Lafzullah

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي — التوبة 9:45 – التوبة 9:45

المؤلف / المصدر: نجم الدين أحمد بن عمر الرازي المعروف بـ«داية» (ت 618هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 0618NajmDinAhmadIbnCumar.Tawilat.Tafsir03097-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. التوبة 9:45

التوبة 9:45

ثم أخبر عن ترك النصر كما لم يضره كذلك لا يضره ترك الخروج بقوله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله } [التوبة: 40] إلا تنصروه يا أرباب الصورة بأن تكونوا معه فقد نصره الله في عالم الحقيقة بأن كان معه، { إذ أخرجه الذين كفروا } [التوبة: 40] من مكة ولم يخرجوا معه بالنصر إلا أبو بكر رضي الله عنه، { ثاني اثنين إذ هما في الغار } [التوبة: 40] الوحدة الأزلية والخلوة الحبيبية، إذ لا يسعه ملك مقرب ولا نبي مرسل حين لا حين، وكان الله ولم يكن معه شيء فخلق ببديع فطرته أول ما خلق الله نور وجود حبيبه، فكان ثاني اثنين في غار الغيرة ومقام المعية، وله صلى الله عليه وسلم مع الله وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى أن شرف الله تعالى أبا بكر رضي الله عنه باختصاص هذين القائلين بتبعيته صلى الله عليه وسلم؛ أعني: مقام ثاني اثنين ومقام العندية كما قال تعالى: { ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } [التوبة: 40]، وأنه تعالى متكلم به من الأزل إلى الأبد فدل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان مكرما في الأزل بهذه الكرامة وهو ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال، فكما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا كان أبا بكر ثانيه فقط، فكذلك لما خرج من العدم كان أبو بكر ثانيه وفي عالم الأرواح، بل كان ثانيه في غار العدم، ولم يكن لأحد من الخلق هذا الاختصاص من معه غير أبي بكر رضي الله عنه والذي يدل قوله صلى لله عليه وسلم: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". وكان أبو بكر رضي الله عنه ثانيه في سباق الطلب والسير إلى الله تعالى في الجاهلية، والذي يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته " ، وكان ثانيه في الإسلام دل عليه قوله تعالى: والذي جآء بالصدق وصدق به [الزمر: 33] وكان ثانيه في إمامة المسلمين يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه: " مروا أبا بكر فليصل بالناس " فلما كان أبو بكر رضي الله عنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة وفي خلال حياته في مقامات وأحوال كثيرة، فقد تعين أن يكون ثانيه بعد وفاته في الخلافة كما قاله صلى الله عليه وسلم: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " والذي يؤكد قولنا في أن أبا بكر كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، وأنه كان متعينا للخلافة بعدما أورده الشيخ الفضل بن سهل في تصديق خلافة أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه خير الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن خلافته حق واجب من الله تعالى. قال الله عز وجل: { ثاني اثنين إذ هما في الغار } حصل له في كل أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثانيه فأطلق القول أنه ثاني اثنين، ولم يعلقه بأنه ثاني اثنين في الغار فيكون ثانيه بحضوره معه في الغار فيكون مخصوصا بثانيه في الغار فقط، فلما قال: { إذ هما } دل على عموم الحال حتى يقول دليل بأنه مخصوص بثانيه في الغار فقال: ومن النبي صلى الله عليه وسلم واجب في عظم الدين وهو بأصحابه في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلف. وذكر فيه بإسناده إلى عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: " " ليؤم الناس أبو بكر " فقالت عائشة لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله إن أبا بكر رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فقال: " يؤم الناس أبو بكر " وقالت: فأعدت ذلك، فقال: " مه إنكن لأنتن صواحب يوسف ليؤم الناس أبو بكر " وقال: لما عورض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سهل الخلقة لين الجانب أجل وأغلظ لحضور الحق الذي لا يجوز غيره وهذا بين لا خفاء فيه. وقال دليل آخر أن خلافته حق لا يجوز غيره ما أخبرنا محمد بن بكر، وذكر إسنادها إلى عبد الله بن زمعة قال: لما استعز بالنبي صلى الله عليه وسلم وسلم وأنا عنده في نفر من الناس دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مروا أبا بكر يصلي بالناس، قال: فخرجنا، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: يا عمر، قم فصل للناس، فتقدم فكبر، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته - وكان عمر رجلا مجهرا - قال: فأين أبو بكر؟ يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس ". قال: لولا أنه حق لا يجوز غيره ما أعيدت تلك الصلاة ولولا أنه حق واجب ينظر بأبي بكر لكان في الناس غير عمر حضور وغيب، وبعث إلى أبي بكر وهو غائب ونادى الصلاة؛ لأنه حضر وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الصلاة في ذلك الوقت خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان غير ذلك لم تجب الإعادة، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر والصحابة بأجمعهم خلف عبد الرحمن بن عوف وهم في مسيرهم إلى تبوك فجاز ولم يوجب إعادة، ولو لم يعد تلك الصلاة كانت الخلافة شرعا لمن كان، فلما أعيدت تأكدت الخلافة. ثم ذكر دليلا وكيدا آخر بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر " ، فلما قال " من بعدي " دل على أن الخلافة لهما حق، فأمره بالاقتداء بهما حق واجب. وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فخرجت معه فدخل حائطا من حيطان الأنصار فدخلت معه فقال: يا أنس أغلق الباب فأغلقته، فإذا برجل يقرع الباب فقال: يا أنس افتح له وبشره بالجنة، وأخبره أنه يلي أمتي من بعدي فذهبت أفتح له لا أدري من هو فإذا هو أبو بكر فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ". وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن سفينة قال: " بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ووضع حجرا، ثم قال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجر إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء من بعدي ". ثم روى عن زيد بن وهب بإسناده قال علي رضي الله عنه: استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر في صلاتنا، واختاره لنا فرضينا لدنيانا من استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاتنا، ثم ذكر دلائل خلافته كثيرة يطول ذكرها، فتحقق أن أبا بكر رضي الله عنه كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة إلى أن كان ثانيه في القبر بعد وفاته، وثانيه فيما صب الله في صدره من أسرار النبوة كما قال صلى الله عليه وسلم: " ما صب الله في صدري شيئا إلا وصببته في صدر أبي بكر " وبذلك استحق أن يكون ثانيه في الخلافة من بعده. والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته عليه } [التوبة: 40] يعني: على أبي بكر في الغار، { وأيده بجنود لم تروها } [التوبة: 40] وهي حقائق الإيمان، ودقائق العرفان، ودقائق الإيقان من سوابق الإحسان ولواحق العيان ولا يبعد أن إنزال السكينة كان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم والتأييد بالجنود له. ثم صب النبي صلى الله عليه وسلم ما صب الله تعالى في صدره من حقائق السكينة والتأييد في صدر أبي بكر رضي الله عنه بتصرف قوله: " لا تحزن إن الله معنا " فنزلت السكينة على أبي بكر وحصل له التأييد بقوله صلى الله عليه وسلم: " ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما " ليستحق بذلك كله أن يكون ثانيه في الخلافة. { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } [التوبة: 40] يشير به إلى الذين ارتدوا من العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة، فقهرهم الله تعالى وأظهر أبا بكر عليهم، { وكلمة الله هي العليا } [التوبة: 40] وهي قول الحق الذي قاله الصديق: " والله لو منعوا عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه " ، { والله عزيز } [التوبة: 40] يعز بعزته أولياءه بالنصر، { حكيم } [التوبة: 40] فيما يذل بحكمته أعداءه بالقهر. ثم أخبر عن حق الأولياء على قهر الأعداء بقوله تعالى: { انفروا خفافا } [التوبة: 41] إلى قوله: والله عليم بالظالمين [التوبة: 47] انفروا أيها الطلاب في طلب الحق خفافا مجردين من علائق الأولاد والأهالي منقطعين من علائق الأموال والأملاك، { وثقالا } [التوبة: 41] مشمولين ومتأهلين، وأيضا خفافا من قطع علائق تعلقات الكونين وثقالا معتصمين بحبل الثقلين، وأيضا خفافا مجذوبين بالعناية وثقالا سالكين بالهداية، { وجاهدوا بأموالكم } [التوبة: 41] بإنفاقها، { وأنفسكم } [التوبة: 41] ببذلها، { في سبيل الله } [التوبة: 41] في السير إلى الله على قدمي بذل الأموال والنفس، وإنما قدم أثقال المال في طلب الحق على بذل النفس؛ لأن بذل النفس مع بقاء الصفات الذميمة غير معتبر، وإنما الاعتبار بأن ينقي النفس عن دنس صفاتها، ثم تفنى ببذلها في الله بالله لله، فإن من صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها، فأشار بإنفاق المال إلى ترك الدنيا؛ لينقطع عن النفس وصفاتها ما هو مادة تربيتها وتقوية صفاتها. { ذلكم خير لكم } [التوبة: 41] يعني: ترك الدنيا وبذل النفس خير لكم في طلب الحق من المال والنفس، { إن كنتم تعلمون } [التوبة: 41] قدر طلب الحق وعزة السير إليه، فإن الحاصل من المال والنفس الوزر والوبال، والحاصل من طلب الحق الوصول والوصال، ثم قال تعالى: { لو كان عرضا قريبا } [التوبة: 42] لو كان مطلوبك يا محمد الدنيا، وزينتها، { وسفرا قاصدا } [التوبة: 42] وهي تتبع شهوات النفس وهواها، { لاتبعوك } [التوبة: 42] أرباب النفوس وطلاب الدنيا، { ولكن بعدت عليهم الشقة } [التوبة: 42] ولأنها الخروج عن الدنيا وزينتها وترك شهواتها وقهر النفس وقمع صفاتها فلم يكونوا متابعيك. { وسيحلفون بالله } [التوبة: 42] يعني: أرباب النفوس، { لو استطعنا لخرجنا معكم } [التوبة: 42] يا أرباب القلوب من الدنيا وما فيها كما خرجتم عنها، { يهلكون أنفسهم } [التوبة: 42] في مهالك شهوات الدنيا؛ إذ لم يخرجوا عنها وما يخلفون عن عدم الاستطاعة للخروج، { والله يعلم إنهم لكاذبون } [التوبة: 42] فيما يخلفون؛ لأن استطاعة الخروج شاملة لكافة الخلق مركوزة في جبلتهم. ثم قال تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } [التوبة: 43] قدم العفو على العتاب تصديقا وتحقيقا؛ لقوله تعالى: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2]، وقوله تعالى: { لم أذنت لهم } ما كان على وجه الكتاب حقيقة؛ بل كان على وجه إظهار لطفه معه وكمال رأفته في حقه؛ لقوله: { لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا } [التوبة: 43] جعل فائدة عدم الإذن راجعة إليه صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره؛ يعني: ليحصل ذلك العلم والمعرفة بمن صدقك أنه مؤمن، { وتعلم الكاذبين } [التوبة: 43] المنافقين من المؤمنين الصادقين. ثم بين تعالى الصادقين والكاذبين فقال: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } [التوبة: 44] أي: إن يطلب الإذن المقصود عن الجهاد والمعنوي والصوري من لم يكن إيمانه بالنور الإلهي الموجب لليقين؛ بل يكون إيمانه تقلدا ونفاقا، { أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين } [التوبة: 44] { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم } [التوبة: 45] عند عدم الإيقان. { فهم في ريبهم } [التوبة: 45] أي: في ظلمة ريبهم، { يترددون } [التوبة: 45] بين أوصافهم الذميمة النفسانية والطبائع الحيوانية لا داعية لهم في الخروج عنها إلى الأنوار الروحانية والأخلاق الربانية.