التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — الأنعام 6:106 – الأعراف 7:67
المحتويات
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:114
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:39
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
الأنعام 6:106
{ وكذلك نصرف الآيات } [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة للجهال { وليقولوا درست }؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات الإلهية، { ولنبينه }؛ يعني: نصرف الآيات، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } [الأنعام: 106]، فيما أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه { لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } [الأنعام: 106]، عند تجلي ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرا وجهرا، { ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة بالغة منا، { بوكيل } لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص الخواص إلى: الوحدة، ويكون لكل قوم هو لما خلق له.
ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } [الأنعام: 108]، إلى قوله:
يجهلون
[الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا سببا وعلة لزيادة كفرهم، { كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال أهل الردة، { ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]، بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، { لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها } [الأنعام: 109]، قد حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة.
{ قل إنما الآيت عند الله } [الأنعام: 109]؛ يعني: اطلبوها في مقام العبدية، { وما يشعركم } [الأنعام: 109] يا أهل الحسبان { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109] بالخذلان.
الأنعام 6:107
{ وكذلك نصرف الآيات } [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة للجهال { وليقولوا درست }؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات الإلهية، { ولنبينه }؛ يعني: نصرف الآيات، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } [الأنعام: 106]، فيما أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه { لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } [الأنعام: 106]، عند تجلي ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرا وجهرا، { ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة بالغة منا، { بوكيل } لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص الخواص إلى: الوحدة، ويكون لكل قوم هو لما خلق له.
ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } [الأنعام: 108]، إلى قوله:
يجهلون
[الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا سببا وعلة لزيادة كفرهم، { كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال أهل الردة، { ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]، بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، { لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها } [الأنعام: 109]، قد حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة.
{ قل إنما الآيت عند الله } [الأنعام: 109]؛ يعني: اطلبوها في مقام العبدية، { وما يشعركم } [الأنعام: 109] يا أهل الحسبان { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109] بالخذلان.
الأنعام 6:108
{ وكذلك نصرف الآيات } [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة للجهال { وليقولوا درست }؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات الإلهية، { ولنبينه }؛ يعني: نصرف الآيات، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } [الأنعام: 106]، فيما أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه { لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } [الأنعام: 106]، عند تجلي ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرا وجهرا، { ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة بالغة منا، { بوكيل } لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص الخواص إلى: الوحدة، ويكون لكل قوم هو لما خلق له.
ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } [الأنعام: 108]، إلى قوله:
يجهلون
[الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا سببا وعلة لزيادة كفرهم، { كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال أهل الردة، { ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]، بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، { لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها } [الأنعام: 109]، قد حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة.
{ قل إنما الآيت عند الله } [الأنعام: 109]؛ يعني: اطلبوها في مقام العبدية، { وما يشعركم } [الأنعام: 109] يا أهل الحسبان { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109] بالخذلان.
الأنعام 6:109
{ وكذلك نصرف الآيات } [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة للجهال { وليقولوا درست }؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات الإلهية، { ولنبينه }؛ يعني: نصرف الآيات، { لقوم يعلمون } [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } [الأنعام: 106]، فيما أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه { لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } [الأنعام: 106]، عند تجلي ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرا وجهرا، { ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة بالغة منا، { بوكيل } لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص الخواص إلى: الوحدة، ويكون لكل قوم هو لما خلق له.
ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } [الأنعام: 108]، إلى قوله:
يجهلون
[الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا سببا وعلة لزيادة كفرهم، { كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال أهل الردة، { ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]، بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، { لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها } [الأنعام: 109]، قد حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة.
{ قل إنما الآيت عند الله } [الأنعام: 109]؛ يعني: اطلبوها في مقام العبدية، { وما يشعركم } [الأنعام: 109] يا أهل الحسبان { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109] بالخذلان.
الأنعام 6:110
{ ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } [الأنعام: 110]؛ يعني: كيف يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم عن الآخرة إلى الدنيا وأبصارهم من شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى، ونجعلهم { كما لم يؤمنوا به أول مرة } [الأنعام: 110]؛ أي: كأنهم لا يؤمنون يوم الميثاق بالوحدانية، إذ قال تعالى:
ألست بربكم قالوا بلى
[الأعراف: 172]، { ونذرهم } [الأنعام: 110] على حكم سوابق الأزل، { في طغيانهم } [الأنعام: 110]، الخذلان، { يعمهون } [الأنعام: 110] إلى الأبد، { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } [الأنعام: 111] ليفقهوا، { وكلمهم الموتى } [الأنعام: 111] أي: يحيي قلوبهم الميتة وتكلمهم.
{ وحشرنا عليهم كل شيء قبلا } [الأنعام: 111]؛ يعني: معاينة الآيات المودعة في المكونات وإن تظاهرت وتوالت شموس الشواهد وإن سألت { ما كانوا ليؤمنوا } [الأنعام: 111] إذ قصمتهم العزة وكبتتهم [شقاوة] القسمة، { إلا أن يشآء الله } [الأنعام: 111]، فإن المشيئة تغير السجية، والعناية الأزلية كفاية الأبدية، { ولكن أكثرهم يجهلون } [الأنعام: 111]، إن الهدى ليس بالمنى وإنها بمشيئة المولى.
الأنعام 6:111
{ ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } [الأنعام: 110]؛ يعني: كيف يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم عن الآخرة إلى الدنيا وأبصارهم من شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى، ونجعلهم { كما لم يؤمنوا به أول مرة } [الأنعام: 110]؛ أي: كأنهم لا يؤمنون يوم الميثاق بالوحدانية، إذ قال تعالى:
ألست بربكم قالوا بلى
[الأعراف: 172]، { ونذرهم } [الأنعام: 110] على حكم سوابق الأزل، { في طغيانهم } [الأنعام: 110]، الخذلان، { يعمهون } [الأنعام: 110] إلى الأبد، { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } [الأنعام: 111] ليفقهوا، { وكلمهم الموتى } [الأنعام: 111] أي: يحيي قلوبهم الميتة وتكلمهم.
{ وحشرنا عليهم كل شيء قبلا } [الأنعام: 111]؛ يعني: معاينة الآيات المودعة في المكونات وإن تظاهرت وتوالت شموس الشواهد وإن سألت { ما كانوا ليؤمنوا } [الأنعام: 111] إذ قصمتهم العزة وكبتتهم [شقاوة] القسمة، { إلا أن يشآء الله } [الأنعام: 111]، فإن المشيئة تغير السجية، والعناية الأزلية كفاية الأبدية، { ولكن أكثرهم يجهلون } [الأنعام: 111]، إن الهدى ليس بالمنى وإنها بمشيئة المولى.
الأنعام 6:112
ثم أخبر عن أهل الولاء إنهم قد أبطلوا بالأعداء بقوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } [الأنعام: 112]، إلى قوله: { فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114]، الإشارة فيها: إن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا، وإن أشد البلاء شماتة الأعداء، فلما كانت رتبة الأنبياء - عليهم السلام - أعلى كانت عداوة الأعداء لهم أدنى جعلنا بهم أولى، فقال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } [الأنعام: 112]؛ فشياطين الإنس نفسه الإثارة بالسوء وهي أعدى الأعداء؛ ولهذا قدم ذكره على الجن هاهنا بخلاف المواضع الأخرى؛ ليعلم عداوة النفس، وأصحاب النفوس أشد وأصعب من عداوة شياطين الجن، فإن كيد الشيطان مع الإنسان كان ضعيفا؛ فلصعوبة الابتلاء جمع الله تعالى بين الكيد في عداوة الأنبياء وللأولياء حتى قال: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } [الأنعام: 112]، وبوزرهم به؛ لتزيد مقاساة شدائد أذيتهم في دفعة مراتب قربهم وكماليتهم في العبودية، وفنائهم في الأوصاف الربوبية، وبقائهم بالأخلاق الإلهية.
{ ولو شآء ربك ما فعلوه } [الأنعام: 112]، حتى عداوة شياطين الإنس والجن إنما هي بمشيئته لا بمشيئتهم، { فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 112] من زخرف القول، فإن للأنبياء فيه ما ذكرنا، وفيه للمؤمنين والكافرين ما ابتلاه، كما قال تعالى: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } [الأنعام: 113]؛ يعني: وليبتلي بزخرف قوله: المؤمنين والكافرين، واكتفى بذكر أحد الفريقين عن الآخر، فيصغى إلى زخارفهم الكافرون الذين لا إيمان لهم بأن سوى هذه الدار دارا أخرى فيغترون بزخارفهم، وهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، { وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } [الأنعام: 113].
وأما المؤمنون فلا يصغون إلى زخارف قولهم ولا يغتروا بقولهم، ولا يهنون لما أصابهم من عداوتهم في سبيل الله تعالى، فيقوى بهم إيمانهم، ويزداد قربهم، ويتبدل أوصافهم الذميمة بالأخلاق الحميدة، ويحسن تفردهم للحق وتجردهم عن الخلق، ويقولون: { أفغير الله أبتغي حكما } [الأنعام: 114]؛ أي: أنا بالذي أطلب غير الله وغير محبته حاكما من الدنيا والآخرة يحكم على أن أكون بحكمه، { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } [الأنعام: 114] مبينا للطالبين الصادقين طريق الحق من الباطل، مبلغا بنور هداه العبد المحب إلى محبوبه ومولاه، { والذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 114]، أي: هداهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال، { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } [الأنعام: 114]؛ يعني: كوشفوا بحقائق القرآن أنه جذبة الحق منزل إلى المحبين؛ ليجذبهم إلى محبوبهم، { فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114] الذين يشكون في أن القرآن جذبة الحق أم الأخلاق يتمسكون به وهذا نهي التكوين، فكمن قال في الأزل: { فلا تكونن من الممترين } فما كان منهم فافهم جيدا.
الأنعام 6:113
ثم أخبر عن أهل الولاء إنهم قد أبطلوا بالأعداء بقوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } [الأنعام: 112]، إلى قوله: { فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114]، الإشارة فيها: إن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا، وإن أشد البلاء شماتة الأعداء، فلما كانت رتبة الأنبياء - عليهم السلام - أعلى كانت عداوة الأعداء لهم أدنى جعلنا بهم أولى، فقال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } [الأنعام: 112]؛ فشياطين الإنس نفسه الإثارة بالسوء وهي أعدى الأعداء؛ ولهذا قدم ذكره على الجن هاهنا بخلاف المواضع الأخرى؛ ليعلم عداوة النفس، وأصحاب النفوس أشد وأصعب من عداوة شياطين الجن، فإن كيد الشيطان مع الإنسان كان ضعيفا؛ فلصعوبة الابتلاء جمع الله تعالى بين الكيد في عداوة الأنبياء وللأولياء حتى قال: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } [الأنعام: 112]، وبوزرهم به؛ لتزيد مقاساة شدائد أذيتهم في دفعة مراتب قربهم وكماليتهم في العبودية، وفنائهم في الأوصاف الربوبية، وبقائهم بالأخلاق الإلهية.
{ ولو شآء ربك ما فعلوه } [الأنعام: 112]، حتى عداوة شياطين الإنس والجن إنما هي بمشيئته لا بمشيئتهم، { فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 112] من زخرف القول، فإن للأنبياء فيه ما ذكرنا، وفيه للمؤمنين والكافرين ما ابتلاه، كما قال تعالى: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } [الأنعام: 113]؛ يعني: وليبتلي بزخرف قوله: المؤمنين والكافرين، واكتفى بذكر أحد الفريقين عن الآخر، فيصغى إلى زخارفهم الكافرون الذين لا إيمان لهم بأن سوى هذه الدار دارا أخرى فيغترون بزخارفهم، وهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، { وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } [الأنعام: 113].
وأما المؤمنون فلا يصغون إلى زخارف قولهم ولا يغتروا بقولهم، ولا يهنون لما أصابهم من عداوتهم في سبيل الله تعالى، فيقوى بهم إيمانهم، ويزداد قربهم، ويتبدل أوصافهم الذميمة بالأخلاق الحميدة، ويحسن تفردهم للحق وتجردهم عن الخلق، ويقولون: { أفغير الله أبتغي حكما } [الأنعام: 114]؛ أي: أنا بالذي أطلب غير الله وغير محبته حاكما من الدنيا والآخرة يحكم على أن أكون بحكمه، { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } [الأنعام: 114] مبينا للطالبين الصادقين طريق الحق من الباطل، مبلغا بنور هداه العبد المحب إلى محبوبه ومولاه، { والذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 114]، أي: هداهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال، { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } [الأنعام: 114]؛ يعني: كوشفوا بحقائق القرآن أنه جذبة الحق منزل إلى المحبين؛ ليجذبهم إلى محبوبهم، { فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114] الذين يشكون في أن القرآن جذبة الحق أم الأخلاق يتمسكون به وهذا نهي التكوين، فكمن قال في الأزل: { فلا تكونن من الممترين } فما كان منهم فافهم جيدا.
الأنعام 6:114
ثم أخبر عن أهل الولاء إنهم قد أبطلوا بالأعداء بقوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } [الأنعام: 112]، إلى قوله: { فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114]، الإشارة فيها: إن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا، وإن أشد البلاء شماتة الأعداء، فلما كانت رتبة الأنبياء - عليهم السلام - أعلى كانت عداوة الأعداء لهم أدنى جعلنا بهم أولى، فقال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } [الأنعام: 112]؛ فشياطين الإنس نفسه الإثارة بالسوء وهي أعدى الأعداء؛ ولهذا قدم ذكره على الجن هاهنا بخلاف المواضع الأخرى؛ ليعلم عداوة النفس، وأصحاب النفوس أشد وأصعب من عداوة شياطين الجن، فإن كيد الشيطان مع الإنسان كان ضعيفا؛ فلصعوبة الابتلاء جمع الله تعالى بين الكيد في عداوة الأنبياء وللأولياء حتى قال: { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } [الأنعام: 112]، وبوزرهم به؛ لتزيد مقاساة شدائد أذيتهم في دفعة مراتب قربهم وكماليتهم في العبودية، وفنائهم في الأوصاف الربوبية، وبقائهم بالأخلاق الإلهية.
{ ولو شآء ربك ما فعلوه } [الأنعام: 112]، حتى عداوة شياطين الإنس والجن إنما هي بمشيئته لا بمشيئتهم، { فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 112] من زخرف القول، فإن للأنبياء فيه ما ذكرنا، وفيه للمؤمنين والكافرين ما ابتلاه، كما قال تعالى: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } [الأنعام: 113]؛ يعني: وليبتلي بزخرف قوله: المؤمنين والكافرين، واكتفى بذكر أحد الفريقين عن الآخر، فيصغى إلى زخارفهم الكافرون الذين لا إيمان لهم بأن سوى هذه الدار دارا أخرى فيغترون بزخارفهم، وهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، { وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } [الأنعام: 113].
وأما المؤمنون فلا يصغون إلى زخارف قولهم ولا يغتروا بقولهم، ولا يهنون لما أصابهم من عداوتهم في سبيل الله تعالى، فيقوى بهم إيمانهم، ويزداد قربهم، ويتبدل أوصافهم الذميمة بالأخلاق الحميدة، ويحسن تفردهم للحق وتجردهم عن الخلق، ويقولون: { أفغير الله أبتغي حكما } [الأنعام: 114]؛ أي: أنا بالذي أطلب غير الله وغير محبته حاكما من الدنيا والآخرة يحكم على أن أكون بحكمه، { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } [الأنعام: 114] مبينا للطالبين الصادقين طريق الحق من الباطل، مبلغا بنور هداه العبد المحب إلى محبوبه ومولاه، { والذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 114]، أي: هداهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال، { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } [الأنعام: 114]؛ يعني: كوشفوا بحقائق القرآن أنه جذبة الحق منزل إلى المحبين؛ ليجذبهم إلى محبوبهم، { فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114] الذين يشكون في أن القرآن جذبة الحق أم الأخلاق يتمسكون به وهذا نهي التكوين، فكمن قال في الأزل: { فلا تكونن من الممترين } فما كان منهم فافهم جيدا.
الأنعام 6:115
ثم أخبر المولى تأكيدا لهذا المعنى بقوله تعالى: { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا } [الأنعام: 115]، إلى قوله:
إن ربك هو أعلم بالمعتدين
[الأنعام: 119]؛ الإشارة فيها: إنه تعالى متكلم بكلام واحد من الأزل إلى الأبد، { وتمت كلمت ربك صدقا }؛ يعني: بأمره ونهيه وحكمه وقضائه وقدره وإيجاده، وهي كلمة كن لما أراد أن يكون موجودا فكان كما أراد، وأن يكون معدوما فكان كما أراد؛ أي: طوعا ورغبة في الكينونة كما أراد، كقوله تعالى:
ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]، { وعدلا }؛ أي: عدل فيما قدر ودبر وقضي وحكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، فإنه أحسن كل شيء خلق، فكما أحسن خلق الحسن كذلك أحسن خلق القبيح؛ لأن القبيح في مقامه حسن كالحسن في مقامه، فإن قيل: هو قادر على أن يخلق أحسن مما خلق حسنا أو يخلق أقبح مما خلق قبيحا، وإن يخلق خيرا مما خلقه خيرا وشرا مما خلقه شرا، قلنا: نعم، وهو كذلك إلى الأبد، وذلك إن أحسن كل شيء خلقه الله تعالى هو الإنسان؛ لقوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
[التين: 4]، وكذلك خير شيء خلقه الله هو الإنسان عند كماله
أولئك هم خير البرية
[البينة: 7]، ثم أقبح ما خلقه الله تعالى وسيره أيضا هو الإنسان عند فساد الاستعداد الفطري وكمال نقصانه؛ لقوله تعالى:
ثم رددناه أسفل سافلين
[التين: 5]، وقوله تعالى:
أولئك هم شر البرية
[البينة: 6].
فاعلم أن لأهل الكمال ترقيا في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان ترقيا في كمال القبح إلى الأبد، فالله تعالى
كل يوم هو في شأن
[الرحمن: 29] يخلق أحسن مما خلق حسنا، ويخلق أقبح مما خلق قبيحا إظهار القدرة الكاملة الغير المتناهية، { لا مبدل لكلماته } [الأنعام: 115]؛ أي: فيما قدر وقضى وحكم بإرادته القديمة وحكمته البالغة من أصناف المخلوقات وأنواع المخترعات، فليس شيء منها يدعو إلى التبديل من نقصان في خلقه؛ لأنه خلق تاما كاملا في رتبته، والزيادة على الكمال نقصان، { وهو السميع } [الأنعام: 115]؛ لحاجة كل ذي حاجة يسمع استدعائهم لوجود الكمال قبل وجودهم، { العليم } [الأنعام: 115] بإيجاد وجود الكمال المستدعي كما يجب.
وفي قوله تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } [الأنعام: 116] إشارة إلى: إن في أمته من أن تطعه يردك إلى سبيل الله، كقوله تعالى:
وإن تطيعوه تهتدوا
[النور: 54]، وذلك؛ لأن أكثر من في الأرض هم متبعوا أهوائهم، فمن يطيع أهل الأهواء اتبعهم، وقال تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، فمن يتبع أهل الأهواء كأنه اتبع الهوى فيضله عن سبيل الله.
{ إن يتبعون إلا الظن } [الأنعام: 116]؛ يعني: أهل الأهواء بنوا أمر دينهم على الظنون الكاذبة، { وإن هم إلا يخرصون } [الأنعام: 116]، يكذبون في دعوى طلب الدين الحق، فإن سبيل الحق لا يسلك بالظن وإنما يسلك بالصدق والهدى.
الأنعام 6:116
ثم أخبر المولى تأكيدا لهذا المعنى بقوله تعالى: { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا } [الأنعام: 115]، إلى قوله:
إن ربك هو أعلم بالمعتدين
[الأنعام: 119]؛ الإشارة فيها: إنه تعالى متكلم بكلام واحد من الأزل إلى الأبد، { وتمت كلمت ربك صدقا }؛ يعني: بأمره ونهيه وحكمه وقضائه وقدره وإيجاده، وهي كلمة كن لما أراد أن يكون موجودا فكان كما أراد، وأن يكون معدوما فكان كما أراد؛ أي: طوعا ورغبة في الكينونة كما أراد، كقوله تعالى:
ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]، { وعدلا }؛ أي: عدل فيما قدر ودبر وقضي وحكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، فإنه أحسن كل شيء خلق، فكما أحسن خلق الحسن كذلك أحسن خلق القبيح؛ لأن القبيح في مقامه حسن كالحسن في مقامه، فإن قيل: هو قادر على أن يخلق أحسن مما خلق حسنا أو يخلق أقبح مما خلق قبيحا، وإن يخلق خيرا مما خلقه خيرا وشرا مما خلقه شرا، قلنا: نعم، وهو كذلك إلى الأبد، وذلك إن أحسن كل شيء خلقه الله تعالى هو الإنسان؛ لقوله تعالى:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
[التين: 4]، وكذلك خير شيء خلقه الله هو الإنسان عند كماله
أولئك هم خير البرية
[البينة: 7]، ثم أقبح ما خلقه الله تعالى وسيره أيضا هو الإنسان عند فساد الاستعداد الفطري وكمال نقصانه؛ لقوله تعالى:
ثم رددناه أسفل سافلين
[التين: 5]، وقوله تعالى:
أولئك هم شر البرية
[البينة: 6].
فاعلم أن لأهل الكمال ترقيا في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان ترقيا في كمال القبح إلى الأبد، فالله تعالى
كل يوم هو في شأن
[الرحمن: 29] يخلق أحسن مما خلق حسنا، ويخلق أقبح مما خلق قبيحا إظهار القدرة الكاملة الغير المتناهية، { لا مبدل لكلماته } [الأنعام: 115]؛ أي: فيما قدر وقضى وحكم بإرادته القديمة وحكمته البالغة من أصناف المخلوقات وأنواع المخترعات، فليس شيء منها يدعو إلى التبديل من نقصان في خلقه؛ لأنه خلق تاما كاملا في رتبته، والزيادة على الكمال نقصان، { وهو السميع } [الأنعام: 115]؛ لحاجة كل ذي حاجة يسمع استدعائهم لوجود الكمال قبل وجودهم، { العليم } [الأنعام: 115] بإيجاد وجود الكمال المستدعي كما يجب.
وفي قوله تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } [الأنعام: 116] إشارة إلى: إن في أمته من أن تطعه يردك إلى سبيل الله، كقوله تعالى:
وإن تطيعوه تهتدوا
[النور: 54]، وذلك؛ لأن أكثر من في الأرض هم متبعوا أهوائهم، فمن يطيع أهل الأهواء اتبعهم، وقال تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، فمن يتبع أهل الأهواء كأنه اتبع الهوى فيضله عن سبيل الله.
{ إن يتبعون إلا الظن } [الأنعام: 116]؛ يعني: أهل الأهواء بنوا أمر دينهم على الظنون الكاذبة، { وإن هم إلا يخرصون } [الأنعام: 116]، يكذبون في دعوى طلب الدين الحق، فإن سبيل الحق لا يسلك بالظن وإنما يسلك بالصدق والهدى.
الأنعام 6:117
{ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [الأنعام: 117]؛ لأنه قسم الضلالة والهدى يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية.
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118]؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أذيبوا طعامكم بذكر الله "
فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان والحرمان على الجنان، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } [الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، { إلا ما اضطررتم إليه } [الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع والهوى، { وإن كثيرا } [الأنعام: 119]؛ يعني: من أهل الأهواء، { ليضلون } [الأنعام: 119]، عن سبيل وطلب الحق، { بأهوائهم بغير علم } [الأنعام: 119]؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]، الذين جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى.
ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى كما خلق الإنسان ظاهرا: هو بدن جسماني وباطنا: هو قلب روحاني، فكذلك جعل الإثم ظاهرا: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطنا: وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه.
فقال تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، { إن الذين يكسبون الإثم } [الأنعام: 120] ظاهره وباطنه بالأفعال والأخلاق، { سيجزون بما كانوا يقترفون } [الأنعام: 120] عاجلا وآجلا.
أما عاجلا: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله عز وجل:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14].
وأما آجلا: بهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله تعالى ويبقى محجوبا معذبا في النار خالدا مخلدا، كما قال الله عز وجل:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]
الأنعام 6:118
{ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [الأنعام: 117]؛ لأنه قسم الضلالة والهدى يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية.
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118]؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أذيبوا طعامكم بذكر الله "
فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان والحرمان على الجنان، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } [الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، { إلا ما اضطررتم إليه } [الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع والهوى، { وإن كثيرا } [الأنعام: 119]؛ يعني: من أهل الأهواء، { ليضلون } [الأنعام: 119]، عن سبيل وطلب الحق، { بأهوائهم بغير علم } [الأنعام: 119]؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]، الذين جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى.
ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى كما خلق الإنسان ظاهرا: هو بدن جسماني وباطنا: هو قلب روحاني، فكذلك جعل الإثم ظاهرا: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطنا: وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه.
فقال تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، { إن الذين يكسبون الإثم } [الأنعام: 120] ظاهره وباطنه بالأفعال والأخلاق، { سيجزون بما كانوا يقترفون } [الأنعام: 120] عاجلا وآجلا.
أما عاجلا: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله عز وجل:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14].
وأما آجلا: بهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله تعالى ويبقى محجوبا معذبا في النار خالدا مخلدا، كما قال الله عز وجل:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]
الأنعام 6:119
{ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [الأنعام: 117]؛ لأنه قسم الضلالة والهدى يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية.
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118]؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أذيبوا طعامكم بذكر الله "
فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان والحرمان على الجنان، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } [الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، { إلا ما اضطررتم إليه } [الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع والهوى، { وإن كثيرا } [الأنعام: 119]؛ يعني: من أهل الأهواء، { ليضلون } [الأنعام: 119]، عن سبيل وطلب الحق، { بأهوائهم بغير علم } [الأنعام: 119]؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]، الذين جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى.
ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى كما خلق الإنسان ظاهرا: هو بدن جسماني وباطنا: هو قلب روحاني، فكذلك جعل الإثم ظاهرا: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطنا: وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه.
فقال تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، { إن الذين يكسبون الإثم } [الأنعام: 120] ظاهره وباطنه بالأفعال والأخلاق، { سيجزون بما كانوا يقترفون } [الأنعام: 120] عاجلا وآجلا.
أما عاجلا: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله عز وجل:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14].
وأما آجلا: بهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله تعالى ويبقى محجوبا معذبا في النار خالدا مخلدا، كما قال الله عز وجل:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]
الأنعام 6:120
{ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } [الأنعام: 117]؛ لأنه قسم الضلالة والهدى يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية.
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118]؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أذيبوا طعامكم بذكر الله "
فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان والحرمان على الجنان، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } [الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، { إلا ما اضطررتم إليه } [الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع والهوى، { وإن كثيرا } [الأنعام: 119]؛ يعني: من أهل الأهواء، { ليضلون } [الأنعام: 119]، عن سبيل وطلب الحق، { بأهوائهم بغير علم } [الأنعام: 119]؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]، الذين جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى.
ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى كما خلق الإنسان ظاهرا: هو بدن جسماني وباطنا: هو قلب روحاني، فكذلك جعل الإثم ظاهرا: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطنا: وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه.
فقال تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: 120]؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، { إن الذين يكسبون الإثم } [الأنعام: 120] ظاهره وباطنه بالأفعال والأخلاق، { سيجزون بما كانوا يقترفون } [الأنعام: 120] عاجلا وآجلا.
أما عاجلا: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله عز وجل:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14].
وأما آجلا: بهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله تعالى ويبقى محجوبا معذبا في النار خالدا مخلدا، كما قال الله عز وجل:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]
الأنعام 6:121
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121]؛ أي: ولا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله؛ ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، { وإنه لفسق } [الأنعام: 121]؛ يعني: ظلمة الطعام وشهوته؛ مؤدية إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية، وفي قوله تعالى: { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم } [الأنعام: 121]؛ إشارة إلى: إن للشياطين مجالا في الوسوسة، إذ كانت النفوس أوليائهم في المجادلة مع القلوب؛ ليدعوها إلى متابعة الهوى وترك طلب المولى، [وتشوف] النفس [وهم] أولياء الشياطين في هذا المعنى، ولا يكون للشيطان مجال في وسوسة القلوب ثم قال تعالى: { وإن أطعتموهم } [الأنعام: 121]؛ يعني: في ترك طلب المولى ومتابعة الهوى { إنكم لمشركون } [الأنعام: 121]؛ لأنكم تعبدون الهوى مع المولى، كما قال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43].
ثم أخبر عن طالب المولى متابعي الهوى بقوله تعالى: { أو من كان ميتا فأحيينه } [الأنعام: 122]، إلى قوله: { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124].
والإشارة فيها: إن الله تعالى هو الحي القيوم الذي ما كان ميتا ولا يموت أبدا وما سواه فهو ميت؛ لأنه كان ميتا في الدعم وسيموت، فقوله: { أو من كان ميتا }؛ أي: من الحياة الحقيقية فأحييناه بالحياة الحقيقية، وهي معنى قوله تعالى: { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]، أي: نور الوجود الحقيقي الذي صار به قيامه في جميع أحواله، كما قال تعالى:
" فبي يبصر وبي يسمع ".
{ كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]؛ يعني: كالذي هو باق في ظلمات الوجود المجازي كالموتى في قبور القالب لا يمكنه الخروج منها، وأيضا: { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]:
أي: بنورنا، { كمن مثله في الظلمت }؛ يعني: محبوس في ظلمات وجوده ليس بخارج منها { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } [الأنعام: 122] من أنواع الضلالات يميت قلوبهم ويحيهم في ظلمات وجودهم المجازي { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } [الأنعام: 123]؛ يعني: كما جعلنا في قلب من أحييناه بنا نورا كذلك جعلنا في كل قرية كل قالب أكابر من النفوس والهوى والشيطان مجرميها؛ أي: مفسدي حسن استعداداتها لقبول السعادة { ليمكروا فيها } [الأنعام: 123] بمخالفات الشرع وموافقات الطبع، { وما يمكرون إلا بأنفسهم } [الأنعام: 123]؛ لأن فساد استعدادهم عائدا إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة، { وما يشعرون } [الأنعام: 123] ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن مرجعهم إلى النار.
{ وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } [الأنعام: 124]؛ أي: النفس والهوى والشياطين من دأبهم ألا يؤمنوا برؤية الآيات؛ إذ جبلوا على الإباء والتمرد والإنكار، ولسان حالهم يقول: { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } [الأنعام: 124]؛ أي: القلب والسر والروح؛ فإنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته، { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] يخص بها القلب والروح والسر ونفسا تطمئن بذكر الله فيستحق رسالة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله، { وعذاب شديد } [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة والانقطاع، { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124]؛ أي: بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم.
الأنعام 6:122
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121]؛ أي: ولا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله؛ ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، { وإنه لفسق } [الأنعام: 121]؛ يعني: ظلمة الطعام وشهوته؛ مؤدية إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية، وفي قوله تعالى: { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم } [الأنعام: 121]؛ إشارة إلى: إن للشياطين مجالا في الوسوسة، إذ كانت النفوس أوليائهم في المجادلة مع القلوب؛ ليدعوها إلى متابعة الهوى وترك طلب المولى، [وتشوف] النفس [وهم] أولياء الشياطين في هذا المعنى، ولا يكون للشيطان مجال في وسوسة القلوب ثم قال تعالى: { وإن أطعتموهم } [الأنعام: 121]؛ يعني: في ترك طلب المولى ومتابعة الهوى { إنكم لمشركون } [الأنعام: 121]؛ لأنكم تعبدون الهوى مع المولى، كما قال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43].
ثم أخبر عن طالب المولى متابعي الهوى بقوله تعالى: { أو من كان ميتا فأحيينه } [الأنعام: 122]، إلى قوله: { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124].
والإشارة فيها: إن الله تعالى هو الحي القيوم الذي ما كان ميتا ولا يموت أبدا وما سواه فهو ميت؛ لأنه كان ميتا في الدعم وسيموت، فقوله: { أو من كان ميتا }؛ أي: من الحياة الحقيقية فأحييناه بالحياة الحقيقية، وهي معنى قوله تعالى: { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]، أي: نور الوجود الحقيقي الذي صار به قيامه في جميع أحواله، كما قال تعالى:
" فبي يبصر وبي يسمع ".
{ كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]؛ يعني: كالذي هو باق في ظلمات الوجود المجازي كالموتى في قبور القالب لا يمكنه الخروج منها، وأيضا: { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]:
أي: بنورنا، { كمن مثله في الظلمت }؛ يعني: محبوس في ظلمات وجوده ليس بخارج منها { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } [الأنعام: 122] من أنواع الضلالات يميت قلوبهم ويحيهم في ظلمات وجودهم المجازي { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } [الأنعام: 123]؛ يعني: كما جعلنا في قلب من أحييناه بنا نورا كذلك جعلنا في كل قرية كل قالب أكابر من النفوس والهوى والشيطان مجرميها؛ أي: مفسدي حسن استعداداتها لقبول السعادة { ليمكروا فيها } [الأنعام: 123] بمخالفات الشرع وموافقات الطبع، { وما يمكرون إلا بأنفسهم } [الأنعام: 123]؛ لأن فساد استعدادهم عائدا إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة، { وما يشعرون } [الأنعام: 123] ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن مرجعهم إلى النار.
{ وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } [الأنعام: 124]؛ أي: النفس والهوى والشياطين من دأبهم ألا يؤمنوا برؤية الآيات؛ إذ جبلوا على الإباء والتمرد والإنكار، ولسان حالهم يقول: { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } [الأنعام: 124]؛ أي: القلب والسر والروح؛ فإنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته، { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] يخص بها القلب والروح والسر ونفسا تطمئن بذكر الله فيستحق رسالة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله، { وعذاب شديد } [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة والانقطاع، { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124]؛ أي: بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم.
الأنعام 6:123
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121]؛ أي: ولا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله؛ ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، { وإنه لفسق } [الأنعام: 121]؛ يعني: ظلمة الطعام وشهوته؛ مؤدية إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية، وفي قوله تعالى: { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم } [الأنعام: 121]؛ إشارة إلى: إن للشياطين مجالا في الوسوسة، إذ كانت النفوس أوليائهم في المجادلة مع القلوب؛ ليدعوها إلى متابعة الهوى وترك طلب المولى، [وتشوف] النفس [وهم] أولياء الشياطين في هذا المعنى، ولا يكون للشيطان مجال في وسوسة القلوب ثم قال تعالى: { وإن أطعتموهم } [الأنعام: 121]؛ يعني: في ترك طلب المولى ومتابعة الهوى { إنكم لمشركون } [الأنعام: 121]؛ لأنكم تعبدون الهوى مع المولى، كما قال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43].
ثم أخبر عن طالب المولى متابعي الهوى بقوله تعالى: { أو من كان ميتا فأحيينه } [الأنعام: 122]، إلى قوله: { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124].
والإشارة فيها: إن الله تعالى هو الحي القيوم الذي ما كان ميتا ولا يموت أبدا وما سواه فهو ميت؛ لأنه كان ميتا في الدعم وسيموت، فقوله: { أو من كان ميتا }؛ أي: من الحياة الحقيقية فأحييناه بالحياة الحقيقية، وهي معنى قوله تعالى: { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]، أي: نور الوجود الحقيقي الذي صار به قيامه في جميع أحواله، كما قال تعالى:
" فبي يبصر وبي يسمع ".
{ كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]؛ يعني: كالذي هو باق في ظلمات الوجود المجازي كالموتى في قبور القالب لا يمكنه الخروج منها، وأيضا: { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]:
أي: بنورنا، { كمن مثله في الظلمت }؛ يعني: محبوس في ظلمات وجوده ليس بخارج منها { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } [الأنعام: 122] من أنواع الضلالات يميت قلوبهم ويحيهم في ظلمات وجودهم المجازي { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } [الأنعام: 123]؛ يعني: كما جعلنا في قلب من أحييناه بنا نورا كذلك جعلنا في كل قرية كل قالب أكابر من النفوس والهوى والشيطان مجرميها؛ أي: مفسدي حسن استعداداتها لقبول السعادة { ليمكروا فيها } [الأنعام: 123] بمخالفات الشرع وموافقات الطبع، { وما يمكرون إلا بأنفسهم } [الأنعام: 123]؛ لأن فساد استعدادهم عائدا إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة، { وما يشعرون } [الأنعام: 123] ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن مرجعهم إلى النار.
{ وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } [الأنعام: 124]؛ أي: النفس والهوى والشياطين من دأبهم ألا يؤمنوا برؤية الآيات؛ إذ جبلوا على الإباء والتمرد والإنكار، ولسان حالهم يقول: { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } [الأنعام: 124]؛ أي: القلب والسر والروح؛ فإنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته، { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] يخص بها القلب والروح والسر ونفسا تطمئن بذكر الله فيستحق رسالة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله، { وعذاب شديد } [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة والانقطاع، { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124]؛ أي: بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم.
الأنعام 6:124
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121]؛ أي: ولا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله؛ ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، { وإنه لفسق } [الأنعام: 121]؛ يعني: ظلمة الطعام وشهوته؛ مؤدية إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية، وفي قوله تعالى: { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم } [الأنعام: 121]؛ إشارة إلى: إن للشياطين مجالا في الوسوسة، إذ كانت النفوس أوليائهم في المجادلة مع القلوب؛ ليدعوها إلى متابعة الهوى وترك طلب المولى، [وتشوف] النفس [وهم] أولياء الشياطين في هذا المعنى، ولا يكون للشيطان مجال في وسوسة القلوب ثم قال تعالى: { وإن أطعتموهم } [الأنعام: 121]؛ يعني: في ترك طلب المولى ومتابعة الهوى { إنكم لمشركون } [الأنعام: 121]؛ لأنكم تعبدون الهوى مع المولى، كما قال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43].
ثم أخبر عن طالب المولى متابعي الهوى بقوله تعالى: { أو من كان ميتا فأحيينه } [الأنعام: 122]، إلى قوله: { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124].
والإشارة فيها: إن الله تعالى هو الحي القيوم الذي ما كان ميتا ولا يموت أبدا وما سواه فهو ميت؛ لأنه كان ميتا في الدعم وسيموت، فقوله: { أو من كان ميتا }؛ أي: من الحياة الحقيقية فأحييناه بالحياة الحقيقية، وهي معنى قوله تعالى: { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]، أي: نور الوجود الحقيقي الذي صار به قيامه في جميع أحواله، كما قال تعالى:
" فبي يبصر وبي يسمع ".
{ كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها } [الأنعام: 122]؛ يعني: كالذي هو باق في ظلمات الوجود المجازي كالموتى في قبور القالب لا يمكنه الخروج منها، وأيضا: { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]:
أي: بنورنا، { كمن مثله في الظلمت }؛ يعني: محبوس في ظلمات وجوده ليس بخارج منها { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } [الأنعام: 122] من أنواع الضلالات يميت قلوبهم ويحيهم في ظلمات وجودهم المجازي { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } [الأنعام: 123]؛ يعني: كما جعلنا في قلب من أحييناه بنا نورا كذلك جعلنا في كل قرية كل قالب أكابر من النفوس والهوى والشيطان مجرميها؛ أي: مفسدي حسن استعداداتها لقبول السعادة { ليمكروا فيها } [الأنعام: 123] بمخالفات الشرع وموافقات الطبع، { وما يمكرون إلا بأنفسهم } [الأنعام: 123]؛ لأن فساد استعدادهم عائدا إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة، { وما يشعرون } [الأنعام: 123] ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن مرجعهم إلى النار.
{ وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } [الأنعام: 124]؛ أي: النفس والهوى والشياطين من دأبهم ألا يؤمنوا برؤية الآيات؛ إذ جبلوا على الإباء والتمرد والإنكار، ولسان حالهم يقول: { لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } [الأنعام: 124]؛ أي: القلب والسر والروح؛ فإنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته، { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] يخص بها القلب والروح والسر ونفسا تطمئن بذكر الله فيستحق رسالة
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله، { وعذاب شديد } [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة والانقطاع، { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124]؛ أي: بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم.
الأنعام 6:125
ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله.
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه.
{ كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم.
{ وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية.
{ وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } [الأنعام: 128]، وقوله تعالى:
ويوم نحشرهم جميعا
[الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال:
فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، { وقال أوليآؤهم من الإنس } [الأنعام: 128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، { ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا } [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبرا للحق تعالى موافقة هواها، وأما استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، { أجلنا الذي أجلت لنا } [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: { قال النار مثوكم خلدين فيهآ إلا ما شآء الله } [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدرنا لكم الاستمتاع قدرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلا من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار.
{ إن ربك حكيم } [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، { عليم } [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، { بما كانوا يكسبون } [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي مانعة عن قبول الفيض.
الأنعام 6:126
ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله.
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه.
{ كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم.
{ وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية.
{ وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } [الأنعام: 128]، وقوله تعالى:
ويوم نحشرهم جميعا
[الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال:
فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، { وقال أوليآؤهم من الإنس } [الأنعام: 128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، { ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا } [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبرا للحق تعالى موافقة هواها، وأما استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، { أجلنا الذي أجلت لنا } [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: { قال النار مثوكم خلدين فيهآ إلا ما شآء الله } [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدرنا لكم الاستمتاع قدرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلا من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار.
{ إن ربك حكيم } [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، { عليم } [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، { بما كانوا يكسبون } [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي مانعة عن قبول الفيض.
الأنعام 6:127
ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله.
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه.
{ كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم.
{ وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية.
{ وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } [الأنعام: 128]، وقوله تعالى:
ويوم نحشرهم جميعا
[الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال:
فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، { وقال أوليآؤهم من الإنس } [الأنعام: 128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، { ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا } [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبرا للحق تعالى موافقة هواها، وأما استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، { أجلنا الذي أجلت لنا } [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: { قال النار مثوكم خلدين فيهآ إلا ما شآء الله } [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدرنا لكم الاستمتاع قدرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلا من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار.
{ إن ربك حكيم } [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، { عليم } [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، { بما كانوا يكسبون } [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي مانعة عن قبول الفيض.
الأنعام 6:128
ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله.
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه.
{ كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم.
{ وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية.
{ وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } [الأنعام: 128]، وقوله تعالى:
ويوم نحشرهم جميعا
[الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال:
فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، { وقال أوليآؤهم من الإنس } [الأنعام: 128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، { ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا } [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبرا للحق تعالى موافقة هواها، وأما استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، { أجلنا الذي أجلت لنا } [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: { قال النار مثوكم خلدين فيهآ إلا ما شآء الله } [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدرنا لكم الاستمتاع قدرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلا من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار.
{ إن ربك حكيم } [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، { عليم } [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، { بما كانوا يكسبون } [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي مانعة عن قبول الفيض.
الأنعام 6:129
ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله.
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه.
{ كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم.
{ وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية.
{ وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]، فافهم جيدا.
ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } [الأنعام: 128]، وقوله تعالى:
ويوم نحشرهم جميعا
[الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال:
فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، { وقال أوليآؤهم من الإنس } [الأنعام: 128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، { ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا } [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبرا للحق تعالى موافقة هواها، وأما استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، { أجلنا الذي أجلت لنا } [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: { قال النار مثوكم خلدين فيهآ إلا ما شآء الله } [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدرنا لكم الاستمتاع قدرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلا من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار.
{ إن ربك حكيم } [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، { عليم } [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، { بما كانوا يكسبون } [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي مانعة عن قبول الفيض.
الأنعام 6:130
ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وما ربك بغفل عما يعملون } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى:
فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس: 8].
{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، { قالوا شهدنا على أنفسنا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وغرتهم الحياة الدنيا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.
{ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بظلم } [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { وأهلها غفلون } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا، فيخالفونه فيعذبهم بها.
وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا } [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وما ربك بغفل } [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عما يعملون } [الأنعام: 132].
ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة } [الأنعام: 133]، إلى قوله:
إنه لا يفلح الظلمون
[الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارا لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وربك الغني } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ذو الرحمة } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إن يشأ يذهبكم } [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، { ويستخلف من بعدكم } [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، { ما يشآء } [الأنعام: 133]، من نوح آخر.
{ كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]؛ يعني: كما كان قادرا على إنشائكم من الذريات، كذا قادر على إنشاء قوم آخرين من غير الذريات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذرية { إن ما توعدون لآت } [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان به أولا وآخرا، فهو قادر على الإتيان به، { ومآ أنتم بمعجزين } [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به.
الأنعام 6:131
ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وما ربك بغفل عما يعملون } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى:
فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس: 8].
{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، { قالوا شهدنا على أنفسنا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وغرتهم الحياة الدنيا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.
{ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بظلم } [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { وأهلها غفلون } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا، فيخالفونه فيعذبهم بها.
وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا } [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وما ربك بغفل } [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عما يعملون } [الأنعام: 132].
ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة } [الأنعام: 133]، إلى قوله:
إنه لا يفلح الظلمون
[الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارا لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وربك الغني } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ذو الرحمة } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إن يشأ يذهبكم } [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، { ويستخلف من بعدكم } [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، { ما يشآء } [الأنعام: 133]، من نوح آخر.
{ كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]؛ يعني: كما كان قادرا على إنشائكم من الذريات، كذا قادر على إنشاء قوم آخرين من غير الذريات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذرية { إن ما توعدون لآت } [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان به أولا وآخرا، فهو قادر على الإتيان به، { ومآ أنتم بمعجزين } [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به.
الأنعام 6:132
ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وما ربك بغفل عما يعملون } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى:
فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس: 8].
{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، { قالوا شهدنا على أنفسنا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وغرتهم الحياة الدنيا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.
{ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بظلم } [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { وأهلها غفلون } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا، فيخالفونه فيعذبهم بها.
وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا } [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وما ربك بغفل } [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عما يعملون } [الأنعام: 132].
ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة } [الأنعام: 133]، إلى قوله:
إنه لا يفلح الظلمون
[الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارا لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وربك الغني } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ذو الرحمة } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إن يشأ يذهبكم } [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، { ويستخلف من بعدكم } [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، { ما يشآء } [الأنعام: 133]، من نوح آخر.
{ كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]؛ يعني: كما كان قادرا على إنشائكم من الذريات، كذا قادر على إنشاء قوم آخرين من غير الذريات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذرية { إن ما توعدون لآت } [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان به أولا وآخرا، فهو قادر على الإتيان به، { ومآ أنتم بمعجزين } [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به.
الأنعام 6:133
ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وما ربك بغفل عما يعملون } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى:
فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس: 8].
{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، { قالوا شهدنا على أنفسنا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وغرتهم الحياة الدنيا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.
{ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بظلم } [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { وأهلها غفلون } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا، فيخالفونه فيعذبهم بها.
وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا } [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وما ربك بغفل } [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عما يعملون } [الأنعام: 132].
ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة } [الأنعام: 133]، إلى قوله:
إنه لا يفلح الظلمون
[الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارا لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وربك الغني } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ذو الرحمة } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إن يشأ يذهبكم } [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، { ويستخلف من بعدكم } [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، { ما يشآء } [الأنعام: 133]، من نوح آخر.
{ كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]؛ يعني: كما كان قادرا على إنشائكم من الذريات، كذا قادر على إنشاء قوم آخرين من غير الذريات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذرية { إن ما توعدون لآت } [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان به أولا وآخرا، فهو قادر على الإتيان به، { ومآ أنتم بمعجزين } [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به.
الأنعام 6:134
ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وما ربك بغفل عما يعملون } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى:
فألهمها فجورها وتقواها
[الشمس: 8].
{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، { قالوا شهدنا على أنفسنا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وغرتهم الحياة الدنيا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.
{ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بظلم } [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { وأهلها غفلون } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا، فيخالفونه فيعذبهم بها.
وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا } [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وما ربك بغفل } [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عما يعملون } [الأنعام: 132].
ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة } [الأنعام: 133]، إلى قوله:
إنه لا يفلح الظلمون
[الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارا لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وربك الغني } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ذو الرحمة } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إن يشأ يذهبكم } [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، { ويستخلف من بعدكم } [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، { ما يشآء } [الأنعام: 133]، من نوح آخر.
{ كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]؛ يعني: كما كان قادرا على إنشائكم من الذريات، كذا قادر على إنشاء قوم آخرين من غير الذريات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذرية { إن ما توعدون لآت } [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان به أولا وآخرا، فهو قادر على الإتيان به، { ومآ أنتم بمعجزين } [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به.
الأنعام 6:135
{ قل يقوم اعملوا على مكانتكم } [الأنعام: 135]، أي: على ما جبلتم عليه، { إني عامل } [الأنعام: 135]؛ أي: على ما جبلت عليه نظيره قوله تعالى:
قل كل يعمل على شاكلته
[الإسراء: 84]، { فسوف تعلمون } [الأنعام: 135]، إذ ظهر لكم ما هو المودع في الاستعداد الفطري لكل واحد منا، من السعادة والشقاوة تعلمون، { من تكون له عقبة الدار } [الأنعام: 135]؛ أي: دار النجاة والفلاح، { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 135]، الذين يفسدون الاستعداد الفطري بصرفه في غير محله.
ثم أخبر عن إضلال الجهال بقوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا } [الأنعام: 136]، إلى قوله:
إنه حكيم عليم
[الأنعام: 139]، الإشارة فيها: إن الله تعالى يشكو عن كافري نعمة الدين، خلقهم وأنعم عليهم بإيجاد الأنعام والحرث وقال: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا }؛ أي: من جملة ما خلق لهم من الحرث والأنعام نصيبا، { فقالوا هذا لله بزعمهم } [الأنعام: 136]، وإن لم يجعلوه خالصا لله مع أنه تعالى أعطاهم جملته، ثم اتخذوا لله شريكا، وجعلوا مما أنعم الله به عليهم وأعطاهم نصيبا لشركائهم، { وهذا لشركآئنا } [الأنعام: 136]، ثم من جهلهم رجحوا جانب الشركاء على الله، { فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله } [الأنعام: 136]، بوجه من الوجوه، { وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم } [الأنعام: 136] من وجوه، { سآء ما يحكمون } [الأنعام: 136] فيما أنعم الله به عليهم بأن يجعلوه لشركائهم، { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركآؤهم } [الأنعام: 137]، من الشيطان والنفس والهوى والدنيا، { ليردوهم } [الأنعام: 137]، ويهلكوهم، { وليلبسوا عليهم دينهم } [الأنعام: 137]، الذي ارتضى لهم الله؛ ليعلموا: إن الذين اتخذوهم شركاء لله وجعلوا لها آلهة فإنهم عدو لي، كما قال خليل الله عليه السلام عند التبرؤ عن الشرك:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وليعلموا: حقيقة،
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
[المائدة: 55]، { ولو شآء الله ما فعلوه } [الأنعام: 137]؛ لهداهم إلى اقتباس النور عند رشاشه على الأرواح بالأصالة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى "
{ فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 137]، فإن لنا في ذلك حكمة بالغة.
الأنعام 6:136
{ قل يقوم اعملوا على مكانتكم } [الأنعام: 135]، أي: على ما جبلتم عليه، { إني عامل } [الأنعام: 135]؛ أي: على ما جبلت عليه نظيره قوله تعالى:
قل كل يعمل على شاكلته
[الإسراء: 84]، { فسوف تعلمون } [الأنعام: 135]، إذ ظهر لكم ما هو المودع في الاستعداد الفطري لكل واحد منا، من السعادة والشقاوة تعلمون، { من تكون له عقبة الدار } [الأنعام: 135]؛ أي: دار النجاة والفلاح، { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 135]، الذين يفسدون الاستعداد الفطري بصرفه في غير محله.
ثم أخبر عن إضلال الجهال بقوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا } [الأنعام: 136]، إلى قوله:
إنه حكيم عليم
[الأنعام: 139]، الإشارة فيها: إن الله تعالى يشكو عن كافري نعمة الدين، خلقهم وأنعم عليهم بإيجاد الأنعام والحرث وقال: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا }؛ أي: من جملة ما خلق لهم من الحرث والأنعام نصيبا، { فقالوا هذا لله بزعمهم } [الأنعام: 136]، وإن لم يجعلوه خالصا لله مع أنه تعالى أعطاهم جملته، ثم اتخذوا لله شريكا، وجعلوا مما أنعم الله به عليهم وأعطاهم نصيبا لشركائهم، { وهذا لشركآئنا } [الأنعام: 136]، ثم من جهلهم رجحوا جانب الشركاء على الله، { فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله } [الأنعام: 136]، بوجه من الوجوه، { وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم } [الأنعام: 136] من وجوه، { سآء ما يحكمون } [الأنعام: 136] فيما أنعم الله به عليهم بأن يجعلوه لشركائهم، { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركآؤهم } [الأنعام: 137]، من الشيطان والنفس والهوى والدنيا، { ليردوهم } [الأنعام: 137]، ويهلكوهم، { وليلبسوا عليهم دينهم } [الأنعام: 137]، الذي ارتضى لهم الله؛ ليعلموا: إن الذين اتخذوهم شركاء لله وجعلوا لها آلهة فإنهم عدو لي، كما قال خليل الله عليه السلام عند التبرؤ عن الشرك:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وليعلموا: حقيقة،
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
[المائدة: 55]، { ولو شآء الله ما فعلوه } [الأنعام: 137]؛ لهداهم إلى اقتباس النور عند رشاشه على الأرواح بالأصالة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى "
{ فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 137]، فإن لنا في ذلك حكمة بالغة.
الأنعام 6:137
{ قل يقوم اعملوا على مكانتكم } [الأنعام: 135]، أي: على ما جبلتم عليه، { إني عامل } [الأنعام: 135]؛ أي: على ما جبلت عليه نظيره قوله تعالى:
قل كل يعمل على شاكلته
[الإسراء: 84]، { فسوف تعلمون } [الأنعام: 135]، إذ ظهر لكم ما هو المودع في الاستعداد الفطري لكل واحد منا، من السعادة والشقاوة تعلمون، { من تكون له عقبة الدار } [الأنعام: 135]؛ أي: دار النجاة والفلاح، { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 135]، الذين يفسدون الاستعداد الفطري بصرفه في غير محله.
ثم أخبر عن إضلال الجهال بقوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا } [الأنعام: 136]، إلى قوله:
إنه حكيم عليم
[الأنعام: 139]، الإشارة فيها: إن الله تعالى يشكو عن كافري نعمة الدين، خلقهم وأنعم عليهم بإيجاد الأنعام والحرث وقال: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا }؛ أي: من جملة ما خلق لهم من الحرث والأنعام نصيبا، { فقالوا هذا لله بزعمهم } [الأنعام: 136]، وإن لم يجعلوه خالصا لله مع أنه تعالى أعطاهم جملته، ثم اتخذوا لله شريكا، وجعلوا مما أنعم الله به عليهم وأعطاهم نصيبا لشركائهم، { وهذا لشركآئنا } [الأنعام: 136]، ثم من جهلهم رجحوا جانب الشركاء على الله، { فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله } [الأنعام: 136]، بوجه من الوجوه، { وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم } [الأنعام: 136] من وجوه، { سآء ما يحكمون } [الأنعام: 136] فيما أنعم الله به عليهم بأن يجعلوه لشركائهم، { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركآؤهم } [الأنعام: 137]، من الشيطان والنفس والهوى والدنيا، { ليردوهم } [الأنعام: 137]، ويهلكوهم، { وليلبسوا عليهم دينهم } [الأنعام: 137]، الذي ارتضى لهم الله؛ ليعلموا: إن الذين اتخذوهم شركاء لله وجعلوا لها آلهة فإنهم عدو لي، كما قال خليل الله عليه السلام عند التبرؤ عن الشرك:
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
[الشعراء: 77].
وليعلموا: حقيقة،
إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
[المائدة: 55]، { ولو شآء الله ما فعلوه } [الأنعام: 137]؛ لهداهم إلى اقتباس النور عند رشاشه على الأرواح بالأصالة، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى "
{ فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 137]، فإن لنا في ذلك حكمة بالغة.
الأنعام 6:138
{ وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم } [الأنعام: 138]؛ يعني: قالوا هذه المقالة من هوى نفسهم، وميل طبيعتهم لامتثال الشرع، فإن نور الشرع مزيل لظلمة الطبع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع من المجاهدات للنفس ومخالفاتها، فإن له ظلمة تزيد في ظلمة النفس والهوى، و
ظلمات بعضها فوق بعض
[النور: 40]، { وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه } [الأنعام: 138]، هذا كله من تسويسات النفس ووساوس الشيطان؛ ليضل بهما عن سبيل الله.
ثم قال تعالى في جوابهم: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } [الأنعام: 138]، ومجازاتهم بأن يطبع قلوبهم بطباع الافتراء، كما قال تعالى:
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النسا: 155]، أي: بطباع كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا، وقالوا أيضا: من هوى نفوسهم، { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء } ، ثم قال تعالى: في جوابهم: { سيجزيهم وصفهم } [الأنعام: 139]، سيجزيهم بتغير وصفهم من الصدق إلى الكذب؛ أي: ينقلهم من الأوصاف الحميدة إلى الأوصاف الذميمة، { إنه حكيم } [الأنعام: 139]، فيما حكم به وقضى عليهم، عليم باستحقاقهم لما قدر عليهم، وأيضا { عليم } [الأنعام: 139]، بتغير أوصافهم.
ثم أخبر عن خسرانهم فيما عملوا، وحرمانهم إذ ضلوا بقوله: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } [الأنعام: 140] والإشارة فيها: إن خسارة أهل الأهواء وخسارة أهل الطبيعة تصير إلى حد قتلهم أولادهم، وذلك من قساوة قلوبهم وتبديل أوصافهم؛ لافترائهم على الله تعالى، قال الله عز وجل: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } يعني: خسروا وأفسدوا استعدادهم الفطري، حتى نزعت الرحمة عن قلوبهم؛ لقسوتهم وتبديل أوصافهم حتى فعلوا ذلك، { سفها } [الأنعام: 140]، وجهلا.
{ بغير علم } [الأنعام: 140]، يعني: عند عدم فقد قلوبهم وانقطاع الهامات الربانية عنها لقسوتها وانسداد مسالكها إلى عالم الغيب وعند ذلك، { وحرموا ما رزقهم الله } [الأنعام: 140]، في الصورة والحقيقة، أما الصورة: فرزقناهم، وأما الحقيقة: فحرمناهم من كمالات مراتب أهل القرب من المشاهدات والمكاشفات الربانية، { افترآء على الله } [الأنعام: 140]، يعني: بسبب افترائهم على الله تعالى، فإنهم { قد ضلوا } [الأنعام: 140]، بالافتراء عن طريق الحق؛ لفساد استعدادهم في الاهتداء إلى الله، { وما كانوا مهتدين } [الأنعام: 140]، إذ افسدوا استعداد الاهتداء؛ فانسد عليهم طريق الثقة بالله، فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد؛ ولذلك قال أهل التحقيق: من إمارات اليقين وحقائق كثرة العيال على بساط التوكل.
الأنعام 6:139
{ وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم } [الأنعام: 138]؛ يعني: قالوا هذه المقالة من هوى نفسهم، وميل طبيعتهم لامتثال الشرع، فإن نور الشرع مزيل لظلمة الطبع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع من المجاهدات للنفس ومخالفاتها، فإن له ظلمة تزيد في ظلمة النفس والهوى، و
ظلمات بعضها فوق بعض
[النور: 40]، { وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه } [الأنعام: 138]، هذا كله من تسويسات النفس ووساوس الشيطان؛ ليضل بهما عن سبيل الله.
ثم قال تعالى في جوابهم: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } [الأنعام: 138]، ومجازاتهم بأن يطبع قلوبهم بطباع الافتراء، كما قال تعالى:
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النسا: 155]، أي: بطباع كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا، وقالوا أيضا: من هوى نفوسهم، { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء } ، ثم قال تعالى: في جوابهم: { سيجزيهم وصفهم } [الأنعام: 139]، سيجزيهم بتغير وصفهم من الصدق إلى الكذب؛ أي: ينقلهم من الأوصاف الحميدة إلى الأوصاف الذميمة، { إنه حكيم } [الأنعام: 139]، فيما حكم به وقضى عليهم، عليم باستحقاقهم لما قدر عليهم، وأيضا { عليم } [الأنعام: 139]، بتغير أوصافهم.
ثم أخبر عن خسرانهم فيما عملوا، وحرمانهم إذ ضلوا بقوله: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } [الأنعام: 140] والإشارة فيها: إن خسارة أهل الأهواء وخسارة أهل الطبيعة تصير إلى حد قتلهم أولادهم، وذلك من قساوة قلوبهم وتبديل أوصافهم؛ لافترائهم على الله تعالى، قال الله عز وجل: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } يعني: خسروا وأفسدوا استعدادهم الفطري، حتى نزعت الرحمة عن قلوبهم؛ لقسوتهم وتبديل أوصافهم حتى فعلوا ذلك، { سفها } [الأنعام: 140]، وجهلا.
{ بغير علم } [الأنعام: 140]، يعني: عند عدم فقد قلوبهم وانقطاع الهامات الربانية عنها لقسوتها وانسداد مسالكها إلى عالم الغيب وعند ذلك، { وحرموا ما رزقهم الله } [الأنعام: 140]، في الصورة والحقيقة، أما الصورة: فرزقناهم، وأما الحقيقة: فحرمناهم من كمالات مراتب أهل القرب من المشاهدات والمكاشفات الربانية، { افترآء على الله } [الأنعام: 140]، يعني: بسبب افترائهم على الله تعالى، فإنهم { قد ضلوا } [الأنعام: 140]، بالافتراء عن طريق الحق؛ لفساد استعدادهم في الاهتداء إلى الله، { وما كانوا مهتدين } [الأنعام: 140]، إذ افسدوا استعداد الاهتداء؛ فانسد عليهم طريق الثقة بالله، فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد؛ ولذلك قال أهل التحقيق: من إمارات اليقين وحقائق كثرة العيال على بساط التوكل.
الأنعام 6:140
{ وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم } [الأنعام: 138]؛ يعني: قالوا هذه المقالة من هوى نفسهم، وميل طبيعتهم لامتثال الشرع، فإن نور الشرع مزيل لظلمة الطبع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع من المجاهدات للنفس ومخالفاتها، فإن له ظلمة تزيد في ظلمة النفس والهوى، و
ظلمات بعضها فوق بعض
[النور: 40]، { وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه } [الأنعام: 138]، هذا كله من تسويسات النفس ووساوس الشيطان؛ ليضل بهما عن سبيل الله.
ثم قال تعالى في جوابهم: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } [الأنعام: 138]، ومجازاتهم بأن يطبع قلوبهم بطباع الافتراء، كما قال تعالى:
بل طبع الله عليها بكفرهم
[النسا: 155]، أي: بطباع كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا، وقالوا أيضا: من هوى نفوسهم، { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء } ، ثم قال تعالى: في جوابهم: { سيجزيهم وصفهم } [الأنعام: 139]، سيجزيهم بتغير وصفهم من الصدق إلى الكذب؛ أي: ينقلهم من الأوصاف الحميدة إلى الأوصاف الذميمة، { إنه حكيم } [الأنعام: 139]، فيما حكم به وقضى عليهم، عليم باستحقاقهم لما قدر عليهم، وأيضا { عليم } [الأنعام: 139]، بتغير أوصافهم.
ثم أخبر عن خسرانهم فيما عملوا، وحرمانهم إذ ضلوا بقوله: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } [الأنعام: 140] والإشارة فيها: إن خسارة أهل الأهواء وخسارة أهل الطبيعة تصير إلى حد قتلهم أولادهم، وذلك من قساوة قلوبهم وتبديل أوصافهم؛ لافترائهم على الله تعالى، قال الله عز وجل: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } يعني: خسروا وأفسدوا استعدادهم الفطري، حتى نزعت الرحمة عن قلوبهم؛ لقسوتهم وتبديل أوصافهم حتى فعلوا ذلك، { سفها } [الأنعام: 140]، وجهلا.
{ بغير علم } [الأنعام: 140]، يعني: عند عدم فقد قلوبهم وانقطاع الهامات الربانية عنها لقسوتها وانسداد مسالكها إلى عالم الغيب وعند ذلك، { وحرموا ما رزقهم الله } [الأنعام: 140]، في الصورة والحقيقة، أما الصورة: فرزقناهم، وأما الحقيقة: فحرمناهم من كمالات مراتب أهل القرب من المشاهدات والمكاشفات الربانية، { افترآء على الله } [الأنعام: 140]، يعني: بسبب افترائهم على الله تعالى، فإنهم { قد ضلوا } [الأنعام: 140]، بالافتراء عن طريق الحق؛ لفساد استعدادهم في الاهتداء إلى الله، { وما كانوا مهتدين } [الأنعام: 140]، إذ افسدوا استعداد الاهتداء؛ فانسد عليهم طريق الثقة بالله، فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد؛ ولذلك قال أهل التحقيق: من إمارات اليقين وحقائق كثرة العيال على بساط التوكل.
الأنعام 6:141
ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت } [الأنعام: 141]، إلى قوله: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرف ذاته بصفاته، وقال: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت }؛ بساتين في الظاهر كما مر ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله:
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء
[إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، وأزهار الشواهد عنها زاهرة.
{ والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه } [الأنعام: 141]، يشير إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، ورمان الإخلاص، فإنه مختلف ثمارها متشابه أعمالها غير متشابه أحوالها، { كلوا من ثمره إذآ أثمر } [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص بالشواهد، والأحوال بالدعاوي، والنيل قبل الإثمار، { وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: 141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى الكمال، { ولا تسرفوا } [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، { إنه لا يحب المسرفين } [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين المنكورين { ومن الأنعم حمولة وفرشا } [الأنعام: 142]، يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية.
{ كلوا مما رزقكم الله } [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق، { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } [الأنعام: 142]، في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، { إنه لكم عدو مبين } [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند حد الاعتدال.
ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، وشرحها بقوله تعالى: { ثمنية أزوج } [الأنعام: 143]، أي: من ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط.
ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: { من الضأن اثنين } [الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، { ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، { ومن الإبل اثنين } ، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، { ومن البقر اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضا حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { قل ءآلذكرين } [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد هذه الصفات { حرم } [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، { أم الأنثيين } فما مر ذكرها { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله بهذا } [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، { نبئوني بعلم } [الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظالون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين.
ثم قال تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضا حكما، { ليضل الناس } [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، { بغير علم } [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.
الأنعام 6:142
ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت } [الأنعام: 141]، إلى قوله: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرف ذاته بصفاته، وقال: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت }؛ بساتين في الظاهر كما مر ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله:
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء
[إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، وأزهار الشواهد عنها زاهرة.
{ والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه } [الأنعام: 141]، يشير إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، ورمان الإخلاص، فإنه مختلف ثمارها متشابه أعمالها غير متشابه أحوالها، { كلوا من ثمره إذآ أثمر } [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص بالشواهد، والأحوال بالدعاوي، والنيل قبل الإثمار، { وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: 141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى الكمال، { ولا تسرفوا } [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، { إنه لا يحب المسرفين } [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين المنكورين { ومن الأنعم حمولة وفرشا } [الأنعام: 142]، يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية.
{ كلوا مما رزقكم الله } [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق، { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } [الأنعام: 142]، في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، { إنه لكم عدو مبين } [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند حد الاعتدال.
ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، وشرحها بقوله تعالى: { ثمنية أزوج } [الأنعام: 143]، أي: من ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط.
ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: { من الضأن اثنين } [الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، { ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، { ومن الإبل اثنين } ، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، { ومن البقر اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضا حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { قل ءآلذكرين } [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد هذه الصفات { حرم } [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، { أم الأنثيين } فما مر ذكرها { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله بهذا } [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، { نبئوني بعلم } [الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظالون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين.
ثم قال تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضا حكما، { ليضل الناس } [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، { بغير علم } [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.
الأنعام 6:143
ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت } [الأنعام: 141]، إلى قوله: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرف ذاته بصفاته، وقال: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت }؛ بساتين في الظاهر كما مر ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله:
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء
[إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، وأزهار الشواهد عنها زاهرة.
{ والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه } [الأنعام: 141]، يشير إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، ورمان الإخلاص، فإنه مختلف ثمارها متشابه أعمالها غير متشابه أحوالها، { كلوا من ثمره إذآ أثمر } [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص بالشواهد، والأحوال بالدعاوي، والنيل قبل الإثمار، { وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: 141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى الكمال، { ولا تسرفوا } [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، { إنه لا يحب المسرفين } [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين المنكورين { ومن الأنعم حمولة وفرشا } [الأنعام: 142]، يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية.
{ كلوا مما رزقكم الله } [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق، { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } [الأنعام: 142]، في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، { إنه لكم عدو مبين } [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند حد الاعتدال.
ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، وشرحها بقوله تعالى: { ثمنية أزوج } [الأنعام: 143]، أي: من ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط.
ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: { من الضأن اثنين } [الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، { ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، { ومن الإبل اثنين } ، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، { ومن البقر اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضا حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { قل ءآلذكرين } [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد هذه الصفات { حرم } [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، { أم الأنثيين } فما مر ذكرها { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله بهذا } [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، { نبئوني بعلم } [الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظالون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين.
ثم قال تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضا حكما، { ليضل الناس } [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، { بغير علم } [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.
الأنعام 6:144
ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت } [الأنعام: 141]، إلى قوله: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرف ذاته بصفاته، وقال: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت }؛ بساتين في الظاهر كما مر ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله:
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء
[إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، وأزهار الشواهد عنها زاهرة.
{ والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه } [الأنعام: 141]، يشير إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، ورمان الإخلاص، فإنه مختلف ثمارها متشابه أعمالها غير متشابه أحوالها، { كلوا من ثمره إذآ أثمر } [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص بالشواهد، والأحوال بالدعاوي، والنيل قبل الإثمار، { وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: 141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى الكمال، { ولا تسرفوا } [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، { إنه لا يحب المسرفين } [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين المنكورين { ومن الأنعم حمولة وفرشا } [الأنعام: 142]، يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية.
{ كلوا مما رزقكم الله } [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق، { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } [الأنعام: 142]، في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، { إنه لكم عدو مبين } [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند حد الاعتدال.
ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، وشرحها بقوله تعالى: { ثمنية أزوج } [الأنعام: 143]، أي: من ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط.
ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: { من الضأن اثنين } [الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، { ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، { ومن الإبل اثنين } ، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، { ومن البقر اثنين } [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضا حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيدا.
ثم قال تعالى: { قل ءآلذكرين } [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد هذه الصفات { حرم } [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، { أم الأنثيين } فما مر ذكرها { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله بهذا } [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، { نبئوني بعلم } [الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظالون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين.
ثم قال تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضا حكما، { ليضل الناس } [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، { بغير علم } [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.
الأنعام 6:145
ثم أخبر عن المحرمات من المطعومات بقوله تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما } [الأنعام: 145]، إلى قوله: { وإنا لصدقون } [الأنعام: 146]، الإشارة: إن الشارع على الحقيقة هو الله تعالى، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم أمر في التحليل والتحريم، فقال تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } [الأنعام: 145]، يعني: أنا لا أجد إلى تحريم شيء فإني لا أقدر أن أحرمه والذي يدل هذا التأويل قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1].
وقوله تعالى: { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145]، أي: أجد هذه الأشياء محرما فيما أتى فأحرمها، ويشير به إلى: ميتة الدنيا: فإنها جيفة مستحيلة، كما قال بعضهم: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب من اجتذابها، فإن تجنيتها كنت سالما لأهلها، وإن تجتذبها نازعتك كلابها.
والدم المسفوح: هو الشهوات اللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير: هو كل رجس من أعمال الشيطان كما قال تعالى:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه
[المائدة: 90].
وحقيقة الرجس: الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه، كما جاء في الخبر لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى؛ أي: اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت، فالرجس: ما يبعدك عن الحق، أو فسقا أهل لغير الله به؛ أي: خروجا عن طلب الحق في طلب غير الحق، فالشروع في هذه الأشياء محرم؛ لأنها تحرمك عن الله وقربانه.
ثم قال تعالى: { فمن اضطر } [الأنعام: 145]؛ يعني: إلى شيء من هذه الأشياء لضرورة الحاجة الإنسانية فيشرع فيه، { غير باغ } [الأنعام: 145]؛ يعني: غير طالب له وراغب عن الله سبحانه وتعالى، { ولا عاد } [الأنعام: 145]؛ أي: غير متجاوز عن حد طلب الحق، ومتعد عن حد ترك الشاغل عن الله تعالى عاد من الدنيا وغيرها، { فإن ربك غفور } [الأنعام: 145]، يغفر الضروريات بمغفرته إذا استغفرته، { رحيم } [الأنعام: 145]، بك عند الرجوع إليه، يرحمك ويعفو عنك ما اضطرك إليه.
وفي قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } [الأنعام: 146]، الإشارة: إلى أن يقوم الله تعالى على العباد، وأما إن كان رحمة وعطفة منه عليهم لما علم علم أن فيه ضررا نفسانيا أو روحانيا دفعه بالتحريم عنهم، فالنفساني: كضرر السم وأمثاله، والروحاني: كضرر لحوم السباع المؤذيات وأمثالها، فإنه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الرضاع بغير الطباع "
؛ وأما إن كان بلاء ونعمة عليهم ليكون أمرا عليهم جزاء لبغيهم على ما أمرهم الله بها أو نهاهم عنه، ولهذا نبه الله تعالى هذه الأمة بقوله:
ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا
[البقرة: 286] رحمة منه عليهم، دفعا لبلاء الأضرار في الدنيا والآخرة يدل عليه قوله تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21]، العذاب الأدنى؛ يعني: في الدنيا، والعذاب الأكبر؛ يعني: في الآخرة.
ثم أخبر عن سعته ورحمته وسطوه نعمته بقوله تعالى: { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } [الأنعام: 147]، إلى قوله تعالى
وهم بربهم يعدلون
[الأنعام: 150].
الإشارة فيها: إن ما أنعمنا عليك به وأمرناك أن تتحدث به، فإن كذبوا من قصور عقلهم ودناءة همتهم، فقل ربكم ذو رحمة واسعة تسعى كل شيء من سعتها وهي أوسع، فما توهمون وتفهمون، أو تظنون وتعلمون، { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } [الأنعام: 147] يعني: في سعته رحمته بأنه شديد وقهره كامل كما أن للطفه ورحمته مظهرا وهم: المطيعون، كذلك لباسه وقهره مظهرا وهم: المجرمون المكذبون المعرضون عن طلب الحق في متابعة الأنبياء - عليهم السلام -.
الأنعام 6:146
ثم أخبر عن المحرمات من المطعومات بقوله تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما } [الأنعام: 145]، إلى قوله: { وإنا لصدقون } [الأنعام: 146]، الإشارة: إن الشارع على الحقيقة هو الله تعالى، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم أمر في التحليل والتحريم، فقال تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } [الأنعام: 145]، يعني: أنا لا أجد إلى تحريم شيء فإني لا أقدر أن أحرمه والذي يدل هذا التأويل قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1].
وقوله تعالى: { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145]، أي: أجد هذه الأشياء محرما فيما أتى فأحرمها، ويشير به إلى: ميتة الدنيا: فإنها جيفة مستحيلة، كما قال بعضهم: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب من اجتذابها، فإن تجنيتها كنت سالما لأهلها، وإن تجتذبها نازعتك كلابها.
والدم المسفوح: هو الشهوات اللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير: هو كل رجس من أعمال الشيطان كما قال تعالى:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه
[المائدة: 90].
وحقيقة الرجس: الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه، كما جاء في الخبر لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى؛ أي: اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت، فالرجس: ما يبعدك عن الحق، أو فسقا أهل لغير الله به؛ أي: خروجا عن طلب الحق في طلب غير الحق، فالشروع في هذه الأشياء محرم؛ لأنها تحرمك عن الله وقربانه.
ثم قال تعالى: { فمن اضطر } [الأنعام: 145]؛ يعني: إلى شيء من هذه الأشياء لضرورة الحاجة الإنسانية فيشرع فيه، { غير باغ } [الأنعام: 145]؛ يعني: غير طالب له وراغب عن الله سبحانه وتعالى، { ولا عاد } [الأنعام: 145]؛ أي: غير متجاوز عن حد طلب الحق، ومتعد عن حد ترك الشاغل عن الله تعالى عاد من الدنيا وغيرها، { فإن ربك غفور } [الأنعام: 145]، يغفر الضروريات بمغفرته إذا استغفرته، { رحيم } [الأنعام: 145]، بك عند الرجوع إليه، يرحمك ويعفو عنك ما اضطرك إليه.
وفي قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } [الأنعام: 146]، الإشارة: إلى أن يقوم الله تعالى على العباد، وأما إن كان رحمة وعطفة منه عليهم لما علم علم أن فيه ضررا نفسانيا أو روحانيا دفعه بالتحريم عنهم، فالنفساني: كضرر السم وأمثاله، والروحاني: كضرر لحوم السباع المؤذيات وأمثالها، فإنه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الرضاع بغير الطباع "
؛ وأما إن كان بلاء ونعمة عليهم ليكون أمرا عليهم جزاء لبغيهم على ما أمرهم الله بها أو نهاهم عنه، ولهذا نبه الله تعالى هذه الأمة بقوله:
ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا
[البقرة: 286] رحمة منه عليهم، دفعا لبلاء الأضرار في الدنيا والآخرة يدل عليه قوله تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21]، العذاب الأدنى؛ يعني: في الدنيا، والعذاب الأكبر؛ يعني: في الآخرة.
ثم أخبر عن سعته ورحمته وسطوه نعمته بقوله تعالى: { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } [الأنعام: 147]، إلى قوله تعالى
وهم بربهم يعدلون
[الأنعام: 150].
الإشارة فيها: إن ما أنعمنا عليك به وأمرناك أن تتحدث به، فإن كذبوا من قصور عقلهم ودناءة همتهم، فقل ربكم ذو رحمة واسعة تسعى كل شيء من سعتها وهي أوسع، فما توهمون وتفهمون، أو تظنون وتعلمون، { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } [الأنعام: 147] يعني: في سعته رحمته بأنه شديد وقهره كامل كما أن للطفه ورحمته مظهرا وهم: المطيعون، كذلك لباسه وقهره مظهرا وهم: المجرمون المكذبون المعرضون عن طلب الحق في متابعة الأنبياء - عليهم السلام -.
الأنعام 6:147
ثم أخبر عن المحرمات من المطعومات بقوله تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما } [الأنعام: 145]، إلى قوله: { وإنا لصدقون } [الأنعام: 146]، الإشارة: إن الشارع على الحقيقة هو الله تعالى، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم أمر في التحليل والتحريم، فقال تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } [الأنعام: 145]، يعني: أنا لا أجد إلى تحريم شيء فإني لا أقدر أن أحرمه والذي يدل هذا التأويل قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1].
وقوله تعالى: { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145]، أي: أجد هذه الأشياء محرما فيما أتى فأحرمها، ويشير به إلى: ميتة الدنيا: فإنها جيفة مستحيلة، كما قال بعضهم: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب من اجتذابها، فإن تجنيتها كنت سالما لأهلها، وإن تجتذبها نازعتك كلابها.
والدم المسفوح: هو الشهوات اللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير: هو كل رجس من أعمال الشيطان كما قال تعالى:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه
[المائدة: 90].
وحقيقة الرجس: الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه، كما جاء في الخبر لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى؛ أي: اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت، فالرجس: ما يبعدك عن الحق، أو فسقا أهل لغير الله به؛ أي: خروجا عن طلب الحق في طلب غير الحق، فالشروع في هذه الأشياء محرم؛ لأنها تحرمك عن الله وقربانه.
ثم قال تعالى: { فمن اضطر } [الأنعام: 145]؛ يعني: إلى شيء من هذه الأشياء لضرورة الحاجة الإنسانية فيشرع فيه، { غير باغ } [الأنعام: 145]؛ يعني: غير طالب له وراغب عن الله سبحانه وتعالى، { ولا عاد } [الأنعام: 145]؛ أي: غير متجاوز عن حد طلب الحق، ومتعد عن حد ترك الشاغل عن الله تعالى عاد من الدنيا وغيرها، { فإن ربك غفور } [الأنعام: 145]، يغفر الضروريات بمغفرته إذا استغفرته، { رحيم } [الأنعام: 145]، بك عند الرجوع إليه، يرحمك ويعفو عنك ما اضطرك إليه.
وفي قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } [الأنعام: 146]، الإشارة: إلى أن يقوم الله تعالى على العباد، وأما إن كان رحمة وعطفة منه عليهم لما علم علم أن فيه ضررا نفسانيا أو روحانيا دفعه بالتحريم عنهم، فالنفساني: كضرر السم وأمثاله، والروحاني: كضرر لحوم السباع المؤذيات وأمثالها، فإنه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" الرضاع بغير الطباع "
؛ وأما إن كان بلاء ونعمة عليهم ليكون أمرا عليهم جزاء لبغيهم على ما أمرهم الله بها أو نهاهم عنه، ولهذا نبه الله تعالى هذه الأمة بقوله:
ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا
[البقرة: 286] رحمة منه عليهم، دفعا لبلاء الأضرار في الدنيا والآخرة يدل عليه قوله تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21]، العذاب الأدنى؛ يعني: في الدنيا، والعذاب الأكبر؛ يعني: في الآخرة.
ثم أخبر عن سعته ورحمته وسطوه نعمته بقوله تعالى: { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } [الأنعام: 147]، إلى قوله تعالى
وهم بربهم يعدلون
[الأنعام: 150].
الإشارة فيها: إن ما أنعمنا عليك به وأمرناك أن تتحدث به، فإن كذبوا من قصور عقلهم ودناءة همتهم، فقل ربكم ذو رحمة واسعة تسعى كل شيء من سعتها وهي أوسع، فما توهمون وتفهمون، أو تظنون وتعلمون، { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } [الأنعام: 147] يعني: في سعته رحمته بأنه شديد وقهره كامل كما أن للطفه ورحمته مظهرا وهم: المطيعون، كذلك لباسه وقهره مظهرا وهم: المجرمون المكذبون المعرضون عن طلب الحق في متابعة الأنبياء - عليهم السلام -.
الأنعام 6:148
{ سيقول الذين أشركوا } [الأنعام: 148]، أي: الذين طلبوا مع الله غيره، وعبدوا معه سواه من الدنيا والآخرة، { لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } [الأنعام: 148]، أي: من مقامات الوصول، وهذه كلمة حق أريد به باطل الكلام في نفس الأمر حق وصدق، إلا أنه ما صدر عن يقين صادق ولا كشف حقيقة، وإنما صدر عن إظهار حجة دفعا لأذية والبلاء من دون الناس، فكذبهم الله تعالى فيما قالوا: بزعمهم أنهم يقولون: ذلك من علم الله وحقيقة، بقوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } [الأنعام: 148].
ثم قال تعالى: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } [الأنعام: 148]، يعني: فيما تزعمون وتدعون أنه من علم يقولون، وإنما تقولون للحجة، ثم قال تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } [الأنعام: 149]، فيما قدر ودبر وحكم به، وقضي من الأزل إلى الأبد، { فلو شآء } [الأنعام: 149]، هداهم؛ يعني: في الأزل، { لهداكم أجمعين } [الأنعام: 149]، كما هدى بعضكم دون بعض إظهارا للقدرة والاختيار، { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } [الأنعام: 150]، والشهداء: هي الظنون الكاذبة على أن الله حرم عليكم نيل الدرجات والوصول إلى المقامات.
{ فإن شهدوا فلا تشهد معهم } [الأنعام: 150]، أي: فلا تشهد بالظن في شيء من الأمور إلا بالوحي والكشف واليقين، { ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 150]، وتشهد بالظن كما يشهد أهل الأهواء، { والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } [الأنعام: 150] فيشركون به، ويعبدون الدنيا ويتبعون الهوى ويظنون بالله ظن السوء.
الأنعام 6:149
{ سيقول الذين أشركوا } [الأنعام: 148]، أي: الذين طلبوا مع الله غيره، وعبدوا معه سواه من الدنيا والآخرة، { لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } [الأنعام: 148]، أي: من مقامات الوصول، وهذه كلمة حق أريد به باطل الكلام في نفس الأمر حق وصدق، إلا أنه ما صدر عن يقين صادق ولا كشف حقيقة، وإنما صدر عن إظهار حجة دفعا لأذية والبلاء من دون الناس، فكذبهم الله تعالى فيما قالوا: بزعمهم أنهم يقولون: ذلك من علم الله وحقيقة، بقوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } [الأنعام: 148].
ثم قال تعالى: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } [الأنعام: 148]، يعني: فيما تزعمون وتدعون أنه من علم يقولون، وإنما تقولون للحجة، ثم قال تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } [الأنعام: 149]، فيما قدر ودبر وحكم به، وقضي من الأزل إلى الأبد، { فلو شآء } [الأنعام: 149]، هداهم؛ يعني: في الأزل، { لهداكم أجمعين } [الأنعام: 149]، كما هدى بعضكم دون بعض إظهارا للقدرة والاختيار، { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } [الأنعام: 150]، والشهداء: هي الظنون الكاذبة على أن الله حرم عليكم نيل الدرجات والوصول إلى المقامات.
{ فإن شهدوا فلا تشهد معهم } [الأنعام: 150]، أي: فلا تشهد بالظن في شيء من الأمور إلا بالوحي والكشف واليقين، { ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 150]، وتشهد بالظن كما يشهد أهل الأهواء، { والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } [الأنعام: 150] فيشركون به، ويعبدون الدنيا ويتبعون الهوى ويظنون بالله ظن السوء.
الأنعام 6:150
{ سيقول الذين أشركوا } [الأنعام: 148]، أي: الذين طلبوا مع الله غيره، وعبدوا معه سواه من الدنيا والآخرة، { لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } [الأنعام: 148]، أي: من مقامات الوصول، وهذه كلمة حق أريد به باطل الكلام في نفس الأمر حق وصدق، إلا أنه ما صدر عن يقين صادق ولا كشف حقيقة، وإنما صدر عن إظهار حجة دفعا لأذية والبلاء من دون الناس، فكذبهم الله تعالى فيما قالوا: بزعمهم أنهم يقولون: ذلك من علم الله وحقيقة، بقوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } [الأنعام: 148].
ثم قال تعالى: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } [الأنعام: 148]، يعني: فيما تزعمون وتدعون أنه من علم يقولون، وإنما تقولون للحجة، ثم قال تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } [الأنعام: 149]، فيما قدر ودبر وحكم به، وقضي من الأزل إلى الأبد، { فلو شآء } [الأنعام: 149]، هداهم؛ يعني: في الأزل، { لهداكم أجمعين } [الأنعام: 149]، كما هدى بعضكم دون بعض إظهارا للقدرة والاختيار، { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } [الأنعام: 150]، والشهداء: هي الظنون الكاذبة على أن الله حرم عليكم نيل الدرجات والوصول إلى المقامات.
{ فإن شهدوا فلا تشهد معهم } [الأنعام: 150]، أي: فلا تشهد بالظن في شيء من الأمور إلا بالوحي والكشف واليقين، { ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 150]، وتشهد بالظن كما يشهد أهل الأهواء، { والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } [الأنعام: 150] فيشركون به، ويعبدون الدنيا ويتبعون الهوى ويظنون بالله ظن السوء.
الأنعام 6:151
ثم أخبر عن المحرمات على البنين والبنات بقوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } [الأنعام: 151] إلى قوله { تتقون } [الأنعام: 153].
الإشارة فيها إلى قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } وآل على أن المحرم والمحل هو الله تعالى، وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ والمبين ما أحل الله وما حرمه.
ثم اعلم أن هذه الآيات لتشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله:
أولها: ألا تشركوا به شيئا قدم الشرك؛ فإنه رأس المحرمات،
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48]، فإنه لا يقبل معه شيئا من الطاعات، وهو ينقسم إلى جلي وخفي؛ فالجلي: عبادة الأصنام ومتابعة الهوى في الأنام، فقال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43]، والخفي: ملاحظة الأنام بعين استحكام الإعظام ورؤية الأغيار مع الله الواحد القهار.
وثانيها: قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } [الأنعام: 151]، وإنما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق والأمر بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجوده ومظهره، كما أن الله تعالى موجد وجوده ومبدعه ومبدئه فحرم عقوقهما بعد تحريم الشرك به، وأوجب الإحسان إليهما بعد القيام بعبادته، كما قال تعالى:
ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا
[الإسراء: 23]، إقامة لحقوقهما بعد الإقامة لحقوق الله تعالى، فالتقاعد عن أداء حقوقهما عقوق فهو أكبر الكبائر.
وثالثها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } [الأنعام: 151]، ثم حرم قتل الأولاد بعد تحريم العقوق؛ لما فيه من هدم بنيان الله تعالى، وملعون من هدم بنيانه، وفيه إبطال ثمرة، وشجرة وجوده، وقطع نسله، وفيه خشية إملاق؛ وهي ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله إن يرزقهم وذلك يؤدي إلى تكذيب الله تعالى؛ لأنه قال تعالى:
وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها
[هود: 6].
ورابعها: قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [الأنعام: 151]، ثم الفواحش جميعها، وقد يدخل في ذلك جميع أقسام الآثام ما ظهر منها: وهو ما يبعده من الجنة ويدينه، وباطن منها: وهو ما يبعده عن الحق ويحجبه عنه، وإن لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها، وأيضا ما ظهر منها بالفعل، وما بطن بالنية.
وخامسها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } [الأنعام: 151]، ثم حرم القتل إلا بالحق؛ أي: وإلا في طلب الحق، فإن المقتول في سبيل الله هو حي عند ربه، وفي قتل ترك تعظيم أمر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 151]، يعني: هذه الخمسة المحرمة، { لعلكم تعقلون } [الأنعام: 151]، لكي تعرفوا موجبات الانقطاع عن الله تعالى فتحرزوا عنها.
وسادسها: قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } [الأنعام: 152]، والأشدة: الصلاح، والفقه؛ يعني: يتفقه في الصلاح للدين لا في إفساد الدنيا، ثم حرم المال بعد تحريم قتل النفس؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقدم مال اليتيم؛ لأنه عاجز عن حفظ ماله، فإن الله تولاه، { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } [الأنعام: 152]، وفيه معنيان: أمره وحي الخلق بالاجتناب عن ماله وبالشفقة والنظر في حقه.
وسابعها: قوله تعالى: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } وفيه معنيان:
أحدهما: تحريم الطمع في مال المسلم بنقصان الكيل والوزن عند الوفاء وأتاه بزيادتهما عند الاستيفاء.
والثاني: أوفوا الكيل وميزان الشرع بحقوق الربوبية، واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد وحظوظ العبودية من الألوهية، { لا نكلف نفسا } [الأنعام: 152] في إبقاء الحقوق واستيفاء الحظوظ، { إلا وسعها } [الأنعام: 152] إلا بحسب استعدادها.
وثامنها: قوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا } [الأنعام: 152] ثم حرم الظلم والجور والميل في الفعل المقال، { ولو كان ذا قربى } [الأنعام: 152] أي: ولو كان المسلم على الكافر والكافر على المسلم وحقيقته العدل في الكلام أن ما يذكر الله تعالى ولا يذكر معه غيره، وأن يتكلم لله وفي الله وبالله.
وتاسعها: قوله تعالى: { وبعهد الله أوفوا } [الأنعام: 152] ثم حرم نقص العهد مع الله وأمر بالوفاء بعهده عليه، وهو ألا يعبد إلا مولاه ولا يحث إلا إياه ولا يرى سواه، { ذلكم وصكم به } [الأنعام: 152] يعني: هذه المحرمة الأخرى، { لعلكم تذكرون } [الأنعام: 152]؛ لكي تذكروا أيام الوصال في حضرة الجلال ومشاهدة ذلك الجمال:
أياما قضت بذي القضاء
سقاهن رجاف العشى بطول
إذا العيش غض والشباب بمائه
وفي حدثان الدهر عنك غفول
ونحن بربع إن تطأه ثوابت
ولا استجيب للهم فيه ذبول
وعاشرها: قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [الأنعام: 153] ثم حرم إتباع كل سبيل الله، وأمر باتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: { وأن هذا } أي: ذكرنا من الخصال العشر، { صراطي مستقيما } يعني: إلى الله تعالى وهو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، واختص هذه الأمة باتباع صراط إلى الله تعالى.
ثم قال جل جلاله: { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 153] أي: بمتابعته وصيتكم في السير إلى الله، { لعلكم تتقون } [الأنعام: 153] بالله وتحترزون عن غير الله.
الأنعام 6:152
ثم أخبر عن المحرمات على البنين والبنات بقوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } [الأنعام: 151] إلى قوله { تتقون } [الأنعام: 153].
الإشارة فيها إلى قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } وآل على أن المحرم والمحل هو الله تعالى، وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ والمبين ما أحل الله وما حرمه.
ثم اعلم أن هذه الآيات لتشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله:
أولها: ألا تشركوا به شيئا قدم الشرك؛ فإنه رأس المحرمات،
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48]، فإنه لا يقبل معه شيئا من الطاعات، وهو ينقسم إلى جلي وخفي؛ فالجلي: عبادة الأصنام ومتابعة الهوى في الأنام، فقال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43]، والخفي: ملاحظة الأنام بعين استحكام الإعظام ورؤية الأغيار مع الله الواحد القهار.
وثانيها: قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } [الأنعام: 151]، وإنما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق والأمر بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجوده ومظهره، كما أن الله تعالى موجد وجوده ومبدعه ومبدئه فحرم عقوقهما بعد تحريم الشرك به، وأوجب الإحسان إليهما بعد القيام بعبادته، كما قال تعالى:
ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا
[الإسراء: 23]، إقامة لحقوقهما بعد الإقامة لحقوق الله تعالى، فالتقاعد عن أداء حقوقهما عقوق فهو أكبر الكبائر.
وثالثها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } [الأنعام: 151]، ثم حرم قتل الأولاد بعد تحريم العقوق؛ لما فيه من هدم بنيان الله تعالى، وملعون من هدم بنيانه، وفيه إبطال ثمرة، وشجرة وجوده، وقطع نسله، وفيه خشية إملاق؛ وهي ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله إن يرزقهم وذلك يؤدي إلى تكذيب الله تعالى؛ لأنه قال تعالى:
وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها
[هود: 6].
ورابعها: قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [الأنعام: 151]، ثم الفواحش جميعها، وقد يدخل في ذلك جميع أقسام الآثام ما ظهر منها: وهو ما يبعده من الجنة ويدينه، وباطن منها: وهو ما يبعده عن الحق ويحجبه عنه، وإن لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها، وأيضا ما ظهر منها بالفعل، وما بطن بالنية.
وخامسها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } [الأنعام: 151]، ثم حرم القتل إلا بالحق؛ أي: وإلا في طلب الحق، فإن المقتول في سبيل الله هو حي عند ربه، وفي قتل ترك تعظيم أمر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 151]، يعني: هذه الخمسة المحرمة، { لعلكم تعقلون } [الأنعام: 151]، لكي تعرفوا موجبات الانقطاع عن الله تعالى فتحرزوا عنها.
وسادسها: قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } [الأنعام: 152]، والأشدة: الصلاح، والفقه؛ يعني: يتفقه في الصلاح للدين لا في إفساد الدنيا، ثم حرم المال بعد تحريم قتل النفس؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقدم مال اليتيم؛ لأنه عاجز عن حفظ ماله، فإن الله تولاه، { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } [الأنعام: 152]، وفيه معنيان: أمره وحي الخلق بالاجتناب عن ماله وبالشفقة والنظر في حقه.
وسابعها: قوله تعالى: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } وفيه معنيان:
أحدهما: تحريم الطمع في مال المسلم بنقصان الكيل والوزن عند الوفاء وأتاه بزيادتهما عند الاستيفاء.
والثاني: أوفوا الكيل وميزان الشرع بحقوق الربوبية، واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد وحظوظ العبودية من الألوهية، { لا نكلف نفسا } [الأنعام: 152] في إبقاء الحقوق واستيفاء الحظوظ، { إلا وسعها } [الأنعام: 152] إلا بحسب استعدادها.
وثامنها: قوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا } [الأنعام: 152] ثم حرم الظلم والجور والميل في الفعل المقال، { ولو كان ذا قربى } [الأنعام: 152] أي: ولو كان المسلم على الكافر والكافر على المسلم وحقيقته العدل في الكلام أن ما يذكر الله تعالى ولا يذكر معه غيره، وأن يتكلم لله وفي الله وبالله.
وتاسعها: قوله تعالى: { وبعهد الله أوفوا } [الأنعام: 152] ثم حرم نقص العهد مع الله وأمر بالوفاء بعهده عليه، وهو ألا يعبد إلا مولاه ولا يحث إلا إياه ولا يرى سواه، { ذلكم وصكم به } [الأنعام: 152] يعني: هذه المحرمة الأخرى، { لعلكم تذكرون } [الأنعام: 152]؛ لكي تذكروا أيام الوصال في حضرة الجلال ومشاهدة ذلك الجمال:
أياما قضت بذي القضاء
سقاهن رجاف العشى بطول
إذا العيش غض والشباب بمائه
وفي حدثان الدهر عنك غفول
ونحن بربع إن تطأه ثوابت
ولا استجيب للهم فيه ذبول
وعاشرها: قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [الأنعام: 153] ثم حرم إتباع كل سبيل الله، وأمر باتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: { وأن هذا } أي: ذكرنا من الخصال العشر، { صراطي مستقيما } يعني: إلى الله تعالى وهو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، واختص هذه الأمة باتباع صراط إلى الله تعالى.
ثم قال جل جلاله: { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 153] أي: بمتابعته وصيتكم في السير إلى الله، { لعلكم تتقون } [الأنعام: 153] بالله وتحترزون عن غير الله.
الأنعام 6:153
ثم أخبر عن المحرمات على البنين والبنات بقوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } [الأنعام: 151] إلى قوله { تتقون } [الأنعام: 153].
الإشارة فيها إلى قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } وآل على أن المحرم والمحل هو الله تعالى، وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ والمبين ما أحل الله وما حرمه.
ثم اعلم أن هذه الآيات لتشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله:
أولها: ألا تشركوا به شيئا قدم الشرك؛ فإنه رأس المحرمات،
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48]، فإنه لا يقبل معه شيئا من الطاعات، وهو ينقسم إلى جلي وخفي؛ فالجلي: عبادة الأصنام ومتابعة الهوى في الأنام، فقال تعالى:
أرأيت من اتخذ إلهه هواه
[الفرقان: 43]، والخفي: ملاحظة الأنام بعين استحكام الإعظام ورؤية الأغيار مع الله الواحد القهار.
وثانيها: قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } [الأنعام: 151]، وإنما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق والأمر بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجوده ومظهره، كما أن الله تعالى موجد وجوده ومبدعه ومبدئه فحرم عقوقهما بعد تحريم الشرك به، وأوجب الإحسان إليهما بعد القيام بعبادته، كما قال تعالى:
ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا
[الإسراء: 23]، إقامة لحقوقهما بعد الإقامة لحقوق الله تعالى، فالتقاعد عن أداء حقوقهما عقوق فهو أكبر الكبائر.
وثالثها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } [الأنعام: 151]، ثم حرم قتل الأولاد بعد تحريم العقوق؛ لما فيه من هدم بنيان الله تعالى، وملعون من هدم بنيانه، وفيه إبطال ثمرة، وشجرة وجوده، وقطع نسله، وفيه خشية إملاق؛ وهي ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله إن يرزقهم وذلك يؤدي إلى تكذيب الله تعالى؛ لأنه قال تعالى:
وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها
[هود: 6].
ورابعها: قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [الأنعام: 151]، ثم الفواحش جميعها، وقد يدخل في ذلك جميع أقسام الآثام ما ظهر منها: وهو ما يبعده من الجنة ويدينه، وباطن منها: وهو ما يبعده عن الحق ويحجبه عنه، وإن لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها، وأيضا ما ظهر منها بالفعل، وما بطن بالنية.
وخامسها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } [الأنعام: 151]، ثم حرم القتل إلا بالحق؛ أي: وإلا في طلب الحق، فإن المقتول في سبيل الله هو حي عند ربه، وفي قتل ترك تعظيم أمر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 151]، يعني: هذه الخمسة المحرمة، { لعلكم تعقلون } [الأنعام: 151]، لكي تعرفوا موجبات الانقطاع عن الله تعالى فتحرزوا عنها.
وسادسها: قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } [الأنعام: 152]، والأشدة: الصلاح، والفقه؛ يعني: يتفقه في الصلاح للدين لا في إفساد الدنيا، ثم حرم المال بعد تحريم قتل النفس؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقدم مال اليتيم؛ لأنه عاجز عن حفظ ماله، فإن الله تولاه، { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } [الأنعام: 152]، وفيه معنيان: أمره وحي الخلق بالاجتناب عن ماله وبالشفقة والنظر في حقه.
وسابعها: قوله تعالى: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } وفيه معنيان:
أحدهما: تحريم الطمع في مال المسلم بنقصان الكيل والوزن عند الوفاء وأتاه بزيادتهما عند الاستيفاء.
والثاني: أوفوا الكيل وميزان الشرع بحقوق الربوبية، واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد وحظوظ العبودية من الألوهية، { لا نكلف نفسا } [الأنعام: 152] في إبقاء الحقوق واستيفاء الحظوظ، { إلا وسعها } [الأنعام: 152] إلا بحسب استعدادها.
وثامنها: قوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا } [الأنعام: 152] ثم حرم الظلم والجور والميل في الفعل المقال، { ولو كان ذا قربى } [الأنعام: 152] أي: ولو كان المسلم على الكافر والكافر على المسلم وحقيقته العدل في الكلام أن ما يذكر الله تعالى ولا يذكر معه غيره، وأن يتكلم لله وفي الله وبالله.
وتاسعها: قوله تعالى: { وبعهد الله أوفوا } [الأنعام: 152] ثم حرم نقص العهد مع الله وأمر بالوفاء بعهده عليه، وهو ألا يعبد إلا مولاه ولا يحث إلا إياه ولا يرى سواه، { ذلكم وصكم به } [الأنعام: 152] يعني: هذه المحرمة الأخرى، { لعلكم تذكرون } [الأنعام: 152]؛ لكي تذكروا أيام الوصال في حضرة الجلال ومشاهدة ذلك الجمال:
أياما قضت بذي القضاء
سقاهن رجاف العشى بطول
إذا العيش غض والشباب بمائه
وفي حدثان الدهر عنك غفول
ونحن بربع إن تطأه ثوابت
ولا استجيب للهم فيه ذبول
وعاشرها: قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [الأنعام: 153] ثم حرم إتباع كل سبيل الله، وأمر باتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: { وأن هذا } أي: ذكرنا من الخصال العشر، { صراطي مستقيما } يعني: إلى الله تعالى وهو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، واختص هذه الأمة باتباع صراط إلى الله تعالى.
ثم قال جل جلاله: { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 153] أي: بمتابعته وصيتكم في السير إلى الله، { لعلكم تتقون } [الأنعام: 153] بالله وتحترزون عن غير الله.
الأنعام 6:154
ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين:
أحدهما: إنه تعالى لما ذكر الخصال العشر وخص بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
[الأنعام: 153] ثم قال تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تماما على الذي أحسن؛ يعني: إتماما لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماما للدين وتكميلا له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3].
والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سماه الله تعالى محسنا بقوله:
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبرهيم حنيفا
[النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماما على محمدا؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120]، { وتفصيلا لكل شيء } [الأنعام: 154] أي: وبيانا وشرحا لدينه.
{ وهدى ورحمة } على أمته، { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: { وهذا كتب أنزلنه } [الأنعام: 155]، أي: أنزلناه أيضا لإتمام نبوتك ودينك، { مبارك فاتبعوه } [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، { واتقوا } [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } [الأنعام: 156]، أي فاحترزوا { أن تقولوا } إذا لم تنتفعوا بالقرآن: { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } [الأنعام: 156] { أو تقولوا } [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، { لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله.
{ فقد جآءكم } [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، { بينة من ربكم } [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، { وهدى } [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، { ورحمة } [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه
أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، { بما كانوا يصدفون } [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا.
ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! { هل ينظرون } [الأنعام: 158]، أي: ينتظرون، { إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] عيانا وتسوقهم إلى الله قهرا وقهرا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه.
{ أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، { أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، { يوم يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضا صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة "
فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا مزرعة الآخرة "
يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، { قل انتظروا } [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، { إنا منتظرون } [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.
الأنعام 6:155
ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين:
أحدهما: إنه تعالى لما ذكر الخصال العشر وخص بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
[الأنعام: 153] ثم قال تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تماما على الذي أحسن؛ يعني: إتماما لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماما للدين وتكميلا له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3].
والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سماه الله تعالى محسنا بقوله:
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبرهيم حنيفا
[النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماما على محمدا؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120]، { وتفصيلا لكل شيء } [الأنعام: 154] أي: وبيانا وشرحا لدينه.
{ وهدى ورحمة } على أمته، { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: { وهذا كتب أنزلنه } [الأنعام: 155]، أي: أنزلناه أيضا لإتمام نبوتك ودينك، { مبارك فاتبعوه } [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، { واتقوا } [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } [الأنعام: 156]، أي فاحترزوا { أن تقولوا } إذا لم تنتفعوا بالقرآن: { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } [الأنعام: 156] { أو تقولوا } [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، { لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله.
{ فقد جآءكم } [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، { بينة من ربكم } [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، { وهدى } [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، { ورحمة } [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه
أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، { بما كانوا يصدفون } [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا.
ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! { هل ينظرون } [الأنعام: 158]، أي: ينتظرون، { إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] عيانا وتسوقهم إلى الله قهرا وقهرا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه.
{ أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، { أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، { يوم يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضا صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة "
فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا مزرعة الآخرة "
يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، { قل انتظروا } [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، { إنا منتظرون } [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.
الأنعام 6:156
ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين:
أحدهما: إنه تعالى لما ذكر الخصال العشر وخص بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
[الأنعام: 153] ثم قال تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تماما على الذي أحسن؛ يعني: إتماما لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماما للدين وتكميلا له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3].
والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سماه الله تعالى محسنا بقوله:
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبرهيم حنيفا
[النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماما على محمدا؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120]، { وتفصيلا لكل شيء } [الأنعام: 154] أي: وبيانا وشرحا لدينه.
{ وهدى ورحمة } على أمته، { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: { وهذا كتب أنزلنه } [الأنعام: 155]، أي: أنزلناه أيضا لإتمام نبوتك ودينك، { مبارك فاتبعوه } [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، { واتقوا } [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } [الأنعام: 156]، أي فاحترزوا { أن تقولوا } إذا لم تنتفعوا بالقرآن: { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } [الأنعام: 156] { أو تقولوا } [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، { لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله.
{ فقد جآءكم } [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، { بينة من ربكم } [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، { وهدى } [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، { ورحمة } [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه
أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، { بما كانوا يصدفون } [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا.
ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! { هل ينظرون } [الأنعام: 158]، أي: ينتظرون، { إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] عيانا وتسوقهم إلى الله قهرا وقهرا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه.
{ أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، { أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، { يوم يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضا صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة "
فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا مزرعة الآخرة "
يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، { قل انتظروا } [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، { إنا منتظرون } [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.
الأنعام 6:157
ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين:
أحدهما: إنه تعالى لما ذكر الخصال العشر وخص بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
[الأنعام: 153] ثم قال تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تماما على الذي أحسن؛ يعني: إتماما لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماما للدين وتكميلا له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3].
والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سماه الله تعالى محسنا بقوله:
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبرهيم حنيفا
[النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماما على محمدا؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120]، { وتفصيلا لكل شيء } [الأنعام: 154] أي: وبيانا وشرحا لدينه.
{ وهدى ورحمة } على أمته، { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: { وهذا كتب أنزلنه } [الأنعام: 155]، أي: أنزلناه أيضا لإتمام نبوتك ودينك، { مبارك فاتبعوه } [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، { واتقوا } [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } [الأنعام: 156]، أي فاحترزوا { أن تقولوا } إذا لم تنتفعوا بالقرآن: { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } [الأنعام: 156] { أو تقولوا } [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، { لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله.
{ فقد جآءكم } [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، { بينة من ربكم } [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، { وهدى } [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، { ورحمة } [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه
أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، { بما كانوا يصدفون } [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا.
ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! { هل ينظرون } [الأنعام: 158]، أي: ينتظرون، { إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] عيانا وتسوقهم إلى الله قهرا وقهرا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه.
{ أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، { أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، { يوم يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضا صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة "
فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا مزرعة الآخرة "
يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، { قل انتظروا } [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، { إنا منتظرون } [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.
الأنعام 6:158
ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين:
أحدهما: إنه تعالى لما ذكر الخصال العشر وخص بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى:
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
[الأنعام: 153] ثم قال تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تماما على الذي أحسن؛ يعني: إتماما لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماما للدين وتكميلا له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا
[المائدة: 3].
والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سماه الله تعالى محسنا بقوله:
ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبرهيم حنيفا
[النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماما على محمدا؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك
[هود: 120]، { وتفصيلا لكل شيء } [الأنعام: 154] أي: وبيانا وشرحا لدينه.
{ وهدى ورحمة } على أمته، { لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: { وهذا كتب أنزلنه } [الأنعام: 155]، أي: أنزلناه أيضا لإتمام نبوتك ودينك، { مبارك فاتبعوه } [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، { واتقوا } [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } [الأنعام: 156]، أي فاحترزوا { أن تقولوا } إذا لم تنتفعوا بالقرآن: { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } [الأنعام: 156] { أو تقولوا } [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، { لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله.
{ فقد جآءكم } [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، { بينة من ربكم } [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، { وهدى } [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه
ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين
[الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، { ورحمة } [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه
أسوة حسنة
[الأحزاب: 21]، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، { بما كانوا يصدفون } [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا.
ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! { هل ينظرون } [الأنعام: 158]، أي: ينتظرون، { إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] عيانا وتسوقهم إلى الله قهرا وقهرا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه.
{ أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، { أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، { يوم يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضا صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة "
فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" الدنيا مزرعة الآخرة "
يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، { قل انتظروا } [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، { إنا منتظرون } [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.
الأنعام 6:159
ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } [الأنعام: 159] والإشارة فيها: { إن الذين فرقوا دينهم } ، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم
[الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفا وطمعا، { وكانوا شيعا } [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقا مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدعي الفقر وما شم رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين.
ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهرا بجهر متفرقين شبرا بشبر.
قال الله تعالى: { لست منهم في شيء } [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، { إنمآ أمرهم إلى الله } [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، { ثم ينبئهم } [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، { بما كانوا يفعلون } [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير.
ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات.
{ ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيب؛ لأنه يذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وقد قال تعالى:
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
[الأعراف: 58]، وأما ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، والواحد في مرتبة الآحاد واحد، وفي مرتبة العشرات عشرة، وفي مرتبة المئات مائة، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{ وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لما فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالا عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: { دينا قيما } [الأنعام: 161]، مبنيا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{ ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئا آخر ويطلبون منه غيره، { قل إن صلاتي ونسكي } [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، { ومحياي } [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، { ومماتي } [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، { لله رب العالمين } [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، { لا شريك له } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، { وبذلك أمرت } [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وقال:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91].
{ وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163]، يعني: أنا أول من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ".
الأنعام 6:160
ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } [الأنعام: 159] والإشارة فيها: { إن الذين فرقوا دينهم } ، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم
[الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفا وطمعا، { وكانوا شيعا } [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقا مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدعي الفقر وما شم رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين.
ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهرا بجهر متفرقين شبرا بشبر.
قال الله تعالى: { لست منهم في شيء } [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، { إنمآ أمرهم إلى الله } [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، { ثم ينبئهم } [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، { بما كانوا يفعلون } [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير.
ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات.
{ ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيب؛ لأنه يذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وقد قال تعالى:
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
[الأعراف: 58]، وأما ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، والواحد في مرتبة الآحاد واحد، وفي مرتبة العشرات عشرة، وفي مرتبة المئات مائة، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{ وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لما فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالا عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: { دينا قيما } [الأنعام: 161]، مبنيا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{ ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئا آخر ويطلبون منه غيره، { قل إن صلاتي ونسكي } [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، { ومحياي } [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، { ومماتي } [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، { لله رب العالمين } [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، { لا شريك له } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، { وبذلك أمرت } [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وقال:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91].
{ وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163]، يعني: أنا أول من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ".
الأنعام 6:161
ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } [الأنعام: 159] والإشارة فيها: { إن الذين فرقوا دينهم } ، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم
[الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفا وطمعا، { وكانوا شيعا } [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقا مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدعي الفقر وما شم رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين.
ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهرا بجهر متفرقين شبرا بشبر.
قال الله تعالى: { لست منهم في شيء } [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، { إنمآ أمرهم إلى الله } [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، { ثم ينبئهم } [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، { بما كانوا يفعلون } [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير.
ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات.
{ ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيب؛ لأنه يذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وقد قال تعالى:
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
[الأعراف: 58]، وأما ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، والواحد في مرتبة الآحاد واحد، وفي مرتبة العشرات عشرة، وفي مرتبة المئات مائة، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{ وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لما فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالا عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: { دينا قيما } [الأنعام: 161]، مبنيا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{ ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئا آخر ويطلبون منه غيره، { قل إن صلاتي ونسكي } [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، { ومحياي } [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، { ومماتي } [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، { لله رب العالمين } [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، { لا شريك له } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، { وبذلك أمرت } [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وقال:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91].
{ وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163]، يعني: أنا أول من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ".
الأنعام 6:162
ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } [الأنعام: 159] والإشارة فيها: { إن الذين فرقوا دينهم } ، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم
[الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفا وطمعا، { وكانوا شيعا } [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقا مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدعي الفقر وما شم رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين.
ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهرا بجهر متفرقين شبرا بشبر.
قال الله تعالى: { لست منهم في شيء } [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، { إنمآ أمرهم إلى الله } [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، { ثم ينبئهم } [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، { بما كانوا يفعلون } [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير.
ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات.
{ ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيب؛ لأنه يذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وقد قال تعالى:
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
[الأعراف: 58]، وأما ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، والواحد في مرتبة الآحاد واحد، وفي مرتبة العشرات عشرة، وفي مرتبة المئات مائة، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{ وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لما فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالا عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: { دينا قيما } [الأنعام: 161]، مبنيا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{ ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئا آخر ويطلبون منه غيره، { قل إن صلاتي ونسكي } [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، { ومحياي } [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، { ومماتي } [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، { لله رب العالمين } [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، { لا شريك له } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، { وبذلك أمرت } [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وقال:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91].
{ وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163]، يعني: أنا أول من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ".
الأنعام 6:163
ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } [الأنعام: 159] والإشارة فيها: { إن الذين فرقوا دينهم } ، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم
[الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفا وطمعا، { وكانوا شيعا } [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقا مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدعي الفقر وما شم رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين.
ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهرا بجهر متفرقين شبرا بشبر.
قال الله تعالى: { لست منهم في شيء } [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، { إنمآ أمرهم إلى الله } [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، { ثم ينبئهم } [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، { بما كانوا يفعلون } [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير.
ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات.
{ ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيب؛ لأنه يذكر الله
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وقد قال تعالى:
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
[الأعراف: 58]، وأما ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، والواحد في مرتبة الآحاد واحد، وفي مرتبة العشرات عشرة، وفي مرتبة المئات مائة، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم.
{ وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى:
إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
[النساء: 40].
ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لما فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالا عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: { دينا قيما } [الأنعام: 161]، مبنيا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه.
{ ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99]، { وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئا آخر ويطلبون منه غيره، { قل إن صلاتي ونسكي } [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، { ومحياي } [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، { ومماتي } [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، { لله رب العالمين } [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، { لا شريك له } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، { وبذلك أمرت } [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، وقال:
قل الله ثم ذرهم
[الأنعام: 91].
{ وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163]، يعني: أنا أول من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" أول ما خلق الله نوري ".
الأنعام 6:164
ثم أخبر عن بقيته صلى الله عليه وسلم: إنه هو الله غير خلقته بقوله تعالى: { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } [الأنعام: 164] الإشارة فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان غاية منتهاه، ونهاية قصده الله رب العالمين، حتى قال الله عز وجل: { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } [الأنعام: 164]، أي: كيف أطلب غير الله وهو حبيبي، والمحب لا يطلب إلا الحبيب، وكل شيء طلب دونه فهو رب ذلك الشيء ومالكه، فإذا كان هو لي يكون ما له لي، وإن قبلت غيره لم أجده، وكل خير وجدته [غيره] يكون علي، كما قال تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } [الأنعام: 164]، يعني: إن النفس إنما تكسب بأمر هواها،
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53]، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
" لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ".
واعلم أن النفس مأمورة بالسير إلى الله بقدم العبودية والأعمال الصالحات بقوله:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك
[الفجر: 27-28]، وإن اطمئنانها بالطبع إلى الدنيا وزخارفها مخالف لأمر الله تعالى وهو وزرها وسيرها إلى الدركات السفلى، فلا يمكن لغيرها أن يحمل قدرها، وإن القلب إذا كان سليما من كدورات صفات النفس باقيا على ما جبل عليه من حب الله تعالى وطلبه مزينا بنور الإيمان وحبه لا يؤخذ بمعاملة النفس وزرها، كما قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } [الأنعام: 164]، والنفس مأخوذة بوزرها معا معاقبة بما هي أهله ولا يتألم القلب بعذابها، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الحق تعالى بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فينطبع مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها، فيتبع النفس وهواها فيزول بطبع الشهوات ولذاتها، ويكسب الإثم والوزر بترك ما هو مأمور به من؛ الطهارة والصفاء والسلامة والذكر والفكر والتوحيد لله تعالى والإيمان به والتوكل عليه والصدق والإخلاص في القلب والعبودية، وغير ذلك من أعمال القلب فيكون مأخوذا بوزره لا بوزر غيره، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14].
ثم عرف الله تعالى نفسه الخلق بتعريفهم أنفسهم فقال: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } [الأنعام: 165]، أي: جعل واحد من بني آدم ابن وقته وخليفة ربه في الأرض، وسر خلافته؛ أن صوره على صورة صفات نفسه حيا قيوما سميعا بصيرا عالما قادرا مريدا متكلما، { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } [الأنعام: 165]، في الخلافة واستعدادها، { ليبلوكم في مآ آتاكم } [الأنعام: 165]، من صفاته واستعداد الخلافة؛ ليظهر من تخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع قهري إلى صفات البهائم والأنعام وأبطل الاستعداد للخلافة فيكون من زمرة أولئك،
كالأنعام بل هم أضل سبيلا
[الفرقان: 44].
{ إن ربك سريع العقاب } [الأنعام: 165]، يعني: مربيك يا محمد الذي بلغك أقصى مراتب الخلافة سريع العقاب لمبطلي استعداد الخلافة ومضيعي صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات، بأن،
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشاوة
[البقرة: 7]، وجعلهم،
صم بكم عمي فهم لا يرجعون
[البقرة: 18]، إلى مكان من الغيب الذين خرجوا منه، وهم محبوسون في سجن أسفل سافلين وفي حبس،
كلا إن كتاب الفجار لفي سجين [المطففين: 7].
{ وإنه لغفور } [الأنعام: 165]، لمن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل صالحا للخلافة، { رحيم } [الأنعام: 165]، بمن رحمه ووفقه لمرضاته ويرفع درجاته.
الأنعام 6:165
ثم أخبر عن بقيته صلى الله عليه وسلم: إنه هو الله غير خلقته بقوله تعالى: { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } [الأنعام: 164] الإشارة فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان غاية منتهاه، ونهاية قصده الله رب العالمين، حتى قال الله عز وجل: { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } [الأنعام: 164]، أي: كيف أطلب غير الله وهو حبيبي، والمحب لا يطلب إلا الحبيب، وكل شيء طلب دونه فهو رب ذلك الشيء ومالكه، فإذا كان هو لي يكون ما له لي، وإن قبلت غيره لم أجده، وكل خير وجدته [غيره] يكون علي، كما قال تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } [الأنعام: 164]، يعني: إن النفس إنما تكسب بأمر هواها،
إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
[يوسف: 53]، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
" لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ".
واعلم أن النفس مأمورة بالسير إلى الله بقدم العبودية والأعمال الصالحات بقوله:
يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك
[الفجر: 27-28]، وإن اطمئنانها بالطبع إلى الدنيا وزخارفها مخالف لأمر الله تعالى وهو وزرها وسيرها إلى الدركات السفلى، فلا يمكن لغيرها أن يحمل قدرها، وإن القلب إذا كان سليما من كدورات صفات النفس باقيا على ما جبل عليه من حب الله تعالى وطلبه مزينا بنور الإيمان وحبه لا يؤخذ بمعاملة النفس وزرها، كما قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } [الأنعام: 164]، والنفس مأخوذة بوزرها معا معاقبة بما هي أهله ولا يتألم القلب بعذابها، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الحق تعالى بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فينطبع مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها، فيتبع النفس وهواها فيزول بطبع الشهوات ولذاتها، ويكسب الإثم والوزر بترك ما هو مأمور به من؛ الطهارة والصفاء والسلامة والذكر والفكر والتوحيد لله تعالى والإيمان به والتوكل عليه والصدق والإخلاص في القلب والعبودية، وغير ذلك من أعمال القلب فيكون مأخوذا بوزره لا بوزر غيره، كما قال تعالى:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14].
ثم عرف الله تعالى نفسه الخلق بتعريفهم أنفسهم فقال: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } [الأنعام: 165]، أي: جعل واحد من بني آدم ابن وقته وخليفة ربه في الأرض، وسر خلافته؛ أن صوره على صورة صفات نفسه حيا قيوما سميعا بصيرا عالما قادرا مريدا متكلما، { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } [الأنعام: 165]، في الخلافة واستعدادها، { ليبلوكم في مآ آتاكم } [الأنعام: 165]، من صفاته واستعداد الخلافة؛ ليظهر من تخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع قهري إلى صفات البهائم والأنعام وأبطل الاستعداد للخلافة فيكون من زمرة أولئك،
كالأنعام بل هم أضل سبيلا
[الفرقان: 44].
{ إن ربك سريع العقاب } [الأنعام: 165]، يعني: مربيك يا محمد الذي بلغك أقصى مراتب الخلافة سريع العقاب لمبطلي استعداد الخلافة ومضيعي صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات، بأن،
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشاوة
[البقرة: 7]، وجعلهم،
صم بكم عمي فهم لا يرجعون
[البقرة: 18]، إلى مكان من الغيب الذين خرجوا منه، وهم محبوسون في سجن أسفل سافلين وفي حبس،
كلا إن كتاب الفجار لفي سجين [المطففين: 7].
{ وإنه لغفور } [الأنعام: 165]، لمن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل صالحا للخلافة، { رحيم } [الأنعام: 165]، بمن رحمه ووفقه لمرضاته ويرفع درجاته.
الأعراف 7:1
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:2
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:3
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:4
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:5
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:6
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:7
{ المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه.
{ لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى:
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم
[الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3].
إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك } [الأعراف: 2] جعل له دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحدا.
ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة.
{ فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا وهلكوا سريعا.
وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون }؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصرهم
[الأنعام: 110].
{ فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله:
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام.
{ فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى:
الله أعلم حيث يجعل رسالته
[الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.
الأعراف 7:8
ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة،
فمن ثقلت موازينه
[المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق "
وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه.
{ ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم.
ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله:
صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } [الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر.
ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
{ ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.
واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم
[الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح:
" إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر "
؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم،
ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى:
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
[آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضا.
{ فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب.
فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء.
وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك.
والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ".
وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.
الأعراف 7:9
ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة،
فمن ثقلت موازينه
[المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق "
وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه.
{ ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم.
ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله:
صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } [الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر.
ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
{ ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.
واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم
[الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح:
" إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر "
؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم،
ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى:
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
[آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضا.
{ فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب.
فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء.
وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك.
والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ".
وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.
الأعراف 7:10
ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة،
فمن ثقلت موازينه
[المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق "
وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه.
{ ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم.
ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله:
صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } [الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر.
ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
{ ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.
واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم
[الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح:
" إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر "
؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم،
ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى:
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
[آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضا.
{ فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب.
فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء.
وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك.
والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ".
وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.
الأعراف 7:11
ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة،
فمن ثقلت موازينه
[المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق "
وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه.
{ ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم.
ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله:
صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } [الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر.
ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
{ ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.
واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم
[الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح:
" إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر "
؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم،
ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى:
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
[آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضا.
{ فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب.
فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء.
وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك.
والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ".
وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.
الأعراف 7:12
ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة،
فمن ثقلت موازينه
[المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق "
وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه.
{ ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم.
ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله:
صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } [الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر.
ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
{ ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.
واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم
[الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح:
" إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر "
؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم،
ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى:
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
[آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضا.
{ فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب.
فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء.
وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك.
والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ".
وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.
الأعراف 7:13
ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة،
فمن ثقلت موازينه
[المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق "
وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه.
{ ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم.
ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله:
صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } [الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر.
ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام "
{ ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح.
واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم
[الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح:
" إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر "
؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم،
ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى:
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
[آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضا.
{ فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب.
فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء.
وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك.
والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: وجعلنا من المآء كل شيء حي
[الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:
" خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ".
وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى:
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله خلق آدم فتجلى فيه "
؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى:
إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
[ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.
الأعراف 7:14
{ قال أنظرني إلى يوم يبعثون } [الأعراف: 14] فأجابه بما عليه ولم يجيبه بما له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، { قال إنك من المنظرين } [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه بألا يذيقه ألم الموت، قال تعالى:
إلى يوم الوقت المعلوم
[ص: 81] في موضع آخر.
ثم أخرج منه ما كان مودعا في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: { قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: 16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من الله تعالى؛ وإنما كان إثباتا للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما قال:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]، وقال: { لأقعدن لهم } ، فلو كان من نظر التوحيد لم يكن اللعين مدعيا الإغواء والإضلال، ولو كان واقعا عن الصراط المستقيم عن قوله: { صراطك المستقيم } حقيقية الذي هو الصراط إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالا وأقوالا تكون هي حجة عليهم.
ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلا وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظا مختلفا بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: { لآتينهم من بين أيديهم }؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهارا للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، { ومن خلفهم } ومن خلفهم من قبل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لا يرون.
{ وعن أيمانهم } [الأعراف: 17] من قبل إفساد ذات البين؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، { وعن شمآئلهم } [الأعراف: 17]، من قبل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم.
وأيضا: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الرياء والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، { ومن خلفهم } من قبل الصلف، فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، { وعن أيمانهم } من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، { وعن شمآئلهم } من قبل الافتراء، فسول لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة.
وأيضا: { من بين أيديهم } من قبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم { ومن خلفهم } من قبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبينات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، { وعن أيمانهم } من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول { وعن شمآئلهم } من قبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول.
وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، { وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [الأعراف: 18].
الأعراف 7:15
{ قال أنظرني إلى يوم يبعثون } [الأعراف: 14] فأجابه بما عليه ولم يجيبه بما له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، { قال إنك من المنظرين } [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه بألا يذيقه ألم الموت، قال تعالى:
إلى يوم الوقت المعلوم
[ص: 81] في موضع آخر.
ثم أخرج منه ما كان مودعا في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: { قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: 16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من الله تعالى؛ وإنما كان إثباتا للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما قال:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]، وقال: { لأقعدن لهم } ، فلو كان من نظر التوحيد لم يكن اللعين مدعيا الإغواء والإضلال، ولو كان واقعا عن الصراط المستقيم عن قوله: { صراطك المستقيم } حقيقية الذي هو الصراط إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالا وأقوالا تكون هي حجة عليهم.
ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلا وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظا مختلفا بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: { لآتينهم من بين أيديهم }؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهارا للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، { ومن خلفهم } ومن خلفهم من قبل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لا يرون.
{ وعن أيمانهم } [الأعراف: 17] من قبل إفساد ذات البين؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، { وعن شمآئلهم } [الأعراف: 17]، من قبل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم.
وأيضا: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الرياء والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، { ومن خلفهم } من قبل الصلف، فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، { وعن أيمانهم } من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، { وعن شمآئلهم } من قبل الافتراء، فسول لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة.
وأيضا: { من بين أيديهم } من قبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم { ومن خلفهم } من قبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبينات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، { وعن أيمانهم } من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول { وعن شمآئلهم } من قبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول.
وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، { وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [الأعراف: 18].
الأعراف 7:16
{ قال أنظرني إلى يوم يبعثون } [الأعراف: 14] فأجابه بما عليه ولم يجيبه بما له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، { قال إنك من المنظرين } [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه بألا يذيقه ألم الموت، قال تعالى:
إلى يوم الوقت المعلوم
[ص: 81] في موضع آخر.
ثم أخرج منه ما كان مودعا في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: { قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: 16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من الله تعالى؛ وإنما كان إثباتا للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما قال:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]، وقال: { لأقعدن لهم } ، فلو كان من نظر التوحيد لم يكن اللعين مدعيا الإغواء والإضلال، ولو كان واقعا عن الصراط المستقيم عن قوله: { صراطك المستقيم } حقيقية الذي هو الصراط إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالا وأقوالا تكون هي حجة عليهم.
ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلا وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظا مختلفا بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: { لآتينهم من بين أيديهم }؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهارا للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، { ومن خلفهم } ومن خلفهم من قبل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لا يرون.
{ وعن أيمانهم } [الأعراف: 17] من قبل إفساد ذات البين؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، { وعن شمآئلهم } [الأعراف: 17]، من قبل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم.
وأيضا: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الرياء والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، { ومن خلفهم } من قبل الصلف، فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، { وعن أيمانهم } من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، { وعن شمآئلهم } من قبل الافتراء، فسول لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة.
وأيضا: { من بين أيديهم } من قبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم { ومن خلفهم } من قبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبينات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، { وعن أيمانهم } من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول { وعن شمآئلهم } من قبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول.
وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، { وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [الأعراف: 18].
الأعراف 7:17
{ قال أنظرني إلى يوم يبعثون } [الأعراف: 14] فأجابه بما عليه ولم يجيبه بما له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، { قال إنك من المنظرين } [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه بألا يذيقه ألم الموت، قال تعالى:
إلى يوم الوقت المعلوم
[ص: 81] في موضع آخر.
ثم أخرج منه ما كان مودعا في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: { قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: 16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من الله تعالى؛ وإنما كان إثباتا للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما قال:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]، وقال: { لأقعدن لهم } ، فلو كان من نظر التوحيد لم يكن اللعين مدعيا الإغواء والإضلال، ولو كان واقعا عن الصراط المستقيم عن قوله: { صراطك المستقيم } حقيقية الذي هو الصراط إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالا وأقوالا تكون هي حجة عليهم.
ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلا وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظا مختلفا بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: { لآتينهم من بين أيديهم }؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهارا للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، { ومن خلفهم } ومن خلفهم من قبل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لا يرون.
{ وعن أيمانهم } [الأعراف: 17] من قبل إفساد ذات البين؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، { وعن شمآئلهم } [الأعراف: 17]، من قبل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم.
وأيضا: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الرياء والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، { ومن خلفهم } من قبل الصلف، فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، { وعن أيمانهم } من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، { وعن شمآئلهم } من قبل الافتراء، فسول لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة.
وأيضا: { من بين أيديهم } من قبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم { ومن خلفهم } من قبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبينات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، { وعن أيمانهم } من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول { وعن شمآئلهم } من قبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول.
وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، { وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [الأعراف: 18].
الأعراف 7:18
{ قال أنظرني إلى يوم يبعثون } [الأعراف: 14] فأجابه بما عليه ولم يجيبه بما له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، { قال إنك من المنظرين } [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه بألا يذيقه ألم الموت، قال تعالى:
إلى يوم الوقت المعلوم
[ص: 81] في موضع آخر.
ثم أخرج منه ما كان مودعا في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: { قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: 16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من الله تعالى؛ وإنما كان إثباتا للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما قال:
لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]، وقال: { لأقعدن لهم } ، فلو كان من نظر التوحيد لم يكن اللعين مدعيا الإغواء والإضلال، ولو كان واقعا عن الصراط المستقيم عن قوله: { صراطك المستقيم } حقيقية الذي هو الصراط إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالا وأقوالا تكون هي حجة عليهم.
ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلا وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظا مختلفا بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: { لآتينهم من بين أيديهم }؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهارا للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، { ومن خلفهم } ومن خلفهم من قبل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لا يرون.
{ وعن أيمانهم } [الأعراف: 17] من قبل إفساد ذات البين؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، { وعن شمآئلهم } [الأعراف: 17]، من قبل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم.
وأيضا: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الرياء والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، { ومن خلفهم } من قبل الصلف، فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، { وعن أيمانهم } من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، { وعن شمآئلهم } من قبل الافتراء، فسول لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة.
وأيضا: { من بين أيديهم } من قبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم { ومن خلفهم } من قبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبينات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، { وعن أيمانهم } من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول { وعن شمآئلهم } من قبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول.
وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، { وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها.
فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر.
ثم قال تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [الأعراف: 18].
الأعراف 7:19
ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: 19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن المحنة.
{ فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.
وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وأنت مني قلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس
فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب.
{ وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } [الأعراف: 21]، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، { فدلاهما بغرور } [الاعراف: 22]؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلما استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، { فلما ذاقا الشجرة } [الأعراف: 22] فلما ذاقا المحبة وجد ذوقها، { بدت لهما سوءاتهما } [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة والفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القربة والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121].
{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } [الأعراف: 22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال:
فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفا بطلعته
مضى وأقعر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحل والوجد متصل
والدمع منهمل والقلب مشتغل
{ وناداهما ربهمآ } [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الأعراف: 22]، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب { وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين، فلما ناداهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل:
واخجلتي من وقوفي وسط داركم
وقول واشيكم من أنت يا رجل
وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كانا عليه، وطمعا فيما لديه عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] إلى
تخرجون
[الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لما استغرق في لجة بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا حواء رجعا إليه.
{ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] بأنا تناولنا من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال، { وإن لم تغفر لنا } [الأعراف: 23] بنوال الوصال، { وترحمنا } بتجلي الجمال، { لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمرا بالصبر على الهجر ووحدا بالوجد بعد الفقر.
الأعراف 7:20
ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: 19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن المحنة.
{ فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.
وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وأنت مني قلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس
فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب.
{ وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } [الأعراف: 21]، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، { فدلاهما بغرور } [الاعراف: 22]؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلما استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، { فلما ذاقا الشجرة } [الأعراف: 22] فلما ذاقا المحبة وجد ذوقها، { بدت لهما سوءاتهما } [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة والفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القربة والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121].
{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } [الأعراف: 22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال:
فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفا بطلعته
مضى وأقعر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحل والوجد متصل
والدمع منهمل والقلب مشتغل
{ وناداهما ربهمآ } [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الأعراف: 22]، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب { وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين، فلما ناداهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل:
واخجلتي من وقوفي وسط داركم
وقول واشيكم من أنت يا رجل
وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كانا عليه، وطمعا فيما لديه عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] إلى
تخرجون
[الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لما استغرق في لجة بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا حواء رجعا إليه.
{ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] بأنا تناولنا من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال، { وإن لم تغفر لنا } [الأعراف: 23] بنوال الوصال، { وترحمنا } بتجلي الجمال، { لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمرا بالصبر على الهجر ووحدا بالوجد بعد الفقر.
الأعراف 7:21
ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: 19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن المحنة.
{ فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.
وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وأنت مني قلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس
فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب.
{ وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } [الأعراف: 21]، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، { فدلاهما بغرور } [الاعراف: 22]؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلما استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، { فلما ذاقا الشجرة } [الأعراف: 22] فلما ذاقا المحبة وجد ذوقها، { بدت لهما سوءاتهما } [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة والفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القربة والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121].
{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } [الأعراف: 22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال:
فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفا بطلعته
مضى وأقعر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحل والوجد متصل
والدمع منهمل والقلب مشتغل
{ وناداهما ربهمآ } [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الأعراف: 22]، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب { وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين، فلما ناداهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل:
واخجلتي من وقوفي وسط داركم
وقول واشيكم من أنت يا رجل
وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كانا عليه، وطمعا فيما لديه عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] إلى
تخرجون
[الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لما استغرق في لجة بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا حواء رجعا إليه.
{ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] بأنا تناولنا من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال، { وإن لم تغفر لنا } [الأعراف: 23] بنوال الوصال، { وترحمنا } بتجلي الجمال، { لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمرا بالصبر على الهجر ووحدا بالوجد بعد الفقر.
الأعراف 7:22
ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: 19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن المحنة.
{ فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.
وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وأنت مني قلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس
فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب.
{ وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } [الأعراف: 21]، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، { فدلاهما بغرور } [الاعراف: 22]؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلما استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، { فلما ذاقا الشجرة } [الأعراف: 22] فلما ذاقا المحبة وجد ذوقها، { بدت لهما سوءاتهما } [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة والفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القربة والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121].
{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } [الأعراف: 22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال:
فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفا بطلعته
مضى وأقعر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحل والوجد متصل
والدمع منهمل والقلب مشتغل
{ وناداهما ربهمآ } [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الأعراف: 22]، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب { وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين، فلما ناداهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل:
واخجلتي من وقوفي وسط داركم
وقول واشيكم من أنت يا رجل
وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كانا عليه، وطمعا فيما لديه عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] إلى
تخرجون
[الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لما استغرق في لجة بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا حواء رجعا إليه.
{ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] بأنا تناولنا من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال، { وإن لم تغفر لنا } [الأعراف: 23] بنوال الوصال، { وترحمنا } بتجلي الجمال، { لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمرا بالصبر على الهجر ووحدا بالوجد بعد الفقر.
الأعراف 7:23
ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: 19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن المحنة.
{ فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى:
يحبهم ويحبونه
[المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي.
وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وأنت مني قلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس
فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب.
{ وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } [الأعراف: 21]، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، { فدلاهما بغرور } [الاعراف: 22]؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلما استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، { فلما ذاقا الشجرة } [الأعراف: 22] فلما ذاقا المحبة وجد ذوقها، { بدت لهما سوءاتهما } [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة والفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القربة والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121].
{ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } [الأعراف: 22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال:
فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفا بطلعته
مضى وأقعر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحل والوجد متصل
والدمع منهمل والقلب مشتغل
{ وناداهما ربهمآ } [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الأعراف: 22]، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب { وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين، فلما ناداهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل:
واخجلتي من وقوفي وسط داركم
وقول واشيكم من أنت يا رجل
وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كانا عليه، وطمعا فيما لديه عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] إلى
تخرجون
[الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لما استغرق في لجة بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا حواء رجعا إليه.
{ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] بأنا تناولنا من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال، { وإن لم تغفر لنا } [الأعراف: 23] بنوال الوصال، { وترحمنا } بتجلي الجمال، { لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمرا بالصبر على الهجر ووحدا بالوجد بعد الفقر.
الأعراف 7:24
{ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع } [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، { إلى حين } [الأعراف: 24]، تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، من الهبوط وتدفع بعد السقوط كما قيل:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
{ قال فيها تحيون } [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، { وفيها تموتون } [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، { ومنها تخرجون } [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ".
ثم أخبر عن منه على الناس باللباس بقوله تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا } [الأعراف: 26] إلى قوله: { ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباسا يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن.
{ وريشا } [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالا لكم في الظاهر والباطن، { ولباس التقوى } [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة.
{ ذلك من آيات الله } [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، { لعلهم يذكرون } [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى،
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، { كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة { ليريهما سوءاتهمآ } [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني.
{ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، { وإذا فعلوا فاحشة } [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجها والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داع إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها.
{ قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، { أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.
الأعراف 7:25
{ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع } [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، { إلى حين } [الأعراف: 24]، تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، من الهبوط وتدفع بعد السقوط كما قيل:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
{ قال فيها تحيون } [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، { وفيها تموتون } [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، { ومنها تخرجون } [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ".
ثم أخبر عن منه على الناس باللباس بقوله تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا } [الأعراف: 26] إلى قوله: { ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباسا يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن.
{ وريشا } [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالا لكم في الظاهر والباطن، { ولباس التقوى } [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة.
{ ذلك من آيات الله } [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، { لعلهم يذكرون } [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى،
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، { كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة { ليريهما سوءاتهمآ } [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني.
{ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، { وإذا فعلوا فاحشة } [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجها والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داع إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها.
{ قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، { أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.
الأعراف 7:26
{ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع } [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، { إلى حين } [الأعراف: 24]، تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، من الهبوط وتدفع بعد السقوط كما قيل:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
{ قال فيها تحيون } [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، { وفيها تموتون } [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، { ومنها تخرجون } [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ".
ثم أخبر عن منه على الناس باللباس بقوله تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا } [الأعراف: 26] إلى قوله: { ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباسا يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن.
{ وريشا } [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالا لكم في الظاهر والباطن، { ولباس التقوى } [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة.
{ ذلك من آيات الله } [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، { لعلهم يذكرون } [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى،
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، { كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة { ليريهما سوءاتهمآ } [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني.
{ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، { وإذا فعلوا فاحشة } [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجها والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داع إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها.
{ قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، { أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.
الأعراف 7:27
{ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع } [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، { إلى حين } [الأعراف: 24]، تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، من الهبوط وتدفع بعد السقوط كما قيل:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
{ قال فيها تحيون } [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، { وفيها تموتون } [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، { ومنها تخرجون } [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ".
ثم أخبر عن منه على الناس باللباس بقوله تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا } [الأعراف: 26] إلى قوله: { ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباسا يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن.
{ وريشا } [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالا لكم في الظاهر والباطن، { ولباس التقوى } [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة.
{ ذلك من آيات الله } [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، { لعلهم يذكرون } [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى،
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، { كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة { ليريهما سوءاتهمآ } [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني.
{ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، { وإذا فعلوا فاحشة } [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجها والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داع إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها.
{ قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، { أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.
الأعراف 7:28
{ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع } [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، { إلى حين } [الأعراف: 24]، تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، من الهبوط وتدفع بعد السقوط كما قيل:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
{ قال فيها تحيون } [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، { وفيها تموتون } [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، { ومنها تخرجون } [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
" كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ".
ثم أخبر عن منه على الناس باللباس بقوله تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا } [الأعراف: 26] إلى قوله: { ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباسا يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن.
{ وريشا } [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالا لكم في الظاهر والباطن، { ولباس التقوى } [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة.
{ ذلك من آيات الله } [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، { لعلهم يذكرون } [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى،
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
[آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، { كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة { ليريهما سوءاتهمآ } [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء
[البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني.
{ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، { وإذا فعلوا فاحشة } [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجها والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داع إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها.
{ قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، { أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.
الأعراف 7:29
ثم أخبر عن أمر الحق أنه بالحق بقوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط } [الأعراف: 29] إلى { مهتدون } [الأعراف: 30].
والإشارة فيها: أن القسط في قوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط }؛ هو القسط إلى الله تعالى بجميع أسبابه النازلة من الله عز وجل { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } [الأعراف: 29]؛ يعني: استقيموا في التوجه إلى الله عند كل صلاة وطاعة { وادعوه مخلصين له الدين } [الأعراف: 29]؛ أي: اطلبوا منه ولا تطلبوا من غيره شيئا، فإن المخلص من يكون مقصده ومطلوبه ومحبوبه في كل حال من الأحوال قبل القيام بالطاعة وعند القيام بها وبعد الفراغ منها.
فإنكم { كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29]؛ يعني: كما بدأكم منه تعودون إليه إما باللطف، وإما بالقهر، فأما أهل الصدق فيعودون إليه على قدم الإخلاص، وصدق التوجه إلى الله تعالى وعدم الالتفات إلى ما سواه وهو قوله تعالى: { فريقا هدى } [الأعراف: 30]، وأهل النار يسبحون في النار على وجههم، فإنهم توجهوا إلى الدنيا وزخارفها على قدم الشرك فضلوا عن سبيل الله وكانوا { وفريقا حق عليهم الضلالة } [الأعراف: 30]؛ وذلك لأن من سيرتهم { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله } [الأعراف: 30]، فإن الشياطين يتولون أمورهم على وفق طبعهم فيخرجونهم من نور الطاعة والعبودية إلى ظلمات الشرك والطبيعة فيغيرون بذلك، { ويحسبون أنهم مهتدون } [الأعراف: 30] فيؤديهم الحسبان دركات النيران.
ثم أخبر عن سبيل الرشاد للعباد بقوله تعالى: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } [الأعراف: 31]؛ أي: عند كل طاعة ظاهرة وباطنه، قرينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وقد يقال: زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود، فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية فشتان بين عبد وعبد، { وكلوا واشربوا } [الأعراف: 31]؛ أي: وكلوا مما يأكلون أهل البيان في مقام العندية، واشربوا مما يشربون، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
{ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: 31]، والإسراف نوعان: إفراط، وتفريط، فالإفراط: ما يكون فوق الحاجة الضرورية، أو على وفق الطبع والشهوة، أو على الغفلة، أو على ترك الأدب بالشره، أو على غير الذكر، والتفريط: أن ينقص من قدر الحاجة الضرورية ويقصر في حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية، أو يبالغ في أداء حق الربوبية بإهلاك نفسه فيضيع حقها، أو فيضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه، أو يطبع حقوق القلب والروح والسر الذي هو مستعد لحصولها بحظوظ النفس؛ فالمعنى: لا تسرفوا لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم بحظوظكم.
الأعراف 7:30
ثم أخبر عن أمر الحق أنه بالحق بقوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط } [الأعراف: 29] إلى { مهتدون } [الأعراف: 30].
والإشارة فيها: أن القسط في قوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط }؛ هو القسط إلى الله تعالى بجميع أسبابه النازلة من الله عز وجل { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } [الأعراف: 29]؛ يعني: استقيموا في التوجه إلى الله عند كل صلاة وطاعة { وادعوه مخلصين له الدين } [الأعراف: 29]؛ أي: اطلبوا منه ولا تطلبوا من غيره شيئا، فإن المخلص من يكون مقصده ومطلوبه ومحبوبه في كل حال من الأحوال قبل القيام بالطاعة وعند القيام بها وبعد الفراغ منها.
فإنكم { كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29]؛ يعني: كما بدأكم منه تعودون إليه إما باللطف، وإما بالقهر، فأما أهل الصدق فيعودون إليه على قدم الإخلاص، وصدق التوجه إلى الله تعالى وعدم الالتفات إلى ما سواه وهو قوله تعالى: { فريقا هدى } [الأعراف: 30]، وأهل النار يسبحون في النار على وجههم، فإنهم توجهوا إلى الدنيا وزخارفها على قدم الشرك فضلوا عن سبيل الله وكانوا { وفريقا حق عليهم الضلالة } [الأعراف: 30]؛ وذلك لأن من سيرتهم { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله } [الأعراف: 30]، فإن الشياطين يتولون أمورهم على وفق طبعهم فيخرجونهم من نور الطاعة والعبودية إلى ظلمات الشرك والطبيعة فيغيرون بذلك، { ويحسبون أنهم مهتدون } [الأعراف: 30] فيؤديهم الحسبان دركات النيران.
ثم أخبر عن سبيل الرشاد للعباد بقوله تعالى: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } [الأعراف: 31]؛ أي: عند كل طاعة ظاهرة وباطنه، قرينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وقد يقال: زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود، فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية فشتان بين عبد وعبد، { وكلوا واشربوا } [الأعراف: 31]؛ أي: وكلوا مما يأكلون أهل البيان في مقام العندية، واشربوا مما يشربون، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
{ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: 31]، والإسراف نوعان: إفراط، وتفريط، فالإفراط: ما يكون فوق الحاجة الضرورية، أو على وفق الطبع والشهوة، أو على الغفلة، أو على ترك الأدب بالشره، أو على غير الذكر، والتفريط: أن ينقص من قدر الحاجة الضرورية ويقصر في حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية، أو يبالغ في أداء حق الربوبية بإهلاك نفسه فيضيع حقها، أو فيضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه، أو يطبع حقوق القلب والروح والسر الذي هو مستعد لحصولها بحظوظ النفس؛ فالمعنى: لا تسرفوا لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم بحظوظكم.
الأعراف 7:31
ثم أخبر عن أمر الحق أنه بالحق بقوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط } [الأعراف: 29] إلى { مهتدون } [الأعراف: 30].
والإشارة فيها: أن القسط في قوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط }؛ هو القسط إلى الله تعالى بجميع أسبابه النازلة من الله عز وجل { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } [الأعراف: 29]؛ يعني: استقيموا في التوجه إلى الله عند كل صلاة وطاعة { وادعوه مخلصين له الدين } [الأعراف: 29]؛ أي: اطلبوا منه ولا تطلبوا من غيره شيئا، فإن المخلص من يكون مقصده ومطلوبه ومحبوبه في كل حال من الأحوال قبل القيام بالطاعة وعند القيام بها وبعد الفراغ منها.
فإنكم { كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29]؛ يعني: كما بدأكم منه تعودون إليه إما باللطف، وإما بالقهر، فأما أهل الصدق فيعودون إليه على قدم الإخلاص، وصدق التوجه إلى الله تعالى وعدم الالتفات إلى ما سواه وهو قوله تعالى: { فريقا هدى } [الأعراف: 30]، وأهل النار يسبحون في النار على وجههم، فإنهم توجهوا إلى الدنيا وزخارفها على قدم الشرك فضلوا عن سبيل الله وكانوا { وفريقا حق عليهم الضلالة } [الأعراف: 30]؛ وذلك لأن من سيرتهم { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله } [الأعراف: 30]، فإن الشياطين يتولون أمورهم على وفق طبعهم فيخرجونهم من نور الطاعة والعبودية إلى ظلمات الشرك والطبيعة فيغيرون بذلك، { ويحسبون أنهم مهتدون } [الأعراف: 30] فيؤديهم الحسبان دركات النيران.
ثم أخبر عن سبيل الرشاد للعباد بقوله تعالى: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } [الأعراف: 31]؛ أي: عند كل طاعة ظاهرة وباطنه، قرينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وقد يقال: زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود، فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية فشتان بين عبد وعبد، { وكلوا واشربوا } [الأعراف: 31]؛ أي: وكلوا مما يأكلون أهل البيان في مقام العندية، واشربوا مما يشربون، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
{ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: 31]، والإسراف نوعان: إفراط، وتفريط، فالإفراط: ما يكون فوق الحاجة الضرورية، أو على وفق الطبع والشهوة، أو على الغفلة، أو على ترك الأدب بالشره، أو على غير الذكر، والتفريط: أن ينقص من قدر الحاجة الضرورية ويقصر في حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية، أو يبالغ في أداء حق الربوبية بإهلاك نفسه فيضيع حقها، أو فيضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه، أو يطبع حقوق القلب والروح والسر الذي هو مستعد لحصولها بحظوظ النفس؛ فالمعنى: لا تسرفوا لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم بحظوظكم.
الأعراف 7:32
قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]، يشير إلى أن من يمنعكم من كمالات أخرجها الله من غيب الغيب لخواص عباده من الأنبياء والأولياء، ومن حرم عليكم نيل هذه الكرامات والمقامات، فمن تصدى لطلبها وسعي لها سعيها في مباحة له من غير تأخير ولا قصور، وإضافة الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه أخرجها من خزائن ألطافه وحقائق أعطافه، فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها وبالطوالع وأثمارها، وزين الظواهر بآثار التوفيق، وزين البواطن بأنوار التحقيق، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين الباطن بأنوار الشهود، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين البواطن بأنوار الوجود والطيبات من الرزق، إن أرزاق النفوس بحكم أفضاله، وأرزاق القلوب بموجب إقباله، والطيبات من الرزق على الحقيقة ما لم يكن مشوبا بحقوق النفس وحظوظها، ويكون خالصا من مواهب الحق وحقوقه.
{ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } [الأعراف: 32]؛ أي: هذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشوائب الآفات النفسانية، وكدورات الصفات الحيوانية، { خالصة يوم القيامة } [الأعراف: 32] من هذه الآفات والكدور كما قال تعالى:
ونزعنا ما في صدورهم من غل
[الأعراف: 43]، { كذلك نفصل الآيات } [الأعراف: 32] أي: نبين الباطل ونظهر بشواهد الحق، { لقوم يعلمون } [الأعراف: 32] الحق والباطل ونبين لهم الحق.
ثم أخبر عن ما حرم بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش } [الأعراف: 33]، الإشارة فيها: أن أعمال الظواهر وأعمال البواطن معتبرة في طلب الحق تعالى والسلوك إليه بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، والفواحش: ما يقطع العبد عن طريق الرب ويمنعه عن السلوك إليه فيه، ففاحشة العوام: ما ظهر منها ارتكاب المناهي وما بطن خطورها بالبال، وفاحشة الخواص: ما ظهر منها لأمة كل زمان مستحقة لدخول النار.
ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار
[الأعراف: 38]، وإنما قدم الجن على الإنس؛ لتقدمهم عليهم في الخلقة، وذلك أن الله تعالى لما خلق الجن جعل منه حكمة؛ فمنهم: مؤمن، ومنهم: كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم على أهل الإيمان وغلبوهم بالحرب والقتال حتى استأصلوهم بعث الله إليهم جندا من الملائكة، قيل: كان رئيسهم إبليس، فسلطهم الله عليهم حتى أهلكوا جميعهم، ثم خلق الله تعالى آدم عليه السلام بعدهم فخلق منه ذريته فكان منهم كافر: كقابيل، ومنهم مؤمن: كهابيل إلى أن كان في كل زمان منهم أمة كافرة مستحقة لدخول النار، وأمة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن وإلى انقراض العالم؛ لقوله تعالى:
هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن
[التغابن: 2].
وقال تعالى:
كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة
[الأعراف: 29-30]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله ".
الأعراف 7:33
قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]، يشير إلى أن من يمنعكم من كمالات أخرجها الله من غيب الغيب لخواص عباده من الأنبياء والأولياء، ومن حرم عليكم نيل هذه الكرامات والمقامات، فمن تصدى لطلبها وسعي لها سعيها في مباحة له من غير تأخير ولا قصور، وإضافة الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه أخرجها من خزائن ألطافه وحقائق أعطافه، فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها وبالطوالع وأثمارها، وزين الظواهر بآثار التوفيق، وزين البواطن بأنوار التحقيق، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين الباطن بأنوار الشهود، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين البواطن بأنوار الوجود والطيبات من الرزق، إن أرزاق النفوس بحكم أفضاله، وأرزاق القلوب بموجب إقباله، والطيبات من الرزق على الحقيقة ما لم يكن مشوبا بحقوق النفس وحظوظها، ويكون خالصا من مواهب الحق وحقوقه.
{ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } [الأعراف: 32]؛ أي: هذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشوائب الآفات النفسانية، وكدورات الصفات الحيوانية، { خالصة يوم القيامة } [الأعراف: 32] من هذه الآفات والكدور كما قال تعالى:
ونزعنا ما في صدورهم من غل
[الأعراف: 43]، { كذلك نفصل الآيات } [الأعراف: 32] أي: نبين الباطل ونظهر بشواهد الحق، { لقوم يعلمون } [الأعراف: 32] الحق والباطل ونبين لهم الحق.
ثم أخبر عن ما حرم بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش } [الأعراف: 33]، الإشارة فيها: أن أعمال الظواهر وأعمال البواطن معتبرة في طلب الحق تعالى والسلوك إليه بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، والفواحش: ما يقطع العبد عن طريق الرب ويمنعه عن السلوك إليه فيه، ففاحشة العوام: ما ظهر منها ارتكاب المناهي وما بطن خطورها بالبال، وفاحشة الخواص: ما ظهر منها لأمة كل زمان مستحقة لدخول النار.
ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار
[الأعراف: 38]، وإنما قدم الجن على الإنس؛ لتقدمهم عليهم في الخلقة، وذلك أن الله تعالى لما خلق الجن جعل منه حكمة؛ فمنهم: مؤمن، ومنهم: كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم على أهل الإيمان وغلبوهم بالحرب والقتال حتى استأصلوهم بعث الله إليهم جندا من الملائكة، قيل: كان رئيسهم إبليس، فسلطهم الله عليهم حتى أهلكوا جميعهم، ثم خلق الله تعالى آدم عليه السلام بعدهم فخلق منه ذريته فكان منهم كافر: كقابيل، ومنهم مؤمن: كهابيل إلى أن كان في كل زمان منهم أمة كافرة مستحقة لدخول النار، وأمة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن وإلى انقراض العالم؛ لقوله تعالى:
هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن
[التغابن: 2].
وقال تعالى:
كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة
[الأعراف: 29-30]، وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله ".
الأعراف 7:38
فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: { ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم } [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ولا يتجاوزون عما أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، { كلما دخلت أمة } [الأعراف: 38] في أعمال أهل النار { لعنت أختها } [الأعراف: 38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، { قالت أخراهم لأولاهم } [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، { ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها.
{ فآتهم عذابا ضعفا من النار } [الأعراف: 38]؛ يعني: مضاعفا مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى الله عليه وسلم:
" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ قال لكل ضعف } [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به فيسنون بسنته، { ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38] أيها المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } [الأعراف: 39] من السنة السيئة ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - { إن الذين كذبوا بآيتنا } [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات والعلوم اللدنية فأنكروها.
{ واستكبروا عنها } [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها والإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السمآء } [الأعراف: 40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، { ولا يدخلون الجنة } [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، { حتى يلج الجمل } [الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، { في سم الخياط } [الأعراف: 40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة فتستحق بها خطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لما صارت كالجمل؛ لتكبرها لا تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ حتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، فافهم جدا.
{ وكذلك نجزي المجرمين } [الأعراف: 40] الذين أجرموا على أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراشا وهو قوله تعالى: { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } [الأعراف: 41]؛ يعني: من مخالفات النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، { وكذلك نجزي الظالمين } [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم وترد مظالمهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21].
الأعراف 7:39
فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: { ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم } [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ولا يتجاوزون عما أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، { كلما دخلت أمة } [الأعراف: 38] في أعمال أهل النار { لعنت أختها } [الأعراف: 38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، { قالت أخراهم لأولاهم } [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، { ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها.
{ فآتهم عذابا ضعفا من النار } [الأعراف: 38]؛ يعني: مضاعفا مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى الله عليه وسلم:
" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ قال لكل ضعف } [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به فيسنون بسنته، { ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38] أيها المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } [الأعراف: 39] من السنة السيئة ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - { إن الذين كذبوا بآيتنا } [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات والعلوم اللدنية فأنكروها.
{ واستكبروا عنها } [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها والإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السمآء } [الأعراف: 40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، { ولا يدخلون الجنة } [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، { حتى يلج الجمل } [الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، { في سم الخياط } [الأعراف: 40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة فتستحق بها خطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لما صارت كالجمل؛ لتكبرها لا تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ حتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، فافهم جدا.
{ وكذلك نجزي المجرمين } [الأعراف: 40] الذين أجرموا على أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراشا وهو قوله تعالى: { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } [الأعراف: 41]؛ يعني: من مخالفات النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، { وكذلك نجزي الظالمين } [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم وترد مظالمهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21].
الأعراف 7:40
فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: { ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم } [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ولا يتجاوزون عما أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، { كلما دخلت أمة } [الأعراف: 38] في أعمال أهل النار { لعنت أختها } [الأعراف: 38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، { قالت أخراهم لأولاهم } [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، { ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها.
{ فآتهم عذابا ضعفا من النار } [الأعراف: 38]؛ يعني: مضاعفا مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى الله عليه وسلم:
" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ قال لكل ضعف } [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به فيسنون بسنته، { ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38] أيها المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } [الأعراف: 39] من السنة السيئة ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - { إن الذين كذبوا بآيتنا } [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات والعلوم اللدنية فأنكروها.
{ واستكبروا عنها } [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها والإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السمآء } [الأعراف: 40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، { ولا يدخلون الجنة } [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، { حتى يلج الجمل } [الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، { في سم الخياط } [الأعراف: 40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة فتستحق بها خطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لما صارت كالجمل؛ لتكبرها لا تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ حتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، فافهم جدا.
{ وكذلك نجزي المجرمين } [الأعراف: 40] الذين أجرموا على أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراشا وهو قوله تعالى: { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } [الأعراف: 41]؛ يعني: من مخالفات النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، { وكذلك نجزي الظالمين } [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم وترد مظالمهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21].
الأعراف 7:41
فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: { ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم } [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ولا يتجاوزون عما أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، { كلما دخلت أمة } [الأعراف: 38] في أعمال أهل النار { لعنت أختها } [الأعراف: 38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، { قالت أخراهم لأولاهم } [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، { ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها.
{ فآتهم عذابا ضعفا من النار } [الأعراف: 38]؛ يعني: مضاعفا مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى الله عليه وسلم:
" من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ قال لكل ضعف } [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به فيسنون بسنته، { ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38] أيها المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } [الأعراف: 39] من السنة السيئة ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - { إن الذين كذبوا بآيتنا } [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات والعلوم اللدنية فأنكروها.
{ واستكبروا عنها } [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها والإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السمآء } [الأعراف: 40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، { ولا يدخلون الجنة } [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، { حتى يلج الجمل } [الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، { في سم الخياط } [الأعراف: 40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة فتستحق بها خطاب:
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لما صارت كالجمل؛ لتكبرها لا تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ حتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، فافهم جدا.
{ وكذلك نجزي المجرمين } [الأعراف: 40] الذين أجرموا على أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراشا وهو قوله تعالى: { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } [الأعراف: 41]؛ يعني: من مخالفات النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، { وكذلك نجزي الظالمين } [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم وترد مظالمهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى:
ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون
[السجدة: 21].
الأعراف 7:42
ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الأعراف: 42] إلى قوله: { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسن التوفيق.
{ أولئك أصحاب الجنة } [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، { هم فيها خالدون } [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، { ونزعنا ما في صدورهم } من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فأخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47]؛ أي: إخوانا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى.
{ تجري من تحتهم الأنهر } [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } [الأعراف: 43] اعترافا منهم وإقرارا على أنفسهم بأنهم ينالوا ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا } [الأعراف: 43] في أسرارهم: { أن تلكم الجنة أورثتموها } [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة، { بما كنتم تعملون } [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد.
{ ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، { أصحاب النار } [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، { قالوا نعم } [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقا، { فأذن مؤذن } [الأعراف: 44] العزة والعظمة، { بينهم أن لعنة الله على الظالمين } [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في غير مصرفه، { الذين يصدون } [الأعراف: 45]؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، { عن سبيل الله } [الأعراف: 45] وطلبه، { ويبغونها عوجا } [الأعراف: 45]؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة.
ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: { وبينهما حجاب } [الأعراف: 46] إلى قوله:
ولا أنتم تحزنون
[الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجابا وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: { وبينهما حجاب } ، { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافا؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالا؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى:
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37].
وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى:
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
[الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى:
رجال يحبون أن يتطهروا
[التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلما رأوا أهل الجنة وهم
في شغل فاكهون
[يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئا لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.
ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله:
وادخلي جنتي
[الفجر: 30].
الأعراف 7:43
ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الأعراف: 42] إلى قوله: { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسن التوفيق.
{ أولئك أصحاب الجنة } [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، { هم فيها خالدون } [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، { ونزعنا ما في صدورهم } من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فأخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47]؛ أي: إخوانا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى.
{ تجري من تحتهم الأنهر } [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } [الأعراف: 43] اعترافا منهم وإقرارا على أنفسهم بأنهم ينالوا ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا } [الأعراف: 43] في أسرارهم: { أن تلكم الجنة أورثتموها } [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة، { بما كنتم تعملون } [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد.
{ ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، { أصحاب النار } [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، { قالوا نعم } [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقا، { فأذن مؤذن } [الأعراف: 44] العزة والعظمة، { بينهم أن لعنة الله على الظالمين } [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في غير مصرفه، { الذين يصدون } [الأعراف: 45]؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، { عن سبيل الله } [الأعراف: 45] وطلبه، { ويبغونها عوجا } [الأعراف: 45]؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة.
ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: { وبينهما حجاب } [الأعراف: 46] إلى قوله:
ولا أنتم تحزنون
[الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجابا وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: { وبينهما حجاب } ، { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافا؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالا؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى:
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37].
وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى:
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
[الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى:
رجال يحبون أن يتطهروا
[التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلما رأوا أهل الجنة وهم
في شغل فاكهون
[يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئا لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.
ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله:
وادخلي جنتي
[الفجر: 30].
الأعراف 7:44
ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الأعراف: 42] إلى قوله: { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسن التوفيق.
{ أولئك أصحاب الجنة } [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، { هم فيها خالدون } [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، { ونزعنا ما في صدورهم } من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فأخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47]؛ أي: إخوانا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى.
{ تجري من تحتهم الأنهر } [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } [الأعراف: 43] اعترافا منهم وإقرارا على أنفسهم بأنهم ينالوا ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا } [الأعراف: 43] في أسرارهم: { أن تلكم الجنة أورثتموها } [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة، { بما كنتم تعملون } [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد.
{ ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، { أصحاب النار } [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، { قالوا نعم } [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقا، { فأذن مؤذن } [الأعراف: 44] العزة والعظمة، { بينهم أن لعنة الله على الظالمين } [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في غير مصرفه، { الذين يصدون } [الأعراف: 45]؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، { عن سبيل الله } [الأعراف: 45] وطلبه، { ويبغونها عوجا } [الأعراف: 45]؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة.
ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: { وبينهما حجاب } [الأعراف: 46] إلى قوله:
ولا أنتم تحزنون
[الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجابا وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: { وبينهما حجاب } ، { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافا؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالا؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى:
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37].
وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى:
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
[الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى:
رجال يحبون أن يتطهروا
[التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلما رأوا أهل الجنة وهم
في شغل فاكهون
[يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئا لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.
ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله:
وادخلي جنتي
[الفجر: 30].
الأعراف 7:45
ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الأعراف: 42] إلى قوله: { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسن التوفيق.
{ أولئك أصحاب الجنة } [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، { هم فيها خالدون } [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، { ونزعنا ما في صدورهم } من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فأخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47]؛ أي: إخوانا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى.
{ تجري من تحتهم الأنهر } [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } [الأعراف: 43] اعترافا منهم وإقرارا على أنفسهم بأنهم ينالوا ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا } [الأعراف: 43] في أسرارهم: { أن تلكم الجنة أورثتموها } [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة، { بما كنتم تعملون } [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد.
{ ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، { أصحاب النار } [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، { قالوا نعم } [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقا، { فأذن مؤذن } [الأعراف: 44] العزة والعظمة، { بينهم أن لعنة الله على الظالمين } [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في غير مصرفه، { الذين يصدون } [الأعراف: 45]؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، { عن سبيل الله } [الأعراف: 45] وطلبه، { ويبغونها عوجا } [الأعراف: 45]؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة.
ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: { وبينهما حجاب } [الأعراف: 46] إلى قوله:
ولا أنتم تحزنون
[الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجابا وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: { وبينهما حجاب } ، { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافا؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالا؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى:
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37].
وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى:
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
[الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى:
رجال يحبون أن يتطهروا
[التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلما رأوا أهل الجنة وهم
في شغل فاكهون
[يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئا لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.
ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله:
وادخلي جنتي
[الفجر: 30].
الأعراف 7:46
ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الأعراف: 42] إلى قوله: { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل فسيرنا عليهم العبودية بحسن التوفيق.
{ أولئك أصحاب الجنة } [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، { هم فيها خالدون } [الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، { ونزعنا ما في صدورهم } من ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فأخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدلنا أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور تجلي صفات الجمال وجعلناهم
إخونا على سرر متقبلين
[الحجر: 47]؛ أي: إخوانا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى.
{ تجري من تحتهم الأنهر } [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } [الأعراف: 43] اعترافا منهم وإقرارا على أنفسهم بأنهم ينالوا ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء فضل منه ورحمة، { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا } [الأعراف: 43] في أسرارهم: { أن تلكم الجنة أورثتموها } [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة، { بما كنتم تعملون } [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد.
{ ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، { أصحاب النار } [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ألا من طلبني وجدني، { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، { قالوا نعم } [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقا، { فأذن مؤذن } [الأعراف: 44] العزة والعظمة، { بينهم أن لعنة الله على الظالمين } [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، وصرفوه في غير مصرفه، { الذين يصدون } [الأعراف: 45]؛ أي: هم الذين يصدون القلب والروح، { عن سبيل الله } [الأعراف: 45] وطلبه، { ويبغونها عوجا } [الأعراف: 45]؛ أي: يصرفون وجوههم إلى الدنيا وما فيها، { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]؛ أي: وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة.
ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: { وبينهما حجاب } [الأعراف: 46] إلى قوله:
ولا أنتم تحزنون
[الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف حجابا وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: { وبينهما حجاب } ، { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت الأعراف أعرافا؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل المعرفة رجالا؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى:
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
[النور: 37].
وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى:
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
[الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى:
رجال يحبون أن يتطهروا
[التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلما رأوا أهل الجنة وهم
في شغل فاكهون
[يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئا لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.
ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله:
وادخلي جنتي
[الفجر: 30].
الأعراف 7:47
{ وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } [الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله تعالى في الخلوات.
ففي أداء الشكر ورؤية النعمة { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } [الأعراف: 47] بعد أن خلصتنا من أوصافهم وأخلاقهم ودركاتهم ومما هم فيه لا تجعلنا مرة أخرى من جملتهم ولا تدخلنا في زمرتهم، { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا } [الأعراف: 48]؛ يعني: الفريقين، { مآ أغنى عنكم جمعكم } [الأعراف: 48] يا أهل النار من الدنيا وزخارفها للخلاص من النار، { وما كنتم تستكبرون } [الأعراف: 48] عن قول: لا إله إلا الله، ويا أهل الجنة من الطاعات ورؤيتها من الخلاص من الجنة، { وما كنتم تستكبرون } عن السر في حقيقة لا إله إلا الله.
ثم يقول الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله } [الأعراف: 49] يا أهل الجنة، { برحمة } [الأعراف: 49] من الوصول والوصال، وذلك أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات يقولون لأهل المحبة والمعرفة وأرباب الطلب من دناءة هممهم: إن أحدا منكم لا ينال درجة الوصول ومرتبة الوصال ويقسمون على ذلك، ويا أهل النار برحمة من دخول الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } [الأعراف: 49]؛ أي: الجنة المضافة إلي في حظائر القدس وعالم الجبروت، { لا خوف عليكم } [الأعراف: 49] من الخروج منها، { ولا أنتم تحزنون } [الأعراف: 49] على ما فاتكم من نعيم الجنة؛ إذ فزتم بشهود جمالنا ووجود وصالنا.
فاعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم: أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا جنة الحقيقة المضافة إلى الله تعالى في سرادقات العزة وعالم الجبروت انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقربين، فافهم جيدا.
وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص، وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني!
ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [الأعراف: 50] إلى قوله تعالى:
وضل عنهم ما كانوا يفترون
[الأعراف: 53]، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالمهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون على ما يتفاضلون.
فقال تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [الأعراف: 50]؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب؛ حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ومضايقهم بها، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } [الأعراف: 50]، وفي الحقيقة: إن الله حرمهما عليهم حين حرم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [الأعراف: 51]، عند عدم التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنيا، يعبدون الدنيا ويلعبون فيها، وباللهو يشتغلون، { وغرتهم الحيوة الدنيا } [الأعراف: 51] وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: { فاليوم ننسهم } [الأعراف: 51]، واليوم هو يوم اللقاء.
{ كما نسوا لقآء يومهم هذا } [الأعراف: 51]؛ أي: نسوا طلبنا وطلب ما عندنا لما كان عندهم من الدنيا، { وما كانوا بآيتنا يجحدون } [الأعراف: 51]؛ يعني: بما كانوا ينكرون على أهل كمالات الدين، ويجحدون بما أعطيناهم من الكرامات والمقامات.
الأعراف 7:48
{ وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } [الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله تعالى في الخلوات.
ففي أداء الشكر ورؤية النعمة { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } [الأعراف: 47] بعد أن خلصتنا من أوصافهم وأخلاقهم ودركاتهم ومما هم فيه لا تجعلنا مرة أخرى من جملتهم ولا تدخلنا في زمرتهم، { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا } [الأعراف: 48]؛ يعني: الفريقين، { مآ أغنى عنكم جمعكم } [الأعراف: 48] يا أهل النار من الدنيا وزخارفها للخلاص من النار، { وما كنتم تستكبرون } [الأعراف: 48] عن قول: لا إله إلا الله، ويا أهل الجنة من الطاعات ورؤيتها من الخلاص من الجنة، { وما كنتم تستكبرون } عن السر في حقيقة لا إله إلا الله.
ثم يقول الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله } [الأعراف: 49] يا أهل الجنة، { برحمة } [الأعراف: 49] من الوصول والوصال، وذلك أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات يقولون لأهل المحبة والمعرفة وأرباب الطلب من دناءة هممهم: إن أحدا منكم لا ينال درجة الوصول ومرتبة الوصال ويقسمون على ذلك، ويا أهل النار برحمة من دخول الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } [الأعراف: 49]؛ أي: الجنة المضافة إلي في حظائر القدس وعالم الجبروت، { لا خوف عليكم } [الأعراف: 49] من الخروج منها، { ولا أنتم تحزنون } [الأعراف: 49] على ما فاتكم من نعيم الجنة؛ إذ فزتم بشهود جمالنا ووجود وصالنا.
فاعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم: أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا جنة الحقيقة المضافة إلى الله تعالى في سرادقات العزة وعالم الجبروت انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقربين، فافهم جيدا.
وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص، وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني!
ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [الأعراف: 50] إلى قوله تعالى:
وضل عنهم ما كانوا يفترون
[الأعراف: 53]، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالمهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون على ما يتفاضلون.
فقال تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [الأعراف: 50]؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب؛ حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ومضايقهم بها، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } [الأعراف: 50]، وفي الحقيقة: إن الله حرمهما عليهم حين حرم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [الأعراف: 51]، عند عدم التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنيا، يعبدون الدنيا ويلعبون فيها، وباللهو يشتغلون، { وغرتهم الحيوة الدنيا } [الأعراف: 51] وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: { فاليوم ننسهم } [الأعراف: 51]، واليوم هو يوم اللقاء.
{ كما نسوا لقآء يومهم هذا } [الأعراف: 51]؛ أي: نسوا طلبنا وطلب ما عندنا لما كان عندهم من الدنيا، { وما كانوا بآيتنا يجحدون } [الأعراف: 51]؛ يعني: بما كانوا ينكرون على أهل كمالات الدين، ويجحدون بما أعطيناهم من الكرامات والمقامات.
الأعراف 7:49
{ وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } [الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله تعالى في الخلوات.
ففي أداء الشكر ورؤية النعمة { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } [الأعراف: 47] بعد أن خلصتنا من أوصافهم وأخلاقهم ودركاتهم ومما هم فيه لا تجعلنا مرة أخرى من جملتهم ولا تدخلنا في زمرتهم، { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا } [الأعراف: 48]؛ يعني: الفريقين، { مآ أغنى عنكم جمعكم } [الأعراف: 48] يا أهل النار من الدنيا وزخارفها للخلاص من النار، { وما كنتم تستكبرون } [الأعراف: 48] عن قول: لا إله إلا الله، ويا أهل الجنة من الطاعات ورؤيتها من الخلاص من الجنة، { وما كنتم تستكبرون } عن السر في حقيقة لا إله إلا الله.
ثم يقول الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله } [الأعراف: 49] يا أهل الجنة، { برحمة } [الأعراف: 49] من الوصول والوصال، وذلك أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات يقولون لأهل المحبة والمعرفة وأرباب الطلب من دناءة هممهم: إن أحدا منكم لا ينال درجة الوصول ومرتبة الوصال ويقسمون على ذلك، ويا أهل النار برحمة من دخول الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } [الأعراف: 49]؛ أي: الجنة المضافة إلي في حظائر القدس وعالم الجبروت، { لا خوف عليكم } [الأعراف: 49] من الخروج منها، { ولا أنتم تحزنون } [الأعراف: 49] على ما فاتكم من نعيم الجنة؛ إذ فزتم بشهود جمالنا ووجود وصالنا.
فاعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم: أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا جنة الحقيقة المضافة إلى الله تعالى في سرادقات العزة وعالم الجبروت انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقربين، فافهم جيدا.
وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص، وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني!
ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [الأعراف: 50] إلى قوله تعالى:
وضل عنهم ما كانوا يفترون
[الأعراف: 53]، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالمهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون على ما يتفاضلون.
فقال تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [الأعراف: 50]؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب؛ حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ومضايقهم بها، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } [الأعراف: 50]، وفي الحقيقة: إن الله حرمهما عليهم حين حرم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [الأعراف: 51]، عند عدم التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنيا، يعبدون الدنيا ويلعبون فيها، وباللهو يشتغلون، { وغرتهم الحيوة الدنيا } [الأعراف: 51] وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: { فاليوم ننسهم } [الأعراف: 51]، واليوم هو يوم اللقاء.
{ كما نسوا لقآء يومهم هذا } [الأعراف: 51]؛ أي: نسوا طلبنا وطلب ما عندنا لما كان عندهم من الدنيا، { وما كانوا بآيتنا يجحدون } [الأعراف: 51]؛ يعني: بما كانوا ينكرون على أهل كمالات الدين، ويجحدون بما أعطيناهم من الكرامات والمقامات.
الأعراف 7:50
{ وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } [الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله تعالى في الخلوات.
ففي أداء الشكر ورؤية النعمة { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } [الأعراف: 47] بعد أن خلصتنا من أوصافهم وأخلاقهم ودركاتهم ومما هم فيه لا تجعلنا مرة أخرى من جملتهم ولا تدخلنا في زمرتهم، { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا } [الأعراف: 48]؛ يعني: الفريقين، { مآ أغنى عنكم جمعكم } [الأعراف: 48] يا أهل النار من الدنيا وزخارفها للخلاص من النار، { وما كنتم تستكبرون } [الأعراف: 48] عن قول: لا إله إلا الله، ويا أهل الجنة من الطاعات ورؤيتها من الخلاص من الجنة، { وما كنتم تستكبرون } عن السر في حقيقة لا إله إلا الله.
ثم يقول الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله } [الأعراف: 49] يا أهل الجنة، { برحمة } [الأعراف: 49] من الوصول والوصال، وذلك أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات يقولون لأهل المحبة والمعرفة وأرباب الطلب من دناءة هممهم: إن أحدا منكم لا ينال درجة الوصول ومرتبة الوصال ويقسمون على ذلك، ويا أهل النار برحمة من دخول الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } [الأعراف: 49]؛ أي: الجنة المضافة إلي في حظائر القدس وعالم الجبروت، { لا خوف عليكم } [الأعراف: 49] من الخروج منها، { ولا أنتم تحزنون } [الأعراف: 49] على ما فاتكم من نعيم الجنة؛ إذ فزتم بشهود جمالنا ووجود وصالنا.
فاعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم: أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا جنة الحقيقة المضافة إلى الله تعالى في سرادقات العزة وعالم الجبروت انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقربين، فافهم جيدا.
وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص، وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني!
ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [الأعراف: 50] إلى قوله تعالى:
وضل عنهم ما كانوا يفترون
[الأعراف: 53]، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالمهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون على ما يتفاضلون.
فقال تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [الأعراف: 50]؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب؛ حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ومضايقهم بها، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } [الأعراف: 50]، وفي الحقيقة: إن الله حرمهما عليهم حين حرم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [الأعراف: 51]، عند عدم التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنيا، يعبدون الدنيا ويلعبون فيها، وباللهو يشتغلون، { وغرتهم الحيوة الدنيا } [الأعراف: 51] وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: { فاليوم ننسهم } [الأعراف: 51]، واليوم هو يوم اللقاء.
{ كما نسوا لقآء يومهم هذا } [الأعراف: 51]؛ أي: نسوا طلبنا وطلب ما عندنا لما كان عندهم من الدنيا، { وما كانوا بآيتنا يجحدون } [الأعراف: 51]؛ يعني: بما كانوا ينكرون على أهل كمالات الدين، ويجحدون بما أعطيناهم من الكرامات والمقامات.
الأعراف 7:51
{ وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } [الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله تعالى في الخلوات.
ففي أداء الشكر ورؤية النعمة { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } [الأعراف: 47] بعد أن خلصتنا من أوصافهم وأخلاقهم ودركاتهم ومما هم فيه لا تجعلنا مرة أخرى من جملتهم ولا تدخلنا في زمرتهم، { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا } [الأعراف: 48]؛ يعني: الفريقين، { مآ أغنى عنكم جمعكم } [الأعراف: 48] يا أهل النار من الدنيا وزخارفها للخلاص من النار، { وما كنتم تستكبرون } [الأعراف: 48] عن قول: لا إله إلا الله، ويا أهل الجنة من الطاعات ورؤيتها من الخلاص من الجنة، { وما كنتم تستكبرون } عن السر في حقيقة لا إله إلا الله.
ثم يقول الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله } [الأعراف: 49] يا أهل الجنة، { برحمة } [الأعراف: 49] من الوصول والوصال، وذلك أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات يقولون لأهل المحبة والمعرفة وأرباب الطلب من دناءة هممهم: إن أحدا منكم لا ينال درجة الوصول ومرتبة الوصال ويقسمون على ذلك، ويا أهل النار برحمة من دخول الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } [الأعراف: 49]؛ أي: الجنة المضافة إلي في حظائر القدس وعالم الجبروت، { لا خوف عليكم } [الأعراف: 49] من الخروج منها، { ولا أنتم تحزنون } [الأعراف: 49] على ما فاتكم من نعيم الجنة؛ إذ فزتم بشهود جمالنا ووجود وصالنا.
فاعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم: أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا جنة الحقيقة المضافة إلى الله تعالى في سرادقات العزة وعالم الجبروت انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقربين، فافهم جيدا.
وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص، وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني!
ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [الأعراف: 50] إلى قوله تعالى:
وضل عنهم ما كانوا يفترون
[الأعراف: 53]، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالمهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون على ما يتفاضلون.
فقال تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [الأعراف: 50]؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون حريصين على الطعام والشراب؛ حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ومضايقهم بها، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } [الأعراف: 50]، وفي الحقيقة: إن الله حرمهما عليهم حين حرم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [الأعراف: 51]، عند عدم التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنيا، يعبدون الدنيا ويلعبون فيها، وباللهو يشتغلون، { وغرتهم الحيوة الدنيا } [الأعراف: 51] وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: { فاليوم ننسهم } [الأعراف: 51]، واليوم هو يوم اللقاء.
{ كما نسوا لقآء يومهم هذا } [الأعراف: 51]؛ أي: نسوا طلبنا وطلب ما عندنا لما كان عندهم من الدنيا، { وما كانوا بآيتنا يجحدون } [الأعراف: 51]؛ يعني: بما كانوا ينكرون على أهل كمالات الدين، ويجحدون بما أعطيناهم من الكرامات والمقامات.
الأعراف 7:52
{ ولقد جئناهم } [الأعراف: 52]؛ يعني: لهؤلاء المنكرين كما جئنا للمؤمنين، { بكتاب فصلناه على علم } [الأعراف: 52]؛ أي: بقرائن مبينا فيه من العلوم ما يكون، { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: 52] به ويهتدون به، فاهتدى المؤمنين به إلى الله، وضل المنكرون والجاحدون به عن الله، { هل ينظرون } [الأعراف: 53]؛ أي: هل ينتظرون الفريقان { إلا تأويله } [الأعراف: 53]؛ أي: ما تؤول إليه عاقبته في شأنهم، فأما المؤمنين فيكشف عنهم الغطاء ويرش عليهم العطاء؛ ليجدوا الشفاء من محنة البعاد، وينالوا الضياء بقرب الوداد، ويصلوا في الدنيا والعقبى؛ أي: جميل المراد، وما لأهل الجحود والإنكار إلى العزة في قسمهم إلا الذلة والافتقار، وفي الآخرة إلا العذاب الشديد في دركات النار، { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } [الأعراف: 53] فإذا كشف جلال الغيب وانتفى عن قلوبهم أغطية الدين فلا بكاء لهم ينفع، ولا دعاء لهم يسمع، ولا شكوى عنهم ترفع، ولا شافع لهم يشفع، ولا دافع عنهم العذاب يدفع، ولا البلوى من دونهم تقطع، { قد خسروا أنفسهم } [الأعراف: 53] بإفساد استعداد نيل الكمالات، وتاهوا في تيه الضلال، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأعراف: 53] من هواجسهم النفسانية ووساوسهم الشيطانية في طلب الدنيا ومتابعة الهوى.
ثم أخبر عن عزة ربوبيته وقدرة ألوهيته بقوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } [الأعراف: 54]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يعرف ذاته إلى الخلق بصفاته وهي: الربوبية، والإلوهية، والقادرية، والخالقية، والمدبرية، والحكيمية، والاستوائية، فقال تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54]، فيشير إلى أن الذي هو ربكم وسيدكم الذي تجب طاعته عليكم لربوبيته هو: الله المستحق للعبادة بالإلوهية، الذي خلق بالقادرية والخالقية السماوات والأرض بالمدبرية والحكيمية خلقها في ستة أيام، وإنما حصر في ستة أيام؛ لأن أنواع المخلوقات ستة وهي:
الأول: الأرواح المجردة.
والثاني: الملكوتيات، فمنها: الملائكة، والجن، والشياطين، وملكوت السماوات، ومنها: العقول المفردات والمركبات.
والثالث: النفوس: كنفوس الكواكب، ونفس الإنسان، ونفس الحيوان، ونفس النبات والمعادن.
والرابع: الأجرام والبساط العلوية من الأجسام اللطيفة كالعرش، والكرسي، والسماوات، والجنة والنار.
والخامس: الأجسام المفردة وهي: العناصر الأربعة.
والسادس: الأجسام المركبة الكثيفة من العناصر فتصير عن خلق كل نوع منها بيوم، وإلا فالأيام الزمانية كونها مستحيل قبل خلق السماوات والأرض، فلما أتم خلق المكونات من الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه التدبير في أموره من العرش إلى تحت الثرى، وإنما اختص العرش بالاستواء؛ لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القابل للفيض الرحمانية.
واعلم أن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا تشبه استواء المخلوقين، كالعلم صفة من صفاته تعالى لا يشبه علم المخلوقين؛ إذ
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[الشورى: 11]، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك عن الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك، وذلك أن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته؛ ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير، فيكون بدنه بمثابة الأرض، ورأسه بمثابة السماء، وقلبه بمثابة العرش، وسره بمثابة الكرسي، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه، ثم استوى الروح بعد استواء من الشخص الكامل على عرش القلب استواءا لا مكانيا لا استواءا مكانيا؛ ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب، فإن القلب هو: القابل لفيض الروح، ثم يفيض على سائر الأعضاء، كما أن من العرش ينصب الفيض الإلهي إلى سائر المخلوقات، فالعرش مقسم فيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها، كما أن القلب مقسم فيض الروح إلى القالب كله، فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافيا، وتحققت حقيقة: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " - إن شاء الله تعالى - فيقول تعالى: { يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا } [الأعراف: 54]، يخبر عن تصرفاته في المماليك بالمدبرية عند استوائه على العرش، وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها وغلبات هواها على نهار أنوار القلب، وإلى نهار القلب في غلبات أنواره واستيلاء المحبة عليه.
{ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } [الأعراف: 54]؛ عنى بالأمر الخطاب بلا واسطة، كما خاطب النار
ينار كوني بردا وسلما
[الأنبياء: 69] بلا واسطة، فكانت؛ يعني: هذه العلويات مدبرات السفليات ومؤثرات فيها؛ لأنها مسخرات بأمرنا بلا واسطة، وهن واسطة بيننا وبين السفليات كتابة للقدرة وإيصالا للتصرف، كما أن يعني حركة القلم بأمر الكاتب بلا واسطة، والكتابة بواسطة القلم تصدر عن الكاتب، { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } [الأعراف: 54]، فسمي ما خلق بأمره من غير واسطة أمرا، وما خلق بواسطة خلقا، وقال تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ أي: له القدرة والتصرف في العالمين بالربوبية ما خلق بالواسطة وما خلق بغير واسطة.
الأعراف 7:53
{ ولقد جئناهم } [الأعراف: 52]؛ يعني: لهؤلاء المنكرين كما جئنا للمؤمنين، { بكتاب فصلناه على علم } [الأعراف: 52]؛ أي: بقرائن مبينا فيه من العلوم ما يكون، { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: 52] به ويهتدون به، فاهتدى المؤمنين به إلى الله، وضل المنكرون والجاحدون به عن الله، { هل ينظرون } [الأعراف: 53]؛ أي: هل ينتظرون الفريقان { إلا تأويله } [الأعراف: 53]؛ أي: ما تؤول إليه عاقبته في شأنهم، فأما المؤمنين فيكشف عنهم الغطاء ويرش عليهم العطاء؛ ليجدوا الشفاء من محنة البعاد، وينالوا الضياء بقرب الوداد، ويصلوا في الدنيا والعقبى؛ أي: جميل المراد، وما لأهل الجحود والإنكار إلى العزة في قسمهم إلا الذلة والافتقار، وفي الآخرة إلا العذاب الشديد في دركات النار، { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } [الأعراف: 53] فإذا كشف جلال الغيب وانتفى عن قلوبهم أغطية الدين فلا بكاء لهم ينفع، ولا دعاء لهم يسمع، ولا شكوى عنهم ترفع، ولا شافع لهم يشفع، ولا دافع عنهم العذاب يدفع، ولا البلوى من دونهم تقطع، { قد خسروا أنفسهم } [الأعراف: 53] بإفساد استعداد نيل الكمالات، وتاهوا في تيه الضلال، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأعراف: 53] من هواجسهم النفسانية ووساوسهم الشيطانية في طلب الدنيا ومتابعة الهوى.
ثم أخبر عن عزة ربوبيته وقدرة ألوهيته بقوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } [الأعراف: 54]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يعرف ذاته إلى الخلق بصفاته وهي: الربوبية، والإلوهية، والقادرية، والخالقية، والمدبرية، والحكيمية، والاستوائية، فقال تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54]، فيشير إلى أن الذي هو ربكم وسيدكم الذي تجب طاعته عليكم لربوبيته هو: الله المستحق للعبادة بالإلوهية، الذي خلق بالقادرية والخالقية السماوات والأرض بالمدبرية والحكيمية خلقها في ستة أيام، وإنما حصر في ستة أيام؛ لأن أنواع المخلوقات ستة وهي:
الأول: الأرواح المجردة.
والثاني: الملكوتيات، فمنها: الملائكة، والجن، والشياطين، وملكوت السماوات، ومنها: العقول المفردات والمركبات.
والثالث: النفوس: كنفوس الكواكب، ونفس الإنسان، ونفس الحيوان، ونفس النبات والمعادن.
والرابع: الأجرام والبساط العلوية من الأجسام اللطيفة كالعرش، والكرسي، والسماوات، والجنة والنار.
والخامس: الأجسام المفردة وهي: العناصر الأربعة.
والسادس: الأجسام المركبة الكثيفة من العناصر فتصير عن خلق كل نوع منها بيوم، وإلا فالأيام الزمانية كونها مستحيل قبل خلق السماوات والأرض، فلما أتم خلق المكونات من الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه التدبير في أموره من العرش إلى تحت الثرى، وإنما اختص العرش بالاستواء؛ لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القابل للفيض الرحمانية.
واعلم أن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا تشبه استواء المخلوقين، كالعلم صفة من صفاته تعالى لا يشبه علم المخلوقين؛ إذ
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[الشورى: 11]، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك عن الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك، وذلك أن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته؛ ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير، فيكون بدنه بمثابة الأرض، ورأسه بمثابة السماء، وقلبه بمثابة العرش، وسره بمثابة الكرسي، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه، ثم استوى الروح بعد استواء من الشخص الكامل على عرش القلب استواءا لا مكانيا لا استواءا مكانيا؛ ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب، فإن القلب هو: القابل لفيض الروح، ثم يفيض على سائر الأعضاء، كما أن من العرش ينصب الفيض الإلهي إلى سائر المخلوقات، فالعرش مقسم فيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها، كما أن القلب مقسم فيض الروح إلى القالب كله، فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافيا، وتحققت حقيقة: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " - إن شاء الله تعالى - فيقول تعالى: { يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا } [الأعراف: 54]، يخبر عن تصرفاته في المماليك بالمدبرية عند استوائه على العرش، وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها وغلبات هواها على نهار أنوار القلب، وإلى نهار القلب في غلبات أنواره واستيلاء المحبة عليه.
{ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } [الأعراف: 54]؛ عنى بالأمر الخطاب بلا واسطة، كما خاطب النار
ينار كوني بردا وسلما
[الأنبياء: 69] بلا واسطة، فكانت؛ يعني: هذه العلويات مدبرات السفليات ومؤثرات فيها؛ لأنها مسخرات بأمرنا بلا واسطة، وهن واسطة بيننا وبين السفليات كتابة للقدرة وإيصالا للتصرف، كما أن يعني حركة القلم بأمر الكاتب بلا واسطة، والكتابة بواسطة القلم تصدر عن الكاتب، { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } [الأعراف: 54]، فسمي ما خلق بأمره من غير واسطة أمرا، وما خلق بواسطة خلقا، وقال تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ أي: له القدرة والتصرف في العالمين بالربوبية ما خلق بالواسطة وما خلق بغير واسطة.
الأعراف 7:54
{ ولقد جئناهم } [الأعراف: 52]؛ يعني: لهؤلاء المنكرين كما جئنا للمؤمنين، { بكتاب فصلناه على علم } [الأعراف: 52]؛ أي: بقرائن مبينا فيه من العلوم ما يكون، { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: 52] به ويهتدون به، فاهتدى المؤمنين به إلى الله، وضل المنكرون والجاحدون به عن الله، { هل ينظرون } [الأعراف: 53]؛ أي: هل ينتظرون الفريقان { إلا تأويله } [الأعراف: 53]؛ أي: ما تؤول إليه عاقبته في شأنهم، فأما المؤمنين فيكشف عنهم الغطاء ويرش عليهم العطاء؛ ليجدوا الشفاء من محنة البعاد، وينالوا الضياء بقرب الوداد، ويصلوا في الدنيا والعقبى؛ أي: جميل المراد، وما لأهل الجحود والإنكار إلى العزة في قسمهم إلا الذلة والافتقار، وفي الآخرة إلا العذاب الشديد في دركات النار، { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } [الأعراف: 53] فإذا كشف جلال الغيب وانتفى عن قلوبهم أغطية الدين فلا بكاء لهم ينفع، ولا دعاء لهم يسمع، ولا شكوى عنهم ترفع، ولا شافع لهم يشفع، ولا دافع عنهم العذاب يدفع، ولا البلوى من دونهم تقطع، { قد خسروا أنفسهم } [الأعراف: 53] بإفساد استعداد نيل الكمالات، وتاهوا في تيه الضلال، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأعراف: 53] من هواجسهم النفسانية ووساوسهم الشيطانية في طلب الدنيا ومتابعة الهوى.
ثم أخبر عن عزة ربوبيته وقدرة ألوهيته بقوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } [الأعراف: 54]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يعرف ذاته إلى الخلق بصفاته وهي: الربوبية، والإلوهية، والقادرية، والخالقية، والمدبرية، والحكيمية، والاستوائية، فقال تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54]، فيشير إلى أن الذي هو ربكم وسيدكم الذي تجب طاعته عليكم لربوبيته هو: الله المستحق للعبادة بالإلوهية، الذي خلق بالقادرية والخالقية السماوات والأرض بالمدبرية والحكيمية خلقها في ستة أيام، وإنما حصر في ستة أيام؛ لأن أنواع المخلوقات ستة وهي:
الأول: الأرواح المجردة.
والثاني: الملكوتيات، فمنها: الملائكة، والجن، والشياطين، وملكوت السماوات، ومنها: العقول المفردات والمركبات.
والثالث: النفوس: كنفوس الكواكب، ونفس الإنسان، ونفس الحيوان، ونفس النبات والمعادن.
والرابع: الأجرام والبساط العلوية من الأجسام اللطيفة كالعرش، والكرسي، والسماوات، والجنة والنار.
والخامس: الأجسام المفردة وهي: العناصر الأربعة.
والسادس: الأجسام المركبة الكثيفة من العناصر فتصير عن خلق كل نوع منها بيوم، وإلا فالأيام الزمانية كونها مستحيل قبل خلق السماوات والأرض، فلما أتم خلق المكونات من الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه التدبير في أموره من العرش إلى تحت الثرى، وإنما اختص العرش بالاستواء؛ لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القابل للفيض الرحمانية.
واعلم أن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا تشبه استواء المخلوقين، كالعلم صفة من صفاته تعالى لا يشبه علم المخلوقين؛ إذ
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[الشورى: 11]، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك عن الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك، وذلك أن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته؛ ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير، فيكون بدنه بمثابة الأرض، ورأسه بمثابة السماء، وقلبه بمثابة العرش، وسره بمثابة الكرسي، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه، ثم استوى الروح بعد استواء من الشخص الكامل على عرش القلب استواءا لا مكانيا لا استواءا مكانيا؛ ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب، فإن القلب هو: القابل لفيض الروح، ثم يفيض على سائر الأعضاء، كما أن من العرش ينصب الفيض الإلهي إلى سائر المخلوقات، فالعرش مقسم فيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها، كما أن القلب مقسم فيض الروح إلى القالب كله، فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافيا، وتحققت حقيقة: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " - إن شاء الله تعالى - فيقول تعالى: { يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا } [الأعراف: 54]، يخبر عن تصرفاته في المماليك بالمدبرية عند استوائه على العرش، وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها وغلبات هواها على نهار أنوار القلب، وإلى نهار القلب في غلبات أنواره واستيلاء المحبة عليه.
{ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } [الأعراف: 54]؛ عنى بالأمر الخطاب بلا واسطة، كما خاطب النار
ينار كوني بردا وسلما
[الأنبياء: 69] بلا واسطة، فكانت؛ يعني: هذه العلويات مدبرات السفليات ومؤثرات فيها؛ لأنها مسخرات بأمرنا بلا واسطة، وهن واسطة بيننا وبين السفليات كتابة للقدرة وإيصالا للتصرف، كما أن يعني حركة القلم بأمر الكاتب بلا واسطة، والكتابة بواسطة القلم تصدر عن الكاتب، { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } [الأعراف: 54]، فسمي ما خلق بأمره من غير واسطة أمرا، وما خلق بواسطة خلقا، وقال تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ أي: له القدرة والتصرف في العالمين بالربوبية ما خلق بالواسطة وما خلق بغير واسطة.
الأعراف 7:55
ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذا بالحقائق بقوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } [الأعراف: 55] إلى قوله: { تذكرون } [الأعراف: 57].
الإشارة فيها: إنه تعالى لما رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين يديه، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، والتضرع: ما يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعا بالجوارح وخفية بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعا قياما بأداء حق العبودية وخفية بمطالعة حق الربوبية، { إنه لا يحب المعتدين } [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه والرضا بما سواه، { ولا تفسدوا في الأرض } [الأعراف: 56] في أرض القلوب، { بعد إصلاحها } [الأعراف: 56]؛ أي: بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق.
ويقال: من إفساد القلوب بعد إصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، { وادعوه خوفا وطمعا } [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحدا غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضا { وادعوه خوفا } من الانقطاع، { وطمعا } في الاصطناع، وأيضا: خوفا من الاثنينية، وطمعا في الوحدة.
{ إن رحمت الله } [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، { قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] الذين يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعا فيه لا منه، { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت } [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، { فأنزلنا به المآء } [الأعراف: 57] المحبة، { فأخرجنا به من كل الثمرات } [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، { كذلك نخرج الموتى } [الأعراف: 57] موتى القلوب من قبور الصدور، { لعلكم تذكرون } [الأعراف: 57]؛ أي: تذكروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس.
ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله،
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حيا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كما هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها.
{ كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، { لقوم يشكرون } [الأعراف: 58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.
الأعراف 7:56
ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذا بالحقائق بقوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } [الأعراف: 55] إلى قوله: { تذكرون } [الأعراف: 57].
الإشارة فيها: إنه تعالى لما رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين يديه، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، والتضرع: ما يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعا بالجوارح وخفية بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعا قياما بأداء حق العبودية وخفية بمطالعة حق الربوبية، { إنه لا يحب المعتدين } [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه والرضا بما سواه، { ولا تفسدوا في الأرض } [الأعراف: 56] في أرض القلوب، { بعد إصلاحها } [الأعراف: 56]؛ أي: بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق.
ويقال: من إفساد القلوب بعد إصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، { وادعوه خوفا وطمعا } [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحدا غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضا { وادعوه خوفا } من الانقطاع، { وطمعا } في الاصطناع، وأيضا: خوفا من الاثنينية، وطمعا في الوحدة.
{ إن رحمت الله } [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، { قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] الذين يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعا فيه لا منه، { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت } [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، { فأنزلنا به المآء } [الأعراف: 57] المحبة، { فأخرجنا به من كل الثمرات } [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، { كذلك نخرج الموتى } [الأعراف: 57] موتى القلوب من قبور الصدور، { لعلكم تذكرون } [الأعراف: 57]؛ أي: تذكروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس.
ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله،
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حيا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كما هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها.
{ كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، { لقوم يشكرون } [الأعراف: 58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.
الأعراف 7:57
ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذا بالحقائق بقوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } [الأعراف: 55] إلى قوله: { تذكرون } [الأعراف: 57].
الإشارة فيها: إنه تعالى لما رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين يديه، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، والتضرع: ما يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعا بالجوارح وخفية بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعا قياما بأداء حق العبودية وخفية بمطالعة حق الربوبية، { إنه لا يحب المعتدين } [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه والرضا بما سواه، { ولا تفسدوا في الأرض } [الأعراف: 56] في أرض القلوب، { بعد إصلاحها } [الأعراف: 56]؛ أي: بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق.
ويقال: من إفساد القلوب بعد إصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، { وادعوه خوفا وطمعا } [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحدا غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضا { وادعوه خوفا } من الانقطاع، { وطمعا } في الاصطناع، وأيضا: خوفا من الاثنينية، وطمعا في الوحدة.
{ إن رحمت الله } [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، { قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] الذين يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعا فيه لا منه، { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت } [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، { فأنزلنا به المآء } [الأعراف: 57] المحبة، { فأخرجنا به من كل الثمرات } [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، { كذلك نخرج الموتى } [الأعراف: 57] موتى القلوب من قبور الصدور، { لعلكم تذكرون } [الأعراف: 57]؛ أي: تذكروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس.
ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله،
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حيا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كما هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها.
{ كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، { لقوم يشكرون } [الأعراف: 58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.
الأعراف 7:58
ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذا بالحقائق بقوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } [الأعراف: 55] إلى قوله: { تذكرون } [الأعراف: 57].
الإشارة فيها: إنه تعالى لما رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله:
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين يديه، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، والتضرع: ما يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعا بالجوارح وخفية بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعا قياما بأداء حق العبودية وخفية بمطالعة حق الربوبية، { إنه لا يحب المعتدين } [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه والرضا بما سواه، { ولا تفسدوا في الأرض } [الأعراف: 56] في أرض القلوب، { بعد إصلاحها } [الأعراف: 56]؛ أي: بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق.
ويقال: من إفساد القلوب بعد إصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، { وادعوه خوفا وطمعا } [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحدا غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضا { وادعوه خوفا } من الانقطاع، { وطمعا } في الاصطناع، وأيضا: خوفا من الاثنينية، وطمعا في الوحدة.
{ إن رحمت الله } [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، { قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] الذين يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعا فيه لا منه، { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت } [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، { فأنزلنا به المآء } [الأعراف: 57] المحبة، { فأخرجنا به من كل الثمرات } [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، { كذلك نخرج الموتى } [الأعراف: 57] موتى القلوب من قبور الصدور، { لعلكم تذكرون } [الأعراف: 57]؛ أي: تذكروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس.
ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله،
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حيا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كما هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها.
{ كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، { لقوم يشكرون } [الأعراف: 58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.
الأعراف 7:59
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } [الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم } [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها.
ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته.
ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية الله والوصول إليه.
الأعراف 7:60
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } [الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم } [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها.
ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته.
ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية الله والوصول إليه.
الأعراف 7:61
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } [الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم } [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها.
ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته.
ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية الله والوصول إليه.
الأعراف 7:62
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } [الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم } [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها.
ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته.
ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية الله والوصول إليه.
الأعراف 7:63
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } [الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم } [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها.
ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته.
ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية الله والوصول إليه.
الأعراف 7:64
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
{ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } [الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: 61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } [الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم } [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } [الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب وصفاته، والنفس وصفاتها.
ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى الله تعالى وعبوديته.
ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة والدين، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية الله والوصول إليه.
الأعراف 7:65
ثم أخبر عن قوم هود عليه السلام بقوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } [الأعراف: 65]، القصة الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى قوله: { الكاذبين } [الأعراف: 66]، إشارة إلى أن قلوب قوم هود أيضا نسخة خبيثة كما كانت لقوم نوح لم يخرج منها الأنكد، فلما أراد هود عليه السلام أن يبذر فيها بذر التوحيد والمعرفة لم تكن صالحة، فما خرج منها إلا نبت التشقية والتكذيب سلكوا طريق سلفهم وإخوانهم وسنوا بمثل حالهم، { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } [الأعراف: 65].
قال: { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يقوم ليس بي سفاهة } [الأعراف: 66-67]؛ أي: بكم السفاهة، { ولكني رسول من رب العلمين } [الأعراف: 67] وأنتم مكذبي لسفاهتكم، { أبلغكم رسلت ربي وأنا لكم ناصح أمين } [الأعراف: 68] فيما أدعوكم إلى الله، وإن من أسقطته القسمة لم تنفعه النصيحة، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } [الأعراف: 69]؛ أي: يوقظكم من نوم الغفلة، ويخبر عن يوم الحسرة من قوت الدولة، فمن فرط الجهالة وغاية العنادة عجبوا من كون رجل سأل سؤلا، ولم يتعجبوا من كونهم جعلوا الصنم شريكا له!!
{ واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح } [الأعراف: 69] جعل الله الخلق بعضهم خلفا عن بعض، وجعل الكل خلفاء في الأرض ولا يفني جنسا منهم إلا أقام فوجا منهم في ذلك الجنس، فأهل الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، وأهل الوصلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، { وزادكم في الخلق بصطة } [الأعراف: 69] كما زاد قوما على من تقدمهم في بسطة الخلق، وكما وقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المعاني أوقع التفاوت بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
{ فاذكروا ءالآء الله } [الأعراف: 69]؛ أي: إذا لم تستحقوا لذكر الله فاذكروا نعمة الله عليكم، { لعلكم تفلحون } [الأعراف: 69] بذكر الله على الحقيقة، فلما لم يعرفوا قدر نعم الله، { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } [الأعراف: 70] جعلوا الآلهة من فرط جهالتهم وغاية ضلالتهم عدلا لله وشريكا له.
ثم قالوا من عكوفهم على التفرقة: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } [الأعراف: 70] فشتان بين من لا يخرج من عنق التفرقة، ومن لا يجد لحظة عن ستر التوحيد فلا يعبد إلا واحدا، وكما لا يعبد إلا واحدا لا يشهد إلا واحدا، كما قال قائلهم: لا يهتدي قلبي إلى غيركم؛ لأنه سد عليه الطريق، قال: يعني هود في جوابهم، { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } [الأعراف: 71]؛ أي: مقالتكم تدل على حالتكم أنه أحيا بكم سطوات غضب الله وسخطه، فإن من علامات الغضب: الإعراض، ومن إمارات الإعراض والبعد إلى شهود الأغيار وتفريقه إياه في بحار الظنون؛ إذ لا تحصل للأغيار في معنى الإثبات، { ما نزل الله بها من سلطان } [الأعراف: 71].
{ أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ } [الأعراف: 71] الآلهة، { أنتم وآبآؤكم } [الأعراف: 71] من غير أن يكون معكم من الله في ذلك حجة وبرهان، فانتظروا معاملتكم مع الله من الله، { إني معكم من المنتظرين } [الأعراف: 71]؛ يعني: جزاء معاملتكم وجزاء معاملتي، { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } [الأعراف: 72]؛ يعني: جازيناهم على معاملتهم، { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين } [الأعراف: 72]؛ يعني: وجازيناهم على معاملتهم بإهلاكهم، { وما كانوا مؤمنين } ، وفيه إشارة إلى أن هود عليه السلام مع رتبته في النبوة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمة الله هو والذين آمنوا معه؛ ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه.
الأعراف 7:66
ثم أخبر عن قوم هود عليه السلام بقوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } [الأعراف: 65]، القصة الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى قوله: { الكاذبين } [الأعراف: 66]، إشارة إلى أن قلوب قوم هود أيضا نسخة خبيثة كما كانت لقوم نوح لم يخرج منها الأنكد، فلما أراد هود عليه السلام أن يبذر فيها بذر التوحيد والمعرفة لم تكن صالحة، فما خرج منها إلا نبت التشقية والتكذيب سلكوا طريق سلفهم وإخوانهم وسنوا بمثل حالهم، { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } [الأعراف: 65].
قال: { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يقوم ليس بي سفاهة } [الأعراف: 66-67]؛ أي: بكم السفاهة، { ولكني رسول من رب العلمين } [الأعراف: 67] وأنتم مكذبي لسفاهتكم، { أبلغكم رسلت ربي وأنا لكم ناصح أمين } [الأعراف: 68] فيما أدعوكم إلى الله، وإن من أسقطته القسمة لم تنفعه النصيحة، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } [الأعراف: 69]؛ أي: يوقظكم من نوم الغفلة، ويخبر عن يوم الحسرة من قوت الدولة، فمن فرط الجهالة وغاية العنادة عجبوا من كون رجل سأل سؤلا، ولم يتعجبوا من كونهم جعلوا الصنم شريكا له!!
{ واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح } [الأعراف: 69] جعل الله الخلق بعضهم خلفا عن بعض، وجعل الكل خلفاء في الأرض ولا يفني جنسا منهم إلا أقام فوجا منهم في ذلك الجنس، فأهل الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، وأهل الوصلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، { وزادكم في الخلق بصطة } [الأعراف: 69] كما زاد قوما على من تقدمهم في بسطة الخلق، وكما وقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المعاني أوقع التفاوت بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
{ فاذكروا ءالآء الله } [الأعراف: 69]؛ أي: إذا لم تستحقوا لذكر الله فاذكروا نعمة الله عليكم، { لعلكم تفلحون } [الأعراف: 69] بذكر الله على الحقيقة، فلما لم يعرفوا قدر نعم الله، { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } [الأعراف: 70] جعلوا الآلهة من فرط جهالتهم وغاية ضلالتهم عدلا لله وشريكا له.
ثم قالوا من عكوفهم على التفرقة: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } [الأعراف: 70] فشتان بين من لا يخرج من عنق التفرقة، ومن لا يجد لحظة عن ستر التوحيد فلا يعبد إلا واحدا، وكما لا يعبد إلا واحدا لا يشهد إلا واحدا، كما قال قائلهم: لا يهتدي قلبي إلى غيركم؛ لأنه سد عليه الطريق، قال: يعني هود في جوابهم، { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } [الأعراف: 71]؛ أي: مقالتكم تدل على حالتكم أنه أحيا بكم سطوات غضب الله وسخطه، فإن من علامات الغضب: الإعراض، ومن إمارات الإعراض والبعد إلى شهود الأغيار وتفريقه إياه في بحار الظنون؛ إذ لا تحصل للأغيار في معنى الإثبات، { ما نزل الله بها من سلطان } [الأعراف: 71].
{ أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ } [الأعراف: 71] الآلهة، { أنتم وآبآؤكم } [الأعراف: 71] من غير أن يكون معكم من الله في ذلك حجة وبرهان، فانتظروا معاملتكم مع الله من الله، { إني معكم من المنتظرين } [الأعراف: 71]؛ يعني: جزاء معاملتكم وجزاء معاملتي، { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } [الأعراف: 72]؛ يعني: جازيناهم على معاملتهم، { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين } [الأعراف: 72]؛ يعني: وجازيناهم على معاملتهم بإهلاكهم، { وما كانوا مؤمنين } ، وفيه إشارة إلى أن هود عليه السلام مع رتبته في النبوة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمة الله هو والذين آمنوا معه؛ ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه.
الأعراف 7:67
ثم أخبر عن قوم هود عليه السلام بقوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } [الأعراف: 65]، القصة الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى قوله: { الكاذبين } [الأعراف: 66]، إشارة إلى أن قلوب قوم هود أيضا نسخة خبيثة كما كانت لقوم نوح لم يخرج منها الأنكد، فلما أراد هود عليه السلام أن يبذر فيها بذر التوحيد والمعرفة لم تكن صالحة، فما خرج منها إلا نبت التشقية والتكذيب سلكوا طريق سلفهم وإخوانهم وسنوا بمثل حالهم، { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } [الأعراف: 65].
قال: { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يقوم ليس بي سفاهة } [الأعراف: 66-67]؛ أي: بكم السفاهة، { ولكني رسول من رب العلمين } [الأعراف: 67] وأنتم مكذبي لسفاهتكم، { أبلغكم رسلت ربي وأنا لكم ناصح أمين } [الأعراف: 68] فيما أدعوكم إلى الله، وإن من أسقطته القسمة لم تنفعه النصيحة، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } [الأعراف: 69]؛ أي: يوقظكم من نوم الغفلة، ويخبر عن يوم الحسرة من قوت الدولة، فمن فرط الجهالة وغاية العنادة عجبوا من كون رجل سأل سؤلا، ولم يتعجبوا من كونهم جعلوا الصنم شريكا له!!
{ واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح } [الأعراف: 69] جعل الله الخلق بعضهم خلفا عن بعض، وجعل الكل خلفاء في الأرض ولا يفني جنسا منهم إلا أقام فوجا منهم في ذلك الجنس، فأهل الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، وأهل الوصلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، { وزادكم في الخلق بصطة } [الأعراف: 69] كما زاد قوما على من تقدمهم في بسطة الخلق، وكما وقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المعاني أوقع التفاوت بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
{ فاذكروا ءالآء الله } [الأعراف: 69]؛ أي: إذا لم تستحقوا لذكر الله فاذكروا نعمة الله عليكم، { لعلكم تفلحون } [الأعراف: 69] بذكر الله على الحقيقة، فلما لم يعرفوا قدر نعم الله، { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } [الأعراف: 70] جعلوا الآلهة من فرط جهالتهم وغاية ضلالتهم عدلا لله وشريكا له.
ثم قالوا من عكوفهم على التفرقة: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } [الأعراف: 70] فشتان بين من لا يخرج من عنق التفرقة، ومن لا يجد لحظة عن ستر التوحيد فلا يعبد إلا واحدا، وكما لا يعبد إلا واحدا لا يشهد إلا واحدا، كما قال قائلهم: لا يهتدي قلبي إلى غيركم؛ لأنه سد عليه الطريق، قال: يعني هود في جوابهم، { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } [الأعراف: 71]؛ أي: مقالتكم تدل على حالتكم أنه أحيا بكم سطوات غضب الله وسخطه، فإن من علامات الغضب: الإعراض، ومن إمارات الإعراض والبعد إلى شهود الأغيار وتفريقه إياه في بحار الظنون؛ إذ لا تحصل للأغيار في معنى الإثبات، { ما نزل الله بها من سلطان } [الأعراف: 71].
{ أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ } [الأعراف: 71] الآلهة، { أنتم وآبآؤكم } [الأعراف: 71] من غير أن يكون معكم من الله في ذلك حجة وبرهان، فانتظروا معاملتكم مع الله من الله، { إني معكم من المنتظرين } [الأعراف: 71]؛ يعني: جزاء معاملتكم وجزاء معاملتي، { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } [الأعراف: 72]؛ يعني: جازيناهم على معاملتهم، { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين } [الأعراف: 72]؛ يعني: وجازيناهم على معاملتهم بإهلاكهم، { وما كانوا مؤمنين } ، وفيه إشارة إلى أن هود عليه السلام مع رتبته في النبوة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمة الله هو والذين آمنوا معه؛ ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه.