الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الانفطار 82:1 – المطففين 83:36
المحتويات
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
الانفطار 82:1
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:2
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:3
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:4
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:5
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:6
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:7
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:8
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:9
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:10
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:11
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:12
تفسير سورة الانفطار
تسع عشرة آية، مكية.
١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ {١ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٢ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٤ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ٨ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ } [الانفطار: ١-١٢].
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥].
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] تساقطت.
وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة.
إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها.
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره.
١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ
حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ
ويدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥].
قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان.
إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون.
قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية.
يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان.
وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره.
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي
صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة.
فنظمه محمد ابن السماك، فقال:
يا كاتم الذنب أما تسحتي... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله... وستره طول مساويكا
وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به.
وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا.
وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:
يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه
وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة.
وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين.
والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء.
قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا.
كما تقول: صرفتك إلى كذا.
ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء.
وقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم.
يدل على صحة هذا التفسير ما
١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨].
١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا
أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ».
١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ.
وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك.
قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن.
ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم.
ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،
كاتبين يكتبون أعمال بني آدم.
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر.
١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ".
وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوم يعقدون التسبيح.
فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين.
الانفطار 82:13
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
الانفطار 82:14
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
الانفطار 82:15
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
الانفطار 82:16
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
الانفطار 82:17
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
الانفطار 82:18
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
الانفطار 82:19
إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ١٦ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ١٩ } [الانفطار: ١٣-١٩].
قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا.
لفي نعيم الجنة في الآخرة.
١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]
قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لفي جحيم عظيم من النار.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، فإنك تعلم ما لك عند الله.
قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤ } [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين.
قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٨].
ثم أخبر عنه، فقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة.
وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين.
والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
المطففين 83:1
تفسير سورة المطففين
ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ {١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٦ } [المطففين: ١-٦].
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «خمس بخمس».
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ {٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ } [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
المطففين 83:2
تفسير سورة المطففين
ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ {١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٦ } [المطففين: ١-٦].
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «خمس بخمس».
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ {٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ } [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
المطففين 83:3
تفسير سورة المطففين
ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ {١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٦ } [المطففين: ١-٦].
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «خمس بخمس».
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ {٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ } [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
المطففين 83:4
تفسير سورة المطففين
ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ {١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٦ } [المطففين: ١-٦].
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «خمس بخمس».
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ {٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ } [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
المطففين 83:5
تفسير سورة المطففين
ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ {١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٦ } [المطففين: ١-٦].
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «خمس بخمس».
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ {٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ } [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
المطففين 83:6
تفسير سورة المطففين
ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ {١ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٦ } [المطففين: ١-٦].
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «خمس بخمس».
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله عز وجل إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ {٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ٥ } [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: مَبْعُوثُونَ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] حتى بلغ: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
المطففين 83:7
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:8
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:9
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:10
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:11
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:12
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:13
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:14
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:15
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:16
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:17
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ٨ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٩ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٠ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ١٧ } [المطففين: ٧-١٧].
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨].
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
لكافر.
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ [المطففين: ٦]، وأن قوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
يصدقون.
ثم استأنف: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، رحمه الله، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين: ١٧].
المطففين 83:18
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:19
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:20
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:21
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:22
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:23
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:24
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:25
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:26
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:27
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:28
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ٢٠ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ } [المطففين: ١٨-٢٨].
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {٢٢ عَلَى الأَرَائِكِ} [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢].
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
مَخْتُومٍ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ».
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: تَسْنِيمٍ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
المطففين 83:29
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:30
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:31
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:32
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:33
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:34
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:35
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
المطففين 83:36
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ {٢٩ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ٣٢ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ٣٣ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ } [المطففين: ٢٩-٣٦].
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {٣٤ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٣٥ } [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.