التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — المائدة 5:112 – الأنعام 6:105
المحتويات
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
المائدة 5:112
ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة لقبول الإيمان { أن آمنوا بي وبرسولي } [المائدة: 111]؛ إذ كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك التعارف { قالوا آمنا } [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضا فما أتلف بذلك التعارف ويقذف الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك وبعبوديتك رسالتك { واشهد بأننا مسلمون } [المائدة: 111]، منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء.
ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
[الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى:
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { قال عيسى ابن مريم } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.
ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.
المائدة 5:113
ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة لقبول الإيمان { أن آمنوا بي وبرسولي } [المائدة: 111]؛ إذ كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك التعارف { قالوا آمنا } [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضا فما أتلف بذلك التعارف ويقذف الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك وبعبوديتك رسالتك { واشهد بأننا مسلمون } [المائدة: 111]، منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء.
ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
[الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى:
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { قال عيسى ابن مريم } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.
ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.
المائدة 5:114
ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة لقبول الإيمان { أن آمنوا بي وبرسولي } [المائدة: 111]؛ إذ كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك التعارف { قالوا آمنا } [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضا فما أتلف بذلك التعارف ويقذف الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك وبعبوديتك رسالتك { واشهد بأننا مسلمون } [المائدة: 111]، منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء.
ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
[الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى:
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { قال عيسى ابن مريم } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.
ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.
المائدة 5:115
ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة لقبول الإيمان { أن آمنوا بي وبرسولي } [المائدة: 111]؛ إذ كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك التعارف { قالوا آمنا } [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضا فما أتلف بذلك التعارف ويقذف الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك وبعبوديتك رسالتك { واشهد بأننا مسلمون } [المائدة: 111]، منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء.
ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
[الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى:
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { قال عيسى ابن مريم } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه.
ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.
المائدة 5:116
ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه:
أولها: لأن يستخرج منه قوله { قال سبحانك } [المائدة: 116]، وذلك المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره.
والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة الألوهية ولهذا قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلا عنهم وكان الكلام حقيقة معهم.
والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام { أأنت قلت للناس } والإثبات بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى:
أإله مع الله
[النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ".
والوجه الرابع: قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يشير به إلى القول بأمر التكوين كقوله تعالى:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا الخذلان نظيره قوله تعالى:
ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64]، وقوله
ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب العالمين، كقوله تعالى:
هل من خالق غير الله
[فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيما لله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين { إن كنت قلته } [المائدة: 116]؛ أي: هذا القول { فقد علمته } [المائدة: 116]؛ لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن { تعلم ما في نفسي } [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده فيها { ولا أعلم ما في نفسك } [المائدة: 116]، من صفاتك القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات
قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم.
ثم قال: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } [المائدة: 117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: { أن اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهدا على إقرارهم بوحدانيتك { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيبا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدا وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة { وأنت على كل شيء شهيد } [المائدة: 117]؛ يعني: كما كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضا عليهم شهيدا، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدا ولا رقيبا.
وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزا عن محافظتهم في الحياة والوفاة { إن تعذبهم } [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم { فإنهم عبادك } [المائدة: 118]؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يوما ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد
[النساء: 41]، { وإن تغفر لهم } [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك يوما، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد { فإنك أنت العزيز } [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء { الحكيم } [المائدة: 118]، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة.
ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولا وجاها ومالا وملكا يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم.
ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } [المائدة: 119]، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز
[آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم الله، فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا به يسمعون وبه يبصرون وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ثمار شجرة ويفوزوا بظهور الكنز المخفي الذي خلق الخلق لمعرفته، كما قاله تعالى:
" كنت كنزا مخفيا... الحديث "
{ ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119]، والله أعلم.
ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض وما فيهن } [المائدة: 120]، كما أخبر عنه بعد فناء العالم بمن فيه بقوله:
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، فأجاب نفسه فقال:
لله الواحد القهار
[غافر: 16]، ثم قال تعالى: { وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادرا فخلقه كما أراد وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق.
المائدة 5:117
ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه:
أولها: لأن يستخرج منه قوله { قال سبحانك } [المائدة: 116]، وذلك المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره.
والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة الألوهية ولهذا قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلا عنهم وكان الكلام حقيقة معهم.
والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام { أأنت قلت للناس } والإثبات بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى:
أإله مع الله
[النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ".
والوجه الرابع: قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يشير به إلى القول بأمر التكوين كقوله تعالى:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا الخذلان نظيره قوله تعالى:
ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64]، وقوله
ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب العالمين، كقوله تعالى:
هل من خالق غير الله
[فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيما لله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين { إن كنت قلته } [المائدة: 116]؛ أي: هذا القول { فقد علمته } [المائدة: 116]؛ لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن { تعلم ما في نفسي } [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده فيها { ولا أعلم ما في نفسك } [المائدة: 116]، من صفاتك القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات
قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم.
ثم قال: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } [المائدة: 117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: { أن اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهدا على إقرارهم بوحدانيتك { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيبا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدا وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة { وأنت على كل شيء شهيد } [المائدة: 117]؛ يعني: كما كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضا عليهم شهيدا، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدا ولا رقيبا.
وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزا عن محافظتهم في الحياة والوفاة { إن تعذبهم } [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم { فإنهم عبادك } [المائدة: 118]؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يوما ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد
[النساء: 41]، { وإن تغفر لهم } [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك يوما، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد { فإنك أنت العزيز } [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء { الحكيم } [المائدة: 118]، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة.
ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولا وجاها ومالا وملكا يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم.
ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } [المائدة: 119]، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز
[آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم الله، فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا به يسمعون وبه يبصرون وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ثمار شجرة ويفوزوا بظهور الكنز المخفي الذي خلق الخلق لمعرفته، كما قاله تعالى:
" كنت كنزا مخفيا... الحديث "
{ ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119]، والله أعلم.
ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض وما فيهن } [المائدة: 120]، كما أخبر عنه بعد فناء العالم بمن فيه بقوله:
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، فأجاب نفسه فقال:
لله الواحد القهار
[غافر: 16]، ثم قال تعالى: { وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادرا فخلقه كما أراد وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق.
المائدة 5:118
ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه:
أولها: لأن يستخرج منه قوله { قال سبحانك } [المائدة: 116]، وذلك المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره.
والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة الألوهية ولهذا قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلا عنهم وكان الكلام حقيقة معهم.
والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام { أأنت قلت للناس } والإثبات بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى:
أإله مع الله
[النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ".
والوجه الرابع: قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يشير به إلى القول بأمر التكوين كقوله تعالى:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا الخذلان نظيره قوله تعالى:
ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64]، وقوله
ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب العالمين، كقوله تعالى:
هل من خالق غير الله
[فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيما لله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين { إن كنت قلته } [المائدة: 116]؛ أي: هذا القول { فقد علمته } [المائدة: 116]؛ لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن { تعلم ما في نفسي } [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده فيها { ولا أعلم ما في نفسك } [المائدة: 116]، من صفاتك القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات
قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم.
ثم قال: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } [المائدة: 117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: { أن اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهدا على إقرارهم بوحدانيتك { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيبا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدا وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة { وأنت على كل شيء شهيد } [المائدة: 117]؛ يعني: كما كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضا عليهم شهيدا، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدا ولا رقيبا.
وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزا عن محافظتهم في الحياة والوفاة { إن تعذبهم } [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم { فإنهم عبادك } [المائدة: 118]؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يوما ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد
[النساء: 41]، { وإن تغفر لهم } [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك يوما، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد { فإنك أنت العزيز } [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء { الحكيم } [المائدة: 118]، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة.
ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولا وجاها ومالا وملكا يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم.
ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } [المائدة: 119]، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز
[آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم الله، فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا به يسمعون وبه يبصرون وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ثمار شجرة ويفوزوا بظهور الكنز المخفي الذي خلق الخلق لمعرفته، كما قاله تعالى:
" كنت كنزا مخفيا... الحديث "
{ ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119]، والله أعلم.
ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض وما فيهن } [المائدة: 120]، كما أخبر عنه بعد فناء العالم بمن فيه بقوله:
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، فأجاب نفسه فقال:
لله الواحد القهار
[غافر: 16]، ثم قال تعالى: { وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادرا فخلقه كما أراد وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق.
المائدة 5:119
ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه:
أولها: لأن يستخرج منه قوله { قال سبحانك } [المائدة: 116]، وذلك المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره.
والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة الألوهية ولهذا قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلا عنهم وكان الكلام حقيقة معهم.
والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام { أأنت قلت للناس } والإثبات بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى:
أإله مع الله
[النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ".
والوجه الرابع: قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يشير به إلى القول بأمر التكوين كقوله تعالى:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا الخذلان نظيره قوله تعالى:
ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64]، وقوله
ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب العالمين، كقوله تعالى:
هل من خالق غير الله
[فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيما لله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين { إن كنت قلته } [المائدة: 116]؛ أي: هذا القول { فقد علمته } [المائدة: 116]؛ لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن { تعلم ما في نفسي } [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده فيها { ولا أعلم ما في نفسك } [المائدة: 116]، من صفاتك القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات
قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم.
ثم قال: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } [المائدة: 117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: { أن اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهدا على إقرارهم بوحدانيتك { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيبا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدا وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة { وأنت على كل شيء شهيد } [المائدة: 117]؛ يعني: كما كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضا عليهم شهيدا، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدا ولا رقيبا.
وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزا عن محافظتهم في الحياة والوفاة { إن تعذبهم } [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم { فإنهم عبادك } [المائدة: 118]؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يوما ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد
[النساء: 41]، { وإن تغفر لهم } [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك يوما، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد { فإنك أنت العزيز } [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء { الحكيم } [المائدة: 118]، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة.
ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولا وجاها ومالا وملكا يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم.
ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } [المائدة: 119]، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز
[آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم الله، فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا به يسمعون وبه يبصرون وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ثمار شجرة ويفوزوا بظهور الكنز المخفي الذي خلق الخلق لمعرفته، كما قاله تعالى:
" كنت كنزا مخفيا... الحديث "
{ ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119]، والله أعلم.
ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض وما فيهن } [المائدة: 120]، كما أخبر عنه بعد فناء العالم بمن فيه بقوله:
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، فأجاب نفسه فقال:
لله الواحد القهار
[غافر: 16]، ثم قال تعالى: { وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادرا فخلقه كما أراد وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق.
المائدة 5:120
ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه:
أولها: لأن يستخرج منه قوله { قال سبحانك } [المائدة: 116]، وذلك المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره.
والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة الألوهية ولهذا قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلا عنهم وكان الكلام حقيقة معهم.
والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام { أأنت قلت للناس } والإثبات بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى:
أإله مع الله
[النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ".
والوجه الرابع: قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يشير به إلى القول بأمر التكوين كقوله تعالى:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا الخذلان نظيره قوله تعالى:
ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64]، وقوله
ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب العالمين، كقوله تعالى:
هل من خالق غير الله
[فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيما لله تعالى: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين { إن كنت قلته } [المائدة: 116]؛ أي: هذا القول { فقد علمته } [المائدة: 116]؛ لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن { تعلم ما في نفسي } [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده فيها { ولا أعلم ما في نفسك } [المائدة: 116]، من صفاتك القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات
قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم.
ثم قال: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } [المائدة: 117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: { أن اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهدا على إقرارهم بوحدانيتك { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيبا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدا وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة { وأنت على كل شيء شهيد } [المائدة: 117]؛ يعني: كما كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضا عليهم شهيدا، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدا ولا رقيبا.
وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزا عن محافظتهم في الحياة والوفاة { إن تعذبهم } [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم { فإنهم عبادك } [المائدة: 118]؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يوما ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد
[النساء: 41]، { وإن تغفر لهم } [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك يوما، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد { فإنك أنت العزيز } [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء { الحكيم } [المائدة: 118]، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة.
ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولا وجاها ومالا وملكا يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم.
ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } [المائدة: 119]، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز
[آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم الله، فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا به يسمعون وبه يبصرون وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ثمار شجرة ويفوزوا بظهور الكنز المخفي الذي خلق الخلق لمعرفته، كما قاله تعالى:
" كنت كنزا مخفيا... الحديث "
{ ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119]، والله أعلم.
ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض وما فيهن } [المائدة: 120]، كما أخبر عنه بعد فناء العالم بمن فيه بقوله:
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، فأجاب نفسه فقال:
لله الواحد القهار
[غافر: 16]، ثم قال تعالى: { وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادرا فخلقه كما أراد وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق.
الأنعام 6:1
{ الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } [الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: { لله } لام التمليك يعني: في حمد يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم الأزلي، وقال: " الحمد لله حمد الخلق له مخلوق " ، فإن حمده لنفسه قديم باق، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض }؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله تعالى:
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره
[الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: { خلق السموت والأرض } والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل.
وقال: { وجعل الظلمت والنور } [الأنعام: 1]، كما أنه تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب عليه النور، فهو صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية الروحانية، كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
[البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلا لربهم.
ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشرا وأولادا، كما قال تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } ، فيسويه بحكمته قابلا لفتح الروح الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، { ثم قضى أجلا } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطن الحقيقي { وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة بعد الغرقة في مقام العندية، كقوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدا.
ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام: 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.
وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.
الأنعام 6:2
{ الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } [الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: { لله } لام التمليك يعني: في حمد يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم الأزلي، وقال: " الحمد لله حمد الخلق له مخلوق " ، فإن حمده لنفسه قديم باق، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض }؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله تعالى:
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره
[الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: { خلق السموت والأرض } والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل.
وقال: { وجعل الظلمت والنور } [الأنعام: 1]، كما أنه تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب عليه النور، فهو صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية الروحانية، كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
[البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلا لربهم.
ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشرا وأولادا، كما قال تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } ، فيسويه بحكمته قابلا لفتح الروح الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، { ثم قضى أجلا } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطن الحقيقي { وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة بعد الغرقة في مقام العندية، كقوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدا.
ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام: 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.
وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.
الأنعام 6:3
{ الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } [الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: { لله } لام التمليك يعني: في حمد يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم الأزلي، وقال: " الحمد لله حمد الخلق له مخلوق " ، فإن حمده لنفسه قديم باق، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض }؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله تعالى:
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره
[الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: { خلق السموت والأرض } والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل.
وقال: { وجعل الظلمت والنور } [الأنعام: 1]، كما أنه تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب عليه النور، فهو صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية الروحانية، كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
[البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلا لربهم.
ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشرا وأولادا، كما قال تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } ، فيسويه بحكمته قابلا لفتح الروح الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، { ثم قضى أجلا } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطن الحقيقي { وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة بعد الغرقة في مقام العندية، كقوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدا.
ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام: 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.
وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.
الأنعام 6:4
{ الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } [الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: { لله } لام التمليك يعني: في حمد يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم الأزلي، وقال: " الحمد لله حمد الخلق له مخلوق " ، فإن حمده لنفسه قديم باق، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض }؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله تعالى:
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره
[الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: { خلق السموت والأرض } والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل.
وقال: { وجعل الظلمت والنور } [الأنعام: 1]، كما أنه تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب عليه النور، فهو صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية الروحانية، كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
[البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلا لربهم.
ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشرا وأولادا، كما قال تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } ، فيسويه بحكمته قابلا لفتح الروح الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، { ثم قضى أجلا } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطن الحقيقي { وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة بعد الغرقة في مقام العندية، كقوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدا.
ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام: 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.
وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.
الأنعام 6:5
{ الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } [الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: { لله } لام التمليك يعني: في حمد يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم الأزلي، وقال: " الحمد لله حمد الخلق له مخلوق " ، فإن حمده لنفسه قديم باق، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض }؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله تعالى:
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره
[الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: { خلق السموت والأرض } والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل.
وقال: { وجعل الظلمت والنور } [الأنعام: 1]، كما أنه تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب عليه النور، فهو صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية الروحانية، كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى:
والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
[البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلا لربهم.
ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشرا وأولادا، كما قال تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } ، فيسويه بحكمته قابلا لفتح الروح الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، { ثم قضى أجلا } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطن الحقيقي { وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة بعد الغرقة في مقام العندية، كقوله تعالى:
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدا.
ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام: 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.
وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.
الأنعام 6:6
ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.
ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
[إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل.
ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد استهزئ برسل من قبلك
[الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء.
{ فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
الأنعام 6:7
ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.
ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
[إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل.
ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد استهزئ برسل من قبلك
[الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء.
{ فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
الأنعام 6:8
ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.
ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
[إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل.
ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد استهزئ برسل من قبلك
[الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء.
{ فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
الأنعام 6:9
ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.
ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
[إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل.
ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد استهزئ برسل من قبلك
[الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء.
{ فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
الأنعام 6:10
ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.
ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
[إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل.
ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد استهزئ برسل من قبلك
[الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء.
{ فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
الأنعام 6:11
ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.
ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:
ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
[إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، فقال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل.
ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد استهزئ برسل من قبلك
[الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء.
{ فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة.
الأنعام 6:12
ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله } [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيبا مكونا من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقا وملكا ووجودا وعدما وإيجادا واعدا، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن { كتب } [الأنعام: 12]، في أزليته { على } [الأنعام: 12]، ذمة كرم { نفسه } [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته { الرحمة } [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته { ليجمعنكم } [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي { إلى يوم القيمة } [الأنعام: 12]، الذي { لا ريب فيه } [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلا يكون مجيبا لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي
لله الواحد القهار
[غافر: 16].
ففي ذلك اليوم { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 12]، بعد { و } قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن { له ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكا له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله { وهو السميع } [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعا لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم { العليم } [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه.
ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا } [الأنعام: 14]، إلى قوله: { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم وليا؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ".
{ فاطر السموت والأرض } [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته { وهو يطعم } [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، { ولا يطعم } [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب { قل إني أمرت } [الأنعام: 14]، في الأزل وخصصت { أن أكون أول من أسلم } [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: { ولا تكونن من المشركين } [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة.
{ قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الأنعام: 15]، برؤية الضر والتفاته { عذاب يوم عظيم } [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك والعذاب العظيم، كما قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة { من يصرف عنه } [الأنعام: 16]، عذاب الشرك { يومئذ } [الأنعام: 16]، يوما قدر فيه الشرك لأقوام { فقد رحمه } [الأنعام: 16] أي: نظر إليه بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: و { ولا تكونن من المشركين } ، فما كان { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد.
الأنعام 6:13
ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله } [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيبا مكونا من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقا وملكا ووجودا وعدما وإيجادا واعدا، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن { كتب } [الأنعام: 12]، في أزليته { على } [الأنعام: 12]، ذمة كرم { نفسه } [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته { الرحمة } [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته { ليجمعنكم } [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي { إلى يوم القيمة } [الأنعام: 12]، الذي { لا ريب فيه } [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلا يكون مجيبا لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي
لله الواحد القهار
[غافر: 16].
ففي ذلك اليوم { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 12]، بعد { و } قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن { له ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكا له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله { وهو السميع } [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعا لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم { العليم } [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه.
ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا } [الأنعام: 14]، إلى قوله: { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم وليا؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ".
{ فاطر السموت والأرض } [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته { وهو يطعم } [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، { ولا يطعم } [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب { قل إني أمرت } [الأنعام: 14]، في الأزل وخصصت { أن أكون أول من أسلم } [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: { ولا تكونن من المشركين } [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة.
{ قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الأنعام: 15]، برؤية الضر والتفاته { عذاب يوم عظيم } [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك والعذاب العظيم، كما قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة { من يصرف عنه } [الأنعام: 16]، عذاب الشرك { يومئذ } [الأنعام: 16]، يوما قدر فيه الشرك لأقوام { فقد رحمه } [الأنعام: 16] أي: نظر إليه بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: و { ولا تكونن من المشركين } ، فما كان { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد.
الأنعام 6:14
ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله } [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيبا مكونا من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقا وملكا ووجودا وعدما وإيجادا واعدا، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن { كتب } [الأنعام: 12]، في أزليته { على } [الأنعام: 12]، ذمة كرم { نفسه } [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته { الرحمة } [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته { ليجمعنكم } [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي { إلى يوم القيمة } [الأنعام: 12]، الذي { لا ريب فيه } [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلا يكون مجيبا لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي
لله الواحد القهار
[غافر: 16].
ففي ذلك اليوم { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 12]، بعد { و } قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن { له ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكا له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله { وهو السميع } [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعا لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم { العليم } [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه.
ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا } [الأنعام: 14]، إلى قوله: { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم وليا؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ".
{ فاطر السموت والأرض } [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته { وهو يطعم } [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، { ولا يطعم } [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب { قل إني أمرت } [الأنعام: 14]، في الأزل وخصصت { أن أكون أول من أسلم } [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: { ولا تكونن من المشركين } [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة.
{ قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الأنعام: 15]، برؤية الضر والتفاته { عذاب يوم عظيم } [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك والعذاب العظيم، كما قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة { من يصرف عنه } [الأنعام: 16]، عذاب الشرك { يومئذ } [الأنعام: 16]، يوما قدر فيه الشرك لأقوام { فقد رحمه } [الأنعام: 16] أي: نظر إليه بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: و { ولا تكونن من المشركين } ، فما كان { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد.
الأنعام 6:15
ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله } [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيبا مكونا من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقا وملكا ووجودا وعدما وإيجادا واعدا، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن { كتب } [الأنعام: 12]، في أزليته { على } [الأنعام: 12]، ذمة كرم { نفسه } [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته { الرحمة } [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته { ليجمعنكم } [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي { إلى يوم القيمة } [الأنعام: 12]، الذي { لا ريب فيه } [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلا يكون مجيبا لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي
لله الواحد القهار
[غافر: 16].
ففي ذلك اليوم { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 12]، بعد { و } قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن { له ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكا له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله { وهو السميع } [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعا لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم { العليم } [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه.
ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا } [الأنعام: 14]، إلى قوله: { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم وليا؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ".
{ فاطر السموت والأرض } [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته { وهو يطعم } [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، { ولا يطعم } [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب { قل إني أمرت } [الأنعام: 14]، في الأزل وخصصت { أن أكون أول من أسلم } [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: { ولا تكونن من المشركين } [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة.
{ قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الأنعام: 15]، برؤية الضر والتفاته { عذاب يوم عظيم } [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك والعذاب العظيم، كما قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة { من يصرف عنه } [الأنعام: 16]، عذاب الشرك { يومئذ } [الأنعام: 16]، يوما قدر فيه الشرك لأقوام { فقد رحمه } [الأنعام: 16] أي: نظر إليه بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: و { ولا تكونن من المشركين } ، فما كان { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد.
الأنعام 6:16
ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله } [الأنعام: 12]، والإشارة فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على الحقيقة مجيبا مكونا من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقا وملكا ووجودا وعدما وإيجادا واعدا، فهو الأول الكون والآخر والظاهر والباطن { كتب } [الأنعام: 12]، في أزليته { على } [الأنعام: 12]، ذمة كرم { نفسه } [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته { الرحمة } [الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته { ليجمعنكم } [الأنعام: 12]، بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي { إلى يوم القيمة } [الأنعام: 12]، الذي { لا ريب فيه } [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ولعظمتي
لمن الملك اليوم
[غافر: 16]، فلا يكون مجيبا لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، فأجيب لذاتي بذاتي
لله الواحد القهار
[غافر: 16].
ففي ذلك اليوم { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 12]؛ أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 12]، بعد { و } قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا أن { له ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13]؛ أي: من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكا له يظهر عليهم آثار صفات قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن الله { وهو السميع } [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعا لما يسخرون من الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم { العليم } [الأنعام: 13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه.
ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا } [الأنعام: 14]، إلى قوله: { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل أغير الله اتخذ اليوم وليا؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ".
{ فاطر السموت والأرض } [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته { وهو يطعم } [الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني "
، { ولا يطعم } [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب { قل إني أمرت } [الأنعام: 14]، في الأزل وخصصت { أن أكون أول من أسلم } [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: { ولا تكونن من المشركين } [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة.
{ قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الأنعام: 15]، برؤية الضر والتفاته { عذاب يوم عظيم } [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك والعذاب العظيم، كما قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة { من يصرف عنه } [الأنعام: 16]، عذاب الشرك { يومئذ } [الأنعام: 16]، يوما قدر فيه الشرك لأقوام { فقد رحمه } [الأنعام: 16] أي: نظر إليه بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: و { ولا تكونن من المشركين } ، فما كان { وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد.
الأنعام 6:17
ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلا وأبدا، فبهذا يتحقق قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح.
{ فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، في النهاية { وإن يمسسك بخير } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، { فهو على كل شيء قدير } [الأنعام: 17]، أزلا وأبدا.
{ وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر أخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئا سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته { وهو الحكيم } [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز { الخبير } [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى.
ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهدة قل الله } [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحدا، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو { شهيد بيني وبينكم } [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به.
ثم قال { وأوحي إلي هذا القرآن } [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها { لأنذركم به } [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما منهم.
وقال تعالى:
ليظهره على الدين كله
[التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم:
وضربت عليهم الذلة والمسكنة
[البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفا تأليفا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن بلغ } [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضا ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.
كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:
" زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها "
، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: { قل لا أشهد } [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله { قل } [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون { إنما هو إله واحد } [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته { وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.
ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } [الأنعام: 20]، إلى قوله:
ما كانوا يفترون [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19].
{ الذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى:
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89]، وفي قوله تعالى:
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
[البقرة: 146]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد { أو كذب بآيته } [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
الأنعام 6:18
ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلا وأبدا، فبهذا يتحقق قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح.
{ فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، في النهاية { وإن يمسسك بخير } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، { فهو على كل شيء قدير } [الأنعام: 17]، أزلا وأبدا.
{ وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر أخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئا سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته { وهو الحكيم } [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز { الخبير } [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى.
ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهدة قل الله } [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحدا، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو { شهيد بيني وبينكم } [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به.
ثم قال { وأوحي إلي هذا القرآن } [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها { لأنذركم به } [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما منهم.
وقال تعالى:
ليظهره على الدين كله
[التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم:
وضربت عليهم الذلة والمسكنة
[البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفا تأليفا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن بلغ } [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضا ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.
كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:
" زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها "
، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: { قل لا أشهد } [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله { قل } [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون { إنما هو إله واحد } [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته { وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.
ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } [الأنعام: 20]، إلى قوله:
ما كانوا يفترون [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19].
{ الذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى:
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89]، وفي قوله تعالى:
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
[البقرة: 146]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد { أو كذب بآيته } [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
الأنعام 6:19
ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلا وأبدا، فبهذا يتحقق قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح.
{ فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، في النهاية { وإن يمسسك بخير } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، { فهو على كل شيء قدير } [الأنعام: 17]، أزلا وأبدا.
{ وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر أخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئا سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته { وهو الحكيم } [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز { الخبير } [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى.
ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهدة قل الله } [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحدا، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو { شهيد بيني وبينكم } [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به.
ثم قال { وأوحي إلي هذا القرآن } [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها { لأنذركم به } [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما منهم.
وقال تعالى:
ليظهره على الدين كله
[التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم:
وضربت عليهم الذلة والمسكنة
[البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفا تأليفا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن بلغ } [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضا ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.
كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:
" زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها "
، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: { قل لا أشهد } [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله { قل } [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون { إنما هو إله واحد } [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته { وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.
ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } [الأنعام: 20]، إلى قوله:
ما كانوا يفترون [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19].
{ الذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى:
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89]، وفي قوله تعالى:
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
[البقرة: 146]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد { أو كذب بآيته } [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
الأنعام 6:20
ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلا وأبدا، فبهذا يتحقق قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح.
{ فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، في النهاية { وإن يمسسك بخير } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، { فهو على كل شيء قدير } [الأنعام: 17]، أزلا وأبدا.
{ وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر أخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئا سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته { وهو الحكيم } [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز { الخبير } [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى.
ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهدة قل الله } [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحدا، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو { شهيد بيني وبينكم } [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به.
ثم قال { وأوحي إلي هذا القرآن } [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها { لأنذركم به } [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما منهم.
وقال تعالى:
ليظهره على الدين كله
[التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم:
وضربت عليهم الذلة والمسكنة
[البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفا تأليفا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن بلغ } [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضا ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.
كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:
" زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها "
، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: { قل لا أشهد } [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله { قل } [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون { إنما هو إله واحد } [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته { وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.
ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } [الأنعام: 20]، إلى قوله:
ما كانوا يفترون [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19].
{ الذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى:
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89]، وفي قوله تعالى:
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
[البقرة: 146]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد { أو كذب بآيته } [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
الأنعام 6:21
ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلا وأبدا، فبهذا يتحقق قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح.
{ فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، في النهاية { وإن يمسسك بخير } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، { فهو على كل شيء قدير } [الأنعام: 17]، أزلا وأبدا.
{ وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر أخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئا سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته { وهو الحكيم } [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز { الخبير } [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى.
ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهدة قل الله } [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحدا، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو { شهيد بيني وبينكم } [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به.
ثم قال { وأوحي إلي هذا القرآن } [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها { لأنذركم به } [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما منهم.
وقال تعالى:
ليظهره على الدين كله
[التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم:
وضربت عليهم الذلة والمسكنة
[البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفا تأليفا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن بلغ } [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضا ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.
كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:
" زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها "
، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: { قل لا أشهد } [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله { قل } [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون { إنما هو إله واحد } [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته { وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.
ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } [الأنعام: 20]، إلى قوله:
ما كانوا يفترون [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: 19].
{ الذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى:
قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين
[المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى:
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89]، وفي قوله تعالى:
يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
[البقرة: 146]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد { أو كذب بآيته } [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
الأنعام 6:22
{ ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن فتنتهم } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى.
قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين.
ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } [الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: 25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين { وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171].
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله:
وما نحن بمبعوثين
[الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين.
الأنعام 6:23
{ ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن فتنتهم } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى.
قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين.
ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } [الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: 25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين { وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171].
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله:
وما نحن بمبعوثين
[الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين.
الأنعام 6:24
{ ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن فتنتهم } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى.
قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين.
ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } [الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: 25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين { وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171].
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله:
وما نحن بمبعوثين
[الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين.
الأنعام 6:25
{ ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن فتنتهم } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى.
قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين.
ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } [الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: 25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين { وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171].
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله:
وما نحن بمبعوثين
[الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين.
الأنعام 6:26
{ ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن فتنتهم } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى.
قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين.
ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } [الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: 25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين { وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171].
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله:
وما نحن بمبعوثين
[الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين.
الأنعام 6:27
{ ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن فتنتهم } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى.
قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: 24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في الآخرة: ما كنا مشركين.
ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } [الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: 25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين { وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171].
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله:
وما نحن بمبعوثين
[الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين.
الأنعام 6:28
فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة { ولو ردوا } [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة { لعادوا لما نهوا } [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا { عنه } [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلها مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة { وإنهم لكاذبون } [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { وقالوا } [الأنعام: 29]، بعدما ردوا إلى استعدادهم الذي كانوا عليه القابل للكذب والإنكار { إن هي إلا حياتنا الدنيا } [الأنعام: 29] نعيش فيها ثم نموت { وما نحن بمبعوثين } [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومجيبي
بلى
[الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار.
ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } [الأنعام: 30]، إلى قوله: { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غدا؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر { قال } [الأنعام: 30]، لأهله { أليس هذا بالحق } [الأنعام: 30]، قهر الربوبية { قالوا } [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر { بلى وربنا } [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية { قال فذوقوا العذاب } [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه نارا، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:
لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه
لفرقة من أفنيت في ذكره سرى
{ حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب وما زو
ودت غير الحسرات
{ قالوا يحسرتنا على ما فرطنا } [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فيها } [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها { وهم يحملون أوزارهم } [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة { على ظهورهم } [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه { ألا سآء ما يزرون } [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله { وما الحيوة الدنيآ } [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية { إلا لعب } [الأنعام: 32]، الصبيان { ولهو } [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعا ويبقى ضرره منيعا؛ لأنه يذوب في الحجب { وللدار الآخرة } [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله { خير للذين يتقون } [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41].
الأنعام 6:29
فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة { ولو ردوا } [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة { لعادوا لما نهوا } [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا { عنه } [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلها مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة { وإنهم لكاذبون } [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { وقالوا } [الأنعام: 29]، بعدما ردوا إلى استعدادهم الذي كانوا عليه القابل للكذب والإنكار { إن هي إلا حياتنا الدنيا } [الأنعام: 29] نعيش فيها ثم نموت { وما نحن بمبعوثين } [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومجيبي
بلى
[الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار.
ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } [الأنعام: 30]، إلى قوله: { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غدا؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر { قال } [الأنعام: 30]، لأهله { أليس هذا بالحق } [الأنعام: 30]، قهر الربوبية { قالوا } [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر { بلى وربنا } [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية { قال فذوقوا العذاب } [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه نارا، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:
لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه
لفرقة من أفنيت في ذكره سرى
{ حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب وما زو
ودت غير الحسرات
{ قالوا يحسرتنا على ما فرطنا } [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فيها } [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها { وهم يحملون أوزارهم } [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة { على ظهورهم } [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه { ألا سآء ما يزرون } [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله { وما الحيوة الدنيآ } [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية { إلا لعب } [الأنعام: 32]، الصبيان { ولهو } [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعا ويبقى ضرره منيعا؛ لأنه يذوب في الحجب { وللدار الآخرة } [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله { خير للذين يتقون } [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41].
الأنعام 6:30
فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة { ولو ردوا } [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة { لعادوا لما نهوا } [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا { عنه } [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلها مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة { وإنهم لكاذبون } [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { وقالوا } [الأنعام: 29]، بعدما ردوا إلى استعدادهم الذي كانوا عليه القابل للكذب والإنكار { إن هي إلا حياتنا الدنيا } [الأنعام: 29] نعيش فيها ثم نموت { وما نحن بمبعوثين } [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومجيبي
بلى
[الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار.
ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } [الأنعام: 30]، إلى قوله: { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غدا؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر { قال } [الأنعام: 30]، لأهله { أليس هذا بالحق } [الأنعام: 30]، قهر الربوبية { قالوا } [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر { بلى وربنا } [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية { قال فذوقوا العذاب } [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه نارا، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:
لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه
لفرقة من أفنيت في ذكره سرى
{ حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب وما زو
ودت غير الحسرات
{ قالوا يحسرتنا على ما فرطنا } [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فيها } [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها { وهم يحملون أوزارهم } [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة { على ظهورهم } [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه { ألا سآء ما يزرون } [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله { وما الحيوة الدنيآ } [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية { إلا لعب } [الأنعام: 32]، الصبيان { ولهو } [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعا ويبقى ضرره منيعا؛ لأنه يذوب في الحجب { وللدار الآخرة } [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله { خير للذين يتقون } [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41].
الأنعام 6:31
فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة { ولو ردوا } [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة { لعادوا لما نهوا } [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا { عنه } [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلها مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة { وإنهم لكاذبون } [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { وقالوا } [الأنعام: 29]، بعدما ردوا إلى استعدادهم الذي كانوا عليه القابل للكذب والإنكار { إن هي إلا حياتنا الدنيا } [الأنعام: 29] نعيش فيها ثم نموت { وما نحن بمبعوثين } [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومجيبي
بلى
[الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار.
ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } [الأنعام: 30]، إلى قوله: { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غدا؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر { قال } [الأنعام: 30]، لأهله { أليس هذا بالحق } [الأنعام: 30]، قهر الربوبية { قالوا } [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر { بلى وربنا } [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية { قال فذوقوا العذاب } [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه نارا، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:
لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه
لفرقة من أفنيت في ذكره سرى
{ حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب وما زو
ودت غير الحسرات
{ قالوا يحسرتنا على ما فرطنا } [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فيها } [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها { وهم يحملون أوزارهم } [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة { على ظهورهم } [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه { ألا سآء ما يزرون } [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله { وما الحيوة الدنيآ } [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية { إلا لعب } [الأنعام: 32]، الصبيان { ولهو } [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعا ويبقى ضرره منيعا؛ لأنه يذوب في الحجب { وللدار الآخرة } [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله { خير للذين يتقون } [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41].
الأنعام 6:32
فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة { ولو ردوا } [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة { لعادوا لما نهوا } [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا { عنه } [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلها مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة { وإنهم لكاذبون } [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { وقالوا } [الأنعام: 29]، بعدما ردوا إلى استعدادهم الذي كانوا عليه القابل للكذب والإنكار { إن هي إلا حياتنا الدنيا } [الأنعام: 29] نعيش فيها ثم نموت { وما نحن بمبعوثين } [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله:
ألست بربكم
[الأعراف: 172]، ومجيبي
بلى
[الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى:
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
[الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار.
ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } [الأنعام: 30]، إلى قوله: { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غدا؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر { قال } [الأنعام: 30]، لأهله { أليس هذا بالحق } [الأنعام: 30]، قهر الربوبية { قالوا } [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر { بلى وربنا } [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية { قال فذوقوا العذاب } [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه نارا، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:
لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه
لفرقة من أفنيت في ذكره سرى
{ حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر:
أيها القانص ما أح
سنت صيد الظبيات
فاتك السرب وما زو
ودت غير الحسرات
{ قالوا يحسرتنا على ما فرطنا } [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فيها } [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها { وهم يحملون أوزارهم } [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة { على ظهورهم } [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه { ألا سآء ما يزرون } [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله { وما الحيوة الدنيآ } [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية { إلا لعب } [الأنعام: 32]، الصبيان { ولهو } [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعا ويبقى ضرره منيعا؛ لأنه يذوب في الحجب { وللدار الآخرة } [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله { خير للذين يتقون } [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41].
الأنعام 6:33
ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } [الأنعام: 33]، الآيتين والإشارة فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب عن ضلالتهم { فإنهم لا يكذبونك } [الأنعام: 33]، على الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33]، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائع هذا عندنا وحالك فينا كما قيل شعر:
أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة
وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا
وإنك لست منفردا في مقامات المحنة من بين أهل المحبة { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } [الأنعام: 34]، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين { حتى أتاهم نصرنا } [الأنعام: 34]، ظاهرا وباطنا فإنا الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا العزم كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، { ولا مبدل لكلمات الله } [الأنعام: 34]، وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة
كن
[البقرة: 117]، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } [الأنعام: 34]؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما أصابهم من المكاره.
ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } [الأنعام: 35]، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما خوطب بقوله تعالى:
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
[آل عمران: 159]، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]، وقيل:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103]، وقيل: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، ثم قال تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } [الأنعام: 35]؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به { فلا تكونن من الجهلين } [الأنعام: 35]، الذين لا يعلمون الحكمة فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارا للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بهذه الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأزل { فلا تكونن من الجهلين } في الدنيا فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع عن الكينونة.
ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم الذين أحياهم الله تعالى بنور منه كقوله تعالى وتبارك:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى:
" فبي يسمع وبي يبصر "
{ والموتى } [الأنعام: 36]، أراد بالموتى من كان ميتا ولم يحييه الله فلا يسمع قوله: { يبعثهم الله } [الأنعام: 36]؛ يعني: الله قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
ومآ أنت بمسمع من في القبور
[فاطر: 22]، { ثم إليه يرجعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: من يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم { يرجعون } إليه بجذبات العناية ونور الهداية { وقالوا } [الأنعام: 37]، أهل الأهواء لأهل الولاء { لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37]، طالما يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها { قل إن الله قادر على أن ينزل آية } [الأنعام: 37]، في كل ساعة ولحظة { ولكن أكثرهم } [الأنعام: 37]، بدون الآية { لا يعلمون } [الأنعام: 37]، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا السحر والكذب.
الأنعام 6:34
ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } [الأنعام: 33]، الآيتين والإشارة فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب عن ضلالتهم { فإنهم لا يكذبونك } [الأنعام: 33]، على الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33]، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائع هذا عندنا وحالك فينا كما قيل شعر:
أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة
وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا
وإنك لست منفردا في مقامات المحنة من بين أهل المحبة { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } [الأنعام: 34]، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين { حتى أتاهم نصرنا } [الأنعام: 34]، ظاهرا وباطنا فإنا الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا العزم كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، { ولا مبدل لكلمات الله } [الأنعام: 34]، وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة
كن
[البقرة: 117]، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } [الأنعام: 34]؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما أصابهم من المكاره.
ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } [الأنعام: 35]، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما خوطب بقوله تعالى:
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
[آل عمران: 159]، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]، وقيل:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103]، وقيل: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، ثم قال تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } [الأنعام: 35]؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به { فلا تكونن من الجهلين } [الأنعام: 35]، الذين لا يعلمون الحكمة فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارا للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بهذه الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأزل { فلا تكونن من الجهلين } في الدنيا فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع عن الكينونة.
ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم الذين أحياهم الله تعالى بنور منه كقوله تعالى وتبارك:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى:
" فبي يسمع وبي يبصر "
{ والموتى } [الأنعام: 36]، أراد بالموتى من كان ميتا ولم يحييه الله فلا يسمع قوله: { يبعثهم الله } [الأنعام: 36]؛ يعني: الله قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
ومآ أنت بمسمع من في القبور
[فاطر: 22]، { ثم إليه يرجعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: من يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم { يرجعون } إليه بجذبات العناية ونور الهداية { وقالوا } [الأنعام: 37]، أهل الأهواء لأهل الولاء { لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37]، طالما يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها { قل إن الله قادر على أن ينزل آية } [الأنعام: 37]، في كل ساعة ولحظة { ولكن أكثرهم } [الأنعام: 37]، بدون الآية { لا يعلمون } [الأنعام: 37]، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا السحر والكذب.
الأنعام 6:35
ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } [الأنعام: 33]، الآيتين والإشارة فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب عن ضلالتهم { فإنهم لا يكذبونك } [الأنعام: 33]، على الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33]، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائع هذا عندنا وحالك فينا كما قيل شعر:
أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة
وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا
وإنك لست منفردا في مقامات المحنة من بين أهل المحبة { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } [الأنعام: 34]، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين { حتى أتاهم نصرنا } [الأنعام: 34]، ظاهرا وباطنا فإنا الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا العزم كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، { ولا مبدل لكلمات الله } [الأنعام: 34]، وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة
كن
[البقرة: 117]، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } [الأنعام: 34]؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما أصابهم من المكاره.
ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } [الأنعام: 35]، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما خوطب بقوله تعالى:
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
[آل عمران: 159]، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]، وقيل:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103]، وقيل: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، ثم قال تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } [الأنعام: 35]؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به { فلا تكونن من الجهلين } [الأنعام: 35]، الذين لا يعلمون الحكمة فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارا للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بهذه الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأزل { فلا تكونن من الجهلين } في الدنيا فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع عن الكينونة.
ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم الذين أحياهم الله تعالى بنور منه كقوله تعالى وتبارك:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى:
" فبي يسمع وبي يبصر "
{ والموتى } [الأنعام: 36]، أراد بالموتى من كان ميتا ولم يحييه الله فلا يسمع قوله: { يبعثهم الله } [الأنعام: 36]؛ يعني: الله قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
ومآ أنت بمسمع من في القبور
[فاطر: 22]، { ثم إليه يرجعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: من يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم { يرجعون } إليه بجذبات العناية ونور الهداية { وقالوا } [الأنعام: 37]، أهل الأهواء لأهل الولاء { لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37]، طالما يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها { قل إن الله قادر على أن ينزل آية } [الأنعام: 37]، في كل ساعة ولحظة { ولكن أكثرهم } [الأنعام: 37]، بدون الآية { لا يعلمون } [الأنعام: 37]، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا السحر والكذب.
الأنعام 6:36
ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } [الأنعام: 33]، الآيتين والإشارة فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب عن ضلالتهم { فإنهم لا يكذبونك } [الأنعام: 33]، على الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33]، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائع هذا عندنا وحالك فينا كما قيل شعر:
أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة
وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا
وإنك لست منفردا في مقامات المحنة من بين أهل المحبة { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } [الأنعام: 34]، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين { حتى أتاهم نصرنا } [الأنعام: 34]، ظاهرا وباطنا فإنا الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا العزم كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، { ولا مبدل لكلمات الله } [الأنعام: 34]، وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة
كن
[البقرة: 117]، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } [الأنعام: 34]؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما أصابهم من المكاره.
ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } [الأنعام: 35]، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما خوطب بقوله تعالى:
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
[آل عمران: 159]، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]، وقيل:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103]، وقيل: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، ثم قال تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } [الأنعام: 35]؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به { فلا تكونن من الجهلين } [الأنعام: 35]، الذين لا يعلمون الحكمة فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارا للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بهذه الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأزل { فلا تكونن من الجهلين } في الدنيا فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع عن الكينونة.
ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم الذين أحياهم الله تعالى بنور منه كقوله تعالى وتبارك:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى:
" فبي يسمع وبي يبصر "
{ والموتى } [الأنعام: 36]، أراد بالموتى من كان ميتا ولم يحييه الله فلا يسمع قوله: { يبعثهم الله } [الأنعام: 36]؛ يعني: الله قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
ومآ أنت بمسمع من في القبور
[فاطر: 22]، { ثم إليه يرجعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: من يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم { يرجعون } إليه بجذبات العناية ونور الهداية { وقالوا } [الأنعام: 37]، أهل الأهواء لأهل الولاء { لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37]، طالما يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها { قل إن الله قادر على أن ينزل آية } [الأنعام: 37]، في كل ساعة ولحظة { ولكن أكثرهم } [الأنعام: 37]، بدون الآية { لا يعلمون } [الأنعام: 37]، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا السحر والكذب.
الأنعام 6:37
ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } [الأنعام: 33]، الآيتين والإشارة فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب عن ضلالتهم { فإنهم لا يكذبونك } [الأنعام: 33]، على الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } [الأنعام: 33]، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائع هذا عندنا وحالك فينا كما قيل شعر:
أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة
وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا
وإنك لست منفردا في مقامات المحنة من بين أهل المحبة { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } [الأنعام: 34]، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين { حتى أتاهم نصرنا } [الأنعام: 34]، ظاهرا وباطنا فإنا الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا العزم كما قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35]، { ولا مبدل لكلمات الله } [الأنعام: 34]، وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة
كن
[البقرة: 117]، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } [الأنعام: 34]؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما أصابهم من المكاره.
ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } [الأنعام: 35]، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي "
؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما خوطب بقوله تعالى:
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
[آل عمران: 159]، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]، وقيل:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103]، وقيل: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، ثم قال تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } [الأنعام: 35]؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به { فلا تكونن من الجهلين } [الأنعام: 35]، الذين لا يعلمون الحكمة فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارا للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بهذه الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأزل { فلا تكونن من الجهلين } في الدنيا فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع عن الكينونة.
ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم الذين أحياهم الله تعالى بنور منه كقوله تعالى وتبارك:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى:
" فبي يسمع وبي يبصر "
{ والموتى } [الأنعام: 36]، أراد بالموتى من كان ميتا ولم يحييه الله فلا يسمع قوله: { يبعثهم الله } [الأنعام: 36]؛ يعني: الله قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى:
إنك لا تسمع الموتى
[النمل: 80]، وقال تعالى:
ومآ أنت بمسمع من في القبور
[فاطر: 22]، { ثم إليه يرجعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: من يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم { يرجعون } إليه بجذبات العناية ونور الهداية { وقالوا } [الأنعام: 37]، أهل الأهواء لأهل الولاء { لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37]، طالما يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها { قل إن الله قادر على أن ينزل آية } [الأنعام: 37]، في كل ساعة ولحظة { ولكن أكثرهم } [الأنعام: 37]، بدون الآية { لا يعلمون } [الأنعام: 37]، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا السحر والكذب.
الأنعام 6:38
ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [الأنعام: 38]، إلى قوله: { على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]، { ما فرطنا في الكتب } [الأنعام: 38]؛ أي: تركنا في القرآن { من شيء } [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه { ثم إلى ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]، أما المقبلون المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسبحون في النار على وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من أسباب الوصول كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا { صم } [الأنعام: 39]؛ إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق { وبكم } [الأنعام: 39]، ألسنة قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم { في الظلمات } [الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في قوله تعالى: { صم وبكم في الظلمات } من موت القلب، كقوله تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة { من يشإ الله } [الأنعام: 39]، إضلاله { يضلله } [الأنعام: 39]، عن طلب الحق بموت القلب { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة.
ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 40]، إلى قوله: { ما تشركون } [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه بحر الروحانية ويتصرف
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] فتح بابا من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله تعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم
[فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نورا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى:
إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء { أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } يعني: في الضراء { أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 40]، في الجواب { بل إياه تدعون } [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف { ما تدعون إليه إن شآء } [الأنعام: 41]، في الأزل { وتنسون ما تشركون } [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك.
ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون } [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.
الأنعام 6:39
ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [الأنعام: 38]، إلى قوله: { على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]، { ما فرطنا في الكتب } [الأنعام: 38]؛ أي: تركنا في القرآن { من شيء } [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه { ثم إلى ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]، أما المقبلون المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسبحون في النار على وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من أسباب الوصول كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا { صم } [الأنعام: 39]؛ إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق { وبكم } [الأنعام: 39]، ألسنة قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم { في الظلمات } [الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في قوله تعالى: { صم وبكم في الظلمات } من موت القلب، كقوله تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة { من يشإ الله } [الأنعام: 39]، إضلاله { يضلله } [الأنعام: 39]، عن طلب الحق بموت القلب { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة.
ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 40]، إلى قوله: { ما تشركون } [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه بحر الروحانية ويتصرف
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] فتح بابا من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله تعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم
[فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نورا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى:
إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء { أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } يعني: في الضراء { أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 40]، في الجواب { بل إياه تدعون } [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف { ما تدعون إليه إن شآء } [الأنعام: 41]، في الأزل { وتنسون ما تشركون } [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك.
ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون } [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.
الأنعام 6:40
ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [الأنعام: 38]، إلى قوله: { على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]، { ما فرطنا في الكتب } [الأنعام: 38]؛ أي: تركنا في القرآن { من شيء } [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه { ثم إلى ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]، أما المقبلون المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسبحون في النار على وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من أسباب الوصول كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا { صم } [الأنعام: 39]؛ إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق { وبكم } [الأنعام: 39]، ألسنة قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم { في الظلمات } [الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في قوله تعالى: { صم وبكم في الظلمات } من موت القلب، كقوله تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة { من يشإ الله } [الأنعام: 39]، إضلاله { يضلله } [الأنعام: 39]، عن طلب الحق بموت القلب { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة.
ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 40]، إلى قوله: { ما تشركون } [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه بحر الروحانية ويتصرف
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] فتح بابا من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله تعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم
[فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نورا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى:
إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء { أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } يعني: في الضراء { أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 40]، في الجواب { بل إياه تدعون } [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف { ما تدعون إليه إن شآء } [الأنعام: 41]، في الأزل { وتنسون ما تشركون } [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك.
ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون } [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.
الأنعام 6:41
ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [الأنعام: 38]، إلى قوله: { على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]، { ما فرطنا في الكتب } [الأنعام: 38]؛ أي: تركنا في القرآن { من شيء } [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه { ثم إلى ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]، أما المقبلون المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسبحون في النار على وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من أسباب الوصول كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا { صم } [الأنعام: 39]؛ إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق { وبكم } [الأنعام: 39]، ألسنة قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم { في الظلمات } [الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في قوله تعالى: { صم وبكم في الظلمات } من موت القلب، كقوله تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة { من يشإ الله } [الأنعام: 39]، إضلاله { يضلله } [الأنعام: 39]، عن طلب الحق بموت القلب { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة.
ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 40]، إلى قوله: { ما تشركون } [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه بحر الروحانية ويتصرف
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] فتح بابا من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله تعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم
[فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نورا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى:
إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء { أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } يعني: في الضراء { أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 40]، في الجواب { بل إياه تدعون } [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف { ما تدعون إليه إن شآء } [الأنعام: 41]، في الأزل { وتنسون ما تشركون } [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك.
ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون } [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.
الأنعام 6:42
ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } [الأنعام: 38]، إلى قوله: { على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]، { ما فرطنا في الكتب } [الأنعام: 38]؛ أي: تركنا في القرآن { من شيء } [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه { ثم إلى ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]، أما المقبلون المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسبحون في النار على وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من أسباب الوصول كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا { صم } [الأنعام: 39]؛ إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق { وبكم } [الأنعام: 39]، ألسنة قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم { في الظلمات } [الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في قوله تعالى: { صم وبكم في الظلمات } من موت القلب، كقوله تعالى:
أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة { من يشإ الله } [الأنعام: 39]، إضلاله { يضلله } [الأنعام: 39]، عن طلب الحق بموت القلب { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة.
ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 40]، إلى قوله: { ما تشركون } [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه بحر الروحانية ويتصرف
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29] فتح بابا من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله تعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم
[فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نورا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى:
إلى ربك الرجعى
[العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب القدس ولا يرجعون إليه في السراء { أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } يعني: في الضراء { أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون } [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند الاضطرار { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 40]، في الجواب { بل إياه تدعون } [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف { ما تدعون إليه إن شآء } [الأنعام: 41]، في الأزل { وتنسون ما تشركون } [الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك.
ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون } [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا عليه.
الأنعام 6:43
{ فلولا } فهل لا { إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } [الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة { ولكن قست قلوبهم } [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق { فلما نسوا ما ذكروا به } [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيرا من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور { أخذناهم بغتة } [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل والقال والدعوى المحال { فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44] متحيرون في تيه الغرور { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض { والحمد لله رب العالمين } [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله.
ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [الأنعام: 46]، إلى قوله:
يفقهون
[الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها يسمعون وبها يبصرون بالحق، ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } التي أعطاكموها { وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } [الأنعام: 46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ثم قال تعالى: { انظر } [الأنعام: 46]، يا محمد { كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها { ثم هم يصدفون } [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك.
ثم عم الخطاب وقال تعالى: { قل } [الأنعام: 47] يا محمد { أرءيتكم } [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة { إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحانا { بغتة } [الأنعام: 47]، يعني: من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب { أو جهرة } [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران { هل يهلك } [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به { إلا القوم الظلمون } [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة.
الأنعام 6:44
{ فلولا } فهل لا { إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } [الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة { ولكن قست قلوبهم } [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق { فلما نسوا ما ذكروا به } [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيرا من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور { أخذناهم بغتة } [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل والقال والدعوى المحال { فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44] متحيرون في تيه الغرور { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض { والحمد لله رب العالمين } [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله.
ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [الأنعام: 46]، إلى قوله:
يفقهون
[الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها يسمعون وبها يبصرون بالحق، ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } التي أعطاكموها { وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } [الأنعام: 46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ثم قال تعالى: { انظر } [الأنعام: 46]، يا محمد { كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها { ثم هم يصدفون } [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك.
ثم عم الخطاب وقال تعالى: { قل } [الأنعام: 47] يا محمد { أرءيتكم } [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة { إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحانا { بغتة } [الأنعام: 47]، يعني: من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب { أو جهرة } [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران { هل يهلك } [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به { إلا القوم الظلمون } [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة.
الأنعام 6:45
{ فلولا } فهل لا { إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } [الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة { ولكن قست قلوبهم } [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق { فلما نسوا ما ذكروا به } [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيرا من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور { أخذناهم بغتة } [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل والقال والدعوى المحال { فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44] متحيرون في تيه الغرور { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض { والحمد لله رب العالمين } [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله.
ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [الأنعام: 46]، إلى قوله:
يفقهون
[الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها يسمعون وبها يبصرون بالحق، ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } التي أعطاكموها { وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } [الأنعام: 46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ثم قال تعالى: { انظر } [الأنعام: 46]، يا محمد { كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها { ثم هم يصدفون } [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك.
ثم عم الخطاب وقال تعالى: { قل } [الأنعام: 47] يا محمد { أرءيتكم } [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة { إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحانا { بغتة } [الأنعام: 47]، يعني: من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب { أو جهرة } [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران { هل يهلك } [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به { إلا القوم الظلمون } [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة.
الأنعام 6:46
{ فلولا } فهل لا { إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } [الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة { ولكن قست قلوبهم } [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق { فلما نسوا ما ذكروا به } [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيرا من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور { أخذناهم بغتة } [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل والقال والدعوى المحال { فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44] متحيرون في تيه الغرور { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض { والحمد لله رب العالمين } [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله.
ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [الأنعام: 46]، إلى قوله:
يفقهون
[الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها يسمعون وبها يبصرون بالحق، ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } التي أعطاكموها { وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } [الأنعام: 46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ثم قال تعالى: { انظر } [الأنعام: 46]، يا محمد { كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها { ثم هم يصدفون } [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك.
ثم عم الخطاب وقال تعالى: { قل } [الأنعام: 47] يا محمد { أرءيتكم } [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة { إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحانا { بغتة } [الأنعام: 47]، يعني: من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب { أو جهرة } [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران { هل يهلك } [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به { إلا القوم الظلمون } [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة.
الأنعام 6:47
{ فلولا } فهل لا { إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } [الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة { ولكن قست قلوبهم } [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق { فلما نسوا ما ذكروا به } [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيرا من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور { أخذناهم بغتة } [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل والقال والدعوى المحال { فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44] متحيرون في تيه الغرور { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض { والحمد لله رب العالمين } [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله.
ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [الأنعام: 46]، إلى قوله:
يفقهون
[الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها يسمعون وبها يبصرون بالحق، ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } التي أعطاكموها { وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } [الأنعام: 46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ثم قال تعالى: { انظر } [الأنعام: 46]، يا محمد { كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها { ثم هم يصدفون } [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك.
ثم عم الخطاب وقال تعالى: { قل } [الأنعام: 47] يا محمد { أرءيتكم } [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة { إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحانا { بغتة } [الأنعام: 47]، يعني: من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب { أو جهرة } [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران { هل يهلك } [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به { إلا القوم الظلمون } [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة.
الأنعام 6:48
{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } [الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات { فمن ءامن وأصلح } [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر { فلا خوف عليهم } [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن أصلحوا { ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]، على آفات منهم من الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه { يمسهم العذاب } [الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك { بما كانوا يفسقون } [الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوما رش الله تعالى على الأرواح من نوره فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك.
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } [الأنعام: 50]، الآيتين.
والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: { قل } يا محمد { لا أقول لكم عندي خزآئن الله } على أنها عندي؛ ولكن { لا أقول لكم } وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: " أرنا الأشياء كما هي " ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت جوامع الكلم "
، وما أمره الله تعالى أن: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: " قطرت في حلقي قطرة علمت بها ما كان وما سيكون " { ولا أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأنعام: 50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما
" لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "
إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير { أفلا تتفكرون } [الأنعام: 50].
ثم قال تعالى: { وأنذر به } [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه الحقائق والمعاني { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن { ليس لهم } [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله { من دونه ولي } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء { ولا شفيع } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: { لعلهم يتقون } [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب الوصول.
ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } [الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا... إلى آخره "
وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: " أنا جليس من ذكرني " ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152] وقال تعالى: { يريدون وجهه } [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر:
وكل له سؤال ودين ومذهب
ووصلكم سؤلي وديني رضاكم
ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونا ولا قرارا.
ثم قال تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء } [الأنعام: 52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلا منهم { وما من حسابك عليهم } [الأنعام: 52]، منها { من شيء } [الأنعام: 52]، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء { فتطردهم } [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم الطرد { فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.
الأنعام 6:49
{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } [الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات { فمن ءامن وأصلح } [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر { فلا خوف عليهم } [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن أصلحوا { ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]، على آفات منهم من الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه { يمسهم العذاب } [الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك { بما كانوا يفسقون } [الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوما رش الله تعالى على الأرواح من نوره فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك.
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } [الأنعام: 50]، الآيتين.
والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: { قل } يا محمد { لا أقول لكم عندي خزآئن الله } على أنها عندي؛ ولكن { لا أقول لكم } وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: " أرنا الأشياء كما هي " ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت جوامع الكلم "
، وما أمره الله تعالى أن: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: " قطرت في حلقي قطرة علمت بها ما كان وما سيكون " { ولا أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأنعام: 50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما
" لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "
إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير { أفلا تتفكرون } [الأنعام: 50].
ثم قال تعالى: { وأنذر به } [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه الحقائق والمعاني { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن { ليس لهم } [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله { من دونه ولي } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء { ولا شفيع } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: { لعلهم يتقون } [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب الوصول.
ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } [الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا... إلى آخره "
وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: " أنا جليس من ذكرني " ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152] وقال تعالى: { يريدون وجهه } [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر:
وكل له سؤال ودين ومذهب
ووصلكم سؤلي وديني رضاكم
ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونا ولا قرارا.
ثم قال تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء } [الأنعام: 52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلا منهم { وما من حسابك عليهم } [الأنعام: 52]، منها { من شيء } [الأنعام: 52]، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء { فتطردهم } [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم الطرد { فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.
الأنعام 6:50
{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } [الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات { فمن ءامن وأصلح } [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر { فلا خوف عليهم } [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن أصلحوا { ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]، على آفات منهم من الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه { يمسهم العذاب } [الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك { بما كانوا يفسقون } [الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوما رش الله تعالى على الأرواح من نوره فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك.
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } [الأنعام: 50]، الآيتين.
والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: { قل } يا محمد { لا أقول لكم عندي خزآئن الله } على أنها عندي؛ ولكن { لا أقول لكم } وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: " أرنا الأشياء كما هي " ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت جوامع الكلم "
، وما أمره الله تعالى أن: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: " قطرت في حلقي قطرة علمت بها ما كان وما سيكون " { ولا أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأنعام: 50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما
" لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "
إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير { أفلا تتفكرون } [الأنعام: 50].
ثم قال تعالى: { وأنذر به } [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه الحقائق والمعاني { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن { ليس لهم } [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله { من دونه ولي } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء { ولا شفيع } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: { لعلهم يتقون } [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب الوصول.
ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } [الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا... إلى آخره "
وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: " أنا جليس من ذكرني " ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152] وقال تعالى: { يريدون وجهه } [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر:
وكل له سؤال ودين ومذهب
ووصلكم سؤلي وديني رضاكم
ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونا ولا قرارا.
ثم قال تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء } [الأنعام: 52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلا منهم { وما من حسابك عليهم } [الأنعام: 52]، منها { من شيء } [الأنعام: 52]، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء { فتطردهم } [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم الطرد { فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.
الأنعام 6:51
{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } [الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات { فمن ءامن وأصلح } [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر { فلا خوف عليهم } [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن أصلحوا { ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]، على آفات منهم من الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه { يمسهم العذاب } [الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك { بما كانوا يفسقون } [الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوما رش الله تعالى على الأرواح من نوره فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك.
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } [الأنعام: 50]، الآيتين.
والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: { قل } يا محمد { لا أقول لكم عندي خزآئن الله } على أنها عندي؛ ولكن { لا أقول لكم } وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: " أرنا الأشياء كما هي " ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت جوامع الكلم "
، وما أمره الله تعالى أن: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: " قطرت في حلقي قطرة علمت بها ما كان وما سيكون " { ولا أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأنعام: 50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما
" لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "
إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير { أفلا تتفكرون } [الأنعام: 50].
ثم قال تعالى: { وأنذر به } [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه الحقائق والمعاني { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن { ليس لهم } [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله { من دونه ولي } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء { ولا شفيع } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: { لعلهم يتقون } [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب الوصول.
ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } [الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا... إلى آخره "
وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: " أنا جليس من ذكرني " ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152] وقال تعالى: { يريدون وجهه } [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر:
وكل له سؤال ودين ومذهب
ووصلكم سؤلي وديني رضاكم
ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونا ولا قرارا.
ثم قال تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء } [الأنعام: 52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلا منهم { وما من حسابك عليهم } [الأنعام: 52]، منها { من شيء } [الأنعام: 52]، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء { فتطردهم } [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم الطرد { فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.
الأنعام 6:52
{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } [الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات { فمن ءامن وأصلح } [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر { فلا خوف عليهم } [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن أصلحوا { ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]، على آفات منهم من الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال
يبدل الله سيئاتهم حسنات
[الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع { والذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه { يمسهم العذاب } [الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك { بما كانوا يفسقون } [الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوما رش الله تعالى على الأرواح من نوره فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك.
ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } [الأنعام: 50]، الآيتين.
والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: { قل } يا محمد { لا أقول لكم عندي خزآئن الله } على أنها عندي؛ ولكن { لا أقول لكم } وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: " أرنا الأشياء كما هي " ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:
" أوتيت جوامع الكلم "
، وما أمره الله تعالى أن: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: " قطرت في حلقي قطرة علمت بها ما كان وما سيكون " { ولا أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأنعام: 50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما
" لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "
إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير { أفلا تتفكرون } [الأنعام: 50].
ثم قال تعالى: { وأنذر به } [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه الحقائق والمعاني { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن { ليس لهم } [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله { من دونه ولي } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء { ولا شفيع } [الأنعام: 51]؛ يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: { لعلهم يتقون } [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب الوصول.
ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } [الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه وحقوق خواص عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا... إلى آخره "
وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على سرائرهم، فقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أخبره عن دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: " أنا جليس من ذكرني " ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى:
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
[آل عمران: 152] وقال تعالى: { يريدون وجهه } [الأنعام: 52] فكل يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر:
وكل له سؤال ودين ومذهب
ووصلكم سؤلي وديني رضاكم
ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونا ولا قرارا.
ثم قال تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء } [الأنعام: 52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلا منهم { وما من حسابك عليهم } [الأنعام: 52]، منها { من شيء } [الأنعام: 52]، ولا ما لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره لينقل عليهم منها شيء { فتطردهم } [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم الطرد { فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين.
الأنعام 6:53
ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما
نعم العبد
[ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء
ولا تطرد الذين يدعون ربهم
[الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:
" أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء "
فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات
[النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى:
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 61]، وبقوله:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99]، وبقوله:
واتبع ما يوحى إليك من ربك
[الأحزاب: 2]، ف
لا أعبد ما تعبدون
[الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش
" فإنه من أخطأه فقد ضل "
{ ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وقد قال لي
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين } [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.
الأنعام 6:54
ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما
نعم العبد
[ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء
ولا تطرد الذين يدعون ربهم
[الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:
" أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء "
فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات
[النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى:
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 61]، وبقوله:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99]، وبقوله:
واتبع ما يوحى إليك من ربك
[الأحزاب: 2]، ف
لا أعبد ما تعبدون
[الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش
" فإنه من أخطأه فقد ضل "
{ ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وقد قال لي
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين } [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.
الأنعام 6:55
ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما
نعم العبد
[ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء
ولا تطرد الذين يدعون ربهم
[الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:
" أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء "
فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات
[النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى:
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 61]، وبقوله:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99]، وبقوله:
واتبع ما يوحى إليك من ربك
[الأحزاب: 2]، ف
لا أعبد ما تعبدون
[الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش
" فإنه من أخطأه فقد ضل "
{ ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وقد قال لي
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين } [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.
الأنعام 6:56
ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما
نعم العبد
[ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء
ولا تطرد الذين يدعون ربهم
[الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:
" أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء "
فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات
[النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى:
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 61]، وبقوله:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99]، وبقوله:
واتبع ما يوحى إليك من ربك
[الأحزاب: 2]، ف
لا أعبد ما تعبدون
[الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش
" فإنه من أخطأه فقد ضل "
{ ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وقد قال لي
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين } [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.
الأنعام 6:57
ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما
نعم العبد
[ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء
ولا تطرد الذين يدعون ربهم
[الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:
" أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء "
فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات
[النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى:
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 61]، وبقوله:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99]، وبقوله:
واتبع ما يوحى إليك من ربك
[الأحزاب: 2]، ف
لا أعبد ما تعبدون
[الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش
" فإنه من أخطأه فقد ضل "
{ ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وقد قال لي
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين } [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.
الأنعام 6:58
ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما
نعم العبد
[ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء
ولا تطرد الذين يدعون ربهم
[الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة:
" أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء "
فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ".
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات
[النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى:
ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم
[يس: 61]، وبقوله:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
[الحجر: 99]، وبقوله:
واتبع ما يوحى إليك من ربك
[الأحزاب: 2]، ف
لا أعبد ما تعبدون
[الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش
" فإنه من أخطأه فقد ضل "
{ ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، وقد قال لي
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين } [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.
الأنعام 6:59
ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: { لا يعلمهآ إلا هو } [الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلا يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال { وعنده مفاتح الغيب } هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيدا.
{ و } بعلم التكوين { يعلم ما في البر والبحر } [الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأنه مكونها ومثبتها وسقطها { ولا حبة في ظلمت الأرض } [الأنعام: 59]، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها { ولا رطب ولا يابس } [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر.
وأيضا: الرطب العالم واليابس الجاهل.
وأيضا: الرطب العارف واليابس الزاهد،.
وأيضا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.
وأيضا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.
وأيضا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه { إلا في كتب مبين } [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب.
ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل } [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلا ونهارا، فقال تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى:
وما تدري نفس
[لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما تكسبون غدا بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة { ثم يبعثكم فيه } [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ".
وقال:
" ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له "
فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل { ليقضى أجل مسمى } [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه { ثم إليه مرجعكم } [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم { ثم ينبئكم } [الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال بنور الجمال { بما كنتم تعملون } [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلا للفضل بقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]، إلى قوله: { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال
وهو القاهر فوق عباده
[الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف جلاله، فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود { توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، صفات قهرنا { وهم لا يفرطون } [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهورا بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله { ثم ردوا إلى الله } [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله { مولاهم الحق } [الأنعام: 62]، أي قائمون { ألا له الحكم } [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم.
ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون الإشارة فيها أن البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، كما قال:
" إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره "
فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية { تدعونه تضرعا } [الأنعام: 63]، أي بالجسم { وخفية } [الأنعام: 63]، أي بالروح { لئن أنجانا من هذه } [الأنعام: 63]، الظلمات { لنكونن من الشاكرين } [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم من الظلمات غير الله.
الأنعام 6:60
ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: { لا يعلمهآ إلا هو } [الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلا يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال { وعنده مفاتح الغيب } هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيدا.
{ و } بعلم التكوين { يعلم ما في البر والبحر } [الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأنه مكونها ومثبتها وسقطها { ولا حبة في ظلمت الأرض } [الأنعام: 59]، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها { ولا رطب ولا يابس } [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر.
وأيضا: الرطب العالم واليابس الجاهل.
وأيضا: الرطب العارف واليابس الزاهد،.
وأيضا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.
وأيضا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.
وأيضا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه { إلا في كتب مبين } [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب.
ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل } [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلا ونهارا، فقال تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى:
وما تدري نفس
[لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما تكسبون غدا بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة { ثم يبعثكم فيه } [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ".
وقال:
" ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له "
فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل { ليقضى أجل مسمى } [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه { ثم إليه مرجعكم } [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم { ثم ينبئكم } [الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال بنور الجمال { بما كنتم تعملون } [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلا للفضل بقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]، إلى قوله: { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال
وهو القاهر فوق عباده
[الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف جلاله، فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود { توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، صفات قهرنا { وهم لا يفرطون } [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهورا بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله { ثم ردوا إلى الله } [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله { مولاهم الحق } [الأنعام: 62]، أي قائمون { ألا له الحكم } [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم.
ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون الإشارة فيها أن البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، كما قال:
" إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره "
فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية { تدعونه تضرعا } [الأنعام: 63]، أي بالجسم { وخفية } [الأنعام: 63]، أي بالروح { لئن أنجانا من هذه } [الأنعام: 63]، الظلمات { لنكونن من الشاكرين } [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم من الظلمات غير الله.
الأنعام 6:61
ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: { لا يعلمهآ إلا هو } [الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلا يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال { وعنده مفاتح الغيب } هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيدا.
{ و } بعلم التكوين { يعلم ما في البر والبحر } [الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأنه مكونها ومثبتها وسقطها { ولا حبة في ظلمت الأرض } [الأنعام: 59]، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها { ولا رطب ولا يابس } [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر.
وأيضا: الرطب العالم واليابس الجاهل.
وأيضا: الرطب العارف واليابس الزاهد،.
وأيضا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.
وأيضا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.
وأيضا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه { إلا في كتب مبين } [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب.
ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل } [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلا ونهارا، فقال تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى:
وما تدري نفس
[لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما تكسبون غدا بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة { ثم يبعثكم فيه } [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ".
وقال:
" ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له "
فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل { ليقضى أجل مسمى } [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه { ثم إليه مرجعكم } [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم { ثم ينبئكم } [الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال بنور الجمال { بما كنتم تعملون } [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلا للفضل بقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]، إلى قوله: { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال
وهو القاهر فوق عباده
[الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف جلاله، فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود { توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، صفات قهرنا { وهم لا يفرطون } [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهورا بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله { ثم ردوا إلى الله } [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله { مولاهم الحق } [الأنعام: 62]، أي قائمون { ألا له الحكم } [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم.
ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون الإشارة فيها أن البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، كما قال:
" إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره "
فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية { تدعونه تضرعا } [الأنعام: 63]، أي بالجسم { وخفية } [الأنعام: 63]، أي بالروح { لئن أنجانا من هذه } [الأنعام: 63]، الظلمات { لنكونن من الشاكرين } [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم من الظلمات غير الله.
الأنعام 6:62
ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: { لا يعلمهآ إلا هو } [الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلا يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال { وعنده مفاتح الغيب } هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيدا.
{ و } بعلم التكوين { يعلم ما في البر والبحر } [الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأنه مكونها ومثبتها وسقطها { ولا حبة في ظلمت الأرض } [الأنعام: 59]، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها { ولا رطب ولا يابس } [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر.
وأيضا: الرطب العالم واليابس الجاهل.
وأيضا: الرطب العارف واليابس الزاهد،.
وأيضا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.
وأيضا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.
وأيضا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه { إلا في كتب مبين } [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب.
ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل } [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلا ونهارا، فقال تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى:
وما تدري نفس
[لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما تكسبون غدا بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة { ثم يبعثكم فيه } [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ".
وقال:
" ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له "
فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل { ليقضى أجل مسمى } [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه { ثم إليه مرجعكم } [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم { ثم ينبئكم } [الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال بنور الجمال { بما كنتم تعملون } [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلا للفضل بقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]، إلى قوله: { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال
وهو القاهر فوق عباده
[الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف جلاله، فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود { توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، صفات قهرنا { وهم لا يفرطون } [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهورا بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله { ثم ردوا إلى الله } [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله { مولاهم الحق } [الأنعام: 62]، أي قائمون { ألا له الحكم } [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم.
ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون الإشارة فيها أن البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، كما قال:
" إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره "
فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية { تدعونه تضرعا } [الأنعام: 63]، أي بالجسم { وخفية } [الأنعام: 63]، أي بالروح { لئن أنجانا من هذه } [الأنعام: 63]، الظلمات { لنكونن من الشاكرين } [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم من الظلمات غير الله.
الأنعام 6:63
ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: { لا يعلمهآ إلا هو } [الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلا يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب، وقال { وعنده مفاتح الغيب } هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم جيدا.
{ و } بعلم التكوين { يعلم ما في البر والبحر } [الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأنه مكونها ومثبتها وسقطها { ولا حبة في ظلمت الأرض } [الأنعام: 59]، أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها { ولا رطب ولا يابس } [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر.
وأيضا: الرطب العالم واليابس الجاهل.
وأيضا: الرطب العارف واليابس الزاهد،.
وأيضا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.
وأيضا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.
وأيضا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه { إلا في كتب مبين } [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب.
ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل } [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلا ونهارا، فقال تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى:
وما تدري نفس
[لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما تكسبون غدا بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة { ثم يبعثكم فيه } [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ".
وقال:
" ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له "
فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل { ليقضى أجل مسمى } [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه { ثم إليه مرجعكم } [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم { ثم ينبئكم } [الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال بنور الجمال { بما كنتم تعملون } [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلا للفضل بقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]، إلى قوله: { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال
وهو القاهر فوق عباده
[الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف جلاله، فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب بلا روح لاستيلاء جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]، حتى لو أراد نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا من الحرمات قهرته بواردات التجلي فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود { توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، صفات قهرنا { وهم لا يفرطون } [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهورا بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله { ثم ردوا إلى الله } [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون بالله { مولاهم الحق } [الأنعام: 62]، أي قائمون { ألا له الحكم } [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم { وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم.
ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون الإشارة فيها أن البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، كما قال:
" إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره "
فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية { تدعونه تضرعا } [الأنعام: 63]، أي بالجسم { وخفية } [الأنعام: 63]، أي بالروح { لئن أنجانا من هذه } [الأنعام: 63]، الظلمات { لنكونن من الشاكرين } [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم من الظلمات غير الله.
الأنعام 6:64
قال الله تعالى: { قل الله ينجيكم منها } [الأنعام: 64]؛ أي: من ظلمات الخلقية يرش النور عليكم فإنه من لم يجعل الله له نورا فما له من نور { ومن كل كرب } [الأنعام: 64]، أي: هو الذي نجيكم من كل آفة وبلاء وفتنة { ثم أنتم تشركون } [الأنعام: 64]؛ يعني: حين تجلى لكم نور من أنوار صفاته فبعضكم يشرك به ويقول أنا الحق وبعضكم يقول سبحان ما أعظم شأني { قل هو القادر على أن يبعث عليكم } [الأنعام: 65]، حين تقولون آثار الحق وسبحاني أعظم شأني { عذابا من فوقكم } [الأنعام: 65]، بأن يرخي حجابا بينه وبينكم يعذبكم به عزة وغيرة { أو من تحت أرجلكم } [الأنعام: 65]، أي حجابا من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم { أو يلبسكم شيعا } [الأنعام: 65]، يجعل الخلق فيكم فرقا، فرقة يقولون هم الصديقون وفرقة يقولون هم الزنادقة { ويذيق بعضكم بأس بعض } [الأنعام: 65]، بالقتل وبالصلب وقطع الأطراف كما فعل بابن منصور { انظر كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 65]، أي: آيات المعارف وإعلام الهدى إلى الله تعالى والسالكين طريقه { لعلهم يفقهون } [الأنعام: 65]، شرائط السير وآداب السلوك، ولا يفقهون ما في مقام دون الفناء عن كلمته، الوجود والبقاء بشهود المعبود { وكذب به } [الأنعام: 66]، بهذا المقام { قومك } [الأنعام: 66]، المنكرون منكم { وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } [الأنعام: 66]، لأسلك طريق هذا المقام بوكالتكم؛ لأنه ليس لإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى، كما قال تعالى: { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } [الأنعام: 67]؛ يعني: لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب ودركات البعد، فإذا انتهى إلى مستقره تبين له حقيقة ما قررناه هو العرض الأكبر.
الأنعام 6:65
قال الله تعالى: { قل الله ينجيكم منها } [الأنعام: 64]؛ أي: من ظلمات الخلقية يرش النور عليكم فإنه من لم يجعل الله له نورا فما له من نور { ومن كل كرب } [الأنعام: 64]، أي: هو الذي نجيكم من كل آفة وبلاء وفتنة { ثم أنتم تشركون } [الأنعام: 64]؛ يعني: حين تجلى لكم نور من أنوار صفاته فبعضكم يشرك به ويقول أنا الحق وبعضكم يقول سبحان ما أعظم شأني { قل هو القادر على أن يبعث عليكم } [الأنعام: 65]، حين تقولون آثار الحق وسبحاني أعظم شأني { عذابا من فوقكم } [الأنعام: 65]، بأن يرخي حجابا بينه وبينكم يعذبكم به عزة وغيرة { أو من تحت أرجلكم } [الأنعام: 65]، أي حجابا من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم { أو يلبسكم شيعا } [الأنعام: 65]، يجعل الخلق فيكم فرقا، فرقة يقولون هم الصديقون وفرقة يقولون هم الزنادقة { ويذيق بعضكم بأس بعض } [الأنعام: 65]، بالقتل وبالصلب وقطع الأطراف كما فعل بابن منصور { انظر كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 65]، أي: آيات المعارف وإعلام الهدى إلى الله تعالى والسالكين طريقه { لعلهم يفقهون } [الأنعام: 65]، شرائط السير وآداب السلوك، ولا يفقهون ما في مقام دون الفناء عن كلمته، الوجود والبقاء بشهود المعبود { وكذب به } [الأنعام: 66]، بهذا المقام { قومك } [الأنعام: 66]، المنكرون منكم { وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } [الأنعام: 66]، لأسلك طريق هذا المقام بوكالتكم؛ لأنه ليس لإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى، كما قال تعالى: { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } [الأنعام: 67]؛ يعني: لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب ودركات البعد، فإذا انتهى إلى مستقره تبين له حقيقة ما قررناه هو العرض الأكبر.
الأنعام 6:66
قال الله تعالى: { قل الله ينجيكم منها } [الأنعام: 64]؛ أي: من ظلمات الخلقية يرش النور عليكم فإنه من لم يجعل الله له نورا فما له من نور { ومن كل كرب } [الأنعام: 64]، أي: هو الذي نجيكم من كل آفة وبلاء وفتنة { ثم أنتم تشركون } [الأنعام: 64]؛ يعني: حين تجلى لكم نور من أنوار صفاته فبعضكم يشرك به ويقول أنا الحق وبعضكم يقول سبحان ما أعظم شأني { قل هو القادر على أن يبعث عليكم } [الأنعام: 65]، حين تقولون آثار الحق وسبحاني أعظم شأني { عذابا من فوقكم } [الأنعام: 65]، بأن يرخي حجابا بينه وبينكم يعذبكم به عزة وغيرة { أو من تحت أرجلكم } [الأنعام: 65]، أي حجابا من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم { أو يلبسكم شيعا } [الأنعام: 65]، يجعل الخلق فيكم فرقا، فرقة يقولون هم الصديقون وفرقة يقولون هم الزنادقة { ويذيق بعضكم بأس بعض } [الأنعام: 65]، بالقتل وبالصلب وقطع الأطراف كما فعل بابن منصور { انظر كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 65]، أي: آيات المعارف وإعلام الهدى إلى الله تعالى والسالكين طريقه { لعلهم يفقهون } [الأنعام: 65]، شرائط السير وآداب السلوك، ولا يفقهون ما في مقام دون الفناء عن كلمته، الوجود والبقاء بشهود المعبود { وكذب به } [الأنعام: 66]، بهذا المقام { قومك } [الأنعام: 66]، المنكرون منكم { وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } [الأنعام: 66]، لأسلك طريق هذا المقام بوكالتكم؛ لأنه ليس لإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى، كما قال تعالى: { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } [الأنعام: 67]؛ يعني: لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب ودركات البعد، فإذا انتهى إلى مستقره تبين له حقيقة ما قررناه هو العرض الأكبر.
الأنعام 6:67
قال الله تعالى: { قل الله ينجيكم منها } [الأنعام: 64]؛ أي: من ظلمات الخلقية يرش النور عليكم فإنه من لم يجعل الله له نورا فما له من نور { ومن كل كرب } [الأنعام: 64]، أي: هو الذي نجيكم من كل آفة وبلاء وفتنة { ثم أنتم تشركون } [الأنعام: 64]؛ يعني: حين تجلى لكم نور من أنوار صفاته فبعضكم يشرك به ويقول أنا الحق وبعضكم يقول سبحان ما أعظم شأني { قل هو القادر على أن يبعث عليكم } [الأنعام: 65]، حين تقولون آثار الحق وسبحاني أعظم شأني { عذابا من فوقكم } [الأنعام: 65]، بأن يرخي حجابا بينه وبينكم يعذبكم به عزة وغيرة { أو من تحت أرجلكم } [الأنعام: 65]، أي حجابا من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم { أو يلبسكم شيعا } [الأنعام: 65]، يجعل الخلق فيكم فرقا، فرقة يقولون هم الصديقون وفرقة يقولون هم الزنادقة { ويذيق بعضكم بأس بعض } [الأنعام: 65]، بالقتل وبالصلب وقطع الأطراف كما فعل بابن منصور { انظر كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 65]، أي: آيات المعارف وإعلام الهدى إلى الله تعالى والسالكين طريقه { لعلهم يفقهون } [الأنعام: 65]، شرائط السير وآداب السلوك، ولا يفقهون ما في مقام دون الفناء عن كلمته، الوجود والبقاء بشهود المعبود { وكذب به } [الأنعام: 66]، بهذا المقام { قومك } [الأنعام: 66]، المنكرون منكم { وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } [الأنعام: 66]، لأسلك طريق هذا المقام بوكالتكم؛ لأنه ليس لإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى، كما قال تعالى: { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } [الأنعام: 67]؛ يعني: لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب ودركات البعد، فإذا انتهى إلى مستقره تبين له حقيقة ما قررناه هو العرض الأكبر.
الأنعام 6:68
ثم أخبر عن الإعراض عن الخواص بقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]، إلى قوله: { بما كانوا يكفرون } [الأنعام: 70].
الإشارة فيها أنه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الخواص لأنه قيل أن الطبع يسرق فقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا } [الأنعام: 68]، إشارة إلى بعض أهل الطاعات يخوضون في أحوال الرجال، ولا حظ لهم منها قال تعالى: { فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]؛ يعني: من الطامات التي هي ريح في شبح { وإما ينسينك الشيطن } [الأنعام: 68]؛ يعني: القعود منهم فقعدت معهم بالنسيان، أو من غير قصد منك وعرفت أحوالهم { فلا تقعد بعد الذكرى } [الأنعام: 68]؛ أي: بعد التذكر ومعرفة أحوالهم { مع القوم الظلمين } [الأنعام: 68]، البطالين الذين يظلمون أنفسهم بإفساد الاستعداد، ويراؤون الناس أنهم من الطالبين الصادقين بالزي والخرق وأنهم من البطالين بالأفعال والأحوال { وما على الذين يتقون } [الأنعام: 69] من الطامات والدعاوي وفي الطلب { من حسابهم من شيء } [الأنعام: 69]، من خسارة البطالين من شيء { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } [الأنعام: 69]، ولكن يحسن الاعتراض عنهم ويتركون الإصغاء إلى مجالاتهم وخيالاتهم من الطامات وحسن الانقباض بذكرهم لعلهم ينتهون ويحترزون عن الدعاوي ويطلبون المعاني { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } [الأنعام: 70]؛ أي: دع صحة الذين يلعبون بالدين وهمهم لبس الخرقة والزي بزي الطالبين إنما هو للدنيا وقبول الخلق والنسب باللهو { وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به } [الأنعام: 70]؛ أي وعظهم بالصدق والطلب وترك الخرقة فإنها تورث الزندقة { أن تبسل نفس بما كسبت } [الأنعام: 70]، من قبل أن تفسد نفس استعدادها للطلب بالكلية بما تكسب من الرياء والنفاق { ليس لها من دون الله ولي } [الأنعام: 70] يتولى أمر إصلاح استعدادها { ولا شفيع } [الأنعام: 70]، يشفع ليصلح الله استعدادها الفاسدة { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } [الأنعام: 70]؛ يعني: وإن تقتدي بالدنيا وما فيها لا يقبل منها ولا يفيد استعدادها بعد فسادها بالكلية
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } [الأنعام: 70]، بطلوا الاستعداد الفطري بمرائيهم لهم { لهم شراب من حميم } [الأنعام: 70]، من مشرب الحسرة والندامة { وعذاب أليم } [الأنعام: 70]، من نار القطيعة وألم البعد { بما كانوا يكفرون } [الأنعام: 70]، بمقامات الرجال من الوصول والوصال.
الأنعام 6:69
ثم أخبر عن الإعراض عن الخواص بقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]، إلى قوله: { بما كانوا يكفرون } [الأنعام: 70].
الإشارة فيها أنه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الخواص لأنه قيل أن الطبع يسرق فقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا } [الأنعام: 68]، إشارة إلى بعض أهل الطاعات يخوضون في أحوال الرجال، ولا حظ لهم منها قال تعالى: { فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]؛ يعني: من الطامات التي هي ريح في شبح { وإما ينسينك الشيطن } [الأنعام: 68]؛ يعني: القعود منهم فقعدت معهم بالنسيان، أو من غير قصد منك وعرفت أحوالهم { فلا تقعد بعد الذكرى } [الأنعام: 68]؛ أي: بعد التذكر ومعرفة أحوالهم { مع القوم الظلمين } [الأنعام: 68]، البطالين الذين يظلمون أنفسهم بإفساد الاستعداد، ويراؤون الناس أنهم من الطالبين الصادقين بالزي والخرق وأنهم من البطالين بالأفعال والأحوال { وما على الذين يتقون } [الأنعام: 69] من الطامات والدعاوي وفي الطلب { من حسابهم من شيء } [الأنعام: 69]، من خسارة البطالين من شيء { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } [الأنعام: 69]، ولكن يحسن الاعتراض عنهم ويتركون الإصغاء إلى مجالاتهم وخيالاتهم من الطامات وحسن الانقباض بذكرهم لعلهم ينتهون ويحترزون عن الدعاوي ويطلبون المعاني { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } [الأنعام: 70]؛ أي: دع صحة الذين يلعبون بالدين وهمهم لبس الخرقة والزي بزي الطالبين إنما هو للدنيا وقبول الخلق والنسب باللهو { وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به } [الأنعام: 70]؛ أي وعظهم بالصدق والطلب وترك الخرقة فإنها تورث الزندقة { أن تبسل نفس بما كسبت } [الأنعام: 70]، من قبل أن تفسد نفس استعدادها للطلب بالكلية بما تكسب من الرياء والنفاق { ليس لها من دون الله ولي } [الأنعام: 70] يتولى أمر إصلاح استعدادها { ولا شفيع } [الأنعام: 70]، يشفع ليصلح الله استعدادها الفاسدة { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } [الأنعام: 70]؛ يعني: وإن تقتدي بالدنيا وما فيها لا يقبل منها ولا يفيد استعدادها بعد فسادها بالكلية
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } [الأنعام: 70]، بطلوا الاستعداد الفطري بمرائيهم لهم { لهم شراب من حميم } [الأنعام: 70]، من مشرب الحسرة والندامة { وعذاب أليم } [الأنعام: 70]، من نار القطيعة وألم البعد { بما كانوا يكفرون } [الأنعام: 70]، بمقامات الرجال من الوصول والوصال.
الأنعام 6:70
ثم أخبر عن الإعراض عن الخواص بقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]، إلى قوله: { بما كانوا يكفرون } [الأنعام: 70].
الإشارة فيها أنه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الخواص لأنه قيل أن الطبع يسرق فقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا } [الأنعام: 68]، إشارة إلى بعض أهل الطاعات يخوضون في أحوال الرجال، ولا حظ لهم منها قال تعالى: { فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]؛ يعني: من الطامات التي هي ريح في شبح { وإما ينسينك الشيطن } [الأنعام: 68]؛ يعني: القعود منهم فقعدت معهم بالنسيان، أو من غير قصد منك وعرفت أحوالهم { فلا تقعد بعد الذكرى } [الأنعام: 68]؛ أي: بعد التذكر ومعرفة أحوالهم { مع القوم الظلمين } [الأنعام: 68]، البطالين الذين يظلمون أنفسهم بإفساد الاستعداد، ويراؤون الناس أنهم من الطالبين الصادقين بالزي والخرق وأنهم من البطالين بالأفعال والأحوال { وما على الذين يتقون } [الأنعام: 69] من الطامات والدعاوي وفي الطلب { من حسابهم من شيء } [الأنعام: 69]، من خسارة البطالين من شيء { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } [الأنعام: 69]، ولكن يحسن الاعتراض عنهم ويتركون الإصغاء إلى مجالاتهم وخيالاتهم من الطامات وحسن الانقباض بذكرهم لعلهم ينتهون ويحترزون عن الدعاوي ويطلبون المعاني { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } [الأنعام: 70]؛ أي: دع صحة الذين يلعبون بالدين وهمهم لبس الخرقة والزي بزي الطالبين إنما هو للدنيا وقبول الخلق والنسب باللهو { وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به } [الأنعام: 70]؛ أي وعظهم بالصدق والطلب وترك الخرقة فإنها تورث الزندقة { أن تبسل نفس بما كسبت } [الأنعام: 70]، من قبل أن تفسد نفس استعدادها للطلب بالكلية بما تكسب من الرياء والنفاق { ليس لها من دون الله ولي } [الأنعام: 70] يتولى أمر إصلاح استعدادها { ولا شفيع } [الأنعام: 70]، يشفع ليصلح الله استعدادها الفاسدة { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } [الأنعام: 70]؛ يعني: وإن تقتدي بالدنيا وما فيها لا يقبل منها ولا يفيد استعدادها بعد فسادها بالكلية
سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الفتح: 23]، { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } [الأنعام: 70]، بطلوا الاستعداد الفطري بمرائيهم لهم { لهم شراب من حميم } [الأنعام: 70]، من مشرب الحسرة والندامة { وعذاب أليم } [الأنعام: 70]، من نار القطيعة وألم البعد { بما كانوا يكفرون } [الأنعام: 70]، بمقامات الرجال من الوصول والوصال.
الأنعام 6:71
ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]، إلى قوله: { تحشرون } [الأنعام: 72]، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]؛ أي: نطلب غير الله الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه { ونرد على أعقابنا } [الأنعام: 71]، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها { بعد إذ هدانا الله } [الأنعام: 71]، إلى الوحده { كالذي استهوته الشياطين } [الأنعام: 71]، أضلته شياطين الأنس والجن { في الأرض } [الأنعام: 71] أي: في أرض البشرية باتباع الهوى { حيران } [الأنعام: 71] بإغوائهم وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون الطالبين في بطالتهم وضلالتهم { له أصحاب } [الأنعام: 71]؛ أي: المطالب { يدعونه إلى الهدى ائتنا } [الأنعام: 71]؛ أي: يهدونه إلى الله { قل إن هدى الله } [الأنعام: 71]، أي: الهداية إلى الله { هو الهدى } [الأنعام: 71]، الحقيقي لا الهداية إلى غيره وما سواه { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } [الأنعام: 71]؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان القدر مستسلما لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } [الأنعام: 72]، أي: وأمرنا أن نحفظ أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه { وهو الذي إليه تحشرون } [الأنعام: 72]، أيها الطالبون لا إلى غيره من الجنة والنار كما قال:
" ألا من طلبني وجدني ".
ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } [الأنعام: 73]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } أي: للحق يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسبا تحاكي جميع صفاته تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعدادا وأحسنهم تقويما في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا يشاهد منه غيره كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: { سنريهم } والإرادة إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: { ويوم يقول كن فيكون } [الأنعام: 73]؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبدا من عباده تلك الصفات يقول كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير رائيا بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى فيه استعدادا مناسبا للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: { قوله الحق } [الأنعام: 73]؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن رائيا { وله الملك } [الأنعام: 73]، تلك الإرادة وتلك الرؤية يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية { يوم ينفخ في الصور } [الأنعام: 73]، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود { علم الغيب والشهدة } [الأنعام: 73]، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالما كان غائبا عنه، وهو عالم الغيب والشهادة { وهو الحكيم } [الأنعام: 73]، فيما اختص الإنسان بإرادة الآيات { الخبير } [الأنعام: 73]، يخصه من بين الناس بالتجلي له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن ظلال الجهال بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } [الأنعام: 74]، إلى قوله
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78].
الإشارة فيها أن الله تعالى أظهر قدرته في إخراج الحي من الميت بقوله: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } [الأنعام: 74]، من دون الله إذا الأصل منهمك في الجحود بموت قلبه والنيل مضمحل في الشهود لحياة قلبه والأصنام، ما يعبد من دون الله { إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: 74]، بما أراني الله تعالى ملكوت الأشياء.
الأنعام 6:72
ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]، إلى قوله: { تحشرون } [الأنعام: 72]، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]؛ أي: نطلب غير الله الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه { ونرد على أعقابنا } [الأنعام: 71]، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها { بعد إذ هدانا الله } [الأنعام: 71]، إلى الوحده { كالذي استهوته الشياطين } [الأنعام: 71]، أضلته شياطين الأنس والجن { في الأرض } [الأنعام: 71] أي: في أرض البشرية باتباع الهوى { حيران } [الأنعام: 71] بإغوائهم وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون الطالبين في بطالتهم وضلالتهم { له أصحاب } [الأنعام: 71]؛ أي: المطالب { يدعونه إلى الهدى ائتنا } [الأنعام: 71]؛ أي: يهدونه إلى الله { قل إن هدى الله } [الأنعام: 71]، أي: الهداية إلى الله { هو الهدى } [الأنعام: 71]، الحقيقي لا الهداية إلى غيره وما سواه { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } [الأنعام: 71]؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان القدر مستسلما لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } [الأنعام: 72]، أي: وأمرنا أن نحفظ أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه { وهو الذي إليه تحشرون } [الأنعام: 72]، أيها الطالبون لا إلى غيره من الجنة والنار كما قال:
" ألا من طلبني وجدني ".
ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } [الأنعام: 73]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } أي: للحق يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسبا تحاكي جميع صفاته تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعدادا وأحسنهم تقويما في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا يشاهد منه غيره كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: { سنريهم } والإرادة إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: { ويوم يقول كن فيكون } [الأنعام: 73]؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبدا من عباده تلك الصفات يقول كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير رائيا بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى فيه استعدادا مناسبا للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: { قوله الحق } [الأنعام: 73]؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن رائيا { وله الملك } [الأنعام: 73]، تلك الإرادة وتلك الرؤية يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية { يوم ينفخ في الصور } [الأنعام: 73]، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود { علم الغيب والشهدة } [الأنعام: 73]، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالما كان غائبا عنه، وهو عالم الغيب والشهادة { وهو الحكيم } [الأنعام: 73]، فيما اختص الإنسان بإرادة الآيات { الخبير } [الأنعام: 73]، يخصه من بين الناس بالتجلي له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن ظلال الجهال بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } [الأنعام: 74]، إلى قوله
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78].
الإشارة فيها أن الله تعالى أظهر قدرته في إخراج الحي من الميت بقوله: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } [الأنعام: 74]، من دون الله إذا الأصل منهمك في الجحود بموت قلبه والنيل مضمحل في الشهود لحياة قلبه والأصنام، ما يعبد من دون الله { إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: 74]، بما أراني الله تعالى ملكوت الأشياء.
الأنعام 6:73
ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]، إلى قوله: { تحشرون } [الأنعام: 72]، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]؛ أي: نطلب غير الله الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه { ونرد على أعقابنا } [الأنعام: 71]، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها { بعد إذ هدانا الله } [الأنعام: 71]، إلى الوحده { كالذي استهوته الشياطين } [الأنعام: 71]، أضلته شياطين الأنس والجن { في الأرض } [الأنعام: 71] أي: في أرض البشرية باتباع الهوى { حيران } [الأنعام: 71] بإغوائهم وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون الطالبين في بطالتهم وضلالتهم { له أصحاب } [الأنعام: 71]؛ أي: المطالب { يدعونه إلى الهدى ائتنا } [الأنعام: 71]؛ أي: يهدونه إلى الله { قل إن هدى الله } [الأنعام: 71]، أي: الهداية إلى الله { هو الهدى } [الأنعام: 71]، الحقيقي لا الهداية إلى غيره وما سواه { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } [الأنعام: 71]؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان القدر مستسلما لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } [الأنعام: 72]، أي: وأمرنا أن نحفظ أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه { وهو الذي إليه تحشرون } [الأنعام: 72]، أيها الطالبون لا إلى غيره من الجنة والنار كما قال:
" ألا من طلبني وجدني ".
ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } [الأنعام: 73]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } أي: للحق يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسبا تحاكي جميع صفاته تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعدادا وأحسنهم تقويما في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا يشاهد منه غيره كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: { سنريهم } والإرادة إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: { ويوم يقول كن فيكون } [الأنعام: 73]؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبدا من عباده تلك الصفات يقول كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير رائيا بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى فيه استعدادا مناسبا للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: { قوله الحق } [الأنعام: 73]؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن رائيا { وله الملك } [الأنعام: 73]، تلك الإرادة وتلك الرؤية يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية { يوم ينفخ في الصور } [الأنعام: 73]، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود { علم الغيب والشهدة } [الأنعام: 73]، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالما كان غائبا عنه، وهو عالم الغيب والشهادة { وهو الحكيم } [الأنعام: 73]، فيما اختص الإنسان بإرادة الآيات { الخبير } [الأنعام: 73]، يخصه من بين الناس بالتجلي له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن ظلال الجهال بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } [الأنعام: 74]، إلى قوله
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78].
الإشارة فيها أن الله تعالى أظهر قدرته في إخراج الحي من الميت بقوله: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } [الأنعام: 74]، من دون الله إذا الأصل منهمك في الجحود بموت قلبه والنيل مضمحل في الشهود لحياة قلبه والأصنام، ما يعبد من دون الله { إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: 74]، بما أراني الله تعالى ملكوت الأشياء.
الأنعام 6:74
ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]، إلى قوله: { تحشرون } [الأنعام: 72]، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]؛ أي: نطلب غير الله الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه { ونرد على أعقابنا } [الأنعام: 71]، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها { بعد إذ هدانا الله } [الأنعام: 71]، إلى الوحده { كالذي استهوته الشياطين } [الأنعام: 71]، أضلته شياطين الأنس والجن { في الأرض } [الأنعام: 71] أي: في أرض البشرية باتباع الهوى { حيران } [الأنعام: 71] بإغوائهم وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون الطالبين في بطالتهم وضلالتهم { له أصحاب } [الأنعام: 71]؛ أي: المطالب { يدعونه إلى الهدى ائتنا } [الأنعام: 71]؛ أي: يهدونه إلى الله { قل إن هدى الله } [الأنعام: 71]، أي: الهداية إلى الله { هو الهدى } [الأنعام: 71]، الحقيقي لا الهداية إلى غيره وما سواه { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } [الأنعام: 71]؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان القدر مستسلما لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } [الأنعام: 72]، أي: وأمرنا أن نحفظ أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه { وهو الذي إليه تحشرون } [الأنعام: 72]، أيها الطالبون لا إلى غيره من الجنة والنار كما قال:
" ألا من طلبني وجدني ".
ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } [الأنعام: 73]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } أي: للحق يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسبا تحاكي جميع صفاته تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعدادا وأحسنهم تقويما في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا يشاهد منه غيره كما قال تعالى:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[فصلت: 53]؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: { سنريهم } والإرادة إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: { ويوم يقول كن فيكون } [الأنعام: 73]؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبدا من عباده تلك الصفات يقول كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير رائيا بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى فيه استعدادا مناسبا للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: { قوله الحق } [الأنعام: 73]؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن رائيا { وله الملك } [الأنعام: 73]، تلك الإرادة وتلك الرؤية يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية { يوم ينفخ في الصور } [الأنعام: 73]، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود { علم الغيب والشهدة } [الأنعام: 73]، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالما كان غائبا عنه، وهو عالم الغيب والشهادة { وهو الحكيم } [الأنعام: 73]، فيما اختص الإنسان بإرادة الآيات { الخبير } [الأنعام: 73]، يخصه من بين الناس بالتجلي له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن ظلال الجهال بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } [الأنعام: 74]، إلى قوله
إني بريء مما تشركون
[الأنعام: 78].
الإشارة فيها أن الله تعالى أظهر قدرته في إخراج الحي من الميت بقوله: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } [الأنعام: 74]، من دون الله إذا الأصل منهمك في الجحود بموت قلبه والنيل مضمحل في الشهود لحياة قلبه والأصنام، ما يعبد من دون الله { إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: 74]، بما أراني الله تعالى ملكوت الأشياء.
الأنعام 6:75
كما قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهرا يعبر عنه تارة لجسمانية لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحق وباطنا، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من لا شيء بأمر
كن
[غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما خلق الله من شيء
[الأعراف: 185]، فنبه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقا فقال:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: " هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل:
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب
شبرا عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78].
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
الأنعام 6:76
كما قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهرا يعبر عنه تارة لجسمانية لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحق وباطنا، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من لا شيء بأمر
كن
[غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما خلق الله من شيء
[الأعراف: 185]، فنبه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقا فقال:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: " هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل:
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب
شبرا عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78].
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
الأنعام 6:77
كما قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهرا يعبر عنه تارة لجسمانية لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحق وباطنا، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من لا شيء بأمر
كن
[غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما خلق الله من شيء
[الأعراف: 185]، فنبه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقا فقال:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: " هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل:
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب
شبرا عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78].
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
الأنعام 6:78
كما قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهرا يعبر عنه تارة لجسمانية لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحق وباطنا، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من لا شيء بأمر
كن
[غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما خلق الله من شيء
[الأعراف: 185]، فنبه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقا فقال:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: " هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل:
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب
شبرا عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78].
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
الأنعام 6:79
كما قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهرا يعبر عنه تارة لجسمانية لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحق وباطنا، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون
[يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من لا شيء بأمر
كن
[غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى
أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما خلق الله من شيء
[الأعراف: 185]، فنبه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقا فقال:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: " هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل:
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب
شبرا عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78].
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
الأنعام 6:80
ثم قال تعالى: { وحآجه قومه } [الأنعام: 80]؛ أي: جادلوه ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه.
{ قال أتحجوني في الله } [الأنعام: 80]؛ أي: في معرفته يعني أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها؟ أو تريدون أن تسبلوا ذيولكم على ضياء نهار الشهود؟ { وقد هدان } [الأنعام: 80]، ربي إليه بالعيان وتوالى البرهان كما كان في مرامي إذ قلت
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { ولا أخاف ما تشركون به } [الأنعام: 80]، بعد ما ترى على سلطان الحق ولاح برهان الصدق { إلا أن يشآء ربي شيئا } [الأنعام: 80]، من الخذلان بعد العرفان وهذا مستحيل؛ لأنه { وسع ربي كل شيء علما } [الأنعام: 80]؛ أي: هو أعم بمن هو أهل الخذلان وبمن هو أهل العرفان { أفلا تتذكرون } [الأنعام: 80]، فترجعون من طريق الخذلان إلى طريق العرفان.
ثم أخبر عمن هو أحق بالخوف، ومن هو أحق بالأمن بقوله تعالى: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81]، الآيتان الإشارة فيهما أن من أمارات موت القلب وفساد الروحانية واستيلاء النفس عليه لخوف الحيواني حتى يخاف من الجمادات كالأنعام لا يخاف من الله وعذابه، كما كان حال الكفار يخوفون إبراهيم عليه السلام عن الأصنام ولا يخافون الله وعذابه، حتى قال إبراهيم عليه السلام: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81] من جماد { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } [الأنعام: 81]، جمادا { ما لم ينزل به عليكم سلطنا } [الأنعام: 81]، من الله يعني وكيف أخاف الجماد، وقد نزل علي من الله سلطان بإرائة ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها، وإن كلا ليس إلها إلا الله وهو الذي يهاب ويرجى وأنتم لا تخافون وتشركون به جمادات لا سلطان لها ويخافونها { فأي الفريقين أحق بالأمن } [الأنعام: 81]، الذي يخافون الله يرجونه أم الذين لا يخافون الله ولا يرجونه ويخافون ويرجون غيره { إن كنتم تعلمون } [الأنعام: 81]، الحق من الباطل فلما لم يعلموا وكانوا موتى لا يسمعون الحق ولا يجيبون بالحق أجابهم وقال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82]، أي كانوا مؤمنين إذ رآهم الله تعالى من شواهد الحق عند تجلي صفات ربوبيته في مرآة الكواكب، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان والكواكب، وقد صح توجههم لخالقها بحيث قالوا لجبريل عليه السلام: " أما إليك فلا " { أولئك لهم الأمن } [الأنعام: 82]، عن الانقطاع بعد الوصول { وهم مهتدون } [الأنعام: 82]، إلى الوصال.
الأنعام 6:81
ثم قال تعالى: { وحآجه قومه } [الأنعام: 80]؛ أي: جادلوه ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه.
{ قال أتحجوني في الله } [الأنعام: 80]؛ أي: في معرفته يعني أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها؟ أو تريدون أن تسبلوا ذيولكم على ضياء نهار الشهود؟ { وقد هدان } [الأنعام: 80]، ربي إليه بالعيان وتوالى البرهان كما كان في مرامي إذ قلت
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { ولا أخاف ما تشركون به } [الأنعام: 80]، بعد ما ترى على سلطان الحق ولاح برهان الصدق { إلا أن يشآء ربي شيئا } [الأنعام: 80]، من الخذلان بعد العرفان وهذا مستحيل؛ لأنه { وسع ربي كل شيء علما } [الأنعام: 80]؛ أي: هو أعم بمن هو أهل الخذلان وبمن هو أهل العرفان { أفلا تتذكرون } [الأنعام: 80]، فترجعون من طريق الخذلان إلى طريق العرفان.
ثم أخبر عمن هو أحق بالخوف، ومن هو أحق بالأمن بقوله تعالى: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81]، الآيتان الإشارة فيهما أن من أمارات موت القلب وفساد الروحانية واستيلاء النفس عليه لخوف الحيواني حتى يخاف من الجمادات كالأنعام لا يخاف من الله وعذابه، كما كان حال الكفار يخوفون إبراهيم عليه السلام عن الأصنام ولا يخافون الله وعذابه، حتى قال إبراهيم عليه السلام: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81] من جماد { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } [الأنعام: 81]، جمادا { ما لم ينزل به عليكم سلطنا } [الأنعام: 81]، من الله يعني وكيف أخاف الجماد، وقد نزل علي من الله سلطان بإرائة ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها، وإن كلا ليس إلها إلا الله وهو الذي يهاب ويرجى وأنتم لا تخافون وتشركون به جمادات لا سلطان لها ويخافونها { فأي الفريقين أحق بالأمن } [الأنعام: 81]، الذي يخافون الله يرجونه أم الذين لا يخافون الله ولا يرجونه ويخافون ويرجون غيره { إن كنتم تعلمون } [الأنعام: 81]، الحق من الباطل فلما لم يعلموا وكانوا موتى لا يسمعون الحق ولا يجيبون بالحق أجابهم وقال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82]، أي كانوا مؤمنين إذ رآهم الله تعالى من شواهد الحق عند تجلي صفات ربوبيته في مرآة الكواكب، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان والكواكب، وقد صح توجههم لخالقها بحيث قالوا لجبريل عليه السلام: " أما إليك فلا " { أولئك لهم الأمن } [الأنعام: 82]، عن الانقطاع بعد الوصول { وهم مهتدون } [الأنعام: 82]، إلى الوصال.
الأنعام 6:82
ثم قال تعالى: { وحآجه قومه } [الأنعام: 80]؛ أي: جادلوه ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه.
{ قال أتحجوني في الله } [الأنعام: 80]؛ أي: في معرفته يعني أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها؟ أو تريدون أن تسبلوا ذيولكم على ضياء نهار الشهود؟ { وقد هدان } [الأنعام: 80]، ربي إليه بالعيان وتوالى البرهان كما كان في مرامي إذ قلت
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { ولا أخاف ما تشركون به } [الأنعام: 80]، بعد ما ترى على سلطان الحق ولاح برهان الصدق { إلا أن يشآء ربي شيئا } [الأنعام: 80]، من الخذلان بعد العرفان وهذا مستحيل؛ لأنه { وسع ربي كل شيء علما } [الأنعام: 80]؛ أي: هو أعم بمن هو أهل الخذلان وبمن هو أهل العرفان { أفلا تتذكرون } [الأنعام: 80]، فترجعون من طريق الخذلان إلى طريق العرفان.
ثم أخبر عمن هو أحق بالخوف، ومن هو أحق بالأمن بقوله تعالى: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81]، الآيتان الإشارة فيهما أن من أمارات موت القلب وفساد الروحانية واستيلاء النفس عليه لخوف الحيواني حتى يخاف من الجمادات كالأنعام لا يخاف من الله وعذابه، كما كان حال الكفار يخوفون إبراهيم عليه السلام عن الأصنام ولا يخافون الله وعذابه، حتى قال إبراهيم عليه السلام: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81] من جماد { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } [الأنعام: 81]، جمادا { ما لم ينزل به عليكم سلطنا } [الأنعام: 81]، من الله يعني وكيف أخاف الجماد، وقد نزل علي من الله سلطان بإرائة ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها، وإن كلا ليس إلها إلا الله وهو الذي يهاب ويرجى وأنتم لا تخافون وتشركون به جمادات لا سلطان لها ويخافونها { فأي الفريقين أحق بالأمن } [الأنعام: 81]، الذي يخافون الله يرجونه أم الذين لا يخافون الله ولا يرجونه ويخافون ويرجون غيره { إن كنتم تعلمون } [الأنعام: 81]، الحق من الباطل فلما لم يعلموا وكانوا موتى لا يسمعون الحق ولا يجيبون بالحق أجابهم وقال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82]، أي كانوا مؤمنين إذ رآهم الله تعالى من شواهد الحق عند تجلي صفات ربوبيته في مرآة الكواكب، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان والكواكب، وقد صح توجههم لخالقها بحيث قالوا لجبريل عليه السلام: " أما إليك فلا " { أولئك لهم الأمن } [الأنعام: 82]، عن الانقطاع بعد الوصول { وهم مهتدون } [الأنعام: 82]، إلى الوصال.
الأنعام 6:83
ثم أخبر عن محجة تلك الحجة بقوله تعالى: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم على قومه } [الأنعام: 83]، إلى قوله:
ما كانوا يعملون
[الأنعام: 88] الإشارة فيهما أن محجة السلوك إلى الله تعالى إنما هي تتحقق بالآيات التي هي أفعاله، وهذه خرقات لهم وهي الأولى، ثم شهود صفاته بإراءته لهم وهي الرتبة الفانية، ثم التحقيق بوجوده وذاته عند التجلي لأسرارهم هذا مبدء الوصول ولا غاية له، فقوله تعالى: { وتلك } أي: إرادة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والإعراض والتبرؤ عما سواه والخلاص من ترك الأنانية، والإيمان الحقيقي والإيقان بالعيان ابتدائها إبراهيم أي أعطيناه ورأيناه بذاتها من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه { نرفع درجت من نشآء } [الأنعام: 83]، بجذبات الألوهية عن حجب الأنانية { إن ربك حكيم } [الأنعام: 83]، فيما يرفع من يشاء بجذبات { عليم } [الأنعام: 83]، بمن يجذبه من حضيض البشرية وممن رفعنا به درجات إبراهيم عليه السلام { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا } [الأنعام: 84]، كما هدينا إبراهيم عليه السلام هدينا إسحاق ويعقوب عليهم السلام لما وهبناها له ولعل تأخر ذكر إسماعيل عن ذكر إسحاق ويعقوب وذريتهما واختصاصهما بالموهبة دون إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى جعل وجود إسحاق ويعقوب وذريتهما وهدايتهم تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام وموهبته له، وأن محمدا صلى الله عايه وسلم كان من ذرية إسماعيل والكائنات كان تبعا لوجوده فما جعل الله تعالى إسماعيل عليه السلام تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام ولا هدايته تبعا لهدايته لشرف محمد صلى الله عليه وسلم فأفرده عنهم بالذكر والهداية، وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين وميزتهم في سلك واحد بالذكر والهداية وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين والتفضيل على العالمين فمن كان قبل إبراهيم عليه السلام وبعده وجودا وهداية، كما قال تعالى: { ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } [الأنعام: 84]، هؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام يعني كما جزينا إبراهيم عليه السلام لإحسانه معنا يرانا، ولم ير أحدا معنا وهبنا لهذه الذرية وهديناهم وكذلك نجزي كل محسن معناه على حسب إحسانهم.
الأنعام 6:84
ثم أخبر عن محجة تلك الحجة بقوله تعالى: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم على قومه } [الأنعام: 83]، إلى قوله:
ما كانوا يعملون
[الأنعام: 88] الإشارة فيهما أن محجة السلوك إلى الله تعالى إنما هي تتحقق بالآيات التي هي أفعاله، وهذه خرقات لهم وهي الأولى، ثم شهود صفاته بإراءته لهم وهي الرتبة الفانية، ثم التحقيق بوجوده وذاته عند التجلي لأسرارهم هذا مبدء الوصول ولا غاية له، فقوله تعالى: { وتلك } أي: إرادة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والإعراض والتبرؤ عما سواه والخلاص من ترك الأنانية، والإيمان الحقيقي والإيقان بالعيان ابتدائها إبراهيم أي أعطيناه ورأيناه بذاتها من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه { نرفع درجت من نشآء } [الأنعام: 83]، بجذبات الألوهية عن حجب الأنانية { إن ربك حكيم } [الأنعام: 83]، فيما يرفع من يشاء بجذبات { عليم } [الأنعام: 83]، بمن يجذبه من حضيض البشرية وممن رفعنا به درجات إبراهيم عليه السلام { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا } [الأنعام: 84]، كما هدينا إبراهيم عليه السلام هدينا إسحاق ويعقوب عليهم السلام لما وهبناها له ولعل تأخر ذكر إسماعيل عن ذكر إسحاق ويعقوب وذريتهما واختصاصهما بالموهبة دون إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى جعل وجود إسحاق ويعقوب وذريتهما وهدايتهم تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام وموهبته له، وأن محمدا صلى الله عايه وسلم كان من ذرية إسماعيل والكائنات كان تبعا لوجوده فما جعل الله تعالى إسماعيل عليه السلام تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام ولا هدايته تبعا لهدايته لشرف محمد صلى الله عليه وسلم فأفرده عنهم بالذكر والهداية، وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين وميزتهم في سلك واحد بالذكر والهداية وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين والتفضيل على العالمين فمن كان قبل إبراهيم عليه السلام وبعده وجودا وهداية، كما قال تعالى: { ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } [الأنعام: 84]، هؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام يعني كما جزينا إبراهيم عليه السلام لإحسانه معنا يرانا، ولم ير أحدا معنا وهبنا لهذه الذرية وهديناهم وكذلك نجزي كل محسن معناه على حسب إحسانهم.
الأنعام 6:85
ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.
ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
الأنعام 6:86
ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.
ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
الأنعام 6:87
ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.
ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
الأنعام 6:88
ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.
ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
الأنعام 6:89
ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.
ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
الأنعام 6:90
ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى.
ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: 87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون.
ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبدا.
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
الأنعام 6:91
ثم أخبر عن جلال قدرته وكمال عزته وعظمته بقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } [الأنعام: 91] والإشارة فيها أن العلم المخلوق لا يحيط بالأوصاف القديمة ولا يدرك القديم إلا بالقدم { وما قدروا الله حق قدره }؛ إذ هم مخلوقون والمخلوق لا يقدر إلا المخلوق، فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير عارف؛ لأنه لم يعرفه حق معرفته ومن عرف الله بآلة قديمة، كما قال بعضهم: " أعرف ربي بربي " ، فقد عرف الله وهو عارف، ولكن على قدر استعداده في قبول فيض الربوبية الذي به عرف الله لا على قدر ولا على نهاية ذاته وصفاته { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } [الأنعام: 91]؛ يعني لو عرفوا الله حق معرفته لعلموا أنه أنزل الكتب وبعث الرسل فمن أراد في معرفة أوصافه فقد ازداد في معرفته، ولما لم يحط أحد بكمال أوصافه ما قدروا الله حق قدره على الحقيقة.
ثم قال: { قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس } [الأنعام: 91]، حجة عليهم يعني من الذي يجئ بكتاب كما جاء به موسى عليه السلام وحاله أن ينور القلوب القاسية بنور الله تعالى ويهديهم بذلك النور إلى الله تعالى ودينه غير الله، فإن الكتاب الذي يجيء به غير الله لا يكون له هذا الحال لا { تجعلونه قراطيس } [الأنعام: 91]، أي إنما أنزل الكتاب الذي حاله أن ينور القلوب ويهديها إلى الله لتعلموا به وسيرى الله نوره إلى قلوبكم فجعلتموه { قراطيس } بالكتابة وما تجعلونه في قلوبكم بالتخلق بالأخلاق الكتاب فلا جرم تبدونها إلى صورة قراءتها وروايتها { تبدونها وتخفون كثيرا } [الأنعام: 91]، وهو حقائقها الكثيرة التي تتعلق بنور الكتاب وهداه وهو غير متناه { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءابآؤكم } [الأنعام: 91]، يشير بهذا إلى كمالية مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم وكمالية دينه على الأنبياء عليهم السلام والأديان كلها وذلك أن محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث لتعليم الكتاب والحكمة وتعليم ما لم يعلم غيره من الكتاب والحكمة كقوله تعالى:
ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون
[البقرة: 151]، والذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب قوله تعالى: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } [الأنعام: 91]، ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سر بسر وإضمار بإضمارنا المعنى { قل الله } بشرك عند خلوة عن التفات ما سواه من خلقه { ثم ذرهم } أي الخلق في خوضهم يلعبون أي ليلعبوا بمن خاض فيهم وبلعبهم من خاضوا فيهم ومعهم حتى يقولوا يوم الحسرة وكنا نخوض مع الخائضين فهو الذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة علم الكتاب والحكمة مما لم يعلموهم ولا آباؤهم والله أعلم.
ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: { وهذا كتب أنزلنه مبارك } [الأنعام: 92]، الآيتين الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم { مصدق الذي بين يديه } [الأنعام: 92]، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي أنزلت قبله مستوعبا للتخلق به { ولتنذر أم القرى } [الأنعام: 92]، وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وأوحيت جميع أرض القلب من تحتها { ومن حولها } [الأنعام: 92]، من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه { والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } [الأنعام: 92]، يعني ما هو توجهه إلى الآخرة الباقية في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، وهو لها فقرا من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره { وهم على صلاتهم يحافظون } [الأنعام: 92]، يعني على الترقي من صفاتهم وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة معراج المؤمنين { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 93]، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه انشدوا:
إذا انسكبت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
{ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } [الأنعام: 93]؛ يعني: والذي نزل نفسه منزلة المحدثين وأهل الإشارة، ولم يلق إلى أسرارهم خصائص الكتاب، ولم تلهم نفوسهم بها { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } [الأنعام: 93]، يشير إلى المتشدقين والمتفيهقين في الكلام الذين يدعون أنهم يتكلمون بمثل ما أنزل الله من الحقائق والأسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين.
{ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } [الأنعام: 93]، إشارة إلى أن غاية الظالم هي الافتراء على الله، والذي يظلم نفسه بالافتراء بأن ينزلها منزلة غيرها، ويضع ادعاء الوحي في غير موضعها، يظهر مضرة ظلمته وافترائه عند سكرات الموت وافترائهم عند انقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس من القالب كرها لتعلقها بشهوات الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذات الحقائق الغيبية والشهوات الأخروية؛ إذ الملائكة يبسطون أيديهم بالقهر إليهم لنزع أنفسهم بالهوان والشدة وهي متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب الرئاسة بأصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها، كما قال: { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } [الأنعام: 93]؛ يعنى: آياته المودعة في أنفسكم تعرضون عنها وتراؤون بما ليس لكم، ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام وتعلقها عن أوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين، ولعله إلى الحشر والكفار إلى الأبد وهم في عذاب النزع بالشدة أبدا وهو العذاب الأليم والعذاب الشديد، ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جيدا.
الأنعام 6:92
ثم أخبر عن جلال قدرته وكمال عزته وعظمته بقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } [الأنعام: 91] والإشارة فيها أن العلم المخلوق لا يحيط بالأوصاف القديمة ولا يدرك القديم إلا بالقدم { وما قدروا الله حق قدره }؛ إذ هم مخلوقون والمخلوق لا يقدر إلا المخلوق، فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير عارف؛ لأنه لم يعرفه حق معرفته ومن عرف الله بآلة قديمة، كما قال بعضهم: " أعرف ربي بربي " ، فقد عرف الله وهو عارف، ولكن على قدر استعداده في قبول فيض الربوبية الذي به عرف الله لا على قدر ولا على نهاية ذاته وصفاته { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } [الأنعام: 91]؛ يعني لو عرفوا الله حق معرفته لعلموا أنه أنزل الكتب وبعث الرسل فمن أراد في معرفة أوصافه فقد ازداد في معرفته، ولما لم يحط أحد بكمال أوصافه ما قدروا الله حق قدره على الحقيقة.
ثم قال: { قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس } [الأنعام: 91]، حجة عليهم يعني من الذي يجئ بكتاب كما جاء به موسى عليه السلام وحاله أن ينور القلوب القاسية بنور الله تعالى ويهديهم بذلك النور إلى الله تعالى ودينه غير الله، فإن الكتاب الذي يجيء به غير الله لا يكون له هذا الحال لا { تجعلونه قراطيس } [الأنعام: 91]، أي إنما أنزل الكتاب الذي حاله أن ينور القلوب ويهديها إلى الله لتعلموا به وسيرى الله نوره إلى قلوبكم فجعلتموه { قراطيس } بالكتابة وما تجعلونه في قلوبكم بالتخلق بالأخلاق الكتاب فلا جرم تبدونها إلى صورة قراءتها وروايتها { تبدونها وتخفون كثيرا } [الأنعام: 91]، وهو حقائقها الكثيرة التي تتعلق بنور الكتاب وهداه وهو غير متناه { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءابآؤكم } [الأنعام: 91]، يشير بهذا إلى كمالية مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم وكمالية دينه على الأنبياء عليهم السلام والأديان كلها وذلك أن محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث لتعليم الكتاب والحكمة وتعليم ما لم يعلم غيره من الكتاب والحكمة كقوله تعالى:
ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون
[البقرة: 151]، والذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب قوله تعالى: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } [الأنعام: 91]، ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سر بسر وإضمار بإضمارنا المعنى { قل الله } بشرك عند خلوة عن التفات ما سواه من خلقه { ثم ذرهم } أي الخلق في خوضهم يلعبون أي ليلعبوا بمن خاض فيهم وبلعبهم من خاضوا فيهم ومعهم حتى يقولوا يوم الحسرة وكنا نخوض مع الخائضين فهو الذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة علم الكتاب والحكمة مما لم يعلموهم ولا آباؤهم والله أعلم.
ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: { وهذا كتب أنزلنه مبارك } [الأنعام: 92]، الآيتين الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم { مصدق الذي بين يديه } [الأنعام: 92]، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي أنزلت قبله مستوعبا للتخلق به { ولتنذر أم القرى } [الأنعام: 92]، وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وأوحيت جميع أرض القلب من تحتها { ومن حولها } [الأنعام: 92]، من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه { والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } [الأنعام: 92]، يعني ما هو توجهه إلى الآخرة الباقية في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، وهو لها فقرا من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره { وهم على صلاتهم يحافظون } [الأنعام: 92]، يعني على الترقي من صفاتهم وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة معراج المؤمنين { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 93]، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه انشدوا:
إذا انسكبت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
{ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } [الأنعام: 93]؛ يعني: والذي نزل نفسه منزلة المحدثين وأهل الإشارة، ولم يلق إلى أسرارهم خصائص الكتاب، ولم تلهم نفوسهم بها { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } [الأنعام: 93]، يشير إلى المتشدقين والمتفيهقين في الكلام الذين يدعون أنهم يتكلمون بمثل ما أنزل الله من الحقائق والأسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين.
{ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } [الأنعام: 93]، إشارة إلى أن غاية الظالم هي الافتراء على الله، والذي يظلم نفسه بالافتراء بأن ينزلها منزلة غيرها، ويضع ادعاء الوحي في غير موضعها، يظهر مضرة ظلمته وافترائه عند سكرات الموت وافترائهم عند انقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس من القالب كرها لتعلقها بشهوات الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذات الحقائق الغيبية والشهوات الأخروية؛ إذ الملائكة يبسطون أيديهم بالقهر إليهم لنزع أنفسهم بالهوان والشدة وهي متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب الرئاسة بأصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها، كما قال: { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } [الأنعام: 93]؛ يعنى: آياته المودعة في أنفسكم تعرضون عنها وتراؤون بما ليس لكم، ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام وتعلقها عن أوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين، ولعله إلى الحشر والكفار إلى الأبد وهم في عذاب النزع بالشدة أبدا وهو العذاب الأليم والعذاب الشديد، ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جيدا.
الأنعام 6:93
ثم أخبر عن جلال قدرته وكمال عزته وعظمته بقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } [الأنعام: 91] والإشارة فيها أن العلم المخلوق لا يحيط بالأوصاف القديمة ولا يدرك القديم إلا بالقدم { وما قدروا الله حق قدره }؛ إذ هم مخلوقون والمخلوق لا يقدر إلا المخلوق، فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير عارف؛ لأنه لم يعرفه حق معرفته ومن عرف الله بآلة قديمة، كما قال بعضهم: " أعرف ربي بربي " ، فقد عرف الله وهو عارف، ولكن على قدر استعداده في قبول فيض الربوبية الذي به عرف الله لا على قدر ولا على نهاية ذاته وصفاته { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } [الأنعام: 91]؛ يعني لو عرفوا الله حق معرفته لعلموا أنه أنزل الكتب وبعث الرسل فمن أراد في معرفة أوصافه فقد ازداد في معرفته، ولما لم يحط أحد بكمال أوصافه ما قدروا الله حق قدره على الحقيقة.
ثم قال: { قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس } [الأنعام: 91]، حجة عليهم يعني من الذي يجئ بكتاب كما جاء به موسى عليه السلام وحاله أن ينور القلوب القاسية بنور الله تعالى ويهديهم بذلك النور إلى الله تعالى ودينه غير الله، فإن الكتاب الذي يجيء به غير الله لا يكون له هذا الحال لا { تجعلونه قراطيس } [الأنعام: 91]، أي إنما أنزل الكتاب الذي حاله أن ينور القلوب ويهديها إلى الله لتعلموا به وسيرى الله نوره إلى قلوبكم فجعلتموه { قراطيس } بالكتابة وما تجعلونه في قلوبكم بالتخلق بالأخلاق الكتاب فلا جرم تبدونها إلى صورة قراءتها وروايتها { تبدونها وتخفون كثيرا } [الأنعام: 91]، وهو حقائقها الكثيرة التي تتعلق بنور الكتاب وهداه وهو غير متناه { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءابآؤكم } [الأنعام: 91]، يشير بهذا إلى كمالية مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم وكمالية دينه على الأنبياء عليهم السلام والأديان كلها وذلك أن محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث لتعليم الكتاب والحكمة وتعليم ما لم يعلم غيره من الكتاب والحكمة كقوله تعالى:
ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون
[البقرة: 151]، والذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب قوله تعالى: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } [الأنعام: 91]، ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سر بسر وإضمار بإضمارنا المعنى { قل الله } بشرك عند خلوة عن التفات ما سواه من خلقه { ثم ذرهم } أي الخلق في خوضهم يلعبون أي ليلعبوا بمن خاض فيهم وبلعبهم من خاضوا فيهم ومعهم حتى يقولوا يوم الحسرة وكنا نخوض مع الخائضين فهو الذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة علم الكتاب والحكمة مما لم يعلموهم ولا آباؤهم والله أعلم.
ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: { وهذا كتب أنزلنه مبارك } [الأنعام: 92]، الآيتين الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم { مصدق الذي بين يديه } [الأنعام: 92]، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي أنزلت قبله مستوعبا للتخلق به { ولتنذر أم القرى } [الأنعام: 92]، وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وأوحيت جميع أرض القلب من تحتها { ومن حولها } [الأنعام: 92]، من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه { والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } [الأنعام: 92]، يعني ما هو توجهه إلى الآخرة الباقية في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، وهو لها فقرا من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره { وهم على صلاتهم يحافظون } [الأنعام: 92]، يعني على الترقي من صفاتهم وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة معراج المؤمنين { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 93]، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه انشدوا:
إذا انسكبت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
{ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } [الأنعام: 93]؛ يعني: والذي نزل نفسه منزلة المحدثين وأهل الإشارة، ولم يلق إلى أسرارهم خصائص الكتاب، ولم تلهم نفوسهم بها { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } [الأنعام: 93]، يشير إلى المتشدقين والمتفيهقين في الكلام الذين يدعون أنهم يتكلمون بمثل ما أنزل الله من الحقائق والأسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين.
{ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } [الأنعام: 93]، إشارة إلى أن غاية الظالم هي الافتراء على الله، والذي يظلم نفسه بالافتراء بأن ينزلها منزلة غيرها، ويضع ادعاء الوحي في غير موضعها، يظهر مضرة ظلمته وافترائه عند سكرات الموت وافترائهم عند انقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس من القالب كرها لتعلقها بشهوات الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذات الحقائق الغيبية والشهوات الأخروية؛ إذ الملائكة يبسطون أيديهم بالقهر إليهم لنزع أنفسهم بالهوان والشدة وهي متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب الرئاسة بأصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها، كما قال: { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } [الأنعام: 93]؛ يعنى: آياته المودعة في أنفسكم تعرضون عنها وتراؤون بما ليس لكم، ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام وتعلقها عن أوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين، ولعله إلى الحشر والكفار إلى الأبد وهم في عذاب النزع بالشدة أبدا وهو العذاب الأليم والعذاب الشديد، ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جيدا.
الأنعام 6:94
ثم أخبر عن مجيئهم وقال تعالى: { ولقد جئتمونا فردى } [الأنعام: 94]، الإشارة فيها أن المجيء إلى الله تعالى يكون بالتجريد، ثم بالتفريد ثم بالتوحيد، فالتجريد: هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق بها، والتفريد: هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعا إلى الله تعالى خاليا عن التعلق بهما كما كان في بدء الخلقة روحا مجردا عن تعلقات الكونين كقوله تعالى: { ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة } [الأنعام: 94]؛ يعني: أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب، فإنه خلقه ثانيا، كما قال تعالى:
خلقا آخر
[المؤمنون: 14]، وقال تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم
[الأعراف: 11]، فللعبد في السير إلى الله تعالى كسب وسعي بالتجريد والتفريد عن الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم } [الأنعام: 94]، يعني: عن تعلق الكونين، { وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء } [الأنعام: 94]، يعني: الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله، { لقد تقطع بينكم } [الأنعام: 94]، وبينها عند انتهاء سيركم.
{ وضل عنكم ما كنتم تزعمون } [الأنعام: 94]، إنه يوصلكم إلى الله تعالى، فلما وصل العبد إلى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى سير جبريل عليه السلام ليلة المعراج عند سدرة المنتهى - وهي منتهى سير السائرين من الملك والأنس - والتوحيد هو التوحد، لفيض الوحدانية عن التجلي بالصفات الوحدانية؛ ليوصل العبد بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، مقام الوحدة، ولو لم يدركه العناية الأزلية بجذبات الربوبية لانقطع عن السير في الله بالله، وبقي في السدرة وهو يقول: ما شاء الله له مقام معلوم.
الأنعام 6:95
ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى:
كلمة طيبة كشجرة طيبة
[إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية.
{ ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } [الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية.
{ والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها.
{ ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه "
فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }.
وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال.
{ لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء والأئمة.
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا.
{ وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.
الأنعام 6:96
ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى:
كلمة طيبة كشجرة طيبة
[إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية.
{ ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } [الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية.
{ والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها.
{ ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه "
فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }.
وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال.
{ لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء والأئمة.
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا.
{ وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.
الأنعام 6:97
ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى:
كلمة طيبة كشجرة طيبة
[إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية.
{ ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } [الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية.
{ والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها.
{ ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه "
فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }.
وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال.
{ لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء والأئمة.
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا.
{ وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.
الأنعام 6:98
ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى:
كلمة طيبة كشجرة طيبة
[إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية.
{ ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } [الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية.
{ والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها.
{ ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه "
فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }.
وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال.
{ لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء والأئمة.
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا.
{ وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.
الأنعام 6:99
ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى:
كلمة طيبة كشجرة طيبة
[إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية.
{ ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } [الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية.
{ والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها.
{ ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه "
فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }.
وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال.
{ لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء والأئمة.
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا.
{ وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.
الأنعام 6:100
ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى:
كلمة طيبة كشجرة طيبة
[إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية.
{ ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } [الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية.
{ والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها.
{ ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54].
ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه "
فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }.
وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال.
{ لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء والأئمة.
{ انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا.
{ وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.
الأنعام 6:101
ثم أخبر عن تفرد ذاته وصفاته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]، { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } [الأنعام: 102]، إلى قوله: { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، والإشارة فيها: أنه تعالى موصوف بالتنزيه ذاته وصفاته بحيث { لا تدركه الأبصر } [الأنعام: 103]؛ أي: لا تلحقه المحدثات لا الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة، تقدست بالصمدية عن كل لحوق ودرك ينسب إلى مخلوق ومحدث.
{ وهو يدرك الأبصر } [الأنعام: 103]، بالتجلي لها، فيفني المحدثات فيكون هو بصره الذي يبصر به، فالقوة عند التجلي الأبصار الظاهرة والباطنة في الرؤية بنور الربوبية، { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، أي: هو اللطيف من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات، الخبير بمن يستحق أن يتجلى له الحق تعالى ويدرك أبصاره باطلاعه عليها فيستعد بها للرؤية، ومن لطفه أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه وكرما من غير استحقاقها للوجود.
ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } [الأنعام: 104]، إلى قوله:
بوكيل
[الأنعام: 107]، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، كما أعطى بصرا لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه } [الأنعام: 104]، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه،
فإن الله غني عن العلمين
[آل عمران: 97].
{ ومن عمي فعليها } [الأنعام: 104]، يعني: من عمي عن النظر بالبصيرة عن هذه الكمالات لما أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته،
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46]، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } [الأنعام: 104]، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء.
الأنعام 6:102
ثم أخبر عن تفرد ذاته وصفاته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]، { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } [الأنعام: 102]، إلى قوله: { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، والإشارة فيها: أنه تعالى موصوف بالتنزيه ذاته وصفاته بحيث { لا تدركه الأبصر } [الأنعام: 103]؛ أي: لا تلحقه المحدثات لا الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة، تقدست بالصمدية عن كل لحوق ودرك ينسب إلى مخلوق ومحدث.
{ وهو يدرك الأبصر } [الأنعام: 103]، بالتجلي لها، فيفني المحدثات فيكون هو بصره الذي يبصر به، فالقوة عند التجلي الأبصار الظاهرة والباطنة في الرؤية بنور الربوبية، { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، أي: هو اللطيف من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات، الخبير بمن يستحق أن يتجلى له الحق تعالى ويدرك أبصاره باطلاعه عليها فيستعد بها للرؤية، ومن لطفه أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه وكرما من غير استحقاقها للوجود.
ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } [الأنعام: 104]، إلى قوله:
بوكيل
[الأنعام: 107]، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، كما أعطى بصرا لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه } [الأنعام: 104]، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه،
فإن الله غني عن العلمين
[آل عمران: 97].
{ ومن عمي فعليها } [الأنعام: 104]، يعني: من عمي عن النظر بالبصيرة عن هذه الكمالات لما أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته،
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46]، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } [الأنعام: 104]، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء.
الأنعام 6:103
ثم أخبر عن تفرد ذاته وصفاته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]، { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } [الأنعام: 102]، إلى قوله: { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، والإشارة فيها: أنه تعالى موصوف بالتنزيه ذاته وصفاته بحيث { لا تدركه الأبصر } [الأنعام: 103]؛ أي: لا تلحقه المحدثات لا الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة، تقدست بالصمدية عن كل لحوق ودرك ينسب إلى مخلوق ومحدث.
{ وهو يدرك الأبصر } [الأنعام: 103]، بالتجلي لها، فيفني المحدثات فيكون هو بصره الذي يبصر به، فالقوة عند التجلي الأبصار الظاهرة والباطنة في الرؤية بنور الربوبية، { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، أي: هو اللطيف من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات، الخبير بمن يستحق أن يتجلى له الحق تعالى ويدرك أبصاره باطلاعه عليها فيستعد بها للرؤية، ومن لطفه أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه وكرما من غير استحقاقها للوجود.
ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } [الأنعام: 104]، إلى قوله:
بوكيل
[الأنعام: 107]، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، كما أعطى بصرا لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه } [الأنعام: 104]، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه،
فإن الله غني عن العلمين
[آل عمران: 97].
{ ومن عمي فعليها } [الأنعام: 104]، يعني: من عمي عن النظر بالبصيرة عن هذه الكمالات لما أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته،
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46]، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } [الأنعام: 104]، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء.
الأنعام 6:104
ثم أخبر عن تفرد ذاته وصفاته بقوله تعالى: { بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]، { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } [الأنعام: 102]، إلى قوله: { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، والإشارة فيها: أنه تعالى موصوف بالتنزيه ذاته وصفاته بحيث { لا تدركه الأبصر } [الأنعام: 103]؛ أي: لا تلحقه المحدثات لا الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة، تقدست بالصمدية عن كل لحوق ودرك ينسب إلى مخلوق ومحدث.
{ وهو يدرك الأبصر } [الأنعام: 103]، بالتجلي لها، فيفني المحدثات فيكون هو بصره الذي يبصر به، فالقوة عند التجلي الأبصار الظاهرة والباطنة في الرؤية بنور الربوبية، { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، أي: هو اللطيف من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات، الخبير بمن يستحق أن يتجلى له الحق تعالى ويدرك أبصاره باطلاعه عليها فيستعد بها للرؤية، ومن لطفه أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه وكرما من غير استحقاقها للوجود.
ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } [الأنعام: 104]، إلى قوله:
بوكيل
[الأنعام: 107]، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، كما أعطى بصرا لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه } [الأنعام: 104]، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه،
فإن الله غني عن العلمين
[آل عمران: 97].
{ ومن عمي فعليها } [الأنعام: 104]، يعني: من عمي عن النظر بالبصيرة عن هذه الكمالات لما أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته،
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46]، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } [الأنعام: 104]، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء.
الأنعام 6:105
{ وكذلك نصرف الآيات } [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة للجهال { وليقولوا درست }؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات الإلهية، { ولنبينه }؛ يعني: نصرف الآيات، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } [الأنعام: 106]، فيما أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه { لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } [الأنعام: 106]، عند تجلي ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرا وجهرا، { ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة بالغة منا، { بوكيل } لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص الخواص إلى: الوحدة، ويكون لكل قوم هو لما خلق له.
ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } [الأنعام: 108]، إلى قوله:
يجهلون
[الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا سببا وعلة لزيادة كفرهم، { كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال أهل الردة، { ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]، بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، { لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها } [الأنعام: 109]، قد حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة.
{ قل إنما الآيت عند الله } [الأنعام: 109]؛ يعني: اطلبوها في مقام العبدية، { وما يشعركم } [الأنعام: 109] يا أهل الحسبان { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109] بالخذلان.