمين إلى أسفل سافلين القالب وهو العناصر الأربعة التي خلق منها قالب الإنسان فالمتولدات منها على أربعة أقسام ولكل قسم منها ظلمة خاصة تحجبك عن مشاهدة الحق، وهي الجمادية وخاصيتها التشهد، ثم النباتية وخاصيتها السجود، ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع، ثم الإنسانية وخاصيتها القيام، فالقيام يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع النباتية وأعظمها الحرص على الجذب للنشوء، والنماء وهي خاصية الماء، والتشهد يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع الجمادية وأعظمها الجمود وهي خاصية التراب، ومن هذه الصفات الأربع تنشأ بقية الصفات البشرية فإذا تخلصت عن هذه الدركات والحجب عرجت بهذه المدارج الأربعة إلى جوار رب العالمين وقربه فقط قمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أعبد الله كأنك تراه ".
وفي قوله تعالى: { وآتيتم الزكاة } [المائدة: 12]، إشارة إلى صرف ما زاد على روحانيتك بتعلق القلب بالوجود كله في سبيل الله { وآمنتم برسلي } [المائدة: 12]؛ أي: استسلم بالكل لتصرفات النبوة والرسالة { وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، وهو أن يأخذ منكم وجودا مجازيا فانيا ويعطيكم وجودا حقيقيا باقيا كما يقول: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، أي: لأسترن بالوجود الحقيقي عنكم سيئات الوجود المجازي { ولأدخلنكم جنات } [المائدة: 12]، الوصلة { تجري من تحتها الأنهار } [المائدة: 12]، أنهار الحكمة { فمن كفر بعد ذلك } [المائدة: 12]، يعني: بعد هذه المواعظ الحسنة ولم يعمل بها { منكم فقد ضل سوآء السبيل } [المائدة: 12]، يعني: بضلالته اليوم من نتائج أخطاء النور عند رشاشه على الأرواح في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" فمن أخطأه ذلك النور فقد ضل ".
المائدة 5:13
قال تعالى شكاية لأفعالهم من سوء خصالهم: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } [المائدة: 13]، يعني: بعد هذه المواعيد نقضوا ميثاقهم الذي أخذناه على التوحيد أبعدناهم وطردناهم عن جوارنا { وجعلنا قلوبهم } [المائدة: 13]، بالنسيان والغفلة وحب الدنيا ومتابعة الهوى { قاسية } [المائدة: 13]، لا تؤثر العظة والنصح، ومن قوتها { يحرفون الكلم عن مواضعه } [المائدة: 13]، يتصرفون في كلام الحق ويغيرون أحكام التوراة { ونسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 13]، أي: نسوا نصيبهم من تذكر ما ذكروا به أي: ذكرهم الأنبياء - عليهم السلام - من يوم الميثاق ومخاطبة الحق إياهم تشويقا لهم إلى تلك الأحوال { ولا تزال تطلع على خآئنة منهم } [المائدة: 13]؛ لأن جعلنا جزاء عصيانهم الخذلان للزيادة في العصيان { إلا قليلا منهم } [المائدة: 13]، وهم الذين أصابهم رشاش النور في بدء الخلقة { فاعف عنهم } [المائدة: 13]؛ يعني: عن هذا القليل أن صدر منهم بعض معاملات أهل الكفر والطغيان موافقة لآبائهم بالسوء والنسيان لا مخالفة لربهم بالعمد والعدوان { واصفح } [المائدة: 13]، بالحلم والكرم عما جرى عليهم قبل التوبة والندم؛ إذ حسن إسلامهم وحصل بالإيمان مراحهم { إن الله يحب المحسنين } [المائدة: 13]، الذين يحسنون طلب الحق ويتجاوزون عن جرائم الخلق.
ثم أخبر عن ميثاق النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } [المائدة: 14]، والإشارة أن الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ هذه الأمة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين إلى أنفسهم نسوا ما ذكروا به ابتلوا بالنسيان والخذلان؛ فأخبر عن نسيان اليهود بقوله تعالى: { فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، وعن نسيان النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، فما بقي للفريقين حظ من ذلك الميثاق.
{ فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } [المائدة: 14]، تحقيقه إذ لم يبق لهم حظ من ذلك الميثاق بإبطال الاستعداد الفطري بالكمال الإنساني صاروا أولئك كالأنعام بل هم أضل أي: كالسباع يتحاربون ويتحارشون ويتهارشون بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فإن أرباب الغفلة لا ألفة بينهم، وإن أصحاب الوفاق لا وحشة بينهم، وأما هذه الأمة لما أبدت بالتأييد الإلهي إذ كتب في قلوبهم الإيمان بقلم خطاب ألست بربكم يوم الميثاق وأيدهم بروح منه مما نسوا مما ذكروا به وقيل لنبيهم:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، وقال تعالى خطابهم إذ ينسوا ولم ينقضوا ميثاقهم:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، على أن ذكره آبائهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ذكرهم بالمحبة وقال:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن حقيقة الحظ الذي نسوه أهل الكتاب، وما نسته هذه الأمة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا } [المائدة: 15]، والإشارة أن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم نورا يبين حقيقة حظ الإنسان من الله تعالى مما خفي عليهم وهم مستعدون فحاصل الخلقة الاحتظاظ به دون سائر المخلوقات.
وقد حظي هنا أهل الكتاب بالخطاب بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير } [المائدة: 15]؛ لأنهم أخفوا ما بين الله لهم في الكتاب المنزل على أنبيائهم ثم عمم الخطاب وقال تعالى: { قد جآءكم من الله نور } [المائدة: 15]، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم مبين معه كتاب مبين حظ العباد من الله ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سمى نفسه نورا بقوله تعالى:
الله نور السموت والأرض
[النور: 35]؛ لأنهما كانتا مخفيتين في ظلمة العدم فالله تعالى أظهرهما بالإيجاد وسمى الرسول نورا؛ لأن أول شيء أظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قاله عليه صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان أقرب إلى الاختراع كان أولى باسم النور كما أن عالم الأرواح أقرب إلى الاختراع من عالم الأجساد "
فلذلك يسمى عالم الأرواح والعلويات نورانيات بالنسبة إلى السفليات فأقرب الموجودات إلى الاختراع لما كان نور النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى باسم النور ولهذا كان يقول
" أنا من الله والمؤمنون مني "
، قال تعالى: { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } [المائدة: 15].
المائدة 5:14
قال تعالى شكاية لأفعالهم من سوء خصالهم: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } [المائدة: 13]، يعني: بعد هذه المواعيد نقضوا ميثاقهم الذي أخذناه على التوحيد أبعدناهم وطردناهم عن جوارنا { وجعلنا قلوبهم } [المائدة: 13]، بالنسيان والغفلة وحب الدنيا ومتابعة الهوى { قاسية } [المائدة: 13]، لا تؤثر العظة والنصح، ومن قوتها { يحرفون الكلم عن مواضعه } [المائدة: 13]، يتصرفون في كلام الحق ويغيرون أحكام التوراة { ونسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 13]، أي: نسوا نصيبهم من تذكر ما ذكروا به أي: ذكرهم الأنبياء - عليهم السلام - من يوم الميثاق ومخاطبة الحق إياهم تشويقا لهم إلى تلك الأحوال { ولا تزال تطلع على خآئنة منهم } [المائدة: 13]؛ لأن جعلنا جزاء عصيانهم الخذلان للزيادة في العصيان { إلا قليلا منهم } [المائدة: 13]، وهم الذين أصابهم رشاش النور في بدء الخلقة { فاعف عنهم } [المائدة: 13]؛ يعني: عن هذا القليل أن صدر منهم بعض معاملات أهل الكفر والطغيان موافقة لآبائهم بالسوء والنسيان لا مخالفة لربهم بالعمد والعدوان { واصفح } [المائدة: 13]، بالحلم والكرم عما جرى عليهم قبل التوبة والندم؛ إذ حسن إسلامهم وحصل بالإيمان مراحهم { إن الله يحب المحسنين } [المائدة: 13]، الذين يحسنون طلب الحق ويتجاوزون عن جرائم الخلق.
ثم أخبر عن ميثاق النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } [المائدة: 14]، والإشارة أن الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ هذه الأمة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين إلى أنفسهم نسوا ما ذكروا به ابتلوا بالنسيان والخذلان؛ فأخبر عن نسيان اليهود بقوله تعالى: { فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، وعن نسيان النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، فما بقي للفريقين حظ من ذلك الميثاق.
{ فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } [المائدة: 14]، تحقيقه إذ لم يبق لهم حظ من ذلك الميثاق بإبطال الاستعداد الفطري بالكمال الإنساني صاروا أولئك كالأنعام بل هم أضل أي: كالسباع يتحاربون ويتحارشون ويتهارشون بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فإن أرباب الغفلة لا ألفة بينهم، وإن أصحاب الوفاق لا وحشة بينهم، وأما هذه الأمة لما أبدت بالتأييد الإلهي إذ كتب في قلوبهم الإيمان بقلم خطاب ألست بربكم يوم الميثاق وأيدهم بروح منه مما نسوا مما ذكروا به وقيل لنبيهم:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، وقال تعالى خطابهم إذ ينسوا ولم ينقضوا ميثاقهم:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، على أن ذكره آبائهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ذكرهم بالمحبة وقال:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن حقيقة الحظ الذي نسوه أهل الكتاب، وما نسته هذه الأمة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا } [المائدة: 15]، والإشارة أن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم نورا يبين حقيقة حظ الإنسان من الله تعالى مما خفي عليهم وهم مستعدون فحاصل الخلقة الاحتظاظ به دون سائر المخلوقات.
وقد حظي هنا أهل الكتاب بالخطاب بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير } [المائدة: 15]؛ لأنهم أخفوا ما بين الله لهم في الكتاب المنزل على أنبيائهم ثم عمم الخطاب وقال تعالى: { قد جآءكم من الله نور } [المائدة: 15]، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم مبين معه كتاب مبين حظ العباد من الله ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سمى نفسه نورا بقوله تعالى:
الله نور السموت والأرض
[النور: 35]؛ لأنهما كانتا مخفيتين في ظلمة العدم فالله تعالى أظهرهما بالإيجاد وسمى الرسول نورا؛ لأن أول شيء أظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قاله عليه صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان أقرب إلى الاختراع كان أولى باسم النور كما أن عالم الأرواح أقرب إلى الاختراع من عالم الأجساد "
فلذلك يسمى عالم الأرواح والعلويات نورانيات بالنسبة إلى السفليات فأقرب الموجودات إلى الاختراع لما كان نور النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى باسم النور ولهذا كان يقول
" أنا من الله والمؤمنون مني "
، قال تعالى: { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } [المائدة: 15].
المائدة 5:15
قال تعالى شكاية لأفعالهم من سوء خصالهم: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } [المائدة: 13]، يعني: بعد هذه المواعيد نقضوا ميثاقهم الذي أخذناه على التوحيد أبعدناهم وطردناهم عن جوارنا { وجعلنا قلوبهم } [المائدة: 13]، بالنسيان والغفلة وحب الدنيا ومتابعة الهوى { قاسية } [المائدة: 13]، لا تؤثر العظة والنصح، ومن قوتها { يحرفون الكلم عن مواضعه } [المائدة: 13]، يتصرفون في كلام الحق ويغيرون أحكام التوراة { ونسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 13]، أي: نسوا نصيبهم من تذكر ما ذكروا به أي: ذكرهم الأنبياء - عليهم السلام - من يوم الميثاق ومخاطبة الحق إياهم تشويقا لهم إلى تلك الأحوال { ولا تزال تطلع على خآئنة منهم } [المائدة: 13]؛ لأن جعلنا جزاء عصيانهم الخذلان للزيادة في العصيان { إلا قليلا منهم } [المائدة: 13]، وهم الذين أصابهم رشاش النور في بدء الخلقة { فاعف عنهم } [المائدة: 13]؛ يعني: عن هذا القليل أن صدر منهم بعض معاملات أهل الكفر والطغيان موافقة لآبائهم بالسوء والنسيان لا مخالفة لربهم بالعمد والعدوان { واصفح } [المائدة: 13]، بالحلم والكرم عما جرى عليهم قبل التوبة والندم؛ إذ حسن إسلامهم وحصل بالإيمان مراحهم { إن الله يحب المحسنين } [المائدة: 13]، الذين يحسنون طلب الحق ويتجاوزون عن جرائم الخلق.
ثم أخبر عن ميثاق النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } [المائدة: 14]، والإشارة أن الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ هذه الأمة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين إلى أنفسهم نسوا ما ذكروا به ابتلوا بالنسيان والخذلان؛ فأخبر عن نسيان اليهود بقوله تعالى: { فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، وعن نسيان النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، فما بقي للفريقين حظ من ذلك الميثاق.
{ فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } [المائدة: 14]، تحقيقه إذ لم يبق لهم حظ من ذلك الميثاق بإبطال الاستعداد الفطري بالكمال الإنساني صاروا أولئك كالأنعام بل هم أضل أي: كالسباع يتحاربون ويتحارشون ويتهارشون بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فإن أرباب الغفلة لا ألفة بينهم، وإن أصحاب الوفاق لا وحشة بينهم، وأما هذه الأمة لما أبدت بالتأييد الإلهي إذ كتب في قلوبهم الإيمان بقلم خطاب ألست بربكم يوم الميثاق وأيدهم بروح منه مما نسوا مما ذكروا به وقيل لنبيهم:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، وقال تعالى خطابهم إذ ينسوا ولم ينقضوا ميثاقهم:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، على أن ذكره آبائهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ذكرهم بالمحبة وقال:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن حقيقة الحظ الذي نسوه أهل الكتاب، وما نسته هذه الأمة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا } [المائدة: 15]، والإشارة أن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم نورا يبين حقيقة حظ الإنسان من الله تعالى مما خفي عليهم وهم مستعدون فحاصل الخلقة الاحتظاظ به دون سائر المخلوقات.
وقد حظي هنا أهل الكتاب بالخطاب بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير } [المائدة: 15]؛ لأنهم أخفوا ما بين الله لهم في الكتاب المنزل على أنبيائهم ثم عمم الخطاب وقال تعالى: { قد جآءكم من الله نور } [المائدة: 15]، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم مبين معه كتاب مبين حظ العباد من الله ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سمى نفسه نورا بقوله تعالى:
الله نور السموت والأرض
[النور: 35]؛ لأنهما كانتا مخفيتين في ظلمة العدم فالله تعالى أظهرهما بالإيجاد وسمى الرسول نورا؛ لأن أول شيء أظهره الحق بنور قدرته من ظلمة العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قاله عليه صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان أقرب إلى الاختراع كان أولى باسم النور كما أن عالم الأرواح أقرب إلى الاختراع من عالم الأجساد "
فلذلك يسمى عالم الأرواح والعلويات نورانيات بالنسبة إلى السفليات فأقرب الموجودات إلى الاختراع لما كان نور النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى باسم النور ولهذا كان يقول
" أنا من الله والمؤمنون مني "
، قال تعالى: { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } [المائدة: 15].
المائدة 5:16
وقوله تعالى: { يهدي به الله } [المائدة: 16]، أي: بنور النبي صلى الله عليه وسلم وهو نور حكمته وإرشاده { من اتبع رضوانه } [المائدة: 16]، أي: من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رضوان الحق تعالى كما أن الملائكة رضوان الجنة { سبل السلام } [المائدة: 16]، طرق السلام وهو الله { ويخرجهم من الظلمات } [المائدة: 16]، أي: من ظلمات وجودهم المجازي، { إلى النور } [المائدة: 16]، أي: إلى نور الله تعالى وهو الوجود الحقيقي الأزلي الأبدي { بإذنه } ، أي: بجذبات عنايته { ويهديهم إلى صراط مستقيم } [المائدة: 16]، إلى الله تعالى وهذا حقيقة حظ العباد من الله ورسوله فافهم جيدا وإن لم تفهم حقيقته.
المائدة 5:17
ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله تعالى: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 17]، إلى قوله: { وإليه المصير } [المائدة: 18]، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: { إن الله هو المسيح ابن مريم } ولم يتفكر أن من اشتمل عليه أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: { قل } [المائدة: 17]، في جواب هؤلاء المغرورين الممكورين { فمن يملك من الله شيئا } [المائدة: 17]، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئا بالدفع والمنع { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } [المائدة: 17]، قهرا منه بشؤم قولكم: إن الله هو المسيح ابن مريم: { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 17]، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما { يخلق ما يشآء } [المائدة: 17]، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 17]، يعني: الإله من يكون بهذه الصفة.
{ وقالت اليهود والنصرى } [المائدة: 18]، من غاية خذلانهم وجهلهم وطغيانهم { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18]، أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه قوله تعالى:
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله
[التوبة: 30].
{ وأحبؤه } [المائدة: 18]، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى:
يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت
[الجمعة: 6]، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } [المائدة: 18]، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلا لاستكمال تعذيبهم آجلا بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى { بل أنتم بشر ممن خلق } [المائدة: 18]؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121]، وكان من الله ما قال:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله { يغفر لمن يشآء } [المائدة: 18]، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى { ويعذب من يشآء } [المائدة: 18]، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 18]، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواما مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواما مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، { وإليه المصير } [المائدة: 18]، للفريقين
فريق في الجنة
[الشورى: 7]، وهي دار لطفه وجماله
وفريق في السعير
[الشورى: 7]، هي دار قهره وجلاله.
ثم أخبر عن تأكيد الحجة وإظهار الحجة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى خاطب اليهود والنصارى وقال: { يا أهل الكتاب } [المائدة: 19] يشير إلى أنكم لستم أهل الله الذين يتدارسون الكتاب لله؛ بل أنتم من أهل الكتاب الذين يطلبون من دراسة الكتاب والعلوم الشهرة طلبا للرئاسة والوجاهة وقبول الخلق والمنافع الدنيوية.
{ قد جآءكم رسولنا } [المائدة: 19] فيه نكتة وهي أنه تعالى أضاف الرسول إلى نفسه وقال: { رسولنا } [المائدة: 19] وما أضاف إليهم؛ لأن فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم، ولما خاطب هذه الأمة أخبرهم عن مجيء الرسول إضافة إلى نفسه وإنما جعله من أنفسهم فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]؛ لأن فائدة رسالته راجعة إلى أنفسهم.
ثم قال تعالى: { يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]؛ يعني: يبين لكم أن تكونوا أهل الله لأنكم حصلتم على فترة من الرسل وما بين لكم من بيان رسول ألا تقنعوا من الدين باسم، ولا من الكتاب برسم، ومن الدراسة بذكر فينبئكم رسولنا برسالتنا ويبشركم بالوصول إلينا، وينذركم من القطيعة عنا { أن تقولوا } [المائدة: 19] يوم القيامة في مقام الحسرة والندامة، { ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } [المائدة: 19]، بشركم بنا ونذير ينذركم عنا ويدعوكم إلينا ويكون لكم سراجا منيرا تهتدون به إلينا كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الأحزاب: 45]، وليكون حجة الله عليكم ولا يكون لكم حجة على الله، { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 19]، مما يدعوكم إليه الرسول ويبشركم به وينذركم عنه، { قدير } [المائدة: 19]، قادر على أن يعطيكم ما وعدكم رسوله؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر عن فضله وكرمه وما أتاكم من نعمه بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } [المائدة: 20]، إلى قوله:
قاعدون
[المائدة: 24]، والإشارة فيها أن الله تعالى أظهر الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل على لسان نبيهم؛ إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم وتولى أمر هذه الأمة بنفسه تعالى وقال:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، فشتان بين من أمره سبحانه بذكره وبين من يذكر نعمه، ثم عدد ما أنعم به عليهم، فقال تعالى: { إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } [المائدة: 20]، من الآيات والمعجزات والنعم الظاهرة والبراهين الباهرة، فلما لم يكونوا أهلا لهذه الكرامات ومستحقا لهذه السعادات ابتلاهم بدخول الأرض المقدسة.
المائدة 5:18
ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله تعالى: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 17]، إلى قوله: { وإليه المصير } [المائدة: 18]، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: { إن الله هو المسيح ابن مريم } ولم يتفكر أن من اشتمل عليه أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: { قل } [المائدة: 17]، في جواب هؤلاء المغرورين الممكورين { فمن يملك من الله شيئا } [المائدة: 17]، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئا بالدفع والمنع { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } [المائدة: 17]، قهرا منه بشؤم قولكم: إن الله هو المسيح ابن مريم: { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 17]، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما { يخلق ما يشآء } [المائدة: 17]، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 17]، يعني: الإله من يكون بهذه الصفة.
{ وقالت اليهود والنصرى } [المائدة: 18]، من غاية خذلانهم وجهلهم وطغيانهم { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18]، أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه قوله تعالى:
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله
[التوبة: 30].
{ وأحبؤه } [المائدة: 18]، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى:
يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت
[الجمعة: 6]، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } [المائدة: 18]، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلا لاستكمال تعذيبهم آجلا بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى { بل أنتم بشر ممن خلق } [المائدة: 18]؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121]، وكان من الله ما قال:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله { يغفر لمن يشآء } [المائدة: 18]، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى { ويعذب من يشآء } [المائدة: 18]، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 18]، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواما مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواما مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، { وإليه المصير } [المائدة: 18]، للفريقين
فريق في الجنة
[الشورى: 7]، وهي دار لطفه وجماله
وفريق في السعير
[الشورى: 7]، هي دار قهره وجلاله.
ثم أخبر عن تأكيد الحجة وإظهار الحجة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى خاطب اليهود والنصارى وقال: { يا أهل الكتاب } [المائدة: 19] يشير إلى أنكم لستم أهل الله الذين يتدارسون الكتاب لله؛ بل أنتم من أهل الكتاب الذين يطلبون من دراسة الكتاب والعلوم الشهرة طلبا للرئاسة والوجاهة وقبول الخلق والمنافع الدنيوية.
{ قد جآءكم رسولنا } [المائدة: 19] فيه نكتة وهي أنه تعالى أضاف الرسول إلى نفسه وقال: { رسولنا } [المائدة: 19] وما أضاف إليهم؛ لأن فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم، ولما خاطب هذه الأمة أخبرهم عن مجيء الرسول إضافة إلى نفسه وإنما جعله من أنفسهم فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]؛ لأن فائدة رسالته راجعة إلى أنفسهم.
ثم قال تعالى: { يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]؛ يعني: يبين لكم أن تكونوا أهل الله لأنكم حصلتم على فترة من الرسل وما بين لكم من بيان رسول ألا تقنعوا من الدين باسم، ولا من الكتاب برسم، ومن الدراسة بذكر فينبئكم رسولنا برسالتنا ويبشركم بالوصول إلينا، وينذركم من القطيعة عنا { أن تقولوا } [المائدة: 19] يوم القيامة في مقام الحسرة والندامة، { ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } [المائدة: 19]، بشركم بنا ونذير ينذركم عنا ويدعوكم إلينا ويكون لكم سراجا منيرا تهتدون به إلينا كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الأحزاب: 45]، وليكون حجة الله عليكم ولا يكون لكم حجة على الله، { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 19]، مما يدعوكم إليه الرسول ويبشركم به وينذركم عنه، { قدير } [المائدة: 19]، قادر على أن يعطيكم ما وعدكم رسوله؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر عن فضله وكرمه وما أتاكم من نعمه بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } [المائدة: 20]، إلى قوله:
قاعدون
[المائدة: 24]، والإشارة فيها أن الله تعالى أظهر الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل على لسان نبيهم؛ إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم وتولى أمر هذه الأمة بنفسه تعالى وقال:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، فشتان بين من أمره سبحانه بذكره وبين من يذكر نعمه، ثم عدد ما أنعم به عليهم، فقال تعالى: { إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } [المائدة: 20]، من الآيات والمعجزات والنعم الظاهرة والبراهين الباهرة، فلما لم يكونوا أهلا لهذه الكرامات ومستحقا لهذه السعادات ابتلاهم بدخول الأرض المقدسة.
المائدة 5:19
ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله تعالى: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 17]، إلى قوله: { وإليه المصير } [المائدة: 18]، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: { إن الله هو المسيح ابن مريم } ولم يتفكر أن من اشتمل عليه أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: { قل } [المائدة: 17]، في جواب هؤلاء المغرورين الممكورين { فمن يملك من الله شيئا } [المائدة: 17]، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئا بالدفع والمنع { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } [المائدة: 17]، قهرا منه بشؤم قولكم: إن الله هو المسيح ابن مريم: { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 17]، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما { يخلق ما يشآء } [المائدة: 17]، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 17]، يعني: الإله من يكون بهذه الصفة.
{ وقالت اليهود والنصرى } [المائدة: 18]، من غاية خذلانهم وجهلهم وطغيانهم { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18]، أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه قوله تعالى:
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله
[التوبة: 30].
{ وأحبؤه } [المائدة: 18]، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى:
يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت
[الجمعة: 6]، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } [المائدة: 18]، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلا لاستكمال تعذيبهم آجلا بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى { بل أنتم بشر ممن خلق } [المائدة: 18]؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121]، وكان من الله ما قال:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله { يغفر لمن يشآء } [المائدة: 18]، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى { ويعذب من يشآء } [المائدة: 18]، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 18]، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواما مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواما مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، { وإليه المصير } [المائدة: 18]، للفريقين
فريق في الجنة
[الشورى: 7]، وهي دار لطفه وجماله
وفريق في السعير
[الشورى: 7]، هي دار قهره وجلاله.
ثم أخبر عن تأكيد الحجة وإظهار الحجة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى خاطب اليهود والنصارى وقال: { يا أهل الكتاب } [المائدة: 19] يشير إلى أنكم لستم أهل الله الذين يتدارسون الكتاب لله؛ بل أنتم من أهل الكتاب الذين يطلبون من دراسة الكتاب والعلوم الشهرة طلبا للرئاسة والوجاهة وقبول الخلق والمنافع الدنيوية.
{ قد جآءكم رسولنا } [المائدة: 19] فيه نكتة وهي أنه تعالى أضاف الرسول إلى نفسه وقال: { رسولنا } [المائدة: 19] وما أضاف إليهم؛ لأن فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم، ولما خاطب هذه الأمة أخبرهم عن مجيء الرسول إضافة إلى نفسه وإنما جعله من أنفسهم فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]؛ لأن فائدة رسالته راجعة إلى أنفسهم.
ثم قال تعالى: { يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]؛ يعني: يبين لكم أن تكونوا أهل الله لأنكم حصلتم على فترة من الرسل وما بين لكم من بيان رسول ألا تقنعوا من الدين باسم، ولا من الكتاب برسم، ومن الدراسة بذكر فينبئكم رسولنا برسالتنا ويبشركم بالوصول إلينا، وينذركم من القطيعة عنا { أن تقولوا } [المائدة: 19] يوم القيامة في مقام الحسرة والندامة، { ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } [المائدة: 19]، بشركم بنا ونذير ينذركم عنا ويدعوكم إلينا ويكون لكم سراجا منيرا تهتدون به إلينا كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الأحزاب: 45]، وليكون حجة الله عليكم ولا يكون لكم حجة على الله، { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 19]، مما يدعوكم إليه الرسول ويبشركم به وينذركم عنه، { قدير } [المائدة: 19]، قادر على أن يعطيكم ما وعدكم رسوله؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر عن فضله وكرمه وما أتاكم من نعمه بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } [المائدة: 20]، إلى قوله:
قاعدون
[المائدة: 24]، والإشارة فيها أن الله تعالى أظهر الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل على لسان نبيهم؛ إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم وتولى أمر هذه الأمة بنفسه تعالى وقال:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، فشتان بين من أمره سبحانه بذكره وبين من يذكر نعمه، ثم عدد ما أنعم به عليهم، فقال تعالى: { إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } [المائدة: 20]، من الآيات والمعجزات والنعم الظاهرة والبراهين الباهرة، فلما لم يكونوا أهلا لهذه الكرامات ومستحقا لهذه السعادات ابتلاهم بدخول الأرض المقدسة.
المائدة 5:20
ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله تعالى: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 17]، إلى قوله: { وإليه المصير } [المائدة: 18]، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: { إن الله هو المسيح ابن مريم } ولم يتفكر أن من اشتمل عليه أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: { قل } [المائدة: 17]، في جواب هؤلاء المغرورين الممكورين { فمن يملك من الله شيئا } [المائدة: 17]، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئا بالدفع والمنع { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } [المائدة: 17]، قهرا منه بشؤم قولكم: إن الله هو المسيح ابن مريم: { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 17]، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما { يخلق ما يشآء } [المائدة: 17]، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 17]، يعني: الإله من يكون بهذه الصفة.
{ وقالت اليهود والنصرى } [المائدة: 18]، من غاية خذلانهم وجهلهم وطغيانهم { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18]، أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه قوله تعالى:
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله
[التوبة: 30].
{ وأحبؤه } [المائدة: 18]، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى:
يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت
[الجمعة: 6]، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } [المائدة: 18]، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلا لاستكمال تعذيبهم آجلا بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى { بل أنتم بشر ممن خلق } [المائدة: 18]؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121]، وكان من الله ما قال:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122]، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله { يغفر لمن يشآء } [المائدة: 18]، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى { ويعذب من يشآء } [المائدة: 18]، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } [المائدة: 18]، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواما مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواما مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، { وإليه المصير } [المائدة: 18]، للفريقين
فريق في الجنة
[الشورى: 7]، وهي دار لطفه وجماله
وفريق في السعير
[الشورى: 7]، هي دار قهره وجلاله.
ثم أخبر عن تأكيد الحجة وإظهار الحجة بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى خاطب اليهود والنصارى وقال: { يا أهل الكتاب } [المائدة: 19] يشير إلى أنكم لستم أهل الله الذين يتدارسون الكتاب لله؛ بل أنتم من أهل الكتاب الذين يطلبون من دراسة الكتاب والعلوم الشهرة طلبا للرئاسة والوجاهة وقبول الخلق والمنافع الدنيوية.
{ قد جآءكم رسولنا } [المائدة: 19] فيه نكتة وهي أنه تعالى أضاف الرسول إلى نفسه وقال: { رسولنا } [المائدة: 19] وما أضاف إليهم؛ لأن فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم، ولما خاطب هذه الأمة أخبرهم عن مجيء الرسول إضافة إلى نفسه وإنما جعله من أنفسهم فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]؛ لأن فائدة رسالته راجعة إلى أنفسهم.
ثم قال تعالى: { يبين لكم على فترة من الرسل } [المائدة: 19]؛ يعني: يبين لكم أن تكونوا أهل الله لأنكم حصلتم على فترة من الرسل وما بين لكم من بيان رسول ألا تقنعوا من الدين باسم، ولا من الكتاب برسم، ومن الدراسة بذكر فينبئكم رسولنا برسالتنا ويبشركم بالوصول إلينا، وينذركم من القطيعة عنا { أن تقولوا } [المائدة: 19] يوم القيامة في مقام الحسرة والندامة، { ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } [المائدة: 19]، بشركم بنا ونذير ينذركم عنا ويدعوكم إلينا ويكون لكم سراجا منيرا تهتدون به إلينا كقوله تعالى:
إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا
[الأحزاب: 45]، وليكون حجة الله عليكم ولا يكون لكم حجة على الله، { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 19]، مما يدعوكم إليه الرسول ويبشركم به وينذركم عنه، { قدير } [المائدة: 19]، قادر على أن يعطيكم ما وعدكم رسوله؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر عن فضله وكرمه وما أتاكم من نعمه بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } [المائدة: 20]، إلى قوله:
قاعدون
[المائدة: 24]، والإشارة فيها أن الله تعالى أظهر الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل على لسان نبيهم؛ إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم وتولى أمر هذه الأمة بنفسه تعالى وقال:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152]، فشتان بين من أمره سبحانه بذكره وبين من يذكر نعمه، ثم عدد ما أنعم به عليهم، فقال تعالى: { إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } [المائدة: 20]، من الآيات والمعجزات والنعم الظاهرة والبراهين الباهرة، فلما لم يكونوا أهلا لهذه الكرامات ومستحقا لهذه السعادات ابتلاهم بدخول الأرض المقدسة.
المائدة 5:21
كما قال تعالى: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه.
وقال: { ولا ترتدوا على أدباركم } [المائدة: 21]، بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة { فتنقلبوا } [المائدة: 21]، بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، { خسرين } [المائدة: 21]، الدنيا والآخرة والمأوى.
فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: { ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة:
" جعلت لكم الأرض مسجدا وترابها طهورا ".
و
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
[الملك: 15]، وقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجدا وذلولا وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلا.
ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهارا للقدرة بأن يخافوا الله وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين يخافون { ادخلوا عليهم الباب } [المائدة: 23]، بأمر الله ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته { فإذا دخلتموه } [المائدة: 23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله { فإنكم غالبون } [المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم وقوة أجسادهم ولا إلى ضغف أبدانهم { وعلى الله فتوكلوا } [المائدة: 23]، وقوة إيمانكم { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 23]، بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان.
{ قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها } [المائدة: 24]، فمن أقصته سوابق التقدير لم تخلصه لواحق التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [المائدة: 24]، فلم يخشوا من مجاهر الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد.
المائدة 5:22
كما قال تعالى: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه.
وقال: { ولا ترتدوا على أدباركم } [المائدة: 21]، بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة { فتنقلبوا } [المائدة: 21]، بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، { خسرين } [المائدة: 21]، الدنيا والآخرة والمأوى.
فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: { ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة:
" جعلت لكم الأرض مسجدا وترابها طهورا ".
و
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
[الملك: 15]، وقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجدا وذلولا وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلا.
ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهارا للقدرة بأن يخافوا الله وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين يخافون { ادخلوا عليهم الباب } [المائدة: 23]، بأمر الله ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته { فإذا دخلتموه } [المائدة: 23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله { فإنكم غالبون } [المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم وقوة أجسادهم ولا إلى ضغف أبدانهم { وعلى الله فتوكلوا } [المائدة: 23]، وقوة إيمانكم { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 23]، بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان.
{ قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها } [المائدة: 24]، فمن أقصته سوابق التقدير لم تخلصه لواحق التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [المائدة: 24]، فلم يخشوا من مجاهر الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد.
المائدة 5:23
كما قال تعالى: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه.
وقال: { ولا ترتدوا على أدباركم } [المائدة: 21]، بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة { فتنقلبوا } [المائدة: 21]، بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، { خسرين } [المائدة: 21]، الدنيا والآخرة والمأوى.
فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: { ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة:
" جعلت لكم الأرض مسجدا وترابها طهورا ".
و
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
[الملك: 15]، وقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجدا وذلولا وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلا.
ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهارا للقدرة بأن يخافوا الله وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين يخافون { ادخلوا عليهم الباب } [المائدة: 23]، بأمر الله ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته { فإذا دخلتموه } [المائدة: 23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله { فإنكم غالبون } [المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم وقوة أجسادهم ولا إلى ضغف أبدانهم { وعلى الله فتوكلوا } [المائدة: 23]، وقوة إيمانكم { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 23]، بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان.
{ قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها } [المائدة: 24]، فمن أقصته سوابق التقدير لم تخلصه لواحق التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [المائدة: 24]، فلم يخشوا من مجاهر الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد.
المائدة 5:24
كما قال تعالى: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه.
وقال: { ولا ترتدوا على أدباركم } [المائدة: 21]، بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة { فتنقلبوا } [المائدة: 21]، بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، { خسرين } [المائدة: 21]، الدنيا والآخرة والمأوى.
فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: { ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة:
" جعلت لكم الأرض مسجدا وترابها طهورا ".
و
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
[الملك: 15]، وقوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجدا وذلولا وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلا.
ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهارا للقدرة بأن يخافوا الله وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين يخافون { ادخلوا عليهم الباب } [المائدة: 23]، بأمر الله ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته { فإذا دخلتموه } [المائدة: 23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله { فإنكم غالبون } [المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم وقوة أجسادهم ولا إلى ضغف أبدانهم { وعلى الله فتوكلوا } [المائدة: 23]، وقوة إيمانكم { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 23]، بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان.
{ قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها } [المائدة: 24]، فمن أقصته سوابق التقدير لم تخلصه لواحق التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [المائدة: 24]، فلم يخشوا من مجاهر الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد.
المائدة 5:25
ثم أخبر عن نتائج خذلانهم وبوادر كفرانهم بقوله تعالى: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } [المائدة: 25]، والإشارة أن موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه، قال: رب لا أملك إلا نفسي وأخي ابتلاه الله بالدعاء على أمته حتى قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فأظهر له أنك لو كنت تملك نفسك ما دعوت على أمتك، ولا سميتهم بالفاسقين، ولقلت اللهم أهد قومي وأصلحهم في عبوديتك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين نتج رأسه وكسرت رباعيته وأدمى وجهه وهو يقول:
" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "
ولهذا قال تعالى:
قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا
[الفتح: 11]، لأنه لا يملك أحد نفسه ولا نفس غيره على الحقيقة فالله تعالى حرم على الذين دعا عليهم موسى عليه السلام دخول الأرض المقدسة بدعائه.
{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } [المائدة: 26]، وأخذ موسى عليه السلام على دعائه عليهم وجعل معهم في التيه وقال له: { فلا تأس على القوم الفاسقين } [المائدة: 26]، يعني: لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين، ولا على نفسك ولا على أخيك، وإنما يملك نفسه إذا ملكت عليها عند الغضب، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "
وكان موسى عليه السلام عند الغضب
وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه
[الأعراف: 150]، ولما غضب موسى عليه السلام على بني إسرائيل قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فلم ادعى أنه يملك نفسه، ويقال معناه: لا أملك إلا نفسي لا أؤخرها عن البذل في أمرك، ولا أملك أخي فإنه لا يخالفني في هذا فالعجب في أن موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - بشؤم معاملة بني إسرائيل بقيا في التيه أربعين سنة، وبنو إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين، وأثر شؤم صحبة الفاسقين.
ثم أخبر عن سيرة الصالح وسيرة الطالح بقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } [المائدة: 27]، والإشارة أن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، في بطن أولى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن؛ لأن القلب به يميل إلى طلب المولى وما عنده مهر محبب إليه، وكان ليوذا العقل في نظر هابيل في غاية القبح والدمامة؛ لأن القلب به يغفل عن طلب الحق والفناء في الله، ولهذا قيل العقل غفالة الرجال، وفي نظر قابيل النفس أيضا في غاية القبح؛ لأن به يغفل عن الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كلاهما وأمر بازدواج توأمه كل واحد منهما إلى توأم الأخرى؛ لئلا يغفل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء في الله، ولهذا قال بعضهم: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله تعالى، فإن الهوى إذا كان رفيق النفس يكون حرصا فيه نزل النفس إلى أسفل الدينا، وبعد المولى، وإذا كان رفيق يكون عشقا فيه يصعد القلب إلى أعلى عليين العقبى وقرب المولى، ولهذا سمي العشق هوى كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبي فارغا فتمكنا
ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، وسخط قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعاما من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية، وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } [المائدة: 27].
ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة والبغضاء على هابيل القلب وقصده { قال لأقتلنك } [المائدة: 27]، حسدا { قال إنما يتقبل الله من المتقين } [المائدة: 27]، بالله عما هو سواه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } [المائدة: 28]، حسدا { مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } [المائدة: 28]، حسدا وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني { إني أخاف الله رب العالمين } [المائدة: 28].
المائدة 5:26
ثم أخبر عن نتائج خذلانهم وبوادر كفرانهم بقوله تعالى: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } [المائدة: 25]، والإشارة أن موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه، قال: رب لا أملك إلا نفسي وأخي ابتلاه الله بالدعاء على أمته حتى قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فأظهر له أنك لو كنت تملك نفسك ما دعوت على أمتك، ولا سميتهم بالفاسقين، ولقلت اللهم أهد قومي وأصلحهم في عبوديتك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين نتج رأسه وكسرت رباعيته وأدمى وجهه وهو يقول:
" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "
ولهذا قال تعالى:
قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا
[الفتح: 11]، لأنه لا يملك أحد نفسه ولا نفس غيره على الحقيقة فالله تعالى حرم على الذين دعا عليهم موسى عليه السلام دخول الأرض المقدسة بدعائه.
{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } [المائدة: 26]، وأخذ موسى عليه السلام على دعائه عليهم وجعل معهم في التيه وقال له: { فلا تأس على القوم الفاسقين } [المائدة: 26]، يعني: لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين، ولا على نفسك ولا على أخيك، وإنما يملك نفسه إذا ملكت عليها عند الغضب، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "
وكان موسى عليه السلام عند الغضب
وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه
[الأعراف: 150]، ولما غضب موسى عليه السلام على بني إسرائيل قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فلم ادعى أنه يملك نفسه، ويقال معناه: لا أملك إلا نفسي لا أؤخرها عن البذل في أمرك، ولا أملك أخي فإنه لا يخالفني في هذا فالعجب في أن موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - بشؤم معاملة بني إسرائيل بقيا في التيه أربعين سنة، وبنو إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين، وأثر شؤم صحبة الفاسقين.
ثم أخبر عن سيرة الصالح وسيرة الطالح بقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } [المائدة: 27]، والإشارة أن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، في بطن أولى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن؛ لأن القلب به يميل إلى طلب المولى وما عنده مهر محبب إليه، وكان ليوذا العقل في نظر هابيل في غاية القبح والدمامة؛ لأن القلب به يغفل عن طلب الحق والفناء في الله، ولهذا قيل العقل غفالة الرجال، وفي نظر قابيل النفس أيضا في غاية القبح؛ لأن به يغفل عن الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كلاهما وأمر بازدواج توأمه كل واحد منهما إلى توأم الأخرى؛ لئلا يغفل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء في الله، ولهذا قال بعضهم: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله تعالى، فإن الهوى إذا كان رفيق النفس يكون حرصا فيه نزل النفس إلى أسفل الدينا، وبعد المولى، وإذا كان رفيق يكون عشقا فيه يصعد القلب إلى أعلى عليين العقبى وقرب المولى، ولهذا سمي العشق هوى كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبي فارغا فتمكنا
ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، وسخط قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعاما من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية، وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } [المائدة: 27].
ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة والبغضاء على هابيل القلب وقصده { قال لأقتلنك } [المائدة: 27]، حسدا { قال إنما يتقبل الله من المتقين } [المائدة: 27]، بالله عما هو سواه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } [المائدة: 28]، حسدا { مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } [المائدة: 28]، حسدا وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني { إني أخاف الله رب العالمين } [المائدة: 28].
المائدة 5:27
ثم أخبر عن نتائج خذلانهم وبوادر كفرانهم بقوله تعالى: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } [المائدة: 25]، والإشارة أن موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه، قال: رب لا أملك إلا نفسي وأخي ابتلاه الله بالدعاء على أمته حتى قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فأظهر له أنك لو كنت تملك نفسك ما دعوت على أمتك، ولا سميتهم بالفاسقين، ولقلت اللهم أهد قومي وأصلحهم في عبوديتك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين نتج رأسه وكسرت رباعيته وأدمى وجهه وهو يقول:
" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "
ولهذا قال تعالى:
قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا
[الفتح: 11]، لأنه لا يملك أحد نفسه ولا نفس غيره على الحقيقة فالله تعالى حرم على الذين دعا عليهم موسى عليه السلام دخول الأرض المقدسة بدعائه.
{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } [المائدة: 26]، وأخذ موسى عليه السلام على دعائه عليهم وجعل معهم في التيه وقال له: { فلا تأس على القوم الفاسقين } [المائدة: 26]، يعني: لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين، ولا على نفسك ولا على أخيك، وإنما يملك نفسه إذا ملكت عليها عند الغضب، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "
وكان موسى عليه السلام عند الغضب
وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه
[الأعراف: 150]، ولما غضب موسى عليه السلام على بني إسرائيل قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فلم ادعى أنه يملك نفسه، ويقال معناه: لا أملك إلا نفسي لا أؤخرها عن البذل في أمرك، ولا أملك أخي فإنه لا يخالفني في هذا فالعجب في أن موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - بشؤم معاملة بني إسرائيل بقيا في التيه أربعين سنة، وبنو إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين، وأثر شؤم صحبة الفاسقين.
ثم أخبر عن سيرة الصالح وسيرة الطالح بقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } [المائدة: 27]، والإشارة أن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، في بطن أولى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن؛ لأن القلب به يميل إلى طلب المولى وما عنده مهر محبب إليه، وكان ليوذا العقل في نظر هابيل في غاية القبح والدمامة؛ لأن القلب به يغفل عن طلب الحق والفناء في الله، ولهذا قيل العقل غفالة الرجال، وفي نظر قابيل النفس أيضا في غاية القبح؛ لأن به يغفل عن الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كلاهما وأمر بازدواج توأمه كل واحد منهما إلى توأم الأخرى؛ لئلا يغفل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء في الله، ولهذا قال بعضهم: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله تعالى، فإن الهوى إذا كان رفيق النفس يكون حرصا فيه نزل النفس إلى أسفل الدينا، وبعد المولى، وإذا كان رفيق يكون عشقا فيه يصعد القلب إلى أعلى عليين العقبى وقرب المولى، ولهذا سمي العشق هوى كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبي فارغا فتمكنا
ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، وسخط قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعاما من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية، وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } [المائدة: 27].
ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة والبغضاء على هابيل القلب وقصده { قال لأقتلنك } [المائدة: 27]، حسدا { قال إنما يتقبل الله من المتقين } [المائدة: 27]، بالله عما هو سواه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } [المائدة: 28]، حسدا { مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } [المائدة: 28]، حسدا وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني { إني أخاف الله رب العالمين } [المائدة: 28].
المائدة 5:28
ثم أخبر عن نتائج خذلانهم وبوادر كفرانهم بقوله تعالى: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } [المائدة: 25]، والإشارة أن موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه، قال: رب لا أملك إلا نفسي وأخي ابتلاه الله بالدعاء على أمته حتى قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فأظهر له أنك لو كنت تملك نفسك ما دعوت على أمتك، ولا سميتهم بالفاسقين، ولقلت اللهم أهد قومي وأصلحهم في عبوديتك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين نتج رأسه وكسرت رباعيته وأدمى وجهه وهو يقول:
" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "
ولهذا قال تعالى:
قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا
[الفتح: 11]، لأنه لا يملك أحد نفسه ولا نفس غيره على الحقيقة فالله تعالى حرم على الذين دعا عليهم موسى عليه السلام دخول الأرض المقدسة بدعائه.
{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } [المائدة: 26]، وأخذ موسى عليه السلام على دعائه عليهم وجعل معهم في التيه وقال له: { فلا تأس على القوم الفاسقين } [المائدة: 26]، يعني: لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين، ولا على نفسك ولا على أخيك، وإنما يملك نفسه إذا ملكت عليها عند الغضب، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "
وكان موسى عليه السلام عند الغضب
وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه
[الأعراف: 150]، ولما غضب موسى عليه السلام على بني إسرائيل قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فلم ادعى أنه يملك نفسه، ويقال معناه: لا أملك إلا نفسي لا أؤخرها عن البذل في أمرك، ولا أملك أخي فإنه لا يخالفني في هذا فالعجب في أن موسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - بشؤم معاملة بني إسرائيل بقيا في التيه أربعين سنة، وبنو إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين، وأثر شؤم صحبة الفاسقين.
ثم أخبر عن سيرة الصالح وسيرة الطالح بقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } [المائدة: 27]، والإشارة أن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، في بطن أولى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن؛ لأن القلب به يميل إلى طلب المولى وما عنده مهر محبب إليه، وكان ليوذا العقل في نظر هابيل في غاية القبح والدمامة؛ لأن القلب به يغفل عن طلب الحق والفناء في الله، ولهذا قيل العقل غفالة الرجال، وفي نظر قابيل النفس أيضا في غاية القبح؛ لأن به يغفل عن الدنيا والاستهلاك فيها فالله تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كلاهما وأمر بازدواج توأمه كل واحد منهما إلى توأم الأخرى؛ لئلا يغفل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على الاستهلاك والفناء في الله، ولهذا قال بعضهم: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله تعالى، فإن الهوى إذا كان رفيق النفس يكون حرصا فيه نزل النفس إلى أسفل الدينا، وبعد المولى، وإذا كان رفيق يكون عشقا فيه يصعد القلب إلى أعلى عليين العقبى وقرب المولى، ولهذا سمي العشق هوى كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبي فارغا فتمكنا
ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، وسخط قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعاما من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية، وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } [المائدة: 27].
ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة والبغضاء على هابيل القلب وقصده { قال لأقتلنك } [المائدة: 27]، حسدا { قال إنما يتقبل الله من المتقين } [المائدة: 27]، بالله عما هو سواه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } [المائدة: 28]، حسدا { مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } [المائدة: 28]، حسدا وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني { إني أخاف الله رب العالمين } [المائدة: 28].
المائدة 5:29
{ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } [المائدة: 29]، فتبوء بإثم وجودي وإثم وجودك فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي { فتكون من أصحاب النار } [المائدة: 29]، نار الفرقة والبعد والحسرة { وذلك جزآء الظالمين } [المائدة: 29]، الذين يعبدون الدنيا وزينتها ويشتغلون باستفاء لذاتها وشهواتها.
ثم أخبر عن مطاوعة النفس ومتابعتها والندامة والغرامة على متابعتها بقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } [المائدة: 30]؛ لأن النفس أعد أعداء القلب { فقتله فأصبح من الخاسرين } [المائدة: 30]، يعني: في قتل القلب خسارة النفس في الدنيا والآخرة أما الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي تنشئ القلب عن ذوق المشاهدات ولذة المؤنسات فتبقى في خسران جهولية الإنسان؛ لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر
[العصر: 1-2]، وأما في الآخرة فتخسر الدخول في جنات النعيم ولقاء الرب الكريم، والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم، وفي قوله: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه } [المائدة: 31]، إشارات منها ليعلم أن الله قادر على أن يبعث غرابا أو غيره من الحيوانات إلى الإنسان؛ ليعلمه ما لم يكن يعلم كما يبعث الملائكة إلى الرسل والرسل إلى الأمم؛ ليعلموهم ما لم يعلموا، ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب، كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل، ومنها ليعلم الإنسان أنه محتاج في التعلم إلى غراب ويعجز أن يكون مثل غراب في العلم كما قال: { قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي } [المائدة: 31]، ومنها أن الله تعالى في كل حيوان بل في كل ذرة آية تدل على وحدانيته وربوبيته واختياره حيث يبدع المعاملات المعقولة عن الحيوانات غير العاقلة، ومنها إظهار لطفه مع عباده في أسباب العيش حتى إذا أشكل عليهم أمر كيف يرشدهم إلى الاحتيال بلطائف أسباب تجليه { فأصبح من النادمين } [المائدة: 31].
{ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } [المائدة: 32]، أي: من أجل تلك الندامة والحسرة عنها ولدفعها عنهم كتبنا أي: أظهرنا على بني إسرائيل وغيرهم أنه من قتل نفسا بغير قصاص نفس أو بغير فساد يظهر منه موجب لقتله { فكأنما قتل الناس جميعا } [المائدة: 32]، في الأرض لأن كل نفس على حدة هي آدم في نفسها إذ يخلق الله منها خلقا، كما خلق من نفس آدم كقوله تعالى:
خلقكم من نفس واحدة
[النساء: 1]، فإنها مستعدة لهذا فمن أبطل هذا الاستعداد بقتلها فكأنما قتل جميع الناس المحتمل خلقهم منها، { ومن أحياها } [المائدة: 32]، بترك قتلها ونجاتها من القتل والهلاك، { فكأنما أحيا الناس } [المائدة: 32]، المحتمل خلقهم منها { جميعا ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت } [المائدة: 32].
واعلم أن كل شيء ترى فيه آية من الله تعالى فهو في الحقيقة رسول من الله إليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها إلى الله، { ثم إن كثيرا منهم } [المائدة: 32]، يعني: من الذين شاهدوا الآيات ولحقتهم البينات { بعد ذلك } [المائدة: 32]، أي: بعد رؤية الآيات { في الأرض لمسرفون } [المائدة: 32]، أي: في أرض البشرية لمجاوزون حد الفريضة والطريقة بمخالفة أوامر الله ونواهيه.
المائدة 5:30
{ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } [المائدة: 29]، فتبوء بإثم وجودي وإثم وجودك فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي { فتكون من أصحاب النار } [المائدة: 29]، نار الفرقة والبعد والحسرة { وذلك جزآء الظالمين } [المائدة: 29]، الذين يعبدون الدنيا وزينتها ويشتغلون باستفاء لذاتها وشهواتها.
ثم أخبر عن مطاوعة النفس ومتابعتها والندامة والغرامة على متابعتها بقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } [المائدة: 30]؛ لأن النفس أعد أعداء القلب { فقتله فأصبح من الخاسرين } [المائدة: 30]، يعني: في قتل القلب خسارة النفس في الدنيا والآخرة أما الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي تنشئ القلب عن ذوق المشاهدات ولذة المؤنسات فتبقى في خسران جهولية الإنسان؛ لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر
[العصر: 1-2]، وأما في الآخرة فتخسر الدخول في جنات النعيم ولقاء الرب الكريم، والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم، وفي قوله: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه } [المائدة: 31]، إشارات منها ليعلم أن الله قادر على أن يبعث غرابا أو غيره من الحيوانات إلى الإنسان؛ ليعلمه ما لم يكن يعلم كما يبعث الملائكة إلى الرسل والرسل إلى الأمم؛ ليعلموهم ما لم يعلموا، ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب، كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل، ومنها ليعلم الإنسان أنه محتاج في التعلم إلى غراب ويعجز أن يكون مثل غراب في العلم كما قال: { قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي } [المائدة: 31]، ومنها أن الله تعالى في كل حيوان بل في كل ذرة آية تدل على وحدانيته وربوبيته واختياره حيث يبدع المعاملات المعقولة عن الحيوانات غير العاقلة، ومنها إظهار لطفه مع عباده في أسباب العيش حتى إذا أشكل عليهم أمر كيف يرشدهم إلى الاحتيال بلطائف أسباب تجليه { فأصبح من النادمين } [المائدة: 31].
{ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } [المائدة: 32]، أي: من أجل تلك الندامة والحسرة عنها ولدفعها عنهم كتبنا أي: أظهرنا على بني إسرائيل وغيرهم أنه من قتل نفسا بغير قصاص نفس أو بغير فساد يظهر منه موجب لقتله { فكأنما قتل الناس جميعا } [المائدة: 32]، في الأرض لأن كل نفس على حدة هي آدم في نفسها إذ يخلق الله منها خلقا، كما خلق من نفس آدم كقوله تعالى:
خلقكم من نفس واحدة
[النساء: 1]، فإنها مستعدة لهذا فمن أبطل هذا الاستعداد بقتلها فكأنما قتل جميع الناس المحتمل خلقهم منها، { ومن أحياها } [المائدة: 32]، بترك قتلها ونجاتها من القتل والهلاك، { فكأنما أحيا الناس } [المائدة: 32]، المحتمل خلقهم منها { جميعا ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت } [المائدة: 32].
واعلم أن كل شيء ترى فيه آية من الله تعالى فهو في الحقيقة رسول من الله إليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها إلى الله، { ثم إن كثيرا منهم } [المائدة: 32]، يعني: من الذين شاهدوا الآيات ولحقتهم البينات { بعد ذلك } [المائدة: 32]، أي: بعد رؤية الآيات { في الأرض لمسرفون } [المائدة: 32]، أي: في أرض البشرية لمجاوزون حد الفريضة والطريقة بمخالفة أوامر الله ونواهيه.
المائدة 5:31
{ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } [المائدة: 29]، فتبوء بإثم وجودي وإثم وجودك فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي { فتكون من أصحاب النار } [المائدة: 29]، نار الفرقة والبعد والحسرة { وذلك جزآء الظالمين } [المائدة: 29]، الذين يعبدون الدنيا وزينتها ويشتغلون باستفاء لذاتها وشهواتها.
ثم أخبر عن مطاوعة النفس ومتابعتها والندامة والغرامة على متابعتها بقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } [المائدة: 30]؛ لأن النفس أعد أعداء القلب { فقتله فأصبح من الخاسرين } [المائدة: 30]، يعني: في قتل القلب خسارة النفس في الدنيا والآخرة أما الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي تنشئ القلب عن ذوق المشاهدات ولذة المؤنسات فتبقى في خسران جهولية الإنسان؛ لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر
[العصر: 1-2]، وأما في الآخرة فتخسر الدخول في جنات النعيم ولقاء الرب الكريم، والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم، وفي قوله: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه } [المائدة: 31]، إشارات منها ليعلم أن الله قادر على أن يبعث غرابا أو غيره من الحيوانات إلى الإنسان؛ ليعلمه ما لم يكن يعلم كما يبعث الملائكة إلى الرسل والرسل إلى الأمم؛ ليعلموهم ما لم يعلموا، ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب، كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل، ومنها ليعلم الإنسان أنه محتاج في التعلم إلى غراب ويعجز أن يكون مثل غراب في العلم كما قال: { قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي } [المائدة: 31]، ومنها أن الله تعالى في كل حيوان بل في كل ذرة آية تدل على وحدانيته وربوبيته واختياره حيث يبدع المعاملات المعقولة عن الحيوانات غير العاقلة، ومنها إظهار لطفه مع عباده في أسباب العيش حتى إذا أشكل عليهم أمر كيف يرشدهم إلى الاحتيال بلطائف أسباب تجليه { فأصبح من النادمين } [المائدة: 31].
{ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } [المائدة: 32]، أي: من أجل تلك الندامة والحسرة عنها ولدفعها عنهم كتبنا أي: أظهرنا على بني إسرائيل وغيرهم أنه من قتل نفسا بغير قصاص نفس أو بغير فساد يظهر منه موجب لقتله { فكأنما قتل الناس جميعا } [المائدة: 32]، في الأرض لأن كل نفس على حدة هي آدم في نفسها إذ يخلق الله منها خلقا، كما خلق من نفس آدم كقوله تعالى:
خلقكم من نفس واحدة
[النساء: 1]، فإنها مستعدة لهذا فمن أبطل هذا الاستعداد بقتلها فكأنما قتل جميع الناس المحتمل خلقهم منها، { ومن أحياها } [المائدة: 32]، بترك قتلها ونجاتها من القتل والهلاك، { فكأنما أحيا الناس } [المائدة: 32]، المحتمل خلقهم منها { جميعا ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت } [المائدة: 32].
واعلم أن كل شيء ترى فيه آية من الله تعالى فهو في الحقيقة رسول من الله إليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها إلى الله، { ثم إن كثيرا منهم } [المائدة: 32]، يعني: من الذين شاهدوا الآيات ولحقتهم البينات { بعد ذلك } [المائدة: 32]، أي: بعد رؤية الآيات { في الأرض لمسرفون } [المائدة: 32]، أي: في أرض البشرية لمجاوزون حد الفريضة والطريقة بمخالفة أوامر الله ونواهيه.
المائدة 5:32
{ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } [المائدة: 29]، فتبوء بإثم وجودي وإثم وجودك فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي { فتكون من أصحاب النار } [المائدة: 29]، نار الفرقة والبعد والحسرة { وذلك جزآء الظالمين } [المائدة: 29]، الذين يعبدون الدنيا وزينتها ويشتغلون باستفاء لذاتها وشهواتها.
ثم أخبر عن مطاوعة النفس ومتابعتها والندامة والغرامة على متابعتها بقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } [المائدة: 30]؛ لأن النفس أعد أعداء القلب { فقتله فأصبح من الخاسرين } [المائدة: 30]، يعني: في قتل القلب خسارة النفس في الدنيا والآخرة أما الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي تنشئ القلب عن ذوق المشاهدات ولذة المؤنسات فتبقى في خسران جهولية الإنسان؛ لقوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر
[العصر: 1-2]، وأما في الآخرة فتخسر الدخول في جنات النعيم ولقاء الرب الكريم، والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم، وفي قوله: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه } [المائدة: 31]، إشارات منها ليعلم أن الله قادر على أن يبعث غرابا أو غيره من الحيوانات إلى الإنسان؛ ليعلمه ما لم يكن يعلم كما يبعث الملائكة إلى الرسل والرسل إلى الأمم؛ ليعلموهم ما لم يعلموا، ومنها لئلا يعجب الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم بواسطة الغراب، كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل، ومنها ليعلم الإنسان أنه محتاج في التعلم إلى غراب ويعجز أن يكون مثل غراب في العلم كما قال: { قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي } [المائدة: 31]، ومنها أن الله تعالى في كل حيوان بل في كل ذرة آية تدل على وحدانيته وربوبيته واختياره حيث يبدع المعاملات المعقولة عن الحيوانات غير العاقلة، ومنها إظهار لطفه مع عباده في أسباب العيش حتى إذا أشكل عليهم أمر كيف يرشدهم إلى الاحتيال بلطائف أسباب تجليه { فأصبح من النادمين } [المائدة: 31].
{ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } [المائدة: 32]، أي: من أجل تلك الندامة والحسرة عنها ولدفعها عنهم كتبنا أي: أظهرنا على بني إسرائيل وغيرهم أنه من قتل نفسا بغير قصاص نفس أو بغير فساد يظهر منه موجب لقتله { فكأنما قتل الناس جميعا } [المائدة: 32]، في الأرض لأن كل نفس على حدة هي آدم في نفسها إذ يخلق الله منها خلقا، كما خلق من نفس آدم كقوله تعالى:
خلقكم من نفس واحدة
[النساء: 1]، فإنها مستعدة لهذا فمن أبطل هذا الاستعداد بقتلها فكأنما قتل جميع الناس المحتمل خلقهم منها، { ومن أحياها } [المائدة: 32]، بترك قتلها ونجاتها من القتل والهلاك، { فكأنما أحيا الناس } [المائدة: 32]، المحتمل خلقهم منها { جميعا ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت } [المائدة: 32].
واعلم أن كل شيء ترى فيه آية من الله تعالى فهو في الحقيقة رسول من الله إليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها إلى الله، { ثم إن كثيرا منهم } [المائدة: 32]، يعني: من الذين شاهدوا الآيات ولحقتهم البينات { بعد ذلك } [المائدة: 32]، أي: بعد رؤية الآيات { في الأرض لمسرفون } [المائدة: 32]، أي: في أرض البشرية لمجاوزون حد الفريضة والطريقة بمخالفة أوامر الله ونواهيه.
المائدة 5:33
ثم أخبر عن جزاء المخالفين والمحاربين بقوله تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } [المائدة: 33]، إلى قوله { أن الله غفور رحيم } [المائدة: 34] والإشارة فيها أن جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - يعني بمعاداة أولياء الله - فإن الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى
" من عاد إلي وليا فقد بارزني بالحرب وأني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده "
{ ويسعون في الأرض } [المائدة: 33]، بعاداتهم { فسادا } [المائدة: 33]، يظهر أثره في البر والبحر كقوله تعالى:
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس
[الروم: 41].
{ أن يقتلوا } [المائدة: 33]، بسكين الخذلان { أو يصلبوا } [المائدة: 33]، بحبل الهجران على جذع الهجران { أو تقطع أيديهم } [المائدة: 33]، عن أذيال الوصال { وأرجلهم من خلاف } [المائدة: 33]، عن الاختلاف { أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي } [المائدة: 33]، بعد وهوان { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 33]، الفرقة والقطيعة { إلا الذين تابوا } [المائدة: 34]، وأنابوا إلى الله واستغفروا واعتذروا عن أولياء الله { من قبل أن تقدروا عليهم } [المائدة: 34]، برؤية الولاية أيها الأولياء فإن ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق، وإن مردود الولاية مقصود العناية { فاعلموا أن الله غفور } [المائدة: 34]، لمن تاب ورجع إلى الله { رحيم } [المائدة: 34]، بهم أن يقبل توبتهم ويغفر حوبتهم.
ثم أخبر عن حقيقة التقوى أنها ابتغاء الوسيلة والقربى بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } [المائدة: 35]، إلى قوله:
ولهم عذاب مقيم
[التوبة: 68]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء، أحدها: الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدء الخلقة، وبه تخلص العبد من حجب ظلمة الكفر، وثانيها: التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية، ويخلص العبد من ظلمة المعاصي، وثالثها: ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، وبه يتخلص العبد من ظلمة أوصاف الوجود، ورابعها: الجهاد في سبيل الله وهو اضمحلال الأنانية في إثبات الهوية، وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود، ويظفر بنور الشهود، والمعنى الحقيقي يا أيها الذين أمنوا بإصابة النور اتقوا الله بتبديل الأخلاق الذميمة، وابتغوا إليه الوسيلة في إفناء الأوصاف { وجاهدوا في سبيله } [المائدة: 35]، بتبديل الوجود { لعلكم تفلحون } [المائدة: 35]، بنيل المقصود من المعبود.
المائدة 5:34
ثم أخبر عن جزاء المخالفين والمحاربين بقوله تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } [المائدة: 33]، إلى قوله { أن الله غفور رحيم } [المائدة: 34] والإشارة فيها أن جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - يعني بمعاداة أولياء الله - فإن الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى
" من عاد إلي وليا فقد بارزني بالحرب وأني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده "
{ ويسعون في الأرض } [المائدة: 33]، بعاداتهم { فسادا } [المائدة: 33]، يظهر أثره في البر والبحر كقوله تعالى:
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس
[الروم: 41].
{ أن يقتلوا } [المائدة: 33]، بسكين الخذلان { أو يصلبوا } [المائدة: 33]، بحبل الهجران على جذع الهجران { أو تقطع أيديهم } [المائدة: 33]، عن أذيال الوصال { وأرجلهم من خلاف } [المائدة: 33]، عن الاختلاف { أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي } [المائدة: 33]، بعد وهوان { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 33]، الفرقة والقطيعة { إلا الذين تابوا } [المائدة: 34]، وأنابوا إلى الله واستغفروا واعتذروا عن أولياء الله { من قبل أن تقدروا عليهم } [المائدة: 34]، برؤية الولاية أيها الأولياء فإن ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق، وإن مردود الولاية مقصود العناية { فاعلموا أن الله غفور } [المائدة: 34]، لمن تاب ورجع إلى الله { رحيم } [المائدة: 34]، بهم أن يقبل توبتهم ويغفر حوبتهم.
ثم أخبر عن حقيقة التقوى أنها ابتغاء الوسيلة والقربى بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } [المائدة: 35]، إلى قوله:
ولهم عذاب مقيم
[التوبة: 68]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء، أحدها: الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدء الخلقة، وبه تخلص العبد من حجب ظلمة الكفر، وثانيها: التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية، ويخلص العبد من ظلمة المعاصي، وثالثها: ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، وبه يتخلص العبد من ظلمة أوصاف الوجود، ورابعها: الجهاد في سبيل الله وهو اضمحلال الأنانية في إثبات الهوية، وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود، ويظفر بنور الشهود، والمعنى الحقيقي يا أيها الذين أمنوا بإصابة النور اتقوا الله بتبديل الأخلاق الذميمة، وابتغوا إليه الوسيلة في إفناء الأوصاف { وجاهدوا في سبيله } [المائدة: 35]، بتبديل الوجود { لعلكم تفلحون } [المائدة: 35]، بنيل المقصود من المعبود.
المائدة 5:35
ثم أخبر عن جزاء المخالفين والمحاربين بقوله تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } [المائدة: 33]، إلى قوله { أن الله غفور رحيم } [المائدة: 34] والإشارة فيها أن جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - يعني بمعاداة أولياء الله - فإن الخبر الصحيح حكاية عن الله تعالى
" من عاد إلي وليا فقد بارزني بالحرب وأني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده "
{ ويسعون في الأرض } [المائدة: 33]، بعاداتهم { فسادا } [المائدة: 33]، يظهر أثره في البر والبحر كقوله تعالى:
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس
[الروم: 41].
{ أن يقتلوا } [المائدة: 33]، بسكين الخذلان { أو يصلبوا } [المائدة: 33]، بحبل الهجران على جذع الهجران { أو تقطع أيديهم } [المائدة: 33]، عن أذيال الوصال { وأرجلهم من خلاف } [المائدة: 33]، عن الاختلاف { أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي } [المائدة: 33]، بعد وهوان { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 33]، الفرقة والقطيعة { إلا الذين تابوا } [المائدة: 34]، وأنابوا إلى الله واستغفروا واعتذروا عن أولياء الله { من قبل أن تقدروا عليهم } [المائدة: 34]، برؤية الولاية أيها الأولياء فإن ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق، وإن مردود الولاية مقصود العناية { فاعلموا أن الله غفور } [المائدة: 34]، لمن تاب ورجع إلى الله { رحيم } [المائدة: 34]، بهم أن يقبل توبتهم ويغفر حوبتهم.
ثم أخبر عن حقيقة التقوى أنها ابتغاء الوسيلة والقربى بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } [المائدة: 35]، إلى قوله:
ولهم عذاب مقيم
[التوبة: 68]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء، أحدها: الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدء الخلقة، وبه تخلص العبد من حجب ظلمة الكفر، وثانيها: التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية، ويخلص العبد من ظلمة المعاصي، وثالثها: ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، وبه يتخلص العبد من ظلمة أوصاف الوجود، ورابعها: الجهاد في سبيل الله وهو اضمحلال الأنانية في إثبات الهوية، وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود، ويظفر بنور الشهود، والمعنى الحقيقي يا أيها الذين أمنوا بإصابة النور اتقوا الله بتبديل الأخلاق الذميمة، وابتغوا إليه الوسيلة في إفناء الأوصاف { وجاهدوا في سبيله } [المائدة: 35]، بتبديل الوجود { لعلكم تفلحون } [المائدة: 35]، بنيل المقصود من المعبود.
المائدة 5:36
{ إن الذين كفروا } [المائدة: 36]، بإخطاء النور { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم،
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27] لا من الكافرين { ولهم عذاب أليم } [المائدة: 36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر { يريدون أن يخرجوا من النار } [المائدة: 37]، الخذلان { وما هم بخارجين منها } [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران { ولهم عذاب مقيم } [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38]، إلى قوله { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 40]، والإشارة فيهما أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما اليوم { جزآء بما كسبا } [المائدة: 38]، الآن في عالم القوة { نكالا من الله } [المائدة: 38]، تقديرا في الأزل وإخطاء لرشاش النور { والله عزيز } [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا فعل له إلا الصواب]، { حكيم } [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل بإصابة النور { فمن تاب من بعد ظلمه } [المائدة: 39]، فيه إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها { وأصلح } [المائدة: 39]، بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص على الدنيا { فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]، يعني: ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب { إن الله غفور } [المائدة: 39]، لرياضات النور هناك { رحيم } [المائدة: 39]، به بأن تاب عليه.
{ ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40].
المائدة 5:37
{ إن الذين كفروا } [المائدة: 36]، بإخطاء النور { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم،
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27] لا من الكافرين { ولهم عذاب أليم } [المائدة: 36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر { يريدون أن يخرجوا من النار } [المائدة: 37]، الخذلان { وما هم بخارجين منها } [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران { ولهم عذاب مقيم } [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38]، إلى قوله { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 40]، والإشارة فيهما أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما اليوم { جزآء بما كسبا } [المائدة: 38]، الآن في عالم القوة { نكالا من الله } [المائدة: 38]، تقديرا في الأزل وإخطاء لرشاش النور { والله عزيز } [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا فعل له إلا الصواب]، { حكيم } [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل بإصابة النور { فمن تاب من بعد ظلمه } [المائدة: 39]، فيه إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها { وأصلح } [المائدة: 39]، بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص على الدنيا { فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]، يعني: ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب { إن الله غفور } [المائدة: 39]، لرياضات النور هناك { رحيم } [المائدة: 39]، به بأن تاب عليه.
{ ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40].
المائدة 5:38
{ إن الذين كفروا } [المائدة: 36]، بإخطاء النور { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم،
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27] لا من الكافرين { ولهم عذاب أليم } [المائدة: 36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر { يريدون أن يخرجوا من النار } [المائدة: 37]، الخذلان { وما هم بخارجين منها } [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران { ولهم عذاب مقيم } [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38]، إلى قوله { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 40]، والإشارة فيهما أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما اليوم { جزآء بما كسبا } [المائدة: 38]، الآن في عالم القوة { نكالا من الله } [المائدة: 38]، تقديرا في الأزل وإخطاء لرشاش النور { والله عزيز } [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا فعل له إلا الصواب]، { حكيم } [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل بإصابة النور { فمن تاب من بعد ظلمه } [المائدة: 39]، فيه إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها { وأصلح } [المائدة: 39]، بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص على الدنيا { فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]، يعني: ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب { إن الله غفور } [المائدة: 39]، لرياضات النور هناك { رحيم } [المائدة: 39]، به بأن تاب عليه.
{ ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40].
المائدة 5:39
{ إن الذين كفروا } [المائدة: 36]، بإخطاء النور { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم،
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27] لا من الكافرين { ولهم عذاب أليم } [المائدة: 36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر { يريدون أن يخرجوا من النار } [المائدة: 37]، الخذلان { وما هم بخارجين منها } [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران { ولهم عذاب مقيم } [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38]، إلى قوله { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 40]، والإشارة فيهما أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما اليوم { جزآء بما كسبا } [المائدة: 38]، الآن في عالم القوة { نكالا من الله } [المائدة: 38]، تقديرا في الأزل وإخطاء لرشاش النور { والله عزيز } [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا فعل له إلا الصواب]، { حكيم } [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل بإصابة النور { فمن تاب من بعد ظلمه } [المائدة: 39]، فيه إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها { وأصلح } [المائدة: 39]، بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص على الدنيا { فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]، يعني: ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب { إن الله غفور } [المائدة: 39]، لرياضات النور هناك { رحيم } [المائدة: 39]، به بأن تاب عليه.
{ ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40].
المائدة 5:40
{ إن الذين كفروا } [المائدة: 36]، بإخطاء النور { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم،
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة: 27] لا من الكافرين { ولهم عذاب أليم } [المائدة: 36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر { يريدون أن يخرجوا من النار } [المائدة: 37]، الخذلان { وما هم بخارجين منها } [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران { ولهم عذاب مقيم } [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38]، إلى قوله { والله على كل شيء قدير } [المائدة: 40]، والإشارة فيهما أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما اليوم { جزآء بما كسبا } [المائدة: 38]، الآن في عالم القوة { نكالا من الله } [المائدة: 38]، تقديرا في الأزل وإخطاء لرشاش النور { والله عزيز } [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا فعل له إلا الصواب]، { حكيم } [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل بإصابة النور { فمن تاب من بعد ظلمه } [المائدة: 39]، فيه إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها { وأصلح } [المائدة: 39]، بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص على الدنيا { فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]، يعني: ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب { إن الله غفور } [المائدة: 39]، لرياضات النور هناك { رحيم } [المائدة: 39]، به بأن تاب عليه.
{ ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } [المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40].
المائدة 5:41
ثم أخبر عمن جعله مظهر قهره بقوله تعالى: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [المائدة: 41]، والإشارة أن الله تعالى لما أقصى الكفار وأهل الشقاوة عن محل القرب وأرخى لهم عنان الإمهال للتعذيب حتى يسارعوا في بوادي البوار، وما هو في أودية الضلالة أمر رسوله بترك المبالاة بأمثالهم وقلة الاهتمام، وقال: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } [المائدة: 41]، يعني: الذين دخلت كلمة الإيمان في أفواههم ولم يدخل نور الإيمان في قلوبهم ولم تخرج ظلمة الكفر منها { ومن الذين هادو } [المائدة: 41]، أي: تابوا ظاهرا { سماعون للكذب } [المائدة: 41]، أي: يصفون كذبات النفس في هواجسها { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } [المائدة: 41]؛ أي: يسمعون هذه الكذبات ويعملون ويسنون السنن السيئة لقوم آخرين من أمتك لم يأتوك بعد { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } ، اي: يغيرون قوانين الشريعة ويبدلونها بتمويهات الطبيعة { يقولون } [المائدة: 41]، لرفقائهم من أهل الطبيعة ومن أضلهم عن جادة الشريعة { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } [المائدة: 41]؛ يعني: إن أوتيتم أرباب الشريعة مثل مقالاتنا ومعتقداتنا تناسب محالاتنا، فاقبلوا وإلا فاحذروا، وعما تقولوا من القرآن والأحاديث هذا حال أرباب الدعاوى العواري عن المعاني من المتفلسفة والإباحية، فقد أزلهم الشيطان عن الصراط المستقيم وأضلهم عن الدين القويم، وأوقعهم في الزلات والشبهات، فيؤولون القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ويقرون بآرائهم فعرف الله تعالى نبيه أنهم معزولون عن رحمته محتجبون بعزته، وإن من رؤية القسمة الأزلية والعزة الصمدية لا يفيده اهتمام المهتمين ولن ينفعه الشافعون.
{ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } [المائدة: 41]، يعني: من أوثقه الله تعالى بالخذلان وأغرقه في الحرمان فليس إلى الأغيار حياته، ولا إلى الأغيار نجاته { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } [المائدة: 41]، يعني: أولئك الذين جبلوا على نجاسة الشرك، وما اقتضت الإرادة الأزلية والحكمة الإلهية أن يطهروا بماء إصابة النور إذا رش عليهم في بدء الخلقة من نجاسة ظلمة الشرك قلوبهم، ويقال من يروا الله فتنته من أرسل إليه غائمة الهوى، وسلط عليه نوازع المنى فأنى له بسوط القضاء فليس بلقاء غير الشقاء { لهم في الدنيا خزي } [المائدة: 41]، أي: في بدء الأمر من إخطاء النور المرشش { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 41]، من لقاء العلي العظيم فلا يدري أي: حالتيهم أقرب إلى استجلاب الذل وبدايتهم في الخذلان أم نهايتهم في الحرمان.
المائدة 5:42
{ سماعون للكذب أكالون للسحت } [المائدة: 42]، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، وأن الأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } [المائدة: 42]، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم.
{ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } [المائدة: 42]؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال { إن الله يحب المقسطين } [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ.
ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها { ومآ أولئك بالمؤمنين } [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
[النساء: 65]، ثم قال { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار } [المائدة: 44]، كما أرسلناك هاديا تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نورا، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } [المائدة: 44]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئا من القرآن: { وكانوا عليه شهدآء } [المائدة: 44]، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى { فلا تخشوا الناس واخشون } [المائدة: 44]، فإن الخلق تحت أحكام القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد مؤمنين { ولا تشتروا بآياتي } [المائدة: 44]، بمعجزاتي مع الأنبياء وبكرامات مع الأولياء { ثمنا قليلا } [المائدة: 44]، من حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب خسارة الأخرى والأولى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44]؛ لأن من اتخذ حكما غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليما، فلا يخلوا عن شرك خاطر قلبه وكفر قاهر عقله.
المائدة 5:43
{ سماعون للكذب أكالون للسحت } [المائدة: 42]، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، وأن الأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } [المائدة: 42]، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم.
{ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } [المائدة: 42]؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال { إن الله يحب المقسطين } [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ.
ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها { ومآ أولئك بالمؤمنين } [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
[النساء: 65]، ثم قال { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار } [المائدة: 44]، كما أرسلناك هاديا تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نورا، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } [المائدة: 44]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئا من القرآن: { وكانوا عليه شهدآء } [المائدة: 44]، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى { فلا تخشوا الناس واخشون } [المائدة: 44]، فإن الخلق تحت أحكام القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد مؤمنين { ولا تشتروا بآياتي } [المائدة: 44]، بمعجزاتي مع الأنبياء وبكرامات مع الأولياء { ثمنا قليلا } [المائدة: 44]، من حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب خسارة الأخرى والأولى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44]؛ لأن من اتخذ حكما غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليما، فلا يخلوا عن شرك خاطر قلبه وكفر قاهر عقله.
المائدة 5:44
{ سماعون للكذب أكالون للسحت } [المائدة: 42]، يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، وأن الأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } [المائدة: 42]، يعني: فإن جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم.
{ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } [المائدة: 42]؛ يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال { إن الله يحب المقسطين } [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ.
ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الإيمان به ولغيره من الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، أي يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها { ومآ أولئك بالمؤمنين } [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله تعالى:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
[النساء: 65]، ثم قال { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار } [المائدة: 44]، كما أرسلناك هاديا تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نورا، فلما لم تهتدوا بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم، وقوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } [المائدة: 44]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم فقال:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئا من القرآن: { وكانوا عليه شهدآء } [المائدة: 44]، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى { فلا تخشوا الناس واخشون } [المائدة: 44]، فإن الخلق تحت أحكام القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد مؤمنين { ولا تشتروا بآياتي } [المائدة: 44]، بمعجزاتي مع الأنبياء وبكرامات مع الأولياء { ثمنا قليلا } [المائدة: 44]، من حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب خسارة الأخرى والأولى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44]؛ لأن من اتخذ حكما غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليما، فلا يخلوا عن شرك خاطر قلبه وكفر قاهر عقله.
المائدة 5:45
ثم أخبر عن إنزال الأحكام على الخواص بقوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } [المائدة: 45]، الإشارة إن الله تعالى جعل المساواة بين النفوس في القصاص كما جعلها بين الأرواح والأعضاء، فقال تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } ، كما قاله تعالى: { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } [المائدة: 45]؛ ليتحققوا بالتساوي وفي الاستعداد الإنساني لقبول الفيض الرباني في طلب الكمال والبلوغ إلى ذروة الوصال، وأنه تعالى قد كرم بني آدم بنيل هذه الكرامة، وعنهم باختصاص هذه السعادة فقال:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وإنما التقصير والتواني وقع من قبل الإنسان في طلب الكمال بترك الاجتهاد، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، كما قال تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، وقد جاء في بعض الكتب المنزلة " من طلبني وجدني " ، والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 7-10]، فأظهر الله من تقي في حضيض النقصان بقي لترك التزكية بالخذلان، وإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وقال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، وفيه معنى آخر وهو كما أن في إهلاك النفس بهلاك النفر المهلك، وفي إتلاف العضو المثلث كذلك إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وسن قلبه علاج معالجة وبمزيد الإدراك في هذه الأشياء المذكورة { فمن تصدق به } [المائدة: 45]، أي: بهذه الإحياء والمعالجة { فهو كفارة له } [المائدة: 45]، على نفسه فيما فرط في إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 45]، وفي تزكيتها عن الأوصاف الذميمة وتجليها بالأخلاق الحميدة على قانون الشريعة بتربية أرباب الطريقة للوصول إلى الحقيقة { فأولئك هم الظالمون } [المائدة: 45]، فقد ظلموا أنفسهم بترك التربية؛ إذ وضعوا متابعة الحظوظ في موضع ملازمة الحقوق.
{ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين } [المائدة: 46]، أي: اتقاء الأنبياء بعضهم بعضا، فأنزلنا الكتب بعضها مصدقا لبعض ومفردا له؛ لبيان الدين القويم والهداية إلى صراط مستقيم والرجوع إلى رب العالمين لأرباب اليقين من المتقين { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } [المائدة: 47]، وكذلك أهل كتاب كل كتاب في سلوك الطريق { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 47]، من أهل كل كتاب { فأولئك هم الفاسقون } [المائدة: 47]، الخارجون عن الصراط المستقيم فضلوا عن طريق الحق، وذلوا بالباطل.
المائدة 5:46
ثم أخبر عن إنزال الأحكام على الخواص بقوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } [المائدة: 45]، الإشارة إن الله تعالى جعل المساواة بين النفوس في القصاص كما جعلها بين الأرواح والأعضاء، فقال تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } ، كما قاله تعالى: { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } [المائدة: 45]؛ ليتحققوا بالتساوي وفي الاستعداد الإنساني لقبول الفيض الرباني في طلب الكمال والبلوغ إلى ذروة الوصال، وأنه تعالى قد كرم بني آدم بنيل هذه الكرامة، وعنهم باختصاص هذه السعادة فقال:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وإنما التقصير والتواني وقع من قبل الإنسان في طلب الكمال بترك الاجتهاد، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، كما قال تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، وقد جاء في بعض الكتب المنزلة " من طلبني وجدني " ، والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 7-10]، فأظهر الله من تقي في حضيض النقصان بقي لترك التزكية بالخذلان، وإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وقال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، وفيه معنى آخر وهو كما أن في إهلاك النفس بهلاك النفر المهلك، وفي إتلاف العضو المثلث كذلك إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وسن قلبه علاج معالجة وبمزيد الإدراك في هذه الأشياء المذكورة { فمن تصدق به } [المائدة: 45]، أي: بهذه الإحياء والمعالجة { فهو كفارة له } [المائدة: 45]، على نفسه فيما فرط في إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 45]، وفي تزكيتها عن الأوصاف الذميمة وتجليها بالأخلاق الحميدة على قانون الشريعة بتربية أرباب الطريقة للوصول إلى الحقيقة { فأولئك هم الظالمون } [المائدة: 45]، فقد ظلموا أنفسهم بترك التربية؛ إذ وضعوا متابعة الحظوظ في موضع ملازمة الحقوق.
{ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين } [المائدة: 46]، أي: اتقاء الأنبياء بعضهم بعضا، فأنزلنا الكتب بعضها مصدقا لبعض ومفردا له؛ لبيان الدين القويم والهداية إلى صراط مستقيم والرجوع إلى رب العالمين لأرباب اليقين من المتقين { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } [المائدة: 47]، وكذلك أهل كتاب كل كتاب في سلوك الطريق { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 47]، من أهل كل كتاب { فأولئك هم الفاسقون } [المائدة: 47]، الخارجون عن الصراط المستقيم فضلوا عن طريق الحق، وذلوا بالباطل.
المائدة 5:47
ثم أخبر عن إنزال الأحكام على الخواص بقوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } [المائدة: 45]، الإشارة إن الله تعالى جعل المساواة بين النفوس في القصاص كما جعلها بين الأرواح والأعضاء، فقال تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } ، كما قاله تعالى: { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } [المائدة: 45]؛ ليتحققوا بالتساوي وفي الاستعداد الإنساني لقبول الفيض الرباني في طلب الكمال والبلوغ إلى ذروة الوصال، وأنه تعالى قد كرم بني آدم بنيل هذه الكرامة، وعنهم باختصاص هذه السعادة فقال:
ولقد كرمنا بني ءادم
[الإسراء: 70]، وإنما التقصير والتواني وقع من قبل الإنسان في طلب الكمال بترك الاجتهاد، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، كما قال تعالى:
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]، وقد جاء في بعض الكتب المنزلة " من طلبني وجدني " ، والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى:
ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 7-10]، فأظهر الله من تقي في حضيض النقصان بقي لترك التزكية بالخذلان، وإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وقال:
" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا "
، وفيه معنى آخر وهو كما أن في إهلاك النفس بهلاك النفر المهلك، وفي إتلاف العضو المثلث كذلك إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وسن قلبه علاج معالجة وبمزيد الإدراك في هذه الأشياء المذكورة { فمن تصدق به } [المائدة: 45]، أي: بهذه الإحياء والمعالجة { فهو كفارة له } [المائدة: 45]، على نفسه فيما فرط في إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 45]، وفي تزكيتها عن الأوصاف الذميمة وتجليها بالأخلاق الحميدة على قانون الشريعة بتربية أرباب الطريقة للوصول إلى الحقيقة { فأولئك هم الظالمون } [المائدة: 45]، فقد ظلموا أنفسهم بترك التربية؛ إذ وضعوا متابعة الحظوظ في موضع ملازمة الحقوق.
{ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين } [المائدة: 46]، أي: اتقاء الأنبياء بعضهم بعضا، فأنزلنا الكتب بعضها مصدقا لبعض ومفردا له؛ لبيان الدين القويم والهداية إلى صراط مستقيم والرجوع إلى رب العالمين لأرباب اليقين من المتقين { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } [المائدة: 47]، وكذلك أهل كتاب كل كتاب في سلوك الطريق { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 47]، من أهل كل كتاب { فأولئك هم الفاسقون } [المائدة: 47]، الخارجون عن الصراط المستقيم فضلوا عن طريق الحق، وذلوا بالباطل.
المائدة 5:48
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه وما أشار إليه من خطابه بقوله تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، إشارة إن الله تعالى خصص حبيبه صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام - بإنزال الكتب إليه بالحقيقة كما قال تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، أي: بالحقيقة وذلك لأنه أنزله على قلبه وأنزل الكتب على الأنبياء في الألواح والصحف، وبينه وبينهم بون بعيد وفرق عظيم، فإن ما أنزل على القلب يكون صاحب القلب مخصوصا به من سائر الخلق بخلقه، فلهذا كان خلقه القرآن، وما أنزل في الألواح والصحف يستوي فيه الخواص والعوام في التخلق بخلقه بإثمار الأوامر وانتهاء النواهي: { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } [المائدة: 48]؛ أي: يصدق الكتب المنزلة قبله تصديقا حقيقيا عيانيا لا بيانيا بحيث يشاهد قلب المنزل إليه بنور حقائق جميع الكتب ومعانيها وأسرارها، فيشهدوا على صدقها وحقيقتها بخلاف ما أنزل في الألواح والصحف، فإن الألواح والصحف لا ينشأ حقيقتها ولا تشهد على صدقها وحقيقتها { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 48]، أي: فأقم بالله أحكام الدين بنوره الكتب بينهم بما أنزل الله على قلبك أو اعتنق ملازمة الحقوق بترك ملازمة الحظوظ { ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } [المائدة: 48]، أي: لا تستملك إلى هويتهم الفاسدة حرام الجنسية ومكارم الأنسية، فيلهيكم عما جاءك من الحق بالعيان من حقائق القرآن وأنواره وحقيقة الفرقان وأسراره { لكل جعلنا منكم } [المائدة: 48]، معاشر الأنبياء { شرعة } [المائدة: 48]، يشرع فيها بالبيان { ومنهاجا } [المائدة: 48]، يسلك فيه بالعيان { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } [المائدة: 48]، أي: جعل أممكم أمة واحدة تهتدي بالبيان إلى البيان { ولكن ليبلوكم } [المائدة: 48]؛ يعني: الأمم { في مآ آتاكم } [المائدة: 48]، من البيان والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان وابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى؛ ليهتدي التائبون بالبيان والتبيان ويقتدي العالمون بالحجة والبرهان، ويجذب العارفون بالعزة والسلطان بل يقصدون الزاهدون برضا الدنيا، ويقدم العابدون بنهي الهوى ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى { فاستبقوا الخيرات } [المائدة: 48]، ببذل الموجود، وسارعوا إلى القربات بفقد الوجود { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 48]، إما بالاختيار بعدم الصدق في الإفناء لنيل المرام في عالم البقاء، وإما بالاضطرار عند حلول الآجال بعد الفناء لويل الملام يوم اللقاء { فينبئكم } [المائدة: 48]، بنتائج الأعمال وثمرات الأحوال { بما كنتم فيه تختلفون } [المائدة: 48]، من المقاصد والمطالب والمشارب.
{ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 49]، قم بالله فيما يحكم وأقم حقوقه فيما تقدم وتؤخر، ولا تلاحظ الأغيار فيما تؤثر، وتغتر فإن الكل يحق في التحقيق { ولا تتبع أهوآءهم } [المائدة: 49]، بالإعراض عن الحق { واحذرهم أن يفتنوك } [المائدة: 49]، بالتصريف { عن بعض مآ أنزل الله إليك } [المائدة: 49]، من الحقوق بشواهد الحق { فإن تولوا } [المائدة: 49]، عن الحق وأبوا قبوله { فاعلم } [المائدة: 49]، بمطالعة القضاء { أنما يريد الله } [المائدة: 49]، في الحكم المقدر { أن يصيبهم } [المائدة: 49]، مصيبة الإعراض { ببعض ذنوبهم } [المائدة: 49]، وهو الاعتراض لأن الحق سبحانه يلزمهم التكليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصرف، فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجد والعبرة بالإيجاد لا بالإيجاب { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } [المائدة: 49]، الخارجون عن جذبات العناية ولخطاب الهداية.
{ أفحكم الجاهلية يبغون } [المائدة: 50]، يطلبون منك أن تجد عن الحجة المثلى بعدما طلعته شموس الدين، وسقطت براهين اليقين واستنار القلب بأنوار الغيب وانتهكت أستار الترتيب { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } [المائدة: 50]، لا أحدا يحكم لأهل الإيقان بحقائق الفرقان من أحسن الرحمن.
المائدة 5:49
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه وما أشار إليه من خطابه بقوله تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، إشارة إن الله تعالى خصص حبيبه صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام - بإنزال الكتب إليه بالحقيقة كما قال تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، أي: بالحقيقة وذلك لأنه أنزله على قلبه وأنزل الكتب على الأنبياء في الألواح والصحف، وبينه وبينهم بون بعيد وفرق عظيم، فإن ما أنزل على القلب يكون صاحب القلب مخصوصا به من سائر الخلق بخلقه، فلهذا كان خلقه القرآن، وما أنزل في الألواح والصحف يستوي فيه الخواص والعوام في التخلق بخلقه بإثمار الأوامر وانتهاء النواهي: { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } [المائدة: 48]؛ أي: يصدق الكتب المنزلة قبله تصديقا حقيقيا عيانيا لا بيانيا بحيث يشاهد قلب المنزل إليه بنور حقائق جميع الكتب ومعانيها وأسرارها، فيشهدوا على صدقها وحقيقتها بخلاف ما أنزل في الألواح والصحف، فإن الألواح والصحف لا ينشأ حقيقتها ولا تشهد على صدقها وحقيقتها { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 48]، أي: فأقم بالله أحكام الدين بنوره الكتب بينهم بما أنزل الله على قلبك أو اعتنق ملازمة الحقوق بترك ملازمة الحظوظ { ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } [المائدة: 48]، أي: لا تستملك إلى هويتهم الفاسدة حرام الجنسية ومكارم الأنسية، فيلهيكم عما جاءك من الحق بالعيان من حقائق القرآن وأنواره وحقيقة الفرقان وأسراره { لكل جعلنا منكم } [المائدة: 48]، معاشر الأنبياء { شرعة } [المائدة: 48]، يشرع فيها بالبيان { ومنهاجا } [المائدة: 48]، يسلك فيه بالعيان { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } [المائدة: 48]، أي: جعل أممكم أمة واحدة تهتدي بالبيان إلى البيان { ولكن ليبلوكم } [المائدة: 48]؛ يعني: الأمم { في مآ آتاكم } [المائدة: 48]، من البيان والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان وابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى؛ ليهتدي التائبون بالبيان والتبيان ويقتدي العالمون بالحجة والبرهان، ويجذب العارفون بالعزة والسلطان بل يقصدون الزاهدون برضا الدنيا، ويقدم العابدون بنهي الهوى ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى { فاستبقوا الخيرات } [المائدة: 48]، ببذل الموجود، وسارعوا إلى القربات بفقد الوجود { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 48]، إما بالاختيار بعدم الصدق في الإفناء لنيل المرام في عالم البقاء، وإما بالاضطرار عند حلول الآجال بعد الفناء لويل الملام يوم اللقاء { فينبئكم } [المائدة: 48]، بنتائج الأعمال وثمرات الأحوال { بما كنتم فيه تختلفون } [المائدة: 48]، من المقاصد والمطالب والمشارب.
{ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 49]، قم بالله فيما يحكم وأقم حقوقه فيما تقدم وتؤخر، ولا تلاحظ الأغيار فيما تؤثر، وتغتر فإن الكل يحق في التحقيق { ولا تتبع أهوآءهم } [المائدة: 49]، بالإعراض عن الحق { واحذرهم أن يفتنوك } [المائدة: 49]، بالتصريف { عن بعض مآ أنزل الله إليك } [المائدة: 49]، من الحقوق بشواهد الحق { فإن تولوا } [المائدة: 49]، عن الحق وأبوا قبوله { فاعلم } [المائدة: 49]، بمطالعة القضاء { أنما يريد الله } [المائدة: 49]، في الحكم المقدر { أن يصيبهم } [المائدة: 49]، مصيبة الإعراض { ببعض ذنوبهم } [المائدة: 49]، وهو الاعتراض لأن الحق سبحانه يلزمهم التكليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصرف، فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجد والعبرة بالإيجاد لا بالإيجاب { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } [المائدة: 49]، الخارجون عن جذبات العناية ولخطاب الهداية.
{ أفحكم الجاهلية يبغون } [المائدة: 50]، يطلبون منك أن تجد عن الحجة المثلى بعدما طلعته شموس الدين، وسقطت براهين اليقين واستنار القلب بأنوار الغيب وانتهكت أستار الترتيب { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } [المائدة: 50]، لا أحدا يحكم لأهل الإيقان بحقائق الفرقان من أحسن الرحمن.
المائدة 5:50
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه وما أشار إليه من خطابه بقوله تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، إشارة إن الله تعالى خصص حبيبه صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام - بإنزال الكتب إليه بالحقيقة كما قال تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، أي: بالحقيقة وذلك لأنه أنزله على قلبه وأنزل الكتب على الأنبياء في الألواح والصحف، وبينه وبينهم بون بعيد وفرق عظيم، فإن ما أنزل على القلب يكون صاحب القلب مخصوصا به من سائر الخلق بخلقه، فلهذا كان خلقه القرآن، وما أنزل في الألواح والصحف يستوي فيه الخواص والعوام في التخلق بخلقه بإثمار الأوامر وانتهاء النواهي: { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } [المائدة: 48]؛ أي: يصدق الكتب المنزلة قبله تصديقا حقيقيا عيانيا لا بيانيا بحيث يشاهد قلب المنزل إليه بنور حقائق جميع الكتب ومعانيها وأسرارها، فيشهدوا على صدقها وحقيقتها بخلاف ما أنزل في الألواح والصحف، فإن الألواح والصحف لا ينشأ حقيقتها ولا تشهد على صدقها وحقيقتها { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 48]، أي: فأقم بالله أحكام الدين بنوره الكتب بينهم بما أنزل الله على قلبك أو اعتنق ملازمة الحقوق بترك ملازمة الحظوظ { ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } [المائدة: 48]، أي: لا تستملك إلى هويتهم الفاسدة حرام الجنسية ومكارم الأنسية، فيلهيكم عما جاءك من الحق بالعيان من حقائق القرآن وأنواره وحقيقة الفرقان وأسراره { لكل جعلنا منكم } [المائدة: 48]، معاشر الأنبياء { شرعة } [المائدة: 48]، يشرع فيها بالبيان { ومنهاجا } [المائدة: 48]، يسلك فيه بالعيان { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } [المائدة: 48]، أي: جعل أممكم أمة واحدة تهتدي بالبيان إلى البيان { ولكن ليبلوكم } [المائدة: 48]؛ يعني: الأمم { في مآ آتاكم } [المائدة: 48]، من البيان والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان وابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى؛ ليهتدي التائبون بالبيان والتبيان ويقتدي العالمون بالحجة والبرهان، ويجذب العارفون بالعزة والسلطان بل يقصدون الزاهدون برضا الدنيا، ويقدم العابدون بنهي الهوى ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى { فاستبقوا الخيرات } [المائدة: 48]، ببذل الموجود، وسارعوا إلى القربات بفقد الوجود { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 48]، إما بالاختيار بعدم الصدق في الإفناء لنيل المرام في عالم البقاء، وإما بالاضطرار عند حلول الآجال بعد الفناء لويل الملام يوم اللقاء { فينبئكم } [المائدة: 48]، بنتائج الأعمال وثمرات الأحوال { بما كنتم فيه تختلفون } [المائدة: 48]، من المقاصد والمطالب والمشارب.
{ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 49]، قم بالله فيما يحكم وأقم حقوقه فيما تقدم وتؤخر، ولا تلاحظ الأغيار فيما تؤثر، وتغتر فإن الكل يحق في التحقيق { ولا تتبع أهوآءهم } [المائدة: 49]، بالإعراض عن الحق { واحذرهم أن يفتنوك } [المائدة: 49]، بالتصريف { عن بعض مآ أنزل الله إليك } [المائدة: 49]، من الحقوق بشواهد الحق { فإن تولوا } [المائدة: 49]، عن الحق وأبوا قبوله { فاعلم } [المائدة: 49]، بمطالعة القضاء { أنما يريد الله } [المائدة: 49]، في الحكم المقدر { أن يصيبهم } [المائدة: 49]، مصيبة الإعراض { ببعض ذنوبهم } [المائدة: 49]، وهو الاعتراض لأن الحق سبحانه يلزمهم التكليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصرف، فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجد والعبرة بالإيجاد لا بالإيجاب { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } [المائدة: 49]، الخارجون عن جذبات العناية ولخطاب الهداية.
{ أفحكم الجاهلية يبغون } [المائدة: 50]، يطلبون منك أن تجد عن الحجة المثلى بعدما طلعته شموس الدين، وسقطت براهين اليقين واستنار القلب بأنوار الغيب وانتهكت أستار الترتيب { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } [المائدة: 50]، لا أحدا يحكم لأهل الإيقان بحقائق الفرقان من أحسن الرحمن.
المائدة 5:51
ثم أمر الأولياء أن لا يتولوا الأعداء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } [المائدة: 51]، إشارة إن: يا أهل الإيمان الحقيقي لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في الحقيقة، فإنهم أعداء الله وأعداؤكم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا كما قال تعالى:
نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[فصلت: 31]، وقال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، { بعضهم أوليآء بعض } [المائدة: 51]، فإن الجنسية موجبة القسم ولهذا قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } [المائدة: 51]؛ يعني: ومن يتولهم ممن يتجلى تجلية الإسلام، ويتزي بزي أهل الدين ظاهرا فإنه منهم أي: من طينتهم وخلقهم ووصفهم حقيقة وباطنا { إن الله لا يهدي } [المائدة: 51]، إلى الائتلاف أهل التعارف الروحاني { القوم الظالمين } [المائدة: 51]، الذين هم أهل التناكر الواضعين المحبة والولاء في غير موضعه.
{ فترى الذين في قلوبهم مرض } [المائدة: 52]، عن جريان نور الإيمان والخلق عن التوحيد والعرفان { يسارعون فيهم } [المائدة: 52]؛ أي: في قوة أهل التناكر
" فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "
، فمن تعم فما يرهم وعمى بصائرهم حين حجبوا عن مقر التوحيد، وتغرقوا في أودية الحسبان والظنون تسبق موالاة الأعداء خوفا من معادتهم، وطمعا في المأمول من صحبتهم { يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة } [المائدة: 52]، من دوائر الزمان وبوائر الحدثان { فعسى الله أن يأتي بالفتح } [المائدة: 52]، فتح عين قلوبهم ليشاهدوا أنهم في أسر العجز وذل الافتقار { أو أمر من عنده } [المائدة: 52]، تصفيته مشارب الإكرام وإضاءة زواهد القرب ومشارق القلوب { فيصبحوا } [المائدة: 52]، عن ليلة الغفلة { على مآ أسروا في أنفسهم } [المائدة: 52]، من ظنون كاذبة { نادمين } [المائدة: 52]، فحينئذ { ويقول الذين آمنوا } [المائدة: 53]، بأنوار الغيب في أستار القلوب { أهؤلاء الذين أقسموا بالله } [المائدة: 53]، جهلا عن أحوالهم في ملكهم { جهد أيمانهم } [المائدة: 53]، بالنفاق { إنهم لمعكم } [المائدة: 53]، في الوفاق { حبطت أعمالهم } [المائدة: 53]، وبطلت آمالهم { فأصبحوا خاسرين } [المائدة: 53]، بإبطال الاستعداد الفطري في الدنيا واستحقاق دركات جهنم البعد في الآخرة.
المائدة 5:52
ثم أمر الأولياء أن لا يتولوا الأعداء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } [المائدة: 51]، إشارة إن: يا أهل الإيمان الحقيقي لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في الحقيقة، فإنهم أعداء الله وأعداؤكم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا كما قال تعالى:
نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[فصلت: 31]، وقال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، { بعضهم أوليآء بعض } [المائدة: 51]، فإن الجنسية موجبة القسم ولهذا قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } [المائدة: 51]؛ يعني: ومن يتولهم ممن يتجلى تجلية الإسلام، ويتزي بزي أهل الدين ظاهرا فإنه منهم أي: من طينتهم وخلقهم ووصفهم حقيقة وباطنا { إن الله لا يهدي } [المائدة: 51]، إلى الائتلاف أهل التعارف الروحاني { القوم الظالمين } [المائدة: 51]، الذين هم أهل التناكر الواضعين المحبة والولاء في غير موضعه.
{ فترى الذين في قلوبهم مرض } [المائدة: 52]، عن جريان نور الإيمان والخلق عن التوحيد والعرفان { يسارعون فيهم } [المائدة: 52]؛ أي: في قوة أهل التناكر
" فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "
، فمن تعم فما يرهم وعمى بصائرهم حين حجبوا عن مقر التوحيد، وتغرقوا في أودية الحسبان والظنون تسبق موالاة الأعداء خوفا من معادتهم، وطمعا في المأمول من صحبتهم { يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة } [المائدة: 52]، من دوائر الزمان وبوائر الحدثان { فعسى الله أن يأتي بالفتح } [المائدة: 52]، فتح عين قلوبهم ليشاهدوا أنهم في أسر العجز وذل الافتقار { أو أمر من عنده } [المائدة: 52]، تصفيته مشارب الإكرام وإضاءة زواهد القرب ومشارق القلوب { فيصبحوا } [المائدة: 52]، عن ليلة الغفلة { على مآ أسروا في أنفسهم } [المائدة: 52]، من ظنون كاذبة { نادمين } [المائدة: 52]، فحينئذ { ويقول الذين آمنوا } [المائدة: 53]، بأنوار الغيب في أستار القلوب { أهؤلاء الذين أقسموا بالله } [المائدة: 53]، جهلا عن أحوالهم في ملكهم { جهد أيمانهم } [المائدة: 53]، بالنفاق { إنهم لمعكم } [المائدة: 53]، في الوفاق { حبطت أعمالهم } [المائدة: 53]، وبطلت آمالهم { فأصبحوا خاسرين } [المائدة: 53]، بإبطال الاستعداد الفطري في الدنيا واستحقاق دركات جهنم البعد في الآخرة.
المائدة 5:53
ثم أمر الأولياء أن لا يتولوا الأعداء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } [المائدة: 51]، إشارة إن: يا أهل الإيمان الحقيقي لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في الحقيقة، فإنهم أعداء الله وأعداؤكم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا كما قال تعالى:
نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[فصلت: 31]، وقال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، { بعضهم أوليآء بعض } [المائدة: 51]، فإن الجنسية موجبة القسم ولهذا قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } [المائدة: 51]؛ يعني: ومن يتولهم ممن يتجلى تجلية الإسلام، ويتزي بزي أهل الدين ظاهرا فإنه منهم أي: من طينتهم وخلقهم ووصفهم حقيقة وباطنا { إن الله لا يهدي } [المائدة: 51]، إلى الائتلاف أهل التعارف الروحاني { القوم الظالمين } [المائدة: 51]، الذين هم أهل التناكر الواضعين المحبة والولاء في غير موضعه.
{ فترى الذين في قلوبهم مرض } [المائدة: 52]، عن جريان نور الإيمان والخلق عن التوحيد والعرفان { يسارعون فيهم } [المائدة: 52]؛ أي: في قوة أهل التناكر
" فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "
، فمن تعم فما يرهم وعمى بصائرهم حين حجبوا عن مقر التوحيد، وتغرقوا في أودية الحسبان والظنون تسبق موالاة الأعداء خوفا من معادتهم، وطمعا في المأمول من صحبتهم { يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة } [المائدة: 52]، من دوائر الزمان وبوائر الحدثان { فعسى الله أن يأتي بالفتح } [المائدة: 52]، فتح عين قلوبهم ليشاهدوا أنهم في أسر العجز وذل الافتقار { أو أمر من عنده } [المائدة: 52]، تصفيته مشارب الإكرام وإضاءة زواهد القرب ومشارق القلوب { فيصبحوا } [المائدة: 52]، عن ليلة الغفلة { على مآ أسروا في أنفسهم } [المائدة: 52]، من ظنون كاذبة { نادمين } [المائدة: 52]، فحينئذ { ويقول الذين آمنوا } [المائدة: 53]، بأنوار الغيب في أستار القلوب { أهؤلاء الذين أقسموا بالله } [المائدة: 53]، جهلا عن أحوالهم في ملكهم { جهد أيمانهم } [المائدة: 53]، بالنفاق { إنهم لمعكم } [المائدة: 53]، في الوفاق { حبطت أعمالهم } [المائدة: 53]، وبطلت آمالهم { فأصبحوا خاسرين } [المائدة: 53]، بإبطال الاستعداد الفطري في الدنيا واستحقاق دركات جهنم البعد في الآخرة.
المائدة 5:54
ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } [المائدة: 54]، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 54]، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة طلب غير الحق من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالبا غير الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152]، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، وقال: ثمنا حد، فقال: ومنكم من يريد الله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54]، فخص هذه المرتبة بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته أزلا، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى بذات تلك الصفة، فافهم جيدا فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية لهم أن تكون { أذلة على المؤمنين } [المائدة: 54]، لفناء الناسوتية وارتفاع الأنانية { أعزة على الكافرين } [المائدة: 54]، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية { يجاهدون في سبيل الله } [المائدة: 54]، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود { ولا يخافون لومة لائم } [المائدة: 54]، عند غلبات الوجود في الوسط لدوام الشهود { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } [المائدة: 54]؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص بالمحبة في النهاية لنيل المقصود { والله واسع } [المائدة: 54]، كرم أن يتفضل بذلك على كل أحد لكنه { عليم } [المائدة: 54]، بمن يستحق لهذه الفضيلة ويستعد للتوسل بهذه الوسيلة.
ثم أخبر عمن مشمول العناية منهم إنه المنعوت بالولاية بقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله } [المائدة: 55]، إشارة أن الله تعالى أعز المؤمنين بعز موالاته وموالات رسوله وموالات المؤمنين فقال: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 55]، فموالات الله في معادات ما سوى الله كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومولاة الرسول في معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين "
، ومولاة المؤمنين في مؤاخاتهم في الدين كقوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة
[الحجرات: 10]، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
، وقيل: من عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق، ثم أخبر عن أهل الموالاة من المؤمنين بقوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة } [المائدة: 55]؛ أي: بديمومتها محافظا حدودها في الظاهر مراقبا حقوقها في الباطن بمراعاة السير مع الله أن لا يخطر بباله غير الله { ويؤتون الزكاة } [المائدة: 55]، أي: يبذلون ما زكى من وجودهم في طلب الحق وهو الفناء في الله { وهم راكعون } [المائدة: 55]، راجعون إلى الله بالانحطاط من قيام البشرية إلى القيام بالقيومية { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 56] فهم من { فإن حزب الله } [المائدة: 56]، أهل الله وخاصيته { هم الغالبون } [المائدة: 56]، أهوائهم وأنفسهم وعلى الدنيا والشياطين القائمون مع الله على نشر الاستقامة.
ثم أخبر عن صفة الأعداء، وأنهم لا يصلحون لهؤلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا } [المائدة: 57]، الإشارة أن لا تحجبوا إلى الملاينة مع أعداء الدين يا أهل الإيمان خصوصا مع الذين اتخذوا { دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [المائدة: 57]، من أهل الأديان والملل { والكفار } [المائدة: 57]، ولا تتخذوهم { أوليآء } [المائدة: 57]، فإنهم أعداء الله وأعداءكم، وفيه أيضا إشارة إلى أهل التحقيق؛ الذين هم أهل المحبة المجذوبون إلى سراء قلق الجلال بجذبات الوصال، أن لا تتلوا أهل الغفلة والسلوة الذين اتخذوا دينكم ومنهيكم في المحبة والطلب هزوا ولعبا للجهل بأموالكم والغفلة عن أمالكم من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: العلوم الظاهرة من الثقليات والكفار؛ يعني: الفلاسفة الذين يمسكوا بالعلوم من العقليات، فإنهم بمعزل عن العلوم من الدنيا والكشفيات فلا تتخذوهم أولياء فإن بعضهم أولياء بعض والضدية بينكم وبينهم قائمة، فإن الناس أعداء ما جهلوا من لم يتق لا يدري فلم يدروا أن لا يدروا فهم يحسبون أنهم يدرون، فهذا هو الجهل المركب، فافهم جيدا { واتقوا الله } [المائدة: 57]، واخشوه ولا تخشوا غيره { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 57]، بأن لا وجود إلا الله ولا يوجد سوى الله.
المائدة 5:55
ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } [المائدة: 54]، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 54]، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة طلب غير الحق من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالبا غير الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152]، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، وقال: ثمنا حد، فقال: ومنكم من يريد الله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54]، فخص هذه المرتبة بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته أزلا، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى بذات تلك الصفة، فافهم جيدا فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية لهم أن تكون { أذلة على المؤمنين } [المائدة: 54]، لفناء الناسوتية وارتفاع الأنانية { أعزة على الكافرين } [المائدة: 54]، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية { يجاهدون في سبيل الله } [المائدة: 54]، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود { ولا يخافون لومة لائم } [المائدة: 54]، عند غلبات الوجود في الوسط لدوام الشهود { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } [المائدة: 54]؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص بالمحبة في النهاية لنيل المقصود { والله واسع } [المائدة: 54]، كرم أن يتفضل بذلك على كل أحد لكنه { عليم } [المائدة: 54]، بمن يستحق لهذه الفضيلة ويستعد للتوسل بهذه الوسيلة.
ثم أخبر عمن مشمول العناية منهم إنه المنعوت بالولاية بقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله } [المائدة: 55]، إشارة أن الله تعالى أعز المؤمنين بعز موالاته وموالات رسوله وموالات المؤمنين فقال: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 55]، فموالات الله في معادات ما سوى الله كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومولاة الرسول في معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين "
، ومولاة المؤمنين في مؤاخاتهم في الدين كقوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة
[الحجرات: 10]، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
، وقيل: من عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق، ثم أخبر عن أهل الموالاة من المؤمنين بقوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة } [المائدة: 55]؛ أي: بديمومتها محافظا حدودها في الظاهر مراقبا حقوقها في الباطن بمراعاة السير مع الله أن لا يخطر بباله غير الله { ويؤتون الزكاة } [المائدة: 55]، أي: يبذلون ما زكى من وجودهم في طلب الحق وهو الفناء في الله { وهم راكعون } [المائدة: 55]، راجعون إلى الله بالانحطاط من قيام البشرية إلى القيام بالقيومية { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 56] فهم من { فإن حزب الله } [المائدة: 56]، أهل الله وخاصيته { هم الغالبون } [المائدة: 56]، أهوائهم وأنفسهم وعلى الدنيا والشياطين القائمون مع الله على نشر الاستقامة.
ثم أخبر عن صفة الأعداء، وأنهم لا يصلحون لهؤلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا } [المائدة: 57]، الإشارة أن لا تحجبوا إلى الملاينة مع أعداء الدين يا أهل الإيمان خصوصا مع الذين اتخذوا { دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [المائدة: 57]، من أهل الأديان والملل { والكفار } [المائدة: 57]، ولا تتخذوهم { أوليآء } [المائدة: 57]، فإنهم أعداء الله وأعداءكم، وفيه أيضا إشارة إلى أهل التحقيق؛ الذين هم أهل المحبة المجذوبون إلى سراء قلق الجلال بجذبات الوصال، أن لا تتلوا أهل الغفلة والسلوة الذين اتخذوا دينكم ومنهيكم في المحبة والطلب هزوا ولعبا للجهل بأموالكم والغفلة عن أمالكم من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: العلوم الظاهرة من الثقليات والكفار؛ يعني: الفلاسفة الذين يمسكوا بالعلوم من العقليات، فإنهم بمعزل عن العلوم من الدنيا والكشفيات فلا تتخذوهم أولياء فإن بعضهم أولياء بعض والضدية بينكم وبينهم قائمة، فإن الناس أعداء ما جهلوا من لم يتق لا يدري فلم يدروا أن لا يدروا فهم يحسبون أنهم يدرون، فهذا هو الجهل المركب، فافهم جيدا { واتقوا الله } [المائدة: 57]، واخشوه ولا تخشوا غيره { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 57]، بأن لا وجود إلا الله ولا يوجد سوى الله.
المائدة 5:56
ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } [المائدة: 54]، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 54]، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة طلب غير الحق من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالبا غير الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152]، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، وقال: ثمنا حد، فقال: ومنكم من يريد الله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54]، فخص هذه المرتبة بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته أزلا، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى بذات تلك الصفة، فافهم جيدا فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية لهم أن تكون { أذلة على المؤمنين } [المائدة: 54]، لفناء الناسوتية وارتفاع الأنانية { أعزة على الكافرين } [المائدة: 54]، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية { يجاهدون في سبيل الله } [المائدة: 54]، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود { ولا يخافون لومة لائم } [المائدة: 54]، عند غلبات الوجود في الوسط لدوام الشهود { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } [المائدة: 54]؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص بالمحبة في النهاية لنيل المقصود { والله واسع } [المائدة: 54]، كرم أن يتفضل بذلك على كل أحد لكنه { عليم } [المائدة: 54]، بمن يستحق لهذه الفضيلة ويستعد للتوسل بهذه الوسيلة.
ثم أخبر عمن مشمول العناية منهم إنه المنعوت بالولاية بقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله } [المائدة: 55]، إشارة أن الله تعالى أعز المؤمنين بعز موالاته وموالات رسوله وموالات المؤمنين فقال: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 55]، فموالات الله في معادات ما سوى الله كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومولاة الرسول في معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين "
، ومولاة المؤمنين في مؤاخاتهم في الدين كقوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة
[الحجرات: 10]، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
، وقيل: من عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق، ثم أخبر عن أهل الموالاة من المؤمنين بقوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة } [المائدة: 55]؛ أي: بديمومتها محافظا حدودها في الظاهر مراقبا حقوقها في الباطن بمراعاة السير مع الله أن لا يخطر بباله غير الله { ويؤتون الزكاة } [المائدة: 55]، أي: يبذلون ما زكى من وجودهم في طلب الحق وهو الفناء في الله { وهم راكعون } [المائدة: 55]، راجعون إلى الله بالانحطاط من قيام البشرية إلى القيام بالقيومية { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 56] فهم من { فإن حزب الله } [المائدة: 56]، أهل الله وخاصيته { هم الغالبون } [المائدة: 56]، أهوائهم وأنفسهم وعلى الدنيا والشياطين القائمون مع الله على نشر الاستقامة.
ثم أخبر عن صفة الأعداء، وأنهم لا يصلحون لهؤلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا } [المائدة: 57]، الإشارة أن لا تحجبوا إلى الملاينة مع أعداء الدين يا أهل الإيمان خصوصا مع الذين اتخذوا { دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [المائدة: 57]، من أهل الأديان والملل { والكفار } [المائدة: 57]، ولا تتخذوهم { أوليآء } [المائدة: 57]، فإنهم أعداء الله وأعداءكم، وفيه أيضا إشارة إلى أهل التحقيق؛ الذين هم أهل المحبة المجذوبون إلى سراء قلق الجلال بجذبات الوصال، أن لا تتلوا أهل الغفلة والسلوة الذين اتخذوا دينكم ومنهيكم في المحبة والطلب هزوا ولعبا للجهل بأموالكم والغفلة عن أمالكم من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: العلوم الظاهرة من الثقليات والكفار؛ يعني: الفلاسفة الذين يمسكوا بالعلوم من العقليات، فإنهم بمعزل عن العلوم من الدنيا والكشفيات فلا تتخذوهم أولياء فإن بعضهم أولياء بعض والضدية بينكم وبينهم قائمة، فإن الناس أعداء ما جهلوا من لم يتق لا يدري فلم يدروا أن لا يدروا فهم يحسبون أنهم يدرون، فهذا هو الجهل المركب، فافهم جيدا { واتقوا الله } [المائدة: 57]، واخشوه ولا تخشوا غيره { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 57]، بأن لا وجود إلا الله ولا يوجد سوى الله.
المائدة 5:57
ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } [المائدة: 54]، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 54]، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة طلب غير الحق من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالبا غير الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152]، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، وقال: ثمنا حد، فقال: ومنكم من يريد الله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54]، فخص هذه المرتبة بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته أزلا، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى بذات تلك الصفة، فافهم جيدا فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية لهم أن تكون { أذلة على المؤمنين } [المائدة: 54]، لفناء الناسوتية وارتفاع الأنانية { أعزة على الكافرين } [المائدة: 54]، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية { يجاهدون في سبيل الله } [المائدة: 54]، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود { ولا يخافون لومة لائم } [المائدة: 54]، عند غلبات الوجود في الوسط لدوام الشهود { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } [المائدة: 54]؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص بالمحبة في النهاية لنيل المقصود { والله واسع } [المائدة: 54]، كرم أن يتفضل بذلك على كل أحد لكنه { عليم } [المائدة: 54]، بمن يستحق لهذه الفضيلة ويستعد للتوسل بهذه الوسيلة.
ثم أخبر عمن مشمول العناية منهم إنه المنعوت بالولاية بقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله } [المائدة: 55]، إشارة أن الله تعالى أعز المؤمنين بعز موالاته وموالات رسوله وموالات المؤمنين فقال: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 55]، فموالات الله في معادات ما سوى الله كما كان حال الخليل عليه السلام قال:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77]، ومولاة الرسول في معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين "
، ومولاة المؤمنين في مؤاخاتهم في الدين كقوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة
[الحجرات: 10]، فقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
، وقيل: من عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها مع الحق، ثم أخبر عن أهل الموالاة من المؤمنين بقوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة } [المائدة: 55]؛ أي: بديمومتها محافظا حدودها في الظاهر مراقبا حقوقها في الباطن بمراعاة السير مع الله أن لا يخطر بباله غير الله { ويؤتون الزكاة } [المائدة: 55]، أي: يبذلون ما زكى من وجودهم في طلب الحق وهو الفناء في الله { وهم راكعون } [المائدة: 55]، راجعون إلى الله بالانحطاط من قيام البشرية إلى القيام بالقيومية { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا } [المائدة: 56] فهم من { فإن حزب الله } [المائدة: 56]، أهل الله وخاصيته { هم الغالبون } [المائدة: 56]، أهوائهم وأنفسهم وعلى الدنيا والشياطين القائمون مع الله على نشر الاستقامة.
ثم أخبر عن صفة الأعداء، وأنهم لا يصلحون لهؤلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا } [المائدة: 57]، الإشارة أن لا تحجبوا إلى الملاينة مع أعداء الدين يا أهل الإيمان خصوصا مع الذين اتخذوا { دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [المائدة: 57]، من أهل الأديان والملل { والكفار } [المائدة: 57]، ولا تتخذوهم { أوليآء } [المائدة: 57]، فإنهم أعداء الله وأعداءكم، وفيه أيضا إشارة إلى أهل التحقيق؛ الذين هم أهل المحبة المجذوبون إلى سراء قلق الجلال بجذبات الوصال، أن لا تتلوا أهل الغفلة والسلوة الذين اتخذوا دينكم ومنهيكم في المحبة والطلب هزوا ولعبا للجهل بأموالكم والغفلة عن أمالكم من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: العلوم الظاهرة من الثقليات والكفار؛ يعني: الفلاسفة الذين يمسكوا بالعلوم من العقليات، فإنهم بمعزل عن العلوم من الدنيا والكشفيات فلا تتخذوهم أولياء فإن بعضهم أولياء بعض والضدية بينكم وبينهم قائمة، فإن الناس أعداء ما جهلوا من لم يتق لا يدري فلم يدروا أن لا يدروا فهم يحسبون أنهم يدرون، فهذا هو الجهل المركب، فافهم جيدا { واتقوا الله } [المائدة: 57]، واخشوه ولا تخشوا غيره { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 57]، بأن لا وجود إلا الله ولا يوجد سوى الله.
المائدة 5:58
ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله.
وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكانا منهم كما قال تعالى:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى:
أولئك كالأنعام بل هم أضل
[الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به } [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } [المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة
" وإنما الدين النصيحة "
ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
المائدة 5:59
ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله.
وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكانا منهم كما قال تعالى:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى:
أولئك كالأنعام بل هم أضل
[الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به } [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } [المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة
" وإنما الدين النصيحة "
ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
المائدة 5:60
ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله.
وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكانا منهم كما قال تعالى:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى:
أولئك كالأنعام بل هم أضل
[الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به } [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } [المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة
" وإنما الدين النصيحة "
ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
المائدة 5:61
ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله.
وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكانا منهم كما قال تعالى:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى:
أولئك كالأنعام بل هم أضل
[الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به } [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } [المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة
" وإنما الدين النصيحة "
ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
المائدة 5:62
ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله.
وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكانا منهم كما قال تعالى:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى:
أولئك كالأنعام بل هم أضل
[الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به } [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } [المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة
" وإنما الدين النصيحة "
ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
المائدة 5:63
ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } [المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله.
وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق الحق المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم مكانا منهم كما قال تعالى:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى:
أولئك كالأنعام بل هم أضل
[الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به } [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } [المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: 62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } [المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ترك النصيحة
" وإنما الدين النصيحة "
ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به.
المائدة 5:64
ثم أخبر عن بعض موجبات اللعنة لأهل الغفلة بقوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } [المائدة: 64]، إشارة أن الله تعالى مهما وكل الإنسان إلى خصائص نفسه وحساسة طبعه وركاكة نظره وعقله بالخذلان يترشح بما في إنانه من صفاته الظلومتية والجهولية التي جبل عليها حتى يظن السوء، ويقول على الله ما لا يعلم، كما قالت اليهود: يد الله مغلولة؛ أي: من إصابة الخير ومهما أدركته العناية الربانية وأيده بالتأييد الإلهي فما ينطق عن الهوى إلا بما يلهم أو يوحي كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار "
ثم أصابهم الحق، وقال: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } [المائدة: 64]؛ أي: أيديهم عن إصابة الخير مغلولة، وشأنهم عن تنسيم روائح الصدق مزكوة، وإنهم عن أبواب الحق مطرودون إلى خصائص النفس مردودون ثم أثنى على نفسه فقال: { بل يداه مبسوطتان } [المائدة: 64]؛ أي: يد اللطف ويد القهر { ينفق كيف يشآء } [المائدة: 64]، من خزائن اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإيمان، والإحسان على الكافرين من الضلالة والغواية والكفران وعذاب النيران؛ فيرفع قوة للدرجات العلى ويضع آخرين الدركات السفلى، ويدفع عن قوم الشر والبلاء ويمنع عن قوم الخير والنعماء بل يعم نعم الدفع أو يخص نعم النفع { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } [المائدة: 64]، فيه إشارة إلى أهل الحسد فإنهم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله، وينكرون ذوي الفضل فلا يزيدهم الحسد إلا الطغيان فكما أن مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك قوم عند قوم مصائب، ثم أدرك الحسد خذلان الحق وجعل بأسهم بينهم كما قال تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } [المائدة: 64]، فلا يوجد ذو جلالا بينه وبين صاحبه في الحسد عداوة وبغض، والحقد إلى أن يتوارثوا بطنا عن بطن فلا يكون بينهم موافقة في الحقيقة { كلمآ أوقدوا نارا للحرب } [المائدة: 64] أي: يجتمعون لإثارة الفتنة على أهل الحقيقة ويتعفون على إظهار الباطل { أطفأها الله } [المائدة: 64]، نار مكرهم وشتت عليهم أمرهم { ويسعون في الأرض فسادا } [المائدة: 64]، بإظهار الإنكار والغيبة والبهتان وتقبح أحوال أهل الحق عند العوام؛ لكسر قلوبهم في نظر الخلق ليحقروا بعد وقروا { والله لا يحب المفسدين } [المائدة: 64]، الذين يفسدون اعتقاد الخلق في أرباب الصدق وأهل الحق.
ثم أخبر عن إصلاح حال من يقبل الصلاح بقوله تعالى: { ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم } [المائدة: 65]، الإشارة ولو أن أهل الكتاب؛ يعني: أهل العوام الظاهر وآمنوا بالعلوم الباطنة وأقروا وصدقوا أهلها فيما يخبرون عنها، واتقوا الإنكار والاعتراض والحسد عليهم لكفر عنهم سيئاتهم، وهي الغفلة عنها والجهل بها والإنكار عليها، والحسنات التي تصدر عن الأبرار بالعكوف على الأعمال البدنية دون القلبية ولزوم العلوم الظاهرة بالإعراض عن العلوم الباطنة، فإنها سيئات المقربين { ولأدخلنهم جنت النعيم } [المائدة: 65]؛ أي: لأنزلناهم مع المقربين منازل الأولياء والصديقين ودرجات الشهداء والصالحين { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } [المائدة: 66]، في القرآن المجيد والكتب المنزلة والصحف الأولى؛ يعني: لو علموا بمقتضياتها ولزموا مستحسناتها، وهي تزكية النفس عن خصائصها الذميمة وتحليتها بدوام الذكر ومراقبة السر لحصول الأخلاق الكريمة ومخالفة الهوى وإيثار الآخرة على الأولى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى
قد أفلح من تزكى
[الأعلى: 14] إلى آخر السورة.
{ لأكلوا من فوقهم } [المائدة: 66]؛ يعني: رزقوا من الواردات الروحانية والمشاهدات الربانية { ومن تحت أرجلهم } [المائدة: 66]؛ أي: تسخر النفس بالهمم العلية بأن ينهوها ويجعلوا مرادتها تحت أقدامهم ليصلوا إلى مقامتهم كقوله تعالى:
ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى
[النازعات: 40-41]، { منهم أمة مقتصدة } [المائدة: 66]؛ أي: علماء السوء { وكثير منهم سآء ما يعملون } [المائدة: 66]، فيما يحسدون أهل الحق وينكرون عليهم ويؤذونهم بالكذب والافتراء والتخطية.
المائدة 5:65
ثم أخبر عن بعض موجبات اللعنة لأهل الغفلة بقوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } [المائدة: 64]، إشارة أن الله تعالى مهما وكل الإنسان إلى خصائص نفسه وحساسة طبعه وركاكة نظره وعقله بالخذلان يترشح بما في إنانه من صفاته الظلومتية والجهولية التي جبل عليها حتى يظن السوء، ويقول على الله ما لا يعلم، كما قالت اليهود: يد الله مغلولة؛ أي: من إصابة الخير ومهما أدركته العناية الربانية وأيده بالتأييد الإلهي فما ينطق عن الهوى إلا بما يلهم أو يوحي كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار "
ثم أصابهم الحق، وقال: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } [المائدة: 64]؛ أي: أيديهم عن إصابة الخير مغلولة، وشأنهم عن تنسيم روائح الصدق مزكوة، وإنهم عن أبواب الحق مطرودون إلى خصائص النفس مردودون ثم أثنى على نفسه فقال: { بل يداه مبسوطتان } [المائدة: 64]؛ أي: يد اللطف ويد القهر { ينفق كيف يشآء } [المائدة: 64]، من خزائن اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإيمان، والإحسان على الكافرين من الضلالة والغواية والكفران وعذاب النيران؛ فيرفع قوة للدرجات العلى ويضع آخرين الدركات السفلى، ويدفع عن قوم الشر والبلاء ويمنع عن قوم الخير والنعماء بل يعم نعم الدفع أو يخص نعم النفع { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } [المائدة: 64]، فيه إشارة إلى أهل الحسد فإنهم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله، وينكرون ذوي الفضل فلا يزيدهم الحسد إلا الطغيان فكما أن مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك قوم عند قوم مصائب، ثم أدرك الحسد خذلان الحق وجعل بأسهم بينهم كما قال تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } [المائدة: 64]، فلا يوجد ذو جلالا بينه وبين صاحبه في الحسد عداوة وبغض، والحقد إلى أن يتوارثوا بطنا عن بطن فلا يكون بينهم موافقة في الحقيقة { كلمآ أوقدوا نارا للحرب } [المائدة: 64] أي: يجتمعون لإثارة الفتنة على أهل الحقيقة ويتعفون على إظهار الباطل { أطفأها الله } [المائدة: 64]، نار مكرهم وشتت عليهم أمرهم { ويسعون في الأرض فسادا } [المائدة: 64]، بإظهار الإنكار والغيبة والبهتان وتقبح أحوال أهل الحق عند العوام؛ لكسر قلوبهم في نظر الخلق ليحقروا بعد وقروا { والله لا يحب المفسدين } [المائدة: 64]، الذين يفسدون اعتقاد الخلق في أرباب الصدق وأهل الحق.
ثم أخبر عن إصلاح حال من يقبل الصلاح بقوله تعالى: { ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم } [المائدة: 65]، الإشارة ولو أن أهل الكتاب؛ يعني: أهل العوام الظاهر وآمنوا بالعلوم الباطنة وأقروا وصدقوا أهلها فيما يخبرون عنها، واتقوا الإنكار والاعتراض والحسد عليهم لكفر عنهم سيئاتهم، وهي الغفلة عنها والجهل بها والإنكار عليها، والحسنات التي تصدر عن الأبرار بالعكوف على الأعمال البدنية دون القلبية ولزوم العلوم الظاهرة بالإعراض عن العلوم الباطنة، فإنها سيئات المقربين { ولأدخلنهم جنت النعيم } [المائدة: 65]؛ أي: لأنزلناهم مع المقربين منازل الأولياء والصديقين ودرجات الشهداء والصالحين { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } [المائدة: 66]، في القرآن المجيد والكتب المنزلة والصحف الأولى؛ يعني: لو علموا بمقتضياتها ولزموا مستحسناتها، وهي تزكية النفس عن خصائصها الذميمة وتحليتها بدوام الذكر ومراقبة السر لحصول الأخلاق الكريمة ومخالفة الهوى وإيثار الآخرة على الأولى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى
قد أفلح من تزكى
[الأعلى: 14] إلى آخر السورة.
{ لأكلوا من فوقهم } [المائدة: 66]؛ يعني: رزقوا من الواردات الروحانية والمشاهدات الربانية { ومن تحت أرجلهم } [المائدة: 66]؛ أي: تسخر النفس بالهمم العلية بأن ينهوها ويجعلوا مرادتها تحت أقدامهم ليصلوا إلى مقامتهم كقوله تعالى:
ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى
[النازعات: 40-41]، { منهم أمة مقتصدة } [المائدة: 66]؛ أي: علماء السوء { وكثير منهم سآء ما يعملون } [المائدة: 66]، فيما يحسدون أهل الحق وينكرون عليهم ويؤذونهم بالكذب والافتراء والتخطية.
المائدة 5:66
ثم أخبر عن بعض موجبات اللعنة لأهل الغفلة بقوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } [المائدة: 64]، إشارة أن الله تعالى مهما وكل الإنسان إلى خصائص نفسه وحساسة طبعه وركاكة نظره وعقله بالخذلان يترشح بما في إنانه من صفاته الظلومتية والجهولية التي جبل عليها حتى يظن السوء، ويقول على الله ما لا يعلم، كما قالت اليهود: يد الله مغلولة؛ أي: من إصابة الخير ومهما أدركته العناية الربانية وأيده بالتأييد الإلهي فما ينطق عن الهوى إلا بما يلهم أو يوحي كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار "
ثم أصابهم الحق، وقال: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } [المائدة: 64]؛ أي: أيديهم عن إصابة الخير مغلولة، وشأنهم عن تنسيم روائح الصدق مزكوة، وإنهم عن أبواب الحق مطرودون إلى خصائص النفس مردودون ثم أثنى على نفسه فقال: { بل يداه مبسوطتان } [المائدة: 64]؛ أي: يد اللطف ويد القهر { ينفق كيف يشآء } [المائدة: 64]، من خزائن اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإيمان، والإحسان على الكافرين من الضلالة والغواية والكفران وعذاب النيران؛ فيرفع قوة للدرجات العلى ويضع آخرين الدركات السفلى، ويدفع عن قوم الشر والبلاء ويمنع عن قوم الخير والنعماء بل يعم نعم الدفع أو يخص نعم النفع { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } [المائدة: 64]، فيه إشارة إلى أهل الحسد فإنهم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله، وينكرون ذوي الفضل فلا يزيدهم الحسد إلا الطغيان فكما أن مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك قوم عند قوم مصائب، ثم أدرك الحسد خذلان الحق وجعل بأسهم بينهم كما قال تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } [المائدة: 64]، فلا يوجد ذو جلالا بينه وبين صاحبه في الحسد عداوة وبغض، والحقد إلى أن يتوارثوا بطنا عن بطن فلا يكون بينهم موافقة في الحقيقة { كلمآ أوقدوا نارا للحرب } [المائدة: 64] أي: يجتمعون لإثارة الفتنة على أهل الحقيقة ويتعفون على إظهار الباطل { أطفأها الله } [المائدة: 64]، نار مكرهم وشتت عليهم أمرهم { ويسعون في الأرض فسادا } [المائدة: 64]، بإظهار الإنكار والغيبة والبهتان وتقبح أحوال أهل الحق عند العوام؛ لكسر قلوبهم في نظر الخلق ليحقروا بعد وقروا { والله لا يحب المفسدين } [المائدة: 64]، الذين يفسدون اعتقاد الخلق في أرباب الصدق وأهل الحق.
ثم أخبر عن إصلاح حال من يقبل الصلاح بقوله تعالى: { ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم } [المائدة: 65]، الإشارة ولو أن أهل الكتاب؛ يعني: أهل العوام الظاهر وآمنوا بالعلوم الباطنة وأقروا وصدقوا أهلها فيما يخبرون عنها، واتقوا الإنكار والاعتراض والحسد عليهم لكفر عنهم سيئاتهم، وهي الغفلة عنها والجهل بها والإنكار عليها، والحسنات التي تصدر عن الأبرار بالعكوف على الأعمال البدنية دون القلبية ولزوم العلوم الظاهرة بالإعراض عن العلوم الباطنة، فإنها سيئات المقربين { ولأدخلنهم جنت النعيم } [المائدة: 65]؛ أي: لأنزلناهم مع المقربين منازل الأولياء والصديقين ودرجات الشهداء والصالحين { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } [المائدة: 66]، في القرآن المجيد والكتب المنزلة والصحف الأولى؛ يعني: لو علموا بمقتضياتها ولزموا مستحسناتها، وهي تزكية النفس عن خصائصها الذميمة وتحليتها بدوام الذكر ومراقبة السر لحصول الأخلاق الكريمة ومخالفة الهوى وإيثار الآخرة على الأولى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى
قد أفلح من تزكى
[الأعلى: 14] إلى آخر السورة.
{ لأكلوا من فوقهم } [المائدة: 66]؛ يعني: رزقوا من الواردات الروحانية والمشاهدات الربانية { ومن تحت أرجلهم } [المائدة: 66]؛ أي: تسخر النفس بالهمم العلية بأن ينهوها ويجعلوا مرادتها تحت أقدامهم ليصلوا إلى مقامتهم كقوله تعالى:
ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى
[النازعات: 40-41]، { منهم أمة مقتصدة } [المائدة: 66]؛ أي: علماء السوء { وكثير منهم سآء ما يعملون } [المائدة: 66]، فيما يحسدون أهل الحق وينكرون عليهم ويؤذونهم بالكذب والافتراء والتخطية.
المائدة 5:67
ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 67]، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقا بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها.
ثم أكد الأمر بقوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول داعيا إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هاديا إلى صراط مستقيم إلى الله وسراجا منيرا يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم إلى الله تعالى، فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد؛ فلا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:
" يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ".
واعلم أن للحق أيضا مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله تعالى:
الله أعلم
[الأنعام: 124]، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: { والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67]؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } [المائدة: 67]؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته قوما جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبلغوا إليهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم إلى الله تعالى سنة الله
التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23].
ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 68]، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة { لستم على شيء } [المائدة: 68]، من حقيقة الدين بمجرد تعلم العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة الدين { حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم } [المائدة: 68]؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير إليها ظاهريا وباطنها وهذا احتمالا بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوية { وليزيدن كثيرا منهم } [المائدة: 68]؛ يعني: من العلماء التوبة { مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 68]، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية { طغيانا وكفرا } [المائدة: 68]، إنكارا وحسدا { فلا تأس } [المائدة: 68]، يا أهل التحقيق { على القوم الكافرين } [المائدة: 68]، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار الموصل إلى دركات النار.
ثم أخبر عن إيمان أهل الإتقان بقوله تعالى { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } [المائدة: 69]، إشارة أن من ادعى الإيمان وأظهر من الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون { والنصارى من آمن } [المائدة: 69]، من هؤلاء { بالله } [المائدة: 69] بهداية الله ونوره ولا بالتقليد والنفاق بالعادة المعتادة بين قومه وأهل بلده { واليوم الآخر } [المائدة: 69]؛ أي: شاهد بنور الله الذي حقيقة الإيمان يوم الآخرة وحقيقة الجنة والنار كما قال حارثة رضي الله عنه وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعادون { وعمل صالحا فلا خوف عليهم } [المائدة: 69]، فيما لا يكون على شيء فإنهم يقيمون بأنك كنز التوراة والإنجيل والقرآن عملا بالظاهر والباطن { ولا هم يحزنون } [المائدة: 69]، على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات من مخالفات النفس في ترك الدنيا، وقمع الهوى ولا على ما أصابهم من البلاء والمحن والمعيبات والآفات، وهذا حال خواص الأولياء كما قال تعالى:
ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[يونس: 62].
ثم أخبر عن أهل الهوى بقوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } [المائدة: 70]، الإشارة إنا لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ يعني: يوم الميثاق مع ذريات بني آدم؛ إذ أخرجهم من ظهر آدم في التوحيد والمعرفة في غيبة الأجساد، ثم { وأرسلنآ إليهم رسلا } [المائدة: 70]، في حضورهم بالأجساد في عالم الشهادة من الإلهامات الربانية والواردات الروحانية والرسل الحسدانية { كلما جآءهم رسول } [المائدة: 70]، من هؤلاء { بما لا تهوى أنفسهم } [المائدة: 70]؛ أي: على خلاف هوى نفوسهم وكانوا مغلوبي الهوى يحجبهم الهوى عن استماع الحق ورؤية الشواهد ومعرفة الرسل { فريقا كذبوا } [المائدة: 70]، من الإلهامات والواردات { وفريقا يقتلون } [المائدة: 70] من الرسل ظاهرا فعبدوا الهوى، واتخذوا إلههم أهولئهم.
المائدة 5:68
ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 67]، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقا بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها.
ثم أكد الأمر بقوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول داعيا إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هاديا إلى صراط مستقيم إلى الله وسراجا منيرا يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم إلى الله تعالى، فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد؛ فلا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:
" يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ".
واعلم أن للحق أيضا مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله تعالى:
الله أعلم
[الأنعام: 124]، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: { والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67]؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } [المائدة: 67]؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته قوما جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبلغوا إليهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم إلى الله تعالى سنة الله
التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23].
ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 68]، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة { لستم على شيء } [المائدة: 68]، من حقيقة الدين بمجرد تعلم العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة الدين { حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم } [المائدة: 68]؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير إليها ظاهريا وباطنها وهذا احتمالا بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوية { وليزيدن كثيرا منهم } [المائدة: 68]؛ يعني: من العلماء التوبة { مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 68]، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية { طغيانا وكفرا } [المائدة: 68]، إنكارا وحسدا { فلا تأس } [المائدة: 68]، يا أهل التحقيق { على القوم الكافرين } [المائدة: 68]، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار الموصل إلى دركات النار.
ثم أخبر عن إيمان أهل الإتقان بقوله تعالى { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } [المائدة: 69]، إشارة أن من ادعى الإيمان وأظهر من الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون { والنصارى من آمن } [المائدة: 69]، من هؤلاء { بالله } [المائدة: 69] بهداية الله ونوره ولا بالتقليد والنفاق بالعادة المعتادة بين قومه وأهل بلده { واليوم الآخر } [المائدة: 69]؛ أي: شاهد بنور الله الذي حقيقة الإيمان يوم الآخرة وحقيقة الجنة والنار كما قال حارثة رضي الله عنه وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعادون { وعمل صالحا فلا خوف عليهم } [المائدة: 69]، فيما لا يكون على شيء فإنهم يقيمون بأنك كنز التوراة والإنجيل والقرآن عملا بالظاهر والباطن { ولا هم يحزنون } [المائدة: 69]، على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات من مخالفات النفس في ترك الدنيا، وقمع الهوى ولا على ما أصابهم من البلاء والمحن والمعيبات والآفات، وهذا حال خواص الأولياء كما قال تعالى:
ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[يونس: 62].
ثم أخبر عن أهل الهوى بقوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } [المائدة: 70]، الإشارة إنا لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ يعني: يوم الميثاق مع ذريات بني آدم؛ إذ أخرجهم من ظهر آدم في التوحيد والمعرفة في غيبة الأجساد، ثم { وأرسلنآ إليهم رسلا } [المائدة: 70]، في حضورهم بالأجساد في عالم الشهادة من الإلهامات الربانية والواردات الروحانية والرسل الحسدانية { كلما جآءهم رسول } [المائدة: 70]، من هؤلاء { بما لا تهوى أنفسهم } [المائدة: 70]؛ أي: على خلاف هوى نفوسهم وكانوا مغلوبي الهوى يحجبهم الهوى عن استماع الحق ورؤية الشواهد ومعرفة الرسل { فريقا كذبوا } [المائدة: 70]، من الإلهامات والواردات { وفريقا يقتلون } [المائدة: 70] من الرسل ظاهرا فعبدوا الهوى، واتخذوا إلههم أهولئهم.
المائدة 5:69
ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 67]، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقا بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها.
ثم أكد الأمر بقوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول داعيا إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هاديا إلى صراط مستقيم إلى الله وسراجا منيرا يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم إلى الله تعالى، فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد؛ فلا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:
" يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ".
واعلم أن للحق أيضا مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله تعالى:
الله أعلم
[الأنعام: 124]، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: { والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67]؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } [المائدة: 67]؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته قوما جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبلغوا إليهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم إلى الله تعالى سنة الله
التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23].
ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 68]، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة { لستم على شيء } [المائدة: 68]، من حقيقة الدين بمجرد تعلم العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة الدين { حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم } [المائدة: 68]؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير إليها ظاهريا وباطنها وهذا احتمالا بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوية { وليزيدن كثيرا منهم } [المائدة: 68]؛ يعني: من العلماء التوبة { مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 68]، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية { طغيانا وكفرا } [المائدة: 68]، إنكارا وحسدا { فلا تأس } [المائدة: 68]، يا أهل التحقيق { على القوم الكافرين } [المائدة: 68]، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار الموصل إلى دركات النار.
ثم أخبر عن إيمان أهل الإتقان بقوله تعالى { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } [المائدة: 69]، إشارة أن من ادعى الإيمان وأظهر من الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون { والنصارى من آمن } [المائدة: 69]، من هؤلاء { بالله } [المائدة: 69] بهداية الله ونوره ولا بالتقليد والنفاق بالعادة المعتادة بين قومه وأهل بلده { واليوم الآخر } [المائدة: 69]؛ أي: شاهد بنور الله الذي حقيقة الإيمان يوم الآخرة وحقيقة الجنة والنار كما قال حارثة رضي الله عنه وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعادون { وعمل صالحا فلا خوف عليهم } [المائدة: 69]، فيما لا يكون على شيء فإنهم يقيمون بأنك كنز التوراة والإنجيل والقرآن عملا بالظاهر والباطن { ولا هم يحزنون } [المائدة: 69]، على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات من مخالفات النفس في ترك الدنيا، وقمع الهوى ولا على ما أصابهم من البلاء والمحن والمعيبات والآفات، وهذا حال خواص الأولياء كما قال تعالى:
ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[يونس: 62].
ثم أخبر عن أهل الهوى بقوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } [المائدة: 70]، الإشارة إنا لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ يعني: يوم الميثاق مع ذريات بني آدم؛ إذ أخرجهم من ظهر آدم في التوحيد والمعرفة في غيبة الأجساد، ثم { وأرسلنآ إليهم رسلا } [المائدة: 70]، في حضورهم بالأجساد في عالم الشهادة من الإلهامات الربانية والواردات الروحانية والرسل الحسدانية { كلما جآءهم رسول } [المائدة: 70]، من هؤلاء { بما لا تهوى أنفسهم } [المائدة: 70]؛ أي: على خلاف هوى نفوسهم وكانوا مغلوبي الهوى يحجبهم الهوى عن استماع الحق ورؤية الشواهد ومعرفة الرسل { فريقا كذبوا } [المائدة: 70]، من الإلهامات والواردات { وفريقا يقتلون } [المائدة: 70] من الرسل ظاهرا فعبدوا الهوى، واتخذوا إلههم أهولئهم.
المائدة 5:70
ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 67]، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقا بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها.
ثم أكد الأمر بقوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول داعيا إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هاديا إلى صراط مستقيم إلى الله وسراجا منيرا يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم إلى الله تعالى، فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد؛ فلا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:
" يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ".
واعلم أن للحق أيضا مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله تعالى:
الله أعلم
[الأنعام: 124]، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: { والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67]؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } [المائدة: 67]؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته قوما جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبلغوا إليهم ما أنزل إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم إلى الله تعالى سنة الله
التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23].
ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 68]، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة { لستم على شيء } [المائدة: 68]، من حقيقة الدين بمجرد تعلم العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة الدين { حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم } [المائدة: 68]؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير إليها ظاهريا وباطنها وهذا احتمالا بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية باستمداد القوة النبوية { وليزيدن كثيرا منهم } [المائدة: 68]؛ يعني: من العلماء التوبة { مآ أنزل إليك من ربك } [المائدة: 68]، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية { طغيانا وكفرا } [المائدة: 68]، إنكارا وحسدا { فلا تأس } [المائدة: 68]، يا أهل التحقيق { على القوم الكافرين } [المائدة: 68]، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار الموصل إلى دركات النار.
ثم أخبر عن إيمان أهل الإتقان بقوله تعالى { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } [المائدة: 69]، إشارة أن من ادعى الإيمان وأظهر من الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون { والنصارى من آمن } [المائدة: 69]، من هؤلاء { بالله } [المائدة: 69] بهداية الله ونوره ولا بالتقليد والنفاق بالعادة المعتادة بين قومه وأهل بلده { واليوم الآخر } [المائدة: 69]؛ أي: شاهد بنور الله الذي حقيقة الإيمان يوم الآخرة وحقيقة الجنة والنار كما قال حارثة رضي الله عنه وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعادون { وعمل صالحا فلا خوف عليهم } [المائدة: 69]، فيما لا يكون على شيء فإنهم يقيمون بأنك كنز التوراة والإنجيل والقرآن عملا بالظاهر والباطن { ولا هم يحزنون } [المائدة: 69]، على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات من مخالفات النفس في ترك الدنيا، وقمع الهوى ولا على ما أصابهم من البلاء والمحن والمعيبات والآفات، وهذا حال خواص الأولياء كما قال تعالى:
ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
[يونس: 62].
ثم أخبر عن أهل الهوى بقوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } [المائدة: 70]، الإشارة إنا لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ يعني: يوم الميثاق مع ذريات بني آدم؛ إذ أخرجهم من ظهر آدم في التوحيد والمعرفة في غيبة الأجساد، ثم { وأرسلنآ إليهم رسلا } [المائدة: 70]، في حضورهم بالأجساد في عالم الشهادة من الإلهامات الربانية والواردات الروحانية والرسل الحسدانية { كلما جآءهم رسول } [المائدة: 70]، من هؤلاء { بما لا تهوى أنفسهم } [المائدة: 70]؛ أي: على خلاف هوى نفوسهم وكانوا مغلوبي الهوى يحجبهم الهوى عن استماع الحق ورؤية الشواهد ومعرفة الرسل { فريقا كذبوا } [المائدة: 70]، من الإلهامات والواردات { وفريقا يقتلون } [المائدة: 70] من الرسل ظاهرا فعبدوا الهوى، واتخذوا إلههم أهولئهم.
المائدة 5:71
{ وحسبوا ألا تكون } [المائدة: 71]، عبادة الهوى وتكذيب الرسل وقتلهم { فتنة } [المائدة: 71]، عليهم وإن سألوا عقوبتها عاجلا دون أجلا { فعموا } [المائدة: 71]، بعيون القلوب عن شواهد الحق { وصموا } [المائدة: 71]، بآذان القلوب عن استماع الإلهامات وإحساس الواردات عقب غلبة الهوى، وتكذيب الرسل وقتلهم عقوبة لذلك عاجلا { ثم تاب الله عليهم } [المائدة: 71]؛ أي: على بعضهم من قابل التوبة وأهل الرجوع إلى الحق { ثم عموا وصموا } [المائدة: 71]؛ يعني: بعضهم ممن لم يكونوا قابلي التوبة وأهل الرجوع، كما بين وقال: { كثير منهم والله بصير } [المائدة: 71]، في الأزل بتقدير { بما يعملون } [المائدة: 71]، اليوم من الخير والشر، فقدر ما شاء كما شاء لمن شاء، فيجازيهم ما يشاء ومهما يشاء.
ثم أخبر عن بعض ما قدر لمن قدر كيف قدر بقوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 72]، إشارة أن النصارى لما أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بعدم العقل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات؛ فانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن إدراك الأنس هيهات هيهات، وهو حال من يقفوا أثرهم فأطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل في أمره، فوجدوا مولودا من أم بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا أب، فينبغي أن يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر عما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله، ولو لم يكن المسيح ابن الله لما أمكنهم هذا، وإنما أمكنه لأن الولد سر أبيه، وقال بعضهم: إن المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حلت لاهوتية الحق في مكان ناسوتيته؛ فصار هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ثم اعلم أن أمة محمدا صلى الله عليه وسلم لما سلكوا طريق الحق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الحبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال، كما كان حال الشبلي - رحمه الله - حين غسل كتبه بالماء فكان يقول: نعم الدليل أنتم، ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال، فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بأنوار صفات الجمال أن الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر المخلوقات، وهي فيض نور الإلوهية بوساطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال؛ فيتحقق لهم أن عيسى عليه السلام لما صار قابلا بعد التزكية والتخلية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ أعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقين حضرة الألوهية، وهذا كما أن لكرة البلور المخروط استعداد في قبول فيض الشمس إذا كانت في محاذاتها، فتقبل الفيض وتحرق اللوح المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة؛ فصارت الكرة بحسن الاستعداد قابلة للفيض والظهر منها صفات الشمس، وما حلت الشمس في كرة البلور تفهم إن شاء الله وحده.
وكذلك حال الأنبياء في المعجزات وكبار الأولياء في الكرامات والفرق أن الأنبياء مشتغلون بهذا المقام والأولياء متبعون، فالله تعالى كفر الحلولية والأقانيمية وهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية من النصارى، وقال: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 72]؛ أي: ضل به وأثنى على توحيده عليه السلام وإقراره في العبودية { وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 72]، بالخالقية والمالكية؛ يعني: الذي أعبده وأنتم عبيده وهو ربه وربكم بالخالقية { إنه من يشرك بالله } [المائدة: 72]؛ أي: يقول بإلهية أحد غير الله فهذا شرك لا يغفر، ولهذا قال: { فقد حرم الله عليه الجنة } [المائدة: 72]، وأما شرك الرياء فيحمل المغفرة ولا يحرم عليه الجنة بل يحرم عليه القربة، ومن حرم الجنة { ومأواه النار } [المائدة: 72]، فيعذب بنار الفرقة مع الحرقة { وما للظالمين } [المائدة: 72]، الذين وضعوا الإلهية غير موضعها { من أنصار } [المائدة: 72]، يوصلون لهم ما قطعوا على أنفسهم من عقد التوحيد.
المائدة 5:72
{ وحسبوا ألا تكون } [المائدة: 71]، عبادة الهوى وتكذيب الرسل وقتلهم { فتنة } [المائدة: 71]، عليهم وإن سألوا عقوبتها عاجلا دون أجلا { فعموا } [المائدة: 71]، بعيون القلوب عن شواهد الحق { وصموا } [المائدة: 71]، بآذان القلوب عن استماع الإلهامات وإحساس الواردات عقب غلبة الهوى، وتكذيب الرسل وقتلهم عقوبة لذلك عاجلا { ثم تاب الله عليهم } [المائدة: 71]؛ أي: على بعضهم من قابل التوبة وأهل الرجوع إلى الحق { ثم عموا وصموا } [المائدة: 71]؛ يعني: بعضهم ممن لم يكونوا قابلي التوبة وأهل الرجوع، كما بين وقال: { كثير منهم والله بصير } [المائدة: 71]، في الأزل بتقدير { بما يعملون } [المائدة: 71]، اليوم من الخير والشر، فقدر ما شاء كما شاء لمن شاء، فيجازيهم ما يشاء ومهما يشاء.
ثم أخبر عن بعض ما قدر لمن قدر كيف قدر بقوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 72]، إشارة أن النصارى لما أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بعدم العقل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات؛ فانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن إدراك الأنس هيهات هيهات، وهو حال من يقفوا أثرهم فأطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل في أمره، فوجدوا مولودا من أم بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا أب، فينبغي أن يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر عما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله، ولو لم يكن المسيح ابن الله لما أمكنهم هذا، وإنما أمكنه لأن الولد سر أبيه، وقال بعضهم: إن المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حلت لاهوتية الحق في مكان ناسوتيته؛ فصار هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ثم اعلم أن أمة محمدا صلى الله عليه وسلم لما سلكوا طريق الحق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الحبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال، كما كان حال الشبلي - رحمه الله - حين غسل كتبه بالماء فكان يقول: نعم الدليل أنتم، ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال، فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بأنوار صفات الجمال أن الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر المخلوقات، وهي فيض نور الإلوهية بوساطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال؛ فيتحقق لهم أن عيسى عليه السلام لما صار قابلا بعد التزكية والتخلية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ أعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقين حضرة الألوهية، وهذا كما أن لكرة البلور المخروط استعداد في قبول فيض الشمس إذا كانت في محاذاتها، فتقبل الفيض وتحرق اللوح المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة؛ فصارت الكرة بحسن الاستعداد قابلة للفيض والظهر منها صفات الشمس، وما حلت الشمس في كرة البلور تفهم إن شاء الله وحده.
وكذلك حال الأنبياء في المعجزات وكبار الأولياء في الكرامات والفرق أن الأنبياء مشتغلون بهذا المقام والأولياء متبعون، فالله تعالى كفر الحلولية والأقانيمية وهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية من النصارى، وقال: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 72]؛ أي: ضل به وأثنى على توحيده عليه السلام وإقراره في العبودية { وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 72]، بالخالقية والمالكية؛ يعني: الذي أعبده وأنتم عبيده وهو ربه وربكم بالخالقية { إنه من يشرك بالله } [المائدة: 72]؛ أي: يقول بإلهية أحد غير الله فهذا شرك لا يغفر، ولهذا قال: { فقد حرم الله عليه الجنة } [المائدة: 72]، وأما شرك الرياء فيحمل المغفرة ولا يحرم عليه الجنة بل يحرم عليه القربة، ومن حرم الجنة { ومأواه النار } [المائدة: 72]، فيعذب بنار الفرقة مع الحرقة { وما للظالمين } [المائدة: 72]، الذين وضعوا الإلهية غير موضعها { من أنصار } [المائدة: 72]، يوصلون لهم ما قطعوا على أنفسهم من عقد التوحيد.
المائدة 5:73
ثم قال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]؛ يعني: في اللاهوتية كفرهم الله بأنهم أضافوا اللاهوتية إلى ثلاثة وأثبتوا عند ألهه، وهذا من غاية الخذلان، ويحكم العقل عليه بالبطلان أن عيسى ابن مريم عليه السلام كانا محدثين مخلوقين والمحدث المخلوق كيف يكون إلها خالقا قديما، وهذا لا يخفى على المجانين فكيف على العقلاء، فقال تعالى: { وما من إله إلا إله واحد } [المائدة: 73]، الذي هو صانع كل شيء وخالقه { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا } [المائدة: 73]، بما قالوا وبكفرهم { منهم } [المائدة: 73]؛ أي: من الذين لم ينتهوا عن هذا القول؛ لأن الله قدر لهم الكفر بين تقي من تقي في بطن أمه { عذاب أليم } [المائدة: 73]، لا يفارقهم أبدا ألمه.
ثم أخبر أن باب التوبة عليهم مفتوح، وأن الغفران ممنوح بقوله تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } [المائدة: 74]، إشارة أن الله تعالى نفى الألوهية عن عيسى عليه السلام وأثبت له بنوته من مريم، وأنه اشتملت عليه الأرحام وتناوبته الأيام، وأثبت له الرسالة وأثبت الرسل قبله، وإنهم قد خلوا، وإن ما يظهر منه من المعجزات فهو مثل ما كان يظهر من الرسل، وأثبت أنها مريم أم عيسى، وإن لها مقام الصديقية التي هي تتلو النبوة ونفى الإلهية عنها، وأثبت الحاجة الماسة إلى الطعام لها وإصابة الضرورة إلى أن يتخلصا من قضايا الطعام، احتج بهذه الضرورات البشرية عدم استحقاق الربوبية لهما ونفي الإلهية عنهما وغير ذلك من الأسرار والحقائق في ضمن هذه الكمالات البليغة الفصيحة المعدودة، وهي قوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } [المائدة: 75]، إلى قوله: { كانا يأكلان الطعام } [المائدة: 75]، ثم قال تعالى إظهارا لما بين الآيات إلى { انظر كيف نبين لهم الآيات } [المائدة: 75]، وهي تضمين المعاني والحقائق الكثيرة في هذه الألفاظ اليسيرة، والآية الأخرى هي نفس عيسى ومريم، كقوله تعالى
وجعلنا ابن مريم وأمه آية
[المؤمنون: 50]، وذلك أن آية الأنبياء فيما غير أنفسهم إعجاز الخلق، وكان آية عيسى وأمه في نفسهما بأن مريم ولدت مولودا من غير زوج، وأن عيسى ولد من غير أب إظهارا للقدرة { ثم انظر } [المائدة: 75]؛ أي: من جعلهم الله بالخذلان
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171]، { أنى يؤفكون } [المائدة: 75]؛ أي: يصرفون عن وجه الحق مع ظهور الآيات الدالة عن الحق.
المائدة 5:74
ثم قال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]؛ يعني: في اللاهوتية كفرهم الله بأنهم أضافوا اللاهوتية إلى ثلاثة وأثبتوا عند ألهه، وهذا من غاية الخذلان، ويحكم العقل عليه بالبطلان أن عيسى ابن مريم عليه السلام كانا محدثين مخلوقين والمحدث المخلوق كيف يكون إلها خالقا قديما، وهذا لا يخفى على المجانين فكيف على العقلاء، فقال تعالى: { وما من إله إلا إله واحد } [المائدة: 73]، الذي هو صانع كل شيء وخالقه { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا } [المائدة: 73]، بما قالوا وبكفرهم { منهم } [المائدة: 73]؛ أي: من الذين لم ينتهوا عن هذا القول؛ لأن الله قدر لهم الكفر بين تقي من تقي في بطن أمه { عذاب أليم } [المائدة: 73]، لا يفارقهم أبدا ألمه.
ثم أخبر أن باب التوبة عليهم مفتوح، وأن الغفران ممنوح بقوله تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } [المائدة: 74]، إشارة أن الله تعالى نفى الألوهية عن عيسى عليه السلام وأثبت له بنوته من مريم، وأنه اشتملت عليه الأرحام وتناوبته الأيام، وأثبت له الرسالة وأثبت الرسل قبله، وإنهم قد خلوا، وإن ما يظهر منه من المعجزات فهو مثل ما كان يظهر من الرسل، وأثبت أنها مريم أم عيسى، وإن لها مقام الصديقية التي هي تتلو النبوة ونفى الإلهية عنها، وأثبت الحاجة الماسة إلى الطعام لها وإصابة الضرورة إلى أن يتخلصا من قضايا الطعام، احتج بهذه الضرورات البشرية عدم استحقاق الربوبية لهما ونفي الإلهية عنهما وغير ذلك من الأسرار والحقائق في ضمن هذه الكمالات البليغة الفصيحة المعدودة، وهي قوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } [المائدة: 75]، إلى قوله: { كانا يأكلان الطعام } [المائدة: 75]، ثم قال تعالى إظهارا لما بين الآيات إلى { انظر كيف نبين لهم الآيات } [المائدة: 75]، وهي تضمين المعاني والحقائق الكثيرة في هذه الألفاظ اليسيرة، والآية الأخرى هي نفس عيسى ومريم، كقوله تعالى
وجعلنا ابن مريم وأمه آية
[المؤمنون: 50]، وذلك أن آية الأنبياء فيما غير أنفسهم إعجاز الخلق، وكان آية عيسى وأمه في نفسهما بأن مريم ولدت مولودا من غير زوج، وأن عيسى ولد من غير أب إظهارا للقدرة { ثم انظر } [المائدة: 75]؛ أي: من جعلهم الله بالخذلان
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171]، { أنى يؤفكون } [المائدة: 75]؛ أي: يصرفون عن وجه الحق مع ظهور الآيات الدالة عن الحق.
المائدة 5:75
ثم قال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]؛ يعني: في اللاهوتية كفرهم الله بأنهم أضافوا اللاهوتية إلى ثلاثة وأثبتوا عند ألهه، وهذا من غاية الخذلان، ويحكم العقل عليه بالبطلان أن عيسى ابن مريم عليه السلام كانا محدثين مخلوقين والمحدث المخلوق كيف يكون إلها خالقا قديما، وهذا لا يخفى على المجانين فكيف على العقلاء، فقال تعالى: { وما من إله إلا إله واحد } [المائدة: 73]، الذي هو صانع كل شيء وخالقه { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا } [المائدة: 73]، بما قالوا وبكفرهم { منهم } [المائدة: 73]؛ أي: من الذين لم ينتهوا عن هذا القول؛ لأن الله قدر لهم الكفر بين تقي من تقي في بطن أمه { عذاب أليم } [المائدة: 73]، لا يفارقهم أبدا ألمه.
ثم أخبر أن باب التوبة عليهم مفتوح، وأن الغفران ممنوح بقوله تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } [المائدة: 74]، إشارة أن الله تعالى نفى الألوهية عن عيسى عليه السلام وأثبت له بنوته من مريم، وأنه اشتملت عليه الأرحام وتناوبته الأيام، وأثبت له الرسالة وأثبت الرسل قبله، وإنهم قد خلوا، وإن ما يظهر منه من المعجزات فهو مثل ما كان يظهر من الرسل، وأثبت أنها مريم أم عيسى، وإن لها مقام الصديقية التي هي تتلو النبوة ونفى الإلهية عنها، وأثبت الحاجة الماسة إلى الطعام لها وإصابة الضرورة إلى أن يتخلصا من قضايا الطعام، احتج بهذه الضرورات البشرية عدم استحقاق الربوبية لهما ونفي الإلهية عنهما وغير ذلك من الأسرار والحقائق في ضمن هذه الكمالات البليغة الفصيحة المعدودة، وهي قوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } [المائدة: 75]، إلى قوله: { كانا يأكلان الطعام } [المائدة: 75]، ثم قال تعالى إظهارا لما بين الآيات إلى { انظر كيف نبين لهم الآيات } [المائدة: 75]، وهي تضمين المعاني والحقائق الكثيرة في هذه الألفاظ اليسيرة، والآية الأخرى هي نفس عيسى ومريم، كقوله تعالى
وجعلنا ابن مريم وأمه آية
[المؤمنون: 50]، وذلك أن آية الأنبياء فيما غير أنفسهم إعجاز الخلق، وكان آية عيسى وأمه في نفسهما بأن مريم ولدت مولودا من غير زوج، وأن عيسى ولد من غير أب إظهارا للقدرة { ثم انظر } [المائدة: 75]؛ أي: من جعلهم الله بالخذلان
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171]، { أنى يؤفكون } [المائدة: 75]؛ أي: يصرفون عن وجه الحق مع ظهور الآيات الدالة عن الحق.
المائدة 5:76
ثم نفى إيصال النفع والضر عن قدرة عيسى عليه السلام مع تمكينه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقال تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } [المائدة: 76]؛ لكي تهتدوا إلى التوحيد، ولتعلموا أن ما ظهر عن عيسى عليه السلام من الإبراء والإحياء كان بإذن الله وقدرته { والله هو السميع } [المائدة: 76]، بما تحدث به أنفسهم عند تعليق القلوب بدون الرب في استدفاع الشر واستجلاب الخير { العليم } [المائدة: 76]، بمن يدفع عنهم الشر ويصيبهم الخير، فإذا الضار والنافع وهو الذي يخاف ويرجى في الضراء والسراء لا غير.
ثم أخبر عن الغلو من السلو بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 77]، إشارة أن الخطاب في قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } [المائدة: 77]، مع المقلدين من أهل الكتاب؛ لأنه قال { في دينكم } [المائدة: 77] أي: في مذهبكم الذي اتخذتم بالتقليد من أهل الأهواء والبدع، ما قال في الدين مطلقا؛ لأن الغلو في دين الحق حق، ولهذا قال تعالى: { غير الحق } [المائدة: 77]؛ أي: فيما غير الحق من دينكم؛ يعني: الغلو بما هو الحق من دينكم حق، ثم أكد ما بقوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } [المائدة: 77]؛ إذ غلب عليهم الهوى فاتخذوه إلها يعبدونه على اتباعه، وزين الشيطان في أعينهم الشبه المعقولة والمشوبة بالهوى فضلوا بها من قبل { وأضلوا كثيرا وضلوا } [المائدة: 77]، من جهال المبتدعة ومقلديهم في اتباع أهوائهم وشبههم، وضلوا يعني: كلا الفريقين التابع والمتبوع { عن سوآء السبيل } [المائدة: 77]؛ يعني: استقامة طريق الوصول إلى الحق، فإن الهداية الحقيقية هي الانقطاع عن الخلق والتولي عن طريقه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم } [المائدة: 78]، فيه إشارة إلى سر الخلافة، وهو أن الإنسان الكامل الذي يصلح للخلافة الحق هو مظهر صفات لطفه للحق وقهره، فقبولهم قبول الحق، وردهم رد الحق، ولعنهم لعن الحق، وصلاتهم صلاة الحق، فمن لعنوه فقد لعنه الحق، ومن صلوا عليه فقد صلى عليه الحق، لقوله تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم:
إن صلوتك سكن لهم
[التوبة: 103]، ثم قال تعالى:
هو الذي يصلي عليكم
[الأحزاب: 43]، فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى، وكانت اللعنة من الله حقيقة، كقوله:
لعنآ أصحب السبت
[النساء: 47]، وهم الذين لعنهم داود عليه السلام صرح هاهنا أن اللعن كان منه تعالى: وإن كان لسان داود { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } [المائدة: 78]؛ أي: موجب اللعن كان مخالفة أمر الحق والاعتداء وهو الإصرار على العصيان وترك التوبة يدل عليه بالعدة { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [المائدة: 79]؛ يعني: كانوا يصرون على فعل المنكر، وإنما سمي العصيان منكرا؛ لأنه يوجب المنكرة كما سمي الطاعة معروفا؛ لأنها توجب المعرفة { لبئس ما كانوا يفعلون } [المائدة: 79]، الإصرار على الفعل المنكر لأن الإقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كفر.
المائدة 5:77
ثم نفى إيصال النفع والضر عن قدرة عيسى عليه السلام مع تمكينه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقال تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } [المائدة: 76]؛ لكي تهتدوا إلى التوحيد، ولتعلموا أن ما ظهر عن عيسى عليه السلام من الإبراء والإحياء كان بإذن الله وقدرته { والله هو السميع } [المائدة: 76]، بما تحدث به أنفسهم عند تعليق القلوب بدون الرب في استدفاع الشر واستجلاب الخير { العليم } [المائدة: 76]، بمن يدفع عنهم الشر ويصيبهم الخير، فإذا الضار والنافع وهو الذي يخاف ويرجى في الضراء والسراء لا غير.
ثم أخبر عن الغلو من السلو بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 77]، إشارة أن الخطاب في قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } [المائدة: 77]، مع المقلدين من أهل الكتاب؛ لأنه قال { في دينكم } [المائدة: 77] أي: في مذهبكم الذي اتخذتم بالتقليد من أهل الأهواء والبدع، ما قال في الدين مطلقا؛ لأن الغلو في دين الحق حق، ولهذا قال تعالى: { غير الحق } [المائدة: 77]؛ أي: فيما غير الحق من دينكم؛ يعني: الغلو بما هو الحق من دينكم حق، ثم أكد ما بقوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } [المائدة: 77]؛ إذ غلب عليهم الهوى فاتخذوه إلها يعبدونه على اتباعه، وزين الشيطان في أعينهم الشبه المعقولة والمشوبة بالهوى فضلوا بها من قبل { وأضلوا كثيرا وضلوا } [المائدة: 77]، من جهال المبتدعة ومقلديهم في اتباع أهوائهم وشبههم، وضلوا يعني: كلا الفريقين التابع والمتبوع { عن سوآء السبيل } [المائدة: 77]؛ يعني: استقامة طريق الوصول إلى الحق، فإن الهداية الحقيقية هي الانقطاع عن الخلق والتولي عن طريقه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم } [المائدة: 78]، فيه إشارة إلى سر الخلافة، وهو أن الإنسان الكامل الذي يصلح للخلافة الحق هو مظهر صفات لطفه للحق وقهره، فقبولهم قبول الحق، وردهم رد الحق، ولعنهم لعن الحق، وصلاتهم صلاة الحق، فمن لعنوه فقد لعنه الحق، ومن صلوا عليه فقد صلى عليه الحق، لقوله تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم:
إن صلوتك سكن لهم
[التوبة: 103]، ثم قال تعالى:
هو الذي يصلي عليكم
[الأحزاب: 43]، فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى، وكانت اللعنة من الله حقيقة، كقوله:
لعنآ أصحب السبت
[النساء: 47]، وهم الذين لعنهم داود عليه السلام صرح هاهنا أن اللعن كان منه تعالى: وإن كان لسان داود { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } [المائدة: 78]؛ أي: موجب اللعن كان مخالفة أمر الحق والاعتداء وهو الإصرار على العصيان وترك التوبة يدل عليه بالعدة { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [المائدة: 79]؛ يعني: كانوا يصرون على فعل المنكر، وإنما سمي العصيان منكرا؛ لأنه يوجب المنكرة كما سمي الطاعة معروفا؛ لأنها توجب المعرفة { لبئس ما كانوا يفعلون } [المائدة: 79]، الإصرار على الفعل المنكر لأن الإقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كفر.
المائدة 5:78
ثم نفى إيصال النفع والضر عن قدرة عيسى عليه السلام مع تمكينه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقال تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } [المائدة: 76]؛ لكي تهتدوا إلى التوحيد، ولتعلموا أن ما ظهر عن عيسى عليه السلام من الإبراء والإحياء كان بإذن الله وقدرته { والله هو السميع } [المائدة: 76]، بما تحدث به أنفسهم عند تعليق القلوب بدون الرب في استدفاع الشر واستجلاب الخير { العليم } [المائدة: 76]، بمن يدفع عنهم الشر ويصيبهم الخير، فإذا الضار والنافع وهو الذي يخاف ويرجى في الضراء والسراء لا غير.
ثم أخبر عن الغلو من السلو بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 77]، إشارة أن الخطاب في قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } [المائدة: 77]، مع المقلدين من أهل الكتاب؛ لأنه قال { في دينكم } [المائدة: 77] أي: في مذهبكم الذي اتخذتم بالتقليد من أهل الأهواء والبدع، ما قال في الدين مطلقا؛ لأن الغلو في دين الحق حق، ولهذا قال تعالى: { غير الحق } [المائدة: 77]؛ أي: فيما غير الحق من دينكم؛ يعني: الغلو بما هو الحق من دينكم حق، ثم أكد ما بقوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } [المائدة: 77]؛ إذ غلب عليهم الهوى فاتخذوه إلها يعبدونه على اتباعه، وزين الشيطان في أعينهم الشبه المعقولة والمشوبة بالهوى فضلوا بها من قبل { وأضلوا كثيرا وضلوا } [المائدة: 77]، من جهال المبتدعة ومقلديهم في اتباع أهوائهم وشبههم، وضلوا يعني: كلا الفريقين التابع والمتبوع { عن سوآء السبيل } [المائدة: 77]؛ يعني: استقامة طريق الوصول إلى الحق، فإن الهداية الحقيقية هي الانقطاع عن الخلق والتولي عن طريقه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم } [المائدة: 78]، فيه إشارة إلى سر الخلافة، وهو أن الإنسان الكامل الذي يصلح للخلافة الحق هو مظهر صفات لطفه للحق وقهره، فقبولهم قبول الحق، وردهم رد الحق، ولعنهم لعن الحق، وصلاتهم صلاة الحق، فمن لعنوه فقد لعنه الحق، ومن صلوا عليه فقد صلى عليه الحق، لقوله تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم:
إن صلوتك سكن لهم
[التوبة: 103]، ثم قال تعالى:
هو الذي يصلي عليكم
[الأحزاب: 43]، فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى، وكانت اللعنة من الله حقيقة، كقوله:
لعنآ أصحب السبت
[النساء: 47]، وهم الذين لعنهم داود عليه السلام صرح هاهنا أن اللعن كان منه تعالى: وإن كان لسان داود { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } [المائدة: 78]؛ أي: موجب اللعن كان مخالفة أمر الحق والاعتداء وهو الإصرار على العصيان وترك التوبة يدل عليه بالعدة { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [المائدة: 79]؛ يعني: كانوا يصرون على فعل المنكر، وإنما سمي العصيان منكرا؛ لأنه يوجب المنكرة كما سمي الطاعة معروفا؛ لأنها توجب المعرفة { لبئس ما كانوا يفعلون } [المائدة: 79]، الإصرار على الفعل المنكر لأن الإقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كفر.
المائدة 5:79
ثم نفى إيصال النفع والضر عن قدرة عيسى عليه السلام مع تمكينه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقال تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } [المائدة: 76]؛ لكي تهتدوا إلى التوحيد، ولتعلموا أن ما ظهر عن عيسى عليه السلام من الإبراء والإحياء كان بإذن الله وقدرته { والله هو السميع } [المائدة: 76]، بما تحدث به أنفسهم عند تعليق القلوب بدون الرب في استدفاع الشر واستجلاب الخير { العليم } [المائدة: 76]، بمن يدفع عنهم الشر ويصيبهم الخير، فإذا الضار والنافع وهو الذي يخاف ويرجى في الضراء والسراء لا غير.
ثم أخبر عن الغلو من السلو بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [المائدة: 77]، إشارة أن الخطاب في قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } [المائدة: 77]، مع المقلدين من أهل الكتاب؛ لأنه قال { في دينكم } [المائدة: 77] أي: في مذهبكم الذي اتخذتم بالتقليد من أهل الأهواء والبدع، ما قال في الدين مطلقا؛ لأن الغلو في دين الحق حق، ولهذا قال تعالى: { غير الحق } [المائدة: 77]؛ أي: فيما غير الحق من دينكم؛ يعني: الغلو بما هو الحق من دينكم حق، ثم أكد ما بقوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } [المائدة: 77]؛ إذ غلب عليهم الهوى فاتخذوه إلها يعبدونه على اتباعه، وزين الشيطان في أعينهم الشبه المعقولة والمشوبة بالهوى فضلوا بها من قبل { وأضلوا كثيرا وضلوا } [المائدة: 77]، من جهال المبتدعة ومقلديهم في اتباع أهوائهم وشبههم، وضلوا يعني: كلا الفريقين التابع والمتبوع { عن سوآء السبيل } [المائدة: 77]؛ يعني: استقامة طريق الوصول إلى الحق، فإن الهداية الحقيقية هي الانقطاع عن الخلق والتولي عن طريقه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم } [المائدة: 78]، فيه إشارة إلى سر الخلافة، وهو أن الإنسان الكامل الذي يصلح للخلافة الحق هو مظهر صفات لطفه للحق وقهره، فقبولهم قبول الحق، وردهم رد الحق، ولعنهم لعن الحق، وصلاتهم صلاة الحق، فمن لعنوه فقد لعنه الحق، ومن صلوا عليه فقد صلى عليه الحق، لقوله تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم:
إن صلوتك سكن لهم
[التوبة: 103]، ثم قال تعالى:
هو الذي يصلي عليكم
[الأحزاب: 43]، فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى، وكانت اللعنة من الله حقيقة، كقوله:
لعنآ أصحب السبت
[النساء: 47]، وهم الذين لعنهم داود عليه السلام صرح هاهنا أن اللعن كان منه تعالى: وإن كان لسان داود { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } [المائدة: 78]؛ أي: موجب اللعن كان مخالفة أمر الحق والاعتداء وهو الإصرار على العصيان وترك التوبة يدل عليه بالعدة { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [المائدة: 79]؛ يعني: كانوا يصرون على فعل المنكر، وإنما سمي العصيان منكرا؛ لأنه يوجب المنكرة كما سمي الطاعة معروفا؛ لأنها توجب المعرفة { لبئس ما كانوا يفعلون } [المائدة: 79]، الإصرار على الفعل المنكر لأن الإقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كفر.
المائدة 5:80
ثم أخبر عن نتائج إصرارهم بقوله تعالى: { ترى كثيرا منهم } [المائدة: 80]؛ يعني: من المصرين { يتولون الذين كفروا } [المائدة: 80]، وتوليه الكافر في كفره، كقوله ومن يتلوهم منكر، فإنه منهم { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } [المائدة: 80]؛ يعني: ما يقولون الكفار { أن سخط الله عليهم } [المائدة: 80]؛ لأن ذلك التولية موجبة لسخط الله عليهم فإن موالاة الأعداء توجب معادات الأولياء { وفي العذاب هم خالدون } [المائدة: 80]؛ يعني: عذاب معادات الحق لا ينقطع أبدا.
ثم استدل على كفر من يتولى الكافر وهو يزعم أنه مؤمن بقوله تعالى: { ولو كانوا يؤمنون بالله } [المائدة: 81]، إيمانا حقيقيا { والنبي } [المائدة: 81]، ويؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على التحقيق لا على التقليد { وما أنزل إليه } [المائدة: 81]، من القرآن والحكمة والحقائق { ما اتخذوهم أوليآء } [المائدة: 81]؛ لأنهم أعداء الله والمؤمنين من كان الله وليه والرسول والمؤمنون، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، { ولكن كثيرا منهم } [المائدة: 81]؛ يعني: من الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله والنبي { فاسقون } [المائدة: 81]، خارجون عن وصف الإيمان وحقيقته، وهم يظنون أنهم يؤمنون وهم أهل الأهواء والبدع، ومفهوم الخطاب أن أيضا كثيرا منهم مؤمنون على الحقيقة.
المائدة 5:81
ثم أخبر عن نتائج إصرارهم بقوله تعالى: { ترى كثيرا منهم } [المائدة: 80]؛ يعني: من المصرين { يتولون الذين كفروا } [المائدة: 80]، وتوليه الكافر في كفره، كقوله ومن يتلوهم منكر، فإنه منهم { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } [المائدة: 80]؛ يعني: ما يقولون الكفار { أن سخط الله عليهم } [المائدة: 80]؛ لأن ذلك التولية موجبة لسخط الله عليهم فإن موالاة الأعداء توجب معادات الأولياء { وفي العذاب هم خالدون } [المائدة: 80]؛ يعني: عذاب معادات الحق لا ينقطع أبدا.
ثم استدل على كفر من يتولى الكافر وهو يزعم أنه مؤمن بقوله تعالى: { ولو كانوا يؤمنون بالله } [المائدة: 81]، إيمانا حقيقيا { والنبي } [المائدة: 81]، ويؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على التحقيق لا على التقليد { وما أنزل إليه } [المائدة: 81]، من القرآن والحكمة والحقائق { ما اتخذوهم أوليآء } [المائدة: 81]؛ لأنهم أعداء الله والمؤمنين من كان الله وليه والرسول والمؤمنون، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، { ولكن كثيرا منهم } [المائدة: 81]؛ يعني: من الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله والنبي { فاسقون } [المائدة: 81]، خارجون عن وصف الإيمان وحقيقته، وهم يظنون أنهم يؤمنون وهم أهل الأهواء والبدع، ومفهوم الخطاب أن أيضا كثيرا منهم مؤمنون على الحقيقة.
المائدة 5:82
ثم أخبر عن اليهود وشدة عداوتهم والنصارى وقرب مودتهم بقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } [المائدة: 82]، إشارة أن اليهود لما انحرفوا عن الصراط المستقيم وانصرفوا عن الدين القويم شاركوا المشركين في إبطال الاستعداد الروحاني لقبول الإسلام الفطري؛ فصاروا أضدادا وأعداءا لأهل الإيمان أشد عداوة لهم من جميع الناس؛ لقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } [المائدة: 82]، وذلك لأنهم بدلوا دين موسى عليه السلام بما اقتضت آراءهم واتبعوها وأشهدت أهواءهم وفازوا بالطبيعة على الشريعة، وتساووا مع المشركين في الكفر بالحقيقة، ثم بين الله تعالى أن النصارى الذين يبدلون دين عيسى عليه السلام لما أخذوا بوصية عيسى عليه السلام واتبعوا العلم والعبادة والرتب، ولم يبطلوا استعدادهم الروحاني القابل للإسلام الفطري ثبت لهم، والمودة لأهل الإيمان لمناسبة أرواحهم فإن تعارف الأرواح يوجب الائتلاف بين الأشباح فقال تعالى: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82]؛ يعني: مقاربة النصارى إلى أهل الإيمان ومودتهم إياهم ببركة علمائهم تحققوا بعلمهم ورهبهم وصفاء قلوبهم وصدق طويتهم أن دين الإسلام حق، وعرفوا أمارات وعلامات وجدوها في الإنجيل في وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحقيقة دينه كما أخبر الله تعالى عن حالهم بقوله تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } [المائدة: 83]، فكانوا يخبرون النصارى ما وجدوه في الإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فالمستعدون منهم للإيمان يؤمنون به ويصدقونه، فإذا بلغ إليهم الدعوى يتفادون ولا يستكبرون، كقوله تعالى: { وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82]، حين دعوا إلى التوحيد بخلاف المشركين، كما قال تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } [المائدة: 83]، إشارة أنهم سمعوا إذا سمعهم الله لما علم فيهم خيرا من أحسن الاستعداد الفطري في إنزال إلى الرسول من كلامه القديم كما أنزل إلى الذرات التي أخرجهما من ظهر آدم إذ قال لهم:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، فأسمعهم كلامه ووفقهم للجواب الصواب حتى شهدوا بربوبيته وقالوا:
بلى شهدنآ
[الأعراف: 172] فكذلك أسمعهم هاهنا كلامه وعرفهم حقيقة كلامه؛ فاشتاقوا إليه وتذكرت قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة؛ فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة كما أخبر عنهم، وقال تعالى: { ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } [المائدة: 83]، في الحق على أرواحهم؛ فكوشفت في الغيب بشواهد الحق فعرفوه وأمنوا به قالوا: { يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } [المائدة: 83]، الذين شهدوا يوم الميثاق بالربوبية طوعا ورغبة، فإن بعض الأرواح شهدوا كرها ورهبة.
المائدة 5:83
ثم أخبر عن اليهود وشدة عداوتهم والنصارى وقرب مودتهم بقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } [المائدة: 82]، إشارة أن اليهود لما انحرفوا عن الصراط المستقيم وانصرفوا عن الدين القويم شاركوا المشركين في إبطال الاستعداد الروحاني لقبول الإسلام الفطري؛ فصاروا أضدادا وأعداءا لأهل الإيمان أشد عداوة لهم من جميع الناس؛ لقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } [المائدة: 82]، وذلك لأنهم بدلوا دين موسى عليه السلام بما اقتضت آراءهم واتبعوها وأشهدت أهواءهم وفازوا بالطبيعة على الشريعة، وتساووا مع المشركين في الكفر بالحقيقة، ثم بين الله تعالى أن النصارى الذين يبدلون دين عيسى عليه السلام لما أخذوا بوصية عيسى عليه السلام واتبعوا العلم والعبادة والرتب، ولم يبطلوا استعدادهم الروحاني القابل للإسلام الفطري ثبت لهم، والمودة لأهل الإيمان لمناسبة أرواحهم فإن تعارف الأرواح يوجب الائتلاف بين الأشباح فقال تعالى: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82]؛ يعني: مقاربة النصارى إلى أهل الإيمان ومودتهم إياهم ببركة علمائهم تحققوا بعلمهم ورهبهم وصفاء قلوبهم وصدق طويتهم أن دين الإسلام حق، وعرفوا أمارات وعلامات وجدوها في الإنجيل في وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحقيقة دينه كما أخبر الله تعالى عن حالهم بقوله تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } [المائدة: 83]، فكانوا يخبرون النصارى ما وجدوه في الإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فالمستعدون منهم للإيمان يؤمنون به ويصدقونه، فإذا بلغ إليهم الدعوى يتفادون ولا يستكبرون، كقوله تعالى: { وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82]، حين دعوا إلى التوحيد بخلاف المشركين، كما قال تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } [المائدة: 83]، إشارة أنهم سمعوا إذا سمعهم الله لما علم فيهم خيرا من أحسن الاستعداد الفطري في إنزال إلى الرسول من كلامه القديم كما أنزل إلى الذرات التي أخرجهما من ظهر آدم إذ قال لهم:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، فأسمعهم كلامه ووفقهم للجواب الصواب حتى شهدوا بربوبيته وقالوا:
بلى شهدنآ
[الأعراف: 172] فكذلك أسمعهم هاهنا كلامه وعرفهم حقيقة كلامه؛ فاشتاقوا إليه وتذكرت قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة؛ فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة كما أخبر عنهم، وقال تعالى: { ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } [المائدة: 83]، في الحق على أرواحهم؛ فكوشفت في الغيب بشواهد الحق فعرفوه وأمنوا به قالوا: { يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } [المائدة: 83]، الذين شهدوا يوم الميثاق بالربوبية طوعا ورغبة، فإن بعض الأرواح شهدوا كرها ورهبة.
المائدة 5:84
ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا { وما لنا لا نؤمن بالله } [المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد { وما جآءنا من الحق } [المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } [المائدة: 84]؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } [المائدة: 85]، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: { وذلك جزآء المحسنين } [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
{ والذين كفروا } [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا { وكذبوا بآيتنآ } [المائدة: 86]؛ إذ لم يبصروا { أولئك أصحب الجحيم } [المائدة: 86]؛ أي: هم الذين خلقوا للنار، كما قال تعالى:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
[الأعراف: 179].
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
المائدة 5:85
ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا { وما لنا لا نؤمن بالله } [المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد { وما جآءنا من الحق } [المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } [المائدة: 84]؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } [المائدة: 85]، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: { وذلك جزآء المحسنين } [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
{ والذين كفروا } [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا { وكذبوا بآيتنآ } [المائدة: 86]؛ إذ لم يبصروا { أولئك أصحب الجحيم } [المائدة: 86]؛ أي: هم الذين خلقوا للنار، كما قال تعالى:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
[الأعراف: 179].
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
المائدة 5:86
ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا { وما لنا لا نؤمن بالله } [المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد { وما جآءنا من الحق } [المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } [المائدة: 84]؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } [المائدة: 85]، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: { وذلك جزآء المحسنين } [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
{ والذين كفروا } [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا { وكذبوا بآيتنآ } [المائدة: 86]؛ إذ لم يبصروا { أولئك أصحب الجحيم } [المائدة: 86]؛ أي: هم الذين خلقوا للنار، كما قال تعالى:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
[الأعراف: 179].
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
المائدة 5:87
ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا { وما لنا لا نؤمن بالله } [المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد { وما جآءنا من الحق } [المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } [المائدة: 84]؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } [المائدة: 85]، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: { وذلك جزآء المحسنين } [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
{ والذين كفروا } [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا { وكذبوا بآيتنآ } [المائدة: 86]؛ إذ لم يبصروا { أولئك أصحب الجحيم } [المائدة: 86]؛ أي: هم الذين خلقوا للنار، كما قال تعالى:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
[الأعراف: 179].
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
المائدة 5:88
ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا { وما لنا لا نؤمن بالله } [المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد { وما جآءنا من الحق } [المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } [المائدة: 84]؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } [المائدة: 85]، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: { وذلك جزآء المحسنين } [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن
" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
{ والذين كفروا } [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا { وكذبوا بآيتنآ } [المائدة: 86]؛ إذ لم يبصروا { أولئك أصحب الجحيم } [المائدة: 86]؛ أي: هم الذين خلقوا للنار، كما قال تعالى:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
[الأعراف: 179].
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
المائدة 5:89
ثم أخبر عن لغو أيمان أهل الأيمان بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [المائدة: 89]، إشارة أن لا يؤاخذكم أهل الفقه باللغو في أيمانكم عند استيلاء النفس وغلبات صفاتها وسلطان الهوى في أثناء المجاهدة وشدة المكابدة وإعواز المشاهدة أن تخلقوا بالآيات على التبرم من ولاية ملامة النفس وكلالة التقوى، ثم إذا كشطت عن سماوات قلوبكم غمام القبض تعدون الولاء عين الفرض { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } [المائدة: 89]، على الهجران وقصدتم الصدود بالخذلان فأبديتم الشاقة وأخفيتم الكرامة وتعرضتم للملامة { فكفارته } [المائدة: 89]؛ أي: فكفارة ما عقدتم وقصدتم إليه { إطعام عشرة مساكين } [المائدة: 89]، وهم الخواص الخمس الظاهرة والباطنة فإنها مدخل الآفات وموئل الفترات { من أوسط ما تطعمون أهليكم } [المائدة: 89]، وهم القلب والسير والروح والغنى، وطعامهم الشوق والصدق والإخلاص والتفويض، وعلمهم الرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف بواسطة الذكر والتذكير، وتفكروا والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء، فإطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الأطعمة باستعمالها في التعبد بها والتحفظ عما ينافيها { أو كسوتهم } [المائدة: 89]، وهو ألباس الحواس والقوى بلباس التقوى { أو تحرير رقبة } [المائدة: 89]، النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا: { فمن لم يجد } [المائدة: 89]، السبيل إلى هذه الأشياء { فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم } [المائدة: 89]، وذلك لأن الأيام لا تخلو عن ثلاث إما يوم قد مضى، أو يوم قد حضر، أو يوم قد بقي، فصيام اليوم الذي قد مضى بالإمساك عما عقد عليه أو قصد إليه أو بالصبر على التوبة عنه، وصيام الذي قد حضر بالإمساك عن التغافل عن الأهم وبالصبر عن الجد والاجتهاد، وبذل الجهد في طلب المراد وصيام اليوم الذي قد بقي بالإمساك عن فسخ العزيمة في ترك الجريمة، وفسخ الإخلاص في طلب الخلاص وبالصبر على قدم الثبات في تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه إلى حضرة الربوبية بمساعي العبودية من لغو اليمين عند أرباب اليقين أعلم أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الأرق يقسم عليه بكماله وجلاله أن يرزقه شظية من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو فيعفو عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله، وإن الأولى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت جريان أحكام المولى في القبول والرد والإقبال والصد وإيثار الاستعانة في أداء حقوقه على الكرامة، وعلى لذة تقريبه وإقباله وشهوة وصوله ووصاله، كما قال قائلهم:
أريد وصاله ويريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
وحقك ما نظرت إلى سواك
بعين مودة حتى أراك
وهذا حكم التوحيد لغو وعن شهود الأحدية سهو وأين في الدار ديار، ومن أنت في الرفعة حتى يتحقق لك وصله أو بحره بل هو الله الواحد القهار { كذلك يبين الله لكم آياته } [المائدة: 89]، وفي مرآة روحه وصفاته الوحدانية القهارية { لعلكم تشكرون } [المائدة: 89]، نعمة رؤية هويته بوحدانيته.
المائدة 5:90
ثم أخبر عن الاجتناب عن الخمر والميسر والأزلام والأنصاب بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]، إشارة أن الله تعالى أخبر عباده المؤمنين عن الأعمال التي يوسوسهم بها الشيطان ويضلهم عن طريق الهدى ويهلكهم بمتابعة الهوى، وإن النجاة والفلاح في اجتنابها فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 90] إيمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية في قلوبهم { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90].
{ إنما الخمر } فلأنها تخمر العقل وهو نور روحاني علو من أوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى، وهو طلمة نفسانية سفلية من أخريات المخلوقات من طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان، فإذا خمر الخمر نور العقل يكون العقل مغلوبا لا يهتدي إلى الحق وطريقه، ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس أمارة بالسوء وتستمد من الهوى فيتبع بالهوى السلفي جميع شهواتها النفسانية مستلذاتها الحيوانية السفلية، فيظفر بها الشيطان فيوقعها في مهالك المخالفات كلها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الخمر أم الخبائث "
لأن هذه الخبائث كلها تولدت منها.
وأما الميسر فإنه فيه تهيج أكثر الصفات الذميمة مثل الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سوء السبيل.
وأما الأنصاب فهي تعبد من دون الله فيها يصير العبد مشركا بالله.
وأما الأزلام ما يلتفت إليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله وأنها من المضلات، فإن الله هو الضار النافع، ثم قال تعالى: { رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]؛ يعني: هذه الأشياء أحب شيء من أعمال الشيطان التي يغوي بها العبد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد، ثم قال تعالى: { فاجتنبوه } [المائدة: 90]، يعني: اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الأعمال الخبيثة { لعلكم تفلحون } [المائدة: 90]، تخلصون من مكائد الشيطان وجنابة هذه الأعمال آفاتها ومحنها وتظفرون بالقربات والمواصلات { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء } [المائدة: 91]، والصفات الذميمة التي ذكرناها { في الخمر والميسر } [المائدة: 91]، كما ذكرناها { ويصدكم عن ذكر الله } [المائدة: 91]؛ يعني: عن شهود قلوبكم مع الله تعالى { وعن الصلاة } [المائدة: 91]؛ يعني: لذة المناجاة مع الله تعالى وعروج الأرواح إلى الله فإن الصلاة معراج المؤمن { فهل أنتم منتهون } [المائدة: 91]؛ أي: فاتركوا هذه المعاملات التي من عمل الشيطان لتفوزوا بمواصلات الرحمن في نعيم الجنان.
المائدة 5:91
ثم أخبر عن الاجتناب عن الخمر والميسر والأزلام والأنصاب بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]، إشارة أن الله تعالى أخبر عباده المؤمنين عن الأعمال التي يوسوسهم بها الشيطان ويضلهم عن طريق الهدى ويهلكهم بمتابعة الهوى، وإن النجاة والفلاح في اجتنابها فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 90] إيمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية في قلوبهم { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90].
{ إنما الخمر } فلأنها تخمر العقل وهو نور روحاني علو من أوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى، وهو طلمة نفسانية سفلية من أخريات المخلوقات من طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان، فإذا خمر الخمر نور العقل يكون العقل مغلوبا لا يهتدي إلى الحق وطريقه، ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس أمارة بالسوء وتستمد من الهوى فيتبع بالهوى السلفي جميع شهواتها النفسانية مستلذاتها الحيوانية السفلية، فيظفر بها الشيطان فيوقعها في مهالك المخالفات كلها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الخمر أم الخبائث "
لأن هذه الخبائث كلها تولدت منها.
وأما الميسر فإنه فيه تهيج أكثر الصفات الذميمة مثل الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سوء السبيل.
وأما الأنصاب فهي تعبد من دون الله فيها يصير العبد مشركا بالله.
وأما الأزلام ما يلتفت إليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله وأنها من المضلات، فإن الله هو الضار النافع، ثم قال تعالى: { رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]؛ يعني: هذه الأشياء أحب شيء من أعمال الشيطان التي يغوي بها العبد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد، ثم قال تعالى: { فاجتنبوه } [المائدة: 90]، يعني: اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الأعمال الخبيثة { لعلكم تفلحون } [المائدة: 90]، تخلصون من مكائد الشيطان وجنابة هذه الأعمال آفاتها ومحنها وتظفرون بالقربات والمواصلات { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء } [المائدة: 91]، والصفات الذميمة التي ذكرناها { في الخمر والميسر } [المائدة: 91]، كما ذكرناها { ويصدكم عن ذكر الله } [المائدة: 91]؛ يعني: عن شهود قلوبكم مع الله تعالى { وعن الصلاة } [المائدة: 91]؛ يعني: لذة المناجاة مع الله تعالى وعروج الأرواح إلى الله فإن الصلاة معراج المؤمن { فهل أنتم منتهون } [المائدة: 91]؛ أي: فاتركوا هذه المعاملات التي من عمل الشيطان لتفوزوا بمواصلات الرحمن في نعيم الجنان.
المائدة 5:92
{ وأطيعوا الله } [المائدة: 92]، فما يأمركم بما يقربكم إليه ويباعدكم عنكم { وأطيعوا الرسول } [المائدة: 92]، يخرجكم من ظلمات وجودكم إلى نور شهود معبودكم { واحذروا } [المائدة: 92]، المخالفات فإنها تباعدكم عن الله وتزيد في حجب أنانيتكم { فإن توليتم } [المائدة: 92]، عن طلب الحق في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم: { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } [المائدة: 92]؛ يعني: على الرسول التبليغ والدلالة وعليكم المتابعة وعلينا التوفيق والهداية { ليس على الذين آمنوا } [المائدة: 93]، يعني: بالتقليد لا بالتحقيق { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]؛ أي: حافظوا على الأوامر والنواهي { جناح فيما طعموا } [المائدة: 93]؛ يعني: من المباحات { إذا ما اتقوا } [المائدة: 93]، الشبهة والإسراف { وآمنوا } [المائدة: 93]، بالتحقيق بعد التقليد، فإن الأعمال الصالحات أنوار الهداية واتقاء الشبهة فعلى أقدر الأعمال يتنور القلوب بالأنوار، وعلى قدر الأنوار تكاشف القلوب بالأسرار { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]، ففائدة التكرار فيه أن الأذل يشير إلى الأعمال البدنية مثل المحافظة على الأوامر والنواهي، والثاني يشير إلى الأعمال القلبية مثل تصفيته القلوب عن دنس كل حب في حب الله وطلبه تحليتها بالصدق والإخلاص والتوكيل والتسليم والرضا واليقين وبجميع الأخلاق الحميدة { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، الالتفات بغير الله بحيث ما رضوا من الله بشيء دونه { وآمنوا } [المائدة: 93]، بواحدية أي: تيقنوا أنه تعالى المعاصي يوجد باب لطفه كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني "
، { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، ترك اللإثنينية ببذل الأنانية وإفنائها في هويته { وأحسنوا } [المائدة: 93]، تهدوا الحق بالحق فإن
" الإحسان أن تعبدوا الله كأنك تراه "
{ والله يحب المحسنين } [المائدة: 93]، الفانين عن أنانيتهم والباقين بهويته المشاهدين بأنوار جماله إلى جلاله، فهم القوم الذين قال تعالى فيهم:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وحقيقة الإشارة أن المحبوب الأزلي من هذا سيره وسيره لا يضره التصرف في المكونات بمحصول هذا الشرائط فافهم جيدا.
ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } [المائدة: 94]، إشارة إن الله تعالى جعل البلاء لأهل الولاء كاللهب للذئب فقال: { يأيها الذين آمنوا } ، أي: إيمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال والحرام، وأحرموا بحجج الوصول وعمرة الوصال ليبلونكم الله في أثناء السلوك بشيء من الصيد، وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية والدنياوية { تناله أيديكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات أبدانكم { ورماحكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بالمال والجاه { ليعلم الله من يخافه بالغيب } [المائدة: 94]، وهو يعلم ويرى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد في طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات بغيره { فمن اعتدى بعد ذلك } [المائدة: 94]، تعلق بالمطالب بعد ترك الطلب { فله عذاب أليم } [المائدة: 94]، من الرد والصد والانقطاع عن الله تعالى.
المائدة 5:93
{ وأطيعوا الله } [المائدة: 92]، فما يأمركم بما يقربكم إليه ويباعدكم عنكم { وأطيعوا الرسول } [المائدة: 92]، يخرجكم من ظلمات وجودكم إلى نور شهود معبودكم { واحذروا } [المائدة: 92]، المخالفات فإنها تباعدكم عن الله وتزيد في حجب أنانيتكم { فإن توليتم } [المائدة: 92]، عن طلب الحق في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم: { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } [المائدة: 92]؛ يعني: على الرسول التبليغ والدلالة وعليكم المتابعة وعلينا التوفيق والهداية { ليس على الذين آمنوا } [المائدة: 93]، يعني: بالتقليد لا بالتحقيق { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]؛ أي: حافظوا على الأوامر والنواهي { جناح فيما طعموا } [المائدة: 93]؛ يعني: من المباحات { إذا ما اتقوا } [المائدة: 93]، الشبهة والإسراف { وآمنوا } [المائدة: 93]، بالتحقيق بعد التقليد، فإن الأعمال الصالحات أنوار الهداية واتقاء الشبهة فعلى أقدر الأعمال يتنور القلوب بالأنوار، وعلى قدر الأنوار تكاشف القلوب بالأسرار { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]، ففائدة التكرار فيه أن الأذل يشير إلى الأعمال البدنية مثل المحافظة على الأوامر والنواهي، والثاني يشير إلى الأعمال القلبية مثل تصفيته القلوب عن دنس كل حب في حب الله وطلبه تحليتها بالصدق والإخلاص والتوكيل والتسليم والرضا واليقين وبجميع الأخلاق الحميدة { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، الالتفات بغير الله بحيث ما رضوا من الله بشيء دونه { وآمنوا } [المائدة: 93]، بواحدية أي: تيقنوا أنه تعالى المعاصي يوجد باب لطفه كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني "
، { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، ترك اللإثنينية ببذل الأنانية وإفنائها في هويته { وأحسنوا } [المائدة: 93]، تهدوا الحق بالحق فإن
" الإحسان أن تعبدوا الله كأنك تراه "
{ والله يحب المحسنين } [المائدة: 93]، الفانين عن أنانيتهم والباقين بهويته المشاهدين بأنوار جماله إلى جلاله، فهم القوم الذين قال تعالى فيهم:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وحقيقة الإشارة أن المحبوب الأزلي من هذا سيره وسيره لا يضره التصرف في المكونات بمحصول هذا الشرائط فافهم جيدا.
ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } [المائدة: 94]، إشارة إن الله تعالى جعل البلاء لأهل الولاء كاللهب للذئب فقال: { يأيها الذين آمنوا } ، أي: إيمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال والحرام، وأحرموا بحجج الوصول وعمرة الوصال ليبلونكم الله في أثناء السلوك بشيء من الصيد، وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية والدنياوية { تناله أيديكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات أبدانكم { ورماحكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بالمال والجاه { ليعلم الله من يخافه بالغيب } [المائدة: 94]، وهو يعلم ويرى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد في طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات بغيره { فمن اعتدى بعد ذلك } [المائدة: 94]، تعلق بالمطالب بعد ترك الطلب { فله عذاب أليم } [المائدة: 94]، من الرد والصد والانقطاع عن الله تعالى.
المائدة 5:94
{ وأطيعوا الله } [المائدة: 92]، فما يأمركم بما يقربكم إليه ويباعدكم عنكم { وأطيعوا الرسول } [المائدة: 92]، يخرجكم من ظلمات وجودكم إلى نور شهود معبودكم { واحذروا } [المائدة: 92]، المخالفات فإنها تباعدكم عن الله وتزيد في حجب أنانيتكم { فإن توليتم } [المائدة: 92]، عن طلب الحق في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم: { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } [المائدة: 92]؛ يعني: على الرسول التبليغ والدلالة وعليكم المتابعة وعلينا التوفيق والهداية { ليس على الذين آمنوا } [المائدة: 93]، يعني: بالتقليد لا بالتحقيق { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]؛ أي: حافظوا على الأوامر والنواهي { جناح فيما طعموا } [المائدة: 93]؛ يعني: من المباحات { إذا ما اتقوا } [المائدة: 93]، الشبهة والإسراف { وآمنوا } [المائدة: 93]، بالتحقيق بعد التقليد، فإن الأعمال الصالحات أنوار الهداية واتقاء الشبهة فعلى أقدر الأعمال يتنور القلوب بالأنوار، وعلى قدر الأنوار تكاشف القلوب بالأسرار { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]، ففائدة التكرار فيه أن الأذل يشير إلى الأعمال البدنية مثل المحافظة على الأوامر والنواهي، والثاني يشير إلى الأعمال القلبية مثل تصفيته القلوب عن دنس كل حب في حب الله وطلبه تحليتها بالصدق والإخلاص والتوكيل والتسليم والرضا واليقين وبجميع الأخلاق الحميدة { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، الالتفات بغير الله بحيث ما رضوا من الله بشيء دونه { وآمنوا } [المائدة: 93]، بواحدية أي: تيقنوا أنه تعالى المعاصي يوجد باب لطفه كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني "
، { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، ترك اللإثنينية ببذل الأنانية وإفنائها في هويته { وأحسنوا } [المائدة: 93]، تهدوا الحق بالحق فإن
" الإحسان أن تعبدوا الله كأنك تراه "
{ والله يحب المحسنين } [المائدة: 93]، الفانين عن أنانيتهم والباقين بهويته المشاهدين بأنوار جماله إلى جلاله، فهم القوم الذين قال تعالى فيهم:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وحقيقة الإشارة أن المحبوب الأزلي من هذا سيره وسيره لا يضره التصرف في المكونات بمحصول هذا الشرائط فافهم جيدا.
ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } [المائدة: 94]، إشارة إن الله تعالى جعل البلاء لأهل الولاء كاللهب للذئب فقال: { يأيها الذين آمنوا } ، أي: إيمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال والحرام، وأحرموا بحجج الوصول وعمرة الوصال ليبلونكم الله في أثناء السلوك بشيء من الصيد، وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية والدنياوية { تناله أيديكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات أبدانكم { ورماحكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بالمال والجاه { ليعلم الله من يخافه بالغيب } [المائدة: 94]، وهو يعلم ويرى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد في طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات بغيره { فمن اعتدى بعد ذلك } [المائدة: 94]، تعلق بالمطالب بعد ترك الطلب { فله عذاب أليم } [المائدة: 94]، من الرد والصد والانقطاع عن الله تعالى.
المائدة 5:95
{ يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 95]، بتحقيق الطلب والوصول في متابعة الرسول { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [المائدة: 95]، النكتة في أنه أباح الصيد لمن كان حلالا وهم أهل السلوة من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالأعمال البدنية من تصور هممهم الدنية، وحرم الصيد على من كان حراما وهم أهل المحبة المحرومون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة؛ يعني: من قصدنا فعليه بحسم الأطماع جملة، ولا ينبغي أن يكون له مطالبته بحال من الأحوال إلا طالب الوصال، ويقال العارف عبد الحق، ولا يكون للصيد صيد { ومن قتله منكم } [المائدة: 95]؛ أي: من الطلاب إذا التفت بشيء من الدنيا { متعمدا } [المائدة: 95]، وهو الذي واقف على مضرته وعالم بآفته فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس { فجزآء مثل ما قتل من النعم } [المائدة: 95]، يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل المهالك اللذة والشهوة { يحكم به } [المائدة: 95]؛ أي: بتكلف المجازاة { ذوا عدل منكم } [المائدة: 95]، وهي القلب والروح يحكمان على مقدار الإيمان وعلى أنواع الرياضات بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة والخلوة وضبط الحواس { هديا بالغ الكعبة } [المائدة: 95]؛ أي: خالصا لله فيما يعمل بحيث يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق { أو كفارة طعام مساكين } [المائدة: 95]، وهم العقل والقلب والسر والروح والخفي، فإنهم كانوا محرومين من أغذيتهم الروحانية من صدق التوجه إلى الحق، وخلو من الأعراض عن الخلق ويخترع الصبر عن المكروهات والفطام عن المألوفات والشكر على الموهوبات والرضا بالمقدورات والتسليم الأحكام الأزليات { أو عدل ذلك صياما } [المائدة: 95]، والصيام هو الإمساك عن ملاحظة الأغيار وطلب الاختيار والركون إلى غير الملك الجبار { ليذوق } [المائدة: 95]، النفس الأمارة بالسوء { وبال أمره } [المائدة: 95]؛ أي: تتألم بألم هذه المعاملات التي على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما نالت من لذات الشهوات وخلوات الغفلات { عفا الله عما سلف } [المائدة: 95]، من الطالبين قبل إقدام على الطلب { ومن عاد } [المائدة: 95]، إلى تعلق شي من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق { فينتقم الله منه } [المائدة: 95]، بالخذلان في الدنيا والخسران في العقبى { والله عزيز } [المائدة: 95]، لا يوجد من تعلقات الكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير { ذو انتقام } [المائدة: 95]، ينتقم من أحبابه باحتجاب التعزز بالكبرياء والعظمة على قدر التفاتهم إلى غيره، وملاحظة ما سواه وينتقم من أعدائه بما قاله
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون
[الأنعام: 110].
المائدة 5:96
ثم قال تعالى: { أحل لكم صيد البحر } [المائدة: 96]، ما تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدة والكشوف { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } [المائدة: 96]، يعني: تنفقون بما يرد عليكم ومردات الحق وتجلي الصفات كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
وتطعمون منه السائرين إلى الله من أهل الإرادة كقوله تعالى:-
فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير
[الحج: 28]، وهذا حال المشايخ وأهل التربية من العلماء الراسخين { وحرم عليكم } [المائدة: 96]، أيها الطلاب { صيد البر } [المائدة: 96]، وهو ما سنح في أثناء السير إلى الله من مطالب الدنيا والآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا حرام على أهل الآخرة... الحديث "
{ ما دمتم حرما } [المائدة: 96]؛ أي: محرمين إلى الكعبة الوصال متوجهين إلى حضرة الجلال، فإن حكم المتوجه بنا في حكم الواصل الكامل؛ لأن من وصل صار محوا فالمتوجه صاح فرق بعيد بين الصاحي والماحي، فإن أفعال الصاحي به، ومنه وأحوال الماحي ليست به ولا منه، والله غالب على أمره
" فبي يسمع وبي يبصر وبي وينطق وبي يبطش "
ولهذا قال تعالى:
وإذا حللتم فاصطادوا
[المائدة: 2]، إلي إذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الوصول سقط عنكم كلف المجرمين ومؤنات المسافرين، وثبت لكن لزوم العاكفين وأحكام الطائفين كما قال تعالى: { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } [المائدة: 96]؛ أي: اتقوا بالله الذي تجمعون وتصلون إليه عما سواه لكيلا تجوروا بعدما تكوروا نعوذ بالله من الجور بعد الكور.
ثم أخبر عن القيام أنه بالبيت الحرام بقوله تعالى: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قيما للناس } [المائدة: 97]، إشارة أن الله تعالى كما جعل الكعبة في الظاهر قياما للناس العوام والخواص يلوذون ويستحجبون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والآخروية، كذلك جعل كعبة القلب في الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ليلوذوا بطريق دوام الذكر، ونفي الخواطر بالكلية وإثبات الحق بالربوبية والوحدانية بأن لا موجود إلا هو ولا وجود إلا له، ولا مطلوب ولا محبوب إلا هو وسماه البيت الحرام ليعلم أنه بيت الله على الحقيقة وحرام أن يسكن فيه غيره، فيرى فيه ذكر ما سوى الحق وحبه، وطلبه الإذن يفتح الله له أبواب فضله ورحمته { والشهر الحرام } [المائدة: 97]، وهو أيام الطلب والسير إلى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق { والهدي } [المائدة: 97]، وهو النفس البهيمية فساق إلى كعبة القلب مع { والقلائد } [المائدة: 97]، وهي أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية { ذلك لتعلموا } [المائدة: 97]، بالحقيقة { أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } [المائدة: 97].
المائدة 5:97
ثم قال تعالى: { أحل لكم صيد البحر } [المائدة: 96]، ما تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدة والكشوف { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } [المائدة: 96]، يعني: تنفقون بما يرد عليكم ومردات الحق وتجلي الصفات كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
وتطعمون منه السائرين إلى الله من أهل الإرادة كقوله تعالى:-
فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير
[الحج: 28]، وهذا حال المشايخ وأهل التربية من العلماء الراسخين { وحرم عليكم } [المائدة: 96]، أيها الطلاب { صيد البر } [المائدة: 96]، وهو ما سنح في أثناء السير إلى الله من مطالب الدنيا والآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا حرام على أهل الآخرة... الحديث "
{ ما دمتم حرما } [المائدة: 96]؛ أي: محرمين إلى الكعبة الوصال متوجهين إلى حضرة الجلال، فإن حكم المتوجه بنا في حكم الواصل الكامل؛ لأن من وصل صار محوا فالمتوجه صاح فرق بعيد بين الصاحي والماحي، فإن أفعال الصاحي به، ومنه وأحوال الماحي ليست به ولا منه، والله غالب على أمره
" فبي يسمع وبي يبصر وبي وينطق وبي يبطش "
ولهذا قال تعالى:
وإذا حللتم فاصطادوا
[المائدة: 2]، إلي إذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الوصول سقط عنكم كلف المجرمين ومؤنات المسافرين، وثبت لكن لزوم العاكفين وأحكام الطائفين كما قال تعالى: { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } [المائدة: 96]؛ أي: اتقوا بالله الذي تجمعون وتصلون إليه عما سواه لكيلا تجوروا بعدما تكوروا نعوذ بالله من الجور بعد الكور.
ثم أخبر عن القيام أنه بالبيت الحرام بقوله تعالى: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قيما للناس } [المائدة: 97]، إشارة أن الله تعالى كما جعل الكعبة في الظاهر قياما للناس العوام والخواص يلوذون ويستحجبون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والآخروية، كذلك جعل كعبة القلب في الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ليلوذوا بطريق دوام الذكر، ونفي الخواطر بالكلية وإثبات الحق بالربوبية والوحدانية بأن لا موجود إلا هو ولا وجود إلا له، ولا مطلوب ولا محبوب إلا هو وسماه البيت الحرام ليعلم أنه بيت الله على الحقيقة وحرام أن يسكن فيه غيره، فيرى فيه ذكر ما سوى الحق وحبه، وطلبه الإذن يفتح الله له أبواب فضله ورحمته { والشهر الحرام } [المائدة: 97]، وهو أيام الطلب والسير إلى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق { والهدي } [المائدة: 97]، وهو النفس البهيمية فساق إلى كعبة القلب مع { والقلائد } [المائدة: 97]، وهي أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية { ذلك لتعلموا } [المائدة: 97]، بالحقيقة { أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } [المائدة: 97].
المائدة 5:98
ثم قال تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب } [المائدة: 98]، يستدل الحجاب لغير الأحباب ممن ركنوا إلى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها { وأن الله غفور رحيم } [المائدة: 98]، لطالبيه وقاصدي حضرته بفتح الأبواب ورفع الحجاب { ما على الرسول إلا البلاغ } [المائدة: 99]؛ يعني: عليه التبليغ بالقال والحال، كقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
[الجمعة: 2]:
فأما القال: فهو قوله:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته
[الجمعة: 2]، وأما الحال فهو كقوله تعالى
ويزكيهم
[الجمعة: 2] أي: يزكي نفوسهم عن الأخلاق المذمومة بأنوار الصحبة وآدابها، فإن النفوس كالمرآة قابلة لأخلاق صاحبها، وأن الطبع من الطبع يسرق وهذا أحد أسباب تعليم حقيقة الكتاب والحكمة { والله يعلم ما تبدون } [المائدة: 99]، من الإيمان بإقرار اللسان وعمل الأركان { وما تكتمون } [المائدة: 99]، من تصديق الجنان والتكذيب وصدق التوحيد وإخلاص النية في طلب الحق أو غير ذلك { قل لا يستوي الخبيث والطيب } [المائدة: 100]، الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله { ولو أعجبك كثرة الخبيث } [المائدة: 100]، فيه إشارة أخرى أن الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سوى الله وفيه كثرة { فاتقوا الله } [المائدة: 100]؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله { يأولي الألباب } [المائدة: 100]، وهم الذين تخلصت ألباب قلوبهم وأرواحهم عن قشور الأبدان والنفوس، فيحثهم على أن يركنوا إلى الدرجات الروحانية { لعلكم تفلحون } [المائدة: 100]، لكي تظفروا بالقربات الربانية.
المائدة 5:99
ثم قال تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب } [المائدة: 98]، يستدل الحجاب لغير الأحباب ممن ركنوا إلى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها { وأن الله غفور رحيم } [المائدة: 98]، لطالبيه وقاصدي حضرته بفتح الأبواب ورفع الحجاب { ما على الرسول إلا البلاغ } [المائدة: 99]؛ يعني: عليه التبليغ بالقال والحال، كقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
[الجمعة: 2]:
فأما القال: فهو قوله:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته
[الجمعة: 2]، وأما الحال فهو كقوله تعالى
ويزكيهم
[الجمعة: 2] أي: يزكي نفوسهم عن الأخلاق المذمومة بأنوار الصحبة وآدابها، فإن النفوس كالمرآة قابلة لأخلاق صاحبها، وأن الطبع من الطبع يسرق وهذا أحد أسباب تعليم حقيقة الكتاب والحكمة { والله يعلم ما تبدون } [المائدة: 99]، من الإيمان بإقرار اللسان وعمل الأركان { وما تكتمون } [المائدة: 99]، من تصديق الجنان والتكذيب وصدق التوحيد وإخلاص النية في طلب الحق أو غير ذلك { قل لا يستوي الخبيث والطيب } [المائدة: 100]، الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله { ولو أعجبك كثرة الخبيث } [المائدة: 100]، فيه إشارة أخرى أن الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سوى الله وفيه كثرة { فاتقوا الله } [المائدة: 100]؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله { يأولي الألباب } [المائدة: 100]، وهم الذين تخلصت ألباب قلوبهم وأرواحهم عن قشور الأبدان والنفوس، فيحثهم على أن يركنوا إلى الدرجات الروحانية { لعلكم تفلحون } [المائدة: 100]، لكي تظفروا بالقربات الربانية.
المائدة 5:100
ثم قال تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب } [المائدة: 98]، يستدل الحجاب لغير الأحباب ممن ركنوا إلى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها { وأن الله غفور رحيم } [المائدة: 98]، لطالبيه وقاصدي حضرته بفتح الأبواب ورفع الحجاب { ما على الرسول إلا البلاغ } [المائدة: 99]؛ يعني: عليه التبليغ بالقال والحال، كقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين
[الجمعة: 2]:
فأما القال: فهو قوله:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته
[الجمعة: 2]، وأما الحال فهو كقوله تعالى
ويزكيهم
[الجمعة: 2] أي: يزكي نفوسهم عن الأخلاق المذمومة بأنوار الصحبة وآدابها، فإن النفوس كالمرآة قابلة لأخلاق صاحبها، وأن الطبع من الطبع يسرق وهذا أحد أسباب تعليم حقيقة الكتاب والحكمة { والله يعلم ما تبدون } [المائدة: 99]، من الإيمان بإقرار اللسان وعمل الأركان { وما تكتمون } [المائدة: 99]، من تصديق الجنان والتكذيب وصدق التوحيد وإخلاص النية في طلب الحق أو غير ذلك { قل لا يستوي الخبيث والطيب } [المائدة: 100]، الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله { ولو أعجبك كثرة الخبيث } [المائدة: 100]، فيه إشارة أخرى أن الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سوى الله وفيه كثرة { فاتقوا الله } [المائدة: 100]؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله { يأولي الألباب } [المائدة: 100]، وهم الذين تخلصت ألباب قلوبهم وأرواحهم عن قشور الأبدان والنفوس، فيحثهم على أن يركنوا إلى الدرجات الروحانية { لعلكم تفلحون } [المائدة: 100]، لكي تظفروا بالقربات الربانية.
المائدة 5:101
ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } ، أي: من حقائق الأشياء { إن تبد لكم } [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال { تسؤكم } [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم الحقائق بالقال محال، وإنما تعلمها يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء - عليهم السلام - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
لنريك من آياتنا الكبرى
[طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، ثم قال تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلبا للتأويل فإنه
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
[آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالا يفهم غيرهم، كما أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى:
هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا
[الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض
قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء
[الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى -
إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني
[الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيدا.
فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال:
قال لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 77-78]، قال: { عفا الله عنها } [المائدة: 101]؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية { والله غفور } [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال { حليم } [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم } [المائدة: 102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان { ثم أصبحوا بها كافرين } [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام .
ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة } إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، { ولا وصيلة } [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، { ولكن الذين كفروا } [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة { يفترون على الله الكذب } [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله } [المائدة: 104]، من الأحكام { وإلى الرسول } [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم { أولو كان آباؤهم } [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها { لا يعلمون شيئا } [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة { ولا يهتدون } [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.
المائدة 5:102
ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } ، أي: من حقائق الأشياء { إن تبد لكم } [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال { تسؤكم } [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم الحقائق بالقال محال، وإنما تعلمها يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء - عليهم السلام - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
لنريك من آياتنا الكبرى
[طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، ثم قال تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلبا للتأويل فإنه
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
[آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالا يفهم غيرهم، كما أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى:
هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا
[الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض
قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء
[الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى -
إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني
[الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيدا.
فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال:
قال لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 77-78]، قال: { عفا الله عنها } [المائدة: 101]؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية { والله غفور } [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال { حليم } [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم } [المائدة: 102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان { ثم أصبحوا بها كافرين } [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام .
ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة } إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، { ولا وصيلة } [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، { ولكن الذين كفروا } [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة { يفترون على الله الكذب } [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله } [المائدة: 104]، من الأحكام { وإلى الرسول } [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم { أولو كان آباؤهم } [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها { لا يعلمون شيئا } [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة { ولا يهتدون } [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.
المائدة 5:103
ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } ، أي: من حقائق الأشياء { إن تبد لكم } [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال { تسؤكم } [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم الحقائق بالقال محال، وإنما تعلمها يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء - عليهم السلام - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
لنريك من آياتنا الكبرى
[طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، ثم قال تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلبا للتأويل فإنه
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
[آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالا يفهم غيرهم، كما أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى:
هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا
[الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض
قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء
[الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى -
إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني
[الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيدا.
فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال:
قال لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 77-78]، قال: { عفا الله عنها } [المائدة: 101]؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية { والله غفور } [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال { حليم } [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم } [المائدة: 102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان { ثم أصبحوا بها كافرين } [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام .
ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة } إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، { ولا وصيلة } [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، { ولكن الذين كفروا } [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة { يفترون على الله الكذب } [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله } [المائدة: 104]، من الأحكام { وإلى الرسول } [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم { أولو كان آباؤهم } [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها { لا يعلمون شيئا } [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة { ولا يهتدون } [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.
المائدة 5:104
ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } ، أي: من حقائق الأشياء { إن تبد لكم } [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال { تسؤكم } [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم الحقائق بالقال محال، وإنما تعلمها يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء - عليهم السلام - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
لنريك من آياتنا الكبرى
[طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، ثم قال تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلبا للتأويل فإنه
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
[آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالا يفهم غيرهم، كما أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى:
هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا
[الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض
قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء
[الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى -
إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني
[الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيدا.
فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال:
قال لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك
[الكهف: 77-78]، قال: { عفا الله عنها } [المائدة: 101]؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية { والله غفور } [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال { حليم } [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم } [المائدة: 102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان { ثم أصبحوا بها كافرين } [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام .
ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة } إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، { ولا وصيلة } [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، { ولكن الذين كفروا } [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة { يفترون على الله الكذب } [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله } [المائدة: 104]، من الأحكام { وإلى الرسول } [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم { أولو كان آباؤهم } [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها { لا يعلمون شيئا } [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة { ولا يهتدون } [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.
المائدة 5:105
ثم أخبر عن طريقة أهل الولاية عند استيلاء هذا البلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } [المائدة: 105]، إشارة أن في الخطاب تخصيص الطالب الصادق وهو قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } أي: إيمان الطالبين المحققين بأن الوجدان في الطلب كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني "
{ عليكم أنفسكم } فاشتغلوا بتزكيتها فإنه
قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 9-10]، فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق، ولا تغتروا بإرادة الخلق وقبولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم، فأيها الطالب اغتنم الساعة وأن مثل السالك المحتاج إلى المسلك والدين يدعي رواته ويتمسك به كمثل غريق في البحر محتاج إلى سائح كامل في ضيعته لينجيه من الغرق، فيتثبت به غريق في البحر وهو يأخذ بيديه لينجيه فيهلكان جميعا، فالواجب على الطالب المحقق أن يتمسك بدليل إرادة صاحب ولاية له في هذه الشأن مسلك كامل ويستسلم لأحكامه، ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على الله إلا هالك { لا يضركم } [المائدة: 105]، أيها الطالبون { من ضل } [المائدة: 105]، من المغرقين { إذا اهتديتم } [المائدة: 105]، إلى الحق { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 105]، أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق، والعصيان نزلت في منذر بن عمر وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر فيدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: لا يضركم من ضل من أهل هجر إذا إهتديتم إلى الله يعني: آمنتم بالله { فينبئكم بما كنتم تعملون } [المائدة: 105]؛ أي: فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم، والمعنى ليس للطالب أن يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بأن يقبله ليربيه، ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم أمر سلوكه بتسليكم مسلك كامل واصل، ثم إن يرى شيخان له رتبة الشيخوخة فينتبه بإشارة الحق في مقام التربية ودعوة الخلق إلى الحق فحينئذ يجوز له أن يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى:
ولكل قوم هاد
[الرعد: 7]، فأما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن قط مريدا يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه، وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والسر الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثون كلما مات ولله منهم يجلسون ابنه مقام صغيرا كان أو كبيرا ويلبسون منه الخرقة ويتبركون به وينزلونه منازل المساعي، فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فأنذرت آثارها والله أعلم بأخبارها.
ثم أخبر عن كيفية الوصية لقوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } [المائدة: 106]، إشارة إن الخطاب في قوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا } [المائدة: 106]، مع الروح وصفاته أن آمنتم إيمان المجتهدين في جهاد الأكبر شهادة بينكم { إذا حضر أحدكم الموت } [المائدة: 106]؛ أي: النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضات والمجاهدات { حين الوصية } [المائدة: 106]، والوصيان { اثنان ذوا عدل } [المائدة: 106]، هما العقل والسر { منكم } [المائدة: 106]؛ أي: من الروحانيات { أو آخران من غيركم } [المائدة: 106]؛ يعني: من غير الروحانيات وهما الوهم والخيال من النفسانيات فالعقل والسر يشهدان بالحق، وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات والوهم والخيال يتحملان الصدق والكذب في الشهادة { إن أنتم ضربتم في الأرض } [المائدة: 106]؛ أي: سافرتم في السفليات { فأصابتكم مصيبة الموت } [المائدة: 106]؛ أي: تصيب النفس جذبة الحق فتموت { تحبسونهما } [المائدة: 106]؛ أي: الشاهدين العقل والسر والوهم والخيال إن كنتم في بعد من الروحانيات { من بعد الصلاة } [المائدة: 106]، بعد حضور جامع الله تعالى وتوجهها إلى الحق ومراقبة ثابتة { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } [المائدة: 106]، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق { ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين } [المائدة: 106]، يدفعان تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يتصرفان في شيء من السفليات، ولا يميلان إلى حظ من حظوظها وإن كل خلق وصفة ذميمة ورثها القلب من النفس يجعلها خلقا محمودة وصفة حميدة؛ لأن النفس كانت تشتمل تلك الصفة في السفليات وكانت ذميمة تستعملها القلب في العلويات فتكون حميدة مثاله أن الحرص صفة من صفات النفس، وهي تستعمله في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها فصارت ذميمة ويستعمله القلب في طلب الآخرة والمقامات وتحصيل العلوم والظلمات فيكون محمودا وعلى هذا النفس الباقي { فإن عثر على أنهما } [المائدة: 107]؛ يعني: الوصيين من العقل والسر والوهم والخيال { استحقآ إثما } [المائدة: 107]، بأنهما قصرا في أداء حق الوصية ومالا إلى حظ من الحظوظ السفلية { فآخران يقومان مقامهما } [المائدة: 107]، يعني: مقام النصرانيين في استفاء حقوقهما { من الذين استحق عليهم الأوليان } [المائدة: 107]، وهما من صفات التذكر والتفكر الصاحب ينظر أن في عواقب الأمور، ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا، وإن الباقي خير من الفاني وذلك قوله { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } [المائدة: 107]، لأنهما أعني الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ فيما كتما من الحقوق والتذكر والتفكر يميلان إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ { وما اعتدينآ } [المائدة: 107]، في حفظ الحقوق { إنا إذا لمن الظالمين } [المائدة: 107]، الواضعين الحظوظ في مقام الحقوق ذلك أدنى إلى الحق وأقرب.
المائدة 5:106
ثم أخبر عن طريقة أهل الولاية عند استيلاء هذا البلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } [المائدة: 105]، إشارة أن في الخطاب تخصيص الطالب الصادق وهو قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } أي: إيمان الطالبين المحققين بأن الوجدان في الطلب كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني "
{ عليكم أنفسكم } فاشتغلوا بتزكيتها فإنه
قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 9-10]، فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق، ولا تغتروا بإرادة الخلق وقبولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم، فأيها الطالب اغتنم الساعة وأن مثل السالك المحتاج إلى المسلك والدين يدعي رواته ويتمسك به كمثل غريق في البحر محتاج إلى سائح كامل في ضيعته لينجيه من الغرق، فيتثبت به غريق في البحر وهو يأخذ بيديه لينجيه فيهلكان جميعا، فالواجب على الطالب المحقق أن يتمسك بدليل إرادة صاحب ولاية له في هذه الشأن مسلك كامل ويستسلم لأحكامه، ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على الله إلا هالك { لا يضركم } [المائدة: 105]، أيها الطالبون { من ضل } [المائدة: 105]، من المغرقين { إذا اهتديتم } [المائدة: 105]، إلى الحق { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 105]، أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق، والعصيان نزلت في منذر بن عمر وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر فيدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: لا يضركم من ضل من أهل هجر إذا إهتديتم إلى الله يعني: آمنتم بالله { فينبئكم بما كنتم تعملون } [المائدة: 105]؛ أي: فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم، والمعنى ليس للطالب أن يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بأن يقبله ليربيه، ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم أمر سلوكه بتسليكم مسلك كامل واصل، ثم إن يرى شيخان له رتبة الشيخوخة فينتبه بإشارة الحق في مقام التربية ودعوة الخلق إلى الحق فحينئذ يجوز له أن يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى:
ولكل قوم هاد
[الرعد: 7]، فأما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن قط مريدا يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه، وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والسر الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثون كلما مات ولله منهم يجلسون ابنه مقام صغيرا كان أو كبيرا ويلبسون منه الخرقة ويتبركون به وينزلونه منازل المساعي، فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فأنذرت آثارها والله أعلم بأخبارها.
ثم أخبر عن كيفية الوصية لقوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } [المائدة: 106]، إشارة إن الخطاب في قوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا } [المائدة: 106]، مع الروح وصفاته أن آمنتم إيمان المجتهدين في جهاد الأكبر شهادة بينكم { إذا حضر أحدكم الموت } [المائدة: 106]؛ أي: النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضات والمجاهدات { حين الوصية } [المائدة: 106]، والوصيان { اثنان ذوا عدل } [المائدة: 106]، هما العقل والسر { منكم } [المائدة: 106]؛ أي: من الروحانيات { أو آخران من غيركم } [المائدة: 106]؛ يعني: من غير الروحانيات وهما الوهم والخيال من النفسانيات فالعقل والسر يشهدان بالحق، وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات والوهم والخيال يتحملان الصدق والكذب في الشهادة { إن أنتم ضربتم في الأرض } [المائدة: 106]؛ أي: سافرتم في السفليات { فأصابتكم مصيبة الموت } [المائدة: 106]؛ أي: تصيب النفس جذبة الحق فتموت { تحبسونهما } [المائدة: 106]؛ أي: الشاهدين العقل والسر والوهم والخيال إن كنتم في بعد من الروحانيات { من بعد الصلاة } [المائدة: 106]، بعد حضور جامع الله تعالى وتوجهها إلى الحق ومراقبة ثابتة { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } [المائدة: 106]، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق { ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين } [المائدة: 106]، يدفعان تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يتصرفان في شيء من السفليات، ولا يميلان إلى حظ من حظوظها وإن كل خلق وصفة ذميمة ورثها القلب من النفس يجعلها خلقا محمودة وصفة حميدة؛ لأن النفس كانت تشتمل تلك الصفة في السفليات وكانت ذميمة تستعملها القلب في العلويات فتكون حميدة مثاله أن الحرص صفة من صفات النفس، وهي تستعمله في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها فصارت ذميمة ويستعمله القلب في طلب الآخرة والمقامات وتحصيل العلوم والظلمات فيكون محمودا وعلى هذا النفس الباقي { فإن عثر على أنهما } [المائدة: 107]؛ يعني: الوصيين من العقل والسر والوهم والخيال { استحقآ إثما } [المائدة: 107]، بأنهما قصرا في أداء حق الوصية ومالا إلى حظ من الحظوظ السفلية { فآخران يقومان مقامهما } [المائدة: 107]، يعني: مقام النصرانيين في استفاء حقوقهما { من الذين استحق عليهم الأوليان } [المائدة: 107]، وهما من صفات التذكر والتفكر الصاحب ينظر أن في عواقب الأمور، ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا، وإن الباقي خير من الفاني وذلك قوله { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } [المائدة: 107]، لأنهما أعني الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ فيما كتما من الحقوق والتذكر والتفكر يميلان إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ { وما اعتدينآ } [المائدة: 107]، في حفظ الحقوق { إنا إذا لمن الظالمين } [المائدة: 107]، الواضعين الحظوظ في مقام الحقوق ذلك أدنى إلى الحق وأقرب.
المائدة 5:107
ثم أخبر عن طريقة أهل الولاية عند استيلاء هذا البلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } [المائدة: 105]، إشارة أن في الخطاب تخصيص الطالب الصادق وهو قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } أي: إيمان الطالبين المحققين بأن الوجدان في الطلب كما قال تعالى:
" ألا من طلبني وجدني "
{ عليكم أنفسكم } فاشتغلوا بتزكيتها فإنه
قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها
[الشمس: 9-10]، فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق، ولا تغتروا بإرادة الخلق وقبولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم، فأيها الطالب اغتنم الساعة وأن مثل السالك المحتاج إلى المسلك والدين يدعي رواته ويتمسك به كمثل غريق في البحر محتاج إلى سائح كامل في ضيعته لينجيه من الغرق، فيتثبت به غريق في البحر وهو يأخذ بيديه لينجيه فيهلكان جميعا، فالواجب على الطالب المحقق أن يتمسك بدليل إرادة صاحب ولاية له في هذه الشأن مسلك كامل ويستسلم لأحكامه، ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على الله إلا هالك { لا يضركم } [المائدة: 105]، أيها الطالبون { من ضل } [المائدة: 105]، من المغرقين { إذا اهتديتم } [المائدة: 105]، إلى الحق { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 105]، أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق، والعصيان نزلت في منذر بن عمر وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر فيدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: لا يضركم من ضل من أهل هجر إذا إهتديتم إلى الله يعني: آمنتم بالله { فينبئكم بما كنتم تعملون } [المائدة: 105]؛ أي: فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم، والمعنى ليس للطالب أن يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بأن يقبله ليربيه، ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم أمر سلوكه بتسليكم مسلك كامل واصل، ثم إن يرى شيخان له رتبة الشيخوخة فينتبه بإشارة الحق في مقام التربية ودعوة الخلق إلى الحق فحينئذ يجوز له أن يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى:
ولكل قوم هاد
[الرعد: 7]، فأما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن قط مريدا يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه، وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والسر الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثون كلما مات ولله منهم يجلسون ابنه مقام صغيرا كان أو كبيرا ويلبسون منه الخرقة ويتبركون به وينزلونه منازل المساعي، فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فأنذرت آثارها والله أعلم بأخبارها.
ثم أخبر عن كيفية الوصية لقوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } [المائدة: 106]، إشارة إن الخطاب في قوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا } [المائدة: 106]، مع الروح وصفاته أن آمنتم إيمان المجتهدين في جهاد الأكبر شهادة بينكم { إذا حضر أحدكم الموت } [المائدة: 106]؛ أي: النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضات والمجاهدات { حين الوصية } [المائدة: 106]، والوصيان { اثنان ذوا عدل } [المائدة: 106]، هما العقل والسر { منكم } [المائدة: 106]؛ أي: من الروحانيات { أو آخران من غيركم } [المائدة: 106]؛ يعني: من غير الروحانيات وهما الوهم والخيال من النفسانيات فالعقل والسر يشهدان بالحق، وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات والوهم والخيال يتحملان الصدق والكذب في الشهادة { إن أنتم ضربتم في الأرض } [المائدة: 106]؛ أي: سافرتم في السفليات { فأصابتكم مصيبة الموت } [المائدة: 106]؛ أي: تصيب النفس جذبة الحق فتموت { تحبسونهما } [المائدة: 106]؛ أي: الشاهدين العقل والسر والوهم والخيال إن كنتم في بعد من الروحانيات { من بعد الصلاة } [المائدة: 106]، بعد حضور جامع الله تعالى وتوجهها إلى الحق ومراقبة ثابتة { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } [المائدة: 106]، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق { ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين } [المائدة: 106]، يدفعان تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يتصرفان في شيء من السفليات، ولا يميلان إلى حظ من حظوظها وإن كل خلق وصفة ذميمة ورثها القلب من النفس يجعلها خلقا محمودة وصفة حميدة؛ لأن النفس كانت تشتمل تلك الصفة في السفليات وكانت ذميمة تستعملها القلب في العلويات فتكون حميدة مثاله أن الحرص صفة من صفات النفس، وهي تستعمله في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها فصارت ذميمة ويستعمله القلب في طلب الآخرة والمقامات وتحصيل العلوم والظلمات فيكون محمودا وعلى هذا النفس الباقي { فإن عثر على أنهما } [المائدة: 107]؛ يعني: الوصيين من العقل والسر والوهم والخيال { استحقآ إثما } [المائدة: 107]، بأنهما قصرا في أداء حق الوصية ومالا إلى حظ من الحظوظ السفلية { فآخران يقومان مقامهما } [المائدة: 107]، يعني: مقام النصرانيين في استفاء حقوقهما { من الذين استحق عليهم الأوليان } [المائدة: 107]، وهما من صفات التذكر والتفكر الصاحب ينظر أن في عواقب الأمور، ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا، وإن الباقي خير من الفاني وذلك قوله { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } [المائدة: 107]، لأنهما أعني الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ فيما كتما من الحقوق والتذكر والتفكر يميلان إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ { وما اعتدينآ } [المائدة: 107]، في حفظ الحقوق { إنا إذا لمن الظالمين } [المائدة: 107]، الواضعين الحظوظ في مقام الحقوق ذلك أدنى إلى الحق وأقرب.
المائدة 5:108
{ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } [المائدة: 108]؛ يعني: العقل والسر إن كانا ثابتين في بدء الأمر بأداء الحقوق في استعمال صفات النفس للشعارات الأخروية؛ لكان أولى وأخرى { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } [المائدة: 108]؛ يعني: أو يخافا عواقب الأمور بأن يتنزل على أنفسهم باستمهال وتضييع الوقت وفوات القرش وإفساد الاستعداد، ثم بالتذكر والتفكر برد الأمر إليهم فيحتاجون إلى كثرة الرياضة والمجاهدة الزكية والتصفية، ثم قال تعالى: { واتقوا الله } [المائدة: 108]، أي: اتقوا بالله عما سواه { واسمعوا } [المائدة: 108]، وأطيعوا أحكام الأزل { والله لا يهدي } [المائدة: 108]، إلى حضرته اليوم { القوم الفاسقين } [المائدة: 108]؛ يعني: الذين كانوا خارجين عند رشاش النور على الأرواح عن قبول النور وإصابته كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أفمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
ثم أخبر عن إصابة أهل الإصابة بقوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم } [المائدة: 109].
إشارة إن القيامة هي يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القاهرية يوم يكشف عن ساق، يوم يجمع الله الرسل في حظائر القدس دون العالمين، فيكاشفهم بنقم الجلال فيقول لهم عند احتباس قومهم: ماذا أجبتم لما دعوتم الأمم إلي وإلى معرفتي وهم مستغرقون في بحر الشهود الغائبون عن أوصاف الوجود { قالوا لا علم لنآ } [المائدة: 109]، فأنطقهم الله بالبراءة عن التحقيق بباطن الأمور وحقيقتها حتى نفوا العلم عن أنفسهم وأثبتوا لحضرة جلاله فقالوا: { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 109]؛ أي: إنك تعلم ما غاب عنا وغبنا عنه، فإنك ما تغيب عن شيء، ولا يغيب عنك شيء كما قال صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
ثم أخبر عن الآية ونعمائه مع نبي من أنبيائه بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } [المائدة: 110]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى إذا قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إشارة إلى نعمة خاصة مع عيسى ووالدته دون سائر الخلق، وذلك أن حمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وإنما كان بروح منه كما قال تعالى:
ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا
[التحريم: 12]، وكذلك ولادة عيسى عليه السلام وخلقه ما كان من قطعة الرجال إنما كانت كلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، ومن نعم الله عليها ما قال: { إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا } [المائدة: 110]، يعني: تكلمك في الطفولية وفي الكهولية وبقية المعجزات التي ظهرت منك كما أنها نعمة في حقك، فكذلك هي نعمة في حق أمك بأنها تدل على براءة ساحتها فما نسبوها إليه واتهموها به.
المائدة 5:109
{ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } [المائدة: 108]؛ يعني: العقل والسر إن كانا ثابتين في بدء الأمر بأداء الحقوق في استعمال صفات النفس للشعارات الأخروية؛ لكان أولى وأخرى { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } [المائدة: 108]؛ يعني: أو يخافا عواقب الأمور بأن يتنزل على أنفسهم باستمهال وتضييع الوقت وفوات القرش وإفساد الاستعداد، ثم بالتذكر والتفكر برد الأمر إليهم فيحتاجون إلى كثرة الرياضة والمجاهدة الزكية والتصفية، ثم قال تعالى: { واتقوا الله } [المائدة: 108]، أي: اتقوا بالله عما سواه { واسمعوا } [المائدة: 108]، وأطيعوا أحكام الأزل { والله لا يهدي } [المائدة: 108]، إلى حضرته اليوم { القوم الفاسقين } [المائدة: 108]؛ يعني: الذين كانوا خارجين عند رشاش النور على الأرواح عن قبول النور وإصابته كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أفمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
ثم أخبر عن إصابة أهل الإصابة بقوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم } [المائدة: 109].
إشارة إن القيامة هي يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القاهرية يوم يكشف عن ساق، يوم يجمع الله الرسل في حظائر القدس دون العالمين، فيكاشفهم بنقم الجلال فيقول لهم عند احتباس قومهم: ماذا أجبتم لما دعوتم الأمم إلي وإلى معرفتي وهم مستغرقون في بحر الشهود الغائبون عن أوصاف الوجود { قالوا لا علم لنآ } [المائدة: 109]، فأنطقهم الله بالبراءة عن التحقيق بباطن الأمور وحقيقتها حتى نفوا العلم عن أنفسهم وأثبتوا لحضرة جلاله فقالوا: { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 109]؛ أي: إنك تعلم ما غاب عنا وغبنا عنه، فإنك ما تغيب عن شيء، ولا يغيب عنك شيء كما قال صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
ثم أخبر عن الآية ونعمائه مع نبي من أنبيائه بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } [المائدة: 110]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى إذا قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إشارة إلى نعمة خاصة مع عيسى ووالدته دون سائر الخلق، وذلك أن حمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وإنما كان بروح منه كما قال تعالى:
ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا
[التحريم: 12]، وكذلك ولادة عيسى عليه السلام وخلقه ما كان من قطعة الرجال إنما كانت كلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، ومن نعم الله عليها ما قال: { إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا } [المائدة: 110]، يعني: تكلمك في الطفولية وفي الكهولية وبقية المعجزات التي ظهرت منك كما أنها نعمة في حقك، فكذلك هي نعمة في حق أمك بأنها تدل على براءة ساحتها فما نسبوها إليه واتهموها به.
المائدة 5:110
{ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } [المائدة: 108]؛ يعني: العقل والسر إن كانا ثابتين في بدء الأمر بأداء الحقوق في استعمال صفات النفس للشعارات الأخروية؛ لكان أولى وأخرى { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } [المائدة: 108]؛ يعني: أو يخافا عواقب الأمور بأن يتنزل على أنفسهم باستمهال وتضييع الوقت وفوات القرش وإفساد الاستعداد، ثم بالتذكر والتفكر برد الأمر إليهم فيحتاجون إلى كثرة الرياضة والمجاهدة الزكية والتصفية، ثم قال تعالى: { واتقوا الله } [المائدة: 108]، أي: اتقوا بالله عما سواه { واسمعوا } [المائدة: 108]، وأطيعوا أحكام الأزل { والله لا يهدي } [المائدة: 108]، إلى حضرته اليوم { القوم الفاسقين } [المائدة: 108]؛ يعني: الذين كانوا خارجين عند رشاش النور على الأرواح عن قبول النور وإصابته كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أفمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
ثم أخبر عن إصابة أهل الإصابة بقوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم } [المائدة: 109].
إشارة إن القيامة هي يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القاهرية يوم يكشف عن ساق، يوم يجمع الله الرسل في حظائر القدس دون العالمين، فيكاشفهم بنقم الجلال فيقول لهم عند احتباس قومهم: ماذا أجبتم لما دعوتم الأمم إلي وإلى معرفتي وهم مستغرقون في بحر الشهود الغائبون عن أوصاف الوجود { قالوا لا علم لنآ } [المائدة: 109]، فأنطقهم الله بالبراءة عن التحقيق بباطن الأمور وحقيقتها حتى نفوا العلم عن أنفسهم وأثبتوا لحضرة جلاله فقالوا: { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 109]؛ أي: إنك تعلم ما غاب عنا وغبنا عنه، فإنك ما تغيب عن شيء، ولا يغيب عنك شيء كما قال صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
ثم أخبر عن الآية ونعمائه مع نبي من أنبيائه بقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } [المائدة: 110]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى إذا قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إشارة إلى نعمة خاصة مع عيسى ووالدته دون سائر الخلق، وذلك أن حمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وإنما كان بروح منه كما قال تعالى:
ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا
[التحريم: 12]، وكذلك ولادة عيسى عليه السلام وخلقه ما كان من قطعة الرجال إنما كانت كلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، ومن نعم الله عليها ما قال: { إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا } [المائدة: 110]، يعني: تكلمك في الطفولية وفي الكهولية وبقية المعجزات التي ظهرت منك كما أنها نعمة في حقك، فكذلك هي نعمة في حق أمك بأنها تدل على براءة ساحتها فما نسبوها إليه واتهموها به.
المائدة 5:111
ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة لقبول الإيمان { أن آمنوا بي وبرسولي } [المائدة: 111]؛ إذ كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك التعارف { قالوا آمنا } [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضا فما أتلف بذلك التعارف ويقذف الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك وبعبوديتك رسالتك { واشهد بأننا مسلمون } [المائدة: 111]، منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء.
ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
[الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى:
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { قال عيسى ابن مريم } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.
ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.